تفسير سورة القيامة
و هي مكية و آياتها أربعون آية
قال المهايميّ : سميت به – أي بالقيامة – لتضمنها غاية تعظيم ذلك اليوم , من لا يتناهى ثوابه و عقابه , بحيث تتحسّر فيه كل نفس من تقصيرها , و إن عملت ما عملت .
( لا أقسم بيوم القيامة ) " لا " أي : ليس الأمر كما يدعي المشركون من أنه لا بعث و لا جزاء . " أقسم بيوم القيامة " الذي كذب به المكذبون , و هو البعث بعد الموت , و قيام الناس من قبورهم , ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم .
( و لا أقسم بالنفس اللّوامة ) أي أقسم بالنّفس اللّوامة التي تلوم صاحبها على الخير و الشر , و تندم على ما فات . أنكم لتبعثن و لتحاسبن و لتعاقبن أيها المكذبون الضالون .
قال القاشاني : جمع بين القيامة و النفس اللوامة , في القسم بهما , تعظيما لشأنهما , و تناسبا بينهما , إذ النفس اللوامة , هي المصدقة بها , المقرة بوقوعها , المهيئة لأسبابها , لأنها تلوم نفسها أبدا في التقصير , و التقاعد عن الخيرات , و إن أحسنت , لحرصها على الزيادة في الخير , و أعمال البر , تيقنا بالجزاء , فكيف بها إن أخطأت و فرطت و بدرت منها بادرة غفلة و نسيانا .
( أيحسب الإنسان ألّن نّجمع عظامه ) أيظن الإنسان – و المقصود به الكافر – أنا لا نقدر على إعادة عظامه و جمعها من أماكنها المتفرقة ؟ و طبعا ذلك بعد الموت , كما قال في الآية الأخرى " قال من يحيي العظام و هي رميم " .
( بلى قادرين على أن نُسوِّي بنانه ) بلى نجمعها – أي عظامه – حال كوننا قادرين على ذلك و على ما هو أعظم و هو تسوية أصابعه بأن نجعلها كخف البعير أو حوافر الحمير , فلا يقدر على العمل الذي يقدر عليه الآن مع تفرقة أصابعه .
( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ) بل يريد الإنسان أن يستمر على فجوره , و لا يتوب , فلذا أنكر البعث .
( يسأل أيَّان يوم القيامة ) أي : يقول متى يكون يوم القيامة ؟ و إنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه , و تكذيب لوجوده , كما قال تعالى " و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين , قل لكم مّيعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة و لا تستقدمون " .
( فإذا برق البصر ) أي : أن الأبصار تنبهر يوم القيامة و تخشع و تحار و تذل من شدة الأهوال , و من عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور , كما قال تعالى " إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار , مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء " .
( و خسف القمر ) أي : ذهب نوره و سلطانه .
( و جمع الشمس و القمر ) و هما لم يجتمعا منذ خلقهما الله تعالى , فيجمع الله بينهما يوم القيامة , و يخسف القمر , و تكور الشمس , ثم يقذفان في النار , ليرى العباد أنهما عبدان مسخران , و ليرى من عبدهما أنهم كانوا كاذبين .
( يقول الإنسان يومئذ أين المفر ) إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة , حينئذ يريد أن يفر و يقول : هل من ملجأ أو مهرب ؟
( كلاّ لا وزر , إلى ربك يومئذ المستقر ) أي لا فرار اليوم و لا ملجأ و لا نجاة – كقوله تعالى " مالكم من ملجأ يومئذ و مالكم من نكير " – لأحد دون الله , فليس في إمكان أحد أن يستتر أو يهرب عن ذلك الموضع , بل لابد من إيقافه ليجزى بعمله فإما إلى الجنة و إما إلى النار .
( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدّم و أخّر ) أي : يخبر بجميع أعماله قديمها و حديثها , أولها و آخرها , صغيرها و كبيرها , كما قال تعالى " ووجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدا " .
( بل الإنسان على نفسه بصيرة , و لو ألقى معاذيره ) أي : عندما يتقدم الإنسان للإستنطاق فيخبر بما قدم و أخّر هناك يحاول أن يتنصل من بعض ذنوبه فتنطق جوارحه و يختم على لسانه فيتخذ من جوارحه شهود عليه , و لو اعتذر و أنكر لا يقبل ذلك لكونه شاهدا على نفسه بجوارحه و لأن استعتابه قد ذهب وقته و زال نفعه " فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم و لا هم يستعتبون " .
( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) هذا تعليم من الله عز و جل لرسوله صلى الله عليه و سلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك , فإنه كان يبادر إلى أخذه , و يُسابق الملك في قراءته مخافة أن يتفلت منه , فأمره الله عز و جل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له , و تكفل له أن يجمعه في صدره , و أن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه , و أن يبينه له و يفسره و يوضحه . و هذه الآية مثل قوله تعالى " و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه " .
( إنّ علينا جمعه ) إنّ نتكفل بجمع القرآن في صدرك , و إثبات حفظه في قلبك , بحيث لا يذهب عليك منه شيء .
( و قرءانه ) أي : أن تقرأه بعدُ فلا تنسى .
( فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ) إذا تلاه عليك جبريل عليه السلام عن الله عز و جل , إستمع له , ثم اقرأه كما أقرأك , و اعمل بشرائعه و أحكامه .
( ثمّ إنّ علينا بيانه ) أي : إنّا نبيّن لك ما يشكل عليك من معانيه حتى تعمل بكل ما طلب منك أن تعمل به .
و في هذه الآيات أدب لأخذ العلم , أن لا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من المسألة التي شرع فيها , فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه , و كذلك إذا كان في أول الكلام أن لا يبادر برده أو قبوله , حتى يفرغ من ذلك الكلام , ليتبين ما فيه من حق أو باطل , و ليفهمه فهما يتمكن به من الكلام عليه .
و فيها : أن النبي صلى الله عليه و سلم كما بيّن للأمة ألفاظ الوحي , فإنه قد بين لهم معانيه .
( كلا بل تحبون العاجلة ) أي : إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة و مخالفة ما أنزل الله عز و جل على رسوله صلى الله عليه و سلم من الوحي الحق و القرآن العظيم : أنهم إنما همّتهم و حبهم متوجه إلى دار الدنيا العاجلة , و ذلك بإيثار لذاتها و شهواتها .
( و تذرون الآخرة ) أي : بالإعراض عن الأعمال التي تورث منازلها , أو تنسون الآخرة ووعيدها , و هول حسابها و جزائها .
( وجوه يومئذ ناضرة ) أي حسنة بهيَّة مشرقة مسرورة .
( إلى ربها ناظرة ) أي تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم , منهم من ينظره كل يوم بكرة و عشيا , و منهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة , فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم , و جماله الباهر , الذي ليس كمثله شيء , فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم , و حصل لهم من اللذة و السرور ما لا يمكن التعبير عنه .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إذا دخل أهل الجنة الجنة " قال " يقول الله تعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة و تنجنا من النار ؟ " قال : " فيكشف الحجاب , فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم , و هي الزيادة " . ثم تلا هذه الآية : " للذين أحسنوا الحسنى و زيادة " رواه مسلم . و في الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : نظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر , فإن استطعتم ألا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس و لا قبل غروبها فافعلوا " .
( ووجوه يومئذ باسرة ) هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة كالحة مسودة عابسة لجهامة هيآتها , و هول ما تراه هناك من الأهوال , و أنواع العذاب و الخسران .
( تظُنُّ أن يفعل بها فاقرة ) أي تستيقن أنها هالكة و أنه ينتظرها عقوبة شديدة , و عذاب أليم .
( كلاّ إذا بلغت التراقي ) أي بلغت النفس أعالي الصدر . قال الرازي : يكنى ببلوغ النفس التراقي , عن القرب من الموت . و نظيره قوله تعالى " حتى إذا بلغت الحلقوم " .
( و قيل من راق ) قال ابن جرير : أي وقال أهله : منْ ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به , و طلبوا له الأطباء و المداوين , فلم يغنوا عنه من أمر الله الذي قد نزل به شيئا .
( و ظنّ أنّه الفراق ) أي أيقن أنه الفراق لدنياه و أهله و ذويه .
( و التفّت السّاق بالسّاق ) أي : اجتمعت الشدائد و التفت , و عظم الأمر و صعب الكرب , و أريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن , فتساق إلى الله تعالى , حتى يجازيها بأعمالها , و يقررها بفعالها . أو إلتقت إحدى ساقيه بالأخرى و التفتا في الكفن .
( إلى ربك يومئذ المساق ) أي : المرجع و المآب , و ذلك أن الروح ترفع إلى السموات , فيقول الله عز وجل : ردوا عبدي إلى الأرض , فإني منها خلقتهم , و فيها أعيدهم , و منها أخرجهم تارة أخرى , و قد قال الله تعالى : " و هو القاهر فوق عباده و يرسل عليكم حفظة حتّى إذا جاء أحدكم الموت توفّته رسلنا و هم لا يفرِّطون , ثم ردُّوا إلى الله مولاهم الحقّ ألا له الحكم و هو أسرع الحاسبين ".
( فلاصدّق و لا صلى , و لكن كذّب و تولّى ) هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه , متوليا عن العمل بقالبه , فلا خير فيه باطنا و لا ظاهرا .
و قد دلّت الآية على أن الكافر يستحق الذم و العقاب بترك الصلاة كما يستحقهما بترك الإيمان .
( ثمّ ) أي مع هذه التقصيرات في جنب الله تعالى ( ذهب إلى أهله يتمطّى ) أي : يتبختر في مشيته استكبارا و كسلانا لا همة له و لا عمل , كما قال تعالى " و إذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين " .
( أولى لك فأولى , ثم أولى لك فأولى ) أي : ويل لك مرة بعد مرة . فهذا تهديد ووعيد أكيد من الله تعالى للكافر به المتبختر في مشيته .
( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) أيظن الإنسان أنه سوف يترك في هذه الدنيا مهملا لا يؤمر و لا ينهى , و أنه يترك في القبر سدى لا يبعث , كلا , بل هو مأمور منهي في الدنيا , محشور إلى الله في الدار الآخرة . و المقصود هنا إثبات المعاد , و الرد على من أنكره من أهل الزيغ و الجهل و العناد , و لهذا قال مستدلا على الإعادة بالبداءة فقال " ألم يك نطفة من منيّ يمنى , ثم كان علقى فخلق فسوى " .
( ألم يك نطفة من منيّ يمنى ) أي : أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين , يراق من الأصلاب في الأرحام .
( ثم كان علقة فخلق فسوّى ) ثم صار دما ثم مضغة , ثم شُكِّل و نفخ فيه الروح , فصار خلقا آخر سويا سليم الأعضاء , ذكرا أو أنثى بإذن الله و تقديره , و لهذا قال ( فجعل منه الزوجين الذّكر و الأنثى ) .
( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) أي : أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه ؟ .