ص -169- وقبل الألف فتحة فلم تعد الألف حاجزا فقلبت الهمزة ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها فاجتمع ألفان فإما أن يحذف إحداهما فيقصر ولا يمد أو يبقيهما؛ لأن الوقف يحتمل اجتماع ساكنين فيمد مدًّا طويلًا ويجوز أن يكون متوسطا لقوله في باب المد والقصر: "وعند سكون الوقف وجهان أصلا" وهذا من ذلك ويجوز أن يمد على تقدير حذف الثانية؛ لأن حرف المد موجود والهمزة منوية فهو حرف مد قبل همز مغير وإن قدر حذف الألف الأولى فلا مد وذلك نحو: {صَفْرَاءُ}1، {وَالسَّمَاءَ}2.
والمد هو الأوجه، وبه ورد النص عن حمزة من طريق خلف وغيره، وهذا مبني على الوقف بالسكون فإن وقف بالروم كما سيأتي في آخر الباب فله حكم آخر وإن وقف على اتباع الرسم أسقط الهمزة، فيقف على الألف التي قبلها فلا مد أصلا والله أعلم، وأطول حال من المد على معنى زائدا طوله، فهذه فائدة مجيئه على وزن أفعل والله أعلم.
240-
وَيُدْغِمُ فِيهِ الْوَاوَ وَالْيَاءَ مُبْدِلاإِذَا زِيدَتَا مِنْ قَبْلُ حَتَّى يُفَصَّلا
فيه أي في الهمز بعد إبداله يعني إذا وقع قبله واو أو ياء زائدتان فأبدله حرفا مثله ثم أدغم ذلك الحرف فيه كما تقدم لورش في: "النسيء" وذلك نحو "خطيئة" و"قروء".
وقوله: حتى يفصلا أي حتى يفصل بين الزائد والأصل فإن الواو والياء الأصليتين ينقل إليهما الحركة؛ لأن لهما أصلا في التحريك بخلاف الزائدة، والزائد ما ليس بقاء الكلمة ولا عينها ولا لامها بل يقع ذلك، وفي هذه الكلمات وقع بين العين واللام؛ لأن النسيء فعيل والخطيئة فعيلة وقروء فعول، والأصلي بخلافه نحو هيئة وشيء؛ لأن وزنهما فعلة، وفعل فهذا النوع تنقل إليه الحركة كما فعل في:
"موئلا" و"دفء".
وبعضهم روى إجراء الأصلي مجرى الزائد في الإبدال والإدغام، وسيأتي ذلك في قوله: وما واو أصلي تسكن قبله أو الياء... وهذا كان موضعه وإنما أخره لمعنى سنذكره، ولو قال بعد هذا البيت:
وإن كانتا أصلين أدغم بعضهمكشيء وسوء وهو بالنقل فضلا
لكان أظهر وأولى والله أعلم، وفرغ الكلام في الهمزة المتحركة الساكن ما قبلها ثم شرع في ذكر المتحركة المتحرك ما قبلها فقال:
241-
وَيُسْمِعُ بَعْدَ الْكَسْرِ وَالضَّمِّ هَمْزُهُلَدى فَتْحِهِ يَاءًا وَوَاوًا مُحَوَّلا
أي ويسمع حمزة همزة المفتوح بعد كسرٍ ياءً وبعد ضمٍ واوًا مبدلا من الهمزة فقوله: محولا: نعت للواو وحذف نعت ياء؛ لدلالة الثاني عليه وأراد ياء محولا واوا محولا ولو كسر الواو من محولا لكان جائزًا ويكون حالا من حمزة أي محولا للهمزة ياء وواوًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة، آية: 69.
ص -170- وقوله: همزة ثاني مفعولي يسمع، والأول محذوف أي يسمع الناس همزه الموصوف إذا قرأه ياء وواوا أي يسمعهم إياه على هذه الصفة، وبعضهم جعل يسمع متعديا إلى ثلاثة مفعوله الثالث قوله: محولا ياء وواوا.
وهذا البيت فصيح النظم حيث لف الكلام فجمع بين الكسر والضم، ثم رد إليهما قوله: ياء وواوا فردت الفطنة الياء إلى الكسر والواو إلى الضم، فهو من باب قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ}1.
وقول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسالدى وكرها العناب والخشف البالي
واعلم أن قياس العربية في كل همزة متحركة متحرك ما قبلها إذا خففت أن تجعل بين بين إلا المفتوحة بعد كسر أو ضم فإنها تقلب ياء وواوا قالوا: لأنها لو جعلت بين بين لقربت من ألف والألف لا يكون قبلها إلا فتح، ومثال ذلك: "فئة"، و"لئلا"، و"مؤجلا"، و"يؤده" ونحو ذلك.
242-
وَفي غَيْرِ هذَا بَيْنَ بَيْنَ وَمِثْلُهُيَقُولُ هِشَامٌ مَا تَطَرَّفَ مُسْهِلا
أي ويسمع همزه في غير ما تقدم ذكره بلفظ بين بين وهذا الغير الذي أشار إليه هو ما بقى من أقسام الهمز المتحرك بعد متحرك ومجموعهما تسعة؛ لأن الحركات ثلاث كل واحدة قبلها ثلاث حركات فثلاثة في ثلاثة تسعة.
ذكر في البيت السابق منها قسمين؛ مفتوحة بعد كسر، مفتوحة بعد ضم، وحكمهما الإبدال كما سبق فبقي لبين بين سبعة أقسام:
مفتوحة بعد مفتوح، نحو: "سأل"، "مآرب".
مكسورة بعد فتح وكسر وضم نحو: "بئس"، و"خاسئين" و"سئلوا".
مضمومة بعد فتح وكسر وضم نحو: "رءوف"، "فمالئون"، "برءوسكم".
وقد عرفت أن معنى قولهم بين بين أن تجعل الهمزة بين لفظها وبين لفظ الحرف الذي منه حركتها أي بين هذا وبين هذا ثم حذفت الواو والمضاف إليه منهما، وبنيت الكلمتان على الفتح فهذه أصول مذهب حمزة في تخفيف الهمز على ما اقتضته لغة العرب.
ثم يذكر بعد ذلك فروعا على ما تقدم وقع فيها اختلاف، ووجوها أخر من التخفيف غير ما سبق ذكره، ثم قال: ومثله أي ومثل مذهب حمزة مذهب هشام فيما تطرف من الهمز أي كل ما ذكرناه لحمزة في المتطرفة فمثله لهشام ولم يوافقه في المتوسطة؛ لأن المتطرفة أحرى بالتخفيف؛ لأنها آخر لفظ القارئ، وموضع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة القصص، آية: 23.