عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 02-05-2012, 01:57 PM
الصورة الرمزية خديجة أحمد
خديجة أحمد غير متواجد حالياً
مشرفة مميزة
 
تاريخ التسجيل: Sep 2011
الدولة: اللهم زدنا ولا تنقصنا واكرمنا ولا تهنا واعطنا ولا تحرمنا وأثرنا ولا تؤثر علينا
المشاركات: 1,442
افتراضي

( الوصول )

مرت ثلاث ساعات على المركب وهويحمل آمالا وآلاما لتلك الكومة المتنوعة من البشر ،



كل واحد يحمل معه قصة الرحلة ، هذا من الأدغال وذاك من الصحاري والقفار ، وآخر


من المدن الصفيحية الخانقة ...يمضي بهم المركب غير مسؤول ولا مكثرت ، فهو يؤدي


عمله كما خططله الربان ، لعله أحسن حالا منهم لجرأته على اختراق البحر في تلك الليلة


المظلمة بلا وجل ، أما قائد الرحلة فلا يقل عنه جرأة ووثوقا مما حوله ،والظاهر أنه


متعود ومتمرس أيضا ، تحدث فجأة في هاتف لا سلكي إلى أحد أصدقائه وقال :


- ألو ...ألو...أسمعك جيدا ، أنا في النقطة السادسة ، كل شيء على ما يرام ...هل سمعتني ؟كل شيء على ما يرام .



نزلت هذه الجمل بردا وسلاما على مسافري المركب ، وخففت مما يعتريهم من القلق


والخوف منذ انطلاق الرحلة ، استطاع رؤوف أن يضحك على نفسه وهو يتصور كيف


اشترى الخوف والفزع بذلك الثمن الباهض ، لم يكن يعلم أبدا أن الخوف يشترى بالمال ،


عاود ابتسامة خفيفة وقال في نفسه: يا لمغامرتك يا رؤوف ، أية رحلة هاته التي كادت


تقبض قلبك عن النبض ؟ ، بينما أغلق قائد الرحلةالهاتف وهو يتمتم بكلمات مشفرة مع محدثه


ثم قال لهم :


- اسمعوا جيدا ، لقد اقتربتم من الشاطئ ، سأتحول أنا إلى مركب آخر سيقلني الآن وأترككم


لتتدبروا أمركم ، أنتم فقط على بعد قريب جدا من الشاطئ ، تذكروا كل التعليمات ... تذكروا


كل التعليمات .


لم يرد أحد بالسلب ولا بالإيجاب لإختلاط الخوف بالفرح في قلوبهم ، وبعد دقائق معدودة


زحف المركب بنفسه نحو الشاطئ ثم توقف بعد أن غادره الربانان ، وقف رؤوف يختلجه


الأمل والخوف في آن واحد ، وألقى برجله على الرمل المبلل بماء البحر وهو لا يصدق أن


قدماه وطئت أخيرا أرض اسبانيا !، بينما سمع الآخرين يهرولون يمينا وشمالا ليتفرقوا


بين الهضاب والحقول وعلى جنبات المعامل المجاورة ، لاحظوا أنه لم تكن هناك إنارة


البتة ، ولكنهم تقدموا ليختفوا في أي مكان حتى تصعد شمس يومهم الأول بعد السفر


كأنهم خفافيش الكهوف .


- سمعوا من يناديهم فجأة قائلا بلهجة مغربية قوية :


- ابقوا مكانكم أيها المشردون ، إنني أسمع حركاتكم وأعلم جيدا أنكم هنا ، ولولا أن


بطاريتي ضعيفة لصوبت المصباح نحوكم ، عموما لا تخافوا مني فأنا لكم ناصح ، أنتم


في المغرب ولستم في المريا ؟ ، لقد خدع العشرات قبلكم ، سأترككم ولكن تدبروا أمركم .


تقدم أحدهم وقال :


- لا تصدقوه ، ربما هو عميل للبوليس الاسباني حتى نتحرك من أماكننا ويقبضوا علينا ،


تجمعوا من فضلكم وتأكدوا أنه انصرف .


- يدعي أنه مجرد حارس ليلي لمحيط قريته .


سكتوا برهة ثم سمعوه يقول ضاحكا :


- أيها المغفلون ، أنتم في شمال المغرب ولستم في جنوب اسبانيا ، أفيقوا من سباتكم


إني لكم من الناصحين .


همسوا جميعا :


- في شمال المغرب ؟ غير معقول ، لقد قطعنا البحر إلى الضفة الأخرى ، اللعنة ..اللعنة ..


أنت كاذب .. أنت كاذب.


- أقسم لكم بالله أنكم على كلم واحد من قريتي ، المركب الذي استقليتم تناول جرعة كبيرة


من المخدرات ، لقد استدار جنوبا هههه ... هههه .


ساد المكان هرج كبير وبدأ الأفارقة الذين لم يفهموا شيئا يتمتمون بلغاتهم متسائلين عما


يحدث ، فهم لا يزالون يمنون أنفسهم ضانين أنهم نجوا من ويلات الحروب والمجاعات


إلى الأبد ، وأن أوان السياحة في بلاد المستعمر القديم قد حان .


قام رؤوف قائلا :


- أرجو منكم أن تهدأوا ، هذا البدوي قد انصرف وربما كان كاذبا ، وربماكان أيضا من


الصادقين ، ستكشف لنا أشعة شمس الصباح الحقيقة ، لسنا مستعجلين ولن ننخدع أبدا ،


سنمكث هنا في هدوء تام حتى لا تهتدي إلينا شرطة الحدود وتقبض علينا ، لقد رأيتم


كم قاصينا حتى وصلنا إلى هنا .



رد آخر:


ولكن .. أنسيت أنهم نصحونا بالإختفاء في الحقول فور وصولنا إلى الشاطئ ؟ ، ماذا لو



ضبطونا مجتمعين هنا ؟ لقد أعيانا السفر ونحن لم نصل بعد ، وأرى أنه لا بد أن نكمل .


قال آخر :


وما الذي علينا فعله الآن ونحن لا نرى بعضنا من شدة الظلام ؟ .


قال رؤوف مشفقا :


-اسمعوا جيدا ، عند اقتراب الفجر وتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ،


سندخل بملابسنا ونخفي أجسادنا فوق الرمال تحت الموج ، سيتبين لنا ما إذا كنا في


المغرب أم في إسبانيا ، إنني أشفق على نفسي ، وأشفق خصوصا على هذا الطفل الصغير


الذي لا ذنب له فيما يحدث ، ليمسك كل منا بيد الآخر إذن .


كانت كلمات رؤوف قد هدأت قليلا من روعهم جميعا ، أما هو فقد أطلق خياله يفكر فيما


عليه فعله إذا كان حقا قد تعرض لعمليةسرقة فظيعة ، وأن شبكة التهجير نحو الضفة


الأخرى هي مجرد عصابة وهمية ، وفورا تذكر أمه التي لم تفهم إلا أن


ابنها ذهب لإحضار المال قصد شراء البقرات والزواج ودفع ثمن أداء فريضة حجها ، ثلاث


بقرات سمان هن سلواها ومصدر رزقها ، تبيع لبنهن وتدخر ثمن ما يلدن للمساعدة في


مصروف البيت ، تذكر والده الذي حفظ القرآن في البادية دون أن يفهم معانيه ، ما جعله


يقرأه في المقبرة وفي بعض المناسبات مقابل أجر زهيد ، كثيرا ما كان يخالف تعاليم


الإسلام لكونه حفظ الحروف دون المعاني ، لكم كانت تصرفاته تضايق رؤوف وهو يراه


يحمل ما حفظ من كتاب الله العزيز من جنازة إلى جنازة ، شمله حزن حتى ظن أن البحر


سيبلعه ، وخامره إحساس كبير أنه مازال في شواطئ المغرب فعلا ، لكنه ظل يطرد هذا


الإحساس ، لولا أن الحارس الليلي تحدث بلهجة الواثق المشفق .

يتبع
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.

اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ
ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR]
رد مع اقتباس