عرض مشاركة واحدة
  #53  
قديم 04-07-2012, 05:14 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

تفسير سورة نوح

و هي مكية و عدد آياتها ثمان و عشرون آية

قال المهايميّ
: سميت به لاشتمالها على تفاصيل دعوته و أدعيته .

(
إنّا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم
) يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام أنه أرسله إلى قومه , رحمة لهم و إنذارا لهم من عذاب الله الأليم , خوفا من استمرارهم على كفرهم , فيهلكهم الله هلاكا أبديا , و يعذبهم عذابا سرمديا .

(
قال يا قوم إنّي لكم نذير مبين
) أي : أخوفكم من عواقب كفركم بالله و شرككم به .

(
أن اعبدوا الله و اتّقوه و أطيعون
) أي : اعبدوا الله وحده و لا تشركوا به شيئا و اتقوه فلاتعصوه بترك عبادته و لا بالشرك به , و أطيعون فيما آمركم به و أنهاكم عنه لأني مبلغ عن الله ربي و ربكم , و لا آمركم إلا بما يكملكم و يسعدكم و لا أنهاكم إلا عما يضركم و لا يسركم .

(
يغفر لكم من ذنوبكم و يؤخركم إلى أجل مسمّى
) إذا فعلتم ما أمرتكم به و صدقتم ما أرسلت به إليكم , غفر الله لكم ذنوبكم – و بالتالي يحصل لهم النجاة من العذاب , و الفوز بالثواب – و يمد في أعماركم و يدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما أنهاكم عنه , أوقعه بكم .

(
إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخّر لو كنتم تعلمون
) إن العذاب الذي كتبه على من كذب و تولى محقق غير مؤخر فلو كنتم من أهل العلم و النظر لأنبتم إلى ربكم فتبتم إليه و استغفرتموه .

(
قال ربّ إني دعوت قومي ليلا و نهارا
) قال نوح عليه السلام - بعد أن بذل غاية الجهد في دعوة قومه , و ضاقت عليه الحيل , في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاما - و هو يشكو إلى ربّه إني دعوة قومي إلى عبادتك و توحيدك ليل نهار , و ذلك امتثالا لأمرك و ابتغاءً لطاعتك .

(
فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارا
) أي : كلما دعوتهم إلى الإيمان بك و عبادتك وحدك , فرُّوا مني و من الحق الذي أرسلتني به .

(
و إني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم ) و إنما كلما دعوتهم ليؤمنوا بك و يتوبوا إليك لتغفر لهم سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه – كما أخبر تعالى عن كفار قريش " و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون
" – و تغطوا بثيابهم من كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في الدين , و بُعدا عن الحق و بغضا له .

(
و أصروا و استكبروا استكبارا
) أي : استمروا على ما هم فيه من الشرك و الكفر العظيم الفظيع , و تعاظموا عن الإذعان للحق و قبول ما دعوتهم إليه من النصيحة .

(
ثم إني دعوتهم جهارا ثم إنّي أعلنت لهم و أسررت لهم إسرارا
) ثم إني دعوتهم إلى توحيدك في عبادتك و إلى ترك الشرك فيها مرة بعد مرة , على وجوه متنوعة , ما بين مجاهرة و إظهار بلا خفاء , و ما بين إعلان و صياح بهم , و ما بين إسرار فيما بيني و بينهم في خفاء , و هذه المراتب أقصى ما يمكن للآمر بالمعروف , و الناهي عن المنكر أن يقوم بها .

(
فقلت استغفروا ربكم إنّه كان غفّارا
) أي : ارجعوا إليه و ارجعوا عما أنتم فيه و توبوا إليه من قريب , فإنه من تاب إليه تاب عليه , و لو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر و الشرك .

(
يرسل السماء عليكم مدرارا
) أي نزل عليكم المطر متتابعا , يروي الشعاب و الوهاد , و يحيي البلاد و العباد .

(
و يمددكم بأموال و بنين
) أي : يكثر أموالكم التي تدركون بها ما تطلبون من الدنيا و أولادكم .

( و
يجعل لكم جنات و يجعل لكم أنهارا
) أي : و جعل لكم بساتين فيها أنواع الثمار , و خللها بالأنهار الجارية بينها .

(
ما لكم لا ترجون لله وقارا
) أي : أي شيء جعلكم لا ترون لله عظمة إذ تشركون معه ما لا يسمع و لا يبصر , فلا تخافون من بأسه و نقمته .

(
و قد خلقكم أطوارا
) أي خلقكم حالا بعد حال , فطورا نطفة , و طورا علقة , و طورا مضغة .. و هكذا طورا بعد طور . و مقتضى علم ذلك شدة الرهبة من بطشه و أخذه , لعظيم قدرته .

(
ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا
) أي : كل سماء فوق الأخرى .

(
و جعل القمر فيهنّ نورا و جعل الشّمس سراجا ) ففاوت بينهما في الإستنارة , فجعل كلا منهما أنموذجا على حدة , ليعرف الليل و النهار بمطلع الشمس و مغيبها , و قدر القمر منازل و بروجا , و فاوت نوره , فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستسر , ليدل على مضي الشهور و الأعوام , كما قال تعالى " هو الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و قدّره منازل لتعلموا عدد السّنين و الحساب ما خلق الله ذلك إلاّ بالحقّ يفصّل الآيات لقوم يعلمون
" .

(
و الله أنبتكم من الأرض نباتا
) إذ أصلكم من تراب , و النطف أيضا من الغذاء المكون من التراب , ثم خلقتكم تشبه النبات و هي على نظامه في الحياة و النماء .

(
ثم يعيدكم فيها
) أي : في الأرض بعد الموت فتدفنون فيها .

(
و يخرجكم إخراجا
) أي : يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة .

(
و الله جعل لكم الأرض بساطا
) أي : مفروشة مبسوطة صالحة للعيش فيها و الحياة عليها .

(
لتسلكوا منها سُبلا فجاجا
) أي : خلقها لكم لتستقروا عليها و تسلكوا فيها أين شئتم , من نواحيها و أرجائها و أقطارها .

و كل هذا مما ينبههم به نوح عليه السلام على قدرة الله و عظمته في خلق السماوات و الأرض , و نعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية و الأرضية , فهو الخالق الرازق , جعل السماء بناءً , و الأرض مهادا , و أوسع على خلقه من رزقه , فهو الذي يجب أن يعبد و يوحد و لا يشرك به أحد , لأنه لا نظير له و لا عديل له , و لا ندّ و لا كفء , و لا صاحبة و لا ولد , و لا وزير و لا مشير , بل هو العلي الكبير .

يتبع ...
رد مع اقتباس