بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
تفسير سورة النازعات
و تسمى سورة الساهرة , و الطامة , و هي مكية و آيها ست و أربعون .
( و النّازعات غرقا ) أي الملائكة تنزع أرواح الفجار و الكفار عند الموت بشدّة
( و الناشطات نشطا ) أي الملائكة تنشط أرواح المؤمنين الصالحين نشطا أي تسلها برفق .
( و السابحات سبحا ) أي الملائكة مترددات في الهواء صعودا و نزولا .
( فالسابقات سبقا ) أي الملائكة تبادر لأمر الله , فتسبق الشياطين في إيصال الوحي إلى رسل الله حتى لا تسترقه .
( فالمدبرات أمرا ) الملائكة , الذين و كلهم الله أن يدبروا كثيرا من أمور العالم العلوي و السفلي , من الأمطار , و النبات , و الأشجار , و الرياح , و البحار , و الأجنة , و الحيوانات , و الجنة , و النار , و غير ذلك .
هذه الآيات الخمس قسم من الله تعالى عظيم , أقسم به على أنه لابد من البعث و الجزاء و أنه واقع لا محالة , حيث كان المشركون ينكرون ذلك حتى لا يقفوا عند حد في سلوكهم فيواصلوا كفرهم و فسادهم جَرْيا وراء شهوتهم كل أيامهم و طيلة حياتهم قال تعالى " بل يريد الإنسان ليفجر أمامه " .
و تقدير جواب القسم بل تبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم إذ هو معهود في كثير من الإقسام في القرآن كقوله تعالى " زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى و ربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم و ذلك على الله يسير " .
( يوم ترجف الراجفة تتبعها الرّادفة ) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هما النفختان الأولى و الثانية , قال الحسن : أما الأولى فتميت الأحياء , و أما الثانية فتحيي الموتى , ثم تلا " و نُفخ في الصور فصعق من في السماوات و من في الأرض إلاّ من شاء الله ثمّ نُفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " .
( قلوب يومئذ واجفة ) أي شديدة الإضطراب ,خوفا من عظيم الهول النازل .
( أبصارها خاشعة ) أي أبصار أهلها ذليلة حقيرة , مما قد علاها من الكآبة و الحزن , من الخوف و الرعب .
( يقولون أئنا لمردودون في الحافرة , أءذا كنّا عظاما نّخرة ) يعني : مشركي قريش و من قال بقولهم في إنكار المعاد , يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى القبور , و بعد تمزق أجسادهم و تفتت عظامهم , و نخورها قال ابن عباس : و هو العظم إذا بلى و دخلت الريح فيه .
( قالوا تلك إذا كرّة خاسرة ) يعنون أنهم إذا عادوا إلى الحياة مرة أخرى فإن هذه العودة تكون خاسرة , قال ابن زيد : و أي كرة أخسر منها ؟ أحيوا ثم صاروا إلى النار , فكانت كرّة سوء . و قال أبو السعود : هذا حكاية لكفر آخر لهم ,متفرع على كفرهم السابق ... أي قالوا ذلك بطريقة الإستهزاء , مشيرين إلى ما أنكروه من الردة في الحافرة .
( فإنما هي زجرة واحدة ) أي صيحة واحدة , و هو أن يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث , فإذا الأولون و الآخرون قيام بين يدي الربّ عز وجل ينظرون . قال تعالى " و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " و قال تعالى " و ما أمر السّاعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب " .
( فإذا هم بالسّاهرة ) أي على ظهر الأرض أحياء , فيجمعهم الله و يقضي بينهم بحكمه العدل و يجازيهم . و هذه الأرض لم يعمل عليها خطيئة , و لم يَهرَاق عليها دم قال تعالى " يوم تُبدل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار " .
( هل آتاك حديث موسى ) أي : هل سمعت بخبره ؟
( إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) أي ناداه الله تعالى بالوادي المطهر المبارك – المسمى طوى - , و هو واد في أسفل جبل طور سيناء من برية فلسطين . و كلمه فيه , و امتنّ عليه بالرسالة و اختصه بالوحي و الإجتباء فقال له :
( إذهب إلى فرعون إنه طغى ) إذهب إلى فرعون إنه عتا و تكبر و ظلم فأفحش في الظلم و الفساد .
( فقل له هل لّك إلى أن تزكّى ) أي : هل لك في خصلة حميدة , و محمدة جميلة , يتنافس فيها أولوا الألباب , و هي أن تُزكّي نفسك و تطهرها من دنس الكفر و الطغيان , إلى الإيمان و العمل الصالح ؟
( و أهديك إلى ربك ) أي : أدلك إلى عبادة ربك , و أُبَيّن لك مواقع رضاه , من مواقع سخطه .
( فتخشى ) فيصير قلبك خاضعا له مطيعا خاشيا بعد ما كان قاسيا خبيثا بعيدا من الخير . قال الزمخشري : ذكر الخشية لأنها ملاك الأمر , من خشى الله أتى منه كل خير , و من أَمِن اجترأ على كل شر .
( فأراه الآية الكبرى ) فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية , و دليلا واضحا على صدق ما جاء به من عند الله , و هي على ما قاله مجاهد , عصاه و يده . أي عصاه إذ تحولت ثعبانا مبينا , و يده إذ أخرجها بيضاء للناظرين . و إفرادهما لأنهما كالآية الواحدة في الدلالة , أو هي العصا لأنها كانت المقدمة و الأصل , و البقية كالتبع .
( فكذّب و عصى ) فكذب فرعون موسى فيما أتاه من الآيات المعجزة , و دعاها سحرا , و عصاه فيما أمره به من طاعة ربه و خشيته إياه .
( ثم أدبر يسعى ) أي يجتهد في مبارزة الحق و محاربته . و هو جمعُهُ السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى , عليه السلام , من المعجزة الباهرة .
( فحشر ) جمع رجاله و جنده .
( فنادى ) أي ناداه ليعدهم إلى حرب موسى .
( فقال أنا ربكم الأعلى ) يعني أنه لا ربّ فوقه , و بالتالي لا طاعة إلاّ له .
( فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى ) أي : انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة و نكالا لأمثاله من المشركين في الدنيا .
( إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى ) أي في أخذه لفرعون و ما أحل به من العذاب و الخزي , عظة و معتبرا لمن يخاف الله و يخشى عقابه , و يعلم أن هذه سنته في كل من يقاوم الحق و يحاربه , فإن نبأ الأولين عبرة للآخرين .
يقول الله تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه :
( أأنتم ) أيها الناس ( أشدُّ خلقا أم السماء ) ؟ يعني : بل السماء أشدّ خلقا منكم , فإن من رفع السماء على عظمها , هيّن عليه خلقهم و خلق أمثالهم , و إحياؤهم بعد مماتهم , كما قال سبحانه " لَخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس " و قوله تعالى " أوليس الذي خلق السماوات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم " .
و الإستفهام هنا استفهام تقريري و هو إلجاؤهم إلى الإقرار و الإعتراف بأن خلق السماء أعظم من خلقهم إذًا كيف ينكرون البعث و الحياة الثانية .
( بناها ) قال ابن جرير : أي رفعها فجعلها للأرض سقفا .
( رفع سمكها فسوّاها ) أي : جعلها عالية البناء , بعيدة الفناء , مستوية الأرجاء , مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء .
( و أغطش ليلها ) أي : جعل ليلها مظلما أسود حالكا , قال ابن جرير : أضاف الليل إلى السماء , لأن الليل غروب الشمس , و غروبها و طلوعها فيها , فأضيف إليها لما كان فيها .
( و أخرج ضُحاها ) أي : جعل نهارها مضيئا مشرقا نيرا واضحا , و الضحى انبساط الشمس و امتداد النهار . و إيثار الضحى لأنه وقت قيام سلطان الشمس و كمال إشراقها .
( و الأرض بعد ذلك دحاها ) أي بعد تسوية السماء على الوجه السابق , و إبراز الأضواء , بسط الله تعالى الأرض و مهدها لسكنى أهلها , و تقلبهم في أقطارها . أما خلق نفس الأرض ,فمتقدم على خلق السماء كما قال تعالى " قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين " إلى أن قال " ثم استوى إلى السماء و هي دخان فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " .
( أخرج منها ماءها ) بأن فجر منها عيونا و أجرى أنهارا .
( و مرعاها ) و هو ما يرعى من سائر الحبوب و الثمار و النبات و الأشجار .
( و الجبال أرساها ) أي قررها و أثبتها و أكّدها في أماكنها , لتستقر الأرض بأهلها .
( متاعا لكم و لأنعامكم ) أي انتفاعا لكم و لأنعامكم في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد , و ينقضي الأجل .
( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) أي الداهية العظمى التي تطمّ – أي تلو و تغلب أمثالها من الأحداث الجسام – على كل هائلة من الأمور , فتغمر ما سواها بعظيم هولها كما قال تعالى " و الساعة أدهى و أمرّ " , و هي القيامة للحساب و الجزاء .
( يوم يتذكّر الإنسان ما سعى ) حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره و شره , و ذلك بعرضه عليه .
( و بُرِّزت الجحيم لمن يرى ) أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانا .
( فأمّا من طغى ) أي أفرط في تعديه و مجاوزته حد الشريعة و الحق , إلى ارتكاب العصيان و الفساد و الضلال .
( و آثر الحياة الدنيا ) أي قدمها على أمر دينه و أخراه .
( فإن الجحيم هي المأوى ) فإن مصيره إلى الجحيم , و إن مطعمه من الزقوم , و مشربه من الحميم .
( و أمّا من خاف مقام ربّه ) أي : خاف القيام بين يدي الله عز و جل , و خاف حُكمَ الله فيه ,فأدى الفرائض و اجتنب النواهي .
( و نهى النفس عن الهوى ) أي : نهى نفسه عن هواها , فلم يجيبها في هوى يبغضه الله و لم يطعها في شيء حرمه الله , بل صار هواه تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم .
( فإنّ الجنّة هي المأوى ) أي : منقلبه و مصيره و مرجعه إلى الجنة الفيحاء .
( يسألونك عن السّاعة أيّان مرساها ) أي يسألك يا رسولنا المتعنتون المكذبون المنكرون للبعث عن الساعة متى وقوعها و قيامها .
( فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ) ليس علمها إليك و لا إلى أحد من الخلق , بل مَردها و مرجعها إلى الله عز و جل , فهو الذي يعلم وقتها على التعيين , كما قال تعالى في آية أخرى " يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات و الأرض لا تأتيكم إلا بغته يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله و لكن أكثر الناس لا يعلمون " .
( إنما أنت منذر من يخشاها ) إنما بعثتك لتنذر الناس و تحذرهم من بأس الله و عذابه , فمن خشي الله و خاف مقامه ووعيده , اتبعك فأفلح و أنجح , و الخيبة و الخسار على من كذبك و خالفك .
( كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) كأن هؤلاء المكذبين بها , و بما فيها من الجزاء و الحساب , يوم يشاهدون وقوعها , من عظيم هولها , لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلا ساعة من نهار , بمقدار عشية – و هي ما بين الظهر إلى غروب الشمس - , أو ضحاها – و هي ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار - .
|