الإعجاز البلاغي في القراءات وقفات تأملية)2(
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين . وبعد
فإني أتقدم بشكري ودعائي للأخوة القائمين على هذا الموقع المتميز الذي أسأل الله عز وجل أن يجعل كل ما يكتب فيه خالصا لوجهه الكريم وأن يرزقنا الإخلاص في القول والفعل والعمل . كما أشكر الإخوة الذين شاركوا بتعليق أو بالإجابة على ما طرحت من سؤال ،وأخص بالشكر شيخنا الدكتور ناصر القثامي ، والأختين طالبة القمة ، وهتاف الضمير .جزي الله الجميع خير الجزاء .
وسأبدأ بحول الله وقوته في استكمال ما بدأت أولا ، ثم أعرّج بالإجابة على السؤال الذي طرحته في لقائي السابق والأسئلة التي طرحت من الإخوة المشاركين .
هذا هو لقائي الثاني بكم بعد أن بينت في لقائي السابق مفهوم الإعجاز البلاغي وهو: وضع كل كلمة في موضعها الأخص بها بحيث لو بدلتها بمرادف إما أن يختل المعني بالكلية ، وإما أن تقل درجة البلاغة في تأدية المعنى المقصود .
وبينت ذلك من خلال استعمال القرآن الكريم لحرف (الواو ، والفاء) كل في موضعه ، فلو أبدلت أحدهما مكان الآخر يختل المعنى .
واليوم أبين استعمال القرآن الكريم كذلك لكل كلمة في موضعها .
الإعجاز البلاغي في وضع الكلمة في موضعها لتأدية المعني المراد.
1- قال الله:يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج/5]
2-وقال : وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت/39]
فما السر في ذلك؟
إن الحق يستدل في هاتين الآيتين علي البعث وقدرته الكاملة علي إحياء الله الموتي بصورة حسية واقعية أمام أعين الجميع وهي: إحياء الله الأرض بعد موتها بإنزال الماء عليها، ويؤكد علي أن كل ذي عقل يري ويدرك تلك الحقيقة التي
لا مراء فيها.
ونجد الحققال في موضع سورة الحج: وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج/5]
بينما قال في موضع سورة فصلت: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً [فصلت/39]
فما السر في استعمال كلمة (هامدة في سورة : الحج ، وكلمة خاشعة في سورة : فصلت ؟
أولا:الفرق بين معني"هامدة،خاشعة:
الأرض الهامدة: هي الميتة اليابسة التي لا تنبت شيئا( ).
والأرض الخاشعة : يابسة متعاطفة، وخشوع الأرض: هو ما يظهر عليها من استكانة وشعث بالجدب فهي عابسة كما الخاشع المتذلل ( ) .
ونلاحظ أن الكلمتين يتحدان في المعني العام، فيدل معناهما علي سكون أو همود تعقبه الحركة والحياة لكنك تلحظ أن كل كلمة وضعت في موضعها. والله أعلم.
السر في وضع كل كلمة في موضعها:
قد استعمل الحق جل وعلا"هامدة"في آية سورة "الحج "،لأن سياق الآية سياق بعث وإحياء وإخراج ،فيناسب ذلك وصف الأرض بالهمود،ثم بعد إنزال الماء: الاهتزاز،والإرباء،والإنبات،
بينما سياق الآية في سورة"فصلت" سياق عبادة وخشوع وسجود فيناسب ذلك وصف الأرض بالخشوع ، وليس بالهمود.
ثم لم يذكر الحق جل وعلا هنا:الإنبات والإخراج ،كما في موضع سورة الحج ،لأنهما لا محل لهما في جوّ العبادة والسجود ( ) . ألا يدل هذا علي أنه كلام الله سبحانه وتعالى؟؟
وهكذا يتبيَّنُ لنا أن كل حرف وكل كلمة في موضعها الذي يتناسب مع السياق ومع المعني المراد، فسبحان مَنْ أنزل هذا الكتاب هدى ورحمة وبشرى للمحسنين. والله أعلم.
لكن ما العلاقة بين الإعجاز البلاغي، والقراءات؟
إن المتأمِّل لَيدرك العلاقة القوية بين الإعجاز البلاغي والقراءات القرآنية، حيث إن الإعجاز البلاغي هو: وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص به لتأدية المعنى، وقد بيَّنْتُ في المطلب السابق أن الحرفَ لا يمكن تبديله بحرف آخر،وكذا الكلمة لا يمكن تبديلها بكلمة أخري، وإلا تغيَّرَ المعنى( ).
وإذا تدبرت القراءات القرآنية لتدرك أن لكل قراءة من القراءات التي ترد في الكلمة الواحدة أثرا في المعنى المراد بحيث لا يستقيم المعني بقراءة دون الأخرى ،فكل قراءة بمثابة آية أخرى، ومن ثم نجد الترابط الوثيق بين القراءات، وبين الإعجاز البلاغي.
قال ابن الجزري في (النشر) مبينا العلاقة بين الإعجاز البلاغي والقراءات القرآنية بعد كلامه عن فوائد اختلاف القراءات وتنوعها قال: .... ومنها ما في ذلك من نهاية البلاغة وكمال الإعجاز وغاية الاختصار وجمال الإيجاز، إذ كل قراءة بمنزلة الآية إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان في ذلك من التطويل( ) ا هـ.
وسأوضِّحُ بمشيئة الله تعالي تلك العلاقة بين القراءات والإعجاز البلاغي من خلال ما يأتي:
أولا:
1- في قول الله: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة/116].
2 -وفي قوله : قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يونس/68]
فقد قرأ ابن عامر"عليم قالوا" بغير (واو) بعد عليم ، وكذا هو في المصحف الشامي ، وقرأ الباقون بالواو كما هو في مصاحفهم، واتفقوا علي حذف الواو من موضع سورة يونس بإجماع القراء جميعا. ( )
توجيه القراءتين في موضع سورة البقرة:
قراءة "ابن عامر" عليم قالوا" بغير واو على الاستئناف غير معطوف علي ما قبله ، وقد علم أن المخبر عنه بهذا القول هو المخبر عنه بمنع ذكر الله في المساجد،والسعي في خرابها،
وقراءة الباقين بالواو "وقالوا" عطف جملة على مثلها ؛ أي : عطف علي ما قبله ؛ لأن الذين أخبر الله عنهم بمنع ذلك في المساجد، والسعي في خرابها، هم الذين قالوا اتخذ الله ولدا)،فوجب عطف آخر الكلام علي أوله،لأنه كله إخبار عن النصاري ( ).
وتأمل معي هذا الإعجاز حيث وردت القراءتان " إثبات الواو، وحذف الواو " في موضع سورة البقرة ،حيث إن قراءة إثبات الواو تربط الجملة بالجملة أي:تعطف على ما قبلها،وفي هذا تأكيد للربط بلفظه الظاهر بين قوله تعالي: "وقالوا اتخذ الله ولدا " ، وما قبله من قوله :" وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى" ( ). ، وقوله : " وقالت اليهود ليست النصاري علي شيئ " ( ). ، وقوله " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعي في خرابها " ( )، وذلك لتعديد عقائدهم الفاسدة وأقوالهم الكاذبة علي الله ( ).
وأما قراءة حذف الواو، فالجملة مستأنفة، ولا يراعى ارتباطها بما تقدم ،وهو استئناف بياني ، كأن السامع بعد أن سمع ما مرّ من عجائب هؤلاء الفرق الثلاث جمعا وتفريقا تسني له أن يقول: لقد أسمعتنا من مسا ويهم عجبا،فهل انتهت مساويهم أم لهم مساوئ أخري؟، لأن ما سمعناه مؤذن بأنها مساوئ لا تصدر إلا عن فطرة خبيثة ( ) ولذلك وردت القراءتان، حيث إن السياق يتطلبهما ،وتجد معني لكل قراءة لا تؤديه القراءة الأخرى.
وتأمل السر في اتفاق القراء جميعا علي قراءة موضع سورة"يونس"بغير واو عاطفة، لأنه ليس قبله ما يُعطف عليه،فهو ابتداء كلام واستئناف خرج مخرج التعجب من عظم جراءتهم وقبح افترائهم( ) .
وهذا هو الإعجاز البلاغي،حيث تجد القراءة لا ترد إلا حيث يكون المعني مرادا،ولذا كان اتفاق القراء جميعا علي قراءة واحدة في هذا الموضع، حيث لا يوجد قبلها ما يعطف عليها، وقد بيَّنْتُ أن الإعجاز البلاغي هو: وضع كل حرف وكل كلمة في موضعها، فكذلك القراءة لا تجدها إلا في موضعها ، وهذا دليل علي قوة وترابط العلاقة بين القراءات والإعجاز البلاغي. والله أعلم.
ثانيا: في قول الله : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد/18]
فقد قرأ ابن كثير، وشعبة عن عاصم قوله تعالى" إن المصدقين والمصدقات" بتخفيف الصاد فيهما وقرأ الباقون بتشديدها فيهما( ).
توجيه القراءتين :
1- قراءة التخفيف "إن المصدقين والمصدقات – أنه من التصديق – أي الذين صدقوا الرسول أي: آمنوا وامتثلوا أمره ؛ فأقرضوا الله قرضاً حسنا "
2- أما قراءة تشديد الصاد؛ فعلى أن أصله " المتصدقين " من التصدّق فأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادا لقرب مخرجيهما طلباً لخفة الإدغام ، والمعنى والله أعلم : " إن المتصدقين من أموالهم والمتصدقات ( وأقرضوا الله قرضاً حسنا ) يعني بالنفقة في سبيله وفيما أمر بالنفقة فيه أو فيما ندب إليه( ) .
فتأمل كيف أن كل قراءة من القراءتين دلت على معنى لم تدل عليه الأخرى ، كأن كل قراءة بمثابة آية أخرى، وتأكَّدَ لدينا أن القراءة ترد في موضعها لتأدية المعنى المراد، بحيث لو كانت قراءة واحدة ما أدت هذا المعنى، وليس هذا إلا مفهوم الإعجاز البلاغي كما وضّحْت ، وهكذا ندرك تلك العلاقة بين القراءات، والإعجاز البلاغي .
ولا بد أن نعلم أن اتفاق القراء جميعا على قراءة واحدة هو( إعجاز بلاغي أيضا) ودليل على أن القراءات وحي منزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فاتفاقهم جميعا على قراءة ( فلما جاء أمرنا ) بالفاء في موضعين ، وبالواو في موضعين في سورة : هود ، واتفاقهم أيضا على قراءة واحدة : (هامدة ) في موضعها , 0خاشعة) في موضعها إعجاز بلاغي ولذا نخرج بخلاصة هي:
1- أن ورود القراءات في الكلمة الواحدة في موضع دون موضع آخر هو عين الإعجاز البلاغي .
2- أن اتفاق القراء جميعا على قراءة واحدة هو إعجاز بلاغي .
3- أن ورود القراءة الشاذة (فقط) في الموضع إعجاز بلاغي .
وسأبين ذلك فيما بعد بحول الله وقوته .
ولولا خوف الإطالة، والمقام لا يتسع لأتَيْتُ ههنا بكل ما يؤَكّدُ تلك العلاقة الرابطة بين القراءات والإعجاز البلاغي ، ولكن أكتفي بهذا.
وأما الإجابة على السؤال وهو : إذا كان القرآن الكريم مكونا من الحروف والكلمات التي يعرفها الناس ويستعملونها؛ فما وجه الإعجاز البلاغي فيه ؟؟؟؟
نعلم أن البلاغة : مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
أي : أن الكلام لا يكون بليغا إلا إذا طابق حال المخاطب ، ونعلم أن حال المخاطب منه ما هو ظاهر ، ومنه ما هو باطن ؛ أي : خفي وهذا لا يعرفه أحد من المخلوقين ، فالله وحده هو الذي يعلم السر وأخفي ويعلم ما في نفسك الذي لا يستطيع أن يعرفه أحد ؛ فمَن ذا الذي يستطيع أن يتعمق في النفس البشرية فيخاطبها بما في أعماقها وما لم يطلع عليه أحد إلا الله سبحانه وتعالى؟ ، فمن هنا – والله أعلم – ندرك سر الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم . وأما سؤال الأخت طالبة القمة وهو: عن القراءات في كلمة ( مالك) دون غيرها فسيأتي بحول الله وقوته .
وللحديث بقية للتوضيح أكثر بمشيئة الله تعالى .
فأسأل الله عز وجل أن يرزقني وإياكم الفهم والإخلاص في القول والفعل والعمل إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله سبحانه وتعالي أعلي وأعلم
__________________
اللهم اجعلنا من أهل القرآن فهم أهلك وخاصتك
|