عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 09-23-2011, 07:09 PM
أم نافع السلفية التونسية غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2011
الدولة: تونس
المشاركات: 50
افتراضي

التقييد الثالث: أنواع إعجاز القرآن

القرآن كلامٌ, والكلام ألفاظ ومعان, وإلى هذا تنتهي أنواع إعجاز القرآن.
فإعجازه: على الجملة إعجاز لفظ, وإعجاز معنى, وينظم إليهما نوع آخر مستقل من الإعجاز, وهو تأثيره في النفوس وصنيعه في القلوب, قال الخطابي: "إنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراًً إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال, ومن الروعة والمهابة في حال أخرى وما يخلص منه إليه". (1)
قال سبحانه وتعالى: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } (2), وقال: { الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } (3).
فهذه الثلاثة جملة أنواع الإعجاز, ثم تتعدد أنواعه بتعدد وجوهها, فهو أنواع متعددة بتعدد جمل الألفاظ وراكيبها, وبتعدد إنشاءات المعاني وأخبارها, وتعدد آثاره في النفوس من رغبة ورهبة ومهابة وسكينة ونحو لك.
قال الخطابي:"وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلالثة: لفظ حامل, ومعنى به قائم, ورباط لهما ناظم, وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه, ولا ترى نظماً أحسن تأليفاً وأشد تلاؤماً وتشاكلاً من نظمه, وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام وأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير الذي أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً.
فتفهم الآن واعلم أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف, مضمناً أصح المعاني, من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته, ودعاء إلى طاعته, وبيان لمنهاج عبادته, في تحليل وتحريم وحضر وإباحة, ومن وعظ وتقويم, وأمر بمعروف ونهي عن منكر, وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها, واضعاً كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه, ولا يرى في صورة الغقل أمر أليق به منه, مودعاً أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم, منبأً عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان, جامعاً في ذلك بين الحجة والمحتج له, والدليل والمدلول عليه, ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعى إليه وإنباءً عن وجوب ما أمر به ونهى عنه". (4)
وقال ابن تيمية -رحمه الله-: "بل هو [أي القرآن] آية بينة معجزة من وجوه متعددة, من جهة اللفظ, ومن جهة النظم, ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى, ومن جهة معانيه التي أمر بها, ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك, ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي وعن الغيب المستقبل, ومن جهة ما أخبر به عن المعاد, ومن جهة مابين فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية التي هي الأمثال المضروبة كما قال تعالى: { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً } (5), وقال تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا } (6), وقال: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون, قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون } (7), وكل ماذكره الناس من وجوه إعجاز القرآن هو حجة على إعجازه ولا يناقض ذلك,بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له". ( 8 )
وقد عدد أهل العلم أنواع إعجاز القرآن حتى أوصلها السيوطي في جمعه في كتاب: "معترك الأقران في إعجاز القرآن" إلى خمسة وثلاثين نوعاً.
وأرادأ أقوال الناس وأبعدها عن الحق قول من قال: إن إعجاز القرآن في صرف الناس عن معارضته مع قدرتهم على ذلك وقيام الداعي إليه (9), وهذا القول بالصرفة باطل من وجوه:
الأول: أن القرآن تحدى الخصوم أن يأتوا بمثله, واستثار حميتهم, وكرر التحدي والتقريع به, ودعى إلى الإستعانة بكل من يمكن الإستعانة به للإتيان بمثله.
وهذا التحدي إنما هو دعوة إلى المعارضة وإغراء بها واستثارة إلى محاولة وممارستها.
الثاني: أنهم لم يجدوا أنفسهم مصروفيين عن المعارضة بل قد حاولوا وجاءوا بما زعموه معارضاً فافتضحوا وتمكن إعجاز القرآن, قال ابن تيميه -رحمه الله-: "وقد إنتدب غير واحد لمعارضته, لكن جاء بكلام فضح به نفسه, وظهر به تحقيق ما أخبر به القرآن من عجز الخلق عن الإتيان بمثله, مثل قرآن مسيلمة الكذاب, كقوله ( يا ضفدع بنت ضفدعين, نقي كم تنقين, لا الماء تكدرين , ولا الشراب تمنعين, رأسك في الماء وذنبك في الطين ) ". (10)
الثالث: أنه لو كان الإعجاز في الصرفة لكانت هي المعجزة لا القرآن نفسه, ولكان تحداهم بأن ينصرفوا إلى معارضته لا بالمعارضة نفسها.
قال الباقلاني: "ومما يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزاً وإنما يكون المنع معجزاً, فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه". (11)
وحاصل القول في أنواع إعجاز القرآن أنها في الجملة ثلاثة أنواع:
الأول: إعجازه في ألفاظه وأسلوبه, وهو الإعجاز اللغوي.
الثاني: إعجازه في المعاني التي دلت عليها الألفاظ, وهو الإعجاز في علومه التي تضمنها, وهو يشمل: نوعان عامان:
الإعجاز التشريعي: وهو إعجازه في أوامره ونواهيه وسائر أحكامه وأقضيته.
الإعجاز العلمي: وهو إعجازه في أخباره بالمغيبات الماضية والمستقبلة وبما تضمنه منأخبار عن أسرار الكون والآيات في الآفاق وفي أنفس بني آدم.
الثالث: إعجازه في آثاره في نفوس سامعيه,وهو الإعجاز المعنوي.
هذا ولعله يلاحظ وقوع التعبير بلفظ "الأنواع" مكان لفظ "الوجوه" الذي جرى العرف به في كتب العلم فيغلب في الإستعمال أن يقال: وجوه إعجاز القرآن, ولكن لفظ "الأنواع" أولى , لأن وجه إعجاز القرآن واحد وهو كونه كلام الله سبحانه منه بدأ, ومهما تعددت أنواع الإعجاز فإن سر إعجاز كل منها ووجهه هو كونه كلام الله الذي لا يشبه كلام مخلوق ولا يشبهه كلام المخلوقين, تعالى الله وتقدس عن المشابهة, { قل هو الله أحد, الله الصمد, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفواً أحد }, { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }.


--------------
(1) بيان إعجاز القرآن ص65.
(2) الحشر 21.
(3) الزمر 23.
(4) بيان إعجاز القرآن 22 وما بعدها.
(5) الكهف 56.
(6) الروم 58.
(7) الزمر 27-28.
( 8 ) الجواب الصحيح 4/74-75.
(9) هذا هو القول بالصرفة, وقد اشتهر به النظام أحد رؤوس المعتزلة.
(10) الجواب الصحيح 4/76-77.
(11) إعجاز القرآن 54.
__________________
عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعهما مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر" صحيح البخاري
رد مع اقتباس