عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 04-07-2012, 05:11 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

تفسير سورة المزّمل

و هي مكية و آياتها عشرون آية

(
يأيها المزّمل
) أي المتزمل . أي المتلفف في ثيابه . و هنا خوطب صلى الله عليه و سلم بحكاية حاله وقت نزول الوحي , ملاطفة و تأنيسا و تنشيطا للتشمر لقيام الليل .

(
قم الليل إلا قليلا
) أي صلِّ في الليل إلا قليلا و ذلك بحكم الضرورة للإستراحة , و مصالح البدن و مهماته التي لا يمكن بقاؤه بدونها .

(
نصفه أو انقص منه قليلا أو زِد عليه
) أي : أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل , لا حرج عليك في ذلك .

فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربِّه , فقام مع أصحابه حتى تورمت أقدامهم . ثم خفف الله تعالى عنهم و نزل آخر هذه السورة بالرخصة في ترك القيام الواجب و بقي الندب و الإستحباب .
فقد جاء في
صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها لما سألت عن قيام رسول الله صلى الله عليه و سلم , فقالت لسّائل : ألست تقرأ " يأيها المزّمل " ؟ قال : بلى . قالت : " فإن الله عزّ و جلّ افترض قيام الليل في أوّل هذه السورة , فقام نبيُّ الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه حولا , و أمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السّماء حتّى أنزل الله في آخر هذه السّورة التّخفيف , فصار قيام الليل تطوّعا بعد فريضة
" .

(
و رتّل القرآن ترتيلا ) أي : اقرأه على تمهل , فإنه يكون عونا على فهم القرآن و تدبره . قال الزمخشري : تريل القرآن قراءته على ترسل و تُؤدة , بتبيين الحرف , و إشباع الحركات ... و أن لا يهذّه هذّا , و لا يسرده سردا . قال ابن مسعود
: لا تهذّوا القرآن هذّ الشعر , و لا تنثروه نثر الدقل . قفوا عند عجائبه , و حرّكوا به القلوب , و لا يكن همَّ أحدكم آخر السورة .
قالت حفصة رضي الله عنها : "
و كان يقرأ – أي النبي صلى الله عليه و سلم – بالسُّورة فيرتِّلها حتَّى تكون أطول من أطول منها " رواه مسلم .
و عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : " كانت مدًا , ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم , يمد بسم الله , و يمد الرحمن , و يمد الرحيم " رواه البخاري .
و عن أم سلمة قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقطِّع قراءته , يقرأ : الحمد لله ربّ العالمين , ثم يقف , الرحمن الرحيم , ثم يقف " رواه الترمذي و صححه الألباني
. و قد استدل بالآية على أن الترتيل و التدبُّر , مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها , لأن المقصود من القرآن فهمه و تدبُّره , و الفقه فيه , و العمل به .

(
إنّا سنلقي عليك قولا ثقيلا
) أي نوحي إليك هذا القرآن الثقيل . فإنه ثقيل مهيب ذو تكاليف العمل بها ثقيل , إنها فرائض وواجبات , أعلمه ليوطن نفسه على العمل و يهيئها لحمل الشريعة علما و عملا و دعوة .

(
إنّ ناشئة الليل هي أشدّ وطئا و أقوم قيلا
) إن قيام الليل أقرب إلى تحصيل مقصود القرآن من جعل السمع يواطئ القلب على فهم معاني القرآن و تدبُّرها , بخلاف النهار , فإنه لا يحصل به هذا المقصود , لأنه وقت انتشار الناس و لغط الأصوات و أوقات المعاش .

(
إنّ لك في النّهار سبحا طويلا
) يخبر تعالى رسوله بأن له في النهار أعمالا تشغله عن قراءة القرآن فلذا أرشده إلى قيام الليل و ترتيل القرآن لتفرغه من عمل النهار .

(
و اذكر اسم ربّك ) أي دم على ذكره ليلا نهارا . قال الزمخشري
: و ذكر الله يتناول كل ما كان من ذكر طيب : تسبيح و تهليل و تكبير و تمجيد و توحيد و صلاة و تلاوة قرآن , و دراسة علم , و غير ذلك مما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يستغرق به ساعات ليله و نهاره .

(
و تبتّل إليه تبتيلا
) أخلص له العبادة , و اصرف له طلبك لكل حاجة من أمر دينك أو دنياك .

(
ربُّ المشرق و المغرب لا إله إلاّ هو فاتخذه وكيلا
) أي : هو المالك المتصرف في المشارق و المغارب و ما يكون فيها , الذي لا تنبغي العبادة إلا له و لا تصح الألوهية إلا له . و كما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل في كل ما يهمك فإنه يكفيك و هو على كل شيء قدير .

(
و اصبر على ما يقولون و اهجرهم هجرا جميلا ) يقول تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه و سلم بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه – كقولهم هو ساحر و شاعر و كاهن و مجنون و ما إلى ذلك – و أن يهجرهم هجرا لا عِتاب معه و لا أذية فيه و بالإعراض عن مكافأتهم بالمثل , كما قال تعالى " و دَعْ أذاهم و توكّل على الله
" .

(
و ذرني و المكذّبين
) أي : دعني و إيّاهم , و كِلْ أمرهم إليّ , فإن بي غنية عنك في الإنتقام منهم .

(
أولي النّعمة ) أي : أصحاب النعمة و الغنى , الذين طغوا حين وسّع الله عليهم من رزقه , و أمدهم من فضله كما قال تعالى " كلاّ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى
" .

(
و مهّلهم قليلا ) أي : تمهل عليهم زمانا و لا تستعجل فإني كافيكهم , قال تعالى " نُمتّعهم قليلا ثمّ نضطّرهم إلى عذاب غليظ
" .

(
إنّ لدينا أنكالا و جحيما و طعاما ذا غصّة و عذابا أليما
) أي : عندنا للمكذبين بك في الآخرة قيودا من حديد و نارا مستعرة محرقة , و طعاما ذا غصّة لمرارته و بشاعته , و كراهة طعمه و ريحه الخبيث المنتن , فلا يستسيغه آكله و هو مع كل هذا ينشب في الحلق فلا يدخل و لا يخرج . و عذابا موجعا مفظعا .

(
يوم ترجف الأرض و الجبال
) أي : تضطرب و ترتجّ بالزلزال .

(
و كانت الجبال كثيبا مهيلا
) أي : تصير ككثبان الرمل بعدما كانت حجارة صماء , ثم إنها تنسف نسفا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب , حتى تصير الأرض مستوية لاشيء فيها منخفض و لاشيء فيها مرتفع .

يتبع ...
رد مع اقتباس