وفيه ثلاثة تقييدات:
التقييد الأول: معنى الإعجاز.
التقييد الثاني: دلالتـــه.
التقييد الثالث: أنوعــه.
***
تقييدات في إعجاز القرآن
التقييد الأول: معنى الإعجاز:
المعجزة والإعجاز مشتقان من الفعل:عجز, ومعنى عجز: ضعف, يقال: عَجِز عن الشيء وعَجَز -بفتح الجيم وكسرها- عجْزاً ومَعْجِزَةً ومَعْجَزَةً ومَعْجِزَاً ومَعْجَزَاً فهو عاجز أي ضعيف.
قال ابن الأعرابي: لا يقال: عجز الرجل إلا إذا عظم عجزه. (1)
قال الراغب: "العَجْزُ أصله التأخر عن الشيء وحصوله عند عَجُزِ الأمر أي مؤخَّرِه",قال: "وصار في التعارف اسماً للقصور عن فعل الشيء وهو ضد القدرة". (2)
قال الأزهري: "معنى الإعجاز: الفوت والسبق" قال: "وقال الليث: أعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه". (3)
ومنه سميت آيات الأنبياء معجزات لأن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثلها, خارجة عن مقدورهم, وإن طلبوا الإتيان بمثلها وسعوا إليه فلن يدركوه.
ووجه الإعجاز في آيات الأنبياء أنها لا تدخل تحت قدرة العباد مطلقاً, ولا تكون إلا للأنبياء, خاصة بهم, وليست هي من جنس معجزات السحرة والكهنة إذ معجزات هؤلاء ليست خارقة لعادات بني آدم, بل كل ضرب منها معتاد لطائفة من الناس مقدور عليه عندهم وليست خارجة عن مألوفهم, وخرقها إنما هو لعادة من لم يعتد عليها ولا علم له بها ولم يألفها وليست هي خارجة عن سنن الله التي أجراها في كونه, بل فيها استخدام سنن الله الجارية في تغيير ما جرت به العادة الظاهرة, فمثلاً:
جرت سنة الله في كونه أن الزئبق يضطرب ويميد إذا أصابته حرارة, فإذا لُطخت به عصيٌ وحبالٌ ثم ألقيت هذه العصي والحبال في أرض أصابتها حرارة الشمس في وقت ضحىً وهو وقت ارتفاع الشمس واشتداد حرارتها ومع حرارة الأرض أصابت حرارة الشمس العصي والحبال أيضاً, فإنها ستميد وتضطرب وتهتز حتى يخيل لمن يراها أنها تسعى, كما فعل السحرة بين يدي موسى عليه السلام في الموعد الذي جمع الناس له. (4)
ففي هذا استخدام سنة كونية أجراها الله وهي: اضطراب الزئبق من الحرارة, في خرق عادة مألوفة عند الناس وهي: كون العصي والحبال لا تضطرب ولا تسعى.
أما معجزات الأنبياء فليست مقدورة لأحد من البشر مطلقاً, لأن فيها خرقاً للسنن التي أجراها الله في الكون, ولا يخرق سنة جارية إلا من أجراها سبحانه وتعالى.
فمثلاً: أجرى الله في خلقه أن الجمادات كالحبال والعصي لا حياة فيها ذاتها ولا تنقلب عن أصلها إلى حيوانات حية تسعى,ويستحيل على الخلق أن يفعلوا ذلك, ولكن الله أخلف سنته الجارية في ذلك لنبيه موسى عليه السلام فلما ألقى عصاه قلبها الله حية حقيقة تسعى, ولذلك آمن السحرة وخروا سجداً لأنهم تيقنوا أن ما أجراه الله لموسى عليه السلام لم يكن من قبيل استخدام سنة كونية في مخالفة مألوف, بل هو إخلاف سنة جارية بنقيضها حقيقة على نحو لا يفعله ولا يقدر عليه إلا من خلق وأجرى سبحانه. (5)
------------
(1) انظر: الصحاح 3/884, ومعجم مقاييس اللغة 4/232.
(2) المفردات 322.
(3) تهذيب اللغة 1/340.
(4) انظر تفسير البغوي 3/224, وتفسير القرطبي 11/222, وتفسير ابن كثير 3/159, وتفسير أبي السعود 6/27, وروح المعاني 16/227.
(5) ولكن الذي ينبغي التنبه له, أن الله لا يخلف سنة أجراها إلا لسبب وحكمة, وقد اقتضت حكمته إجراء آيات الأنبياء التي فيها خرق سنة أجراها لسبب النبوة, ولذلك فإن آيات الأنبياء لا تكون إلا مع النبوة وهي مختصة بالأنبياء وبرسالاتهم ولا تقع إلا لتأييد الأنبياء وتثبيت الرسالات.
وعلى هذا فهذه سنة لله في كونه أن يجري هذه الآيات لهذه المقتضيات , فتكون سنة الله عز وجلّ وعادته في الأنبياء ورسالاتهم أن يميزهم بخصائص تمتاز بها عن غيرها ويعلم أن أصحابها من ذلك الصنف المخصوص.
فعند التحقيق والتدبر لا يكون في آيات الأنبياء خرقاً للسنن الكونية الجارية مطلقاً بل إنها سنن أجراها الله بإزاء سننه الجارية في كونه, قال ابن تيمية -رحمه الله- في النبوات ص330-331: " الرب تعالى في الحقيقة لا ينقض عادته التي هي سنته التي قال فيها: { سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً } وقال: { فهل ينظرون إلا سنة الأولين , فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً }, وهي التسوية بين المتماثين والتفريق بين المختلفين فهو سبحانه إذا ميز بعض المخلوقات بصفات يمتاز بها عن غيره ويختصه بها قرن بذلك من الأمور ما يمتاز به عن غيره ويختص به, ولا ريب أن النبوة يمتاز بها الأنبياء ويختصون بها".
إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: " ولم تكن له سبحانه عادة بأن يجعل مثل آيات الأنبياء لغيرهم حتى يقال: إنه خرق عادته ونقضها, بل عادته وسنته المطردة أت تلك الآيات لا تكون إلا مع النبوة والإخبار بها, لا مع التكذيب بها أو الشك فيها, كما أن سنته وعادته أن محبته ورضاه وثوابه لا يكون إلا لمن عبده وأطاعه, وأن سنته وعادته أن يجعل العاقبة للمتقين وسنته وعادته أن ينصر رسله والذين آمنوا كما قال تعالى: { ولو قاتلمكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً, سنة الله التي خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً } , وكل ما يظن أنه خرقه من العادات فله أسباب انخرقت فيها تلك العادات, فعادته وسنته لا تتبدل إذ أفعاله جارية على وجه الحكمة والعدل".
ولعله يمكن القول : إن آيات الأنبياء هي سنن خاصة جارية على خلاف السنن العامة لحكمة اقتضت ذلك.
__________________
عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعهما مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر" صحيح البخاري
|