عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 04-07-2012, 05:06 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

تفسير سورة القيامة

و هي مكية و آياتها أربعون آية

قال المهايميّ
: سميت به – أي بالقيامة – لتضمنها غاية تعظيم ذلك اليوم , من لا يتناهى ثوابه و عقابه , بحيث تتحسّر فيه كل نفس من تقصيرها , و إن عملت ما عملت .

(
لا أقسم بيوم القيامة ) " لا " أي : ليس الأمر كما يدعي المشركون من أنه لا بعث و لا جزاء . " أقسم بيوم القيامة
" الذي كذب به المكذبون , و هو البعث بعد الموت , و قيام الناس من قبورهم , ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم .

(
و لا أقسم بالنفس اللّوامة
) أي أقسم بالنّفس اللّوامة التي تلوم صاحبها على الخير و الشر , و تندم على ما فات . أنكم لتبعثن و لتحاسبن و لتعاقبن أيها المكذبون الضالون .

قال القاشاني
: جمع بين القيامة و النفس اللوامة , في القسم بهما , تعظيما لشأنهما , و تناسبا بينهما , إذ النفس اللوامة , هي المصدقة بها , المقرة بوقوعها , المهيئة لأسبابها , لأنها تلوم نفسها أبدا في التقصير , و التقاعد عن الخيرات , و إن أحسنت , لحرصها على الزيادة في الخير , و أعمال البر , تيقنا بالجزاء , فكيف بها إن أخطأت و فرطت و بدرت منها بادرة غفلة و نسيانا .

(
أيحسب الإنسان ألّن نّجمع عظامه ) أيظن الإنسان – و المقصود به الكافر – أنا لا نقدر على إعادة عظامه و جمعها من أماكنها المتفرقة ؟ و طبعا ذلك بعد الموت , كما قال في الآية الأخرى " قال من يحيي العظام و هي رميم
" .

(
بلى قادرين على أن نُسوِّي بنانه
) بلى نجمعها – أي عظامه – حال كوننا قادرين على ذلك و على ما هو أعظم و هو تسوية أصابعه بأن نجعلها كخف البعير أو حوافر الحمير , فلا يقدر على العمل الذي يقدر عليه الآن مع تفرقة أصابعه .

(
بل يريد الإنسان ليفجر أمامه
) بل يريد الإنسان أن يستمر على فجوره , و لا يتوب , فلذا أنكر البعث .

(
يسأل أيَّان يوم القيامة ) أي : يقول متى يكون يوم القيامة ؟ و إنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه , و تكذيب لوجوده , كما قال تعالى " و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين , قل لكم مّيعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة و لا تستقدمون
" .

(
فإذا برق البصر ) أي : أن الأبصار تنبهر يوم القيامة و تخشع و تحار و تذل من شدة الأهوال , و من عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور , كما قال تعالى " إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار , مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء
" .

(
و خسف القمر
) أي : ذهب نوره و سلطانه .

(
و جمع الشمس و القمر
) و هما لم يجتمعا منذ خلقهما الله تعالى , فيجمع الله بينهما يوم القيامة , و يخسف القمر , و تكور الشمس , ثم يقذفان في النار , ليرى العباد أنهما عبدان مسخران , و ليرى من عبدهما أنهم كانوا كاذبين .

(
يقول الإنسان يومئذ أين المفر
) إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة , حينئذ يريد أن يفر و يقول : هل من ملجأ أو مهرب ؟

(
كلاّ لا وزر , إلى ربك يومئذ المستقر ) أي لا فرار اليوم و لا ملجأ و لا نجاة – كقوله تعالى " مالكم من ملجأ يومئذ و مالكم من نكير
" – لأحد دون الله , فليس في إمكان أحد أن يستتر أو يهرب عن ذلك الموضع , بل لابد من إيقافه ليجزى بعمله فإما إلى الجنة و إما إلى النار .

(
ينبأ الإنسان يومئذ بما قدّم و أخّر ) أي : يخبر بجميع أعماله قديمها و حديثها , أولها و آخرها , صغيرها و كبيرها , كما قال تعالى " ووجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدا
" .

(
بل الإنسان على نفسه بصيرة , و لو ألقى معاذيره ) أي : عندما يتقدم الإنسان للإستنطاق فيخبر بما قدم و أخّر هناك يحاول أن يتنصل من بعض ذنوبه فتنطق جوارحه و يختم على لسانه فيتخذ من جوارحه شهود عليه , و لو اعتذر و أنكر لا يقبل ذلك لكونه شاهدا على نفسه بجوارحه و لأن استعتابه قد ذهب وقته و زال نفعه " فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم و لا هم يستعتبون
" .

(
لا تحرك به لسانك لتعجل به ) هذا تعليم من الله عز و جل لرسوله صلى الله عليه و سلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك , فإنه كان يبادر إلى أخذه , و يُسابق الملك في قراءته مخافة أن يتفلت منه , فأمره الله عز و جل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له , و تكفل له أن يجمعه في صدره , و أن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه , و أن يبينه له و يفسره و يوضحه . و هذه الآية مثل قوله تعالى " و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه
" .

(
إنّ علينا جمعه
) إنّ نتكفل بجمع القرآن في صدرك , و إثبات حفظه في قلبك , بحيث لا يذهب عليك منه شيء .

(
و قرءانه
) أي : أن تقرأه بعدُ فلا تنسى .

(
فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه
) إذا تلاه عليك جبريل عليه السلام عن الله عز و جل , إستمع له , ثم اقرأه كما أقرأك , و اعمل بشرائعه و أحكامه .

(
ثمّ إنّ علينا بيانه
) أي : إنّا نبيّن لك ما يشكل عليك من معانيه حتى تعمل بكل ما طلب منك أن تعمل به .

و في هذه الآيات أدب لأخذ العلم , أن لا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من المسألة التي شرع فيها , فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه , و كذلك إذا كان في أول الكلام أن لا يبادر برده أو قبوله , حتى يفرغ من ذلك الكلام , ليتبين ما فيه من حق أو باطل , و ليفهمه فهما يتمكن به من الكلام عليه .
و فيها : أن النبي صلى الله عليه و سلم كما بيّن للأمة ألفاظ الوحي , فإنه قد بين لهم معانيه .

(
كلا بل تحبون العاجلة
) أي : إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة و مخالفة ما أنزل الله عز و جل على رسوله صلى الله عليه و سلم من الوحي الحق و القرآن العظيم : أنهم إنما همّتهم و حبهم متوجه إلى دار الدنيا العاجلة , و ذلك بإيثار لذاتها و شهواتها .

(
و تذرون الآخرة
) أي : بالإعراض عن الأعمال التي تورث منازلها , أو تنسون الآخرة ووعيدها , و هول حسابها و جزائها .

(
وجوه يومئذ ناضرة
) أي حسنة بهيَّة مشرقة مسرورة .

(
إلى ربها ناظرة
) أي تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم , منهم من ينظره كل يوم بكرة و عشيا , و منهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة , فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم , و جماله الباهر , الذي ليس كمثله شيء , فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم , و حصل لهم من اللذة و السرور ما لا يمكن التعبير عنه .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "
إذا دخل أهل الجنة الجنة " قال " يقول الله تعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة و تنجنا من النار ؟ " قال : " فيكشف الحجاب , فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم , و هي الزيادة " . ثم تلا هذه الآية : " للذين أحسنوا الحسنى و زيادة " رواه مسلم . و في الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : نظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر , فإن استطعتم ألا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس و لا قبل غروبها فافعلوا
" .

(
ووجوه يومئذ باسرة
) هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة كالحة مسودة عابسة لجهامة هيآتها , و هول ما تراه هناك من الأهوال , و أنواع العذاب و الخسران .

(
تظُنُّ أن يفعل بها فاقرة
) أي تستيقن أنها هالكة و أنه ينتظرها عقوبة شديدة , و عذاب أليم .

(
كلاّ إذا بلغت التراقي ) أي بلغت النفس أعالي الصدر . قال الرازي : يكنى ببلوغ النفس التراقي , عن القرب من الموت . و نظيره قوله تعالى " حتى إذا بلغت الحلقوم
" .

(
و قيل من راق ) قال ابن جرير
: أي وقال أهله : منْ ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به , و طلبوا له الأطباء و المداوين , فلم يغنوا عنه من أمر الله الذي قد نزل به شيئا .

(
و ظنّ أنّه الفراق
) أي أيقن أنه الفراق لدنياه و أهله و ذويه .

(
و التفّت السّاق بالسّاق
) أي : اجتمعت الشدائد و التفت , و عظم الأمر و صعب الكرب , و أريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن , فتساق إلى الله تعالى , حتى يجازيها بأعمالها , و يقررها بفعالها . أو إلتقت إحدى ساقيه بالأخرى و التفتا في الكفن .

(
إلى ربك يومئذ المساق ) أي : المرجع و المآب , و ذلك أن الروح ترفع إلى السموات , فيقول الله عز وجل : ردوا عبدي إلى الأرض , فإني منها خلقتهم , و فيها أعيدهم , و منها أخرجهم تارة أخرى , و قد قال الله تعالى : " و هو القاهر فوق عباده و يرسل عليكم حفظة حتّى إذا جاء أحدكم الموت توفّته رسلنا و هم لا يفرِّطون , ثم ردُّوا إلى الله مولاهم الحقّ ألا له الحكم و هو أسرع الحاسبين
".

(
فلاصدّق و لا صلى , و لكن كذّب و تولّى
) هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه , متوليا عن العمل بقالبه , فلا خير فيه باطنا و لا ظاهرا .
و قد دلّت الآية على أن الكافر يستحق الذم و العقاب بترك الصلاة كما يستحقهما بترك الإيمان .

(
ثمّ ) أي مع هذه التقصيرات في جنب الله تعالى ( ذهب إلى أهله يتمطّى ) أي : يتبختر في مشيته استكبارا و كسلانا لا همة له و لا عمل , كما قال تعالى " و إذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين
" .

(
أولى لك فأولى , ثم أولى لك فأولى
) أي : ويل لك مرة بعد مرة . فهذا تهديد ووعيد أكيد من الله تعالى للكافر به المتبختر في مشيته .

(
أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) أيظن الإنسان أنه سوف يترك في هذه الدنيا مهملا لا يؤمر و لا ينهى , و أنه يترك في القبر سدى لا يبعث , كلا , بل هو مأمور منهي في الدنيا , محشور إلى الله في الدار الآخرة . و المقصود هنا إثبات المعاد , و الرد على من أنكره من أهل الزيغ و الجهل و العناد , و لهذا قال مستدلا على الإعادة بالبداءة فقال " ألم يك نطفة من منيّ يمنى , ثم كان علقى فخلق فسوى
" .

(
ألم يك نطفة من منيّ يمنى
) أي : أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين , يراق من الأصلاب في الأرحام .

(
ثم كان علقة فخلق فسوّى ) ثم صار دما ثم مضغة , ثم شُكِّل و نفخ فيه الروح , فصار خلقا آخر سويا سليم الأعضاء , ذكرا أو أنثى بإذن الله و تقديره , و لهذا قال ( فجعل منه الزوجين الذّكر و الأنثى
) .

(
أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) أي : أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه ؟ .
رد مع اقتباس