![]() |
تفريغ خطبة الجمعة 9 من ذي القعدة 1432 هـ بعنوان (( راجع نفسك )) لشيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة 9 من دي القعدة 1432 هـ راجع نفسك http://img233.imageshack.us/img233/503/nasser147gj0.gif وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [ الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تعَالَى، وَخيرَ الهَدْيِ<الهَدْي: السيرة والهيئة والطريقة.> هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة. ثم أما بعد: عباد الله: في زحمةٍ من الحياة يرى العبد نفسه قد تاه مع من تاه, وغاب مع من غاب, يرى أن قلبه تشتت, وأن نفسه ضلَّت, وأنه كلما أراد أن يرجع إلى قلبه عجز, وكلما أراد أن يلمَّ شَعْث نفسه, ما استطاع إلى ذلك سبيلا. يرى العبد نفسه مقبلٌ على الدنيا, مدبرٌ عن الآخرة, يرى أن الدنيا هي حظه ونصيبه، وأن الآخرة هي أبعد نا تكون عن نفسه وقلبه, يتمنى ويتمنى ولكن ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي, إنما ما وقر في القلب وصدَّقه العمل. يخدم جسمه ويرعاه, وينسى نفسه وقلبه, وقد أحسن من قال : يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته وتطلب الربح مما فيه خسران عليك بالنفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان ربنا -عز وجل- يقول {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}. [الشمس:7-10], فالفلاح معلقٌ بتزكية النفسوبتعجيل التزكية قبل أن يأتي الموت, فتقول النفس {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ}. [الزمر:56], ولن تنفع الحسرات, ولن ينفع الندم. إن للنفس أوابد كأوابد الوحش يهجم بها العبد على معاصي الله, يهجم بها العبد ليخرم أمر الله, ترى نفسك التي بين جنبيك كلما أردت أن تُقيمها أسقطتك, وكلما أردت أن تُصلحها سآءتك, وكلما حاولت أن تسير بها إلى الله -عز وجل- أقعدتك. ترى فيك نفسًا دنية تحاول أطرها إلى الحق فلا تُجيب, وقد روى الترمذي بسندٍ جيد عن كعب بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال {مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِى غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ}. <الترمذي (2376), أحمد (3/460)>. آفاتان عظيماتان إن تلبَّث بهما العبد انتكس وقلَّ أن يرجع الأولي : أن يكون همه المال. الثانية : وأن يكون همه المنصب والشهرة والجاة. {مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِى غَنَمٍ} وفي رواية {في زَريبة غَنَمٍ بَاتَا فِيهَا}, {بِأَفْسَدَ لَهَا} والزريبة مكانٌ مغلق, والذئب بمفرده ربما يكون جبانًا, فإن آنسه آخر استوحش, أي صار وحشا, فأفسدا هذه الزريبة. {الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ} أن يجعل دينه مطية لجلب المال, وأن يجعل دينه مطية لجلب الشرف والمنزلة والمكانة, وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِىَّ الْغَنِىَّ الْخَفِىَّ}. <مسلم (2965) عن سعد بن أبي وقاص >. أيها الأحباب إن سلعة الله هي الجنة, وما رضيّ الله -عز وجل- لعباده الدنيا, إنما جعل الدنيا مرحلة وجعلها محطة ينتقل منها إما إلى جنة وإما إلى نار, فجعل الجنة لأولياءه, وجعل الجنة في جوار الرحمن لأولياءه, غرسها بيده وأعدها وزيَّنها لخلقه وعباده, ذكَّرهم بمعصية الأب الأول {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}. [طه:121], فلما سقط بالمعصية وندم وتاب وزكَّى نفسه وبكى على خطيئته, اجتباه ربه {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}. [طه:122]. فأيها الأحباب: إن الحياة خطةٌ عظيمة إن لم تجعل في طاعة الله -عز وجل- هلكت, وإن سوَّفتك نفسك وأردتك في أوحال الذنوب والمعاصي واقترفت الخطايا وتجرأت على الله -عز وجل-, فما أقل حياؤك, فما أقل حياؤك, ولذلك يقول أرباب القلوب "إن العبد إن عصى الله -عز وجل- ولا يرى الله -أي لا يستشعر أن الله يراه- أو أن الله معه, فهو مشرك, وإن علم أنه يراه ولكنه يعصي, فهو خسيس", فمن ثم؛ كانت الذنوب مصائد من الشيطان للعبد ليُهلكه. أيها الأحباب كان من سبق يشغلهم أمر الآخرة, كانوا لا يُفكرون إلا في الجنة, كيف يدخلون الجنة, ولا يُفكرون في النار، إلا وكيف ينجون من النار, هذا كان همهم. روى الترمذي بسندٍ جيد عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال كنا يومًا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فنزلنا بوادي فاستراح النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه, قال فما استطعت أن أنام, ما الذي هيَّج قلب معاذ حتى أنه عجز عن النوم, فقام وقد شغله شاغل, دنا من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكنه رأه نائما, فعاد ثم دافعه حنين القلب بشيءٍ قد شغله فعاد مرةً أخرى فأحس به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال من؟ قال معاذ, قال ابن جبل؟ قال نعم يا رسول الله, قال مابك يا معاذ؟ قال يا رسول الله {أَخْبِرْنِى بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِى الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِى مِنَ النَّارِ}. هذا كان شغلهم وكان همهم, لا يُفكرون بالحقير ولا في الحقير من الدنيا, إنما كان همهم كيف يدخلون الجنة, دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدنى عن النار, كان النبي -صلى الله عليه وسلم- راقدا فقام وجلس وقال {لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ}. < الترمذي (2616)، ابن ماجه (3973) >. {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} من استطاع أن يُجمل الأمر وأن يُحقق المراقبة بينه وبين الله -عز وجل- وأن يعبر هذه الدنيا بسلام, هذا هو الزكي الذكي. {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} لقد قسَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- الطرق إلى الله -عز وجل- الطريق الأول: الإسلام. الطريق الثاني: الإيمان. الطريق الثالث: وإليه المنتهى, الإحسان. وهذا في حديث جبريل لمَّا سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام فدله على الإسلام {الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}. الإيمان, مرحلةٌ أعظم تتعلق بالقلوب {أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ}. ثم دله على آخر مراحل القلب, وعلى المنتهى من وصول النفس, لمَّا سُئل عن الإحسان قال {أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ} يقول بعض السلف "هنيئًا لك يا ابن آدم قد خلَّى الله -عز وجل- بينك وبينه وما جعل بينكما وسائط, ما عليك إلا أن تدخل المحراب فلا ترى عليه بوابًا ولا حارسا, إنما تقف, الوقوف بين يدي الله -عز وجل- فحينما تدخل في الصلاة تُرفع عنك الحجب فليس بينك وبين الله شيء". {أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ}. < مسلم (8) عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب >. إن غابت عنك الأولى, فإياك ثم إياك أن تغيب عنك الثانية, أن تكون موقنًا أن الله -عز وجل- يراك, كم من عبدٍ يستتر بالذنوب والمعاصي ويستحي أن يراه عبد, يستحي من عبدٍ مثله، ولا يستحي من الله -عز وجل-, {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ}. [النساء: 108]. أيها الحبيب إن حياتك خطة إن لم تسعى في نجاة هذه الروح, هلكت. حينما نعود إلى سلف الأمة, إلى خير أمة أُخرجت للناس, حينما نعود إلى هؤلاء القوم الذين عرفوا الله -عز وجل- حق المعرفة, وعرفوا كيف يصلون إلى الله, ومن ثم؛ وصلوا. وحينما نقف بين أمة قد تنكبت لكل ما هو محببٌ لله -عز وجل- وتعلقت بكل مُبغَّض لله -سبحانه وتعالى-, حينما ترى أمة سابقت إلى الله -عز وجل- وترى أمة قد ولَّت ظهرها لله -عز وجل-. لمَّا جلس النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه فقال {مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- أَنَا, قَالَ فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- أَنَا, قَالَ فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- أَنَا, قَالَ فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- أَنَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا اجْتَمَعْنَ فِى امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ}. < مسلم (1028) عن أبي هريرة >. الصديق -رضي الله عنه- كان رجلًا أسيفا, سريع الدمع, كثير البكاء, إن دخل في الصلاة لا تُعرف بعض قراءته من نشيجه, الصديق -رضي الله عنه- الذي زاحمه جُلّ الصحابة وما استطاع صحابي قط أن يصل إلى عمله. ثم الفاروق عمر -رضي الله عنه- الذي رتع في الجاهلية, حمل من الجاهلية أحمالا, وعرف نفسه, عرف خبيئتها, عرف سوءتها, أراد أن يُسابق ولن يسبق إلى الله -عز وجل- إلا بتخليه, أن يُخلِّي أوحال الجاهلية. عمر -رضي الله عنه- كان يخلو بنفسه ليُهذب هذه النفس ويُربيها ليأطرها على الحق أطرًا, ليسوقها إلى الله -عز وجل- سوقًا, كان طلحة بن عبيد الله يراها كثيرًا ما يذهب بعيدًا ويخلو، فوقع في نفس طلحة شيئًا فقال أين يذهب عمر, أراه يغيب أحيانًا, فتابعه مرة فرأه قد دخل حائطًا, عبارة عن بستان حوله سور, تابعه طلحة وهو يرقبه, قال فإذا هو ساجد قد بلّ الثرى, يقول عمر بن الخطاب أمير المؤمنين "بخٍ بخٍ, اتق الله أو ليعذبنك", فتعجب طلحة لحال عمر أنه ما نسي نفسه وهو أمير المؤمنين. لمَّا جاء الوفود إلى عمر, وفود فارس, وفود الروم, وفود مصر, وفود العرب, كل الوفود والدولة قد دانت لعمر, فلمَّا اجتمعوا معه وسمر معهم جزءًا من الليل فما استطاع أن ينام وما استطاع أن يرقد, ظل يتململ, ما ذاق نومًا قط حتى أُذِّن للفجر, فخرج فصلي بالناس ولا تسمع قراءته من نشيجه, من كثرة بكاءه, فلمَّا فرغ من صلاته صعد المنبر وكان الجمع عظيم, قال أنا عمر بن الخطاب كنت أرعى لخالاتٍ لي من بني مخزوم غنيمات، وكنت أجلب لهن الماء بحفنٍ من تمرٍ أو شعير, ثم نزل من على المنبر. كان على جانب المنبر عبد الرحمن بن عوف, فتعجب وقال يا أمير المؤمنين ماذا فعلت؟ ما معنى هذا الكلام, ما زدت على أن أزريت بنفسك, فسكت عمر، ولكن غلب ابن عوف مافي نفسه, ماذا يريد أمير المؤمنين, فقال يا أمير المؤمنين ماذا فعلت؟ وأن ترى وجوه الناس غرائب, غريبٌ, عددٌ من المسلمين ما يعرفوا ماذا تقول. فقال عمر لابن عوف اسكت يا ابن عوف حينما جاءني الوفود البارحة وجدت في نفسي نخوة, بمعنى قلت أنا أمير المؤمنين, أنا عمر, كل هذه الوفود وكل هذه البلاد تحت إمرتي, وجدت في نفسي نخوة فأردت أن أكسرها, أي أن يكسر نفسه. لمَّا بلغ عمر طلاق ابنته حفصة وكان مضجعًا في بيته, فلمَّا جاءه الخبر قام وصرخ وأسرع في الطرقات يحمل التراب على رأسه ووجهه ويقول وا سوأتاه لعمر وابنة عمر, وا سوأتاه لعمر وابنة عمر قد هلكا -أي عمر وابنة عمر- حتى وصل إلى باب ابنته, ولكن الله -عز وجل- رحم عمر, فجاء جبريل فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن راجع حفصة, لماذا؟ {لا تُطَلِّقْهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَإِنَّهَا زَوْجَتُكَ فِي الآخِرَةِ}. أيها الأحباب النفس, النفس التي تتحول في وعاء العبد إلى مارد, إلى مارد, تُحيل بينه وبين كل خير, وأعني بالخير الجنة, وتدفعه دفعًا إلى كل شر, وأعني بالشر الدنيا. الدنيا مطية, الدنيا مرحلة وأنت مسافر, لابد أن تُوقن أن سفرك قصير, أقصر مراحل السفر الدنيا, {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}. ثم قال عز وجل {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ}. [الحديد:20-21]. اجمع قلبك وعقلك وحدد هدفك، ماذا تريد؟ إن أردت الجنة فاجتهد وجد في العمل، وإن أردت الدنيا فما جمعت لنفسك إلا الخسيس . عودوا إلى ربكم واستغفروه .... الخطبة الثانية http://img233.imageshack.us/img233/503/nasser147gj0.gif عباد الله إن من سبقوا جعلوا لأنفسهم خطة رشاد، جعلوا لهذه النفس بوابة إلى الآخرة، وأغلقوا عليها كل السبل التي تحيل بينهم وبين سيرهم إلى الله عز وجل، جعلوا بابا مفتوحًا إلى الآخرة لا ينضب ولا يغلق أبدًا، كانوا على طاعات وعلى قربات، إن أغلق أمامهم بابًا سلكوا إلى باب أخر، فكانوا كثير الطرق على أبواب الخيرات حتى يصلوا إلى رب البريات. عرفوا كيف الوصول فكانت حياتهم عزة ورفعة ومنارات للأمة، وكان موتهم كذلك. لما دخل الأشرار على عثمان -على عثمان بن عفان- رضي الله عنه أمير المؤمنين قتلوه، وإن زوجه نائلة لتحاج عنه، قطعت أصابعها، فلما رأته قتل قالت قتلتموه وإنه والله لصوام قوام، وإنه ليحي الليل بالقرآن، كانت شهادة هؤلاء القوم ما للآخرة ليس ما للدنيا، ما للآخرة، وإنه ليحي الليل بالقرآن. ولما جلس علي رضي الله عنه بعد أن عظمت الفتنة وعظم الكرب واشتد البلاء بين المسلمين، جلس في المسجد فكأنه غاب عن الحاضرين فقال ذكرت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت شيئًا يشبههم، كانوا يبيتون لله عز وجل ركعًا سجدًا، بين أعينهم كركب المعز من كثرة السجود، ثم نظر إلى من حوله قال وكأن القوم باتوا غافلين. حينما تضع الميزان بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبين من بعدهم مباشرة ترى مفازة واسعة، ترى هوة عظيمة، فكف بمن بعد من بعدهم، ثم على هذا قس، كان أصحاب النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم يعرفون حال هذه النفس. أبو طلحة الأنصاري ثمرة من ثمار امرأة، أم سليم كانت امرأة جميلة دعاها أبو طلحة للزواج وهو مشرك، فكرت أن هذا الرجل قد يكون ثمرة للإسلام وللمسلمين، وكان من أغنى أغنياء المدينة، فعرضت عليه عرضًا، قالت له يا أبا طلحة إن مثلك لا يرد ولكنك مشرك. ثم قالت يا أبا طلحة أرأيت ما تعبد من حجر وشجر هل ينفع أو يضر، فإن هذه الأشياء يصنعها فلان وفلان وفلان من الصنع، يا أبا طلحة إن أسلمت فذاك مهري، فأسلم أبو طلحة الأنصاري وحسن إسلمه، ما زالت به أم سليم حتى جعلته من خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. كانت في كل موطن تدفعه إلى الله عز وجل، حين تتكعكع نفسه تعطيه بصيصًا من النور وهي امرأة. في غزوة أحد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن صوت أبي طلحة يعدل ألف من الرجال، وفي رواية يعدل فئة أي جمع عظيم من الرجال. أبو طلحة الأنصاري نظر في نفسه، هناك رواسب قديمة كيف يتخلص منها، أبو طلحة الأنصاري قرأ يومًا كتاب الله عز وجل ليس كقرآءتنا للقرآن، قرأ كتاب الله عز وجل فمر بأية، {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [نظر في نفسه ما هي أعلى وأغلى الأشياء فإذا هي بئر في داخل بستان بيرُحاء كان من أفضل مياة المدينة وأعذبها] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بَيْرُحَاءَ ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ . قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « بَخْ ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّى أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِى الأَقْرَبِينَ » . فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِى أَقَارِبِهِ. < البخاري (1461)، ومسلم (998) >. مر بمحطات، بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقد عاش بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ما يزيد على العشرين سنة بقليل، نيف وعشرين سنة ما ترك صيامًا قط، بل واظب وواصل الصيام إلى أن لقي الله عز وجل. أبو طلحة الأنصاري في آخر أيامه قرأ كتاب الله عز وجل لا كقرآءتنا لا للترنيم ولا لجمال الصوت ولا لهذه الأشياء، قرأ كتاب الله عز وجل فمر بآية {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}. [التوبة: 41]. نظر فإذا بهذه الآية توحي له معنًا جميلًا، {انْفِرُوا} أي إلى القتال في سبيل الله عز وجل، {خِفَافًا} أي شبابًا، {وَثِقَالًا} شيوخًا أو كهولًا، فجمع أبنائه وأحفاده وقال جهزوا لي لئمة الحرب، وعند أول غزوة ابعثوني فيها. فقالوا يا أبانا إنك معذور وقد جاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ما أقول لكم، فكانت غزوة في البحر فاكتتبوه فيها، فركب أبو طلحة الأنصاري البحر، ومات في عرض البحر، ودفن في جزيزة رضي الله عنه وأرضاه. وإن قلبت في شأن التابعين ترى العجب العجاب، داود بن أبي هند صام أربعين سنة دون أن تعلم زوجه بهذا، وكان عنده حانوت -دكان- كان يخرج في الصباح فيعطيه أهله الطعام، فإن لقي في الطريق مسكينًا أعطاه إياه ثم لا يعود إلى البيت إلا بعد أذان المغرب، ويظن أهله أنه أكل طعام الصباح، أربعين سنة. أيها الأحباب إن سير هؤلاء القوم تدعو إلى العجب، أهم من كوكب آخر؟! أهم من غير أجناس هذا الإنسان؟! كيف عاشوا هذه الحياة؟ كيف ساروا إلى الله عز وجل؟ كيف تقلبوا من طاعة إلى طاعة؟ كيف جعلوا بينهم وبين المعاصي مفاوز؟ ما الذي دهى الأمة؟ الكل حائر إلا من رحم الله عز وجل. يقول عبد الرحمن بن مهدي وكان سفيان فارًا هاربًا من أمير المؤمنين، وكان ملازمًا لبيته، وفراره والله ليس لجريمة ارتكبها سفيان، إنما أراد أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور أن يجعله رأسًا لهذه الأمة أن يكون مستشار أمير المؤمنين الخاص، إلا أن سفيان فر. فكان ابن مهدي يقوم من الليل فيتسمع حال سفيان، فكان يراه يقوم من الليل تارة يصلي، وتارة يقرأ القرآن، وتارة يصرخ ويستغيث النار النار النار، قال حتى أرحمه فأهجم عليه وأضمه إلى صدري حتى يسكن، فيبكي ويقول يا ابن مهدي إن ذكر النار كاد أن يقتلني. قال ابن مهدي كان يقوم من الليل فيقول إلهي ومولاي وربي إن للخلق إليك حاجات، ولي إليك حاجة -ولسفيان إليك جاحة-، أن تغفر له، ثم يبكي. كان يقول سفيان إن الخوف قد ملأ قلبي ونفسي، ولا أدري لما لم أمت، أي قوم هؤلاء؟ شعبة كان جلدًا على عظم من كثرة الصيام والقيام. أيها الأحباب إن دنياكم هذه خسيسة، خسيسة {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}. [الحديد: 20]. الدنيا لا تعدل عند الله عز وجل جناح بعوضة، فلما أشغلتكم؟ ولما عطلتكم وأجهدتكم؟ كم من بانٍ بنى عمارة وما دخلها؟ وكم من جمعٍ جمع المال وما نال منه شيئًا وخلَّفه على أبنائه ففسدوا به؟ كم من أقوام أملوا وأملوا ولا يبلغ العبد مناه ولن يصل إلى أماله، إن بينك وبين الأمنية مسافات. جعل النبي صلى الله عليه وسلم مربعًا، وجعل بداخله نقطة، ثم جعل خطًا خارج هذا المربع، ثم أشار إلى النقطة هذا الإنسان، هذا موضعه، وإلى المربع وهذا أجله، ثم بداخل المربع شروط وقال هذه الأشياء التي تحتوشه من فتن وبلايا إلى غيره، والذي خارج المربع أمله، ما يأمله، فبينما هو يؤمل ويؤمل إذ جاءه الأقرب الموت. ما نعلم أحدًا مات إلا وهو يؤمل، إما أن يربي ولدًا، إما أن يجمع مالًا، إما أن يصير مسئولًا، إما أن يكون له مكان في الدنيا ولكن الدنيا غدارة غرارة. كم غررت بالكثير؟ يروها في زي امرأة جميلة ولكنها امرأة شوهاء قبيحة سرعان ما تتبدَّى لأهلها بعد أن تهلكهم، تقول لهم قد سرتم خلفي فتكشف عن وجهها فتقول ها أنا ذا، بعد أن تحطم صاحبها. أيها الأحباب النفس، النفس تحتاج إلى وقفة، إلى وقفات، تحتاج منك إلى مراجعة أين قلبك؟ ما الذي يشغلك؟ ما الذي يعطلك؟ كم من الليل قمت؟ كم من النهار ذكرت؟ أين قلبك يتجه مع الله عز وجل أم مع نفس دنية ترتع في دنيا دنية ثم بعد ذلك يوفيك الأجل؟. {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}. [يونس: 49]. لو قربت مالك كله على أن تؤخر ساعة والله لن تصل، وإني لأعرف رجلًا كان فقيرًا، كان تحت مستوى الفقر -في القاع- فصار غنيًا حتى جمع من الأموال الكثير، وأنجب ذرية، ابتلى بمرض، ظل يعاني من هذا المرض ما يزيد على عشرة سنين، ثم بعد ذلك ضيع ماله، مات كما خرج إلى الدنيا، وهي الدنيا. أسال الله الكريم المنان أن يغفر ذنوبنا وأن يرحم ضعفنا http://www.arabsys.net/pic/zkarf/59.gifhttp://www.arabsys.net/pic/zkarf/59.gifوأن يجبر كسرنا اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان اللهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول أو عمل وأقم الصلاة ..اهـ |
جزاكم الله خيرا ونفع بكم
|
جزاكم الله خيرا اختي راجية
|
وخيرا جزاك ونفع بكم
|
الدرس رائع جدا اقرؤوه بقلوبكم نفعنا الله واياكم
|
| الساعة الآن 08:11 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas