لم أرحل إلى الضفة الأخرى!
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قصة (لم أرحل الى الضفة الأخرى !) للمؤلفة زبيدة هرماس حفظها الله وقد قسمتها الى خمس محطات سردية
(محطة البداية والاستهلال)، ثم (الظلام ) ف ( الوصول ) ف (الصدمة ) ف (العودة ) .
(لم أرحل الى الضفة الأخرى!)
- أيها الشباب ، اليوم مساء سينطلق المركب ، ستكونون كلكم على استعداد للدخول إلى "المريا " لأننا سنصل ليلا ،
لا تنسوا أن كارلوس سيكون بانتظاركم هناك ، التعليمات كلها تطبق ، الجمل الاسبانية التي تعلمتم خلال شهرين
ستسعفكم ، هؤلاء الأفارقة لا تعيروهم كبير اهتمام ، لقد تركوا الماس تحت أقدامهم وجائوا ليتسولوا الحديد لدى
الاسبان ، أنتم تبحثون عن عملكم بعزة وكرامة ، لقد كان أجدادكم ملوك هذه البلاد ، لا بد إذن أن تحافظوا على شيء
من نخوتهم ، أكثر عملكم سيكون في الحقول والضيعات ، لا تترددوا في جمع المال اللازم لبناء وطنكم .
أحنى الجميع رؤوسهم وقد استهوتهم النصائح الغالية لمنظم الرحلة ، كما تملكهم الخوف الشديد من المجهول القادم
رؤوف شاب بسيط لا يحسن السباحة ، فهو لا ينتمي إلى مدينة ساحلية ، ولم ير البحر في حياته إلا ثلاث مرات ،
كل سلاحه هو تلك الجمل البسيطة التي تعلمها في كتاب:"تعلم الاسبانية في خمسة أيام ":اكتشف أن عقله كان مشغولا
لدرجة أن خمسين يوما لم تكن كافية ليحفظ بتلعثم شديد جملا من مثل :"كيف حالك ؟، أبحث عن عمل ، لقد فقدت
أوراق إقامتي ..."، إنها عبارات مرشحة ليتسلح بها إذا باغته البوليس الإسباني وهو يقيم في البلاد بطريقة غير قانونية ،
كما أنه لبس سروالا جلديا تحت سروال الجينز الذي اقتناه خصيصا لرحلة السفر ، أما القبعة فقد غلفها من الداخل بقطعة
بلاستيكية سميكة حتى لا يتبلل رأسه إذا باغت الموج المركب المغامر ، وضع بعض حبات الفول السوداني في جيبه
وهرع إلى أقرب مخدع هاتفي وقال لأمه :
- أمي ، الرحلة الليلة ، لا تنسيني من دعائك ، أعدك أن أعمل بجد وأعوضك عن بقراتك الثلاث بثلاثين ، اسألي الله
أن يجعل لي البحر كالبساط ، وأن آتيك بما يلزم من المال .
-وهل حصلت على جواز السفر هناك يا بني !.
-أي جواز سفر يا أمي ؟ لقد أفهمتك مرارا أننا هنا سنهاجر بغير وثائق وأنا لم أحضر إلى هذا المكان لأحصل على
جواز السفر ، ليس في جيبي إلا نسخة من شهادة "البكالوريا"، أتمنى هي أيضا أن تسعفني في الحصول على عمل شريف ،
آه ... لاتنسي أرجوك ، اللهم اجعل لإبني البحر كالبساط ، هذا ما أريد منك أن تردديه .
ردت أمه مستفهمة :
- لم أفهم ماذا قلت عن البحر وما علاقته بالبساط يا بني !.
- لاشيء .. لاشيء يا أمي ، قولي فقط : اللهم اجعل له البحر كما جعلته لطارق ابن زياد ويوسف ابن تاشفين ،
ساعات قليلة من الإبحار وكانوا ملوكا في الضفة الأخرى .
- وهل هما معك الآن يا بني في البحر ؟ أرجوك كن حذرا ولا تخالط الغرباء.
-لا .. لا .. لا تخافي يا أمي ، ليتني كنت معهما ، فشتان بين رحلتي ورحلتهما ، البحر هو هو ، ولا هما معي ولا أنا معهما ،
سأبسط لك كل حكايتي عندما أصل بعون الله ، ما يهمني الآن هو دعواتك لي بالستر والسلامة .
- يسر الله أمرك يا بني ، وأسأله أن يحفظك من حوادث السير .
- أمي العزيزة ، قولي من حوادث البحر ، أنسيتي عندما أوصيتك بالدعاء لي بالحفظ من الفتن ما ظهر منها وما بطن
وكنت ترددين :" اللهم ارزقه الفتن ما ظهر منها وما بطن ".؟
- أذكرها جيدا يا رؤوف ، منذ أوصيتني يا بني وأنا أكررها !
-أرجوك توقفي يا أمي عن هذا الدعاء ، سأتزوج إن شاء الله امرأة متعلمة لتعلمك كيف تكتبين إسمك وتقرئين القرآن
والدعاء ، تماما كما يدعو مقرئ الحرم المكي ليلة السابع والعشرين من رمضان ..هههه...
-ضحكت الأم مستبشرة وقالت :
- إنتبه لنفسك يا بني ، أتمنى أن يحييني الله حتى أرى أبنائك .
-حسنا يا أمي ، سأودعك الآن ، لم يعد لدي من النقود ما يكفي ، إلى اللقاء بحول الله .
شد حذائه الرياضي الذي دس فيه تحت القدم مباشرة بعض المال بالعملة الأوروبية ، ثم أطلق ساقيه للريح ليبقى
قريبا من نقطة إنطلاق الرحلة عندما يجنح الظلام .
تتبع
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ
ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR]
|