باب: وقف حمزة وهشام على الهمز
هذا الباب من أصعب الأبواب نظما ونثرا في تمهيد قواعده وفهم مقاصده، وقد أنقنه الناظم -رحمه الله- ولكثرة تشعبه أفرد له أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ رحمه الله تصنيفا حسنا جامعا، وذكر أنه قرأ على غير واحد من الأئمة فوجد أكثرهم لا يقومون به حسب الواجب فيه، إلا في الحرف بعد الحرف:
235-
وَحَمْزَةُ عِنْدَ الْوَقْفِ سَهَّلَ هَمْزَهُإِذَا كَانَ وَسْطًا أَوْ تَطَرَّفَ مَنْزِلا
سبق الكلام في مذهبه في الهمزة المبتدأة في شرح قوله في الباب السابق: وعن حمزة في الوقف خلف... والكلام في هذا الباب في الهمزة المتوسطة والمتطرفة التي في آخر الكلمة، ويأتي فيهما إن شاء الله تعالى جميع أنواع تخفيف الهمز وهي إبداله وحذفه بعد إلقاء حركته على ساكن قبله وجعله بين بين.
ولفظ التسهيل يشمل الجميع وقد يخص القراء لفظ التسهيل بين بين كما سبق، وهذه الأنواع هي التي نقلها أهل العربية في ذلك، وعند القراء نوع آخر وهو تخفيف الهمز باعتبار خط المصحف وسيأتي الكلام عليه وعلى تفاريع هذه الأنواع على ما تقتضيه أصول العربية والقراءات.
ص -166- والهاء في همزه تعود إلى حمزة أو إلى الوقف لملابسة كل واحد منهما هذا بفعله فيه وهذا بأنه محل الفعل والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة بينهما، ووسطا ظرف، وكان تامة أي إذا وقع في وسط الكلمة أي بين حروفها كما تقول: جلست وسط القوم، ويجوز أن يكون خبر كان الناقصة؛ لأن وسطا مصدر من قولهم: وسطت القوم أوسطهم وسطا وسطة أي توسطتهم ذكره الجوهري، فالمعنى ذا وسط أي إذا كان متوسطا أو تطرف آخرها ومنزلا تمييز أي تطرف منزله أي موضعه وإنما اختص تسهيل حمزة للهمزة بالوقف؛ لأنه محل استراحة القارئ والمتكلم مطلقا، ولذلك حذفت فيه الحركات والتنوين وأبدل فيه تنوين المنصوب ألفا، قال ابن مهران: وقال بعضهم هذا مذهب مشهور ولغة معروفة يحذف الهمز في السكت كما يحذف الإعراب فرقا بين الوصل والوقف وهو مذهب حسن.
قال: وقال بعضهم لغة أكثر العرب الذين هم أهل الجزالة والفصاحة ترك الهمزة الساكنة في الدرج والمتحركة عند السكت.
قلت: وفيه أيضا تآخي رءوس الآي في مثل: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}1.
و"الخاطئة" في الحاقة، و"خاطئة" في سورة "اقرأ"، وأنا أستحب ترك الهمز في هذه المواضع في الوقف لذلك.
وأما الحديث الذي رواه موسى بن عبيدة عن نافع عن ابن عمر قال: "ما همز رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء، وإنما الهمز بدعة ابتدعها من بعدهم". فهو حديث لا يحتج بمثله؛ لضعف إسناده فإن موسى بن عبيدة هو الزيدي وهو عند أئمة الحديث ضعيف.
ثم شرع الناظم في بيان ما يفعل حمزة بالهمز المتوسط والمتطرف فقال:
236-
فَأَبْدِلْهُ عَنْهُ حَرْفَ مَدِّ مُسَكَّنًاوَمِنْ قَبْلِهِ تَحْرِيكُهُ قَدْ تَنَزَّلاَ
أي فأبدل الهمز عن حمزة حرف مد من جنس حركة ما قبله بشرطين أحدهما أن يكون الهمز ساكنا والثاني أن يتحرك ما قبله سواء توسط أو تطرف نحو، "يؤمنون"، و"إن يشأ"، و"قال الملأ"، والهمزة في الملأ متحركة ولكن لما وقف عليها سكنت وهذا قياس تخفيف الهمزات السواكن؛ إذ لا حركة لها فتجعل بين بين أو تنقل.
وقال: مسكنا بالكسر وهو حال من الضمير المرفوع في "فأبدله"، ولم يقل مسكنا بالفتح ولو قاله لكان حالا من الهاء في "فأبدله"، وهي عائدة على الهمز؛ لئلا يوهم أنه نعت؛ لقوله حرف مد فعدل إلى ما لا إيهام فيه وحصل به تقييد الهمز بالسكون، ولأنه أفاد أن القارئ وإن سكن الهمز المتحرك في الوقف فحكمه هكذا أي أبدل الهمز في حال كونك مسكنا له سواء كان ساكنا قبل نطقك به أو سكنته أنت للوقف.
والواو في قوله: ومن قبله تحريكه... للحال والجملة حال من الهمز أي فأبدله مسكنا محركا ما قبله، فتكون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الرحمن، آية: 20.
ص -167- الحال الأولى من الفاعل والثانية من المفعول نحو لقيته مصعدا ومنحدرا، واشتراط تحرك ما قبل الهمز إنما يحتاج إليه في المتحرك الذي سكنه القارئ في الوقف نحو: {قَالَ الْمَلَأُ}.
ليحترز به من نحو: "يشاء" و"قروء" و"هنيئا" و"شيء" و"سوء".
وسيأتي أحكام ذلك كله.
وأما الهمزة الساكنة قبل الوقف فلا يكون ما قبلها إلا متحركا، وفي هذا القسم الذي تسكنه للوقف وتبدله حرف مد من جنس حركة ما قبله وجهان آخران سنذكرهما.
أحدهما: تسهيله على اعتبار مرسوم الخط، والآخر تسهيله بالروم.
فإن قلت: لم كانت الهمزة الساكنة تبدل حرفا من جنس حركة ما قبلها، ولم تكن من جنس حركة ما بعدها؟
قلت: لأن ما قبلها حركة بناء لازمة وما بعدها يجوز أن تكون حركة إعراب، وحركة الإعراب تنتقل وتتغير من ضم إلى فتح إلى كسر فأي حركة منها تعتبر ولا ترجيح لإحداهن على الأخريين، فينظر إلى ما لا يتغير وهو حركة ما قبلها.
فإن قلت: كان من الممكن أن تعتبر كل حركة في موضعها.
قلت: يلزم من ذلك أن ينقلب الهمز مع الضم واوا، ومع الفتح ألفا، ومع الكسر ياء، فتختل بنية الكلمة نحو رأس يصير عين الكلمة في الرفع واوا، وفي النصب ألفا، وفي الجر ياء، وفي ذلك اختلال الألفاظ واختلاط الأبنية وأيضا فاعتبار الحرف بما قبله أقرب إلى قياس اللغة من اعتباره بما بعده، ألا تراهم التزموا فتح ما قبل الألف دون ما بعدها نحو قالوا وقائل، ولأن اعتبار الأول أخف، ومما ينبه عليه في هذا الموضع أن كل همزة ساكنة للجزم أو للوقف إذا أبدلت حرف مد بقي ذلك الحرف بحاله لا يؤثر فيه الجازم نحو: {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا}1، {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}2.
ونقل صاحب الروضة شيئا غريبا فقال: وتقف على: {نَبِّئْ عِبَادِي}3 بغير همز: فإن طرحت الهمزة وأثرها قلت: نبا وإن طرحتها وأبقيت أثرها قلت نبي والله أعلم.