عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 04-07-2012, 05:09 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

تفسير سورة المدثر

و هي مكية و آياتها ست و خمسون آية

لما أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه و سلم في غار حراء و قرأ عليه أوائل سورة العلق , فتر الوحي عنه صلى الله عليه و سلم مدة , ثم بعدها أنزلت سورة المدثر , فكانت أول شيء نزل عليه الصلاة و السلام بعد فترة الوحي .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم و هو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : "
فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء , فرفعت بصري قِبَل السماء , فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء و الأرض , فجُئِثْت منه حتى هويت إلى الأرض , فجئت أهلي , فقلت : زملوني زملوني , فزملوني , فأنزل الله " يأيها المدّثر , قم فأنذر " إلى " فاهجر " . رواه البخاري و مسلم

جُئِثْت
: أي ذُعرت و خفت .

(
يأيها المدّثر
) أي : المتلفف في ثيابه – و هو النبي صلى الله عليه و سلم – لأنه كان على تلك الحالة وقت نزول الوحي .
و في هذا النداء ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذْ ناداه بحاله , و عبر عنه بصفته , ليستشعر اللين و العطف من ربه سبحانه و تعالى .

(
قم فأنذر
) قم من مضجعك و دثارك و شمر عن ساق العزم و أنذر قومك في مكة و كل الثقلين – الإنس و الجن – من وراء مكة , أنذرهم عذاب النار على الكفر و الشرك بالواحد القهار . و بهذا حصل الإرسال , كما حصل بأوائل سورة العلق النبوة .

(
و ربّك فكبر
) أي : وربّك فعظمه تعظيما يليق بجلاله و كماله فإنه الأكبر الذي لا أكبر منه و العظيم الذي لا أعظم منه , فلا تذل إلا له و لا ترغب إلا فيه و كبره بأعمالك فلا تأت منها إلاّ ما أذن لك فيه أو أمرك به .

(
و ثيابك فطهّر ) أي طهر ثيابك من النجاسات مخالفا بذلك ما عليه قومك . قال ابن زيد
: كان المشركون لا يتطهرون , فأمره الله أن يتطهر , و أن يطهر ثيابه .

(
و الرّجز فاهجر
) أي و الأصنام التي يعبدها قومك فاهجرها و اتركها و لا تقربها .

(
و لا تمنن تستكثر
) لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها , بمعنى : لا تعط شيئا لتعطى أكثر منه .

(
و لربّك فاصبر
) إجعل صبرك على أذى المشركين لوجه الله عز و جل .

(
فإذا نُقر في الناقور ) فإذا نفخ في الصور – قال مجاهد
: و هو كهيئة القرن – للقيام من القبور , و جمع الخلق للبعث و النشور .

(
فذلك يومئذ يوم عسير
) أي صعب لا يحتمل و لا يطاق لكثرة أهواله و شدائده .

(
على الكافرين غير يسير ) أي : غير سهل عليهم , كما قال تعالى " يقول الكافرون هذا يوم عسر
" . و في هذه الآية دليل على أن حال المؤمنين في عرصات القيامة غير حال الكافرين في الشدة و البلاء .

يقول الله تعالى متوعدا لهذا الخبيث – و هو الوليد بن المغيرة حيث نزلت فيه هذه الآيات الآتية – الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا فكفر بأنعم الله , و بدلها كفرا , و قابلها بالجحود بآيات الله و الإفتراء عليها , و جعلها من قول البشر .
وقد عدد الله عليه نعمه حيث قال :

(
ذرني و من خلقت وحيدا
) أي دعني و الذي خلقته منفردا , بلا مال و لا أهل , و لا غيره , فلم أزل أنميه و أعطيه . عن ابن عباس : كان الوليد يقول أنا الوحيد ابن الوحيد ليس لي في العرب نظير و لا لأبي المغيرة نظير .

(
و جعلت له مالا ممدودا
) أي واسعا كثيرا .

(
و بنين شهودا ) قال مجاهد
: " لا يغيبون , أي : حضورا عنده لا يسافرون بالتجارات , بل مواليهم و أجراؤهم يتولون ذلك عنهم و هم قعود عند أبيهم يتمتع بهم و يتملّى بهم " . و هذا أبلغ في النعمة .

(
و مهّدت له تمهيدا
) أي بسطت له في العيش و العمر و الولد و الجاه العريض في ديار قومه حتى كان يلقب بريحانة قريش .

(
ثم يطمع أن أزيد
) يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا .

(
كلا
) أي لا يكون ما يأمل و يرجو .

(
إنّه كان لآياتنا عنيدا
) أي : معاندا , عرفها ثم أنكرها , و دعته إلى الحق فلم ينقد لها .

(
سأرهقه صعودا
) أي : سأكلفه عذابا شاقا لا قِبل له به , و لا راحة فيه .

(
إنّه فكّر
) أي ماذا يقول في هذه الآيات الكريمات و الذكر الحكيم .

(
و قدّر
) أي في نفسه ما يقوله و هيّأه

(
فقتل كيف قدّر
) أي لعن , كيف قدّر ذلك الإفتراء الباطل , و اختلق ما يكذبه وجدانه فيه .

(
ثم قتل كيف قدّر
) تكرير للمبالغة في التعجب منه , و قد اعتيد فيمن عجب غاية العجب أنه يكثر من التعجب و يكرره . و " ثم " للدلالة على الثانية أبلغ في التعجب من الأولى للعطف ب " ثم " الدالة على تفاوت الرتبة . فكأنه قيل : قتل بنوع ما من القتل , لا بل قتل بأشده و أشده . و لذا ساغ العطف فيه , مع أنه تأكيد .

(
ثمّ نظر ) أي : أعاد النظرة و التروي في ذلك المقدّر . قال الرازي
: و هذه المرتبة الثالثة من أحوال قلبه . فالنظر الأول للإستخراج , و اللاحق للتقدير , و هذا هو الإحتياط .

(
ثم عبس
) أي قبض ما بين عينيه , و قطب وجهه كِبرا و تهيؤا لقذف تلك الكبيرة .

(
و بسر
) أي كلح وجهه فاسودّ . شأن اللئيم في مراوغته و مخاتلته , و الحسود في آثار حقده على صفحات وجهه .

(
ثم أدبر و استكبر
) أي : صُرف عن الحق , و رجع القهقري مستكبرا عن الإنقياد للقرآن .

(
فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ) أي : هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله و يحكيه عنهم , و لهذا قال ( إن هذا إلاّ قول البشر
) .

(
سأصليه سقر
) سأغمره في نار جهنم من جميع جهاته

(
و ما أدراك ما سقر
) هذا تهويل لأمرها و إظهار لعظمتها .

(
لا تبقي و لا تذر
) أي : تأكل لحومهم و عروقهم و عَصبهم و جلودهم , ثم تُبدل غير ذلك , و هم في ذلك لا يموتون و لا يحيون .

(
لوَّاحة للبشر
) أي : تحرق الجلود و تسوّدها .

(
عليها تسعة عشر
) أي على سقر ملائكة عظيم خَلقهم , غليظ خُلقهم , يقال لهم الخزنة وعدتهم تسعة عشر ملكا .

(
و ما جعلنا أصحاب النّار
) أي خزنتها .

(
إلاّ ملائكة
) و هم أقوى الخلق بأسا , و أشدهم غضبا لله , لا يقاومون و لا يغالبون .

(
و ما جعلنا عدّتهم إلا فتنة للذين كفروا
) إنما ذكرنا عدّتهم أنهم تسعة عشر اختبارا منّا للناس و فتنة يفتتن بها الكافرون , فيجعلوها موضع البحث و الهزء .

(
ليستيقن الذين أوتوا الكتاب
) أي : يعلمون أن هذا الرسول حق , فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله .

(
و يزداد الذين آمنوا إيمانا
) أي : يزداد الذين آمنوا إيمانا فوق إيمانهم بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد صلى الله عليه و سلم .

(
و لا يرتاب الذين أوتوا الكتاب و المؤمنون
) أي : حتى لا يقعوا في ريب و شك في يوم من الأيام لما اكتسبوا من المناعة بتضافر الكتابين على حقيقة واحدة .

(
و ليقول الذين في قلوبهم مرض
) أي : شك و شبهة و نفاق .

(
و الكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا
) أي : أي شيء أراده الله بهذا الخبر الغريب , خبر عدَّة خزنة جهنّم , قالوا هذا استنكارا و تكذيبا .

(
كذلك يضل الله من يشاء و يهدي من يشاء
) أي : مثل إضلال مُنكر هذا العدد و هُدى مصدقه , يضل الله من يشاء إضلاله , فيجعل ما أنزله على رسوله زيادة شقاء عليه و حيرة , و يهدي من يشاء هدايته , فيجعل ما أنزله الله على رسوله رحمة في حقه , و زيادة في إيمانه و دينه .

يتبع.....
رد مع اقتباس