عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 09-23-2011, 07:08 PM
أم نافع السلفية التونسية غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2011
الدولة: تونس
المشاركات: 50
افتراضي

التقييد الثاني: دلالة إعجاز القرآن

إن المقصود من تأييد الأنبياء بالمعجزات هو إقامة الدليل على صدق الرسول وصحة الرسالة وإسقاط شبه المبطلين وتمحكات المعاندين لتحقيق فائدة الرسالة ومقصودها وهو اجتماع الناس على رسول والتدين لله بالرسالة, ولذلك سماها الله بينات وبرهان.
فدلالة المعجزات هي صدق الأنبياء وثبوت نبوتهم في حقيقة الأمر وأصله وليس مدلولها مجرد إشاعة دعوى النبوة والإخبار عنها.
ولذلك جعل الله عز وجلّ آيات أنبيائه من خصائص قدرته خارجة عن مقدورات البشر , لأنه لما كانت النبوة منه سبحانه والرسول رسوله مرسلاً من عنده وبأمره ومبلغاً عنه وواسطة بينه وبين خلقه اقتضى المقام أن تكون العلامة الدالة على صحة الرسالة وصدق الرسول منه سبحانه, من خصائص قدرته, فهو المرسل وهو معطي العلامة, وإذا كانت العلامة التي مع الرسول من خصائص المرسِل ولاتكون إلا منه ولا تعرف إلا له دل هذا على صدق الرسول وصحة الرسالة.
وعلى هذا ورد إعجاز القرآن فهو دليل على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وثبوتها له صلى الله عليه وسلم وصحة نسبتها إلى الله عز وجلّ لأنها كلام الله الذي يخصه فلا يشبهه كلام, فعجز الخلق على الإتيان بمثله وثبوت كونه كلام الله نفسه سبحانه علامة بينة للنبي صلى الله عليه وسلم على صدق دعواه صلى الله عليه وسلم أنه مرسل من الله وأن ما يبلغه هو مطلوب الله من خلقه.
وهاهنا أمور تتعلق بدلالة إعجاز القرآن على ثبوت النبوة:
الأول: أن العلم بدلالة إعجاز القرآن على ثبوت النبوة علم ضروري والأدلة النظرية توافقه (1), ولذلك فإن القرآن دليل على النبوة وإن لم يقع التحدي به, فليس من شرط دلالته أن يتحدى به, ولذلك لما سمع النجاشي ما تلاه عليه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من القرآن, قال: " إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحده" (2) فهذا من النجاشي علم ضروري.
ومن هذا القبيل قول المغيرة بن شعبة لقريش لما سمع شيئاً من القرآن: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني, ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني, ولا بأشعار الجن, والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا, ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإنه لمثمر أعلاه, ومغدق أسفله, وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته". (3)
ومنه قول أنيس أخي أبي ذر: "لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم, ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر, والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون". (4)
الثاني: أن دلالة إعجاز القرآن على ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم غير مختصة بزمنه صلى الله عليه وسلم ولا بقومه العرب, ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر, وإنما كان الذي أوتيته وحياً أو حاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة". (5)
ولذلك لما كانت رسالته صلى الله عليه وسلم عامة في الخلق أجمعين وهي مراد الله منهم إلى يوم القيامة لا يقبل ديناً غير ولا يُعبد إلا بشرعة محمد إلى قيام الساعة, لما كان ذلك كذلك كان القرآن باقياً محفوظاً إلى يوم القيامة لا يدخله تحريف ولا تبديل لأنه دليل ثبوت النبوة وصحة الرسالة وإعجازه فيها ناطق إلى يوم القيامة بصحة الرسالة: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }. (6)
وهو كلام الله, والخلق عن بكرة أبيهم واستقصاء أماكنهم وتوالي أزمنتهم لا قدرة لهم على الإتيان بمثل سورة منه (7), { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً }. ( 8 )
الثالث: أن القرآن بإعجازه ليس دالاً على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وحده, بل وعلى صدق من دعى إلى ملته وأخبر على نبوته من جميع الخلق في كل زمن.
وهذا الأمر فرع عن سابقه.


------------
(1) انظر النبوات ص338.
(2) هذا وارد في حديث جعفر بن أبي طالب الطويل, وهو حديث حسن أخرجه أحمد 1/202, وابن اسحاق-السيرة النبوية- 1/347-351, وأبو نعيم في الحلية 1/115-116, وفي الدلائل 1/246-250, والبيهقي في الدلائل 2/301-.., وابن عساكر في تاريخه, انظر: البداية والنهاية لابن كثير 3/71-74 , وصحح الحديث: أحمد شاكر في ترتيبه المسند 3/180, وصاحب الفتح الرباني 20/229.
(3) أخرجه الحاكم 2/506, وقال: "هذا حديث صحيح الاسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي, وعن طريقه أخرجه البيهقي في الدلائل 2/198, وأخرجه ابن جرير في التفسير 16/98, والواحدي في أسباب النزول 250.
(4) ورد هذا في سياق حديث إسلام أبي ذر, أخرجه مسلم في صحيحه 4/1917,ح 2471.
(5) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, البخاري مع الفتح 9/3,ح4981, ومسلم 1/134,ح152.
(6) الحجر 9.
(7) وهذا من خصائص القرآن فإنه هو آية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو رسالته وشرعته, فاجتمع فيه الإعجاز والمنهج, النبوة ودليلها, وكانت معجزات الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم منفكة عن المنهج مستقلة بنفسها.
( 8 ) الإسراء 88.
__________________
عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعهما مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر" صحيح البخاري
رد مع اقتباس