تفسير سورة المدثر
و هي مكية و آياتها ست و خمسون آية
لما أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه و سلم في غار حراء و قرأ عليه أوائل سورة العلق , فتر الوحي عنه صلى الله عليه و سلم مدة , ثم بعدها أنزلت سورة المدثر , فكانت أول شيء نزل عليه الصلاة و السلام بعد فترة الوحي .
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم و هو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : " فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء , فرفعت بصري قِبَل السماء , فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء و الأرض , فجُئِثْت منه حتى هويت إلى الأرض , فجئت أهلي , فقلت : زملوني زملوني , فزملوني , فأنزل الله " يأيها المدّثر , قم فأنذر " إلى " فاهجر " . رواه البخاري و مسلم
جُئِثْت : أي ذُعرت و خفت .
( يأيها المدّثر ) أي : المتلفف في ثيابه – و هو النبي صلى الله عليه و سلم – لأنه كان على تلك الحالة وقت نزول الوحي .
و في هذا النداء ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذْ ناداه بحاله , و عبر عنه بصفته , ليستشعر اللين و العطف من ربه سبحانه و تعالى .
( قم فأنذر ) قم من مضجعك و دثارك و شمر عن ساق العزم و أنذر قومك في مكة و كل الثقلين – الإنس و الجن – من وراء مكة , أنذرهم عذاب النار على الكفر و الشرك بالواحد القهار . و بهذا حصل الإرسال , كما حصل بأوائل سورة العلق النبوة .
( و ربّك فكبر ) أي : وربّك فعظمه تعظيما يليق بجلاله و كماله فإنه الأكبر الذي لا أكبر منه و العظيم الذي لا أعظم منه , فلا تذل إلا له و لا ترغب إلا فيه و كبره بأعمالك فلا تأت منها إلاّ ما أذن لك فيه أو أمرك به .
( و ثيابك فطهّر ) أي طهر ثيابك من النجاسات مخالفا بذلك ما عليه قومك . قال ابن زيد : كان المشركون لا يتطهرون , فأمره الله أن يتطهر , و أن يطهر ثيابه .
( و الرّجز فاهجر ) أي و الأصنام التي يعبدها قومك فاهجرها و اتركها و لا تقربها .
( و لا تمنن تستكثر ) لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها , بمعنى : لا تعط شيئا لتعطى أكثر منه .
( و لربّك فاصبر ) إجعل صبرك على أذى المشركين لوجه الله عز و جل .
( فإذا نُقر في الناقور ) فإذا نفخ في الصور – قال مجاهد : و هو كهيئة القرن – للقيام من القبور , و جمع الخلق للبعث و النشور .
( فذلك يومئذ يوم عسير ) أي صعب لا يحتمل و لا يطاق لكثرة أهواله و شدائده .
( على الكافرين غير يسير ) أي : غير سهل عليهم , كما قال تعالى " يقول الكافرون هذا يوم عسر " . و في هذه الآية دليل على أن حال المؤمنين في عرصات القيامة غير حال الكافرين في الشدة و البلاء .
يقول الله تعالى متوعدا لهذا الخبيث – و هو الوليد بن المغيرة حيث نزلت فيه هذه الآيات الآتية – الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا فكفر بأنعم الله , و بدلها كفرا , و قابلها بالجحود بآيات الله و الإفتراء عليها , و جعلها من قول البشر .
وقد عدد الله عليه نعمه حيث قال :
( ذرني و من خلقت وحيدا ) أي دعني و الذي خلقته منفردا , بلا مال و لا أهل , و لا غيره , فلم أزل أنميه و أعطيه . عن ابن عباس : كان الوليد يقول أنا الوحيد ابن الوحيد ليس لي في العرب نظير و لا لأبي المغيرة نظير .
( و جعلت له مالا ممدودا ) أي واسعا كثيرا .
( و بنين شهودا ) قال مجاهد : " لا يغيبون , أي : حضورا عنده لا يسافرون بالتجارات , بل مواليهم و أجراؤهم يتولون ذلك عنهم و هم قعود عند أبيهم يتمتع بهم و يتملّى بهم " . و هذا أبلغ في النعمة .
( و مهّدت له تمهيدا ) أي بسطت له في العيش و العمر و الولد و الجاه العريض في ديار قومه حتى كان يلقب بريحانة قريش .
( ثم يطمع أن أزيد ) يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا .
( كلا ) أي لا يكون ما يأمل و يرجو .
( إنّه كان لآياتنا عنيدا ) أي : معاندا , عرفها ثم أنكرها , و دعته إلى الحق فلم ينقد لها .
( سأرهقه صعودا ) أي : سأكلفه عذابا شاقا لا قِبل له به , و لا راحة فيه .
( إنّه فكّر ) أي ماذا يقول في هذه الآيات الكريمات و الذكر الحكيم .
( و قدّر ) أي في نفسه ما يقوله و هيّأه
( فقتل كيف قدّر ) أي لعن , كيف قدّر ذلك الإفتراء الباطل , و اختلق ما يكذبه وجدانه فيه .
( ثم قتل كيف قدّر ) تكرير للمبالغة في التعجب منه , و قد اعتيد فيمن عجب غاية العجب أنه يكثر من التعجب و يكرره . و " ثم " للدلالة على الثانية أبلغ في التعجب من الأولى للعطف ب " ثم " الدالة على تفاوت الرتبة . فكأنه قيل : قتل بنوع ما من القتل , لا بل قتل بأشده و أشده . و لذا ساغ العطف فيه , مع أنه تأكيد .
( ثمّ نظر ) أي : أعاد النظرة و التروي في ذلك المقدّر . قال الرازي : و هذه المرتبة الثالثة من أحوال قلبه . فالنظر الأول للإستخراج , و اللاحق للتقدير , و هذا هو الإحتياط .
( ثم عبس ) أي قبض ما بين عينيه , و قطب وجهه كِبرا و تهيؤا لقذف تلك الكبيرة .
( و بسر ) أي كلح وجهه فاسودّ . شأن اللئيم في مراوغته و مخاتلته , و الحسود في آثار حقده على صفحات وجهه .
( ثم أدبر و استكبر ) أي : صُرف عن الحق , و رجع القهقري مستكبرا عن الإنقياد للقرآن .
( فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ) أي : هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله و يحكيه عنهم , و لهذا قال ( إن هذا إلاّ قول البشر ) .
( سأصليه سقر ) سأغمره في نار جهنم من جميع جهاته
( و ما أدراك ما سقر ) هذا تهويل لأمرها و إظهار لعظمتها .
( لا تبقي و لا تذر ) أي : تأكل لحومهم و عروقهم و عَصبهم و جلودهم , ثم تُبدل غير ذلك , و هم في ذلك لا يموتون و لا يحيون .
( لوَّاحة للبشر ) أي : تحرق الجلود و تسوّدها .
( عليها تسعة عشر ) أي على سقر ملائكة عظيم خَلقهم , غليظ خُلقهم , يقال لهم الخزنة وعدتهم تسعة عشر ملكا .
( و ما جعلنا أصحاب النّار ) أي خزنتها .
( إلاّ ملائكة ) و هم أقوى الخلق بأسا , و أشدهم غضبا لله , لا يقاومون و لا يغالبون .
( و ما جعلنا عدّتهم إلا فتنة للذين كفروا ) إنما ذكرنا عدّتهم أنهم تسعة عشر اختبارا منّا للناس و فتنة يفتتن بها الكافرون , فيجعلوها موضع البحث و الهزء .
( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) أي : يعلمون أن هذا الرسول حق , فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله .
( و يزداد الذين آمنوا إيمانا ) أي : يزداد الذين آمنوا إيمانا فوق إيمانهم بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد صلى الله عليه و سلم .
( و لا يرتاب الذين أوتوا الكتاب و المؤمنون ) أي : حتى لا يقعوا في ريب و شك في يوم من الأيام لما اكتسبوا من المناعة بتضافر الكتابين على حقيقة واحدة .
( و ليقول الذين في قلوبهم مرض ) أي : شك و شبهة و نفاق .
( و الكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ) أي : أي شيء أراده الله بهذا الخبر الغريب , خبر عدَّة خزنة جهنّم , قالوا هذا استنكارا و تكذيبا .
( كذلك يضل الله من يشاء و يهدي من يشاء ) أي : مثل إضلال مُنكر هذا العدد و هُدى مصدقه , يضل الله من يشاء إضلاله , فيجعل ما أنزله على رسوله زيادة شقاء عليه و حيرة , و يهدي من يشاء هدايته , فيجعل ما أنزله الله على رسوله رحمة في حقه , و زيادة في إيمانه و دينه .
يتبع.....
|