تفسير سورة نوح
و هي مكية و عدد آياتها ثمان و عشرون آية
قال المهايميّ : سميت به لاشتمالها على تفاصيل دعوته و أدعيته .
( إنّا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام أنه أرسله إلى قومه , رحمة لهم و إنذارا لهم من عذاب الله الأليم , خوفا من استمرارهم على كفرهم , فيهلكهم الله هلاكا أبديا , و يعذبهم عذابا سرمديا .
( قال يا قوم إنّي لكم نذير مبين ) أي : أخوفكم من عواقب كفركم بالله و شرككم به .
( أن اعبدوا الله و اتّقوه و أطيعون ) أي : اعبدوا الله وحده و لا تشركوا به شيئا و اتقوه فلاتعصوه بترك عبادته و لا بالشرك به , و أطيعون فيما آمركم به و أنهاكم عنه لأني مبلغ عن الله ربي و ربكم , و لا آمركم إلا بما يكملكم و يسعدكم و لا أنهاكم إلا عما يضركم و لا يسركم .
( يغفر لكم من ذنوبكم و يؤخركم إلى أجل مسمّى ) إذا فعلتم ما أمرتكم به و صدقتم ما أرسلت به إليكم , غفر الله لكم ذنوبكم – و بالتالي يحصل لهم النجاة من العذاب , و الفوز بالثواب – و يمد في أعماركم و يدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما أنهاكم عنه , أوقعه بكم .
( إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخّر لو كنتم تعلمون ) إن العذاب الذي كتبه على من كذب و تولى محقق غير مؤخر فلو كنتم من أهل العلم و النظر لأنبتم إلى ربكم فتبتم إليه و استغفرتموه .
( قال ربّ إني دعوت قومي ليلا و نهارا ) قال نوح عليه السلام - بعد أن بذل غاية الجهد في دعوة قومه , و ضاقت عليه الحيل , في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاما - و هو يشكو إلى ربّه إني دعوة قومي إلى عبادتك و توحيدك ليل نهار , و ذلك امتثالا لأمرك و ابتغاءً لطاعتك .
( فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارا ) أي : كلما دعوتهم إلى الإيمان بك و عبادتك وحدك , فرُّوا مني و من الحق الذي أرسلتني به .
( و إني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم ) و إنما كلما دعوتهم ليؤمنوا بك و يتوبوا إليك لتغفر لهم سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه – كما أخبر تعالى عن كفار قريش " و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون " – و تغطوا بثيابهم من كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في الدين , و بُعدا عن الحق و بغضا له .
( و أصروا و استكبروا استكبارا ) أي : استمروا على ما هم فيه من الشرك و الكفر العظيم الفظيع , و تعاظموا عن الإذعان للحق و قبول ما دعوتهم إليه من النصيحة .
( ثم إني دعوتهم جهارا ثم إنّي أعلنت لهم و أسررت لهم إسرارا ) ثم إني دعوتهم إلى توحيدك في عبادتك و إلى ترك الشرك فيها مرة بعد مرة , على وجوه متنوعة , ما بين مجاهرة و إظهار بلا خفاء , و ما بين إعلان و صياح بهم , و ما بين إسرار فيما بيني و بينهم في خفاء , و هذه المراتب أقصى ما يمكن للآمر بالمعروف , و الناهي عن المنكر أن يقوم بها .
( فقلت استغفروا ربكم إنّه كان غفّارا ) أي : ارجعوا إليه و ارجعوا عما أنتم فيه و توبوا إليه من قريب , فإنه من تاب إليه تاب عليه , و لو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر و الشرك .
( يرسل السماء عليكم مدرارا ) أي نزل عليكم المطر متتابعا , يروي الشعاب و الوهاد , و يحيي البلاد و العباد .
( و يمددكم بأموال و بنين ) أي : يكثر أموالكم التي تدركون بها ما تطلبون من الدنيا و أولادكم .
( و يجعل لكم جنات و يجعل لكم أنهارا ) أي : و جعل لكم بساتين فيها أنواع الثمار , و خللها بالأنهار الجارية بينها .
( ما لكم لا ترجون لله وقارا ) أي : أي شيء جعلكم لا ترون لله عظمة إذ تشركون معه ما لا يسمع و لا يبصر , فلا تخافون من بأسه و نقمته .
( و قد خلقكم أطوارا ) أي خلقكم حالا بعد حال , فطورا نطفة , و طورا علقة , و طورا مضغة .. و هكذا طورا بعد طور . و مقتضى علم ذلك شدة الرهبة من بطشه و أخذه , لعظيم قدرته .
( ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ) أي : كل سماء فوق الأخرى .
( و جعل القمر فيهنّ نورا و جعل الشّمس سراجا ) ففاوت بينهما في الإستنارة , فجعل كلا منهما أنموذجا على حدة , ليعرف الليل و النهار بمطلع الشمس و مغيبها , و قدر القمر منازل و بروجا , و فاوت نوره , فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستسر , ليدل على مضي الشهور و الأعوام , كما قال تعالى " هو الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و قدّره منازل لتعلموا عدد السّنين و الحساب ما خلق الله ذلك إلاّ بالحقّ يفصّل الآيات لقوم يعلمون " .
( و الله أنبتكم من الأرض نباتا ) إذ أصلكم من تراب , و النطف أيضا من الغذاء المكون من التراب , ثم خلقتكم تشبه النبات و هي على نظامه في الحياة و النماء .
( ثم يعيدكم فيها ) أي : في الأرض بعد الموت فتدفنون فيها .
( و يخرجكم إخراجا ) أي : يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة .
( و الله جعل لكم الأرض بساطا ) أي : مفروشة مبسوطة صالحة للعيش فيها و الحياة عليها .
( لتسلكوا منها سُبلا فجاجا ) أي : خلقها لكم لتستقروا عليها و تسلكوا فيها أين شئتم , من نواحيها و أرجائها و أقطارها .
و كل هذا مما ينبههم به نوح عليه السلام على قدرة الله و عظمته في خلق السماوات و الأرض , و نعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية و الأرضية , فهو الخالق الرازق , جعل السماء بناءً , و الأرض مهادا , و أوسع على خلقه من رزقه , فهو الذي يجب أن يعبد و يوحد و لا يشرك به أحد , لأنه لا نظير له و لا عديل له , و لا ندّ و لا كفء , و لا صاحبة و لا ولد , و لا وزير و لا مشير , بل هو العلي الكبير .
يتبع ...