بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..
فما أكثر من يدعي محبة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن من الصادق في ذلك حقا؟! إنك لتعجب ممن يتشدق بذلك، وهو يخالف هديه وسنته، والله تعالى يقول (وإن تطيعوه تهتدوا).
والدعاوى إن لم يقيموا عليها
بيناتِ أصحابها أدعياء
ألا وإن أعظم دليل على محبته عليه الصلاة والسلام طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب مانهى عنه وزجر وعندما يزيد الحب وقبل ذلك الإيمان في قلب العبد يحرص على كل ماجاء عنه صلى الله عليه وسلم رجاء أن يكون بحبه له من رفقائه في الجنة وممن يحشر في زمرته ومن هذا المنطق كانت هذه الرسالة للأخت الداعية ليلى بنت محمد العامري الجهني، والتي سعدت بقراءتها واستفدت منها، وبارك في جهودها، ومن المشجعات على قراءتها حس ترتيبها وتبويبها فكأنك تنتقل من بستان إلى بستان لاحرمها الله شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم آمين .
كتبه : سعد بن عبدالرحمن العويرضي
إمام وخطيب مسجد الإيمان بحي المحمدية بجدة
والقاضي بالمحكمة الجزئية للضمان والأنكحة
المقــــــدمة
إن الحمد لله نحمده , ونستعينه , ونستغفره , ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد ..
فإنه قد ورد في نصوص الكتاب والسنة أدلة كثيرة ، تدعو إلى العلم وتبين فضله وفضل أهله ونشره ، تعلما ً وتعليماً والعلم المقصود هو العلم الشرعي علمُ الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح ، فإن تَعَلم العِلمَ والعَمَلَ به والدعوة إليه من أفضل القربات ، وأرفع الدرجات وقد جاءت البشارة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) أخرجه مسلم
وفي بداية هذه المقدمة أهدي نصيحة لمن يطلب العلم فأقول :
العلمُ صيدٌ ..... والكتابة قيدهُ ..... قيّد يا طالبَ العلم ِ صَيودك بالحبال الواثقة ِ..... فمن الحماقة أن تصيد غزالة وتتركها بين الخلائق طالقة.... وأقول ؛ علمٌ بلا عمل كشجرة ٍبلا ثمر... وكمصباح بلا ضياء فمن عَلِمَ وعَمِلَ وعلـَّم فهو ممن يرجى أن يكون من أهل المنازل العليا في الجنة وتصلي عليه الحيتان في البحر وحتى النمل في جحورها وهذا دليل على فضل العلم والتعلم .
وإن من أهم الأسباب التي دعتني لكتابة هذا البحث الترغيب في فضل السنة وإحياء السنن المهجورة بسبب قلة العملْ بكثير من السنن وانتشار بعض البدع وجهل الكثير بفضل إتباع السنن ، كما أن استدامة ترك كثير من المسلمين أو قلة عملهم ببعض السنن وتقادم الزمن على ذلك قد يورث نسيانها عند البعض بل ربما يحدث معاداتها وإنكارها عند الآخرين ؛ فقد أصبحنا في زمن منه شبه يسير بالزمن الذي القابض فيه على السنة الشريفة كالقابض على الجمر ، وقد مدح النبي عليه الصلاة والسلام المتمسك في السنة في زمان انتشار البدع ؛ فقد روى عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن من ورائكم زمان للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا ً منكم «رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع (2234)
ومثل ذلك ما رواه معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال(العبادة في الهرج كهجرة إليَّ ) رواه مسلم ( 2948)
وهذا يدل على عظم قدر العبادة أيام الفتن واختلاط أمور الناس وبعدهم عن الدين .
وما أجمل ما قاله الشاطبي رحمه الله في هذا المعنى ؛ حيث قال (ولا يخفى إن إطباق الناس على أمرٍ ما لتقادم العهد عليه لا يعني أن إطباقهم هذا دليل شرعي إذ ظهور دليل ما خفي على الناس زمانا يبطل هذا الإطباق ويجعله إطباقاً لا معنى له)
وأعتذر ابتداء بين يدي مبحثي هذا لأهل العلم وطلابه ممن قد يقف عليها إن قصر باعي ، أو قل إطلاعي ، أو ضعفت عبارتي ، أو أخطأت في مسألة ، فإنني معترفة بداية ونهاية بقلة بضاعتي وضعف إفادتي وقديماً قيل:
لكن قدرة مثلي غيرُ خافيةٍ والنملُ يُعذرُ في القدْر الذي حملا
تعريف السنة و بيان أقسامها:
السنة في اللغة:
هي السيرة المتبعة , و الطريقة المسلوكة , و هي النموذج الذي يحتذى والمثال الذي يقتدى . وتطلق هذه الكلمة أيضا بمعنى البيان حيث يقال سن الأمر أي بينه , وأيضا بمعنى ابتداء الأمر.
السنة في الاصطلاح:
عند المحدثين: ( كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير أو سيرة أو صفة خلقية أو خلقية , سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها).
عند الأصوليين: « ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير».
عند الفقهاء: « ما دل عليه الشرع من غير افتراض و لا وجوب » أو « ما يثاب فاعله و لا يعاقب تاركه ».
عند علماء العقيدة: تطلق السنة عند علماء العقيدة على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أصول الدين, و ما كان عليه من العلم و العمل و الهدى, و ما شرعه أو أقره مقابل البدع والمحدثات في الدين . و قد تطلق السنة أيضا بمعنى الدين كله.
أنواع السنة الواردة عن رسول الله صلى الله :
من السنن الفعلية:
ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله الله عليه وسلم قال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ) والمراد بركعتي الفجر هما الراتبة وهي من السنن المؤكدة التي لم يتركها صلى الله عليه وسلم حضرا ً ولا سفرا ً.
من السنن القولية :
ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لأن أقول سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر . أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) ..
رضي الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بلغوا الغاية في متابعة نبيهم .
السنة التقريرية :
وهي نقل تقريره لهم على أمر شَاهدَهُم يفعلونه أو اُخْبـِرَ به بفعلهم له ، أي أنه أقر الصحابة على فعلها وإن لم يفعلها هو عليه الصلاة والسلام ؛ كما أقر صلى الله عليه وسلم من كان يقرأ سورة الإخلاص بعد ما يقرأ ما تيسر له من القرآن في كل ركعة ، لأنه كان يحبها وهذا ما ورد في صحيح البخاري في كتاب الأذان في باب الجمع بين سورتين في ركعة (355/2) ..
وكذلك إقراره من قرأ في دعاء الاستفتاح كما ورد في الحديث ،( قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللّهِ . إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً. وَالْحَمْدُ للّهِ كَثِيراً. وَسُبْحَانَ اللّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ : «مَنِ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟» قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا. يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ: (عَجِبْتُ لَهَا. فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ).(1309) صحيح مسلم
السنة التركية :
وهي التي تركها عليه الصلاة والسلام وهي نوعان :
1- تصريح الصحابة بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله ، كقولهم في شهداء أحد (ولم يغسلهم ولم يصلِ عليهم ) فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد ولم يغسلهم ..سنن أبو داوود (كتاب الجنائز 3138)
وكقولهم في صلاة العيد ( لم يكن فيها أذان ولا إقامة ) لما روى عن ابن عباس رضي الله عنه قال : ( شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهما فكلهم صلى قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة)..سنن ابن ماجه كتاب الصلاة 1273)
2- أمر لم يُنقل عنه البتة ، مثل تركه التلفظ بالنية ، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وقد قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ( وإن السنة كما تكون بالفعل تكون كذلك بالترك فإذا وجد سبب الفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله دل هذا على أن السنة تركه ) مثال ذلك ؛ قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله لا يشرع الحمد عند الجشاء لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحمد الله إذا تجشأ وإذا لم يرد فإنه ليس مشروع ، ولو كان خيراً لسبقنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم . فإن ترك فعل هذا اقتداء ؛ هو تعبد بالترك لأن الترك هنا للأمة في باب العبادات واجب وفعل المتروك محرم.
الأمر بأتباع السنة من القرآن:
قال الله تعالى : {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} آل عمران(31)
وقال تعالى :{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} الأحزاب (21)
الأمر بإتباع السنة من الأحاديث الشريفة :
قال صلى الله عليه وسلم ( فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ )رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجه .
وقد توعد الله عز وجل الذين يخالفون سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالوعيد فقال : {وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }الحشر 7.
وقال صلى الله عليه وسلم (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، فقالوا : يا رسول الله ! ومن يأبى ؟! فقال صلى الله عليه وسلم من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري.
منقول للافادة
يتع،إن شاء الله.