( الظلام )
كان المرشحون للهجرة السرية يمسكون بحبل على الشاطئ بعد أن قطعوا مسافة طويلة سيرا على الأقدام
يرشدهم شخص يداه خشنتان ومبللتان بالماء ، لم يكن عددهم يبدو قليلا من خلال أصوات حركاتهم ، ولم يكن أيضابوسع
أحدهم أن يهمس للآخر لأنه لا يراه ، فقد كانت الليلة مظلمة جدا ، صاح منظم الرحلة بلهجة ممزوجة بين الإسبانية
والمغربية مناديا عليهم بأرقامهم كالخراف الواحد تلو الآخر ، وعندما صعدو المركب الذي اهتدوا إليه بصعوبة وهم يمسكون
ببعضهم ، كان مغربي يأمرهم بلهجة تطوانية بعدم الإكثار من الحركة لأن المركب لا يتحمل ، نطق رؤوف الشهادتين
واستحضرصور الذين شاهد جثتهم يرمي بها البحر وتعرضها القنوات الفضائية، فقد كانوا هم أيضا على متن مركب يشق
البحر كالذي يمتطي الآن ، استحضر صورة أمه الساذجة وهي تبكي عليه بعد موته ، تمثلت له البقرات الثلاث التي باعتها
حتى يتمكن من دفع ثمن السفر ، تذكر بلدته الصغيرة وأهلها البسطاء ، فنزلت دمعة ساخنة على خذه وشعر بالندم يقطع قلبه ،
ولكن أنى له التراجع وقد انطلق المركب وفيه امرأة أفريقية همست لمنظم الرحلة بفرنسية سنغالية أنها أعطت منوما لإبنها
الصغير حتى لا يحدث صراخه إزعاجا ، أنى له التراجع ومعه من هم غرباء وأضعف حيلة منه ؟ ، في المركب أيضا شباب
استهوتهم الرحلة إلى القارة الشقراء ، كان صوت الموج الهادر هو من يزمجر ويلف المكان ، ولا يقاومه صوت المحرك
الصغير الذي يحرك المركب ، ما زاد من فزع رؤوف وذكره بما قرأ عن الأعماق الغامضة المظلمة العميقة للبحر ، تخيل أن
سمك القرش سيبتلعه حينا وينتهي مفترسا بين فكيه الكبيرين ولا تعثر أمه المسكينة على قبر تقف عليه ويشفي لوعتها ، انكمش
وبدأت أسنانه تصطك من الخوف والبرد ، وظل ينطق الشهادتين ويتوسل إلى الله أن ينجيه من الموت غرقا ، إنها أول مرة
يشعر فيها أنه يموت جزءا جزءا ، وأن رصاصات الألم تستقر في قلبه الواحدة تلو الأخرى ، ازداد بكاؤه حتى كاد يسمع أنينه
كان الذين من حوله لا تسمع لهم حركة ولا همس ، قطع الليل المظلم تنزل عليهم كسياط النار اللافحة !.
يتبع
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ
ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR]
|