عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 04-07-2012, 04:15 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة النبأ

و تسمى سورة عمّ يتساءلون , و هي مكية و آيها أربعون .

( عمّ يتساءلون ) عن أي شيء يتساءل المكذبون بآيات الله ؟ قال ابن جرير : و ذلك أن قريشا جعلت , فيما ذكرعنها , تختصم و تتجادل في الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم , من الإقرار بنبوته , و التصديق بما جاء به من عند الله تعالى , و الإيمان بالبعث . فقال الله تعالى لنبيه : فيما يتساءل هؤلاء القوم و يختصمون ؟
ثم بيّن ما يتساءلون عنه فقال : " عن النبأ العظيم , الذي هم فيه مختلفون " .

( عن النبأ العظيم ) أي : الخبر الهائل المفظع الباهر , و هو أمر القيامة و البعث بعد الموت .

( الذي هم فيه مختلفون ) يعني : الناس فيه على قولين : مؤمن به و كافر .

( كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ) أي : سيعلمون إذا نزل بهم العذاب ما كانوا به يكذبون , حيث يُدَعُّون إلى نار جهنم دَعَّا , و يقال لهم " هذه النار التي كنتم بها تكذبون " .

ثم شرع الله تعالى يُبَيِّن قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة و الأمور العجيبة , الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد و غيره , فقال :

( ألم نجعل الأرض مِهَادَا ) أي : ممهدة مهيأة لكم و لمصالحكم , من الحروث و المساكن و السبل .

( و الجبال أوتادا ) أي : جعلها للأرض أوتادًا , أرساها بها و ثبتها و قرّرها حتى سكنت و لم تضطرب بمن عليها .

( و خلقناكم أزواجا ) أي ذكورا و إناثا . قال الإمام : ليتم الإئتناس و التعاون على سعادة المعيشة و حفظ النسل و تكميله بالتربية .

( و جلعنا نومكم سباتا ) أي : قَطْعًا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد و السعي في المعايش في عرض النهار .

( و جلعنا الليل لباسا ) أي كاللباس بإحاطة ظلمته بكل أحد , و ستره لهم .

( و جلعنا النهار معاشا ) أي : جعلناه مشرقا منيرا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه و الذهاب و المجيء للمعاش و التكسب و التجارات , و غير ذلك .

( و بنينا فوقكم سبعا شدادا ) أي : السموات السبع في قوتها و صلابتها و شدّتها , و في اتساعها و ارتفاعها و إحكامها و إتقانها , و تزيينها بالكواكب الثوابت و السيارات , و قد أمسكها الله بقدرته , و جعلها سقفا للأرض , لا تفنى و لا تزول إلى أن يأذن سبحانه و تعالى بزوالها .

( وجعلنا سراجا وهّاجا ) يعني : الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم .

( و أنزلنا من المعصرات ) أي السحابات التي حان لها أن تمطر .

( ماءً ثَجَّاجا ) أي منصبّا متتابعا .

( لنخرج به حبًّا و نباتا ) أي لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المُبارك " حبّا " من بُرٍّ و شعير , و ذرة و أرز , و غير ذلك , يدخر للأناسي و الأنعام , و " نباتا " يشمل سائر النبات .

( و جنّاتٍ ألفافا ) أي حدائق ملتفة الشجر , مجتمعة الأغصان , فيها من جميع أصناف الفواكه اللذيذة .

فالذي أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة , التي لا يقدر قدرها , و لا يحصى عدها , كيف تكفرون به و تكذبون ما أخبركم به من البعث و النشور ؟! أم كيف تستعينون بنعمه على معاصيه و تجحدونها ؟!!

( إن يوم الفصل كان ميقاتا ) يخبر تعالى عن يوم الفصل , و هو يوم يفصل بين الناس و يفرق السعداء من الأشقياء , باعتبار تفاوت الأعمال , و هو يوم القيامة , و أنه مؤقت بأجل معدود , لا يزاد عليه و لا ينقص منه , و لا يعلم وقته على التعيين إلا الله عز و جل , كما قال " و ما نُؤَخرُه إلا لأجل معدود " .

( يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ) يوم ينفخ إسرافيل نفخة البعث فتأتون أيها الناس جماعات , جماعات , كل جماعة مع إمامهم , على حسب تباين عقائدهم و أعمالهم و توافقهم , قال تعالى " يوم ندعو كلّ أناس بإمامهم " .

( و فُتحت السماء فكانت أبوابا ) و تشققت السماء حتى تكون طرقا و مسالك لنزول الملائكة منها .

( و سيرت الجبال فكانت سرابا ) أي : رفعت من أماكنها في الهواء , و ذلك يكون بعد تفتيتها و جعلها أجزاء متصاعدة كالهباء , فترى كأنها جبال و ليست بجبال , بل غبار غليظ متراكم , يرى من بعيد كأنه جبل , ثم يذهب ذلك بالكلية , فلا عين و لا أثر كما قال تعالى " و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا , فيذرها قاعا صفصفا , لا ترى فيها عوجا و لا أمتا " .

( إن جنهم كانت مرصادا ) أي موضع رصد , يرصد فيه خزنتها من كان يكذب بها و بالمعاد .

( للطّاغين مأبا ) أي تكون للذين طغوا في الدنيا , فتجاوزوا حدود الله استكبارا على ربهم , منزلا و مرجعا يصيرون إليه .

( لابثين فيها أحقابا ) أي ماكتين فيها دهورا متتابعة إلى غير نهاية , كقوله تعالى " خالدين فيها أبدا " .

( لا يذوقون فيها بردًا و لا شرابا ) لا يجدون في جهنّم ما يبرد جلودهم , و لا ما يدفع ظمأهم .

( إلا حميما ) أي ماء حارًّا إنتهى غليانه , يشوي وجوههم , و يقطع أمعاءهم .

( و غسّاقا ) و هو صديد أهل النار , الذي هو في غاية النتن , و كراهة المذاق , يجمع في حياض , ثم يسقونه .

( جزاءًا وفاقا ) أي : جوزوا بذلك جزاءً موافقا لما ارتكبوه من الأعمال , و قدموه من العقائد و الأخلاق .

( إنهم كانوا لا يرجون حسابا ) أي : لم يكونوا يعتقدون أن ثَم دارًا يجازون فيها و يحاسبون , لذلك أهملوا العمل للآخرة .

( و كذبوا آياتنا كذابا ) أي : و كانوا يكذبون بحجج الله و دلائله على خلقه التي أنزلها على رسله , فيقابلونها بالتكذيب و المعاندة .

( و كل شيء أحصيناه كتابا ) أي : وقد عَلِمنا أعمال العباد كلهم , و كتبناها عليهم , و سنجزيهم على ذلك , إن خيرا فخير , و إن شرا فشر . قال تعالى : " ووضع الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدًا " .

( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) يقال لأهل النار تقريعا و غضبا و تأنيبا لهم من تخفيف العذاب , ذوقوا ما أنتم فيه , فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه . قال عبد الله بن عمرو : لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه : " فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا " . قال : فهم في مزيد من العذاب أبدا .

( إن للمتقين مفازا ) إن الذين اتقوا سخط ربهم , بالتمسك بطاعته , والإنكفاف عما يكرهه , لهم مفاز و منجى , و بُعد عن النار .

( حدائق و أعنابا ) أي : بساتين جامعة لأصناف الأشجار الزاهية . و خص الأعناب بذكره لشرفه و كثرته في تلك الحدائق .

( و كواعب أترابا ) أي حور نواهدهن مستديرة مع ارتفاع يسير , لشبابهن و قوتهن و نضارتهن , و هن في سن واحدة .

( و كأسا دهاقا ) أي ملأى من خمر لذة للشاربين .

( لا يسمعون فيها لغوا و لا كذّابا ) لا يسمعون في الجنة باطلا من القول و لا كذابا .

( جزاءً من ربّك عطاءً حسابا ) هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به جزاءا كافيا وافيا شاملا كثيرا و أعطاهموه , بفضله و منّه و إحسانه و رحمته .

( ربّ السماوات و الأرض و ما بينهما الرحمن ) يخبر تعالى عن عظمته و جلاله , و أنه رب السماوات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما – أي مالكهما و المتصرف فيهما – و أنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء .

( لا يملكون منه خطابا ) أي : لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه كقوله تعالى " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " , و كقوله " يوم يأت لا تكلَّم نفس إلا بإذنه " .

( يوم يقوم الرُّوح ) أي جبريل عليه السلام و هو المعبّر عنه بروح القدس في آية أخرى .

( و الملائكة صفا ) قال القاشاني : أي صافّين في مراتبهم , كقوله تعالى : " و ما منّا إلاّ له مقام معلوم " . و قال الرازي : يحتمل أن يكون المعنى صفًّا واحدا , و يحتمل أنه صفان , و يجوز صفوفا... و رجح بعضهم الأخير , لآية " و جاء ربُّك و الملك صفًّا صفًّا " .

( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا ) أي : لا يتكلمون في الشفاعة كقوله " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " و الضمير للملائكة أو أعمّ كقوله " يوم يأت لا تكلَّم نفس إلا بإذنه " قال الزمخشري : هما شريطتان أن يكون المتكلّم منهم مأذونا له في الكلام , و أن يتكلّم بالصواب , فلا يشفع لغير مرتضى لقوله تعالى " و لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى " .

( ذلك اليوم الحق ) أي الواقع الذي لا يمكن إنكاره و هو يوم الفصل , الذي لا يروج فيه الباطل , و لا ينفع فيه الكذب .

( فمن شاء اتّخذ إلى ربّه مآبا ) أي فمن شاء اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحق , و الإستعداد له و العمل بما فيه , مرجعا حسنا يؤوب إليه . و نجاةً له من أهواله .

( إنّا أنذرناكم عذابا قريبا ) أي : خوفناكم عذابا قريبا جدا – و كل ما هو آت فهو قريب – يبتدئ بالموت و لا ينتهي أبدا .

( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) أي : يعرض عليه جميع أعماله , خيرها و شرها , قديمها و حديثها , كقوله " ووجدوا ما عملوا حاضرا " , و كقوله " يُنَبَّأُ الإنسان يومئذ بما قدّم و أخّر " .

( و يقول الكافر ياليتني كنت ترابا ) أي يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابا , و لم يكن خُلِقَ , و لا خرج إلى الوجود . و ذلك حين عاين عذاب الله , و نظر إلى أعماله الفاسدة قد سطِّرت عليه بأيدي الملائكة السَّفرة الكرام البررة . و قيل : إنه لم يرى البهائم بعد القصاص لها صارت ترابا , يتمنى الكافر و هو في عذايه أن لو كان ترابا مثل البهائم , و لولا العذاب و شدته و دوامه لما تمنى أن يكون ترابا أبدا .
رد مع اقتباس