![]() |
منازل العبودية
يقول بن القيم رحمه الله متحدثا عن العبودية في كتابه الرائع الماتع ( مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ) فَصْلٌ : فِي مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ الَّتِي يَنْتَقِلُ فِيهَا الْقَلْبُ مَنْزِلَةً مَنْزِلَةً فِي حَالِ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي صِفَةِ الْمَنَازِلِ وَعَدَدِهَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا أَلْفًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا مِائَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ وَنَقَصَ ، فَكُلٌّ وَصَفَهَا بِحَسَبِ سَيْرِهِ وَسُلُوكِهِ . وَسَأَذْكُرُ فِيهَا أَمْرًا مُخْتَصَرًا جَامِعًا نَافِعًا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . فَأَوَّلُ مَنَازِلِ الْعُبُودِيَّةِ الْيَقَظَةُ وَهِيَ انْزِعَاجُ الْقَلْبِ لِرَوْعَةِ الِانْتِبَاهِ مِنْ رَقْدَةِ الْغَافِلِينَ ، وَلِلَّهِ مَا أَنْفَعَ هَذِهِ الرَّوْعَةَ ، وَمَا أَعْظَمَ قَدْرَهَا وَخَطَرَهَا ، وَمَا أَشَدَّ إِعَانَتَهَا عَلَى السُّلُوكِ ! فَمَنْ أَحَسَّ بِهَا فَقَدْ أَحَسَّ وَاللَّهِ بِالْفَلَاحِ ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي سَكَرَاتِ الْغَفْلَةِ فَإِذَا انْتَبَهَ شَمَّرَ لِلَّهِ بِهِمَّتِهِ إِلَى السَّفَرِ إِلَى مَنَازِلِهِ الْأُولَى ، وَأَوْطَانِهِ الَّتِي سُبِيَ مِنْهَا . فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا مَنَازِلُكَ الْأُولَى وَفِيهَا الْمُخَيَّمُ فَأَخَذَ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَنْزِلَةِ الْعَزْمِ وَهُوَ الْعِقْدُ الْجَازِمُ عَلَى الْمَسِيرِ ، [ ص: 143 ] وَمُفَارَقَةُ كُلِّ قَاطِعٍ وَمُعَوِّقٍ ، وَمُرَافَقَةُ كُلِّ مُعِينٍ وَمُوَصِّلٍ ، وَبِحَسَبِ كَمَالِ انْتِبَاهِهِ وَيَقَظَتِهِ يَكُونُ عَزْمُهُ ، وَبِحَسَبِ قُوَّةِ عَزْمِهِ يَكُونُ اسْتِعْدَادُهُ . وَلَكِنَّنَا سَبْيُ الْعَدُوِّ فَهَلْ تَرَى نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلِّمُ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَوْجَبَتْ لَهُ الْيَقَظَةُ الْفِكْرَةَ وَهِيَ تَحْدِيقُ الْقَلْبِ نَحْوَ الْمَطْلُوبِ الَّذِي قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ مُجْمَلًا ، وَلَمَّا يَهْتَدِ إِلَى تَفْصِيلِهِ وَطَرِيقِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ . فَإِذَا صَحَّتْ فِكْرَتُهُ أَوْجَبَتْ لَهُ الْبَصِيرَةَ فَهِيَ نُورٌ فِي الْقَلْبِ يُبْصِرُ بِهِ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ ، وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ فِي هَذِهِ لِأَوْلِيَائِهِ ، وَفِي هَذِهِ لِأَعْدَائِهِ ، فَأَبْصَرَ النَّاسَ وَقَدْ خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ مُهْطِعِينَ لِدَعْوَةِ الْحَقِّ ، وَقَدْ نَزَلَتْ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ فَأَحَاطَتْ بِهِمْ ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ ، وَقَدْ نُصِبَ كُرْسِيُّهُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، وَقَدْ نُصِبَ الْمِيزَانُ ، وَتَطَايَرَتِ الصُّحُفُ ، وَاجْتَمَعَتِ الْخُصُومُ ، وَتَعَلَّقَ كُلُّ غَرِيمٍ بِغَرِيمِهِ ، وَلَاحَ الْحَوْضُ وَأَكْوَابُهُ عَنْ كَثَبٍ ، وَكَثُرَ الْعِطَاشُ وَقَلَّ الْوَارِدِ ، وَنُصِبَ الْجِسْرُ لِلْعُبُورِ ، وَلُزَّ النَّاسُ إِلَيْهِ ، وَقُسِّمَتِ الْأَنْوَارُ دُونَ ظُلْمَتِهِ لِلْعُبُورِ عَلَيْهِ ، وَالنَّارُ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا تَحْتَهُ ، وَالْمُتَسَاقِطُونَ فِيهَا أَضْعَافُ أَضْعَافِ النَّاجِينَ . فَيَنْفَتِحُ فِي قَلْبِهِ عَيْنٌ يَرَى بِهَا ذَلِكَ ، وَيَقُومُ بِقَلْبِهِ شَاهِدٌ مِنْ شَوَاهِدِ الْآخِرَةِ يُرِيهِ الْآخِرَةَ وَدَوَامَهَا ، وَالدُّنْيَا وَسُرْعَةَ انْقِضَائِهَا . فمنازل العبودية كما أوضحها المنزلة الأولى : اليقظة المنزلة الثانية : العزم المنزلة الثالثة : الفكرة المنزلة الرابعة : البصيرة http://www.alfrasha.com/up/510957756129944627.jpg |
بارك الله فيك غاليتي و نفع بك
|
| الساعة الآن 10:56 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas