واذكر اسم ربك بكرة و أصيلا ) لما كان الصبر يستمد من القيام بطاعة الله , و الإكثار من ذكره , أمره الله بدعائه و تسبيحه و الصلاة له في أول النهار و آخره , فدخل في ذلك , الصلوات المكتوبات و ما يتبعها من النوافل , و الذكر , و التسبيح , و التهليل , و التكبير في هذه الأوقات .
( و من الليل فاسجد له و سبحه ليلا طويلا ) كقوله : " و من الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا " , و كقوله : " يا أيّها المزّمل . قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا . أو زد عليه و رتّل القرآن ترتيلا " – و في هذه الأوامر ما يدل على العناية بقيام الليل و الحرص عليه – و القصد من هذا حثه صلى الله عليه و سلم أن يستعين في دعوة قومه و الصدع بما أمر به , بالصبر على أذاهم و الصلاة و التسبيح . و قد كثر ذلك في مواضع من التنزيل كقوله : " و استعينوا بالصّبر و الصلاة " و قوله : " فاصبر على ما يقولون و سبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل الغروب , و من الليل فسبّحه و أدبار السّجود " .
( إنّ هؤلاء يحبّون العاجلة و يذرون وراءهم يوما ثقيلا ) إنّ الكفار و من أشبههم من المكذبين لك أيها الرسول – بعدما بيّنت لهم الآيات , و رغبوا و رهبوا , و مع ذلك , لم يفد فيهم ذلك شيئا – لا يزالون يؤثرون حبّ الدنيا و الإقبال عليها و الإنصباب إليها , فيسعون لها جهدهم , و إن أهلكوا الحرث و النسل , تاركين للعمل الصالح مهملين له , غير آبهين بما ينتظرهم من يوم شديد مقداره خمسين ألف سنة . فكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا و الإقامة فيها .
( نحن خلقناهم و شددنا أسرهم ) أي : أوجدناهم من العدم , و أحكمنا خلقهم بالأعصاب , و العروق , و الأوتار , و القوى الظاهرة و الباطنة , حتى تمّ الجسم و استكمل , و تمكن من كل ما يريده .
( و إذا شئنا بدّلنا أمثالهم ) و إذا شئنا بعثناهم يوم القيامة , و بدلناهم فأعدناهم خلقا جديدا . و هذا استدلال بالبداءة على الرجعة . و قال ابن زيد و ابن جرير في معنى الآية : و إذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم , كقوله : " إن يشأ يُذهبكم أيّها النّاس و يأت بآخرين و كان الله على ذلك قديرا " , و كقوله : " إن يشأ يذهبكم و يأت بخلق جديد , و ما ذلك على الله بعزيز " .
( إنّ هذه تذكرة ) إن هذه السورة عظة يتذكر بها المؤمن , فينتفع بما فيها من التخويف و الترغيب .
( فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا ) أي : طريقا موصلا إليه , فالله يبين الحق و الهدى , ثم يخير الناس بين الإهتداء بها أو النفور عنها , مع قيام الحجة عليهم .
( و ما تشاءون إلاّ أن يشاء الله ) قال ابن جرير : أي و ما تشاءون اتخاذ السبيل إلى ربكم إلا أن يشاء الله ذلك لكم , لأن الأمر إليه لا إليكم , أي لأن مالم يشأ الله و قوعه من العبد , لا يقع من العبد و ما شاء منه و قوعه , و قع . و هو رديف { ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن } .
( إن الله كان عليما حكيما ) أي : عليم بمن يستحق الهداية فيُيسّرها له , و يقيض له أسبابها , و من يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى , و له الحكمة البالغة , و الحجة الدامغة .