وإذا أضاف القارئ إلى بلاغة القرآن فصاحة اللسان فقرأه بتدبر وتفهّم وتثبت وتحفّظ، وزيّن قراءته بلسانه وحسَّنها بصوته؛ إذ القرآن بلغة العرب نزل، فهو بألفاظها يُحسَّن وبمنطقها يُزَيَّن-فقد خرج عن عهدة الأمر في قوله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا) واستحقَّ أعلى منازل المقرئين لقوله: r (الذي يقرأ القرآن وهو به ماهر مع السَّفرة الكرام البررة)([23]) ، وصار جامعا للأسماع النافرة على الإصغاء إليه، وجاذبا للقلوب القاسية إلى تفهّمه والاشتمال عليه، ومستضيفا إلى الثواب الحاصل له بالتلاوة ثوابَ المستمع إليه والمنصت نحوَه، وعمَّت الرحمةُ المرجوَّةُ بقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) وكفى بذلك باعثا على مزاولته وتعاطيه([24]).
قال الإمام عبد الله بن ذكوان المقرئ: وأن يُزيِّن - أي القارئ -قراءته بلسانه ويحسّنها بصوته، ويعرف مخارج الحروف في مواضعها ويستعمل إظهار التنوين عند حروف الحلق إظهارا وسطا بلا تشديد وإخراج الهمزة إخراجا وسطا حسنا، وتشديد المضاعف تشديدا وسطا من غير إسراف ولا تَعَدٍّ ([25]) .
-شكر نعمة الله تعالى: فمن خصه الله عز وجل بفصاحة اللسان، وحسن الأداء لتلاوة القرآن، ووهب له مع ذلك حسن صوت، واستقامة طريق، مع عفاف وستر، ونسك وصدق، فليعلم مقدار ما خصه مولاه الكريم به، وما وهب له ومنَّ به عليه، فليكثر الحمد والشكر والثناء عليه بما هو أهله ومستحقه ومستوجبه، فقد أنعم عليه بعظيم، ومنَّ عليه بجسيم، فليحذر –من كانت هذه صفته من أهل القرآن- التعرض للملوك وأبناء الدنيا، والقراءة لهم، والصلاة بهم، لكي ترفع منزلته عندهم، وتنقضي حوائجه لديهم؛ فإن ذلك مما يحبط منزلته، وتزل به قدمه فيعود عليه من ضرر حسن صوته، وفصاحة لسانه، ما لا تحمد عواقبه في الدنيا والآخرة ([26]).
وينبغي لي قارئ القرآن أيضا أن يكون لله حامداً، ولنعمه شاكراً وله ذاكراً، وعليه متوكلاً وبه مستعينا، وإليه راغبا وبه معتصما، وللموت ذاكرا وله مستعدا، وينبغي له أن يكون خائفا من ذنبه، راجيا عفو ربه، ويكون الخوفُ في صحته أغلب عليه؛ إذ لا يعْلم بما يُختَم له، ويكون الرجاء عند حضور منيَّته أقوى منه في نفسه –لحسن الظن بالله- وقرب منيَّته منه، وينبغي له أن يكون عالماً بأهل زمانه، متحفِّظا من شيطانه، ساعياً في خلاص نفسه ونجاة مُهجتِه، مُقدِّما بين يديه ما يقدر عليه من عَرَضِ دنياه، مجاهداً لنفسه في ذلك ما استطاع ، وينبغي له أن يكون أهمَّ أموره عنده الورع في دينه واستعمال تقوى الله ومراقبته فيما أمر به ونهاه عنه([27])
-البعد عن الحسد والغلّ: فعن عبد الله بن عمرو قال: من جمع القرآن فقد حُمِّل أمرا عظيما، وقد استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغي لصاحب القرآن أن يحسد فيمن يحسد، ولا يجهل فيمن يجهل، وفي جوفه كلام الله عز وجل([28]).
فينبغي له أن لا يحبس في نفسه غلاًّ لمسلم، وأن يعفو عمّن ظلمه، ويصل من قطعه ويعطي من حرمه، وأن يأخذ بالفضل في أموره إذ لا منزلة فوق منزلته([29])
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
في داخلي التحمت مشاعر بهجتي **** بأحبة في شرعة الرحمـن
أحببتهن وسأظل أعلنها لهــــــن **** ماعدت قادرة على الكتمان
سأظل يبهرني جميل فعالــــــهن **** وأذوق منهن روعة التحنـان
سأظل داعية لهن في غيبهــــن *** وتظل حجتنا على الإيمـــــــان
|