![]() |
الموسوعة الفقهية
الموسوعة الفقهية / الجزء الأول أ ( أئمّة ) التّعريف : 1 - الأئمّة لغةً : من يقتدى بهم من رئيس أو غيره . مفرده : إمام . ولا يبعد المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ ، بإطلاقه الشّامل للمقتدى بهم عموماً في مجال الخير والشّرّ ، طوعاً أو كرهاً . الاطلاقات المختلفة لهذا المصطلح 2 - يطلق على الأنبياء عليهم السلام أنّهم « أئمّة » من حيث يجب على الخلق اتّباعهم ، قال اللّه تعالى عقب ذكر بعض الأنبياء : { وجعلناهم أئمّةً يهدون بأمرنا } كما يطلق على الخلفاء « أئمّةً » لأنّهم رتّبوا في المحلّ الّذي يجب على النّاس اتّباعهم وقبول قولهم وأحكامهم . وتوصف إمامتهم بالإمامة الكبرى ، كما يطلق أيضاً على الّذين يصلّون بالنّاس - وتقيّد هذه الإمامة بأنّها الإمامة الصّغرى - لأنّ من دخل في صلاتهم لزمه الائتمام بهم ، قال عليه الصلاة والسلام : « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، ولا تختلفوا على إمامكم » . وهناك إطلاقات اصطلاحيّة أخرى لمصطلح « أئمّة » عند العلماء تختلف من علم لآخر ، فهو يطلق عند الفقهاء على مجتهدي الشّرع أصحاب المذاهب المتبوعة ، وإذا قيل « الأئمّة الأربعة » انصرف ذلك إلى أبي حنيفة ، ومالك ، والشّافعيّ ، وأحمد . ويطلق عند الأصوليّين على من لهم سبق في تدوين الأصول بطرائقه الثّلاث : طريقة المتكلّمين ، كالجوينيّ والغزاليّ . وطريقة الحنفيّة ، كالكرخيّ والبزدويّ ، والطّريقة الجامعة بينهما ، كابن السّاعاتيّ والسّبكيّ ، وأمثالهم . ويطلق عند المفسّرين على أمثال مجاهد ، والحسن البصريّ ، وسعيد بن جبير . ويطلق في علم القراءات على القرّاء العشرة الّذين تواترت قراءاتهم وهم : نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائيّ ، وأبو جعفر ، ويعقوب ، وخلف . ويطلق مصطلح « أئمّة " عند المحدّثين على أهل الجرح والتّعديل كعليّ بن المدينيّ ويحيى بن معين وأمثالهما . وإذا قيل عندهم " الأئمّة السّتّة " انصرف ذلك إلى الأئمّة : البخاريّ ، ومسلم ، وأبي داود ، والتّرمذيّ ، والنّسائيّ ، وابن ماجه . وعدّ بعضهم مالكاً بدلاً من ابن ماجه ، وبعضهم أبدله بالدّارميّ . ويطلق عند المتكلّمين على أمثال الأشعريّ والماتريديّ ممّن لهم مذاهب وأتباع في العقيدة . ( الحكم الإجماليّ ) 3 - اجتهادات أحد أئمّة المذاهب الفقهيّة المعتبرة ( الّتي نقلت نقلاً صحيحاً منضبطاً تمّ به تقييد مطلقها ، وتخصيص عامّها ، وذكر شروط فروعها ) يخيّر في الأخذ بأحد تلك الاجتهادات لمن ليست لديه أهليّة الاجتهاد . وليس من الضّروريّ التزام مذهب معيّن . على أنّ من كانت لديه ملكة التّرجيح والتّخريج فإنّه يستعين بالاجتهادات الفقهيّة كلّها بعد التّثبّت من صحّة نقلها - ولو نقلت مجملةً - وله الأخذ بها عملاً وإفتاءً في ضوء قواعد الاستنباط والتّرجيح . وتلفيق عبادة واحدة أو تصرّف واحد من اجتهادات أئمّة متعدّدين في صحّته خلاف . وتفصيل ذلك كلّه موطنه الملحق الأصوليّ ، ومصطلحات : اجتهاد ، إفتاء ، قضاء ، تقليد ، تلفيق . 4 - وفي الإمامة بنوعيها : الإمامة العظمى ( الخلافة ) في قطر واحد ، والصّغرى ( إمامة الصّلاة ) في وقت واحد ومكان واحد ، يمتنع تعدّد الأئمّة في الجملة ، حتّى لا تتفرّق كلمة المسلمين . وتفصيل ذلك يرجع إليه في : إمامة الصّلاة ، والإمامة الكبرى . 5 - وفي أصول الفقه وأصول علم الحديث يقبل من الأئمّة ما أرسله أحدهم من أحاديث . والمرسل عند المحدّثين ما قال فيه التّابعيّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . 6 - والأكثرون على قبول مراسيل الأئمّة من التّابعين إذا كان الرّاوي ثقةً . ولهذا قالوا " من أسند فقد حمل ، ومن أرسل فقد تحمّل » . ومثّل لهم صاحب مسلم الثّبوت بالحسن البصريّ وسعيد بن المسيّب وإبراهيم النّخعيّ . ( آباء ) التّعريف 1 - الآباء جمع أب . والأب الوالد . « والأصول » أعمّ من الآباء ، لشمول الأصول للأمّهات والأجداد والجدّات . ويجوز في اللّغة استعمال " الآباء " شاملاً للأجداد ، لما لهم على الشّخص من الولادة . وقد يدخل الأعمام ، لأنّ العمّ يسمّى أباً مجازاً . ومنه قول اللّه تعالى حاكياً عن أولاد يعقوب عليه السلام : { قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } . فإنّ إسماعيل عمّ يعقوب عليهما السلام . 2 - ويستعمل « الآباء » في كلام الفقهاء بمعنى الوالدين الذّكور ، كما في الاستعمال اللّغويّ . ( الحكم الإجماليّ ) 3 - يختلف الفقهاء إذا استعملت هذه العبارة في صيغة وصيّة أو نحوها - في تناولها للأجداد ، لاختلافهم في أنّ اللّفظ هل يصحّ أن يراد به حقيقته ومجازه في آن واحد ، فإنّ إطلاق " الآباء " على الأجداد مجاز . وطريقة الحنفيّة أنّه « لا يصحّ أن يراد من اللّفظ معناه الحقيقيّ والمجازيّ في آن واحد ، لرجحان المتبوع على التّابع » كما في التّنقيح . قال سعد الدّين التّفتازانيّ : « فلو أمّن المسلمون الكفّار على الآباء والأمّهات فإنّه لا يتناول الأجداد والجدّات . « وجاء في الفتاوى الهنديّة في باب الوصيّة نقلاً عن المحيط » إذا أوصى لآباء فلان وفلان ، ولهم آباء وأمّهات ، دخلوا في الوصيّة ، ولو لم يكن لهم آباء وأمّهات ، وإنّما لهم أجداد وجدّات ، فإنّهم لا يدخلون في الوصيّة . « وفي الهنديّة أيضاً » بئئ قال محمّد رحمه الله : فإن كان لسانهم الّذي يتكلّمون به أنّ الجدّ والد ، يدخل في الأمان » . وأمّا عند الشّافعيّة والجمهور ، فيصحّ إطلاق اللّفظ الواحد على حقيقته ومجازه في آن واحد . ولعلّ هذا مبنى ما قال الرّمليّ من الشّافعيّة : من قال : أوصيت لآباء فلان ، يدخل الأجداد من الطّرفين . يعني من قبل الأب والأمّ . ( مواطن البحث ) 4 - هذا وقد ذكر بعض الفقهاء هذه المسألة في مباحث الوصيّة ومباحث الأمان . ويرجع إليها أيضاً في مباحث " المشترك " من أصول الفقه . ولمعرفة سائر أحكام الآباء ( ر : أب ) . آبار المبحث الأوّل تعريف الآبار وبيان أحكامها العامّة 1 - الآبار جمع بئر ، مأخوذ من " بأر " أي حفر . ويجمع أيضاً جمع قلّة على أبورً وآبر . وجمع الكثرة منه بئار . وينقل ابن عابدين في حاشيته عن " النّتف » : البئر هي الّتي لها موادّ من أسفلها ، أي لها مياه تمدّها وتنبع من أسفلها . وقال : ولا يخفى أنّه على هذا التّعريف يخرج الصّهريج والجبّ والآبار الّتي تملأ من المطر ، أو من الأنهار ، والّتي يطلق عليها اسم الرّكيّة ( على وزن عطيّة ) كما هو العرف ، إذ الرّكيّة هي البئر ، كما في القاموس . لكن في العرف هي بئر يجتمع ماؤها من المطر ، فهي بمعنى الصّهريج . وفي حاشية البجيرميّ على شرح الخطيب أنّ " البئر " قد تطلق على المكان الّذي ينزل فيه البول والغائط ، وهي الحاصل الّذي تحت بيت الرّاحة . ويسمّى الآن بالخزّان . ويقال عن هذه البئر : بئر الحشّ ، والحشّ هو بيت الخلاء . 2 - والأصل في ماء الآبار الطّهوريّة ( أي كونه طاهراً في نفسه مطهّراً لغيره ) ، فيصحّ التّطهير به اتّفاقاً ، إلاّ إذا تنجّس الماء أو تغيّر أحد أوصافه على تفصيل في التّغيّر يعرف في أحكام المياه . غير أنّ هناك آباراً تكلّم الفقهاء عن كراهة التّطهير بمائها لأنّها في أرض مغضوب عليها . وهناك من الآبار ما نصّ الفقهاء على اختصاصها بالفضل ، ورتّبوا على ذلك بعض الأحكام . المبحث الثّاني حفر الآبار لإحياء الموات وتعلّق حقّ النّاس بمائها أوّلاً : حفر البئر لإحياء الموات 3 - حفر البئر وخروج الماء منها طريق من طرق الإحياء . وقد أجمع الفقهاء على أنّه إذا تمّ تفجير الماء والانتفاع به في الإنبات ، مع نيّة التّملّك ، يتمّ به الإحياء . وذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّ تفجير الماء يتمّ به الإحياء في الجملة ، غير أنّ المالكيّة يشترطون إعلان النّيّة إذا كانت البئر بئر ماشية . والشّافعيّة في الصّحيح يشترطون الغرس إذا كانت البئر لبستان ، كما يشترطون نيّة التّملّك . واشترط بعضهم طيّها ( أي بناء جدرانها ) إذا كانت في أرض رخوة أمّا الحنفيّة فيرون أنّ الإحياء لا يتمّ بتفجير الماء وحده ، وإنّما بالحفر وسقي الأرض . ولا خلاف في أنّ للبئر في الأرض الموات حريماً ، لحاجة الحفر والانتفاع ، حتّى لو أراد أحد أن يحفر بئراً في حريمه له أن يمنعه ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل للبئر حريماً . واختلفوا في المقدار الّذي يعتبر حريماً ، فحدّده الحنفيّة والحنابلة بالأذرع حسب نوع البئر . ويستند المذهبان في ذلك إلى ما ورد من أخبار . أمّا المالكيّة والشّافعيّة فقدّروه بما لا يضيق على الوارد ، ولا على مناخ إبلها ، ولا مرابض مواشيها عند الورود ، ولا يضرّ بماء البئر . وتفصيل ذلك في مصطلح « إحياء الموات » . ثانياً : تعلّق حقّ النّاس بماء الآبار 4 - الأصل في هذه المسألة ما رواه الخلاّل عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من أنّه قال : « النّاس شركاء في ثلاث : الماء والكلإ والنّار » . كما روي أنّه صلى الله عليه وسلم : « نهى عن بيع الماء إلاّ ما حمل منه » . والاستثناء يدلّ على أنّ المراد بالماء في الحديث الأوّل غير المحرز . وعلى هذا فمياه الآبار العامّة مباحة ، ولا ملك فيها لأحد ، إلاّ بالاغتراف . وأمّا مياه الآبار الخاصّة فإنّها خرجت عن الإباحة العامّة . ولمّا كانت حاجة الإنسان إلى الماء لشربه وشرب حيوانه ممّا يسمّيه الفقهاء بحقّ الشّفة ماسةً ومتكرّرةً ، كما أنّ أصل الماء قبل جريانه في الملك الخاصّ مباح ، وأنّ مياه الآبار في الأعمّ الأغلب متّصلة بالمجرى العامّ ، أوجد ذلك شبهة الإباحة في ماء الآبار الخاصّة ، لكنّها إباحة قاصرة على حقّ الشّفة دون حقّ الشّرب . 5 - واتّجاهات الفقهاء مختلفة بالنّسبة لملكيّة ماء آبار الدّور والأراضي المملوكة ، وتعلّق حقّ النّاس بها . فقيل بأنّ للنّاس حقّاً فيها . وهو قول عند الحنفيّة إذا لم يوجد ماء قريب في غير ملك أحد ، حتّى لو لم يفض عن حاجته عند أبي حنيفة . وقيّد أكثر المشايخ ذلك بما إذا كان يفيض عن حاجته . وهو مذهب الحنابلة ، لأنّ البئر ما وضع للإحراز ، ولأنّ في بقاء حقّ الشّفة ضرورةً ، ولأنّ البئر تتبع الأرض دون الماء ، ولخبر « النّاس شركاء في ثلاث : الماء والكلإ والنّار » . وهذا هو الظّاهر في مذهب الشّافعيّة إذا كان حفر البئر بقصد الانتفاع بالماء ، أو حفر بقصد التّملّك ، وهو غير المشهور عند المالكيّة في غير آبار الدّور والحوائط المسوّرة . وقيّد ذلك ابن رشد بما إذا كانت البئر في أرض لا يضرّها الدّخول فيها . الاتّجاه الثّاني : أنّه لا يتعلّق به حقّ أحد ، وملكيّته خالصة لصاحبه . وهو قول عند الحنفيّة ، ورواية عن أحمد ، ومذهب المالكيّة بالنّسبة لآبار الدّور والحوائط المسوّرة ، والقول المشهور عندهم بالنّسبة لغيرها من الآبار الخاصّة في الأراضي المملوكة ، والأصحّ عند الشّافعيّة إذا كان يملك المنبع ، أو كان حفرها بقصد التّملّك . فلصاحب البئر على هذا أن يمنع الغير من حقّ الشّفة أيضاً ، وأن يبيع الماء ، لأنّه في حكم المحرز . ويقيّد المنع بغير من خيف عليه الهلاك ، لأنّها حالة ضرورة . وفي معنى الماء المعادن الجارية في الأملاك ، كالقار والنّفط . المبحث الثّالث حدّ الكثرة في ماء البئر وأثر اختلاطه بطاهر وانغماس آدميّ فيه طاهر أو به نجاسة 6 - اتّفق فقهاء المذاهب على أنّ الماء الكثير لا ينجّسه شيء ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه . ويختلفون في حدّ الكثرة ، فيقدّرها الحنفيّة بما يوازي عشر أذرع في عشر دون اعتبار للعمق ما دام القاع لا يظهر بالاغتراف . والذّراع سبع قبضات ، لأنّها لو كانت عشراً في عشر فإنّ الماء لا يتنجّس بشيء ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه ، اعتباراً بالماء الجاري . والقياس أن لا تطهر ، لكن ترك القياس للآثار ، ومسائل الآبار مبنيّة على الآثار . والمفتى به القول بالعشر ولو حكماً ليعمّ ما له طول بلا عرض في الأصحّ . وقيل المعتبر في القدر الكثير رأي المبتلى به ، بناءً على عدم صحّة ثبوت تقدير شرعاً . ويرى المالكيّة أنّ الكثير ما زاد قدره عن آنية الغسل ، وكذا ما زاد عن قدر آنية الوضوء ، على الرّاجح . ويتّفق الشّافعيّة ، والحنابلة في ظاهر المذهب ، على أنّ الكثير ما بلغ قلّتين فأكثر ، لحديث « إذا بلغ الماء قلّتين لم ينجّسه شيء » وفي رواية « لم يحمل الخبث » . وإن نقص عن القلّتين برطل أو رطلين فهو في حكم القلّتين . 7 - إذا اختلط بماء البئر طاهر ، مائعاً كان أو جامداً ، وكانت البئر ممّا يعتبر ماؤها قليلاً ، تجري عليه أحكام الماء القليل المختلط بطاهر ، ويرجع في تحديد الكثرة والقلّة إلى تفصيلات المذاهب في مصطلح ( مياه ) . انغماس الآدميّ في ماء البئر 8 - اتّفق فقهاء المذاهب على أنّ الآدميّ إذا انغمس في البئر ، وكان طاهراً من الحدث والخبث ، وكان الماء كثيراً ، فإنّ الماء لا يعتبر مستعملاً ، ويبقى على أصل طهوريّته . وروى الحسن عن أبي حنيفة أنّه ينزح منه عشرون دلواً . ومذهب الشّافعيّة ، والصّحيح عند الحنابلة أنّ الآدميّ طاهر حيّاً وميّتاً ، وأنّ موت الآدميّ في الماء لا ينجّسه إلاّ إن تغيّر أحد أوصاف الماء تغيّراً فاحشاً . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « المؤمن لا ينجس » . ولأنّه لا ينجس بالموت ، كالشّهيد ، لأنّه لو نجس بالموت لم يطهر بالغسل . ولا فرق بين المسلم والكافر ، لاستوائهما في الآدميّة . ويرى الحنفيّة نزح كلّ ماء البئر بموت الآدميّ فيه ، إذ نصّوا على أنّه ينزح ماء البئر كلّه بموت سنّورين أو كلب أو شاة أو آدميّ . وموت الكلب ليس بشرط حتّى لو انغمس وأخرج حيّاً ينزح جميع الماء . 9 - ويقول ابن قدامة الحنبليّ : ويحتمل أن ينجّس الكافر الماء بانغماسه ، لأنّ الخبر ورد في المسلم . وإذا انغمس في البئر من به نجاسة حكميّة ، بأن كان جنباً أو محدثاً ، فإنّه ينظر : إمّا أن يكون ماء البئر كثيراً أو قليلاً ، وإمّا أن يكون قد نوى بالانغماس رفع الحدث . وإمّا أن يكون بقصد التّبرّد أو إحضار الدّلو . فإن كان البئر معيناً ، أي ماؤه جار ، فإنّ انغماس الجنب ومن في حكمه لا ينجّسه عند ابن القاسم من المالكيّة ، وهو رواية يحيى بن سعيد عن مالك . وهو مذهب الحنابلة إن لم ينو رفع الحدث . وهو اتّجاه من قال من الحنفيّة إنّ الماء المستعمل طاهر لغلبة غير المستعمل ، أو لأنّ الانغماس لا يصيّره مستعملاً ، وعلى هذا فلا ينزح منه شيء . 10 - ويرى الشّافعيّة كراهة انغماس الجنب ومن في حكمه في البئر ، وإن كان معيناً ، لخبر أبي هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يغتسل أحدكم في الماء الدّائم وهو جنب » . وهو رواية عليّ بن زياد عن مالك ، ومذهب الحنابلة إن نوى رفع الحدث . وإلى هذا يتّجه من يرى من الحنفيّة أنّ الماء بالانغماس يصير مستعملاً ، ويرى أنّ الماء المستعمل نجس ينزح كلّه وعن أبي حنيفة ينزح أربعون دلواً ، لو كان محدثاً ، وينزح جميعه لو كان جنباً أو كافراً ، لأنّ بدن الكافر لا يخلو من نجاسة حقيقيّة أو حكميّة ، إلاّ إذا تثبّتنا من طهارته وقت انغماسه . 11 - وإذا كان ماء البئر قليلاً وانغمس فيه بغير نيّة رفع الحدث ، فالمالكيّة على أنّ الماء المجاور فقط يصير مستعملاً وعند الشّافعيّة والحنابلة الماء على طهوريّته . واختلف الحنفيّة على ثلاثة أقوال ترمز لها كتبهم : « مسألة البئر جحط » ويرمزون بالجيم إلى ما قاله الإمام من أنّ الماء نجس بإسقاط الفرض عن البعض بأوّل الملاقاة ، والرّجل نجس لبقاء الحدث في بقيّة الأعضاء ، أو لنجاسة الماء المستعمل ، ويرمزون بالحاء لرأي أبي يوسف من أنّ الرّجل على حاله من الحدث ، لعدم الصّبّ ، وهو شرط عنده ، والماء على حاله لعدم نيّة القربة ، وعدم إزالة الحدث . ويرمزون بالطّاء لرأي محمّد بن الحسن من أنّ الرّجل طاهر لعدم اشتراط الصّبّ ، وكذا الماء ، لعدم نيّة القربة . 12 - أمّا إذا انغمس في الماء القليل بنيّة رفع الحدث كان الماء كلّه مستعملاً عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، لكن عند الحنابلة يبقى الماء على طهوريّته ولا يرفع الحدث . وكذلك يكون الماء مستعملاً عند الحنفيّة لو تدلّك ولو لم ينو رفع الحدث ، لأنّ التّدلّك فعل منه يقوم مقام نيّة رفع الحدث . 13 - أمّا إذا انغمس إنسان في ماء البئر وعلى بدنه نجاسة حقيقيّة ، أو ألقي فيه شيء نجس ، فمن المتّفق عليه أنّ الماء الكثير لا يتنجّس بشيء ، ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه ، على ما سبق . غير أنّ الحنابلة ، في أشهر روايتين عندهم ، يرون أنّ ما يمكن نزحه ، إذا بلغ قلّتين ، فلا يتنجّس بشيء من النّجاسات ، إلاّ ببول الآدميّين أو عذرتهم المائعة . وجه ذلك ما روي عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يبولنّ أحدكم في الماء الدّائم الّذي لا يجري ثمّ يغتسل فيه » . وكذلك إذا ما سقط فيه شيء نجس ، وفي مقابل المشهور في مذهب أحمد أنّ الماء لا ينجس إلاّ بالتّغيّر قليله وكثيره . 14 - وقد فصّل الحنفيّة هذا بما لم يفصّله غيرهم ، ونصّوا على أنّ الماء لا ينجس بخرء الحمام والعصفور ، ولو كان كثيراً ، لأنّه طاهر استحساناً ، بدلالة الإجماع ، فإنّ الصّدر الأوّل ومن بعدهم أجمعوا على جواز اقتناء الحمام في المساجد ، حتّى المسجد الحرام ، مع ورود الأمر بتطهيرها . وفي ذلك دلالة ظاهرة على عدم نجاسته . وخرء العصفور كخرء الحمامة ، فما يدلّ على طهارة هذا يدلّ على طهارة ذاك . وكذلك خرء جميع ما يؤكل لحمه من الطّيور على الأرجح . |
المبحث الرّابع أثر وقوع حيوان في البئر 15 - الأصل أنّ الماء الكثير لا ينجس إلاّ بتغيّر أحد أوصافه كما سبق . واتّفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنّ ما ليس له نفس سائلة ، إذا ما وقع في ماء البئر ، لا يؤثّر في طهارته ، كالنّحل ، لحديث سعيد بن المسيّب قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « كلّ طعام وشراب وقعت فيه دابّة ليس لها دم فماتت فهو حلال » . وممّا قيل في توجيهه أنّ المنجّس له الدّماء السّائلة ، فما لا دم له سائلاً لا يتنجّس بالموت ما مات فيه من المائعات . وكذا ما كان مأكول اللّحم ، إذا لم يكن يعلم أنّ على بدنه أو مخرجه نجاسةً ، وخرج حيّاً ، ما دام لم يتسبّب في تغيّر أحد أوصاف الماء ، عدا ما كان نجس العين كالخنزير . ويرى الحنابلة وبعض الحنفيّة أنّ المعتبر السّؤر ، فإن كان لم يصل فمه إلى الماء لا ينزح منه شيء ، وإن وصل وكان سؤره طاهراً فإنّه طاهر . يقول الكاسانيّ : وقال البعض : المعتبر السّؤر . ويقول ابن قدامة : وكلّ حيوان حكم جلده وشعره وعرقه ودمعه ولعابه حكم سؤره في الطّهارة والنّجاسة . وينظر حكم السّؤر في مصطلح « سؤر » . 16 - ويختلف الفقهاء فيما وراء ذلك ، فغير الحنفيّة من فقهاء المذاهب الأربعة يتّجهون إلى عدم التّوسّع في الحكم بالتّنجّس بوقوع الحيوان ذي النّفس السّائلة ( الدّم السّائل ) عموماً وإن وجد بعض اختلاف بينهم . فالمالكيّة ينصّون على أنّ الماء الرّاكد ، أو الّذي له مادّة ، أو كان الماء جارياً ، إذا مات فيه حيوان برّيّ ذو نفس سائلة ، أو حيوان بحريّ ، لا ينجس ، وإن كان يندب نزح قدر معيّن ، لاحتمال نزول فضلات من الميّت ، ولأنّه تعافه النّفس . وإذا وقع شيء من ذلك ، وأخرج حيّاً ، أو وقع بعد أن مات بالخارج ، فإنّ الماء لا ينجس ولا ينزح منه شيء ، لأنّ سقوط النّجاسة بالماء لا يطلب بسببه النّزح . وإنّما يوجب الخلاف فيه إذا كان يسيراً . وموت الدّابّة بخلاف ذلك فيها . ولأنّ سقوط الدّابّة بعد موتها في الماء هو بمنزلة سقوط سائر النّجاسات من بول وغائط ، وذاتها صارت نجسةً بالموت . فلو طلب النّزح في سقوطها ميّتةً لطلب في سائر النّجاسات ، ولا قائل بذلك في المذهب . وقيل : يستحبّ النّزح بحسب كبر الدّابّة وصغرها ، وكثرة ماء البئر وقلّته . وعن ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ : أنّ الآبار الصّغار ، مثل آبار الدّور ، تفسد بما وقع فيها حيّاً ، ثمّ مات فيها ، من شاة أو دجاجة ، وإن لم تتغيّر ، ولا تفسد بما وقع فيها ميّتاً حتّى تتغيّر . وأمّا ما وقع فيها ميّتاً فقيل : إنّه بمنزلة ما مات فيه ، وقيل : لا تفسد حتّى تتغيّر . وقالوا : إذا تغيّر الماء طعماً أو لوناً أو ريحاً بتفسّخ الحيوان فيه تنجّس . 17 - وقال الشّافعيّة : إذا كان ماء البئر كثيراً طاهراً ، وتفتّتت فيه نجاسة ، كفأرة تمعّط شعرها بحيث لا يخلو دلو من شعرة ، فهو طهور كما كان إن لم يتغيّر . وعلى القول بأنّ الشّعر نجس ينزح الماء كلّه ليذهب الشّعر ، مع ملاحظة أنّ اليسير عرفاً من الشّعر معفوّ عنه ما عدا شعر الكلب والخنزير . ويفهم من هذا أنّ ماء البئر إذا كان قليلاً فإنّه يتنجّس ولو لم يتغيّر ، وهو ما رواه ابن الماجشون ومن معه من المالكيّة في الآبار الصّغار إذا مات فيها حيوان ذو نفس سائلة . 18 - ويقول الحنابلة : إذا وقعت الفأرة أو الهرّة في ماء يسير ، ثمّ خرجت حيّةً ، فهو طاهر ، لأنّ الأصل الطّهارة . وإصابة الماء لموضع النّجاسة مشكوك فيه . وكلّ حيوان حكم جلده وشعره وعرقه ودمعه ولعابه حكم سؤره في الطّهارة والنّجاسة . ويفهم من قيد " ثمّ خرجت حيّةً " أنّها لو ماتت فيه يتنجّس الماء ، كما يفهم من تقييد الماء " باليسير " أنّ الماء الكثير لا ينجس إلاّ إذا تغيّر وصفه . 19 - أمّا الحنفيّة فقد أكثروا من التّفصيلات ، فنصّوا على أنّ الفأرة إذا وقعت هاربةً من القطّ ينزح كلّ الماء ، لأنّها تبول . وكذلك إذا كانت مجروحةً أو متنجّسةً . وقالوا : إن كانت البئر معيناً ، أو الماء عشراً في عشر ، لكن تغيّر أحد أوصافه ، ولم يمكن نزحها ، نزح قدر ما كان فيها . 20 - وإذا كانت البئر غير معين ، ولا عشراً في عشر ، نزح منها عشرون دلواً بطريق الوجوب ، إلى ثلاثين ندباً ، بموت فأرة أو عصفور أو سامّ أبرص . ولو وقع أكثر من فأرة إلى الأربع فكالواحدة عند أبي يوسف ، ولو خمساً إلى التّسع كالدّجاجة ، وعشراً كالشّاة ، ولو فأرتين كهيئة الدّجاجة ينزح أربعون عند محمّد . وإذا مات فيها حمامة أو دجاجة أو سنّور ينزح أربعون وجوباً إلى ستّين استحباباً . وفي رواية إلى خمسين . وينزح كلّه لسنّورين وشاة ، أو انتفاخ الحيوان الدّمويّ ، أو تفسّخه ولو صغيراً . وبانغماس كلب حتّى لو خرج حيّاً . وكذا كلّ ما سؤره نجس أو مشكوك فيه . وقالوا في الشّاة : إن خرجت حيّةً فإن كانت هاربةً من السّبع نزح كلّه خلافاً لمحمّد . وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف في البقر والإبل أنّه ينجّس الماء ، لأنّها تبول بين أفخاذها فلا تخلو من البول . ويرى أبو حنيفة نزح عشرين دلواً ، لأنّ بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسةً خفيفةً ، وقد ازداد خفّةً بسبب البئر فيكفي نزح أدنى ما ينزح . وعن أبي يوسف : ينزح ماء البئر كلّه ، لاستواء النّجاسة الخفيفة والغليظة في حكم تنجّس الماء . المبحث الخامس تطهير الآبار وحكم تغويرها 21 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا تنجّس ماء البئر فإنّ التّكثير طريق تطهيره عند تنجّسها إذا زال التّغيّر . ويكون التّكثير بالتّرك حتّى يزيد الماء ويصل حدّ الكثرة ، أو بصبّ ماء طاهر فيه حتّى يصل هذا الحدّ . وأضاف المالكيّة طرقاً أخرى ، إذ يقولون : إذا تغيّر ماء البئر بتفسّخ الحيوان طعماً أو لوناً أو ريحاً يطهر بالنّزح ، أو بزوال أثر النّجاسة بأيّ شيء . بل قال بعضهم : إذا زالت النّجاسة من نفسها طهر . وقالوا في بئر الدّار المنتنة : طهور مائها بنزح ما يذهب نتنه . 22 - ويقصر الشّافعيّة التّطهير على التّكثير فقط إذا كان الماء قليلاً ( دون القلّتين ) ، إمّا بالتّرك حتّى يزيد الماء ، أو بصبّ ماء عليه ليكثر ، ولا يعتبرون النّزح لينبع الماء الطّهور بعده ، لأنّه وإن نزح فقعر البئر يبقى نجساً كما تتنجّس جدران البئر بالنّزح . وقالوا : فيما إذا وقع في البئر شيء نجس ، كفأرة تمعّط شعرها ، فإنّ الماء ينزح لا لتطهير الماء ، وإنّما بقصد التّخلّص من الشّعر . 23 - ويفصّل الحنابلة في التّطهير بالتّكثير ، إذا كان الماء المتنجّس قليلاً ، أو كثيراً لا يشقّ نزحه ويخصّون ذلك بما إذا كان تنجّس الماء بغير بول الآدميّ أو عذرته . ويكون التّكثير بإضافة ماء طهور كثير ، حتّى يعود الكلّ طهوراً بزوال التّغيّر . أمّا إذا كان تنجّس الماء ببول الآدميّ أو عذرته فإنّه يجب نزح مائها ، فإن شقّ ذلك فإنّه يطهر بزوال تغيّره ، سواء بنزح ما لا يشقّ نزحه ، أو بإضافة ماء إليه ، أو بطول المكث . على أنّ النّزح إذا زال به التّغيّر وكان الباقي من الماء كثيراً ( قلّتين فأكثر ) يعتبر مطهّراً عند الشّافعيّة . 24 - أمّا الحنفيّة فيقصرون التّطهير على النّزح فقط ، لكلّ ماء البئر ، أو عدد محدّد من الدّلاء على ما سبق . وإذا كان المالكيّة والحنابلة اعتبروا النّزح طريقاً للتّطهير فإنّه غير متعيّن عندهم كما أنّهم لم يحدّدوا مقداراً من الدّلاء وإنّما يتركون ذلك لتقدير النّازح . ومن أجل هذا نجد الحنفيّة هم الّذين فصّلوا الكلام في النّزح ، وهم الّذين تكلّموا على آلة النّزح ، وما يكون عليه حجمها . 25 - فإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت ، وكان نزح ما فيها من الماء طهارةً لها . لأنّ الأصل في البئر أنّه وجد فيها قياسان : أحدهما : أنّها لا تطهر أصلاً ، لعدم الإمكان ، لاختلاط النّجاسة بالأوحال والجدران . الثّاني : لا تنجس ، إذ يسقط حكم النّجاسة ، لتعذّر الاحتراز أو التّطهير . وقد تركوا القياسين الظّاهرين بالخبر والأثر ، وضرب من الفقه الخفيّ وقالوا : إنّ مسائل الآبار مبنيّة على اتّباع الآثار . أمّا الخبر فما روى من « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في الفأرة تموت في البئر ينزح منها عشرون » وفي رواية « ينزح منها ثلاثون دلواً » . وأمّا الأثر فما روي عن عليّ أنّه قال : ينزح عشرون . وفي رواية ثلاثون وعن أبي سعيد الخدريّ أنّه قال في دجاجة ماتت في البئر : ينزح منها أربعون دلواً . وعن ابن عبّاس وابن الزّبير أنّهما أمرا بنزح ماء زمزم حين مات فيها زنجيّ . وكان بمحضر من الصّحابة ، ولم ينكر عليهما أحد . وأمّا الفقه الخفيّ فهو أنّ في هذه الأشياء دماً سائلاً وقد تشرّب في أجزائها عند الموت فنجّسها . وقد جاورت هذه الأشياء الماء ، وهو ينجس أو يفسد بمجاورة النّجس ، حتّى قال محمّد بن الحسن : إذا وقع في البئر ذنب فأرة ، ينزح جميع الماء ، لأنّ موضع القطع لا ينفكّ عن بلّة ، فيجاور أجزاء الماء فيفسدها . 26 - وقالوا : لو نزح ماء البئر ، وبقي الدّلو الأخير فإن لم ينفصل عن وجه الماء لا يحكم بطهارة البئر ، وإن انفصل عن وجه الماء ، ونحّي عن رأس البئر ، طهر . وأمّا إذا انفصل عن وجه الماء ، ولم ينحّ عن رأس البئر ، والماء يتقاطر فيه ، لا يطهر عند أبي يوسف . وذكر الحاكم أنّه قول أبي حنيفة أيضاً . وعند محمّد يطهر . وجه قول محمّد أنّ النّجس انفصل من الطّاهر ، فإنّ الدّلو الأخير تعيّن للنّجاسة شرعاً ، بدليل أنّه إذا نحّي عن رأس البئر يبقى الماء طاهراً ، وما يتقاطر فيها من الدّلو سقط اعتبار نجاسته شرعاً دفعاً للحرج . ووجه قولهما أنّه لا يمكن الحكم بالطّهارة إلاّ بعد انفصال النّجس عنها ، وهو ماء الدّلو الأخير ، ولا يتحقّق الانفصال إلاّ بعد تنحية الدّلو عن البئر ، لأنّ ماءه متّصل بماء البئر . واعتبار نجاسة القطرات لا يجوز إلاّ لضرورة ، والضّرورة تندفع بأن يعطى لهذا الدّلو حكم الانفصال بعد انعدام التّقاطر ، بالتّنحية عن رأس البئر . 27 - وإذا وجب نزح جميع الماء من البئر ينبغي أن تسدّ جميع منابع الماء إن أمكن ، ثمّ ينزح ما فيها من الماء النّجس . وإن لم يمكن سدّ منابعه لغلبة الماء روي عن أبي حنيفة أنّه ينزح مائة دلو ، وعن محمّد أنّه ينزح مائتا دلو ، أو ثلثمائة دلو . وعن أبي يوسف روايتان في رواية يحفر بجانبها حفرة مقدار عرض الماء وطوله وعمقه ثمّ ينزح ماؤها ويصبّ في الحفرة حتّى تمتلئ فإذا امتلأت حكم بطهارة البئر ، وفي رواية : يرسل فيها قصبة ، ويجعل لمبلغ الماء علامة ، ثمّ ينزح منها عشر دلاء مثلاً ، ثمّ ينظر كم انتقص ، فينزح بقدر ذلك ، ولكنّ هذا لا يستقيم إلاّ إذا كان دور البئر من أوّل حدّ الماء إلى مقرّ البئر متساوياً ، وإلاّ لا يلزم إذا نقص شبر بنزح عشر دلاء من أعلى الماء أن ينقص شبر بنزح مثله من أسفله . والأوفق ما روي عن أبي نصر أنّه يؤتى برجلين لهما بصر في أمر الماء فينزح بقولهما ، لأنّ ما يعرف بالاجتهاد يرجع فيه لأهل الخبرة . 28 - والمالكيّة كما بيّنّا يرون أنّ النّزح طريق من طرق التّطهير . ولم يحدّدوا قدراً للنّزح ، وقالوا : إنّه يترك مقدار النّزح لظنّ النّازح . قالوا : وينبغي للتّطهير أن ترفع الدّلاء ناقصةً ، لأنّ الخارج من الحيوان عند الموت موادّ دهنيّة ، وشأن الدّهن أن يطفو على وجه الماء ، فإذا امتلأ الدّلو خشي أن يرجع إلى البئر . والحنابلة قالوا : لا يجب غسل جوانب بئر نزحت ، ضيّقةً كانت أو واسعةً ، ولا غسل أرضها ، بخلاف رأسها . وقيل يجب غسل ذلك . وقيل إنّ الرّوايتين في البئر الواسعة . أمّا الضّيّقة فيجب غسلها روايةً واحدةً . وقد بيّنّا أنّ الشّافعيّة لا يرون التّطهير بمجرّد النّزح . آلة النّزح 29 - منهج الحنفيّة ، القائل بمقدار معيّن من الدّلاء للتّطهير في بعض الحالات ، يتطلّب بيان حجم الدّلو الّذي ينزح به الماء النّجس . فقال البعض : المعتبر في كلّ بئر دلوها ، صغيراً كان أو كبيراً . وروي عن أبي حنيفة أنّه يعتبر دلو يسع قدر صاع . وقيل المعتبر هو المتوسّط بين الصّغير والكبير . ولو نزح بدلو عظيم مرّةً مقدار عشرين دلواً جاز . وقال زفر : لا يجوز ، لأنّه بتواتر الدّلو يصير كالماء الجاري . وبطهارة البئر يطهر الدّلو والرّشاء والبكرة ونواحي البئر ويد المستقي . روي عن أبي يوسف أنّ نجاسة هذه الأشياء بنجاسة البئر ، فتكون طهارتها بطهارتها ، نفياً للحرج . وقيل : لا تطهر الدّلو في حقّ بئر أخرى ، كدم الشّهيد طاهر في حقّ نفسه لا في حقّ غيره . 30 - ولم يتعرّض فقهاء المذاهب الأخرى - على ما نعلم - لمقدار آلة النّزح . وكلّ ما قالوه أنّ ماء البئر إذا كان قليلاً ، وتنجّس ، فإنّ الدّلو إذا ما غرف به من الماء النّجس القليل تنجّس من الظّاهر والباطن . وإذا كان الماء مقدار قلّتين فقط ، وفيه نجاسة جامدة ، وغرف بالدّلو من هذا الماء ، ولم تغرف العين النّجسة في الدّلو مع الماء فباطن الدّلو طاهر ، وظاهره نجس ، لأنّه بعد غرف الدّلو يكون الماء الباقي في البئر والّذي احتكّ به ظاهر الدّلو قليلاً نجساً . واستظهر البهوتيّ من قول الحنابلة بعدم غسل جوانب البئر للمشقّة ووجوب غسل رأسها لعدم المشقّة ، وجوب غسل آلة النّضح إلحاقاً لها برأس البئر في عدم مشقّة الغسل . وقال : إنّ مقتضى قولهم : المنزوح طهور أنّ الآلة لا يعتبر فيها ذلك للحرج . تغوير الآبار 31 - كتب المذاهب تذكر اتّفاق الفقهاء على أنّه إذا دعت الحاجة إلى تخريب وإتلاف بعض أموال الكفّار وتغوير الآبار لقطع الماء عنهم جاز ذلك . بدليل « فعل الرّسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين أمر بالقلب فغوّرت » . المبحث السّادس آبار لها أحكام خاصّة آبار أرض العذاب وحكم التّطهّر والتّطهير بمائها 32 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى صحّة التّطهّر والتّطهير بمائها مع الكراهة . واستظهر الأجهوريّ من المالكيّة هذا الرّأي . وهو رواية عند الحنابلة ، لكنّها غير ظاهر القول . ودليلهم على صحّة التّطهير بمائها العمومات الدّالّة على طهارة جميع المياه ما لم تتنجّس أو يتغيّر أحد أوصاف الماء ، والدّليل على الكراهية أنّه يخشى أن يصاب مستعمله بأذًى لأنّها مظنّة العذاب . وينقل العدويّ من المالكيّة أنّ غير الأجهوريّ جزم بعدم صحّة التّطهير بماء هذه الآبار . وهي الرّواية الظّاهرة عند الحنابلة في آبار أرض ثمود ، كبئر ذي أروان وبئر برهوت ، عدا بئر النّاقة . والدّليل على عدم صحّة التّطهير بماء هذه الآبار أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بإهراق الماء الّذي استقاه أصحابه من آبار أرض ثمود ، فإنّ أمره بإهراقها يدلّ على أنّ ماءها لا يصحّ التّطهير به . وهذا النّهي وإن كان وارداً في الآبار الموجودة بأرض ثمود إلاّ أنّ غيرها من الآبار الموجودة بأرض غضب اللّه على أهلها يأخذ حكمها بالقياس عليها بجامع أنّ كلّاً منها موجود في أرض نزل العذاب بأهلها . أمّا الحنابلة فقد أبقوا ما وراء أرض ثمود على القول بطهارتها ، وحملوا النّهي على الكراهة ، وكذلك حكموا بالكراهة على الآبار الموجودة بالمقابر ، والآبار في الأرض المغصوبة ، والّتي حفرت بمال مغصوب . البئر الّتي خصّت بالفضل 33 - بئر زمزم بمكّة لها مكانة إسلاميّة . روى ابن عبّاس أنّ رسول اللّه قال : « خير ماء على وجه الأرض زمزم » . وعنه أنّ رسول اللّه قال : « ماء زمزم لما شرب له ، إن شربته تستشفي به شفاك اللّه ، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه اللّه » . وللشّرب منه واستعماله آداب نصّ عليها الفقهاء . فقالوا : إنّه يستحبّ لشاربه أن يستقبل القبلة ، ويذكر اسم اللّه تعالى ، ويتنفّس ثلاثاً ، ويتضلّع منه ، ويحمد اللّه تعالى ، ويدعو بما كان ابن عبّاس يدعو به إذا شرب منه " اللّهمّ إنّي أسألك علماً نافعاً ، ورزقاً واسعاً ، وشفاءً من كلّ داء » . ويقول : « اللّهمّ إنّه بلغني عن نبيّك صلى الله عليه وسلم أنّ ماء زمزم لما شرب له وأنا أشربه لكذا » . 34 - ويجوز بالاتّفاق نقل شيء من مائها . والأصل في جواز نقله ما جاء في جامع التّرمذيّ عن السّيّدة عائشة أنّها حملت من ماء زمزم في القوارير ، وقالت : « حمل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منها . وكان يصبّ على المرضى ، ويسقيهم » . وروى ابن عبّاس « أنّ رسول اللّه استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم » . كما اتّفقوا على عدم استعماله في مواضع الامتهان ، كإزالة النّجاسة الحقيقيّة . ويجزم المحبّ الطّبريّ الشّافعيّ بتحريم ذلك . وهو ما يحتمله كلام ابن شعبان المالكيّ ، وما رواه ابن عابدين عن بعض الحنفيّة ، لكنّ أصل المذهب الحنفيّ والمذهب المالكيّ الكراهة ، وهو ما عبّر به الرّويانيّ الشّافعيّ في " الحلية " ، وصرّح به البيجوريّ ، واستظهره القاضي زكريّا ، وقال : إنّ المنع على وجه الأدب ، وهو المعبّر عنه هنا من بعض فقهاء الشّافعيّة بخلاف الأولى . واتّفقوا على أنّه لا ينبغي أن يغسّل به ميّت ابتداءً . ونقل الفاكهيّ أنّ أهل مكّة يغسلون موتاهم بماء زمزم إذا فرغوا من غسل الميّت وتنظيفه ، تبرّكاً به ، وأنّ أسماء بنت أبي بكر غسّلت ابنها عبد اللّه بن الزّبير بماء زمزم . 35 - ولا خلاف معتبراً في جواز الوضوء والغسل به لمن كان طاهر الأعضاء ، بل صرّح البعض باستحباب ذلك . ولا يعوّل على القول بالكراهة اعتماداً على أنّه طعام ، لما روي عن الرّسول صلى الله عليه وسلم من قوله : « هو طعام . . . » ويدلّ على عدم الكراهة ما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضّأ » . ويقول الفاسيّ المالكيّ : التّطهير بماء زمزم صحيح بالإجماع ، على ما ذكره الماورديّ في حاويه ، والنّوويّ في شرح المهذّب . ومقتضى ما ذكره ابن حبيب المالكيّ استحباب التّوضّؤ به . وكونه مباركاً لا يمنع الوضوء به ، كالماء الّذي وضع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يده فيه . وقد صرّح الشّافعيّة بجواز استعمال ماء زمزم في الحدث دون الخبث . وهو ما يفيده عموم قول الحنابلة : ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم على ما هو الأولى في المذهب . أمّا الحنفيّة فقد صرّحوا بأنّه لا يغتسل به جنب ولا محدث . آبد التّعريف 1 - من معاني الآبد في اللّغة أنّه وصف يوصف به الحيوان المتوحّش ، يقال : أبدت البهيمة أي توحّشت ، والآبدة : هي الّتي توحّشت ونفرت من الإنس . وفي اصطلاح الفقهاء يستنبط المعنى الشّرعيّ من استعمالات الفقهاء ، ومواطن بحثهم ، حيث وجدنا الفقهاء يستعملون ذلك في شيئين : أوّلهما : الحيوان المتوحّش ، سواء أكان توحّشه أصليّاً أم طارئاً . وثانيهما : الحيوان الأليف إذا ندّ ( شرد ونفر ) . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - الآبد من الحيوان يلحق حكمه بالصّيد والذّبائح واللّقطة ، فإذا ندّ بعير أو نحوه من الحيوانات الأليفة المأكولة ، فلم يقدر عليه ، جاز أن يضرب بسهم أو نحوه من آلات الصّيد . فإن قتله ذلك فهو حلال . ويعتبر فيه حينئذ ما يعتبر في الصّيد . والحيوان الوحشيّ إن قدر على ذبحه ، أو استأنس ، لا يحلّ إلاّ بذبحه . وهو على حكم الإباحة ، كالحشيش والحطب ، ومياه الأمطار . ويملكه من أخذه . ويرجع في تفصيل ذلك إلى كتاب الصّيد . أمّا الحيوان المستأنس المملوك إذا أبد فإمّا أن يمتنع بنفسه من صغار السّباع أو لا ، وقد فصّل الفقهاء حكم ملكيّته السّابقة ، وبالنّسبة لمن التقطه ، على خلاف بينهم . ( مواطن البحث ) 3 - فصّل الفقهاء أحكام الآبد في الصّيد والذّبائح ، في بيان الخلاف في الشّارد ونحوه ، وفي اللّقطة . آبق انظر : إباق . |
آجرّ التّعريف 1 - الآجرّ لغةً : الطّين المطبوخ . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك إذ قالوا : هو اللّبن المحرّق . ( الألفاظ ذات الصّلة ) 2 - الآجرّ يخالف الحجر والرّمل في أنّه خرج عن أصله بالطّبخ والصّنعة ، بخلافهما . ويخالف الجصّ والجبس أيضاً إذ هما حجر محرّق . ( الحكم الإجماليّ ومواطن البحث ) : 3 - لا يصحّ التّيمّم بالآجرّ إلاّ عند الحنفيّة ، ويصحّ الاستنجاء به عند الجميع . غير أنّه مع الصّحّة يكره تحريماً إن كان ذا قيمة عند الحنفيّة دون غيرهم . ولو عجن بنجس ففي طهارته أو نجاسته خلاف بين الفقهاء ، ولهم في ذلك تشقيقات وتفريعات في مبحث النّجاسات . وعلى الحكم بطهارته ونجاسته يترتّب صحّة بيعه وفساده . ومحلّ ذلك في البيع " شرائط المعقود عليه " وبالإضافة إلى ما تقدّم يتناول الفقهاء ( الآجرّ ) في الدّفن وحثو القبر به . وفي السّلم عن حكم السّلم فيه . وفي الغصب إن جعل التّراب آجرّاً . آجن التّعريف 1 - الآجن في اللّغة : اسم فاعل من أجن الماء ، من بابي ضرب وقعد ، إذا تغيّر طعمه أو لونه أو ريحه بسبب طول مكثه ، إلاّ أنّه يشرب ، وقيل هو ما غشيه الطّحلب والورق . ويقرب من الآجن " الآسن " إلاّ أنّ الآسن أشدّ تغيّراً بحيث لا يقدر على شربه ، ولم يفرّق بعضهم بينهما . والمراد به في الفقه ما تغيّر بعض أوصافه أو كلّها بسبب طول المكث . سواء أكان يشرب عادةً أم لا يشرب ، كما يستفاد ذلك من إطلاق عباراتهم . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - الماء الآجن ماء مطلق ، وهو في الجملة طاهر مطهّر ، على خلاف وتفصيل في ذلك . مواطن البحث 3 - يذكر الماء الآجن في كتاب الطّهارة - باب المياه . وجمهور الفقهاء لم يذكروه بهذا اللّفظ ، بل ذكروه بالمعنى فوصفوه بالمتغيّر بالمكث أو المنتن ونحو ذلك . آداب الخلاء انظر : قضاء الحاجة . آدر التّعريف 1 - الآدر : من به أدرة . والأدرة بوزن غرفة انتفاخ الخصية ، يقال : أدر يأدر ، من باب تعب ، فهو آدر ، والجمع : أدر ، مثل أحمر وحمر . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ ، فهو عندهم وصف للرّجل عند انتفاخ الخصيتين أو إحداهما . ويقابله في المرأة العفلة ، وهي ورم ينبت في قبل المرأة . وقيل : هي لحم فيه . ( الحكم الإجماليّ ومواطن البحث ) 2 - لمّا كانت الأدرة نوعاً من الخلل في بنية الإنسان توجب شيئاً من النّفرة منه ، وتعوقه عن بعض التّصرّفات في شؤونه وأعماله ، اعتبرها بعض الفقهاء عيباً . واختلفوا أهي من العيوب الّتي يثبت بها الخيار في البيع وفي النّكاح أم لا . هذا وتفصيل أحكام الأدرة عند الفقهاء في فسخ النّكاح ، والخيار فيه ، وفي خيار العيب في البيوع . آدميّ التّعريف 1 - الآدميّ منسوب إلى آدم أبي البشر عليه السلام ، بأن يكون من أولاده . والفقهاء يستعملونه بنفس المعنى . ويرادفه عندهم : إنسان وشخص وبشر . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - اتّفق الفقهاء على وجوب تكريم الآدميّ باعتباره إنساناً ، بصرف النّظر عمّا يتّصف به من ذكورة وأنوثة ، ومن إسلام وكفر ، ومن صغر وكبر ، وذلك عملاً بقول اللّه تعالى : { ولقد كرّمنا بني آدم } . أمّا بالنّظر إليه موصوفاً بصفة ما فإنّه يتعلّق به مع الحكم العامّ أحكام أخرى تتّصل بهذه الصّفة . ( مواطن البحث ) 3 - لتكريم الآدميّ في حياته ومماته مظاهر كثيرة ، في مواطن متعدّدة ، تتعلّق بها أحكام فقهيّة تدور حول تسميته وأهليّته وطهارته وعصمة دمه وماله وعرضه ودفنه ، وغير ذلك . ويفصّل الفقهاء أحكام ذلك في مباحث الأنجاس ، والطّهارة ، والجنايات ، والحدود ، والجنائز ، وفي الأهليّة عند الأصوليّين . آسن انظر : آجن . آفاقيّ التّعريف 1 - الآفاقيّ لغةً نسبة إلى الآفاق ، وهي جمع أفق ، وهو ما يظهر من نواحي الفلك وأطراف الأرض . والنّسبة إليه أفقيّ . وإنّما نسبه الفقهاء إلى الجمع لأنّ الآفاق صار كالعلم على ما كان خارج الحرم من البلاد . والفقهاء يطلقون هذه اللّفظة على من كان خارج المواقيت المكانيّة للإحرام ، حتّى لو كان مكّيّاً . ويقابل الآفاقيّ الحلّيّ ، وقد يسمّى " البستانيّ " وهو من كان داخل المواقيت ، وخارج الحرم ، والحرميّ ، وهو من كان داخل حدود حرم مكّة . وقد يطلق بعض الفقهاء لفظ « آفاقيّ " على من كان خارج حدود حرم مكّة . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - يشترك الآفاقيّ مع غيره في كلّ ما يتعلّق بالحجّ ، ما عدا ثلاثة أشياء ، وما يتعلّق بها : الأوّل : الإحرام من الميقات : حدّد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للآفاقيّ مواقيت ، وضّحها الفقهاء ، لا ينبغي له أن يتجاوزها إذا قصد النّسك بدون إحرام ، على تفصيل يرجع إليه في مباحث الإحرام والمواقيت المكانيّة . الثّاني : طواف الوداع وطواف القدوم : خصّ الآفاقيّ بطواف الوداع ، وطواف القدوم ، لأنّه القادم إلى البيت والمودّع له . الثّالث : القران والتّمتّع : خصّ الآفاقيّ بالقران والتّمتّع . ( مواطن البحث ) 3 - ويفصّل الفقهاء ذلك في مباحث القران والتّمتّع من أحكام الحجّ . ( آفة ) التّعريف 1 - الآفة : لغةً العاهة ، وهي العرض المفسد لما أصابه . والفقهاء يستعملون الآفة بنفس المعنى ، إلاّ أنّهم غالباً ما يقيّدونها بكونها سماويّةً ، وهي ما لا صنع لآدميّ فيها . ويذكر الفقهاء أيضاً أنّ الجائحة هي الآفة الّتي تصيب الثّمر أو النّبات ، ولا دخل لآدميّ فيها . وكثيراً ما يذكرون الألفاظ الدّالّة على أثر الآفة من تلف وهلاك ، ويفرّقون في الحكم بين ما هو سماويّ وبين غيره . والأصوليّون يذكرون الآفة أثناء الكلام على عوارض الأهليّة . ويقسّمون العوارض إلى سماويّة ، وهي ما كانت من قبل اللّه تعالى بلا اختيار للعبد فيها ، كالجنون والعته ، وإلى مكتسبة ، وهي ما يكون لاختيار العبد في حصولها مدخل ، كالجهل والسّفه . والآفة قد تكون عامّةً ، كالحرّ والبرد الشّديدين ، وقد تكون خاصّةً ، كالجنون . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - يختلف الحكم الوضعيّ المترتّب على ما تحدثه الآفة باختلاف المقصود ممّا أصابته ، وباختلاف ما تحدثه من ضرر . فللآفة عند الفقهاء أثر في ثبوت الخيار وفي الأرش والفسخ والرّدّ والبطلان وفي تأخير القصاص عند الخوف من ضرر الآفة وفي إسقاط الزّكاة وأجر الأجير . فمن إسقاطها الزّكاة مثلاً تلف الثّمار بآفة بعد وجوب الزّكاة فيها ، ومن إسقاطها الحدّ أن يجنّ الجاني قبل إقامة الحدّ عليه . وعلى الجملة فهي قد تسقط الضّمان ، وتؤثّر في العبادات إسقاطاً أو تخفيفاً . ( مواطن البحث ) 3 - يأتي في كلام الفقهاء ذكر الآفة وما يرادفها لبيان الحكم المترتّب على أثر ما تحدثه ، في مسائل متعدّدة المواطن مفصّلة فيها الأحكام بالنّسبة لكلّ مسألة . ومن ذلك : البيع والإجارة والرّهن الوديعة والعاريّة والمساقاة والغصب والنّكاح والزّكاة وغير ذلك . ويأتي ذكرها عند الأصوليّين في مبحث الأهليّة . وينظر في الملحق الأصوليّ . آكلة انظر : أكلة . آل المبحث الأوّل معنى الآل لغةً واصطلاحاً التّعريف 1 - من معاني الآل في اللّغة الأتباع ، يقال : آل الرّجل : أي أتباعه وأولياؤه . ويستعمل فيما فيه شرف غالباً ، فلا يقال آل الإسكاف كما يقال أهله . وقد استعمل لفظ أهل مرادفاً للفظ آل ، لكن قد يكون لفظ أهل أخصّ إذا استعمل بمعنى زوجة ، كما في قوله تعالى خطاباً لزوجة إبراهيم عليه السلام عندما قالت : { أألد وأنا عجوز } ، { رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت } وقوله صلى الله عليه وسلم : « خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي » ، والمراد زوجاته . معنى الآل في اصطلاح الفقهاء : 2 - لم يتّفق الفقهاء على معنى الآل ، واختلفت لذلك الأحكام عندهم . فقد قال الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة : إنّ الآل والأهل بمعنًى واحد ، ولكنّ مدلوله عند كلّ منهم يختلف . فذهب الحنفيّة إلى أنّ أهل بيت الرّجل وآله وجنسه واحد . وهو كلّ من يشاركه في النّسب إلى أقصى أب له في الإسلام ، وهو الّذي أدرك الإسلام ، أسلم أو لم يسلم . وقيل يشترط إسلام الأب الأعلى . فكلّ من يناسبه إلى هذا الأب من الرّجال والنّساء والصّبيان فهو من أهل بيته . وقال المالكيّة : إنّ لفظ الآل يتناول العصبة ، ويتناول كلّ امرأة لو فرض أنّها رجل كان عاصباً . وقال الحنابلة : إنّ آل الشّخص وأهل بيته وقومه ونسباءه وقرابته بمعنًى واحد . وقال الشّافعيّة : إنّ آل الرّجل أقاربه ، وأهله من تلزمه نفقتهم ، وأهل بيته أقاربه وزوجته . وللآل إطلاق خاصّ في عبارات الصّلاة على النّبيّ وآله صلى الله عليه وسلم . فالأكثرون على أنّ المراد بهم قرابته عليه الصلاة والسلام الّذين حرمت عليهم الصّدقة . وقيل هم جميع أمّة الإجابة ، وإليه مال مالك ، واختاره الأزهريّ والنّوويّ من الشّافعيّة ، والمحقّقون من الحنفيّة ، وهو القول المقدّم عند الحنابلة ، وعبارة صاحب المغني : آل محمّد صلى الله عليه وسلم أتباعه على دينه . المبحث الثّاني أحكام الآل في الوقف والوصيّة 3 - قال الحنفيّة : لو قال الواقف : أرضي هذه صدقة موقوفة للّه عزّ وجلّ أبداً على أهل بيتي ، فإذا انقرضوا فهي وقف على المساكين ، تكون الغلّة للفقراء والأغنياء من أهل بيته ، ويدخل فيه أبوه وأبو أبيه وإن علا ، وولده وولد ولده وإن سفل ، الذّكور والإناث ، والصّغار والكبار ، والأحرار والعبيد ، فيه سواء ، والذّمّيّ فيه كالمسلم . ولا يدخل فيه الواقف ، ولا الأب الّذي أدرك الإسلام ، ولا الإناث من نسله إن كان آباؤهم من قوم آخرين . وإن كان آباؤهم ممّن يناسبه إلى جدّه الّذي أدرك الإسلام فهم من أهل بيته . والآل والأهل بمعنًى واحد عندهم في الوصيّة أيضاً ، فلو أوصى لآله أو أهله يدخل فيهم من جمعهم أقصى أب له في الإسلام . ويدخل في الوصيّة لأهل بيته أبوه وجدّه ممّن لا يرث . ولو أوصى لأهل فلان فالوصيّة لزوجة فلان في قول أبي حنيفة ، وعند الصّاحبين يدخل فيه جميع من تلزمه نفقتهم من الأحرار ، فيدخل فيه زوجته ، واليتيم في حجره ، والولد إذا كان يعوله . فإن كان كبيراً قد اعتزل ، أو بنتاً قد تزوّجت ، فليس من أهله . ولا يدخل فيه وارث الموصي ولا الموصى لأهله . وجه قول الصّاحبين أنّ الأهل عبارة عمّن ينفق عليه . قال اللّه تعالى خبراً عن سيّدنا نوح عليه السلام : { إنّ ابني من أهلي } وقال تعالى في قصّة لوط عليه السلام : { فنجّيناه وأهله } ووجه قول أبي حنيفة أنّ الأهل عند الإطلاق يراد به الزّوجة في متعارف النّاس ، يقال : فلان متأهّل ، وفلان لم يتأهّل ، وفلان ليس له أهل ، ويراد به الزّوجة ، فتحمل الوصيّة على ذلك . وقال المالكيّة : إنّ الواقف لو وقف على آله أو أهله شمل عصبته من أب وابن وجدّ وإخوة وأعمام وبنيهم الذّكور ، وشمل كلّ امرأة لو فرض أنّها رجل كان عاصباً ، سواء أكانت قبل التّقدير عصبةً بغيرها أم مع غيرها ، كأخت مع أخ أو مع بنت ، أم كانت غير عاصبة أصلاً ، كأمّ وجدّة . وإذا قال : أوصيت لأهلي بكذا ، اختصّ بالوصيّة أقاربه لأمّه ، لأنّهم غير ورثة للموصي ، ولا يدخل أقاربه لأبيه حيث كانوا يرثونه . وهذا إذا لم يكن له أقارب لأبيه لا يرثونه . فإن وجدوا اختصّوا بالوصيّة ، ولا يدخل معهم أقاربه لأمّه . وهذا قول ابن القاسم في الوصيّة والوقف . وقال غيره بدخول أقارب الأمّ مع أقارب الأب فيهما . وقال الشّافعيّة : إن أوصى الموصي لآل غيره صلى الله عليه وسلم صحّت الوصيّة ، وحمل على القرابة لا على أهل الدّين في أوجه الوجهين ، ولا يفوّض إلى اجتهاد الحاكم . وأهل البيت كالآل . وتدخل الزّوجة في أهل البيت أيضاً . وإن أوصى لأهله من غير ذكر البيت دخل كلّ من تلزمه مئونته . وقال الحنابلة : لو أوصى لآله أو أهله خرج الوارثون منهم ، إذ لا وصيّة لوارث ، ودخل من آله من لا يرث . المراد بآل محمّد صلى الله عليه وسلم عامّة : 4 - آل النّبيّ صلى الله عليه وسلم هم آل عليّ ، وآل عبّاس ، وآل جعفر ، وآل عقيل ، وآل الحارث بن عبد المطّلب ، وآل أبي لهب . فإنّ عبد مناف وهو الأب الرّابع للنّبيّ صلى الله عليه وسلم أعقب أربعةً ، وهم هاشم والمطّلب ونوفل وعبد شمس . ثمّ إنّ هاشماً أعقب أربعةً ، انقطع نسبهم إلاّ عبد المطّلب ، فإنّه أعقب اثني عشر . آل محمّد صلى الله عليه وسلم الّذين لهم أحكام خاصّة : 5 - هم آل عليّ ، وآل عبّاس ، وآل جعفر ، وآل عقيل ، وآل الحارث بن عبد المطّلب ، ومواليهم ، خلافاً لابن القاسم من المالكيّة ومعه أكثر العلماء حيث لم يعدّوا الموالي من الآل . أمّا أزواجه صلى الله عليه وسلم فذكر أبو الحسن بن بطّال في شرح البخاريّ ، أنّ الفقهاء كافّةً اتّفقوا على أنّ أزواجه عليه الصلاة والسلام لا يدخلن في آله الّذين حرمت عليهم الصّدقة ، لكن في المغني عن عائشة رضي الله عنها ما يخالف ذلك . قال : روى الخلاّل بإسناده عن ابن أبي مليكة أنّ خالد بن سعيد بن العاص بعث إلى عائشة رضي الله عنها سفرةً من الصّدقة ، فردّتها ، وقالت : إنّا آل محمّد لا تحلّ لنا الصّدقة . قال صاحب المغني : وهذا يدلّ على أنّهنّ من أهل بيته في تحريم الزّكاة وذكر الشّيخ تقيّ الدّين أنّه يحرم عليهنّ الصّدقة وأنّهنّ من أهل بيته في أصحّ الرّوايتين . حكم أخذ آل البيت من الصّدقة المفروضة : 6 - إنّ آل محمّد صلى الله عليه وسلم المذكورين ، لا يجوز دفع الزّكاة المفروضة إليهم باتّفاق فقهاء المذاهب الأربعة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « يا بني هاشم إنّ اللّه تعالى حرّم عليكم غسالة النّاس وأوساخهم ، وعوّضكم عنها بخمس الخمس » والّذين ذكروا ينسبون إلى هاشم بن عبد مناف ، ونسبة القبيلة إليه . وخرج أبو لهب - وإن كان من الآل - فيجوز الدّفع إلى بنيه ، لأنّ النّصّ أبطل قرابته ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : « لا قرابة بيني وبين أبي لهب ، فإنّه آثر علينا الأفجرين » ولأنّ حرمة الصّدقة على بني هاشم كرامة من اللّه لهم ولذرّيّتهم ، حيث نصروه صلى الله عليه وسلم في جاهليّتهم وفي إسلامهم . وأبو لهب كان حريصاً على أذى النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، فلم يستحقّها بنوه . وهذا هو المذهب عند كلّ من الحنفيّة والحنابلة . وفي قول آخر في كلا المذهبين : يحرم إعطاء من أسلم من آل أبي لهب ، لأنّ مناط الحكم كونهم من بني هاشم . 7 - واختلف في بني المطّلب أخي هاشم هل تدفع الزّكاة إليهم ؟ فمذهب الحنفيّة ، والمشهور عند المالكيّة ، وإحدى روايتين عند الحنابلة ، أنّهم يأخذون من الزّكاة ، لأنّهم دخلوا في عموم قوله تعالى { إنّما الصّدقات للفقراء والمساكين } لكن خرج بنو هاشم لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ الصّدقة لا تنبغي لآل محمّد » ، فيجب أن يختصّ المنع بهم . ولا يصحّ قياس بني المطّلب على بني هاشم ، لأنّ بني هاشم أقرب إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأشرف ، وهم آل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومشاركة بني المطّلب لهم في خمس الخمس لم يستحقّوه بمجرّد القرابة ، بدليل أنّ بني عبد شمس وبني نوفل يساوونهم في القرابة ولم يعطوا شيئاً ، وإنّما شاركوهم بالنّصرة ، أو بهما جميعاً ، والنّصرة لا تقتضي منع الزّكاة . ومذهب الشّافعيّة والقول غير المشهور عند المالكيّة وإحدى الرّوايتين عن الحنابلة ، أنّه ليس لبني المطّلب الأخذ من الزّكاة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّا وبنو المطّلب لم نفترق في جاهليّة ولا إسلام . إنّما نحن وهم شيء واحد » وفي رواية : « إنّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد . وشبّك بين أصابعه » ولأنّهم يستحقّون من خمس الخمس ، فلم يكن لهم الأخذ ، كبني هاشم . وقد أكّد ذلك ما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّل منعهم الصّدقة باستغنائهم عنها بخمس الخمس ، فقال صلى الله عليه وسلم : « أليس في خمس الخمس ما يغنيكم ؟ » 8 - هذا وقد روى أبو عصمة عن أبي حنيفة أنّه يجوز الدّفع إلى بني هاشم في زمانه . والمشهور عند المالكيّة أنّ محلّ عدم إعطاء بني هاشم من الزّكاة إذا أعطوا ما يستحقّونه من بيت المال ، فإن لم يعطوا ، وأضرّ بهم الفقر أعطوا منها . وإعطاؤهم حينئذ أفضل من إعطاء غيرهم . وقيّده الباجيّ بما إذا وصلوا إلى حالة يباح لهم فيها أكل الميتة ، لا مجرّد ضرر . والظّاهر خلافه وأنّهم يعطون عند الاحتياج ولو لم يصلوا إلى حالة إباحة أكل الميتة ، إذ إعطاؤهم أفضل من خدمتهم لذمّيّ أو ظالم . وقال الشّافعيّة : إنّه لا يحلّ لآل محمّد صلى الله عليه وسلم الزّكاة ، وإن حبس عنهم الخمس ، إذ ليس منعهم منه يحلّ لهم ما حرم عليهم من الصّدقة ، خلافاً لأبي سعيد الإصطخريّ الّذي قال : إن منعوا حقّهم من الخمس جاز الدّفع إليهم ، لأنّهم إنّما حرموا الزّكاة لحقّهم في الخمس ، فإذا منعوا منه وجب أن يدفع إليهم . والظّاهر من إطلاق المنع عند الحنابلة أنّه تحرم على الآل الصّدقة وإن منعوا حقّهم في الخمس . أخذ الآل من الكفّارات والنّذور وجزاء الصّيد وعشر الأرض وغلّة الوقف 9 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه لا يحلّ لآل محمّد صلى الله عليه وسلم الأخذ من كفّارة اليمين والظّهار والقتل وجزاء الصّيد وعشر الأرض وغلّة الوقف . وهو رواية عند الحنابلة في الكفّارات ، لأنّها أشبهت الزّكاة . وعن أبي يوسف من الحنفيّة أنّه يجوز لهم أخذ غلّة الوقف إذا كان الوقف عليهم ، لأنّ الوقف عليهم حينئذ بمنزلة الوقف على الأغنياء . فإن كان على الفقراء ، ولم يسمّ بني هاشم ، لا يجوز . وصرّح في " الكافي " بدفع صدقة الوقف إليهم على أنّه بيان المذهب من غير نقل خلاف ، فقال : وأمّا التّطوّع والوقف ، فيجوز الصّرف إليهم ، لأنّ المؤدّى في الواجب يطهّر نفسه بإسقاط الفرض ، فيتدنّس المال المؤدّى ، كالماء المستعمل ، وفي النّفل يتبرّع بما ليس عليه ، فلا يتدنّس به المؤدّى . ا هـ . قال صاحب فتح القدير : والحقّ الّذي يقتضيه النّظر إجراء صدقة الوقف مجرى النّافلة ، فإن ثبت في النّافلة جواز الدّفع ، يجب دفع الوقف ، وإلاّ فلا ، إذ لا شكّ في أنّ الواقف متبرّع بتصدّقه بالوقف ، إذ لا إيقاف واجب . وذهب الحنابلة إلى جواز أخذ الآل من الوصايا لأنّها تطوّع ، وكذا النّذور ، لأنّها في الأصل تطوّع ، فأشبه ما لو وصّى لهم . وعلى ذلك يجوز لهم الأخذ منهما . وفي الكفّارة عندهم وجه آخر بالجواز ، لأنّها ليست بزكاة ولا هي أوساخ النّاس ، فأشبهت صدقة التّطوّع . حكم أخذ الآل من صدقة التّطوّع : 10 - للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة اتّجاهات : الأوّل : الجواز مطلقاً ، وهو قول عند الحنفيّة والشّافعيّة ، ورواية عن أحمد ، لأنّها ليست من أوساخ النّاس ، تشبيهاً لها بالوضوء على الوضوء . الثّاني : المنع مطلقاً ، وهو قول عند الحنفيّة والشّافعيّة ، ورواية عن أحمد أيضاً ، وهي الأظهر عند الحنابلة ، لأنّ النّصوص الواردة في النّهي عن أخذ آل البيت من الصّدقة عامّة ، فتشمل المفروضة والنّافلة . الثّالث : الجواز مع الكراهة ، وهو مذهب المالكيّة ، جمعاً بين الأدلّة . المبحث الثّالث موالي آل البيت والصّدقات 11 - قال الحنفيّة ، والحنابلة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة وقول عند المالكيّة ، إنّ موالي آل النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهم من أعتقهم هاشميّ أو مطّلبيّ ، حسب الخلاف السّابق ، لا يعطون من الزّكاة ، مستدلّين بما روى أبو رافع « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من بني مخزوم على الصّدقة ، فقال لأبي رافع : اصحبني كيما تصيب منها . فقال : لا ، حتّى آتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأسأله ، فانطلق إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسأله ، فقال : إنّا لا تحلّ لنا الصّدقة ، وإنّ مولى القوم منهم » ولأنّهم ممّن يرثهم بنو هاشم بالتّعصيب ، فلم يجز دفع الصّدقة إليهم كبني هاشم وهم بمنزلة القرابة ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : « الولاء لحمة كلحمة النّسب » وثبت لهم حكم القرابة من الإرث والعقل والنّفقة ، فلا يمتنع تحريم الصّدقة عليهم . وإذا حرمت الصّدقة على موالي الآل ، فأرقّاؤهم ومكاتبوهم أولى بالمنع ، لأنّ تمليك الرّقيق يقع لمولاه ، بخلاف العتيق . والمعتمد عند المالكيّة جواز دفع الصّدقة لموالي آل البيت ، لأنّهم ليسوا بقرابة النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يمنعوا الصّدقة ، كسائر النّاس ، ولأنّهم لم يعوّضوا عنها بخمس الخمس ، فإنّهم لا يعطون منه ، فلم يجز أن يحرموها ، كسائر النّاس . دفع الهاشميّ زكاته لهاشميّ 12 - يرى أبو يوسف من الحنفيّة ، وهو رواية عن الإمام ، أنّه يجوز للهاشميّ أن يدفع زكاته إلى هاشميّ مثله ، قائلين : إنّ قوله عليه الصلاة والسلام : « يا بني هاشم ، إنّ اللّه كره لكم غسالة أيدي النّاس وأوساخهم ، وعوّضكم منها بخمس الخمس » لا ينفيه ، للقطع بأنّ المراد من " النّاس " غيرهم لأنّهم المخاطبون بالخطاب المذكور ، والتّعويض بخمس الخمس عن صدقات النّاس لا يستلزم كونه عوضاً عن صدقات أنفسهم . ولم نهتد إلى حكم ذلك في غير مذهب الحنفيّة . عمالة الهاشميّ على الصّدقة بأجر منها : 13 - قال الحنفيّة في الأصحّ عندهم والمالكيّة والشّافعيّة وبعض الحنابلة ، وهو ظاهر قول الخرقيّ ، إنّه لا يحلّ للهاشميّ أن يكون عاملاً على الصّدقات بأجر منها ، تنزيهاً لقرابة النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شبهة الوسخ ، ولما روى عبد المطّلب بن ربيعة بن الحارث « أنّه اجتمع ربيعة والعبّاس بن عبد المطّلب ، فقالا : لو بعثنا هذين الغلامين لي وللفضل بن العبّاس إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأمّرهما على الصّدقة ، فأصابا منها كما يصيب النّاس . فقال عليّ : لا ترسلوهما . فانطلقنا حتّى دخلنا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ عند زينب بنت جحش ، فقلنا : يا رسول اللّه ، قد بلغنا النّكاح وأنت أبرّ النّاس وأوصل النّاس ، وجئناك لتؤمّرنا على هذه الصّدقات ، فنؤدّي إليك كما يؤدّي النّاس ، ونصيب كما يصيبون . قال : فسكت طويلاً ، ثمّ قال : إنّ الصّدقة لا تنبغي لآل محمّد ، إنّما هي أوساخ النّاس » . وفي قول للحنفيّة : إنّ أخذ الهاشميّ العامل على الصّدقات مكروه تحريماً لا حرام . وجوّز الشّافعيّة أن يكون الحمّال والكيّال والوزّان والحافظ هاشميّاً أو مطّلبيّاً . وأكثر الحنابلة على أنّه يباح للآل الأخذ من الزّكاة عمالةً ، لأنّ ما يأخذونه أجر ، فجاز لهم أخذه ، كالحمّال وصاحب المخزن إذا آجرهم مخزنه . |
المبحث الرّابع الغنيمة والفيء وحقّ آل البيت تعريف الغنيمة والفيء اختلف الفقهاء في تعريف الغنيمة والفيء على أقوال تفصيلها في مصطلح : « أنفال » « وغنيمة » « وفيء » . حقّ آل البيت في الغنيمة والفيء 14 - لا خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة في أنّ الغنيمة تقسّم خمسة أخماس : أربعة منها للغانمين ، والخامس لمن ذكروا في قوله تعالى : { واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه } الآية . لكنّهم اختلفوا في مصرف الخمس بعد وفاة الرّسول عليه الصلاة والسلام ، فقال الشّافعيّة ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، إنّ خمس الغنيمة الخامس يقسّم خمسة أسهم . الأوّل : سهم لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم للآية ، ولا يسقط بوفاته ، بل يصرف بعده لمصالح المسلمين وعمارة الثّغور والمساجد . والثّاني : سهم لذوي القربى ، وهم بنو هاشم وبنو المطّلب ، دون بني عبد شمس وبني نوفل ، لاقتصاره صلى الله عليه وسلم على بني الأوّلين مع سؤال بني الآخرين ، ولأنّهم لم يفارقوه لا في جاهليّة ولا إسلام . ويشترك فيه الغنيّ والفقير ، والرّجال والنّساء . ويفضّل الذّكر على الأنثى ، كالإرث . وحكى الإمام الشّافعيّ فيه إجماع الصّحابة . والأسهم الثّلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السّبيل . والرّواية الأخرى عن الإمام أحمد أنّ سهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يختصّ بأهل الدّيوان ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استحقّه بحصول النّصرة ، فيكون لمن يقوم مقامه في النّصرة . وعنه أنّه يصرف في السّلاح والكراع . والفيء عند الشّافعيّة ، وفي رواية عن الإمام أحمد ، يخمّس ، ومصرف الخمس منه كمصرف خمس الغنيمة . والظّاهر عند الحنابلة أنّه لا يخمّس ، ويكون لجميع المسلمين ، يصرف في مصالحهم . وقال الحنفيّة : إنّ الخمس الّذي للّه ولرسوله إلخ يقسّم على ثلاثة أسهم : سهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لأبناء السّبيل . ويدخل فقراء ذوي القربى فيهم ، يعطون كفايتهم ، ولا يدفع إلى أغنيائهم شيء . وذوو القربى الّذين يدفع إلى فقرائهم هم بنو هاشم وبنو المطّلب والفيء لا يخمّس عندهم . وقال المالكيّة : إنّ خمس الغنيمة كلّها والرّكاز والفيء والجزية وخراج الأرض المفتوحة عنوةً أو صلحاً وعشور أهل الذّمّة محلّه بيت مال المسلمين ، يصرفه الإمام في مصارفه ، باجتهاده ، فيبدأ من ذلك بآل النّبيّ عليه الصلاة والسلام استحباباً ، ثمّ يصرف للمصالح العائد نفعها على المسلمين ، كبناء المساجد . والفيء لا يخمّس عندهم . والآل الّذين يبدأ بهم هم بنو هاشم فقط . . المبحث الخامس الصّلاة على آل النّبيّ صلى الله عليه وسلم 15 - الفقهاء في المذاهب الأربعة مجمعون على أنّه لا يصلّى على غير الأنبياء والملائكة إلاّ تبعاً ، لكنّهم اختلفوا في حكم الصّلاة على الآل تبعاً . فأحد رأيين عند الشّافعيّة والحنابلة أنّ الصّلاة على الآل في الصّلاة واجبة ، تبعاً للصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم مستدلّين بما روي من حديث كعب بن عجرة قال : « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خرج علينا . فقلنا : يا رسول اللّه ، قد علمنا كيف نسلّم عليك ، فكيف نصلّي عليك ؟ قال : قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم » . فقد أمر الرّسول صلى الله عليه وسلم بالصّلاة عليه وعلى آله ، والأمر يقتضي الوجوب . والرّواية الأخرى في المذهبين أنّها سنّة ، وهو قول الحنفيّة ، وأحد قولين للمالكيّة ، واستدلّوا بحديث ابن مسعود « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّمه التّشهّد ثمّ قال إذا قلت هذا ، أو قضيت هذا ، فقد تمّت صلاتك » وفي لفظ « فقد قضيت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم » والرّأي الآخر عند المالكيّة أنّ الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم والآل تبعاً ، فضيلة . آل البيت والإمامة الكبرى والصّغرى : 16 - لم يشترط جمهور الفقهاء أن يكون إمام المسلمين ( الخليفة ) من آل بيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم . ويستدلّون على ذلك بأنّ الخلفاء أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا من أهل البيت ، بل كانوا من قريش . ومقتضى مراعاة شرف النّسب أنّه في الإمامة الصّغرى إن استووا هم وغيرهم في الصّفات قدّموا باعتبارهم أشرف نسباً . ( حكم سبّ آل البيت ) : 17 - أجمع فقهاء المذاهب على أنّ من شتم أحداً من آله صلى الله عليه وسلم مثل مشاتمة النّاس فإنّه يضرب ضرباً شديداً وينكّل به ، ولا يصير كافراً بالشّتم . ( الانتساب إلى آل البيت كذباً ) : 18 - من انتسب كاذباً إلى آل النّبيّ صلى الله عليه وسلم يضرب ضرباً وجيعاً ، ويحبس طويلاً حتّى تظهر توبته ، لأنّه استخفاف بحقّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . آلة التّعريف 1 - الآلة ما اعتملت به من أداة ، يكون واحداً وجمعاً . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ . أوّلاً : الحكم التّكليفيّ لاستعمال الآلات 2 - الأصل في الآلات والأدوات الّتي يستعملها الإنسان في قضاء مآربه أنّ استعمالها مباح . ويعرض لها الحظر أو الكراهية باعتبارات ، منها : أ - المادّة المصنوعة منها الآلة : فإن كانت من ذهب أو فضّة أو مطليّةً بأحدهما كره أو حرّم استعمالها ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الشّرب في آنية الذّهب والفضّة والأكل في صحافهما . وتفصيل ذلك في مباحث الآنية . ب - الغرض الّذي تستعمل له كبيع السّلاح في الفتنة ، أو للكفّار ، أو ممّن يستعمله في الحرام ، وكبيع آلات اللّهو . ج - ما تختصّ به الآلة من أثر قد يكون شديد الإيلام أو شديد الخطورة ، أو يؤدّي إلى محرّم ، فيمنع استعمالها ، أو يكره ، كالسّمّ في الصّيد أو الجهاد ، وكالآلة الكالّة لا تستعمل في استيفاء القصاص أو القطع في حدّ السّرقة ، وكالمزفّت والجرار يمنع بعض الفقهاء استعمالها في الانتباذ لئلاّ يسارع إليها التّخمّر . د - التّكريم : كمنع بيع آلة العلم الشّرعيّ للكافر . ويفصّل الفقهاء أحكام كلّ آلة بحسب ما تضاف إليه في الاستعمال الفقهيّ ، فآلة الذّبح في مباحث الذّبح ، وآلة القصاص في مباحث الجنايات . وتفصيل بعض ذلك فيما يلي : ( آلات اللّهو واللّعب ) : 3 - آلات اللّهو كالطّبل والمزمار والعود ، وآلات بعض الألعاب كالشّطرنج والنّرد ، محرّمة الاستعمال عند الفقهاء من حيث الجملة . ويباح الطّبل لغير اللّهو كالعرس وطبل الغزاة . وفي هذه الأحكام خلاف وتفاصيل يذكرها الفقهاء في مباحث البيع والإجارة والشّهادة والحدود والحظر والإباحة . آلة الذّبح وآلة الصّيد : 4 - اعتبر الشّرع في آلة الذّبح وآلة الصّيد أن تكون محدّدةً . تنهر الدّم وتفري ، وألاّ تكون سنّاً ولا ظفراً ، فلا يحلّ ما ذبح بهما أو صيد بهما . وفرّق بعض الفقهاء بين السّنّ والظّفر القائمين ، فمنع الذّبح بهما ، بخلاف المنزوعين . ولا يحلّ ما أزهقت نفسه بمثقل كالحجر ونحوه . وينبغي تعاهد الآلة لتكون محدّدةً فتريح الذّبيحة . وإن كان المصيد به حيواناً كالكلب والصّقر ونحوهما اعتبر أن يكون معلّماً . ومعنى التّعليم في الجارحة أن تصير بحيث إذا أرسلت أطاعت ، وإذا زجرت انزجرت ، وقيل بأن تترك الأكل من الصّيد ثلاث مرّات . ويذكر الفقهاء تفصيل ذلك والخلاف فيه في مباحث الصّيد ، ومباحث الذّبح . ( آلات الجهاد ) : 5 - يجب إعداد العدّة للجهاد ، وتجوز مقاتلة العدوّ بالسّلاح المناسب لكلّ عصر ، وفي تحريقهم بالنّار وتغريقهم واستعمال السّموم تفصيل وخلاف يذكره الفقهاء في مباحث الجهاد . ويجوز إتلاف آلات العدوّ في حال القتال ، على تفصيل للفقهاء في مباحث الجهاد . آلات استيفاء القصاص والقطع في السّرقة : 6 - يستوفى القصاص في النّفس عند جمهور العلماء بالصّفة الّتي وقعت بها الجناية . وعند بعض العلماء لا يستوفى القصاص إلاّ بالسّيف . ولا يستوفى القصاص فيما دون النّفس بآلة يخشى منها الزّيادة . وكذلك القطع في السّرقة . ويرجع لمعرفة تفاصيل ذلك إلى مباحث القصاص وحدّ السّرقة . آلات الجلد في الحدود والتّعازير : 7 - الجلد في الحدود يكون بالسّوط . على أنّه يجوز في حدّ الشّرب الضّرب بالأيدي أو النّعال أو أطراف الثّياب . ويستعمل السّوط في إقامة حدّ الزّنا على البكر . وحدّ القذف ، وحدّ شرب الخمر . ويجزي منه استعمال عثكال فيه مائة شمراخ في إقامة حدّ الزّنا على البكر ، إن كان لا يحتمل الجلد لمرض لا يرجى برؤه . ويلاحظ ألاّ يكون السّوط ممّا يتلف ، ولذلك قال بعضهم : لا يكون له ثمرة - يعني : عقدة في طرفه - وقال بعضهم يكون بين الجديد والخلق . أمّا الجلد في التّعزير فقد يكون بالسّوط ، أو بما يقوم مقامه ممّا يراه وليّ الأمر . وفي كثير ممّا ذكرناه هنا تفصيل وخلاف يذكره الفقهاء في مسائل الحدود والتّعزير . ثانياً : آلات العمل وزكاتها : 8 - لا زكاة في آلات العمل للمحترفين ، سواء كان ممّا لا تستهلك عينه كالمنشار والقدوم ، أو ممّا تستهلك ، إلاّ أنّ الآلات الّتي تشترى فتستعمل فيما يباع ، كقوارير العطّارين ، إن كان من غرض المشتري بيعها بها ففيها الزّكاة عند الحول . وآلات العمل للمحترفين ، الّتي هم بحاجة إليها ، لا تباع عليهم في حال الإفلاس . ومن كان منهم فقيراً لا يملك آلات عمله ، ولا ما يشتريها به ، يجوز إعطاؤه من الزّكاة ما يشتريها به ، على تفصيل للفقهاء في مباحث الزّكاة والإفلاس . ثالثاً : آلة العدوان وأثرها في تحديد نوع الجناية : 9 - جناية القتل لا يجب بها القصاص إلاّ إن كانت متعمّدةً ، ولمّا كان تعمّد القتل أمراً خفيّاً ينظر إلى الآلة ، فذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا قصاص في قتل العمد إلاّ إذا كان بمحدّد ، وأمّا ما كان بغيره فليس بعمد ، بل هو شبه عمد إذا تعمّد الضّرب به ولا قصاص فيه . وجمهور العلماء لم يوافقوا أبا حنيفة على ذلك ، بل يثبت العمد عندهم في القتل بما عدا المحدّد ، على تفصيل وخلاف بينهم في الضّوابط المعتبرة في ذلك ، يذكر في مسائل الجنايات والقصاص . آمّة التّعريف 1 - الآمّة لغةً : شجّة تبلغ أمّ الرّأس ، وهي جلدة تجمع الدّماغ . وشجّة آمّة ومأمومة بمعنًى واحد . واستعمل الفقهاء اللّفظين بنفس المعنى اللّغويّ . ( الألفاظ ذات الصّلة ) 2 - هناك ألفاظ وردت في شجّ الرّأس ، كالموضحة والهاشمة والمنقّلة والدّامغة إلاّ أنّ لكلّ منها حكمها الخاصّ . وتفصيل ذلك عند الفقهاء في القصاص والدّيات . ( الحكم الإجماليّ ) 3 - أجمع الفقهاء على أنّ في الآمّة ثلث الدّية . ( مواطن البحث ) 4 - يفصّل الفقهاء أحكام الآمّة في مباحث الجناية على ما دون النّفس ، وفي مباحث الدّيات . كما فصّلوا في مباحث الصّوم ، مسألة الفطر بوصول شيء إلى الآمّة . آمين معناه ، واللّغات الّتي وردت فيه : 1 - جمهور أهل اللّغة على أنّ آمين في الدّعاء يمدّ ويقصر ، وتقول أمّنت على الدّعاء تأميناً ، إذا قلت آمين . ويعبّر غالباً بالتّأمين بدلاً من عبارة قول آمين ، لسهولة اللّفظ . ولم يعتبر التّأمين عنواناً للبحث ، لئلاّ يشتبه بالتّأمين التّجاريّ . ونقل الفقهاء فيه لغات عديدةً ، نكتفي منها بأربع : المدّ ، والقصر ، والمدّ مع الإمالة والتّخفيف ، والمدّ مع التّشديد . والأخيرتان حكاهما الواحديّ ، وزيّف الأخيرة منهما . وقال النّوويّ : إنّها منكرة . وحكى ابن الأنباريّ القصر مع التّشديد . وهي شاذّة أيضاً . وكلّها إلاّ الرّابعة اسم فعل بمعنى استجب . ومعنى آمّين ( بالمدّ مع التّشديد ) قاصدين إليك . قال ابن عبّاس : « سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن معنى آمين ، فقال : افعل » . وقال قتادة : كذلك يكون . وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « آمين خاتم ربّ العالمين على عباده المؤمنين » . وقال عطاء : آمين دعاء . وإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على آمين وتسليم بعضكم على بعض » . قال ابن العربيّ : هذه الكلمة لم تكن لمن قبلنا ، خصّنا اللّه تعالى بها . حقيقة التّأمين : 2 - التّأمين دعاء ، لأنّ المؤمن يطلب من اللّه أن يستجيب الدّعاء . صفته ( حكمه التّكليفيّ ) : 3 - الأصل في قول آمين أنّه سنّة ، لكنّه قد يخرج عن النّدب إلى غيره ، كالتّأمين على دعاء محرّم ، فإنّه يكون حراماً . نفي القرآنيّة عن " آمين » : 4 - لا خلاف في أنّ " آمين " ليست من القرآن ، لكنّها مأثورة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وقد واظب عليها ، وأمر بها في الصّلاة وخارجها ، كما يعرف من الأحاديث الّتي سترد في خلال البحث . مواطن التّأمين : 5 - التّأمين دعاء غير مستقلّ بنفسه بل مرتبط بغيره من الأدعية ، لذلك يحسن بيان المواضع الّتي يؤمّن على الدّعاء فيها ، فمن أهمّها : أ - التّأمين في الصّلاة : التّأمين عقب قراءة الفاتحة ، وعلى الدّعاء في قنوت الصّبح ، والوتر ، والنّازلة . ب - والتّأمين خارج الصّلاة : عقب قراءة الفاتحة ، والتّأمين على الدّعاء في الخطبة ، وفي الاستسقاء . أوّلاً : التّأمين في الصّلاة التّأمين عقب الفاتحة : 5 م - التّأمين للمنفرد سنّة ، سواء أكانت الصّلاة سرّيّةً أم جهريّةً . ومثله الإمام والمأموم في السّرّيّة ، والمقتدي في صلاة الجهر . أمّا الإمام في الصّلاة الجهريّة فللعلماء فيه ثلاثة آراء : أوّلاً - ندب التّأمين ، وهو قول الشّافعيّة ، والحنابلة ، والحنفيّة ، عدا رواية الحسن عن أبي حنيفة وهو رواية المدنيّين من المالكيّة الحديث : « إذا أمّن الإمام فأمّنوا ، فإنّه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه » . ثانياً - عدم النّدب ، وهو رواية المصريّين من المالكيّة ، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة . ودليل عدم استحسانه من الإمام ما روى مالك عن سميّ عن أبي صالح عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قال الإمام : غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين فقولوا آمين فإنّه من وافق قوله قول الملائكة غفر له » . وهذا دليل على أنّه لا يقوله ، لأنّه صلى الله عليه وسلم قسم ذلك بينه وبين القوم ، والقسمة تنافي الشّركة . ثالثاً - وجوب التّأمين ، وهو رواية عن أحمد ، قال في رواية إسحاق بن إبراهيم : آمين أمر من النّبيّ صلى الله عليه وسلم . ارتباط التّأمين بالسّماع : 6 - اتّفقت المذاهب الأربعة على أنّه يسنّ التّأمين عند سماع قراءة الإمام ، أمّا إن سمع المأموم التّأمين من مقتد آخر فللفقهاء في ذلك رأيان : الأوّل : ندب التّأمين وإليه ذهب الحنفيّة وهو قول للمالكيّة وقول مضعّف للشّافعيّة . الثّاني : لا يطلب التّأمين ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة والقول الآخر للمالكيّة ولم نقف على نصّ للحنابلة في هذا . ( تحرّي الاستماع ) : 7 - لا يتحرّى المقتدي على الأظهر الاستماع للإمام عند المالكيّة ، ومقابله يتحرّى ، وهو قول الشّافعيّة . الإسرار بالتّأمين والجهر به : 8 - لا خلاف بين المذاهب الأربعة في أنّ الصّلاة إن كانت سرّيّةً فالإسرار بالتّأمين سنّة في حقّ الإمام والمأموم والمنفرد . وأمّا إن كانت جهريّةً فقد اختلفوا في الإسرار به وعدمه على ثلاثة مذاهب : الأوّل . ندب الإسرار ، وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة ، إلاّ أنّ المالكيّة استحبّوه بالنّسبة للمأموم والمنفرد فقط ، والحنفيّة ومعهم ابن الحاجب وابن عرفة من المالكيّة استحبّوه للجميع ، لأنّه دعاء والأصل فيه الإخفاء . لقوله سبحانه : { ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفيةً } ولقول ابن مسعود رضي الله عنه : أربع يخفيهنّ الإمام ، وذكر منها آمين . ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة تخصيص الإسرار بالمأموم فقط إن أمّن الإمام ، كسائر الأذكار ، وقيل يسرّ في هذه الحالة إن قلّ الجمع . الثّاني : ندب الجهر . وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة ، إلاّ أنّ الحنابلة عمّوا النّدب في كلّ مصلّ . ووافقهم الشّافعيّة اتّفاقاً بالنّسبة للإمام والمنفرد . وأمّا في المأموم فقد وافقوهم أيضاً بشرط عدم تأمين الإمام . فإن أمّن فالأظهر ندب الجهر كذلك . وقيل إنّما يجهر في حالة تأمين الإمام بشرط كثرة الجمع . فإن لم يكثر فلا يندب الجهر . واستدلّ القائلون بندب الجهر بأنّه صلى الله عليه وسلم قال " آمين " ورفع بها صوته . الثّالث : التّخيير بين الجهر والإسرار ، وبه قال ابن بكير وابن العربيّ من المالكيّة ، غير أنّ ابن بكير خصّه بالإمام فقط ، وخيّر ابن العربيّ الجميع ، وصحّح في كتابه " أحكام القرآن " الجهر . ولو أسرّ به الإمام جهر به المأموم عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّ جهر المأموم بالتّأمين سنّة ، فلا يسقط بترك الإمام له ، ولأنّه ربّما نسيه الإمام ، فيجهر به المأموم ليذكّره . ( المقارنة والتّبعيّة في التّأمين ) : 9 - مذهب الشّافعيّة ، والأصحّ عند الحنابلة أنّ مقارنة تأمين الإمام لتأمين المأموم سنّة ، لخبر « إذا أمّن الإمام فأمّنوا فإنّه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه » وخبر « إذا قال أحدكم : آمين ، وقالت الملائكة في السّماء : آمين ، فوافقت إحداهما الأخرى ، غفر له ما تقدّم من ذنبه » رواه الشّيخان . ومقابل الأصحّ عند الحنابلة أنّ المقتدي يؤمّن بعد تأمين الإمام . ولم أقف على نصّ صريح في ذلك للحنفيّة والمالكيّة ، لكنّهم ذكروا ما يفيد مقارنة التّأمين لتأمين الملائكة ، مستدلّين بحديث أبي هريرة السّابق « إذا قال أحدكم : آمين ، وقالت الملائكة في السّماء : آمين . . . » إلخ . وبحديث أبي هريرة أيضاً « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : إذا قال الإمام : غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين فقولوا : آمين ، فإنّه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه » . فإن فاتته مقارنة تأمينه لتأمين إمامه أتى به عقبه ، فإن لم يعلم المأموم بتأمين إمامه ، أو أخّره عن وقته المندوب أمّن . نصّ على ذلك الشّافعيّة ، كما نصّوا على أنّه لو قرأ معه وفرغا معاً كفى تأمين واحد ، أو فرغ قبله ، قال البغويّ : ينتظره ، والمختار أو الصّواب أنّه يؤمّن لنفسه ، ثمّ يؤمّن للمتابعة . الفصل بين « آمين » وبين { ولا الضّالّين } 10 - الشّافعيّة والحنابلة على ندب السّكوت لحظةً لطيفةً بين { ولا الضّالّين } وبين « آمين » ليعلم أنّها ليست من القرآن ، وعلى ألاّ يتخلّل في هذه اللّحظة لفظ . نعم ، يستثني الشّافعيّة " ربّ اغفر لي " قالوا : وينبغي أنّه لو زاد على ذلك « ولوالديّ ولجميع المسلمين » لم يضرّ أيضاً . ولم أر من الحنفيّة والمالكيّة من تعرّض لهذه النّقطة ، فيما وقفت عليه . تكرار آمين والزّيادة بعدها : 11 - يحسن عند الشّافعيّة قول : « آمين ربّ العالمين » ، وغير ذلك من الذّكر . ولا يستحبّ عند أحمد ، لكن لا تبطل صلاته ، ولا يسجد للسّهو عنها . ولم نجد لغير الشّافعيّة والحنابلة نصّاً في التّكرار . وذكر الكرديّ عن ابن حجر أنّه يندب تكرار " آمين " في الصّلاة ، مستدلّاً بما رواه وائل بن حجر أنّه قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل الصّلاة ، فلمّا فرغ من فاتحة الكتاب ، قال : آمين ، ثلاثاً » ويؤخذ منه تكرار " آمين " ثلاثاً ، حتّى في الصّلاة . ( ترك التّأمين ) 12 - المذاهب الأربعة على أنّ المصلّي لو ترك " آمين " واشتغل بغيرها لا تفسد صلاته ، ولا سهو عليه ، لأنّه سنّة فات محلّها . عدم انقطاع القراءة بالتّأمين على قراءة الإمام : 13 - إذا فرغ الإمام من قراءة الفاتحة أثناء قراءة المأموم ، قال المأموم " آمين " ثمّ يتمّ قراءته ، نصّ على ذلك الشّافعيّة والحنابلة . ولا قراءة عند الحنفيّة والمالكيّة بالنّسبة للمأموم . التّأمين عقب الفاتحة خارج الصّلاة 14 - التّأمين عقب قراءة الفاتحة سنّة عند المذاهب الأربعة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « لقّنني جبريل عليه السلام ، عند فراغي من الفاتحة : آمين » . التّأمين على القنوت 15 - القنوت قد يكون في النّازلة وقد يكون في غيرها . وللفقهاء في التّأمين على قنوت غير النّازلة ثلاثة اتّجاهات : الأوّل : التّأمين جهراً ، إن سمع الإمام ، وإلاّ قنت لنفسه . وهو قول الشّافعيّة والصّحيح عند الحنابلة ، وهو قول محمّد بن الحسن في القنوت وفي الدّعاء بعده . ومنه الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما نصّ الشّافعيّة . وهو المتبادر لغيرهم لدخوله في الشّمول . الثّاني : ترك التّأمين . وإليه ذهب المالكيّة ، وهو الأصحّ عند الحنفيّة ، وروايةً عن أحمد ، وقول ضعيف عند الشّافعيّة . الثّالث : التّخيير بين التّأمين وتركه . وهو قول أبي يوسف ، وقول ضعيف للشّافعيّة . ولا فرق بين قنوت النّازلة وقنوت غيرها ، عند الشّافعيّة والحنابلة . ولا تأمين في النّازلة عند الحنفيّة لإسرارهم بالقنوت فيها . فإن جهر الإمام أمّن المأموم . قال ابن عابدين : والّذي يظهر لي أنّ المقتدي يتابع إمامه إلاّ إذا جهر فيؤمّن . ولا قنوت في النّازلة عند المالكيّة على المشهور . ولو اقتدى المأموم بمن يقنت في صلاة الصّبح أجاز له الحنابلة التّأمين . ومعهم في ذلك ابن فرحون من المالكيّة . ويسكت من صلّى وراء من يقنت في الفجر عند الحنفيّة . ويراعي المأموم المقتدي بمن لا يقنت حال نفسه عند الشّافعيّة بشرط عدم الإخلال بالمتابعة . ثانياً : التّأمين خارج الصّلاة ( التّأمين على دعاء الخطيب ) 16 - يسنّ التّأمين على دعاء الخطيب عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، إلاّ أنّه يكون عند المالكيّة والحنابلة سرّاً ، وبلا رفع صوت عند الشّافعيّة . ولا تأمين باللّسان جهراً عند الحنفيّة بل يؤمّن في نفسه . ونصّ المالكيّة على تحريم ما يقع على دكّة المبلّغين بعد قول الإمام : « ادعوا اللّه وأنتم موقنون بالإجابة » من رفع أصوات جماعة بقولهم : « آمين . آمين . آمين » واعتبروه بدعةً محرّمةً . التّأمين على دعاء الاستسقاء : 17 - استحبّ الشّافعيّة والحنابلة ، وهو قول للمالكيّة ، التّأمين على دعاء الاستسقاء عند جهر الإمام به . ولا يخالف الحنفيّة في ذلك . والقول الآخر للمالكيّة أن يدعو الإمام والمأمومون . وقيل بعد دعائهم معاً يستقبلهم الإمام ، فيدعو ويؤمّنون . التّأمين على الدّعاء دبر الصّلاة . 18 - لم أجد من يقول بالتّأمين على دعاء الإمام بعد الصّلاة إلاّ بعض المالكيّة . وممّن قال بجوازه ابن عرفة ، وأنكر الخلاف في كراهيته . وفي جواب الفقيه العلاّمة أبي مهديّ الغبرينيّ ما نصّه " ونقرّر أوّلاً أنّه لم يرد في الملّة نهي عن الدّعاء دبر الصّلاة ، على ما جرت به العادة اليوم من الاجتماع ، بل جاء التّرغيب فيه على الجملة » . فذكر أدلّةً كثيرةً ثمّ قال " فتحصل بعد ذلك كلّه من المجموع أنّ عمل الأئمّة منذ الأزمنة المتقادمة مستمرّ في مساجد الجماعات ، وهو مساجد الجوامع ، وفي مساجد القبائل ، وهي مساجد الأرباض والرّوابط ، على الجهر بالدّعاء بعد الفراغ من الصّلوات ، على الهيئة المتعارفة الآن ، من تشريك الحاضرين ، وتأمين السّامعين ، وبسط الأيدي ، ومدّها عند السّؤال ، والتّضرّع والابتهال من غير منازع » . وكرهه مالك وجماعة غيره من المالكيّة ، لما يقع في نفس الإمام من التّعاظم . وبقيّة القائلين بالدّعاء عقب الصّلاة يسرّون به ندباً ، على تفصيل . ( ر : دعاء ) . |
آنية أوّلاً التّعريف 1 - الآنية جمع إناء ، والإناء الوعاء ، وهو كلّ ظرف يمكن أن يستوعب غيره . وجمع الآنية أوان . ويقاربه الظّرف ، والماعون . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن الاستعمال اللّغويّ . ثانياً : أحكام الآنية من حيث استعمالها : أ - بالنّظر إلى ذاتها ( مادّتها ) : 2 - الآنية بالنّظر إلى ذاتها أنواع : آنية الذّهب . والفضّة - الآنية المفضّضة - الآنية المموّهة - الآنية النّفيسة لمادّتها أو صنعتها - آنية الجلد - آنية العظم - آنية من غير ما سبق . ( النّوع الأوّل : آنية الذّهب والفضّة ) : 3 - هذا النّوع محظور لذاته ، فإنّ استعمال الذّهب والفضّة حرام في مذاهب الأئمّة الأربعة ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا تشربوا في آنية الذّهب والفضّة ، ولا تأكلوا في صحافهما ، فإنّها لهم في الدّنيا ولكم في الآخرة » . ونهى صلى الله عليه وسلم عن الشّرب في آنية الفضّة ، فقال : « من شرب فيها في الدّنيا لم يشرب فيها في الآخرة » . والنّهي يقتضي التّحريم . والعلّة في تحريم الشّرب فيها ما يتضمّنه ذلك من الفخر وكسر قلوب الفقراء . والنّهي وإن كان عن الأكل والشّرب ، فإنّ العلّة موجودة في الطّهارة منها واستعمالها كيفما كان . وإذا حرم الاستعمال في غير العبادة ففيها أولى ، وفي المذهب القديم للشّافعيّ أنّه مكروه تنزيهاً . فإن توضّأ منها ، أو اغتسل ، صحّت طهارته عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وأكثر الحنابلة ، لأنّ فعل الطّهارة وماءها لا يتعلّق بشيء من ذلك ، كالطّهارة في الأرض المغصوبة . وذهب بعض الحنابلة إلى عدم صحّة الطّهارة ، لأنّه استعمل المحرّم في العبادة ، فلم يصحّ كالصّلاة في الدّار المغصوبة . والتّحريم عامّ للرّجال والنّساء . النّوع الثّاني : الآنية المفضّضة والمضبّبة بالفضّة : 4 - فقهاء المذاهب يختلفون في حكم استعمال الآنية المفضّضة والمضبّبة بالفضّة : فعند الإمام أبي حنيفة ، وهو رواية عن الإمام محمّد ، ورواية عن الشّافعيّ ، وقول بعض الحنابلة ، أنّه يجوز استعمال الآنية المفضّضة والمضبّبة إذا كان المستعمل يتّقي موضع الفضّة . وعند أكثر الحنابلة أنّه يجوز الاستعمال إذا كانت الفضّة قليلةً . وعند المالكيّة في المفضّضة روايتان : إحداهما المنع ، والأخرى الجواز ، واستظهر بعضهم الجواز . وأمّا الآنية المضبّبة فلا يجوز عندهم شدّها بالذّهب أو الفضّة . والصّحيح عند الشّافعيّة أنّه لا يجوز استعمال المضبّب بالذّهب ، كثرت الضّبّة أو قلّت ، لحاجة أو غيرها . وذهب بعضهم إلى أنّ المضبّب بالذّهب كالمضبّب بالفضّة ، فإن كانت كبيرةً ، ولغير زينة ، جازت ، وإن كانت للزّينة حرمت وإن كانت قليلةً . والمرجع في الكبر والصّغر العرف . وعند الحنابلة أنّ المضبّب بالذّهب والفضّة إن كان كثيراً فهو محرّم بكلّ حال ، ذهباً كان أو فضّةً ، لحاجة ولغيرها . وقال أبو بكر يباح اليسير من الذّهب والفضّة . وأكثر الحنابلة على أنّه لا يباح من الذّهب إلاّ ما دعت إليه الضّرورة . وأمّا الفضّة فيباح منها اليسير . قال القاضي ويباح ذلك مع الحاجة وعدمها . وقال أبو الخطّاب لا يباح اليسير إلاّ لحاجة . وتكره عندهم مباشرة موضع الفضّة بالاستعمال ، كي لا يكون مستعملاً لها . وذهب أبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّه يكره استعمال الإناء المضبّب والمفضّض ، وهي الرّواية الأخرى عن محمّد . وحجّة الإمام أبي حنيفة ومن وافقه أنّ كلّاً من الذّهب والفضّة تابع ، ولا معتبر بالتّوابع ، كالجبّة المكفوفة بالحرير ، والعلم في الثّوب ، ومسمار الذّهب في الفصّ . وحجّة من جوّز قليل الفضّة للحاجة « أنّ قدح النّبيّ صلى الله عليه وسلم انكسر ، فاتّخذ مكان الشّعب سلسلةً من فضّة » ، وأنّ الحاجة تدعو إليه ، وليس فيه سرف ولا خيلاء ، فأشبه الضّبّة من الصّفر ( النّحّاس ) . وممّن رخّص في ضبّة الفضّة من السّلف عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير وطاوس وأبو ثور وابن المنذر وإسحاق بن راهويه ، وغيرهم . النّوع الثّالث : الآنية المموّهة والمغشّاة بالذّهب أو الفضّة : 5 - مذهب الحنفيّة ، وهو أحد قولين عند المالكيّة ، أنّ الآنية المموّهة بالذّهب أو الفضّة جائز استعمالها ، لكنّ الحنفيّة قيّدوا ذلك بما إذا كان التّمويه لا يمكن تخليصه . قال الكاسانيّ : « وأمّا الأواني المموّهة بماء الذّهب والفضّة ، الّذي لا يخلص منه شيء ، فلا بأس بالانتفاع بها ، والأكل والشّرب وغير ذلك بالإجماع » . وأمّا ما يمكن تخليصه فعلى الخلاف السّابق بين الإمام وصاحبيه في مسألة المفضّض والمضبّب . وعند الشّافعيّة يجوز الاستعمال إذا كان التّمويه يسيراً . وعند الحنابلة أنّ المموّه والمطليّ والمطعّم والمكفّت كالذّهب والفضّة الخالصين . أمّا آنية الذّهب والفضّة إذا غشيت بغير الذّهب والفضّة ففيها عند المالكيّة قولان . وأجازها الشّافعيّة إذا كان ساتراً للذّهب والفضّة ، لفقدان علّة الخيلاء . النّوع الرّابع : الآنية النّفيسة من غير الذّهب والفضّة : 6 - الآنية النّفيسة من غير الذّهب والفضّة نفاستها إمّا لذاتها ( أي مادّتها ) ، وإمّا لصنعتها : أ - النّفيسة لذاتها : 7 - المنصوص عليه عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأصحّ في مذهب المالكيّة والشّافعيّة ، أنّه يجوز استعمال الأواني النّفيسة ، كالعقيق والياقوت والزّبرجد ، إذ لا يلزم من نفاسة هذه الأشياء وأمثالها حرمة استعمالها ، لأنّ الأصل الحلّ فيبقى عليه . ولا يصحّ قياسها على الذّهب والفضّة لأنّ تعلّق التّحريم بالأثمان ( الذّهب والفضّة ) ، الّتي هي واقعة في مظنّة الكثرة فلم يتجاوزه . وقال بعض المالكيّة : إنّه لا يجوز استعمال الأواني النّفيسة ، لكنّ ذلك ضعيف جدّاً . وهو قول عند الشّافعيّة . ب - الآنية النّفيسة لصنعتها : 8 - النّفيس بسبب الصّنعة ، كالزّجاج المخروط وغيره لا يحرم بلا خلاف . وذلك ما قاله صاحب المجموع ، ولكن نقل الأذرعيّ أنّ صاحب البيان في زوائده حكى الخلاف أيضاً فيما كانت نفاسته بسبب الصّنعة ، وقال : إنّ الجواز هو الصّحيح . النّوع الخامس : الآنية المتّخذة من الجلد : 9 - قال فقهاء المذاهب الأربعة : إنّ جلد كلّ ميتة نجس قبل الدّبغ ، وأمّا بعد الدّبغ فالمشهور عند المالكيّة والحنابلة أنّه نجس أيضاً . وقالوا إنّ ما ورد من نحو قوله صلى الله عليه وسلم : « أيّما إهاب دبغ فقد طهر » محمول على الطّهارة اللّغويّة ( أي النّظافة ) لا الشّرعيّة . ومؤدّى ذلك أنّه لا يصلّى به أو عليه . وغير المشهور في المذهبين أنّه يطهر الجلد بالدّباغة الطّهارة الشّرعيّة ، فيصلّى به وعليه . ويروى القول بالنّجاسة عن عمر وابنه عبد اللّه وعمران بن حصين وعائشة ، رضي الله عنهم . وعن الإمام أحمد رواية أخرى ، أنّه يطهر من جلود الميتة جلد ما كان طاهراً في حال الحياة . وروي نحو هذا عن عطاء والحسن والشّعبيّ والنّخعيّ وقتادة ويحيى الأنصاريّ وسعيد بن جبير ، وغيرهم . وعند الشّافعيّة أنّه إذا ذبح حيوان يؤكل لم ينجس بالذّبح شيء من أجزائه ، ويجوز الانتفاع بجلده . وإن ذبح حيوان لا يؤكل نجس بذبحه ، كما ينجس بموته ، فلا يطهر جلده ولا شيء من أجزائه . وكلّ حيوان نجس بالموت طهر جلده بالدّباغ ، عدا الكلب والخنزير ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أيّما إهاب دبغ فقد طهر » ولأنّ الدّباغ يحفظ الصّحّة على الجلد ، ويصلحه للانتفاع به ، كالحياة . ثمّ الحياة تدفع النّجاسة عن الجلد فكذلك الدّباغ . أمّا الكلب والخنزير وما تولّد منهما فلا يطهر جلدهما بالدّباغ . وعند الحنفيّة أنّ جلد الميتة ، عدا الخنزير والآدميّ ولو كافراً ، يطهر بالدّباغة الحقيقيّة كالقرظ وقشور الرّمّان والشّبّ ، كما يطهر بالدّباغة الحكميّة ، كالتّتريب والتّشميس والإلقاء في الهواء . فتجوز الصّلاة فيه وعليه ، والوضوء منه . وعدم طهارة جلد الخنزير بالدّباغة لنجاسة عينه ، وجلد الآدميّ لحرمته ، صوناً لكرامته ، وإن حكم بطهارته من حيث الجملة لا يجوز استعماله كسائر أجزاء الآدميّ . النّوع السّادس : الأواني المتّخذة من العظم : 10 - الآنية المتّخذة من عظم حيوان مأكول اللّحم مذكًّى يحلّ استعمالها إجماعاً . وأمّا الآنية المتّخذة من حيوان غير مأكول اللّحم ، فإن كان مذكًّى فالحنفيّة يرون أنّها طاهرة ، لقولهم بطهارة القرن والظّفر والعظم ، مستدلّين بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كان يمتشط بمشط من عاج » ، وهو عظم الفيل ، فلو لم يكن طاهراً لما امتشط به الرّسول صلى الله عليه وسلم . وهذا يدلّ على جواز اتّخاذ الآنية من عظم الفيل . وهو أحد رأيين عند الشّافعيّة ، ورأي ابن تيميّة . وحجّة أصحاب هذا الرّأي أنّ العظم والسّنّ والقرن والظّلف كالشّعر والصّوف ، لا يحسّ ولا يألم ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّما حرم من الميتة أكلها » . وذلك حصر لما يحرم من الميتة فيبقى ما عداها على الحلّ . والرّأي الآخر للشّافعيّة أنّه نجس ، وهو المذهب . 11 - وأمّا إن كان العظم من حيوان غير مذكًّى ( سواء كان مأكول اللّحم أو غير مأكوله ) فالحنفيّة ومن معهم على طريقتهم في طهارته ، ما لم يكن عليه دسم ، فلا يطهر إلاّ بإزالته . وقال الشّافعيّة وأكثر المالكيّة والحنابلة : العظم هنا نجس ، ولا يطهر بحال . هذا وقد أجمع الفقهاء على حرمة استعمال عظم الخنزير ، لنجاسة عينه ، وعظم الآدميّ - ولو كافراً - لكرامته . 12 - وألحق محمّد بن الحسن الفيل بالخنزير لنجاسة عينه عنده . وألحق الشّافعيّة الكلب بالخنزير . وكره عطاء وطاوس والحسن وعمر بن عبد العزيز عظام الفيلة . ورخّص في الانتفاع بها محمّد بن سيرين وغيره وابن جرير ، لما روى أبو داود بإسناده عن ثوبان « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اشترى لفاطمة قلادةً من عصب وسوارين من عاج » . واستدلّ القائلون بالنّجاسة بقوله تعالى { حرّمت عليكم الميتة } والعظم من جملتها ، فيكون محرّماً ، والفيل لا يؤكل لحمه فهو نجس ذكّي أو لم يذكّ . وقال بعض المالكيّة : إنّ استعمال عظم الفيل مكروه . وهو ضعيف . وفي قول للإمام مالك : إنّ الفيل إن ذكّي فعظمه طاهر ، وإلاّ فهو نجس . النّوع السّابع : الأواني من غير ما سبق : 13 - الأواني من غير ما تقدّم ذكره مباح استعمالها ، سواء أكانت ثمينةً كبعض أنواع الخشب والخزف ، وكالياقوت والعقيق والصّفر ، أم غير ثمينة كالأواني العادية ، إلاّ أنّ بعض الآنية لها حكم خاصّ من حيث الانتباذ فيها ، فقد نهى الرّسول عليه الصلاة والسلام أوّلاً عن الانتباذ في الدّبّاء والحنتم والنّقير والمزفّت ثمّ نسخ بقوله صلى الله عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن الأشربة إلاّ في ظروف الأدم ، فاشربوا في كلّ وعاء غير ألاّ تشربوا مسكراً » . وجمهور أهل العلم على جواز استعمال هذه الآنية على أن يحذر من تخمّر ما فيها نظراً إلى أنّها بطبيعتها يسرع التّخمّر إلى ما ينبذ فيها . وفي رواية عن الإمام أحمد أنّه كره الانتباذ في الآنية المذكورة . ونقل الشّوكانيّ عن الخطّابيّ أنّ النّهي عن الانتباذ في هذه الأوعية لم ينسخ عند بعض الصّحابة والفقهاء ومنهم ابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم ، ومالك وأحمد وإسحاق . ب - آنية غير المسلمين : 14 - ( آنية أهل الكتاب ) : ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو أحد القولين عند الحنابلة إلى جواز استعمال آنية أهل الكتاب ، إلاّ إذا تيقّن عدم طهارتها . فقد نصّ الحنفيّة على أنّ " سؤر الآدميّ وما يؤكل لحمه طاهر ، لأنّ المختلط به اللّعاب ، وقد تولّد من لحم طاهر فيكون طاهراً . ويدخل في هذا الجواب الجنب والحائض والكافر » . وما دام سؤره طاهراً فاستعمال آنيته جائز من باب أولى . واستدلّوا بما روي « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في المسجد » وكانوا مشركين ، ولو كان عين المشرك نجساً لما فعل ذلك . ولا يعارض بقوله تعالى { إنّما المشركون نجس } لأنّ المراد به النّجس في الاعتقاد ، ومن باب أولى أهل الكتاب وآنيتهم . وذلك لقوله تعالى { وطعام الّذين أوتوا الكتاب حلّ لكم وطعامكم حلّ لهم } وروى عبد اللّه بن مغفّل ، قال : « دلّي جراب من شحم يوم خيبر ، فالتزمته وقلت : واللّه لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً . فالتفتّ فإذا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يبتسم » . وروى أنس « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أضافه يهوديّ بخبز شعير وإهالة سنخة » . وتوضّأ عمر من جرّة نصرانيّة . وصرّح القرافيّ من المالكيّة في الفروق بأنّ جميع ما يصنعه أهل الكتاب والمسلمون الّذين لا يصلّون ولا يستنجون ولا يتحرّزون من النّجاسات ، من الأطعمة وغيرها ، محمول على الطّهارة ، وإن كان الغالب عليه النّجاسة . ومذهب الشّافعيّة ، وهو رواية أخرى للحنابلة ، أنّه يكره استعمال أواني أهل الكتاب ، إلاّ أن يتيقّن طهارتها ، فلا كراهة ، وسواء المتديّن باستعمال النّجاسة وغيره . ودليلهم ما روى « أبو ثعلبة الخشنيّ رضي الله عنه قال قلت : يا رسول اللّه ، إنّا بأرض أهل كتاب ، أنأكل في آنيتهم ؟ فقال : لا تأكلوا في آنيتهم إلاّ إن لم تجدوا عنها بدّاً ، فاغسلوها بالماء ، ثمّ كلوا فيها » . وأقلّ أحوال النّهي الكراهة ، ولأنّهم لا يجتنبون النّجاسة ، فكره لذلك . على أنّ الشّافعيّة يرون أنّ أوانيهم المستعملة في الماء أخفّ كراهةً . 15 - آنية المشركين : يستفاد من أقوال الفقهاء الّتي تقدّم بيانها أنّ أواني غير أهل الكتاب كأواني أهل الكتاب في حكم استعمالها عند الأئمّة أبي حنيفة ومالك والشّافعيّ وبعض الحنابلة . وبعض الحنابلة يرون أنّ ما استعمله الكفّار من غير أهل الكتاب من الأواني لا يجوز استعمالها لأنّ أوانيهم لا تخلو من أطعمتهم . وذبائحهم ميتة ، فتكون نجسةً . ثالثاً : حكم اقتناء آنية الذّهب والفضّة : 16 - فقهاء المذاهب مختلفون في حكم اقتناء آنية الذّهب والفضّة : فمذهب الحنفيّة ، وهو قول عند المالكيّة ، والصّحيح عند الشّافعيّة ، أنّه يجوز اقتناء آنية الذّهب والفضّة ، لجواز بيعها ، ولاعتبار شقّها بعد بيعها عيباً . ومذهب الحنابلة ، وهو القول الآخر للمالكيّة ، والأصحّ عند الشّافعيّة ، حرمة اتّخاذ آنية الذّهب والفضّة ، لأنّ ما حرم استعماله مطلقاً حرم اتّخاذه على هيئة الاستعمال . رابعاً : حكم إتلاف آنية الذّهب والفضّة : 17 - من يرى جواز اقتناء أواني الذّهب والفضّة يرى أنّ إتلافها موجب للضّمان . أمّا على القول بعدم الجواز فإنّ إتلافها لا يوجب ضمان الصّنعة إن كان يقابلها شيء من القيمة . والكلّ مجمع على ضمان ما يتلفه من العين . خامساً : زكاة آنية الذّهب والفضّة : 18 - آنية الذّهب والفضّة إذا بلغ كلّ منهما النّصاب وحال الحول عليه وجبت فيه الزّكاة ، وتفصيل ذلك موطنه أبواب الزّكاة . آيسة انظر : إياس . آية التّعريف 1 - الآية لغةً : العلامة والعبرة ، وشرعاً هي جزء من سورة من القرآن تبيّن أوّله وآخره توقيفاً . والفرق بين الآية والسّورة أنّ السّورة لا بدّ أن يكون لها اسم خاصّ بها ، ولا تقلّ عن ثلاث آيات . وأمّا الآية فقد يكون لها اسم كآية الكرسيّ ، وقد لا يكون ، وهو الأكثر . وقد استعمل الفقهاء الآية بالمعنى اللّغويّ أيضاً ، حين أطلقوا على الحوادث الكونيّة ، كالزّلازل والرّياح والكسوف والخسوف ، إلخ ، اسم الآيات . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - بما أنّ الآية جزء من القرآن الكريم فإنّ أحكامها تدور في الجملة على أنّه هل تجري عليها أحكام المصحف أو لا ؟ وذلك كما لو كتبت آية من القرآن على لوح فهل يجوز للمحدث مسّه ؟ من الفقهاء من منعه اعتباراً بما فيه من قرآن ، ومنهم من أجازه لعدم شبهه بالمصحف . كما اختلف الفقهاء في إجزاء قراءة الآية الواحدة في الصّلاة ، على تفصيل لهم في ذلك . ( مواطن البحث ) 3 - الطّهارة : يتعرّض الفقهاء لحكم مسّ المحدث للوح كتبت عليه آية أو آيات ، في كتاب الطّهارة - ما يحرم بالحدث . الصّلاة : تعرّض الفقهاء لحكم قراءة الآية القرآنيّة أو الآيات في الصّلاة ، في صفة الصّلاة ، وعند الكلام على مستحبّات الصّلاة . وذكروا كذلك ما يتّصل بتلاوة الآية من أحكام ، كالتّنكيس للآي ، وعدّها بالأصابع ، والسّؤال والتّسبيح والتّعوّذ عند آية الرّحمة أو آية العذاب ، وتكرار الآية الواحدة ، وقراءة الآيات من أثناء سورة . كما ذكروا حكم قراءة خطيب الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء للآية في الخطبة في صلاة الجمعة ، وفي صلاة العيدين ، وصلاة الكسوف ، وصلاة الاستسقاء . كما ذكر بعض الفقهاء حكم الصّلاة عند حدوث الآيات الكونيّة في صلاة الكسوف . سجدة التّلاوة : يذكر تفصيل أحكام تلاوة آية السّجدة في مبحث سجدة التّلاوة . حكم الآية في مواضع متفرّقة : حكم الاستعاذة والبسملة قبل تلاوة الآية فصّله الفقهاء في مبحث الاستعاذة من صفة الصّلاة . وتتعرّض كتب الأذكار والآداب لتلاوة آيات معيّنة من القرآن الكريم في حالات خاصّة ، كقراءة آية الكرسيّ قبل النّوم ، وبعد الصّلاة إلخ . أب التّعريف 1 - الأب : الوالد ، وهو إنسان تولّد من نطفته إنسان آخر . وله جموع ، أفصحها : آباء ، بالمدّ . وفي الاصطلاح : هو رجل تولّد من نطفته المباشرة على وجه شرعيّ ، أو على فراشه إنسان آخر . ويطلق الأب من الرّضاع على من نسب إليه لبن المرضع ، فأرضعت منه ولداً لغيره ، ويعبّرون عنه بلبن الفحل . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - لمّا كان الأب والولد كالشّيء الواحد ، لأنّ الولد بعض أبيه ، كان للأب اختصاص ببعض الأحكام في النّفس والمال ، وترجع في جملتها إلى التّراحم والمسئوليّة . وذلك كواجبه في الحفاظ على الولد ، والنّفقة عليه ، فقد اتّفقوا على أنّه يجب على الأب نفقة الولد في الجملة . على تفصيل يرجع إليه في مباحث النّفقة . واتّفقوا على أنّ للأب حقّ الولاية في تزويج بنته على خلاف بينهم في البكر والثّيّب . ويقدّم على جميع الأولياء إلاّ الابن ، فإنّه يقدّم على الأب عند جمهور الفقهاء . وفي هذه المسألة خلاف الحنابلة ، فإنّ الأب عندهم مقدّم في ولاية التّزويج . واتّفقوا على أحقّيّة الأب في الولاية على مال الصّغير ، أو المجنون ، أو السّفيه من أولاده . كما اتّفقوا على أنّه لا يجب القصاص على الأب بقتل ولده ، على تفصيل عند المالكيّة . واتّفقوا على أنّ الأب أحد الأفراد السّتّة ، الّذين لا يحجبون عن الميراث حجب حرمان بغيرهم بحال ، وهم الأبوان والزّوجان والابن والبنت ، وأنّه يرث تارةً بالفرض ، وتارةً بالتّعصيب ، وتارةً بهما معاً . ( مواطن البحث ) 3 - تكثر المسائل الفقهيّة الّتي تتّصل بالأب ، وتفصّل أحكامها في مواطنها من كتب الفقه ، وذلك في : الإرث ، والعقيقة ، والولاية ، والهبة ، والوصيّة ، والعتق ، ومحرّمات النّكاح ، والنّفقة ، والقصاص ، والأمان ، والشّهادة ، والإقرار . إباحة التّعريف 1 - الإباحة في اللّغة : الإحلال ، يقال : أبحتك الشّيء أي أحللته لك . والمباح خلاف المحظور . وعرّف الأصوليّون الإباحة بأنّها خطاب اللّه تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين تخييراً من غير بدل . وعرّفها الفقهاء بأنّها الإذن بإتيان الفعل حسب مشيئة الفاعل في حدود الإذن . وقد تطلق الإباحة على ما قابل الحظر ، فتشمل الفرض والإيجاب والنّدب . الألفاظ ذات الصّلة بالإباحة الجواز 2 - اختلف الأصوليّون في الصّلة بين الإباحة والجواز ، فمنهم من قال : إنّ الجائز يطلق على خمسة معان : المباح ، وما لا يمتنع شرعاً ، وما لا يمتنع عقلاً ، أو ما استوى فيه الأمران ، والمشكوك في حكمه كسؤر الحمار ، ومنهم من أطلقه على أعمّ من المباح ، ومنهم من قصره عليه ، فجعل الجواز مرادفاً للإباحة . والفقهاء يستعملون الجواز فيما قابل الحرام ، فيشمل المكروه . وهناك استعمال فقهيّ لكلمة الجواز بمعنى الصّحّة ، وهي موافقة الفعل ذي الوجهين للشّرع ، والجواز بهذا الاستعمال حكم وضعيّ ، وبالاستعمالين السّابقين حكم تكليفيّ . الحلّ : 3 - الإباحة ، فيها تخيير ، أمّا الحلّ فإنّه أعمّ من ذلك شرعاً ، لأنّه يطلق على ما سوى التّحريم ، وقد جاء مقابلاً له في القرآن والسّنّة ، كقوله تعالى : { وأحلّ اللّه البيع وحرّم الرّبا } وقوله : { يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أما إنّي واللّه لا أحلّ حراماً ولا أحرّم حلالاً » . ولمّا كان الحلال مقابلاً للحرام شمل ما عداه من المباح والمندوب والواجب والمكروه مطلقاً عند الجمهور ، وتنزيهاً عند أبي حنيفة . ولهذا قد يكون الشّيء حلالاً ومكروهاً في آن واحد ، كالطّلاق ، فإنّه مكروه ، وإن وصفه الرّسول صلى الله عليه وسلم بأنّه حلال ، وعلى ذلك يكون كلّ مباح حلالاً ولا عكس . الصّحّة : 4 - الصّحّة هي موافقة الفعل ذي الوجهين للشّرع . ومعنى كونه ذا وجهين أنّه يقع تارةً موافقاً للشّرع ، لاشتماله على الشّروط الّتي اعتبرها الشّارع ، ويقع تارةً أخرى مخالفاً للشّرع . والإباحة الّتي فيها تخيير بين الفعل والتّرك مغايرة للصّحّة . وهما ، وإن كانا من الأحكام الشّرعيّة ، إلاّ أنّ الإباحة حكم تكليفيّ ، والصّحّة حكم وضعيّ على رأي الجمهور . ومنهم من يردّ الصّحّة إلى الإباحة فيقول : إنّ الصّحّة إباحة الانتفاع . والفعل المباح قد يجتمع مع الفعل الصّحيح ، فصوم يوم من غير رمضان مباح ، أي مأذون فيه من الشّرع ، وهو صحيح إن استوفى أركانه وشروطه . وقد يكون الفعل مباحاً في أصله وغير صحيح لاختلال شرطه ، كالعقود الفاسدة . وقد يكون صحيحاً غير مباح كالصّلاة في ثوب مغصوب إذا استوفت أركانها وشروطها عند أكثر الأئمّة . |
التّخيير : 5 - الإباحة تخيير من الشّارع بين فعل الشّيء وتركه ، مع استواء الطّرفين بلا ترتّب ثواب أو عقاب ، أمّا التّخيير فقد يكون على سبيل الإباحة ، أي بين فعل المباح وتركه ، وقد يكون بين الواجبات بعضها وبعض ، وهي واجبات ليست على التّعيين ، كما في خصال الكفّارة في قوله تعالى : { لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة } فإنّ فعل أيّ واحد منها يسقط المطالبة ، لكنّ تركها كلّها يقتضي الإثم . وقد يكون التّخيير بين المندوبات كالتّنفّل قبل صلاة العصر ، فالمصلّي مخيّر بين أن يتنفّل بركعتين أو بأربع . والمندوب نفسه في مفهومه تخيير بين الفعل والتّرك ، وإن رجّح جانب الفعل ، وفيه ثواب ، بينما التّخيير في الإباحة لا يرجّح فيه جانب على جانب ، ولا يترتّب عليه ثواب ولا عقاب . العفو : 6 - من العلماء من جعل العفو الّذي رفعت فيه المؤاخذة ، ونفي فيه الحرج ، مساوياً للإباحة ، كما جاء في الحديث « إنّ اللّه فرض فرائض فلا تضيّعوها ، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها ، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها ، وعفا عن أشياء رحمةً بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » . وهو ما يدلّ عليه قوله تعالى { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم عفا اللّه عنها } . فما عفا اللّه عنه لم يكلّفنا به فعلاً أو تركاً ، ولم يرتّب عليه مثوبةً ولا عقاباً . وهو بهذا مساو للمباح . ألفاظ الإباحة : 7 - الإباحة إمّا بلفظ أو غيره ، سواء من الشّارع أو من العباد . فمثال غير اللّفظ من الشّارع أن يرى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فعلاً من الأفعال ، أو يسمع قولاً ، فلا ينكره ، فيكون هذا تقريراً يدلّ على الإباحة . ومثاله من العباد أن يضع الشّخص مائدةً عامّةً ليأكل منها من يشاء . وأمّا اللّفظ فقد يكون صريحاً ، ومن ذلك نفي الجناح ونفي الإثم أو الحنث أو السّبيل أو المؤاخذة . وقد يكون غير صريح ، وهو الّذي يحتاج في دلالته على الإباحة إلى قرينة . ومن ذلك : الأمر بعد الحظر ، كقوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } ومنه الأمر المقترن بالمشيئة ، والتّعبير بالحلّ أو نفي التّحريم أو الاستثناء من التّحريم . من له حقّ الإباحة الشّارع 8 - الأصل أنّ حقّ الإباحة للشّارع وحده من غير توقّف على إذن من أحد ، وقد تكون الإباحة مطلقةً كالمباحات الأصليّة ، وقد تكون مقيّدةً إمّا بشرط كما في قوله تعالى { أو ما ملكتم مفاتحه } في شأن ما يباح أكله من ملك الغير من غير ضرورة ، أو مقيّدةً بوقت كإباحة أكل الميتة للمضطرّ ( العباد ) : 9 - الإباحة من العباد لا بدّ فيها أن تكون على وجه لا يأباه الشّرع ، وألاّ تكون على وجه التّمليك ، وإلاّ كانت هبةً أو إعارةً . وإذا كانت الإباحة من وليّ الأمر فالمدار فيها - بعد الشّرطين السّابقين - أن تكون منوطةً بالمصلحة العامّة . وهذه الإباحة قد تكون في واجب يسقط بها عنه ، كمن عليه كفّارة ، واختار التّكفير بالإطعام ، فإنّ الدّعوة إلى تناوله إباحة تسقط عنه الكفّارة ، إذ هو مخيّر فيها بين التّمليك لمن يستحقّ ، وبين الإباحة . وهذا عند بعض الفقهاء كالحنفيّة ، خلافاً للشّافعيّة ومن وافقهم الّذين يرون أنّ الإطعام في الكفّارة يجب فيه التّمليك . والإنسان يعرف إذن غيره إمّا بنفسه ، وإمّا بإخبار ثقة يقع في القلب صدقه . فلو قال مملوك مثلاً : هذه هديّة بعث بها إليك سيّدي ، أو قال صبيّ : هذه هديّة بعث بها إليك والدي ، قبل قولهما في حلّها ، لأنّ الهدايا تبعث في العادة على أيدي هؤلاء . دليل الإباحة وأسبابها : 10 - قد يوجد فعل من الأفعال لم يدلّ الدّليل السّمعيّ على حكمه بخصوصه ، وذلك صادق بصورتين : الأولى عدم ورود دليل لهذا الفعل أصلاً ، والثّانية وروده ولكنّه جهل . وأكثر الأفعال دلّ الدّليل السّمعيّ عليها وعرف حكمها ، وتفصيل ذلك فيما يلي : أ - ( البقاء على الأصل ) : 11 - وهذا ما يعرف بالإباحة الأصليّة ، وجمهور العلماء على أنّه لا حرج على من تركه أو فعله . ويظهر أثر ذلك فيما كان قبل البعثة . وهناك تفصيلات بين علماء الكلام في هذه المسألة يرجع إليها في الملحق الأصوليّ ، أو في كتب علم الكلام . وهذا الخلاف لا محصّل له الآن بعد ورود البعثة ، إذ دلّ النّصّ من كتاب اللّه على أنّ الأصل في الأشياء الإباحة . قال تعالى : { وسخّر لكم ما في السّموات وما في الأرض جميعاً منه إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون } . ب - ( ما جهل حكمه ) : 12 - قد يكون الجهل مع وجود الدّليل ، ولكنّ المكلّف - مجتهداً أو غير مجتهد - لم يطّلع عليه ، أو اطّلع عليه المجتهد ولم يستطع استنباط الحكم . والقاعدة في ذلك أنّ الجهل بالأحكام الشّرعيّة إنّما يكون عذراً إذا تعذّر على المكلّف الاطّلاع على الدّليل ، وكلّ من كان في إمكانه الاطّلاع على الدّليل وقصّر في تحصيله لا يكون معذوراً . ويفصّل الفقهاء أحكام هذه المسألة في مواطنها . ومن عذر بجهله فهو غير مخاطب بحكم الفعل ، فلا يوصف فعله بالإباحة بالمعنى الاصطلاحيّ الّذي فيه خطاب بالتّخيير . وإن كان الإثم مرفوعاً عنه بعذر الجهل . وتفصّل هذه الأحكام في مواطنها في بحث ( الجهل ) . وينظر في الملحق الأصوليّ . طرق معرفة الإباحة : 13 - طرق معرفة الإباحة كثيرة ، من أهمّها : النّصّ : وقد تقدّم الكلام عليه تفصيلاً . بعض أسباب الرّخص : والرّخصة هي ما شرع لعذر شاقّ استثناءً من أصل كلّيّ يقتضي المنع ، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه مع بقاء حكم الأصل . وذلك كالإفطار في رمضان في السّفر ، والمسح على الخفّين ، على تفصيل للفقهاء يرجع إليه في مواطنه . النّسخ : وهو رفع الحكم الشّرعيّ بنصّ شرعيّ متأخّر . والّذي يهمّنا هنا هو نسخ الحظر بنصّ شرعيّ متأخّر فيما كان مباحاً قبل الحظر ، مثل جواز الانتباذ في الأوعية بعد حظره ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا ، واجتنبوا كلّ مسكر » فالأمر بالنّبذ بعد النّهي عنه يفيد رفع الحرج ، وهو معنى الإباحة . العرف . والمختار في تعريفه أنّه ما استقرّ في النّفوس من جهة العقول ، وتلقّته الطّباع السّليمة بالقبول . وهو دليل كاشف إذا لم يوجد نصّ ولا إجماع على اعتباره أو إلغائه ، كالاستئجار بعوض مجهول لا يفضي إلى النّزاع . الاستصلاح ( المصلحة المرسلة ) : هي كلّ مصلحة غير معتبرة ولا ملغاة بنصّ من الشّارع بخصوصها ، يكون في الأخذ بها جلب منفعة أو دفع ضرر ، كمشاطرة عمر رضي الله عنه أموال الّذين اتّهمهم بالإثراء بسبب عملهم للدّولة ، وهذا حتّى يضع مبدأً للعمّال ألاّ يستغلّوا مراكزهم لصالح أنفسهم . متعلّق الإباحة : 14 - متعلّق الإباحة اهتمّ به الفقهاء ، وتحدّثوا عن أقسامه وفروعه ، فقسّموه من حيث مصدر الإباحة إلى قسمين : ما أذن فيه الشّارع ، وما أذن فيه العباد . ومن حيث نوع الإباحة إلى قسمين أيضاً : ما فيه تملّك واستهلاك وانتفاع ، وما فيه استهلاك وانتفاع دون تملّك . ولكلّ قسم حكمه ، وبيانه فيما يأتي . المأذون به من الشّارع : 15 - المأذون به من الشّارع ما ورد دليل على إباحته من نصّ أو من مصدر من مصادر التّشريع الأخرى . والحديث هنا سيكون عن المأذون فيه إذناً عامّاً لا يختصّ ببعض الأفراد دون بعضهم الآخر . وفي ذلك مطلبان : مطلب للمأذون فيه على وجه التّملّك والاستهلاك ، وهو المسمّى عند الفقهاء بالمال المباح ، ومطلب للمأذون فيه على وجه الانتفاع فقط ، وهو المسمّى بالمنافع العامّة . المطلب الأوّل ما أذن فيه الشّارع على وجه التّملّك والاستهلاك 16 - المال المباح هو كلّ ما خلقه اللّه لينتفع به النّاس على وجه معتاد ، وليس في حيازة أحد ، مع إمكان حيازته ، ولكلّ إنسان حقّ تملّكه ، سواء أكان حيواناً أم نباتاً أم جماداً . والدّليل على ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم . « من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له » . وهذا التّملّك لا يستقرّ إلاّ عند الاستيلاء الحقيقيّ ، الّذي ضبطوه بوضع اليد على الشّيء المباح ، أي الاستيلاء الفعليّ ، أو كونه في متناول اليد ، وهو الاستيلاء بالقوّة . وقد قال العلماء : إنّ هذا الاستيلاء بإحدى صورتيه لا يحتاج إلى نيّة وقصد في استقرار الملكيّة ، كما قالوا : إنّ الاستيلاء بوساطة آلة وحرفة ومهارة يحتاج إلى القصد ليكون استيلاءً حقيقيّاً ، وإلاّ كان استيلاءً حكميّاً . جاء في الفتاوى الهنديّة ، فيمن علّق كوزه ، أو وضعه في سطحه ، فأمطر السّحاب وامتلأ الكوز من المطر ، فأخذه إنسان ، فالحكم هو استرداد الكوز ، لأنّه ملك صاحبه ، وأمّا الماء فإن كان صاحب الكوز قد وضعه من أجل جمع الماء فيستردّ الماء أيضاً ، لأنّ ملكه حقيقيّ حينئذ ، فإن لم يضعه لذلك لم يستردّه . ومن أمثلة الأموال المباحة الماء والكلأ والنّار والموات والرّكاز والمعادن والحيوانات غير المملوكة . ولكلّ أحكامه . المطلب الثّاني ما أذن فيه الشّارع على وجه الانتفاع 17 - وهو ما يسمّى بالمنافع العامّة ، الّتي جعل اللّه إباحتها تيسيراً على عباده ، ليتقرّبوا إليه فيها ، أو ليمارسوا أعمالهم في الحياة مستعينين بها ، كالمساجد ، والطّرق . ويرجع لمعرفة تفصيل أحكامهما إلى مصطلحيهما . المأذون فيه من العباد 18 - إباحة العباد كذلك على نوعين : نوع يكون التّسليط فيه على العين لاستهلاكها ، ونوع يكون التّسليط فيه على العين للانتفاع بها فقط . إباحة الاستهلاك : 19 - لهذه الإباحة جزئيّات كثيرة نكتفي منها بما يأتي : أ - الولائم بمناسباتها المتعدّدة والمباح فيها الأكل والشّرب دون الأخذ . ب - الضّيافة . ويرجع في تفصيل أحكامهما إلى مصطلحيهما . إباحة الانتفاع : 20 - هذا النّوع من الإباحة قد يكون مع ملك الآذن لعين ما أذن الانتفاع به كإذن مالك الدّابّة أو السّيّارة لغيره بركوبها ، وإذن مالك الكتب للاطّلاع عليها . وقد يكون الإذن فيما لا يملك عينه ، ولكن يملك منفعته بمثل الإجارة أو الإعارة ، إن لم يشترط فيهما أن يكون الانتفاع شخصيّاً للمستأجر والمستعير . تقسيمات الإباحة : 21 - للإباحة تقسيمات شتّى باعتبارات مختلفة ، وقد تقدّم أكثرها . وبقي الكلام عن تقسيمها من حيث مصدرها ومن حيث الكلّيّة والجزئيّة : أ - تقسيمها من حيث مصدرها : 22 - تقسّم بهذا الاعتبار إلى إباحة أصليّة ، بألاّ يرد فيها نصّ من الشّارع ، وبقيت على الأصل ، وقد سبق بيانها . وإباحة شرعيّة : بمعنى ورود نصّ من الشّارع بالتّخيير ، وذلك إمّا ابتداءً كإباحة الأكل والشّرب ، وإمّا بعد حكم سابق مخالف ، كما في النّسخ ، أو الرّخص ، وقد سبق . على أنّه ممّا ينبغي ملاحظته أنّه بعد ورود الشّرع أصبحت الإباحة الأصليّة إباحةً شرعيّةً لقول اللّه تعالى { هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } وقوله : { وسخّر لكم ما في السّموات وما في الأرض جميعاً منه } فإنّ هذا النّصّ يدلّ على أنّ كلّ ما خلقه اللّه يكون مباحاً إلاّ ما ورد دليل يثبت له حكماً آخر ، على خلاف وتفصيل يرجع إليه في الملحق الأصوليّ . وقد يكون مصدر الإباحة إذن العباد بعضهم لبعض على ما سبق . ( ف 9 ) . ب - تقسيمها باعتبار الكلّيّة والجزئيّة : 23 - تنقسم أربعة أقسام : 1 - إباحة للجزء مع طلب الكلّ على جهة الوجوب ، كالأكل مثلاً ، فيباح أكل نوع وترك آخر ممّا أذن به الشّرع ، ولكنّ الامتناع عن الأكل جملةً حرام لما يترتّب عليه من الهلاك . 2 - إباحة للجزء مع طلب الكلّ على جهة النّدب ، كالتّمتّع بما فوق الحاجة من طيّبات الأكل والشّرب ، فذلك مباح يجوز تركه في بعض الأحيان ، ولكنّ هذا التّمتّع مندوب إليه باعتبار الكلّ ، على معنى أنّ تركه جملةً يخالف ما ندب إليه الشّرع من التّحدّث بنعمة اللّه والتّوسعة ، كما في حديث « إنّ اللّه تعالى يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده » وكما قال عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه إذا أوسع اللّه عليكم فأوسعوا على أنفسكم . 3 - إباحة للجزء مع التّحريم باعتبار الكلّ ، كالمباحات الّتي تقدح المداومة عليها في العدالة ، كاعتياد الحلف ، وشتم الأولاد ، فذلك مباح في الأصل ، لكنّه محرّم بالاعتياد . 4 - إباحة للجزء مع الكراهة باعتبار الكلّ ، كاللّعب المباح ، فإنّ ذلك وإن كان مباحاً بالأصل إلاّ أنّ المداومة عليه مكروهة . ( آثار الإباحة ) 24 - إذا ثبتت الإباحة ثبت لها من الآثار ما يلي : 1 - رفع الإثم والحرج . وذلك ما يدلّ عليه تعريف الإباحة بأنّه لا يترتّب على الفعل المباح إثم . 2 - التّمكين من التّملّك المستقرّ بالنّسبة للعين ، والاختصاص بالنّسبة للمنفعة : وذلك لأنّ الإباحة طريق لتملّك العين المباحة . هذا بالنّسبة للعين . أمّا بالنّسبة للمنفعة المباحة فإنّ أثر الإباحة فيها اختصاص المباح له بالانتفاع ، وعبارات الفقهاء في المذاهب المختلفة تتّفق في أنّ تصرّف المأذون له في طعام الوليمة قبل وضعه في فمه لا يجوز بغير الأكل ، إلاّ إذا أذن له صاحب الوليمة أو دلّ عليه عرف أو قرينة . وبهذا تفارق الإباحة الهبة والصّدقة بأنّ فيهما تمليكاً ، كما أنّها تفارق الوصيّة حيث تكون هذه مضافةً إلى ما بعد الموت ، ولا بدّ فيها من إذن الدّائنين ، والورثة أحياناً ، كما لا بدّ من صيغة في الوصيّة . 25 - هذه هي آثار الإباحة للأعيان في إذن العباد . أمّا آثار الإباحة للمنافع فإنّ إباحتها لا تفيد إلاّ حلّ الانتفاع فقط ، على ما تقدّم تفصيله . فحقّ الانتفاع المجرّد من قبيل التّرخيص بالانتفاع الشّخصيّ دون الامتلاك ، وملك المنفعة فيه اختصاص حاجز لحقّ المستأجر من منافع المؤجّر ، فهو أقوى وأشمل ، لأنّ فيه حقّ الانتفاع وزيادةً . وآثار ذلك قد تقدّم الكلام عليها . ( الإباحة والضّمان ) : 26 - الإباحة لا تنافي الضّمان في الجملة ، لأنّ إباحة اللّه - وإن كان فيها رفع الحرج والإثم - إلاّ أنّها قد يكون معها ضمان ، فإباحة الانتفاع تقتضي صيانة العين المباحة عن التّخريب والضّرر ، وما حدث من ذلك لا بدّ من ضمانه . وإباحة الأعيان كأخذ المضطرّ طعام غيره لا تمنع ضمان قيمته إذا كان بغير إذنه ، لأنّ اللّه جعل للعبد حقّاً في ملكه ، فلا ينقل الملك منه إلى غيره إلاّ برضاه ، ولا يصحّ الإبراء منه إلاّ بإسقاطه ، كما يقول القرافيّ في الفروق . وحكى القرافيّ في هذه المسألة قولين : أحدهما : لا يضمن ، لأنّ الدّفع كان واجباً على المالك ، والواجب لا يؤخذ له عوض . والقول الثّاني : يجب ، وهو الأظهر والأشهر ، لأنّ إذن المالك لم يوجد ، وإنّما وجد إذن صاحب الشّرع ، وهو لا يوجب سقوط الضّمان ، وإنّما ينفي الإثم والمؤاخذة بالعقاب . أمّا إباحة العباد بعضهم لبعض فقد تقدّم الكلام عليها مفصّلاً . ما تنتهي به الإباحة : 27 - أوّلاً : إباحة اللّه سبحانه لا تنتهي من جهته هو ، لأنّه سبحانه حيّ باق ، والوحي قد انقطع ، فلا وحي بعد محمّد صلى الله عليه وسلم وإنّما تنتهي بانتهاء دواعيها ، كما في الرّخص ، فإذا وجد السّفر في نهار رمضان مثلاً وجدت الإباحة بالتّرخيص في الفطر ، فإذا انتهى السّفر انتهت الرّخصة . 28 - ثانياً : وإباحة العباد تنتهي بأمور : أ - انتهاء مدّتها إن كانت مقيّدةً بزمن ، فالمؤمنون عند شروطهم ، وإذا فقد الشّرط فقد المشروط . ب - رجوع الآذن في إذنه ، حيث إنّه ليس واجباً عليه ، فهو تبرّع منه ، كما قال جمهور العلماء . وهي لا تنتهي بمجرّد الرّجوع ، بل لا بدّ من علم المأذون له به ، كما هو مقتضى قواعد الحنفيّة ، وهو قول للشّافعيّ . وذكر السّيوطيّ في الأشباه والنّظائر قولاً آخر للشّافعيّ ، يفيد أنّ الإباحة تنتهي بمجرّد رجوع الآذن ، ولو لم يعلم المأذون له . ج - موت الآذن لبطلان الإذن بموته ، فتنتهي آثاره . د - موت المأذون له ، لأنّ حقّ الانتفاع رخصة شخصيّة له لا تنتقل إلى ورثته إلاّ إذا نصّ الآذن على خلافه . إباق التّعريف 1 - الإباق لغةً : مصدر أبق العبد - بفتح الباء - يأبق ويأبق ، بكسر الباء وضمّها ، أبقاً وإباقاً ، بمعنى الهرب . والإباق خاصّ بالإنسان سواء أكان عبداً أم حرّاً . وفي الاصطلاح : انطلاق العبد تمرّداً ممّن هو في يده من غير خوف ولا كدّ في العمل . فإن لم يكن كذلك فهو إمّا هارب ، وإمّا ضالّ وإمّا فارّ . لكن قد يطلق بعض الفقهاء لفظ الآبق على من ذهب مختفياً مطلقاً لسبب أو غيره . صفة الإباق ( حكمه التّكليفيّ ) : 2 - الإباق محرّم شرعاً بالاتّفاق ، وهو عيب في العبد ، وقد عدّه ابن حجر الهيتميّ والذّهبيّ من الكبائر ، ووردت في النّهي عنه عدّة أحاديث : منها ما روى جرير بن عبد اللّه البجليّ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « أيّما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتّى يرجع إليهم » وفي رواية « أيّما عبد أبق فقد برئت منه الذّمّة » . ( بم يتحقّق الإباق ) 3 - الّذي يفهم من عبارات الفقهاء أنّه يشترط البلوغ والعقل في العبد إذا هرب ليمكن اعتباره آبقاً بالمعنى المتقدّم ، أمّا من لم يعقل معنى الإباق - وهو غير العاقل البالغ - فلا يكون آبقاً ، ويسمّى ضالّاً ، أو لقطةً . أخذ الآبق 4 - يرى الحنفيّة والمالكيّة أنّه يجب أخذ الآبق إن خشي ضياعه وغلب على ظنّه تلفه على مولاه إن لم يأخذه ، مع قدرة تامّة عليه . ويحرم عندهم أخذه لنفسه . أمّا إذا لم يخش ضياعه وقوي على أخذه فذلك مندوب عند الحنفيّة ، إلاّ أنّ المالكيّة قالوا : يندب لمن وجد آبقاً ، وعرف ربّه ، أن يأخذه ، لأنّه من باب حفظ الأموال ، إذا لم يخش ضياعه . أمّا إذا كان لا يعرف ربّه فإنّه يكره له أخذه لاحتياجه إلى الإنشاد والتّعريف . وعند الشّافعيّة : أخذ الآبق - بدون رضا المالك - غير جائز ، ويجوز بإذنه . وعند الحنابلة : أخذ الآبق جائز ، لأنّه لا يؤمن لحاقه بدار الحرب وارتداده واشتغاله بالفساد ، بخلاف الضّوالّ الّتي تحتفظ بنفسها . صفة يد الآخذ للآبق : 5 - الّذي يفهم من عبارات الفقهاء أنّ الآبق يعتبر أمانةً بيد آخذه حتّى يردّه إلى صاحبه ، ولا يضمنه إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط ، وأنّه إذا لم يجد سيّده دفعه إلى الإمام أو نائبه . الإنفاق على الآبق أثناء إباقه : 6 - يرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّ آخذ الآبق إذا أنفق عليه بدون إذن الحاكم يكون متبرّعاً ، فلا يرجع على سيّده بما أنفق فإن كان بإذنه فله الرّجوع . ويشترط في الإذن عند الحنفيّة أن يقول : على أن ترجع بما أنفقت عليه . وقال الشّافعيّة : إن لم يجد الحاكم أشهد أنّه أنفق ليرجع بما أنفق . ويرى المالكيّة : أنّ نفقة الآبق في رقبته ، لا في ذمّه سيّده . ويرى الحنابلة : أنّه إذا أنفق عليه آخذه ليردّه على سيّده فإنّ نفقته تكون على سيّده يأخذها منه عند ردّه . ضمان ما يتلفه الآبق : 7 - اتّفق الفقهاء على أنّ جناية العبد الآبق على شيء كجنايته قبل الإباق ، لأنّه في حال الإباق لا يزال في ملك سيّده . وجنايته إمّا أن تكون إتلافاً لنفس ، أو لجزء من آدميّ ، وإمّا أن تكون إتلافاً لمال . فإن قتل نفساً عمداً بغير حقّ وجب عليه القصاص ، إلاّ إذا رضي وليّ الدّم بالعفو عن العبد وتصالح على مال ، فيكون الواجب المال المصالح عليه ، فإمّا أن يدفع به إلى أولياء الدّم أو يفديه سيّده . أمّا إذا أتلف جزءاً من آدميّ أو أتلف مالاً ، فلكلّ مذهب من المذاهب الأربعة رأيه في بيان هذا الحكم ، يرجع إليه في باب الضّمان . دية الآبق لمن تكون ؟ 8 - اتّفق الفقهاء على أنّ الآبق لا يزال مملوكاً لسيّده ، فإذا قتل على وجه يستوجب الدّية ، أو أتلف من بدنه ما يستوجب الأرش ، فديته وأرش الجناية عليه لسيّده . ( بيع الآبق ومتى يجوز ) ؟ 9 - يجوز - اتّفاقاً - للمالك بيع عبده الآبق إذا قدر على تسليمه للمشتري ، كما يجوز للقاضي بيع الآبق إذا دفع إليه ورأى المصلحة في بيعه بعد أن يحبسه ، على خلاف في مدّة حبسه بين المذاهب . وليس لآخذ الآبق أن يبيعه لأنّه ليس ملكاً له عند من يقول بمنع بيع الفضوليّ ولأنّ المالك مجهول عند من يقول بصحّة بيعه . اعتبار الإباق عيباً في العبد : 10 - الإباق في العبد والأمة عيب يردّ به المبيع ، وتفصيل ذلك في خيار العيب . إباق العبد من آخذه : 11 - تقدّم القول ( ف 5 ) أنّ يد آخذ الآبق يد أمانة . وعلى ذلك فإنّه إذا هرب منه ، من غير تعدّ ولا تفريط ، فلا ضمان عليه . عتق الآبق قبل ردّه : 12 - أجمع الفقهاء على أنّ مولى العبد الآبق لو أعتقه حال إباقه وقبل تسلّمه من آخذه نفذ عتقه . ردّ الآبق والجعل فيه : 13 - يؤخذ من تعريف الجعل - عند الفقهاء - أنّه مقدار من المال يستحقّه من ردّ آبقاً أو ضالّةً نظير قيامه بهذا العمل . واختلفوا في مقدار الجعل : فيرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ مقدار الجعل المستحقّ لرادّ الآبق هو ما سمّاه الجاعل ، أو ما تمّ الاتّفاق عليه بين الآذن بالعمل والعامل . غير أنّ الحنابلة قالوا : إن كان المسمّى أقلّ ممّا قدّره الشّارع وهو دينار أو اثنا عشر درهماً - فلرادّ الآبق ما قدّره الشّارع على أحد قولين ، والقول الآخر أنّه يؤخذ بالمسمّى بالغاً ما بلغ . وفي ذلك تفصيل وخلاف أصبح ممّا لا حاجة إليه . ويرى الحنفيّة أنّ أقصى مقدار الجعل هو ما قدّره الشّارع وهو أربعون درهماً ، إذا كان من مسافة قصر فأكثر ، لورود أثر عن ابن مسعود بذلك التّقدير . تصرّفات الآبق : 14 - تصرّفات الآبق إمّا أن تكون ممّا تنفذ عليه في الحال ، كالطّلاق ، وإمّا أن يكون لها اتّصال بالمال وحقوق الغير ، كالزّواج والإقرار والهبة . فالّتي تنفذ عليه في الحال صحيحة نافذة . وأمّا تصرّفاته الّتي تترتّب عليها التزامات ماليّة ، كالنّكاح والإقرار والهبة . . إلخ ، فإنّها تقع موقوفةً على إذن السّيّد ، سواء كانت قوليّةً أم فعليّةً . إباق العبد من غير مالكه وآخذه : 15 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا أبق العبد من المستعير أو المستأجر أو الوصيّ فإنّه لا يضمن إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط ، لأنّ يد كلّ واحد من هؤلاء يد أمانة . ولو أبق العبد من غاصبه فإنّ الغاصب يكون ضامناً ، لتعدّيه ، فيلزمه قيمة العبد يوم غصبه . أمّا إن أبق من مرتهنه ، فإن كان بتعدّ أو تفريط فهو مضمون عليه إجماعاً ، وإن كان بغير تعدّ ولا تفريط فالجمهور على أنّه غير مضمون ، لأنّ الرّهن أمانة في يد المرتهن ، خلافاً للحنفيّة ، فهو مضمون عندهم بالأقلّ من قيمته ومن الدّين . نكاح زوجة الآبق : 16 - اتّفق الفقهاء على أنّ زوجة العبد الآبق لا يصحّ زواجها حتّى يتحقّق موته أو طلاقه أو يحكم بتطليقها منه للغيبة أو لعدم الإنفاق . وفي ذلك تفصيل موطنه أحكام المفقود والطّلاق . إباق العبد من الغنيمة قبل القسمة : 17 - من الأصول العامّة المتّفق عليها بين الفقهاء أنّ الغنيمة قبل القسمة أموال عامّة للمسلمين ، ولا تدخل في ملكيّة الغانمين إلاّ بعد القسمة . وعلى هذا فلو أبق عبد من الغنيمة قبل القسمة فإنّه يطلب في مظانّه ، ويبحث عنه ، ويعلن عن جعل لمن يردّه يصرف من بيت المال أو من الغنيمة نفسها . فإذا عاد الآبق تجرى عليه القسمة كباقي الأموال . ادّعاء ملكيّة الآبق ، ومتى تثبت ؟ 18 - إذا جاء من يدّعي ملكيّة الآبق ، فلا يخلو الحال : إمّا أن يكون الآبق تحت يد القاضي ، أو تحت يد ملتقطه وآخذه . فإن كان تحت يد القاضي ، فإنّ الفقهاء يرون أنّ القاضي لا يسلّمه لمدّعيه إلاّ ببيّنة قاطعة ، تصف العبد ، وتقرّر أنّه عبد لمدّعيه ولم يهبه ولم يبعه ، أو لا يعلم أنّه باعه أو وهبه . فإن تحقّق ذلك سلّمه القاضي لمدّعيه . وزاد أبو يوسف من الحنفيّة استحلافه . أمّا إذا كان الآبق في يد ملتقطه ، فيرى الحنفيّة أنّه لا يدفعه إلى مدّعيه إلاّ بأمر القاضي ويرى المالكيّة : أنّه يدفعه إليه بشاهد ويمين . ويرى الشّافعيّة والحنابلة : جواز أن يدفعه إلى مدّعيه ببيّنة يقيمها المدّعي ، أو اعتراف العبد أنّه سيّده ، لكنّ الأحوط ألاّ يدفعه إلاّ بأمر الحاكم . زكاة الفطر عن العبد الآبق : 19 - يرى الحنفيّة أنّه لا يجب على السّيّد أن يدفع زكاة الفطر عن عبده الآبق . وهو مذهب عطاء والثّوريّ . ويرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ زكاة الفطر تجب عن العبد الآبق ، على تفصيل عندهم في ذلك ، موطنه صدقة الفطر . وأوجبها كذلك أبو ثور وابن المنذر ، والزّهريّ إذا علم مكانه ، والأوزاعيّ إن كان في دار الإسلام . ( عقوبة الإباق ) : 20 - تقدّم الكلام في أنّ الإباق محرّم شرعاً ، وعدّه بعضهم من الكبائر ( ر : ف 2 ) ، وبما أنّه لا حدّ فيه يعزّر فاعله . ويكون التّعزير هنا من الحاكم أو السّيّد . إبانة التّعريف 1 - الإبانة مصدر أبان ، ومن معانيها اللّغويّة الإظهار ، والفصل . وقال صاحب المحكم : القطع إبانة أجزاء الجرم . والإبانة بمعنى الفصل مرادفة للتّفريق . وأغلب تناول الفقهاء لها بمعنى الفصل والقطع . وإبانة الزّوجة تكون بالطّلاق البائن أو الخلع ، وحينئذ تملك المرأة نفسها ، ولا يحقّ للزّوج مراجعتها إلاّ بعقد جديد . |
( الحكم الإجماليّ ) 2 - من أحكام الإبانة ما اتّفق عليه الفقهاء في الجملة أنّ ما أبين من حيّ - غير الصّوف والشّعر من المأكول - فهو كميتته ، لخبر « ما أبين من حيّ فهو ميّت » . وما قطع بعد التّذكية وقبل الموت يحلّ تناوله ، وإن كان مكروهاً في الجملة . ( مواطن البحث ) 3 - الكلام في الإبانة ذكر في مبحث النّجاسة ، وفي العورة ( لمس العضو المبان ، والنّظر إليه ) وفي الدّفن ، وفي الطّلاق ، والخلع ، وفي الجنايات ( الجناية على الأطراف ، ) وفي اللّعان ، وفي الذّبائح ( كفيّة الذّبح ) ، وفي الصّيد . ابتداع انظر : بدعةً . إبدال التّعريف 1 - الإبدال لغةً : جعل شيء مكان شيء آخر ، والاستبدال مثله ، فلا فرق عند أهل اللّغة بين اللّفظين في المعنى . وكذلك الأمر عند الفقهاء ، فهم يستعملون اللّفظين أحدهما مكان الآخر . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - الإبدال أو الاستبدال نوع من التّصرّفات ، الأصل فيه الجواز إذا كان صادراً ممّن هو أهل للتّصرّف ، فيما يجوز له التّصرّف فيه ، إلاّ فيما يخالف الشّرع . وقد يطرأ على هذا الحكم ما يجعل الفقهاء يختلفون فيه بين الجواز والمنع والوجوب . ومن ذلك مثلاً اختلافهم فيما يتعلّق به حقّ شرعيّ ، كالزّكاة والكفّارة ، فجمهور الفقهاء غالباً ما يمنعون إبدال الواجب إخراجه فيهما بالقيمة ، لأنّ الحقّ للّه تعالى ، وقد علّقه على ما نصّ عليه ، فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره ، بينما يجيز الحنفيّة إبدال الواجب إخراجه فيها بالقيمة ، لتعلّق الوجوب عندهم بمعنى المال ، وهو الماليّة والقيمة . 3 - وفي عقود المعاوضات ، كالبيع ، اختلف الفقهاء في حكم إبدال الأثمان فالحنفيّة يجيزون إبدال الأثمان قبل القبض ، لأنّها لا تتعيّن بالتّعيين ، ولأنّ العقد لا ينفسخ بهلاكها ، بدليل ما رواه ابن عمر ، قال : « كنّا نبيع الإبل بالبقيع بالدّراهم ، فنأخذ بدل الدّراهم الدّنانير ، ونبيعها بالدّنانير فنأخذ بدلها الدّراهم ، فسألنا النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : لا بأس إذا تفرّقتما وليس بينكما شيء » والمراد من الحديث العين لا الدّين ، بينما يقول الشّافعيّ وزفر من الحنفيّة : إن كان الثّمن متعيّناً ، نقداً أو غيره ، فلا يجوز التّصرّف فيه قبل القبض ، وإن في الذّمّة جاز إبداله قبل القبض . واستدلّوا بالحديث السّابق أيضاً على أنّ إبدال الثّمن غير متعيّن بل هو في الذّمّة . وقريب من هذا رأي الحنابلة والمالكيّة . أمّا المبيع فعند الحنفيّة لا يجوز إبدال المبيع المنقول قبل قبضه . وفي العقار خلاف . وعند الشّافعيّ لا يجوز إبدال المبيع والثّمن المعيّن قبل القبض . وعند الحنابلة يجوز التّصرّف في المبيع قبل القبض لما لا يحتاج إلى قبض ، أمّا ما يحتاج إلى قبض فلا يجوز إبداله قبل القبض . والمالكيّة يجيزون التّصرّف في البيع قبل القبض ، إلاّ طعام المعاوضة . وكلّ ما مرّ إنّما هو في غير الصّرف والسّلم ، وفي غير الرّبويّات فإنّه لا يجوز فيها الإبدال . وقد يكون الإبدال واجباً ، كما إذا تعيّبت الدّابّة ، أو بانت مستحقّةً ، في إجارة الذّمّة ، فلا تنفسخ الإجارة ، بل يلزم المؤجّر إبدالها . وقد يكون للإبدال أحوال وشروط خاصّة ، كما في الوقف . وهو أحد الشّروط العشرة الّتي اعتاد الواقفون ذكرها في حجج أوقافهم . ويقرنون الإبدال بالاستبدال ، ممّا جعل الموثّقين يفرّقون بينهما ، فيطلقون الإبدال على جعل عين مكان أخرى ، والاستبدال على بيع عين الوقف بالنّقد . ( مواطن البحث ) 4 - تأتي أحكام الإبدال والاستبدال عند الفقهاء في مسائل متعدّدة المواطن مفصّلة فيها أحكام كلّ مسألة ، جوازاً أو منعاً أو إيجاباً ، ومن ذلك الزّكاة والأضحيّة والكفّارة والبيع والشّفعة والإجارة والوقف وغير ذلك . إبراء التّعريف بالإبراء : 1 - من معاني الإبراء في اللّغة : التّنزيه والتّخليص والمباعدة عن الشّيء . قال ابن الأعرابيّ : برئ : تخلّص وتنزّه وتباعد ، فالإبراء على هذا : جعل المدين - مثلاً - بريئاً من الدّين أو الحقّ الّذي عليه . والتّبرئة : تصحيح البراءة ، والمبارأة : المصالحة على الفراق . وأمّا في الاصطلاح فهو إسقاط الشّخص حقّاً له في ذمّة آخر أو قبله . فإذا لم يكن الحقّ في ذمّة شخص ولا تجاهه ، كحقّ الشّفعة ، وحقّ السّكنى الموصى به ، فتركه لا يعتبر إبراءً ، بل هو إسقاط محض . وقد اختير لفظ ( إسقاط ) في التّعريف - بالرّغم من أنّ في الإبراء معنيين هما الإسقاط والتّمليك - تغليباً لأحد المعنيين ، ولأنّه لا يخلو من وجه إسقاط على ما سيأتي . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : أ - البراءة ، والمبارأة ، والاستبراء : 2 - ( البراءة ) : هي أثر الإبراء ، وهي مصدر برئ . فهي مغايرة له في الفقه ، غير أنّ البراءة كما تحصل بالإبراء الّذي يتحقّق بفعل الدّائن ، تحصل بأسباب أخرى غيره ، كالوفاء والتّسليم من المدين أو الكفيل وتحصل البراءة بالاشتراط ، كالبراءة من العيوب ، ويعبّر عنها بالتّبرّؤ أيضاً ، وتفصيله في خيار العيب ، والكفالة . وقد تحصل البراءة بإزالة سبب الضّمان ، أو بمنع صاحب التّضمين من إزالته ، ومن ذلك ما صرّح به الشّافعيّة من أنّ حافر البئر في أرض غيره إن أراد ردمها فمنعه المالك فإنّه يبرّأ وإن لم توجد صيغة إبراء . وممّا يؤكّد التّباين بينهما ما جاء في بعض المسائل من تقييد البراءة بالإبراء أو الإسقاط لتمييزها عن البراءة بالاستيفاء . وفي ذلك يقول ابن الهمام : البراءة بالإبراء لا تتحقّق بفعل الكفيل ، بل بفعل الطّالب - أي الدّائن - فلا تكون حينئذ مضافةً إلى الكفيل . ونحوه بحث بعض الشّافعيّة في تلفيق شهادتي الإبراء والبراءة ، كأن شهد واحد بأنّ المدّعي أبرأه ، وآخر بأنّه برئ إليه منه ، ورجّحوا جوازه واعتبار الشّهادة مستكملة النّصاب 3 - أمّا ( المبارأة ) فهي مفاعلة وتقتضي المشاركة في البراءة . وهي في الاصطلاح اسم من أسماء الخلع ، والمعنى واحد ، وهو بذل المرأة العوض على طلاقها . لكنّها تختصّ بإسقاط المرأة عن الزّوج حقّاً لها عليه . فالمبارأة صورة خاصّة للإبراء تقع بين الزّوجين ، لإيقاع الزّوج الطّلاق - إجابةً لطلب الزّوجة غالباً - مقابل عوض ماليّ تبذله للزّوج هو تركها ما لها عليه من حقوق ماليّة ، كالمهر المؤجّل ، أو النّفقة المستحقّة في العدّة . والجمهور على أنّه لا يسقط بها أيّ حقّ إلاّ بالتّسمية ، خلافاً لأبي حنيفة وأبي يوسف القائلين بسقوط جميع حقوقها الزّوجيّة . وتفصيل ذلك موطنه عند الكلام عن ( الخلع ) . ولابن نجيم من الحنفيّة رسالة في الطّلاق الموقّع في مقابلة الإبراء حقّق فيها أنّه يقع بائناً ، لوقوعه بعوض ، وأمّا في قوله : متى ظهر كذا وأبرأتني من مهرك فأنت طالق فليس بائناً لأنّه جعل الطّلاق معلّقاً بالإبراء فالإبراء شرط للطّلاق وليس عوضاً . 4 - وأمّا ( الاستبراء ) فهو يأتي بمعنيين ، أحدهما : هو تعرّف براءة الرّحم ، أي طهارته من ماء الغير . وهو حيث لا تجب على المرأة عدّة . وأحكامه مفصّلة في مصطلحه . والمعنى الآخر : هو طلب نقاء المخرجين ممّا ينافي التّطهّر ، وتفصيل أحكامه في مصطلح ( قضاء الحاجة ) . ب - ( الإسقاط ) : 5 - الإسقاط لغةً : الإزالة ، واصطلاحاً : إزالة الملك أو الحقّ لا إلى مالك أو مستحقّ . وهو قد يقع على حقّ في ذمّة آخر ، أو قبله ، على سبيل المديونيّة ( كالحال في الإبراء ) كما قد يقع على حقّ ثابت بالشّرع لم تشغل به الذّمّة ( كحقّ الشّفعة ) . ويكون بعوض وبغير عوض . فالإبراء أخصّ من الإسقاط ، فكلّ إبراء إسقاط ، ولا عكس . وممّا يدلّ على أنّ الإبراء نوع من الإسقاط تقسيم القرافيّ الإسقاط إلى نوعين ، أحدهما : بعوض ، كالخلع . والآخر : بغير عوض ، ومثّل له بالإبراء من الدّيون . وسيأتي تفصيل ذلك . والإسقاط متمحّض لسقوط ما يقع عليه اتّفاقاً ، في حين أنّ الإبراء مختلف في أنّه إسقاط فيه معنى التّمليك ، أو تمليك محض ، أو إسقاط محض على ما سيأتي بيانه . هذا ، وإنّ القليوبيّ من الشّافعيّة أفاد أنّ غير القصاص لا يسمّى تركه إسقاطاً ، وإنّما يقال له : إبراء . والظّاهر أنّ ذلك بحسب مألوف المذهب . وقد يستعمل الإبراء في موطن الإسقاط ، كما في خيار العيب ، فالإبراء من العيب كناية عن إسقاط الخيار . ج - ( الهبة ) : 6 - الهبة لغةً : العطيّة الخالية عن الأعواض والأغراض ، أو التّبرّع بما ينفع الموهوب له مطلقاً . وهي شرعاً : تمليك العين بلا عوض . والّذي يوافق الإبراء من الهبة هو هبة الدّين للمدين ، فهي والإبراء بمعنًى واحد عند الجمهور الّذين لا يجيزون الرّجوع في الهبة بعد القبض . أمّا عند الحنفيّة القائلين بجواز الرّجوع في الجملة فالإبراء مختلف عن هبة الدّين للمدين ، للاتّفاق على عدم جواز الرّجوع في الإبراء بعد قبوله لأنّه إسقاط ، والسّاقط لا يعود كما تنصّ على ذلك القاعدة المشهورة . أمّا هبة الدّين لغير من عليه الدّين - على الخلاف والتّفصيل الّذي موطنه الهبة ، والدّين - فلا صلة له بالإبراء . د - ( الصّلح ) : 7 - الصّلح لغةً : التّوفيق ، وهو اسم للمصالحة . وهو شرعاً : عقد به يرفع النّزاع وتقطع الخصومة بين المتصالحين بتراضيهما . ومن المقرّر فقهاً أنّ الصّلح يكون عن إقرار أو إنكار أو سكوت . فإذا كان عن إقرار ، وكانت المصالحة على إسقاط جزء من المتنازع فيه وأداء الباقي ، ففي هذه الصّورة يشبه الصّلح الإبراء ، لأنّها أخذ لبعض الحقّ وإبراء عن باقيه . أمّا إن كان الصّلح هنا على أخذ بدل فهو معاوضة . وكذلك الحال إن كان الصّلح عن إنكار أو سكوت ، وتضمّن إسقاط الجزء من حقّه ، فهو بالنّسبة للمدّعي إبراء عن بعض الحقّ ، في حين أنّه بالنّسبة للمدّعى عليه افتداء لليمين وقطع للمنازعة . وقد جعل ابن جزيّ من المالكيّة الصّلح على نوعين ، أحدهما : إسقاط وإبراء ، وقال : هو جائز مطلقاً ، والآخر : صلح على عوض ، وقال فيه : هو جائز إلاّ إن أدّى إلى حرام . هـ - ( الإقرار ) : 8 - من معاني الإقرار في اللّغة : الإيقان والاعتراف . وأمّا تعريفه في الاصطلاح فهو : الإخبار بحقّ الغير على نفسه . والإقرار قد يرد على استيفاء الدّين ، فيكون إقراراً بالبراءة ، لأنّ الإبراء إمّا إبراء استيفاء ، وإمّا إبراء إسقاط كما سيأتي . وكلّ من الإقرار بالاستيفاء والإبراء على إطلاقه يقطع النّزاع ويفصل الخصومة . فالمراد منهما واحد ، ولذا عبّر بكلّ واحد منهما عن الآخر وإن اختلفا مفهوماً . ودعوى الإبراء تتضمّن إقراراً ، فإذا قال : أبرأتني من كذا ، أو : أبرئني ، فهو إقرار واعتراف بشغل الذّمّة وادّعاء للإسقاط ، والأصل عدمه . وعليه بيّنة الإبراء أو القضاء . ( والضّمان ) : 9 - الضّمان لغةً : الكفالة والالتزام بالشّيء . وهو عند بعض الفقهاء : التزام حقّ ثابت في ذمّة الغير أو إحضار من هو عليه . والضّمان عكس الإبراء ، فهو يفيد انشغال الذّمّة في حين يطلق الإبراء على خلوّها ، ولصلة الضّدّيّة هذه وضع الشّافعيّة أكثر أحكام الإبراء في باب الضّمان . هذا وإنّ للإبراء صلةً بالضّمان ، وهي أنّه أحد الأسباب لسقوطه ، بل إنّ له مدخلاً إلى أكثر الالتزامات من حيث إنّه يتطرّق له في سقوطها ، لأنّها إمّا أن تسقط بالوفاء - أي الأداء - أو المقاصّة ، أو الإبراء ونحو ذلك . ز - ( الحطّ ) : 10 - الحطّ لغةً : الوضع ، أو الإسقاط . وهو في الاصطلاح : إسقاط بعض الدّين أو كلّه . فالحطّ إبراء معنًى ، ولذا قد يطلق الحطّ على الإبراء نفسه ، ولكنّه إمّا أن يقيّد بالكلّ أو الجزء . والغالب استعمال الحطّ للإبراء عن جزء من الثّمن ، أمّا الإبراء فهو عن كلّه . وقد جاء في كلام الحنفيّة وبعض الحنابلة تسمية وضع بعض الدّين إبراءً ، وهو في الحقيقة إبراء جزئيّ . وقال القاضي زكريّا الأنصاريّ من الشّافعيّة : صلح الحطيطة إبراء في الحقيقة ، لأنّ لفظ الصّلح يشعر بقناعة المستحقّ بالقليل عن الكثير . ح - ( التّرك ) : 11 - من معاني التّرك في اللّغة : الإسقاط ، يقال : ترك حقّه إذا أسقطه . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن ذلك . ومن صلته بالإبراء ما جاء لبعض الشّافعيّة من التّصريح بأنّ هبة الدّين للمدين إن وقعت بلفظ ( التّرك ) كأن يقول : تركت الدّين ، أو لا آخذه منك ، فهي كناية إبراء . ولكن نقل القاضي زكريّا القول بأنّ ذلك إبراء صريح . وهو ما جزم به النّوويّ والمقري . والتّرك يستعمل للإسقاط عموماً بحيث يحصل به ما يحصل بلفظ الإسقاط ويعطى أحكامه ، ولذا أورده الرّمليّ الشّافعيّ في عداد الألفاظ الّتي لا يحتاج الإسقاط فيها إلى قبول - كالإبراء عندهم - في حين يحتاج لفظ الصّلح إلى القبول . وقد يطلق التّرك على الامتناع من استعمال الحقّ دون إسقاطه ، كترك الزّوجة حقّها في القسم ، ومنحه للزّوجة الأخرى ، فإنّ لها الرّجوع وطلب القسم بالنّسبة للمستقبل . والغالب أن يستعمل لفظ التّرك في الدّعوى ، فالمدّعي ، في أشهر تعريفاته " من إذا ترك ( أي دعواه ) ترك " وهذا حيث لم يصدر دفع من المدّعى عليه لدعواه ، فإن حصل لم يكن للمدّعي التّرك ، لأنّه قد يقصد به الكيد للمدّعى عليه ، فيلزم بالاستمرار في الدّعوى للفصل فيها . واعتبر بعضهم هنا المدّعى عليه مدّعياً أنّه يتعرّض له في كذا بغير حقّ فله طلب دفع التّعرّض . صفة الإبراء ( حكمه التّكليفيّ ) : 12 - الإبراء مشروع في الجملة ، وتعرض له الأحكام التّكليفيّة الخمسة المعروفة : فيكون واجباً إذا سبقه استيفاء ، لأنّ فيه اعترافاً بالبراءة لمستحقّها ، فهو من باب العدل المأمور به في قوله تعالى : { إنّ اللّه يأمر بالعدل } والمؤكّد بالحديث « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » ومن أمثلته في باب السّلم : إذا أحضر المسلّم إليه مال السّلم الحالّ لغرض البراءة أجبر المسلّم على القبول أو الإبراء . فهذا واجب تخييريّ . وكذلك الحكم في المفلس فله إجبار الغرماء على أخذ العين إن كانت من جنس حقّهم ، أو إبرائه . وقد يكون حراماً ، كما لو جاء ضمن عقد باطل ، لأنّ استبقاء الباطل حرام ، على ما سيأتي في بطلان الإبراء . وتعرض له الكراهة فيما إذا أبرأ وارثه أو غيره عن أكثر من ثلث ماله وهو في مرض الموت حيث أجازه الورثة ، ومستند الكراهة ما في ذلك الإبراء من تضييع ورثته ، لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقّاص حين همّ بالتّصدّق بجميع ماله : « إنّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكفّفون النّاس » . أمّا الثّلث فقد أقرّه عليه . 13 - على أنّ الحكم الغالب له النّدب ، ولذا يقول الخطيب الشّربينيّ : « الإبراء مطلوب ، فوسّع فيه ، بخلاف الضّمان " ذلك لأنّه نوع من الإحسان ، لأنّه في الغالب يتضمّن إسقاط الحقّ عن المعسر الّذي يثقل الدّين كاهله . وحتّى إذا كان الإبراء لمن لا يعسر عليه الوفاء ، فإنّه ممّا يزيد المودّة بين الدّائن والمدين ، فلا يخلو عن معنى البرّ والصّلة ، وذلك ممّا يتناوله قول اللّه تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } وفي ذلك أحاديث كثيرة ، منها حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنه حين قام بوفاء دين أبيه ، وخبر معاذ بن جبل وكعب بن مالك ، حين أعسرا ، حيث ثبت حضّه عليه الصلاة والسلام الدّائنين على إسقاط كلّ الدّين أو بعضه عنهم . وقد صرّح بعض الشّافعيّة بأنّ الإبراء للمعسر أفضل من القرض ، وأنّ القرض في غير هذه الحالة أفضل منه . والإبراء في غير الأحوال المشار إليها هو على أصل الإباحة الجارية في معظم العقود والتّصرّفات الّتي بعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم والنّاس يتعاملون بها فأقرّهم عليها ، ولا سيّما في حالة عجز المبرّئ عن تحصيل حقّه من منكره ، لأنّ الإحسان هنا غير وارد ، لفقدان محلّه . أقسام الإبراء : 14 - يقسّم بعض المؤلّفين الإبراء إلى قسمين : إبراء الإسقاط ، وإبراء الاستيفاء . ويعتبرون الأوّل منهما هو الجدير بالبحث تحت هذا الاسم ، في حين أنّ الثّاني ( الّذي هو عبارة عن الاعتراف بالقبض والاستيفاء للحقّ الثّابت لشخص في ذمّة آخر ) هو نوع من الإقرار . وتظهر ثمرة هذا التّقسيم في صورة الإبراء في الكفالة الواقع من الطّالب ( الدّائن ) إن جاء بلفظ « برئت إليّ من المال " برئ الكفيل والمدين كلاهما من المطالب ، ورجع الكفيل بالمال على المطلوب ، لأنّه براءة قبض واستيفاء ، كأنّه قال : دفعت إليّ . أمّا إن قال : برئت من المال ، أو أبرأتك ، بدون لفظ ( إليّ ) فلا رجوع له ، لأنّه إبراء إسقاط ، لا إقرار بالقبض . على خلاف وتفصيل موطنه الكفالة . ووجه اعتبارهما قسمين أنّ كلّاً من الإبراء والإقرار يراد به قطع النّزاع وفصل الخصومة وعدم جواز المطالبة بعدهما . فالمراد منهما واحد . ولذا عبّروا بكلّ واحد منهما عن الآخر وإن اختلفا مفهوماً . ويتبيّن أنّ هذا التّقسيم ليس للإبراء في ذاته ، وإنّما هو لثمرة الإبراء ومقصوده ، وإلاّ فإنّ الإقرار - ومنه الإقرار بالاستيفاء - غير الإبراء في الشّروط والأركان والآثار ، فإنّه يكون في الدّين والعين على حدّ سواء ، في حين يختصّ إبراء الإسقاط بالدّيون ، كما سيأتي ، وسيقتصر الكلام عليه وحده ، لأنّ تفصيل ما يتّصل بإبراء الاستيفاء موطنه مصطلح ( إقرار ) . ولم نقف في غير المذهب الحنفيّ على التّصريح بهذا التّقسيم للإبراء . وإن كانت لسائر المذاهب صور يميّزون فيها بين براءة الاستيفاء وبراءة الإسقاط . وهناك تقسيم آخر للإبراء من حيث العموم والخصوص ، تبعاً للصّيغة الّتي يرد بها ، ويظهر أثرها فما يقع عليه الإبراء . وسيأتي تفصيل ذلك تحت عنوان ( أنواع الإبراء ) بعد استيفاء الأركان . الإبراء للإسقاط أو التّمليك : 15 - اختلف الفقهاء في الإبراء ، هل هو للإسقاط أو التّمليك . وتباينت أقوال المذهب الواحد في ذلك بالنّسبة لتوجيه الأحكام ، ومع هذا فقد كان لكلّ مذهب رأي غالب في هذا الموضوع ، على النّحو التّالي : الاتّجاه الأوّل : وعليه جمهور الحنفيّة ، وهو قول لكلّ من المالكيّة والشّافعيّة ، والرّاجح عند الحنابلة ، أنّه للإسقاط . قال السّبكيّ : لو كان الإبراء تمليكاً لصحّ الإبراء من الأعيان . الاتّجاه الثّاني : ما نقله بعض الشّافعيّة وابن مفلح الحنبليّ في بعض المسائل ، أنّه تمليك من وجه . قال القاضي زكريّا : الإبراء ، وإن كان تمليكاً ، المقصود منه الإسقاط . الاتّجاه الثّالث : ما نقله ابن مفلح أيضاً ، أنّ جماعةً من الحنابلة جزموا بأنّه تمليك ، وقالوا : إن سلّمنا أنّه إسقاط ، فكأنّه ملّكه إيّاه ثمّ سقط . وهناك اتّجاه آخر ، ذهب إليه ابن السّمعانيّ من الشّافعيّة ، هو أنّ الإبراء - في غير مقابلته للطّلاق - تمليك من المبرّئ ، إسقاط عن المبرّأ ، لأنّ الإبراء إنّما يكون تمليكاً باعتبار أنّ الدّين مال ، وهو إنّما يكون مالاً في حقّ من له الدّين ، فإنّ أحكام الماليّة إنّما تظهر في حقّه ، بحيث يترتّب عليه اشتراط علم الأوّل دون الثّاني . غلبة أحد المعنيين أو تساويهما : 16 - المستفاد من كلام الفقهاء اشتمال الإبراء على كلا المعنيين : الإسقاط والتّمليك ، وفي كلّ مسألة تكون الغلبة لأحدهما ، وإن كان في بعض الصّور يتعيّن أحد المعنيين تبعاً للموضوع ، كالإبراء عن الأعيان ، فهو للتّمليك ، لأنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط . أمّا في الدّيون الثّابتة في الذّمّة فيجري المعنيان كلاهما . فمن ذلك ما قاله ابن نجيم من أنّ الإبراء عن الدّين فيه معنى التّمليك ومعنى الإسقاط ، ومثّل لما غلب فيه معنى التّمليك بأنّه لا يصحّ تعليقه على الشّرط ، ويرتدّ بالرّدّ . ومثّل بعض الحنابلة لما غلب فيه معنى الإسقاط بأنّه لو حلف لا يهبه ، فأبرأه ، لم يحنث ، لأنّ الهبة تمليك عين ، وهذا إسقاط . وأنّه لا يجزئ الإبراء عن الزّكاة ، لانتفاء حقيقة الملك . ونقل القاضي زكريّا عن النّوويّ في الرّوضة قوله : « المختار أنّ كون الإبراء تمليكاً أو إسقاطاً من المسائل الّتي لا يطلق فيها ترجيح ، بل يختلف الرّاجح بحسب المسائل ، لقوّة الدّليل وضعفه ، لأنّ الإبراء إنّما يكون تمليكاً باعتبار أنّ الدّين مال ، وهو إنّما يكون مالاً في حقّ من له الدّين ، فإنّ أحكام الماليّة إنّما تظهر في حقّه . وممّا غلب فيه معنى التّمليك عند المالكيّة ترجيحهم اشتراط القبول في الإبراء ، كما سيأتي . على أنّ هناك ما يصلح بالاعتبارين ( الإسقاط والتّمليك بالتّساوي ) . ومنه ما نصّ عليه الحنفيّة أنّه لو أبرأ الوارث مدين مورّثه غير عالم بموته ، ثمّ بان ميّتاً ، فبالنّظر إلى أنّه إسقاط يصحّ ، وكذا بالنّظر إلى كونه تمليكاً ، لأنّ الوارث لو باع عيناً قبل العلم بموت المورّث ثمّ ظهر موته صحّ ، كما صرّحوا به ، فهنا بالأولى . اختلاف الحكم باختلاف الاعتبار : 17 - قد يختلف الحكم باختلاف اعتبار الإبراء ، هل هو إسقاط أو تمليك فمن ذلك ما صرّح به الحنفيّة فيما لو وكّل الدّائن المدين بإبراء نفسه صحّ التّوكيل ، نظراً إلى جانب الإسقاط ، ولو نظر إلى جانب التّمليك لم يصحّ ، كما لو وكّله بأن يبيع من نفسه . ( أركان الإبراء ) تمهيد : 18 - للإبراء أربعة أركان ، بحسب الإطلاق الواسع للرّكن ، ليشمل كلّ ما هو من مقوّمات الشّيء ، سواء أكان من ماهيّته ، أم خارجاً عنها ، كالأطراف والمحلّ ، وهو ما عليه الجمهور . فالأركان عندهم هنا : الصّيغة ، والمبرّئ ( صاحب الحقّ أو الدّائن ) ، والمبرّأ ( المدين ) ، والمبرّأ منه ( محلّ الإبراء من دين أو عين أو حقّ ) وركنه عند الحنفيّة هو الصّيغة فقط ، أمّا المتعاقدان والمحلّ فهي أطراف العقد وليست ركناً ، لما سبق . الصّيغة : 19 - الأصل في الصّيغة أنّها عبارة عن الإيجاب والقبول معاً في العقد ، وهي هنا كذلك عند من يرى توقّف الإبراء على القبول . أمّا من لا يرى حاجة الإبراء إليه فالصّيغة هي الإيجاب فقط . ( الإيجاب ) : 20 - يحصل إيجاب الإبراء بجميع الألفاظ الّتي يتحقّق بها المقصود منه ، وهو التّخلّي عمّا للدّائن عند المدين ، على أن يكون اللّفظ واضح الدّلالة على الأثر ( سقوط الحقّ المبرّأ منه ) ، فيحصل بكلّ لفظ يدلّ عليه صراحةً أو كنايةً محفوفةً بالقرينة ، سواء أورد مستقلّاً أم تبعاً ضمن عقد آخر . ولا بدّ أن ينتفي احتمال المعاوضة ، أو قصد مجرّد التّأخير ، كما لو قال : أبرأتك على أن تعطيني كذا ، فهو صلح بمال ، على خلاف سيأتي فيما بعد . وكذا لو قال أبرأتك من حلول الدّين ، فهو لتأخير المطالبة ، لا لسقوطها . والإبراء المطلق هو من الإسقاطات على التّأبيد اتّفاقاً . فلا يصحّ الإبراء المؤقّت ، كأن يقول أبرأتك ممّا لي عليك سنةً على ما صرّح به الشّافعيّة . وهو مستفاد عبارات غيرهم في حال الإطلاق . أمّا تقييد الإبراء بأنّه لتأخير المطالبة فهو ليس من الإبراء المطلق وإن سمّاه ابن الهمام تجوّزاً ( إبراءً مؤقّتاً ) . ومثل القول في ذلك الكتابة المرسومة المعنويّة ، أو الإشارة المعهودة ، بشروطهما المفصّلة في موطنهما . 21 - وقد أورد الفقهاء - بالإضافة إلى لفظ الإبراء الّذي اتّفقوا على حصول الإيجاب به - أمثلةً عديدةً لما يؤدّي معنى الإبراء . ولم ينصّ أحد منهم على انحصار الصّيغة فيما أشاروا إليه ، ومن تلك الألفاظ الّتي تدور عليها صيغته : الإسقاط ، والتّمليك ، والإحلال ، والتّحليل ، والوضع ، والعفو ، والحطّ ، والتّرك ، والتّصدّق ، والهبة ، والعطيّة . قال البهوتيّ : وإنّما صحّ بلفظ الهبة والصّدقة والعطيّة ، لأنّه لمّا لم يكن هناك عين موجودة يتناولها اللّفظ انصرف إلى معنى الإبراء . ثمّ نقل عن الحارثيّ قوله : لو وهبه دينه هبةً حقيقيّةً لم يصحّ ، لانتفاء معنى الإسقاط وانتفاء شرط الهبة . كما استدلّ من مثّل بلفظ العفو أو التّصدّق بقوله تعالى في شأن الإبراء من المهر { إلاّ أن يعفون أو يعفو الّذي بيده عقدة النّكاح } وقوله تعالى في شأن الإبراء من الدّية { فدية مسلّمة إلى أهله إلاّ أن يصّدّقوا } وقوله تعالى في شأن إبراء المعسر { وأن تصدّقوا خير لكم } وبقوله عليه الصلاة والسلام داعياً لإبراء الّذي أصيب في ثمار ابتاعها : « تصدّقوا عليه » وقد يحصل الإبراء بصيغة يدلّ تركيبها عليه ، كأن يقول : ليس لي عند فلان حقّ ، أو ما بقي لي عنده حقّ ، أو ليس لي مع فلان دعوى ، أو فرغت من دعواي الّتي هي مع فلان ، أو تركتها . 22 - ويستفاد ممّا أورده بعض فقهاء الحنفيّة والمالكيّة من تعقيب على ما جاء في بعض كتب المذهبين من أنّ هناك صيغاً مخصّصة للإبراء من الأمانات أو الدّيون ، وأخرى لا يحصل عموم الإبراء إلاّ بها - يستفاد أنّ المدار على العرف فيما يحصل به الإبراء أصلاً ، أو تعميماً ، أو تخصيصاً بموضوع دون آخر ، كما ينظر إلى القرائن في العبارات الّتي لها أكثر من إطلاق . ومن ذلك عبارة " برئت من فلان " الّتي تحتمل نفي الموالاة ، والبراءة من الحقوق . فإذا جرى العرف ، أو دلّت القرائن على استعمالها هي أو غيرها ممّا لم يمثّلوا به للإيجاب عن الإبراء ، كعبارة " التّنازل " أو " التّخلّي عن الحقّ » . فالعبرة في ذلك بالعرف . ( القبول ) : 23 - اختلف الفقهاء في أنّ الإبراء يتوقّف على القبول أو لا ، على اتّجاهين : أحدهما : عدم حاجة الإبراء إلى القبول ، وهو مذهب الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة في الأصحّ ، والحنابلة ، وهو قول شاذّ لأشهب من المالكيّة ) فهؤلاء يرون أنّ الإبراء لا يحتاج إلى قبول ، بناءً على أنّه إسقاط للحقّ ، والإسقاطات لا تحتاج إلى قبول ، كالطّلاق ، والعتق ، وإسقاط الشّفعة والقصاص ، بل قال الخطيب الشّربينيّ من الشّافعيّة : هو المذهب ، سواء أقلنا : الإبراء إسقاط أم تمليك . الاتّجاه الآخر : حاجة الإبراء إلى القبول ، وهو القول الرّاجح في مذهب المالكيّة ، والقول الآخر للشّافعيّة . وذلك بناءً على أنّ الإبراء نقل للملك ، أي تمليك ما في ذمّة المدين له ، فيكون من قبيل الهبة ، وهي لا بدّ فيها من القبول . قال القرافيّ : يتأكّد ذلك - أي الافتقار للقبول - بأنّ المنّة قد تعظم في الإبراء ، وذوو المروءات والأنفات يضرّ ذلك بهم ، لا سيّما من السّفلة ، فجعل صاحب الشّرع لهم قبول ذلك أو ردّه ، نفياً للضّرر الحاصل من المنن من غير أهلها ، أو من غير حاجة . وبعض الشّافعيّة لا يربطون بين |
هذا القول وبين الخلاف في معنى الإبراء ، على ما سبق . 24 - ولا فرق في الحاجة إلى القبول أو عدمها بين التّعبير بالإبراء ، أو التّعبير بهبة الدّين للمدين ، وإثبات الفرق هو ما عليه بعض الحنفيّة إذ قالوا فيها بالحاجة للقبول لما في اللّفظ من معنى التّمليك ، والمالكيّة يرونها آكد في الافتقار للقبول - على مذهبهم في الإبراء عموماً - لأنّها نصّ في التّمليك ، وهو خلاف ما عليه الشّافعيّة والحنابلة وجمهور الحنفيّة ، لنظرهم إلى وحدة المقصود بينها وبين الإبراء . هذا ، وبالرّغم ممّا هو مقرّر بين الفقهاء من اعتبار القبول محدوداً بمجلس العقد ما دام قائماً فقد اشترط الشّافعيّة الفوريّة في القبول في صورة من يوكّل في إبراء نفسه . وقد صرّح المالكيّة بجواز تأخير القبول عن الإيجاب ، ولو بالسّكوت عن القبول زماناً ، فله القبول بعد ذلك ، وقال القرافيّ : إنّه ظاهر المذهب . 25 - وقد استثنى الحنفيّة من عدم التّوقّف على القبول : العقود الّتي يشترط فيها التّقابض في المجلس ، كالصّرف ، والسّلم ( أي عن رأس مال السّلم ) فيتوقّف فيها الإبراء على القبول ، لأنّ الإبراء عن بدل الصّرف والسّلم يفوت به القبض المستحقّ ، وفواته يوجب بطلان العقد ، ونقض العقد لا ينفرد به أحد العاقدين ، بل يتوقّف على قبول الآخر ، فإن قبله برّئ وإن لم يقبله لا يبرّأ . وهذا بخلاف سائر الدّين ، لأنّه ليس فيه معنى الفسخ لعقد ثابت وإنّما فيه معنى التّمليك من وجه ، ومعنى الإسقاط من وجه آخر . أمّا الإبراء عن المسلّم فيه أو عن ثمن المبيع فهو جائز بدون قبول ، لأنّه ليس فيه إسقاط شرط . ردّ الإبراء : 26 - ينبني اختلاف النّظر الفقهيّ في هذه المسألة على الخلاف في أنّ الإبراء إسقاط أو تمليك . والّتي يترتّب عليها حاجته للقبول أو عدم حاجته . فالحنابلة ، والشّافعيّة في الأصحّ ، والمالكيّة في المرجوح ، وهم أكثر القائلين بعدم حاجته للقبول ، ذهبوا إلى أنّه لا يرتدّ بالرّدّ ، لأنّه إسقاط حقّ كالقصاص والشّفعة وحدّ القذف والخيار والطّلاق ، لا تمليك عين ، كالهبة . ومن ذهب إلى أنّه يحتاج إلى القبول ( وهم المالكيّة في الرّاجح والشّافعيّة في قولهم الآخر ومعهم في هذا الحنفيّة الّذين راعوا ما فيه من معنى التّمليك بالرّغم من عدم توقّفه على القبول عندهم لأنّه إسقاط ) يرون أنّه يرتدّ بالرّدّ . واختلف فقهاء الحنفيّة هل يتقيّد الرّدّ بمجلس الإبراء ، أو هو على إطلاقه . والّذي في البحر والحمويّ على الأشباه إطلاق صحّة الرّدّ في مجلس الإبراء أو بعده . والرّدّ المعتبر هو ما يصدر من المبرّأ ، أو من وارثه بعد موته ، وخالف في الثّاني محمّد بن الحسن . وقد استثنى الحنفيّة مسائل لا يرتدّ فيها الإبراء بالرّدّ وهي : 1 ، 2 - الإبراء في الحوالة ( والكفالة على الأرجح ) لأنّهما متمحّضان للإسقاط ، لأنّ الإبراء إسقاط محض في حقّ الكفيل ، ليس فيه تمليك مال ، لأنّ الواجب عليه المطالبة ، والإسقاط المحض لا يحتمل الرّدّ لتلاشي السّاقط ، بخلاف التّأخير ، لعوده بعد الأجل . 3 - إذا تقدّم على الإبراء طلب من المبرّأ بأن قال أبرئني ، فأبرأه فردّ ، لا يرتدّ . 4 - إذا سبق للمبرّأ أن قبله ثمّ ردّه لا يرتدّ . المبرّئ وشروطه : 27 - الإبراء كغيره من التّصرّفات ، يشترط في المتصرّف به الأهليّة التّامّة للتّعاقد ، من عقل وبلوغ ، وتفصيله في الكلام عن الأهليّة والعقد . ولكنّ الأهليّة المطلوبة هنا هي أهليّة التّبرّع ، بأن يكون رشيداً غير محجور عليه للسّفه أو المديونيّة ، على خلاف وتفصيل موطنه عند الكلام عن ( الحجر ) . وتشترط الولاية ، لأنّ كلّ إبراء لا يخلو من حقّ يجري التّنازل عنه ( بإسقاطه أو تمليكه ) ، لذا لا بدّ من أن يصدر ذلك التّنازل من قبل صاحب الحقّ نفسه أو من يتصرّف عنه ، فلا يصحّ الإبراء إلاّ بأن يكون للمبرّئ ولاية على الحقّ المبرّأ منه ، وذلك بأن يكون مالكاً له ، أو موكّلاً بالإبراء منه ، أو متصرّفاً بالفضالة عن صاحب الحقّ ، ولحقته الإجازة من المالك ، عند من يرى صحّة تصرّف الفضوليّ . وتفصيله في مصطلح ( فضوليّ ) . والعبرة في ولاية المبرّئ على الحقّ المبرّأ منه هو بما في الواقع ونفس الأمر لا بما في الظّنّ . فلو أبرأ عن شيء من مال أبيه ظانّاً بقاء أبيه حيّاً فتبيّن أنّه كان ميّتاً حين الإبراء صحّ ، لأنّ المبرّأ منه كان مملوكاً له حين الإبراء في الواقع . ويشترط الرّضا ، فإبراء المكره لا يصحّ ، لأنّه لا يصحّ مع الهزل لما فيه من الإقرار بفراغ الذّمّة فيؤثّر فيه الإكراه . وقد صرّح الحنابلة بأنّه ممّا يشوب شريطة الرّضا أن يعلم المدين وحده مقدار الدّين ، فيكتمه عن الدّائن خوفاً من أن يستكثره فلا يبرّئه لأنّ الإبراء صادر حينئذ عن إرادة غير معتبرة . التّوكيل بالإبراء : 28 - يصحّ التّوكيل بالإبراء ولكن لا بدّ من الإذن الخاصّ به ، ولا يكفي له إذن الوكالة بعقد ما ، وقد نصّ الحنفيّة بشأن السّلم أنّه إذا أبرأ وكيل المسلّم المسلّم إليه بلا إذن لم يبرّأ المسلّم إليه . فلو قال له المسلّم إليه : لست وكيلاً والسّلم لك وأبرأتني منه ، نفذ الإبراء ظاهراً ، وتعطّل بذلك حقّ المسلّم ، وغرم له الوكيل قيمة رأس المال للحيلولة ، فلا يغرم بدل المسلّم فيه كيلاً يكون اعتياضاً عنه . كما خصّ الحنفيّة إبراء الوكيل والوصيّ فيما وجب بعقدهما ، ويضمنان . ولا يصحّ فيما لم يجب بعقدهما ، كما أنّه إذا كان الوكيل مأذوناً بالإبراء فوكّل غيره به فأجراه في حضوره أو غيبته لم يصحّ عندهم . وإن وكّله بإبراء غرمائه ، وكان الوكيل منهم لم يبرّئ نفسه ، لأنّ المخاطب لا يدخل في عموم أمر المخاطب له على الأصحّ ، فإن قال : وإن شئت فأبرئ نفسك فله ذلك كما لو وكّل المدين بإبراء نفسه . إبراء المريض مرض الموت : 29 - يشترط أن لا يكون المبرّئ مريضاً مرض الموت ، وفيه تفصيل بحسب المبرّأ ، فإن كان أجنبيّاً والدّين يجاوز ثلث التّركة ، فلا بدّ من إجازة الورثة فيما زاد على الثّلث ، لأنّه تبرّع له حكم الوصيّة . وإذا كان المبرّأ وارثاً توقّف الإبراء كلّه على إجازة الورثة ولو كان الدّين أقلّ من الثّلث . وإذا أبرأ المريض مرض الموت أحد مديونيه ، والتّركة مستغرقة بالدّيون ، لم ينفذ إبراؤه لتعلّق حقّ الغرماء وتفصيل ذلك عند الكلام عن ( مرض الموت ) . المبرّأ وشروطه : 30 - اتّفق الفقهاء على اشتراط العلم بالمبرّأ ، فلا يصحّ . الإبراء لمجهول . وكذلك يجب أن يكون معيّناً ، فلو أبرأ أحد مدينيه على التّردّد لم يصحّ ، خلافاً لبعض الحنابلة . فلا بدّ من تعيين المبرّأ تعييناً كافياً . كما أنّ الإقرار ببراءة كلّ مدين له لا يصحّ إلاّ إذا كان يقصد مديناً معيّناً أو أناساً محصورين . ولا يشترط في المبرّأ أن يكون مقرّاً بالحقّ ، بل يصحّ الإبراء للمنكر أيضاً ، بل حتّى لو جرى تحليف المنكر يصحّ إبراؤه بعده ، لأنّ المبرّئ يستقلّ بالإبراء - لعدم افتقاره إلى القبول - فلا حاجة فيه إلى تصديق الغريم . المبرّأ منه ( المحلّ ) وشروطه : 31 - يختلف المبرّأ منه بين أن يكون من الحقوق أو الدّيون أو الأعيان . وسيأتي الكلام عن ذلك في ( موضوع الإبراء ) . وتبعاً للاختلاف السّابق بيانه ، في أنّ الإبراء إسقاط أو تمليك أو الغالب فيه أحدهما ، اختلف الفقهاء في صحّة الإبراء من المجهول ، فمن نظر في هذه المسألة إلى معنى التّمليك اشترط العلم ، لأنّه لا يمكن تمليك المجهول ، ومن نظر إلى معنى الإسقاط ذهب إلى الصّحّة . فالاتّجاه الأوّل ، الّذي عليه جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة ورواية عند الحنابلة ) أنّ الإبراء من المجهول صحيح ، بل صرّح المالكيّة بأنّه يصحّ التّوكيل بالإبراء ، وإن كان الحقّ المبرّأ منه مجهولاً لكلّ من الثّلاثة ( الموكّل ، والوكيل ، ومن عليه الدّين ) ، لأنّ الإبراء - كما قالوا - هبة ، وهبة المجهول جائزة . ومثّلوا لذلك بما لو أبرأ ذمّة غريمه ، وهما لا يعلمان بكم هي مشغولة ، وذلك لأنّ جهالة السّاقط لا تفضي إلى المنازعة . ويقرب منه الاتّجاه الثّاني ، وهو رواية للحنابلة أيضاً ، وهو صحّة الإبراء مع الجهل إن تعذّر علمه ، وإلاّ فلا ، وقالوا : إنّه لو كتمه طالب الإبراء خوفاً من أنّه لو علمه المبرّئ لم يبرّئه لم يصحّ . أمّا الاتّجاه الثّالث ، وهو مذهب الشّافعيّة ورواية عند الحنابلة ، فهو أنّه لا يصحّ الإبراء عن المجهول مطلقاً . ولا فرق عند الشّافعيّة في المجهول بين مجهول الجنس أو القدر أو الصّفة ، حتّى الحلول والتّأجيل ومقدار الأجل . كما صرّحوا بأنّه إذا وقع الإبراء ضمن معاوضةً - كالخلع - اشترط علم الطّرفين بالمبرّأ عنه ، أمّا في غير المعاوضة فيكفي علم المبرّئ وحده ، ولا أثر لجهل الشّخص المبرّأ . 32 - وممّا صرّح به بعض الشّافعيّة أنّ المراد بالمجهول ما لا تسهل معرفته ، بخلاف ما تسهل معرفته ، كإبرائه من حصّته في تركة مورّثه ، لأنّه وإن جهل قدر حصّته ، لكن يعلم قدر تركته ، فتسهل معرفة الحصّة . وفرّقوا بينه وبين ضمان المجهول ، فلا يصحّ ، وإن أمكنت معرفته ، لأنّ الضّمان يحتاط له ، لأنّه إثبات مال في الذّمّة ، في حين أنّ الإبراء يغلب فيه معنى الإسقاط . ولا يخفى أنّ هذا التّفصيل ليس موضع خلاف ، لأنّ هذه الجهالة صوريّة . وقد استثنى الشّافعيّة من عدم صحّة الإبراء من المجهول صورتين هما : الإبراء من الدّية المجهولة ، وما إذا ذكر غايةً يتيقّن أنّ حقّه دونها ، وهي الطّريقة للإبراء من المجهول ، بأن يبرّئه عمّا يتأكّد أنّه أزيد ممّا له عليه . وقد أضاف الرّمليّ إلى هاتين الصّورتين ما لو أبرأ إنساناً ممّا عليه بعد موته ، فيصحّ مع الجهل ، لأنّه يجري مجرى الوصيّة . ومن صور المجهول : الإبراء من أحد الدّينين ، قال الحلوانيّ من الحنابلة : يصحّ ، ويؤخذ بالبيان ، كما في الطّلاق لإحدى زوجتيه . قال ابن مفلح : يعني ثمّ يقرع على المذهب . شروط للإبراء في ذاته : أ - شرط عدم منافاته للشّرع : 33 - ممّا هو موضع اتّفاق بين الفقهاء في الجملة ، وتدلّ عليه القواعد العامّة للشّريعة ، أنّه يشترط في الإبراء أن لا يؤدّي إلى تغيير حكم الشّرع ، كإبراء من شرط التّقابض في الصّرف ، والإبراء من حقّ الرّجوع في الهبة أو الوصيّة ( على خلاف للمالكيّة في ذلك ) والإبراء من حقّ السّكنى في بيت العدّة ، وحقّ الولاية على الصّغير . لأنّ كلّ ما يؤدّي إلى تغيّر المشروع باطل ، ولا يستطيع أحد تغيير حكم اللّه . كما يشترط أن لا يؤدّي الإبراء إلى ضياع حقّ الغير ، كالإبراء من الأمّ المطلّقة عن حقّ الحضانة ، لأنّه حقّ الصّغير - مع وجود حقّ للحاضنة أيضاً - وتفصيل ذلك في أبوابه . ب - شرط سبق الملك : 34 - يشترط سبق ملك المبرّئ للحقّ المبرّأ منه ، لأنّه لا يصحّ تصرّف الإنسان في ملك غيره دون إنابة منه ، أو فضالة عنه ( عند من يصحّح تصرّف الفضوليّ ) . وهذا الشّرط موضع اتّفاق عند الفقهاء في حالة الظّهور بمظهر المالك ، حتّى عند الّذين يجيزون تصرّف الفضوليّ ، لأنّ الفضوليّ هو من يتصرّف فيما تظهر ملكيّة غيره له ، وإلاّ كان من بيع ما لا يملك ، وهو منهيّ عنه . . . وتدلّ على هذا الشّرط عبارات الفقهاء ممّا تفصيله في ( الأهليّة ) ( والعقد ) وما قرّروه في المقاصّة بين الدّيون من أنّها تقوم على أساس ملك الدّائن للدّين في ذمّة المدين ، وأنّ المدين عند الإيفاء ملك مثل الدّين في ذمّة الدّائن ، فتقضى الدّيون بأمثالها لا بأعيانها . ومثل الإيفاء الإبراء في وروده على ما يملكه المبرّئ في ذمّة الشّخص المبرّأ . وممّا يدلّ عليه من مذهب الحنفيّة الخلاف بين أبي يوسف ومحمّد في إبراء المحال المحيل عن الدّين ، حيث لا يصحّ عند أبي يوسف ، لانتقال الدّين من ذمّة المحيل ، بناءً على أنّ الحوالة نقل الدّين والمطالبة ، خلافاً لمحمّد القائل بأنّها نقل المطالبة فقط وبقاء الدّين ، فيصادف الإبراء ذمّةً مشغولةً بالدّين . وممّن صرّح بهذا البلقينيّ من الشّافعيّة ، بقوله : « في مسألة الإبراء يملك الدّين في ذمّة من عليه ، ويملك التّصرّف فيه على الوجه المعتبر ، وقد نفذ الإبراء لحصوله في ملك المديون قهراً ممّن كان يملكه عليه " - أي عند من لا يشترط القبول كما سبق - وأصرح منه قول عميرة : « إنّ صحّة الإبراء تتوقّف على سبق الملك " ومنه قول ابن مفلح من الحنابلة عقب حديث « لا طلاق ولا عتق فيما لا يملك » والإبراء في معناهما » . ويستفاد من تصريح الدّردير بعدم صحّة الهبة وسائر التّبرّعات في مال غيره أنّه يشترط عند المالكيّة سبق ملك المبرّئ لما أبرأ منه . بل صرّح الشّافعيّة أيضاً بضرورة استقرار الملك حيث علّل الماورديّ منهم عدم صحّة الإبراء عن بدل الصّرف قبل التّقابض بأنّه إبراء ممّا لم يستقرّ ملكه عليه . وهل يشترط علم المبرّئ بملكه ما يبرّئ منه ، أم يكفي تحقّق ملكه إيّاه في نفس الأمر ولو اعتقد عدمه ، كما لو كان للأب دين على شخص ، فأبرأه منه الابن وهو لا يعلم موت أبيه ، فبان ميّتاً ، أي فظهر أنّ الابن المبرّئ يملكه في الواقع ، فالحنفيّة والحنابلة على صحّته ، وقد صرّح الحنفيّة بأنّه يصحّ سواء اعتبر الإبراء إسقاطاً أو تمليكاً ، كما سبق ، أمّا الشّافعيّة فقد اختلفوا بين كون الإبراء إسقاطاً فيصحّ أو تمليكاً ، فلا يصحّ . ولم نعثر على تصريح للمالكيّة في هذه المسألة . الإبراء بعد سقوط الحقّ أو دفعه : 35 - الإبراء بعد قضاء الدّين صحيح ، لأنّ السّاقط بقضائه المطالبة ، لا أصل الدّين ، ولذا قالوا : الدّيّنان يلتقيان قصاصاً ( أي بطريق المقاصّة ) وذلك لأنّه تقضى الدّيون بأمثالها فتسقط مطالبة كلّ للآخر لانشغال ذمّة كلّ منهما بدين الآخر . فإذا أبرأ الدّائن المدين بعد القضاء كان للمدين الرّجوع بما أدّاه إذا أبرأه براءة إسقاط . أمّا إذا أبرأه براءة استيفاء فلا رجوع . ويعرف ذلك من الصّيغة على ما سبق بيانه في أقسام الإبراء . واختلفوا فيما إذا أطلق البراءة فاختار ابن عابدين من الحنفيّة أنّها تحمل على الاستيفاء لعدم فهم غيرها في عصره . وهذا يفيد أنّ المرجع في الإطلاق هو العرف . وعليه لو علّق طلاق المرأة بإبرائها له من المهر ثمّ دفعه لها ، لا يبطل التّعليق ، فإذا أبرأته براءة إسقاط صحّت ووقع الطّلاق ورجع عليها بما دفعه . ومثله ما لو تبرّع بقضاء دين عن إنسان ثمّ أبرأ الطّالب المطلوب على وجه الإسقاط فللمتبرّع أن يرجع عليه بما تبرّع به . وذهب الحنابلة فيما يشبه هذه الصّور إلى عدم الرّجوع حيث صرّحوا بأنّ الضّامن لو قضى الدّين ثمّ أبرأه عنه الغريم بعد قبضه لم يرجع على المضمون عنه ، وأنّه إن وهبه بعضه ففيه وجهان . ولم نعثر على رأي للمالكيّة والشّافعيّة في ذلك . ج - وجوب الحقّ ، أو وجود سببه : 36 - الأصل أن يقع الإبراء بعد وجوب الحقّ المبرّأ منه ، لأنّه لإسقاط ما في الذّمّة ، وذلك بعد انشغالها . ولكنّه قد يأتي قبل وجوب الحقّ ، وهنا إمّا أن يكون بعد وجود السّبب الّذي ينشأ به الوجوب ، وأمّا أن يكون قبله . والفقهاء متّفقون على عدم صحّة الإبراء قبل وجود السّبب ، فوجوده شرط للصّحّة متّفق عليه ، لأنّ ما لم يوجد سبب الاستحقاق فيه ساقط أصلاً بالكلّيّة ، فلا معنى لإسقاط ما هو ساقط فعلاً ، ويكون الإبراء منه مجرّد امتناع ، وهو غير ملزم ، لأنّه وعد ، وله الرّجوع عنه والمطالبة بما أبرأ منه ، على ما سبق . 37 - وأمّا بعد وجود السّبب ففي اشتراط وجوب الحقّ وحصوله فعلاً خلاف : فذهب الجمهور ( الحنفيّة ، والشّافعيّة في الأظهر ، والحنابلة ) إلى أنّه شرط ، فلا يصحّ الإبراء قبل الوجوب وإن انعقد السّبب ، واستدلّوا بحديث « لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك » . والإبراء في معناهما ، وقد اعتبروا ما لم يجب ساقطاً فلا معنًى لإسقاطه . وقد مثّل الحنفيّة لذلك بالإبراء عن نفقة الزّوجيّة قبل فرضها ( أي القضاء بتقديرها ) فلا يصحّ ، لأنّه إبراء قبل الوجوب - بالرّغم من وجود السّبب وهو الاحتباس - وإسقاط الشّيء قبل وجوبه لا يصحّ . ومن الأمثلة الدّقيقة الّتي أوردوها الإبراء في باب الغصب وفرّقوا في الحكم بين حالتين فيه تبعاً لوجوب ما تعلّق به الإبراء ، وذلك فيما لو أبرأ المالك الغاصب من العين المغصوبة فإنّه يبرّأ من ضمان ردّها ( أي تصبح لديه وديعةً ) لأنّ الإبراء تعلّق بضمان الرّدّ وهو حينئذ واجب . أمّا إن استهلكها الغاصب ، أو منعها من المالك بعد طلبها ، فلا أثر للإبراء ، ويضمن الغاصب قيمتها . فلم يتعلّق الإبراء بالقيمة لعدم وجوبها حال قيام العين . كما صرّحوا بعدم صحّة الإبراء عن الكفالة بالدّرك ( فيما لو تكفّل بأداء ما يموت فلان ولم يؤدّه ) لأنّ الكفالة عمّا يجب من مال بعد الموت ، والمال لم يجب للكفيل على الأصيل ، فلا يصحّ إبراؤه قبل الوجوب . ونحوه لو قال : أبرأتك عن ثمن ما تشتريه منّي غداً فلا يصحّ الإبراء أيضاً . ومثّل له الشّافعيّة بإبراء المفوّضة عن مهرها قبل الفرض ( التّقدير ) والدّخول ، ومثله الإبراء عن المتعة قبل الطّلاق ، لعدم الوجوب . واستثنوا صورةً يصحّ فيها الإبراء قبل الوجوب . وهي ما لو حفر بئراً في ملك غيره بلا إذن ، وأبرأه المالك من ذلك التّصرّف ، أو رضي ببقائها ، فإنّه يبرّأ حافرها ممّا يقع فيها . أمّا المالكيّة فقد اختلفوا في الاكتفاء بوجود السّبب ، وهو التّصرّف أو الواقعة الّتي ينشأ بها الحقّ المبرّأ منه ، ولو لم يجب الحقّ بعد ، وقد توسّع في ذلك الحطّاب في ( الالتزامات ) فعقد فصلاً لإسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وتعرّض للمسائل المشهورة ، وكرّر الإشارة للخلاف ، واستظهر الاكتفاء بالسّبب . وممّا قال : « إذا أبرأت الزّوجة زوجها من الصّداق في نكاح التّفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها ، فقال ابن شاس وابن الحاجب : يتخرّج ذلك على الإبراء ممّا جرى سبب وجوبه قبل حصول الوجوب ( وذكر عبارات شتّى في هذه المسألة من حيث النّظر إلى تقدّم سبب الوجوب أو حصول الوجوب ) ثمّ قال : فهو إسقاط للحقّ قبل وجوبه بعد سببه » . ثمّ أشار الحطّاب إلى مسألة إسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل فقال : في لزوم ذلك قولان : هل يلزمها ، لأنّ سبب وجوبها قد وجد ، أو لا يلزمها ، لأنّها لم تجب بعد ؟ قولان حكاهما ابن راشد القفصيّ " ثمّ قال آخر المسألة " والّذي تحصّل من هذا أنّ المرأة إذا أسقطت عن زوجها نفقة المستقبل لزمها ذلك على القول الرّاجح » . 38 - وقد صرّح الحنفيّة والحنابلة بأنّ العبرة في وجوب الحقّ المبرّأ منه إنّما هي للواقع ، لا للاعتقاد ، فلو أبرأه وهو يعتقد أن لا شيء عليه ، ثمّ تبيّن أنّه كان له عليه حقّ صحّ الإبراء ، لمصادفته الحقّ الواجب . ولم نعثر للمالكيّة على تصريح في هذه المسألة ، وكذلك الشّافعيّة سوى الاستئناس بما سبق في شرط ( سبق الملك ) من اكتفائهم بالواقع بناءً على أنّ الإبراء إسقاط ، أو عدمه بناءً على أنّه تمليك . كما صرّح الحنابلة بصحّة الإبراء قبل حلول الدّين ، وهو مستفاد من عبارات غيرهم ، لجعلهم متعلّق الإبراء هو الحقّ الواجب لا وقت وجوبه ، ولاعتبارهم الحلول والتّأجيل صفتين ، والإبراء يتّصل بأصل وجوب الحقّ لا بصفاته ، وقد صرّحوا بأنّ الإبراء هو لسقوط المطالبة مطلقاً ، فالحقّ يعتبر واجباً ولو تأخّر حقّ المطالبة به . موضوع الإبراء 39 - الإبراء إمّا أن يكون موضوعه ديناً في الذّمّة ، أو عيناً ( مالاً معيّناً ) أو حقّاً من الحقوق الّتي تقبل الإسقاط ، على ما سبق بيانه . ( الإبراء عن الدّين ) : 40 - اتّفق الفقهاء على أنّ الدّيون الثّابتة في الذّمم يجري فيها الإبراء ، للأدلّة السّابقة في بيان حكمه التّكليفيّ ، لأنّ الإبراء مداره إسقاط ما في الذّمم . ( الإبراء عن العين ) : 41 - الإبراء عن العين إمّا أن يكون عن دعوى العين ، أو عن العين نفسها ، وسيأتي الكلام عن الإبراء عن الدّعوى بصدد الحقوق . أمّا الإبراء عن العين نفسها بمعنى الإسقاط فهو غير صحيح اتّفاقاً ، لأنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط ، فلا توصف بالبراءة ، فإذا أطلق هذا التّعبير فالمراد الصّحيح منه الإبراء عن عهدتها أو دعواها والمطالبة بها ، كما صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ( أو هو ثبوت البراءة بالنّفي من الأصل ، أو بردّ العين إلى صاحبها في إبراء الاستيفاء الّذي عني به الحنفيّة ) أمّا المالكيّة فقد صرّحوا أنّ المراد سقوط الطّلب بقيمة العين إذا فوّتها المبرّأ وسقوط الطّلب برفع اليد عنها إن كانت قائمةً . وللحنفيّة هنا تفصيل بين الإبراء عن العين صراحةً ، وبين الإبراء عنها ضمناً ، أو من خلال الإبراء العامّ ، فإذا كان الإبراء ضمنيّاً كما لو جاء في عقد الصّلح ، فعلى جواب ظاهر الرّواية يصحّ الصّلح والإبراء ، ولا تسمع الدّعوى بعده ، لأنّ هذا بمعنى الإبراء عن دعوى العين لا عن العين نفسها . وعلى جواب الهداية لا يصحّ ، لأنّ الصّلح على بعض المدّعى به إسقاط للباقي ، فيكون بمعنى الإبراء عن العين مباشرةً . وإن كان الإبراء عامّاً فإنّه يشمل الأعيان وغيرها ، فالخلاف ليس في هذا . فما جاء في بعض كتب الحنفيّة كالفتاوى البزّازيّة من أنّ الإبراء متى لاقى عيناً لا يصحّ ، محمول ، كما قال ابن عابدين ، على أنّ المراد الإبراء المقيّد بالعين . ثمّ قال : ومعنى بطلان الإبراء عن الأعيان أنّها لا تصير ملكاً للمدّعى عليه ، وليس المراد أنّه يبقى على دعواه ، بل تسقط في الحكم . وبعبارة أخرى لابن عابدين : معناه أنّ للمبرّئ أخذ العين ما دامت قائمةً ، فلو هلكت سقط ( أي ضمانها ) لأنّها بالإبراء صارت وديعةً عنده ، أي أمانةً . وقد استثنى الحنفيّة من عدم تصحيح الإبراء عن العين نفسها ما لو كانت العين مضمونةً ، كالدّار المغصوبة ، فإنّ الإبراء عنها صحيح سواء أكانت هالكةً أم قائمةً ، لأنّ الهالكة كالدّين ، والقائمة يراد البراءة عن ضمانها لو هلكت ، فتصير بعد الإبراء كالوديعة ، والإبراء عن العين الّتي هي أمانة يصحّ قضاءً لا ديانةً . الإبراء عن الحقوق : 42 - الحقوق إمّا أن تكون حقّاً خالصاً للّه عزّ وجلّ ، أو حقّاً خالصاً للعبد ، أو أن يجتمع فيها حقّ اللّه وحقّ العبد مع غلبة أحدهما . وهي إمّا ماليّة كالكفالة ، أو غير ماليّة ، كحدّ القذف . والإبراء إمّا أن يكون موضوعه حقّاً بعينه ، أو جميع الحقوق ، بحسب الصّيغة ، كما لو قال : لا حقّ لي قبل فلان ، ونحو ذلك ، ممّا يقتضي العرف استيعابه جميع الحقوق ، على الرّاجح المصرّح به عند الحنفيّة والمالكيّة من اعتبار العرف وعدم التّفرقة بين الألفاظ المختلفة في الدّلالة بحسب الوضع اللّغويّ ، كما قيل من أنّ ( عند ) ( ومع ) للأمانات ، ( وعلى ) للدّيون ، على ما سبق . وقد توسّع المالكيّة في المراد بالحقوق الماليّة حتّى جعلوها تشمل " الدّيون والقرض والقراض والودائع والرّهون والميراث ، وكذلك الحقّ المترتّب على الإتلاف كالغرم للمال " وهو إطلاق اصطلاحيّ ليس خاصّاً بهم ، فقد صرّح الحنفيّة بأنّه لو قال : لا حقّ لي قبل فلان ، يدخل العين والدّين والكفالة والجناية . فالإبراء عن الحقوق الخالصة للعبد ، كالكفالة والحوالة ، صحيح بالاتّفاق بين الفقهاء . أمّا الحقوق الخالصة للّه عزّ وجلّ ، كحدّ الزّنى فلا يصحّ الإبراء عنها . والحكم كذلك في حدّ القذف بعد طلبه ، وحدّ السّرقة بعد الرّفع للحاكم . وأمّا الحقوق الّتي غلب فيها حقّ العبد ، كالتّعزير في قذف لا حدّ فيه ، فيصحّ الإبراء عنه . وفي ذلك تفصيل وخلاف موطنه الأبواب الّتي يفصّل فيها ذلك الحقّ . الإبراء عن حقّ الدّعوى : 43 - الإبراء عن الدّعوى إمّا أن يرد عامّاً أو خاصّاً ، وكذلك إمّا أن يحصل أصالةً أو تبعاً ، وبيانه فيما يلي : يكون الإبراء عن الدّعوى عامّاً مطلقاً إذا أسقط حقّه في المخاصمة من حيث هي تجاه شخص ما ، فهذا لا يجوز ، لأنّه يتناول الموجود وما لم يوجد بعد ، والإبراء عمّا لم يوجد سبب وجوبه باطل اتّفاقاً . ومن العامّ نسبيّاً الإبراء عن جميع الدّعاوى الّتي بينه وبين شخص إلى تاريخ الإبراء ، فهذا الإبراء صحيح ، ولا تسمع بعد ذلك دعواه بحقّ قبل الإبراء . والخاصّ ما كان عن دعوى شيء بعينه ، وهو الصّحيح اتّفاقاً ، ولا تسمع الدّعوى بعده عن تلك العين . وحقّق الشرنبلالي أنّه لا فرق في الإبراء عن دعوى العين في صورة التّغميم بين الإخبار والإنشاء ، خلافاً لمن أبطل إنشاء الإبراء عن جميع الدّعاوى ، وقصر الصّحّة على الإخبار أو الإبراء عن دعوى مخصوصة . هذا عن الدّعوى أصالةً . أمّا الإبراء عنها تبعاً فهو مال الإبراء عن العين إذ ينصرف إلى الإبراء عن ضمانها أو عن دعواها ، لأنّ الإبراء عن العين نفسها باطل ، وهي لا توصف بالبراءة على ما سبق . |
أنواع الإبراء : 44 - الإبراء على نوعين : عامّ وخاصّ . والعموم والخصوص هنا بالنّسبة لأصل الصّيغة كما سبق بيانه . أمّا العامّ فهو ما يبرّأ به عن كلّ عين ودين وحقّ ، وألفاظه كثيرة . وللعرف فيها مدخل ، على ما سبق . وقد صرّح الحنفيّة بتفصيل لفكرة العموم والخصوص لم نقف على مثله صريحاً عند غيرهم ، إذ قال الحنفيّة : يستوي في العموم أن يكون على سبيل الإخبار ، كما لو قال : هو بريء من حقّي وأن يكون على سبيل الإنشاء ، كقوله : أبرأتك من حقّي ، على ما بحثه الشرنبلالي الحنفيّ . أمّا الإبراء الخاصّ ، فله عدّة صور فيها عموم وخصوص تبعاً لموضوع الإبراء : أ - إبراء خاصّ بدين خاصّ ، كأبرأته من دين كذا ، أو بدين عامّ كأبرأته ممّا لي عليه . فيبرّأ عن الدّين الخاصّ في الصّورة الأولى وعن كلّ دين في الصّورة الثّانية ، دون التّعيّن . ب - إبراء خاصّ بعين خاصّة ، كأبرأته عن هذه الدّار ، أو بكلّ عين ، أو خاصّ بالأمانات دون المضمونات . ( ثمّ هذا الإبراء عن العين إمّا عنها نفسها وإمّا عن دعواها وهو ما على سبيل الإنشاء أو الإخبار ، وأثر هذا سبق بيانه في موضوع الإبراء ) . والإبراء يتّبع العموم والخصوص سواء كان في أصل الصّيغة أو في الموضوع ، فلا تسمع دعوى المدّعي المبرّئ فيما تناول الإبراء . فالإبراء العامّ يدخل فيه البراءة عن كلّ حقّ ، ولو غير ماليّ كالكفالة بالنّفس والقصاص وحدّ القذف . كما يدخل ما هو بدل عمّا هو مال كالثّمن ، والأجرة ، أو عمّا ليس بمال ، كالمهر وأرش الجناية ، وما هو مضمون كالمغصوب ، أو أمانة كالوديعة والعاريّة ، على ما حقّقه الشرنبلالي . شمول الإبراء من حيث الزّمن والمقدار : 45 - الإبراء لا يشمل ما بعد تاريخه من ديون أو حقوق ، وإنّما يقتصر على ما قبله ، فلا تسمع دعوى المبرّئ ، بعد إبرائه العامّ ، بشيء سابق لتاريخه ، وذلك للاتّفاق على اشتراط وجود سبب الاستحقاق لصحّة الإبراء على ما سبق . على أنّه إذا كان الإبراء خاصّاً بشيء معيّن فلا تسمع الدّعوى به أصلاً ، وهذا إذا ادّعاه لنفسه ، أمّا لو ادّعاه لغيره بوكالة أو وصاية فإنّ دعواه تسمع ، بخلاف ما لو أقرّ بعين لغيره ، فكما لا يملك أن يدّعيها لنفسه لا يملك أن يدّعيها لغيره بوكالة أو وصاية . ولا يشمل الإبراء ضمان الاستحقاق ، لعدم تناوله ذلك الضّمان الحادث بعد الاستحقاق وبعد الحكم بالرّجوع به ، وكلّ ذلك لا حقّ بعد الإبراء . وقد عبّر عن هذا الشّمول وحدوده قاضي خان في فتاواه بقوله : « البراءة السّابقة لا تعمل في الدّين اللاّحق » . وممّا صرّح به المالكيّة هنا أنّه لا تقبل دعوى المبرّئ أنّ الإبراء إنّما كان ممّا وقعت فيه الخصومة فقط ، وكذا إذا قال : ليس قصدي عموم الإبراء بل تعلّقه بشيء خاصّ ، وهو كذا ، فلا يقبل منه . وخالف في ذلك الحنابلة ، ففي ادّعاء استثناء بعض الدّين بقلبه يقبل ، ولخصمه تحليفه . ولا بدّ من الإثبات بالبيّنة أنّ الحقّ المدّعى به حصل بعد الإبراء لتقبل دعواه به ، كما لا تقبل دعواه الجهل بقدر المبرّأ منه إلاّ ببيّنة ، وكذلك دعوى النّسيان . أمّا الشّافعيّة فقد فصّلوا في الجهل بين ما إذا باشر سبب الدّين بنفسه ، أو روجع إليه عند السّبب فإنّه لا يقبل ، وإلاّ فيقبل ، وفي دعوى النّسيان يصدّق بيمينه . سريانه من حيث الأشخاص . 46 - للإبراء - عدا شموله الزّمنيّ - سريان لغير المبرّأ أحياناً . ومن أمثلته ما لو أبرأ البائع المشتري من بعض الثّمن ، فقد ذهب أبو حنيفة إلى أنّ الشّفيع يستفيد من ذلك الإبراء ، فيسقط عنه مقدار ما حطّه البائع عن المشتري . ونحوه مذهب مالك ، وهو أنّ الباقي بعد الإبراء إن كان يصلح ثمناً ( بأن كان الإبراء عن الأقلّ ) استفاد الشّفيع من الإبراء ، بخلاف ما لو كان الإبراء عن الأكثر ، فإنّه يأخذ بالثّمن المسمّى كلّه قبل الحطّ . وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ الإبراء يصحّ ولا يستفيد منه سوى المشتري ، أمّا الشّفيع فيأخذ بالثّمن كلّه أو يترك . ومن ذلك الكفالة ، فإنّ إبراء الأصيل يسري إلى الكفيل ، بخلاف ما لو أبرأ الكفيل فإنّه يبرّأ وحده ، لأنّ إبراءه إسقاط للوثيقة ، وهي لا تقتضي سقوط أصل الدّين ، وهذا إن أبرأه من الضّمان ، أمّا إن أبرأه من الدّين فينبغي على ما قال الرّمليّ الشّافعيّ براءة الأصيل ، لأنّ الدّين واحد ، وإنّما تعدّدت محالّه . وكذلك إن تكرّر الكفلاء وتتابعوا ، فإنّ إبراء غير الأصيل من الملتزمين يستفيد منه من بعده ، لأنّهم فرعه ، لا من قبله ، لأنّ الأصيل لا يبرّأ ببراءة فرعه . وفي الغصب إن أبرأ غاصب الغاصب برئ الأوّل أيضاً ، أمّا إن أبرأ الغاصب الأوّل فقط فلا يبرأ الثّاني . التّعليق والتّقييد والإضافة في الإبراء : 47 - من المقرّر أنّ التّعليق هو ربط وجود الشّيء بوجود غيره ، فهو مانع للانعقاد ما لم يحصل الشّرط . أمّا التّقييد فلا صلة له بالانعقاد ، بل هو لتعديل آثار العقد الأصليّة ويسمّى الاقتران بالشّرط . وأمّا الإضافة فهي لتأخير بدء الحكم إلى زمن مستقبل . وقد جاءت بعض الصّور المتشابهة مع اختلاف حكمها بسبب اعتبارها تعليقاً أو تقييداً للتّجوّز في تسميتها على الحالين تعليقاً على الشّرط نظراً لوجود الشّرط فيهما . أ - ( التّعليق على شرط ) : 48 - تعليق الإبراء إن كان على شرط كائن بالفعل فهو في حكم المنجز ، وإن كان على الموت ، فهو كالإضافة لما بعد الموت وسيأتي حكمها . وإن كان على شرط ملائم كقوله : إن كان لي عليك دين ، أو إن متّ ، فأنت بريء ، فهذا جائز اتّفاقاً . وقد احتجّ لجوازه بأنّ أبا اليسر الصّحابيّ قال لغريمه : إن وجدت قضاءً فاقض ، وإلاّ فأنت في حلّ ، ولم ينكر ذلك عليه . قال ابن مفلح : وهذا متّجه ، واختاره شيخنا ( يعني ابن تيميّة ) . وأمّا التّعليق على شرط من غير ما سبق فللفقهاء في حكم الإبراء المعلّق عليه آراء : أحدها : عدم الجواز ولو كان الشّرط متعارفاً عليه . وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، والرّواية المنصوصة عن أحمد ، لما في الإبراء من معنى التّمليك ، والتّعليق مشروع في الإسقاطات المحضة لا في التّمليكات ، فإنّها لا تقبل التّعليق . الثّاني : جواز التّعليق إذا كان الشّرط متعارفاً عليه ، وعدم الجواز في عكسه ، وهو رأي لبعض الحنفيّة . الثّالث : جواز التّعليق مطلقاً ، وهو مذهب المالكيّة ورواية عن أحمد ، وذلك لما في الإبراء من معنى الإسقاط . ب - ( التّقييد بالشّرط ) : 49 - أورد البابرتيّ من الحنفيّة ضابطاً للتّمييز بين ما فيه تقييد بالشّرط عمّا فيه تعليق عليه ، من جهة اللّفظ والمعنى ، أمّا اللّفظ فهو أنّ التّقييد بالشّرط لا تظهر فيه صورة الشّرط ( على غير ما ينبئ عنه اسمه ) فلا تأتي فيه أداة الشّرط ، ومثاله أن يقول : أبرأتك على أن تفعل كذا . . . أمّا التّعليق على الشّرط فتستعمل فيه أداة شرط كقوله : إن فعلت كذا فأنت بريء . وأمّا من حيث المعنى ففي التّقييد بالشّرط الحكم ثابت في الحال على عرضيّة الزّوال إن لم يوجد الشّرط ، وفي التّعليق : الحكم غير ثابت في الحال ، وهو بعرض أن يثبت عند وجود الشّرط . وقد فرّق بينهما الكاسانيّ بما هو أوجز قائلاً : التّعليق هو تعليق العقد ، والتّقييد هو تعليق الفسخ بالشّرط . وقد ذهب إلى صحّة تقييد الإبراء بالشّرط في الجملة الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة تبعاً لتفصيل كلّ مذهب بالنّسبة للحكم على الشّرط بالصّحّة ، على ما هو مفصّل في الكلام عن ( الشّرط ) . ج - ( الإضافة ) : 50 - صرّح الحنفيّة بأنّ إضافة الإبراء ( إلى غير الموت ) ، ولو إلى وقت معلوم ، تبطله . ولم نعثر على تصريح لغيرهم بقبول الإبراء للإضافة ، مع إفادة عبارات الفقهاء أنّ الأصل في الإبراء هو التّنجيز . على أنّه يستفاد منع إضافة الإبراء من تصريحهم بأنّ الإبراء للإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، والتّمليك لا يحتمل الإضافة للوقت . ولا نعلم خلافاً في تصحيح إضافة الإبراء إلى ما بعد الموت فقط ، لأنّه وصيّة بالإبراء . الإبراء بشرط أداء البعض : 51 - تأتي هذه المسألة على وجوه : إمّا أن تحصل مطلقةً عن الشّرط ، كأن يعترف له بدين في ذمّته ، فيقول الدّائن : قد أبرأتك من نصفه أو جزء معيّن منه ، فأعطني الباقي ، فالإبراء صحيح اتّفاقاً لأنّه منجز غير معلّق ولا مقيّد بشرط ، والمبرّئ متطوّع بإسقاط بعض حقّه بطيب من نفسه فذلك جائز . واستدلّ بالأحاديث في الوضع عن جابر ، وعن الّذي أصيب في حديقته ، وعن ابن أبي حدرد حيث قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكعب : « ضع الشّطر من دينك » . وإمّا أن يكون فيها الإبراء عن البعض معلّقاً على أداء الباقي ، وقد سبق حكم تعليق الإبراء . وإمّا أن يكون فيها الإبراء مقيّداً بشرط أداء الباقي ، مثل أن يقول من له على آخر ألف : أبرأتك عن خمسمائة ، بشرط أن تعطيني ما بقي . 52 - وللفقهاء في هذه الصّورة الأخيرة آراء : أحدها : الصّحّة مطلقاً ، وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، لأنّه استيفاء البعض وإبراء عن الباقي . واشترط الشّافعيّة الجمع بين لفظي الإبراء والصّلح ، ليكون من أنواع الصّلح ، ومع ذلك لا يحتاج لقبول نظراً للفظ الإبراء لكنّ الحنفيّة قالوا : إن لم يقيّد أداء البعض المعجّل بيوم معيّن ، برئ أعطاه الباقي أو لم يعط ، وإن قيّد أداء البعض ، المعجّل بيوم ، قائلاً له : إن لم تنقدني فيه فالمال على حاله ، ثمّ لم ينقده ، لم يبرأ ، فإن لم يذكر العبارة الأخيرة واكتفى بتحديد اليوم ، ففيه خلاف : فعند أبي حنيفة ومحمّد حكمه كما لو قالها ، وعند أبي يوسف : حكمه كالأوّل المطلق عن التّحديد . وذهب الحنابلة إلى عدم صحّة الإبراء المقيّد بشرط أداء البعض ، لأنّه إبراء عن بعض الحقّ لأنّه ما أبرأه عن بعض حقّه إلاّ ليوفّيه بقيّته ، فكأنّه عاوض بعض حقّه ببعض . هذا كلّه إن كان الشّرط أداء الباقي ، أمّا إن أبرأه عن البعض بشرط تعجيل الباقي فقد صرّح الشّافعيّة بأنّه غير صحيح لأنّه يشبه ربا الجاهليّة ، فإن عجّل ذلك البعض بغير شرط ، فأخذه منه وأبرأه ممّا بقي ، فإنّه يصحّ . الإبراء بعوض : 53 - تعرّض الشّافعيّة لمسألة بذل العوض على الإبراء فذهبوا إلى جواز ذلك ، كأن يعطيه ثوباً مثلاً في مقابلة الإبراء ممّا عليه من الدّين ، فيملك الدّائن العوض المبذول له بالإبراء ، ويبرأ المدين . وقالوا : أمّا لو أعطاه بعض الدّين على أن يبرّئه من الباقي ، فليس من التّعويض في شيء ، بل ما قبضه بعض حقّه ، والباقي في ذمّته لكنّهم صوّروا وقوع ذلك بالمواطأة منهما قبل العقد ، ثمّ دفع ذلك قبل البراءة أو بعدها ، فلو قال : أبرأتك على أن تعطيني كذا ، فقد قيل في ذلك بالبطلان . أمّا الحنفيّة فإنّهم يخرجون مسألة الإبراء على عوض ، على أنّها صلح بمال . ولم نعثر على رأي بقيّة المذاهب في ذلك ، ولعلّ ما جاء في مسألة الإبراء عن بعض الدّين بأداء بعضه يؤخذ منه حكمها إذا كان العوض من جنس الدّين ، فإن لم يكن كذلك فهي من التّقييد بالشّرط ، وقد سبق بيانه . الرّجوع عن الإبراء : 54 - قد يرجع المبرئ عن الإبراء بعد صدور الإيجاب فقط ، أو بعده وبعد القبول وعدم الرّدّ على ما سبق بيانه . ففي أثر هذا العدول رأيان للفقهاء : ذهب الحنفيّة والحنابلة - وهو قول للشّافعيّة - إلى أنّه لا يستفيد من رجوعه شيئاً ، لأنّ ما كان له سقط بالإبراء ، والسّاقط لا يعود ، ولا بقاء للدّين بعده ، فأشبه ما لو وهبه شيئاً فتلف . وذهب المالكيّة والشّافعيّة على القول الآخر إلى أنّه يفيد فيه الرّجوع ، وذلك تغليباً لمعنى التّمليك في الإبراء واشتراط القبول له ، حيث إنّ للموجب في عقود التّمليك أن يرجع عن إيجابه ما لم يتّصل به القبول . . . لكنّ النّوويّ اختار عدم الرّجوع ولو قيل : إنّه تمليك . وممّا يتّصل بالرّجوع ما صرّح به الحنفيّة من أنّ الإبراء لا تجري فيه الإقالة ، بناءً على أنّ الإبراء إسقاط ، فيسقط به الحقّ من الذّمّة ، ومتى سقط لا يعود ، طبقاً للقاعدة المعروفة ( السّاقط لا يعود ) . بطلان الإبراء وفساده : 55 - الإبراء إمّا أن يبطل أصالةً لتخلّف ركن من أركانه ، أو شرط من شروط تلك الأركان ، وإمّا أن يفسد لاقترانه بشرط مفسد على الخلاف في ذلك . وبيانه في ( البطلان والفساد ) . وإمّا أن يكون البطلان لتضمّن وهو أن يكون الإبراء ضمن عقد فيرتبط مصيره به ، فإذا بطل ذلك العقد بطل الإبراء . وقد ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يبطل الإبراء إذا بطل العقد الّذي تضمّنه ، وهذا إذا كان الإبراء خاصّاً بذلك العقد ، وبني عليه الإبراء - أو ، بتعبير الشّافعيّة : ارتبط به ، سواء أكان عقد بيع أم صلح ، لما عرف في القاعدة المشهورة : إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه ، أو : إذا بطل المتضمّن ( بكسر الميم ) بطل المتضمّن ( بالفتح ) . أمّا إذا كان الإبراء عامّاً عن كلّ حقّ ودعوى فلا يبطل ، وكذلك إذا كان الإبراء خاصّاً لكنّه لم يبن على العقد الفاسد ، بأن قال المبرئ : أبرأته عن تلك الدّعوى إبراءً غير داخل تحت الصّلح ، فإنّه لا يبطل الإبراء ببطلان الصّلح ، على ما حقّقه ابن عابدين . أثر الإبراء : 56 - يترتّب على الإبراء المستوفى أركانه وما يتّصل بها من شروط أن تبرأ ذمّة المدين المبرإ عمّا أبرئ منه بحسب الصّيغة عموماً أو خصوصاً . وبذلك يسقط عنه ولا يبقى للدّائن حقّ المطالبة ، فلا تسمع دعواه فيما تناوله الإبراء ، وذلك إلى حين وقوعه ، دون ما يحدث بعده ، فلا تقبل دعواه بحقّ مستنداً إلى نسيان أو جهل . ولا يقتصر تصوير الأثر المترتّب على الإبراء بسقوط الدّين أو الحقّ وعدم المطالبة ، بل قد يرافق ذلك أثر خاصّ مناسب لموضوع الإبراء . يتّضح من الأمثلة التّالية لمذهب أو آخر : ففي الرّهن مثلاً ينفكّ بالإبراء ، ويستردّه الرّاهن كما لو أدّى ما عليه ، أمّا إبراء المرتهن للجاني فلا أثر له ، لعدم صحّة الإبراء ، ومع هذا لا يسقط به حقّه من الوثيقة في الأصحّ عند الشّافعيّ . هذا وإنّ للإبراء من الأثر ما لقبض الحقّ المبرإ منه ، فمثلاً لو أحيل البائع بالثّمن على مدين للمشتري ثمّ أبرأ البائع المحال عليه من الدّين قبل الفسخ فإنّ ذلك كقبضه له في الأحكام من حيث إعادة المقبوض بسبب الفسخ ، فهنا للمشتري مطالبة البائع بمثل المحال به الّذي أبرئ منه . 57 - وقد استثنى الحنفيّة من الأثر التّبعيّ للإبراء ، وهو عدم سماع الدّعوى بعده ، المسائل التّالية : 1 - ادّعاء ضمان الدّرك في البيع السّابق للإبراء ، لأنّه وإن كان البيع متقدّماً على الإبراء ومشمولاً بأثره ، فإنّ ضمان الدّرك متأخّر عنه ، وهذا من قبيل الاستحسان . 2 - ظهور شيء من الحقوق للقاصر ، لم يكن يعلم به ، وذلك بعد أن بلغ فأبرأ وصيّه إبراءً عامّاً بأن أقرّ أنّه قبض تركة والده ولم يبق له حقّ منها إلاّ استوفاه ، فإن ادّعى في يد الوصيّ شيئاً من تركة أبيه وبرهن يقبل . 3 - ادّعاء الوصيّ على رجل ديناً للميّت بعد إقراره باستيفاء جميع ماله على النّاس . 4 - ادّعاء الوارث على رجل ديناً للمورّث بعد إقراره على النّحو السّابق . ووجه استثناء هذه الصّور أنّ موضوع الإبراء فيها قد اكتنفه خفاء يعذر به المبرئ في دعواه مع صدور الإبراء العامّ عنه ، كما أنّ الصّورتين الأخيرتين هما من إبراء الاستيفاء أي الإقرار بالبراءة . 58 - هذا ، وأنّ سقوط المبرإ منه - كأثر للإبراء - إنّما هو بالنّسبة للقضاء ، أي في الدّنيا ، أمّا الأثر الأخرويّ ، أي في الدّيانة ، فقد اختلف رأي الحنفيّة في سقوطه ، فقيل : تسقط به الدّعوى قضاءً لا ديانةً ، وقيل تسقط ديانةً أيضاً ، فقد صرّح ابن عابدين أنّه في الصّلح على بعض الدّين إنّما يبرأ عن باقيه في الحكم لا في الدّيانة ، فلو ظفر به أخذه . وأنّه في الإبراء العامّ مع جهل المبرإ منه يبرأ من الكلّ قضاءً ، أمّا في الآخرة فلا يبرأ إلاّ بقدر ما يظنّ أنّ له عليه . وللمالكيّة قولان في الأثر الأخرويّ للإبراء مع الإنكار . أوّلهما : وهو ما صرّح به ابن تيميّة أيضاً في استحلال الغاصب : أنّه يبرّأ ، فلا يؤاخذ بحقّ جحده وأبرأه صاحبه منه . ويتّصل بهذا الاتّجاه ما ذهب إليه الشّافعيّة في الإبراء من المجهول ( الّذي لم يصحّحوه ) من أنّه يبرّأ به في الآخرة ، لأنّ المبرّئ راض بذلك . والقول الآخر للمالكيّة : لا تسقط عنه مطالبة اللّه في الآخرة بحقّ خصمه . سماع الدّعوى بعد الإبراء العامّ : 59 - سبقت الإشارة إلى أنّ الأثر التّبعيّ للإبراء هو منع ذلك ، ولكن ذكر الحنفيّة التّفصيل التّالي الّذي لم نعثر لغيرهم على مثله : إن كان الإبراء العامّ عن الدّين فلا تسمع الدّعوى بعده إلاّ عن دين حادث بعد الإبراء . أمّا إن كان عن عين فلا تسمع الدّعوى بعده إذا كان المدّعى عليه منكراً كون العين للمدّعي لأنّه لم يتمسّك بالإبراء بل بالإنكار ، فيكون الإبراء من المدّعي موافقةً على ذلك الإنكار ، فإن كان المدّعى عليه مقرّاً بأنّ العين للمدّعي ، وقد تمسّك بالإبراء الصّادر عنه ، فإنّ العين إذا كانت قائمةً تسمع الدّعوى بها بعد الإبراء عنها . ( أمّا إن كانت هالكةً فهو إبراء عن ضمانها ، وذلك كالدّين ، فلا تسمع الدّعوى به بعد الإبراء . ) . أثر الإقرار بعد الإبراء 60 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة - على الظّاهر من كلام الحطّاب - إلى أنّه إذا أبرأ المدّعي المدّعى عليه المنكر من الدّين إبراءً عامّاً ، ثمّ أقرّ المبرّأ بالدّين للمدّعي لم يعتبر الإقرار ، لأنّ الدّين قد سقط بالإبراء ، والسّاقط لا يعود . وهناك اتّجاه ثان لبعض المالكيّة ، وهو الّذي أفتى به النّاصر اللّقانيّ وأخوه الشّمس اللّقانيّ أنّه يعمل به لأنّه بمنزلة إقرار جديد . واستثنى ابن نجيم من ذلك ما لو أقرّ لزوجته بمهرها بعد هبتها إيّاه له ، على ما هو المختار عند الفقيه أبي اللّيث ، فيجعل زيادةً إن قبلت ، والأشبه خلافه لعدم قصد الزّيادة . ويختلف أثر الإقرار أيضاً عند الحنفيّة في مسألة الإبراء من الدّين عن مسألة الإبراء من العين فيها لو أقرّ المبرّأ للمبرّئ بالعين بعد الإبراء سلّمها إليه ولا يمنع الإبراء من سماع الدّعوى للمبرّئ تصحيحاً للإقرار ، لتجدّد الملك في العين . إبراد التّعريف 1 - من معاني الإبراد في اللّغة : الدّخول في البرد ، والدّخول في آخر النّهار . وعند الفقهاء هو : تأخير الظّهر إلى وقت البرد . وقد يطلق الإبراد ويراد منه إمهال الذّبيحة حتّى تبرد قبل سلخها . ويبدأ الإبراد بالظّهر بانكسار حدة الحرّ ، وبحصول فيء ( ظلّ ) يمشي فيه المصلّي . وفي مقداره خلاف بين الفقهاء يذكر في أوقات الصّلاة . الحكم الإجماليّ : 2 - الإبراد رخصة ، وهو مستحبّ في صلاة الظّهر في شدّة الحرّ صيفاً في البلاد الحارّة لمريد الجماعة في المسجد باتّفاق ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « أبردوا بالصّلاة ، فإنّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم » . فإذا تخلّف أحد القيود السّابقة ففي استحباب الإبراد خلاف وتفصيل . ( مواطن البحث ) 3 - الإبراد بالظّهر ، وبأذانه ، وبالجمعة ، يذكر في الصّلاة ( أوقاتها ) . وإبراد الذّبيحة قبل السّلخ يذكر في الذّبائح . أبرص انظر : برص . إبريسم انظر : لباس . إبضاع التّعريف 1 - الإبضاع مصدر أبضع ، ومنه البضاعة . والبضاعة من معانيها القطعة من المال ، أو هي طائفة من المال تبعث للتّجارة . وأبضعه البضاعة أعطاه إيّاها . ويعرّف الفقهاء الإبضاع بأنّه بعث المال مع من يتّجر به تبرّعاً ، والرّبح كلّه لربّ المال . هذا والأصل أن يكون الإبضاع تبرّعاً من العامل . واعتبره المالكيّة إبضاعاً ولو كان بأجر . ويطلق الفقهاء لفظ البضاعة على المال المبعوث للاتّجار به ، والإبضاع على العقد ذاته ، وقد يطلقون البضاعة ويريدون بها العقد . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - القراض : ويسمّى عند أهل العراق المضاربة ، وهو دفع الرّجل ماله إلى آخر ليتّجر فيه ، على أن يكون للعامل جزء شائع من الرّبح . فالقراض شركة في الرّبح بين ربّ المال والعامل ، بينما الإبضاع لا يحمل صورة المشاركة ، بل صورة التّبرّع من العامل في التّجارة لربّ المال دون مقابل . القرض : وهو لغةً القطع . وعرّفه الفقهاء بأنّه دفع المال إرفاقاً لمن ينتفع به ويردّ بدله . وهو نوع من السّلف ، فيصحّ بلفظ قرض وسلف . الوكالة : وهي في اللّغة التّفويض . وعرّفها الفقهاء بأنّها إقامة الإنسان غيره مقام نفسه فيما يقبل الإنابة . والوكالة عامّة في كلّ ما تصحّ النّيابة فيه ، لكنّ الإبضاع قاصر على ما يدفعه ربّ المال للعامل ليتّجر فيه ، فهو وكيل في هذا فقط . صفة الإبضاع ( حكمه التّكليفيّ ) : 3 - الإبضاع عقد جائز لأنّه يتمّ على وجه لا غرر فيه . وإذا كانت المضاربة ، مع ما فيها من شبهة غرر ، جائزةً ، فمن باب أولى أن يقع الإبضاع جائزاً ، سواء أكان عقده مستقلّاً أم تابعاً لعقد المضاربة ، كأن دفع العامل المال بضاعةً لعامل آخر ، فهو عقد صحيح ، لأنّ الإبضاع سبيل لإنماء المال بلا أجر ، وهذا ممّا يرتضيه ربّ المال . حكمة تشريعه : 4 - الإبضاع من عادة التّجّار ، والحاجة قد تدعو إليه ، لأنّ ربّ المال قد لا يحسن البيع والشّراء ، أو لا يمكنه الخروج إلى السّوق ، وقد يكون له مال ولا يحسن التّجارة فيه ، وقد يحسن ولا يتفرّغ وقد لا تليق به التّجارة ، لكونه امرأةً ، أو ممّن يتغيّر بها ، فيوكّل غيره . وما الإبضاع إلاّ توكيل بلا جعل ، فهو حينئذ سبيل للمعروف وتآلف القلوب وتوثيق الرّوابط ، خصوصاً بين التّجّار . وكما أنّ عقد الإبضاع سبيل لإنماء مال ربّ المال ، فقد يكون سبيلاً لإنماء مال العامل المتبرّع ، وذلك إذا دخل العامل مع ربّ المال بالنّصف مثلاً ، كأن يقدّم ربّ المال ألفاً والعامل ألفاً ، ويكون الرّبح مناصفةً بينهما ، فالمشاركة هنا تزيد في رأس المال ، وبالتّالي تزيد الأرباح ، وفي ذلك ما فيه من مصلحة العامل . فيكون العامل هنا استخدم مال ربّ المال ، وهو النّصف ، وردّ له أرباحه متبرّعاً بعمله ، واستفاد هو من مشاركة مال ربّ المال في زيادة رأس ماله ، ومن ثمّ يزيد ربحه . صيغة الإبضاع : 5 - أجمع الفقهاء على اعتبار الصّيغة ، وهي الإيجاب والقبول ، ركناً في كلّ عقد . وتفصيل الكلام في ذلك يرجع إليه عند الكلام على العقد . وأمّا ما يتّصل بالإبضاع فإنّ الصّيغة اللّفظيّة قد تكون صريحةً بلفظ الإبضاع ، أو البضاعة ، وقد تكون غير صريحة ، كأن يقول : خذ هذا المال مضاربةً ، على أن يكون الرّبح كلّه لي . وهذه الصّورة محلّ خلاف بين الفقهاء . فذهب الحنابلة إلى أنّ هذا العقد لا يصحّ ، واعتبروا ذلك من باب التّناقض ، لأنّ قوله " مضاربةً " يقتضي الشّركة في الرّبح ، وقوله " الرّبح كلّه لي " يقتضي عدمها ، فتناقض قوله ، ففسدت المضاربة ، ولأنّه اشترط اختصاص أحدهما بالرّبح ، وهذا شرط يناقض العقد ففسد ، ولأنّ اللّفظ الصّريح في بابه لا يكون كنايةً في غيره ، فالمضاربة لا تنقلب إبضاعاً ولا قرضاً . وعلى هذا اعتبروا هذا العقد مضاربةً فاسدةً . وذهب الحنفيّة إلى أنّ هذا إبضاع صحيح ، لوجود معنى الإبضاع هنا ، فانصرف إليه ، كما لو قال : اتّجر به والرّبح كلّه لي ، وذلك لأنّ العبرة في العقود لمعانيها . والمالكيّة أجازوا اشتراط ربح القراض كلّه لربّ المال أو للعامل في مشهور مذهب مالك ، أو لغيرهما في المدوّنة ، لأنّه من باب التّبرّع ، لكنّهم لا يقولون كما قال الحنفيّة : إنّ العقد بهذه الصّورة إبضاع ، بل يقولون : إنّ إطلاق القراض عليه مجاز . ومن هنا يتبيّن أنّ المالكيّة رأيهم كرأي الحنفيّة وإن كانوا يخالفون في التّسمية . وعلى هذا فإنّ من اعتبر مثل هذا العقد صحيحاً فلا يرى أنّ العامل يستحقّ شيئاً بل هو متبرّع بالعمل . وأمّا من اعتبره فاسداً فيوجب له أجر المثل . وبعض الشّافعيّة اعتبر حال العامل ، فإن كان يجهل حكم الإبضاع وأنّه لا يوجب له أجراً ولا جزءاً من الرّبح فإنّهم يرون أنّ له أجر المثل . وينسب هذا الرّأي إلى ابن عبّاس . وجهل مثل هذا الحكم ممّا يعذر به بعض النّاس . |
ما يترتّب على الإبضاع بلفظ المضاربة : 6 - يذكر الحنابلة أنّ ربّ المال إذا قال للعامل : خذ هذا المال مضاربةً ولي ربحه كلّه ، لم يصحّ مضاربةً . ولا أجرة له على الصّحيح لأنّ العامل رضي بالعمل بغير عوض فأشبه ما لو أعانه في شيء ، وتوكّل له بغير جعل . الإبضاع بألفاظ أخرى : 7 - يتحقّق الإبضاع بعبارات تدلّ عليه ، ولو لم يصرّح بلفظ الإبضاع . منها قول ربّ المال : خذ هذا المال واتّجر فيه ، أو تصرّف فيه ، أو خذه والرّبح كلّه لي . فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العقد يكون إبضاعاً ، لأنّ اللّفظ في هذه الأحوال يحتمل القراض والقرض والإبضاع ، وقد قرن به حكم الإبضاع ، وهو أنّ الرّبح كلّه لربّ المال ، فينصرف إلى الإبضاع . وهو ما يفهم من قواعد الحنفيّة والمالكيّة . كما يتحقّق في صورة ما إذا دفع إليه ألفاً وقال : أضف إليه ألفاً من عندك ، واتّجر فيه ، والرّبح بيننا نصفان ، فإنّه يكون إبضاعاً على ما سبق ( ف 4 ) اجتماع الإبضاع والمضاربة : 8 - إذا دفع نصف المال بضاعةً ونصفه مضاربةً فقبض المضارب على ذلك فهو جائز ، والمال على ما سمّيا من المضاربة والإبضاع ، والخسارة على ربّ المال ، ونصف الرّبح لربّ المال ، ونصفه الآخر على ما شرطا ، لأنّ الشّيوع لا يمنع من العمل في المال مضاربةً وبضاعةً ، وجازت المضاربة والبضاعة . وإنّما كانت الخسارة على ربّ المال لأنّه لا ضمان على المبضع والمضارب في البضاعة والمضاربة ، وحصّة البضاعة من الرّبح لربّ المال خاصّةً لأنّ المبضع لا يستحقّ الرّبح . ( شروط الصّحّة ) : 9 - شروط صحّة الإبضاع لا تخرج في الجملة عمّا اشترط في صحّة المضاربة ما عدا الشّروط المتعلّقة بالرّبح ، ولكن يشترط في العامل أن يكون من أهل التّبرّع . وللتّفصيل يرجع إلى مصطلح ( مضاربة ) . من يملك إبضاع المال : 10 - الّذي يملك إبضاع المال : أ - المالك : للمالك أن يدفع المال للعامل بضاعةً ، وهذه هي الصّورة الأصليّة للإبضاع . ب - المضارب : للمضارب ( العامل ) أن يدفع المال بضاعةً لآخر ، لأنّ المقصود من عقد المضاربة الرّبح ، والإبضاع طريق إلى ذلك ، ولأنّه يملك الاستئجار ، فالإبضاع أولى ، لأنّ الاستئجار استعمال في المال بعوض ، والإبضاع استعمال فيه بغير عوض ، فكان أولى . والإبضاع يملكه المضارب لأنّه من توابع عقد المضاربة ، فلا يحتاج إلى إذن عند البعض على ما سيأتي . وجوازه للمضارب أولى من جواز التّوكيل بالبيع والشّراء والرّهن والارتهان والإجارة والإيداع وغير ذلك . ج - الشّريك : للشّريك أن يبضع من مال الشّركة ، على ما صرّح به الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في الصّحيح عندهم ، والشّافعيّة بشرط إذن الشّريك . الاعتبار الشّرعيّ للمبضع وتصرّفاته : 11 - المبضع أمين فيما يقبضه من ربّ المال ، لأنّ عقد الإبضاع عقد أمانة ، فلا ضمان عليه إلاّ بالإهمال أو التّعدّي . وهو وكيل ربّ المال في ماله ، ينوب عنه في تصرّفاته التّجاريّة من بيع وشراء ممّا فيه إنماء للمال ، على ما جرى به عرف التّجّار ، دون حاجة إلى إذن خاصّ . لكن لو أبضعه لآخر ليعمل فيه على سبيل الإبضاع ، فهذا الصّنيع يحتاج إلى إذن ربّ المال قياساً على المضاربة . وكذلك يحتاج إلى الإذن من ربّ المال ما كان خارجاً من الأعمال عن عادة التّجّار ، كالإقراض ، والتّبرّعات والصّدقات والهبات من رأس المال المخصّص لأغراض الإنماء والتّجارة . شراء المبضع المال لنفسه : 12 - إذا دفع ربّ المال المال للعامل بضاعةً ، فليس له أن يتّجر فيه لنفسه ، شأنه شأن المقارض ( المضارب ) ، فإنّ المال إنّما دفع للعامل في المضاربة والإبضاع على طلب الفضل فيه ، فليس للمضارب ولا للمبضع أن يجعلا ذلك لأنفسهما دون ربّ المال . وقد نصّ المالكيّة على أنّ المبضع ( العامل ) إذا ابتاع لنفسه أنّ صاحب المال مخيّر بين أن يأخذ ما ابتاع لنفسه ، أو يضمّنه رأس المال ، لأنّه إنّما دفع المال على النّيابة عنه وابتياع ما أمره به ، فكان أحقّ بما ابتاعه . وهذا إذا ظفر بالأمر قبل بيع ما ابتاعه ، فإن فات ما ابتاعه فإنّ ربحه لربّ المال ، وخسارته على المبضع معه . ومثله مذهب الشّافعيّة في تعدّي المبضع . ويؤخذ من مذهب الحنابلة أنّه إن ظهر ربح فهو لربّ المال ، وإن ظهرت خسارة فهي على العامل لتعدّيه . وقواعد الحنفيّة لا تأبى ذلك . تلف المال أو خسارته : 13 - عقد الإبضاع من عقود الأمانة كما تقدّم ، فلا ضمان على من في يده المال إن تلف ، أو خسر من غير تفريط ولا تعدّ ، فيسمع قوله فيما يدّعيه من هلاك أو خسارة . بل قالوا إنّه لا يضمن حتّى ولو قال ربّ المال : وعليك ضمانه ، لأنّ العقد يقتضي كونه أمانةً . والمرويّ عن صاحبي أبي حنيفة ، في شأن الأجير المشترك ، أنّه لا يقبل قوله في الهلاك إلاّ إذا كان هناك قرينة تدلّ على صدقه ، كالحريق الغالب ، واللّصّ الكاسر ، والعدوّ المكابر ، وقالا : إنّ ذلك هو الاستحسان ، لتغيّر أحوال النّاس ، وأفتى بذلك عمر وعليّ في شأن الصّنّاع . ومن المعلوم أنّ العين في يد الصّنّاع أمانة ، وكذلك هي في يد المبضع ، فلا يبعد قياسه عليه . اختلاف العامل وربّ المال : 14 - إذا اختلف ربّ المال والعامل فادّعى العامل أنّه أخذ المال مضاربةً ، وادّعى المالك أنّه بضاعة ، قال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة : القول قول المالك مع يمينه ، لأنّه منكر . ونصّ المالكيّة على أنّ عليه للعامل أجرة مثله ، إلاّ أن تكون أكثر من نصف ربح القراض ، فلا يعطي أكثر ممّا ادّعى . وبيّنوا أنّ فائدة كون القول قوله عدم غرامة الجزء الّذي ادّعاه العامل . وبيان ذلك أنّ ربّ المال تضمّنت دعواه أنّ العامل تبرّع له بالعمل ، وهو ينكر ذلك ويدّعي أنّه بأجرة مثله ، لأنّه ليس متبرّعاً . وإن نكل ربّ المال كان القول قول العامل مع يمينه إذا كان ممّا يستعمل مثله في القراض . ونقل عن بعض القرويّين : إن كان عرفهم أنّ للإبضاع أجراً فالأشبه أن يكون القول قول العامل . وعند الحنابلة احتمالان : أحدهما أن يكون القول قول العامل ، لأنّ عمله له ، فيكون القول قوله فيه . والثّاني : أن يتحالفا ، ويكون للعامل أقلّ الأمرين من نصيبه من الرّبح أو أجرة مثله ، لأنّه لا يدّعي أكثر من نصيبه من الرّبح ، فلا يستحقّ الزّيادة عليه . وإن كان الأقلّ أجر مثله فلم يثبت كونه قراضاً ، فيكون له أجر مثله ، والباقي لربّ المال ، لأنّ نماء ماله تبع له . واعتبر بعضهم هذا من تعارض البيّنتين ، فقال : إن أقام كلّ واحد منهما بيّنةً بدعواه تعارضا ، وقسّم بينهما نصفين . والصّحيح عندهم أنّه ليس من تعارض البيّنتين ، فيحلف كلّ منهما على إنكار ما ادّعاه خصمه ، ويكون للعامل أجر عمله . ولا يتأتّى عكس هذه الصّورة ، بأن يدّعي العامل الإبضاع وربّ المال القراض ، لاستحالة ذلك عادةً ، إلاّ أن يقصد منّته على ربّه . 15 - وإذا ادّعى العامل القراض ، وربّ المال الإبضاع بأجرة معلومة - وهو ما سمّاه المالكيّة إبضاعاً ، وجعله غيرهم من قبيل الإجارة - فالقول قول العامل مع يمينه ، ويأخذ الجزء ، لأنّ الاختلاف هنا في الجزء المشروط للمضارب من الرّبح ، والمصدّق عند الاختلاف في هذا الجزء المضارب . ولهذا إذا كانت الأجرة مثل الجزء الّذي ادّعاه في القراض فلا يمين ، لأنّهما قد اتّفقا في المعنى ، ولا يضرّ اختلافهما في اللّفظ . ولضبط هذه المسألة عند المالكيّة خمسة شروط : الأوّل : أن تكون المنازعة بعد العمل الموجب للزوم القراض . الثّاني : أن يكون مثله يعمل في قراض ، وأن يكون مثل المال يدفع قراضاً . الثّالث : أن يكون الجزء المدّعى اشتراطه من ربح القراض أزيد من الأجرة المدّعى الاتّفاق عليها . الرّابع : أن يشبه أن يقارض بما ادّعاه من نصف الرّبح مثلاً ، كأن تقوم قرائن على أنّ مثله لا يعمل إلاّ بمثل هذا الجزء من الرّبح . الخامس : ألاّ يطابق العرف دعوى ربّ المال . 16 - وإذا ادّعى العامل الإبضاع بأجر ، وربّ المال القراض بجزء معلوم من الرّبح ، فقد نصّ المالكيّة على أنّه إذا قال العامل : المال بيديّ بضاعة بأجر ، وقال ربّ المال : هو بيدك قراض بجزء معلوم ، فإنّ القول قول العامل . وتجري هنا الشّروط المذكورة في المسألة السّابقة . 17 - وإذا ادّعى العامل القراض وربّ المال الإبضاع ، وطلب كلّ منهما الرّبح له وحده ، فعند الحنابلة يحلف كلّ منهما على إنكار ما ادّعاه خصمه ، لأنّ كلّاً منهما منكر ما ادّعاه خصمه عليه ، والقول قول المنكر ، وللعامل أجر عمله فقط ، والباقي لربّ المال ، لأنّ نماء ماله تابع له . وعند الحنفيّة ، ومقتضى كلام المالكيّة على ما ذكروه في القراض - أنّ القول قول ربّ المال بيمينه ، والبيّنة بيّنة العامل ، لأنّه يدّعي عليه التّمليك ، والمالك ينكره . . انتهاء عقد الإبضاع : 18 - ينتهي عقد الإبضاع بما ينتهي به عقد المضاربة في الجملة ، ويمكن إجمال أسباب الانتهاء بالآتي : أ - انقضاء العقد الأصليّ أو المتبوع ، فإذا كان الإبضاع لمدّة محدّدة فينتهي بانتهاء المدّة ، وإن كان تابعاً لعقد آخر كالمضاربة فإنّه ينتهي بانتهائها . ب - الفسخ : سواء كان بعزل ربّ المال للعامل أو عزل العامل نفسه ، لأنّه عقد غير لازم من الجانبين . ج - الانفساخ : سواء كان بالموت ، أو زوال الأهليّة ، أو هلاك المحلّ . إبط التّعريف 1 - الإبط باطن المنكب . والجمع آباط . ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ الإبط عن معناه اللّغويّ . الحكم الإجماليّ : 2 - يختلف الحكم عند الفقهاء بحسب ما يتعلّق بالإبط من أمور ، فبالنّسبة لشعر الإبط تسنّ إزالته عند جمهور الفقهاء . ( مواطن البحث ) 3 - تذكر أحكام الإبط عند الفقهاء بحسب ما يتعلّق به ، كلّ في موضعه . فإزالة شعره تذكر في الطّهارة عند الكلام عن الغسل عند الحنفيّة ، وسنن الفطرة عند الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة . وظهور بياض الإبط في الدّعاء في مبحث صلاة الاستسقاء . وظهور بياض الإبط في إقامة الحدود في كتاب الحدود . وجعل الرّداء تحت الإبط الأيمن ، وإلقاؤه على الكتف الأيسر في مبحث الإحرام من الحجّ . إبطال 1 - الإبطال لغةً : إفساد الشّيء وإزالته ، حقّاً كان ذلك الشّيء أو باطلاً . قال اللّه تعالى { ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل } وشرعاً : الحكم على الشّيء بالبطلان ، سواء وجد صحيحاً ثمّ طرأ عليه سبب البطلان ، أو وجد وجوداً حسّيّاً لا شرعيّاً . فالأوّل كما لو انعقدت الصّلاة صحيحةً ثمّ طرأ عليها ما يبطلها ، والثّاني كما لو عقد على إحدى المحرّمات عليه على التّأبيد ، كما يستفاد من عبارات الفقهاء . ويأتي على ألسنة الفقهاء بمعنى الفسخ ، والإفساد ، والإزالة ، والنّقض ، والإسقاط ، لكنّه يختلف عن هذه الألفاظ من بعض الوجوه ، ويظهر ذلك عند مقارنته بها . والأصل في الإبطال أن يكون من الشّارع ، كما يحدث الإبطال ممّن قام بالفعل أو التّصرّف ، وقد يقع من الحاكم في الأمور الّتي سلّطه عليها الشّارع . ( الألفاظ ذات الصّلة ) أ - ( الإبطال والفسخ ) : 2 - يعبّر الفقهاء أحياناً في المسألة الواحدة تارةً بالإبطال ، وتارةً بالفسخ ، غير أنّ الإبطال يحدث أثناء قيام التّصرّف وبعده ، وكما يحصل في العقود والتّصرّفات يحدث في العبادة . أمّا الفسخ فإنّه يكون غالباً في العقود والتّصرّفات ، ويقلّ في العبادات ومنه فسخ الحجّ إلى العمرة ، وفسخ نيّة الفرض إلى النّفل ، ويكون في العقود قبل تمامها ، لأنّه فكّ ارتباط العقد أو التّصرّف . ب - ( الإبطال والإفساد ) : 3 - يأتي التّفريق بين الإبطال والإفساد تفريعاً على التّفرقة بين الباطل والفاسد . ويتّفق الفقهاء على أنّ الباطل والفاسد بمعنًى واحد في العبادات ، إن استثنينا الحجّ عند الشّافعيّة والحنابلة . وغير العبادة كذلك غالباً عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . أمّا الحنفيّة فإنّهم يفرّقون في أغلب العقود بين الفاسد والباطل ، فالباطل ما لا يكون مشروعاً لا بأصله ولا بوصفه ، والفاسد ما يكون مشروعاً بأصله دون وصفه . ولتفصيل ذلك ( ر : بطلان ، فساد . ) ج - ( الإبطال والإسقاط ) : 4 - الإسقاط فيه رفع لحقّ ثابت . وفي الإبطال منع لقيام الحقّ أو الالتزام . وقد يأتي كلّ من الإبطال والإسقاط بمعنًى واحد أحياناً في كلام الفقهاء ، كقولهم : الوقف لا يبطل بالإبطال ، وقولهم أسقطت الخيار أو أبطلته . ( الحكم الإجماليّ ) 5 - جمهور الفقهاء على أنّه لا يصحّ إبطال العبادة بعد الفراغ منها . وفي رأي للمالكيّة أنّ نيّة إبطال العبادة بعد الفراغ منها صحيح تبطلها . ويحرم إبطال الفرض بعد التّلبّس به دون عذر شرعيّ ، وكذلك النّفل عند الحنفيّة والمالكيّة . ويجب إعادته ، لقول اللّه سبحانه { ولا تبطلوا أعمالكم } . ويكره عند الشّافعيّ والحنابلة إبطال النّافل بعد الشّروع فيها ، عدا الحجّ والعمرة . أمّا فيهما فيحرم الإبطال عند الشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد . والرّواية الثّانية أنّهما كسائر التّطوّعات . ومثل الحجّ والعمرة عند الشّافعيّة الجهاد في سبيل اللّه . أمّا التّصرّفات اللاّزمة فلا يرد عليها الإبطال بعد نفاذها إلاّ برضا العاقدين ، كما في الإقالة . وفي العقود غير اللاّزمة من الجانبين لكلّ من العاقدين إبطالها متى شاء . وفي العقود اللاّزمة من جانب دون آخر ، يصحّ الإبطال ممّن العقد غير لازم في حقّه . والمراد هنا الإبطال بمعنى الفسخ . ( مواطن البحث ) 6 - أحكام الإبطال قبل الانعقاد تذكر في " بطلان " وبعده تذكر في " فسخ » . ولمّا كان الإبطال يعتري العبادات والتّصرّفات فإنّه يصعب سرد مواطنه تفصيلاً ، لذلك يرجع في كلّ عبادة إلى سبب إبطالها ، وفي العقود والتّصرّفات إلى موضعه من كلّ عقد أو تصرّف ، كما يفصّل الأصوليّون ذلك في كتبهم . أبطح التّعريف 1 - الأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى . والجمع الأباطح ، والبطائح والبطاح أيضاً على غير القياس . واختلف الفقهاء في تحديد المكان المسمّى بالأبطح من بين أماكن النّسك ، فقال الجمهور هو اسم لمكان متّسع بين مكّة ومنًى ، وهو إلى منًى أقرب . وهو اسم لما بين الجبلين إلى المقبرة ، ويقال له : الأبطح ، والبطاح ، وخيف بني كنانة ، ويسمّى أيضاً بالمحصّب . وقال بعض المالكيّة : هو مكان بأعلى مكّة تحت عقبة كداء وهو من المحصّب ، والمحصّب ما بين الجبلين إلى المقبرة . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - حكم النّزول في الأبطح ، وصلاة الظّهر والعصر والمغرب والعشاء فيه ، مستحبّ عند جميع علماء المذاهب الأربعة ، لثبوت نزول الرّسول صلى الله عليه وسلم وصلاته فيه ، واقتداء أبي بكر وعمر وعثمان به في ذلك . واتّفقوا على أنّ ترك النّزول فيه لا يؤثّر في النّسك بإفساد أو إيجاب دم . ويرى ابن عبّاس وعائشة رضي الله عنهما ، أنّه مكان نزل فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للرّاحة ، وليس من المناسك . ( مواطن البحث ) 3 - يفصّل الفقهاء ذلك في كتاب الحجّ في الكلام على النّفرة من منًى . أبكم التّعريف 1 - الأبكم صفة من البكم الّذي هو الخرس . وقيل : الأخرس : الّذي خلق لا ينطق ، والأبكم : الّذي له نطق ولا يعقل الجواب . والفقهاء في استعمالاتهم لا يفرّقون بين الأبكم والأخرس . القاعدة العامّة والحكم الإجماليّ : 2 - لمّا فقد الأخرس قدرة البيان باللّسان اكتفي منه بالنّيّة وتحريك اللّسان ، أو التّمتمة في العبادات ، كالصّلاة وقراءة القرآن والتّلبية . والمالكيّة يصحّ عندهم الاكتفاء بالنّيّة . هذا والفقهاء يفصّلون ذلك في الصّلاة والحجّ . أمّا في غير ذلك فيلزمه البيان في الجملة بالكتابة . ولا يعدل عنها إذا كان يجيدها . أمّا إذا كان غير كاتب فيكتفى منه بالإشارة المفهمة ، في مثل البيوع والمعاملات والشّهادات وغيرها . هذا والفقهاء يفصّلون ذلك في البيوع والنّكاح والمعاملات والشّهادات . أمّا في الحدود ، فلا يقبل إقراره على نفسه ، ولا شهادته على غيره ، على تفصيل للفقهاء في ذلك . لوجود الشّبهة الّتي تدرأ الحدود . وتفصيل ذلك في الحدود . ( مواطن البحث ) 3 - وهناك تفصيل في حكم الجناية على لسان الأبكم أو جنايته على لسان غيره ، يفصّله الفقهاء في مبحث الجناية على ما دون النّفس . ولهم تفصيل في اعتبار البكم عيباً في الرّقيق ، أو في النّكاح ، أو في القضاء والإمامة . إبل التّعريف 1 - الإبل : اسم جمع لا مفرد يقع على الواحد والجميع . والجمع آبال . وواحدها بعد النّحر يسمّى جزوراً . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - اختلف الفقهاء في نقض الوضوء من لحم الإبل ، فالجمهور على أنّه لا ينقض الوضوء بأكل لحمها . والحنابلة على أنّه ينقض الوضوء ، ولو كان اللّحم نيئاً . ( مواطن البحث ) 3 - يتعلّق بالإبل أمور كثيرة بحثها الفقهاء كلّاً في موضعه ، فمسألة الوضوء من أكل لحمها تطرّق إليه الفقهاء في الطّهارة عند الحديث عن نواقض الوضوء ، والصّلاة بمعاطنها بحث في الصّلاة عند الحديث عن شروطها . وأبوال الإبل وأرواثها يبحث عن طهارتهما في باب النّجاسات . والتّداوي بألبانها وأبوالها يبحث عنها في مصطلح ( تداوي ) . وزكاتها في الزّكاة عند الحديث عن زكاة الإبل والتّضحية بها وسنّ الثّني منها بحثت في الأضحيّة ، والهدي بها بحث في الحجّ عند الحديث عن الهدي ، وتذكيتها بحثت في الذّبائح وإعطاء الإبل في الدّية في الدّيات عند الحديث عن مقادير الدّيات ، وصفة الحرز فيها بحث في السّرقة عند الحديث عن بيان صفة الحرز ، والمسابقة بينها بحثت في السّبق والرّمي ، والإسهام لها في الغنيمة بحث في الجهاد ، ونحرها عقيقةً بحث في الأضحيّة عند الحديث عن العقيقة ، وغير ذلك من الأمور . إبلاغ انظر : تبليغ . ابن التّعريف 1 - المعنى الحقيقيّ للابن هو الصّلبيّ ، ولا يطلق على ابن الابن إلاّ تجوّزاً . والمراد بالصّلبيّ المباشر ، سواء كان لظهر أو لبطن . وإطلاق الابن على الابن من الرّضاعة مجاز أيضاً ، لكنّه إذا أطلق ينصرف للابن النّسبيّ المباشر ، ولا يطلق إلاّ على الذّكر . بخلاف " الولد " فإنّه يشمل الذّكر والأنثى . ومؤنّث الابن ابنة ، وفي لغة : بنت . والابن من الأناسيّ يجمع على بنين وأبناء ، أمّا غير الأناسيّ ممّا لا يعقل كابن مخاض وابن لبون ، فيقال في الجمع : بنات مخاض وبنات لبون . ويضاف الابن إلى لفظ من غير ما يدلّ على الأبوّة ، لملابسة بينهما ، نحو : ابن السّبيل . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ . وهو بالنّسبة للأب : كلّ ذكر ولد له على فراش صحيح ، أو بناءً على عقد نكاح فاسد ، أو وطء بشبهة معتبرة شرعاً ، أو ملك يمين . وبالنّسبة للأمّ : هو كلّ ذكر ولدته من نكاح أو سفاح . كذلك من أرضعت ذكراً صار ابناً لها من الرّضاع . الحكم الإجماليّ : 2 - الابن عاصب بنفسه ، وهو أولى العصبة ، ولذلك يقدّم على من عداه من العصبات . ويترتّب على ذلك ما يأتي : أنّه يرث تعصيباً : يأخذ جميع المال إذا انفرد ، ويأخذ الباقي بعد أخذ أصحاب الفروض ، ويعصب أخته ، وله معها مثل حظّ الأنثيين . ولا يحجب من الميراث أصلاً ، وإنّما يحجب غيره حجب حرمان ، أو حجب نقصان وهذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء . كما أنّه هو الّذي يرث الولاء دون البنت ، عند جميع الفقهاء . والابن دون البنت ممّن يتحمّل نصيبه من القسامة والدّية عند المالكيّة والحنفيّة ، وعند الحنابلة على رواية ، بدخوله في العاقلة . وعلى رأي أبي عليّ الطّبريّ من الشّافعيّة . وهذا على تفصيل يعرف في أبوابه . وللابن ولاية تزويج أمّه عند الجمهور . وتفصيل ذلك في باب الولاية . وفي تقديمه على البنت في نفقة الوالدين خلاف . ويخصّه بعض الفقهاء في العقيقة عنه بشاتين بينما يجعلون العقيقة عن البنت بشاة واحدة . هذا بالنّسبة للابن من النّسب . أمّا الابن من الرّضاع فإن أهمّ ما يتّصل به من أحكام هو : تحريم النّكاح ، وجواز الخلوة ، وعدم نقض الوضوء بالمسّ عند من يرى النّقض به ، وغير ذلك من الأحكام الخاصّة بالابن النّسبيّ . والابن من الزّنى نسبه لأمّه فقط ، لأنّه لا يلحق بالزّاني . والزّنى يفيد حرمة المصاهرة عند بعض الأئمّة ، على خلاف وتفصيل يرجع إليه في أحكام النّكاح ، فمثلاً تحرم بنت الزّاني على ذكر خلق من ماء زناه . ( مواطن البحث ) 3 - للابن أحكام متعدّدة مفصّلة في مواطنها من كتب الفقه ، ومن ذلك الإرث ، والنّكاح ، والرّضاع ، والنّفقة ، والحضانة ، والنّسب ، والزّنى ، والجنايات ، والعقيقة ، وغير ذلك . ابن الابن التّعريف 1 - ابن الابن هو المذكّر من أوّل فرع للابن في النّسب والرّضاع . وعند الإطلاق ينصرف للنّسب . ويقال له حفيد . ويطلق الابن على ابن الابن مجازاً . كما يطلق أيضاً على " ابن ابن الابن " وإن نزل . ولا يخرج مراد الفقهاء عن هذا المعنى اللّغويّ . إذا ثبت النّسب على وجه شرعيّ . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - ولد الابن : وهو أعمّ من ابن الابن إذ يشمل أيضاً بنت الابن . السّبط : وأكثر ما يستعمل لولد البنت ، ومنه قيل للحسن والحسين رضي الله عنهما : سبطا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وقد يقال لولد الولد سبط . |
( الحكم الإجماليّ ) 3 - أجمع الفقهاء على أنّ ابن الابن من العصبات ، وأنّه يحجبه الابن الأعلى ، ويحجب هو من دونه ، وأنّه يعصب من يحاذيه من أخواته وبنات أعمامه ، كما أنّه يعصب من فوقه من عمّاته إن لم يكن لهنّ من فرض البنات شيء . واختلف الفقهاء في مسألة ولاية ابن الابن لجدّته في النّكاح ، فالجمهور على أنّ له ولاية النّكاح ، وخالف في ذلك الشّافعيّة . ( مواطن البحث ) 4 - يفصّل الفقهاء أحكام ابن الابن بالنّسبة لكلّ مسألة فقهيّة في موضعها . فمسألة إرثه تذكر في باب الفرائض عند الكلام عن ميراث العصبات ، وعن الحجب ، ومسألة ولايته لجدّته في النّكاح تذكر في النّكاح عند الحديث عمّن يلي النّكاح ، وغير ذلك من المسائل المتعلّقة به ، ممّا يفصّله الفقهاء في أبوابه المعروفة . ابن الأخ التّعريف 1 - يطلق ابن الأخ لغةً واصطلاحاً على الذّكر من ولد الأخ ، سواء أكان الأخ شقيقاً أم لأب أم لأمّ أم رضاعاً . وعند الإطلاق ينصرف إلى النّسبيّ . ويطلق ابن الأخ على ابن ابن الأخ وإن نزل ، وذلك على سبيل المجاز . الحكم الإجماليّ : 2 - يحلّ ابن الأخ محلّ الأخ عند عدمه ، في الميراث ، إلاّ في خمسة أمور : الأوّل : أنّه لا يعصب أخته . والثّاني : أنّ الجدّ يحجب ابن الأخ بأنواعه ، لأنّه كالأخ ، وهم لا يرثون معه ، ولا يحجب الأخ لأبوين أو لأب عند أغلب الفقهاء . والثّالث : أنّ العدد منهم لا يحجب الأمّ من الثّلث إلى السّدس ، بخلاف الإخوة ، فإنّهم يحجبونها حجب نقصان . والرّابع : أنّ ابن الأخ لأمّ لا يرث باعتباره صاحب فرض ، ويرث الأخ لأمّ والخامس : أنّه لا يرث أبناء الإخوة لو فرضوا مكان الإخوة في المسألة المشتركة . ويتّفق الفقهاء على تقديم ابن الأخ لأبوين ، أو لأب ، على العمّ في الميراث ، وفي الوصيّة لأقرب الأقارب ، وولاية النّكاح ، والحضانة . ويقدّمون جميعاً الجدّ على ابن الأخ في الحضانة . وغير المالكيّة على هذا في الوصيّة لأقرب الأقارب ، وفي النّكاح . ويقدّم المالكيّة ابن الأخ ، لأبوين أو لأب ، على الجدّ في الوصيّة لأقرب الأقارب أو الأرحام ، وفي ولاية النّكاح . وليس لابن الأخ من الرّضاع أحكام تخصّه سوى تحريم عمّته عليه . ( مواطن البحث ) 3 - يتكلّم الفقهاء عن ابن الأخ أثناء الكلام عن الأقارب والأرحام في الزّكاة ( مصارفها أو قسم الصّدقات ) وفي الوقف والوصيّة للأرحام أو الأقارب ، وفي الهبة ( الاعتصار أو الرّجوع في الهبة ) ، وفي الميراث في العصبة ، وأصحاب الفروض وذوي الأرحام ، وفي النّكاح في ترتيب الأولياء ، وفي المحرّمات ، وفي الرّضاع ( ما يحرم على المرضع ) ، وفي الحضانة ، وفي القضاء ، وفي الشّهادة ( شهادة الأقارب ) والحكم لهم وعليهم ، وفي العتق ( من يعتق على الإنسان ) . ابن الأخت التّعريف 1 - ابن الأخت إمّا أن يكون نسباً أو رضاعاً . فابن الأخت من النّسب هو الولد الذّكر النّسبيّ للأخت النّسبيّة . وهو على ثلاثة أنواع : ابن أخت شقيقة ، وابن أخت لأب ، وابن أخت لأمّ . أمّا ابن الأخت رضاعاً فهو الولد الذّكر الّذي أرضعته الأخت النّسبيّة ، أو هو الولد الذّكر النّسبيّ للأخت من الرّضاع ، مع ملاحظة أنّ لفظ « ولد " يشمل الذّكر والأنثى ، ولفظ « ابن " لا يتناول إلاّ الذّكر . ( الحكم الإجماليّ ومواطن البحث ) : ابن الأخت من المحارم : 2 - اتّفق الفقهاء على أنّ ابن الأخت من أولي الأرحام المحارم ، فيسري عليه من الأحكام ما يسري على المحارم من تحريم النّكاح ، وإباحة الدّخول على النّساء ، والنّظر إليهنّ في حدود المباح ، والقطع في السّرقة . وتفصيل ذلك في مصطلح « محارم " ، وفي أبواب الحظر والإباحة ، والنّكاح ، من كتب الفقه . ابن الأخت من ذوي الأرحام : 3 - اتّفق الفقهاء على أنّ ابن الأخت من ذوي الأرحام - وهم الّذين يدلون في قرابتهم للشّخص بأنثى - ولهؤلاء أحكام خاصّة في الإرث ، والنّفقة ، وأحقّيّة الإمامة في الصّلاة على الجنازة ، والولاية ، وصلة الرّحم فصّلها الفقهاء في الأبواب المذكورة من كتب الفقه . وفي تقديم الخالة على الأب في حضانة ابن أختها خلاف تجده مفصّلاً في مبحث الحضانة من كتب الفقه . ابن البنت التّعريف 1 - ابن البنت إمّا أن يكون نسباً أو رضاعاً ، فابن البنت النّسبيّ هو الولد الذّكر النّسبيّ للبنت النّسبيّة . وابن البنت رضاعاً هو من حلّت فيه علاقة الرّضاع محلّ علاقة النّسب فيما سبق . وهو إمّا أن يكون الابن من الرّضاع للبنت من النّسب ، أو يكون الابن من النّسب للبنت من الرّضاع . أو يكون الابن الرّضاعيّ للبنت الرّضاعيّة . وعند الإطلاق ينصرف إلى ابن البنت من النّسب . 2 - اتّفق الفقهاء على عدم دخول ابن البنت في لفظ « أولادي " كقول الواقف : وقفت هذه الدّار على أولادي . واختلفوا في دخوله في ألفاظ " أولاد أولادي " " ونسلي " " وعقبي " " وذرّيّتي » . وقد تناول الفقهاء ذلك بالتّفصيل في كتاب الوقف عند حديثهم عن الموقوف عليه . ( الحكم الإجماليّ ومواطن البحث ) : 3 - اتّفق الفقهاء على ابن البنت من المحارم ، وأنّه يسري عليه من الأحكام ما يسري على سائر المحارم ، من تحريم نكاحه لجدّته ، كما نصّ على ذلك الفقهاء في كتاب النّكاح عند كلامهم على المحرّمات ، ومن جواز مخالطته لجدّته ، ومرافقتها له في السّفر ، كما نصّ على ذلك الفقهاء في الحجّ ، وفي كتاب الحظر والإباحة ، ومن جواز نظره إلى مثل الرّأس والذّراع ، وما ليس بعورة منها بالنّسبة إليه ، كما نصّ على ذلك الفقهاء في باب العورة ، ويشاركه في هذه الأحكام ابن البنت من الرّضاع . 4 - اتّفق الفقهاء كذلك على أنّ ابن البنت من ذوي الأرحام ، وهم الّذين يدلون في قرابتهم للشّخص بأنثى . وهؤلاء - وابن البنت منهم - لهم أحكام خاصّة في الميراث وغيره من الأحكام الدّائرة بين ابن البنت والجدّ أو الجدّة ، كالولاية ، والحضانة ، والنّفقة ، والرّجوع في الهبة ، وفي الجناية . وتفصيل ذلك في مصطلح « أرحام " ويفصّله الفقهاء في المواطن السّابق ذكرها . ابن الخال التّعريف . 1 - ابن الخال هو ابن أخي الأمّ . وهو إمّا أن يكون ابن خال من النّسب ، أو من الرّضاع . فالأوّل هو الولد الذّكر الصّلبيّ النّسبيّ لأخي الأمّ من النّسب ، وهو المراد عند الإطلاق . والثّاني هو الولد الذّكر لأخي الأمّ بعلاقة الرّضاع ، مع ملاحظة أنّ لفظ « ولد " يطلق على الذّكر والأنثى ، أمّا لفظ « ابن " فإنّه لا يطلق إلاّ على الذّكر . ( الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث ) : 2 - اتّفق الفقهاء على أنّ ابن الخال من الرّحم غير المحرّمة ، وأنّه يسري عليه من الأحكام ما يسري على غير المحارم ، من جواز النّكاح في حقّه ، ومنع الخلوة به للأنثى ، وعدم وجوب النّفقة عليه إلاّ إذا كان وارثاً ، وغير ذلك . ويشاركه في أكثر هذه الأحكام ابن الخال من الرّضاع . ويفصّل الكلام على ذلك في مصطلح « محارم " ، ويفصّل الفقهاء هذه الأحكام في أبواب النّكاح ، وغيره . 3 - كما اتّفقوا على أنّ ابن الخال من ذوي الأرحام . وهم الّذين يدلون في قرابتهم للمرء بأنثى . ولهؤلاء أحكام خاصّة في الميراث ، ذكرها الفقهاء في كتاب المواريث ، وفي إمامة صلاة الجنازة على الرّحم الميّت ، وفي صلة الرّحم . وقد ذكرها الفقهاء في كتاب الجنائز ، وفي الولاية ، وقد ذكرها الفقهاء في النّكاح عند حديثهم على اشتراط الوليّ لنكاح المرأة . وتجد ذلك كلّه مفصّلاً في مصطلح « أرحام » . . ابن الخالة التّعريف 1 - ابن الخالة إمّا أن يكون نسباً أو رضاعاً . فابن الخالة نسباً هو الولد الذّكر النّسبيّ لأخت الأمّ من النّسب . وابن الخالة رضاعاً عندما تحلّ علاقة الرّضاع محلّ علاقة النّسب فيما سبق . ويلاحظ أنّ لفظ ولد يشمل الذّكر والأنثى ، أمّا لفظ ابن فلا يتناول إلاّ الذّكر . ( الحكم الإجماليّ ومواطن البحث ) : 2 - اتّفق الفقهاء على أنّ ابن الخالة هو من أولي الأرحام غير المحارم ، فيسري عليه من الأحكام ما يسري عليهم ، من وجوب الصّلة ، وجواز التّناكح ، ومنع الخلوة بهم ، وعدم وجوب النّفقة عليه إن لم يكن وارثاً ، وغير ذلك . ويشاركه في أكثر الأحكام ابن الخالة من الرّضاع . وتفصيل الكلام على ذلك في بحث " أرحام " وفصّل الفقهاء ذلك في أبواب النّكاح والنّفقة . 3 - كما اتّفقوا على أنّ ابن الخالة من ذوي الأرحام - وهم الّذين يدلون في قرابتهم للمرء بأنثى - ولهؤلاء أحكام خاصّة في الميراث ذكرها الفقهاء في كتاب المواريث ، وفي إمامة صلاة الجنازة على الرّحم الميّت ، وقد ذكرها الفقهاء في كتاب الجنائز ، وفي الولاية ، وقد ذكرها الفقهاء في النّكاح عند حديثهم على اشتراط الوليّ لنكاح المرأة . وتجد ذلك كلّه مفصّلاً في مصطلح « أرحام » . ابن السّبيل التّعريف 1 - السّبيل الطّريق . وابن السّبيل المسافر الّذي انقطع به الطّريق - وأوسع ما قيل في تعريفه الاصطلاحيّ أنّه : المنقطع عن ماله سواء كان خارج وطنه أو بوطنه أو مارّاً به . وقد زاد بعضهم قيوداً في التّعريف ترجع إلى شروط اعتباره مصرفاً من مصارف الزّكاة . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - اتّفق الفقهاء على أنّ ابن السّبيل إذا أراد الرّجوع إلى بلده ولم يجد ما يتبلّغ به يعطى من الزّكاة والغنيمة والفيء حسب حاجته ، ولا يحلّ له ما زاد عن ذلك . والأولى له عند الحنفيّة أن يستقرض إن تيسّر له ذلك . وأوجبه المالكيّة إذا لم يكن فقيراً في بلده . وخالف في هذا الحنابلة والشّافعيّة في المعتمد ، حيث لا يقولون بوجوب الاستقراض ولا بأولويّته . ( مواطن البحث ) 3 - يفصّل الفقهاء ذلك في مصارف الزّكاة والفيء وقسمة الغنيمة . ابن العمّ التّعريف 1 - ابن العمّ لغةً هو الذّكر من أولاد أخي الأب في النّسب أو الرّضاع . وعند الإطلاق ينصرف إلى ابن العمّ النّسبيّ . وهو عند الفقهاء كذلك . وهو إمّا ابن عمّ شقيق أو لأب أو لأمّ . الحكم الإجماليّ : 2 - ابن العمّ ، شقيقاً كان أو لأب ، عاصب بنفسه ، يرث جميع المال إذا انفرد ولم يكن عاصب أولى منه ، والباقي بعد أصحاب الفروض . وهذا محلّ اتّفاق . أمّا ابن العمّ لأمّ فهو من ذوي الأرحام ، وهو يرث غالباً بهذه الصّفة ، على اختلاف عند المتقدّمين والمتأخّرين من الفقهاء في التّوريث ، وفي كيفيّته . وابن العمّ العاصب له حقّ ولاية تزويج أولاد عمّه ، إذا لم يوجد من هو أولى منه . وله أيضاً حقّ استيفاء القصاص إن كان وارثاً . وهذا متّفق عليه . ومن يورّث ابن العمّ لأمّ - لتوريثه ذوي الأرحام - يثبت له هذا الحقّ باعتباره وارثاً ، لكن لا حقّ لابن العمّ مطلقاً في ولاية المال . ويثبت لابن العمّ العاصب باتّفاق حقّ حضانة ابن عمّه الذّكر إذا لم يوجد من النّساء من يستحقّ الحضانة ، ولا من الرّجال من هو أولى منه . أمّا بالنّسبة للأنثى فهو غير محرم لها ، فإذا كانت مشتهاةً فلا تدفع إليه إلاّ إذا كانت محرّمةً عليه برضاع أو غيره . ومثله عند المالكيّة خاصّةً ابن العمّ لأمّ فيثبتون له هذا الحقّ ، بل إنّهم يقدّمونه على الّذي للأب . ( مواطن البحث ) 3 - لابن العمّ أحكام متعدّدة يذكرها الفقهاء مفصّلةً بأحكام مسائلها في مواطنها ومن ذلك : النّكاح والحضانة والنّفقة والزّكاة والإرث والحجر والقصاص ، وغير ذلك . ابن العمّة التّعريف 1 - ابن العمّة إمّا أن يكون نسبيّاً أو رضاعيّاً . فابن العمّة من النّسب هو الولد الذّكر النّسبيّ للعمّة النّسبيّة ، سواء كانت هذه العمّة أخت الأب لأبيه وأمّه ، أو لأبيه ، أو لأمّه . أمّا ابن العمّة من الرّضاع : فهو ابن أخت الأب الرّضاعيّ . وعند الإطلاق ينصرف إلى النّسبيّ . ( الحكم الإجماليّ ومواطن البحث ) : 2 - وقد اتّفق الفقهاء على أنّ ابن العمّة من ذوي الأرحام غير المحارم ، ويسري عليه من الأحكام ما يسري عليهم من الصّلة ، وجواز زواجه من ابنة خاله ، ومن عدم وجوب النّفقة عليه إن لم يكن وارثاً ، على خلاف وتفصيل ، وفي الميراث ، وفي إمامة صلاة الجنازة ، وفي الولاية ، وتفصيل ذلك كلّه في مصطلح « أرحام » . وذكره الفقهاء في أبواب : الميراث ، وصلاة الجنازة ، والنّكاح ، والنّفقة . ابن اللّبون التّعريف 1 - ابن اللّبون : ولد النّاقة الذّكر استكمل سنته الثّانية وطعن في الثّالثة ، سمّي بذلك لأنّ أمّه تكون قد ولدت غيره فصار لها لبن . ولا يخرج استعمال الفقهاء للكلمة عن هذا المعنى . ( الحكم الإجماليّ ومواطن البحث ) : 2 - تكلّم الفقهاء على إجزاء ابن اللّبون في الزّكاة والدّية في الزّكاة : اتّفق الفقهاء عدا الحنفيّة ، على أنّ ابن اللّبون يحلّ محلّ بنت المخاض عند فقدها ، لأنّ الأصل فيما يؤخذ في زكاة الإبل الإناث ، ويجوز في بعض المذاهب حلول الذّكر الأعلى سنّاً محلّ الأنثى الواجبة . وقال الحنفيّة : لا يحلّ محلّها ، بل يصار إلى القيمة . في الدّية : اتّفقت المذاهب الأربعة على أنّ ابن اللّبون لا يكون من أصناف الدّية المغلّظة ، ومنع الحنفيّة والحنابلة أخذه في الدّية المخفّفة أيضاً . وقال الشّافعيّة والمالكيّة : يدفع في الدّية المخفّفة ويكون من أصنافها . ابن مخاض التّعريف 1 - ابن المخاض : ولد النّاقة إذا دخل في السّنة الثّانية . سمّي بذلك لأنّ أمّه قد لحقت بالمخاض ، أي الحوامل . وإن لم تكن حاملاً . ولا يخرج استعمال الفقهاء للكلمة عن هذا المعنى . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - اتّفقت المذاهب على أنّ الأصل عدم إجزاء ابن المخاض في الزّكاة . ولكنّ الحنفيّة أجازوا أخذه فيها بالقيمة الكائنة لبنت المخاض ، لأنّ القيمة تجزئ عندهم في كلّ أصناف الزّكاة . أمّا في الدّية فيجوز أن يدخل في أصناف الدّية المخفّفة عند الحنفيّة والحنابلة وفي رأي للشّافعيّة . أمّا عند المالكيّة ، وهو الرّاجح عند الشّافعيّة ، فلا يجوز ذلك . واتّفقوا على أنّه لا يدخل في أصناف الدّية المغلّظة . أبنة التّعريف 1 - أصل الأبنة في اللّغة العقدة . ومن إطلاقاتها المتعدّدة في اللّغة والعرف أنّها نوع من الأمراض الّتي تحدث في باطن الدّبر يجعل صاحبه يشتهي أن يفعل به الفعل المحرّم ، وهو فعل قوم لوط عليه السلام . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا الإطلاق . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - من أصيب بهذا الدّاء يفترض عليه مجاهدة نفسه والامتناع عن دواعيه . فإن وقع في هذا المحرّم أجريت عليه أحكام اللّواط . ومن رمى به غيره تطبّق عليه أحكام القذف حدّاً أو تعزيراً . ( مواطن البحث ) 3 - يتكلّم الفقهاء عن الأبنة في الاقتداء في باب صلاة الجماعة ( بطلان الاقتداء ) ، وفي الخيار ( خيار النّقيصة ) وفي القذف ، وفي اللّواطة الوارد ذكرها في كتاب الحدود . إبهام التّعريف 1 - يرد لفظ « إبهام " في اللّغة بمعنيين : الأوّل : اسم للإصبع الكبرى المتطرّفة في اليد والقدم ، وهي الإصبع الّتي تلي السّبّابة . والثّاني : أن يبقى الشّيء لا يعرف الطّريق إليه . وعلى هذا فالكلام المبهم هو الكلام الّذي لا يعرف له وجه يؤتى منه . وهو عند الفقهاء والأصوليّين لا يخرج عن المعنى اللّغويّ في الجملة ، فقد جعله بعض الأصوليّين لفظاً شاملاً للخفيّ والمشكل والمجمل والمتشابه بينما جعله البعض الآخر مرادفاً للفظ « مجمل » . وسيأتي تفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ من الموسوعة . أمّا المقارنة بين لفظ « إبهام » « وجهالة وغرر وشبهة » ... وغيرها ، فموطن تفصيله عند الكلام عن « جهالة » .\ ( الحكم الإجماليّ ومواطن البحث ) 2 - الإبهام قد يقع في كلام الشّارع ، وعندئذ يكون الكلام إمّا خفيّاً أو مشكلاً أو مجملاً أو متشابهاً ، وسيأتي تفصيل ذلك كلّه في الملحق الأصوليّ . وقد يقع في كلام النّاس ، كقول الرّجل : امرأتي طالق ، مع أنّ له عدّة نساء ، دون أن يبيّن الّتي يطلّقها منهنّ . 3 - وإذا وقع الإبهام ( بمعنى الغموض ) في العقود ، كان العقد فاسداً في الجملة . أمّا إذا وقع في غير العقود وجب البيان ، إمّا بنصّ من المبهم ، وإمّا بالقرعة فيما تشرع فيه ، عند بعض الفقهاء ، كمن طلّق إحدى نسائه ومات ولم يبيّن يقرع بينهنّ لمعرفة من تستحقّ الميراث ومن لا تستحقّ . ويفصّل الفقهاء ذلك في أبوابه بحسب محلّ الإبهام كالنّكاح والطّلاق والإقرار والبيوع والوصيّة . وأمّا الإبهام بمعنى الإصبع فإنّ الجناية عليها عمداً توجب القصاص ، وخطأً توجب عشر الدّية . وتفصيل ذلك في الجنايات والدّيات . أبوان التّعريف 1 - أبوان تثنية أب ، على الحقيقة ، كما تقول لزيد وعمرو : هذان أبواكما ، أو على المجاز ، كما في قول اللّه تعالى حاكياً عن يعقوب من قوله ليوسف { ويتمّ نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمّها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق } فإنّ إبراهيم وإسحاق جدّان ليوسف . وقد يطلق " الأبوان " على " الأب والأمّ " على سبيل التّغليب ، وهذا أكثر الاستعمالات شيوعاً ، وإليه ينصرف اللّفظ عند الإطلاق . 2 - الحكم الإجماليّ ومواطن البحث : ويستعمل لفظ « الأبوين " في كلام الفقهاء على طريقة استعماله عند أهل اللّغة ، دون فرق . فلو استعمل هذا اللّفظ في صيغة وصيّة أو وقف ، أو أمان ، أو قذف ، أو غير ذلك ، ينصرف إلى الأب والأمّ عند الإطلاق . فإن قامت قرينة مقاليّة على إرادة المجاز ، كأن يقول : أوصيت لأبويك فلان وفلان ، لجدّه وعمّه ، انصرف إلى ذلك ، وكذا لو قامت قرينة حاليّة ، كأن لم يكن له أب وأمّ ، ولكن جدّ وجدّة . ولمعرفة سائر أحوال الأبوين ( ر : أب . أمّ ) . اتّباع التّعريف 1 - يأتي الاتّباع في اللّغة بمعنى السّير وراء الغير وبمعنى الائتمام والائتمار والعمل بكلام الغير ، وبمعنى المطالبة ، وغير ذلك من المعاني . وفي الاصطلاح هو الرّجوع إلى قول ثبتت عليه حجّة ، كما أطلقه الفقهاء على المعاني اللّغويّة المذكورة آنفاً في بعض الأبواب ، وبنوا عليها أحكاماً . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - التّقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة . والاتّباع هو الرّجوع إلى قول ثبتت عليه حجّة ، وهو في الفعل : الإتيان بالمثل صورةً وصفةً ، وفي القول : الامتثال على الوجه الّذي اقتضاه القول . والاقتداء هو التّأسّي ، اقتدى به إذا فعل مثل فعله تأسّياً . والقدوة : الأصل الّذي تتشعّب منه الفروع . ( الحكم الإجماليّ ) 3 - يختلف الحكم التّكليفيّ للاتّباع ، فقد يكون واجباً ، وذلك فيما كان طاعةً للّه سبحانه وتعالى ، مطلوبةً على سبيل الوجوب كاتّباع الشّريعة ، واتّباع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في أمور الدّين . ولا خلاف في وجوب ذلك على جميع الأمّة سواء في ذلك مجتهدهم ومقلّدهم . 4 - أمّا أفعال النّبيّ صلى الله عليه وسلم الجبلّيّة ، فالاتّفاق على أنّ الحكم في اتّباعها بالنّسبة للأمّة الإباحة ، وأنّ ما بيّنه صلى الله عليه وسلم يأخذ حكم المبيّن . إن وجوباً فوجوب ، وإن ندباً فندب . وأمّا ما جهل حكمه من الأفعال فإن ظهر فيه قصد القربة فحكمه النّدب ، وإلاّ فحكم اتّباع الأمّة له فيه مذاهب : الوجوب وهو مذهب مالك ، والنّدب وهو مذهب الشّافعيّ ، والإباحة وهو الصّحيح عند أكثر الحنفيّة . وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ . 5 - أمّا اتّباع غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم فمن المقرّر أنّ المجتهد فيه هو كلّ حكم شرعيّ ليس فيه دليل قطعيّ ، فلا يجوز الاجتهاد في وجوب الصّلاة ونحوها من الفرائض المجمع عليها ، ولا فيما اتّفقت عليه الأمّة من جليّات الشّرع الثّابتة بالأدلّة القطعيّة . وعلى ذلك فالمكلّف إن كان عالماً قد بلغ رتبة الاجتهاد ، واجتهد في المسألة ، وأدّاه اجتهاده إلى حكم من الأحكام ، فلا خلاف في امتناع اتّباعه لغيره في خلاف ما أدّاه إليه اجتهاده ، وإن لم يكن قد اجتهد فيها ففي جواز اتّباعه لغيره من المجتهدين خلاف . أمّا العامّيّ ومن ليس له أهليّة الاجتهاد فإنّه يلزمه اتّباع المجتهدين عند المحقّقين من الأصوليّين . وينظر تفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ . 6 - كذلك يجب اتّباع أولي الأمر وهم الأئمّة ، ولا خلاف في وجوب طاعتهم في غير معصية . وكذلك يجب اتّباع المأموم للإمام في الصّلاة باتّفاق . 7 - وقد يكون الاتّباع مندوباً وذلك كاتّباع الجنازة وقد يكون الاتّباع محرماً ، وذلك كاتّباع الهوى . أمّا الاتّباع بمعنى المطالبة بالدّين ، فهذا حقّ من الحقوق الّتي تثبت للدّائن على المدين ، فمن كان له دين على آخر فله حقّ اتّباعه به ، أو اتّباع الكفيل إن وجد والاعتبار هنا للدّين الّذي يتعلّق بالذّمّة ، وقد يتعلّق الدّين بالعين فتتّبع به . ( مواطن البحث ) 8 - للاتّباع أحكام كثيرة مفصّلة في مواطنها ، من ذلك مبحث الاجتهاد والتّقليد عند الأصوليّين ، ومباحث صلاة الجماعة ، وحمل الميّت في باب صلاة الجنازة ، والإمامة في كتب الأحكام السّلطانيّة ، وكذلك في الحجر والرّهن الوديعة والكفالة عند الفقهاء . اتّجار انظر : تجارة . اتّحاد الجنس والنّوع التّعريف 1 - الجنس لغةً الضّرب من كلّ شيء ، وهو أعمّ من النّوع . والنّوع لغةً الصّنف ، وهو أخصّ من الجنس . والاتّحاد امتزاج الشّيئين واختلاطهما حتّى يصيرا شيئاً واحداً . ولا يخرج استعمال الفقهاء للجنس والنّوع والاتّحاد عن المعنى اللّغويّ ، لكنّهم يختلفون في معنى اتّحاد الجنس . فهو عند الحنفيّة اتّحاد الاسم الخاصّ واتّحاد المقصود . ويقصد به المالكيّة استواء المنفعة أو تقاربها . وقال الشّافعيّة هو أن يجمع البدلين اسم خاصّ ، فالقمح والشّعير جنسان لا جنس واحد . ولا عبرة بالاسم الطّارئ ، كالدّقيق ، الّذي يطلق على طحين كلّ منهما ومع ذلك يعتبران جنسين . وعرّفه الحنابلة باشتراك الأنواع في أصل واحد وإن اختلفت المقاصد . وقد يختلف المراد بالجنس عند بعض الفقهاء من موضع لآخر ، فالذّهب والفضّة جنسان في البيوع عند المالكيّة ، جنس واحد في الزّكاة ، فالمجانسة العينيّة لا تعتبر في الزّكاة عندهم ، وإنّما يكتفى فيها بتقارب المنفعة . واتّحاد الجنس جزء علّة عند الحنفيّة في تحريم بيع الرّبويّ بمثله ، لأنّ العلّة عندهم جزءان هما الجنس والقدر . والقدر : هو الوزن أو الكيل . أمّا عند غيرهم فهو شرط . |
( الحكم الإجماليّ ) 2 - اتّحاد الجنس شرط لصحّة أداء الواجب في الزّكاة ، ومقيّد لبعض التّصرّفات ، فعند اتّحاد جنس النّصاب في زكاة غير الإبل يرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه يجزئ الخارج من النّصاب فما فوقه عنه ، فإن اختلف جنس الخارج عن جنس النّصاب فلا يجزئ . وقال الحنفيّة بجواز إخراج القيمة ، اتّحد الجنس أو اختلف . وفي بيع الرّبويّ بربويّ مثله إن اتّحد جنس العوضين حرم التّفاضل باتّفاق وبطل البيع ، وصحّ مع التّماثل إذا كان يداً بيد . ولا يختلف اتّحاد النّوع عن اتّحاد الجنس في الرّبويّات ، أمّا في الزّكاة فيجوز إخراج نوع عن آخر لاتّحاد الجنس . ( مواطن البحث ) 3 - يتكلّم الفقهاء عن اتّحاد الجنس في الزّكاة ( زكاة المواشي والزّروع والأثمان ) وفي الحجّ ( اتّحاد الفدية ) وفي الرّبا وفي السّلم وفي المقاصّة وفي الدّعوى ( مسألة الظّفر ) . اتّحاد الحكم التّعريف الاتّحاد لغةً : صيرورة الشّيئين شيئاً واحداً . وهو كذلك في الاصطلاح . والحكم : خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التّخيير أو الوضع . ويتناول الأصوليّون اتّحاد الحكم في موضعين : الأوّل عند ورود اللّفظ مطلقاً في مكان ، ومقيّداً في آخر . والثّاني عند الكلام على اتّحاد الحكم مع تعدّد العلّة . أمّا الأوّل فينظر القول فيه تحت عنوان ( اتّحاد السّبب ) . وأمّا الثّاني وهو اتّحاد الحكم مع تعدّد العلّة ، فقد جوّز الجمهور التّعليل للحكم الواحد بعلّتين فأكثر ، قالوا : لأنّ العلل الشّرعيّة أمارات ، ولا مانع من اجتماع علامات على الشّيء الواحد . وادّعوا وقوعه ، كما في اللّمس والمسّ والبول مثلاً ، يمنع كلّ منها الصّلاة . وجوّزه ابن فورك والرّازيّ في العلّة المنصوصة دون المستنبطة ، لأنّ الأوصاف المستنبطة الصّالح كلّ منها للعلّيّة يجوز أن يكون مجموعها هو العلّة عند الشّارع . ورأى صاحب جمع الجوامع القطع بامتناعه عقلاً . وانظر التّفصيل في الملحق الأصوليّ . اتّحاد السّبب التّعريف 1 - السّبب في اللّغة اسم للحبل ، ولما يتوصّل به إلى المقصود . والاتّحاد صيرورة الشّيئين شيئاً واحداً . والواحد إمّا أن يكون واحداً بالجنس كالحيوان ، أو واحداً بالنّوع كالإنسان ، أو واحداً بالشّخص كزيد . ويعرّف الفقهاء والأصوليّون السّبب بأنّه الوصف الظّاهر المنضبط الّذي أضاف الشّارع إليه الحكم ، ويلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته . ( الألفاظ ذات الصّلة ) أ - ( السّبب والعلّة ) : 2 - اختلف العلماء في العلاقة بين السّبب والعلّة ، فقيل هما مترادفان ، فالتّعريف السّابق صالح لهما . ولا تشترط في أيّ منهما المناسبة . وعلى ذلك نجري في هذا البحث . وقيل : إنّهما متباينان ، فالسّبب ما كان موصّلاً للحكم دون تأثير ( أي مناسبة ) ، كزوال الشّمس ، هو سبب وجوب صلاة الظّهر ، والعلّة ما أوصلت مع التّأثير ، كالإتلاف لوجوب الضّمان . وقيل : بينهما عموم وخصوص مطلق ، فكلّ علّة سبب ، ولا عكس . واتّحاد السّبب هو تماثل الأسباب لأكثر من حكم أو تشابهها أو كونها واحداً . ب - ( الاتّحاد والتّداخل ) : 3 - التّداخل : ترتّب أثر واحد على شيئين مختلفين ، كتداخل الكفّارات والعدد . فبين اتّحاد الأسباب وتداخلها عموم وخصوص وجهيّ ، يجتمعان في نحو تعدّد بعض الجنايات المتماثلة ، كتكرار السّرقة بالنّسبة للقطع ، فالأسباب واحدة وتداخلت . وينفرد التّداخل في الأسباب المختلفة الّتي يترتّب عليها مسبّب واحد ، كحدّ القذف والشّرب عند بعض الفقهاء . وينفرد الاتّحاد في نحو الإتلافين يجب فيهما ضمانان ، وإن اتّحدا سبباً . ( الحكم الإجماليّ ) 4 - إذا ورد المطلق والقيد ، واختلف حكمهما ، كما إذا قال : أطعم فقيراً ، واكس فقيراً تميميّاً ، لم يحمل المطلق على المقيّد . ونقل الغزاليّ عن أكثر الشّافعيّة الحمل عند اتّحاد السّبب ، ومثّل له باليد ، أطلقت في آية التّيمّم في قوله { فتيمّموا صعيداً طيّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } وقيّدت في آية الوضوء بالغاية إلى المرافق في قوله تعالى { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } فذهب الشّافعيّ في الجديد إلى أنّها تمسح في التّيمّم إلى المرافق . وإن اتّحد الحكم مع اتّحاد السّبب ، فإن كانا منفيّين عمل بهما اتّفاقاً ، ولا يحمل أحدهما على الآخر ، لأنّه لا تعارض ، لإمكان العمل بهما ، كما تقول في الظّهار : لا تعتق مكاتباً ، ولا تعتق مكاتباً كافراً ، فإنّه يمكن العمل بالكفّ عنهما . وإن كانا مثبتين ( أي في حال اتّحاد الحكم مع اتّحاد السّبب ) حمل المطلق على المقيّد مطلقاً ، عند الشّافعيّة ومن وافقهم ، أي سواء تقدّم أو تأخّر أو جهل الحال وإنّما حملوه عليه جمعاً بين الدّليلين . وقيل إن وردا معاً حمل المطلق على المقيّد لأنّ السّبب الواحد لا يوجب المتنافيين ، والمعيّة قرينة البيان ، كقوله تعالى { فصيام ثلاثة أيّام } مع القراءة الشّاذّة الّتي اشتهرت عن ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيّام متتابعات فمن ذلك أخذ الحنفيّة وجوب التّتابع في صيام كفّارة اليمين . وإن علم تأخّر المقيّد فهو ناسخ للمطلق نسخاً جزئيّاً ، وقيل يحمل المقيّد على المطلق بأن يلغى القيد . وقوع حكمين بعلّة واحدة : 5 - المختار جواز وقوع حكمين بعلّة واحدة ، إثباتاً ، كالسّرقة للقطع والغرم حين يتلف المسروق - عند من يرى الجمع بين القطع والضّمان - أو نفياً ، كالقتل علّة للحرمان من الإرث والوصيّة . وقيل يمتنع تعليل حكمين بعلّة بناءً على اشتراط المناسبة فيها ، لأنّ مناسبتها لحكم تحصّل المقصود منها ، فلو ناسبت آخر لزم تحصيل الحاصل . وأجيب بمنع ذلك . والقول الثّالث في هذه المسألة أنّه يجوز تعليل حكمين بعلّة واحدة إن لم يتضادّا بخلاف ما إذا تضادّا ، كالتّأبيد لصحّة البيع وبطلان الإجارة . ( مواطن البحث ) 6 - يذكر الفقهاء اتّحاد السّبب - أو اتّحاد العلّة - في الطّهارة في الوضوء ، والغسل ، وفي الصّوم ( كفّارة الصّيام ) وفي الإحرام ( محرّماته ) وفي الإقرار ( تكرار الإقرار ) وفي الحدود ( تكرار القذف ، والزّنى ، والشّرب ، والسّرقة ) وفي الأيمان ( كفّارة اليمين ) وفي الجنايات على النّفس وما دونها . وعند الأصوليّين يذكر اتّحاد السّبب في المطلق والمقيّد . وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ . اتّحاد العلّة انظر : اتّحاد السّبب . اتّحاد المجلس التّعريف 1 - الاتّحاد لغةً : صيرورة الذّاتين واحدةً ، ولا يكون إلاّ في العدد من اثنين فصاعداً ، والمجلس هو موضع الجلوس . ويراد به المجلس الواحد عند الفقهاء ، وبالإضافة إلى ذلك يستعمله الحنفيّة دون غيرهم بمعنى تداخل متفرّقات المجلس . وليس المراد بالمجلس موضع الجلوس ، بل هو أعمّ من ذلك ، فقد يحصل اتّحاد المجلس مع الوقوف ، ومع تغاير المكان والهيئة . 2 - والأصل إضافة الأحكام إلى أسبابها ، كقولهم كفّارة اليمين أو سجدة السّهو ، وقد يترك ذلك وتضاف إلى غير الأسباب ، كالمجلس للضّرورة ، كما في سجدة التّلاوة إذا تكرّرت في مجلس واحد ، أو للعرف ، كما في الأقارير ، أو لدفع الضّرر كما في الإيجاب والقبول . واتّحاد المجلس يؤثّر في بعض الأحكام منفرداً ، وأحياناً لا يؤثّر إلاّ مع غيره ، وذلك نحو اشتراط اتّحاد النّوع مع اتّحاد المجلس في تداخل فدية محظورات الإحرام . واتّحاد المجلس في العقود وغيرها على قسمين : حقيقيّ بأن يكون القبول في مجلس الإيجاب ، وحكميّ إذا تفرّق مجلس القبول عن مجلس الإيجاب كما في الكتابة والمراسلة ، فيتّحدان حكماً . واتّحاد المجلس في الحجّ يراد به اتّحاد المكان ولو تغيّرت الحال ، وفي تجديد الوضوء عدم تخلّل زمن طويل ، أو عدم الفصل بأداء قربة ، كما تدلّ على ذلك عبارات الفقهاء في الوضوء والحجّ . اتّحاد المجلس في العبادات : 3 - تجديد الوضوء مع اتّحاد المجلس : تكلّم بعض الحنفيّة والشّافعيّة في تجديد الوضوء مع اتّحاد المجلس ، ولهم في ذلك ثلاثة آراء : الأوّل : الكراهة في المجلس الواحد ، للإسراف ، وهو ما نقل عن بعض الحنفيّة ، وهو وجه للشّافعيّة - ووصفوه بالغرابة - إذا وصله بالوضوء الأوّل ولم يمض بين الوضوء والتّجديد زمن يقع بمثله تفريق . لأنّهم اعتبروه بمثابة غسلة رابعة الثّاني : استحباب التّجديد مرّةً واحدةً مطلقاً ، تبدّل المجلس أم لا ، وهو قول عبد الغنيّ النّابلسيّ من الحنفيّة ، لحديث : « من توضّأ على طهر كتب له عشر حسنات » . الثّالث : الكراهة إذا تكرّر مراراً في المجلس الواحد ، وانتفاؤها إذا أعاده مرّةً واحدةً وهو ما وفّق به صاحب النّهر بين ما جاء في التتارخانية وما في السّراج من كتب الحنفيّة . هذا وأغلب الفقهاء على أنّه يسنّ تجديد الوضوء لكلّ صلاة ، ولم ينظروا إلى اتّحاد المجلس أو تعدّده ، وذلك للحديث السّابق . تكرّر القيء في مجلس واحد 4 - لو قاء المتوضّئ متفرّقاً بحيث لو جمع صار ملء الفم فإن اتّحد المجلس والسّبب انتقض وضوءه عند الحنفيّة ، وإن اتّحد السّبب فقط انتقض عند محمّد ، وإن اتّحد المجلس دون السّبب انتقض عند أبي يوسف ، لأنّ المجلس يجمع متفرّقاته . ولم يشارك الحنفيّة في نقض الوضوء بالقيء إلاّ الحنابلة ، لكنّهم لم ينظروا إلى اتّحاد السّبب أو المجلس ، بل راعوا قلّة القيء وكثرته ، تكرّر السّبب والمجلس أو لا . سجود التّلاوة في المجلس الواحد : 5 - اتّفق الفقهاء على أنّ القارئ يسجد للتّلاوة عند قراءة أو سماع آية السّجدة ، أمّا إذا تكرّرت قراءتها فإنّ المالكيّة والحنابلة على أنّ القارئ يسجد كلّما مرّت به آية سجدة ولو كرّرها ، لتعدّد السّبب ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة . ولا يتكرّر السّجود عند الحنفيّة إن اتّحد المجلس والآية ، حتّى ولو اجتمع سببا الوجوب ، وهما التّلاوة والسّماع ، بأن تلاها ثمّ سمعها أو بالعكس ، أو تكرّر أحدهما . وهو أحد قولين للشّافعيّة إن لم يسجد للأولى . ومن تكرّر مجلسه من سامع أو تال تكرّر الوجوب عليه . اختلاف المجلس وأنواعه : 6 - ما له حكم المكان الواحد كالمسجد والبيت لا ينقطع فيه المجلس بالانتقال إلاّ إن اقترن بعمل أجنبيّ كالأكل والعمل الكثيرين ، والبيع والشّراء بين القراءتين . واختلاف المجلس على نوعين : حقيقيّ ، بأن ينتقل من المكان إلى آخر بأكثر من خطوتين كما في كثير من الكتب أو بأكثر من ثلاث كما في المحيط . وحكميّ ، وذلك بمباشرة عمل يعدّ في العرف قاطعاً لما قبله ، هذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ، أمّا غيرهم فالعبرة عندهم بالسّبب اتّحاداً وتعدّداً لا للمجلس . سجود السّامع : 7 - لا فرق بين القارئ والسّامع عند الحنفيّة في سجود التّلاوة ، ويأخذ المستمع لا السّامع حكم القارئ عند الشّافعيّة والحنابلة لقول ابن عمر : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السّورة في غير الصّلاة فيسجد ونسجد معه » وربط المالكيّة سجود المستمع الّذي جلس للثّواب والأجر والتّعليم بسجود القارئ ، فلا يسجد إن لم يسجد القارئ ، فإن سجد فحكى ابن شعبان في ذلك قولين . الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم مع اتّحاد المجلس 8 - للفقهاء آراء عديدة في حكم الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم كلّما ذكر في غير الصّلاة . ويتعلّق بالمجلس منها ثلاثة آراء : الأوّل : أنّها تجب كلّما ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم ولو اتّحد المجلس ، وبه قال جمع منهم الطّحاويّ من الحنفيّة ، والطّرطوشيّ ، وابن العربيّ ، والفاكهانيّ من المالكيّة ، وأبو عبد اللّه الحليميّ وأبو حامد الإسفرايينيّ من الشّافعيّة ، وابن بطّة من الحنابلة ، لحديث « من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ فدخل النّار فأبعده اللّه » . الثّاني : وجوب الصّلاة مرّةً في كلّ مجلس ، وهو ما صحّحه النّسفيّ في الكافي حيث قال في باب التّلاوة : وهو كمن سمع اسمه مراراً ، لم تلزمه الصّلاة إلاّ مرّةً ، في الصّحيح ، لأنّ تكرار اسمه صلى الله عليه وسلم لحفظ سنّته الّتي بها قوام الشّريعة ، فلو وجبت الصّلاة بكلّ مرّة لأفضى إلى الحرج . وهو قول أبي عبد اللّه الحليميّ إن كان السّامع غافلاً فيكفيه مرّة في آخر المجلس . الثّالث : ندب التّكرار في المجلس الواحد ، ذكره ابن عابدين في تحصيله لآراء فقهاء الحنفيّة . وبقيّة الفقهاء لا ينظرون إلى اتّحاد المجلس ، فمنهم من يقول : إنّها واجبة في العمر مرّةً ، ومنهم من يقول بالنّدب مطلقاً اتّحد المجلس أم اختلف . وتفصيل ذلك يذكر في مبحث الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم . ما يشترط فيه اتّحاد المجلس : أوّلاً - ما يتمّ به التّعاقد في الجملة : 9 - ويراد به عند فقهاء الحنفيّة : ألاّ يشتغل أحد العاقدين بعمل غير ما عقد له المجلس ، أو بما هو دليل الإعراض عن العقد . وهو شرط للانعقاد عندهم . وهو بهذا المعنى يعتبر شرطاً في الصّيغة عند بقيّة المذاهب . وهو يدخل في المجلس العقد عند الشّافعيّة والحنابلة . ووقته ما بين الإيجاب والقبول . ومع اتّحاد المجلس لا يضرّ الفصل بين الإيجاب والقبول عند غير الشّافعيّة ما لم يشعر بالإعراض عن الإيجاب ، لأنّ القابل يحتاج إلى التّأمّل ، ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التّأمّل . ويضرّ الفصل الطّويل عند الشّافعيّة . خيار القبول مع اتّحاد المجلس : 10 - يثبت خيار القبول للمتعاقدين عند الحنفيّة ما داما جالسين ولم يتمّ القبول ، ولكلّ منهما حقّ الرّجوع ما لم يقبل الآخر . ولا يخالفهم الحنابلة في ذلك ، لأنّ خيار المجلس عندهم يكون في ابتداء العقد وبعده واحداً ، فخيار القبول مندرج تحت خيار المجلس . ولا خيار للقبول عند المالكيّة والشّافعيّة ، غير أنّه يجوز الرّجوع عند الشّافعيّة ولو بعد القبول ، ما دام ذلك في المجلس ، ولا يجوز الرّجوع عند المالكيّة ولو قبل الارتباط بينهما إلاّ في حالة واحدة ، وهي أن يكون الإيجاب أو القبول بصيغة المضارع ثمّ يدّعي القابل أو الموجب أنّه ما أراد البيع فيحلف ويصدّق . بم ينقطع اتّحاد المجلس ؟ 11 - ينقطع اتّحاد المجلس بالإعراض عن الإيجاب عند جميع الفقهاء ، غير أنّهم اختلفوا في الأمور الّتي يحصل معها الإعراض ، فالشّافعيّة جعلوا الاشتغال بأجنبيّ خارج عن العقد إبطالاً له ، وكذلك السّكوت الطّويل بين الإيجاب والقبول ، لكنّ اليسير لا يضرّ . وجعل المالكيّة والحنابلة العرف هو الضّابط لذلك . وقال الحنفيّة : ينقطع باختلاف المجلس ، فلو قام أحدهما ولم يذهب بطل الإيجاب ، إذ لا يبقى المجلس مع القيام . وإن تبايعا وهما يسيران ، ولو كانا على دابّة واحدة ، لم يصحّ لاختلاف المجلس . واختار غير واحد كالطّحاويّ وغيره أنّه إن أجاب على فور كلامه متّصلاً جاز . وفي الخلاصة عن النّوازل إذا أجاب بعدما مشى خطوةً أو خطوتين جاز . وكذلك يختلف المجلس بالاشتغال بالأكل وتغتفر اللّقمة الواحدة ، ولو كان في يده كوز فشرب ثمّ أجاب جاز . ولو ناما جالسين فلا يتبدّل المجلس ، ولو مضطجعين أو أحدهما فهي فرقة . وهذه الصّور الّتي تكلّم عنها الحنفيّة لم تغفلها كتب المذاهب الأخرى ، غير أنّهم تكلّموا عنها أثناء الكلام عن المجلس لا في الكلام عن اتّحاد المجلس ، لأنّه اصطلاح خاصّ بالحنفيّة ، وموطن تفصيلها عند الكلام عن مجلس العقد . 12 - وغير البيع مثله في الجملة عند الحنفيّة ، والحنابلة ، والمالكيّة ، غير أنّ المتتبّع لعقود المالكيّة يجد أنّ منهم من يشترط الفوريّة في الوكالة والنّكاح . ولا تختلف أيضاً العقود اللاّزمة عن البيع عند الشّافعيّة في الفوريّة بين الإيجاب والقبول . أمّا غير اللاّزمة فلا يضرّ التّراخي فيها بين الإيجاب والقبول . ثانياً - التّقابض في الأموال الرّبويّة : 13 - إذا بيع ربويّ بمثله اشترط اتّحاد المجلس ، وسواء اتّحد جنس المبيع أو اختلف ، لما صحّ من قوله صلى الله عليه وسلم : « الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح : مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد » ، وبيان الرّبويّ من غيره يذكره الفقهاء في الرّبا . اتّحاد المجلس في السّلم 14 - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه يشترط تسليم رأس مال السّلم في مجلس العقد ، إذ لو تأخّر لكان في معنى بيع الكالئ بالكالئ ، ولخبر الصّحيحين : « من أسلف فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، إلى أجل معلوم » ، ولأنّ السّلم عقد غرر فلا يضمّ إليه غرر آخر ، ولأنّ السّلم مشتقّ من استلام رأس المال ، أي تعجيله ، وأسماء العقود المشتقّة من المعاني لا بدّ فيها من تحقّق تلك المعاني . ولا يختلف مجلس السّلم عن مجلس البيع عند الشّافعيّة والحنابلة . وعند الحنفيّة يخالف مجلس السّلم مجلس البيع ، فمجلس البيع ينتهي بمجرّد ارتباط الإيجاب بالقبول ، وتترتّب عليه الآثار . أمّا السّلم فيعتريه الفسخ إن لم يتمّ قبض رأس المال في المجلس وبعد الإيجاب والقبول ، لأنّه شرط بقاء على الصّحّة وليس شرط انعقاد . وقال المالكيّة بتأخيره ثلاثة أيّام ، لأنّ ما قارب الشّيء يأخذ حكمه ، وإذا أخّره عن ثلاثة أيّام بغير شرط وهو نقد ففيه تردّد ، منهم من يقول بالفساد ، لأنّه ضارع الدّين بالدّين ، ومنهم من يقول بالصّحّة ، لأنّه تأخير بغير شرط ، وهذا ما لم تبلغ الزّيادة إلى حلول المسلّم فيه ، فإن أخّره إلى حلول أجل السّلم الّذي وقع عليه العقد فإنّه لا يختلف في فساده . ولا يدخله خيار الشّرط عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويدخله خيار المجلس عند الشّافعيّة والحنابلة . وقال المالكيّة بجواز الخيار في السّلم إن شرط ولم ينقد رأس المال في زمن الخيار ، لأنّه لو نقد وتمّ السّلم لكان فسخ دين في دين ، لإعطاء المسلّم إليه سلعةً موصوفةً لأجل عمّا ترتّب في ذمّته ، وهو حقيقة فسخ الدّين بالدّين . اتّحاد المجلس في عقد النّكاح : 15 - للعلماء في ارتباط الإيجاب بالقبول في عقد النّكاح مع اتّحاد المجلس ثلاثة آراء : الأوّل : اشتراط اتّحاد المجلس فلو اختلف المجلس لم ينعقد كما لو أوجب أحدهما فقام الآخر أو اشتغل بعمل آخر ، ولا يشترط فيه الفور . وهو مذهب الحنفيّة ، وهو الصّحيح عند الحنابلة ، وهو ما في المعيار عن الباجيّ من المالكيّة . الثّاني : اشتراط الفوريّة بين الإيجاب والقبول في المجلس الواحد ، وهو قول المالكيّة عدا ما تقدّم عن الباجيّ ، وهو قول الشّافعيّة ، غير أنّهم اغتفروا فيه الفاصل اليسير . وضبط القفّال الفاصل الكثير بأن يكون زمناً لو سكتا فيه لخرج الجواب عن كونه جواباً . والأولى ضبطه بالعرف . الثّالث : صحّة العقد مع اختلاف المجلس ، وهو رواية للحنابلة . وعليها لا يبطل النّكاح مع التّفرّق . وهذا كلّه عند اتّحاد المجلس الحقيقيّ ، أمّا مع اتّحاد المجلس الحكميّ فلا يختلف الأمر عند الحنفيّة في اشتراط القبول في مجلس العلم ، وهو الصّحيح عند الحنابلة . واشترط المالكيّة الفوريّة في الإيجاب حين العلم . والصّحيح عند الشّافعيّة أنّه لا ينعقد النّكاح بالكتابة . وكذلك إن كان الزّوج غائباً وبلغه الإيجاب من وليّ الزّوجة . وإذا صحّحنا في المسألتين فيشترط القبول في مجلس بلوغ الخبر وعلى الفور . تداخل الفدية في الإحرام مع اتّحاد المجلس : 16 - لا يحصل التّداخل في المحظورات مع اتّحاد المجلس إلاّ إن اتّحد النّوع ، وأمّا مع اختلاف النّوع والجنس في المحظورات فلا اعتبار لاتّحاد المجلس ، وإنّما العبرة حينئذ باتّحاد السّبب . واتّحاد المجلس له أثره في تداخل فدية محظورات الإحرام غير فدية الإتلاف فإنّها تتعدّد بتعدّد المتلف ، وذهب ابن عبّاس إلى أنّه لا جزاء على العائد سواء أكان المحظور إتلافاً أم غيره . والتّداخل مع اتّحاد المجلس يختلف في فدية الجماع عنه في بقيّة محظورات النّوع الواحد . تداخل فدية غير الجماع : 17 - لو تطيّب المحرم بأنواع الطّيب ، أو لبس أنواعاً كالقميص والعمامة والسّراويل والخفّ ، أو نوعاً واحداً مرّةً بعد أخرى ، فإن كان ذلك في مكان واحد وعلى التّوالي ففيه فدية واحدة لاتّحاد المجلس . والحنفيّة ، غير محمّد بن الحسن ، والشّافعيّة على الأصحّ عندهم ، وابن أبي موسى من الحنابلة ، على أنّه لو حدث ما ذكر في مكانين تعدّدت الفدية . والمذهب عند الحنابلة وعليه الأصحاب أنّ عليه فديةً واحدةً إن لم يكفّر عن الأوّل ، لأنّ الحكم يختلف باختلاف الأسباب لا باختلاف الأوقات والأجناس . وهو قول محمّد بن الحسن من الحنفيّة ، وقول للشّافعيّة ، وهو قول المالكيّة إن نوى التّكرار . تداخل فدية الجماع في الإحرام : 18 - للفقهاء في تعدّد الفدية وتداخلها بتكرّر الجماع من المحرم ثلاثة آراء : أ - اتّحاد الفدية إن اتّحد المجلس ، وهو قول الحنفيّة . والمذهب عند الحنابلة على هذا إن لم يكفّر عن الأوّل . ويكفّر عن الأخير إن كان كفّر للسّابق . ب - اتّحاد الفدية مطلقاً سواء اتّحد المجلس أو اختلف ، لأنّ الحكم للوطء الأوّل ، وهو قول المالكيّة . ج - تكرّر الفدية بتكرّر الجماع ، لأنّه سبب للكفّارة ، فأوجبها ، وهو قول الشّافعيّة ، ورواية عن أحمد . اتّحاد المجلس في الخلع : 19 - المذاهب الأربعة على أنّ الزّوج لو خالع امرأته فإنّ القبول يقتصر على المجلس ، غير أنّ العبرة عند الحنفيّة بمجلس الزّوجة إن لم يشترطا الخيار فيه ، وما لم تبدأ الزّوجة به ، ولا يصحّ رجوع الزّوج ولو قبل قبولها ، ويصحّ رجوعها ما لم يقبل إن كانت هي البادئة . والعبرة عند بقيّة الفقهاء بمجلس المتخالعين معاً ، وهو قول الحنفيّة إن كانت الزّوجة هي الموجبة ، وكذلك إن اشترطا الخيار فيه ، والفور والتّراخي في الإيجاب والقبول كالبيع عندهم . وهذا كلّه عند عدم التّعليق . ولا يشترط القبول في المجلس في صيغة التّعليق إلاّ عند ابن عبد السّلام من المالكيّة ، وكذلك إن كانت الزّوجة هي البادئة عند الشّافعيّة والحنابلة نظراً للمعاوضة . وإنّما يكون القبول في صيغة التّعليق عند حصول ما علّق عليه . ومجلس العلم كمجلس التّواجب في الخلع عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو ما يفهم من المالكيّة والحنابلة ، فلم يصرّحوا بذلك ، لكنّهم ذكروا أنّ صيغة الخلع كصيغة البيع ، وفي كلامهم عن الخلع مع غيبة الزّوجة لم يأتوا بجديد يخالف حضور الزّوجة ، ولم يخصّوا الوكيل بجديد كذلك . اتّحاد مجلس المخيّرة : 20 - المخيّرة هي الّتي ملّكها زوجها طلاقها بقوله لها مثلاً : اختاري نفسك . ومذهب الحنفيّة ، ورواية عن مالك ، أنّه لو خيّر امرأته أو جعل أمرها بيدها ، فلها أن تختار ما دامت في مجلسها - قال الحنفيّة : ولو طال يوماً أو أكثر - فلو قامت أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها لأنّه دليل الإعراض والتّخيير يبطل بصريح الإعراض فكذلك بما يدلّ عليه ، غير أنّ العبرة عند الحنفيّة بمجلس الزّوجة لا بمجلس الزّوج ، لأنّه تمليك ، والعبرة عند المالكيّة بمجلسهما معاً . والشّافعيّة - على الأصحّ - والحنابلة يشترطون الفوريّة في المجلس والاعتداد بمجلسهما معاً فلو قام أحدهما بطل خيارها . روى النّجّاد بإسناده عن سعيد بن المسيّب أنّه قال : قضى عمر وعثمان في الرّجل يخيّر امرأته أنّ لها الخيار ما لم يتفرّقا . وجعل المالكيّة في الرّواية الثّانية الخيار لها خارج المجلس ما لم تقف أمام حاكم أو توطأ طائعةً . وهو قول الزّهريّ وقتادة وأبي عبيد وابن المنذر . واحتجّ ابن المنذر بقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لعائشة لمّا خيّرها : « إنّي ذاكر لك أمراً ، فلا عليك ألا تعجّلي حتّى تستأمري أبويك » ، وهذا يمنع قصره على المجلس . وما تقدّم هو في الحاضرة ، فإن كانت المخيّرة غائبةً فلا يختلف الحال عند الحنفيّة . ويفهم من عبارات الشّافعيّة كذلك عدم الاختلاف بين الغائبة والحاضرة ، فالخلع - على الأصحّ - طلاق ، ومجلس العلم فيه كمجلس التّواجب . وكما يجرى الخلاف في المخيّرة الحاضرة عند المالكيّة يجرى أيضاً في المخيّرة الغائبة على طريقة اللّخميّ . وطريقة ابن رشد أنّه يبقى التّخيير في يدها ما لم يطل أكثر من شهرين ، كما في التّوضيح ، حتّى يتبيّن رضاها بالإسقاط ، وما لم توقف أمام حاكم ، أو توطأ طائعةً . واختلاف المجلس في المخيّرة كاختلافه في البيع . تكرار الطّلاق في المجلس الواحد : 21 - لو قال لمدخول بها ومن في حكمها : أنت طالق أنت طالق أنت طالق ، في مجلس واحد ، ونوى تكرار الوقوع ، فإنّه يقع ثلاثاً عند الأئمّة الأربعة ، ولا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره . وهو قول ابن حزم . لما روى عن محمود بن لبيد ، قال : « أخبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً ، فغضب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ قال : أيلعب بكتاب اللّه عزّ وجلّ وأنا بين أظهركم ؟ حتّى قام رجل ، فقال : يا رسول اللّه ألا أقتله ؟ » . وعند بعض أهل الظّاهر تقع طلقةً واحدةً . وهو قول ابن عبّاس ، وبه قال إسحاق وطاوس وعكرمة ، لما في صحيح مسلم أنّ ابن عبّاس قال : « كان الطّلاق على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثّلاث واحدةً ، فقال عمر : إنّ النّاس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم » . وإن أراد التّأكيد أو الإفهام فإنّه تقع واحدةً . وتقبل نيّة التّأكيد ديانةً لا قضاءً عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، وتقبل قضاءً وإفتاءً عند المالكيّة والحنابلة . وإن أطلق فيقع ثلاثاً عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، لأنّ الأصل عدم التّأكيد . والقول الثّاني عند الشّافعيّة أنّه تقع طلقةً واحدةً ، لأنّ التّأكيد محتمل ، فيؤخذ باليقين . وهو قول ابن حزم . ومثل أنت طالق أنت طالق أنت طالق قوله أنت طالق طالق طالق عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وكذلك الحنابلة في وقوع الطّلاق وتعدّده عند نيّته ، وفي إرادة التّأكيد والإفهام . أمّا عند الإطلاق فإنّه يقع الطّلاق ثلاثاً في الأولى ، وتقع واحدةً في الثّانية . الفصل بين الطّلاق وعدده : 22 - لا تضرّ سكتة التّنفّس ، والعيّ ، في الاتّصال بين الطّلاق وعدده . فإن كان السّكوت فوق ذلك فإنّه يضرّ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ولا تقع معه نيّة التّأكيد . وهو قول للمالكيّة . والقول الثّاني أنّه لا يضرّ إلاّ في غير المدخول بها . وفي المدخول بها يحصل التّأكيد بدون نسق ( أي عطفه بالفاء أو بالواو أو ثمّ ) . |
تكرار طلاق غير المدخول بها : 23 - للعلماء في تكرير الطّلاق لغير مدخول بها في مجلس واحد ثلاثة آراء : أ - الأوّل . وقوع الطّلاق واحدةً اتّحد المجلس أم تعدّد . وهو قول الحنفيّة والشّافعيّة وابن حزم ، لأنّها بانت بالأولى وصارت أجنبيّةً عنه ، وطلاق الأجنبيّة باطل . الثّاني : وقوع الطّلاق ثلاثاً إن نسّقه وهو قول المالكيّة والحنابلة ، فإن فرّق بين كلامه فهي طلقة واحدة . الثّالث : وقوع الطّلاق ثلاثاً إن كان في مجلس واحد ، فإن كان في مجالس شتّى وقع ما كان في المجلس الأوّل فقط . وهو مرويّ عن إبراهيم النّخعيّ . استدلّ أصحاب الرّأي الأوّل بما روي من طريق سعيد بن منصور عن عتّاب بن بشير عن خصيف عن زياد بن أبي مريم عن ابن مسعود فيمن طلّق امرأته ثلاثاً ولم يكن دخل بها ، قال : هي ثلاث ، فإن طلّقها واحدةً ، ثمّ ثنّى ، ثمّ ثلّث لم يقع عليها ، لأنّها قد بانت بالأولى . وصحّ هذا عن خلاس وإبراهيم النّخعيّ في أحد أقواله وطاوس والشّعبيّ وعكرمة وأبي بكر عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام وحمّاد بن أبي سليمان . ودليل الثّاني ما روي من طريق سعيد بن منصور قال : حدّثنا هشيم حدّثنا المغيرة عن إبراهيم النّخعيّ فيمن قال لغير المدخول بها : أنت طالق أنت طالق أنت طالق ، وقالها متّصلةً ، لم تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره . فإن قال : أنت طالق ، ثمّ سكت ، ثمّ قال . أنت طالق ، ثمّ سكت ثمّ قال : أنت طالق بانت بالأولى ولم تكن الأخريان شيئاً ، ومثله عن عبد اللّه بن مغفّل المزنيّ وهو قول الأوزاعيّ واللّيث . ودليل القول الثّالث ما روي من طريق الحجّاج بن المنهال قال : حدّثنا عبد العزيز بن عبد الصّمد ، قال : قال لي منصور : حدّثت عن إبراهيم النّخعيّ أنّه كان يقول : إذا قال للّتي لم يدخل بها ، في مجلس واحد : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، فلا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره . فإن قام من مجلسه ذلك بعد أن طلّق طلقةً واحدةً ، ثمّ طلّق بعد ذلك ، فليس بشيء . تكرار الطّلاق مع العطف : 24 - التّكرار مع العطف كعدمه عند الحنفيّة ، في تعدّد الطّلاق ، وفي نيّة التّأكيد والإفهام ، فلا فرق بين قوله : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، وبين قوله : أنت طالق ، وأنت طالق ، وأنت طالق ، ولا فرق بين العطف بالواو والفاء وثمّ . وهو قول الشّافعيّة إن كان العطف بالواو ، ولا تقبل نيّة التّوكيد مع الفاء وثمّ ، وفي بعض كتبهم ما يفيد أنّ التّأكيد بثمّ كالتّأكيد بالواو ، كما في العباب . ولا تقبل نيّة التّأكيد مع العطف عند المالكيّة ، والحنابلة ، لأنّ العطف يقتضي المغايرة ، ولا يتأتّى معها التّأكيد ، وهو قول الشّافعيّة إن كان العطف بالفاء وثمّ . تكرّر الإيلاء في المجلس الواحد : 25 - الحنفيّة على أنّه لو كرّر يمين الإيلاء في مجلس واحد ، ونوى التّأكيد ، فإنّه يكون إيلاءً واحداً ويميناً واحدةً ، حتّى لو لم يقربها في المدّة طلقت طلقةً واحدةً ، وإن قرّبها فيها لزمته كفّارة واحدة . وإن لم ينو التّأكيد ، أو أطلق ، فاليمين واحدة ، والإيلاء ثلاث . وعند الشّافعيّة لا يتكرّر الإيلاء إن نوى التّأكيد . وسواء أكان ذلك في مجلس واحد ، أم في مجالس ، فإن أطلق فاليمين واحدة إن اتّحد المجلس . ولم يتكلّم الحنابلة عن اتّحاد المجلس في الإيلاء . ولم أقف على نصّ للمالكيّة في تكرار الإيلاء ، غير أنّهم يعتبرونه يميناً . والكفّارة عندهم لا تتكرّر بتكرّر اليمين ما لم ينو التّكرار . اتّحاد المجلس في الظّهار : 26 - ليس لاتّحاد المجلس أثر إلاّ عند الحنفيّة ، وفي حالة واحدة ، وهي ما إذا كرّر الظّهار في مجلس واحد ، وأراد التّأكيد ، فإنّه يصدّق قضاءً ، ولا تتكرّر الكفّارة ، ولكنّها تتعدّد إن كرّره في مجالس . وكذلك إن كان في مجلس واحد ونوى التّكرار ، أو أطلق . ولا تتعدّد الكفّارة بتكرار الظّهار عند المالكيّة والشّافعيّة ما لم ينو الاستئناف . وسواء أكان ذلك في مجلس واحد أم في مجالس . وقال الحنابلة أيضاً بعدم التّعدّد بتكرار الظّهار ، ولو نوى الاستئناف ، لأنّ تكريره لا يؤثّر في تحريم الزّوجة ، لتحريمها بالقول الأوّل . وقاسوه على اليمين باللّه تعالى . اتّزار انظر : ايتزار . اتّصال التّعريف 1 - الاتّصال عند أهل اللّغة : عدم الانقطاع ، وهو ضدّ الانفصال والفرق بين لفظي اتّصال وموالاة : أنّ الاتّصال هو أن يوجد بين شيئين لقاء ومماسّة ، أمّا الموالاة ، فلا يشترط لقاء ولا مماسّة بين الشّيئين بل أن يكون بينهما تتابع . ويستعمل الفقهاء الاتّصال في الأعيان ، وفي المعاني . ففي الاتّصال في الأعيان يقولون : اتّصال الصّفوف في صلاة الجماعة ، والزّوائد المتّصلة بالمعقود عليه كالسّمن والصّبغ . وفي الاتّصال في المعاني يقولون : اتّصال الإيجاب بالقبول ، ونحو ذلك . والفرق بين لفظي اتّصال ووصل أنّ الاتّصال هو الأثر للوصل . ( الحكم العامّ ) : 2 - من استقراء كلام الفقهاء يتبيّن أنّ ما اتّصل من الزّوائد بالأصل اتّصال قرار شمله حكم واحد في الجملة . فالزّوائد المتّصلة تدخل في المبيع تبعاً ، وكذا ما اتّصل اتّصال قرار عند كثير من الفقهاء . ( كما ذكر الفقهاء ذلك في البيع ) ولا يجوز إفرادها بالرّهن ( كما نصّوا على ذلك في كتاب الرّهن ) كما يرى الفقهاء أنّ معاني الألفاظ غير المتّصلة لا تلحق الأصل . ومن هنا وجب الاتّصال في الاستثناء والشّرط والتّعليق والنّيّة في كنايات الطّلاق ، وفي العبادات . وفي بعض هذه خلاف . وتفصيل ذلك عند الفقهاء في أبواب الإقرار والبيع والطّلاق والأيمان والصّلاة . الحكم العامّ للوصل : 3 - لمّا كانت الصّلة وثيقةً بين الاتّصال والوصل ناسب بيان الحكم التّكليفيّ للوصل ، فقد يكون واجباً ، كوصل القبض بالعقد في الصّرف ، وقد يكون جائزاً كوصل الاستعاذة بالبسملة بأوّل السّورة ، وقد يكون ممنوعاً كأن يوصل بالعبادات ما ليس منها . وقد ذكر الفقهاء ذلك في أبواب الصّلاة ، والأذان ، والحظر والإباحة ، ووصل البسملة بآخر السّورة كما يفصّل في التّجويد ، ووصل الصّيام بالصّيام من غير إفطار ، وهو ( صيام الوصال ) ، وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتاب الصّيام عند كلامهم على ما يكره من الصّيام . اتّكاء التّعريف 1 - من معاني الاتّكاء في اللّغة : الاعتماد على شيء ، ومنه قوله تعالى حكايةً عن موسى عليه السلام : { هي عصاي أتوكّأ عليها } ومن معانيه أيضاً : الميل في القعود على أحد الشّقّين . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنيين المذكورين . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - الاستناد : في اللّغة يأتي بمعنى الاتّكاء بالظّهر لا غير فيكون بينه وبين الاتّكاء بالمعنى اللّغويّ الأوّل عموم وخصوص مطلق . وأمّا بالمعنى الثّاني فبينهما تباين . ( الحكم الإجماليّ ) 3 - يختلف الحكم تبعاً للاستعمالات الفقهيّة ، فالاتّكاء في الصّلاة مطلقاً اتّفق الفقهاء على جوازه ، بمعنييه ، لأهل الأعذار . أمّا لغير أهل الأعذار فهو مكروه في الفريضة ، ويجوز في النّافلة . والاتّكاء على القبر كالجلوس عليه ، واختلفوا في حكمه ، فالجمهور على أنّه مكروه . وخالف في ذلك المالكيّة فقالوا بجوازه . ( مواطن البحث ) 4 - يفصّل الفقهاء أحكام الاتّكاء في الصّلاة عند الحديث عن مكروهات الصّلاة ، ويفصّلون حكم الاتّكاء على القبر في الجنائز عند الحديث عن دفن الميّت . وحكم الاتّكاء في قضاء الحاجة في أبواب الطّهارة ، عند الحديث عن آداب قضاء الحاجة ، وحكم الاتّكاء عند الأكل في أبواب الحظر والإباحة ، وحكم الاتّكاء في المسجد لغير ضرورة في إحياء الموات عند الحديث عن المساجد ، وحكم الاتّكاء على شيء فيه صورة حيوان كالمخدّة وغيرها في أبواب النّكاح عند الحديث عن الوليمة . إتلاف 1 - جاء في القاموس : تلف كفرح : هلك ، وأتلفه : أفناه . ويقرب من هذا المعنى اللّغويّ استعمالات الفقهاء . يقول الكاسانيّ : إتلاف الشّيء إخراجه من أن يكون منتفعاً به منفعةً مطلوبةً منه عادةً . 2 - ( الألفاظ ذات الصّلة ) : أ - ( الإهلاك ) : قد يقع الإهلاك والإتلاف بمعنًى واحد . ففي مفردات الرّاغب : الهلاك على ثلاثة أوجه : افتقاد الشّيء عنك وهو عند غيرك موجود ، كقوله تعالى : { هلك عنّي سلطانيه } وهلاك الشّيء باستحالة وفساد ، كقوله تعالى : { ويهلك الحرث والنّسل } وكقولك : هلك الطّعام . وهلك : بمعنى مات ، كقوله : { إن امرؤ هلك } وبمعنى بطلان الشّيء من العالم كقوله تعالى : { كلّ شيء هالك إلاّ وجهه } . ب - ( التّلف ) : وهو أعمّ من الإتلاف ، لأنّه كما يكون نتيجة إتلاف الغير ، فإنّه قد يكون نتيجة آفة سماويّة . ويفهم من كلام القليوبيّ إدخال الإتلاف في عموم التّلف ، إذ قال : إنّ العاريّة تضمن إن تلفت لا باستعمال مأذون فيه ، ولو بإتلاف المالك . ج - ( التّعدّي ) : جاء في لسان العرب : تعدّى الحقّ : جاوزه ، واعتدى فلان عن الحقّ أي جاز عنه إلى الظّلم . وقد يكون من صور الإتلاف ما هو جور واعتداء . د - ( الإفساد ) : جاء في القاموس : أفسده أخرجه عن صلاحيته المطلوبة . وهو بهذا المعنى يكون مرادفاً للإتلاف . هـ - ( الجناية ) : يقال جنى جنايةً ، أي أذنب ذنباً يؤاخذ به . وإن كانت الجناية في استعمال الفقهاء غلبت على الجرح والقطع . والصّلة بين اللّفظين هي تحقّق المؤاخذة في بعض صور الإتلاف ، كما تتحقّق في الجناية . و - ( الإضرار ) : إيقاع الضّرر بالغير ، وقد يراد منه أيّ نقص يدخل على الأعيان . وقد يتحقّق هذا في بعض صور الإتلاف . ز - ( الغصب ) : وهو أخذ مال متقوّم محترم بغير إذن المالك على سبيل المجاهرة ، وعلى وجه يزيل يده أو يقصّر يده . فالقدر المشترك بين الإتلاف والغصب تفويت المنفعة على المالك . ويختلفان في أنّ الغصب لا يتحقّق إلاّ بزوال يده أو تقصير يده . أمّا الإتلاف فقد يتحقّق مع بقاء اليد . كما يختلفان في الآثار من حيث المشروعيّة وترتّب الضّمان . صفة الإتلاف ( حكمه التّكليفيّ ) 3 - الأصل في الإتلاف : الحظر ، إذا كان غير مأذون فيه شرعاً ، كإتلاف المالك ماله المنتفع به شرعاً وطبعاً . وقد يكون الإتلاف واجباً إذا كان مأموراً من الشّارع بإتلافه كإتلاف خنزير لمسلم ، وقد يكون مباحاً كإتلاف ما استغنى عنه مالكه ولم يجد وجهاً لانتفاعه هو أو غيره به . ويترتّب على الحظر حكمه الأخرويّ وهو الإثم هذا ، ولا تلازم بين الإثم والضّمان ، فقد يجتمعان ، وقد ينفرد كلّ منهما عن الآخر ، وسيأتي تفصيل الكلام عن الضّمان في موطنه . ( أنواع الإتلاف ) 4 - الإتلاف نوعان ، لأنّه إمّا أن يقع على العين ، أو على المنفعة . وعلى كلّ فإمّا أن يكون إتلافاً للكلّ أو للجزء ، سواء في العين أو المنفعة . وهذان النّوعان الإتلاف فيهما حقيقيّ . وقد يكون الإتلاف معنويّاً ، ومن ذلك منع تسليم العين المستعارة للمعير بعد طلبها منه ، أو بعد انقضاء مدّة الإعارة . يقول الكاسانيّ : إنّ الّذي يغيّر حال المستعار من الأمانة إلى الضّمان هو المغيّر لحال الوديعة ، وهو الإتلاف حقيقةً أو معنًى بالمنع بعد الطّلب ، أو بعد انقضاء المدّة ، وبترك الحفظ ، وبالخلاف ، أي استعمال العين والانتفاع بها في غير ما أذن فيه صاحبها . فقد اعتبر هذا إتلافاً من حيث المعنى وموجباً للضّمان ، كما قال الفقهاء : إنّ خلط الودائع خلطاً يمنع التّمييز بينها يعتبر إتلافاً من حيث المعنى ، وكذا بالنّسبة لخلط الدّراهم المغصوبة . الإتلاف المشروع وغير المشروع أوّلاً - الإتلاف المشروع المتّفق على مشروعيّته : 5 - من صور الإتلاف المشروع مع ترتّب حقّ للغير ما قالوه من أنّ الإجارة لا تنعقد على إتلاف العين ذاتها إلاّ إذا كانت المنافع ممّا يقتضي استيفاؤها إتلاف العين ، كالشّمعة للإضاءة ، والظّئر للإرضاع ، واستئجار الشّجر للثّمر ، على التّفصيل والخلاف المبيّن في مصطلح إجارة . ففي هذه الصّور إتلاف للعين باستهلاكها ، وهو إتلاف مشروع ترتّب عليه حقّ للغير . 6 - ومن ذلك أيضاً إتلاف مال الغير عن طريق أكله دون إذن منه في حال المخمصة ، فإنّه إتلاف مرخّص فيه من الشّارع ، إلاّ أنّه يلزمه الضّمان عند الحنفيّة ، والأظهر عند المالكيّة ومذهب الشّافعيّة والحنابلة ، إذ التّناول حال المخمصة رخصة لا إباحة مطلقة ، وإذا استوفاه ضمنه كما يقول البزدويّ ، ويقول ابن رجب : من أتلف شيئاً لدفع الأذى عن نفسه ضمن ، أمّا من أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمن . لكنّ المالكيّة في غير الأظهر يسقطون عنه الضّمان أيضاً ، لأنّ الدّفع كان واجباً على المالك ، والواجب لا يؤخذ له عوض . 7 - ومن الإتلاف المشروع دون ترتّب حقّ للغير إتلاف الميتة والدّم وجلد الميتة وغير ذلك ممّا ليس بمال ، ولو لذمّيّ ، لعدم التّقوّم ، بدليل أنّه لا يحلّ بيعه . 8 - ومنه أيضاً ما قاله الفقهاء فيما يقع في يد أمير الجيش من أموال أهل الحرب أنّه إذا لم يمكن نقله إلى دار الإسلام يجوز له إتلافه ، فيذبح الحيوانات ثمّ يحرّقها ، لأنّ ذبحها جائز لغرض صحيح ، ولا غرض أصحّ من كسر شوكة الأعداء . وأمّا إحراقها فلتنقطع منفعة الكفّار بها ، كما يحرّق الأسلحة والأمتعة الّتي يتعذّر نقلها ، وما لا يحترق يدفن في موضع لا يقف عليه الكفّار . وهذا كلّه إذا لم يرج حصولها للمسلمين . 9 - ومنه إتلاف بناء أهل الحرب وشجرهم لحاجة القتال والظّفر بهم ، أو لعدم رجاء حصولها لنا ، والأصل في ذلك ما أخرجه الشّيخان « أنّه صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النّضير وحرّقه » . 10 - ومن ذلك ما قالوه في إتلاف كتب السّحر ونحوها ممّا لا ينتفع به . وكيفيّة إتلافها أنّه يمحى منها اسم اللّه وملائكته ورسله ويحرّق الباقي . ولا بأس بأن تلقى في ماء جار ، أو تدفن كما هي . قال ابن عابدين : وكذا جميع الكتب إذا بليت وخرجت عن الانتفاع بها . ونقل عميرة عن شرح المهذّب : وكتب الكفر والسّحر ونحوها يحرم بيعها ويجب إتلافها . ومن ذلك أيضاً ما قاله الفقهاء في دفع الصّائل من أنّ من صالت عليه بهيمة فلم تندفع إلاّ بالقتل فقتلها لم يضمن لأنّه إتلاف بدفع جائز وتفصيل ذلك وبيان الأقوال فيه موضعه مصطلح صيال . ثانياً : إتلاف مشروع ، وفي ترتّب الضّمان عليه خلاف : 11 - إتلاف الخمر والخنزير على المسلم لا يترتّب عليه الضّمان ، سواء أكان المتلف مسلماً أم ذمّيّاً . أمّا لو كانت الخمر مملوكةً لذمّيّ فإنّ الحنفيّة والمالكيّة يقولون بالضّمان . ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّها لا تضمن ، لانتفاء تقوّمها كسائر النّجاسات إلاّ إذا انفرد الذّمّيّون بمحلّة ولم يخالطهم مسلم فإنّها لا تراق عليهم لإقرارهم عليها . واتّفق الفقهاء على أنّ الخمر إذا غصبت من مسلم وكانت محترمةً - وهي الّتي عصرت لا بقصد الخمريّة ، وإنّما بقصد التّخليل ( صيرورتها خلّاً ) - فإنّها لا تراق أيضاً ، وإنّما تردّ إليه ، لأنّ له إمساكها لتصير خلّاً . 12 - ومن أتلف طبل الغزاة والصّيّادين والدّفّ الّذي يباح في العرس ضمن اتّفاقاً . أمّا لو أتلف على إنسان آلةً من آلات اللّهو والفساد فإنّ الجمهور ( الصّاحبين من الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في مقابل الأصحّ عندهم ) يرون عدم الضّمان ، لأنّها آلات لهو وفساد ، فلم تكن متقوّمةً ، كالخمر ، ولأنّه لا يحلّ بيعها ، فلم يضمنها كالميتة ، ولما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّ اللّه حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » وقال : « بعثت بمحق القينات والمعازف » كما أنّ منفعتها محرّمة ، والمحرّم لا يقابل بشيء ، مع وجوب إبطالها على القادر عليه . ويرى الإمام أبو حنيفة - وهو ما يستفاد من كلام المالكيّة ، والأصحّ عند الشّافعيّة - أنّه يضمن قيمتها غير مصنوعة ، لأنّها كما تصلح للّهو والفساد فإنّها تصلح للانتفاع بها من وجه آخر ، فكان مالاً متقوّماً من هذا الوجه . ويستفاد من كلام المالكيّة في السّرقة أنّهم متّفقون مع أبي حنيفة في القول بالضّمان ، إذ قالوا : ولا قطع في سرقة آلة لهو كطنبور إلاّ إذا كان المتخلّف منه بعد الكسر تبلغ قيمته حدّ القطع فإنّه يقطع . وهذا يفيد أنّ من أتلفه يضمن قيمته غير مصنوعة على ما قاله أبو حنيفة . ويقول النّوويّ من الشّافعيّة : الأصنام وآلات الملاهي لا يجب في إبطالها شيء ، والأصحّ أنّها لا تكسر الكسر الفاحش ، بل تفصل لتعود كما كانت قبل التّأليف . فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحدّ في الإنكار لمنع صاحب المنكر أبطله كيف تيسّر . وعلّق الرّمليّ على ذلك بقوله فإن أحرقها ولم يتعيّن الإحراق وسيلةً لإفسادها غرم قيمتها مكسورةً بالحدّ المشروع ، لتموّل رضاضها - أي ما تبقّى منها - واحترامه . 13 - وبالنّسبة لآنية الذّهب والفضّة فإنّ من قال بجواز اقتنائها قال بالضّمان ، أمّا من منع اقتناءها فإنّه لا يوجب ضمان الصّنعة ، وضمن ما يتلفه من العين . وفي رواية عن أحمد : يضمن الصّنعة أيضاً ، على ما هو مبيّن في مصطلح ( آنية ) . ثالثاً : إتلاف مختلف في مشروعيّته : 14 - صرّحت بعض كتب الحنفيّة والشّافعيّة بأنّه لو أذن الرّاهن للمرتهن في أكل زوائد الرّهن فلا ضمان عليه ، لأنّه أتلفه بإذن المالك ، ولا يسقط شيء من الدّين ويكون الإتلاف مشروعاً بناءً على الإذن . وتفصيل ذلك موضعه ( الرّهن ) . 15 - وهناك اتّجاه بأنّ هذا إتلاف غير مشروع برغم الإذن ، وهو ما نقله صاحب الدّرّ من الحنفيّة عن التّهذيب من أنّه يكره للمرتهن أن ينتفع بالرّهن وإن أذن له الرّاهن ، بل نقل عن محمّد بن أسلم عدم الحلّ لأنّه رباً . لكن قال صاحب الدّرّ : إنّ ذلك محمول على الكراهة . 16 - وهناك اتّجاه ثالث صرّح به الحنابلة وهو التّفريق بين الرّهن في دين القرض وغيره ، إذ قالوا : إذا كان الرّهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض جاز للمرتهن أن ينتفع بالمرهون بغير عوض بإذن الرّاهن ، وقالوا : إنّ ذلك مرويّ عن الحسن وابن سيرين وبه قال إسحاق . وإن كان دين الرّهن من قرض لم يجز لأنّه يحصل قرضاً يجرّ منفعةً وذلك حرام . وإذا كان المرهون له مئونةً ، فينتفع بنمائه نظير مئونته بإذنه أو بغير إذنه . ومذهب المالكيّة عدم مشروعيّة ذلك إلاّ في رهن المبيع ، فإنّه يجوز في صورة ما إذا اشترط ذلك وكان بعوض ، لأنّ السّلعة المبيعة بعضها في مقابلة ما يسمّى من الثّمن وبعضها في مقابلة المنفعة . فالمنفعة لم تضع على الرّاهن . ولا يجوز ذلك في القرض لأنّه يكون قرضاً جرّ نفعاً ، ويمتنع التّطوّع بالمنفعة في القرض والبيع مطلقاً . رابعاً : إتلاف غير مشروع يوجب الجزاء حقّاً للّه : 17 - وذلك في حالتين : 1 - الصّيد في حالة الإحرام داخل الحرم أو خارجه . 2 - الصّيد في الحرم للمحلّ والمحرم . كما يلحق بصيد الحرم نباته . وبيان ذلك فيما يلي : إنّ المحرم إذا قتل صيداً فعليه الجزاء ، لقوله تعالى { لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمّداً فجزاء مثل ما قتل من النّعم } ، ولحديث « أبي قتادة أنّه لمّا صاد الأتان الوحشيّة وأصحابه محرمون قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها » 18 - وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ حكم الدّلالة كحكم الصّيد ، للحديث السّابق ، لأنّ سؤال النّبيّ صلى الله عليه وسلم يدلّ على تعلّق التّحريم بذلك أيضاً . ولأنّه تفويت الأمن على الصّيد ، إذ هو آمن بتوحّشه وتواريه ، فصار كالإتلاف . ويستوي في ذلك العامد والنّاسي لأنّه ضمان ، وليس عقوبةً فلا يشترط فيه العمديّة . أمّا المالكيّة والشّافعيّة فيخالفون في ترتّب الجزاء على الدّالّ ، لأنّ وجوب الجزاء يعتمد الإتلاف ، فأشبه غرامات الأموال . يقول النّوويّ : وإن أتلف من حرم عليه الاصطياد من محرم أو حلال صيداً ضمنه . ويقول القليوبيّ وخرج بالإتلاف الإعانة ولو على ذبحه أو الدّلالة عليه ونحو ذلك . |
19 - والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يقوّم الصّيد في المكان الّذي قتل فيه ، أو في أقرب المواضع منه ، ثمّ هو مخيّر في الفداء : إن شاء ابتاع بالقيمة هدياً وذبحه إن بلغت القيمة هدياً ، وإن شاء اشترى بها طعاماً وتصدّق به على المساكين . ويرى محمّد بن الحسن أنّه يجب في الصّيد النّظير فيما له نظير ، وما ليس له نظير تجب فيه القيمة عنده ، وإذا وجبت القيمة كان قوله كقولهما . وهذا أيضاً رواية عن أحمد ، فجزاء الصّيد عنده ليس على التّخيير وإنّما هو على التّرتيب فيجب المثل أوّلاً ، فإن لم يجد أطعم ، فإن لم يجد صام . وقد روي هذا عن ابن عبّاس والثّوريّ ، ولأنّ هدي المتعة على التّرتيب ، وهذا آكد منه ، لأنّه بفعل محظور . وقال المالكيّة والشّافعيّة في الفدية الواجبة في صيد الحرم الّذي له مثل : يخيّر المتلف بين ذبح مثله والصّدقة به على مساكين الحرم ، وبين أن يقوّم دراهم ويشتري بها طعاماً لهم . وما ليس له مثل يتصدّق بقيمته طعاماً . والعبرة عندهم في تقدير قيمته بالنّسبة للمكان بمحلّ الإتلاف ، قياساً على كلّ متلف متقوّم ، وبالنّسبة للزّمان يوم إرادة تقويمه بمكّة لأنّها محلّ ذبحه لو أريد . وعند العدول إلى الطّعام : الظّاهر أنّ العبرة بسعره في مكّة ، وقيل العبرة في سعره بمحلّ الإتلاف . وهو ما صرّح به الحنابلة فإنّ الجزاء هو مثل ما قتل من النّعم ولو قتله لمخمصة ، وقالوا : إنّ الجزاء يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين ، ولقاتل الصّيد أن يختار إخراج المثل أو كفّارة طعام مساكين . 20 - كما يصرّح المالكيّة والشّافعيّة أيضاً بأنّه يحرم بالحرم والإحرام إتلاف أجزاء الصّيد ، لأنّ ما ضمن جميعه بالبدل ضمن أجزاؤه كالآدميّ ، وأنّه إذا كان بيد المحرم أو رفقته ، ولم يرفع يده عنه حتّى مات ، لزمه الجزاء . وقد صرّح الحنابلة بذلك أيضاً . 21 - ولو أتلف المحرم الصّيد بأن ذبحه ثمّ أكله ضمنه للقتل دون الأكل عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لأنّه صيد مضمون بالجزاء ، فلم يضمن ثانياً ، كما لو أتلفه بغير الأكل . وقال عطاء وأبو حنيفة : يضمنه للأكل أيضاً ، لأنّه أكل من صيد محرّم عليه ، فيضمنه . وتفصيل كلّ ذلك في محظورات الإحرام ، وجزاء صيد الحرم . 22 - وبالنّسبة لنبات الحرم قالوا : إنّه يحظر قطع الأخضر من حشيش الحرم ، وما نبت فيه من غير إنبات ، إلاّ الإذخر اتّفاقاً ، لما روى ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ اللّه تعالى حرّم مكّة ، لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفّر صيدها . فقال العبّاس رضي الله عنه : إلاّ الإذخر ؟ فقال : إلاّ الإذخر » وقاسوا عليه ما يحتاج إليه للتّداوي . 23 - وقال جمهور الفقهاء غير المالكيّة : إنّ الجزاء في إتلافه هو على ما قيل في صيد الحرم ، لأنّه مثله في التّحريم ، لكنّ المالكيّة لم يفرّقوا في الحظر بين الأخضر واليابس ، كما أنّهم لم يرتّبوا جزاءً على قاطع ما حرم قطعه ، لأنّه قدر زائد على التّحريم ، يحتاج لدليل خاصّ . وقالوا : ليس فيه إلاّ الاستغفار . 24 - وقد نصّ الشّافعيّة على أنّ من قطع حشيش الحرم ، فنبت مكانه ، لم يلزمه الضّمان قولاً واحداً ، لأنّه يستخلف عادةً ، فهو كسنّ الصّبيّ إذا قلعها فنبت مكانها مثلها ، بخلاف غصن الشّجر . 25 - وقال الحنفيّة والحنابلة في وجه : لا يجوز رعي حشيش الحرم ، لأنّ ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه . كالصّيد . وقال الشّافعيّة ، وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة : يجوز ، لأنّ الهدي كان يدخل الحرم فيكثر فيه ، ولم ينقل أنّها كانت تسدّ أفواهها ، ولأنّ بهم حاجةً إلى ذلك . وتفصيل ذلك في ( الإحرام ) . ( محلّ الإتلاف ) : 26 - الإتلاف لا يخلو إمّا أن يرد على آدميّ ، وإمّا أن يرد على غيره من الحيوانات والنّباتات والجمادات . فإن ورد على آدميّ فحكمه في النّفس وما دونها موضع بيانه عند الكلام عن الجنايات ، وإن ورد على غير آدميّ حيواناً كان أو نباتاً أو جماداً ، فإن كان مالاً مباحاً ليس فيه ملك لأحد فلا يضمن بالإتلاف - مع ملاحظة ما قيل بالنّسبة لصيد الحرم ونباته - وكذا إذا كان مملوكاً لحربيّ فإنّه لا يضمن بالإتلاف . وإن كان مالاً محترماً مملوكاً وجب الضّمان لأنّ الإتلاف اعتداء وإضرار . وقد قال اللّه تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وقال صلى الله عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضرار » ، وقد تعذّر نفي الضّرر من حيث الصّورة فيجب نفيه من حيث المعنى بالضّمان ، ليقوم الضّمان مقام المتلف ، فينتفي الضّرر بالقدر الممكن . ولهذا وجب الضّمان بالغصب ، فبالإتلاف أولى ، سواء وقع الإتلاف له صورةً ومعنًى بإخراجه عن كونه صالحاً للانتفاع ، أو معنًى بإحداث معنًى فيه يمنع من الانتفاع به مع قيامه في نفسه حقيقةً ، لأنّ كلّ ذلك اعتداء وإضرار . ( طرق الإتلاف ) : 27 - الإتلاف إمّا بالمباشرة وإمّا بالتّسبّب . والتّسبّب يكون بالفعل في محلّ يفضي إلى تلف غيره عادةً . وكلاهما يوجب الضّمان ، لأنّ كلّ واحد منهما يقع اعتداءً وإضراراً أيضاً . ويبيّن ذلك ابن رجب بقوله : أسباب الضّمان ثلاثة ، فذكر منها الإتلاف ، ثمّ قال : المراد بالإتلاف أن يباشر الإتلاف بسبب يقتضيه ، كالقتل والإحراق ، أو ينصبّ سبباً عدواناً فيحصل به الإتلاف ، كأن يؤجّج ناراً في يوم ريح عاصف ، فيتعدّى إلى إتلاف مال الغير ، أو فتح قفصاً عن طائر فطار ، لأنّه تسبّب إلى الإتلاف بما يقتضيه عادةً ، وأطال في البيان والتّفريع . والإتلاف بالمباشرة هو الأصل . ومعظم صور الإتلاف من أمثلته . الإتلاف بالتّسبّب : 28 - الإتلاف بالتّسبّب يترتّب عليه موجبه : الضّمان في الماليّات ، والجزاء في غيرها ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء . ولكنّهم اختلفوا في تطبيق هذا المبدأ في بعض الفروع دون بعض ، فمثلاً : عند المالكيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن ، وهو قول للشّافعيّة : لو أنّ إنساناً فتح قفصاً فيه طائر ، فطار أو ذهب عقب فتحه ، والمباشرة إنّما حصلت ممّن لا يمكن إحالة الحكم عليه ، لزمه الضّمان ، كما لو نفّر الطّائر ، أو أهاج الدّابّة ، أو سلّط كلباً على صبيّ فقتله ، لأنّ الطّائر ونحوه من طبعه النّفور ، وإنّما يبقى بالمانع ، فإذا أزيل المانع ذهب بطبعه ، فكان ضمانه على من أزال المانع . وكذلك بالنّسبة لمن شقّ زقّ إنسان فيه دهن مائع فسال وهلك . أمّا إن فتح القفص ، وحلّ الفرس ، فبقيا واقفين ، فجاء إنسان فنفّرهما فذهبا ، فالضّمان على منفّرهما ، لأنّ سببه أخصّ ، فاختصّ به الضّمان ، كالدّافع شخصاً إلى بئر مع الحافر للبئر ، فالإتلاف ينسب للدّافع . قال أبو حنيفة وأبو يوسف وهو قول للشّافعيّة لا يضمن من حلّ رباط الفرس ، أو فتح قفص الطّائر ، إلاّ أن يكون أهاجهما حتّى ذهبا ، لأنّ مجرّد الفتح ليس بإتلاف مباشرة ولا تسبّباً ملجئاً ، لأنّ الطّير مختار في الطّيران فكان الطّيران مضافاً إلى اختياره والفتح سبباً غير ملجئ فلا حكم له . بخلاف شقّ الزّقّ ، لأنّ المائع سيّال بطبعه بحيث لا يوجد منه الاستمساك عند عدم المانع إلاّ على نقض العادة ، فكان الفتح تسبّباً للتّلف ، فيجب الضّمان . وكذا إذا حلّ رباط الدّابّة ، أو فتح باب الإصطبل . وقد ذكرت هذه الأمثلة لتكون دلالةً على اتّجاهات الفقهاء في تطبيق مبدإ التّسبّب . وأطال الفقهاء في التّفريع وذكر الصّور في بابي الغصب والضّمان . ما تتلفه الدّوابّ : 29 - إذا أتلفت الدّابّة زرعاً للغير ، وكان ذلك ليلاً ، ضمن صاحبها عند الجمهور ، لأنّ فعلها منسوب إليه ، وعليه تعهّدها وحفظها ، ولأنّ نفع أكلها من الزّرع عائد عليه . وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة أنّه لا يضمن . لما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « العجماء جرحها جبار » ولأنّها أفسدت وليست يده عليها فلم يلزمه الضّمان ، كما لو كان الإتلاف نهاراً ، أو أتلفت غير الزّرع . واستدلّ الجمهور بما روى مالك « أنّ ناقةً للبراء دخلت حائط قوم ، فأفسدت ، فقضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ على أهل الأموال حفظها بالنّهار ، وما أفسدته باللّيل فهو مضمون عليهم » ، ولأنّ العادة من أهل المواشي إرسالها في النّهار للرّعي وحفظها ليلاً ، وعادة أهل الحوائط ( البساتين ) والزّروع حفظها نهاراً دون اللّيل ، فإذا ذهبت ليلاً كان التّفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ . 30 - أمّا إذا أتلفت الزّرع نهاراً ، وكانت وحدها ، فلا ضمان عند الجمهور ، إذ العادة الغالبة حفظ الزّرع نهاراً ، فكان التّفريط من أهل الزّرع . ونصّ الشّافعيّة على أنّ الحكم يتغيّر بتغيّر العادة . وقيّد المالكيّة هذا الحكم بما إذا كانت الدّابّة لم تعرف بالاعتداء ، وإلاّ ضمن لعدم حفظها بربطها ربطاً محكماً . 31 - وإذا أتلفت الدّابّة شيئاً غير الزّرع ، وكان معها راع فيه كفاية الحفظ ، أو معها من له يد عليها ولم يمنعها فإنّه يضمن اتّفاقاً ما أتلفته من زرع وغيره أمّا إذا كانت وحدها فقد ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه لا يضمن مالكها ، لأنّها لا تتلف غير الزّرع عادةً ، ولحديث « العجماء جبار » كما أنّه لو جمحت الدّابّة بالرّاكب ، ولم يقدر على ردّها ، فإنّه لا يضمن ، كالمنفلتة ، لأنّ الرّاكب حينئذ ليس بمسير لها ، فلا يضاف سيرها إليه . وقال المالكيّة : لا ضمان إلاّ إذا كانت من شأنها الاعتداء ، فإنّه يضمن حيث فرّط في حفظها . أمّا الشّافعيّة فالمعتمد عندهم الضّمان . 32 - ما تقدّم كلّه خاصّ بما يمكن منعه من البهائم والدّوابّ ، أمّا ما لا يمكن منعه ، كالحمام والنّحل ، فإنّه لا ضمان فيما أتلفه ، لأنّه لا يدخل تحت اليد . وقد أفتى البلقينيّ ، من الشّافعيّة ، في نحل قتل جملاً بأنّه هدر ، لتقصير صاحبه دون صاحب النّحل . وقد ذكر الفقهاء صوراً كثيرةً حول هذه المسألة . 33 - موجب الإتلاف الضّمان وذلك في إحدى حالتين : 1 - بإتلاف مال الغير المحترم شرعاً بغير إذن من الشّارع ومن صاحبه ، وفي حكمه إتلاف الأموال العامّة من غير المباحات . 2 - إتلاف مال الغير المحترم شرعاً بإذن من الشّارع للضّرورة بغير رضا صاحب المال . وقد ينحصر موجب الإتلاف في الإثم فقط ، كما إذا أتلف لنفسه مالاً ينتفع به . ما يشترط لضمان المتلفات : 34 - ذكر بعض الفقهاء شروطاً هذه خلاصتها : 1 - أن يكون الشّيء المتلف مالاً ، فلا يجب الضّمان بإتلاف الميتة والدّم وجلد الميتة وغير ذلك ممّا ليس بمال . 2 - أن يكون متقوّماً ، فلا يجب الضّمان بإتلاف الخمر والخنزير على المسلم ، سواء كان المتلف مسلماً أو ذمّيّاً لسقوط تقوّم الخمر والخنزير في حقّ المسلم . 3 - أن يكون المتلف من أهل وجوب الضّمان عليه ، فلو أتلفت بهيمة مال إنسان فإنّه لا يجب الضّمان ، على التّفصيل السّابق ذكره . ولو أتلف الصّبيّ والمجنون نفساً أو مالاً لزم الضّمان ، لعدم توقّف ذلك على القصد ، وإحياءً لحقّ المتلف عليه . وضمان المال يكون في مالهما ، أمّا ضمان النّفس فعلى العاقلة . ونقل صاحب الدّرّ عن الأشباه : الصّبيّ المحجور مؤاخذ بأفعاله ، فيضمن ما أتلفه من المال للحال . وإذا قتل فالدّية على عاقلته ، إلاّ في مسائل مستثناة فإنّه يضمن فيها : لو أتلف ما اقترضه ، وما أودع عنده بلا إذن وليّه ، وما أعير له ، وما بيع منه بلا إذن . وأطال ابن عابدين في التّعليق على بعض المستثنيات . 4 - أن يكون في الوجوب فائدة ، فلا ضمان على المسلم بإتلاف مال الحربيّ ، ولا على الحربيّ بإتلاف مال المسلم ، في دار الحرب ، ولا ضمان على مقاتلي البغاة إذا أتلفوا مالاً لهم ، ولا على البغاة إذا أتلفوا في المعركة أموال مقاتل ، لأنّه لا فائدة في الوجوب ، لعدم إمكان الوصول إلى الضّمان ، لانعدام الولاية ، ولأنّهم إذا لم يضمنوا الأنفس فالأموال أولى . وتفصيل ذلك في " البغاة " 35 - والعصمة ليست بشرط لوجوب ضمان المال ، لأنّ الصّبيّ مأخوذ بضمان الإتلاف ، وإن لم تثبت عصمة المتلف في حقّه ، كما أنّ العلم بكون المتلف مال الغير ليس بشرط لوجوب الضّمان ، حتّى لو أتلف مالاً ظنّ أنّه ملكه ، ثمّ تبيّن أنّه ملك غيره ، ضمن ، لأنّ الإتلاف أمر حقيقيّ لا يتوقّف وجوده على العلم . كيفيّة التّضمين الواجب بالإتلاف : 36 - لا نعلم خلافاً في أنّ المتلف إن كان مثليّاً ضمن بمثله ، وإن كان قيميّاً ضمن بقيمته . كما لا نعلم خلافاً في أنّ تقدير القيمة يراعى فيه مكان الإتلاف . وأمّا إذا فقد المثليّ ، بأن لم يوجد في الأسواق فقد اتّفق الفقهاء كذلك على أنّه يعدل عن المثليّ إلى القيمة ولكنّهم اختلفوا في تقديرها . أيراعى وقت الإتلاف ، أم وقت انقطاعها عن الأسواق ، أم وقت المطالبة ، أم وقت الأداء ؟ فأبو حنيفة اعتبر يوم الحكم ، والمالكيّة وأبو يوسف اعتبروا يوم الغصب إن كان مغصوباً ، ويوم التّلف إن لم يكن مغصوباً ، ومحمّد بن الحسن اعتبر يوم انقطاع المثل ، لأنّه وقت الانتقال من القيمة إلى المثل . وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فالأصحّ عندهم اعتبار أقصى ما بلغت قيمته ما بين التّلف والأداء ( التّنفيذ ) . وأمّا القيميّ فقد اتّفقوا على أنّه إذا لم تتغيّر قيمته من يوم إتلافه إلى يوم أدائه فالعبرة بقيمته ، بالغةً ما بلغت . أمّا إذا تغيّرت القيمة من يوم إتلافه إلى يوم أدائه فهو على الخلاف المشار إليه في حالة انقطاع المثليّ . الإكراه على الإتلاف ومن عليه الضّمان : 37 - لو أكره شخص آخر إكراهاً ملجئاً على إتلاف مال محترم مملوك لغير المكره ( بكسر الرّاء ) فإنّ الضّمان يجب عليه عند كلّ من الحنفيّة والشّافعيّة ووجه عند الحنابلة ، لأنّ ذلك من حيث إنّه إتلاف ينسب إلى الحامل على الفعل ، لا إلى الفاعل ، لأنّه كالآلة . وللمستحقّ مطالبة المتلف ، ويرجع به على المكره لأنّه معذور في ذلك الفعل ، فلم يلزمه الضّمان . والقول بأنّ الضّمان على المكره يفهم أيضاً ممّا نقله ابن فرحون المالكيّ عن فضل بن سلمة أنّ ابن الماجشون قال في السّلطان يأمر رجلاً بقتل رجل ظلماً : إنّ السّلطان يقتل ، ولا يقتل المأمور ، إذ الإلزام بتضمين المال دون القود . 38 - والوجه الثّاني عند الحنابلة : أنّ الضّمان عليهما كالدّية ، لاشتراكهما في الإثم . وفي قول عند المالكيّة - كما يؤخذ من كلام ابن فرحون - أنّ الضّمان على المكره - بالفتح - استناداً إلى حديث « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » يقول ابن فرحون : إنّ من أمره الوالي بقتل رجل ظلماً ، أو قطعه أو جلده أو أخذ ماله أو بيع متاعه ، فلا يفعل شيئاً من ذلك ، وإن علم أنّه إن عصاه وقع به في نفسه أو ظهره أو ماله فإن أطاعه وجب عليه القود والقطع والغرم ، وغرم ثمن ما باع . وتفصيل الكلام فيه موطنه بحث ( الإكراه ) . أثر الإتلاف في تحقّق القبض وإسقاط الأجرة : 39 - من المقرّر شرعاً أنّ المبيع قبل قبضه يكون في ضمان البائع ، وأنّ إتلاف المشتري له وهو في يد البائع يعتبر قبضاً فيلزمه الثّمن ، لأنّه لا يمكنه إتلافه إلاّ بعد إثبات يده عليه ، وهو معنى القبض فيتقرّر عليه الثّمن . وعلى هذا فإنّ الإتلاف يعتبر قبضاً وتترتّب عليه آثاره ، فقد جاء في الشّرح الكبير على المقنع : ما يحتاج إلى القبض إذا تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع . فإن تلف بآفة سماويّة بطل العقد ، ورجع المشتري بالثّمن ، وإن أتلفه المشتري استقرّ عليه الثّمن ، وكان كالقبض ، لأنّه تصرّف فيه 40 - ومن صور الإتلاف في الهبة ما نصّوا عليه من أنّ القبض يتمّ في الهبة ولو بإتلاف الموهوب له العين الموهوبة بإذن الواهب . 41 - ومن صوره في المهر ما قالوه من أنّ الزّوجة الرّشيدة إن أتلفت صداقها إتلافاً يقتضي الضّمان - وهو في يد الزّوجة أو الوليّ - اعتبرت قابضةً لحقّها . أمّا إتلاف غير الرّشيدة فلا يعتبر قبضاً . وكذلك الإتلاف لدفع الصّيال ، فلا يعتبر قبضاً . 42 - وقال الحنفيّة في الإجارة لو خاط الخيّاط ثوباً بأجر ، ففتقه آخر قبل أن يقبضه ربّ الثّوب ، فلا أجر للخيّاط ، لأنّ الخياطة ممّا له أثر ، فلا أجر قبل التّسليم . وبالإتلاف تعذّر التّسليم . وللخيّاط تضمين الفاتق ما نقصه الفتق ، وأجر مثل الخياطة ، ولا يجب الأجر المسمّى لأنّه إنّما لزم بالعقد ولا عقد بينه وبين الفاتق ) فوجب المصير إلى أجر المثل . ( حدوث الاسترداد بالإتلاف ) : 43 - إذا هلك المبيع كلّه بفعل البائع وهو في يده أو في يد المشتري الّذي قبضه بغير إذن البائع فإنّ البائع يعدّ مستردّاً للمبيع ، وبطل البيع وسقط الثّمن عن المشتري . وإذا هلك بعض المبيع بفعل البائع فإن كان قبل القبض بطل البيع بقدر الهالك ، واعتبر مستردّاً هذا البعض ، وسقط عن المشتري حصّة الهالك من الثّمن . والمشتري بالخيار في الباقي لتفرّق الصّفقة . وإن كان إتلاف البائع للمبيع بعد قبض المشتري له قبضاً صحيحاً ، وبعد استيفاء الثّمن ، لم يعتبر ذلك منه استرداداً ، وإنّما إهلاكه وإهلاك الأجنبيّ سواء . وإن كان المشتري قبضه بغير إذن البائع والثّمن حالّ غير مفقود ، اعتبر ذلك الإهلاك من البائع استرداداً في القدر الّذي أتلفه ، وسقط عن المشتري حصّته من الثّمن . وتفصيل ذلك موضعه مصطلح ( استرداد ) . الإتلاف بالسّراية : 44 - ما يتلف بالسّراية إن كان بسبب مأذون فيه دون جهل أو تقصير فلا ضمان . وعلى هذا فلا ضمان على طبيب ، وبزّاغ ( بيطار ) ، وحجّام ، وختّان ، ما دام أذن لهم بهذا ولم يقصّروا ، وإلاّ لزم الضّمان . يقول ابن قدامة : إذا فعل الحجّام والختّان والمتطبّب ما أمروا به لم يضمنوا ، بشرطين : أحدهما : أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم ، فإذا لم يكونوا كذلك كان فعلاً محرّماً ، فيضمن سرايته . الثّاني : ألا يتجاوز ما ينبغي أن يقطع . فإن كان حاذقاً وتجاوز ، أو قطع في غير محلّ القطع ، أو في وقت لا يصلح فيه القطع ، وأشباه هذا ، ضمن فيه كلّه ، لأنّه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ ، فأشبه إتلاف المال . وكذلك الحكم في القاطع في القصاص ، وقاطع يد السّارق . ثمّ قال : ولا نعلم فيه خلافاً . الإتلاف نتيجة التّصادم : 45 - وفي الإتلاف بالتّصادم والتّجاذب تضمن عاقلة كلّ فارس أو راجل دية الآخر ، إن اصطدما وماتا منه فوقعا على القفا وكانا غير عامدين . أمّا لو وقعا على الوجه فيهدر دمهما . ولو كانا عامدين فعلى كلّ نصف دية الآخر . 46 - ولو تجاذب رجلان حبلاً ، فانقطع الحبل فسقطا على القفا وماتا ، أهدر دمهما لموت كلّ بقوّة نفسه . فإن وقعا على الوجه وجب دية كلّ واحد منهما على عاقلة الآخر لموته بقوّة صاحبه . فإن تعاكسا فدية الواقع على الوجه على عاقلة الآخر ، وأهدر دم من وقع على القفا . وقال مالك في السّفينتين تصطدمان ، فتغرق إحداهما بما فيها ، فلا شيء في ذلك على أحد ، لأنّ الرّيح تغلبهم ، إلاّ أن يعلم النّواتيّة ( البحّارة ) أنّهم لو أرادوا صرفها لقدروا ، فيضمنون . وقال ابن شاس : ولو تجاذبا الحبل ، فانقطع ، فتلفا ، فكاصطدامهما ، وإن وقع أحدهما على شيء ، فأتلفه ، ضمن . وقال ابن قدامة : وإن تصادم نفسان يمشيان ، فماتا ، فعلى عاقلة كلّ واحد منهما دية الآخر . وإن كانتا امرأتين حبليين فهما كالرّجلين . فإن أسقطت كلّ واحدة منهما جنيناً فعلى كلّ واحدة نصف ضمان جنينها ونصف ضمان جنين صاحبتها . إتلاف بعض المنقول لسلامة السّفينة : 47 - جمهور الفقهاء على أنّ ملاّح السّفينة إن كان أجيراً مشتركاً ضمن ما تلف بعمله إذا لم يكن صاحب المحمول حاضراً معه ، على التّفصيل المبيّن في مصطلح ( إجارة ) أمّا إن خيف على السّفينة الغرق ، فألقى بعض الرّكّاب متاعه ، أو شيئاً منه ، لتسلم السّفينة من الغرق ، فلا ضمان على أحد ، لأنّه أتلف متاع نفسه باختياره لصلاحه وصلاح غيره . وإن ألقى متاع غيره بغير إذنه ضمنه وحده كأكل مضطرّ طعام غيره بغير إذنه . وقد ذهب الحنفيّة إلى أنّه إن اتّفقوا على إلقاء الأمتعة كلّها أو بعضها لحفظ الأنفس فقط فالغرم بعدد الرّءوس . أمّا إذا قصدوا حفظ الأمتعة فقط ، بأن كانت السّفينة في موضع لا تغرق فيه الأنفس ، فالغرم بينهم على قدر الأموال . وإن قصدوا حفظ الأنفس والأموال معاً فالغرم بينهم على قدرهما . وذهب المالكيّة إلى أنّه في حال طرح الأمتعة من السّفينة عند خوف غرقها يوزّع ما طرح على مال التّجارة فقط . 48 - ولا سبيل لطرح الآدميّ لإنقاذ السّفينة من الغرق ، ذكراً كان أو أنثى ، حرّاً أو عبداً ، مسلماً أو كافراً ، إذ الإجماع على أنّه لا يجوز إماتة أحد من الآدميّين لنجاة غيره . وينقل الدّسوقيّ عن اللّخميّ أنّه أجاز ذلك بالقرعة . 49 - وقد اتّفق الفقهاء على أنّ ما يقع من تلف في الأنفس والأموال نتيجة العجز عن إنقاذه فلا ضمان فيه ولا قود ، ومن أمثلته عدم التّحكّم في السّفينة للرّياح الشّديدة . الظّاهر من تتبّع أقوال الفقهاء في ضمان الإتلاف النّاشئ عن التّأديب والتّعليم ، سواء بالنّسبة للأب أو الوصيّ أو المعلّم أو الزّوج ، التّفصيل بين مجاوزة الفعل المعتاد وعدم مجاوزته . فالضّمان متّفق على وجوبه في حال مجاوزة الفعل المعتاد ، بل بعض المذاهب يجعل فيه القصاص أو الدّية . وأمّا إذا كان الفعل في التّأديب معتاداً ففيه خلاف بين الفقهاء ، مجمله : القول بالضّمان ، لأنّ الجواز لا ينافي الضّمان . والقول الآخر لهم - وهو المشهور والأصحّ في الجملة - أنّه لا ضمان ، لأنّه مأذون به شرعاً وعادةً ، ولو أوجب فيه الضّمان لوقع حرج على النّاس في تأديب من يوكّل إليهم تأديبه وفي هذه المسائل تفصيل موطنه مصطلح ( تأديب ) . إتلاف الأجير والمستأجر لما في يده : 50 - العين في يد المستأجر أمانة فلو هلكت دون تعدّ أو تفريط أو مخالفة للمأذون فيه فلا ضمان عليه وإلاّ ضمن . والأجير الخاصّ أمين ، فلا يضمن إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط أو المخالفة ، والأجير المشترك اختار الفقهاء القول بتضمينه إلاّ فيما لا يمكن تداركه على التّفصيل المبيّن في مصطلح ( الإجارة ) . إتلاف المغصوب : 51 - يد الغاصب يد ضمان اتّفاقاً ، ويلزمه ردّ ما اغتصبه بعينه إن كان قائماً مثليّاً كان أو قيميّاً . فإن أتلفه أو تلف بنفسه ضمنه ، ووجب ردّ قيمته إن كان قيميّاً ، ومثله إن كان مثليّاً ، على التّفصيل السّابق في كيفيّة تضمين المتلفات . 52 - وإذا أتلف المغصوب شخص آخر وهو في يد الغاصب ، فذهب الجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) إلى أنّ المالك مخيّر بين تضمين الغاصب وتضمين المتلف . وذهب الشّافعيّ إلى أنّ الأصل تضمين المتلف ، إلاّ إن كان الإتلاف لمصلحة الغاصب ، كأن قال له : اذبح هذه الشّاة لي ، أو أفهمه أنّ المتلف ملك له . |
إتلاف اللّقطة الوديعة والعاريّة : 53 - العين الملتقطة والمودعة والمعارة الأصل فيها أن تكون أمانةً في يد الملتقط والوديع والمستعير . والأصل أنّ الأمين لا يضمن إلاّ بالاعتداء أو الإهمال لقوله صلى الله عليه وسلم : « ليس على المستعير غير المغلّ ضمان ، ولا على المستودع غير المغلّ ضمان » ولأنّ بالنّاس حاجة إلى ذلك ، فلو ضمناهم لامتنع النّاس عنه . وعلى ذلك فإن حدث منه اعتداء ترتّب عليه إتلاف ضمن . أمّا التّلف الّذي يقع دون اعتداء ولا إهمال أو تقصير فإنّه لا يترتّب عليه ضمان . لكنّ الشّافعيّة قالوا : إنّ الأصل في العاريّة أنّها مضمونة في يد المستعير ، فلو تلفت بغير استعمال مأذون فيه ضمنها وإن لم يفرّط ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » ، وقالوا : الأصحّ أنّه لا يضمن ما ينمحق من الثّياب أو ينسحق بالاستعمال . وقيل بالضّمان فيهما . وقيل يضمن المنمحق - أي البالي - دون المنسحق - أي التّالف بعض أجزائه - . 54 - وينبغي أن يلاحظ أنّ عاريّة الدّراهم والدّنانير والمكيل والموزون والمعدود يكون قرضاً في الحقيقة ، إذ لا يمكن الانتفاع بها إلاّ باستهلاك أعيانها وإتلافها . وما دامت في حقيقتها قرضاً فإنّه يجب ردّ مثلها ، أو قيمتها إن انعدم المثل . وتفصيل ذلك وبيان المذاهب فيه في مواضعه من اللّقطة الوديعة والعاريّة . إتمام التّعريف 1 - الإتمام لغةً : الإكمال . ولم نقف للفقهاء على تعريف اصطلاحيّ للإتمام ، ولا يخرج استعمالهم عن التّعريف اللّغويّ . هذا ، وللإتمام إطلاق خاصّ يتّصل بالعدد لا بالكيفيّة ، ومن ذلك إتمام الصّلاة بدلاً من قصرها ، فكلّ من القصر والإتمام كمال ، وإنّما لوحظ في لفظي الإتمام والقصر العدد . وتفصيل ذلك في صلاة المسافر . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - الإكمال : الّذي يستفاد من تعريف الرّاغب للكمال والتّمام - كلّ في مادّته - أنّ هناك فرقاً بينهما هو أنّ تمام الشّيء انتهاؤه إلى حدّ لا يحتاج إلى شيء خارج عنه ، وأنّ كمال الشّيء حصول ما فيه الغرض منه . وعليه فالتّمام يستلزم الكمال . وقد ظهر من تتبّع كتب اللّغة والتّفسير عند قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم } عدم وضوح فرق بينهما فيكونان مترادفين . ولم يظهر فرق بينهما في المعنى الاصطلاحيّ . الحكم الإجماليّ ) : 3 - الحكم التّكليفيّ للإتمام أنّ إتمام ما شرع فيه المكلّف من طاعة واجبة واجب بإجماع الفقهاء ، وإتمام ما شرع فيه من طاعة نافلة مختلف فيه . ففي الجملة يذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب الإتمام أخذاً بظاهر قوله تعالى { ولا تبطلوا أعمالكم } . ويذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه غير واجب ، على خلاف وتفصيل يرجع إليه في مواطنه لكلّ تصرّف بحسبه . والأثر المترتّب على التّمام أنّه طالما يعني الإتيان بالأركان الضّروريّة فإنّ آثار أيّ تصرّف قوليّ أو فعليّ تتوقّف على الإتيان بها . هذا ، والفقهاء يفصّلون أحكام الإتمام بالنّسبة لكلّ مسألة فقهيّة في موضعها ، ومن تلك المواطن مسائل النّوافل والتّطوّع بالنّسبة للصّيام والصّلاة وغيرها . اتّهام انظر : تهمة . إثبات التّعريف 1 - الإثبات لغةً مصدر أثبت بمعنى اعتبر الشّيء دائماً مستقرّاً أو صحيحاً ويؤخذ من كلام الفقهاء أنّ الإثبات إقامة الدّليل الشّرعيّ أمام القاضي في مجلس قضائه على حقّ أو واقعة من الوقائع . ( القصد من الإثبات ) : 2 - المقصود من الإثبات وصول المدّعي إلى حقّه . أو منع التّعرّض له ، فإذا أثبت دعواه لدى القاضي بوجهها الشّرعيّ ، وتبيّن أنّ المدّعى عليه مانع حقّه ، أو متعرّض له بغير حقّ ، يمنعه القاضي عن تمرّده في منع الحقّ ، ويوصّله إلى مدّعيه . من يكلّف الإثبات : 3 - لا خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة في أنّ الإثبات يطلب من المدّعي ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « البيّنة على المدّعي ، واليمين على من أنكر » . وفي رواية مسلم وأحمد : « لو أعطي النّاس بدعواهم لادّعى أناس دماء رجال وأموالهم ، لكنّ البيّنة على المدّعي » . ولأنّ المدّعي يدّعي أمراً خفيّاً ، فيحتاج إلى إظهار . وللبيّنة قوّة إظهار ، لأنّها كلام من ليس بخصم ، وهم الشّهود ، فجعلت حجّةً للمدّعي . واليمين وإن كانت مؤكّدةً بذكر اسم اللّه تعالى ، لكنّها كلام الخصم ، فلا تصلح حجّةً مظهرةً للحقّ ، وتصلح حجّةً للمدّعى عليه ، لأنّه متمسّك بالظّاهر ، وهو ظاهر اليد ، فحاجته إلى استمرار حكم الظّاهر . واليمين ، وإن كانت كلاماً ، فهي كافية للاستمرار . فكان جعل البيّنة حجّة المدّعي ، وجعل اليمين حجّة المدّعى عليه ، وضع الشّيء في موضعه ، وهو غاية الحكمة . وقال محمّد بن الحسن في ( الأصل ) : المدّعى عليه هو المنكر ، والآخر هو المدّعي ، غير أنّ التّمييز بينهما يحتاج إلى فقه ودقّة ، إذ العبرة للمعنى دون الصّورة ، فإنّه قد يوجد الكلام من شخص في صورة المدّعي ، وهو إنكار في المعنى ، كالوديع إذا ادّعى ردّ الوديعة ، فإنّه مدّع للرّدّ صورةً ، وهو منكر لوجوب الرّدّ معنًى . والقاعدة المذكورة إنّما هي في المتخاصمين يكون أحدهما مدّعياً معنًى وحقيقةً . فالحكم فيها أنّ البيّنة على المدّعي ، واليمين على المدّعى عليه . هل يتوقّف القضاء بالإثبات على الطّلب ؟ 4 - يشترط لصحّة الحكم واعتباره في حقوق العباد الدّعوى الصّحيحة ، وأنّه لا بدّ في ذلك من الخصومة الشّرعيّة . وإذا صحّت الدّعوى سأل القاضي المدّعى عليه عنها . فإن أقرّ فبها ، وإن أنكر ، فبرهن المدّعي ، قضي عليه بلا طلب المدّعي عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الأصحّ ، وهو رواية عند الحنابلة ، لأنّ مقتضى الحال يدلّ على إرادته ذلك . والأصحّ عند الحنابلة ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة أنّ القاضي لا يجوز له الحكم على المدّعى عليه إلاّ بطلب المدّعي ، لأنّ الحكم على المدّعى عليه حقّ للمدّعي ، فلا يستوفيه إلاّ بطلبه . طرق إثبات الدّعوى : 5 - اتّفق الفقهاء على أنّ الإقرار والشّهادة واليمين والنّكول والقسامة - على تفصيل في الكيفيّة أو الأثر - حجج شرعيّة يعتمد عليها القاضي في قضائه ، ويعوّل عليها في حكمه . واختلفوا فيما وراء ذلك من طرق الإثبات الآتية ، فذهب الأئمّة مالك والشّافعيّ وأحمد إلى أنّه يقضي بالشّاهد مع اليمين في الأموال أو ما يئول إليها ، وإلى هذا ذهب أيضاً أبو ثور والفقهاء السّبعة المدنيّون . وذهب الإمام أبو حنيفة والثّوريّ والأوزاعيّ وجمهور أهل العراق إلى أنّه لا يقضي باليمين مع الشّاهد في شيء ، وإلى هذا ذهب اللّيث من أصحاب الإمام مالك . وزاد ابن الغرس من الحنفيّة القرينة الواضحة . وقال الخير الرّمليّ الحنفيّ : لا شكّ أنّ ما زاده ابن الغرس غريب خارج عن الجادّة . فلا ينبغي التّعويل عليه ما لم يعضّده النّقل . ومن الفقهاء من لم يحصر الطّرق في أنواع معيّنة ، بل قال : إنّ كلّ ما يبيّن الحقّ ويظهره يكون دليلاً يقضي به القاضي ويبني عليه حكمه . وهذا ما قاله ابن القيّم ، وتبعه في ذلك بعض الفقهاء كابن فرحون من المالكيّة . فقد جاء في الطّرق الحكميّة : « والمقصود أنّ البيّنة في الشّرع اسم لما يبيّن الحقّ ويظهره ، وهي تارةً تكون أربعة شهود ، وتارةً ثلاثةً ، بالنّصّ في بيّنة المفلس ، وتارةً تكون شاهدين ، وشاهداً واحداً وامرأةً واحدةً ونكولاً ، ويميناً ، أو خمسين يميناً ، أو أربعة أيمان . وتكون شاهد الحال في صور كثيرة . فقوله صلى الله عليه وسلم : « البيّنة على المدّعي » أي عليه أن يظهر ما يبيّن صحّة دعواه . فإذا ظهر صدقه بطريق من الطّرق حكم له . وسيأتي الكلام في كلّ الطّرق الّتي اعتبرها الفقهاء للحكم سواء المتّفق عليه أو المختلف فيه . الإقرار 6 - الإقرار لغةً هو الاعتراف . يقال : أقرّ بالحقّ ، إذا اعترف به ، وقرّره غيره بالحقّ حتّى أقرّ به . وشرعاً : إخبار عن ثبوت حقّ للغير على نفسه . حجّيّة الإقرار : 7 - الإقرار حجّة ثابتة بالكتاب والسّنّة والإجماع والمعقول : فمن الكتاب قوله تعالى : { وإذ أخذ اللّه ميثاق النّبيّين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنّه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشّاهدين } وقوله تعالى { يا أيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه ولو على أنفسكم } . إذ الشّهادة على النّفس إقرار عليها بالحقّ . ومن السّنّة « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقام الحدّ على ماعز والغامديّة بناءً على إقرارهما بالزّنا » . وقد أجمعت الأمّة من عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الآن على أنّ الإقرار حجّة على المقرّ ، يؤخذ به ، ويعامل بمقتضاه . ودليله من المعقول : انتفاء التّهمة ، فإنّ العاقل لا يقرّ على نفسه كذباً . مرتبة الإقرار بين طرق الإثبات . 8 - الفقهاء مجمعون على أنّ الإقرار أقوى الأدلّة الشّرعيّة ، لانتفاء التّهمة فيه غالباً . فقد نصّ الحنفيّة على أنّ الإقرار حجّة شرعيّة فوق الشّهادة ، بناءً على انتفاء التّهمة فيه غالباً ، ولا ينافي ذلك أنّه حجّة قاصرة على المقرّ وحده ، في حين أنّ الشّهادة حجّة متعدّية ، لأنّ القوّة والضّعف وراء التّعدّية والاقتصار . فاتّصاف الإقرار بالاقتصار على نفس المقرّ ، والشّهادة بالتّعدّية إلى الغير ، لا ينافي اتّصافه بالقوّة واتّصافها بالضّعف بالنّسبة إليه ، بناءً على انتفاء التّهمة فيه دونها . ونصّ المالكيّة على أنّ الإقرار أبلغ من الشّهادة . قال أشهب : « قول كلّ أحد على نفسه أوجب من دعواه على غيره » . ونصّ الشّافعيّة على أنّ الإقرار أولى بالقبول من الشّهادة . ونصّ الحنابلة على أنّ المدّعى عليه إذا اعترف بالحقّ لا تسمع عليه الشّهادة ، وإنّما تسمع إذا أنكر . بم يكون الإقرار ؟ 9 - يكون الإقرار باللّفظ أو ما يقوم مقامه ، كالإشارة والكتابة والسّكوت بقرينة . وتفصيل ذلك وغيره من أحكام الإقرار يرجع إليه في مصطلح ( إقرار ) . الشّهادة : 10 - من معاني الشّهادة في اللّغة البيان والإظهار لما يعلمه ، وأنّها خبر قاطع . وشرعاً : إخبار عن ثبوت الحقّ للغير على الغير في مجلس القضاء . وقد اختلفت صيغها عند الفقهاء تبعاً لتضمّنها شروطاً في قبولها كلفظ الشّهادة ومجلس القضاء وغيره . حكمها : 11 - للشّهادة حالتان : حالة تحمّل ، وحالة أداءً . فأمّا التّحمّل ، وهو أن يدعى الشّخص ليشهد ويحفظ الشّهادة ، فإنّ ذلك فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين . فإن تعيّن بحيث لا يوجد غيره كان فرضاً عليه . وأمّا الأداء ، وهو أن يدعى الشّخص ليشهد بما علمه ، فإنّ ذلك واجب عليه ، لقوله تعالى { ولا يأب الشّهداء إذا ما دعوا } وقوله تعالى { ولا تكتموا الشّهادة ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه } دليل مشروعيّتها : 12 - اتّفق الفقهاء جميعاً على أنّ الشّهادة من طرق القضاء ، لقوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممّن ترضون من الشّهداء } وقوله صلى الله عليه وسلم : « البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر » . وقد أجمعت الأمّة على أنّها حجّة يبنى عليها الحكم . مدى حجّيّتها : 13 - الشّهادة حجّة متعدّية ، أي ثابتة في حقّ جميع النّاس غير مقتصرة على المقضيّ عليه ، لكنّها ليست حجّةً بنفسها إذ لا تكون ملزمةً إلاّ إذا اتّصل بها القضاء . وتفصيل أحكام الشّهادة يرجع إليه في موطنه في مصطلح ( شهادة ) . القضاء بالشّاهد واليمين : 14 - اختلف الفقهاء في القضاء باليمين مع الشّاهد : فذهب الأئمّة مالك والشّافعيّ وأحمد وأبو ثور والفقهاء السّبعة المدنيّون إلى أنّه يقضى باليمين مع الشّاهد في الأموال وما يئول إليها دون غيرها . وذهب الإمام أبو حنيفة والثّوريّ والأوزاعيّ وجمهور أهل العراق إلى أنّه لا يقضى باليمين مع الشّاهد في شيء . وقد استدلّ الإمام مالك ومن معه بحديث ابن عبّاس « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشّاهد » . 15 - والقائلون بالقضاء باليمين مع الشّاهد اختلفوا في اليمين مع المرأتين : فقال المالكيّة يجوز ، لأنّ المرأتين قامتا مقام الواحد مع الشّاهد الواحد وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا تقبل اليمين مع شهادة امرأتين ، لأنّ شهادة المرأتين إنّما اعتبرت فيما لو كانت شهادتهما مع شهادة رجل . وفي القضاء باليمين مع الشّاهد في الحدود الّتي هي حقّ النّاس خاصّةً كحدّ القذف قولان في مذهب مالك . واستدلّ المانعون من القضاء باليمين والشّاهد بالكتاب والسّنّة : فأمّا الكتاب فقوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممّن ترضون من الشّهداء } وقوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } فقبول الشّاهد الواحد واليمين زيادة على النّصّ ، والزّيادة على النّصّ نسخ ، وهو لا يجوز إلاّ بمتواتر أو مشهور . ولم يثبت واحد منهما . وأمّا السّنّة فقوله صلى الله عليه وسلم : « لو يعطى النّاس بدعواهم لادّعى أناس دماء رجال وأموالهم ، ولكنّ اليمين على المدّعى عليه » ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر » ومن قوله لمدّع : « شاهداك أو يمينه » فالحديث الأوّل جعل جنس اليمين على المنكر . فإذا قبلت يمين من المدّعي ، أو وجّهت إليه ، لم يكن جميع أفراد اليمين على المنكرين . وكذلك الحديث الثّاني جعل جميع أفراد البيّنة على المدّعي ، وجميع أفراد اليمين على المنكر . وتضمّن ، مع هذا ، قسمةً وتوزيعاً . والقسمة تنافي اشتراك الخصمين فيما وقعت فيه القسمة . والحديث الثّالث خيّر المدّعي بين أمرين لا ثالث لهما : إمّا بيّنة أو يمين المدّعى عليه . والتّخيير بين أمرين معيّنين يمنع تجاوزهما ، والجمع بينهما . اليمين 16 - من معاني اليمين في اللّغة القوّة والقدرة ، ثمّ أطلقت على الجارحة ، والحلف . وسمّي الحلف باللّه يميناً لأنّ به يتقوّى أحد طرفي الخصومة . والفقهاء متّفقون على أنّ اليمين من طرق القضاء ، وأنّها لا توجّه إلاّ بعد دعوى صحيحة ، وأنّها تكون باللّه تعالى ، وأنّها لا تكون إلاّ بطلب من الخصم ، إلاّ في مسائل مستثناة ، وتكون على العلم ، وعلى البتّ ، وأنّها لا يجري فيها الاستخلاف ، إلاّ فيما استثني ، وأنّها تقطع الخصومة في الجملة ، وأنّ صيغتها واحدة في الجملة بالنّسبة للمسلم وغير المسلم ، وأنّها توجّه في مجلس القضاء من القاضي والمحكّم . 17 - وموضع توجيه اليمين هو عند إنكار المدّعى عليه الحقّ المدّعى ، وعدم تقديم بيّنة . وهنا تفصيل : فالحنفيّة والمالكيّة يرتّبون طلب اليمين على عدم وجود بيّنة حاضرة في المجلس معلومة له . فإن كانت بعيدةً فله طلب اليمين . أمّا إذا قال المدّعي : لي بيّنة حاضرة في المصر ، ولكن أطلب يمين المدّعى عليه ، فأبو حنيفة ومحمّد - فيما رواه الطّحاويّ عنه - يريان أنّه لا حقّ له في طلب اليمين لأنّ اليمين بدل عن البيّنة . وذهب أبو يوسف ومحمّد - فيما رواه الخصّاف عنه - إلى أنّ للمدّعي حقّ طلب اليمين ، لأنّ ذلك حقّه فإذا طلبه يجاب إليه . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ للمدّعي حقّ طلب اليمين ولو كانت له بيّنة حاضرة ، لأنّه مخيّر بين تقديم البيّنة أو طلب اليمين . كما قال الحنفيّة : إن قال المدّعى عليه : لا أقرّ ولا أنكر ، لا يستحلف ، بل يحبس ليقرّ أو ينكر . وكذا لو لزم السّكوت بلا آفة ، عند أبي يوسف . ونقل عن البدائع : الأشبه أنّه إنكار فيستحلف . وتوجيه اليمين يكون من القاضي بطلب المدّعي . واستثنى الإمام أبو يوسف أربع مسائل يوجّه فيها القاضي اليمين بلا طلب المدّعي . أولاها : الرّدّ بالعيب ، يحلف المشتري باللّه ما رضيت بالعيب . والثّانية : الشّفيع : باللّه ما أبطلت شفعتك . وثالثها : المرأة ، إذا طلبت فرض النّفقة على زوجها الغائب : باللّه ما خلّف لك زوجك شيئاً ولا أعطاك النّفقة . ورابعها : يحلف المستحقّ : باللّه ما بايعت . 18 - وفي دعوى الدّين على الميّت : أجمع أئمّة المذاهب على تحليف المدّعي مع البيّنة بلا طلب المدّعى عليه ، بأن يقول له القاضي : باللّه ما استوفيت من المديون ، ولا من أحد أدّاه إليك عنه ، ولا قبضه له قابض بأمرك ، ولا أبرأته منه ، ولا شيئاً منه ، ولا أحلت بشيء من ذلك أحداً ، ولا عندك منه ولا بشيء منه رهن . وتسمّى هذه اليمين يمين الاستظهار ، ويمين القضاء ، والاستبراء ، وقال المالكيّة إنّ الدّعوى على الغائب ، أو على اليتيم أو على الأحباس أو على المساكين وعلى كلّ وجه من وجوه البرّ وعلى بيت المال وعلى من استحقّ شيئاً من الحيوان كذلك . وزاد بعضهم لزوم ذلك في العقار والرّباع . وفقهاء المذاهب متّفقون على أنّ التّحليف يكون في المال وما يئول إلى المال . 19 - واختلف أئمّة الحنفيّة في التّحليف في النّكاح والرّجعة والإيلاء والاستيلاد والرّقّ والولاء والنّسب . فذهب الإمام أبو حنيفة إلى عدم التّحليف في الأمور المذكورة . وذهب الإمامان أبو يوسف ومحمّد إلى التّحليف . والفتوى على قولهما . ويستحلف السّارق لأجل المال فإن نكل ضمن ولم يقطع . ومحلّ الخلاف بين الإمام وصاحبيه فيما ذكر إذا لم يتضمّن الحقّ المدّعى مالاً فإن تضمّنه حلف لأجل المال عند الجميع . وسبب الخلاف بين الإمام وصاحبيه في التّحليف في النّكاح وما تلاه أنّ من وجّهت عليه اليمين قد ينكل عن حلفها فيقضى للمدّعي . والنّكول يحتمل الإقرار والبذل عند الإمام . وهذه الأمور لا يتأتّى فيها البذل . وعند الصّاحبين أنّ النّكول إقرار فقط . 20 - والفقهاء متّفقون على أنّ اليمين تبطل بها دعوى المدّعي على المدّعى عليه ، أي أنّها تقطع الخصومة للحال . لكنّهم يختلفون في انقطاع الخصومة مطلقاً باليمين ، على معنى أنّه إذا حلف المدّعى عليه اليمين هل للمدّعي أن يعود إلى دعواه إذا وجد بيّنةً ؟ الصّحيح عند الحنفيّة وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّ يمين المدّعى عليه تقطع الخصومة في الحال فقط ، فإذا وجد المدّعي بيّنةً كان له أن يعيد الخصومة ، لأنّ اليمين كالخلف عن البيّنة ، فإذا جاء الأصل انتهى حكم الخلف ، إذ نصّوا على أنّ اليمين تفيد قطع الخصومة في الحال ، لا براءةً من الحقّ ، لأنّه صلى الله عليه وسلم : « أمر حالفاً بالخروج من حقّ صاحبه » فلو حلّف المدّعي المدّعى عليه ، ثمّ أقام بيّنةً بمدّعاه ، أو شاهداً ليحلف معه ، حكم بها . ومذهب المالكيّة وهو القول الآخر للحنفيّة أنّ اليمين تقطع الخصومة مطلقاً 21 - التّحليف على فعل النّفس يكون على البتات ، أي القطع بأنّه ليس كذلك . علام يحلف ؟ والتّحليف على فعل الغير يكون على العلم . وكلّ موضع وجب فيه اليمين على العلم ، فحلف على البتات ، كفى ، وسقطت عنه ، وعلى عكسه لا . حقّ الاستحلاف ( طلب الحلف ) 22 - الأصل في طلب اليمين أن يكون للمدّعي ، ويجوز أن ينوب عنه في ذلك وكيله أو وصيّه أو وليّه أو ناظر الوقف . ولا تجور الإنابة في الحلف إلاّ إذا كان المدّعى عليه أعمى أخرس أصمّ ، فإنّه يحلف عنه وليّه أو وصيّه . ولو أصمّ كتب القاضي ليجيب بخطّه إن عرف الكتابة ، وإلاّ فبإشارته . ما يحلف به : 23 - لا يحلف إلاّ باللّه تعالى ، أو بصفة من صفاته لحديث « من كان حالفاً فليحلف باللّه تعالى أو ليذر » . فلو حلّفه بغيره ، كالطّلاق ونحوه ممّا فيه إلزام بما لا يلزمه لولا الحلف ، لم يكن يميناً وإن ألحّ الخصم . وقيل : إن مسّت الضّرورة إلى الحلف بالطّلاق ، فوّض إلى القاضي . ويحلف اليهوديّ : باللّه الّذي أنزل التّوراة على موسى . والنّصرانيّ : باللّه الّذي أنزل الإنجيل على عيسى ، والمجوسيّ : باللّه الّذي خلق النّار . ويحلف الوثنيّ : باللّه تعالى ، لأنّه يقرّ به تعالى . ويحلف الأخرس بأن يقول له القاضي : عليك عهد اللّه وميثاقه إن كان كذا وكذا . فإذا أومأ برأسه : أي نعم ، صار حالفاً . ولا يقول له القاضي : « واللّه " وإلاّ كان القاضي هو الحالف . ما يحلف عليه : 24 - إذا كانت الدّعوى بملك أو حقّ مطلق فالتّحليف يكون على الحاصل ، بأن يحلف : باللّه ما له قبلي كذا ولا شيء منه . وأمّا إذا كانت الدّعوى بملك أو حقّ مبيّن السّبب فهناك اتّجاهات ثلاث : أ - فعلى ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، ومفهوم مذهب الحنابلة ، أنّ التّحليف على الحاصل - لأنّه أحوط - فيحلف : ليس للمدّعي قبلي شيء . ب - وفي رواية عن أبي يوسف ، ومفهوم مذهب المالكيّة ، أنّ التّحليف هنا على السّبب ، فيقول المدّعى عليه : باللّه ما اقترضت ، مثلاً . واستثنى أبو يوسف ما لو عرض المدّعى عليه كأن قال : قد يبيع الإنسان شيئاً ثمّ يقيل ، فحينئذ يحلف على الحاصل . ج - وعند الشّافعيّة ، وهو رواية أخرى عن أبي يوسف ، أنّ التّحليف يطابق الإنكار ، فإن أنكر الحاصل يحلف على الحاصل ، وإن أنكر السّبب ، وهو موضوع الدّعوى - يحلف على السّبب . وفي جميع الحالات الّتي يكون فيها التّحليف على السّبب إذا حلف على الحاصل أجزأه ، لأنّه يتضمّن السّبب وزيادةً . وهذا في الاتّفاق . افتداء اليمين والمصالحة عليها : 25 - صحّ للمدّعى عليه افتداء اليمين ، والصّلح عنها ، لحديث « ذبّوا عن أعراضكم بأموالكم » ولما روي أنّ عثمان رضي الله عنه افتدى يمينه ، وقال خفت أن تصادف قدراً ، فيقال : حلف فعوقب ، أو هذا شؤم يمينه ولا يحلف المنكر بعده أبداً ، لأنّه أسقط حقّه في الخصومة . ولأنّ كرام النّاس يترفّعون عن الحلف تورّعاً . أمّا لو أسقط المدّعي اليمين قصداً بدون مصالحة أو افتداء بعد طلبها ، لم يكن ذلك إسقاطاً . وله التّحليف ، لأنّ التّحليف حقّ القاضي . تغليظ اليمين : 26 - فقهاء المذاهب متّفقون على جواز تغليظ اليمين . لكنّهم اختلفوا بم يكون التّغليظ . فذهب جمهور الفقهاء ، وهو أحد الأقوال عند الحنفيّة ، إلى أنّ اليمين تغلظ بالزّمان والمكان والهيئة . وذلك فيما فيه خطر ، كنكاح وطلاق ولعان وولاء ووكالة ومال يبلغ نصاب زكاة . والتّغليظ بالزّمان كبعد العصر أو بين أذان وإقامة ، وبالمكان لأهل مكّة بين الرّكن والمقام ، ولأهل المدينة عند منبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وفي غير مكّة والمدينة في المسجد الأعظم . وبالنّسبة للهيئة قال بعضهم : يحلف قائماً مستقبل القبلة . ولم يجوّز التّغليظ أكثر مشايخ الحنفيّة ، وقيل لا يغلّظ على المعروف بالصّلاح . وعلى القول بجواز التّغليظ عند الحنفيّة فقد قصره بعضهم على ذكر صفة من صفاته تعالى ، كقوله : قل واللّه الّذي لا إله إلاّ هو ، عالم الغيب والشّهادة ، الرّحمن الرّحيم ، الّذي يعلم من السّرّ ما يعلم من العلانية ، ما لفلان هذا عليك ولا قبلك هذا المال الّذي ادّعاه ، وهو كذا وكذا ، ولا شيء منه . وللقاضي أن يزيد على هذا في التّغليظ وينقص وليس عندهم التّغليظ بالزّمان والمكان ، لأنّ المقصود تعظيم المقسم به ، وهو حاصل بدون ذلك . وفي إيجاب التّغليظ حرج على القاضي . وهم مجمعون على أنّ من وجّهت إليه اليمين لا يعتبر ناكلاً إن أبى التّغليظ . التّحالف : 27 - مصدر تحالف ، ومن معانيه في اللّغة : طلب كلّ من المتداعيين يمين الآخر . وهذا المعنى هو الموافق للشّرع . غاية الأمر أنّ التّحالف يكون أمام القضاء . والمراد هنا حلف المتخاصمين في مجلس القضاء . إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثّمن ، أو المبيع ، أو كليهما أو في وصفهما ، أو في جنسهما ، ولم يكن لأحدهما بيّنة ، تحالفا وتفاسخا عند جميع الفقهاء ، للحديث « إذا اختلف المتبايعان تحالفا وتفاسخا » وكذلك كلّ اختلاف بين متخاصمين على هذه الصّورة فبالتّحالف تنتهي الخصومة . وهناك تفصيل في المذاهب يرجع إليه في : ( تحالف ) . ردّ اليمين : 28 - مذهب الحنفيّة ، وأحد قولين للإمام أحمد ، أنّه إذا كانت للمدّعي بيّنة صحيحة قضي له بها . فإن لم تكن له بيّنة أصلاً ، أو كانت له بيّنة غير حاضرة ، طلب يمين المدّعى عليه ، فإن حلف بعد عرض القاضي اليمين عليه رفضت دعوى المدّعي ، وإن نكل عن اليمين بلا عذر ، فإن كان المدّعى مالاً ، أو المقصود منه المال ، قضي عليه بنكوله ، ولم ترد اليمين على المدّعي لقوله صلى الله عليه وسلم : « ولكنّ اليمين على جانب المدّعى عليه » وقوله : « البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه » فحصرها في جانب المدّعى عليه . واختار أبو الخطّاب من الحنابلة ردّها على المدّعي . فإن حلف المدّعي حكم له بما ادّعاه . قال أبو الخطّاب : وقد صوّبه أحمد ، فقال : ما هو ببعيد يحلف ويستحقّ . وقال : هو قول أهل المدينة . قال ابن قدامة : وروي ذلك عن عليّ رضي الله عنه ، وبه قال شريح والشّعبيّ والنّخعيّ وابن سيرين ، وبه قال الإمام مالك في الأموال خاصّةً . ومذهب الشّافعيّة أنّ اليمين تردّ على المدّعي في جميع الدّعاوى ، لما روى نافع عن ابن عمر « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ردّ اليمين على طالب الحقّ » ولأنّه إذا نكل ظهر صدق المدّعي وقوي جانبه ، فتشرع في حقّه ، كالمدّعى عليه قبل نكوله . وقال ابن أبي ليلى : لا أدعه حتّى يقرّ أو يحلف . النّكول عن اليمين : 29 - النّكول لغةً : الامتناع . يقال نكل عن اليمين أي امتنع عنها . وهو كذلك في الاصطلاح إذا كان في مجلس القضاء . والنّكول عند المالكيّة والشّافعيّة وفي أحد رأيين عند الحنابلة لا يكون حجّةً يقضى بها على المدّعى عليه . بل إذا نكل في دعوى المال أو ما يئول إليه ردّت اليمين على المدّعي بطلب المدّعى عليه ، فإن حلف المدّعي قضي له بما طلب وإن نكل المدّعي رفضت دعواه . فقد أقاموا نكول المدّعى عليه مقام الشّاهد ، إذ عندهم أنّه يقضى للمدّعي بحقّه إذا أقام شاهداً وحلف ، فكذلك يقضى له بنكول المدّعى عليه وحلف المدّعي . فالحقّ عندهم لا يثبت بسبب واحد ، كما لا يثبت بشاهد واحد . فإن حلف استحقّ به وإلاّ فلا شيء له . وعند المالكيّة أنّ كلّ دعوى لا تثبت إلاّ بشاهدين عدلين ، كالقتل والنّكاح والطّلاق ، فلا يمين توجّه من المدّعي على المدّعى عليه بمجرّد الدّعوى ، ولا بدّ لتوجيه اليمين من إقامة شاهد على الدّعوى ، فيحلف المدّعى عليه لردّ شهادة الشّاهد ، ولا تردّ على المدّعي ، إذ لا فائدة في ردّها عليه . وعند الحنفيّة أنّ المدّعى عليه إذا نكل عن اليمين الموجّهة إليه قضي عليه بنكوله لكونه باذلاً أو مقرّاً ، إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين ليدفع الضّرر عن نفسه . ولا وجه لردّ اليمين للحديث السّابق ذكره . وفي رواية لأحمد ، وهي الّتي اختارها أبو الخطّاب من الحنابلة ، أنّه إن نكل تردّ اليمين على المدّعي ، ويحكم له بما ادّعاه ، كما تقدّم . قضاء القاضي بعلمه : 30 - المراد بعلم القاضي ظنّه المؤكّد الّذي يجوز له الشّهادة مستنداً إليه . ولا خلاف بين فقهاء المذاهب في أنّ القاضي لا يجوز له القضاء بعلمه في الحدود الخالصة للّه تعالى كالزّنى وشرب الخمر ، لأنّ الحدود يحتاط في درئها ، وليس من الاحتياط الاكتفاء بعلم القاضي ، ولأنّ الحدود لا تثبت إلاّ بالإقرار أو البيّنة المنطوق بها ، وأنّه وإن وجد في علم القاضي معنى البيّنة ، فقد فاتت صورتها ، وهو النّطق ، وفوات الصّورة يورث شبهةً ، والحدود تدرأ بالشّبهات . وأمّا قضاء القاضي بعلمه في حقوق الآدميّين فمحلّ خلاف بين الفقهاء : فمذهب المالكيّة وغير الأظهر عند الشّافعيّة ، وظاهر مذهب الحنابلة ، أنّ القاضي لا يحكم بعلمه في حقوق الآدميّين ، وسواء في ذلك علمه قبل الولاية وبعدها . وهذا قول شريح والشّعبيّ وإسحاق وأبي عبيد ، مستدلّين بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّما أنا بشر ، وإنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع » . فدلّ الحديث على أنّه إنّما يقضي بما يسمع ، لا بما يعلم ، وبقوله صلى الله عليه وسلم في قضيّة الحضرميّ والكنديّ : « شاهداك أو يمينه ، ليس لك منه إلاّ ذاك » وبما روي عن عمر رضي الله عنه أنّه تداعى عنده رجلان ، فقال له أحدهما : أنت شاهدي . فقال إن شئتما شهدت ولم أحكم أو أحكم ولا أشهد والأظهر عند الشّافعيّة ، وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب الإمامين أبي يوسف ومحمّد ، أنّه يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه ، سواء في ذلك علمه قبل ولاية القضاء أم بعدها ، لكنّ الشّافعيّة قيّدوا ذلك بما إذا كان القاضي مجتهداً - وجوباً - ظاهر التّقوى والورع - ندباً - واشترطوا لنفاذ حكمه أن يصرّح بمستنده ، فيقول : علمت أنّ له عليك ما ادّعاه ، وقضيت ، أو : حكمت عليك بعلميّ . فإن ترك أحد اللّفظين ، لم ينفذ حكمه . واستدلّ القائلون بالجواز « بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا قالت له هند : إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطني من النّفقة ما يكفيني وولدي ، قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » فحكم لها من غير بيّنة ولا إقرار ، لعلمه بصدقها ، وبأنّه يجوز للقاضي أن يقضي بالبيّنة ، فيجوز القضاء بعلمه بطريق الأولى ، لأنّ المقصود من البيّنة ليس عينها ، بل حصول العلم بحكم الحادثة . وعلمه الحاصل بالمعاينة أقوى من علمه الحاصل بالشّهادة ، لأنّ العلم الحاصل بالشّهادة علم غالب الرّأي وأكبر الظّنّ ، والحاصل بالحسّ والمشاهدة على القطع واليقين ، فهو أقوى ، فكان القضاء به أولى . ومذهب الإمام أبي حنيفة أنّه يجوز للقاضي في حقوق الآدميّين أن يقضي بعلمه الّذي استفاده في زمن القضاء وفي مكانه ، ولا يجوز له القضاء بعلمه الّذي استفاده في غير زمن القضاء ، وفي غير مكانه ، أو في زمن القضاء في غير مكانه . وعلّل ذلك بأنّ هناك فرقاً بين العلمين ، فإنّ العلم الّذي استفاده في زمن القضاء ومكانه علم في وقت هو مكلّف فيه بالقضاء ، فأشبه البيّنة القائمة فيه ، والعلم الّذي استفاده قبل زمن القضاء هو في وقت غير مكلّف فيه بالقضاء ، فأشبه البيّنة القائمة فيه . وقال المخالفون : إنّ العلم في الحالين سواء . وقال الحنفيّة : إنّ المعتمد عدم حكم القاضي بعلمه في زماننا لفساد قضاته . وما قاله المتأخّرون من جواز قضاء القاضي بعلمه هو بخلاف المفتى به وذهب بعض المالكيّة إلى جواز قضاء القاضي بعلمه الّذي يحصل بين يديه في مجلس القضاء ، كالإقرار . ولكنّ ذلك في الحقيقة ليس حكماً بعلم القاضي ، وإنّما هو حكم مبنيّ على الإقرار . |
القضاء بالقرينة القاطعة : 31 - القرينة لغةً . العلامة والمراد بالقرينة القاطعة في الاصطلاح ، ما يدلّ على ما يطلب الحكم به دلالةً واضحةً بحيث تصيّره في حيّز المقطوع به ، كما لو ظهر إنسان من دار ، ومعه سكّين في يديه ، وهو متلوّث بالدّماء ، سريع الحركة ، عليه أثر الخوف ، فدخل إنسان أو جمع من النّاس في ذلك الوقت ، فوجدوا بها شخصاً مذبوحاً لذلك الحين ، وهو متضمّخ بدمائه ، ولم يكن في الدّار غير ذلك الرّجل الّذي وجد على الصّفة المذكورة ، وهو خارج من الدّار ، فإنّه يؤخذ به ، إذ لا يشكّ أحد في أنّه قاتله واحتمال أنّه ذبح نفسه ، أو أنّ غير ذلك الرّجل قتله ثمّ تسوّر الحائط وهرب ، ونحو ذلك ، فهو احتمال بعيد لا يلتفت إليه ، إذ لم ينشأ عن دليل . ولا خلاف بين فقهاء المذاهب في بناء الحكم على القرينة القاطعة ، مستدلّين بالكتاب والسّنّة وعمل الصّحابة : فأمّا الكتاب ، فقوله تعالى { وجاءوا على قميصه بدم كذب } فقد روي أنّ إخوة يوسف لمّا أتوا بقميصه إلى أبيهم تأمّله ، فلم ير خرقاً ولا أثر ناب ، فاستدلّ به على كذبهم . وأمّا السّنّة « فما وقع في غزوة بدر لابني عفراء ، لمّا تداعيا قتل أبي جهل . فقال لهما رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هل مسحتما سيفيكما ؟ فقالا : لا . فقال : أرياني سيفيكما فلمّا نظر إليهما قال : هذا قتله وقضى له بسلبه » . فاعتمد صلى الله عليه وسلم على الأثر في السّيف . وأمّا عمل الصّحابة ، فمنه حكم عمر رضي الله عنه برجم المرأة إذا ظهر بها حمل وليس لها زوج . وجعل ذلك يقوم مقام البيّنة في أنّها زانية ، وكذلك السّكران إذا قاء الخمر . وقد ساق ابن القيّم كثيراً من الوقائع الّتي قضى فيها الصّحابة رضي الله عنهم بناءً على القرائن ، وانتهى إلى تفسير قوله صلى الله عليه وسلم : « البيّنة على المدّعي » بأنّ المراد بالبيّنة ما يظهر صحّة دعوى المدّعي . فإذا ظهر صدقه بأيّ طريق من طرق الحكم ، ومنها القرينة ، حكم له . القضاء بكتاب القاضي إلى القاضي 32 - الأصل في القضاء به السّنّة ، والإجماع ، والمعقول : أمّا السّنّة فما روى الضّحّاك بن سفيان قال : « كتب إليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن ورّث امرأة أشيم الضّبابيّ من دية زوجها » . وأجمعت الأمّة على القضاء بكتاب القاضي إلى القاضي . وأمّا المعقول فلأنّ الحاجة داعية إليه . فإنّ من له حقّ في بلد غير بلده قد يشقّ عليه السّفر إليه والمطالبة بحقّه إلاّ بكتاب القاضي ، فوجب قبوله . والكتاب على ضربين : أحدهما : أن يكتب بما حكم به ، وذلك مثل أن يحكم على رجل بحقّ ، فيغيب قبل إيفائه ، أو يدّعي حقّاً على غائب ، ويقيم به بيّنةً ، ويسأل الحاكم الحكم عليه ، فيحكم عليه ويسأله أن يكتب له كتاباً يحمله إلى قاضي البلد الّذي فيه الغائب فيكتب له إليه ، أو تقوم البيّنة على حاضر فيهرب قبل الحكم فيسأل صاحب الحقّ الحاكم الحكم عليه وأن يكتب له كتاباً يحمله ، ففي هذه الصّور الثّلاث يلزم الحاكم إجابته إلى الكتابة ، ويلزم المكتوب إليه قبوله . الضّرب الثّاني : أن يكتب بعلمه بشهادة شاهدين عنده بحقّ لفلان ، مثل أن تقوم البيّنة عنده بحقّ لرجل على آخر ، ولم يحكم به ، فيسأله صاحب الحقّ أن يكتب له كتاباً بما حصل عنده . فإنّه يكتب له ، ويذكر في الكتاب ما شهد به الشّاهدان ليقضي بشهادتهما القاضي المكتوب له . فيجب على القاضي المكتوب إليه أن يقضي بذلك إذا توافرت شروط قبوله . محلّ القضاء بكتاب القاضي وشروطه : 33 - لا خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة في جواز القضاء بكتاب القاضي إلى القاضي في الجملة ، غير أنّهم يختلفون فيما يكتب فيه القاضي إلى القاضي ، وفي الشّروط الواجب تحقّقها في الكتاب . فعند الحنفيّة : يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في غير الحدود والقصاص . وعند المالكيّة والشّافعيّة يجوز القضاء بكتاب القاضي إلى القاضي في الأموال والحدود والقصاص ، وكلّ ما هو من حقوق العباد . وعند الحنابلة يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في المال وما يقصد به المال ، كالقرض والغصب ، ولا يقبل في حدّ للّه تعالى . وهل يقبل فيما عدا ذلك ، مثل القصاص والنّكاح والطّلاق والخلع والنّسب ؟ على روايتين . فأمّا حدّ القذف فإن قيل : إنّه حقّ للّه تعالى ، فلا يقبل فيه ، وإن قيل : إنّه حقّ الآدميّ ، فهو كالقصاص . وفي كلّ مذهب تفصيلات وشروط : فمنهم من يشترط أن يكون بين القاضي الكاتب والقاضي المكتوب إليه مسافة قصر ، سواء أكان المكتوب به حكماً أم شهادةً ومنهم من لا يشترط ذلك ، ومنهم من يشترط المسافة في الكتابة بالشّهادة دون الحكم . ويشترط بعض الفقهاء أن يكون كلّ من الكاتب والمكتوب إليه على ولاية القضاء حين الكتابة ، وحين الحكم ، ومنهم من يشترط أن يكون كلّ على الولاية حين الكتابة فقط . ومثل كتاب القاضي إلى القاضي : أن يكون لقاضيان في بلد واحد ، ويؤدّي أحدهما إلى الآخر مشافهةً . وكلّ ما يتعلّق بكتاب القاضي إلى القاضي من شروط وغيرها إجراءات تختلف باختلاف الأزمان والأعراف . وقد وضع الفقهاء القواعد والشّروط بحسب ما رأوه مناسباً في أزمنتهم . وقوام الأمر في ذلك هو الاستيثاق من أنّ المكتوب صادر من قاض مختصّ بكتابة ما كتب . وقد تغيّرت الإجراءات والأعراف وتضمّنت قوانين المرافعات في العصور الحديثة إجراءات تعود كلّها إلى الضّبط والاستيثاق ، ولا تنافي نصّاً ولا حكماً فقهيّاً ، ومن ثمّ فلا بأس من تطبيقها والعمل بها . حجّيّة الخطّ والختم : 34 - مذهب الحنفيّة والمالكيّة ووجه عند الشّافعيّة وأحد أقوال ثلاثة للإمام أحمد أنّه يعمل بالخطّ إذا وثق به ولم توجد فيه ريبة من محو أو كشط أو تغيير ، وذلك في الأموال وما يشبهها ممّا يثبت مع الشّبهة ، كالطّلاق والنّكاح والرّجعة . وهذا في المعاملات بين النّاس . أمّا ما يجده القاضي في السّجلاّت السّابقة على تولّيه فمذهب الحنفيّة والمالكيّة ، والمشهور من مذهب الشّافعيّة ، وأحد أقوال ثلاثة للإمام أحمد : أنّه يعمل بما فيها إذا انتفت الرّيبة . وبالنّسبة لما وجد في السّجلاّت الّتي تمّت في عهده فالفقهاء مجمعون على أنّه إن تيقّن أنّه خطّه ، وذكر الحادثة ، فإنّه يعمل به وينفذ . وهذا كلّه فيما إذا أنكر السّند من يدّعى عليه بما فيه . ومن الفقهاء من يرى أنّه إن تيقّن أنّه خطّه يعمل به وإن لم يذكر الحادثة ، ومن يتتبّع أقوال الفقهاء جميعاً في حجّيّة الخطّ والختم يتبيّن له أنّ المعوّل عليه هو الاستيثاق من صحّة الكتابة ، وعدم وجود شبهة فيها ، فإن انتفت عمل بها ونفذت ، وإلاّ فلا . وقد استحدثت نظم وآلات يمكن بواسطتها اكتشاف التّزوير في المستندات . فإن طعن على سند ما بالتّزوير أمكن التّحقيق في ذلك . وهذا ما تجري عليه المحاكم الآن . وليس في قواعد الشّريعة ما يمنع من تطبيق النّظم الحديثة إذ هي لا تخالف نصّاً شرعيّاً ، ولا تجافي ما وضعه الفقهاء من قواعد وضوابط رأوها مناسبةً في أزمنتهم . القضاء بقول القافة : 35 - القافة جمع قائف ، وهو في اللّغة : من يتّبع الأثر . وفي الشّرع الّذي يتتبّع الآثار ويتعرّف منها الّذين سلكوها ، ويعرف شبه الرّجل بأبيه وأخيه ويلحق النّسب عند الاشتباه ، بما خصّه اللّه تعالى به من علم ذلك . فعند الأئمّة الثّلاثة : مالك والشّافعيّ وأحمد ، أنّه يحكم بالقافة في ثبوت النّسب ، خلافاً للحنفيّة . ويرجع في تفصيل ذلك إلى مصطلح ( قيافة ) . القضاء بالقرعة : 36 - القرعة : طريقة تعمل لتعيين ذات أو نصيب من بين أمثاله إذا لم يمكن تعيينه بحجّة . وقد نصّ الفقهاء على أنّه " متى تعيّنت المصلحة أو الحقّ في جهة ، فلا يجوز الإقراع بينه وبين غيره ، لأنّ في القرعة ضياع ذلك الحقّ المعيّن والمصلحة المعيّنة . ومتى تساوت الحقوق والمصالح فهذا هو موضع القرعة عند التّنازع ، دفعاً للضّغائن والأحقاد ، وللرّضا بما جرت به الأقدار ، وهي مشروعة في مواضع » . وتفصيل ذلك موطنه مصطلح ( قرعة ) . القضاء بالفراسة : 37 - الفراسة في اللّغة : الظّنّ الصّائب النّاشئ عن تثبيت النّظر في الظّاهر لإدراك الباطن . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن ذلك . وفقهاء المذاهب لا يرون الحكم بالفراسة ، فإنّ مدارك الأحكام معلومة شرعاً ، مدركة قطعاً . وليست الفراسة منها . ولأنّها حكم بالظّنّ والحزر والتّخمين ، وهي تخطئ وتصيب . ولكنّ ابن القيّم أورد حججاً على شرعيّة العمل بالفراسة ، وساق على ذلك شواهد وأمثلةً . وتفصيل الكلام في مصطلح ( فراسة ) . القضاء بقول أهل المعرفة ( الخبرة ) : 38 - اتّفق فقهاء المذاهب على جواز القضاء بقول أهل المعرفة فيما يختصّون بمعرفته إذا كانوا حذّاقاً مهرةً . ومن ذلك الاستعانة في معرفة قدم العيب أو حداثته . ويرجع إلى أهل الطّبّ والمعرفة بالجراح في معرفة طول الجرح ، وعمقه وعرضه ، وهم الّذين يتولّون استيفاء القصاص . وكذلك يرجع إلى أهل المعرفة من النّساء فيما لا يطّلع عليه غيرهنّ كالبكارة . القضاء بالاستصحاب : 39 - الاستصحاب في اللّغة الملازمة وعدم المفارقة . وفي الاصطلاح : هو استبقاء الوصف المثبت للحكم حتّى يثبت خلافه . وقد ذهب الجمهور ( المالكيّة والحنابلة وأكثر الشّافعيّة ) إلى أنّه حجّة سواء أكان في النّفي أم الإثبات . وأمّا الحنفيّة فقد تعدّدت الآراء عندهم في حجّيّته بين الإطلاق والتّقييد ، فمنهم من منع حجّيّته ، ومنهم من قيّدها بأنّه حجّة للدّفع لا للإثبات . وللاستصحاب أنواع وأقسام . وتفصيل ذلك موطنه ( استصحاب ) . القضاء بالقسامة : 40 - من معاني القسامة في اللّغة اليمين مطلقاً ، إلاّ أنّها في عرف الشّرع تستعمل في اليمين باللّه تبارك وتعالى ، بسبب مخصوص ، وعدد مخصوص ، وعلى أشخاص مخصوصين ، على وجه مخصوص . 41 - ومحلّ القسامة يكون عند وجود قتيل في محلّة لا يعرف قاتله . فذهب مالك والشّافعيّ وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه إلى أنّه إذا لم يكن هناك عداوة ولا لوث ( أي شبهة قويّة توجب غلبة الظّنّ بصحّة التّهمة ) كانت هذه الدّعوى كسائر الدّعاوى : البيّنة على المدّعي ، والقول قول المنكر . وليس في ذلك يمين ، لأنّ النّكول عن اليمين بذل ، ولا بذل في الأنفس ، فلا يحلّ للإنسان أن يبيح لغيره قتل نفسه ، وعليه القصاص إن فعل . وأمّا إذا كان هناك لوث ، كالعداوة الظّاهرة ، وادّعى أولياء القتيل على معيّن أنّه قتله ، حلف من الأولياء خمسون أنّ فلاناً هو قاتله عمداً ، فيستحقّون القصاص ، أو خطأً ، فيستحقّون الدّية . وذهب أبو حنيفة إلى أنّ القسامة لا توجّه إلاّ إلى المدّعى عليهم ، فيختار أولياء القتيل خمسين من أهل المحلّة ، فيحلفون أنّهم ما قتلوه ، ولا يعرفون له قاتلاً . فيسقط القصاص ، وتستحقّ الدّية . وفي ذلك تفصيل واختلاف ، موطن بيانه بحث القسامة . القضاء بالعرف والعادة : 42 - العرف : ما استقرّ في النّفوس من جهة العقول ، وتلقّته الطّباع السّليمة بالقبول . ويدخل في هذا التّعريف " العادة " على أنّهما مترادفان . وقيل : العادة أعمّ ، لأنّها تثبت بمرّة ، وتكون لفرد أو أفراد . وهما حجّة ، لبناء الأحكام عليهما ، ما لم يصادما نصّاً أو قاعدةً شرعيّةً . ويستند إليهما في تفسير المراد . وفي ذلك خلاف وتفصيل موطنه الملحق الأصوليّ . أثر التّعريف 1 - من معاني الأثر في اللّغة : بقيّة الشّيء ، أو الخبر . ويقال : أثّر فيه تأثيراً : ترك فيه أثراً . ولا يخرج استعمال الفقهاء والأصوليّين للفظ « أثر " عن هذه المعاني اللّغويّة . فيطلقون الأثر - بمعنى البقيّة - على بقيّة النّجاسة ونحوها ، كما يطلقونه بمعنى الخبر فيريدون به الحديث المرفوع أو الموقوف أو المقطوع ، وبعض الفقهاء يقصرونه على الموقوف ، ويطلقونه بمعنى ما يترتّب على الشّيء ، وهو المسمّى بالحكم عندهم ، كما إذا أضيف الأثر إلى الشّيء فيقال : أثر العقد ، وأثر الفسخ ، وأثر النّكاح وغير ذلك . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - علامة الشّيء تكون قبله ، وأثره يكون بعده ، تقول : الغيوم والرّياح علامات المطر . ومجرى السّيول : أثر المطر ، دلالةً عليه ، وليس برهاناً عليه . والمأثور : يطلق على القول والفعل ، أمّا الأثر فلا يطلق إلاّ على القول . والخبر غالباً ما يطلق على الحديث المرفوع ، والأثر ما نسب إلى الصّحابة . الحكم الإجماليّ : 3 - يختلف الحكم تبعاً للاستعمالات الفقهيّة أو الأصوليّة . أمّا الاستعمال بمعنى بقيّة الشّيء : فالحكم أنّه إن تعذّر إزالة أثر النّجاسة فيكون معفوّاً عنه . وأمّا الاستعمال بمعنى ما يترتّب على الشّيء ، فالفقهاء يعتبرون الأثر في العقد هو ما شرع العقد له ، كانتقال الملكيّة في البيع ، وحلّ الاستمتاع في النّكاح . وأمّا الاستعمال بمعنى الحديث الموقوف أو المرفوع فموطن تفصيله الملحق الأصوليّ . ( مواطن البحث ) 4 - يبحث استعمال الأثر بمعنى ما يترتّب على الشّيء في كتب الفقه كلّ مسألة في بابها . أمّا بمعنى بقيّة الشّيء فقد بحثها الفقهاء في الطّهارة عند الحديث عن أثر النّجاسة ، وفي الجنايات عند الكلام عن أثر الجناية . إثم التّعريف 1 - الإثم لغةً : هو الذّنب . وقيل : أن يعمل ما لا يحلّ له . وفي اصطلاح أهل السّنّة : الإثم استحقاق العقوبة . وعند المعتزلة . لزوم العقوبة . والاختلاف بين التّعريفين يدور على جواز العفو وعدمه عند كلّ من الفريقين . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - الذّنب : قيل هو الإثم . وعلى هذا يكون مرادفاً للإثم . الخطيئة : من معانيها الذّنب عن عمد . وهي بهذا المعنى تكون مطابقةً للإثم . وقد تطلق على غير العمد فتكون بهذا المعنى مخالفةً للإثم ، إذ الإثم لا يكون إلاّ عن عمد . الحكم الإجماليّ : 3 - يتعلّق الإثم ببعض الأمور منها : أ - ترك الفرض : فيأثم تارك فرض العين ، كترك الصّلاة . وكذلك يأثم تارك فرض الكفاية إذا تركه الكلّ ، كصلاة الجنازة . ب - ترك الواجب : إذا اعتبر مرادفاً للفرض فهو مثله في الحكم . وأمّا إن اعتبر غير مرادف للفرض - وهو صنيع الحنفيّة - فإنّه يأثم الفرد - وكذلك الجماعة - بتركه إثماً ليس كإثم ترك الفرض . ج - ( ترك السّنن إذا كانت من الشّعائر ) : إذا كانت السّنّة المؤكّدة من الشّعائر الدّينيّة ، كالأذان والجماعة فتركه يستلزم الإثم على الجماعة في الجملة . وكذلك الالتزام بترك السّنّة المؤكّدة موجب للإثم عند البعض . والحقّ أنّ ترك الفرض والواجب والسّنّة المؤكّدة في هذه الحالة كلّه يرجع إلى الحرام . د - ( فعل الحرام والمكروه ) : فعل الحرام موجب للإثم . أمّا المكروه فإذا كان مكروهاً كراهةً تحريميّةً يأثم فاعله . أمّا إذا كان مكروهاً كراهةً تنزيهيّةً ، فلا يأثم فاعله . ترك المباح أو فعله : 4 - لا يلزم من فعل المباح أو تركه إثم ولا كراهة ، مثل العمل بالقراض والمساقاة . الإثم وعوارض الأهليّة : 5 - تعلّق الإثم بأفعال المكره والنّاسي والمخطئ والسّكران فيه تفصيل واختلاف بين الفقهاء ، ويرجع إليه في مواطنه . ( الإثم والحدود ) : 6 - قال الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة : الحدود لا تذهب الآثام ( العقوبة الأخرويّة ) ولا تكون مطهّرةً ، وقال الشّافعيّ : هي مطهّرة للمسلم ، وغير مطهّرة للكافر . إجابة التّعريف 1 - الإجابة في اللّغة : رجع الكلام . والإجابة والاستجابة بمعنًى واحد ، تقول : أجابه عن سؤاله واستجاب له إذا دعاه إلى شيء فأطاع ، وأجاب اللّه دعاءه قبله ، واستجاب له كذلك . وجواب القول قد يتضمّن إقراره ، وقد يتضمّن إبطاله ، ولا يسمّى جواباً إلاّ بعد الطّلب . ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ . والإجابة قد تكون بالفعل ، كإجابة الدّعوة إلى الوليمة ، وقد تكون القول ، سواء كانت بجملة كردّ السّلام ، أم بحرف الجواب فقط كنعم وبلى ، حيث يؤخذ به في الأحكام . وقد تكون بالإشارة المفهومة . وقد يعتبر السّكوت إجابةً كسكوت البكر عند استئذانها في النّكاح . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - الإغاثة هي : الإعانة والنّصرة . والإجابة قد تكون إعانةً وقد لا تكون . والإجابة لا بدّ أن يسبقها طلب ، أمّا الإغاثة فقد تكون بلا طلب . والقبول هو التّصديق والرّضا ، أمّا الإجابة فقد تكون تصديقاً ورضاً وقد لا تكون . ( الحكم الإجماليّ ) 3 - يختلف الحكم التّكليفيّ للإجابة بحسب الأمر المطلوب . فالإجابة إلى دعوة الإسلام ، والعمل بما خوطب به الإنسان من فرائض الدّين ، وإجابة الأمير للجهاد ، أمور واجبة بلا خلاف . وما كان لدفع ضرر عن الغير ، كإجابة المستغيث ، فإجابته أمر واجب باتّفاق ، حتّى إنّ الصّلاة تقطع لإجابته . وما كان لقطع الخصومة والمنازعة ، كإجابة المدّعى عليه أمام القاضي ، وكالإجابة في تحمّل الشّهادة ، فهو واجب باتّفاق . وقد تكون الإجابة مستحبّةً كإجابة المؤذّن وهي أن تقول مثل ما يقول . وقد تكون الإجابة محرّمةً كالإجابة للمعصية . أمّا الإجابة في العقود فهي ما قابلت الإيجاب . وتسمّى في عرف الفقهاء بالقبول . وأمّا الإجابة من اللّه سبحانه وتعالى فهي القبول الّذي يرجوه الإنسان من اللّه بدعائه وعمله . ( مواطن البحث ) 4 - للإجابة أحكام متعدّدة مفصّلة في مواطنها ، ومن ذلك : إجابة الوليمة في باب النّكاح ، وإجابة الوالدين في باب الجهاد ، وفي باب الصّلاة ، وردّ السّلام أثناء خطبة الجمعة ، والسّعي لنداء الجمعة والإجابة ( القبول ) في العقود ، كالوصيّة والبيع وغير ذلك . إجارة تعريف الإجارة : 1 - الإجارة في اللّغة اسم للأجرة ، وهي كراء الأجير وهي بكسر الهمزة ، وهو المشهور . وحكي الضّمّ بمعنى المأخوذ وهو عوض العمل ، ونقل الفتح أيضاً ، فهي مثلّثة ، لكن نقل عن المبرّد أنّه يقال : أجّر وآجر إجاراً وإجارةً . وعليه فتكون مصدراً وهذا المعنى هو المناسب للمعنى الاصطلاحيّ . 2 - وعرّفها الفقهاء : بأنّها عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض . ويخصّ المالكيّة غالباً لفظ الإجارة بالعقد على منافع الآدميّ ، وما يقبل الانتقال غير السّفن والحيوان ، ويطلقون على العقد على منافع الأراضي والدّور والسّفن والحيوانات لفظ كراء ، فقالوا : الإجارة والكراء شيء واحد في المعنى . 3 - وما دامت الإجارة عقد معاوضة فيجوز للمؤجّر استيفاء الأجر قبل انتفاع المستأجر ، على التّفصيل الّذي سيرد في موضعه ، كما يجوز للبائع استيفاء الثّمن قبل تسليم المبيع ، وإذا عجّلت الأجرة تملّكها المؤجّر اتّفاقاً دون انتظار لاستيفاء المنفعة ، على ما سيأتي بيانه . الإجارة من حيث اللّزوم وعدمه : 4 - الأصل في عقد الإجارة عند الجمهور اللّزوم ، فلا يملك أحد المتعاقدين الانفراد بفسخ العقد إلاّ لمقتض تنفسخ به العقود اللاّزمة ، من ظهور العيب ، أو ذهاب محلّ استيفاء المنفعة . واستدلّوا بقوله تعالى { أوفوا بالعقود } وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجوز للمكتري فسخ الإجارة للعذر الطّارئ على المستأجر مثل أن يستأجر دكّاناً يتّجر فيه ، فيحترق متاعه أو يسرق ، لأنّ طروء هذا وأمثاله ، يتعذّر معه استيفاء المنفعة المعقود عليها ، وذلك قياساً على هلاك العين المستأجرة ، وحكى ابن رشد أنّه عقد جائز . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : البيع : 5 - مع أنّ الإجارة من قبيل البيع فإنّها تتميّز بأنّ محلّها بيع المنفعة لا العين . في حين أنّ عقود البيع كلّها التّعاقد فيها على العين . كما أنّ الإجارة تقبل التّنجيز والإضافة ، بينما البيوع لا تكون إلاّ منجزةً . والإجارة لا يستوفى المعقود عليه فيها وهو المنفعة دفعةً واحدةً ، أمّا في البيوع فيستوفى المبيع دفعةً واحدةً . كما أنّه ليس كلّ ما يجوز إجارته يجوز بيعه ، إذ تجوز إجارة الحرّ لأنّ الإجارة فيه على عمل ، بينما لا يجوز أن يباع لأنّه ليس بمال . ( الإعارة ) : 6 - تفترق الإجارة عن الإعارة في أنّ الإجارة تمليك منفعة بعوض ، وأنّ الإعارة إمّا تمليك منفعة بلا عوض ، أو إباحة منفعة ، على خلاف بين الفقهاء تفصيله في موطنه . ( الجعالة ) : 7 - تفترق الإجارة عن الجعالة في أنّ الجعالة إجارة على منفعة مظنون حصولها ولا ينتفع الجاعل بجزء من عمل العامل وإنّما بتمام العمل ، وأنّ الجعالة غير لازمة في الجملة . ( الاستصناع ) : 8 - تفترق الإجارة ( في الأجير المشترك ) عن عقد الاستصناع ( الّذي هو بيع عين شرط فيها العمل ) في أنّ الإجارة تكون العين فيها من المستأجر والعمل من الأجير ، أمّا الاستصناع فالعين والعمل كلاهما من الصّانع ( الأجير ) . صفة الإجارة ( حكمها التّكليفيّ ) ودليله : 9 - عقد الإجارة الأصل فيه أنّه مشروع على سبيل الجواز . والدّليل على ذلك الكتاب والسّنّة والإجماع والمعقول : أمّا الكتاب فمنه قوله تعالى { فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ } . ومن السّنّة ما رواه أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من استأجر أجيراً فليعلمه أجره » ، وقوله : « أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه » ، وقوله : « ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة وعدّ منهم رجلاً استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره » . وكذلك فعله عليه الصلاة والسلام وتقريره . وأمّا الإجماع فإنّ الأمّة أجمعت على العمل بها منذ عصر الصّحابة وإلى الآن وأمّا دليلها من المعقول فلأنّ الإجارة وسيلة للتّيسير على النّاس في الحصول على ما يبتغونه من المنافع الّتي لا ملك لهم في أعيانها ، فالحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان ، فالفقير محتاج إلى مال الغنيّ ، والغنيّ محتاج إلى عمل الفقير . ومراعاة حاجة النّاس أصل في شرع العقود . فيشرع على وجه ترتفع به الحاجة ، ويكون موافقاً لأصل الشّرع . وهذه هي حكمة تشريعها . الفصل الثّاني أركان عقد الإجارة تمهيد : 10 - يختلف الفقهاء في تعداد أركان عقد الإجارة ، فالجمهور على أنّها : الصّيغة ( الإيجاب والقبول ) ، والعاقدان ، والمعقود عليه ( المنفعة والأجرة ) ، وذهب الحنفيّة إلى أنّها الصّيغة فقط ، وأمّا العاقدان والمعقود عليه فأطراف للعقد ومن مقوّماته ، فلا قيام للعقد إلاّ باجتماع ذلك كلّه . فالخلاف لفظيّ لا ثمرة له . الصّيغة : 11 - صيغة عقد الإجارة ما يتمّ بها إظهار إرادة المتعاقدين من لفظ أو ما يقوم مقامه ، وذلك بإيجاب يصدره المملّك ، وقبول يصدره المتملّك على ما يرى الجمهور ، في حين يرى الحنفيّة أنّ الإيجاب ما صدر أوّلاً من أحد المتعاقدين والقبول ما صدر بعد ذلك من الآخر . وتفصيل الكلام في الصّيغ موطنه عند الكلام عن العقد . 12 - جمهور الفقهاء على أنّ الإجارة تنعقد بأيّ لفظ دالّ عليها ، كالاستئجار والاكتراء والإكراء . وتنعقد بأعرتك هذه الدّار شهراً بكذا ، لأنّ العاريّة بعوض إجارة . كما تنعقد بوهبتك منافعها شهراً بكذا ، وصالحتك على أن تسكن الدّار لمدّة شهر بكذا ، أو ملّكتك منافع هذه الدّار سنةً بكذا ، أو عوّضتك منفعة هذه الدّار سنةً بمنفعة دارك ، أو سلّمت إليك هذه الدّراهم في خياطة هذا ، أو في دابّة صفتها كذا ، أو في حملي إلى مكّة ، فيقول : قبلت ، مع أنّ هذه الألفاظ لم توضع في اللّغة لذلك ، لكنّها أفادت في هذا المقام تمليك المنفعة بعوض . 13 - وتوسّع الحنابلة في ذلك حتّى قالوا : تنعقد الإجارة بلفظ أجّرت وما في معناه كالكراء ، سواء أضافه إلى العين ، نحو أجرتكها أو أكريتكها ، أو أضافه إلى النّفع ، نحو قوله : آجرتك نفع هذه الدّار ، أو : ملّكتك نفعها . وتنعقد أيضاً بلفظ بيع مضافاً إلى النّفع ، نحو قوله : بعتك نفعها ، أو : بعتك سكنى الدّار ، ونحوه . وقالوا : التّحقيق أنّ المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأيّ لفظ كان من الألفاظ الّتي عرف بها المتعاقدان مقصودها ، فإنّ الشّارع لم يحدّ حدّاً لألفاظ العقد ، بل ذكرها مطلقةً . وانعقادها بلفظ البيع مضافاً إلى المنافع قول عند الحنفيّة أيضاً ، وقول عند الشّافعيّة ، لأنّه صنف من البيع ، لأنّه تمليك يتقسّط العوض فيه على المعوّض ، كالبيع ، فانعقد بلفظه . 14 - وفي القول الأصحّ عند الشّافعيّة وقول عند الحنفيّة لا تنعقد الإجارة بلفظ : بعتك منفعتها ، لأنّ المنفعة مملوكة بالإجارة ، ولفظ البيع وضع لتمليك العين ، فذكره في المنفعة مفسد ، لأنّه ليس بكناية عن العقد ، ولأنّه يخالف البيع في الاسم والحكم ، ولأنّ بيع المعدوم باطل ، والمنافع المعقود عليها معدومة وقت العقد كما يقول الحنفيّة . الإجارة بالمعاطاة . 15 - أجاز الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة التّعاقد بالأفعال في الأشياء الخسيسة والنّفيسة ما دام الرّضا قد تحقّق ، وفهم القصد ، وهو قول عند الشّافعيّة اختاره النّوويّ وجماعة . وقيّد القدوريّ الحنفيّ الجواز بأنّه في الأشياء الخسيسة دون النّفيسة . وهو قول أيضاً عند الشّافعيّة ، والمذهب عندهم المنع ، والعبرة بما تدلّ عليه ظروف الحال ، كأن تكون العين المؤجّرة معدّةً للاستغلال ، كمن يبيت في الخان ( الفندق ) فإنّه يكون بأجر . وبناءً على أصل مذهب الشّافعيّة من منع عقود المعاطاة لو دفع ثوباً إلى خيّاط ليخيطه ، ففعل ، ولم يذكر أحدهما أجرةً ، فلا أجرة له . وقيل : له أجرة مثله لاستهلاكه منفعته . وقيل : إن كان معروفاً بذلك العمل بالأجر فله أجرة مثله ، وإلاّ فلا . تنجيز الإجارة وإضافتها وتعليقها : 16 - الأصل في الإجارة أن تكون منجزةً ، فإذا لم يوجد ما يصرف الصّيغة عن التّنجيز ، أو لم ينصّ على بداية العقد ، فإنّ الإجارة تبدأ من وقت العقد ، وتكون منجزةً . هذا ، ويختلف الحكم في إضافة صيغة الإجارة إلى المستقبل بين أن تكون إجارةً على عين أو ثابتةً في الذّمّة . فالإجارة الثّابتة في الذّمّة هي الواردة على منفعة موصوفة مع التزامها في الذّمّة ، كأن يستأجر سيّارةً موصوفةً بصفات يتّفق عليها ، ويقول : ألزمت ذمّتك إجارتي إيّاها . فإن أطلق ولم يذكر الذّمّة كانت إجارة عين . وإجارة العين هي الواردة على منفعة معيّن ، كالعقار والحيوان ومنفعة الإنسان . فالجمهور لم يفرّقوا بين هذين في صحّة الإضافة للمستقبل . وذهب الشّافعيّة في الأصحّ عندهم إلى أنّ الإضافة صحيحة فيما يثبت في الذّمّة ، لا فيما كانت واردةً على الأعيان ، إلاّ في بعض صور مستثناة أجازوا فيها الإضافة في إجارة الأعيان إذا كانت المدّة بين العقد وبين المدّة المضاف إليها زمناً يسيراً ، كأن تعقد الإجارة ليلاً لمنفعة النّهار التّالي ، أو يعقد الإجارة على سيّارة للحجّ قبل أن يبدأ ، بشرط أن يكون قد تهيّأ أهل بلده . على أنّ الرّافعيّ والنّوويّ يريان أنّ التّفرقة لفظيّة ، لأنّ إجارة الذّمّة أيضاً واردة على العين ، أي على منفعتها . 17 - ولمّا كان الأصل في الإجارة اللّزوم كما سبق فلا يستقلّ أحد العاقدين بفسخها ، إلاّ أنّ الإمام محمّداً - في إحدى الرّوايتين عنه - يقول : إنّ الإجارة المضافة يجوز لكلّ من طرفي العقد الانفراد بفسخها قبل حلول بدء مدّتها . |
- اتّفق الفقهاء على أنّ الإجارة غير قابلة للتّعليق - كالبيع - وصرّح قاضي زاده من الحنفيّة بذلك ، وقال : « الإجارة لا تقبل التّعليق » . وقد تردّ الإجارة في صورة التّعليق ، ولكنّها في الحقيقة إضافة ، كما لو قال لخيّاط : إن خطت هذا الثّوب اليوم فبدرهم ، أو غداً فبنصف درهم . ويمكن أن يقال : إنّ هذه الصّورة من قبيل تعليق الحطّ من أجر - وهو جائز - لا تعليق الإجارة .
19 - يشترط في الصّيغة لانعقاد العقد أن تكون واضحة الدّلالة في لغة المتعاقدين وعرفهما ، قاطعةً في الرّغبة ، دون تسويف أو تعليق ، إلاّ ما يجوز من ترديد الإجارة بين شيئين ، كأن يقول : آجرتك هذه الدّار بكذا شهريّاً ، أو هذه الدّار بكذا ، فقبل في إحداهما - على ما سيأتي عند الكلام عن محلّ العقد . 20 - ويشترط أن يكون القبول موافقاً للإيجاب في جميع جزئيّاته ، بأن يقبل المستأجر ما أوجبه المؤجّر ، وبالأجرة الّتي أوجبها ، حتّى يتوافق الرّضا بالعقد بين طرفيه . كما يشترط اتّصال القبول بالإيجاب في مجلس العقد إن كانا حاضرين ، أو في مجلس العلم إن كان التّعاقد بين غائبين ، دون أن يفصل بين القبول والإيجاب فاصل مطلقاً عند الشّافعيّ ، لاشتراطه الفوريّة ، ولا فاصل بعيد عن موضوع التّعاقد ، أو مغيّر للمجلس ، عند الجمهور الّذين يعتبرون المجلس وحدةً جامعةً للمتفرّقات ، دالّةً على قيام الرّغبة . وبيان ذلك في مصطلح ( عقد ) 21 - ويشترط في الصّيغة لصحّة العقد عدم تقييدها بشرط ينافي مقتضى العقد ، أو يحقّق مصلحةً لأحد المتعاقدين أو لغيرهما لا يقتضيها العقد ، كأن يشترط المؤجّر لنفسه منفعة العين فترةً ، على خلاف وتفصيل للفقهاء في ذلك ، موطنه الكلام عن الشّرط وعن العقد عامّةً . 22 - كما يشترط لنفاذ الإجارة - فضلاً عن شروط الانعقاد والصّحّة - صدور الصّيغة ممّن له ولاية التّعاقد . كما يشترط خلوّ الصّيغة من شرط الخيار ، إذ خيار الشّرط يمنع حكم العقد ابتداءً ، ولا معنًى لعدم النّفاذ إلاّ هذا . ويشترط للزوم الإجارة ، فضلاً عن جميع الشّروط السّابقة ، خلوّها من أيّ خيار . ويقول الكاسانيّ : لا تنفذ الإجارة في مدّة الخيار . لأنّ الخيار يمنع انعقاد العقد في حقّ الحكم ما دام الخيار قائماً ، لحاجة من له الخيار إلى دفع الغبن عن نفسه . واشتراطه جائز في الإجارة عند كلّ من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وقول للشّافعيّة في الإجارة على معيّن . أمّا الإجارة في الذّمّة فقد منع الشّافعيّة خيار الشّرط فيها ، كما منعوه في قول عندهم في الإجارة على معيّن . المبحث الثّاني العاقدان وما يشترط فيهما العاقدان : 23 - من أركان عقد الإجارة عند غير الحنفيّة العاقدان - المؤجّر والمستأجر - والحنفيّة يعتبرونها من أطراف العقد لا من أركانه . ويشترط فيهما للانعقاد العقل ، فلا تنعقد الإجارة من المجنون ولا من الصّبيّ الّذي لا يميّز ، فلا خلاف في أنّها لا تنعقد إلاّ من جائز التّصرّف في المال . ويشترط في العاقدين للصّحّة أن يقع بينهما عن تراض ، فإذا وقع العقد مشوباً بإكراه فإنّه يفسد . كما يشترط الشّافعيّة والحنابلة ومن معهم للصّحّة ولاية إنشاء العقد ، فعقد الفضوليّ يعتبر عندهم فاسداً . ويشترط في العاقدين للنّفاذ عند أبي حنيفة ألاّ يكون العاقد مرتدّاً إن كان رجلاً ، لأنّه يرى أنّ تصرّفاته تكون موقوفةً ، بينما الصّاحبان وجمهور الفقهاء لا يشترطون ذلك لأنّ تصرّفات المرتدّ عندهم نافذة . كما يشترط أن يكون العاقد له ولاية إنشاء العقد عند الحنفيّة والمالكيّة الّذين يرون أنّ الولاية شرط للنّفاذ ، بينما يرى الآخرون أنّها شرط للصّحّة كما سبق . إجارة الصّبيّ : 24 - إجارة الصّبيّ المميّز نفسه بأجر لا غبن فيه تصحّ إن كان مأذوناً له من وليّه ، خلافاً للشّافعيّة ، إذ منعوها مطلقاً ، فإن وقعت استحقّ أجراً . واختلفوا هل هو المسمّى أو أجر المثل . وإن كان محجوراً عليه كان العقد موقوفاً على الإجازة عند الحنفيّة ، وفي الرّاجح عند المالكيّة وروايةً عن أحمد ، لأنّ الولاية شرط للنّفاذ لا للصّحّة ، وكان العقد غير صحيح عند الشّافعيّة وفي قول عند المالكيّة ورواية عن أحمد ، لأنّ الولاية عندهم شرط لصحّة العقد وانعقاده لا لنفاذه . 25 - وإجارة من له الولاية على الصّبيّ نفس الصّبيّ أو ماله نافذة ، لوجود الإنابة من الشّرع . وإذا بلغ الصّبيّ قبل انتهاء المدّة الّتي تمّ عليها عقد الإجارة ففي لزوم العقد اتّجاهان ، فقيل بلزوم العقد لأنّه عقد لازم عقد بحقّ الولاية ، فلم يبطل بالبلوغ ، كما لو باع داره أو زوّجه . وهو قول للشّافعيّة اعتبره الشّيرازيّ الصّحيح في المذهب ، وقول للحنابلة اعتبره ابن قدامة المذهب ، وهو مذهب الحنفيّة في إجارة أمواله . والاتّجاه الثّاني أنّه يصير غير لازم ، ويخيّر في الإجارة ، لأنّه بالبلوغ انتهت الولاية ، وهو مذهب المالكيّة ، وقول عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة ، ومذهب الحنفيّة في إجارة نفس الصّغير ، لأنّ في استيفاء العقد إضراراً به لأنّه بعد البلوغ تلحقه الأنفة من خدمة النّاس ، ولأنّ المنافع تحدث شيئاً فشيئاً ، والعقد ينعقد على حسب حدوث المنافع ، فكان له خيار الفسخ ، كما إذا عقد ابتداءً بعد البلوغ . وهناك قول عند الحنابلة أنّه إذا أجّره مدّةً يتحقّق بلوغه في أثنائها فإنّ العقد لا يلزم بعد البلوغ ، لأنّنا لو قلنا بلزومه فإنّه يفضي إلى أن يعقد الوليّ على جميع منافعه طول عمره ، وإلى أن يتصرّف فيه في غير زمن ولايته عليه ، أمّا إذا أجّره لمدّة لا يتحقّق بلوغه فيها فبلغ فإنّ العقد يكون لازماً . محلّ الإجارة : الكلام هنا يتناول منفعة العين المؤجّرة ، والأجرة . أوّلاً - منفعة العين المؤجّرة : 26 - المعقود عليه في الإجارة مطلقاً عند الحنفيّة هو المنفعة ، وهي تختلف باختلاف محلّها . وعند المالكيّة والشّافعيّة أنّ المعقود عليه إمّا إجارة منافع أعيان ، وإمّا إجارة منافع في الذّمّة . واشترطوا في إجارة الذّمّة تعجيل النّقد ، للخروج من الدّين بالدّين . وعند الحنابلة محلّ العقد أحد ثلاثة : الأوّل : إجارة عمل في الذّمّة في محلّ معيّن أو موصوف . وجعلوه نوعين : استئجار العامل مدّةً لعمل بعينه ، واستئجاره على عمل معيّن في الذّمّة كخياطة ثوب ورعي غنم . الثّاني : إجارة عين موصوفة في الذّمّة . الثّالث : إجارة عين معيّنة لمدّة محدّدة . . ويشترط لانعقاد الإجارة على المنفعة شروط هي : 27 - أوّلاً : أن تقع الإجارة عليها لا على استهلاك العين . وهذا لا خلاف فيه ، غير أنّ ابن رشد روى أنّ هناك من جوّزها في كلّ منهما لأنّ ذلك كلّه منفعة مباحة . كما توسّع الشّافعيّة في المنفعة فأدخلوا الكثير من الصّور . ويتفرّع على هذا صور كثيرة تستهلك فيها العين تبعاً كإجارة الظّئر ، وإنزاء الفحل ، واستئجار الشّجر للثّمر . فالحنفيّة ينصّون على أنّ الإجارة لا تنعقد على إتلاف العين ذاتها ، والمالكيّة ينصّون على أنّه لا يجوز استيفاء عين قصداً ، كما نصّ الحنابلة على أنّ الإجارة لا تنعقد إلاّ على نفع يستوفى مع بقاء العين إلاّ إذا كانت المنافع يقتضي استيفاؤها إتلاف العين كالشّمعة للإضاءة . 28 - ثانياً : أن تكون المنفعة متقوّمةً مقصودة الاستيفاء بالعقد ، فلا تنعقد اتّفاقاً على ما هو مباح بدون ثمن لأنّ إنفاق المال في ذلك سفه . والمذاهب في تطبيق ذلك الشّرط بين مضيّق وموسّع . وأكثرهم في التّضييق الحنفيّة ، حتّى إنّهم لم يجيزوا استئجار الأشجار للاستظلال بها ، ولا المصاحف للنّظر فيها . ويقرب منهم المالكيّة ، لكنّهم أجازوا إجارة المصاحف وإن كرهوا ذلك . بينما توسّع الحنابلة ، حتّى أجازوا الإجارة على كلّ منفعة مباحة . ويقرب منهم الشّافعيّة ، إلاّ أنّهم لم يجيزوا بعض ما أجازه الحنابلة ، كإجارة الدّنانير للتّجميل ، والأشجار لتجفيف الثّياب ، في القول الصّحيح عندهم . 29 - ثالثاً ويشترط أن تكون المنفعة مباحة الاستيفاء . وليست طاعةً مطلوبةً ، ولا معصيةً ممنوعةً . وهذا الشّرط موضع تفصيل وخلاف بين المذاهب مذكور فيما بعد ( ف 108 ) 30 - رابعاً : ويشترط في المنفعة لصحّة الإجارة : القدرة على استيفائها حقيقةً وشرعاً . فلا تصحّ إجارة الدّابّة الفارّة ، ولا إجارة المغصوب من غير الغاصب ، لكونه معجوزاً عن تسليمه ، ولا الأقطع والأشلّ للخياطة بنفسه ، فهي منافع لا تحدث إلاّ عند سلامة الأسباب . وعلى هذا فلا تجوز إجارة ما لا يقدر عليه المستأجر ، ويحتاج فيه إلى غيره . وانبنى على هذا القول بعدم جواز استئجار الفحل للإنزاء ، والكلب والباز للصّيد ، والقول بعدم جواز إجارة الظّئر دون إذن زوجها ، لأنّه مانع شرعيّ يحول دون إجارتها . وتفصيل ذلك فيما بعد ( ف 116 ) 31 - خامساً : ويشترط فيها أيضاً لصحّة الإجارة : أن تكون معلومةً علماً ينفي الجهالة المفضية للنّزاع . وهذا الشّرط يجب تحقّقه في الأجرة أيضاً ، لأنّ الجهالة في كلّ منهما تفضي إلى النّزاع . وهذا موضع اتّفاق . معلوميّة المنفعة : 32 - تتعيّن المنفعة ببيان المحلّ . وقد تتعيّن بنفسها كما إذا استأجر رجلاً لخياطة ثوبه وبيّن له جنس الخياطة . وقد تعلم بالتّعيين والإشارة ، كمن استأجر رجلاً لينقل له هذا الطّعام إلى موضع معلوم . 33 - وقد أدّى اشتراط بيان محلّ المنفعة إلى تقسيم الإجارة إلى إجارة أعيان تستوفى المنفعة من عين معيّنة بذاتها بحيث إذا هلكت انفسخت الإجارة كاستئجار الدّور للسّكنى ، وإلى إجارة موصوفة في الذّمّة تستوفى المنفعة ممّا يحدّد بالوصف ، فإذا هلكت بعد التّعيين قدّم المؤجّر غيرها . وعند الحنابلة وفي رأي عند الشّافعيّة اشتراط رؤية العين المؤجّرة قبل الإجارة ، وإلاّ فللمستأجر خيار الرّؤية . غير أنّ الحنابلة يقصرون اشتراطه على بعض الإجارات ، كرؤية الصّبيّ في إجارة الظّئر ، وفي إجارة الأرض للزّراعة ، بينما الشّافعيّة يعمّمون ذلك . 34 - ويعتبر جمهور الفقهاء العرف في تعيين ما تقع عليه الإجارة من منفعة ، فكيفيّة الاستعمال تصرف إلى العرف والعادة . والتّفاوت في هذا يسير لا يفضي إلى المنازعة . وللشّافعيّة في استحقاق الأجر بعد استيفاء المنفعة أربعة أوجه : الأوّل : أنّه تلزمه الأجرة وهو قول المزنيّ ، لأنّه استهلك عمله فلزمه أجرته . والثّاني : أنّه إن قال له : خطه ، لزمه . وإن بدأ الرّجل ، فقال : أعطني لأخيطه ، لم تلزمه . وهو قول أبي إسحاق ، لأنّه إذا أمره فقد ألزمه بالأمر . والعمل لا يلزم من غير أجرة لزمته ، وإذا لم يأمره لم يوجد ما يوجب الأجرة ، فلم تلزم . والثّالث : أنّه إذا كان الصّانع معروفاً بأخذ الأجرة على الخياطة لزمه ، وإذا لم يكن معروفاً بذلك لم يلزمه ، وهو قول أبي العبّاس ، لأنّه إذا كان معروفاً بأخذ الأجرة صار العرف في حقّه كالشّرط . والرّابع : وهو المذهب ، أنّه لا يلزمه بحال ، لأنّه بذل ماله من غير عوض فلم يجب له العوض ، كما لو بذل طعامه لمن أكله . ومن هنا يتبيّن أنّ أبا العبّاس من الشّافعيّة مع الجمهور في تحكيم العرف . 35 - وتتعيّن المنفعة أيضاً ببيان المدّة ، إذا كانت المنفعة معروفةً بذاتها ، كاستئجار الدّور للسّكنى . فإنّ المدّة إذا كانت معلومةً كان قدر المنفعة معلوماً ، والتّفاوت بكثرة السّكّان يسير ، كما يرى الحنفيّة . ويرى الصّاحبان أنّ كلّ ما كان أجرةً يجب بالتّسليم ، ولا يعلم وقت التّسليم ، فهو باطل ، ويرى الإمام جوازه . وهذا الشّرط غير مطّرد ، فلا بدّ منه في بعض الإجارات ، كالعبد للخدمة ، والقدر للطّبخ ، والثّوب للّبس . وفي البعض لا يشترط . والحنابلة وضعوا ضابطاً واضحاً ، فهم يشترطون أن تكون المدّة معلومةً في إجارة العين لمدّة ، كالدّار والأرض والآدميّ للخدمة أو للرّعي أو للنّسج أو للخياطة ، لأنّ المدّة هي الضّابط للمعقود عليه ، ويعرف بها . وقيل فيها : إنّه يشترط أن يغلب على الظّنّ بقاء العين فيها وإن طالت المدّة . وأمّا إجارة العين لعمل معلوم ، كإجارة دابّة موصوفة في الذّمّة للرّكوب عليها إلى موضع معيّن ، فإنّه لا اعتبار للمدّة فيها . ويوافقهم الشّافعيّة في ذلك عموماً . ويقرب من هذا المالكيّة ، إذ قالوا : يتحدّد أكثر المدّة في بعض الإجارات ، كإجارة الدّابّة لسنة ، والعامل لخمسة عشر عاماً ، والدّار حسب حالتها ، والأرض لثلاثين عاماً . أمّا الأعمال في الأعيان ، كالخياطة ونحوها ، فلا يجوز تعيين الزّمان فيها . 36 - كما تتعيّن المنفعة بتعيين العمل في الأجير المشترك ، وذلك في استئجار الصّنّاع في الإجارة المشتركة ، لأنّ جهالة العمل في الاستئجار على الأعمال جهالة مفضية إلى المنازعة ، فلو استأجر صانعاً ، ولم يسمّ له العمل ، من الخياطة أو الرّعي أو نحو ذلك ، لم يجز العقد ، وإنّما لا بدّ من بيان جنس العمل ونوعه وقدره وصفته . أمّا في الأجير الخاصّ فإنّه يكفي في إجارته بيان المدّة . يقول الشّيرازيّ : إن كانت المنفعة معلومة القدر بنفسها ، كخياطة ثوب ، قدّرت بالعمل ، لأنّها معلومة في نفسها فلا تقدّر بغيرها . . . وإن استأجر رجلاً لبناء حائط لم يصحّ العقد حتّى يذكر الطّول والعرض وما يبنى به . 37 - وتتعيّن المنفعة ببيان العمل والمدّة معاً : كأن يقول شخص لآخر : استأجرتك لتخيط لي هذا الثّوب اليوم . فقد عيّن المنفعة بالعمل ، وهو خياطة الثّوب ، كما عيّنه بالمدّة ، وهو كلمة : اليوم . وللفقهاء في هذا الجمع بين التّعيين بالعمل والمدّة اتّجاهان : اتّجاه يرى أنّ هذا لا يجوز ، ويفسد به العقد إذ ، العقد على المدّة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل إذ يعتبر أجيراً خاصّاً ، وببيان العمل يصير أجيراً مشتركاً ، ويرتبط الأجر بالعمل . وهذا هو رأي أبي حنيفة والشّافعيّة ورواية عند الحنابلة . والاتّجاه الثّاني جواز الجمع ، لأنّ المقصود في العقد هو العمل ، وذكر المدّة إنّما جاء للتّعجيل . وهو قول صاحبي أبي حنيفة والمالكيّة ورواية عند الحنابلة . وسيأتي بيان هذا عند الكلام عن الأجير الخاصّ والأجير المشترك . 38 - ويشترط في المنفعة للزوم العقد ، ألاّ يطرأ عذر يمنع الانتقاع بها ، كما يرى الحنفيّة على ما ذكرنا عندهم ، لأنّ الإجارة وإن كان الأصل فيها أنّها عقد لازم اتّفاقاً ، ولا يجوز فسخها بالإرادة المنفردة ، إلاّ أنّهم قالوا : إنّها شرعت للانتفاع ، فاستمرارها مقيّد ببقاء المنفعة ، فإذا تعذّر الانتفاع كان العقد غير لازم . وقد نصّ المالكيّة أيضاً على أنّ الإجارة تفسخ بتعذّر ما يستوفى فيه المنفعة ، وإن لم تعيّن حال العقد ، كدار وحانوت وحمّام وسفينة ونحوها . وكذا في الدّابّة إن عيّنت . وقالوا : إنّ التّعذّر أعمّ من التّلف . ويتّجه الشّافعيّة في قول عندهم إلى اعتبار العذر مقتضياً الفسخ ، إذ قالوا بانفساخ العقد بتعذّر استيفاء المعقود عليه ، كمن استأجر رجلاً ليقلع له ضرساً ، فسكن الوجع على ما سيأتي عند الكلام عن انقضاء الإجارة بالفسخ . إجارة المشاع : 39 - إذا كانت العين المتعاقد على منفعتها مشاعاً ، وأراد أحد الشّريكين إجارة منفعة حصّته ، فإجارتها للشّريك جائزة بالاتّفاق . أمّا إجارتها لغير الشّريك فإنّ الجمهور ( الصّاحبين من الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة وفي قول لأحمد ) يجيزونها أيضاً ؛ لأنّ الإجارة أحد نوعي البيع ، فتجوز إجارة المشاع كما يجوز بيعه ، والمشاع مقدور الانتفاع بالمهايأة ، ولهذا جاز بيعه . جاء في المغني : واختار أبو حفص العكبريّ جواز إجارة المشاع لغير الشّريك . وقد أومأ إليه أحمد ، لأنّه عقد في ملكه ، يجوز مع شريكه ، فجاز مع غيره كالبيع ، ولأنّه يجوز إذا فعله الشّريكان معاً فجاز لأحدهما فعله في نصيبه مفرداً كالبيع . وعند أبي حنيفة وزفر وهو وجه في مذهب أحمد لا تجوز لأنّ استيفاء المنفعة في الجزء الشّائع لا يتصوّر إلاّ بتسليم الباقي ، وذلك غير متعاقد عليه ، فلا يتصوّر تسليمه شرعاً . والاستيفاء بالمهايأة لا يمكن على الوجه الّذي يقتضيه العقد ، إذ التّهايؤ بالزّمن انتفاع بالكلّ بعض المدّة ، والتّهايؤ بالمكان انتفاع يكون بطريق البدل عمّا في يد صاحبه ، وهذا ليس مقتضى العقد . . المطلب الثّاني الأجرة 40 - الأجرة هي ما يلتزم به المستأجر عوضاً عن المنفعة الّتي يتملّكها . وكلّ ما يصلح أن يكون ثمناً في البيع يصلح أن يكون أجرةً في الإجارة ، وقال الجمهور : إنّه يشترط في الأجرة ما يشترط في الثّمن . ويجب العلم بالأجر لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من استأجر أجيراً فليعلمه أجره » ، وإن كان الأجر ممّا يثبت ديناً في الذّمّة كالدّراهم والدّنانير والمكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة فلا بدّ من بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره . ولو كان في الأجر جهالةً مفضيةً للنّزاع فسد العقد ، فإن استوفيت المنفعة وجب أجر المثل ، وهو ما يقدّره أهل الخبرة . 41 - وجوّز الجمهور أن تكون الأجرة منفعةً من جنس المعقود عليه . يقول الشّيرازيّ : ويجوز إجارة المنافع من جنسها ومن غير جنسها ، لأنّ المنافع في الإجارة كالأعيان في البيع . ثمّ الأعيان يجوز بيع بعضها ببعض فكذلك المنافع . ويقول ابن رشد : أجاز مالك إجارة دار بسكنى دار أخرى . ويقول البهوتيّ ما خلاصته : يجوز إجارة دار بسكنى دار أخرى أو بتزويج امرأة ، لقصّة شعيب عليه السلام ، لأنّه جعل النّكاح عوض الأجرة . ومنع ذلك الحنفيّة ، إلاّ أن تكون الأجرة منفعةً من جنس آخر ، كإجارة السّكنى بالخدمة . 42 - ومن الفقهاء من لا يجيز أن تكون الأجرة بعض المعمول ، أو بعض النّاتج من العمل المتعاقد عليه ، لما فيه من غرر ، لأنّه إذا هلك ما يجري فيه العمل ضاع على الأجير أجره ، وقد « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطّحّان » ، ولأنّ المستأجر يكون عاجزاً عن تسليم الأجرة ، ولا يعدّ قادراً بقدرة غيره . وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة . ومثاله : سلخ الشّاة بجلدها ، وطحن الحنطة ببعض المطحون منها ، لجهالة مقدار الأجر ، لأنّه لا يستحقّ جلدها إلاّ بعد السّلخ ، ولا يدري هل يخرج سليماً أو مقطّعاً . وذهب الحنابلة إلى جواز ذلك إذا كانت الأجرة جزءاً شائعاً ممّا عمل فيه الأجير ، تشبيهاً بالمضاربة والمساقاة ، فيجوز دفع الدّابّة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها ، والزّرع أو النّخل إلى من يعمل فيه بسدس ما يخرج منه ، لأنّه إذا شاهده علمه بالرّؤية وهي أعلى طرق العلم . والمالكيّة في بعض الصّور الّتي يمكن فيها علم الأجر بالتّقدير يتّجهون وجهة الحنابلة ، فيقولون : إن قال : احتطبه ولك النّصف ، أو : احصده ولك النّصف ، فيجوز إن علم ما يحتطبه بعادة . ومثل ذلك في جذّ النّخل ولقط الزّيتون وجزّ الصّوف ونحوه . وعلّة الجواز العلم . ولو قال : احتطب ، أو : احصد ، ولك نصف ما احتطبت أو حصدت ، فذلك جائز على أنّه من قبيل الجعالة . وهي يتسامح فيها ما لا يتسامح في الإجارة . وقد أورد الزّيلعيّ الحنفيّ صورةً من هذا القبيل ، وهي أن يدفع إلى الحائك غزلاً ينسجه بالنّصف . وقال : إنّ مشايخ بلخ جوّزوه لحاجة النّاس ، لكن قال في الفتاوى الهنديّة : الصّحيح خلافه . أثر الإخلال بشرط من الشّروط الشّرعيّة : 43 - إذا اختلّ شرط من شروط الانعقاد بطلت الإجارة ، وإن وجدت صورتها ، لأنّ ما لا ينعقد فوجوده في حقّ الحكم وعدمه بمنزلة واحدة . ولا يوجب فيه الحنفيّة الأجر المسمّى ، ولا أجر المثل الّذي يقضون به إذا ما اختلّ شرط من شروط الصّحّة الّتي لا ترجع لأصل العقد والّتي يعتبرون العقد مع الإخلال بشيء منها فاسداً ، لأنّهم يفرّقون بين البطلان والفساد ، إذ يرون أنّ العقد الباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه . أمّا الفاسد فهو عندهم ما شرع بأصله دون وصفه . ولذا كان للعقد وجود معتبر من ناحيته ، فجهالة المأجور ، أو الأجرة ، أو مدّة العمل ، أو اشتراط ما لا يقتضيه عقد الإجارة من شروط ، كلّ ذلك يجب فيه أجر المثل عندهم باستيفاء المنفعة ، بشرط ألاّ يزيد أجر المثل عن المسمّى عند الإمام وصاحبيه . أمّا من غير استيفاء شيء من المنفعة فلا شيء له عند الحنفيّة وفي رواية عن أحمد . 44 - وجمهور الفقهاء لا يفرّقون بين العقد الباطل والعقد الفاسد في هذا ، ويرون العقد غير صحيح بفوات ما شرط الشّارع ، لكونه منهيّاً عنه . والنّهي يقتضي عدم وجود العقد شرعاً ، سواء أكان النّهي لخلل في أصل العقد ، أو لوصف ملازم له ، أو طارئ عليه . والنّهي في الجميع ينتج عدم ترتّب الأثر عليه ، ويكون انتفاع المستأجر غير مشروع ، ولا يلزمه الأجر المسمّى ، وإنّما يلزمه أجر المثل بالغاً ما بلغ إذا قبض المعقود عليه ، أو استوفى المنفعة ، أو مضى زمن يمكن فيه الاستيفاء ، لأنّ الإجارة كالبيع ، والمنفعة كالعين ، والبيع الفاسد كالصّحيح في استقرار البدل ، فكذلك في الإجارة ، هذا عند الشّافعيّ . ومثله مذهب مالك وأحمد فيما إذا كان قد استوفى المنفعة أو شيئاً منها . وأمّا إذا كان قد قبض المعقود عليه ، ومضى زمان يمكن فيه الاستيفاء ، فعن أحمد رواية بلزوم أجر المثل ، لأنّه عقد فاسد على منافع لم يستوفها ، فلم يلزمه عوضها . . الفصل الثّالث أحكام الإجارة الأصليّة والتّبعيّة المطلب الأوّل أحكام الإجارة الأصليّة 45 - إذا كانت الإجارة صحيحةً ترتّب عليها حكمها الأصليّ ، وهو ثبوت الملك في المنفعة للمستأجر ، وفي الأجرة المسمّاة للمؤجّر . وهناك أحكام تبعيّة ، وهي التزام المؤجّر بتسليم العين للمستأجر ، وتمكينه من الانتفاع بها ، والتزام المستأجر بالمحافظة عليها . وإذا كانت الإجارة على عمل ، والأجير مشترك ، فإنّ الأجير يلتزم بالقيام بالعمل مع المحافظة على العين ، وتسليمها بعد الانتهاء من العمل . وإن كان الأجير خاصّاً كان الأصل المدّة ، وكان العمل تبعاً ، وإن كانت الإجارة على العمل فقط ، كالمعلّم والظّئر ، كان الالتزام منصبّاً على العمل أو على المدّة ، حسبما كانت إجارةً مشتركةً أو خاصّةً . وسيأتي بيان ذلك . تملّك المنفعة ، وتملّك الأجرة ، ووقته : 46 - يتّجه الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الأجرة لا تستحقّ بنفس العقد ، وإنّما تستحقّ باشتراط التّعجيل أو استيفاء المعقود عليه . وزاد الحنفيّة : التّعجيل بالفعل . يقول الكاسانيّ ما حاصله : إنّ الأجرة لا تملك إلاّ بأحد معان ثلاثة : أحدها : شرط التّعجيل في نفس العقد لقوله صلى الله عليه وسلم : « المسلمون عند شروطهم » . . . والثّاني : التّعجيل من غير شرط ، قياساً على البيع في جواز تعجيل الثّمن قبل تسليم المبيع ، لأنّ الإجارة بيع كما تقدّم . الثّالث : استيفاء المعقود عليه ، لأنّه لمّا ملك المعوّض فيملك المؤجّر العوض في مقابلته ، تحقيقاً للمعاوضة المطلقة ، وتسويةً بين العاقدين . 47 - والقاعدة عند المالكيّة التّأجيل ، خلافاً للبيع ، فالأصل فيه التّعجيل ، إلاّ في أربعة مسائل يجب فيها تعجيل الأجرة ، وهي : إن شرط ذلك ، أو جرت به العادة كما في كراء الدّور والدّوابّ للسّفر إلى الحجّ ، أو إذا عيّن الأجر ، كأن يكون ثوباً معيّناً ، فإنّه يجب التّعجيل ، فإن لم يشترط التّعجيل في هذه الحالة فسدت الإجارة . ويجب التّعجيل أيضاً إذا كان الأجر لم يعيّن والمنافع مضمونةً في ذمّة المؤجّر . فإن شرع فيها فلا بأس ، وإن لم يشرع لأكثر من ثلاثة أيّام فلا يجوز إلاّ إذا عجّل جميع الأجر ، وإلاّ أدّى إلى ابتداء الدّين بالدّين . وقيل : لا بدّ من تعجيل جميع الأجرة ولو شرع ، لأنّ قبض الأوائل ليس قبضاً للأواخر . على أنّه يستثنى من وجوب تعجيل جميع الأجرة ( فيما إذا لم يشرع في استعمال المأجور ) - على القول المعتمد - صورة يتعسّر فيها الشّروع وهي : ما إذا كان محلّ الإجابة دابّةً للسّفر ونحوها ، وكانت مسافة السّفر بعيدةً ، والسّفر في غير وقت سفر النّاس عادةً ، وكانت الأجرة كثيرةً ، فلا يشترط تعجيل جميعها بل يكتفى بتعجيل اليسير من الأجرة الكثيرة ، فإن كانت يسيرةً وجب تعجيل جميعها . وهذا في غير الصّانع والأجير ، فليس لهما أجرة إلاّ بعد التّمام عند الاختلاف ، وأمّا عند التّراضي فيجوز تعجيل الجميع وتأخيره . كما قالوا : تفسد الإجارة إن وقعت بأجر معيّن ، وانتفى عرف تعجيل المعيّن ، لأنّ فيه بيعاً معيّناً يتأخّر قبضه ، وليس لأنّه دين بدين . وتفسد في هذه الحالة ، ولو عجّل الأجر بالفعل بعد العقد ، إذ لا تصحّ إلاّ إذا شرط تعجيله وعجّل . وقالوا : إذا أراد الصّنّاع والأجراء تعجيل الأجرة قبل الفراغ ، وامتنع ربّ العمل ، حملوا على المتعارف بين النّاس ، فإن لم يكن لهم سنّة لم يقض لهم بشيء إلاّ بعد الفراغ . وأمّا في الأكرية في دار أو راحلة أو في الإجارة على بيع السّلع كالسّمسرة ، أو نحوها ، فبقدر ما مضى ، فإذا لم يكن الأجر معيّناً ، ولم يشرط تعجيله ، ولم تجر العادة بتعجيله ، ولم تكن المنافع مضمونةً ، فلا يجب تعجيل الأجر . وإذا لم يجب التّعجيل كان مياومةً ، أي كلّما استوفى منفعة يوم ، أو تمكّن من استيفائها ، لزمته أجرته ، أو بعد تمام العمل . 48 - ويتّجه الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العقد إذا أطلق وجبت الأجرة بنفس العقد . ويجب تسليمها بتسليم العين والتّمكين من الانتفاع وإن لم ينتفع فعلاً ، لأنّه عوض أطلق ذكره في عقد المعاوضة فيستحقّ بمطلق العقد كالثّمن والمهر . فإذا استوفى المنفعة استقرّت الأجرة . وإن كانت الإجارة على عمل فإنّ الأجر يملك بالعقد أيضاً ، ويثبت ديناً في ذمّة المستأجر بمجرّد العقد ، لكن لا يستحقّ تسليمه إلاّ عند تسليمه العمل أو إيفائه أو يمضي المدّة إن كان الأجير خاصّاً . وإنّما توقّف استحقاقه على تسليم العمل لأنّه عوض . وفارق الإجارة على الأعيان ، لأنّ تسليمها أجري مجرى تسليم نفعها . وإذا استوفى المستأجر المنافع ، أو مضت المدّة ، ولا حاجز له عن الانتفاع ، استقرّ الأجر ، لأنّه قبض المعقود عليه ، فاستقرّ البدل ، أو لأنّ المنافع تلفت باختياره . وإذا تمّت الإجارة ، وكانت على مدّة ، ملك المستأجر المنافع المعقود عليها إلى تلك المدّة ، ويكون حدوثها على ملكه ، لأنّه صار مالكاً للتّصرّف فيها ، وهي مقدّرة الوجود . إيجار المستأجر العين لآخر : 49 - جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والأصحّ عند الحنابلة ) على جواز إيجار المستأجر إلى غير المؤجّر الشّيء الّذي استأجره وقبضه في مدّة العقد ، ما دامت العين لا تتأثّر باختلاف المستعمل ، وقد أجازه كثير من فقهاء السّلف ، سواء أكان بمثل الأجرة أم بزيادة . وذهب القاضي من الحنابلة إلى منع ذلك مطلقاً لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « نهى عن ربح ما لم يضمن » والمنافع لم تدخل في ضمانه ، فلم يجز . والأوّل أصحّ لأنّ قبض العين قام مقام قبض المنافع . إيجار المستأجر لغير المؤجّر بزيادة 49 م - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى جواز ذلك مطلقاً ، أي سواء أكانت الأجرة الثّانية مساويةً أم زائدةً أم ناقصةً ، لأنّ الإجارة بيع كما تقدّم ، فله أن يبيعها بمثل الثّمن ، أو بزيادة أو بنقص كالبيع ، ووافقهم أحمد في أصحّ الأقوال عنده . وذهب الحنفيّة إلى جواز الإجارة الثّانية إن لم تكن الأجرة فيها من جنس الأجرة الأولى ، للمعنى السّابق ، أمّا إن اتّحد جنس الأجرتين فإنّ الزّيادة لا تطيب للمستأجر . وعليه أن يتصدّق ، وصحّت الإجارة الثّانية لأنّ الفضل فيه شبهة . أمّا إن أحدث زيادةً في العين المستأجرة فتطيب الزّيادة لأنّها في مقالة الزّيادة المستحدثة . وذهب الحنابلة في قول ثان لهم إلى أنّه إن أحدث المستأجر الأوّل زيادةً في العين جاز له الزّيادة في الأجر دون اشتراط اتّحاد جنس الأجر أو اختلافه ، وسواء أذن له المؤجّر أو لم يأذن . وللإمام أحمد قول ثالث أنّه إن أذن المؤجّر بالزّيادة جاز ، وإلاّ فلا . فجمهور الفقهاء يجيزونه بعد القبض على التّفصيل السّابق . 50 - أمّا قبل القبض فيجوز عند المالكيّة مطلقاً عقاراً كان أو منقولاً ، بمساو أو بزيادة أو بنقصان ، وهو غير المشهور عند الشّافعيّة وأحد الوجهين عند الحنابلة ، لأنّ المعقود عليه هو المنافع ، وهي لا تصير مقبوضةً بقبض العين فلا يؤثّر فيها القبض . وفي المشهور عند الشّافعيّة ووجه آخر عند الحنابلة : لا يجوز ، كما لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز ذلك في العقار دون المنقول . وذهب محمّد إلى عدم الجواز مطلقاً . وهذا الخلاف مبنيّ على اختلافهم في جواز بيع العقار قبل قبضه . وقيل إنّه لا خلاف بينهم في عدم جواز ذلك في الإجارة . 51 - وأمّا إجارة العين المستأجرة للمؤجّر فالمالكيّة والشّافعيّة يجيزونها مطلقاً ، عقاراً أو منقولاً ، قبل القبض أو بعده ، وهو أحد وجهين للحنابلة . والوجه الثّاني لهم أنّه لا يجوز قبل القبض ، بناءً على عدم جواز بيع ما لم يقبض . ومنع الحنفيّة إيجارها للمؤجّر مطلقاً ، عقاراً كان أو منقولاً قبل القبض أو بعده ، ولو بعد مستأجر آخر . وهل إذا أجّرها ثان للمؤجّر الأوّل تبطل الإجارة الأولى ؟ رأيان : الصّحيح لا تبطل والثّاني تبطل ، وذلك لأنّ إيجارها للمؤجّر تناقض ، لأنّ المستأجر مطالب بالأجرة للمؤجّر ، فيصبح دائناً ومديناً من جهة واحدة ، وهذا تناقض . المطلب الثّاني الأحكام التّبعيّة الّتي يلتزم بها المؤجّر والمستأجر التزامات المؤجّر أ - ( تسليم العين المؤجّرة ) : 52 - يلتزم المؤجّر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمعقود عليه ، وذلك بتسليمه العين حتّى انتهاء المدّة أو قطع المسافة . ويشمل التّسليم توابع العين المؤجّرة الّتي لا يتحقّق الانتفاع المطلوب إلاّ بها حسب العرف . ويترتّب على أنّ التّسليم تمكين من الانتفاع أنّ ما يعرض أثناء المدّة ممّا يمنع الانتفاع بغير فعل المستأجر يكون على المؤجّر إصلاحه ، كعمارة الدّار وإزالة كلّ ما يخلّ بالسّكن ، مع ملاحظة ما سبق من اشتراط القدرة على التّسليم واشتراط بيان المنفعة وتحديدها . 53 - وفي إجارة العمل يكون الأجير هو المؤجّر لخدماته ، وقيام الأجير بالعمل هو التزامه بالتّسليم . فإن كان العمل يجري في عين تسلّم للأجير - وهو أجير مشترك - كان عليه تسليم المأجور فيه بعد قيامه بالعمل . وإن كان العمل لا يجري في عين تسلّم للأجير فإنّ مجرّد قيامه بالعمل المطلوب يعتبر تسليماً ، كالطّبيب أو السّمسار ، وإن كان الأجير خاصّاً كان تسليم نفسه للعمل في محلّ المستأجر تسليماً معتبراً . وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد . ب - ( ضمان غصب العين ) . 54 - جمهور الفقهاء على أنّه إذا غصبت العين في إجارة الأعيان المعيّنة يثبت للمستأجر الخيار بين أن يفسخ العقد ، أو ينتظر مدّةً يسيرةً ليس لمثلها أجر ، ريثما تنتزع من الغاصب . وفي إجارة ما في الذّمّة ليس للمستأجر الفسخ . وعلى المؤجّر الإبدال ، وليس للمستأجر مخاصمة الغاصب في العين . وقال الشّافعيّة والحنابلة : إن تعذّر بدلها على المؤجّر فللمستأجر الفسخ . وتنفسخ بمضيّ المدّة إن كانت على مدّة ، وإن كانت على عين معيّنة لعمل ، كذا إلى جهة ، كان له الفسخ . وإن كانت على عين معيّنة لمدّة ، خيّر بين الفسخ وبين إبقاء العقد ومطالبة الغاصب بأجرة المثل . فإن فسخ فعليه أجرة ما مضى . وإن كان الغاصب هو المؤجّر فلا أجرة له . ويرى قاضي خان من الحنفيّة أنّه لا تنفسخ الإجارة بغصب العين ، ولو غصبت بعض المدّة فبحسابه . واتّجه صاحب الهداية إلى أنّها تنفسخ بالغصب . أمّا الأجرة فتسقط ، لأنّ تسليم المحلّ إنّما أقيم مقام تسليم المنفعة للتّمكّن من الانتفاع ، فإذا فات التّمكّن بالغصب فات التّسليم . ولذا فإنّ المنفعة لو لم تفت بالغصب ، كغصب الأرض المقرّرة للغرس مع الغرس ، لا تسقط الأجرة . |
ج - ( ضمان العيوب ) : 55 - يثبت خيار العيب في الإجارة ، كالبيع . والعيب الموجب للخيار فيها هو ما يكون سبباً لنقص المنافع الّتي هي محلّ العقد ولو بفوات وصف في إجارة الذّمّة ، ولو حدث العيب قبل استيفاء المنفعة وبعد العقد . ويكون المستأجر بالخيار بين فسخ العقد وبين استيفاء المنفعة مع الالتزام بتمام الأجر ، على ما سيأتي في موضعه عند الكلام عن الفسخ للعيب . التزامات المستأجر : أ - دفع الأجرة ( وحقّ المؤجّر في حبس المعقود عليه ) : 56 - الأجرة تلزم المستأجر على ما سبق . فإن كانت معجّلةً حقّ للمؤجّر حبس ما وقع عليه العقد حتّى يستوفي الأجرة عند الحنفيّة والمالكيّة وفي قول للشّافعيّة ، لأنّ عمله ملكه ، فجاز له حبسه ، لأنّ المنافع في الإجارة كالمبيع في البيع . ولا يحقّ له ذلك في القول الآخر عند الشّافعيّة ، وهو مذهب الحنابلة ، لأنّه لم يرهن العين عنده . ولكلّ صانع ، لعمله أثر في العين ، كالقصّار والصّبّاغ ، أن يحبس العين لاستيفاء الأجر عند من أجاز له الحبس . وكلّ صانع ، ليس لعمله أثر في العين كالحمّال ، فليس له أن يحبسها عندهم ، لأنّ المعقود عليه نفس العمل ، وهو غير قائم في العين ، فلا يتصوّر حبسه ، خلافاً للمالكيّة حيث أثبتوا له حقّ الحبس . ب - استعمال العين حسب الشّرط أو العرف والمحافظة عليها : 57 - يتّفق الفقهاء على أنّ المستأجر يلزمه أن يتّبع في استعمال العين ما أعدّت له ، مع التّقيّد بما شرط في العقد ، أو بما هو متعارف ، إذا لم يوجد شرط ، وله أن يستوفي المنفعة المعقود عليها ، أو ما دونها من ناحية استهلاك العين والانتفاع بها . وليس له أن ينتفع منها بأكثر ممّا هو متّفق عليه . فإذا استأجر الدّار ليتّخذها سكناً فلا يحقّ له أن يتّخذها مدرسةً أو مصنعاً ، وإن استأجر الدّابّة لركوبه الخاصّ فليس له أن يتّخذها لغير ذلك ، ( على التّفصيل الّذي سيأتي في موضعه عند الكلام عن إجارة الأرض والدّور والدّوابّ ) . وعلى المستأجر إصلاح ما تلف من العين بسبب استعماله . ولا خلاف في أنّ العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر ، فلو هلكت دون اعتداء منه أو مخالفة المأذون فيه ، إلى ما هو أشدّ ، أو دون تقصير في الصّيانة والحفظ ، فلا ضمان عليه ، لأنّ قبض الإجارة قبض مأذون فيه ، فلا يكون مضموناً . وسيأتي تفصيل هذا في موضعه . ج - رفع المستأجر يده عن العين عند انتهاء الإجارة : 58 - بمجرّد انقضاء الإجارة يلزم المستأجر رفع يده عن العين المستأجرة ليستردّها المؤجّر ، فهو الّذي عليه طلب استردادها عند انقضاء الإجارة . وإن استأجر دابّةً ليصل بها إلى مكان معيّن لزم المؤجّر استلامها من هذا المكان ، إلاّ إذا كان الإجارة للذّهاب والعودة . ومن الشّافعيّة من قال : يلزم المستأجر ردّ العين بعد انقضاء الإجارة ، ولو لم يطلبها المؤجّر ، لأنّ المستأجر غير مأذون في إمساكها بعد انقضاء العقد ، فلزمه الرّدّ كالعاريّة . وتفصيل ذلك سيرد في موضعه عند الكلام على أنواع الإجارة . الفصل الرّابع انقضاء الإجارة : 59 - اتّفق الفقهاء على أنّ الإجارة تنتهي بانتهاء المدّة ، أو بهلاك المعقود عليه المعيّن ، أو بالإقالة . وذهب الحنفيّة إلى أنّها تنقضي أيضاً بموت أحد المتعاقدين ، أو طروء عذر يمنع من الانتفاع بالعين المستأجرة ، وذلك بناءً على أنّهم يرون أنّ الأصل في الأجرة أنّها تتجدّد بتجدّد المنفعة . وذهبت غير الحنفيّة إلى عدم انقضاء الإجارة بهذه الأمور بناءً على أنّهم يرون أنّ الأجرة تثبت بالعقد ، كالثّمن يثبت بنفس البيع . وتفصيل ذلك فيما يلي : أوّلاً - انقضاء المدّة : 60 - إذا كانت الإجارة محدّدة المدّة ، وانتهت هذه المدّة ، فإنّ الإجارة تنتهي بلا خلاف . غير أنّه قد يوجد عذر يقتضي امتداد المدّة ، كأن تكون أرضاً زراعيّةً ، وفي الأرض زرع لم يستحصد ، أو كانت سفينةً في البحر ، أو طائرةً في الجوّ ، وانقضت المدّة قبل الوصول إلى الأرض . 61 - وإذا كانت الإجارة غير محدّدة المدّة ، كأن يؤجّر له الدّار مشاهرةً كلّ شهر بكذا دون بيان عدد الأشهر ، فإنّ لكلّ ذلك أحكاماً مفصّلةً سيأتي ذكرها . ثانياً - انقضاء الإجارة بالإقالة : 62 - كما أنّ الإقالة جائزة في البيع ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من أقال نادماً بيعته أقال اللّه عثرته يوم القيامة » فهي كذلك جائزة في الإجارة ، لأنّ الإجارة بيع منافع . ثالثاً - انقضاء الإجارة بهلاك المأجور : 63 - تفسخ الإجارة بسبب هلاك العين المستأجرة بحيث تفوت المنافع المقصودة منها كلّيّةً ، كالسّفينة إذا نقضت وصارت ألواحاً ، والدّار إذا انهدمت وصارت أنقاضاً ، وهذا القدر متّفق عليه . وأمّا إذا نقصت المنفعة ففي ذلك خلاف وتفصيل سيأتي في موضعه . رابعاً : فسخ الإجارة للعذر : 64 - الحنفيّة ، كما سبق ، يرون جواز فسخ الإجارة لحدوث عذر بأحد العاقدين ، أو بالمستأجر ( بفتح الجيم ) ، ولا يبقى العقد لا زمّاً ، ويصحّ الفسخ ، إذ الحاجة تدعو إليه عند العذر ، لأنّه لو لزم العقد حينئذ للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد . فكان الفسخ في الحقيقة امتناعاً من التزام الضّرر ، وله ولاية ذلك . وقالوا : إنّ إنكار الفسخ عند تحقّق العذر خروج عن الشّرع والعقل ، لأنّه يقتضي أنّ من اشتكى ضرسه ، فاستأجر رجلاً ليقلعها ، فسكن الوجع ، يجبر على القلع . وهذا قبيح شرعاً وعقلاً . ويقرب منهم المالكيّة في أصل جواز الفسخ بالعذر ، لا فيما توسّع فيه الحنفيّة ، إذ قالوا : لو كان العذر بغصب العين المستأجرة ، أو منفعتها ، أو أمر ظالم لا تناله الأحكام بإغلاق الحوانيت المكتراة ، أو حمل ظئر - لأنّ لبن الحامل يضرّ الرّضيع - أو مرضها الّذي لا تقدر معه على رضاع ، حقّ للمستأجر الفسخ أو البقاء على الإجارة . 65 - وجمهور الفقهاء على ما أشرنا لا يرون فسخ الإجارة بالأعذار ، لأنّ الإجارة أحد نوعي البيع ، فيكون العقد لازماً ، إذ العقد انعقد باتّفاقهما ، فلا ينفسخ إلاّ باتّفاقهما . وقد نصّ الشّافعيّة على أنّه ليس لأحد العاقدين فسخ الإجارة بالأعذار ، سواء أكانت على عين أم كانت في الذّمّة ، ما دام العذر لا يوجب خللاً في المعقود عليه . فتعذّر وقود الحمّام ، أو تعذّر سفر المستأجر ، أو مرضه ، لا يخوّله الحقّ في فسخ العقد ، ولا حطّ شيء من الأجرة . وقال الأثرم من الحنابلة : قلت لأبي عبد اللّه : رجل اكترى بعيراً ، فلمّا قدم المدينة قال له : فاسخني . قال : ليس ذلك له . قلت : فإن مرض المستكري بالمدينة ، فلم يجعل له فسخاً ، وذلك لأنّه عقد لازم . وإن فسخه لم يسقط العوض . 66 - والعذر كما يرى الحنفيّة قد يكون من جانب المستأجر ، نحو أن يفلس فيقوم من السّوق ، أو يريد سفراً ، أو ينتقل من الحرفة إلى الزّراعة ، أو من الزّراعة إلى التّجارة أو ينتقل من حرفة إلى حرفة ، لأنّ المفلس لا ينتفع بالحانوت ، وفي إلزامه إضرار به ، وفي إبقاء العقد مع ضرورة خروجه للسّفر ضرر به . فلو استأجر شخص رجلاً ليقصر له ثياباً - أي يبيّضها - أو ليقطعها ، أو ليخيطها ، أو يهدم داراً له ، أو يقطع شجراً له ، أو ليقلع ضرساً . ثمّ بدا له ألاّ يفعل ، فله أن يفسخ الإجارة ، لأنّه استأجره لمصلحة يأملها ، فإذا بدا له أن لا مصلحة له فيه صار الفعل ضرراً في نفسه ، فكان الامتناع من الضّرر بالفسخ . 67 - وقد يكون العذر من جانب المؤجّر نحو أن يلحقه دين فادح لا يجد قضاءه إلاّ من ثمن المستأجر - بفتح الجيم - من الإبل والعقار ونحو ذلك . فيحقّ له فسخ الإجارة إذا كان الدّين ثابتاً قبل عقد الإجارة . أمّا إذا كان ثابتاً بعد الإجارة بالإقرار فلا يحقّ له الفسخ به عند الصّاحبين ، لأنّه متّهم في هذا الإقرار ، ويحقّ له عند الإمام ، لأنّ الإنسان لا يقرّ بالدّين على نفسه كاذباً ، وبقاء الإجارة مع لحوق الدّين الفادح العاجل إضرار بالمؤجّر لأنّه يحبس به إلى أن يظهر حاله . ولا يجوز الجبر على تحمّل ضرر غير مستحقّ بالعقد . وقالوا في امرأة آجرت نفسها ظئراً ، وهي تعاب بذلك : لأهلها الفسخ ، لأنّهم يعيّرون بذلك . ومن هذا القبيل إذا ما مرضت الظّئر ، وكانت تتضرّر بالإرضاع في المرض ، فإنّه يحقّ لها أن تفسخ العقد . 68 - ومن صور العذر المقتضي للفسخ عند من يرى الفسخ بالعذر من جانب المستأجر " بفتح الجيم " الصّبيّ إذا آجره وليّه ، فبلغ في مدّة الإجارة ، فهو عذر يخوّل له فسخ العقد ، لأنّ في إبقاء العقد بعد البلوغ ضرراً به . ومن هذا ما قالوا في إجارة الوقف عند غلاء أجر المثل ، فإنّهم قالوا : إنّه عذر يفسخ به متولّي الوقف الإجارة ، ويجدّد العقد في المستقبل على سعر الغلاء ، وفيما مضى يجب المسمّى بقدره . أمّا إذا رخص أجر المثل فلا يفسخ ، مراعاةً لمصلحة الوقف . 69 - وعند وجود أيّ عذر من هذا فإنّ الإجارة يصحّ فسخها إذا أمكن الفسخ . فأمّا إذا لم يمكن الفسخ ، بأن كان في الأرض زرع لم يستحصد ، لا تفسخ . لأنّ في القلع ضرراً بالمستأجر . وتترك إلى أن يستحصد الزّرع بأجر المثل . توقّف الفسخ على القضاء : 70 - إذا وجد بعض هذه الأعذار ، وكان الفسخ ممكناً ، فإنّ الإجارة تكون قابلةً للفسخ ، كما يرى بعض مشايخ الحنفيّة . وقيل : إنّها تنفسخ تلقائيّاً بنفسها . ويقول الكاسانيّ : الصّواب أنّه ينظر إلى العذر ، فإن كان يوجب الامتناع عن المضيّ فيه شرعاً ، كما في الإجارة على خلع الضّرس ، وقطع اليد المتأكّلة إذا سكن الألم وبرأت من المرض ، فإنّها تنتقض بنفسها . وإن كان العذر لا يوجب العجز عن ذلك ، لكنّه يتضمّن نوع ضرر لم يوجبه العقد ، لا ينفسخ إلاّ بالفسخ . وهو حقّ للعاقد ، إذ المنافع في الإجارة لا تملك جملةً واحدةً ، بل شيئاً فشيئاً ، فكان اعتراض العذر فيها بمنزلة عيب حدث قبل القبض . وهذا يوجب للعاقد حقّ الفسخ دون توقّف على قضاء أو رضاء . وقيل : إنّ الفسخ يتوقّف على التّراضي أو القضاء ، لأنّ هذا الخيار ثبت بعد تمام العقد ، فأشبه الرّدّ بالعيب بعد القبض . وقيل : إن كان العذر ظاهراً فلا حاجة إلى القضاء ، وإن كان خفيّاً كالدّين اشترط القضاء . وهو ما استحسنه الكاسانيّ وغيره . وعند الاختلاف بين المتعاقدين فإنّ الإجارة تفسخ بالقضاء . 71 - وإن طلب المستأجر الفسخ قبل الانتفاع فإنّ القاضي يفسخ ، ولا شيء على المستأجر . وإن كان قد انتفع بها فللمؤجّر ما سمّى من الأجر استحساناً لأنّ المعقود عليه تعيّن بالانتفاع . ولا يكون للفسخ أثر رجعيّ . خامساً - انفساخ الإجارة بالموت : 72 - سبق ذكر أنّ الحنفيّة يرون أنّ الإجارة تنقضي بموت أحد العاقدين اللّذين يعقدان لنفسيهما ، كما تنقضي بموت أحد المستأجرين أو أحد المؤجّرين في حصّته فقط . وقال زفر : تبطل في نصيب الحيّ أيضاً ، لأنّ الشّيوع مانع من صحّة الإجارة ابتداءً ، فأعطاه حكمه . ورجّح الزّيلعيّ الرّأي الأوّل ، وقال : لأنّ الشّروط يراعى وجودها في الابتداء دون البقاء . وعلّل لانفساخ الإجارة بالموت ، فقال : لأنّ العقد ينعقد ساعةً فساعةً بحسب حدوث المنافع ، فإذا مات المؤجّر فالمنافع الّتي تستحقّ بالعقد هي الّتي تحدث على ملكه ، فلم يكن هو عاقداً ولا راضياً بها . وإن مات المستأجر فإنّ المنفعة لا تورث . ولا يظهر الانفساخ إلاّ بالطّلب ، فلو بقي المستأجر ساكناً بعد موت المؤجّر غرّمه الأجر لمضيّه في الإجارة ، ولا يظهر الانفساخ إلاّ إذا طالبه الوارث بالإخلاء . وإذا مات المؤجّر ، والدّابّة أو ما يشبهها في الطّريق . تبقى الإجارة حتّى يصل المستأجر إلى مأمنه . وإذا مات أحد العاقدين والزّرع في الأرض بقي العقد بالأجر المسمّى حتّى يدرك . وذهب بعض فقهاء التّابعين - الشّعبيّ والثّوريّ واللّيث - إلى ما ذهب إليه الحنفيّة من القول بانفساخ الإجارة بموت المؤجّر أو المستأجر ، لأنّ المؤجّر بطل ملكه بموته ، فيبطل عقده . كما أنّ ورثة المستأجر لا عقد لهم مع المؤجّر ، والمنافع المتجدّدة بعد موت مورّثهم لم تكن ضمن تركته . وفي قول عند الشّافعيّة أنّها تبطل بالموت في إجارة الوقف . وسبق القول إنّ الجمهور على أنّ الإجارة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين ، لأنّها عقد لازم لا نقضي بهلاك أحدهما ما دام ما تستوفى به المنفعة باقياً . وقد كان رأي الصّحابة والتّابعين أنّ الإجارة لا تنفسخ بالموت . روى البخاريّ في كتاب الإجارة أنّ ابن سيرين قال فيمن استأجر أرضاً فمات المؤجّر : ليس لأهله أن يخرجوه إلى تمام الأجل . وقال بذلك الحسن وإياس بن معاوية . وقال ابن عمر « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر لأهلها ليعملوا فيها ويزرعوها ، ولهم شطر ما يخرج منها » ، فكان ذلك على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر " ولم يذكر أنّ أبا بكر وعمر جدّدا الإجارة . سادساً : أثر بيع العين المؤجّرة : 73 - ذهب الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في الأظهر عندهم ، والمالكيّة إن كان هناك اتّهام ، إلى أنّه لا تفسخ الإجارة بالبيع . وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا لم تكن هناك تهمة ، والشّافعيّ في غير الأظهر ، إلى أنّ الإجارة تفسخ بالبيع . واستدلّ الجمهور بأنّ المعقود عليه في البيع هو العين ، والمعقود عليه في الإجارة هو المنافع ، فلا تعارض . والدّليل على الاتّجاه الثّاني أنّ الإجارة تمنع من التّسليم ، فتناقضا . وممّا ينبغي أن يعلم أنّ الحنفيّة يعتبرون الإجارة عيباً يثبت به للمشتري خيار العيب . وإن كان بيع العين المؤجّرة للمستأجر نفسه فالأصحّ عند الشّافعيّ والحنابلة ، وبالأولى عند غيرهم ، أنّه لا تنفسخ الإجارة . ولا أثر على عقد الإجارة من رهن العين المستأجرة أو هبتها اتّفاقاً . وكذلك الوقف عند الجمهور . وأمّا الحنفيّة فقد اختلفت فتواهم فيه سواء كان على معيّن أو غير معيّن . سابعاً - فسخ الإجارة بسبب العيب : 74 - لا خلاف بين فقهاء المذاهب في أنّه إذا حدث في المعقود عليه عيب في مدّة العقد ، وكان هذا العيب يخلّ بالانتفاع بالمعقود عليه ، ويفوّت المقصود بالعقد مع بقاء العين ، كانجراح ظهر الدّابّة المعيّنة المؤجّرة للرّكوب ، فإنّ ذلك يؤثّر على العقد اتّفاقاً ، ويجعله غير لازم بالنّسبة لمن أضرّ به وجود العيب . فلو اشترى شيئاً فآجره ، ثمّ اطّلع على عيب به ، يكون له أن يفسخ الإجارة ، ويردّ المبيع ، فحقّ الرّدّ بالعيب يكون عذراً يخوّل له فسخ الإجارة وإن سبق له الرّضا بالعيب لأنّ المنافع تتجدّد ، ولا كذلك البيع . وقال أبو يوسف : إن أصاب إبل المؤجّر مرض فله أن يفسخ إذا كانت الإبل مستأجرةً بعينها . وللمستأجر أن يردّ بما يحدث في يده من العيب ، لأنّ المستأجر في يد المستأجر كالمبيع في يد البائع ، فإذا جاز ردّ البيع بما يحدث من عيب في يد البائع جاز بما يحدث من العيب في يد المستأجر . وفي المغني : إذا اكترى عيناً فوجد بها عيباً لم يكن علم به فله فسخ العقد بغير خلاف . 75 - أمّا إذا كان العيب لا يفوّت المنافع المقصودة من العقد ، كانهدام بعض محالّ الحجرات ، بحيث لا يدخل الدّار برد ولا مطر ، وكانقطاع ذيل الدّابّة ، وكانقطاع الماء عن الأرض مع إمكان الزّرع بدون ماء ، فإنّ ذلك وأمثاله لا يكون مقتضياً الفسخ . والعبرة فيما يستوجب الفسخ أو عدمه من العيوب بقول أهل الخبرة . وإذا وجد عيب وزال سريعاً بلا ضرر فلا فسخ . 76 - وقبض العين المستأجرة لا يمنع من طلب الفسخ لحدوث عيب بالعين ، إذ الإجارة تختلف عن البيع في ذلك ، لأنّ الإجارة بيع للمنافع ، والمنافع تحدث شيئاً فشيئاً ، فكان كلّ جزء من أجزاء المنافع معقوداً عليه عقداً مبتدأً . فإذا حدث العيب بالمستأجر كان هذا عيباً حدث بعد العقد وقبل القبض ، وهذا يوجب الخيار في بيع العين ، فكذا في الإجارة ، فلا فرق من حيث المعنى . وفقهاء المذاهب يجمعون على هذا ، على الرّغم من أنّ بعض المذاهب ترى أنّ المنفعة كالعين ، وأنّه يتمّ تسليمها عند التّعاقد إن لم تكن موصوفةً في الذّمّة ، بل صرّح الحنابلة بهذا التّعليل . يقول ابن قدامة : إذا حصل العيب أثناء الانتفاع ثبت للمكتري خيار الفسخ ، لأنّ المنافع لا يحصل قبضها إلاّ شيئاً فشيئاً . إلخ . وإن زال العيب قبل الفسخ - بأن زال العرج عن الدّابّة أو بادر المكري إلى إصلاح الدّار - لا يكون للمستأجر حقّ الرّدّ وبطل حقّه في طلب الفسخ ، لأنّه لا يلحقه الضّرر . الفصل الخامس الاختلاف بين المؤجّر والمستأجر 77 - قد يقع اختلاف بين المؤجّر والمستأجر في بعض أمور تتعلّق بالإجارة ، كالمدّة والعوض والتّعدّي ، والرّدّ ونحو ذلك . فلمن يكون القول عند انعدام البيّنة ؟ وقد أورد الفقهاء ( على اختلاف مذاهبهم ) صوراً شتّى في هذا الأمر . وترجع آراؤهم كلّها إلى تحديد كلّ من المدّعي والمدّعى عليه ، فيكون على المدّعي البيّنة ، والقول مع اليمين للمدّعى عليه . وللظّاهر مدخل في تحديد كلّ منهما . فمن شهد له الظّاهر فهو المدّعى عليه ، والقول قوله ، ومن طلب حقّاً على الآخر فهو المدّعي . والفروع الّتي سيقت في هذا الباب ( مع كثرتها ) ترجع إلى هذا الأصل . وتفصيل ذلك في مصطلح ( دعوى ) . الفصل السّادس كيفيّة استعمال العين المأجورة 79 - الإجارة قد تكون على منقول - حيوان أو غيره - وقد تكون على غير منقول . كما قد تكون إجارة أشخاص ، سواء أكان الأجير خاصّاً أم مشتركاً . وقد تتميّز بعض هذه الأنواع بأحكام خاصّة ، وسيأتي بيانها بحسب كلّ نوع منها . وعالج الفقهاء ما كان في العهود السّابقة من إجارة أنواع من العروض فاختلفوا في بعض الصّور من حيث كيفيّة استعمالها . وبالنّظر في هذه الصّور يتبيّن أنّ آراءهم مبنيّة على الأسس الآتية : أ - إذا كان هناك شرط معتبر شرعاً وجب الالتزام به . ب - إذا كانت طبيعة المأجور ممّا يتأثّر باختلاف الاستعمال وجب ألاّ تستعمل على وجه ضار ، ويجوز استعمالها على وجه أخفّ . ج - مراعاة العرف في الاستعمال سواء كان عرفاً عامّاً أو خاصّاً . وما يوجد في كتب الفقه من فروع تطبيقيّة يوهم ظاهرها الاختلاف فإنّه يرجع إلى هذه الأسس . الفصل السّابع أنواع الإجارة بحسب ما يؤجّر الفرع الأوّل إجارة غير الحيوان القاعدة العامّة فيما يجوز إجارته أنّ كلّ ما يجوز بيعه تجوز إجارته ، لأنّ الإجارة بيع منافع ، بشرط ألاّ تستهلك العين في استيفاء المنفعة ، فضلاً عن جواز إجارة بعض ما لا يجوز بيعه ، كإجارة الحرّ ، وإجارة الوقف ، وإجارة المصحف عند من لا يجيز بيعه . كما يشترط في المنفعة أن تكون مقصودةً لذاتها بحسب العرف . وما ورد من خلاف بين الأئمّة في بعض الصّور فمرجعه إلى اختلاف العرف . المبحث الأوّل إجارة الأراضي 80 - إجارة الأراضي مطلقاً لذاتها جائزة . وقيّد الشّافعيّة جواز استئجار الأرض ببيان الغرض من استئجارها ، وذلك لتفاوت الأغراض واختلاف أثرها . فإذا كانت مع غيرها من ماء أو مرعى أو زرع أو نحو ذلك فسيأتي حكمها : أ - ( إجارة الأرض مع الماء أو المرعى ) : 81 - يجوز ذلك في الجملة اتّفاقاً ، لكنّ الحنفيّة لا يجيزون إجارة الآجام والأنهار للسّمك ، ولا المرعى للكلأ ، قصداً ، وإنّما يؤجّر له الأرض فقط ، ثمّ يبيح المالك للمستأجر الانتفاع بالكلأ ، وذلك لأنّ الانتفاع بالكلأ لا يكون إلاّ باستهلاك عينه . أمّا عند غير الحنفيّة فيجوز العقد على الأرض والكلأ معاً ، ويدخل الكلأ تبعاً . وبين فقهاء الحنفيّة اختلاف في استئجار طريق خاصّ يمرّ فيه ، أو يمرّ النّاس فيه ، فإنّه يجوز عند الصّاحبين ولا يجوز عند الإمام . ب - ( إجارة الأراضي الزّراعيّة ) : 82 - فقهاء المذاهب يجيزون إجارة الأرض للزّراعة ، وجمهور الفقهاء على وجوب تعيين الأرض وبيان قدرها ، فلا تجوز إجارة الأراضي إلاّ عيناً ، لا موصوفةً في الذّمّة . بل اشترط الشّافعيّة والحنابلة لمعرفة الأرض رؤيتها ، لأنّ المنفعة تختلف باختلاف معدن الأرض وموقعها وقربها من الماء ، ولا يعرف ذلك إلاّ بالرّؤية ، لأنّها لا تنضبط بالصّفة . ولم يشترط المالكيّة الرّؤية ، فأجازوا إجارة الأرض بقوله : أكريك فدّانين من أرضي الّتي بحوض كذا ، أو مائة ذراع من أرضي الفلانيّة ، إذا كان قد عيّن الجهة الّتي يكون منها ذلك القدر ، كأن يقول : من الجهة البحريّة ، أو لم يعيّن الجهة ، لكن تساوت الأرض في الجودة والرّداءة بالنّسبة للأرض الزّراعيّة . فإن لم تعيّن الجهة ، واختلفت الأرض من ناحية الجودة والرّداءة ، فلا يجوز إلاّ بالتّعيين ، إلاّ إذا كان يؤجّر له قدراً شائعاً منها كالرّبع والنّصف ، فإنّه يجوز دون تعيين الجهة الّتي يكون فيها الجزء . واشترط الجمهور لجواز ذلك أن يكون لها ماء مأمون دائم للزّراعة ، يؤمن انقطاعه ، لأنّ الإجارة لا تجوز إلاّ على عين يمكن استيفاء المنفعة منها ، فتصحّ إجارة الأرض الزّراعيّة ، ما دامت تسقى من نهر لم تجر العادة بانقطاعه وقت طلب السّقي ، أو من عين أو بركة أو بئر أو أمطار تقوم بكفايتها ، أو بها نبات يشرب بعروقه من ماء قريب تحت سطح الأرض . وهذا ما صرّح به كلّ من الشّافعيّة والحنابلة ، وهو مقتضى ما اشترطه الحنفيّة من أن تكون المنفعة المعقود عليها مقدورةً حقيقةً وشرعاً . أمّا المالكيّة فقد أجازوا كراء أرض المطر للزّراعة ، ولو لسنين طويلة ، إن لم يشترط النّقد ، سواء حصل نقد بالفعل تطوّعاً بعد العقد أم لا . أمّا إذا كانت الأرض مأمونةً لتحقّق ريّها من مطر معتاد ، أو من نهر لا ينقطع ماؤه ، أو عين لا ينضب ماؤها ، فيجوز كراؤها بالنّقد ولو لمدّة طويلة . وقالوا : إنّه يجب النّقد في الأرض المأمونة بالرّيّ بالفعل والتّمكّن من الانتفاع بها . وإذا وقع العقد على منفعة أرض الزّراعة ، وسكت عن اشتراط النّقد وعدمه ، أو اشترط عدمه حين العقد ، فإنّه يقضى به في الأرض الّتي تسقى بماء الأنهار الدّائمة إذا رويت وتمكّن من الانتفاع بها بكشف الماء عنها ، وأمّا الأرض الّتي تسقى بالمطر والعيون والآبار فلا يقضى بالنّقد فيها . لكنّ الشّافعيّة والحنابلة اشترطوا أن يكون الماء مأموناً كماء العين ونحوه ، إلاّ إذا تمّ زرعها واستغنى عن الماء . واتّفق الفقهاء على أنّ ما لا يتمّ الانتفاع بالأرض إلاّ به كالشّرب والطّريق يدخل تبعاً في عقد الإجارة وإن لم ينصّ عليه . إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها : 83 - إذا كانت أجرتها ممّا تنبته ففي ذلك خلاف ، فالحنفيّة والحنابلة أجازوا إجارتها ببعض الخارج منها ، لأنّها منفعة مقصودة معهودة فيها ، ومنع المالكيّة والشّافعيّة إجارتها ببعض ما يخرج منها قياساً على قفيز الطّحّان ، وقيّدوا جواز تأجيرها للزّراعة بأن يكون لها ماء تسقى به ، ولو ماء المطر ، إلاّ إذا كانت الإجارة لمدّة طويلة ، فاشترطوا أن تكون مأمونة الرّيّ . المدّة في الأرض الزّراعيّة : |
- يجوز إيجار الأرض للزّراعة لمدّة معلومة كسنة ونحوها ، ولو إلى عشر سنين أو أكثر ، اتّفاقاً ، حتّى قال الشّافعيّة : تصحّ إجارة الأرض لمائة سنة أو أكثر ، ولو وقفاً ، لأنّ عقد الإجارة على العين يصحّ مدّةً تبقى فيها العين إليها . وفي قول عندهم : لا تزاد على ثلاثين سنةً ، لأنّ الغالب تغيّر الأشياء بعدها . وفي قول عندهم أيضاً : لا يزاد على سنة ، لأنّ الحاجة تندفع بها . وقال الحنفيّة : إذا كانت الأرض موقوفةً فأجّرها المتولّي إلى مدّة طويلة ، فإن كان السّعر بحاله لم يزد ولم ينقص ، فإنّه يجوز ، إلاّ إذا كان الواقف شرط ألاّ يؤجّرها أكثر من سنة ، فإنّه لا يجوز مخالفة شرط الواقف ، إلاّ إذا كان إيجارها لأكثر من سنة أنفع للوقف .
اقتران صيغة الإجارة ببعض الشّروط : 85 - عقد الإجارة يقبل الاقتران بالشّرط اتّفاقاً . لكن إذا كان الشّرط ممّا يبقى أثره في الأرض بعد انقضاء مدّة الإجارة ففيه كلام ، لأنّ هذا الشّرط ينتج تحقيق مصلحة لأحد العاقدين . فإذا كان الشّرط يقتضيه العقد فذكره لا يوجب الفساد كاشتراط الكراب والسّقي ، لأنّ الزّراعة لا تتأتّى إلاّ به . وإن شرط أن يثنيها - أي يحرثها مرّةً ثانيةً - ويكري أنهارها ونحو ذلك ، ممّا تبقى فائدته في الأرض بعد انقضاء المدّة ، وليس من مقتضيات العقد ، فهو شرط فاسد عند الحنفيّة تفسد به الإجارة عندهم ، لكنّ المالكيّة أجازوا اشتراط أن يسمّدها بنوع معيّن وقدر معيّن من السّماد ، لأنّه منفعة تبقى في الأرض ، فهو جزء من الأجرة . أمّا إذا شرط عليه أن يزرع بنفسه فقط ، أو أن يزرع قمحاً فقط ، فإنّه شرط مخالف لمقتضى العقد ، ولا يلزم الوفاء به ، فله أن يزرع بنفسه وبغيره ، وله أن يزرع قمحاً أو ما هو مثله أو أقلّ منه ضرراً بالأرض ، لا ما هو أكثر . وعلّلوا ذلك بأنّه شرط لا يؤثّر في حقّ المؤجّر ، فألغي ، وبقي العقد على مقتضاه . وفي وجه عند الشّافعيّة أنّ الإجارة تبطل ، لأنّه شرط فيها ما ينافي موجبها . وفي وجه آخر أنّ الإجارة جائزة ، والشّرط لازم ، لأنّ المستأجر يملك المنافع من جهة المؤجّر ، فلا يملك ما لم يرض به . 86 - وجمهور الفقهاء ( المالكيّة والحنابلة والصّحيح عند الشّافعيّة ) أنّه يجب أن يبيّن جنس ما يستأجر له الأرض ، زراعةً أو غراساً ، دون حاجة لبيان نوع ما يزرع أو يغرس . وعلّة ذلك أنّ الغراس قد يكون أضرّ بالأرض من الزّرع ، وتأثير ذلك في الأرض يختلف . أمّا التّفاوت بين الزّرعين فقليل لا يضرّ . وإذا لم يعيّن ، ولم يكن هناك عرف ، فلا يجوز ، للجهالة ، خلافاً لابن القاسم الّذي أجاز ، وقال : يمنع المكتري من فعل ما يضرّ بالأرض . أمّا إذا قال له : آجرتكها لتزرعها أو تغرسها ، فإنّه لا يصحّ ، لأنّه لم يعيّن أحدهما ، فوجدت جهالة . وإذا قال له : آجرتك لتزرعها وتغرسها ، صحّ العقد عند الحنابلة ، وله أن يزرعها كلّها ما شاء ، أو أن يغرسها كلّها ما شاء . وفي قول عند الشّافعيّة : يصحّ ، وله أن يزرع النّصف ، ويغرس النّصف ، لأنّ الجمع يقتضي التّسوية . وفي القول الثّاني : لا يصحّ ، لأنّه لم يبيّن المقدار من كلّ واحد منها . أمّا إن أطلق ، وقال : آجرتك لتنتفع بها ما شئت ، فله الزّرع والغرس والبناء عند الحنابلة ، للإطلاق . وللشّافعيّة ، في الأرض الّتي لا ماء لها ، ولم يذكر أنّه يكتريها للزّراعة ، وجهان : أحدهما : لا يصحّ ، لأنّ الأرض عادةً تكترى للزّراعة ، فصار كما لو شرط أنّه اكتراها للزّراعة . والثّاني : يصحّ إذا كانت الأرض عاليةً لا يطمع في سقيها ، لأنّه يعلم أنّه لم يكترها للزّراعة . وإن كانت منخفضةً يطمع في سقيها بسوق الماء إليها من موضع آخر ، لم تصحّ ، لأنّه اكتراها للزّراعة مع تعذّر الزّراعة ، لأنّ مجرّد الإمكان لا يكفي ، إذ لا بدّ من أن يغلب على الظّنّ وصول الماء إليها على الأرجح . وقال الحنفيّة والشّافعيّة في مقابل الصّحيح عندهم : لا بدّ من تعيين ما تستأجر له الأرض من زراعة أو غراس . ولا بدّ أيضاً من بيان نوع ما يزرع أو يغرس ، وإلاّ فسد العقد ، لأنّ الأرض تستأجر للزّراعة وغيرها ، وما يزرع فيها منه ما يضرّ بالأرض وما لا يضرّ ، فلم يكن المعقود عليه معلوماً . ولذا وجب البيان ، أو يجعل له أن ينتفع بها ما شاء . وحكي عن ابن سريج أيضاً أنّه قال : لا يصحّ حتّى يبيّن الزّرع ، لأنّ ضرره يختلف . وقال الحنفيّة : إن زرعها مع ذلك الفساد ، ومضى الأجل ، فللمؤجّر المسمّى ، استحساناً ، وفي القياس لا يجوز ، وهو قول زفر ، لأنّ العقد وقع فاسداً ، فلا ينقلب جائزاً . ووجه الاستحسان أنّ الجهالة ارتفعت قبل تمام العقد . أحكام إجارة الأرض الزّراعيّة : التزامات المؤجّر : 87 - يجب تسليم الأرض خاليةً إلى المستأجر . فإن استأجر أرضاً فيها زرع لآخر ، أو ما يمنع الزّراعة ، لم تجز الإجارة ، لعدم القدرة على استيفاء المعقود عليه . فإن قلع ذلك قبل تسليم الأرض جاز . وقال الحنابلة : لو كانت مشغولةً ، وخلت أثناء المدّة ، فإنّها تصحّ فيما خلت فيه من المدّة بقسطه من الأجرة . وإذا كان ذلك ممّا يختلف رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة . ( التزامات المستأجر ) : 88 - أوّلاً : يجب على المستأجر أن يدفع الأجرة المشروطة في العقد حسب الاشتراط ، فقد نصّوا على لزوم الكراء بالتّمكين من التّصرّف في العين الّتي اكتراها وإن لم تستعمل . وقد اتّجه الفقهاء في الجملة إلى أنّه إن انقطع عنها الماء ، أو غرقت ولم ينكشف عنها الماء ، ونحو ذلك ممّا يمنع تمكّنه من زراعتها ، فإنّه لا يلزمه الأجر . لكن لهم تفصيلات ينبغي الإشارة إليها . فالحنفيّة ينصّون على أنّ انقطاع الماء عن الأرض الّتي تسقى بماء النّهر أو ماء المطر يسقط الأجر . وكذا إن غرقت الأرض قبل أن يزرعها ومضت المدّة . وكذا لو غصبها غاصب . أمّا إن زرعها ، فأصاب الزّرع آفة ، فهلك الزّرع ، أو غرقت بعد الزّرع ولم ينبت ، ففي إحدى روايتين عن محمّد : يكون عليه الأجر كاملاً والمختار في الفتوى أنّه لا يكون عليه أجر لما بقي من المدّة بعد هلاك الزّرع . ويقرب من ذلك قول المالكيّة ، إذ قالوا : إنّ الأجر لا يجب بانقطاع الماء عن الأرض ، أو إغراقه لها من قبل أن يزرعها وحتّى انقضاء المدّة . أمّا إن تمكّن ، ثمّ فسد الزّرع لجائحة لا دخل للأرض فيها ، فيلزمه الكراء ، غير أنّهم قالوا : إذا انعدم البذر عموماً عند أهل المحلّة ملكاً أو تسليفاً فلا يلزمه الكراء ، وكذا إذا سجن المكتري بقصد تفويت الزّرع عليه ، فيكون الكراء على ساجنه . وقال الشّافعيّة والحنابلة : إن اكترى أرضاً للزّراعة ، فانقطع ماؤها ، فالمكتري بالخيار بين فسخ العقد ، لأنّ المنفعة المقصودة قد فاتت ، وبين إبقائه لأنّ العين باقية يمكن الانتفاع بها ، وإنّما نقصت منفعتها ، فثبت له الخيار ، كما لو حدث به عيب . وقالوا : إذا زرع الأرض الّتي اكتراها ثمّ هلك الزّرع بزيادة المطر أو شدّة البرد أو أكل الجراد ، لم يجز له الرّدّ ، لأنّ الجائحة حدثت على مال المستأجر . وقالوا : إن اكترى أرضاً غرقت بالماء لزراعة ما لا يثبت في الماء ، كالحنطة والشّعير ، فإن كان للماء مغيض إذا فتح انحسر الماء عن الأرض ، وقدر على الزّراعة ، صحّ العقد ، وإلاّ لم يصحّ العقد . وإن كان يعلم أنّ الماء ينحسر ، وتنشّفه الرّيح ، ففيه وجهان عند الشّافعيّة : أحدهما : لا يصحّ ، لأنّه لا يمكن استيفاء المنفعة في الحال . والثّاني : يصحّ . وهو الصّحيح ، لأنّه يعلم بالعادة إمكان الانتفاع به . 89 - ثانياً : يجب على المستأجر أن ينتفع بالأرض في حدود المعروف والمشروط ، لا بما هو أكثر ضرراً ، وهذا موضع اتّفاق . وذهب عامّة أهل العلم إلى أنّه يجوز أن يزرع الأرض الزّرع المتّفق عليه ، أو مساويه ، أو أقلّ منه ضرراً . غير أنّ الحنفيّة قالوا : من اكترى أرضاً ليزرعها حنطةً فليس له أن يزرعها قطناً . وإذا زرعها ضمن قيمة ما أحدثه ذلك في الأرض من نقصان ، واعتبر غاصباً للأرض . وقد سبق أنّهم يشترطون تعيين نوع ما يزرع . وقال الشّافعيّة في ذلك : يلزمه أجر المثل ، لأنّه تعدّى ، والزّيادة غير منضبطة ، وتفضي إلى منازعة . وفي قول آخر لهم : يلزمه المسمّى وأجر المثل للزّيادة . وفي قول : إنّ مالك الأرض يكون بالخيار بين أن يأخذ المسمّى وأجر المثل للزّيادة ، أو أن يأخذ أجر المثل للجميع . وعند الحنابلة : لو اشترط نوعاً معيّناً من الزّرع كالقمح ، فلهم رأيان : قيل : لا يجوز هذا الشّرط ، لأنّ المعقود عليه منفعة الأرض ، وإنّما ذكر القمح لتقدّر به المنفعة . والثّاني أنّه يتقيّد بهذا الشّرط حسب الاتّفاق ، فيكون شرطاً لا يقتضيه العقد . وهذا اختيار القاضي من علمائهم . انقضاء إجارة الأرض الزّراعيّة : 90 - إذا كانت الإجارة على مدّة ، وانقضت المدّة ، انقضت الإجارة اتّفاقاً . ويبقى الزّرع في الأرض إذا كان لم يحن حصاده . وعليه الأجر المسمّى عن المدّة ، زائداً أجر المثل عن المدّة الزّائدة . ولفقهاء المذاهب بعض تفصيلات في ذلك ، وفيما إذا كانت الأرض استأجرها للغراس لا للزّرع : فقال الحنفيّة : إذا استأجرها ليغرس بها شجراً ، وانقضت المدّة ، لزمه أن يقلع الشّجر ويسلّم الأرض فارغةً . وقيل : يتركها بأجر المثل ، إلاّ أن يختار صاحب الأرض أن يغرم قيمة ذلك مقلوعاً إن كان في قلعها ضرر فاحش بالأرض . وإلاّ قلعها من غير ضمان النّقص له . لأنّ تقدير المدّة في الإجارة يقتضي التّفريغ عند انقضائها ، كما لو استأجرها للزّرع . ولا يبعد المالكيّة عن الحنفيّة في شيء من هذا ، غير أنّ بعضهم قيّد بقاء الزّرع في الأرض للحصاد بأجر المثل بما إذا كان المكتري يعلم وقت العقد أنّ الزّرع يتمّ حصاده في المدّة ، وإلاّ جاز للمؤجّر أمره بالقلع . 91 - أمّا الشّافعيّة فقد فصّلوا ، وقالوا : إن اكترى أرضاً لزرع معيّن لا يستحصد في المدّة ، واشترط التّبقية ، فالإجارة باطلة ، لأنّه شرط ينافي مقتضى العقد . فإن بادر وزرع لم يجبر على القلع ، وعليه أجرة المثل . وإن شرط القلع فالعقد صحيح ، ويجبر على ذلك . وإن لم يشترط شيئاً من ذلك فقيل : يجبر على القلع ، لأنّ العقد على مدّة ، وقد انقضت . وقيل : لا يجبر ، لأنّ الزّرع معلوم . ولزمه أجر المثل للزّائد . وإن كان الزّرع غير معيّن ، فإن كان بتفريط منه ، فللمكتري أن يجبره على قلعه ، لأنّه لم يعقد إلاّ على المدّة . وإن كان لعذر ، فقيل : يجبر أيضاً . وقيل : لا يجبر . وهو الصّحيح ، لأنّه تأخّر من غير تفريط منه . وعليه المسمّى إلى نهاية المدّة ، وأجرة المثل لما زاد . وفي الغراس قالوا : إنّه يجوز اشتراط التّبقية ، لأنّ العقد يقتضيه . وإن شرط عليه القلع أخذ بالشّرط ، ولا يلزمه تسوية الأرض . وإن أطلق لم يلزمه القلع ، إذ العادة في الغراس التّبقية إلى أن يجفّ ويستقلع . وإن اختار القلع ، وكان قبل انقضاء المدّة ، فقيل : يلزمه تسوية الأرض ، لأنّه قلع الغراس من أرض غيره بغير إذنه . وقيل لا يلزمه ، لأنّ قلع الغراس من أرض له عليها يد . وإن كان بعد انقضاء المدّة لزمه تسوية الأرض ، وجهاً واحداً . وإن اختار المكتري التّبقية فإن أراد صاحب الأرض دفع قيمة الغراس وتملّكه أجبر المكتري على ذلك . وإن أراد أن يقلعه ، وكانت قيمة الغراس لا تنقص بالقلع ، أجبر المكتري على القلع . ولا يبعد رأي الحنابلة عمّا قاله الشّافعيّ في جملته غير أنّهم قالوا : إذا كان تأخير الزّرع لتفريط منه فحكمه حكم زرع الغاصب . ويخيّر المالك بعد المدّة بين أخذه بالقيمة ، أو تركه بالأجر لما زاد على المدّة . وإن اختار المستأجر قطع زرعه في الحال فله ذلك . وقال القاضي : إنّ على المستأجر ذلك . وإن اتّفقا على تركه بعوض جاز . وإن كان بقاؤه بغير تفريط لزم المؤجّر تركه إلى أن ينتهي ، وله المسمّى ، وأجر المثل لما زاد . وإذا استؤجرت الأرض مدّةً للزّراعة ، ومات المؤجّر أو المستأجر ، قبل أن يستحصد الزّرع كان من حقّ المستأجر أو ورثته بقاء الأرض حتّى حصاد الزّرع ، وذلك بأجر المثل ، على أن يكون ذلك من مال الورثة دون مال الميّت . وقد سبق أنّ وفاة المؤجّر ، أو المستأجر ، ممّا ينهي عقد الإجارة عند الحنفيّة ، خلافاً للمذاهب الأخر . المبحث الثّاني إجارة الدّور والمباني بم تعيّن المنفعة فيها ؟ 92 - لا يعلم خلاف بين فقهاء المذاهب في ضرورة تعيين الدّار المستأجرة ، وأنّه إذا تغيّرت هيئتها الأولى الّتي رآها عليها بما يضرّ بالسّكن يثبت له خيار العيب . وإذا كان استأجر داراً قد تعيّنت بالوصف ، ولم يرها قبل العقد ولا وقته ، ثبت له حقّ خيار الرّؤية عند من يقولون به . ولا يعلم خلاف أيضاً في أنّ إجارة الدّور ممّا لا تختلف في الاستعمال عادةً ، فيصحّ استئجار الدّار أو الحانوت مع عدم بيان ما يستأجرها له ، لأنّ الدّور إنّما تكون للسّكن عادةً ، والحانوت للتّجارة أو الصّناعة . ويرجع إلى العرف أيضاً في كيفيّة الاستعمال ، والتّفاوت في السّكن يسير فلم يحتج إلى ضبطه . 93 - إذا شرط المؤجّر على المستأجر ألاّ يسكن غيره معه فالحنفيّة يرون أنّ الشّرط لاغ والعقد صحيح ، فله أن يسكن غيره معه . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى اعتبار الشّرط ، فليس له أن يسكن غيره معه ، إلاّ ما جرى به العرف . وذهب الشّافعيّة إلى فساد الشّرط والعقد ، لأنّ هذا الشّرط لا يقتضيه العقد ، وفيه منفعة للمؤجّر ، فيكون شرطاً فاسداً ، ويفسد به العقد . وإذا لم يكن هناك شرط فالعبرة في ذلك بعدم الضّرر أوّلاً ، والرّجوع للعرف ثانياً . وللمستأجر أن ينتفع بالدّار والحانوت كيف شاء في حدود المتعارف ، بنفسه وبغيره ممّن لا يزيد ضرره عنه . وليس له أن يجعل فيها ما يوهن البناء كالحدادة والقصارة . وتدخل في إجارة الدّور والحوانيت توابعها ، ولو بدون ذكرها في العقد ، لأنّ المنفعة لا تتحقّق إلاّ بها . 94 - وبيان المنفعة في إجارة الدّور ببيان المدّة فقط ، لأنّ السّكنى مجهولة المقدار في نفسها ، ولا تنضبط بغير ذلك . وليس لمدّة الإجارة حدّ أقصى عند الجمهور ، فتجوز المدّة الّتي تبقى فيها وإن طالت . وهو قول أهل العلم كافّةً . وفي قول عند الشّافعيّة : لا تجوز أكثر من سنة . وفي قول : إنّها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنةً . وقال به المالكيّة بالنّقد والمؤجّل . وتبدأ المدّة من الوقت المسمّى في العقد . فإن لم يكونا سمّيا وقتاً فمن حين العقد . ويقول المالكيّة : يجوز عدم بيان ابتداء المدّة لسكنه شهراً أو سنةً مثلاً . ويحمل من حين العقد وجيبةً ( أي مدّةً محدّدةً لا تتجدّد بنفس العقد ) أو مشاهرةً . فإن وقع العقد في أثناء الشّهر فثلاثون يوماً من يوم العقد . أمّا الشّافعيّة فقالوا : لا تجوز إجارة الدّور إلاّ لمدّة معلومة الابتداء والانتهاء . فإن قال : آجرتك هذه الدّار شهراً ، ولم يحدّد الشّهر ، لم يصحّ ، لأنّه ترك تعيين المعقود عليه ، وهو الشّهر ، في عقد شرط فيه التّعيين ، كما لو قال : بعتك داراً . 95 - وإذا وقعت الإجارة على مدّة يجب أن تكون معلومةً . ولا يشترط أن تلي العقد مباشرةً ، خلافاً للشّافعيّ في أحد قوليه . فإذا قال : آجرتك داري كلّ شهر بدرهم ، فالجمهور على أنّها صحيحة . وتلزم الإجارة في الشّهر الأوّل بإطلاق العقد ، لأنّه معلوم بالعقد ، وما بعده من الشّهور يلزم العقد فيه بالتّلبّس به ، وهو السّكنى في الدّار ، لأنّه مجهول حال العقد ، فإذا تلبّس به تعيّن بالدّخول فيه ، فصحّ بالعقد الأوّل . وإن لم يتلبّس به ، أو فسخ العقد عند انقضاء الشّهر الأوّل ، انفسخ . وفي الصّحيح عند الشّافعيّ أنّ الإجارة لا تصحّ . وقال به بعض فقهاء الحنابلة ، لأنّ كلمة " كلّ " اسم للعدد ، فإذا لم يقدّره كان مبهماً مجهولاً . وإذا قال : آجرتك داري عشرين شهراً ، كلّ شهر بدرهم ، جاز بغير خلاف ، لأنّ المدّة معلومة ، وأجرها معلوم . وفي قول عند الشّافعيّة : تصحّ في الشّهر الأوّل المعلوم ، وتبطل في الباقي المجهول . وإن قال آجرتكها شهراً بدرهم ، وما زاد فبحساب ذلك ، صحّ في الشّهر الأوّل ، لأنّه أفرده بالعقد ، وبطل في الزّائد ، لأنّه مجهول . ويحتمل أن يصحّ في كلّ شهر تلبّس به . 96 - وإن قدّرت مدّة الإجارة بالسّنين ، ولم يبيّن نوعها ، حمل على السّنة الهلاليّة ، لأنّها المعهودة في الشّرع . وإن استأجر سنةً هلاليّةً أوّل الهلال عدّ اثنا عشر شهراً بالأهلّة ، ثمّ يكمّل المنكسر ثلاثين يوماً . روي هذا عن أبي حنيفة والشّافعيّ وأحمد . وروي عنهم أيضاً أنّه يستوفى في الجميع بالعدد وإن استأجر الدّار بالسّنة الشّمسيّة أو الرّوميّة أو القبطيّة ، فإنّه يصحّ في رواية عن الشّافعيّ ، لأنّ المدّة معلومة . وهو مذهب أحمد إن كانا يعلمان أيّامها . والرّواية الثّانية عن الشّافعيّ : لا يصحّ ، إذ في السّنة الشّمسيّة أيّام نسيء ، وهو مذهب أحمد إن كانا يجهلانها . وإن آجره له إلى العيد انصرف إلى أوّل عيد يأتي ، الفطر أو الأضحى . وإن أضافه إلى عيد من أعياد الكفّار صحّ إذا علماه . 97 - وبالنّسبة للأجرة فإذا آجرها سنةً بعشرة دراهم جاز ، وإن لم يبيّن قسط كلّ شهر ؛ لأنّ المدّة معلومة ، فصار كالإجارة شهراً واحداً . غير أنّ المالكيّة لهم تأويلان في كونه وجيبةً ، لاحتمال إرادة سنة واحدة ، فكأنّه يقول : هذه السّنة . وهو تأويل ابن لبابة . والأكثر ، بل هو ظاهر المدوّنة : أو غير وجيبة ، لاحتمال إرادة كلّ سنة . وهو تأويل أبي محمّد صالح . 98 - إذا استأجر ذمّيّ داراً من مسلم على أنّه سيتّخذها كنيسةً أو حانوتاً لبيع الخمر ، فالجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأصحاب أبي حنيفة ) على أنّ الإجارة فاسدة ، لأنّها على معصية . وانفرد أبو حنيفة بالقول بجواز ذلك ، لأنّ العقد وارد على منفعة البيت مطلقاً ، ولا يتعيّن على المستأجر اتّخاذها لتلك المعصية . وفي هذا التّعليل ما فيه . أمّا إذا استأجر الذّمّيّ داراً للسّكنى مثلاً ، ثمّ اتّخذها كنيسةً ، أو معبداً عاماً ، فالإجارة انعقدت بلا خلاف . ولمالك الدّار ، وللمسلم عامّةً ، منعه حسبةً ، كما يمنع من إحداث ذلك في الدّار المملوكة للذّمّيّ . التزامات المؤجّر والمستأجر في إجارة الدّور : 99 - يجب على المؤجّر تمكين المستأجر من الانتفاع . ويلزم المستأجر الأجر من وقت التّمكين ، ولو لم يستوف المنفعة . وإذا انقضت المدّة من غير التّمكين لا يستحقّ المؤجّر شيئاً ، ولو مضى من العقد مدّة قبل التّمكين فلا يلزمه أجر ما مضى قبل التّمكين . ومن حقّ المؤجّر حبس الدّار لاستيفاء الأجرة المشترط تعجيلها . ومن مقتضى التّمكين ألاّ تعود الدّار لحيازة المؤجّر بشرط في العقد . وما دام يجوز له أن ينتفع بالمعقود عليه بنفسه أو بغيره فإنّه يجوز له إيجارها للغير بمثل ما استأجرها به أو أكثر ، من غير جنس ما استأجر به ، أو من جنسه ، وكان وضع فيها شيئاً من ماله ( كالمساكن المفروشة ) فإنّ الزّيادة تحلّ له مع اتّحاد الجنس . وهذا إذا لم يكن هناك شرط يمنع إسكان غيره ، على ما سبق . كما يلزم المؤجّر عمارة الدّار وإصلاح كلّ ما يخلّ بالسّكنى . فإن أبى حقّ للمستأجر فسخ العقد إلاّ إذا كان استأجرها على حالها . وهذا عند جمهور الفقهاء . ومذهب المالكيّة وقول عند الحنفيّة لا يجبر الآجر على إصلاح لمكتر مطلقاً ، ويخيّر السّاكن بين السّكنى ، ويلزمه الكراء كاملاً ، والخروج منها . ولو أنفق المكتري شيئاً في الإصلاح من غير إذن وتفويض من المؤجّر ، فهو متبرّع . وعند انقضاء المدّة خيّر ربّ الدّار بين دفع قيمة الإصلاح منقوضاً أو أمره بنقضه إن أمكن فصله . ولا يجوز اشتراط صيانة العين على المستأجر ، لأنّه يؤدّي إلى جهالة الأجرة ، فتفسد الإجارة بهذا الاشتراط باتّفاق المذاهب . وإن سكن المستأجر ، لزمه أجر المثل ، وله ما أنفق على العمارة ، وأجر مثله في القيام عليها إن كان فعل ذلك بإذنه ، وإلاّ كان متبرّعاً . غير أنّ المالكيّة أجازوا كراء الدّار ونحوها مع اشتراط المرمّة على المكتري من الكراء المستحقّ عليه عن مدّة سابقة أو من الكراء المشترط تعجيله . ويقرب من ذلك ما قاله الشّافعيّة من أنّ المستأجر في مثل هذا يكون بمنزلة الوكيل . 100 - والدّار المستأجرة تكون أمانةً في يد المستأجر ، فلا يضمن إلاّ بالتّعدّي أو المخالفة . وتوابع الدّار كالمفتاح أمانة أيضاً . وإن تلف شيء ممّا يحتاج إليه للتّمكّن من الانتفاع لا يضمنه . وإذا استأجر الدّار على أن تتّخذ للحدادة ، فاستعملها للقصارة أو غيرها ممّا لا يزيد ضرره عادةً عن الحدادة ، فانهدم شيء من البناء ، فلا ضمان عليه . أمّا إن استأجرها على أن يتّخذها للسّكنى ، فاستعملها للحدادة أو القصارة ، فانهدم شيء منها ضمن . وقد صرّح بعض الفقهاء بأنّ السّلوك الشّخصيّ للمستأجر لا أثر له على العقد ، وليس للآجر ولا للجيران إخراجه من الدّار ، وإنّما يؤدّبه الحاكم . فإن لم يكف أجّرها الحاكم عليه وأخرجه منها . وتنقضي إجارة الدّور بأحد الأسباب السّابق ذكرها في مبحث انقضاء الإجارة . وقد بيّنّا قبل اتّجاهات الفقهاء في انقضاء الإجارة بالتّصرّف في العين المؤجّرة . وعلى هذا فلو قام المؤجّر بإجارة داره عن شهر صفر مثلاً ، وكان ذلك في شهر المحرّم ، وكانت الدّار في يد مستأجر آخر في شهر المحرّم ، فإنّ ذلك يعتبر فسخاً للإجارة الأولى . ويظهر أثر هذا الفسخ عقب انتهاء شهر المحرّم . ويرى البعض أنّ ذلك إنهاءً للعقد وليس فسخاً . . الفرع الثّاني إجارة الحيوان 101 - إجارة الحيوان تنطبق عليها شروط الإجارة وأحكامها السّابقة ، إلاّ أنّ هناك صوراً من إجارة بعض الحيوانات لها أحكام تخصّها كإجارة الكلب ونحوه للحراسة ، فإنّ الحنفيّة منعوها لأنّه لا يمكن للإنسان حمله على منفعة الحراسة بضرب أو غيره . أمّا إجارة الكلب المعلّم للصّيد فمحلّ خلاف في جوازه وعدمه بين الفقهاء يرجع إلى بيانه وتفصيله في محلّه " صيد » . وفي إجارة الفحل للضّراب خلاف ، فجمهور الفقهاء الحنفيّة وظاهر مذهب الشّافعيّة وأصل مذهب الحنابلة ، على منعه لنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتّفق عليه عن عسب الفحل . غير أنّ الحنابلة قالوا : إن احتاج إنسان إلى ذلك ، ولم يجد من يطرق له ، جاز أن يبذل الكراء ، وليس للمطرق أخذه . قال عطاء : لا يأخذ عليه شيئاً ، ولا بأس أن يعطيه إذا لم يجد من يطرق له ، ولأنّ ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها . وقالوا : إن أطرق إنسان فحله بغير إجارة ولا شرط ، فأهديت له هديّة ، فلا بأس . ونقل عن مالك وبعض الشّافعيّة وأبي الخطّاب من الحنابلة الجواز ، وهو مذهب الحسن وابن سيرين ، تشبيهاً له بسائر المنافع ، وللحاجة إليه ، كإجارة الظّئر للرّضاع ، ولأنّه يجوز أن يستباح بالإعارة ، فجاز أن يستباح بالإجارة ، كسائر المنافع . والجمهور على أنّه لا يجوز أن تفضي إجارة الحيوان إلى بيع عين من نتاجه ، كتأجير الشّاة لأخذ لبنها ، لأنّ المقصود الأصليّ في عقد الإجارة هو المنفعة لا الأعيان . وفي قول عند الحنابلة : تجوز إجارة الحيوان للبنه ، وقاله الشّيخ تقيّ الدّين ، وهو غير صحيح في المذهب . الفرع الثّالث إجارة الأشخاص 102 - إجارة الأشخاص تقع على صورتين : أجير خاصّ استؤجر على أن يعمل للمستأجر فقط ويسمّيه بعض الفقهاء " أجير الوحد " كالخادم والموظّف ، وأجير مشترك يكترى لأكثر من مستأجر بعقود مختلفة ، ولا يتقيّد بالعمل لواحد دون غيره ، كالطّبيب في عيادته ، والمهندس والمحامي في مكتبيهما . والأجير الخاصّ يستحقّ أجرةً على المدّة . أمّا الأجير المشترك فيستحقّ أجرةً على العمل غالباً . وسيأتي تفصيل ذلك . المطلب الأوّل الأجير الخاصّ 103 - الأجير الخاصّ : هو من يعمل لمعيّن عملاً مؤقّتاً ، ويكون عقده لمدّة . ويستحقّ الأجر بتسليم نفسه في المدّة ، لأنّ منافعه صارت مستحقّةً لمن استأجره في مدّة العقد . وكره الحنفيّة استئجار المرأة للخدمة ، لأنّه لا يؤمن معه الاطّلاع عليها والوقوع في المعصية ، ولأنّ الخلوة بها معصية . وأجاز أحمد استئجارها ، ولكن يصرف وجهه عن النّظر إلى ما لا يحلّ له النّظر إليه ، كما أنّه لا يخلو معها في مكان اتّقاءً للفتنة . 104 - ويجوز أن يكون الأجير ذمّيّاً والمستأجر مسلماً بلا خلاف . أمّا أن يكون الأجير مسلماً والمستأجر ذمّيّاً فقد أجازه جمهور الفقهاء ، غير أنّهم وضعوا معياراً خاصّاً هو أن يكون العمل الّذي يؤجّر نفسه للقيام به ممّا يجوز له أن يفعله لنفسه ، كالخياطة والبناء والحرث . أمّا إذا كان لا يجوز له أن يعمله لنفسه ، كعصر الخمر ، ورعي الخنازير ، ونحو ذلك ، فإنّه لا يجوز . فإن فعل فإنّ الإجارة تردّ قبل العمل . وإن عمل فإنّ الأجرة تؤخذ من الكافر ويتصدّق بها . ولا يستحلّها لنفسه إلاّ أن يعذر لأجل الجهل . والمعيار عند الحنابلة أن يكون العمل غير الخدمة الشّخصيّة . أمّا إن كانت الإجارة على أن يقوم بخدمته من نحو تقديم الطّعام له ، والوقوف بين يديه ، فقال البعض : لا يجوز ، لأنّه عقد يتضمّن حبس المسلم عند الكافر ، وإذلاله في خدمته . وهو فيما يبدو المقصود من القول بالجواز عند الحنفيّة لأنّه عقد معاوضة - كالبيع - مع الكراهة الّتي علّلوها بأنّ الاستخدام استذلال ، وليس للمسلم أن يذلّ نفسه ، خصوصاً بخدمة الكافر . وقال بعض الحنابلة : يجوز ، لأنّه يجوز له إجارة نفسه في غير الخدمة ، فجاز فيها . وهو أحد قولي الشّافعيّ . وفي حاشية القليوبيّ والشّروانيّ يصحّ مع الكراهة أن يستأجر الذّمّيّ مسلماً ، ولو إجارة عين ويؤمر وجوباً بإجارته لمسلم . وللحاكم منعه منها . ولا يجوز لمسلم خدمة كافر ولو غير إجارة . وفي المهذّب أنّ من الشّافعيّة من قال : لو استأجر الكافر مسلماً ففيه قولان ، ومنهم من قال : يصحّ قولاً واحداً . 105 - ويجوز أن يكون ربّ العمل جماعةً في حكم شخص واحد ( مؤسّسةً ) فلو استأجر أهل قرية معلّماً أو إماماً أو مؤذّناً ، وكان خاصّاً بهم كان أجيراً خاصّاً . وكذا لو استأجر أهل قرية راعياً ليرعى أغنامهم على أن يكون مخصوصاً لهم بعقد واحد ، كان أجيراً خاصّاً . ولا بدّ في إجارة الأجير الخاصّ من تعيين المدّة ، لأنّها إجارة عين لمدّة . فلا بدّ من تعيينها ، لأنّها هي المعيّنة للمعقود عليه . والمنفعة لا تعتبر معلومةً إلاّ بذلك . وينبغي أن تكون المدّة ممّا يغلب على الظّنّ بقاء الأجير فيها قادراً على العمل ، حتّى قال المالكيّة : يجوز إجارة العامل لخمس عشرة سنةً . ولم يشترط الفقهاء تعيين نوع الخدمة . وعند عدم التّعيين يحمل على ما يليق بالمؤجّر والمستأجر . 106 - ويجب على الأجير الخاصّ أن يقوم بالعمل في الوقت المحدّد له أو المتعارف عليه . ولا يمنع هذا من أدائه المفروض عليه من صلاة وصوم ، بدون إذن المستأجر . وقيل : إنّ له أن يؤدّي السّنّة أيضاً ، وأنّه لا يمنع من صلاة الجمعة والعيدين ، دون أن ينقص المستأجر من أجره شيئاً إن كان المسجد قريباً . ولا يستغرق ذلك وقتاً كبيراً ، بل جاء في كتب الفقه أنّ من استأجر أجيراً شهراً ليعمل له كذا لا تدخل فيه أيّام الجمع للعرف . قال الرّشيديّ : « لو آجر نفسه بشرط عدم الصّلاة وصرف زمنها في العمل المستأجر له ، فالأقرب أنّه تصحّ الإجارة ويلغو الشّرط " ولا يدخل في الإجارة بالزّمن نحو شهر مثلاً لغير مسلم أوقات الصّلوات ولا أيّام عطلتهم الدّينيّة . وليس للأجير الخاصّ أن يعمل لغير مستأجره إلاّ بإذنه ، وإلاّ نقص من أجره بقدر ما عمل . ولو عمل لغيره مجّاناً أسقط ربّ العمل من أجره بقدر قيمة ما عمل . 107 - والأجير الخاصّ أمين ، فلا يضمن ما هلك في يده من مال ، أو ما هلك بعمله ، إلاّ بالتّعدّي أو التّقصير . وله الأجرة كاملةً . أمّا أنّه لا ضمان عليه لما تلف في يده من مال فلأنّ العين أمانة في يده لأنّه قبضه بإذن ربّ العمل ، فلا يضمن . وأمّا ما هلك بعمله فإنّ المنافع تصير مملوكةً للمستأجر ، لكونه يعمل في حضوره ، فإذا أمره بالتّصرّف في ملكه صحّ ، ويصير نائباً منابه ، ويصير فعله منسوباً إليه ، كأنّه فعله بنفسه . فلهذا لا يضمن . بل قال المالكيّة : حتّى لو شرط عليه الضّمان ، فهو شرط يناقض العقد ، ويفسد الإجارة . فإن وقع الشّرط فسدت الإجارة . فإن عمل فله أجرة مثله ، زادت على المسمّى أو نقصت . وإن أسقط الشّرط قبل انقضاء العمل صحّت الإجارة . ومن فقهاء الشّافعيّة من قال : إنّه كالأجير المشترك ، فيضمن ، لقول الشّافعيّ : الأجراء سواء ، وذلك صيانةً لأموال النّاس . وكان يقول : لا يصلح النّاس إلاّ ذاك . |
الإجارة على المعاصي والطّاعات : 108 - الإجارة على المنافع المحرّمة كالزّنى والنّوح والغناء والملاهي محرّمة . وعقدها باطل لا يستحقّ به أجرة . ولا يجوز استئجار كاتب ليكتب له غناءً ونوحاً ، لأنّه انتفاع بمحرّم . وقال أبو حنيفة يجوز . ولا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشربها ، ولا على حمل الخنزير . وبهذا قال أبو يوسف ومحمّد والشّافعيّ . وقال أبو حنيفة : يجوز ، لأنّ العمل لا يتعيّن عليه ، بدليل أنّه لو حمل مثله جاز . وروي عن أحمد فيمن حمل خنزيراً أو خمراً لنصرانيّ قوله : إنّي أكره أكل كرائه ، ولكن يقضى للحمّال بالكراء . والمذهب خلاف هذه الرّوايات ، لأنّه استئجار لفعل محرّم ، فلم يصحّ ، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعن حاملها والمحمولة إليه . وأمّا حمل هذه الأشياء لإراقتها وإتلافها فجائز إجماعاً . 109 - والأصل أنّ كلّ طاعة يختصّ بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها ، كالإمامة والأذان والحجّ وتعليم القرآن والجهاد . وهو قول عطاء والضّحّاك بن قيس وأبي حنيفة ومذهب أحمد ، لما روى عثمان بن أبي العاص ، قال : إنّ « آخر ما عهد إليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن أتّخذ مؤذّناً لا يأخذ على أذانه أجراً » . وما رواه عبادة بن الصّامت ، قال : « علّمت ناساً من أهل الصّفّة القرآن والكتابة . فأهدى إليّ رجل منهم قوساً . قال : قلت : قوس . وليست بمال ، أتقلّدها في سبيل اللّه . فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم . فقال : إن سرّك أن يقلّدك اللّه قوساً من نار فاقبلها » وعن عبد الرّحمن بن شبل الأنصاريّ قال : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول « : اقرءوا القرآن ، ولا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به » ولأنّ من شرط صحّة هذه الأفعال كونها قربةً إلى اللّه تعالى ، فلم يجز أخذ الأجر عليها . وقد نصّ الحنفيّة على أنّه لا يجوز قراءة القرآن بأجر ، وأنّه لا يترتّب على ذلك ثواب ، والآخذ والمعطي آثمان ، وأنّ ما يحدث في زماننا من قراءة القرآن بأجر عند المقابر وفي المآتم لا يجوز . والإجارة على مجرّد القراءة باطلة ، وأنّ الأصل أنّ الإجارة على تعليمه غير جائزة . لكنّ المتأخّرين أجازوا الإجارة على تعليمه استحساناً . وكذا ما يتّصل بإقامة الشّعائر كالإمامة والأذان للحاجة . 110 - وأجاز مالك والشّافعيّ أخذ الأجر على قراءة القرآن وتعليمه . وهو رواية عن أحمد . وقال به أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر ، « لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً بما معه من القرآن ، وجعل ذلك يقوم مقام المهر » ، فجاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة . وقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصّحيح أنّه قال : « إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب اللّه » . ولا يكاد يوجد متبرّع بذلك ، فيحتاج إلى بذل الأجر فيه . وقد نصّ المالكيّة على كراهة الأجرة على قراءة القرآن بلحن ، لأنّ القراءة على هذا الوجه مكروهة إذا لم يخرج عن حدّه . قال الصّاويّ : أمّا الإجارة على أصل القراءة فجائز . وصرّح الشّافعيّة بجواز قراءة القرآن عند القبر ، والاستئجار على ذلك . 111 - وقد أجاز المالكيّة أيضاً أخذ الأجرة على الإمامة . كما أجازوا للمفتي أخذ الأجر إن لم يكن له رزق . وقالوا : يجوز الإجارة للمندوبات وفروض الكفاية . وكذلك أجاز الشّافعيّة أخذ الأجرة على الحجّ والعمرة عن الغير مع التّعيين . كما أجازوا للحاكم أن يستأجر الكافر للجهاد . أمّا المسلم ، ولو صبيّاً ، فلا تصحّ إجارته للجهاد ، لتعيّنه عليه . 112 - وربّ العمل ملتزم بالوفاء بأجر العامل بتسليم نفسه ، كما تقدّم قبل ، وإن لم يعمل ، وبشرط ألاّ يمتنع عمّا يطلب منه من عمل . فإن امتنع بغير حقّ فلا يستحقّ الأجر ، بغير خلاف في هذا . 113 - والعطيّة الّتي تقدّم للأجير من الخارج لا تحسب من الأجرة . ولو قال شخص لآخر اعمل هذا العمل أكرمك ، ولم يبيّن مقدار ما يكرمه به ، فعمل ما طلب منه استحقّ أجر المثل ، لأنّها إجارة فاسدة ، لجهالة الأجر . 114 - والأصل أن يكون الأجر معلوماً ، فإذا ما تراضيا على أن يكون الأجر هنا طعام الأجير وكسوته . أو جعل له أجراً وشرط طعامه وكسوته ، فإنّ في المسألة ثلاثة اتّجاهات : فالمالكيّة ، والرّواية المعتبرة عند أحمد ، أنّه يجوز ، لما روى ابن ماجه عن عتبة بن النّدّر قال : « كنّا عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فقرأ { طسم } سورة القصص ، حتّى بلغ قصّة موسى ، قال : إنّ موسى آجر نفسه على عفّة فرجه وطعام بطنه » ، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه . وعن أبي هريرة أنّه قال : كنت أجيراً لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي ، أحطب لهم إذا نزلوا ، وأحدو بهم إذا ركبوا ولأنّ جواز ذلك ثبت في الظّئر بالنّصّ ، وهو قوله تعالى : { فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ } فيثبت في غيرها بالقياس عليها ، ولأنّه عوض منفعة فقام العرف فيه مقام التّسمية ، وإن تشاحّا في مقدار الطّعام والكسوة رجع في القوت إلى الإطعام في الكفّارات ، وفي الكسوة إلى أقلّ ملبوس مثله ، أو يحكّم العرف . وإن اشترط الأجير كسوةً ونفقةً معلومةً موصوفةً جاز ذلك عند الجميع . ويرى الحنفيّة ، وهي الرّواية الثّانية عن أحمد . اختارها القاضي ، أنّ ذلك لا يجوز لما في ذلك من جهالة بالأجر . واستثنوا إجارة الظّئر ، لأنّ العادة جرت بإكرام الظّئر . ويرى الشّافعيّة والصّاحبان من الحنفيّة ، وأبو ثور وابن المنذر ، وهو رواية عن أحمد ، عدم جواز ذلك مطلقاً في الظّئر وغيرها ، لأنّه يختلف اختلافاً كثيراً متبايناً فيكون مجهولاً ، ومن شرط الأجر أن يكون معلوماً . انقضاء إجارة الأجير الخاصّ : 115 - تنقضي إجارة الأجير الخاصّ بالأسباب العامّة الّتي ذكرناها . وإذا أكرى الأجير نفسه ، فهرب ، فإن كانت الإجارة على موصوف في الذّمّة استؤجر بدله من ماله ، وإن لم يكن يثبت للمستأجر الخيار في الفسخ أو الانتظار ، وذلك كما لو استأجر سيّارةً بسائقها من غير أن يعيّن السّائق ، أو جمالاً بقائدها دون تعيين ، فهرب السّائق أو القائد ، فإن انتظر فإنّ الإجارة تنفسخ عن كلّ يوم يمضي ، لأنّ المنافع تتلف بمضيّ الزّمن . وإن كانت الإجارة على عمل معيّن لم ينفسخ لأنّه يمكن استيفاؤه إذا وجده . إجارة الظّئر ( المرضع ) : 116 - إجارة الظّئر ورد بها الشّرع كما سبق . وينبغي أن تكون بأجر معلوم . وتكلّم الفقهاء عن المعقود عليه هنا ، فقيل : إنّ العقد ينصبّ على المنافع ، وهي خدمتها للصّبيّ ، والقيام به . واللّبن يستحقّ عن طريق التّبع ، بمنزلة الصّبغ في الثّوب ، لأنّ اللّبن عين فلا يعقد عليه في الإجارة . وقيل : إنّ العقد يقع على اللّبن أصلاً ، والخدمة تبع ، فلو أرضعته بلبن شاة لا تستحقّ الأجر ، ولو أرضعته دون أن تخدمه استحقّت الأجرة . ولو خدمته بدون الرّضاع لم تستحقّ شيئاً . وأمّا كونه عيناً فإنّ العقد مرخّص فيه في الإجارة للضّرورة لحفظ الآدميّ . ويجوز استئجارها بالطّعام والكسوة إذا تحدّد ذلك في العقد وبيّن اتّفاقاً . جاء في الجامع الصّغير : « فإن سمّى الطّعام ، ووصف جنس الكسوة ، وأجلها ، وذرعها ، فهو جائز بالإجماع » . أمّا إذا لم يتحدّد ذلك فإنّه يجوز عند الجمهور على ما سبق » . 117 - وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدرّ لبنها ويصلح به . وللمكتري مطالبتها بذلك ، لأنّه من تمام التّمكين من الإرضاع ، وفي تركه إضرار بالرّضيع . وإن دفعته إلى خادمتها فأرضعته فلا أجر لها . وبه قال أبو ثور . وقال أصحاب الرّأي : لها أجرها . لأنّ رضاعه حصل بفعلها . وعليها أن تقوم بشئون الرّضيع من تنظيفه وغسل ثيابه عند الحنفيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة ، لأنّ المعقود عليه في الإجارة هو الخدمة ، وتستحقّ بالعقد . ويتّفق معهم سائر الفقهاء إن اشترط ذلك في العقد ، أو جرى العرف به ، وإن كان الأصل عند مالك وبعض الشّافعيّة أنّ ذلك على الأب ، لأنّ الحضانة والرّضاعة منفعتان مقصودتان تنفرد إحداهما عن الأخرى ، فلا يلزم من العقد على الإرضاع دخول الحضانة . 118 - ولا يجوز استئجار الظّئر بدون إذن زوجها . وله حقّ فسخ الإجارة إذا لم يعلم بها ، صيانةً لحقّه . وله أن يطلبها عنده لاستيفاء حقّه الشّرعيّ منها . وليس للمستأجر أن يمنعها من ذلك عند الحنفيّة . وإذا حبلت حقّ للمستأجر فسخ الإجارة إن خشي على الصّبيّ من لبنها بعد الحبل . وقال المالكيّة : إنّ للمستأجر أن يمنع الزّوج من وطئها ما دام قد أذن لها في الإرضاع ، لأنّ ضرر الطّفل بسببه محتمل . 119 - ولو مات الصّبيّ المعقود على إرضاعه انفسخ العقد ، لأنّه تعذّر استيفاؤه ، فلا يمكن إقامة غير الصّبيّ المعقود عليه مقامه لاختلاف الصّبية في الرّضاعة . ومن الشّافعيّة من قال : لا ينفسخ ، لأنّ المنفعة باقية ، وإنّما هلك المستوفي ، فلو تراضيا على إرضاع صبيّ آخر جاز . وللظّئر حقّ الفسخ إن مات المستأجر " وليّ الطّفل " وكانت لم تقبض الأجرة منه قبل موته ، ولم يترك له مالاً تستوفي أجرها منه ، ولا مال للولد ، ولم يتطوّع أحد بالأجرة . ويصرّح الحنابلة بأنّ الإجارة تنفسخ بموت المرضعة لفوات المنفعة بهلاك محلّها . وحكي عن أبي بكر أنّها لا تنفسخ ، ويجب في مالها أجر من ترضعه تمام الوقت إن كانت قد عجّلت لها الأجرة ، لأنّه دين في ذمّتها . وصرّح الشّافعيّة بأنّ العقد لا يصحّ حتّى يعرف الصّبيّ الّذي عقد على إرضاعه ، لأنّه يختلف الرّضاع باختلافه ، ولا يعرف ذلك إلاّ بالتّعيين . كما أنّه لا بدّ من ذكر موضع الرّضاع . وزاد الحنابلة التّصريح بمعرفة العوض ومدّة الرّضاعة . كما صرّح به الحنفيّة أيضاً . إجارة العاملين في الدّولة : 120 - عالج الفقهاء قديماً هذه المسألة واعتبروا بعض الوظائف ممّا تصحّ الإجارة عليه ممّا لا يتّصل بالقربات ، ولا تشترط له النّيّة ، كتنفيذ الحدود ، والكتابة في الدّواوين ، وجباية الأموال ، ونحو ذلك . وهؤلاء يطبّق عليهم أحكام الأجير الخاصّ في أكثر الأقوال وفي أكثر الأحوال . وقالوا : إنّ لوليّ الأمر أن ينهي الإجارة متى رأى المصلحة في ذلك ، وليس لأحد هؤلاء أن يستقيل باختياره . 121 - وهناك وظائف أخرى ، كوظائف الولاة والقضاة ، وكلّ من يقوم بعمل فيه قربة تحتاج إلى نيّة ، فمرتّباتهم من قبيل الأرزاق لا من قبيل الأجرة ، لدفع الحاجة ، وهم غير مقيّدين بوقت . وقد تقدّم رأي الفقهاء في جواز أو عدم جواز الاستئجار على قراءة القرآن وتعليمه والأذان والإمامة وغيرها . هذا حاصل ما أورده الفقهاء في هذه المسألة . . ( المطلب الثّاني ) ثانياً - الأجير المشترك 122 - الأجير المشترك هو الّذي يعمل للمؤجّر ولغيره ، كالبنّاء الّذي يبني لكلّ أحد ، والملاّح الّذي يحمل لكلّ أحد . وهذا ما يؤخذ من تعريفات الفقهاء جميعاً . 123 - ولا خلاف في أنّ الأجير المشترك عقده يقع على العمل ، ولا تصحّ إجارته إلاّ ببيان نوع العمل أوّلاً . ولا يمنع هذا من ذكر المدّة أيضاً . فإن قال للرّاعي : ترعى غنمي مدّة شهر ، كان أجيراً مشتركاً ، إلاّ إذا شرط عليه عدم الرّعي لغيره على ما سيأتي . 124 - ولا مانع من أن يؤجّر المسلم نفسه من ذمّيّ إجارةً مشتركةً ، كأن يكون طبيباً أو خيّاطاً أو معلّماً . فيقدّم عمله لمن يطلبه منه ، لأنّ ذلك لا يخرجه إلى حدّ التّبعيّة والخضوع له ، وليس فيه استذلال . 125 - والأصل أن يكون العمل من الصّانع - الأجير - والعين من صاحب العمل . غير أنّ العرف جرى على أن يقدّم الأجير المشترك الخيط من عنده في الخياطة ، والصّبغ من عنده في الصّباغة ، ممّا يعتبر تابعاً للصّنعة ، ولا يخرجه ذلك من كونه عقد إجارة إلى عقد استصناع . 126 - وقد يتمّ العقد مع الأجير المشترك بالتّعاطي - مع مراعاة خلاف الشّافعيّة السّابق في عقود المعاطاة - كما في الرّكوب في سيّارات النّقل العامّ ، كما يصحّ أن يكون العاقد واحداً ، أو جماعةً كالحكومة والمؤسّسات والشّركات . 127 - ويجب أن تكون المنفعة الّتي يستأجر عليها محدّدةً معلومة القدر . وقد تحدّد بتحديد محلّها ، ويكون للأجير المشترك خيار الرّؤية في كلّ عمل يختلف باختلاف المحلّ كما يرى الحنفيّة والحنابلة ، ويكون له خيار الرّؤية في إجارة الأعيان عموماً عند الشّافعيّة . وقد تحدّد المنفعة بتحديد المدّة وحدها ، كما تحدّد بتحديد العمل ، كإجارة خياطة الثّوب وقد تتحدّد بالعمل والمدّة معاً عند الصّاحبين وهو مذهب المالكيّة إذا تساوى الزّمن والعمل ، ورواية عند الحنابلة ، وقالوا : إنّ المعقود عليه أوّلاً هو العمل وهو المقصود من العقد ، وذكر المدّة لمجرّد التّعجيل . وإن أوفى الشّرط استحقّ الأجر المسمّى وإلاّ استحقّ أجر المثل بشرط ألاّ يتجاوز الأجر المسمّى . وذهب أبو حنيفة والشّافعيّ - وهو رواية أخرى عند الحنابلة - إلى فساد هذا العقد لأنّه يفضي إلى الجهالة والتّعارض ، لأنّ ذكر المدّة يجعله أجيراً خاصّاً ، والعقد على العمل يجعله أجيراً مشتركاً وهما متعارضان ، ويؤدّي ذلك للجهالة . 128 - والإجارة على المعاصي باطلة اتّفاقاً مع الأجير المشترك أيضاً كما سبق بالنّسبة للأجير الخاصّ . وكذلك يسري ما سبق هناك بالنّسبة للإجارة على بعض الطّاعات . وقد صرّح المالكيّة والشّافعيّة بجواز الإجارة على غسل الميّت وحمله . وصرّح الحنابلة بجواز الإجارة على ذبح الأضحيّة والهدي وتفريق الصّدقات وإعطاء الشّاهد ما يستعين به على الوصول إلى مجلس القضاء . ومنع المالكيّة استئجار الجنب والحائض والكافر لكنس المسجد واعتبروه من الإجارة على المعاصي . وفي كتب المذاهب العديد من الصّور . وهي في جملتها ترجع إلى حرمة الاستئجار على المعصية مطلقاً ، سواء أكانت محرّمةً لذاتها أم لغيرها . أمّا من أجاز الاستئجار على الطّاعات فيرى أنّ إباحة مثل هذه العقود للحاجة إليها . 129 - وممّا يتّصل بذلك استئجار المصحف للتّلاوة . فذهب الحنفيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى عدم جواز إجارته إجلالاً لكلام اللّه عن المعاوضة ، وأجاز الشّافعيّة والمالكيّة ذلك وهو وجه عند الحنابلة ذلك لأنّه انتفاع مباح تجوز الإجارة من أجله فجازت فيه الإجارة كسائر الكتب . غير أنّ المالكيّة قالوا : إنّه لا يتّفق مع مكارم الأخلاق . التزامات الأجير المشترك : 130 - يلتزم الأجير المشترك بإنجاز العمل المتعاقد عليه ، وكلّ ما كان من توابع ذلك العمل لزم الأجير حسب العرف ما لم يشترط غير ذلك . فمن تعاقد مع خيّاط ليخيط له ثوباً فالخيط والإبرة على الخيّاط ، كما هو العرف ، إلاّ إذا كان هناك شرط أو تغيّر العرف . 131 - وإذا شرط المكتري على الأجير أن يعمل بنفسه لزمه ذلك لأنّ العامل تعيّن بالشّرط ، فإن لم يشترط ذلك فله أن يستأجر من يعمله لأنّ المستحقّ عمل في الذّمّة إلاّ إن كان العمل لا يقوم فيه غيره مقامه كالنّسخ لأنّ الغرض لا يحصل من غيره كحصوله منه . وكذا كلّ ما يختلف باختلاف العامل ، مع ملاحظة أنّ الصّانع إذا ما استعان بتلميذه كان عمل التّلميذ - المساعد - مضافاً إلى أستاذه الأجير الّذي تمّ معه التّعاقد . 132 - ولا خلاف في أنّ الأجير يلتزم بتسليم العمل ، فإذا كان العمل في يد المستأجر كأن يستأجر رجلاً ليبني له جداراً أو داراً أو يحفر له قناةً أو بئراً ، فكلّما أتمّ منه قدراً حقّ له أن يطالب بما يقابله من أجر لأنّ التّسليم قد تحقّق . أمّا إذا كان العمل ليس في حوزة ربّ العمل فليس من حقّ الأجير المطالبة بالأجرة قبل الفراغ من العمل وتسليمه للمكتري ، لتوقّف وجوب الأجر على ذلك . فالقصّار والصّبّاغ والنّسّاج ونحوهم ممّن يعملون في حوانيتهم أو دورهم الخاصّة لا يستحقّون الأجر إلاّ بردّ العمل إلاّ إذا اشترط التّعجيل أو عجّل بالفعل . تضمين الأجير المشترك : 133 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأجير المشترك إذا تلف عنده المتاع بتعدّ أو تفريط جسيم : يضمن . أمّا إذا تلف بغير هذين ففيه تفصيل في المذاهب : فالصّاحبان ( أبو يوسف ومحمّد ) والحنابلة اعتبروا التّلف بفعله سواء كان عن قصد أو غير قصد ، أو بتقصير أو دونه ، موجباً للضّمان ، تابعوا في ذلك عمر وعليّاً ، حفظاً لأموال النّاس . ومثل ذلك إذا كان التّلف بغير فعله . وكان من الممكن دفعه كالسّرقة العاديّة والحريق العاديّ . وإلى هذا ذهب بعض متأخّري المالكيّة . وهو قول للشّافعيّة . ومتقدّمو المالكيّة وزفر ذهبوا إلى عدم التّضمين . وهو قول للشّافعيّة أيضاً . وذهب أبو حنيفة إلى الضّمان إذا كان التّلف بفعله ، أو بفعل تلميذه ، سواء قصد أو لا ، لأنّه مضاف إلى فعله ، وهو لم يؤمر إلاّ بعمل فيه صلاح ، وعمل التّلميذ منسوب إليه ، وإلى عدم الضّمان ، إذا كان بفعل غيره ، وهو القياس . وذهب ابن أبي ليلى إلى تضمين الأجير المشترك مطلقاً في جميع الأحوال . 134 - وإذا وجب الضّمان على الأجير المشترك ، فإن كانت العين هلكت بعد العمل فالمكتري بالخيار : إن شاء ضمّنه قيمته معمولاً ، ويحطّ الأجرة من الضّمان ، وإن شاء ضمّنه قيمته غير معمول ولم يكن عليه أجرة . وإن كان الهلاك الموجب للضّمان حصل قبل العمل ضمن قيمته غير معمول . وهو لم يعمل شيئاً يستحقّ أجراً عليه . وهذا ما اتّجه إليه الجمهور . وكذلك إذا هلكت العين هلاكاً لا يوجب الضّمان فإنّ الأجير المشترك لا يستحقّ أجراً لأنّ الأجر يستحقّ بالتّسليم بعد الفراغ . الوقت المعتبر لتقدير الضّمان : 135 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة في قول عندهم وهو المستفاد من مذهب الحنابلة إلى أنّ العبرة في تقدير الضّمان هو يوم حصول سبب الضّمان ، وهو التّلف أو التّعدّي . أمّا المالكيّة فقالوا : تقدّر قيمتها بيوم تسليمها إلى الأجير المشترك ، لا يوم التّلف ولا يوم الحكم . والقول الآخر للشّافعيّة : أنّ القيمة تعتبر أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التّلف ، كالغاصب . وأمّا إن قيل بعدم الضّمان إلاّ بالتّعدّي فتقدّر القيمة ما كانت من حين التّعدّي إلى حين التّلف لأنّ الضّمان بالتّعدّي . 136 - ولا يجوز لربّ العمل أن يشترط الضّمان على الأجير فيما لا يجب عليه ضمانه ، لأنّ شرط الضّمان في الأمانة باطل ، لمنافاته لمقتضى العقد . وكذا لا يجوز اشتراط نفي الضّمان عن الأجير فيما يجب فيه عليه الضّمان . ويفسد العقد بهذا الاشتراط لمنافاته لمقتضى العقد . وللصّانع أجر المثل ، لا المسمّى ، لأنّه إنّما رضي به لإسقاط الضّمان عنه . هذا ما نصّ عليه الحنفيّة والمالكيّة ، وهو أحد وجهين عند الحنابلة . وعند الحنابلة وجه آخر . فقد سئل أحمد عن اشتراط الضّمان ونفيه ، فقال : المسلمون على شروطهم . قال ابن قدامة : وهذا يدلّ على نفي الضّمان بشرطه ، ووجوبه بشرطه . التزامات ربّ العمل إزاء الأجير المشترك : 137 - يلزم الآجر أن يسلّم العين المراد إجراء العمل عليها للأجير في الوقت المشروط الملفوظ أو الملحوظ ، إذ لا يتحقّق التّمكين إلاّ بذلك . وفي تسليم التّوابع يعتبر العرف ما لم يكن هنا شرط ، على ما ذكر عند الكلام عن التزامات الأجير المشترك . 138 - ويلتزم المستأجر بدفع الأجرة للأجير المشترك بعد انقضاء العمل وتسلّمه ، ما لم يكن بينهما شرط بالتّعجيل أو بالتّأجيل ، وما لم يكن العمل المأجور فيه ممّا ليس له أثر في العين ، كالحمّال والسّمسار ونحوهما ، إذ لا يتوقّف الأجر فيها على التّسليم ، فلو هلك المحمول عن رأس الحمّال قبل تسليمه ، أو هلك الشّيء الّذي طلب من السّمسار بيعه أو شراؤه ، استحقّ أجرةً بما عمل . أمّا ما كان للعمل أثر فيه ، كالثّوب المطلوب صبغه ، فإنّه لا أجر له إلاّ بعد الفراغ من العمل وتسليمه ، ما لم يكن هناك شرط مخالف ، فلو هلك الثّوب قبل التّسليم سقط الأجر . هذا بالنّسبة لما كان يعمله بعيداً عن المستأجر . أمّا إن كان الأجير يعمل في بيت المستأجر أو تحت يده ، فقيل إنّه يستحقّ الأجر بحساب ما عمل . وقيل : لا يستحقّه إلاّ بعد الفراغ من العمل ، على ما سبق في بحث الأجرة . وتنقضي إجارة الأجير المشترك بإتمام العمل وتسليمه ، كما تنقضي بهلاك العين محلّ العمل ، إلى غير ذلك من الأسباب الّتي ذكرناها قبل في انقضاء الإجارة بوجه عامّ وما فيها من تفصيل . أنواع من الأجير المشترك : إجارة الحجّام والطّبيب وتضمينهما : 139 - الحجامة جائزة اتّفاقاً . وفي أخذ الأجرة عليها ثلاثة اتّجاهات لتعارض الآثار : فقال البعض : إنّه مباح عند الجمهور ، « لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجّام أجراً » . فقد روى البخاريّ بسنده عن ابن عبّاس قال : « احتجم النّبيّ وأعطى الحجّام أجره » ولو كان ذلك غير مشروع لما أقدم عليه الرّسول صلى الله عليه وسلم . وذهب البعض إلى كراهة ذلك ، لما روي مسنداً إلى رافع بن خديج من أنّ الرّسول عليه الصلاة والسلام قال : « كسب الحجّام خبيث » ، ويردّ عليه بأنّه منسوخ بما روي « أنّه عليه الصلاة والسلام قال له رجل : إنّ لي عيالاً وغلاماً حجّاماً ، أفأطعم عيالي من كسبه ؟ قال : نعم » وقال الأتقانيّ : إنّ حديث النّهي محمول على الكراهة من طريق المروءة . الاتّجاه الثّالث : أنّه حرام ، لما روي عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال : « من السّحت كسب الحجّام » وبعد أن عرضت كتب الفقه أدلّة كلّ اتّجاه ، وناقشتها بما ينتج عدم التّحريم ، قال ابن قدامة : ليس في المسألة قول بالتّحريم ، وإنّما يكره للحرّ أكل كسب الحجّام . ويكره تعلّم صناعة الحجامة وإجارة نفسه لها ، لما فيها من دناءة . قال ابن عابدين : وإن شرط الحجّام شيئاً على الحجامة كره . 140 - وإذا ما استأجر شخص حجّاماً ، ثمّ بدا له ألاّ يفعل ، فله حقّ الفسخ لأنّ فيه استهلاك مال أو غرماً أو ضرراً . ضمان الحجّام : 141 - لا ضمان على الحجّام إلاّ إذا جاوز المعتاد . فإن لم يجاوزه فلا ضمان عليه ، لأنّ ضرر الحجامة ينبني على قوّة الطّبع وضعفه ولا يعرف الحجّام ذلك بنفسه ، وهو ما يتحمّل المحجوم من الجرح ، فلا يمكن اعتبار السّلامة ، فيسقط الضّمان . وفي المغني : لا ضمان على حجّام ولا ختّان ولا طبيب إذا توافر أنّهم ذوو حذق في صناعتهم وألاّ يتجاوزوا ما ينبغي عمله . فإن تحقّق هذان الشّرطان فلا ضمان ، لأنّ فعلهم مأذون فيه . أمّا إن كان الحجّام ونحوه حاذقاً وتجاوز ، أو لم يكن حاذقاً ، ضمن ، لأنّه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ ، فأشبه إتلاف المال ، ولأنّه فعل محرّم فيضمن سرايته . وهذا مذهب الشّافعيّ وأصحاب الرّأي . ولا نعلم فيه خلافاً . 142 - واستئجار الحجّام لغير الحجامة كالفصد وحلق الشّعر وتقصيره والختان وقطع شيء من الجسد للحاجة إليه ، جائز بغير خلاف ، لأنّ هذه الأمور تدعو الحاجة إليها ، ولا تحرم فيها ، فجازت الإجازة فيها وأخذ الأجر عليها . 143 - واستئجار الطّبيب للعلاج جائز ، وأخذه أجراً على ذلك مباح ، بشرط أن يكون خطؤه نادراً كما يصرّح الشّافعيّة . فإن لم يكن كذلك لم يصحّ العقد ، ويضمن . وقالوا : إذا استأجره للمداواة في مدّة معيّنة لم يجز ، لأنّه جمع بين العمل والزّمن . وفي قول آخر لهم ، وهو ما أخذ به الحنابلة : يقدّر الاستئجار للمداواة بالمدّة دون البرء ، إذ البرء غير معلوم . فإن داواه المدّة ولم يبرأ استحقّ الأجر ، لأنّه وفّى العمل . وإن برئ في أثنائها ، أو مات ، انفسخت الإجارة فيما بقي ، ويستحقّ من الأجر بالقسط . وعند الإمام مالك أنّه لا يستحقّ أجراً حتّى يبرأ . ولم يحك ذلك أصحابه . 144 - وإن امتنع المريض من العلاج مع بقاء المرض استحقّ الطّبيب الأجر ما دام قد سلّم نفسه ومضى زمن المعالجة ، لأنّ الإجارة عقد لازم ، وقد بذل الأجير ما عليه . ويملك الطّبيب الأجرة ما دام قد قام بالمعتاد . 145 - ولا تجوز مشارطة الطّبيب على البرء . ونقل ابن قدامة عن ابن أبي موسى الجواز ، وقال : إنّه الصّحيح ، لكن يكون جعالةً لا إجارةً ، إذ الإجارة لا بدّ فيها من مدّة أو عمل معلوم . وقال : إنّ أبا سعيد حين رقى الرّجل شارطه على البرء . وقد أجاز ذلك مالك ، ففي الشّرح الصّغير . لو شارطه طبيب على البرء فلا يستحقّ الأجر إلاّ بحصوله . ولا ضمان على الطّبيب إلاّ بالتّفريط ما دام من أهل المعرفة ولم يخطئ ، وإلاّ ضمن . 146 - وإذا زال الألم ، وشفي المريض قبل مباشرة الطّبيب ، كان عذراً تنفسخ به الإجارة . يقول ابن عابدين : وإذا سكن الضّرس الّذي استؤجر الطّبيب لخلعه فهذا عذر تنفسخ به الإجارة . ولم يخالف في ذلك أحد حتّى من لم يعتبروا العذر موجباً للفسخ ، فقد نصّ كلّ من الشّافعيّة والحنابلة على أنّ من استأجر رجلاً ليقلع له ضرساً ، فسكن الوجع ، أو ليكحّل له عيناً ، فبرئت انفسخ العقد لتعذّر استيفاء المعقود عليه . |
الإجارة على حفر الآبار : 147 - المعقود عليه هنا فيه نوع جهالة ، لأنّ الأجير لا يعلم ما يصادفه أثناء الحفر . ولهذا فإنّ جمهور الفقهاء المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يشترطون لصحّة العقد معرفة الأرض الّتي يقع فيها الحفر ، لأنّ الحفر يختلف باختلافها ، ومعرفة مساحة القدر المطلوب حفره طولاً وعرضاً وعمقاً . وأجازوا تقدير الإجارة على الحفر بالمدّة أو بالعمل . والحنفيّة يقولون : إنّ القياس يقتضي بيان الموضع وطول البئر وعمقه ، إلاّ أنّهم قالوا : إن لم يبيّن جاز استحساناً ، لجريان العرف بذلك ، ويؤخذ بوسط ما يعمل النّاس . 148 - وإن بيّن له موضع الحفر ، وحدّد له المقدار المطلوب حفره ، فوجد الأجير بعد الشّروع في العمل أنّ الأرض صلبة وتحتاج إلى مئونة أشدّ عملاً وآلات خاصّة ، فإنّه لا يجبر عليه ، ويحقّ له فسخ العقد ويستحقّ أجراً بمقدار ما حفر . وتقدير ذلك يرجع فيه إلى أهل الخبرة . ولو حفر البئر في ملكه ، فظهر الماء قبل أن يبلغ المنتهى الّذي شرط عليه ، فإن أمكنه الحفر في الماء بالآلة الّتي يحفر بها الآبار أجبر على الحفر ، وإن احتيج إلى اتّخاذ آلة أخرى لا يجبر . 149 - كما نصّوا على أنّه لو حفر بعض البئر ، وأراد أن يأخذ حصّتها من الأجر ، فإن كان في ملك المستأجر فله ذلك . وكلّما حفر شيئاً صار مسلّماً إلى المستأجر ، حتّى إذا انهارت البئر فأدخل السّير أو الرّيح فيها التّراب حتّى سوّاها مع الأرض لا يسقط شيء من أجرته . وإن كان في ملك غيره ليس للأجير أن يطالبه بالأجرة ما لم يفرغ من الحفر ، ويسلّمها إليه ، حتّى لو انهارت ، فامتلأت قبل التّسليم ، لا يستحقّ الأجر . وقالوا : إذا استأجر حفّاراً ليحفر له حوضاً عشرةً في عشرة بعشرة دراهم فحفر خمسةً في خمسة استحقّ من الأجر بنسبة ما حفر ، مع ملاحظة أخذ المتوسّط بين قيمة الحفر في الجزء الأعلى والجزء الأسفل . وإن شرط عليه كلّ ذراع في طين أو أرض سهلة بدرهم ، وكلّ ذراع في حجر بدرهمين ، وكلّ ذراع في ماء بثلاثة ، وبيّن مقدار طول البئر ومحيطه جاز . وإذا حفر بعض البئر ، ومات ، قوّم الحفر ، وأخذ ورثته بنسبته من الأجر ، على ما سبق . ويلاحظ أنّ هذه الأحكام مبنيّة على أعراف كانت قائمةً . إجارة الرّاعي : 150 - الرّاعي إمّا أن يكون أجيراً مشتركاً أو أجيراً خاصّاً ، فتجرى على كلّ منهما الأحكام السّابقة ، إلاّ أنّ هنا ما يستحقّ الإفراد بالذّكر : 1 - إذا عيّن عدد الماشية الّتي يرعاها فليس الرّاعي ملزماً بما يزيده الآجر عمّا اتّفق عليه ، ولكن إذا كانت الزّيادة بطريق الولادة فالقياس أنّه غير ملزم برعيها أيضاً ، ولكنّ الحنفيّة قالوا بلزوم رعيها ، استحساناً ، لأنّها تبع ، ولجريان العرف بذلك . وإلى هذا ذهب بعض الشّافعيّة وبعض الحنابلة ، والظّاهر عندهم أنّه غير ملزم . 2 - إذا خاف الرّاعي الموت على شاة - مثلاً - وغلب على ظنّه أنّها تموت إن لم يذبحها ، فذبحها ، فلا يضمن استحساناً ، وإذا اختلف فالقول قول الرّاعي . تعليم العلوم والحرف والصّناعات : 151 - نبيّن هنا أنّه لا خلاف في جواز الاستئجار على تعليم العلوم سوى العلوم الدّينيّة البحتة ، حتّى ولو كانت وسيلةً ومقدّمةً للعلوم الشّرعيّة ، كالنّحو والبلاغة وأصول الفقه . ومثل ذلك يقال في الحرف والصّنائع . وإذا كان العقد على مدّة معلومة استحقّ الأجر عن هذه المدّة ، وصحّت الإجارة ، اتّفاقاً . أمّا إذا اشترط في عقد الإجارة على التّعلّم والحذق فالقياس ألاّ تصحّ الإجارة ، لأنّ المعقود عليه مجهول ، لتفاوت الأفراد في الذّكاء والبلادة . وذهب جمهور الفقهاء إلى جواز ذلك استحساناً إذا عاين المعلّم المتعلّم . وقال الحنفيّة : إنّ الإجارة فاسدة ، فإن عمل استحقّ أجر المثل كأيّة إجارة فاسدة . إجارة وسائل النّقل الحديثة : 152 - لم يتعرّض الفقهاء الأقدمون لبيان أحكام استئجار وسائل النّقل الحديثة من سيّارات وطائرات وسفن كبيرة ، وإنّما تعرّضوا لاستئجار الدّوابّ والأشخاص والسّفن الصّغيرة . وممّا تقدّم يتبيّن أنّ أحكام استئجار الدّوابّ والسّفن الصّغيرة والأشخاص ترجع كلّها إلى الأحوال الآتية : إجارة مشتركة ، أو إجارة خاصّة ، أو إجارة في الذّمّة ، أو إجارة عين موصوفة ، أو إجارة على العمل ، سواء كانت مع المدّة أو بدونها . وقد بيّن الفقهاء كلّ هذه الأحكام على ما تقدّم . ويمكن تطبيقها على وسائل النّقل الحديثة ، لأنّها لا تخرج عن هذه الأحوال الّتي ذكرناها . وإذا كان هناك اختلاف في بعض الأحوال ، كاختلافهم في تعيّن الرّاكب ، فإنّ هذا يرجع فيه إلى العرف . فلا فرق بين شخص وآخر في استئجار سيّارة أو طائرة ، بخلاف الدّابّة ، فإنّها تتأثّر بالأشخاص ضخامةً ونحافةً - وأمّا ما يصحبه الرّاكب من المتاع فرجع ذلك إلى الشّرط . فإن لم يكن فالحكم العرف . وأمّا استحقاق الأجرة ، سواء على نقل الأشخاص أو الأمتعة ، فالمرجع أيضاً إلى الشّرط . وإلاّ فالعرف . وكلّ أحكام الضّمان سواء بالنّسبة للأجير المشترك أو الخاصّ ، أو بالنّسبة لاستئجار عين من الأعيان كالسّفينة ، فإنّ ما سبق ذكره يطبّق عليها . الاستحقاق في الإجارة : 153 - اختلف الفقهاء في أثر استحقاق العين المؤجّرة ، فمنهم من يرى بطلان الإجارة ومنهم من يرى توقّفها على إجازة المستحقّ كما اختلفوا فيمن يستحقّ الأجرة على خلاف . وتفصيل ينظر بحث ( استحقاق ) . إجازة التّعريف 1 - الإجازة في اللّغة الإنفاذ ، يقال : أجاز الشّيء إذا أنفذه . ولا يخرج استعمال الفقهاء للإجازة عن هذا المعنى اللّغويّ . هذا وقد يطلق الفقهاء " الإجازة " بمعنى الإعطاء ، كما يطلقونه على الإذن بالإفتاء أو التّدريس . ويطلق المحدّثون وغيرهم " الإجازة " بمعنى الإذن بالرّواية ، سواء أكانت رواية حديث أم رواية كتاب . وتفصيل ذلك يأتي في آخر البحث ، والإجازة بمعنى الإنفاذ لا تكون إلاّ لاحقةً للتّصرّف ، بخلاف الإذن فلا يكون إلاّ سابقاً عليه . وعلى هذا فنقسّم البحث على هذه الأنواع الأربعة : أوّلاً : الإجازة بمعنى الإنفاذ أركانها : 2 - كلّ إجازة لا بدّ من أن تتوفّر فيها الأمور التّالية : أ - المجاز تصرّفه : وهو من تولّى التّصرّف بلا ولاية كالفضوليّ . ب - المجيز : وهو من يملك التّصرّف سواء أكان أصيلاً أم وكيلاً أم وليّاً أم وصيّاً أم قيّماً أم ناظر وقف . ج - المجاز : وهو التّصرّف . د - الصّيغة : صيغة الإجازة أو ما يقوم مقامها . وقد اصطلح جمهور الفقهاء على أنّ هذه الأمور كلّها أركان والحنفيّة يقصرون إطلاق لفظ الرّكن على الصّيغة أو ما يقوم مقامها . أ - ( المجاز تصرّفه ) : 3 - يشترط في المجاز تصرّفه ما يلي : 1 - أن يكون ممّن ينعقد به التّصرّف كالبالغ العاقل والصّغير المميّز في بعض تصرّفاته . أمّا إذا كان المباشر غير أهل لعقد التّصرّف أصلاً كالمجنون والصّغير غير المميّز فإنّ التّصرّف يقع باطلاً غير قابل للإجازة . بقاء المجاز تصرّفه حيّاً لحين الإجازة : 4 - لكي تكون الإجازة صحيحةً ومعتبرةً عند الحنفيّة فلا بدّ من صدورها حال حياة المباشر ، إن كانت طبيعة التّصرّف ممّا ترجع حقوقه إلى المباشر فيما لو حجبت عنه الإجازة ، كالشّراء والاستئجار أمّا التّصرّفات الّتي يعتبر فيها المباشر سفيراً ومعبّراً ، ولا تعود حقوق التّصرّف إليه بحال من الأحوال ، كالنّكاح فلا تشترط فيه حياة المباشر وقت الإجازة ، كما لو زوّج فضوليّ رجلاً بامرأة ، ثمّ مات الفضوليّ ، ثمّ أجاز الرّجل اعتبرت الإجازة صحيحةً ، لأنّ الوكيل في هذا العقد ما هو إلاّ سفير ومعبّر ، ولا يعود إليه شيء من حقوق هذا العقد حين إخلاله بالشّروط الّتي اشترطها عليه الموكّل . هذا صريح مذهب الحنفيّة وهو المفهوم من بعض الفروع في مذهب الشّافعيّة ، فقد قالوا : لو باع مال مورّثه على ظنّ أنّه حيّ وأنّه فضوليّ فبان ميّتاً حينئذ وأنّه ملك العاقد فقولان ، وقيل وجهان مشهوران ، أصحّهما : أنّ العقد صحيح لصدوره من مالك ، والثّاني : البطلان لأنّه في معنى المعلّق بموته ، ولأنّه كالغائب . والظّاهر أنّ الوجه الأوّل هنا مبنيّ على القول بجواز تصرّف الفضوليّ ، فإنّ تصرّفه كان على ظنّ أنّه فضوليّ ، وإجازته بعد تحقّق وفاة مورّثه على أنّه مالك فله اعتباران : كونه فضوليّاً وكونه مالكاً وهو حيّ في كلتا الحالتين . وأمّا على القول بالبطلان ، وهو المعتمد عندهم ، فلا تنافي . هذا ولم نعثر على هذا الشّرط عند المالكيّة والحنابلة . ب - ( المجيز ) : 5 - من له الإجازة ( المجيز ) إمّا أن يكون واحداً ، أو أكثر ، فإن كان واحداً فظاهر ، وإن كان أكثر فلا بدّ من اتّفاق جميع من لهم الإجازة عليها حتّى تلحق التّصرّف إذا كان لكلّ واحد منهم حقّ الإجازة كاملاً فإن اختلفوا فأجازه البعض ، وردّه البعض قدّم الرّدّ على الإجازة ، كما لو جعل خيار الشّرط إلى شخصين فأجاز البيع أحدهما وامتنع عن الإجازة الآخر ، لم تلحق الإجازة التّصرّف . أمّا إن كانت الإجازة قابلةً للتّجزئة كما إذا تصرّف فضوليّ في مال مشترك ، فالإجازة تنفذ في حقّ المجيز دون شركائه . 6 - ويشترط في المجيز لكي تصحّ إجازته أن يكون أهلاً لمباشرة التّصرّف وقت الإجازة فإن كان التّصرّف هبةً وجب أن تتوفّر فيه أهليّة التّبرّع ، وإن كان بيعاً وجب أن تتوفّر فيه أهليّة التّعاقد وهكذا لأنّ الإجازة لها حكم الإنشاء ، فيجب فيها من الشّروط ما يجب في الإنشاء . 7 - ويشترط الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في قول عندهم والشّافعيّة في التّصرّفات الّتي تتوقّف على الإجازة كخيار الشّرط لأجنبيّ عن العقد أن يكون المجيز موجوداً حال وقوع التّصرّف ، لأنّ كلّ تصرّف يقع ولا مجيز له حين وقوعه يقع باطلاً ، والباطل لا تلحقه الإجازة . فإذا باع الصّغير المميّز ثمّ بلغ قبل إجازة الوليّ تصرّفه ، فأجاز تصرّفه بنفسه جاز ، لأنّ له وليّاً يجيزه حال العقد ، وإذا زوّج فضوليّ إنساناً ثمّ وكّل هذا الشّخص الفضوليّ في تزويجه قبل أن يجيز التّصرّف ، فأجاز الفضوليّ بعد الوكالة تصرّفه السّابق للوكالة جاز هذا عند كلّ من الحنفيّة والمالكيّة . بخلاف ما إذا طلّق وهو صغير ، ثمّ بلغ فأجاز طلاقه بنفسه ، لم يجز لأنّ طلاق الصّغير ليس له مجيز وقت وقوعه ، إذ ليس للوليّ أن يطلّق زوجة الصّغير ، ولا أن يتصرّف تصرّفاً مضرّاً ضرراً محضاً بالصّغير - مميّزاً أو غير مميّز - هذا عند الجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وقول لأحمد ) والمعتمد عند الحنابلة وقوع طلاق الصّبيّ المميّز الّذي يعقل الطّلاق وما يترتّب عليه . 8 - ويشترط الشّافعيّة أن يكون من تولّى الإجازة مالكاً للتّصرّف عند العقد ، فلو باع الفضوليّ مال الطّفل ، فبلغ الطّفل ، فأجاز ذلك البيع ، لم ينفذ لأنّ الطّفل لم يكن يملك البيع عند العقد . وهذا بناءً على القول عندهم بجواز تصرّفات الفضوليّ . 9 - كما يشترط في المجيز أن يكون عالماً ببقاء محلّ التّصرّف . أمّا علمه بالتّصرّف الّذي أجازه فظاهر ، وأمّا علمه ببقاء محلّ التّصرّف فقد قال في الهداية : ولو أجاز المالك في حياته وهو لا يعلم حال المبيع جاز البيع في قول أبي يوسف أوّلاً ، وهو قول محمّد لأنّ الأصل بقاؤه ثمّ رجع أبو يوسف فقال : لا يصحّ حتّى يعلم قيامه عند الإجازة ، لأنّ الشّكّ وقع في شرط الإجازة . فلا يثبت مع الشّكّ وهو ما ذهب إليه المالكيّة أيضاً . ولم نقف على نصّ في هذا عند الشّافعيّة والحنابلة لأنّ المعتمد عندهم عدم جواز تصرّفات الفضوليّ ولهذا لم يتوسّعوا في التّفريع . ج - التّصرّف المجاز ( محلّ الإجازة ) محلّ الإجازة إمّا أن يكون قولاً أو فعلاً إجازة الأقوال : 10 - الإجازة تلحق التّصرّفات القوليّة ، وعندئذ يشترط في تلك التّصرّفات : أوّلاً : أن يكون قد وقع صحيحاً ، فالعقد غير الصّحيح لا تلحقه الإجازة كبيع الميتة ، فبيع الميتة غير منعقد أصلاً ، فهو غير موجود إلاّ من حيث الصّورة فحسب ، والإجازة لا تلحق المعدوم بالبداهة . ويبطل العقد الموقوف وغير اللاّزم بردّ من له الإجازة ، فإذا ردّه فقد بطل ، ولا تلحقه الإجازة بعد ذلك . ثانياً : أن يكون التّصرّف صحيحاً غير نافذ - أي موقوفاً - كهبة المريض مرض الموت فيما زاد على الثّلث وكتصرّف الفضوليّ عند من يرى جوازه ، وكالعقود غير اللاّزمة كالّتي تنعقد مع الخيار . ثالثاً : أن يكون المعقود عليه قائماً وقت الإجازة ، فإن فات المعقود عليه فإنّ العقد لا تلحقه الإجازة ، لأنّ الإجازة تصرّف في العقد ، فلا بدّ من قيام العقد بقيام العاقدين والمعقود عليه . إجازة العقود الواردة على محلّ واحد : 11 - إذا وردت الإجازة على أكثر من عقد واحد على محلّ واحد ، لحقت أحقّ هذه العقود بالإمضاء . وقد صنّف الحنفيّة العقود والتّصرّفات بحسب أحقّيّتها كما يلي : الكتابة والتّدبير والعتق ، ثمّ البيع ، ثمّ النّكاح ، ثمّ الهبة ، ثمّ الإجارة ، ثمّ الرّهن . فإذا باع فضوليّ أمة رجل ، وزوّجها فضوليّ آخر ، أو آجرها أو رهنها ، فأجاز المالك تصرّف الفضوليّين معاً ، جاز البيع وبطل غيره ، لأنّ البيع أحقّ من بقيّة التّصرّفات ، فلحقت به الإجازة دون غيره ولم نجد هذا عند غيرهم . إجازة الأفعال : الأفعال إمّا أن تكون أفعال إيجاد أو إتلاف . 12 - وفي أفعال الإيجاد اتّجاهان : الأوّل : أنّ الإجازة لا تلحقها ، وهو ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة . الثّاني : أنّ الإجازة تلحقها ، وهو ما ذهب إليه الإمام محمّد بن الحسن وهو الرّاجح عند الحنفيّة . وبناءً على ذلك فإنّ الغاصب إذا أعطى المغصوب لأجنبيّ بأيّ تصرّف فأجاز المالك ذلك ، فقد ذهب أبو حنيفة إلى عدم براءة الغاصب وأنّه لا يزال ضامناً إذ الأصل عنده أنّ الإجازة لا تلحق الأفعال . والمفهوم من بعض فروع المالكيّة والشّافعيّة ورواية عن أحمد أنّهم يذهبون مذهب أبي حنيفة . وعلّل المالكيّة ذلك بأنّ الرّضا بتصرّف الغاصب لا يجعل يده يد أمانة . وعلّل الشّافعيّ والحنابلة لهذه الرّواية بأنّ تصرّفات الغاصب في العين المغصوبة حرام ، ولا يملك أحد إجازة تصرّف حرام . وذهب الإمام محمّد بن الحسن إلى أنّ إجازة المالك لتصرّف الغاصب صحيحة وتبرّئ ذمّته وتسقط عنه الضّمان والقاعدة عنده أنّ الإجازة تلحق الأفعال . وهو الرّواية الأخرى عند الحنابلة ، واختلف علماؤهم في تخريج هذه الرّواية عن أحمد . 13 - واتّفقت كلمة الحنفيّة على أنّ الإجازة لا تلحق أفعال الإتلاف ، فليس للوليّ أن يهب من مال الصّغير ، لأنّ الهبة إتلاف ، فإن فعل ذلك كان ضامناً ، فإن بلغ الصّبيّ وأجاز هبته ، لم تجز ، لأنّ الإجازة لا تلحق أفعال الإتلاف . وهذا هو ما يفهم من كلام المالكيّة والشّافعيّة . وأمّا الحنابلة فقد فرّقوا بين ما إذا كان الوليّ أباً أو غير أب فإن كان أباً فلا يعتبر متعدّياً لأنّ له حقّ تملّك مال ولده ، لحديث : « أنت ومالك لأبيك » وإن كان الوليّ غير أب فهم مع الجمهور . أمّا دليل عدم نفاذ الإجازة فلأنّ تصرّفات الوليّ منوطة بمصلحته والتّبرّعات إتلاف فتقع باطلةً فلا تلحقها الإجازة . 14 - وقد وقع خلاف في اللّقطة إذا تصدّق بها الملتقط فالمالكيّة والحنابلة قالوا : إذا عرّفها سنةً ولم يأت مالكها تملّكها الملتقط وعلى هذا فلو تصدّق بها بعد المدّة المذكورة فلا ضمان عليه لأنّه تصدّق بخالص ماله . ومفهوم كلامهم أنّه لو تصدّق بها قبل هذه المدّة أو لم يعرّفها يكون ضامناً إن لم يجز المالك التّصدّق . وسندهم في ذلك حديث زيد بن خالد أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال في شأن اللّقطة : « فإن لم تعرف فاستنفقها » وفي لفظ : « وإلاّ فهي كسبيل مالك » ، وفي لفظ : « ثمّ كلها » ، وفي لفظ : « فانتفع بها » . أمّا الحنفيّة فقالوا : إذا تصدّق الملتقط باللّقطة ، ثمّ جاء صاحبها فأجاز صدقة الملتقط طلباً لثواب اللّه تعالى ، جاز بالاتّفاق . قال عمر بن الخطّاب لمن أتاه مستفسراً عمّا يتصرّف به في اللّقطة الّتي في يده : ألا أخبرك بخير سبيلها ؟ تصدّق بها ، فإن جاء صاحبها فاختار المال غرمت له وكان الأجر لك ، وإن اختار الأجر كان له ، ولك ما نويت ومفهوم مذهب الشّافعيّة أنّ الملتقط إذا تصرّف أيّ تصرّف فيها يكون متعدّياً ويعتبر ضامناً . وتفصيل ذلك في مصطلح « لقطة » . صيغة الإجازة : من استقراء كلام الفقهاء نجد أنّ الإجازة تتحقّق بطرائق متعدّدة . وهي خمسة في الجملة : ( الطّريقة الأولى ) : القول 15 - الأصل في الإجازة أن تكون بالقول المعبّر عنها بنحو قول المجيز : أجزت ، وأنفذت ، وأمضيت ، ورضيت ، ونحو ذلك . وإذا وقعت الإجازة بلفظ يمكن أن يعبّر به عنها كما يمكن أن يعبّر به عن غيرها ، فالاحتكام في ذلك إلى قرائن الأحوال . فإن انعدمت قرائن الأحوال حمل الكلام على حقيقته . وتقوم الكتابة أو الإشارة المفهمة مقام القول عند العجز على تفصيل موضعه الصّيغة في العقد . ( الطّريقة الثّانية ) الفعل 16 - فكلّ ما يصحّ أن يكون قبولاً من الأفعال في العقود ، يصحّ أن يكون إجازةً . ( الطّريقة الثّالثة ) 17 - مضيّ المدّة في التّصرّفات الموقوتة : كمضيّ مدّة الخيار في خيار الشّرط ( ر : خيار الشّرط ) . ( الطّريقة الرّابعة ) 18 - القرائن القويّة : كتبسّم البكر البالغة ، وضحكها ضحك سرور وابتهاج ، وسكوتها وقبضها مهرها ، عند إعلام وليّها إيّاها أنّه زوّجها من فلان ، فإنّها قرينة قويّة على إجازتها ، بخلاف بكائها بصوت مرتفع وولولتها ، فهي قرينة على الرّفض . ومن القرائن القويّة السّكوت في موطن الحاجة إلى الإبطال ، كسكوت صاحب الحاجة عند رؤية حاجته يبيعها صغيره المميّز في السّوق وغيرها . ( الطّريقة الخامسة ) : 19 - زوال حالة أوجبت عدم نفاذ التّصرّف ، كما هو الحال في تصرّفات الرّجل المرتدّ عن الإسلام من معاوضات ماليّة كالبيع والإجارة ، أو تبرّعات كالهبة والوصيّة والوقف ، فإنّ الإمام أبا حنيفة يعتبر سائر عقود المرتدّ وتصرّفاته الماليّة موقوفةً غير نافذة ، فإن زالت حالة الرّدّة بعودته للإسلام نفذت تلك التّصرّفات الموقوفة ، وإن مات ، أو قتل ، أو التحق بدار الحرب وقضى القاضي باعتباره ملتحقاً بها بطلت تلك العقود والتّصرّفات . 20 - وهذه الطّرق الخمسة هي صريح مذهب الحنفيّة والمفهوم من مذهب المالكيّة عند كلامهم عن صيغة عقد البيع . أمّا الشّافعيّة فالأصل عندهم في التّصرّفات القوليّة العبارة . وهذا هو المعتمد في المذهب الجديد . وفي المذهب القديم جواز الاعتماد على المعاطاة وما في معناها ، وهو اختيار النّوويّ وجماعة ، سواء أكان في النّفيس أم الخسيس واختار بعضهم جواز ذلك في الخسيس فقط . وعليه فتكون الإجازة عندهم على المعتمد بالعبارة دون غيرها . وأمّا الحنابلة فالمأخوذ من فروعهم جواز ذلك في الجملة . وللفقهاء في تصرّفات المرتدّ وكونها موقوفةً أو نافذةً تفصيل حاصله أنّها موقوفة عند أبي حنيفة ومالك والحنابلة ورأي عند الشّافعيّة فإن عاد إلى الإسلام نفذت تصرّفاته بإجازة الشّارع . والصّاحبان من الحنفيّة والشّافعيّة في رأي عندهم أنّ تصرّفاته نافذة . ومبنى هذا الخلاف أنّ من قال بنفاذ تصرّفاته قال : إنّه أهل للتّصرّف وقد تصرّف في ملكه ولم يوجد سبب مزيل للملك وأنّ كلّ ما يستحقّه هو القتل . أمّا الوجه الآخر فإنّهم يرون أنّه بالرّدّة صار مهدر الدّم وماله تبع له ، ويتريّث حتّى يستبين أمره . ( آثار الإجازة ) : 21 - الإجازة يظهر أثرها من حين إنشاء التّصرّف . ولذا اشتهر من أقوال الفقهاء الإجازة اللاّحقة كالإذن السّابق . ويبنى على ذلك كثير من التّطبيقات العمليّة عندهم نذكر منها : 1 - أنّ المجيز يطالب المباشر بالثّمن بعد الإجازة إن كان التّصرّف بيعاً ، ولا يطالب المشتري لأنّ المباشر - وهو الفضوليّ - قد صار بالإجازة وكيلاً . 2 - إذا باع الفضوليّ ملك غيره ثمّ أجاز المالك البيع يثبت البيع والحطّ سواء علم المالك الحطّ أو لم يعلم إلاّ أنّه بالحطّ بعد الإجازة يثبت له الخيار . 3 - إذا تعدّدت التّصرّفات وأجاز المالك أحدها أجاز العقد الّذي أجازه خاصّةً ، فلو باع الغاصب العين المغصوبة ثمّ باعها المشتري أو أجّرها أو رهنها وتداولتها الأيدي فأجاز مالكها أحد هذه العقود جاز العقد الّذي أجازه خاصّةً لتوقّف كلّها على الإجازة فإذا أجاز عقداً منها جاز ذلك خاصّةً ولم نعثر لغير الحنفيّة على ما يتعلّق بهذا . ( رفض الإجازة ) : 22 - يحقّ لمن له الإجازة أن يردّ التّصرّف المتوقّف عليها ، وإذا ردّه فليس له أن يجيزه بعد ذلك لأنّه بالرّدّ أصبح التّصرّف باطلاً . الرّجوع عن الإجازة : 23 - إذا أجاز من له الإجازة التّصرّف ، فليس له أن يرجع عن الإجازة بعد ذلك ، فمن سمع أنّ فضوليّاً باع ملكه فأجاز ولم يعلم مقدار الثّمن ، فلمّا علم ردّ البيع ، فالبيع قد لزم ، ولا عبرة لردّه لصيرورة البائع المباشر للبيع - وهو الفضوليّ هنا - كالوكيل . ثانياً : الإجازة بمعنى الإعطاء 24 - الإجازة بمعنى الإعطاء . وهي بمعنى العطيّة من حاكم أو ذي شأن كمكافأة على عمل وبيان ذلك في مصطلح هبة . ثالثاً : الإجازة بمعنى الإذن بالإفتاء أو التّدريس 25 - أمّا الإجازة بمعنى الإفتاء أو التّدريس فلا يحلّ إجازة أحد للإفتاء أو تدريس العلوم الدّينيّة إلاّ أن يكون عالماً بالكتاب والسّنّة والآثار ووجوه الفقه واجتهاد الرّأي عدلاً موثوقاً به . رابعاً : الإجازة بمعنى الإذن في الرّواية 26 - اختلف العلماء في حكم رواية الحديث بالإجازة والعمل به فذهب جماعة إلى المنع وهو إحدى الرّوايتين عن الشّافعيّ ، وحكي ذلك عن أبي طاهر الدّبّاس من أئمّة الحنفيّة ولكنّ الّذي استقرّ عليه العمل وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم القول بتجويز الإجازة وإباحة الرّواية بها ، ووجوب العمل بالمرويّ بها . 27 - وتستحسن الإجازة برواية الحديث إذا كان المجيز عالماً بما يجيز ، والمجاز له من أهل العلم ، لأنّها توسّع وترخيص يتأهّل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها ، وبالغ بعضهم في ذلك فجعله شرطاً فيها ، وقد حكى ذلك أبو العبّاس الوليد بن بكر المالكيّ عن الإمام مالك رحمه الله . ( أنواع الإجازة بالكتب ) 28 - وكما جرت العادة برواية الحديث بالإجازة ، جرت كذلك برواية الكتب وتدريسها بها وهي على أنواع : النّوع الأوّل : أن يجيز إنساناً معيّناً في رواية كتاب معيّن ، كقوله : « أجزت لك رواية كتابي الفلانيّ » . النّوع الثّاني : أن يجيز لإنسان معيّن رواية شيء غير معيّن ، كقوله : « أجزت لك رواية جميع مسموعاتي » . وجمهور الفقهاء والمحدّثين على تجويز الرّواية بهذين النّوعين وعلى وجوب العمل بما روي بهما بشرطه مع العلم أنّ الخلاف في جواز العمل بالنّوع الثّاني أكثر بين العلماء . النّوع الثّالث : إجازة غير معيّن رواية شيء معيّن كقوله : « أجزت للمسلمين رواية كتابي هذا " وهذا النّوع مستحدث فإن كان مقيّداً بوصف حاضر فهو إلى الجواز أقرب ويقول ابن الصّلاح : « لم نر ولم نسمع عن أحد ممّن يقتدى به أنّه استعمل هذه الإجازة » . النّوع الرّابع : الإجازة لغير معيّن برواية غير معيّن ، كأن يقول : أجزت لكلّ من اطّلع على أيّ مؤلّف من مؤلّفاتي روايته وهذا النّوع يراه البعض فاسداً واستظهر عدم الصّحّة وبذلك أفتى القاضي أبو الطّيّب الطّبريّ وحكى الجواز عن بعض الحنابلة والمالكيّة . وهناك أنواع أخرى غير هذه ذهب المحقّقون إلى عدم جواز العمل بها . |
إجبار التّعريف 1 - الإجبار لغةً : القهر والإكراه . يقال : أجبرته على كذا حملته عليه قهراً ، وغلبته فهو مجبر . وفي لغة بني تميم وكثير من أهل الحجاز : جبرته جبراً وجبوراً قال الأزهريّ : جبرته وأجبرته لغتان جيّدتان . وقال الفرّاء سمعت العرب تقول : جبرته على الأمر وأجبرته . ولم نقف للفقهاء على تعريف خاصّ للإجبار . والّذي يستفاد من الفروع الفقهيّة أنّ استعمالهم هذا اللّفظ لا يخرج عن المعنى اللّغويّ السّابق فمن تثبت له ولاية الإجبار على الزّواج يملك الاستبداد بتزويج من له عليه الولاية ، ومن تثبت له الشّفعة يتملّك المشفوع فيه جبراً عن المشتري . وقالوا : إنّ للقاضي أن يجبر المدين المماطل على سداد ما عليه من دين إلى غير ذلك من الصّور المنثورة في مختلف أبواب الفقه . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - هناك ألفاظ استعملها الفقهاء في المعاني ذات الصّلة بلفظ إجبار وذلك كالإكراه والتّسخير والضّغط . فالإكراه ، كما يعرّفه بعض الأصوليّين ، هو حمل الإنسان على ما يكرهه ولا يريد مباشرته لولا الحمل عليه بالوعيد ويعرّفه بعض الفقهاء : بأنّه الإلزام والإجبار على ما يكرهه الإنسان طبعاً أو شرعاً فيقدم عليه مع عدم الرّضا ليدفع عنه ما هو أضرّ به . ومن هذا يتبيّن أنّ الإكراه لا بدّ فيه من التّهديد والوعيد ، وأنّ التّصرّف المطلوب يقوم به المكره - بفتح الرّاء - دون رضاه . ولذا كان الإكراه معدماً للرّضا ومفسداً للاختيار أو مبطلاً له ، فيبطل التّصرّف ، أو يثبت لمن وقع عليه الإكراه حقّ الخيار ، على تفصيل موضع بيانه مصطلح « إكراه » . 3 - ( والتّسخير لغةً ) : استعمال الشّخص غيره في عمل بالمجّان . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى . 4 - والضّغط لغةً : الضّيق والشّدّة والإكراه . وأمّا في الاستعمال الفقهيّ فقد قال البرزليّ : سئل ابن أبي زيد عن المضغوط ما هو ؟ فقال : هو من أضغط في بيع ربعه أو شيء بعينه ، أو في مال يؤخذ منه ظلماً فباع لذلك . وقيل : إنّ المضغوط هو من أكره على دفع المال ظلماً فباع لذلك فقط . بينما الإجبار أعمّ من كلّ ذلك . إذ قد يكون حراماً غير مشروع فيتضمّن الإكراه والتّسخير والضّغط ، وقد يكون الإجبار مشروعاً بل مطلوباً ، كما لا يشترط لتحقّقه التّهديد والوعيد ، ولا أن يكون التّصرّف بفعل الشّخص المجبر - بفتح الباء - وإنّما قد يكون أيضاً بفعل المجبر - بكسر الباء - أو قوله ، كما في تزويج الوليّ المجبر من له عليه ولاية إجبار كالصّغيرة والمجنونة ، وكما في نزع الملكيّة جبراً عن المالك للمنافع العامّة . وقد يكون تلقائيّاً دون تلفّظ من أحدهما أو طلب كما في المقاصّة الجبريّة الّتي يقول بها جمهور الفقهاء غير المالكيّة كما أنّ الإجبار المشروع لا يؤثّر على صحّة التّصرّف ، ولا يشترط فيه أن يكون تسخيراً بغير مقابل وإنّما العوض فيه قائم ، كما أنّ الإجبار لا يقتصر وقوعه على البيع فقط كما في الضّغط ، بل صوره كثيرة ومتنوّعة . صفة الإجبار ( حكمه التّكليفيّ ) : 5 - الإجبار إمّا أن يكون مشروعاً ، كإجبار القاضي المدين المماطل على الوفاء ، أو غير مشروع ، كإجبار ظالم شخصاً على بيع ملكه من غير مقتض شرعيّ . من له حقّ الإجبار : 6 - قد يكون الإجبار من الشّارع دون أن يكون لأحد من الأفراد إرادة فيه كالميراث ، وقد يثبت الإجبار من الشّارع لأحد الأفراد على آخر بسبب يخوّل له هذه السّلطة ، كالقاضي ووليّ الأمر ، منعاً للظّلم ومراعاةً للصّالح العامّ . وسنعرض لكثير من صور هذه الحالات تاركين التّفصيل وبيان آراء المذاهب لمواضعها في مسائل الفقه ومصطلحات الموسوعة . الإجبار بحكم الشّرع : 7 - يثبت الإجبار بحكم الشّرع ويلتزم الأفراد بالتّنفيذ ديانةً وقضاءً كما في أحكام الإرث الّتي هي فريضة من اللّه أوصى بها ، ويلتزم كلّ وارث بها جبراً عنه . ويثبت ملك الوارث في تركة مورّثه وإن لم يشأ كلّ منهما . وكذلك ما يفرض من العشور والخراج والجزية والزّكاة فإنّ من منعها بخلاً أو تهاوناً تؤخذ منه جبراً . ومن عجز عن الإنفاق على بهائمه أجبر على بيعها أو إجارتها أو ذبح المأكول منها ، فإن أبى فعل الحاكم الأصلح ، لأنّ من ملك حيواناً وجبت عليه مؤنته . ويرد الجبر أيضاً في الإنفاق على الزّوجة والوالدين والأولاد والأقارب على تفصيل وخلاف يذكر في موضعه . كما قالوا : إنّ الأمّ تجبر على إرضاع ولده وحضانته إن تعيّنت لذلك واقتضته مصلحة الصّغير ، كما يجبر الأب على أجر الحضانة والرّضاعة . وليس له إجبارها على الرّضاع إذا لم تتعيّن ، أو الفطام من غير حاجة ، واستظهر ابن عابدين أنّ له أن يجبرها على الفطام بعد حولين . كما أنّ المضطرّ قد يجبر بحكم الشّرع على أن تناول طعاماً أو شراباً محظوراً ليزيل به غصّةً أو يدفع مخمصةً كي لا يلقي بنفسه في التّهلكة . ففي هذه الصّور مصدر الإجبار فيها : الشّرع مباشرةً ، وما وليّ الأمر إلاّ منفّذ فيما يحتاج إلى تدخّله دون أن يكون له خيار . الإجبار من وليّ الأمر : 8 - قد يكون الإجبار حقّاً لوليّ الأمر بتخويل من الشّارع دفعاً لظلم أو تحقيقاً لمصلحة عامّة . ومن ذلك ما قالوه من جبر المدين المماطل على دفع ما عليه من دين للغير ولو بالضّرب مرّةً بعد أخرى والسّجن ، وإلاّ باع عليه القاضي جبراً . كما قال جمهور الفقهاء خلافاً للإمام أبي حنيفة الّذي رأى جبره بالضّرب والحبس حتّى يقضي دينه دون بيع ماله جبراً عنه . وتفصيله في الحجر . كما قالوا : إذا امتنع أرباب الحرف الضّروريّة للنّاس ، ولم يوجد غيرهم ، أجبرهم وليّ الأمر استحساناً . 9 - كما أنّ لوليّ الأمر أيضاً أن يجبر صاحب الماء على بيع ما يفيض عن حاجته لمن به عطش أو فقد مورد مائه كما أثبتوا للغير حقّ الشّفة في مياه القنوات الخاصّة والعيون الخاصّة ، ومن حقّ النّاس أن يطالبوا مالك المجرى أو النّبع أن يخرج لهم الماء ليستوفوا حقّهم منه أو يمكّنهم من الوصول إليه لذلك وإلاّ أجبره الحاكم إذا تعيّن هذا الماء لدفع حاجتهم . ذكر الكاسانيّ : أنّ قوماً وردوا ماءً فسألوه أهله فمنعوهم فذكروا ذلك لعمر بن الخطّاب وقالوا : إنّ أعناقنا وأعناق مطايانا كادت تتقطّع من العطش ، فقال لهم عمر : هلاّ وضعتم فيهم السّلاح ؟ 10 - ولمّا كان الاحتكار محظوراً لما رواه مسلم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من احتكر فهو خاطئ » ، فإنّ فقهاء المذاهب قالوا بأنّ وليّ الأمر يأمر المحتكرين بالبيع بسعر وقته فإن لم يفعلوا أجبروا على ذلك عند ضرورة النّاس إليه ، غير أنّ ابن جزيّ ذكر أنّ في الجبر خلافاً . ونقل الكاسانيّ عن الحنفيّة خلافاً أيضاً ، لكن نقل المرغينانيّ وغيره قولاً اتّفاقيّاً في المذهب - هو الصّحيح - أنّ الإمام يبيع على المحتكر جبراً عنه إذا لم يستجب لأمره بالبيع . كما نصّ الفقهاء على أنّ السّلطان إذا أراد تولية أحد أحصى ما بيده فما وجده بعد ذلك زائداً على ما كان عنده ، وما كان يرزق به من بيت مال المسلمين وإنّما أخذه بجاه الولاية ، أخذه منه جبراً . وقد فعل ذلك عمر رضي الله عنه مع عمّاله لمّا أشكل عليه ما اكتسبوه في مدّة القضاء والإمارة ، فقد شاطر أبا هريرة وأبا موسى مع علوّ مراتبهما . 11 - ويدخل في الإجبار من قبل وليّ الأمر منع عمر كبار الصّحابة من تزوّج الكتابيّات ، فقد منعهم وقال : أنا لا أحرّمه ولكنّي أخشى الإعراض عن الزّواج بالمسلمات ، وفرّق بين كلّ من طلحة وحذيفة وزوجتيهما الكتابيّتين . الإجبار من الأفراد 12 - خوّل الشّارع بعض الأفراد في حالات خاصّة سلطة إجبار الغير ، كما في الشّفعة فقد أثبت الشّارع للشّفيع حقّ تملّك العقار المبيع بما قام على المشتري من ثمن ومؤنة جبراً عنه . وهو حقّ اختياريّ للشّفيع . 13 - كما خوّل الشّارع للمطلّق طلاقاً رجعيّاً حقّ مراجعة مطلّقته ولو جبراً عنها ما دامت في العدّة ، إذ الرّجعة لا تفتقر إلى وليّ ولا صداق ولا رضا المرأة . وهذا الحقّ ثبت للرّجل من الشّارع في مدّة العدّة دون نصّ عليه عند التّعاقد أو اشتراطه عند الطّلاق ، حتّى إنّه لا يملك إسقاط حقّه فيه ، على ما بيّنه الفقهاء عند الكلام عن الرّجعة . كما أعطى الشّارع الأب ومن في حكمه ****له ووصيّه حقّ ولاية الإجبار في النّكاح على خلاف وتفصيل يرجع إليه في موطنه عند الكلام عن الولاية في النّكاح . 14 - وفي إجبار الأمّ على الحضانة إذا لم تتعيّن لها تفصيل بين الفقهاء فمن رأى أنّ الحضانة حقّ للحاضنة قال : إنّها لا تجبر عليها إذا ما أسقطت حقّها لأنّ صاحب الحقّ لا يجبر على استيفاء حقّه . ومن قال : إنّها حقّ للمحضون نفسه قال : إنّ للقاضي أن يجبر الحاضنة ، على ما هو مبيّن تفصيلاً عند كلام الفقهاء عن الحضانة . ومن هذا ما قالوه من أنّ المفوّضة - وهي الّتي عقد نكاحها من غير أن يبيّن لها مهر - لو طالبت قبل الدّخول بأن يفرض لها مهر أجبر على ذلك . قال ابن قدامة : وبهذا قال الشّافعيّ ، ولا نعلم فيه مخالفاً 15 - وقال غير الحنفيّة - وهو قول زفر من الحنفيّة - إنّ للزّوج إجبار زوجته على الغسل من الحيض والنّفاس مسلمةً كانت أو ذمّيّةً ، حرّةً كانت أو مملوكةً لأنّه يمنع الاستمتاع الّذي هو حقّ له ، فملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقّه وله إجبار زوجته المسلمة البالغة على الغسل من الجنابة ، وأمّا الذّمّيّة ففي رواية عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة له إجبارها . وفي الرّواية الثّانية عندهما ليس له إجبارها لأنّ الاستمتاع لا يتوقّف عليه وهو قول مالك والثّوريّ . 16 - كما قالوا بالنّسبة للأعيان المشتركة إذا كانت من جنس واحد وطلب أحد الشّريكين القسمة . فقد نصّ الحنفيّة على أنّ القاضي يجبر عليها ، لأنّ القسمة لا تخلو عن معنى المبادلة ؛ والمبادلة ممّا يجري فيه الجبر كما في قضاء الدّين ، فإنّ المدين يجبر على القضاء مع أنّ الدّيون تقضي بأمثالها فصار ما يؤدّي بدلاً عمّا في ذمّته . وهذا جبر في المبادلة قصداً وقد جاز ، فلأن يجوز بلا قصد إليه أولى . وإن كانت الأعيان المشتركة من أجناس مختلفة كالإبل والبقر والغنم لا يجبر القاضي الممتنع - على قسمتها لتعذّر المبادلة ، ولو تراضوا عليها جاز . وتفصيل ذلك في الشّركة والقسمة . 17 - وينصّ الشّافعيّة على أنّ ما لا ضرر في قسمته كالبستان والدّار الكبيرة والدّكّان الواسعة ، والمكيل والموزون من جنس واحد ، ونحوها إذا طلب الشّريك قسمته أجبر الآخر عليها . والضّرر المانع من قسمة الإجبار نقص قيمة المقسوم بها ، وقيل : عدم النّفع به مقسوماً . وإن تضرّر أحد الشّريكين وحده وطلب المتضرّر القسمة أجبر الآخر ، وإلاّ فلا إجبار . وقيل : أيّهما طلب لم يجبر الآخر . وتفصيل ذلك في القسمة والشّركة . 18 - كما نصّ الفقهاء فيمن له حقّ السّفل مع من له حقّ العلو أنّه لا يجبر ذو السّفل على البناء ، لأنّ حقّ ذي العلو فائت إذ حقّه قرار العلو على السّفل القائم . ويقول ابن قدامة : إذا كان السّفل لرجل والعلو لآخر فانهدم السّقف الّذي بينهما فطلب أحدهما المباناة من الآخر فامتنع فعلى روايتين كالحائط بين البيتين . وللشّافعيّ قولان كالرّوايتين . وإن انهدمت حيطان السّفل فطالبه صاحب العلو بإعادتها فعلى روايتين : يجبر ، وهو قول مالك وأبي ثور وأحد قولي الشّافعيّ ، وعلى هذه الرّواية يجبر على البناء وحده لأنّه ملكه خاصّةً . والرّواية الثّانية : لا يجبر وهو قول أبي حنيفة ، وإن أراد صاحب العلو بناءه لم يمنعه من ذلك على الرّوايتين . وإن طالب صاحب السّفل بالبناء وأبى صاحب العلو ففيه روايتان : الأولى : لا يجبر على بنائه ولا مساعدته وهو قول الشّافعيّ ، والثّانية : يجبر على مساعدته لأنّه حائط يشتركان في الانتفاع به . وتفصيله في حقّ التّعلّي ضمن حقوق الارتفاق . 19 - وقالوا في الحائط المشترك لو انهدم وعرصته عريضة فطلب أحدهما بناءه يجبر الآخر على الصّحيح في مذاهب الأئمّة الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لأنّ في ترك بنائه إضراراً فيجبر عليه كما يجبر على القسمة إذا طلبها أحدهما وعلى النّقض إذا خيف سقوطه . وغير الصّحيح في المذاهب أنّه لا يجبر لأنّه ملك لا حرمة له في نفسه فلم يجبر مالكه على الإنفاق عليه كما لو انفرد به ، ولأنّه بناء حائط فلم يجبر عليه كالابتداء . ونصّ الحنفيّة أيضاً على أنّه إذا كان مكان الحائط المشترك يحتمل القسمة ويتمكّن كلّ واحد من بناء سدّ في نصيبه لم يجبر ، وإلاّ أجبر . اجتهاد التّعريف 1 - الاجتهاد في اللّغة بذل الوسع والطّاقة في طلب أمر ليبلغ مجهوده ويصل إلى نهايته . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللّغويّ . أمّا الأصوليّون فمن أدقّ ما عرّفوه به أنّه بذل الطّاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعيّ ظنّيّ ، فلا اجتهاد فيما علم من الدّين بالضّرورة ، كوجوب الصّلوات ، وكونها خمساً . ومن هذا يعلم أنّ معرفة الحكم الشّرعيّ من دليله القطعيّ لا تسمّى اجتهاداً . |
( الألفاظ ذات الصّلة ) ( القياس ) 2 - الّذي عليه الأصوليّون أنّ الاجتهاد أعمّ من القياس . فالاجتهاد يكون في أمر ليس فيه نصّ ، بإثبات الحكم له ، لوجود علّة الأصل فيه ، وهذا هو القياس . ويكون الاجتهاد أيضاً في إثبات النّصوص بمعرفة درجاتها من حيث القبول والرّدّ ، وبمعرفة دلالات تلك النّصوص ، ومعرفة الأحكام من أدلّتها الأخرى غير القياس ، من قول صحابيّ ، أو عمل أهل المدينة ، أو الاستصحاب ، أو الاستصلاح أو غيرها ، عند من يقول بها . التّحرّي : 3 - هو لغةً الطّلب والابتغاء ، وشرعاً طلب شيء من العبادات بغالب الرّأي . عند تعذّر الوقوف على الحقيقة . وإنّما قيّد بالعبادات لأنّهم كما قالوا ( التّحرّي ) فيها ، قالوا ( التّوخّي ) في المعاملات . والتّحرّي غير الشّكّ والظّنّ ، فإنّ الشّكّ أن يستوي طرفا العلم والجهل ، والظّنّ ترجّح أحدهما من دليل ، والتّحرّي ترجّح أحدهما بغالب الرّأي . وهو دليل يتوصّل به إلى طرف العلم ، وإن كان لا يتوصّل به إلى ما يوجب حقيقة العلم . كذا قال السّرخسيّ في المبسوط . وفيه أيضاً : الاجتهاد مدرك من مدارك الأحكام الشّرعيّة ، وإن كان الشّرع لا يثبت به ابتداءً ، وكذلك التّحرّي مدرك من مدارك التّوصّل إلى أداء العبادات ، وإن كانت العبادة لا تثبت به ابتداءً . الاستنباط : 4 - وهو استخراج العلّة أو الحكم إذا لم يكونا منصوصين ، بنوع من الاجتهاد . ( أهليّة الاجتهاد ) : 5 - اشترط الأصوليّون في المجتهد أن يكون مسلماً صحيح الفهم عالماً بمصادر الأحكام ، من كتاب وسنّة وإجماع وقياس ، وبالنّاسخ منها والمنسوخ ، عالماً باللّغة العربيّة نحوها وصرفها وبلاغتها ، عالماً بأصول الفقه . والمراد بمعرفة الكتاب معرفة آيات الأحكام ، وليس المراد حفظها بل معرفة مواقعها بحيث يستطيع الوصول إليها بيسر وسهولة ، ويستطيع معرفة معانيها كذلك . والمراد بمعرفة السّنّة معرفة ما ورد من الأحاديث في الأحكام ، وليس المراد حفظها ، وإنّما يكفي أن يكون لديه أصل جامع لغالبيّة أحاديث الأحكام يستطيع أن يتعرّف فيه بيسر وسهولة ، مواقع كلّ باب منها ليرجع إليه عند الحاجة ، ولا بدّ أن يعرف المقبول منها من المردود . واشترطت معرفته بالنّاسخ والمنسوخ ، لئلاّ يفتي بما هو منسوخ . واشترطت معرفته بالعربيّة لكي يتمكّن من فهم القرآن والسّنّة على وجههما الصّحيح ، لأنّهما وردا بلسان العرب ، وجريا على أساليب كلامهم . واشترطت معرفته بأصول الفقه لكي لا يخرج في استنباطه للأحكام ، وفي التّرجيح عند التّعارض ، عن القواعد الصّحيحة لذلك . وهذه الشّروط إنّما هي للمجتهد المطلق المتصدّي للاجتهاد في جميع مسائل الفقه . درجات الاجتهاد : 6 - الاجتهاد قد يكون مطلقاً كاجتهاد الأئمّة الأربعة وقد يكون غير مطلق وفي درجاته تفصيل موطنه الملحق الأصوليّ . صفة الاجتهاد بالاستعمال الأصوليّ ( حكمه التّكليفيّ ) 7 - الاجتهاد فرض كفاية إذ لا بدّ للمسلمين من استخراج الأحكام لما يحدث من الأمور . ويتعيّن الإجهاد على من هو أهله إن سئل عن حادثة وقعت فعلاً ، ولم يكن غيره ، وضاق الوقت بحيث يخاف من وقعت به فواتها ، إن لم يجتهد من هو أهل لتحصيل الحكم فيها . وقيل : يتعيّن أيضاً إذا وقعت الحادثة بالمجتهد نفسه وكان لديه الوقت للاجتهاد فيها . وهذا رأي الباقلاّنيّ والآمديّ وأكثر الفقهاء . وقال غيرهم : يجوز له التّقليد مطلقاً ، وقال : آخرون يجوز في أحوال معيّنة . وتفصيل ما يتّصل بالاجتهاد موطنه الملحق الأصوليّ . صفة الاجتهاد بالاستعمال الفقهيّ ( حكمه التّكليفيّ ) 8 - يذكر الفقهاء نوعاً آخر من الاجتهاد ، سوى الاجتهاد في الأدلّة الشّرعيّة ، يحتاج إليه المسلم في القيام بالعبادات ، عند حصول الاشتباه . فمن ذلك أن يجتهد في تحديد القبلة لأجل استقبالها في صلاته ، وذلك عندما لا يجد من يخبره بالجهة ، فيستدلّ عليها بأدلّتها المعتبرة شرعاً ، كمواقع النّجوم ، ومطالع الشّمس والقمر ، واتّجاه الرّيح وغير ذلك . ويذكره الفقهاء في مباحث استقبال القبلة في مقدّمات الصّلاة . ومن ذلك الاجتهاد عند اشتباه ثياب طاهرة بثياب نجسة لم يجد غيرها ، أو ماء طهور بماء نجس لم يجد غيرهما ، ويذكر الفقهاء ذلك في مباحث شرط إزالة النّجاسة في مقدّمات الصّلاة كذلك . ومنه أيضاً اجتهاد من حبس في مكان لا يعرف فيه دخول وقت الصّلاة ، أو وقت الصّوم ، ويذكر الفقهاء ذلك في مبحث معرفة دخول الشّهر من أبواب الصّوم . أجر التّعريف 1 - الأجر في اللّغة مصدر أجره يأجره ويأجره إذا أثابه وأعطاه جزاء عمله . ويكون الأجر أيضاً اسماً للعوض المعطى عن العمل . ومنه ما يعطيه اللّه العبد جزاء عمله الصّالح في الدّنيا من مال أو ذكر حسن أو ولد أو غير ذلك ، قال اللّه تعالى { وآتيناه أجره في الدّنيا } ، وما يعطيه في الآخرة من النّعيم ، ومنه قوله تعالى : { والشّهداء عند ربّهم لهم أجرهم ونورهم } وقوله : { وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة } ، وكذلك ما يعطيه العباد بعضهم بعضاً من العوض عن أعمالهم يسمّى أجراً ، قال اللّه تعالى : { فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ } وسمّى القرآن مهر المرأة أجراً ، كما في قوله تعالى : { يا أيّها النّبيّ إنّا أحللنا لك أزواجك اللاّتي آتيت أجورهنّ } . والأجر عند الفقهاء بمعنى العوض عن العمل ، سواء أكان من اللّه أم من العباد ، مع العلم بأنّ الأجر من اللّه تفضّل منه وبمعنى بدل المنفعة سواء أكانت منفعة عقار كسكنى دار ، أو منفعة منقول كركوب سيّارة . ونقل أبو البقاء في الكلّيّات عن بعضهم : « الأجر يقال فيما كان عقداً وما يجري مجرى العقد ، ولا يكون إلاّ في النّفع » . ( مواطن البحث ) 2 - يذكر الفقهاء مسائل الأجر على العمل والمنفعة ضمن مباحث الإجارة ، والأجرة فليرجع إليها . أجر المثل انظر : إجارة . أجرد التّعريف 1 - الرّجل الأجرد لغةً هو من لا شعر على جسده . والمرأة جرداء . وفي اصطلاح الفقهاء : الأجرد الّذي ليس على وجهه شعر وقد مضى أوان طلوع لحيته ، أمّا قبل ذلك فهو أمرد . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - أثبت العلماء لمن قارب البلوغ من الفتيان ولم ينبت شعر وجهه - وهو الّذي يسمّى الأمرد - أثبتوا له ، إذا كان صبيح الوجه ، بعض الأحكام الخاصّة ، على اختلاف بينهم فيها ، صيانةً له ودرءاً للفتنة به . من ذلك أنّهم رأوا تحريم النّظر إليه بشهوة ، والخلوة به ، ومسّه ، أو كراهة ذلك ( ر : أمرد ) ثمّ إن لم ينبت شعره بعد أوانه ، وهو الّذي يسمّى الأجرد ، فقد صرّح بعضهم في مثل ذلك بعدم انطباق أحكام الأمرد عليه ، كما نقل ابن عابدين عن بعض من كره إمامة الأمرد أنّه لم يكره الصّلاة خلف من تجاوز حدّ الإنبات ولم ينبت عذاره . ولم نجد لغير الحنفيّة نصّاً في ذلك . أجرة التّعريف 1 - الأجر لغةً وشرعاً : بدل المنفعة ، وهي ما يعطاه الأجير في مقابلة العمل ، وما يعطاه صاحب العين مقابل الانتفاع بها . وتسمّى الأجرة الأجر والكراء والكروة ( بكسر الكاف ) وفي القاموس : « النّول جعل السّفينة " وفي اللّسان : « الآجرة والإجارة والإجارة ما أعطيت من أجر " وجمعها أجر ، كغرف . ويجوز جمعها على " أجرات " بضمّ الجيم وفتحها . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - يجوز أن يكون بدل المنفعة في الإجارة ما جاز أن يكون ثمناً من عرض أو منفعة أخرى أو نقد حالّ أو مؤجّل . وما لا يصلح أن يكون ثمناً قد يصلح أن يكون أجرةً كالمنفعة ، ولا يصلح في ذلك الخمر والخنزير ونحوهما إلاّ للذّمّيّين . ويجب أن تكون معلومةً للمتعاقدين بإشارة أو تعيين أو بيان ، فلا يصحّ العقد بأجرة مجهولة ، ولا يصحّ بأجرة هي جزء من المعمول أو بعض النّاتج من العمل ، كمن يستأجر من يسلخ شاةً بجلدها . ويجوز تسعير الأجور في بعض الأحوال . وفي كثير ممّا ذكرناه خلاف وتفصيل يرجع إليه تحت عنوان ( إجارة ) . ( مواطن البحث ) 3 - يتعرّض الفقهاء لمسائل الأجرة ضمن مباحث الإجارة . ويتعرّضون لأخذ الأجرة على فعل القربات ضمن مباحث الأذان والحجّ والجهاد ، ولأخذها على القسمة ضمن مباحث القسمة ، ولأخذ الرّهن أو الكفيل بالأجرة ضمن مباحث الرّهن والكفالة ، ولتسعيرها ضمن مسائل التّسعير ، من البيوع ، ولجعل الأجرة منفعةً مماثلةً ضمن مسائل الرّبا ، وبعض مباحث الوقف . أجرة المثل انظر : إجارة . إجزاء التّعريف 1 - الإجزاء في اللّغة الكفاية والإغناء . وهو شرعاً : إغناء الفعل عن المطلوب ولو من غير زيادة عليه . ( الألفاظ ذات الصّلة ) الجواز 2 - يفترق الإجزاء عن الجواز بأنّ الإجزاء يكون بأداء المطلوب ولو دون زيادة كما ذكر . أمّا الجواز فإنّه يطلق على ما لا يمتنع شرعاً . الحلّ : كما يفترق الإجزاء عن الحلّ بأنّ الأجزاء قد يكون مع الشّوائب ، أمّا الحلّ ، فهو الإجزاء الخالص من كلّ شائبة ، ولذلك فإنّ الكراهة قد تجامع الإجزاء ، ولكنّها لا تجامع الحلّ في بعض الإطلاقات . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث : 3 - يكون التّصرّف مجزئاً إذا استجمع شرائطه وأركانه وواجباته أيضاً عند الحنابلة فيجزئ في الوضوء الإتيان بفرائضه دون سننه ومستحبّاته . ويجزئ في الطّهارة بالماء التّطهّر بأحد المياه السّبعة وإن كان الماء الّذي جرى التّطهّر به مملوكاً للغير ، عند الجمهور . كما هو مذكور في باب الوضوء من كتب الفقه . ونحو ذلك كثير تجده في أبوابه من كتب الفقه . نهاية الجزء الأول / الموسوعة الفقهية |
الموسوعة الفقهية / الجزء الثاني أجل التّعريف 1 - أجل الشّيء لغةً : مدّته ووقته الّذي يحلّ فيه ، وهو مصدر أجل الشّيء أجلاً من باب تعب ، وأجّلته تأجيلاً جعلت له أجلاً ، والآجل - على وزن فاعل - خلاف العاجل . إطلاقات الأجل في كتاب اللّه تعالى : 2 - ورد إطلاق الأجل على أمور : أ - على نهاية الحياة : قال اللّه تعالى : { ولكلّ أمّة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون } . ب - وعلى نهاية المدّة المضروبة أجلاً لانتهاء التزام أو لأدائه . قال اللّه تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمًّى فاكتبوه } . ج - وعلى المدّة أو الزّمن . قال جلّ شأنه : { ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمًّى } . الأجل في اصطلاح الفقهاء 3 - الأجل هو المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها أمر من الأمور ، سواء كانت هذه الإضافة أجلاً للوفاء بالتزام ، أو أجلاً لإنهاء التزام ، وسواء كانت هذه المدّة مقرّرةً بالشّرع ، أو بالقضاء ، أو بإرادة الملتزم فرداً أو أكثر . وهذا التّعريف يشمل : أوّلاً : الأجل الشّرعيّ ، وهو المدّة المستقبلة الّتي حدّدها المشرّع الحكيم سبباً لحكم شرعيّ ، كالعدّة . ثانياً : الأجل القضائيّ : وهو المدّة المستقبلة الّتي يحدّدها القضاء أجلاً لأمر من الأمور كإحضار الخصم ، أو البيّنة . ثالثاً : الأجل الاتّفاقيّ ، وهو المدّة المستقبلة الّتي يحدّدها الملتزم موعداً للوفاء بالتزامه ( أجل الإضافة ) ، أو لإنهاء تنفيذ هذا الالتزام ( أجل التّوقيت ) سواء كان ذلك فيما يتمّ من التّصرّفات بإرادة منفردة أو بإرادتين . خصائص الأجل : 4 - أ - ( الأجل هو زمن مستقبل ) ب - الأجل هو أمر محقّق الوقوع . وتلك خاصّيّة الزّمن ، وفي تحقيق ذلك يقول الكمال بن الهمام : « إنّه يترتّب على الإضافة تأخير الحكم المسبّب إلى وجود الوقت المعيّن الّذي هو كائن لا محالة ، إذ الزّمان من لوازم الوجود الخارجيّ ، فالإضافة إليه إضافة إلى ما قطع بوجوده » . ج - الأجل أمر زائد على أصل التّصرّف . وذلك يحقّقه أنّ التّصرّفات قد تتمّ منجّزةً ، وتترتّب أحكامها عليها فور صدور التّصرّف ، ولا يلحقها تأجيل ، وقد يلحقها الأجل ، كتأجيل الدّين ، أو العين أو تأجيل تنفيذ آثار العقد ( فيما يصحّ فيه ذلك ) قال السّرخسيّ والكاسانيّ ما حاصله : إنّ الأجل يعتبر أمراً لا يقتضيه العقد ، وإنّما شرع رعايةً للمدين على خلاف القياس . ( الألفاظ ذات الصّلة ) التّعليق 5 - هو لغةً : ربط أمر بآخر . واصطلاحاً : أن يربط أثر تصرّف بوجود أمر معدوم . والفرق بين التّعليق والأجل أنّ التّعليق يمنع المعلّق عن أن يكون سبباً للحكم في الحال ، أمّا الأجل فلا صلة له بالسّبب وإنّما هو لبيان زمن فعل التّصرّف . ( الإضافة ) 6 - هي لغةً : نسبة الشّيء إلى الشّيء مطلقاً . واصطلاحاً : تأخير أمر التّصرّف عن وقت التّكلّم إلى زمن مستقبل يحدّده المتصرّف بغير أداة شرط . والفرق بين الإضافة والأجل أنّ الإضافة فيها تصرّف وأجل ، في حين أنّ الأجل قد يخلو من إيقاع تصرّف . ففي كلّ إضافة أجل . التّوقيت : 7 - هو لغةً : تقدير زمن الشّيء . واصطلاحاً ثبوت الشّيء في الحال وانتهاؤه في وقت معيّن . فالفرق بينه وبين الأجل أنّ الأجل وقت مضروب محدود في المستقبل . ( المدّة ) : 8 - باستقصاء ما يوجد في الفقه الإسلاميّ نجد أنّ للمدّة المستقبلة استعمالات أربعةً : هي مدّة الإضافة ، ومدّة التّوقيت ، ومدّة التّنجيم ، ومدّة الاستعجال . وبيانها فيما يلي : مدّة الإضافة : 9 - وهي المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها ابتداءً تنفيذ آثار العقد ، أو تسليم العين ، أو تسليم الثّمن ( للدّين ) . فمثال الأوّل : ما إذا قال : « إذا جاء عيد الأضحى فقد وكّلتك في شراء أضحيّة لي " فقد أضاف عقد الوكالة إلى زمن مستقبل ، وقد صرّح جمهور الفقهاء بصحّة ذلك . ومثال الثّاني : ما جاء في السّلم ، من إضافة العين المسلم فيها إلى زمن معلوم لقوله صلى الله عليه وسلم : « من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم » . ومثال الثّالث : ما إذا باع بثمن مؤجّل فإنّه يصحّ ؛ لقوله تعالى : « يا أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمًّى فاكتبوه » . ( مدّة التّوقيت ) 10 - وهي المدّة المستقبلة الّتي يستمرّ فيها تنفيذ الالتزام حتّى انقضائها ، وذلك كما في العقود المؤقّتة ، كما في الإجارة ، فإنّها لا تصحّ إلاّ على مدّة معلومة ، أو على عمل معيّن يتمّ في زمن ، وبانتهائها ينتهي عقد الإجارة ومدّة عقد الإجارة تعتبر أجلاً . مصداق ذلك قوله تعالى { قال إنّي أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشقّ عليك ستجدني إن شاء اللّه من الصّالحين . قال ذلك بيني وبينك أيّما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ واللّه على ما نقول وكيل . } كما أنّ اللّغة العربيّة تجعل " التّأجيل تحديد الوقت " " والتّوقيت تحديد الأوقات ، يقال : وقّته ليوم كذا توقيتاً مثل أجّل » . مدّة التّنجيم : 11 - جاء في مختار الصّحّاح : النّجم لغةً الوقت المضروب ، ومنه سمّي المنجّم ، ويقال : نجّم المال تنجيماً إذا أدّاه نجوماً ( أقساطاً ) ، والتّنجيم اصطلاحاً هو " التّأخير لأجل معلوم ، نجماً أو نجمين " أو هو " المال المؤجّل بأجلين فصاعداً ، يعلم قسط كلّ نجم ومدّته من شهر أو سنة أو نحوهما " فالتّنجيم نوع من الأجل يرد على الدّين المؤجّل فيوجب استحقاق بعضه عند زمن مستقبل معيّن ، ثمّ يليه البعض الآخر لزمن آخر معلوم يلي الزّمن الأوّل وهكذا . ومن بين ما برز فيه التّنجيم : أ - دين الكتابة : فقد اتّفق الفقهاء على جواز تنجيم مال الكتابة . ( والمراد بالكتابة اتّفاق السّيّد وعبده على مال ينال العبد نظيره حرّيّة التّصرّف في الحال ، والرّقبة في المال ، بعد أداء المال ) ، واختلفوا في لزوم ذلك ، فيرى المالكيّة على الرّاجح ، والشّافعيّة والحنابلة أنّ الكتابة لا تكون إلاّ بمال مؤجّل منجّم ، وسيأتي التّعرّض لذلك في الدّيون المؤجّلة . والفقه الإسلاميّ يجعل التّنجيم نوعاً من الأجل . ب - الدّية في القتل شبه العمد والخطأ : تجب الدّية في القتل شبه العمد والخطأ على العاقلة مؤجّلةً منجّمةً على ثلاث سنوات في كلّ سنة ثلث الدّية ، وهذا ما صرّح به فقهاء الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . ج - الأجرة : جاء في المغني أنّه " إذا شرط تأجيل الأجر فهو إلى أجله ، وإن شرطه منجّماً يوماً يوماً ، أو شهراً شهراً ، أو أقلّ من ذلك أو أكثر ، فهو على ما اتّفقا عليه ؛ لأنّ إجارة العين كبيعها ، وبيعها يصحّ بثمن حالّ أو مؤجّل ، فكذلك إجارتها » . ( مدّة الاستعجال ) : 12 - المراد بها : الوقت الّذي يقصد بذكره في العقد استعجال آثار العقد ، وذكر الوقت للاستعجال تعرّض له الفقهاء في الإجارة ، فقالوا إنّ الإجارة على ضربين . أحدهما : أن يعقدها على مدّة . والثّاني : أن يعقدها على عمل معلوم ، ومتى تقدّرت المدّة لم يجز تقدير العمل عند أبي حنيفة والشّافعيّة والحنابلة ؛ لأنّ الجمع بينهما يزيد الإجارة غرراً ؛ لأنّه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدّة . فإن استعمل في بقيّة المدّة فقد زاد على ما وقع عليه العقد ، وإن لم يعمل كان تاركاً للعمل في بعض المدّة ، وقد لا يفرغ من العمل في المدّة ، فإن أتمّه عمل في غير المدّة ، وإن لم يعمله لم يأت بما وقع عليه العقد ، وهذا غرر ، أمكن التّحرّز عنه ، ولم يوجد مثله في محلّ الوفاق ، فلم يجز العقد معه . ويرى أبو يوسف ومحمّد ، وهو مرويّ عن الإمام أحمد أنّه تجوز الإجارة هنا ؛ لأنّ الإجارة معقودة على العمل ، والمدّة مذكورة للتّعجيل فلا يمتنع ذلك . فعلى هذا إذا فرغ من العمل قبل انقضاء المدّة لم يلزمه شيء آخر ، كما لو قضى الدّين قبل أجله ، وإن مضت المدّة قبل العمل فللمستأجر فسخ الإجارة ؛ لأنّ الأجير لم يف له بشرطه ، وإن رضي بالبقاء عليه لم يملك الأجير الفسخ ؛ لأنّ الإخلال بالشّرط منه ، فلا يكون ذلك وسيلةً إلى الفسخ ، كما لو تعذّر أداء المسلم فيه في وقته فيملك المسلم إليه الفسخ . ويملكه المسلم ، فإن اختار إمضاء العقد طالبه بالعمل لا غير ، كالمسلم إذا صبر عند تعذّر المسلم فيه إلى حين وجوده لم يكن له أكثر من المسلم فيه ، وإن فسخ العقد قبل عمل شيء من العمل سقط الأجر والعمل ، وإن كان بعد عمل شيء منه فله أجر مثله ؛ لأنّ العقد قد انفسخ فسقط المسمّى ، ورجع إلى أجل المثل . تقسيمات الأجل باعتبار مصدره ينقسم الأجل باعتبار مصدره إلى ثلاثة أقسام : أجل شرعيّ ، وأجل قضائيّ ، وأجل اتّفاقيّ . ونتناول فيما يلي التّعريف بكلّ قسم ، وذكر ما يندرج تحته من أنواع . جاعلين لكلّ قسم فصلاً مستقلّاً . الفصل الأوّل الأجل الشّرعيّ الأجل الشّرعيّ : هو المدّة الّتي حدّدها الشّرع الحكيم سبباً لحكم شرعيّ . ويندرج تحت هذا النّوع الآجال الآتية : ( مدّة الحمل ) 13 - مدّة الحمل هي الزّمن الّذي يمكثه الجنين في بطن أمّه ، وقد بيّن الفقه الإسلاميّ أقلّ مدّة الحمل وأكثره ، وقد استنبطت هذه المدّة ممّا ورد في القرآن الكريم ، وذلك لما روى الأثرم بإسناده عن أبي الأسود أنّه : رفع إلى عمر أنّ امرأةً ولدت لستّة أشهر ، فهمّ عمر برجمها ، فقال له عليّ : ليس لك ذلك ، قال اللّه تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين } وقال تعالى : { وحمله وفصاله ثلاثون شهراً } فحولان وستّة أشهر ثلاثون شهراً ، لا رجم عليها . فخلّى عمر سبيلها ، وولدت مرّةً أخرى لذلك الحدّ . كما بيّن الفقه الإسلاميّ أكثر مدّة الحمل ، فيرى جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في أصحّ الرّوايتين ) أنّها أربع سنوات . وفي رأي للمالكيّة أنّها خمس سنوات ، ويرى الحنفيّة ، وهو رواية في مذهب الحنابلة ، أنّها سنتان . وقد جاء في مغني المحتاج أنّ أكثر مدّة الحمل دليله الاستقراء ، وحكي عن مالك أنّه قال : « جارتنا امرأة محمّد بن عجلان ، امرأة صدق ، وزوجها رجل صدق ، حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنةً ، تحمل كلّ بطن أربع سنين » . وقد روي هذا عن غير المرأة المذكورة ، وقيل إنّ أبا حنيفة حملت أمّه به ثلاث سنين وفي صحّته كما قال ابن شيبة نظر ؛ لأنّ مذهبه أنّ أكثر مدّة الحمل سنتان ، فكيف يخالف ما وقع في نفسه ؟ " قال ابن عبد السّلام : وهذا مشكل مع كثرة الفساد في هذا الزّمان » . مدّة الهدنة : 14 - يرى الحنفيّة والمالكيّة وهو ظاهر الرّواية عن الإمام أحمد أنّه يجوز موادعة أهل الحرب عشر سنين ، كما « وادع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أهل مكّة » . ويجوز أن تكون المدّة أقلّ من ذلك أو أكثر أو دون تحديد ، ما دامت مصلحة المسلمين في ذلك . أمّا إذا لم تكن مصلحة المسلمين في ذلك فلا يجوز ، لقوله تعالى : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السّلم وأنتم الأعلون } . ويرى الإمام الشّافعيّ وهو رواية أخرى عند الحنابلة أنّه لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين ، استناداً إلى ما يروى عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية . فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فالهدنة منتقضة ؛ لأنّ الأصل فرض قتال المشركين حتّى يؤمنوا أو يعطوا الجزية . والتّفصيلات في مصطلح ( هدنة ) . مدّة تعريف اللّقطة : 15 - مدّة تعريفها ثبتت بالشّرع ، والأصل فيها ما روي عن زيد بن خالد بن زيد الجهنيّ صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن اللّقطة الذّهب أو الورق فقال : اعرف وكاءها وعفاصها ، ثمّ عرّفها سنةً . فإن جاء طالبها يوماً من الدّهر فأدّها إليه . وسأله عن ضالّة الإبل ، فقال : مالك ولها ؟ دعها ، فإنّ معها حذاءها وسقاءها ، ترد الماء وتأكل الشّجر ، حتّى يجدها ربّها . وسأله عن الشّاة فقال : خذها فإنّما هي لك ، أو لأخيك أو للذّئب » . رواه مسلم . وللفقهاء في الزّيادة عن هذه المدّة أو النّقص منها حسب أهمّيّة المال أقوال يرجع إليها في مصطلح ( لقطة ) . مدّة وجوب الزّكاة : 16 - روى أبو عبد اللّه بن ماجه في السّنن بإسناده عن عمر عن عائشة قالت : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « لا زكاة في مال حتّى يحول عليه الحول » وقد اعتبر الحول في زكاة السّوائم ، والأثمان ( الذّهب والفضّة ) وقيم عروض التّجارة . وأمّا الزّروع والثّمار والمعدن فإنّه لا يعتبر فيها الحول . ( مدّة تأجيل العنّين ) : 17 - إذا ثبتت عنّة الزّوج ضرب القاضي له سنةً كما فعل عمر رضي الله عنه ، رواه الشّافعيّ والبيهقيّ وغيرهما ، وروي أيضاً عن عليّ وابن مسعود وعثمان والمغيرة بن شعبة ، وقال في النّهاية : أجمع المسلمون على اتّباع قضاء عمر رضي الله عنه في قاعدة الباب . والمعنى فيه مضيّ الفصول الأربعة ؛ لأنّ تعذّر الجماع قد يكون لعارض حرارة فتزول في الشّتاء . أو برودة فتزول في الصّيف ، أو يبوسة فتزول في الرّبيع ، أو رطوبة فتزول في الخريف . فإذا مضت السّنة ، ولا إصابة ، علمنا أنّه عجز خلقيّ . مدّة الإمهال في الإيلاء : 18 - إذا آلى الرّجل من زوجته أمهل وجوباً أربعة أشهر ، لقوله تعالى { للّذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر فإن فاءوا فإنّ اللّه غفور رحيم } . فإن وطئها في الأربعة الأشهر حنث في يمينه ولزمته الكفّارة ، وسقط الإيلاء بالإجماع ، وإن لم يقربها حتّى مضت الأربعة أشهر بانت منه بتطليقة عند الحنفيّة ، وهو قول ابن مسعود ، ويرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو ثور أنّه إذا انقضت هذه المدّة يخيّر المولى بين الفيئة والتّكفير ، وبين الطّلاق للمحلوف عليها ، وهو قول عليّ وابن عمر . مدّة الرّضاع 19 - يرى جمهور الفقهاء : المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ، أنّ مدّة الرّضاع الّتي إذا وقع الرّضاع فيها تعلّق به التّحريم سنتان ، لقوله تعالى : { وحمله وفصاله ثلاثون شهراً } ومدّة الحمل أدناها ستّة أشهر ، فبقي للفصال حولان . وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس : قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا رضاع إلاّ ما كان في الحولين » رواه الدّارقطنيّ ، وظاهر " أنّ المراد نفي الأحكام ، وقال : لم يسنده عن ابن عيينة إلاّ الهيثم بن جميل ، وهو ثقة حافظ " ويرى أبو حنيفة أنّ مدّة الرّضاع ثلاثون شهراً ؛ لقوله تعالى { وحمله وفصاله ثلاثون شهراً } ووجهه أنّ اللّه سبحانه وتعالى ذكر شيئين وضرب لهما مدّةً ، فكانت تلك المدّة لكلّ واحد منهما بكمالها ، كالأجل المضروب للدّينين على شخصين ، بأن قال أجّلت الدّين الّذي لي على فلان ، والدّين الّذي لي على فلان سنةً ، فإنّه يفهم منه أنّ السّنة بكمالها لكلّ ، وكالأجل المضروب للدّينين على شخص ، مثل أن يقول : لفلان عليّ ألف درهم وعشرة أقفزة إلى سنة ، فصدّقه المقرّ له في الأجل ، فإذا مضت السّنة يتمّ أجلهما جميعاً ، إلاّ أنّه قام المنقّص في أحدهما ، يعني في مدّة الحمل ، وهو قول عائشة رضي الله عنها الولد لا يبقى في بطن أمّه أكثر من سنتين ولو بقدر فلكة مغزل " وفي رواية " ولو بقدر ظلّ مغزل ومثله ممّا لا يقال إلاّ سماعاً ؛ لأنّ المقدّرات لا يهتدي إليها العقل . وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الولد لا يبقى في بطن أمّه أكثر من سنتين » فتبقى مدّة الفصال على ظاهرها . ويرى زفر أنّ مدّة الرّضاع ثلاثة أحوال ، وذلك لأنّه لا بدّ للصّبيّ من مدّة يتعوّد فيها غذاءً آخر غير اللّبن ، لينقطع الإنبات باللّبن ، وذلك بزيادة مدّة يتعوّد فيها الصّبيّ تغيّر الغذاء ، والحول حسن للتّحوّل من حال إلى حال ، لاشتماله على الفصول الأربعة ، فقدّر بثلاثة أحوال . أجل العدّة 20 - العدّة أجل ضربه الشّرع للمطلّقة أو المتوفّى عنها زوجها أو من فسخ نكاحها . فالحامل في كلّ ما ذكر عدّتها وضع الحمل . والمتوفّى عنها زوجها - ما لم تكن حاملاً - عدّتها أربعة أشهر وعشر ، سواء كانت مدخولاً بها أم لا . والمطلّقة المدخول بها غير الحامل والآيسة والصّغيرة ثلاثة أقراء ، على الخلاف بين الفقهاء في تفسير القرء أهو الطّهر أم الحيض ، وعدّة الصّغيرة الّتي لم تحض والآيسة ثلاثة أشهر . وتفصيل ذلك في مصطلح ( عدّة ) . مدّة خيار الشّرط ) : 21 - يرى جمهور الفقهاء جواز خيار الشّرط واختلفوا في تحديد هذه المدّة ، فيرى أبو حنيفة وزفر والشّافعيّة أنّه يجوز خيار الشّرط في البيع للبائع أو المشتري ، أو لهما ، ثلاثة أيّام فما دونها ، والأصل فيه ما روي « أنّ حبّان بن منقذ بن عمرو الأنصاريّ رضي الله عنه كان يغبن في البياعات ، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إذا بايعت فقل : لا خلابة ، ولي الخيار ثلاثة أيّام . » ويرى أبو يوسف ومحمّد وابن المنذر والحنابلة أنّه يجوز إذا سمّى مدّةً معلومةً وإن طالت . وحكي ذلك عن الحسن بن صالح وابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور . واستدلّوا بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه أجاز البيع إلى شهرين ، وأنّ الخيار حقّ يعتمد على الشّرط ، فرجع في تقديره إلى مشترطه ، كالأجل ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : « المسلمون عند شروطهم » . ولأنّ الخيار إنّما شرع للحاجة إلى التّروّي ليندفع الغبن ، وقد تمسّ الحاجة إلى أكثر من ثلاثة أيّام ، كالتّأجيل في الثّمن ، فإنّ الأجل شرع للحاجة إلى التّأخير ، مخالفاً لمقتضى العقد ، ثمّ جاز أيّ مقدار تراضيا عليه . ويرى المالكيّة أنّ مدّة الخيار تختلف باختلاف السّلع ، فإنّ القصد ما تختبر فيه تلك السّلعة ، وذلك يختلف باختلاف السّلع بقدر الحاجة ، ويضرب من الأجل أقلّ ما يمكن ؛ تقليلاً للغرر ، كشهر في دار ، وكثلاث في دابّة . وإذا كانت المدّة المشترطة مجهولةً ، كما إذا شرط الخيار أبداً ، أو متى شاء ، أو قال أحدهما : ولي الخيار ، ولم يذكر مدّته ، أو شرطاه إلى مدّة مجهولة كقدوم زيد ، أو نزول المطر ، أو مشاورة إنسان ، ونحو ذلك ، لم يصحّ في الصّحيح من مذهب الحنابلة ومذهب الشّافعيّة . وروي عن أحمد أنّه يصحّ ، وهما على خيارهما أبداً أو يقطعاه ، أو تنتهي مدّته إن كان مشروطاً إلى مدّة ، وهو قول ابن شبرمة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « المسلمون عند شروطهم » . وقال مالك : يصحّ ، ويضرب لهما مدّة يختبر المبيع في مثلها في العادة ، لأنّ ذلك مقرّر في العادة " ، وقال أبو حنيفة : إن أسقطا الشّرط قبل مضيّ الثّلاث ، أو حذف الزّائد عليها وبيّنّا مدّته ، صحّ ؛ لأنّهما حذفا المفسد قبل اتّصاله بالعقد ، فوجب أن يصحّ كما لو لم يشترطاه . مدّة الحيض : 22 - أقلّ مدّة الحيض يوم وليلة عند الشّافعيّة والحنابلة ، وأكثرها خمسة عشر يوماً بلياليها ، وذلك لأنّه ورد في الشّرع مطلقاً دون تحديد ، ولا حدّ له في اللّغة ولا في الشّريعة ، فيجب الرّجوع فيه إلى العرف والعادة ، كما في القبض والإحراز والتّفرّق وأشباهها . وقد وجد حيض معتاد يوماً . قال عطاء : رأيت من النّساء من تحيض يوماً وتحيض خمسة عشر . ويرى الحنفيّة أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيّام ولياليها ، وما نقص عن ذلك فهو استحاضة ، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : « أقلّ حيض الجارية البكر والثّيّب ثلاثة أيّام ، وأكثر ما يكون عشرة أيّام ، فإذا زاد فهي مستحاضة » ، وعن أبي يوسف أنّه يومان والأكثر من الثّالث ، إقامةً للأكثر مقام الكلّ ، وأكثر الحيض عشرة أيّام ولياليها ، والزّائد استحاضة . ويرى المالكيّة أنّه لا حدّ لأقلّ الحيض بالزّمان ، وأكثره لمبتدأة غير حامل تمادى بها نصف شهر ، وأكثره لمعتادة غير حامل سبق لها حيض ولو مرّةً ثلاثة أيّام زيادةً على أكثر عادتها أيّاماً لا وقوعاً . وفي ذلك تفصيل موطنه مصطلح ( حيض ) . مدّة الطّهر 23 - يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والثّوريّ أنّ أقلّ الطّهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً ، واستدلّ الحنفيّة على ذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أقلّ الحيض ثلاثة ، وأكثره عشرة أيّام ، وأقلّ ما بين الحيضتين خمسة عشر يوماً » منقول عن إبراهيم النّخعيّ ، وقد قيل : أجمعت الصّحابة عليه ؛ ولأنّه مدّة اللّزوم ، فكان كمدّة الإقامة . واستدلّ الشّافعيّة على ذلك بأنّ الشّهر غالباً لا يخلو عن حيض وطهر ، وإذا كان أكثر الحيض - على رأيهم - خمسة عشر يوماً لزم أن يكون أقلّ الطّهر كذلك ، ولا حدّ لأكثر الطّهر بالإجماع ، فقد لا تحيض المرأة في عمرها إلاّ مرّةً ، وقد لا تحيض أصلاً . ويرى الحنابلة أنّ أقلّ الطّهر بين الحيضتين ثلاثة عشر ، لما روي عن عليّ : « أنّ امرأةً جاءته ، وقد طلّقها زوجها ، فزعمت أنّها حاضت في شهر ثلاث حيض ، طهرت عند كلّ قرء وصلّت . فقال عليّ لشريح : قل فيها . فقال شريح : إن جاءت ببيّنة من بطانة أهلها ، ممّن يرضى دينه وأمانته ، فشهدت بذلك ، وإلاّ فهي كاذبة . فقال عليّ : قالون " أي جيّد ، بالرّوميّة . رواه الإمام أحمد بإسناده . وهذا لا يقوله إلاّ توقيفاً ، ولأنّه قول صحابيّ انتشر ، ولم يعلم خلافه . سنّ الإياس : 24 - اختلف الفقهاء في تقدير سنّ الإياس اختلافاً كبيراً : فيرى بعضهم أنّه لا تقدير لسنّ الإياس ، وإياس المرأة على هذا أن تبلغ من السّنّ ما لا يحيض فيه مثلها . فإذا بلغت هذا المبلغ ، وانقطع الدّم ، حكم بإياسها ، ويمكن أن يراد بمثلها فيما ذكر المماثلة في تركيب البدن ، والسّمن ، والهزال ، وهو رأي في مذهب الحنفيّة . ويرى بعض الفقهاء تقديره بخمسين سنةً ، وهو قول للشّافعيّة ، ورواية عن الإمام أحمد . وقال إسحاق بن راهويه : لا يكون حيض بعد الخمسين ، ويكون حكمها فيما تراه من الدّم حكم المستحاضة ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : إذا بلغت المرأة خمسين سنةً خرجت من حدّ الحيض " وروي عنها أنّها قالت : « لن ترى المرأة في بطنها ولداً بعد الخمسين . ويرى بعض الشّافعيّة ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، أنّها لا تيأس من المحيض يقيناً إلى ستّين سنةً . ويرى الشّافعيّة - على أشهر الأقوال - أنّ سنّ الإياس اثنتان وستّون سنةً . ويرى المالكيّة أنّه يتحقّق في سنّ السّبعين ، ومثله عن بعض الشّافعيّة ، وأنّها بعد الخامسة والخمسين مشكوك في يأسها ، فيرجع فيما تراه إلى النّساء لمعرفة هل هو حيض ، أو ليس بحيض ، أمّا من بلغت سنّ السّبعين فلا يسأل عنها . ( مدّة النّفاس ) : 25 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا حدّ لأقلّ النّفاس ، فأيّ وقت رأت المرأة الطّهر اغتسلت ، وهي طاهر ، واختلفوا في أكثره : فيرى جمع من العلماء أنّ أكثر النّفاس أربعون يوماً . قال أبو عيسى التّرمذيّ : أجمع أهل العلم من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على أنّ النّفساء تدع الصّلاة أربعين يوماً ، إلاّ أن ترى الطّهر قبل ذلك ، فتغتسل وتصلّي . وقال أبو عبيد : وعلى هذا جماعة النّاس ، وروي هذا عن عمر وابن عبّاس وعثمان بن أبي العاص وعبد اللّه بن عمر وأنس وأمّ سلمة رضي الله عنهم ، وبه قال الثّوريّ وإسحاق والحنفيّة والحنابلة . واستدلّوا بما روى أبو سهل كثير بن زياد عن مسّة الأزديّة عن أمّ سلمة قالت : « كانت النّفساء تجلس على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً وأربعين ليلةً . » وروى الحكم بن عتيبة عن مسّة الأزديّة عن « أمّ سلمة أنّها سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم : كم تجلس المرأة إذا ولدت ؟ قال : أربعين يوماً ، إلاّ أن ترى الطّهر قبل ذلك » رواه الدّارقطنيّ ، قال ابن قدامة : ولأنّه قول من سمّينا من الصّحابة ، ولم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم فكان إجماعاً ، وقد حكاه التّرمذيّ إجماعاً ، ونحوه حكى أبو عبيد . ويرى المالكيّة والشّافعيّة أنّ أكثره ستّون يوماً ، وحكى ابن عقيل عن أحمد بن حنبل روايةً مثل قولهما ، لأنّه روي عن الأوزاعيّ أنّه قال : عندنا امرأة ترى النّفاس شهرين ، وروي مثل ذلك عن عطاء أنّه وجده ، والمرجع في ذلك إلى الوجود ، وقال الشّافعيّة : إنّ غالبه أربعون يوماً . سنّ البلوغ : 26 - لقد جعل الشّارع البلوغ أمارةً على تكامل العقل ؛ لأنّ الاطّلاع على تكامل العقل متعذّر ، فأقيم البلوغ مقامه . وقد اختلف في سنّ البلوغ : فيرى الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ، وبرأيهما يفتى في المذهب ، والأوزاعيّ ، أنّ البلوغ بالسّنّ يكون بتمام خمس عشرة سنةً قمريّةً للذّكر والأنثى ( تحديديّة كما صرّح الشّافعيّة ) ، لخبر « ابن عمر . عرضت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنةً ، فلم يجزني ولم يرني بلغت ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنةً ، فأجازني ، ورآني بلغت » . رواه ابن حبّان ، وأصله في الصّحيحين قال الشّافعيّ : « ردّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سبعة عشر من الصّحابة وهم أبناء أربع عشرة سنةً ، لأنّه لم يرهم بلغوا ، ثمّ عرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة ، فأجازهم ، منهم زيد بن ثابت ، ورافع بن خديج ، وابن عمر » . وروي عن أنس أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا استكمل المولود خمس عشرة سنةً كتب ما له وما عليه ، وأخذت منه الحدود » . ويرى المالكيّة أنّ البلوغ يكون بتمام ثماني عشرة سنةً ، وقيل بالدّخول فيها ، أو الحلم أي الإنزال ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاث : عن الصّبيّ حتّى يحتلم . . . » ، أو الحيض لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا يقبل اللّه صلاة حائض إلاّ بخمار » ، أو الحبل للأنثى ، أو الإنبات الخشن للعانة . وقد أورد الحطّاب خمسة أقوال في المذهب ، ففي رواية ثمانية عشر وقيل سبعة عشر ، وزاد بعض شرّاح الرّسالة ستّة عشر ، وتسعة عشر ، وروى ابن وهب خمسة عشر لحديث ابن عمر . ويرى أبو حنيفة أنّ بلوغ الغلام بالسّنّ هو بلوغه ثماني عشرة سنةً ، والجارية سبع عشر سنةً . وذلك لقوله تعالى « ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالّتي هي أحسن حتّى يبلغ أشدّه » قال ابن عبّاس رضي الله عنه : ثماني عشرة سنةً وهي أقلّ ما قيل فيه ، فأخذ به احتياطاً . هذا أشدّ الصّبيّ ، والأنثى أسرع بلوغاً من الغلام فنقصناها سنةً ، ويرجع في تفصيل الأحكام إلى مصطلحي ( احتلام ) ( وبلوغ ) . مدّة المسح على الخفّ 27 - يرى الجمهور جواز المسح على الخفّ مدّة يوم وليلة للمقيم ، وثلاثة أيّام ولياليها للمسافر ، وهو رأي الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة والثّوريّ والأوزاعيّ والحسن بن صالح بن حيّ وإسحاق بن راهويه ومحمّد بن جرير الطّبريّ . قال ابن سيّد النّاس في شرح التّرمذيّ : وثبت التّوقيت عن عمر بن الخطّاب ، وعليّ بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وابن عبّاس ، وحذيفة ، والمغيرة ، وأبي زيد الأنصاريّ . هؤلاء من الصّحابة ، وروي عن جماعة من التّابعين منهم شريح القاضي ، وعطاء بن أبي رباح ، والشّعبيّ ، وعمر بن عبد العزيز . قال أبو عمر بن عبد البرّ : وأكثر التّابعين والفقهاء على ذلك . واستدلّوا بأحاديث وآثار كثيرة ، منها ما روى صفوان بن عسّال ، قال : « أمرنا - يعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم - أن نمسح على الخفّين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثةً إذا سافرنا ، ويوماً وليلةً إذا أقمنا ، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم ، ولا نخلعهما إلاّ من جنابة » . رواه أحمد وابن خزيمة . وقال الخطّابيّ : هو صحيح الإسناد ، وعن عوف بن مالك الأشجعيّ « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفّين في غزوة تبوك ثلاثة أيّام ولياليهنّ للمسافر ، ويوماً وليلةً للمقيم . » رواه أحمد ، وقال : هو أجود حديث في المسح على الخفّين ؛ لأنّه في غزوة تبوك ، وهي آخر غزاة غزاها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وهو آخر فعله . ويرى المالكيّة أنّ المسح على الخفّين غير مؤقّت ، وأنّ لابس الخفّين وهو طاهر يمسح عليهما ما بدا له ، والمسافر والمقيم في ذلك سواء ، ما لم ينزعهما ، أو تصبه جنابة . إلاّ أنّه يندب نزعه كلّ يوم جمعة ، ويستحبّ كلّ أسبوع أيضاً ، وقد استدلّ لهذا الرّأي بما روي عن أبيّ بن عمارة « أنّه قال لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أمسح على الخفّين ؟ قال : نعم قال : يوماً ، قال : ويومين ؟ قال : وثلاثة أيّام ؟ قال : نعم وما شئت » . وفي رواية « حتّى بلغ سبعاً ، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : نعم ، وما بدا لك » رواه أبو داود ، وروي ذلك عن عمر بن الخطّاب ، وعقبة بن عامر ، وعبد اللّه بن عمر ، والحسن البصريّ ، واللّيث بن سعد . كما أنّهم قاسوه على مسح الرّأس والجبيرة ، فكما أنّ المسح عليهما لا يتوقّت ، فكذلك المسح على الخفّين . |
مدّة السّفر 28 - السّفر لغةً قطع المسافة ، وليس كلّ سفر تتغيّر به الأحكام ، من جواز الإفطار ، وقصر الصّلاة الرّباعيّة ، ومسح الخفّ ، وإنّما سفر خاصّ ، حدّده الفقهاء ، وإن اختلفوا في هذا التّحديد : فيرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ طويل السّفر هو المجيز لقصر الصّلاة ، وقالوا : إنّ السّفر الطّويل هو أربعة برد فأكثر برّاً أو بحراً . وقد استدلّ أصحاب هذا الرّأي بما روي أنّ ابن عمر وابن عبّاس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد فما فوقها . ولا يعرف لهما مخالف ، وأسنده البيهقيّ بسند صحيح ، قال الخطّابيّ : ومثل هذا لا يكون إلاّ عن توقيف . وروي عن جماعة من السّلف ما يدلّ على جواز القصر في أقلّ من يوم . فقال الأوزاعيّ : كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ . وروي عن عليّ رضي الله عنه أنّه خرج من قصره بالكوفة حتّى أتى النّخيلة فصلّى بها كلّاً من الظّهر والعصر ركعتين ، ثمّ رجع من يومه ، فقال : أردت أن أعلّمكم سنّتكم . ويرى الحنفيّة أنّ السّفر الّذي تتغيّر به الأحكام أن يقصد الإنسان مسيرة ثلاثة أيّام ولياليها ، بسير الإبل ، ومشي الأقدام ، لقوله عليه السلام : « يمسح المقيم كمال يوم وليلة ، والمسافر ثلاثة أيّام ولياليها » عمّ الجنس ، ومن ضرورته عموم التّقدير ؛ ولأنّ الثّلاثة الأيّام متّفق عليها ، وليس فيما دونها توقيف ولا اتّفاق . وقدّره أبو يوسف رحمه الله بيومين وأكثر الثّالث . والسّير المذكور هو الوسط ، ويعتبر في الجبل ما يليق به ، وفي البحر اعتدال الرّياح . فينظر كم يسير في مثله ثلاثة أيّام فيجعل أصلاً » . الفصل الثّاني الأجل القضائي 29 - المراد بالأجل القضائيّ : الأجل الّذي يضربه القاضي لحضور الخصوم ، أو إحضار البيّنة ، أو إحضار الكفيل ، أو تأجيل المعسر إلى ميسرة . الحضور للتّقاضي : 30 - إنّ الأجل الّذي يضربه القاضي لحضور المتخاصمين موكول إلى تقديره وطبيعة موضوع النّزاع . وللفقهاء تفصيلات كثيرة في هذا ، هي من قبيل الأوضاع الزّمنيّة الّتي تتغيّر ، وتفصيلها في أبواب الدّعوى والقضاء من كتب الفقه . ( إحضار البيّنة ) : 31 - يرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّ للقاضي أن يمهل المدّعي ثلاثة أيّام لإحضار البيّنة ، بينما يرى المالكيّة والحنابلة أنّ ذلك موكول لاجتهاد القاضي . الفصل الثّالث الأجل الاتّفاقيّ 32 - يقصد به المدّة المستقلّة الّتي يحدّدها الملتزم للوفاء بالتزامه ، سواء أكان هذا الالتزام يقابله التزام من آخر أو لا يقابله ، أو يحدّدها لإنهاء هذا الالتزام . وينقسم هذا النّوع من الأجل إلى قسمين : أجل إضافة ، ومحلّ بيان أحكامه مصطلح ( إضافة ) وأجل توقيت ، وفيما يلي آراء الفقهاء في حكمه : اشتراط تأجيل تسليم العين في التّصرّفات النّاقلة للملكيّة : 33 - اختلف الفقهاء في صحّة اشتراط تأجيل تسليم ( العين ) إلى المنقول إليه ملكيّتها مدّةً معلومةً للانتفاع بها على رأيين : الأوّل : يرى المالكيّة والحنابلة وهو رأي مرجوح في مذهب الشّافعيّة : أنّه يجوز أن يشترط تأجيل تسليم العين إلى المدّة الّتي يحدّدها المتعاقدان ، وأن يكون المنتفع بها هو النّاقل للملكيّة ، وهذا الرّأي منقول عن الأوزاعيّ ، وابن شبرمة ، وإسحاق ، وأبي ثور . ومن أمثلته : إذا باع داراً على أن يسكنها البائع شهراً ، ثمّ يسلّمها إليه ، أو أرضاً على أن يزرعها سنةً ، أو دابّةً على أن يركبها شهراً ، أو ثوباً على أن يلبسه أسبوعاً . واستدلّ لهذا الرّأي بأنّ عموم الآيات والأحاديث تأمر بالوفاء بالعقود . قال اللّه تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا أوفوا بالعقود . . . } وقال تعالى : { وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسئولاً } وقال عليه الصلاة والسلام : « المسلمون على شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً ، أو أحلّ حراماً » ، فالآيات والأحاديث تأمر بالوفاء بكلّ عقد وشرط لا يخالف كتاب اللّه ، ولا سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم . وبخصوص ما روي عن جابر رضي الله عنه : « أنّه كان يسير على جمل قد أعيا ، فضربه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، فسار سيراً لم يسر مثله . فقال : بعنيه . فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي » . متّفق عليه . فهذا الحديث يدلّ على جواز اشتراط تأجيل تسليم المبيع فترةً ينتفع فيها البائع به ، ثمّ يسلّمه إلى المشتري . ويؤيّده أنّه صلى الله عليه وسلم « نهى عن الثّنيا أي الاستثناء إلاّ أن تعلم » وهذه معلومة ، وأكثر ما فيه تأخير تسليم المبيع مدّة معلومة ، فصحّ . الثّاني : يرى الحنفيّة ، وهو الرّاجح عند الشّافعيّة ، عدم صحّة اشتراط تأجيل تسليم العين . واستدلّوا بما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه « نهى عن بيع وشرط » ، وروي أنّ عبد اللّه بن مسعود اشترى جاريةً من امرأته زينب الثّقفيّة . وشرطت عليه أنّك إن بعتها فهي لي بالثّمن . فاستفتى عمر رضي الله عنه ، فقال : « لا تقربها » ، وفيها شرط لأحد وروي أنّ عبد اللّه بن مسعود اشترى جاريةً واشترط خدمتها ، فقال له عمر لا تقربها وفيها مثنويّة . وأمّا إذا جعل تأجيل تسليم العين لمصلحة أجنبيّ عن العقد ، كما إذا باعه بشرط أن ينتفع بها فلان « الأجنبيّ عن العقد » شهراً ، فلم ير صحّة هذا أحد من الفقهاء غير الحنابلة . المبحث الثّالث تأجيل الدّين الدّين : هو مال حكميّ يحدث في الذّمّة ببيع أو استهلاك أو غيرهما . مشروعيّة تأجيل الدّيون 34 - لقد شرع جواز تأجيل الدّيون بالكتاب والسّنّة والإجماع . أمّا الكتاب فقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمًّى فاكتبوه . . . } فهذه الآية ، وإن كانت لا تدلّ على جواز تأجيل سائر الدّيون ، إلاّ أنّها تدلّ على أنّ من الدّيون ما يكون مؤجّلاً ، وهو ما نقصده هنا من الاستدلال بها على مشروعيّة الأجل . وأمّا السّنّة فما روي عن السّيّدة عائشة رضي الله عنها : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اشترى من يهوديّ طعاماً إلى أجل ، ورهنه درعاً له من حديد » . رواه مسلم واللّفظ له . فهو يدلّ على مشروعيّة تأجيل الأثمان ، وقد أجمعت الأمّة على ذلك . حكمة قبول الدّين التّأجيل دون العين : 35 - نصّ الفقهاء على أنّ الفرق بين الأعيان والدّيون من حيث جواز التّأجيل في الثّانية دون الأولى : أنّ الأعيان معيّنة ومشاهدة ، والمعيّن حاصل وموجود ، والحاصل والموجود ليس هناك مدعاة لجواز ورود الأجل عليه . أمّا الدّيون : فهي مال حكميّ يثبت في الذّمّة ، فهي غير حاصلة ولا موجودة ، ومن ثمّ شرع جواز تأجيلها ، رفقاً بالمدين ، وتمكيناً له من اكتسابها وتحصيلها في المدّة المضروبة ، حتّى إنّ المشتري لو عيّن النّقود الّتي اشترى بها لم يصحّ تأجيلها . الدّيون من حيث جواز التّأجيل وعدمه : 36 - أوضح الفقهاء أنّ الدّيون تكون حالّةً ، وأنّه يجوز تأجيلها إذا قبل الدّائن ، واستثنى جمهور الفقهاء من هذا الأصل عدّة ديون : أ - ( رأس مال السّلم ) : 37 - وذلك لأنّ حقيقته شراء آجل ، وهو المسلم فيه ( وهو السّلعة ) ، بعاجل ، وهو رأس المال ( وهو الثّمن ) فرأس مال السّلم لا بدّ من كونه حالّاً ، عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ؛ لأنّ من شرط صحّة هذا العقد قبض رأس المال قبل انتهاء مجلس العقد ولأنّه لو تأخّر لكان في معنى بيع الدّين بالدّين ، ( إن كان رأس المال في الذّمّة ) وهو منهيّ عنه ، لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « نهى عن بيع الكالئ بالكالئ » أي النّسيئة بالنّسيئة ؛ ولأنّ في السّلم غرراً ، فلا يضمّ إليه غرر تأخير تسليم رأس المال ، فلا بدّ من حلول رأس المال ، كالصّرف ، فلو تفرّقا قبل قبض رأس المال بطل العقد . ويرى المالكيّة أنّ من شروط صحّة عقد السّلم قبض رأس المال كلّه في مجلس العقد ، ويجوز تأخير قبضه بعد العقد لمدّة لا تزيد على ثلاثة أيّام ، ولو بشرط ذلك في العقد ؛ لأنّ ما قارب الشّيء يعطى حكمه ، وهذا إذا لم يكن أجل السّلم قريباً كيومين ، وذلك فيما شرط قبضه في بلد آخر ، وإلاّ فلا يجوز تأخير هذه المدّة ؛ لأنّه عين الكالئ بالكالئ ، فيجب أن يقبض رأس المال بالمجلس أو ما يقرب منه . وفي فساد السّلم بالزّيادة على الثّلاث ( بلا شرط إن لم تكثر جدّاً - بألاّ يحلّ أجل المسلم فيه - ) وعدم فساده قولان لمالك . ب - ( بدل الصّرف ) : 38 - من شروط صحّة الصّرف تقابض الثّمنين في مجلس العقد ، أي قبل افتراق المتعاقدين بأبدانهما ، فلو اشترط الأجل فيه فسد ؛ لأنّ الأجل يمنع القبض ، وإذا لم يتحقّق القبض لم يتحقّق شرط صحّته ، وهذا ما صرّح به الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ، يداً بيد . فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد » ، أي مقابضةً . قال الرّافعيّ : ومن لوازمه الحلول . وقال ابن المنذر : أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أنّ الصّرف فاسد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الذّهب بالورق رباً إلاّ هاء وهاء » ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « بيعوا الذّهب بالفضّة كيف شئتم يداً بيد » . ج - ( الثّمن بعد الإقالة ) : 39 - الإقالة جائزة في البيع بمثل الثّمن الأوّل ، عليه إجماع المسلمين ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من أقال نادماً بيعته أقال اللّه عثرته يوم القيامة » . أخرجه أبو داود وابن ماجه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من أقال مسلماً بيعته أقال اللّه عثرته » زاد ابن ماجه : « يوم القيامة » . ورواه ابن حبّان في صحيحه والحاكم ، وقال على شرط الشّيخين ، وأمّا لفظ « نادماً " فعند البيهقيّ . والإقالة عند الجمهور عود المتعاقدين إلى الحال الأوّل ، بحيث يأخذ البائع المبيع والمشتري الثّمن . فإن شرط غير جنس الثّمن ، أو أكثر منه ، أو أجله ، بأن كان الثّمن حالّاً فأجّله المشتري عند الإقالة ، فإنّ التّأجيل يبطل ، وتصحّ الإقالة . وذهب المالكيّة إلى أنّ الإقالة بيع فتجري عليها أحكامه من التّأجيل وغيره . د - ( بدل القرض ) : 40 - اختلف العلماء في جواز اشتراط تأجيل القرض : فيرى جمهور الفقهاء أنّه يجوز للمقرض المطالبة ببدله في الحال ، وأنّه لو اشترط فيه التّأجيل لم يتأجّل ، وكان حالّاً ، وبهذا قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة والحارث العكليّ والأوزاعيّ وابن المنذر . وذلك لأنّه سبب يوجب ردّ المثل في المثليّات ، فأوجبه حالّاً ، كالإتلاف ، ولو أقرضه بتفاريق ، ثمّ طالبه بها جملةً فله ذلك ؛ لأنّ الجميع حالّ ، فأشبه ما لو باعه بيوعاً حالّةً ، ثمّ طالبه بثمنها جملةً ؛ ولأنّ الحقّ يثبت حالّاً ، والتّأجيل تبرّع منه ووعد ، فلا يلزم الوفاء به ، كما لو أعاره شيئاً ، وهذا لا يقع عليه اسم الشّرط ، ولو سمّي شرطاً ، فلا يدخل في حديث : « المؤمنون عند شروطهم » . هـ - ( ثمن المشفوع فيه ) : 41 - اختلف الفقهاء في كون ثمن المشفوع فيه هل يجب حالّاً ، أو يجوز فيه التّأجيل ، فيرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّه يجب حالّاً ولو كان الثّمن مؤجّلاً على المشتري ، ويرى المالكيّة والحنابلة أنّه إذا بيع العقار مؤجّلاً أخذه الشّفيع إلى أجله . الدّيون المؤجّلة بحكم الشّرع أ - ( الدّية ) : 42 - لمّا كانت الدّية قد تجب في القتل العمد ( إذا عفي عن القاتل ، وطلبها أولياء المقتول ، كما هو رأي الشّافعيّة والحنابلة - أو رضي أولياء الدّم ورضي القاتل بدفعها كما هو رأي الحنفيّة والمالكيّة ) ، وفي شبه العمد ، وفي الخطأ ، ولمّا كان الفقهاء قد اختلفوا في كيفيّة أدائها في كلّ نوع من أنواع القتل الّذي وجبت فيه ، كان لا بدّ من بيان آرائهم فيما يكون منها حالّاً أو مؤجّلاً . الدّية في القتل العمد : 43 - يرى جمهور الفقهاء ( المالكيّة ، والشّافعيّة والحنابلة ) أنّها تجب في مال القاتل حالّةً غير مؤجّلة ولا منجّمة ، وذلك لأنّ ما وجب بالقتل العمد كان حالّاً ، كالقصاص ، فإنّه يجب حالّاً ، ويرى الحنفيّة التّفريق بين الدّية الّتي تجب بالصّلح ، فيجعلونها حالّةً في مال القاتل ، وبين الّتي تجب بسقوط القصاص بشبهة ، كما إذا قتل الأب ابنه عمداً ، فإنّها تجب في مال القاتل في ثلاث سنين ، وذلك قياساً على القتل الخطأ . الدّية في القتل شبه العمد : 44 - تجب الدّية في هذا النّوع من القتل على العاقلة في ثلاث سنين ، وهو رأي الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ( وهو المرويّ عن عمر وعليّ وابن عبّاس رضي الله عنهم ، وبه قال الشّعبيّ والنّخعيّ وقتادة وعبد اللّه بن عمر وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر ) . واستدلّوا بما روي أنّ عمر وعليّاً قضيا بالدّية على العاقلة في ثلاث سنين ، ولا مخالف لهما في عصرهما فكان إجماعاً ، ولأنّ المرويّ عنهما كالمرويّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأنّه ممّا لا يعرف بالرّأي . الدّية في القتل الخطأ : 45 - يرى جمهور الفقهاء أنّ الدّية في القتل الخطأ تكون مؤجّلةً لمدّة ثلاث سنوات ، يؤخذ في كلّ سنة ثلث الدّية ، ويجب في آخر كلّ سنة ، وهو رأي الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . واستدلّوا بما روي عن عمر بن الخطّاب أنّه قضى بالدّية على العاقلة في ثلاث سنين ، وقد قال هذا أيضاً عليّ وعبد اللّه بن عبّاس ، وقد عزاه الإمام الشّافعيّ في المختصر إلى قضاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد نقل الرّافعيّ والتّرمذيّ في جامعه وابن المنذر الإجماع على ذلك . ب - المسلم فيه : 46 - لمّا كان السّلم هو شراء آجل بعاجل ، والآجل هو المسلم فيه ، فقد اشترط الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والأوزاعيّ لصحّة السّلم أن يكون المسلم فيه مؤجّلاً إلى أجل معلوم ، ولا يصحّ السّلم الحالّ لقول النّبيّ عليه الصلاة والسلام : « من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ، أو وزن معلوم ، إلى أجل معلوم » . فأمر بالأجل ، وأمره يقتضي الوجوب ؛ ولأنّه أمر بهذه الأمور تبييناً لشروط السّلم ، ومنعاً منه بدونها ، وكذلك لا يصحّ إذا انتفى الكيل والوزن ، فكذلك الأجل ؛ ولأنّ السّلم إنّما جاز رخصةً للرّفق ، ولا يحصل الرّفق إلاّ بالأجل ، فإذا انتفى الأجل انتفى الرّفق ، فلا يصحّ ، كالكتابة ؛ ولأنّ الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه . ويرى الشّافعيّة وأبو ثور وابن المنذر أنّه يجوز أن يكون السّلم في الحالّ ؛ لأنّه عقد يصحّ مؤجّلاً فصحّ حالّاً ، كبيوع الأعيان ؛ ولأنّه إذا جاز مؤجّلاً ، فحالّاً أجوز ، ومن الغرر أبعد . ج - ( مال الكتابة ) : 47 - اختلف الفقهاء في وجوب تأجيل العوض المكاتب به إلى أجل معيّن : فيرى الحنفيّة ، وابن رشد من المالكيّة ، وابن عبد السّلام والرّويانيّ من الشّافعيّة ، أنّه لا يشترط ذلك ، بل تصحّ بمال مؤجّل وبمال حالّ ، ويرى المالكيّة - على الرّاجح عندهم - والشّافعيّة والحنابلة : أنّها لا تكون إلاّ بمال مؤجّل منجّم تيسيراً على المكاتب في الجملة . د - توقيت القرض : 48 - سبق بيان آراء الفقهاء في جواز تأجيل بدل القرض وعدمه . أمّا عقد القرض فهو عقد لا يصدر إلاّ مؤقّتاً ، وذلك لأنّه عقد تبرّع ابتداءً ، ومعاوضة انتهاءً ، أو دفع مال إرفاقاً لمن ينتفع به ويردّ بدله . والانتفاع به يكون بمضيّ فترة ينتفع فيها المقترض بمال القرض ، وذلك باستهلاك عينه ؛ لأنّه لو كان الانتفاع به مع بقاء عينه كان إعارةً لا قرضاً ، ثمّ يردّ مثله إذا كان مثليّاً وقيمته إذا كان قيميّاً ، وقد اختلف الفقهاء في المدّة الّتي يلزم فيها هذا العقد : فيرى المالكيّة أنّه عقد لازم في حقّ الطّرفين طوال المدّة المشترطة في العقد ، فإن لم يكن اشتراط فللمدّة الّتي اعتيد اقتراض مثله لها ، ويرى الحنابلة أنّ عقد القرض عقد لازم بالقبض في حقّ المقرض ، جائز في حقّ المقترض ، ويثبت العوض عن القرض في ذمّة المقترض حالّاً ، وإن أجّله ؛ لأنّه عقد منع فيه من التّفاضل ، فمنع الأجل فيه ، كالصّرف ، إذ الحالّ لا يتأجّل بالتّأجيل ، وهو عدة تبرّع لا يلزم الوفاء به . قال أحمد : القرض حالّ ، وينبغي أن يفي بوعده ، ويحرم الإلزام بتأجيل القرض ؛ لأنّه إلزام بما لا يلزم . ويرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّ القرض عقد إرفاق جائز في حقّ الطّرفين ، وذلك لأنّ الملك في القرض غير تامّ ؛ لأنّه يجوز لكلّ واحد منهما أن ينفرد بالفسخ . القسم الثّاني أجل التّوقيت 49 - يقصد بأجل التّوقيت : الزّمن الّذي يترتّب على انقضائه زوال التّصرّف ، أو انتهاء الحقّ الّذي اكتسب خلال هذه المدّة المتّفق عليها ، والعقود والتّصرّفات من حيث قبولها للتّوقيت تنقسم إلى : أ - ( عقود لا تصلح إلاّ ممتدّةً لأجل ) ( مؤقّتة ) . ب - عقود تصحّ حالّةً ومؤقّتةً . كما أنّ هذه العقود منها ما لا يصحّ إلاّ بأجل معلوم ، ومنها ما لا يصحّ إلاّ بأجل مجهول ، ومنها ما يصحّ بأجل معلوم أو مجهول ، وفيما يلي بيان ذلك . المبحث الأوّل عقود لا تصحّ إلاّ ممتدّةً لأجل ( مؤقّتة ) . وهذا القسم يشمل عقود : الإجارة ، والكتابة والقراض : أ - ( عقد الإجارة ) : 50 - إنّ الإجارة مؤقّتة إمّا بمدّة ، وإمّا بعمل معيّن ، والعمل يتمّ في زمن عادةً ، وبانتهاء العمل ينتهي عقد الإجارة ، فهو عقد مؤقّت . ومثل عقد الإجارة : المساقاة والمزارعة . عقد المساقاة : 51 - يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة أنّ المساقاة تكون مؤقّتةً ، فإن لم يبيّنا مدّةً وقع على أوّل ثمر يخرج ، ويرى الحنابلة أنّها يصحّ توقيتها ؛ لأنّه لا ضرر في تقدير مدّتها ، ولا يشترط توقيتها . ( تأقيت المزارعة ) : 52 - المزارعة لا يجيزها الإمام أبو حنيفة ، ويجيزها الصّاحبان أبو يوسف ومحمّد وبقولهما يفتى في المذهب . كما لا يجيزها الشّافعيّة إلاّ إذا كان بين النّخل أو العنب بياض ( أي أرض لا زرع فيها ) صحّت المزارعة عليه مع المساقاة على النّخل أو العنب تبعاً للمساقاة ، ويرى المالكيّة ومحمّد بن الحسن والحنابلة أنّ عقد المزارعة يجوز بلا بيان مدّة ، وتقع على أوّل زرع يخرج ، ويرى جمهور الحنفيّة أنّ من شروط صحّة عقد المزارعة ذكر مدّة متعارفة ، فتفسد بما لا يتمكّن فيها من المزارعة ، وبما لا يعيش إليها أحدهما غالباً . ب - ( عقد الكتابة ) : 53 - هو عقد بين السّيّد ومملوكه على مال يوجب تحرير يد المملوك ( أي تصرّفه ) في الحال ورقبته في المآل وهو من محاسن الإسلام ، إذ فيه فتح باب الحرّيّة للأرقّاء ، وعقد الكتابة يوجب تأجيل العوض المكاتب به إلى أجل معيّن عند جمهور الفقهاء ، فإذا أدّاه المكاتب عتق ، فيكون هذا العقد مؤقّتاً بتأقيت العوض فيه . فإذا وفّى بما التزمه انتهى عقد الكتابة ، وعتق ، وإن لم يوفّ أو عجز نفسه ، انتهى عقد الكتابة وعاد رقيقاً ، على تفصيل في ذلك . المبحث الثّاني عقود تصحّ مطلقةً ومقيّدةً تأقيت عقد العاريّة لأجل : 54 - لمّا كانت حقيقة العاريّة أنّها إباحة نفع عين يحلّ الانتفاع بها مع بقاء العين ، ليردّها على مالكها ، لذلك لم يختلف الفقهاء في أنّ هذه الإباحة موقوتة ، غير أنّ هذا الوقت قد يكون محدّداً ، وتسمّى عاريّة مقيّدة - وقد لا يكون ، وتسمّى العاريّة المطلقة ، ويرى جمهور الفقهاء أنّ العاريّة عقد غير لازم فلكلّ واحد من المتعاقدين الرّجوع متى شاء ، خلافاً للمالكيّة في المقيّدة ، وفي المطلقة إلى مدّة ينتفع فيها بمثلها عادةً . تأقيت الوكالة لأجل : 55 - يجوز تأقيت الوكالة بأجل عند جميع الفقهاء ، كقوله " وكّلتك شهراً ، فإذا مضى الشّهر امتنع الوكيل عن التّصرّف " " ولو قال وكّلتك في شراء كذا في وقت كذا صحّ بلا خلاف " لأنّ الوكيل لا يملك من التّصرّف إلاّ ما يقتضيه إذن الموكّل ، وعلى الوجه الّذي أراده ، وفي الزّمن والمكان الّذي حدّده . والأصل في الوكالة أنّها عقد جائز من الطّرفين ، لكلّ واحد منهما فسخها متى شاء ، إلاّ إذا تعلّق بها حقّ للغير ؛ لأنّه إذن في التّصرّف ، فكان لكلّ واحد منها إبطاله ، كالإذن في أكل طعامه . وهذا ما صرّح به جمهور الفقهاء في الجملة . وللمالكيّة تفصيل في هذا تبعاً للعوض وعدمه ، يرجع فيه وفي التّفصيلات الأخرى إلى الوكالة . توقيت المضاربة ( القراض ) : 56 - اختلف الفقهاء في جواز تأقيت المضاربة : فيرى الحنفيّة والحنابلة أنّه يجوز توقيت المضاربة ، مثل أن يقول : ضاربتك على هذه الدّراهم سنةً ، فإذا انقضت فلا تبع ولا تشتر . فإذا وقّت لها وقتاً انتهت بمضيّه ؛ لأنّ التّوقيت مقيّد ، وهو وكيل ، فيتقيّد بما وقّته ، كالتّقييد بالنّوع والمكان . ولأنّه تصرّف يتوقّت بنوع من المتاع ، فجاز توقيته في الزّمان ، كالوكالة ؛ ولأنّ لربّ المال منعه من البيع والشّراء في كلّ وقت إذا رضي أن يأخذ بماله عرضاً ، فإذا شرط ذلك فقد شرط ما هو من مقتضى العقد ، فصحّ ، كما لو قال : إذا انقضت السّنة فلا تشتر شيئاً . ويرى المالكيّة ، والشّافعيّة ، أنّه لا يجوز توقيت المضاربة . تأقيت الكفالة بأجل : 57 - اختلف الفقهاء في جواز تأقيت الكفالة ، كما لو قال : « أنا كفيل بزيد إلى شهر وبعده أنا بريء » . فيرى الحنفيّة والشّافعيّة ( على الصّحيح عندهم ) والحنابلة أنّه يجوز توقيتها ، وكذلك المالكيّة بشروط تفصيلها في باب الضّمان من كتبهم ؛ لأنّه قد يكون له غرض في التّقيّد بهذه المدّة ، وقد أورد الحنفيّة بعض صور التّوقيت . واختلف المذهب في صحّة التّوقيت فيها يرجع إليها في الكفالة . ويرى الشّافعيّة ( على الأصحّ عندهم ) أنّه لا يجوز توقيت الكفالة . ( تأقيت الوقف بأجل ) : 58 - إذا صدر الوقف مؤقّتاً ، وذلك بأن علّق فسخه على مجيء زمن معيّن ، كما لو قال : « داري وقف إلى سنة ، أو إلى أن يقدم الحاجّ » . فقد اختلف الفقهاء في حكمه ، فيرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه لا يصحّ ؛ لأنّ الوقف مقتضاه التّأبيد . ويرى المالكيّة ، وهو قول للحنابلة ، أنّه لا يشترط في صحّة الوقف التّأبيد ، فيصحّ مدّةً معيّنةً ، ثمّ يرجع ملكاً كما كان . تأقيت البيع : 59 - لمّا كان البيع هو مبادلة المال بالمال بالتّراضي ، وكان حكمه هو ثبوت الملك للمشتري في المبيع ، وللبائع في الثّمن للحالّ ولمّا كان هذا الملك يثبت له على التّأبيد ، فإنّه لا يحتمل التّأقيت جاء في الأشباه والنّظائر للسّيوطيّ : « أنّ ممّا لا يقبل التّأقيت بحال ، ومتى أقّت بطل ، البيع بأنواعه » ... وذلك كما قال الكاسانيّ : « لأنّ عقود تمليك الأعيان لا تصحّ مؤقّتةً » . وقد أبطل الفقهاء كلّ شرط يؤدّي إلى تأقيت البيع ، أي إلى عودة المبيع إلى بائعه الأوّل ، سواء كان هذا التّأقيت ناتجاً عن الصّيغة ، كبعتك هذا سنةً ، أو عن شرط يؤدّي إلى توقيت البيع ، كبعتك هذا بشرط أن تردّه لي بعد مدّة كذا . بيوع الآجال عند المالكيّة 60 - وهي بيوع دخل فيها الأجل ، واتّحدت فيها السّلعة ، واتّحد فيها المتعاقدان ، وقد أبرزها فقهاء المالكيّة ، وبيّنوا أنّ هذه البيوع ظاهرها الجواز ، لكنّها قد تؤدّي إلى ممنوع ، وذلك لأنّها قد تؤدّي إلى بيع وسلف ، أو سلف جرّ منفعةً ، وكلاهما ممنوع ، كما وضعوا ضابطاً لما يمنع من هذه البيوع . فقالوا : يمنع من هذه البيوع ما اشتمل على بيع وسلف ، وما اشتمل على سلف جرّ منفعةً ، أو يمنع منها ما كثر قصد النّاس إليه للتّوصّل إلى الرّبا الممنوع ، كبيع وسلف ، وسلف بمنفعة ، ولا يمنع ما قلّ قصده ، كضمان بجعل ، أي كبيع جائز أدّى إلى ضمان بجعل . ( صور بيوع الآجال ) : 61 - وصورها كما ذكرها المالكيّة متعدّدة ، وتشمل الصّور التّالية : إذا باع شيئاً لأجل ، ثمّ اشتراه بجنس ثمنه فهذا إمّا أن يكون : 1 - نقداً . 2 - أو لأجل أقلّ . 3 - أو لأجل أكثر . 4 - أو لأجل مساو للأجل الأوّل . وكلّ ذلك إمّا أن يكون : 1 - بمثل الثّمن الأوّل . 2 - أو أقلّ من الثّمن الأوّل . 3 - أو أكثر من الثّمن الأوّل . فتكون هذه الصّور اثنتي عشرة صورةً ، يمنع من هذه الصّور ثلاث فقط وهي ما تعجّل فيه الأقلّ ، وهي : 1 - ما إذا باع سلعةً لأجل ، ثمّ اشتراها بأقلّ نقداً ( بيع العينة ) . 2 - وما إذا باع سلعةً لأجل ثمّ اشتراها لأجل دون الأجل الأوّل . 3 - وما إذا باع سلعةً لأجل ثمّ اشتراها لأجل أبعد من الأجل الأوّل ، وعلّة المنع في هذه الصّور هي دفع قليل في كثير ، وهو سلف بمنفعة ، إلاّ أنّه في الصّورتين الأوليين من البائع ، وفي الأخيرة من المشتري ، وأمّا الصّور التّسع الباقية فجائزة . والضّابط أنّه إذا تساوى الأجلان أو الثّمنان فالجواز ، وإن اختلف الأجلان والثّمنان فينظر إلى اليد السّابقة بالعطاء ، فإن دفعت قليلاً عاد إليها كثيراً فالمنع ، وإلاّ فالجواز : 62 - فمن صور « بيوع الآجال » بيع العينة . وبيع العينة قال الرّافعيّ : هو أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجّل ، ويسلّمه إلى المشتري ، ثمّ يشتريه قبل قبض الثّمن بثمن نقد أقلّ من ذلك القدر وقال ابن رسلان في شرح السّنن : وسمّيت هذه المبايعة عينةً لحصول النّقد لصاحب العينة ؛ لأنّ العين هو المال الحاضر ، والمشتري إنّما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه من فوره ، ليصل به إلى مقصوده ، وقد روي عدم جواز بيع العينة عن ابن عبّاس وعائشة وابن سيرين والشّعبيّ والنّخعيّ ، وبه قال الثّوريّ والأوزاعيّ وأبو حنيفة ومالك وإسحاق وأحمد . وقد استدلّوا بأحاديث ، منها : ما روي عن ابن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا ضنّ النّاس بالدّينار والدّرهم وتبايعوا بالعينة ، واتّبعوا أذناب البقر ، وتركوا الجهاد في سبيل اللّه ، أنزل اللّه بهم بلاءً ، فلا يرفعه حتّى يراجعوا دينهم » . رواه أحمد وأبو داود ، ولفظه : « إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزّرع ، وتركتم الجهاد ، سلّط اللّه عليكم ذلّاً لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم » . واستدلّ ابن القيّم على عدم جواز بيع العينة بما روي عن الأوزاعيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « يأتي على النّاس زمان يستحلّون الرّبا بالبيع » . قال : وهذا الحديث وإن كان مرسلاً فإنّه صالح للاعتضاد به بالاتّفاق ، وله من المسندات ما يشهد له ، وهي الأحاديث الدّالّة على تحريم العينة ، فإنّه من المعلوم أنّ العينة عند من يستعملها إنّما يسمّيها بيعاً ، وقد اتّفقا على حقيقة الرّبا الصّريح قبل العقد ، ثمّ غيّر اسمها إلى المعاملة ، وصورتها إلى التّبايع الّذي لا قصد لهما فيه ألبتّة ، وإنّما هو حيلة ومكر وخديعة للّه تعالى . وأجاز الشّافعيّة هذا البيع مستدلّين على الجواز بما وقع من ألفاظ البيع ، ولأنّه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها ، فجاز من بائعها ، كما لو باعها بثمن المثل ، ولم يأخذوا بالأحاديث المتقدّمة . تأقيت الهبة : 63 - اتّفق الفقهاء على أنّ الهبة لا يجوز توقيتها لأنّها عقد تمليك لعين في الحال ، وتمليك الأعيان لا يصحّ مؤقّتاً ، كالبيع . فلو قال : وهبتك هذا سنةً ثمّ يعود إليّ ، لم يصحّ . وقد استثنى بعض الفقهاء من ذلك العمرى والرّقبى على خلاف وتفصيل موطنه في مصطلحيهما . ( تأقيت النّكاح ) تأقيت النّكاح له صور نبيّنها ونبيّن آراء الفقهاء في كلّ صورة منها : أ - ( نكاح المتعة ) : 64 - وهو أن يقول لامرأة خالية من الموانع : أتمتّع بك مدّة كذا وقد ذهب إلى حرمته الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وكثير من السّلف . وتفصيله في نكاح المتعة ب - ( النّكاح المؤقّت أو النّكاح لأجل ) : 65 - وهو أن يتزوّج امرأة بشهادة شاهدين إلى عشرة أيّام مثلاً . وهذا النّكاح أيضاً باطل عند الحنفيّة ( عدا زفر فإنّه قال بصحّة العقد وبطلان الشّرط ) والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لأنّه في معنى المتعة . وتفصيل أحكامه في موضع آخر ( ر : نكاح ) . ج - النّكاح المؤقّت بمدّة عمره أو عمرها ، أو إلى مدّة لا يعيشان إليها : 66 - اختلف الفقهاء في حكم النّكاح المؤقّت إلى مدّة عمر الزّوج أو الزّوجة أو إلى مدّة لا يعيشان أو أحدهما إليها : فيرى الحنفيّة غير الحسن بن زياد والمالكيّة غير أبي الحسن والشّافعيّة غير البلقينيّ والحنابلة أنّه باطل ، لأنّه في معنى نكاح المتعة ، ويرى الحسن بن زياد أنّهما إذا ذكرا من الوقت ما يعلم أنّهما لا يعيشان إليه ، كمائة سنة أو أكثر ، كان النّكاح صحيحاً ؛ لأنّه في معنى التّأبيد ، وهو رواية عن أبي حنيفة . ويرى البلقينيّ أنّه يستثنى من بطلان النّكاح ما إذا نكحها مدّة عمره ، أو مدّة عمرها ، قال : فإنّ النّكاح المطلق لا يزيد على ذلك ، والتّصريح بمقتضى الإطلاق لا يضرّ ، فينبغي أن يصحّ النّكاح في هاتين الصّورتين ، قال : وفي نصّ الأمّ ما يشهد له ، وتبعه على ذلك بعض المتأخّرين . وجاء في حاشية الدّسوقيّ أنّ « ظاهر كلام أبي الحسن أنّ الأجل البعيد الّذي لا يبلغه عمرهما لا يضرّ بخلاف ما يبلغه عمر أحدهما فيضرّ » . د - ( إضمار الزّوج تأقيت النّكاح ) : 67 - صرّح الحنفيّة والشّافعيّة بأنّه لو تزوّج وفي نيّته أن يطلّقها بعد مدّة نواها صحّ زواجه ، لكن الشّافعيّة قالوا بكراهة النّكاح ، إذ كلّ ما صرّح به أبطل يكون إضماره مكروهاً عندهم كما قال المالكيّة إنّ الأجل إذا لم يقع في العقد ، ولم يعلمها الزّوج بذلك ، وإنّما قصده في نفسه ، وفهمت المرأة أو وليّها المفارقة بعد مدّة ، فإنّه لا يضرّ وهذا هو الرّاجح ، وإن كان بهرام صدّر في « شرحه » وفي « شامله » بالفساد إذا فهمت منه ذلك الأمر الّذي قصده في نفسه فإن لم يصرّح للمرأة ولا لوليّها بذلك ولم تفهم المرأة ما قصده في نفسه فليس نكاح متعة . أمّا الحنابلة فقد صرّحوا بأنّه لو تزوّج الغريب بنيّة طلاقها إذا خرج ، فإنّ النّكاح يبطل ؛ لأنّه نكاح متعة ، وهو باطل . ولكن جاء في المغني : « وإن تزوّجها بغير شرط إلاّ أنّ في نيّته طلاقها بعد شهر ، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد ، فالنّكاح صحيح في قول عامّة أهل العلم إلاّ الأوزاعيّ ، قال : هو نكاح متعة . والصّحيح أنّه لا بأس به ، ولا تضرّ نيّته ، وليس على الرّجل أن ينوي حبس امرأته ، وحسبه إن وافقته وإلاّ طلّقها . هـ - ( احتواء النّكاح على وقت يقع فيه الطّلاق ) : 68 - إذا تزوّج امرأةً بشرط أن يطلّقها في وقت معيّن ، لم يصحّ النّكاح ، وسواء كان معلوماً أو مجهولاً ، مثل أن يشترط عليه طلاقها إن قدم أبوها أو أخوها ، وقال أبو حنيفة : يصحّ النّكاح ، ويبطل الشّرط ، وهو أظهر قولي الشّافعيّ ، قاله في عامّة كتبه ؛ لأنّ النّكاح وقع مطلقاً ، وإنّما شرط على نفسه شرطاً ، وذلك لا يؤثّر فيه ، كما لو شرط ألاّ يتزوّج عليها أو لا يسافر بها . واستدلّ القائلون بالبطلان بأنّ هذا الشّرط مانع من بقاء النّكاح فأشبه نكاح المتعة ، ويفارق ما قاسوا عليها فإنّه لم يشترط قطع النّكاح . تأقيت الرّهن بأجل : 69 - ذهب الفقهاء إلى أنّه لا يجوز تأقيت الرّهن بأجل ، كأن يقول : رهنتك هذا الشّيء شهراً ، في الدّين الّذي لك عليّ . تقسيم الأجل باعتبار ضبطه وتحديده : 70 - ينقسم الأجل من حيث ضبطه وتحديده إلى أجل معلوم وأجل مجهول . ومعلوميّة الأجل وجهالته لها أثر على صحّة العقد ، وعدم صحّته ، لما تورثه الجهالة من الغرر ، إلاّ أنّ من الجهالة ما كان متقارباً ، ومنها ما كان متفاوتاً ، وفيما يلي آراء المذاهب في ذلك . ( المبحث الأوّل الأجل المعلوم ) 71 - اتّفق الفقهاء على صحّة الأجل ( فيما يقبل التّأجيل ) إذا كان الأجل معلوماً فأمّا كيفيّة العلم به فإنّه يحتاج فيها إلى أن يعلم بزمان بعينه لا يختلف من شخص إلى شخص ومن جماعة إلى جماعة ، وذلك إنّما يكون إذا كان محدّداً باليوم والشّهر والسّنة . والدّليل على اشتراط معلوميّة الأجل : قوله تعالى { يا أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمًّى فاكتبوه } . ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في موضع شرط الأجل : « من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم » وقد انعقد الإجماع على صحّة التّأجيل إلى أجل معلوم . ولأنّ جهالة الأجل تفضي إلى المنازعة في التّسلّم والتّسليم ، فهذا يطالبه في قريب المدّة ، وذاك في بعيدها ، وكلّ ما يفضي إلى المنازعة يجب إغلاق بابه . ولأنّه . سيؤدّي إلى عدم الوفاء بالعقود ، وقد أمرنا بالوفاء بها . 72 - وقد اختلف الفقهاء في حقيقة العلم بالأجل ، أو معلوميّة الأجل : فصرّح بعضهم بأنّ الأجل المعلوم هو ما يعرفه النّاس ، كشهور العرب . وبعضهم جعله " ما يكون معلوماً للمتعاقدين ولو حكماً ، وأنّ الأيّام المعلومة للمتعاقدين كالمنصوصة ، وأنّ التّأجيل بالفعل الّذي يفعل في الأيّام المعتادة كالتّأجيل بالأيّام » . وإزاء هذين الاتّجاهين لا بدّ من بيان آراء الفقهاء في التّأجيل إلى أزمنة معلومة حقيقةً أو حكماً ، أو إلى فصول أو مناسبات ، أو إلى فعل يقع في أزمنة معتادة . التّأجيل إلى أزمنة منصوصة 73 - اتّفق الفقهاء على صحّة التّأجيل إلى أزمنة منصوصة ، كما لو قال " خذ هذا الدّينار سلماً في إردبّ قمح إلى أوّل شهر رجب من هذا العام ، أو آخذه منك بعد عشرين يوماً » . والأصل في التّأجيل إلى الشّهور والسّنين عند الإطلاق أن تكون هلاليّةً ، فإذا ضرب أجلاً مدّته شهر أو شهران ، أو سنة أو سنتان ، مثلاً ، انصرف عند الإطلاق إلى الأشهر والسّنين الهلاليّة ، وذلك لأنّه عرف الشّرع ، قال تعالى : { يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للنّاس والحجّ } وقال تعالى : { إنّ عدّة الشّهور عند اللّه اثنا عشر شهراً في كتاب اللّه يوم خلق السّموات والأرض منها أربعة حرم } وقد صرّح بهذا الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . التّأجيل بغير الشّهور العربيّة 74 - إذا جعل الأجل مقدّراً بغير الشّهور الهلاليّة فذلك قسمان : القسم الأوّل : ما يعرفه المسلمون ، وهو بينهم مشهور ، ككانون وشباط . فقد جاز ذلك عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) لأنّه أجل معلوم لا يختلف ، فصار كالتّأجيل بالشّهور الهلاليّة . القسم الثّاني : ما قد لا يعرفه المسلمون كالتّأجيل إلى النّيروز والمهرجان ونحوهما فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التّأجيل إليه . |
التّأجيل بالأشهر بإطلاق : 75 - إذا جعل التّأجيل بالأشهر ، دون النّصّ على أنّها هلاليّة أو روميّة أو فارسيّة ، فإنّ الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) قد اتّفقوا على أنّه عند التّأجيل بالأشهر بإطلاق تنصرف إلى الهلاليّة ، وذلك لأنّ الشّهور في عرف الشّرع شهور الأهلّة ، بدليل قوله تعالى : { إنّ عدّة الشّهور عند اللّه اثنا عشر شهراً في كتاب اللّه يوم خلق السّموات والأرض منها أربعة حرم } وأراد الهلاليّة ، فعند الإطلاق يحمل العقد عليها ، واحتساب هذه المدّة إذا وقع العقد في أوّل الشّهر من أوّله . أمّا إذا لم يقع في أوّله ، فإمّا أن يكون لشهر أو أكثر ، أو سنة . فإن كان لشهر ، فإن وقع العقد في غرّة الشّهر ، يقع على الأهلّة بلا خلاف ، حتّى لو نقص الشّهر يوماً كان عليه كمال الأجرة ؛ لأنّ الشّهر اسم للهلال ، وإن وقع بعدما مضى بعض الشّهر ، ففي إجارة الشّهر يقع على ثلاثين يوماً بالإجماع ، لتعذّر اعتبار الأهلّة ، فتعتبر الأيّام . وأمّا في إجارة ثلاثة أشهر مثلاً فإنّهم قد اختلفوا ، فقد قيل : تكمل شهرين بالهلال ، وشهراً بالعدد ثلاثين يوماً ، وهو رأي للحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وقيل تكون الثّلاثة كلّها عدديّةً ، وهو رأي لأبي حنيفة ، ورأي عند الحنابلة ، ومثل ذلك في إجارة السّنة مثلاً . بدء احتساب مدّة الأجل : 76 - يبدأ احتساب مدّة الأجل من الوقت الّذي حدّده المتعاقدان فإن لم يحدّدا كان من وقت العقد . التّأجيل بأعياد المسلمين : 77 - إذا وقع التّأجيل إلى الأعياد جاز إذا كان العيد محدّداً معلوماً ، كعيد الفطر ، وعيد الأضحى ، فهذا يصحّ التّأجيل إليه . التّأجيل إلى ما يحتمل أحد أمرين : 78 - إذا وقع الأجل بما يحتمل أمرين صرف إلى أوّلهما ، كما صرّح الشّافعيّة ( على الأصحّ عندهم ) والحنابلة ، كتأجيله بالعيد ، أو جمادى ، أو ربيع ، أو نفر الحجّ ؛ لأنّ العيد عيد الفطر وعيد الأضحى ، وجمادى الأولى والثّانية ، وربيع الأوّل والثّاني ، ونفر الحجّ ثاني أيّام التّشريق وثالثها ، فيحمل على الأوّل من ذلك ، لتحقّق الاسم به . والثّاني : لا ، بل يفسده ، لتردّده بين الأوّل والثّاني . التّأجيل إلى مواسم معتادة : 79 - اختلف الفقهاء في جوازه ، كالحصاد ، والدّياس ، والجذاذ ، وقدوم الحاجّ ، إلى رأيين : يرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن المنذر أنّه لا يجوز التّأجيل إلى هذه الأشياء . واستدلّوا بما روي عن ابن عبّاس أنّه قال : لا تتبايعوا إلى الحصاد والدّياس ، ولا تتبايعوا إلاّ إلى شهر معلوم . ولأنّ التّأجيل بذلك يختلف ، ويقرب ويبعد ، فالحصاد والجذاذ يتأخّران أيّاماً إن كان المطر متواتراً ، ويتقدّمان بحرّ الهواء وعدم المطر ، وأمّا العطاء فقد ينقطع جملةً . 80 - وقد اختلف هؤلاء الفقهاء في أثر اشتراط التّأجيل إلى أجل مجهول جهالةً متقاربةً . فيرى الحنفيّة أنّه لا يجوز البيع إلى أجل مجهول سواء كانت الجهالة متقاربةً كالحصاد والدّياس مثلاً ، أو متفاوتةً ، كهبوب الرّيح وقدوم واحد من سفر ، فإن أبطل المشتري الأجل المجهول التّقارب قبل محلّه ، وقبل فسخ العقد بالفساد ، انقلب البيع جائزاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد ، وعند زفر لا ينقلب ، ولو مضت المدّة قبل إبطال الأجل تأكّد الفساد ، ولا ينقلب جائزاً بإجماع علماء الحنفيّة ، ويرى الشّافعيّة فساد العقد ، وذلك لأنّه يشترط عندهم في المؤجّل العلم بالأجل ، بأن يكون معلوماً مضبوطاً ، فلا يجوز بما يختلف ، كالحصاد وقدوم الحاجّ ، للحديث « من أسلم في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم » . ( متّفق عليه ) ولأنّ ذلك غير معلوم ، لأنّه يتقدّم ويتأخّر . ويرى الحنابلة أنّه يلغو التّأجيل ويصحّ العقد ، وذلك لأنّهم يشترطون أن يكون الأجل مقدّراً بزمن معلوم ، فإن شرط خياراً أو أجلاً مجهولين - بأن باعه بشرط الخيار وأطلق ، أو إلى الحصاد ونحوه ، أو بثمن مؤجّل إلى الحصاد ونحوه - لم يصحّ الشّرط وصحّ البيع ، وللّذي فات غرضه بفساد الشّرط من بائع ومشتر - سواء علم بفساد الشّرط أو لا - أحد أمرين : فسخ البيع ؛ لأنّه لم يسلّم له ما دخل عليه من الشّرط ، أو أرش ، ( أي تعويض ) ما نقص من الثّمن بإلغاء الشّرط إن كان المشترط بائعاً ، أو ما زاد إن كان مشترياً - يعني إذا اشترى بزيادة على الثّمن . أمّا في السّلم فإنّه لا يصحّ العقد إذا وقع التّأجيل بذلك ، وذلك لفوات شرط صحّته ، وهو الأجل المعلوم ، لاختلاف هذه الأشياء . ويرى المالكيّة أنّه يجوز التّأجيل إليه ، ويعتبر في الحصاد والدّياس ونحوهما ميقات معظمه ، أي الوقت الّذي يحصل فيه غالب ما ذكر ، وهو وسط الوقت المعدّ لذلك ، وسواء وجدت الأفعال في بلد العقد ، أو عدمت - أي لم توجد - فالمراد وجود الوقت الّذي يغلب فيه الوقوع . ونحوه ما ذكره ابن قدامة في رواية أخرى عن الإمام أحمد أنّه قال : أرجو ألاّ يكون به بأس . وبه قال أبو ثور ، وعن ابن عمر أنّه كان يبتاع إلى العطاء ، وبه قال ابن أبي ليلى . وقال أحمد : إن كان شيء يعرف فأرجو ، وكذلك إن قال إلى قدوم الغزاة ، وهذا محمول على أنّه أراد وقت العطاء ، لأنّ ذلك معلوم . فأمّا نفس العطاء فهو في نفسه مجهول ، يختلف ، ويتقدّم ويتأخّر ، ويحتمل أنّه أراد نفس العطاء ، لكونه يتفاوت أيضاً ، فأشبه الحصاد . واحتجّ من أجاز ذلك بأنّه أجل يتعلّق بوقت من الزّمن يعرف في العادة ، لا يتفاوت فيه تفاوتاً كبيراً ، فأشبه ما إذا قال رأس السّنة . الأجل المجهول التّأجيل إلى فعل غير منضبط الوقوع : 81 - اتّفق الفقهاء على عدم جواز التّأجيل إلى ما لا يعلم وقت وقوعه - حقيقةً أو حكماً - ولا ينضبط ، وهو الأجل المجهول ، وذلك كما لو باعه بثمن مؤجّل إلى قدوم زيد من سفره ، أو نزول مطر ، أو هبوب ريح . وكذا إذا باعه إلى ميسرة ، وقد استدلّوا على عدم جواز هذا النّوع من الأجل بالآثار الّتي استدلّ بها على عدم جواز التّأجيل بالفعل الّذي يقع في زمان معتاد ، كالحصاد والدّياس ، بل هذا النّوع أولى ؛ لأنّ الجهالة هناك متقاربة ، وهنا الجهالة فيها متفاوتة . ولأنّ التّأجيل بمثل ذلك غير معلوم ؛ لأنّ ذلك يختلف : يقرب ويبعد ، يتقدّم ويتأخّر ، ولأنّ جهالته تفضي إلى المنازعة في التّسليم والتّسلّم ، فهذا يطالبه في قريب المدّة ، وذاك في بعيدها ؛ ولأنّ الأجل المجهول لا يفيد ؛ لأنّه يؤدّي إلى الغرر . أثر التّأجيل إلى أجل مجهول جهالةً مطلقةً : 82 - سبق بيان اتّفاق الفقهاء على عدم جواز التّأجيل إلى أجل مجهول جهالةً مطلقةً . واختلفوا في أثر هذا التّأجيل على التّصرّف فيرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رأي للحنابلة ، أنّه لا يصحّ العقد أيضاً ، وذلك لأنّه أجل فاسد فأفسد العقد ؛ لأنّ المتعاقدين رضيا به مؤجّلاً إلى هذا الأجل ، وإذا لم يصحّ الأجل ، فالقول بصحّته حالّاً يخالف إرادتهما وما تراضيا عليه ، والبيع - ونحوه - يقوم على التّراضي ، فأفسد العقد . غير أنّ الحنفيّة يرون أنّه إن أبطل المشتري الأجل المجهول المتفاوت قبل التّفرّق ، ونقد الثّمن ، انقلب جائزاً ، وعند زفر لا ينقلب جائزاً ، ولو تفرّقا قبل الإبطال تأكّد الفساد ، ولا ينقلب جائزاً بإجماع الحنفيّة . ويرى الحنابلة أنّ الأجل المجهول في البيع يفسد ، ويصحّ البيع ، وفي السّلم يفسد الأجل والسّلم ، وقد استدلّوا على صحّة البيع وبطلان الأجل المجهول بما روي عن « عائشة أنّها قالت : جاءتني بريرة ، فقالت كاتبت أهلي على تسع أواق ، في كلّ عام أوقيّة ، فأعينيني . فقلت : إن أحبّ أهلك أن أعدّها لهم عدّةً واحدةً ، ويكون ولاؤك لي فعلت . فذهبت بريرة إلى أهلها ، فقالت لهم ، فأبوا عليها . فجاءت من عندهم ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم جالس ، فقالت : إنّي عرضت عليهم فأبوا إلاّ أن يكون الولاء لهم . فسمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم . فأخبرت عائشة النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : خذيها واشترطي لهم الولاء ، فإنّما الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة ، فقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في النّاس فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب اللّه تعالى ؟ ما كان من شرط ليس في كتاب اللّه فهو باطل ، وإن كان مائة شرط . قضاء اللّه أحقّ . وشرط اللّه أوثق . وإنّما الولاء لمن أعتق » متّفق عليه ، فأبطل الشّرط ولم يبطل العقد . قال ابن المنذر : خبر بريرة ثابت ، ولا نعلم خبراً يعارضه . فالقول به يجب . الاعتياض عن الأجل بالمال يرد الاعتياض عن الأجل بالمال في صور منها ما يلي : الصّورة الأولى : 83 - صدور إيجاب مشتمل على صفقتين ، إحداهما بالنّقد ، والأخرى بالنّسيئة ، مثل أن يقول بعتك هذا نقداً بعشرة ، وبالنّسيئة بخمسة عشر . يرى جمهور العلماء أنّ هذا البيع إذا صدر بهذه الصّيغة لا يصحّ ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة ، » جاء في الشّرح الكبير : « كذلك فسّره مالك والثّوريّ ، وإسحاق ، وهذا قول أكثر أهل العلم ؛ لأنّه لم يجزم له ببيع واحد ، أشبه ما لو قال بعتك أحد هذين ؛ ولأنّ الثّمن مجهول فلم يصحّ ، كالبيع بالرّقم المجهول " ، وقد روي عن طاوس والحكم وحمّاد أنّهم قالوا : لا بأس أن يقول : أبيعك بالنّقد بكذا ، وبالنّسيئة بكذا ، فيذهب إلى أحدهما . فيحتمل أنّه جرى بينهما بعدما يجري في العقد ، فكأنّ المشتري قال : أنا آخذه بالنّسيئة بكذا ، فقال : خذه ، أو قال : قد رضيت ، ونحو ذلك ، فيكون عقداً كافياً ، فيكون قولهم كقول الجمهور ، فعلى هذا : إن لم يوجد ما يدلّ على الإيجاب أو ما يقوم مقامه لم يصحّ ؛ لأنّ ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجاباً ، فهذا الخلاف الوارد في صحّة هذا البيع مصدره الصّيغة الصّادرة مشتملة على صيغتين في آن واحد ، فلم يجزم البائع ببيع واحد ؛ ولأنّ الثّمن مجهول هل هو عشرة أو خمسة عشر . وإذا كان الإيجاب غير جازم لا يصلح ، ويكون عرضاً ، فإذا قبل الموجّه إليه العرض إحدى الصّفقتين كان إيجاباً موجّهاً إلى الطّرف الأوّل ، فإن قبل تمّ العقد ، وإلاّ لم يتمّ . ( الصّورة الثّانية ) : 84 - وهي بيع الشّيء بأكثر من سعر يومه لأجل النّساء . يرى جمهور الفقهاء جواز بيع الشّيء بأكثر من سعر يومه لأجل النّساء ، وذلك لعموم الأدلّة القاضية بجواز البيع . قال اللّه تعالى : { وأحلّ اللّه البيع } وهو عامّ في إباحة سائر البياعات إلاّ ما خصّ بدليل ، ولا يوجد دليل يخصّص هذا العموم . ( الصّورة الثّالثة ) : وهي تأجيل الدّين الحالّ في مقابل زيادة : 85 - وهذه الصّورة تدخل في باب الرّبا " إذ الرّبا المحرّم شرعاً شيئان : ربا النّساء ، وربا التّفاضل . وغالب ما كانت العرب تفعله ، من قولها للغريم : أتقضي أم تربي ؟ فكان الغريم يزيد في المال ، ويصبر الطّالب عليه ، وهذا كلّه محرّم باتّفاق الأمّة » . قال الجصّاص : معلوم أنّ ربا الجاهليّة إنّما كان قرضاً مؤجّلاً بزيادة مشروطة ، فكانت الزّيادة بدلاً من الأجل ، فأبطله اللّه تعالى وحرّمه ، وقال : { وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم } وقال تعالى : { وذروا ما بقي من الرّبا } حظر أن يؤخذ للأجل عوض ، ولا خلاف أنّه لو كان عليه ألف درهم حالّةً ، فقال له : أجّلني وأزيدك فيها مائة درهم ، لا يجوز ؛ لأنّ المائة عوض من الأجل » . الصّورة الرّابعة : وهي تعجيل الدّين المؤجّل في مقابل التّنازل عن بعضه « ضع وتعجّل » . 86 - يرى جمهور الفقهاء أنّه إذا كان لرجل على آخر دين مؤجّل ، فقال المدين لغريمه : ضع عنّي بعضه وأعجّل لك بقيّته ، فإنّ ذلك لا يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . وكرهه زيد بن ثابت ، وابن عمر ، والمقداد ، وسعيد بن المسيّب ، وسالم ، والحسن ، وحمّاد ، والحكم ، والثّوريّ ، وهشيم ، وابن عليّة ، وإسحاق . فقد روي أنّ رجلاً سأل ابن عمر فنهاه عن ذلك . ثمّ سأله ، فقال : إنّ هذا يريد أن أطعمه الرّبا . وروي عن زيد بن ثابت أيضاً النّهي عن ذلك . وروي أنّ المقداد قال لرجلين فعلا ذلك : كلاكما قد أذن بحرب من اللّه ورسوله . واستدلّ جمهور الفقهاء على بطلان ذلك بشيئين : أحدهما : تسمية ابن عمر إيّاه ربا ، ومثل ذلك لا يقال بالرّأي وأسماء الشّرع توقيف . والثّاني : أنّه معلوم أنّ ربا الجاهليّة إنّما كان قرضاً مؤجّلاً بزيادة مشروطة ، فكانت الزّيادة بدلاً من الأجل ، فأبطله اللّه تعالى ، وحرّمه ، وقال : { وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم } وقال تعالى : { وذروا ما بقي من الرّبا } حظر أن يؤخذ للأجل عوض . فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجّلة ، فوضع عنه على أن يعجّله ، فإنّما جعل الحطّ مقابل الأجل ، فكان هذا هو معنى الرّبا الّذي نصّ اللّه تعالى على تحريمه . ولا خلاف أنّه لو كان عليه ألف درهم حالّة ، فقال له : أجّلني وأزيدك فيها مائة درهم ، لا يجوز ؛ لأنّ المائة عوض من الأجل ، كذلك الحطّ في معنى الزّيادة ، إذ جعله عوضاً من الأجل ، وهذا هو الأصل في امتناع جواز أخذ الأبدال عن الآجال . فحرمة ربا النّساء ليست إلاّ لشبهة مبادلة المال بالأجل وإذا كانت شبهة الرّبا موجبةً للحرمة فحقيقته أولى بذلك . وأيضاً فإنّه لا يمكن حمل هذا على إسقاط الدّائن لبعض حقّه ؛ لأنّ المعجّل لم يكن مستحقّاً بالعقد ، حتّى يكون استيفاؤه استيفاءً لبعض حقّه ، والمعجّل خير من المؤجّل لا محالة ، فيكون ( فيما لو كانت له عليه ألف مؤجّلة فصالحه على خمسمائة حالّة ) خمسمائة في مقابل مثله من الدّين ، وصفة التّعجيل في مقابلة الباقي - وهو الخمسمائة - وذلك اعتياض عن الأجل ، وهو حرام . وأيضاً لأنّ الأجل صفة ، كالجودة ، والاعتياض عن الجودة لا يجوز ، فكذا عن الأجل . ويقول ابن قدامة : إنّه بيع الحلول ، فلم يجز ، كما لو زاده الّذي له الدّين ، فقال له : أعطيك عشرة دراهم وتعجّل لي المائة الّتي عليك ، ويقول صاحب الكفاية : والأصل فيه أنّ الإحسان متى وجد من الطّرفين يكون محمولاً على المعاوضة - كهذه المسألة - فإنّ الدّائن أسقط من حقّه خمسمائة ، والمديون أسقط حقّه في الأجل في الخمسمائة الباقية ، فيكون معاوضةً بخلاف ما إذا صالح من ألف على خمسمائة ، فإنّه يكون محمولاً على إسقاط بعض الحقّ ، دون المعاوضة ؛ لأنّ الإحسان لم يوجد إلاّ من طرف ربّ الدّين . وروي عن ابن عبّاس أنّه لم ير بأساً بهذا « ضع عنّي وتعجّل » ، وروي ذلك عن النّخعيّ ، وأبي ثور ؛ لأنّه آخذ لبعض حقّه ، تارك لبعضه ، فجاز كما لو كان الدّين حالّاً ، واستثنى من ذلك الحنفيّة والحنابلة ( وهو قول الخرقيّ من علمائهم ) أنّه يجوز أن يصالح المولى مكاتبه على تعجيل بدل الكتابة في مقابل الحطّ منه ، وذلك لأنّ معنى الإرفاق فيما بينهما أظهر من معنى المعاوضة ، فلا يكون هذا في مقابلة الأجل ببعض المال ، ولكن إرفاق من المولى بحطّ بعض المال ، ومساهلة من المكاتب فيما بقي قبل حلول الأجل ليتوصّل إلى شرف الحرّيّة ؛ ولأنّ المعاملة هنا هي معاملة المكاتب مع سيّده ، وهو يبيع بعض ماله ببعض ، فدخلت المسامحة فيه ، بخلاف غيره . اختلاف المتعاقدين في الأجل 87 - اختلاف المتعاقدين في الأجل إمّا أن يكون في أصل الأجل ، أو في مقداره ، أو في حلوله ، أو في مضيّه وفيما يلي آراء الفقهاء في ذلك : الاختلاف في أصل الأجل في البيع : 88 - إذا اختلف المتعاقدان في أصل الأجل ، بأن قال المشتري : اشتريته بدينار مؤجّل ، وأنكره البائع - فإنّ الفقهاء قد اختلفوا : فيرى الحنفيّة والحنابلة أنّ القول لمن ينفي الأجل ، وهو البائع ، مع يمينه ، وذلك لأنّ الأصل الحلول . والبيّنة على المشتري ؛ لأنّه يثبت خلاف الظّاهر ، والبيّنات للإثبات ، ويرى المالكيّة أنّه يعمل بالعرف باليمين ، سواء أكانت السّلعة قائمةً أو فاتت . فإن لم يكن عرف تحالفا وتفاسخا إن كانت قائمةً ، فتردّ السّلعة لبائعها ، وإن لم تكن قائمةً صدّق المشتري بيمين إن ادّعى أجلاً قريباً لا يتّهم فيه ، وإلاّ فالقول للبائع إن حلف . ويرى الشّافعيّة ، وهو رواية في مذهب الحنابلة ، أنّهما يتحالفان ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « لو يعطى النّاس بدعواهم لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم ، ولكن اليمين على المدّعى عليه » . رواه مسلم ، وكلّ منهما مدّعًى عليه ، كما أنّه مدّع . ولأنّهما اختلفا في صفة العقد ، فوجب أن يتحالفا ، قياساً على الاختلاف في الثّمن . ( الاختلاف في مقدار الأجل ) 89 - إذا اختلف المتعاقدان في مقدار الأجل ، كما إذا قال البائع بعتكه بثمن مؤجّل إلى شهر ، ويدّعي المشتري أكثر من ذلك ، فإنّ الفقهاء اختلفوا فيه : فيرى الحنفيّة والحنابلة أنّ القول قول مدّعي الأقلّ ، لإنكاره الزّيادة ، والبيّنة للمشتري ، لأنّه يثبت خلاف الظّاهر ، والبيّنات لإثبات خلاف الظّاهر . ويرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ( في رواية أخرى ) أنّهما يتحالفان ، للحديث المتقدّم ؛ ولأنّ كلّاً منهما مدّعًى عليه ، كما أنّه مدّع ، فإذا تحالفا فعند المالكيّة فسخ العقد إن كانت السّلعة قائمةً - على المشهور - إن حكم بالفسخ حاكم ، أو تراضيا عليه ، وتعود السّلعة على ملك البائع حقيقةً ، ظالماً أو مظلوماً . وقيل يحصل الفسخ بمجرّد التّحالف ، كاللّعان ، ولا يتوقّف على حكم . وحلف المشتري إن فات المبيع كلّه ، فإن فات البعض فلكلّ حكمه . ويرى الشّافعيّة أنّهما إذا تحالفا فالصّحيح أنّ العقد لا ينفسخ بنفس التّحالف ؛ لأنّ البيّنة أقوى من اليمين ، ولو أقام كلّ منهما بيّنةً لم ينفسخ فبالتّحالف أولى ، بل إن تراضيا على ما قال أحدهما أقرّ العقد وإن لم يتراضيا بأن استمرّ نزاعهما فيفسخانه ، أو أحدهما ، أو الحاكم لقطع النّزاع ، وحقّ الفسخ بعد التّحالف ليس على الفور ، فلو لم يفسخا في الحال كان لهما بعد ذلك لبقاء الضّرر المحوج للفسخ . وقيل إنّما يفسخه الحاكم ؛ لأنّه فسخ مجتهد فيه فلا يفسخ أحدهما . ومقابل الصّحيح أنّه ينفسخ بالتّحالف وتعود الحال إلى ما كانت عليه قبل العقد . ( الاختلاف في انتهاء الأجل ) : 90 - إذا اختلف المتعاقدان في مضيّ الأجل ، مع اتّفاقهما على التّأجيل - كما إذا قال البائع بعتكه بثمن مؤجّل إلى شهر أوّله هلال رمضان ، وقد انقضى ، ويقول المشتري بل أوّله نصف رمضان فانتهاء الأجل نصف شوّال - فقد اختلف الفقهاء في حكمه : فيرى الحنفيّة أنّ القول والبيّنة للمشتري ؛ لأنّهما لمّا اتّفقا على الأجل ، فالأصل بقاؤه ، فكان القول للمشتري في عدم مضيّه ؛ ولأنّه منكر توجّه المطالبة ، وأمّا تقديم بيّنته على بيّنة البائع فلكونها أكثر إثباتاً . ويرى المالكيّة أنّ القول لمنكر التّقضّي بيمينه ؛ لأنّ الأصل بقاء الأجل ، " أي أنّ القول لمن ادّعى بقاء الأجل ، وأنكر انقضاءه ، سواء كان بائعاً أو مشترياً ، كان مكرياً أو مكترياً ، إذا لم توجد بيّنة ، فإن كان لأحدهما بيّنة عمل بها ، وهذا إن أشبه قوله عادة النّاس في الأجل - أشبه الآخر أم لا - فإن لم يشبها معاً عادة النّاس حلفا ، وفسخ إن كانت السّلعة قائمةً ، وإلاّ فالقيمة ، ويقضى للحالف على النّاكل . . . » . مسقطات الأجل 91 - الأجل إمّا أن يكون أجل إضافة ، وهو ما يترتّب على تحقّقه ترتّب أحكام التّصرّف . أو يترتّب على تحقّقه حلول الدّين أو حلول العين فيما يصحّ إضافته من الأعيان إلى أجل ، أو يكون أجل توقيت وهو الّذي يترتّب على تحقّقه انتهاء الحقّ الّذي كان له . والمسقطات - بوجه عامّ - إمّا بطريق الإسقاط ، وإمّا بطريق السّقوط . وفيما يلي بيان ذلك : أوّلاً : إسقاط الأجل : أ - إسقاط الأجل من قبل المدين : 92 - لمّا كان الأجل قد شرع رفقاً بالمدين وتمكيناً له من وفاء الدّين في الوقت المناسب له ، ورعايةً لحالة العدم الّتي يتعرّض لها ، كان من حقّه أن يسقط أجل الدّين ، ويصبح الدّين حالّاً ، وعلى الدّائن قبض الدّين . وهذا هو رأي جمهور الفقهاء : ( الحنفيّة مطلقاً وكذا المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إذا لم يؤدّ ذلك إلى الإضرار بالدّائن كأن كان الأداء في مكان مخوف ، أو كان له حمل ومؤنة أو كان في وقت كساد ) على تفصيل في هذه المذاهب الثّلاثة يرجع إليه في مواطنه . ب - إسقاط الأجل من قبل الدّائن : 93 - تبيّن ممّا تقدّم أنّ الأجل حقّ لمن عليه الدّين ، وإذا كان حقّاً له فإنّه يستبدّ بإسقاطه ، طالما أنّه لا يؤدّي هذا الإسقاط إلى ضرر بالدّائن . أمّا الدّائن فإنّ إسقاطه الأجل يجب أن يفرّق فيه بين أجل لحق العقد وقت صدوره - كما لو باع بثمن مؤجّل - ففي هذه الحالة يكون الأجل لازماً للدّائن لأنّه التحق بصلب العقد باتّفاق الفقهاء ، وبين أجل أراده الدّائن والمدين بعد صدور العقد بثمن حالّ ، وهذا النّوع قد اختلف الفقهاء في لزومه للدّائن ، أي أنّه لا يمكنه أن يستبدّ بإسقاطه دون الرّجوع إلى المدين . فذهب الحنفيّة ( غير زفر ) والمالكيّة إلى أنّ من باع بثمن حالّ ، ثمّ أجّله إلى أجل معلوم أنّ الثّمن يصير مؤجّلاً ، كما لو باعه بثمن مؤجّل ابتداءً ، ويصبح الأجل لازماً للدّائن لا يصحّ رجوعه عنه دون رضا المدين . أمّا التّأجيل فلأنّ الثّمن حقّه ، فله أن يؤخّره تيسيراً على من عليه ؛ ولأنّ التّأجيل إثبات براءة مؤقّتة إلى حلول الأجل ، وهو يملك البراءة المطلقة بالإبراء عن الثّمن فلأن يملك البراءة المؤقّتة أولى ، وأمّا كونه لازماً له فذلك لأنّ الشّرع أثبت عن إسقاطه بالبراءة المطلقة السّقوط ، والتّأجيل التزام الإسقاط إلى وقت معيّن ، فيثبت شرعاً السّقوط إلى ذلك الوقت ، كما ثبت شرعاً سقوطه بإسقاطه مطلقاً . وقال زفر ( من علماء الحنفيّة ) والشّافعيّة والحنابلة : إنّ كلّ دين حالّ لا يصير مؤجّلاً بالتّأجيل ؛ لأنّه بعد أن كان حالّاً ليس إلاّ وعداً بالتّأخير ، وحينئذ يكون له الحقّ في الرّجوع عنه ، وكذلك اختلفوا في لزوم شرط تأجيل القرض ، وقد سبق أنّ جمهور الفقهاء لا يرون تأجيله ، حتّى لو اشترط فيه التّأجيل ، خلافاً للمالكيّة واللّيث الّذين يرون لزومه حسب التّفصيل الّذي سبق بيانه . ج - إسقاط الأجل بتراضي الدّائن والمدين : 94 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه إذا تراضى الدّائن والمدين على إسقاط شرط التّأجيل أنّ ذلك جائز وصحيح . ثانياً : سقوط الأجل تناول الفقهاء عدّة أسباب إذا وقعت أدّت إلى سقوط شرط التّأجيل ، ومنها الموت والتّفليس والإعسار ، والجنون والأسر . أ - سقوط الأجل بالموت : 95 - اختلف الفقهاء في سقوط الأجل بموت المدين أو الدّائن : فيرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّ الأجل يبطل بموت المدين لخراب ذمّته ، ولا يبطل بموت الدّائن ، سواء أكان موتاً حقيقيّاً ، أم حكميّاً ، وذلك لأنّ فائدة التّأجيل أن يتّجر فيؤدّي الثّمن من نماء المال ، فإذا مات من له الأجل تعيّن المتروك لقضاء الدّين ، فلا يفيد التّأجيل ؛ ولأنّ الأجل حقّ المدين ، لا حقّ صاحب الدّين ، فتعتبر حياته وموته في الأجل وبطلانه . ومثل الموت الحقيقيّ الموت الحكميّ ، وذلك كما . لو لحق مرتدّاً بدار الحرب - كما صرّح الحنفيّة - أو كالرّدّة المتّصلة بالموت أو استرقاق الحربيّ - كما صرّح الشّافعيّة . ويرى المالكيّة ذلك ، إلاّ أنّهم يستثنون ثلاث حالات . جاء في شرح الخرشيّ : إنّ الدّين المؤجّل على الشّخص يحلّ بفلسه أو موته على المشهور ، لأنّ الذّمّة في الحالتين قد خربت ، والشّرع قد حكم بحلوله ؛ ولأنّه لو لم يحلّ للزم إمّا تمكين الوارث من القسم ، أو عدمه ، وكلاهما باطل ، لقوله تعالى : { من بعد وصيّة يوصي بها أو دين } ، وللضّرورة الحاصلة بوقفه . وعلى المشهور : لو طلب بعض الغرماء بقاءه مؤجّلاً منع من ذلك " وأمّا لو طلب الكلّ لكان لهم ذلك » . ويستثنى من الموت من قتل مدينه ( عمداً ) فإنّ دينه المؤجّل لا يحلّ ، لحمله على استعجال ما أجّل . وأمّا الدّين الّذي له فلا يحلّ بفلسه ولا بموته ، ولغرمائه تأخيره إلى أجله ، أو بيعه الآن ، ومحلّ حلول الدّين المؤجّل بالموت أو الفلس ما لم يشترط من عليه أنّه لا يحلّ عليه الدّين بذلك ، وإلاّ عمل بشرطه . قد ذكر ذلك ابن الهنديّ في الموت ، وإمّا إن شرط من له أنّه يحلّ بموته على المدين فهل يعمل بشرطه ، أو لا ؟ والظّاهر الأوّل ( أي أنّه يعمل بشرطه ) حيث كان الشّرط غير واقع في صلب عقد البيع ، فإن وقع في صلب عقد البيع فالظّاهر فساد البيع ؛ لأنّه آل أمره إلى البيع بأجل مجهول ، ويرى الحنابلة أنّه لا يحلّ الدّين المؤجّل بموت الدّائن ، وأمّا موت المدين فلهم رأيان : أحدهما : أنّه يحلّ بموت المدين كما هو رأي من ذكر من الفقهاء . والثّاني : أنّه لا يحلّ بموته إذا وثق الورثة ، فقد جاء في كشّاف القناع : « أنّه إذا مات شخص وعليه دين مؤجّل لم يحلّ الدّين بموته إذا وثق الورثة ، أو وثق غيرهم برهن أو كفيل مليء ، على أقلّ الأمرين : من قيمة التّركة أو الدّين " ، وهو قول ابن سيرين ، وعبيد اللّه بن الحسن ، وإسحاق ، وأبي عبيد لأنّ الأجل حقّ للميّت ، فورث عنه كسائر حقوقه ، وكما لا تحلّ الدّيون الّتي له بموته ، فتختصّ أرباب الدّيون الحالّة بالمال ، ويتقاسمونه بالمحاصّة ، ولا يترك منه للمؤجّل شيء ، ولا يرجع ربّه عليه بعد حلوله بل على من وثّقه ، فإن تعذّر التّوثّق لعدم وارث ، بأن مات عن غير وارث ، حلّ ، ولو ضمنه الإمام ، أو " تعذّر التّوثّق " لغير عدم وارث ، بأن خلف وارثاً لكنّه لم يوثق ، حلّ الدّين لغلبة الضّرر ، فيأخذه ربّه كلّه إن اتّسعت التّركة أو يحاصص به الغرماء ، ولا يسقط منه شيء في مقابلة الأجل . وإن ضمنه ضامن وحلّ على أحدهما لم يحلّ على الآخر . وقد استدلّ الحنابلة على قولهم بأنّ الدّين المؤجّل لا يحلّ بالموت إذا وثّق الورثة ، فقالوا : إنّ الأجل حقّ للمدين فلا يسقط بموته ، كسائر حقوقه ؛ ولأنّ الموت ما جعل مبطلاً للحقوق ، وإنّما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ترك حقّاً أو مالاً فلورثته » وما قيل بسقوطه بالموت هو حكم مبنيّ على المصلحة ، ولا يشهد لها شاهد الشّرع باعتبار ، ولا خلاف في فساد هذا ، فعلى هذا يبقى الدّين في ذمّة الميّت كما كان ويتعلّق بعين ماله كتعلّق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه ، فإن أحبّ الورثة أداء الدّين ، والتزامه للغريم ، على أن يتصرّفوا في المال ، لم يكن لهم ذلك إلاّ أن يرضى الغريم ، أو يوثّقوا الحقّ بضمين مليء ، أو رهن يثق به لوفاء حقّه ، فإنّهم قد لا يكونون أملياء ، ولم يرض بهم الغريم ، فيؤدّي إلى فوات الحقّ . ويرى طاوس وأبو بكر بن محمّد ، والزّهريّ وسعد بن إبراهيم أنّ الدّين المؤجّل لا يحلّ بموت المدين ، ويبقى إلى أجله ، وحكي ذلك عن الحسن . ب - سقوط الأجل بالتّفليس : 96 - إذا حكم الحاكم بالحجر على المدين للإفلاس ، فهل تحلّ ديون المفلس المؤجّلة ؟ يرى الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة ( في الأظهر ) وهو قول للمالكيّة أنّه لا تحلّ ديون المفلس المؤجّلة ؛ لأنّ الأجل حقّ للمفلس ، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه ، ولأنّه لا يوجب حلول ماله ، فلا يوجب حلول ما عليه - كالجنون والإغماء - ولأنّه دين مؤجّل على حيّ ، فلم يحلّ قبل أجله ، كغير المفلس ، والفرق بين الفلس والموت أنّ ذمّة الميّت خربت وبطلت بخلاف المفلس . والمشهور عند المالكيّة ورأي للشّافعيّة أنّ الدّين المؤجّل يحلّ بالإفلاس الأخصّ ( أي الشّخص الّذي حكم الحاكم بخلع ماله للغرماء ) لخراب ذمّة المفلس ، ما لم يشترط المدين عدم حلوله بالتّفليس ، وما لم يتّفق الغرماء جميعاً على بقاء ديونهم مؤجّلةً . أمّا حقوق المفلس المؤجّلة قبل الغير فباتّفاق الفقهاء تبقى على حالها ؛ لأنّ الأجل حقّ للغير ، فليس لغير صاحبه الحقّ في إسقاطه . ج - سقوط الأجل بالجنون : 97 - إذا جنّ من عليه الدّين المؤجّل أو من له الدّين ، فهل يسقط الأجل بجنونه ؟ يرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة جنون المدين لا يوجب حلول الدّين عليه لإمكان التّحصيل عند حلول الأجل بواسطة وليّه ، فالأجل باق ، ولصاحب الحقّ عند حلول الأجل مطالبة وليّه بماله . ولأنّ الأجل حقّ للمجنون فلا يسقط بجنونه كسائر حقوقه ؛ ولأنّه لا يوجب حلول ما له قبل الغير ، فلا يوجب حلول ما عليه ، وأمّا المالكيّة فقد نصّوا على أنّ الدّين المؤجّل يحلّ بالفلس والموت ما لم يشترط المدين عدم حلوله بهما وما لم يقتل الدّائن المدين عمداً ، ولم ينصّوا على الجنون معهما ممّا يدلّ على أنّ الجنون عندهم لا يحلّ الدّين المؤجّل . |
د - سقوط الأجل بالأسر أو الفقد : 98 - يرى الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ الأسير في أرض العدوّ إذا علم خبره ومكانه ، كان حكمه كالغائب ، والغائب تبقى ديونه على ما هي عليه من تأجيل أو حلول ، سواء كان دائناً أم مديناً . أمّا إذا لم يعلم خبره ولا مكانه ، فيرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ حكمه حكم المفقود لأنّه حيّ في حقّ نفسه ، ميّت في حقّ غيره . ويرى المالكيّة أنّ ديونه تبقى على حالها من تأجيل أو حلول ، كالغائب - ولا يأخذ حكم المفقود لأنّه قد عرف أنّه أسر ؛ لأنّه إذا كانت أموال المفقود تبقى كما هي ، فهو أولى بهذا الحكم . أمّا إذا علم موت الأسير ، فإنّه يأخذ حكم الميّت ، وكذا إذا علم ردّته يأخذ حكم المرتدّ ، وهو موت حكماً كما سبق الإشارة إلى ذلك من أنّ الآجال تسقط بموت المدين موتاً حقيقيّاً أو حكميّاً . هـ - سقوط الأجل بانتهاء مدّته : 99 - لمّا كان هذا النّوع من الأجل يحدّد لنا المدى الزّمنيّ لاستيفاء الحقّ ، فالعقد أو التّصرّف المقترن بأجل التّوقيت ، أو المؤقّت ، إذا انقضى أجله انتهى بذلك العقد وعاد الحقّ إلى صاحبه ، كما كان أوّلاً ، فيكون على المتعاقد ردّ العين إلى مالكها إذا كان المعقود عليه عيناً ، ويكون عليه عدم التّصرّف إذا كان العقد يجيز للشّخص تصرّفاً ما من التّصرّفات . والعقد المؤقّت - إذا لم يكن مضافاً ولا معلّقاً - هو عقد ناجز يتمّ ترتّب آثاره عليه من وقت صدور المدّة المحدّدة له شرعاً أو اتّفاقاً . فإن أضيف إلى زمن - وكان من التّصرّفات الّتي تقبل الإضافة فمدّة التّوقيت تبدأ من وقت حلول أجل الإضافة . وكذلك إذا علّق على شرط - وكان من التّصرّفات الّتي تقبل التّعليق - فمدّة التّوقيت تبدأ من وقت وجود الشّرط المعلّق عليه العقد . وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الأجل ينقضي بانقضاء العقد نفسه الّذي اقترن به الأجل ؛ لأنّ الأجل وصف للعقد وشرط لاعتباره شرعاً ، فإذا انتهى الموصوف انتهى الوصف . استمرار العمل بموجب العقد المنقضي أجله دفعاً للضّرر : 100 - قد ينقضي العقد المؤقّت . وحينئذ على المنتفع ردّ العين إلى صاحبها ، ولكن قد يؤدّي ذلك إلى ضرر ، ومن ثمّ أجاز الفقهاء تأخير الرّدّ إلى الوقت الملائم ، الّذي لا يؤدّي إلى ضرر ، مع ضمان حقوق الطّرف الآخر . ولذلك تطبيقات في الإجارة والإعارة تنظر فيهما . إجماع التّعريف 1 - الإجماع في اللّغة يراد به تارةً العزم ، يقال : أجمع فلان كذا ، أو أجمع على كذا ، إذا عزم عليه وتارةً يراد به الاتّفاق ، فيقال : أجمع القوم على كذا ، أي اتّفقوا عليه ، وعن الغزاليّ أنّه مشترك لفظيّ . وقيل إنّ المعنى الأصليّ له العزم ، والاتّفاق لازم ضروريّ إذا وقع من جماعة ، والإجماع في اصطلاح الأصوليّين : اتّفاق جميع المجتهدين من أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم في عصر ما بعد عصره صلى الله عليه وسلم على أمر شرعيّ ، والمراد بالأمر الشّرعيّ : ما لا يدرك لولا خطاب الشّارع ، سواء أكان قولاً أم فعلاً أم اعتقاداً أم تقريراً . بيان من ينعقد بهم الإجماع : 2 - جمهور أهل السّنّة على أنّ الإجماع ينعقد باتّفاق المجتهدين من الأمّة ، ولا عبرة باتّفاق غيرهم مهما كان مقدار ثقافتهم ، ولا بدّ من اتّفاق المجتهدين ولو كانوا أصحاب بدعة إن لم يكفروا ببدعتهم ، فإن كفروا بها كالرّافضة الغالين فلا يعتدّ بهم ، وأمّا البدعة غير المكفّرة أو الفسق فإنّ الاعتداد بخلافهم أو عدم الاعتداد فيه خلاف وتفصيل بين الفقهاء والأصوليّين موضعه الملحق الأصوليّ . وذهب قوم إلى أنّ العبرة باتّفاق الخلفاء الرّاشدين فقط ، لما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي ، عضّوا عليها بالنّواجذ » . وهذا خبر آحاد لا يفيد اليقين ، وعلى فرض التّسليم فإنّه يفيد رجحان الاقتداء بهم لا إيجابه ، وقال قوم إنّ الإجماع هو إجماع أهل المدينة دون غيرهم ، وهذا ظاهر مذهب مالك فيما كان سبيله النّقل والتّواتر ، كبعض أفعاله صلى الله عليه وسلم كالأذان والإقامة وتحديد الأوقات وتقدير الصّاع والمدّ وغير ذلك ممّا يعتمد على النّقل وحده لا على الاجتهاد ، وما سبيله الاجتهاد فلا يعتدّ عنده بإجماعهم . إمكان الإجماع : 3 - اتّفق الأصوليّون على أنّ الإجماع ممكن عقلاً ، وذهب جمهورهم إلى أنّه ممكن عادةً ، وخالف في ذلك النّظّام وغيره . وخالف البعض في إمكان نقله . حجّيّة الإجماع : 4 - الإجماع حجّة قطعيّة على الصّحيح ، وإنّما يكون قطعيّاً حيث اتّفق المعتبرون على أنّه إجماع ، لا حيث اختلفوا ، كما في الإجماع السّكوتيّ وما ندر مخالفه . ما يحتجّ عليه بالإجماع : 5 - يحتجّ بالإجماع على الأمور الدّينيّة الّتي لا تتوقّف حجّيّة الإجماع عليها ، سواء أكانت اعتقاديّةً كنفي الشّريك عن اللّه تعالى ، أو عمليّةً كالعبادات والمعاملات ، وقيل لا أثر للإجماع في العقليّات ، فإنّ المعتبر فيها الأدلّة القاطعة ، فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضّدها وفاق . أمّا ما تتوقّف عليه حجّيّة الإجماع ، كوجود الباري تعالى ، ورسالة محمّد صلى الله عليه وسلم فلا يحتجّ عليه بالإجماع ؛ لئلاّ يلزم الدّور . مستند الإجماع : 6 - لا بدّ للإجماع من مستند ، نصّ أو قياس ، وقد يكون النّصّ أو القياس خفيّاً . فإذا أجمع على مقتضاه سقط البحث عنه ، وحرمت مخالفته مع عدم العلم به ، ويقطع بحكمه وإن كان ظنّيّاً . إنكار الإجماع : 7 - قيل : يكفر منكر حكم الإجماع القطعيّ ، وفصّل بعض الأصوليّين بين ما كان من ضروريّات دين الإسلام ، وهو ما يعرفه الخواصّ والعوامّ ، من غير قبول للتّشكيك ، كوجوب الصّلاة والصّوم ، وحرمة الزّنا والخمر ، فيكفر منكره ، وبين ما سوى ذلك ، فلا يكفر منكره ، كالإجماع على بعض دقائق علم المواريث الّتي قد تخفى على العوّام . وفرّق فخر الإسلام بين الإجماع القطعيّ من إجماع الصّحابة نصّاً ، كإجماعهم على قتال مانعي الزّكاة ، أو مع سكوت بعضهم ، فيكفر منكره ، وبين إجماع غيرهم فيضلّل . الإجماع السّكوتيّ : 8 - يتحقّق الإجماع السّكوتيّ إذا أفتى بعض المجتهدين في مسألة اجتهاديّة ، أو قضى ، واشتهر ذلك بين أهل عصره ، وعرفه جميع من سواه من المجتهدين ، ولم يخالفوه ، واستمرّت الحال على هذا إلى مضيّ مدّة التّأمّل ، وقد ذهب أكثر الحنفيّة وبعض الشّافعيّة إلى أنّه إذا تحقّق ذلك فهو إجماع قطعيّ ، وإنّما يكون إجماعاً عندهم حيث لا يحمل سكوتهم على التّقيّة خوفاً . وموضع اعتبار سكوتهم إجماعاً إنّما هو قبل استقرار المذاهب ، وأمّا بعد استقرارها فلا يعتبر السّكوت إجماعاً ؛ لأنّه لا وجه للإنكار على صاحب مذهب في العمل على موجب مذهبه ، وذهب أبو هاشم الجبّائيّ إلى أنّه حجّة وليس إجماعاً . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ليس بحجّة فضلاً أن يكون إجماعاً ، وبه قال ابن أبان والباقلاّنيّ وبعض المعتزلة وأكثر المالكيّة وأبو زيد الدّبوسيّ من الحنفيّة ، والرّافعيّ والنّوويّ من الشّافعيّة . التّعارض بين الإجماع وغيره : 9 - الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به عند الجمهور ؛ لأنّ الإجماع لا يكون إلاّ بعد وفاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم والنّسخ لا يكون بعد موته . ولا ينسخ الإجماع الإجماع ، وإذا جاء الإجماع مخالفاً لشيء من النّصوص استدللنا على أنّ ذلك النّصّ منسوخ . فيكون الإجماع دليل النّسخ وليس هو النّاسخ . رتبة الإجماع بين الأدلّة : 1 - بنى بعض الأصوليّين على المسألة السّابقة تقديم الإجماع على غيره . قال الغزاليّ : « يجب على المجتهد في كلّ مسألة أن يردّ نظره إلى النّفي الأصليّ قبل ورود الشّرع . ثمّ يبحث عن الأدلّة السّمعيّة ، فينظر أوّل شيء في الإجماع ، فإن وجد في المسألة إجماعاً ، ترك النّظر في الكتاب والسّنّة ، فإنّهما يقبلان النّسخ ، والإجماع لا يقبله . فالإجماع على خلاف ما في الكتاب والسّنّة دليل قاطع على النّسخ ، إذ لا تجتمع الأمّة على الخطأ » . وقد حرّر ذلك ابن تيميّة فقال " كلّ من عارض نصّاً بإجماع ، وادّعى نسخه ، من غير نصّ يعارض ذلك النّصّ ، فإنّه مخطئ في ذلك ، فإنّ النّصوص لم ينسخ منها شيء إلاّ بنصّ باق محفوظ لدى الأمّة » . وفي موضع آخر قال " لا ريب أنّه إذا ثبت الإجماع كان دليلاً على أنّه منسوخ ، فإنّ الأمّة لا تجتمع على ضلالة ، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نصّ إلاّ وقد عرف النّصّ النّاسخ له ، ولهذا كان أكثر من يدّعي نسخ النّصوص بما يدّعيه من الإجماع إذا حقّق الأمر عليه ، لم يكن الإجماع الّذي ادّعاه صحيحاً ، بل غايته أنّه لم يعرف فيه نزاعاً » . وفي الإجماع تفصيل وخلاف أوسع ممّا ذكر ، موطنه الملحق الأصوليّ . إجمال التّعريف 1 - الإجمال مصدر أجمل ، ومن معانيه في اللّغة : جمع الشّيء من غير تفصيل . وللأصوليّين في الإجمال اصطلاحان ، تبعاً لاختلافهم في تعريف المجمل : الأوّل : اصطلاح الأصوليّين غير الحنفيّة ( المتكلّمين ) ، وهو أنّ المجمل ما لم تتّضح دلالته . فيكون عامّاً في كلّ ما لم تتّضح دلالته . وما لحقه البيان خرج من الإجمال بالاتّفاق ( ر : بيان ) ، وكما يكون الإجمال عندهم في الأقوال ، يكون في الأفعال . وقد مثّل له بعض الأصوليّين بما ورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سلّم في صلاة رباعيّة من اثنتين » ، فدار فعله بين أن يكون سلّم سهواً ، وبين أن تكون الصّلاة قد قصرت . فاستفسر منه ذو اليدين ، فبيّن لهم أنّه سها . الثّاني : اصطلاح الأصوليّين من الحنفيّة ، وهو أنّ المجمل ما لا يعرف المراد منه إلاّ ببيان يرجى من جهة المجمل ، ومعنى ذلك أنّ خفاءه لا يعرف بمجرّد التّأمّل ، ومثّلوا له بالأمر بالصّلاة والزّكاة ونحوهما ، قبل بيان مراد الشّارع منها . ( الألفاظ ذات الصّلة ) أ - المشكل : 2 - إن كان المعنى ممّا يدرك بالتّأمّل فليس عند الحنفيّة مجملاً ، بل يسمّى " مشكلاً " ، ومثّلوا له بقول اللّه تعالى : { فأتوا حرثكم أنّى شئتم } ، فإنّ « أنّى » دائرة بين معنى « أين » ومعنى « كيف » ، وبالتّأمّل يظهر أنّ المراد الثّاني ، بقرينة الحارث ، وتحريم الأذى . ب - المتشابه : 3 - وأمّا إن كان لا يرجى معرفة معناه في الدّنيا فهو عندهم " متشابه " ، وهو ما استأثر اللّه تعالى بعلمه ، كالحروف المقطّعة في أوائل السّور . ج - الخفيّ : 4 - وهو ما كان خفاؤه في انطباقه على بعض أفراده لعارض هو تسمية ذلك الفرد باسم آخر ، كلفظ « السّارق " ، فهو ظاهر في مفهومه الشّرعيّ ، ولكنّه خفيّ في الطّرّار والنّبّاش . حكم المجمل : 5 - ذهب أصوليّو الحنفيّة إلى أنّ حكم المجمل التّوقّف فيه إلى أن يتبيّن المراد به ، بالاستفسار من صدر منه المجمل . وذهب غيرهم إلى أنّ حكم المجمل التّوقّف فيه إلى أن يتبيّن من جهة المجمل ، أو بالقرائن ، أو بالعرف ، أو بالاجتهاد . وفي ذلك تفصيل موطنه الملحق الأصوليّ . أجنبيّ التّعريف 1 - الأجنبيّ في اللّغة الغريب ، ويقال للغريب أيضاً جنب ، وأجنب ، ومن معاني الجنابة : الغربة . واجتنب فلان فلاناً إذا تجنّبه وابتعد عنه ، ونقل في التّاج عن الأساس : « ومن المجاز : هو أجنبيّ عن كذا ، أي لا تعلّق له به ولا معرفة " يعني كما تقول : فلان أجنبيّ عن هذا العلم ، أو عن هذه القضيّة . فيطلق الأجنبيّ على من هو غريب حسّاً أو معنًى . 2 - ولم نجد أحداً من الفقهاء عرّف هذا المصطلح ، ولكن باستقراء . مواضع وروده في كلامهم تبيّن أنّه لفظ ليس له معنًى واحد ، بل يفسّر في كلّ مقام بحسبه . فمن معانيه ما يلي : أ - الأجنبيّ البعيد عنك في القرابة ، وهو الّذي لا تصله بك رابطة النّسب ، كقول المحلّيّ في شرح منهاج الطّالبين : « الأجنبيّ أن يحجّ عن الميّت حجّة الإسلام بغير إذن » . قال عميرة في حاشيته : « المراد بالأجنبيّ غير الوارث . قاله شيخنا . وقياس الصّوم أن يراد به غير القريب » . ب - والأجنبيّ الغريب عن الأمر من عقد أو غيره ، كقولهم : « لو أتلف المبيع أجنبيّ قبل قبضه فسد العقد " أي شخص غريب عن العقد ، ليس هو البائع ولا المشتري . وكقولهم : « هل يصحّ شرط الخيار لأجنبيّ " ويسمّى الأجنبيّ إذا تصرّف فيما ليس له : « فضوليّاً " ج - والأجنبيّ : الغريب عن الوطن ، ودار الإسلام كلّها وطن للمسلم . فالأجنبيّ عنها من ليس بمسلم ولا ذمّيّ . د - والأجنبيّ عن المرأة من لم يكن محرماً لها . والمحرم من يحرم عليه نكاحها على التّأبيد بنسب أو بسبب مباح وقيل بمطلق سبب ، ولو كان قريباً كابن عمّها وابن خالها . انقلاب الأجنبيّ إلى ذي علاقة ، وعكسه : 3 - ينقلب الأجنبيّ إلى ذي علاقة في أحوال ، منها : أ - بالعقد ، كعقد النّكاح ، فإنّه تنقلب به المرأة الأجنبيّة إلى زوجة ، وكعقد الشّركة ، وعقد الوكالة ونحوهما . وتفصيل ذلك في أبوابه من الفقه . ب - بالإذن والتّفويض ونحوهما ، كتفويض الطّلاق إلى المرأة أو إلى غيرها ، وكالتّوكيل والإيصاء . ج - بالاضطرار ، كأخذ من اشتدّ جوعه ما في يد غيره من الطّعام فائضاً عن ضرورته بغير رضاه . د - حكم القضاء ، كنصب الأجنبيّ وصيّاً أو ناظراً على الوقف . 4 - وينقلب ذو العلاقة إلى أجنبيّ في أحوال : منها : أ - ارتفاع السّبب الّذي به صار الأجنبيّ ذا علاقة ، كطلاق المرأة ، وفسخ عقد البيع ، ونحو ذلك . ب - قيام المانع الّذي يحول دون كون السّبب مؤثّراً ، وذلك كردّة أحد الزّوجين ، يصبح به كلّ منهما أجنبيّاً عن الآخر ، فلا عشرة ولا ميراث . ج - حكم القضاء ، كالحجر على السّفيه ، والتّفريق بين المولي وزوجته عند تمام المدّة عند الجمهور ، والتّفريق للضّرر ، والحكم باستحقاق العين لغير ذي اليد . اجتماع ذي العلاقة والأجنبيّ : 5 - إذا اجتمع ذو علاقة وأجنبيّ ، فذو العلاقة هو الأولى ، كما يلي . ( الحكم الإجماليّ ) يختلف الحكم الإجماليّ للأجنبيّ بحسب معانيه المختلفة : أوّلاً : الأجنبيّ الّذي هو خلاف القريب : 6 - للقريب حقوق وميزات ينفرد بها عن الأجنبيّ ، ومن ذلك أنّه أولى من الأجنبيّ برعاية الشّخص المحتاج إلى الرّعاية والنّظر كما في الأمثلة التّالية : أ - أنّ القريب له حقّ الولاية على نفس الصّغير والمجنون وتزويج المرأة دون الأجنبيّ . ب - وأنّ له حقّ الحضانة للصّغير والمجنون دون الأجنبيّ ، ويقدّم أولى الأقارب في استحقاق الحضانة حسب ترتيب معيّن . وإذا تزوّجت الحاضنة من أجنبيّ من المحضون سقط حقّها في الحضانة ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم للأمّ : أنت أحقّ به ما لم تنكحي » . وتفصيل ذلك في أبواب الحضانة من كتب الفقه . ج - وأنّ القريب أولى من الأجنبيّ بتغسيل الميّت ، وبالإمامة في الصّلاة عليه ، على تفصيل يعرف في أبواب الجنائز . ثانياً : الأجنبيّ في التّصرّفات والعقود : 7 - المراد بالأجنبيّ هنا من ليست له صلاحية التّصرّف ، والّذي له صلاحية التّصرّف هو صاحب الحقّ والوصيّ والوكيل ونحوهم ، فمن سواهم أجنبيّ . فإن تصرّف الإنسان في حقّ هو فيه أجنبيّ ، على أنّ تصرّفه لنفسه ، فتصرّفه باطل . أمّا إن تصرّف عن غيره من غير أن تكون له ولاية أو نيابة فهو الّذي يسمّى عند الفقهاء الفضوليّ واختلفوا في تصرّفه ذاك ، فمنهم من أبطله ، ومنهم من جعله موقوفاً على الإجازة . ( ر : إجازة . فضوليّ ) . ب - الأجنبيّ والعبادة : 8 - لا يختلف حكم الأجنبيّ عن حكم الوليّ في شأن أداء العبادات البدنيّة عن الغير ، فلا تصحّ الصّلاة والصّيام عن الحيّ ، إذ لا بدّ في ذلك من النّيّة ، ولا يجب على الوليّ أو غيره القضاء عن الميّت لما في ذمّته من العبادات . ، إن تبرّع به الوليّ أو الأجنبيّ ففي إجزائه عن الميّت خلاف . أمّا العبادات الماليّة المحضة كالزّكاة وبعض الكفّارات وفدية الصّوم ، أو الماليّة البدنيّة كالحجّ ، فلا يصحّ كذلك فعلها عن الغير بغير إذنه ، إن كان حيّاً قادراً . وأمّا فعلها عن الميّت فيجب على الوليّ أو الوصيّ إذا أوصى من هو عليه قبل وفاته بذلك ، في حدود ثلث التّركة ، على مذهب الحنفيّة . وعند غيرهم تنفذ من كلّ المال ، سواء أوصى بها أم لم يوص ، كسائر الدّيون . وفي المسألة خلاف وتفصيل يرجع لمعرفته إلى أبواب الزّكاة والحجّ والصّوم والكفّارات . ج - تبرّع الأجنبيّ بأداء الحقوق : 9 - تبرّع الأجنبيّ بأداء ما ترتّب على الغير من الحقوق جائز ، وذلك كوفاء دينه ، ودفع مهر زوجته ونفقتها ونفقة أولاده . وله حقّ الرّجوع إن كان فعل ذلك بإذن حاكم ، أو نوى الرّجوع به ، وفي ذلك تفصيل وخلاف يرجع لمعرفته إلى الأبواب الخاصّة بتلك الحقوق من كتب الفقه . ثالثاً : الأجنبيّ بمعنى من لم يكن من أهل الوطن : 10 - الأجنبيّ عن دار الإسلام هو الحربيّ ، وهو من لم يكن مسلماً ولا ذمّيّاً ، ولا يحقّ لمن لم يكن كذلك دخول دار الإسلام إلاّ بأمان ، فإذا دخل دار الإسلام بالأمان سمّي مستأمناً . ولمعرفة أحكام الأجنبيّ بهذا المعنى ( ر : أمان . مستأمنون . أهل الحرب ) . رابعاً : الأجنبيّ عن المرأة : 11 - خصّصت الشّريعة الأجانب بأحكام خاصّة ، دون الزّوج وذوي المحرم . وذلك رعايةً لسلامة المرأة ، ومحافظةً عليها من أن يصل إليها ما يجرح كرامتها . وقد يسّرت الشّريعة في العلاقة بين المرأة وزوجها ، إذ أنّ عقد الزّواج يبيح لكلّ من الزّوجين من التّمتّع بالآخر ما يكون سبباً للسّكن بينهما ، لتتمّ حكمة اللّه بدوام النّسل ونشوئه في كنف الأبوين على أحسن وجه ، ولم تضيّق الشّريعة أيضاً في العلاقة بين المرأة ومحرمها لأنّ ما يقوم بأنفسهما من المودّة والاحترام يحجب نوازع الرّغبة ، ولكي تتمكّن المرأة وأقاربها الأقربون من العيش معاً بيسر وسهولة ، والزّوج والمحرم في ذلك مخالفان للأجنبيّ ، فوضعت الشّريعة حدوداً للعلاقة بين المرأة وبينه ، تتلخّص فيما يلي : أ - النّظر : 12 - فيحرم على الأجنبيّ النّظر إلى زينة المرأة وبدنها ، كلّه على رأي بعض الفقهاء ، أو ما عدا الوجه والكفّين والقدمين عند البعض الآخر . وكذلك يجب على المرأة أن تستتر عن الأجنبيّ بتغطية ما لا يحلّ له رؤيته ، وعليها أن تمتنع عن النّظر من بدن الأجنبيّ - والمحرم مثله - إلاّ إلى ما سوى العورة ، أو إلى ما عدا ما تنظره المرأة من المرأة . ب - اللّمس : 13 - فلا يلمس الأجنبيّ بدن المرأة . ج - الخلوة : 14 - فلا يحلّ للرّجل والمرأة إذا كانا أجنبيّين أن يخلو أحدهما بالآخر ، لما ورد في حديث البخاريّ مرفوعاً « إيّاكم والدّخول على النّساء » وحديثه الآخر « لا يخلونّ رجل بامرأة إلاّ مع ذي محرم » د - صوت المرأة : 15 - فيحرم استماع الأجنبيّ لصوت المرأة على القول المرجوح عند الحنفيّة لأنّه عورة . وفي كثير ممّا ذكرناه خلاف بين الفقهاء وتفصيل واستثناءات يرجع لمعرفتها إلى باب الحظر والإباحة من كتب الحنفيّة ، وإلى أوائل أبواب النّكاح وباب ستر العورة من شروط الصّلاة في كتب سائر المذاهب . أجنبيّة انظر : أجنبيّ . إجهاز التّعريف 1 - من معاني الإجهاز في اللّغة : الإسراع ، فالإجهاز على الجريح : إتمام قتله . ويستعمل الفقهاء " الإجهاز " بهذا المعنى . كما يستعملون لهذا المعنى أيضاً كلمة " تذفيف » . الحكم العامّ : 2 - الإجهاز على الإنسان الجريح : الإجهاز على جرحى الكفّار المقاتلين جائز ، وكذلك جرحى البغاة المقاتلين إذا كانت لهم فئة ، فإن لم تكن لهم فئة فلا يجوز قتل جريحهم . أمّا الإجهاز على من وجب عليه الموت في حدّ أو قصاص فهو واجب بالاتّفاق . 3 - الإجهاز على الحيوان : الحيوان على نوعين : نوع يجوز ذبحه ، بأن كان مأكول اللّحم ، أو قتله ، بأن كان مؤذياً . وهذا النّوع يجوز الإجهاز عليه إن أصابه مرض أو جرح ؛ لأنّه يجوز ذبحه أو قتله ابتداءً ، ونوع لا يجوز قتله كالحمار ونحوه ، وفي جواز الإجهاز عليه إن أصابه مرض أو جرح - إراحةً له - خلاف ، أجاز ذلك الحنفيّة والمالكيّة ، ومنعه الشّافعيّة والحنابلة . وقد ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الذّبائح ، وذكره الحنفيّة في كتاب الحظر والإباحة . إجهاض التّعريف 1 - يطلق الإجهاض في اللّغة على صورتين : إلقاء الحمل ناقص الخلق ، أو ناقص المدّة ، سواء من المرأة أو غيرها ، والإطلاق اللّغويّ يصدق سواء كان الإلقاء بفعل فاعل أم تلقائيّاً . 2 - ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة إجهاض عن هذا المعنى . وكثيراً ما يعبّرون عن الإجهاض بمرادفاته كالإسقاط والإلقاء والطّرح والإملاص . صفة الإجهاض ( حكمه التّكليفيّ ) : 3 - من الفقهاء من فرّق بين حكم الإجهاض بعد نفخ الرّوح ، وبين حكمه قبل ذلك وبعد التّكوّن في الرّحم والاستقرار ، ولمّا كان حكم الإجهاض بعد نفخ الرّوح موضع اتّفاق كان الأنسب البدء به ثمّ التّعقيب بحكمه قبل نفخ الرّوح ، مع بيان آراء الفقهاء واتّجاهاتهم فيه : أ - حكم الإجهاض بعد نفخ الرّوح : 4 - نفخ الرّوح يكون بعد مائة وعشرين يوماً ، كما ثبت في الحديث الصّحيح الّذي رواه ابن مسعود مرفوعاً : « إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوماً نطفةً ، ثمّ يكون علقةً مثل ذلك ، ثمّ يكون مضغةً مثل ذلك ، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الرّوح » . ولا يعلم خلاف بين الفقهاء في تحريم الإجهاض بعد نفخ الرّوح . فقد نصّوا على أنّه إذا نفخت في الجنين الرّوح حرّم الإجهاض إجماعاً . وقالوا إنّه قتل له ، بلا خلاف . والّذي يؤخذ من إطلاق الفقهاء تحريم الإجهاض بعد نفخ الرّوح أنّه يشمل ما لو كان في بقائه خطر على حياة الأمّ وما لو لم يكن كذلك . وصرّح ابن عابدين بذلك فقال : لو كان الجنين حيّاً ، ويخشى على حياة الأمّ من بقائه ، فإنّه لا يجوز تقطيعه ؛ لأنّ موت الأمّ به موهوم ، فلا يجوز قتل آدميّ لأمر موهوم . ب - حكم الإجهاض قبل نفخ الرّوح : 5 - في حكم الإجهاض قبل نفخ الرّوح اتّجاهات مختلفة وأقوال متعدّدة ، حتّى في المذهب الواحد ، فمنهم من قال بالإباحة مطلقاً ، وهو ما ذكره بعض الحنفيّة ، فقد ذكروا أنّه يباح الإسقاط بعد الحمل ، ما لم يتخلّق شيء منه . والمراد بالتّخلّق في عبارتهم تلك نفخ الرّوح . وهو ما انفرد به من المالكيّة اللّخميّ فيما قبل الأربعين يوماً ، وقال به أبو إسحاق المروزيّ من الشّافعيّة قبل الأربعين أيضاً ، وقال الرّمليّ : لو كانت النّطفة من زناً فقد يتخيّل الجواز قبل نفخ الرّوح . والإباحة قول عند الحنابلة في أوّل مراحل الحمل ، إذ أجازوا للمرأة شرب الدّواء المباح لإلقاء نطفة لا علقة ، وعن ابن عقيل أنّ ما لم تحلّه الرّوح لا يبعث ، فيؤخذ منه أنّه لا يحرم إسقاطه ، وقال صاحب الفروع : ولكلام ابن عقيل وجه . 6 - ومنهم من قال بالإباحة لعذر فقط ، وهو حقيقة مذهب الحنفيّة . فقد نقل ابن عابدين عن كراهة الخانيّة عدم الحلّ لغير عذر ، إذ المحرم لو كسر بيض الصّيد ضمن لأنّه أصل الصّيد . فلمّا كان يؤاخذ بالجزاء فلا أقلّ من أن يلحقها - من أجهضت نفسها - إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر ، ونقل عن ابن وهبان أنّ من الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل وليس لأبي الصّبيّ ما يستأجر به الظّئر ( المرضع ) ويخاف هلاكه ، وقال ابن وهبان : إنّ إباحة الإسقاط محمولة على حالة الضّرورة . ومن قال من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بالإباحة دون تقييد بالعذر فإنّه يبيحه هنا بالأولى ، وقد نقل الخطيب الشّربينيّ عن الزّركشيّ : أنّ المرأة لو دعتها ضرورة لشرب دواء مباح يترتّب عليه الإجهاض فينبغي أنّها لا تضمن بسببه . 7 - ومنهم من قال بالكراهة مطلقاً . وهو ما قال به عليّ بن موسى من فقهاء الحنفيّة . فقد نقل ابن عابدين عنه : أنّه يكره الإلقاء قبل مضيّ زمن تنفخ فيه الرّوح ؛ لأنّ الماء بعدما وقع في الرّحم مآله الحياة ، فيكون له حكم الحياة ، كما في بيضة صيد الحرم . وهو رأي عند المالكيّة فيما قبل الأربعين يوماً ، وقول محتمل عند الشّافعيّة . يقول الرّمليّ : لا يقال في الإجهاض قبل نفخ الرّوح إنّه خلاف الأولى ، بل محتمل للتّنزيه والتّحريم ، ويقوى التّحريم فيما قرب من زمن النّفخ لأنّه جريمة . 8 - ومنهم من قال بالتّحريم ، وهو المعتمد عند المالكيّة . يقول الدّردير : لا يجوز إخراج المنيّ المتكوّن في الرّحم ولو قبل الأربعين يوماً ، وعلّق الدّسوقيّ على ذلك بقوله : هذا هو المعتمد . وقيل يكره . ممّا يفيد أنّ المقصود بعدم الجواز في عبارة الدّردير التّحريم . كما نقل ابن رشد أنّ مالكاً قال : كلّ ما طرحته المرأة جناية ، من مضغة أو علقة ، ممّا يعلم أنّه ولد ، ففيه الغرّة وقال : واستحسن مالك الكفّارة مع الغرّة . والقول بالتّحريم هو الأوجه عند الشّافعيّة ؛ لأنّ النّطفة بعد الاستقرار آيلة إلى التّخلّق مهيّأة لنفخ الرّوح . وهو مذهب الحنابلة مطلقاً كما ذكره ابن الجوزيّ ، وهو ظاهر كلام ابن عقيل ، وما يشعر به كلام ابن قدامة وغيره بعد مرحلة النّطفة ، إذ رتّبوا الكفّارة والغرّة على من ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ، وعلى الحامل إذا شربت دواءً فألقت جنيناً . |
بواعث الإجهاض ووسائله : 9 - بواعث الإجهاض كثيرة ، منها قصد التّخلّص من الحمل سواء أكان الحمل نتيجة نكاح أم سفاح ، أو قصد سلامة الأمّ لدفع خطر عنها من بقاء الحمل أو خوفاً على رضيعها ، على ما سبق بيانه . كما أنّ وسائل الإجهاض كثيرة قديماً وحديثاً ، وهي إمّا إيجابيّة وإمّا سلبيّة . فمن الإيجابيّة : التّخويف أو الإفزاع كأن يطلب السّلطان من ذكرت عنده بسوء فتجهض فزعاً ، ومنها شمّ رائحة ، أو تجويع ، أو غضب ، أو حزن شديد ، نتيجة خبر مؤلم أو إساءة بالغة ، ولا أثر لاختلاف كلّ هذا . ومن السّلبيّة امتناع المرأة عن الطّعام ، أو عن دواء موصوف لها لبقاء الحمل . ومنه ما ذكره الدّسوقيّ من أنّ المرأة إذا شمّت رائحة طعام من الجيران مثلاً ، وغلب على ظنّها أنّها إن لم تأكل منه أجهضت فعليها الطّلب . فإن لم تطلب ، ولم يعلموا بحملها ، حتّى ألقته ، فعليها الغرّة لتقصيرها ولتسبّبها . عقوبة الإجهاض : 10 - اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب في الجناية على جنين الحرّة هو غرّة . لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وغيره : « أنّ امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى ، فطرحت جنينها ، فقضى فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بغرّة عبد أو وليدة » . 11 - واتّفق فقهاء المذاهب على أنّ مقدار الغرّة في ذلك هو نصف عشر الدّية الكاملة ، وأنّ الموجب للغرّة كلّ جناية ترتّب عليها انفصال الجنين عن أمّه ميّتاً ، سواء أكانت الجناية نتيجة فعل أم قول أم ترك ، ولو من الحامل نفسها أو زوجها ، عمداً كان أو خطأً . 12 - ويختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة - وهي العقوبة المقدّرة حقّاً للّه تعالى - مع الغرّة . ( والكفّارة هنا هي عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) فالحنفيّة والمالكيّة يرون أنّها مندوبة وليست واجبةً ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقض إلاّ بالغرّة . كما أنّ الكفّارة فيها معنى العقوبة ؛ لأنّها شرعت زاجرةً ، وفيها معنى العبادة ؛ لأنّها تتأدّى بالصّوم . وقد عرف وجوبها في النّفوس المطلقة فلا يتعدّاها لأنّ العقوبة لا يجري فيها القياس ، والجنين يعتبر نفساً من وجه دون وجه لا مطلقاً . ولهذا لم يجب فيه كلّ البدل ، فكذا لا تجب فيه الكفّارة لأنّ الأعضاء لا كفّارة فيها . وإذا تقرّب بها إلى اللّه كان أفضل . وعلى هذا فإنّها غير واجبة . ويرى الشّافعيّة والحنابلة وجوب الكفّارة مع الغرّة . لأنّها إنّما تجب حقّاً للّه تعالى لا لحقّ الآدميّ ؛ ولأنّه نفس مضمونة بالدّية ، فوجبت فيه الكفّارة . وترك ذكر الكفّارة لا يمنع وجوبها . فقد ذكر الرّسول صلى الله عليه وسلم في موضع آخر الدّية ، ولم يذكر الكفّارة . وهذا الخلاف إنّما هو في الجنين المحكوم بإيمانه لإيمان أبويه أو أحدهما ، أو المحكوم له بالذّمّة . كما نصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إذا اشترك أكثر من واحد في جناية الإجهاض لزم كلّ شريك كفّارة ، وهذا لأنّ الغاية من الكفّارة الزّجر . أمّا الغرّة فواحدة لأنّها للبدليّة . الإجهاض المعاقب عليه : 13 - يتّفق الفقهاء على وجوب الغرّة بموت الجنين بسبب الاعتداء ، كما يتّفقون على اشتراط انفصاله ميّتاً ، أو انفصال البعض الدّالّ على موته . إذ لا يثبت حكم المولود إلاّ بخروجه ؛ ولأنّ الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت ، وبالإلقاء ظهر تلفه بسبب الضّرب أو الفزع ونحوهما ، غير أنّ الشّافعيّة قالوا : لو علم موت الجنين وإن لم ينفصل منه شيء فكالمنفصل . والحنفيّة يعتبرون انفصال الأكثر كانفصال الكلّ ، فإن نزل من قبل الرّأس فالأكثر خروج صدره ، وإن كان من قبل الرّجلين فالأكثر انفصال سرّته . والحنفيّة والمالكيّة على أنّه لا بدّ أن يكون ذلك قبل موت أمّه يقول ابن عابدين : وإن خرج جنين ميّت بعد موت الأمّ فلا شيء فيه ؛ لأنّ موت الأمّ سبب لموته ظاهراً ، إذ حياته بحياتها ، فيتحقّق موته بموتها ، فلا يكون في معنى ما ورد به النّصّ ، إذ الاحتمال فيه أقلّ ، فلا يضمن بالشّكّ ؛ ولأنّه يجري مجرى أعضائها ، وبموتها سقط حكم أعضائها . وقال الحطّاب والموّاق : الغرّة واجبة في الجنين بموته قبل موت أمّه . وقال ابن رشد : ويشترط أن يخرج الجنين ميّتاً ولا تموت أمّه من الضّرب . أمّا الشّافعيّة والحنابلة فيوجبون الغرّة سواء أكان انفصال الجنين ميّتاً حدث في حياة الأمّ أو بعد موتها لأنّه كما يقول ابن قدامة : جنين تلف بجناية ، وعلم ذلك بخروجه ، فوجب ضمانه كما لو سقط في حياتها . ولأنّه لو سقط حيّاً ضمنه ، فكذلك إذا سقط ميّتاً كما لو أسقطته في حياتها . ويقول القاضي زكريّا الأنصاريّ : ضرب الأمّ ، فماتت ، ثمّ ألقت ميّتاً ، وجبت الغرّة ، كما لو انفصل في حياتها . يتّفق الفقهاء في أصل ترتّب العقوبة إذا استبان بعض خلق الجنين ، كظفر وشعر ، فإنّه يكون في حكم تامّ الخلق اتّفاقاً ولا يكون ذلك كما يقول ابن عابدين إلاّ بعد مائة وعشرين يوماً ، وتوسّع المالكيّة فأوجبوا الغرّة حتّى لو لم يستبن شيء من خلقه ، ولو ألقته علقةً أي دماً مجتمعاً ، ونقل ابن رشد عن الإمام مالك قوله : كلّ ما طرحت من مضغة أو علقة ممّا يعلم أنّه ولد ففيه غرّة والأجود أن يعتبر نفخ الرّوح فيه . والشّافعيّة يوجبون الغرّة أيضاً لو ألقته لحماً في صورة آدميّ ، وعند الحنابلة إذا ألقت مضغةً ، فشهد ثقات من القوابل أنّه مبتدأ خلق آدميّ ، وجهان : أصحّهما لا شيء فيه ، وهو مذهب الشّافعيّ فيما ليس فيه صورة آدميّ . أمّا عند الحنفيّة ففيه حكومة عدل ، إذ ينقل ابن عابدين عن الشّمنّيّ : أنّ المضغة غير المتبيّنة الّتي يشهد الثّقات من القوابل أنّها بدء خلق آدميّ فيها حكومة عدل . تعدّد الأجنّة في الإجهاض : 14 - لا خلاف بين فقهاء المذاهب في أنّ الواجب الماليّ من غرّة أو دية يتعدّد بتعدّد الأجنّة . فإن ألقت المرأة بسبب الجناية جنينين أو أكثر تعدّد الواجب بتعدّدهم ؛ لأنّه ضمان آدميّ ، فتعدّد بتعدّده ، كالدّيات . والقائلون بوجوب الكفّارة مع الغرّة - وهم الشّافعيّة والحنابلة كما تقدّم - يرون أنّها تتعدّد بتعدّد الجنين أيضاً . من تلزمه الغرّة : 15 - الغرّة تلزم العاقلة في سنة بالنّسبة للجنين الحرّ عند فقهاء الحنفيّة ، للخبر الّذي روي عن محمّد بن الحسن « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قضى بالغرّة على العاقلة في سنة » ، ولا يرث الجاني وهذا هو الأصحّ عند الشّافعيّة ، فقد قالوا : الغرّة على عاقلة الجاني ولو الحامل نفسها ؛ لأنّ الجناية على الجنين لا عمد فيها حتّى يقصد بالجناية ، بل يجري فيها الخطأ وشبه العمد . سواء أكانت الجناية على أمّه خطأً أم عمداً أم شبه عمد . وللحنفيّة تفصيل : فلو ضرب الرّجل بطن امرأته ، فألقت جنيناً ميّتاً ، فعلى عاقلة الأب الغرّة ، ولا يرث فيها ، والمرأة إن أجهضت نفسها متعمّدةً دون إذن الزّوج ، فإنّ عاقلتها تضمن الغرّة ولا ترث فيها ، وأمّا إن أذن الزّوج ، أو لم تتعمّد ، فقيل . لا غرّة ؛ لعدم التّعدّي ، لأنّه هو الوارث والغرّة حقّه ، وقد أذن بإتلاف حقّه . والصّحيح أنّ الغرّة واجبة على عاقلتها أيضاً ؛ لأنّه بالنّظر إلى أنّ الغرّة حقّه لم يجب بضربه شيء ، ولكن لأنّ الآدميّ لا يملك أحد إهدار آدميّته وجبت على العاقلة ، فإن لم يكن لها عاقلة فقيل في مالها ، وفي ظاهر الرّواية : في بيت المال ، وقالوا : إنّ الزّوجة لو أمرت غيرها أن تجهضها ، ففعلت ، لا تضمن المأمورة ، إذا كان ذلك بإذن الزّوج . ويرى المالكيّة وجوب الغرّة في مال الجاني في العمد مطلقاً ، وكذا في الخطأ ، إلاّ أن يبلغ ثلث ديته فأكثر فعلى عاقلته ، كما لو ضرب مجوسيّ حرّةً حبلى ، فألقت جنيناً ، فإنّ الغرّة الواجبة هنا أكثر من ثلث دية الجاني . ويوافقهم الشّافعيّة في قول غير صحيح عندهم فيما إذا كانت الجناية عمداً ، إذ قالوا : وقيل : إن تعمّد الجناية فعليه الغرّة لا على عاقلته ، بناءً على تصوّر العمد فيه والأصحّ عدم تصوّره لتوقّفه على علم وجوده وحياته . أمّا الحنابلة فقد جعلوا الغرّة على العاقلة إذا مات الجنين مع أمّه وكانت الجناية عليها خطأً أو شبه عمد . أمّا إذا كان القتل عمداً ، أو مات الجنين وحده ، فتكون في مال الجاني ، وما تحمله العاقلة يجب مؤجّلاً في ثلاث سنين ، وقيل : من لزمته الكفّارة ففي ماله مطلقاً على الصّحيح من المذهب ، وقيل ما حمله بيت المال من خطأ الإمام والحاكم ففي بيت المال . والتّفصيل في مصطلحات ( عاقلة . غرّة . جنين . دية . كفّارة ) . الآثار التّبعيّة للإجهاض : 16 - بالإجهاض ينفصل الجنين عن أمّه ميّتاً ، ويسمّى سقطاً . والسّقط هو الولد تضعه المرأة ميّتاً أو لغير تمام أشهره ولم يستهلّ . وقد تكلّم الفقهاء عن حكم تسميته وتغسيله وتكفينه والصّلاة عليه ودفنه . وموضع بيان ذلك وتفصيله مصطلح سقط . أثر الإجهاض في الطّهارة والعدّة والطّلاق : 17 - لا خلاف في أنّ الإجهاض بعد تمام الخلق تترتّب عليه الأحكام الّتي تترتّب على الولادة . من حيث الطّهارة ، وانقضاء العدّة ، ووقوع الطّلاق المعلّق على الولادة ، لتيقّن براءة الرّحم بذلك ، ولا خلاف في أنّ الإجهاض لا أثر له فيما يتوقّف فيه استحقاق الجنين على تحقّق الحياة وانفصاله عن أمّه حيّاً كالإرث والوصيّة والوقف . أمّا الإجهاض في مراحل الحمل الأولى قبل نفخ الرّوح ففيه الاتّجاهات الفقهيّة الآتية : فبالنّسبة لاعتبار أمّه نفساء ، وما يتطلّبه ذلك من تطهّر ، يرى المالكيّة في المعتمد عندهم ، والشّافعيّة ، اعتبارها نفساء ، ولو بإلقاء مضغة هي أصل آدميّ ، أو بإلقاء علقة . ويرى الحنفيّة والحنابلة أنّه إذا لم يظهر شيء من خلقه فإنّ المرأة لا تصير به نفساء . ويرى أبو يوسف ومحمّد في رواية عنه أنّه لا غسل عليها ، لكن يجب عليها الوضوء ، وهو الصّحيح . وبالنّسبة لانقضاء العدّة ووقوع الطّلاق المعلّق على الولادة فإنّ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة يرون أنّ العلقة والمضغة الّتي ليس فيها أيّ صورة آدميّ لا تنقضي بها العدّة ، ولا يقع الطّلاق المعلّق على الولادة ؛ لأنّه لم يثبت أنّه ولد بالمشاهدة ولا بالبيّنة . أمّا المضغة المخلّقة والّتي بها صورة آدميّ ولو خفيّةً ، وشهدت الثّقات القوابل بأنّها لو بقيت لتصوّرت ، فإنّها تنقضي بها العدّة ويقع الطّلاق ؛ لأنّه علم به براءة الرّحم عند الحنفيّة والحنابلة . لكن الشّافعيّة لا يوقعون الطّلاق المعلّق على الولادة ؛ لأنّه لا يسمّى ولادةً ، أمّا المالكيّة فإنّهم ينصّون على أنّ العدّة تنقضي بانفصال الحمل كلّه ولو علقةً . إجهاض جنين البهيمة : 18 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو الصّحيح عند الحنابلة ، إلى أنّه يجب في جنين البهيمة إذا ألقته بجناية ميّتاً ما نقصت الأمّ ، أي حكومة عدل ، وهو أرش ما نقص من قيمتها . وإذا نزل حيّاً ثمّ مات من أثر الجناية فقيمته مع الحكومة ، وفي المسائل الملقوطة الّتي انفرد بها مالك أنّ عليه عشر قيمة أمّه ، وهو ما قال به أبو بكر من الحنابلة . ولم نقف للشّافعيّة على كلام في هذا أكثر من قولهم : لو صالت البهيمة وهي حامل على إنسان ، فدفعها ، فسقط جنينها ، فلا ضمان . وهذا يفيد أنّ الدّفع لو كان عدواناً لزمه الضّمان . أجير التّعريف 1 - الأجير هو المستأجر ، والجمع أجراء . ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن هذا المعنى ، وهو على قسمين : أجير خاصّ : وهو الّذي يقع العقد عليه في مدّة معلومة يستحقّ المستأجر منفعته المعقود عليها في تلك المدّة ، ويسمّى بالأجير الوحد ؛ لأنّه لا يعمل لغير مستأجره ، كمن استؤجر شهراً للخدمة . وأجير مشترك : وهو من يعمل لعامّة النّاس كالنّجّار والطّبيب . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - استئجار الآدميّ جائز شرعاً لقول اللّه تعالى : { قال إنّي أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه » . ومتى كان الأجير جائز التّصرّف ، مستوفياً لشروط العقد من سلامة الأسباب والآلات ، قادراً على تسليم المنفعة المطلوبة منه حسّاً وشرعاً ، ولم يكن فيما يستأجر عليه معصية ، فإنّه يجب عليه الوفاء بما تمّ العقد عليه . فإن كان أجيراً خاصّاً وجب عليه تسليم نفسه لمستأجره ، وتمكينه من استيفاء منفعته المعقود عليها في هذه المدّة ، وامتناعه من العمل لغير مستأجره فيها ، إلاّ أداء الصّلاة المفروضة باتّفاق ، والسّنن على خلاف ، وإذا سلّم نفسه في المدّة فإنّه يستحقّ الأجرة المسمّاة ، وإن لم يعمل شيئاً ، وإن كان أجيراً مشتركاً وجب عليه الوفاء بالعمل المطلوب منه والتّسليم للمستأجر ، ويستحقّ الأجرة بالوفاء بذلك . وما مرّ محلّ اتّفاق بين الفقهاء . ( مواطن البحث ) 3 - هذا ، وللأجير أحكام كثيرة باعتباره أحد طرفي عقد الإجارة ، وباعتبار المنفعة المطلوبة منه ، وبيان مدّتها ، أو نوعها ومحلّها ، والأجرة وتعجيلها ، أو تأجيلها ، ومن ناحية خياره وعدمه ، ومتى تنفسخ معه الإجارة ومتى لا تنفسخ ، وغير ذلك . وينظر في مصطلح ( إجارة ) . إحالة انظر : حوالة . أحباس انظر : وقف . إحبال انظر : حمل احتباء التّعريف 1 - الاحتباء في اللّغة القعود على مقعدته وضمّ فخذيه إلى بطنه واشتمالهما مع ظهره بثوب أو نحوه ، أو باليدين . وهو عند الفقهاء كذلك . الفرق بين الاحتباء والإقعاء : 2 - الإقعاء وضع الأليتين واليدين على الأرض مع نصب الرّكبتين وعلى هذا يكون الفرق بينهما أنّه يرافق الاحتباء ضمّ الفخذين إلى البطن ، والرّكبتين إلى الصّدر ، والتزامهما باليدين أو بثوب بينما لا يكون في الإقعاء ذلك الالتزام . الحكم العامّ ومواطن البحث : 3 - الاحتباء خارج الصّلاة مباح إن لم يرافقه محظور شرعيّ آخر ككشف العورة مثلاً . والأولى تركه وقت الخطبة وعند انتظار الصّلاة ؛ لأنّه يكون متهيّئاً للنّوم والوقوع وانتقاض الوضوء . هو مكروه في الصّلاة لما ورد من النّهي عنه ، وما فيه من مخالفة الوضع المسنون في الصّلاة . 4 - وقد فصّل الفقهاء حكم الاحتباء في كتاب الصّلاة ، عند كلامهم على مكروهات الصّلاة . احتباس التّعريف 1 - الحبس والاحتباس ، ضدّ التّخلية ، أو هو المنع من حرّيّة السّعي ، ولكن الاحتباس - كما يقول أهل اللّغة - يختصّ بما يحبسه الإنسان لنفسه ، قال في لسان العرب : احتبست الشّيء إذا اختصصته لنفسك خاصّةً . وكما أنّه يأتي متعدّياً فإنّه يأتي لازماً ، مثل ما في الحديث : « احتبس جبريل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم » وقولهم : احتبس المطر أو اللّسان . ( الألفاظ ذات الصّلة ) أ - الحبس : 2 - الفرق بين الحبس والاحتباس ، أنّ الحبس لا يأتي إلاّ متعدّياً ، وليس كذلك الاحتباس فإنّه يأتي متعدّياً ولازماً . ب - الحجر : 3 - والفرق بين الاحتباس والحجر ، أنّ الحجر منع شخص من التّصرّف في ماله رعايةً لمصلحته . وبذلك يكون الفرق بينهما أنّ الاحتباس هو منع لصالح المحتبس ( بكسر الباء ) ، والحجر منع لصالح المحجور عليه . ج - الحصر : 4 - والفرق بين الاحتباس والحصر ، أنّ الحصر هو الحبس مع التّضييق ، والتّضييق لا يرد إلاّ على ذي روح ، والاحتباس يرد على ذي الرّوح وغيره ، كما لا يلزم أن يكون في الاحتباس تضييق . د - الاعتقال : 5 - والفرق بين الاحتباس والاعتقال : أنّ الاعتقال هو الحبس عن حاجته ، أو هو الحبس عن أداء ما هو من وظيفته ، ومن هنا يقولون : اعتقل لسانه إذا حبس ومنع عن الكلام . وليس كذلك الاحتباس ، إذ لا يقصد منه المنع من أداء الوظيفة . ( الحكم الإجماليّ ومواطن البحث ) 6 - يجوز الاحتباس في حالتين : الحالة الأولى : عندما يكون حقّ المحتبس في المحبوس هو الغالب ، كحبس المرهون بالدّين - كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الرّهن ، وحبس الأجير المشترك العين الّتي له فيها أثر حتّى يتسلّم الأجرة ، واحتباس البائع ما في يده من البيع حتّى يسلّم المشتري ما في يده من الثّمن إلاّ بشرط مخالف . الحالة الثّانية : عندما تتطلّب المصلحة هذا الاحتباس ، كاحتباس المال عن مالكه السّفيه ، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الحجر ، واحتباس ما غنمه أهل العدل من أموال البغاة حتّى يتوبوا ، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب البغاة ، واحتباس الأرض المفتوحة عنوةً للمسلمين ، وعدم توزيعها بين المحاربين ، ونحو ذلك . 7 - ويمتنع الاحتباس في أحوال : الحال الأولى : عندما يكون حقّ الغير هو الغالب ، كحقّ المرتهن في العين المرهونة ففي هذه الحال يمتنع على المالك ( الرّاهن ) حقّه الأصليّ في الاحتباس . الحال الثّانية : حالة الضّرورة ، كاحتباس الضّروريّات لإغلاء السّعر على النّاس ، وتفصيل الكلام على ذلك موطنه مصطلح « احتكار » . الحال الثّالثة : حال الحاجة ، ولذلك كره حبس الأشياء المعتاد إعارتها عن الغير إن احتاج إليه ذلك الغير . من آثار الاحتباس : 8 - من احتبس إنساناً أو حيواناً وجبت عليه مؤنته ، ولذلك وجبت النّفقة للزّوجة ، والقاضي ، والمغصوب ، والحيوان المحتبس ، ووجبت الأجرة للأجير الخاصّ بمجرّد الاحتباس ، ونحو ذلك . وتكره الصّلاة مع احتباس الرّيح أو الغائط - مدافعة الأخبثين - وقد ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الصّلاة عند كلامهم على مكروهات الصّلاة ، وتسنّ صلاة الاستسقاء عند احتباس المطر ، وتفصيل ذلك في كتاب الصّلاة ، فصل صلاة الاستسقاء من كتب الفقه . ويعامل محتبس الكلام - أي من اعتقل لسانه - معاملة الأخرس إذا طال احتباس الكلام عنه كما سنفصّل ذلك في كلمة « أخرس » . احتجام التّعريف 1 - ( الاحتجام طلب الحجامة ) . والحجم في لغة : المصّ ، يقال : حجم الصّبيّ ثدي أمّه ، أي ، مصّه ، ومن هنا سمّي الحجام بذلك ، لأنّه يمصّ الجرح ، وفعل المصّ واحترافه يسمّى الحجامة ، ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذه الكلمة عن هذا المعنى . والفرق بين الحجامة والفصد : أنّ الفصد هو شقّ العرق لإخراج الدّم منه فهو غير الاحتجام . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - الاحتجام مباح للتّطبيب ، ويكره في الوقت الّذي يحتاج فيه المسلم للقوّة والنّشاط لأداء عبادة ونحوها ، لما يورثه من ضعف في البدن ، وكذلك للصّائم . كما نصّ الفقهاء على ذلك في كتاب الصّوم ، عند كلامهم على مكروهات الصّيام . وذهب الحنابلة إلى فساد الصّيام بالحجامة ، وقد ذكروا ذلك في كتاب الصّوم عند كلامهم على ما يفسد الصّوم ولا يوجب الكفّارة . 3 - والحجامة حرفة دنيئة لمخالطة محترفها النّجاسة ، ويترتّب عليها من الآثار ما يترتّب على الحرف الدّنيئة . وتفصيل ذلك في مصطلح احتراف " ويذكره الفقهاء في الكفاءة من باب النّكاح ، وفي باب الإجارة . 4 - الحجامة تطبيب ، فيترتّب عليها ما يترتّب على التّطبيب من آثار : كجواز نظر الحاجم إلى عورة المحجوم عند الضّرورة . وذكر الحنفيّة ذلك في كتاب الحظر والإباحة في باب النّظر ، ويذكره غيرهم غالباً في كتاب النّكاح استطراداً أو في كتاب الصّلاة عند كلامهم على ستر العورة ، وكضمان ما تلف بفعل الحجّام ، ذكر ذلك جمهور الفقهاء في كتاب الجنايات . وذكره المالكيّة في الإجارة ، وذكره ابن قدامة من الحنابلة في التّعزير . 5 - ودم الحجامة نجس كغيره ، ولكن يجزئ المسح في تطهير مكان الجرح منه للضّرورة ، ويجب أن ينزّه المسجد عن الحجامة فيه . احتراف التّعريف 1 - الاحتراف في اللّغة : الاكتساب ، أو طلب حرفة للكسب . والحرفة كلّ ما اشتغل به الإنسان واشتهر به ، فيقولون حرفة فلان كذا ، يريدون دأبه وديدنه . وهي بهذا ترادف كلمتي صنعة ، وعمل . أمّا الامتهان فإنّه لا فرق بينه وبين احتراف ؛ لأنّ معنى المهنة يرادف معنى الحرفة ، وكلّ منهما يراد به حذق العمل . ويوافق الفقهاء اللّغويّين في هذا ، فيطلقون الاحتراف على مزاولة الحرفة وعلى الاكتساب نفسه . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : أ - الصّناعة : 2 - الاحتراف يفترق عن " الصّناعة " لأنّها عند أهل اللّغة ترتيب العمل على ما تقدّم علم به ، وبما يوصّل إلى المراد منه ، ولذا قيل للنّجّار صانع ولا يقال للتّاجر صانع . فلا يشترطون في الصّناعة أن يجعلها الشّخص دأبه وديدنه ، ويخصّ الفقهاء ، كلمة " صناعة " بالحرف الّتي تستعمل فيها الآلة ، فقالوا : الصّناعة ما كان بآلة . ب - العمل . 3 - يفترق الاحتراف عن العمل ، بأنّ العمل يطلق على الفعل سواء حذقه الإنسان أو لم يحذقه ، اتّخذه ديدناً له أو لم يتّخذه ، ولذلك قالوا : العمل المهنة والفعل . وغالب استعمال الفقهاء إطلاق العمل على ما هو أعمّ من الاحتراف والصّنعة ، كما أنّ الاحتراف أعمّ من الصّنعة . ج - الاكتساب أو الكسب : 4 - يفترق معنى الاحتراف عن معنى الاكتساب أو الكسب ، بأنّ كلّاً منهما أعمّ من الاحتراف ، لأنّهما عند أهل اللّغة ما يتحرّاه الإنسان ممّا فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظّ ، فلا يشترط فيه أن يجعله الشّخص دأبه وديدنه كما هو الحال في الاحتراف ، ويطلق الفقهاء الاكتساب أو الكسب على تحصيل المال بما حلّ أو حرم من الأسباب سواء أكان باحتراف أو بغير احتراف ، كما يطلقون الكسب على الحاصل بالاكتساب . الحكم التّكليفيّ إجمالاً : 5 - الاحتراف فرض كفاية على العموم لاحتياج النّاس إليه وعدم استغنائهم عنه . وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد إن شاء اللّه . تصنيف الحرف : 6 - تصنّف الحرف إلى صنفين : الصّنف الأوّل : حرف شريفة ، والصّنف الثّاني حرف دنيئة . والأصل في هذا التّصنيف ما رواه عمر بن الخطّاب ، قال : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : إنّي وهبت لخالتي غلاماً ، وأنا أرجو أن يبارك لها فيه . فقلت لها : لا تسلّميه حجّاماً ، ولا صائغاً ، ولا قصّاباً » . قال ابن الأثير : الصّائغ ربّما كان من صنعه شيء للرّجال وهو حرام ، أو كان من آنية وهي حرام ، أمّا القصّاب فلأجل النّجاسة الغالبة على ثوبه وبدنه مع تعذّر الاحتراز . وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « العرب أكفاء بعضهم لبعض إلاّ حائكاً أو حجّاماً » . قيل للإمام أحمد : وكيف تأخذ بهذا الحديث وأنت تضعّفه ؟ قال : العمل عليه . تفاوت الحرف الشّريفة فيما بينها : 7 - فاضل الفقهاء بين الحرف الشّريفة لاعتبارات ذكروها ، فاتّفقوا على أنّ أشرف الحرف العلم وما آل إليه ، كالقضاء والحكم ونحو ذلك ، ولذلك نصّ الحنفيّة على أنّ المدرّس كفء لبنت الأمير . وذكر ابن مفلح إجماع العلماء على أنّ أشرف الكسب الغنائم إذا سلم من الغلول . ثمّ اختلفوا فيما يتلوه في الفضل . هذا وإنّ للفقهاء في كتبهم كلاماً في المفاضلة بين الحرف الشّريفة ، من علم أو تجارة أو صناعة أو زراعة . . إلخ ولهم في اتّجاهاتهم المختلفة فيما هو أشرف استدلال بأحاديث ووجوه من المعقول ظنّيّة الورود أو الدّلالة ، ولعلّ في آرائهم تلك مراعاةً لبعض الأعراف والملابسات الّتي كانت سائدةً في زمانهم ، ونجتزئ بهذه الإشارة عن إيراد الاتّجاهات المختلفة في هذه المسألة . الحرف الدّنيئة : 8 - لقد حرص الفقهاء على تحديد الحرف الدّنيئة ليبقى ما وراءها من الحرف شريفاً . فقالوا : الحرف الدّنيئة هي كلّ حرفة دلّت ملابستها على انحطاط المروءة وسقوط النّفس . وقد اتّفق الفقهاء على اعتبارهم الحرف المحرّمة ، كاحتراف الزّنا وبيع الخمر ونحو ذلك ، حرفاً دنيئةً كما سيأتي ، وقد سلك الفقهاء في تحديد الحرف الدّنيئة - فيما عدا المحرّمة منها - مسلكين : الأوّل : تحديدها بالضّابط ، ومنه ما نصّ عليه الشّافعيّة من أنّ كلّ حرفة فيها مباشرة نجاسة هي حرفة دنيئة . الثّاني : تحديدها بالعرف ، وهو مسلك جمهور الفقهاء ، ومنهم الشّافعيّة أيضاً ، واجتهدوا استناداً إلى الأعراف السّائدة في عصورهم في تحديد الحرف الدّنيئة . هذا ، وإنّ ما جاء في بعض الكتب الفقهيّة من وصف بعض أنواع من الحرف بالدّناءة - تبعاً لأوضاع زمنيّة - فإنّ القائلين بذلك صرّحوا بأنّه تزول كراهة الاحتراف بحرفة دنيئة إذا كان احترافها للقيام بفرض الكفاية ، إذ ينبغي أن يكون في كلّ بلد جميع الصّنائع المحتاج إليها . التّحوّل من حرفة إلى حرفة : 9 - قال ابن مفلح في الآداب الشّرعيّة : قال القاضي أبو يعلى : يستحبّ إذا وجد الخير في نوع من التّجارة أن يلزمه ، وإن قصد إلى جهة من التّجارة فلم يقسم له فيها رزقه ، عدل إلى غيره ، لما روى ابن أبي الدّنيا عن موسى بن عقبة مرفوعاً : « إذا رزق أحدكم في الوجه من التّجارة فليلزمه . » وروى ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطّاب قال : من اتّجر في شيء ثلاث مرّات ، فلم يصب فيه فليتحوّل إلى غيره . وقال عبد اللّه بن عمر : من اتّجر في شيء ثلاث مرّات فلم يصب فيه ، فليتحوّل إلى غيره . ولكن هل لهذا التّحوّل أثر في الكفاءة بين الزّوجين في الحرفة ؟ ( ر : كفاءة . نكاح ) الحكم التّكليفيّ للاحتراف تفصيلاً 10 - أ - يندب للمرء أن يختار حرفةً لكسب رزقه ، قال عمر بن الخطّاب : إنّي لأرى الرّجل فيعجبني ، فأقول : له حرفة ؟ فإن قالوا : لا ، سقط من عيني . ب - ويجب - على الكفاية - أن يتوفّر في بلاد المسلمين أصول الحرف جميعها ، احتيج إليها أو لا . قال ابن تيميّة : قال غير واحد من أصحاب الشّافعيّ وأحمد وغيرهم كالغزاليّ ، وابن الجوزيّ ، وغيرهم : إنّ هذه الصّناعات فرض على الكفاية ، فإنّه لا تتمّ مصلحة النّاس إلاّ بها . وقد اختار ابن تيميّة أنّ احتراف بعض الحرف يصبح فرض كفاية إذا احتاج المسلمون إليها ، فإن استغنوا عنها بما يجلبونه أو يجلب إليهم فقد سقط وجوب احترافها . فإذا امتنع المحترفون عن القيام بهذا الفرض أجبرهم الإمام عليه بعوض المثل . قال ابن تيميّة : إنّ هذه الأعمال الّتي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها إلاّ إنسان بعينه صارت فرض عين عليه ، إن كان غيره عاجزاً عنها ، فإذا كان النّاس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجباً يجبرهم وليّ الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل ، ولا يمكّنهم من مطالبة النّاس بزيادة عن عوض المثل . 11 - ج - ولمّا كان إقامة الصّناعات فرض كفاية كان توفير المحترفين الّذين يعملون في هذه الصّناعات فرضاً ، لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب ، وهو ما ذهب إليه الشّافعيّة ، قال القليوبيّ في حاشيته ما مفاده : يجب أن يسلّم الوليّ الصّغير لذي حرفة يتعلّم منه الحرفة . ورغم أنّ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة لم ينصّوا على وجوب دفع الوليّ الصّغير إلى من يعلّمه الحرفة إلاّ أنّ كلامهم يقتضي ذلك . |
حكم الحرف الدّنيئة : 12 - د - وجمهور الفقهاء على أنّ المكاسب غير المحرّمة كلّها في الإباحة سواء . ولكن هذه الإباحة تكتنفها الكراهة إذا اختار المرء لنفسه أو ولده حرفةً دنيئةً إن وسعه احتراف ما هو أصلح منها . ومع هذا فقد قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : مكسبة فيها بعض الدّناءة خير من مسألة النّاس . وقال ابن عقيل : يكره تعلّم الصّنائع الرّديئة مع إمكان ما هو أصلح منها . ونصّ الشّافعيّة على زوال هذه الكراهة إذا كانت الحرفة الدّنيئة هي حرفة أبيه . ونصّ ابن مفلح الحنبليّ على زوال هذه الكراهة إذا احترف المرء حرفةً دنيئةً للقيام بفرض الكفاية . وقال بعض المتشدّدين من الحنفيّة : ما يرجع إلى الدّناءة من المكاسب في عرف النّاس لا يسع الإقدام عليه إلاّ عند الضّرورة لقوله صلى الله عليه وسلم : « ليس لمؤمن أن يذلّ نفسه » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه يحبّ معالي الأمور ويبغض سفسافها » ، ولكنّ الصّحيح عند الحنفيّة الأوّل . الحرف المحظورة 13 - أ - الأصل أنّه لا يجوز احتراف عمل محرّم بذاته ، ومن هنا منع الاتّجار بالخمر واحتراف الكهانة . ب - كما لا يجوز احتراف ما يؤدّي إلى الحرام أو ما يكون فيه إعانة عليه ، كالوشم : لما فيه من تغيير خلق اللّه وككتابة الرّبا : لما فيه من الإعانة على أكل أموال النّاس بالباطل ونحو ذلك . وتعرّض الفقهاء إلى اتّخاذ حرف يتكسّب منها المحترف من غير أن يبذل فيها جهداً ، أو يزيد زيادةً ، كالخيّاط يتسلّم الثّوب ليخيطه بدينارين فيعطيه لمن يخيطه بدينار ويأخذ الفرق . فذهب الفقهاء إلى جواز ذلك ؛ لأنّ مثل هذه الإجارة كالبيع ، وبيع المبيع يجوز برأس المال وبأقلّ منه وبأكثر ، فكذلك الإجارة إلاّ أنّ الحنفيّة نصّوا على أنّه إذا كانت الأجرة الثّانية من جنس الأجرة الأولى فإنّ الزّيادة لا تطيب له إلاّ إذا بذل جهداً أو زاد زيادةً ، فإنّها تطيب ولو اتّحد الجنس . آثار الاحتراف : 14 - أ - يعطى الفقير المحترف الّذي لا يملك آلات حرفته من الزّكاة ما يشتري به آلة حرفته . وتفصيل ذلك في ( زكاة ) . ب - إذا فعل المحترف فعلاً في حدود حرفته ، فأخطأ فيه خطأً يحتمل أن يخطئ فيه المحترفون ، فلا ضمان عليه ، كالطّبيب . أمّا من عداه فيضمن . وتفصيل ذلك في باب الضّمان . ج - يرى بعض الفقهاء جواز إفطار رمضان لمن يحترف حرفةً شاقّةً يتعذّر عليه الصّيام معها ، وليس بإمكانه تركها في رمضان . د - للمعتدّة - ولا سيّما المحترفة - الخروج في حوائجها نهاراً سواء أكانت مطلّقةً أو متوفًّى عنها وليس لها المبيت في غير بيتها ولا الخروج ليلاً إلاّ لضرورة . وتفصيله في ( عدّة ) ( وإحداد ) . هـ - للاحتراف أثر في الكفاءة بين الزّوجين وتفصيله في ( نكاح ) ، وللاحتراف أثر في تخفيف بعض الأحكام الشّرعيّة ، كالتّرخيص للقصّاب بالصّلاة في ثياب مهنته مع ما عليها من الدّم ، ما لم يفحش . وتفصيله في ( نجاسة - ما يعفى عنه من النّجاسات ) . احتساب التّعريف 1 - تأتي كلمة " احتساب " في اللّغة بمعان عديدة منها : أ - الاعتداد بالشّيء ، من الحسب ، وهو العدّ . ب - طلب الثّواب ، وقد استعمل الفقهاء هذا اللّفظ بهذين المعنيين كليهما ، على أنّه عند الإطلاق ينصرف إلى معنى طلب الثّواب . الاحتساب بمعنى الاعتداد أو الاعتبار : 2 - يطلق الفقهاء كلمة " احتساب " عندما يأتي المكلّف بالفعل على غير وجه الكمال ، ومع ذلك فإنّ الشّارع يعتبره صحيحاً مقبولاً . فالمسبوق في الصّلاة إذا أدرك الرّكوع مع الإمام احتسبت له ركعة ، وإن لم يأت بالفرائض الّتي قبله ، ومن دخل المسجد ، فرأى الجماعة قائمةً لصلاة الظّهر فنوى تحيّة المسجد وصلاة الظّهر ودخل معهم في صلاتهم ، احتسبت له تلك الصّلاة تحيّة مسجد وصلاة ظهر . وتفصيل ذلك في " الصّلاة » . الاحتساب بمعنى طلب الثّواب من اللّه تعالى : 3 - طلب الثّواب من اللّه تعالى بالاحتساب يتحقّق في أمور كثيرة منها : أ - تنازل المسلم عن حقّه المترتّب على الغير طلباً لثواب اللّه تعالى ، لا عجزاً ، كعتق الرّقيق ، احتساباً ، ووضع السّيّد بعض مال الكتابة احتساباً والعفو عن القصاص دون مقابل احتساباً ، وإرضاع الصّغير دون مقابل احتساباً . ب - أداء حقّ من حقوق اللّه تعالى المحضة كالصّلاة ، والصّوم ، وأداء الشّهادة دون طلب في حقّ من حقوق اللّه المحضة ، وفيما للّه تعالى فيه حقّ غالب مؤكّد ، وهو ما لا يتأثّر برضا الآدميّ - كطلاق ، وعتق ، وعفو عن قصاص ، وبقاء عدّة ، وانقضائها ، وحدّ ، ونسب . وقد فصّل الفقهاء القول في ذلك في كتاب الشّهادات عند كلامهم على ما يؤدّى حسبةً من الشّهادات ، وما يتّصل بأحكام المحتسب ينظر في مصطلح « حسبة » . احتشاش التّعريف 1 - الاحتشاش معناه في اللّغة طلب الحشيش وجمعه ، والحشيش يابس الكلأ . قال الأزهريّ : لا يقال للرّطب حشيش . واصطلاحاً : قطع الحشيش ، سواء أكان يابساً أم رطباً . وإطلاقه في الرّطب من قبيل المجاز ، باعتبار ما يؤول إليه . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - اتّفقت المذاهب في الجملة على إباحة الاحتشاش ، رطباً كان الكلأ أو جافّاً ، في غير الحرم ، ما دام غير مملوك لأحد . أمّا إذا كان مملوكاً فلا يجوز احتشاشه إلاّ بإذن مالكه . أمّا في الحرم فقد اتّفقت المذاهب على أنّه لا يحلّ قطع حشيش الحرم غير المملوك لأحد ، إلاّ أنّهم أباحوا الإذخر وملحقاته والسّواك والعوسج ، وقد أباح الشّافعيّة والحنابلة في رأي وأبو يوسف في رأي أيضاً الاحتشاش في الحرم لعلف الدّوابّ . ولتفصيل ذلك ينظر الجنايات في الإحرام . السّرقة في الاحتشاش : 3 - قال المالكيّة والشّافعيّة ، وهو رأي للحنابلة : تقطع اليد في العشب المحتشّ إذا أخذ من حرز وبلغت قيمته نصاباً ، وقال الحنفيّة وهو رأي للحنابلة : لا قطع فيه . حماية الكلأ من الاحتشاش : 4 - قال الحنفيّة والحنابلة وهو رأي للشّافعيّة أنّه يجوز للإمام أن يمنع الاحتشاش في مكان معيّن يجعله حمًى لرعي خيل المجاهدين ، ولما يشبه ذلك من المصالح العامّة . أمّا المالكيّة والشّافعيّة فهم لا يجيزون المنع من الاحتشاش . الشّركة في الاحتشاش : 5 - الحنفيّة والشّافعيّة لا يجيزون عقد الشّركة في تحصيل المباحات العامّة ولا التّوكيل فيها . والاحتشاش والاحتطاب من هذا القبيل . أمّا المالكيّة والحنابلة فقد أجازوا ذلك . ولتفصيل ذلك يرجع إلى أبواب الشّركة والوكالة . احتضار التّعريف 1 - الاحتضار لغةً : الإشراف على الموت بظهور علاماته . وقد يطلق على الإصابة باللّمم أو الجنون ، ولا يخرج معناه في الاصطلاح عن المعنى اللّغويّ الأوّل . علامات الاحتضار : 2 - للاحتضار علامات كثيرة يعرفها المختصّون ، ذكر منها الفقهاء : استرخاء القدمين ، واعوجاج الأنف ، وانخساف الصّدغين ، وامتداد جلدة الوجه . ملازمة أهل المحتضر له : 3 - يجب على أقارب المحتضر أن يلازموه ، فإن لم يكن فعلى أصحابه ، فإن لم يكن فعلى جيرانه ، فإن لم يكن فعلى عموم المسلمين على وجه الكفاية ، ويستحبّ أن يليه من أقاربه أحسنهم خلقاً وخلقاً وديناً ، وأرفقهم به ، وأعلمهم بسياسته ، وأتقاهم للّه . وندب أن يحضروا عنده طيباً ، وأن يبعدوا النّساء لقلّة صبرهنّ ، وندب إظهار التّجلّد لمن حضر من الرّجال . ولا بأس بحضور الحائض والنّفساء والجنب عند المحتضر وقت الموت ، إذ إنّه قد لا يمكن منعهنّ ، للشّفقة ، أو للاحتياج إليهنّ . وعن الحسن أنّه كان لا يرى بأساً أن تحضر الحائض الميّت والكراهة قول الحنابلة . وقالت المالكيّة : يندب تجنّب حائض وجنب وتمثال وآلة لهو . من يجري عليهم حكم الاحتضار : 4 - يجري حكم الاحتضار على من قدّم للقتل حدّاً ، أو قصاصاً ، أو ظلماً ، أو من أصيب إصابةً قاتلةً ، كما يجري على من كان عند التحام صفوف المعركة . ما يفعله المحتضر : 5 - أ - ينبغي للمحتضر تحسين الظّنّ باللّه تعالى ، فيندب لمن حضرته الوفاة أن يرجو رحمة ربّه ومغفرته وسعة عفوه ، زيادةً على حالة الصّحّة ، ترجيحاً للرّجاء على الخوف ، لما روي عن جابر رضي الله عنه قال " سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث : « لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظّنّ باللّه تعالى » ولخبر الشّيخين في الحديث القدسيّ قال اللّه تعالى : « أنا عند حسن ظنّ عبدي بي ، فلا يظنّ بي إلاّ خيراً » . ولحديث أنس رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل على شابّ وهو بالموت ، فقال : كيف تجدك ؟ قال : واللّه يا رسول اللّه إنّي أرجو اللّه ، وإنّي أخاف ذنوبي ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلاّ أعطاه اللّه ما يرجو وأمّنه ممّا يخاف » . ب - وجوب الإيصاء بأداء الحقوق لأصحابها . ج - توصية أهله باتّباع ما جرت به السّنّة في التّجهيز والدّفن واجتناب البدع في ذلك اتّباعاً لأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقد وردت الآثار الكثيرة عنهم في هذا المجال ، منها ما ورد عن أبي بردة قال : أوصى أبو موسى رضي الله عنه حين حضره الموت ، قال : إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي ، ولا تتبعوني بمجمّر ، ولا تجعلوا على لحدي شيئاً يحول بيني وبين التّراب ، ولا تجعلوا على قبري بناءً . وأشهدكم أنّي بريء من كلّ حالقة أو سالقة أو خارقة . قالوا : سمعت فيه شيئاً ؟ قال : نعم من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . د - التّوصية لأقربائه الّذين لا يرثون منه ، إن لم يكن وصّى لهم في حال صحّته ، لقوله تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف حقّاً على المتّقين } . ولحديث « سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال : كنت مع رسول اللّه في حجّة الوداع ، فمرضت مرضاً أشفيت منه على الموت ، فعادني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول اللّه إنّ لي مالاً كثيراً ، وليس يرثني إلاّ ابنة لي ، أفأوصي بثلثي مالي ؟ قال : لا . قلت : بشطر مالي ؟ قال : لا . قلت : فثلث مالي ؟ قال : الثّلث ، والثّلث كثير ، إنّك يا سعد إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالةً يتكفّفون النّاس » . ( التّوبة إلى اللّه ) 6 - يجب على المحتضر ومن في حكمه أن يتوب إلى اللّه من ذنوبه قبل وصول الرّوح إلى الحلقوم ؛ لأنّ قرب الموت لا يمنع من قبول التّوبة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « إنّ اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » . وتفصيل ما يتّصل بالتّوبة من أحكام في مصطلح « توبة » . تصرّفات المحتضر ومن في حكمه 7 - يجري على تصرّفات المحتضر ومن في حكمه ما يجري على تصرّفات المريض مرض الموت من أحكام ، إذا كان في وعيه ، وتفصيله في مصطلح « مرض الموت » . ما يسنّ للحاضرين أن يفعلوه عند الاحتضار : أوّلاً : التّلقين : 8 - ينبغي تلقين المحتضر : « لا إله إلاّ اللّه » لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « لقّنوا موتاكم لا إله إلاّ اللّه » . قال النّوويّ : المراد بالموتى في الحديث المحتضرون الّذين هم في سياق الموت ، سمّوا موتى لقربهم من الموت ، تسميةً للشّيء باسم ما يصير إليه مجازاً . وظاهر الحديث يقتضي وجوب التّلقين ، وإليه مال القرطبيّ ، والّذي عليه الجمهور أنّه مندوب ، وأنّه لا يسنّ زيادة " محمّد رسول اللّه " وهو ما صحّحه في الرّوضة ، والمجموع . ويكون التّلقين قبل الغرغرة ، جهراً وهو يسمع ؛ لأنّ الغرغرة تكون قرب كون الرّوح في الحلقوم ، وحينئذ لا يمكن النّطق بها . والتّلقين إنّما يكون لمن حضر عقله وقدر على الكلام ، فإنّ شارد اللّبّ لا يمكن تلقينه ، والعاجز عن الكلام يردّد الشّهادة في نفسه . والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام : « لقّنوا موتاكم لا إله إلاّ اللّه » ذكّروا المحتضر « لا إله إلاّ اللّه » لكي تكون آخر كلامه ، كما في الحديث : « من كان آخر كلامه لا إله إلاّ اللّه دخل الجنّة » . ويرى جماعة أنّه يلقّن الشّهادة ، وقالوا : صورة التّلقين أن يقال عنده في حالة النّزع قبل الغرغرة ، جهراً وهو يسمع : « أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأشهد أنّ محمّداً رسول اللّه " ولا يقال له : قل ، ولا يلحّ عليه في قولها ، مخافة أن يضجر فيأتي بكلام غير لائق . فإذا قالها مرّةً لا يعيدها عليه الملقّن ، إلاّ أن يتكلّم بكلام غيرها . ويستحبّ أن يكون الملقّن غير متّهم بالمسرّة بموته ، كعدوّ أو حاسد أو وارث غير ولده ، وأن يكون ممّن يعتقد فيه الخير . وإذا ظهرت من المحتضر كلمات توجب الكفر لا يحكم بكفره ، ويعامل معاملة موتى المسلمين . ثانياً : قراءة القرآن : 9 - يندب قراءة سورة ( يس ) عند المحتضر ، لما روى أحمد في مسنده عن صفوان ، قال : « كانت المشيخة يقولون : إذا قرئت ( يس ) عند الموت خفّف عنه بها . وأسنده صاحب مسند الفردوس إلى أبي الدّرداء وأبي ذرّ ، قالا : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ما من ميّت يموت فتقرأ عنده يس إلاّ هوّن اللّه عليه » . قال ابن حبّان : أراد به من حضرته المنيّة ، لا أنّ الميّت يقرأ عليه . وبه قال الشّافعيّة والحنابلة . وزادت الحنابلة قراءة الفاتحة . وقال الشّعبيّ : « كان الأنصار يقرءون عند الميّت بسورة البقرة » . وعن جابر بن زيد أنّه كان يقرأ عند الميّت سورة الرّعد . وقالت المالكيّة : يكره قراءة شيء من القرآن عند الموت وبعده وعلى القبور ؛ لأنّه ليس من عمل السّلف . ثالثاً : التّوجيه : 10 - يوجّه المحتضر للقبلة عند شخوص بصره إلى السّماء ، لا قبل ذلك ، لئلاّ يفزعه ، ويوجّه إليها مضطجعاً على شقّه الأيمن اعتباراً بحال الوضع في القبر ؛ لأنّه أشرف عليه . وفي توجيه المحتضر إلى القبلة ورد : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور . فقالوا : توفّي وأوصى بثلث ماله لك ، وأن يوجّه للقبلة لمّا احتضر . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أصاب الفطرة ، وقد رددت ثلث ماله على ولده ، ثمّ ذهب فصلّى عليه ، وقال : اللّهمّ اغفر له وارحمه وأدخله جنّتك ، وقد فعلت » . قال الحاكم : ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره . وفي اضطجاعه على شقّه الأيمن قيل : يمكن الاستدلال عليه بحديث النّوم ، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أتيت مضجعك فتوضّأ وضوءك للصّلاة ، ثمّ اضطجع على شقّك الأيمن ، وقل : اللّهمّ إنّي أسلمت نفسي إليك . . . إلى أن قال : فإن متّ متّ على الفطرة » وليس فيه ذكر القبلة . ولم يذكر ابن شاهين في باب المحتضر من كتاب الجنائز له غير أثر عن إبراهيم النّخعيّ قال : « يستقبل بالميّت القبلة " وزاد عطاء بن أبي رباح : « على شقّه الأيمن . ما علمت أحداً تركه من ميّت " ، ولأنّه قريب من الوضع في القبر ، ومن اضطجاعه في مرضه ، والسّنّة فيهما ذلك ، فكذلك فيما قرب منهما . ويستدلّ عليه أيضاً بما روى أحمد أنّ فاطمة رضي الله عنها عند موتها استقبلت القبلة ، ثمّ توسّدت يمينها . ويصحّ أن يوجّه المحتضر إلى القبلة مستلقياً على ظهره ، فذلك أسهل لخروج الرّوح ، وأيسر لتغميضه وشدّ لحييه ، وأمنع من تقوّس أعضائه ، ثمّ إذا ألقي على القفا يرفع رأسه قليلاً ليصير وجهه إلى القبلة دون السّماء . ويقول بعض الفقهاء : إنّه لم يصحّ حديث في توجيه المحتضر إلى القبلة ، بل كره سعيد بن المسيّب توجيهه إليها . فقد ورد عن زرعة بن عبد الرّحمن : « أنّه شهد سعيد بن المسيّب في مرضه ، وعنده أبو سلمة بن عبد الرّحمن ، فغشي على سعيد ، فأمر أبو سلمة أن يحوّل فراشه إلى الكعبة ، فأفاق ، فقال : حوّلتم فراشي ؟ قالوا : نعم ، فنظر إلى أبي سلمة فقال : أراه بعلمك ، فقال : أنا أمرتهم . فأمر سعيد أن يعاد فراشه » . رابعاً : بلّ حلق المحتضر بالماء : 11 - يسنّ للحاضرين أن يتعاهدوا بلّ حلق المحتضر بماء أو شراب ، وأن يتعاهدوا تندية شفتيه بقطنة لأنّه ربّما ينشف حلقه من شدّة ما نزل به فيعجز عن الكلام . وتعاهده بذلك يطفئ ما نزل به من الشّدّة ، ويسهّل عليه النّطق بالشّهادة . خامساً : ذكر اللّه تعالى : 12 - يستحبّ للصّالحين ممّن يحضرون عند المحتضر أن يذكروا اللّه تعالى ، وأن يكثروا من الدّعاء له بتسهيل الأمر الّذي هو فيه ، وأن يدعوا للحاضرين ، إذ هو من مواطن الإجابة ؛ لأنّ الملائكة يؤمّنون على قولهم قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا حضرتم المريض ، أو الميّت ، فقولوا خيراً ، فإنّ الملائكة يؤمّنون على ما تقولون » . سادساً : تحسين ظنّ المحتضر باللّه تعالى : 13 - إذا رأى الحاضرون من المحتضر أمارات اليأس والقنوط وجب عليهم أن يحسّنوا ظنّه بربّه ، وأن يطمّعوه في رحمته ، إذ قد يفارق على ذلك فيهلك ، فتعيّن عليهم ذلك ، أخذاً من قاعدة النّصيحة الواجبة . وهذا الحال من أهمّها . ما يسنّ للحاضرين أن يفعلوه عند موت المحتضر : 14 - إذا تيقّن الحاضرون موت المحتضر ، وعلامة ذلك انقطاع نفسه وانفراج شفتيه تولّى أرفق أهله به إغماض عينيه ، والدّعاء له ، وشدّ لحييه بعصابة عريضة تشدّ في لحييه للأسفل وتربط فوق رأسه ، لأنّه لو ترك مفتوح العينين والفم حتّى يبرد بقي مفتوحهما فيقبح منظره ، ولا يؤمن دخول الهوامّ فيه والماء في وقت غسله ، ويليّن مفاصله ويردّ ذراعيه إلى عضديه ثمّ يمدّهما ، ويردّ أصابع يديه إلى كفّيه ثمّ يمدّها ، ويردّ فخذيه إلى بطنه ، وساقيه إلى فخذيه ثمّ يمدّهما . ويقول مغمضه : « باسم اللّه ، وعلى ملّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . اللّهمّ يسّر عليه أمره ، وسهّل عليه ما بعده ، وأسعده بلقائك ، واجعل ما خرج إليه خيراً ممّا خرج منه » . فقد روي عن أمّ سلمة أنّها قالت : « دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شقّ بصره ، فأغمضه ثمّ قال : إنّ الرّوح إذا قبض تبعه البصر . فضجّ ناس من أهله فقال : لا تدعوا على أنفسكم إلاّ بخير ، فإنّ الملائكة يؤمّنون على ما تقولون . ثمّ قال : اللّهمّ اغفر لأبي سلمة ، وارفع درجته في المهديّين المقرّبين واخلفه في عقبه في الغابرين ، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين ، وأفسح له في قبره ، ونوّر له فيه » . وعن شدّاد بن أوس : قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر . وإنّ البصر يتبع الرّوح . وقولوا خيراً ، فإنّه يؤمّن على ما قال أهل الميّت » . كشف وجه الميّت والبكاء عليه : 15 - يجوز للحاضرين وغيرهم كشف وجه الميّت وتقبيله ، والبكاء عليه ثلاثة أيّام بكاءً خالياً من الصّراخ والنّواح ، لما ورد عن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنه قال : « لمّا قتل أبي جعلت أكشف الثّوب عن وجهه أبكي ، ونهوني ، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم لا ينهاني ، فأمر به النّبيّ صلى الله عليه وسلم فرفع فجعلت عمّتي فاطمة تبكي . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : تبكين أو لا تبكين ، ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتّى رفعتموه » . ولما ورد عن عائشة رضي الله عنها : أنّ أبا بكر كشف وجه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقبّله بين عينيه ، ثمّ بكى ، وقال : بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه ، طبت حيّاً وميّتاً ، « وأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون وهو ميّت ، فكشف عن وجهه ، ثمّ أكبّ عليه ، فقبّله وبكى حتّى رأيت الدّموع تسيل على وجنتيه » وعن عبد اللّه بن جعفر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم ، ثمّ أتاهم ، فقال : لا تبكوا على أخي بعد اليوم » . احتطاب التّعريف 1 - الاحتطاب مصدر احتطب ، يقال احتطب بمعنى جمع الحطب ، والحطب : ما أعدّ من شجر وقوداً للنّار . والمعنى الاصطلاحيّ لا يخرج عن المعنى اللّغويّ . صفته ( حكمه التّكلّفيّ ) : 2 - اتّفقت المذاهب في الجملة على إباحة الاحتطاب رطباً كان الشّجر أو جافّاً في غير الحرم ما دام لا يملكه أحد . أمّا إذا كان محوزاً أو مملوكاً ، فلا يجوز أخذه أو الاحتطاب منه إلاّ بإذن صاحبه . الحكم الإجماليّ ) : 3 - يأخذ الاحتطاب حكم الاحتشاش التّكليفيّ ( ر : احتشاش ) ، غير أنّه يخالفه في أمرين : الأوّل : يباح في الاحتشاش في الحرم قطع الإذخر والعوسج وملحقاتهما ولا يباح ذلك في الاحتطاب . الثّاني : أباح بعض العلماء في الاحتشاش من الحرم علف الدّوابّ منه بخلاف الاحتطاب الّذي لم يبح فيه ذلك . احتقان التّعريف 1 - الاحتقان لغةً : مصدر احتقن ، بمعنى احتبس . يقال : حقن الرّجل بوله : حبسه وجمعه ، فهو حاقن ومطاوعه : الاحتقان : وحقنت المريض إذا أوصلت الدّواء إلى باطنه بالمحقن . ويطلق في الشّريعة على احتباس البول ، كما يطلقونه على تعاطي الدّواء بالحقنة في الدّبر . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - الاحتباس . مصدر احتبس . يقال : حبسته فاحتبس بمعنى منعته فامتنع . فالاحتباس أعمّ . الحصر : هو الإحاطة والمنع والحبس . يقال حصره العدوّ في منزله : حبسه ، وأحصره المرض : منعه من السّفر . ويطلق على احتباس النّجو من ضيق المخرج ، فهو كذلك أعمّ . الحقب : حقب بالكسر حقباً فهو حقيب : تعسّر عليه البول ، أو أعجله . وقيل : الحاقب الّذي احتبس غائطه . فهو على المعنى الثّاني مباين للاحتقان . صفته ( حكمه التّكليفيّ ) : 3 - يختلف حكم الاحتقان تبعاً لإطلاقاته ، فيطلق الاحتقان على امتناع خروج البول لمرض أو غيره ، وهذا هو الاحتقان الطّبيعيّ . ويعتبر أحد الأعذار الّتي يسقط معها الحكم التّكليفيّ ما دامت موجودةً . أمّا منع الإنسان نفسه من خروج البول عند الشّعور بالحاجة للتّبوّل فهو الحقن . ويسمّى الإنسان حينئذ حاقناً . وحكمه التّكليفيّ الكراهة أو الحرمة - على خلاف سيأتي ذكره - في حالتي الصّلاة ، والقضاء بين النّاس . ويطلق الاحتقان أيضاً على تعاطي الدّواء أو الماء عن طريق الشّرج ، وحكمه التّكليفيّ تارةً الإباحة ، وتارةً الحظر ، على خلاف وتفصيل سيأتي بيانه . ودليل حكم الحقن في الصّلاة أو القضاء بين النّاس هو حديث عائشة ، رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا صلاة بحضرة الطّعام ولا وهو يدافع الأخبثين » وحديث « لا يحلّ لامرئ مسلم أن ينظر في جوف امرئ حتّى يستأذن ، ولا يقوم إلى الصّلاة وهو حاقن » . وحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الّذي رواه أبو بكرة عنه قال : « لا يحكم أحدكم بين اثنين وهو غضبان » . وقاسوا عليه الحاقن . ودليل الاحتقان للتّداوي هو دليل التّداوي نفسه بشروط . ( ر : تداوي ) . أوّلاً - احتقان البول وضوء الحاقن : 4 - في المسألة رأيان : ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا ينتقض وضوء الحاقن ؛ لأنّهم اعتبروا لانتقاض الوضوء الخروج الفعليّ من السّبيلين ، لا الخروج الحكميّ . والحاقن لم يخرج منه شيء من السّبيلين . أمّا المالكيّة فإنّهم اعتبروا الخروج الفعليّ أو الحكميّ ناقضاً للوضوء ، واعتبروا الحقن الشّديد خروجاً حكميّاً ينقض الوضوء . ولكنّهم انقسموا إلى رأيين في تحديد درجة الاحتقان الّتي تنقض الوضوء ، فقال بعضهم : إذا كان الاحتقان شديداً بحيث يمنع من الإتيان بشيء من أركان الصّلاة حقيقةً أو حكماً ، كما لو كان يقدر على الإتيان بها بعسر ، فقد أبطل الحقن الوضوء ، فليس له أن يفعل به ما يتوقّف على الطّهارة ، كمسّ المصحف . واعتبروا هذا خروجاً حكميّاً ينقض الوضوء . وقال البعض الآخر : الحقن الشّديد ينقض الوضوء ، وإن لم يمنع من الإتيان بشيء من أركان الصّلاة . صلاة الحاقن : 5 - للفقهاء في حكم صلاة الحاقن اتّجاهان : فذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو رأي للشّافعيّة ، إلى أنّ صلاة الحاقن مكروهة ، لما ورد من الأحاديث السّابقة . وقال الخراسانيّون وأبو زيد المروزيّ من الشّافعيّة : إذا كانت مدافعة الأخبثين شديدةً لم تصحّ الصّلاة . واستدلّ الجميع بحديث عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا صلاة بحضرة الطّعام ، ولا وهو يدافعه الأخبثان » . وما روى ثوبان عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لا يحلّ لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتّى يستأذن ، ولا يقوم إلى الصّلاة وهو حاقن » ، فالقائلون بالكراهة حملوا النّهي في الأحاديث على الكراهة . وأخذ بظاهر الحديث أصحاب الرّأي الثّاني فحملوه على الفساد . أمّا المالكيّة فقد ذهبوا إلى أنّ الحقن الشّديد ناقض للوضوء ، فتكون صلاته باطلةً . إعادة الحاقن للصّلاة : 6 - لم يقل بإعادة صلاة الحاقن أحد ممّن قال بصحّة الصّلاة مع الكراهة ، إلاّ الحنابلة على رأي ، فقد صرّحوا بإعادة الصّلاة للحاقن لظاهر الحديثين السّابقين . وقد تقدّم أنّ المالكيّة يرون بطلان صلاة الحاقن حقناً شديداً فلا بدّ من إعادتها . الحاقن وخوف فوت الوقت : 7 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا كان في الوقت متّسع فينبغي أن يزيل العارض أوّلاً ، ثمّ يشرع في الصّلاة . فإن خاف فوت الوقت ففي المسألة رأيان : ذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو رأي للشّافعيّة ، إلى أنّه يصلّي وهو حاقن ، ولا يترك الوقت يضيع منه ، إلاّ أنّ الحنابلة قالوا بالإعادة في الظّاهر عند ابن أبي موسى للحديث . وذهب الشّافعيّة في رأي آخر حكاه المتولّي إلى أنّه يزيل العارض أوّلاً ويتوضّأ وإن خرج الوقت ، ثمّ يقضيها ، لظاهر الحديث ؛ ولأنّ المراد من الصّلاة الخشوع ، فينبغي أن يحافظ عليه وإن فات الوقت . |
الحاقن وخوف فوت الجماعة أو الجمعة : 8 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه إن خاف فوت الجماعة أو الجمعة صلّى وهو حاقن ، وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الأولى ترك الجماعة وإزالة العارض ، وذهب الحنابلة إلى أنّه يعتبر عذراً مبيحاً لترك الجماعة والجمعة ، لعموم لفظ الحديث ، وهو عامّ في كلّ صلاة . أمّا رأي المالكيّة في حقن البول فقد سبق . قضاء القاضي الحاقن : 9 - لا يعلم خلاف بين أهل العلم في أنّ القاضي لا ينبغي له أن يحكم ، وهو حاقن ، ولكنّهم اختلفوا في حكم قضائه ونفاذ حكمه على رأيين : فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رأي للحنابلة ، وقول شريح وعمر بن عبد العزيز ، إلى أنّه يكره أن يقضي القاضي وهو حاقن ؛ لأنّ ذلك يمنع حضور القلب واستيفاء الفكر الّذي يتوصّل به إلى إصابة الحقّ في الغالب ، فهو في معنى الغضب المنصوص عليه في الحديث المتّفق عليه عن أبي بكرة أنّه قال . سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان . . » . فإذا قضى وهو حاقن ينفذ قضاؤه قياساً على قضاء الغضبان عند الجمهور . وذهب الحنابلة في رأي ثان لهم ، حكاه القاضي أبو يعلى ، إلى أنّه لا يجوز قضاء القاضي وهو حاقن . فإذا حكم وهو على تلك الحالة لا ينفذ قضاؤه ؛ لأنّه منهيّ عنه في الحديث المتقدّم ، والنّهي يقتضي فساد المنهيّ عنه . وقيل عند الحنابلة : إنّما يمنع الغضب الحاكم إذا كان قبل أن يتّضح له الحكم في المسألة . فأمّا إن اتّضح له الحكم ثمّ عرض الغضب لا يمنعه ؛ لأنّ الحقّ قد استبان قبل الغضب فلا يؤثّر الغضب فيه . ثانياً - الاحتقان للتّداوي 10 - في نقض وضوء المحتقن في القبل أو الدّبر ثلاثة اتّجاهات : ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى نقض الوضوء . وذكروا أنّه إذا أدخل رجل أو امرأة في القبل أو الدّبر شيئاً من حقنة أو نحوها ، ثمّ خرج ، انتقض الوضوء ، سواء اختلط به أذًى أم لا ، ولكنّهم اختلفوا في تعليل ذلك تبعاً لقواعدهم : فقال الحنفيّة : إنّ هذه الأشياء وإن كانت طاهرةً في نفسها لكنّها لا تخلو عن قليل النّجاسة يخرج معها ، والقليل من السّبيلين ناقض . وعلّل الشّافعيّة ذلك بقولهم : إنّ الدّاخل إذا خرج يعتبر خروجاً من السّبيلين ، فينتقض الوضوء ، سواء اختلط به أم لا ، وسواء أخرج كلّه أو قطعة منه ؛ ؛ لأنّه خارج من السّبيل وذهب المالكيّة : إلى أنّه لا ينقض الوضوء وذكروا أنّ إدخال الحقنة في الدّبر لا ينقض الوضوء مع احتمال أن يصحبها نجاسة عند خروجها ؛ وعلّلوا ذلك بقولهم : إنّه خارج غير معتاد فلا ينقض الوضوء ، مثل الدّود والحصى ولو صاحبه بلل . وذهب الحنابلة إلى التّفصيل : فاتّفقوا على أنّه إذا كان الدّاخل حقنةً أو قطناً أو غيره ، فإن خرج وعليه بلل نقض الوضوء . ؛ لأنّ البلل لو خرج منفرداً لنقض ؛ ؛ لأنّه خارج من السّبيلين ، فأشبه سائر ما يخرج منهما ، وإن خرج الدّاخل وليس عليه بلل ظاهر ففيه وجهان : الأوّل : ينقض الوضوء ؛ لأنّه خارج من السّبيلين ، فأشبه سائر ما يخرج منهما . والثّاني : لا ينقض ؛ لأنّه ليس بين المثانة والجوف منفذ فلا يكون خارجاً من الجوف . احتقان الصّائم : 11 - احتقان الصّائم إمّا أن يكون في دبر أو في قبل أو في جراحة جائفة ( أي الّتي تصل إلى الجوف ) الاحتقان في الدّبر : في المسألة رأيان : 12 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة في المشهور ، وهو المذهب عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة ، إلى أنّ الاحتقان في الدّبر يفطر الصّائم ، وعليه القضاء ، لقول عائشة رضي الله عنها : « دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال يا عائشة هل من كسرة ؟ فأتيته بقرص ، فوضعه في فيه ، فقال : يا عائشة هل دخل بطني منه شيء ؟ كذلك قبلة الصّائم ، إنّما الإفطار ممّا دخل وليس ممّا خرج » . وعن ابن عبّاس وعكرمة : الفطر ممّا دخل وليس ممّا خرج . ولأنّ هذا شيء وصل إلى جوفه باختياره ، فأشبه الأكل ، ولوجود معنى الفطر وهو وصول ما فيه صلاح البدن . غير أنّ المالكيّة اشترطوا أن يكون الدّاخل مائعاً . ولم يشترط ذلك غيرهم ، وذهب المالكيّة في غير المشهور عندهم ، وهو رأي القاضي حسين من الشّافعيّة - وصف بأنّه شاذّ - وهو اختيار ابن تيميّة ، إلى أنّه إذا احتقن الصّائم في الدّبر لا يفطر ، وليس عليه قضاء . وعلّلوا ذلك بأنّ الصّيام من دين المسلمين الّذي يحتاج إلى معرفته الخاصّ والعامّ ، فلو كانت هذه الأمور ممّا حرّمها اللّه سبحانه لكان واجباً على الرّسول صلى الله عليه وسلم بيانه ، ولو ذكر ذلك لعلمه الصّحابة ، وبلّغوه الأمّة ، كما بلّغوا سائر شرعه ، فلمّا لم ينقل أحد من أهل العلم عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً علم أنّه لم يذكر شيئاً من ذلك . ( الاحتقان في القبل ) : 13 - الاحتقان في القبل إذا لم يصل إلى المثانة فلا شيء فيه ، ولا يؤدّي إلى فطر عند الجمهور . وذهب الشّافعيّة في أصحّ الوجوه عندهم إلى أنّه يفطر ، وفي وجه لهم : إن جاوز الحشفة أفطر وإلاّ فلا . أمّا إذا وصل المثانة فإنّ حكم الاحتقان بالنّسبة لقبل المرأة يأخذ حكم الاحتقان في الدّبر . وأمّا الاحتقان ؛ في قبل الرّجل ( الإحليل ) فإن وصل إلى المثانة ففيه رأيان : ذهب أبو حنيفة ومحمّد والمالكيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ورأي للشّافعيّة ، إلى أنّه لا يفطر وليس عليه شيء . وعلّلوا ذلك بأنّه لم يرد فيه نصّ ، ومن قاسه على غيره جانب الحقّ ؛ لأنّ هذا لا ينفذ إلى الجوف ولا يؤدّي إلى التّغذية الممنوعة . وذهب أبو يوسف والشّافعيّة في الأصحّ عندهم ، وهو قول للحنابلة ، إلى أنّه إذا قطّر في إحليله فسد صومه ؛ لأنّ هذا شيء وصل إلى جوفه باختياره فأشبه الأكل . الاحتقان في الجائفة : 14 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى أنّه إذا تداوى بما يصل إلى جوفه فسد صومه ؛ ؛ لأنّه يصل إلى الجوف ؛ ولأنّ غير المعتاد كالمعتاد ، ولأنّه أبلغ وأولى ، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم وسلّم « أمر بالإثمد عند النّوم ، وقال ليتّقه الصّائم » ولأنّه وصل إلى جوفه باختياره ، فأشبه الأكل ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : « الفطر ممّا دخل » . وذهب المالكيّة ، وهو رأي لكلّ من الشّافعيّة والحنابلة ، إلى أنّه لا يفسد الصّوم ، وعلّل ابن تيميّة ذلك بما سبق في الاحتقان مطلقاً . الاحتقان بالمحرّم : 15 - أجاز العلماء استعمال الحقنة في الدّواء من مرض أو هزال بطاهر ، ولم يجز الحنفيّة استعمال الحقنة للتّقوّي على الجماع أو السّمن . أمّا بالنّسبة للاحتقان بالمحرّم فقد منعه العلماء من غير ضرورة لعموم النّهي عن المحرّم . أمّا إذا كان الاحتقان لضرورة ، ومتعيّناً ، فقد أجاز الحنفيّة والشّافعيّة الاحتقان لضرورة إذا كانت الضّرورة يخشى معها على نفسه ، وأخبره طبيب مسلم حاذق أنّ شفاءه يتعيّن التّداوي بالمحرّم ، على أن يستعمل قدر حاجته . وقالوا : إنّ حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » نفى الحرمة عند العلم بالشّفاء ، فصار معنى الحديث : إنّ اللّه تعالى أذن لكم بالتّداوي ، وجعل لكلّ داء دواءً ، فإذا كان في ذلك الدّواء شيء محرّم وعلمتم أنّ فيه الشّفاء فقد زالت حرمة استعماله ؛ لأنّ اللّه تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم . وأيّد هذا ابن حزم . أمّا إذا كان التّداوي بالمحرّم لتعجيل الشّفاء ففي المسألة رأيان للحنفيّة والشّافعيّة . فبعضهم منعه لعدم الضّرورة في ذلك ما دام هناك ما يحلّ محلّه . وبعضهم أجازه إذا أشار بذلك طبيب مسلم حاذق . ويرى المالكيّة وهو رأي للحنابلة : أنّه لا يجوز الطّلاء ولا الاحتقان والتّداوي بالخمر والنّجس ، ولو أدّى ذلك إلى الهلاك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه لم يجعل شفاء أمّتي فيما حرّم عليها » ؛ ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر له النّبيذ يصنع للدّواء فقال : « إنّه ليس بدواء ولكنّه داء » . حقن الصّغير باللّبن وأثره في تحريم النّكاح 16 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة في المرجوح عندهم ، وهو رأي لكلّ من الشّافعيّة والحنابلة واللّيث بن سعد ، إلى أنّه إذا حقن الصّغير في الشّرج باللّبن فلا يترتّب عليه حرمة النّكاح . وعلّلوا ذلك بأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم حرّم بالرّضاعة الّتي تقابل المجاعة ، ولم يحرّم بغيرها شيئاً ، فلا يقع تحريم ما لم تقابل به المجاعة ؛ ولأنّه لا ينبت اللّحم ، ولا ينشز العظم ، ولا يكتفي به الصّبيّ . وفي رأي لكلّ من الشّافعيّة والحنابلة يثبت التّحريم . وعلّلوا ذلك بأنّ ما في الحقنة يصل إلى الجوف فيكون غذاءً . وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا كان حقن الصّغير باللّبن في مدّة الرّضاع للغذاء وقبل أن يستغني ، فالرّاجح ترتّب التّحريم . نظر الحاقن إلى العورة : 17 - منع العلماء النّظر إلى العورة إلاّ في حالات الضّرورة الّتي تختلف باختلاف الأحوال . وعدّوا من هذه الضّرورة الاحتقان . فإذا انتفت الضّرورة حرم النّظر إلى العورة . وللتّفصيل : ( ر : تطبيب . ضرورة . عورة ) احتكار التّعريف 1 - الاحتكار لغةً : حبس الطّعام إرادة الغلاء ، والاسم منه : الحكرة . أمّا في الشّرع فقد عرّفه الحنفيّة بأنّه : اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء . وعرّفه المالكيّة بأنّه رصد الأسواق انتظاراً لارتفاع الأثمان ، وعرّفه الشّافعيّة بأنّه اشتراء القوت وقت الغلاء ، وإمساكه وبيعه بأكثر من ثمنه للتّضييق . وعرّفه الحنابلة . بأنّه اشتراء القوت وحبسه انتظاراً للغلاء . الألفاظ ذات الصّلة : 2 - الادّخار : ادّخار الشّيء تخبئته لوقت الحاجة . وعلى هذا فيفترق الادّخار عن الاحتكار في أنّ الاحتكار لا يكون إلاّ فيما يضرّ بالنّاس حبسه ، على التّفصيل السّابق ، أمّا الادّخار فإنّه يتحقّق فيما يضرّ وما لا يضرّ ، وفي الأموال النّقديّة وغيرها . كما أنّ الادّخار قد يكون مطلوباً في بعض صوره ، كادّخار الدّولة حاجيّات الشّعب . وتفصيل ذلك في مصطلح « ادّخار » . صفة الاحتكار ( حكمه التّكليفيّ ) : 3 - يتّفق الفقهاء على أنّ الاحتكار بالقيود الّتي اعتبرها كلّ منهم محظور ، لما فيه من الإضرار بالنّاس ، والتّضييق عليهم . وقد اختلفت عبارات الفقهاء في التّعبير عن هذا الحظر . فجمهور الفقهاء صرّحوا بالحرمة ، مستدلّين بقوله تعالى { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } فقد فهم منها صاحب الاختيار أنّها أصل في إفادة التّحريم وقد ذكر القرطبيّ عند تفسير هذه الآية أنّ أبا داود روى عن يعلى بن أميّة أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « احتكار الطّعام في الحرم إلحاد فيه . » وهو قول عمر بن الخطّاب . واستدلّ الكاسانيّ على ذلك بحديث : « المحتكر ملعون » وحديث : « من احتكر طعاماً أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه ، وبرئ اللّه منه . » ثمّ قال الكاسانيّ : ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلاّ بارتكاب الحرام ، ولأنّه ظلم ؛ لأنّ ما يباع في المصر فقد تعلّق به حقّ العامّة ، فإذا امتنع المشتري عن بيعه عند شدّة حاجتهم إليه فقد منعهم حقّهم ، ومنع الحقّ عن المستحقّ ظلم وحرام ، يستوي في ذلك قليل المدّة وكثيرها ، لتحقّق الظّلم . 4 - كما اعتبره ابن حجر الهيتميّ من الكبائر . ويقول : إنّ كونه كبيرةً هو ظاهر الأحاديث ، من الوعيد الشّديد ، كاللّعنة وبراءة ذمّة اللّه ورسوله منه والضّرب بالجذام والإفلاس . وبعض هذه دليل على الكبيرة وممّا استدلّ به الحنابلة على التّحريم ما روى الأثرم عن أبي أمامة ، قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يحتكر الطّعام » ، وما روي بإسناده عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من احتكر فهو خاطئ » ، وما روي : أنّ عمر بن الخطّاب خرج مع أصحابه ، فرأى طعاماً كثيراً قد ألقي على باب مكّة ، فقال : ما هذا الطّعام ؟ فقالوا : جلب إلينا . فقال : بارك اللّه فيه وفيمن جلبه . فقيل له : فإنّه قد احتكر . قال : من احتكره ؟ قالوا : فلان مولى عثمان ، وفلان مولاك ، فاستدعاهما ، وقال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من احتكر على المسلمين طعامهم لم يمت حتّى يضربه اللّه بالجذام أو الإفلاس » . 5 - لكن أكثر الفقهاء الحنفيّة وبعض الشّافعيّة عبّروا عنه بالكراهة إذا كان يضرّ بالنّاس . وتصريح الحنفيّة بالكراهة على سبيل الإطلاق ينصرف إلى الكراهة التّحريميّة . وفاعل المكروه تحريماً عندهم يستحقّ العقاب ، كفاعل الحرام ، كما أنّ كتب الشّافعيّة الّتي روت عن بعض الأصحاب القول بالكراهة قد قالوا عنه : ليس بشيء . الحكمة في تحريم الاحتكار : 6 - يتّفق الفقهاء على أنّ الحكمة في تحريم الاحتكار رفع الضّرر عن عامّة النّاس . ولذا فقد أجمع العلماء على أنّه لو احتكر إنسان شيئاً ، واضطرّ النّاس إليه ، ولم يجدوا غيره ، أجبر على بيعه - على ما سيأتي بيانه - دفعاً للضّرر عن النّاس ، وتعاوناً على حصول العيش . وهذا ما يستفاد ممّا نقل عن مالك من أنّ رفع الضّرر عن النّاس هو القصد من التّحريم ، إذ قال : إن كان ذلك لا يضرّ بالسّوق فلا بأس وهو ما يفيده كلام الجميع . ما يجري فيه الاحتكار : 7 - هناك ثلاث اتّجاهات : الأوّل : ما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمّد والشّافعيّة والحنابلة أنّه لا احتكار إلاّ في القوت خاصّةً . الاتّجاه الثّاني : أنّ الاحتكار يجري في كلّ ما يحتاجه النّاس ، ويتضرّرون من حبسه ، من قوت وإدام ولباس وغير ذلك . وهذا ما ذهب إليه المالكيّة وأبو يوسف من الحنفيّة . الاتّجاه الثّالث : أنّه لا احتكار إلاّ في القوت والثّياب خاصّةً . وهذا قول لمحمّد بن الحسن . واستدلّ الجمهور - أصحاب الاتّجاه الأوّل - بأنّ الأحاديث الواردة في هذا الباب بعضها عامّ ، كالحديث الّذي رواه مسلم وأبو داود عن سعيد بن المسيّب عن معمر بن عبد اللّه ، أنّه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من احتكر فهو خاطئ » ، وفي رواية أخرى رواها مسلم وأحمد : « لا يحتكر إلاّ خاطئ » ، وحديث أحمد عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من احتكر حكرةً يريد أن يغلّي بها على المسلمين فهو خاطئ » . وزاد الحاكم : « وقد برئت منه ذمّة اللّه » . فهذه نصوص عامّة في كلّ محتكر . وقد وردت نصوص أخرى خاصّة ، منها حديث ابن ماجه بسنده : « من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللّه بالجذام والإفلاس » . وما رواه أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزّار وأبو يعلى بلفظ : « من احتكر الطّعام أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه وبرئ اللّه منه » . وزاد الحاكم . « وأيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمّة اللّه » . وإذا اجتمعت نصوص عامّة وأخرى خاصّة في مسألة واحدة حمل العامّ على الخاصّ والمطلق على المقيّد ، واستدلّ المالكيّة وأبو يوسف بالأحاديث العامّة ، وقالوا : إنّ ما ورد من النّصوص الخاصّة فهي من قبيل اللّقب ، واللّقب لا مفهوم له . وأمّا ما ذهب إليه محمّد بن الحسن في قوله الثّاني فإنّه حمل الثّياب على القوت باعتبار أنّ كلّاً منهما من الحاجات الضّروريّة . ما يتحقّق به الاحتكار : 8 - يتحقّق الاحتكار في صور بعضها متّفق على تحريمه وهي ما إذا اجتمع فيه كون الشّيء المحتكر طعاماً وأن يحوزه بطريق الشّراء وأن يقصد الإغلاء على النّاس وأن يترتّب على ذلك الإضرار والتّضييق عليهم ، وهناك صور مختلف في تحريمها بحسب الشّروط . شروط الاحتكار : 9 - يشترط في الاحتكار ما يأتي : 1 - أن يكون تملّكه للسّلعة بطريق الشّراء . وهذا ما ذهب إليه الجمهور ، وذهب بعض المالكيّة ، وهو منقول عن أبي يوسف من الحنفيّة ، إلى أنّ العبرة إنّما هي باحتباس السّلع بحيث يضرّ بالعامّة ، سواء أكان تملّكها بطريق الشّراء ، أو الجلب ، أو كان ادّخاراً لأكثر من حاجته ومن يعول . وعلى ما ذهب إليه الجمهور لا احتكار فيما جلب مطلقاً ، وهو ما كان من سوق غير سوق المدينة ، أو من السّوق الّذي اعتادت المدينة أن تجلب طعامها منه . ويرى كلّ من صاحب الاختيار وصاحب البدائع أنّه إذا كان من سوق اعتادت المدينة أن تجلب طعامها منه ، فاشتراه قاصداً حبسه ، يكون محتكراً ويتفرّع على اشتراط الشّراء لتحقّق الاحتكار أنّ حبس غلّة الأرض المزروعة لا يكون احتكاراً . وهذا هو رأي الجمهور . وهناك من علماء المالكيّة من اعتبر حبس هذه الغلّة من قبيل الاحتكار . ومن علماء الحنفيّة من يرى - أيضاً - أنّ هذا رأي لأبي يوسف . وقد نقل الرّهونيّ عن الباجيّ أنّ ابن رشد قال : « إذا وقعت الشّدّة أمر أهل الطّعام بإخراجه مطلقاً ، ولو كان جالباً له ، أو كان من زراعته » . والمعتمد ما أفاده ابن رشد . 2 - أن يكون الشّراء وقت الغلاء للتّجارة انتظاراً لزيادة الغلاء . وهذا ما ذهب إليه الشّافعيّة . فلو اشترى في وقت الرّخص ، وحبسه لوقت الغلاء ، فلا يكون احتكاراً عندهم . 3 - واشترط الحنفيّة أن يكون الحبس لمدّة ، ولم نقف لفقهاء المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على كلام في هذا ، وإنّما الّذي تعرّض لذكر المدّة فقهاء الحنفيّة ، فيقول الحصكفيّ نقلاً عن الشرنبلالي عن الكافي : إنّ الاحتكار شرعاً اشتراء الطّعام ونحوه وحبسه إلى مدّة اختلفوا في تقديرها ، فمن قائل إنّها أربعون يوماً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والحاكم بسنده : « من احتكر الطّعام أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه وبرئ اللّه منه » . لكن حكى ابن أبي حاتم عن أبيه أنّه منكر . ومن قائل إنّها شهر ؛ لأنّ ما دونه قليل عاجل والشّهر وما فوقه كثير آجل . ويقع التّفاوت في المأثم بين أن يتربّص قلّة الصّنف ، وبين أن يتربّص القحط . وقيل إنّ هذه المدد للمعاقبة في الدّنيا . أمّا الإثم الأخرويّ فيتحقّق وإن قلّت المدّة . وقد أورد الحصكفيّ هذا الخلاف ، وأضاف إليه أنّ من الفقهاء من قال بأكثر من المدّتين . وقد نقل ذلك ابن عابدين في حاشيته . 4 - أن يكون المحتكر قاصداً الإغلاء على النّاس وإخراجه لهم وقت الغلاء . احتكار العمل : 10 - تعرّض بعض الفقهاء لمثل هذا لا على أنّه من قبيل الاحتكار الاصطلاحيّ ، ولكن فيه معنى الاحتكار ، لما فيه من ضرر العامّة ، فقد نقل ابن القيّم أنّ غير واحد من العلماء ، كأبي حنيفة وأصحابه ، منعوا القسّامين - الّذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة - أن يشتركوا ، فإنّهم إذا اشتركوا والنّاس يحتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجرة . وكذلك ينبغي لوالي الحسبة أن يمنع مغسّلي الموتى والحمّالين لهم من الاشتراك ، لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم ، وكذلك اشتراك كلّ طائفة يحتاج النّاس إلى منافعهم . احتكار الصّنف : 11 - وقد صوّره ابن القيّم بقوله : أن يلزم النّاس ألاّ يبيع الطّعام أو غيره من الأصناف إلاّ ناس معروفون ، فلا تباع تلك السّلع إلاّ لهم ، ثمّ يبيعونها هم بما يريدون . فهذا من البغي في الأرض والفساد بلا تردّد في ذلك عند أحد من العلماء . ويجب التّسعير عليهم ، وأن يبيعوا ويشتروا بقيمة المثل منعاً للظّلم . وكذلك إيجار الحانوت على الطّريق أو في القرية بأجرة معيّنة ، على ألاّ يبيع أحد غيره ، نوع من أخذ أموال النّاس قهراً وأكلها بالباطل ، وهو حرام على المؤجّر والمستأجر . العقوبة الدّنيويّة للمحتكر : 12 - اتّفق فقهاء المذاهب على أنّ الحاكم يأمر المحتكر بإخراج ما احتكر إلى السّوق وبيعه للنّاس . فإن لم يمتثل فهل يجبر على البيع ؟ في هذه المسألة تفصيل وخلاف بين الفقهاء : أوّلاً : إذا خيف الضّرر على العامّة أجبر ، بل أخذ منه ما احتكره ، وباعه ، وأعطاه المثل عند وجوده ، أو قيمته . وهذا قدر متّفق عليه بين الأئمّة ، ولا يعلم خلاف في ذلك . ثانياً : إذا لم يكن هناك خوف على العامّة فالمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة يرون أنّ للحاكم جبره إذا لم يمتثل الأمر بالبيع . وأمّا أبو حنيفة وأبو يوسف فيريان أنّه لا يجبر على البيع ، وإنّما إذا امتنع عن البيع عزّره الحاكم . وعند من يرى الجبر فمنهم من يرى الجبر بادئ ذي بدء . ومنهم من يرى الإنذار مرّةً ، قب وقيل اثنتين ، وقيل ثلاثاً . وتدلّ النّقول عن الفقهاء أنّ هذه المسألة مرجعها مراعاة المصلحة . وهو من قبيل السّياسة الشّرعيّة . احتلام التّعريف 1 - من معاني الاحتلام في اللّغة رؤيا المباشرة في المنام . ويطلق في اللّغة أيضاً على الإدراك والبلوغ . ومثله الحلم . وهو عند الفقهاء اسم لما يراه النّائم من المباشرة ، فيحدث معه إنزال المنيّ غالباً . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - أ - الإمناء : يذكر الاحتلام ويراد به الإمناء ، إلاّ أنّ الإمناء أعمّ منه ، إذ لا يقال لمن أمنى في اليقظة محتلم . ب - الجنابة : أعمّ من وجه من الاحتلام فقد تكون من الاحتلام ، وقد تكون من غيره كالتقاء الختانين كما أنّ الاحتلام قد يكون بلا إنزال فلا تحصل الجنابة . ج - البلوغ : البلوغ يحصل بعلامات كثيرة منها الاحتلام ، فهو علامة البلوغ . ممّن يكون الاحتلام ؟ 3 - الاحتلام كما يكون من الرّجل يكون من المرأة ، فقد روى مسلم والبخاريّ أنّ « أمّ سليم حدّثت أنّها سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت : هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ قال : نعم إذا رأت الماء . » بم يتحقّق احتلام المرأة ؟ 4 - للفقهاء في حصول الاحتلام من المرأة ثلاثة آراء : أ - حصول الاحتلام بوصول المنيّ إلى ظاهر الفرج . وهو قول الحنابلة ، وظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وهو قول الشّافعيّة بالنّسبة للثّيّب . والمراد بظاهر الفرج : ما يظهر عند قضاء الحاجة ، أو عند الجلوس عند القدمين . ب - حصول الاحتلام بوصول المنيّ خارج الفرج ، وهو قول المالكيّة مطلقاً ، وقول الشّافعيّة بالنّسبة للبكر ؛ لأنّ داخل فرجها كباطن الجسم . ح - حصول الاحتلام بمجرّد إنزال المرأة في رحمها وإن لم يخرج المنيّ إلى ظاهر الفرج ؛ لأنّ منيّ المرأة عادةً ينعكس داخل الرّحم ليتخلّق منه الولد ، وهو قول محمّد بن الحسن من الحنفيّة . أثر الاحتلام في الغسل ؟ 5 - إن كان المحتلم كافراً ثمّ أسلم فللعلماء في ذلك رأيان : الأوّل : وجوب الغسل من الجنابة ، وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة والأصحّ عند الحنفيّة ، وهو قول للمالكيّة ، لبقاء صفة الجنابة بعد الاحتلام ، ولا يجوز أداء الصّلاة ونحوها إلاّ بزوال الجنابة . الثّاني : ندب الغسل ، وهو قول ابن القاسم والقاضي إسماعيل من المالكيّة ، ومقابل الأصحّ عند الحنفيّة ؛ لأنّ الكافر وقت الاحتلام لم يكن مكلّفاً بفروع الشّريعة . الاحتلام بلا إنزال : 6 - من احتلم ولم يجد منيّاً فلا غسل عليه . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم . ولو استيقظ ووجد المنيّ ولم يذكر احتلاماً فعليه الغسل ، لما روت عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الرّجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام ، قال : يغتسل ، وعن الرّجل يرى أنّه احتلم ولا يجد البلل قال : لا غسل عليه » . ولا يوجد من يقول غير ذلك ، إلاّ وجهاً شاذّاً للشّافعيّة ، وقولاً للمالكيّة . 7 - وإذا رأى المنيّ في فراش ينام فيه مع غيره ممّن يمكن أن يمني ، ونسبه كلّ منهما لصاحبه ، فالغسل مستحبّ لكلّ واحد منهما عند الشّافعيّة والحنابلة ، ولا يلزم ، ولا يجوز أن يصلّي أحدهما خلف الآخر قبل الاغتسال ، للشّكّ ، وهو لا يرتفع به اليقين . وقال الحنفيّة بوجوب الغسل على كلّ منهما . وفصّل المالكيّة فقالوا : إنّه إن كانا زوجين وجب على الزّوج وحده . ؛ لأنّ الغالب خروج المنيّ من الزّوج وحده ، ويعيد الصّلاة من آخر نومة ، ويجب عليهما معاً الغسل إن كانا غير زوجين . ولا فرق بين الزّوجين وغيرهما عند بقيّة المذاهب . 8 - والثّوب الّذي ينام فيه هو وغيره كالفراش عند الشّافعيّة والحنابلة ، ويعيد كلّ صلاة لا يحتمل خلوّها عن الإمناء قبلها عند الشّافعيّة ومن آخر نومة عند الحنابلة ما لم تظهر أمارة على أنّه حدث قبلها . وقال المالكيّة يستحبّ الغسل . 9 - ولو استيقظ فوجد شيئاً وشكّ في كونه منيّاً أو غيره ( والشّكّ : استواء الطّرفين دون ترجيح أحدهما على الآخر ) فللفقهاء في ذلك عدّة آراء : أ - وجوب الغسل ، وهو قول الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، إلاّ أنّ الحنفيّة أوجبوا الغسل إن تذكّر الاحتلام وشكّ في كونه منيّاً أو مذياً ، أو منيّاً أو ودياً ، وكذا إن شكّ في كونه مذياً أو ودياً ؛ ؛ لأنّ المنيّ قد يرقّ لعارض كالهواء ، لوجود القرينة ، وهي تذكّر الاحتلام . فإن لم يتذكّر الاحتلام فالحكم كذلك عند أبي حنيفة ومحمّد ، أخذاً بالحديث « في جوابه صلى الله عليه وسلم عن الرّجل يجد البلل ولم يذكر احتلاماً قال : يغتسل » . للإطلاق في كلمة « البلل » . وقال أبو يوسف : لا يجب ، وهو القياس ؛ لأنّ اليقين لا يزول بالشّكّ ، وهذا كلّه مقيّد عند الحنفيّة والحنابلة بألاّ يسبقه انتشار قبل النّوم ، فإن سبقه انتشار ترجّح أنّه مذي . وزاد الحنابلة : أو كانت بها إبردة ؛ لاحتمال أن يكون مذياً ، وقد وجد سببه . ويجب منه حينئذ الوضوء ، وقصر المالكيّة وجوب الغسل على ما إذا كان الشّكّ بين أمرين أحدهما منيّ . فإن شكّ في كونه واحداً من ثلاثة فلا يجب الغسل ، لضعف الشّكّ بالنّسبة للمنيّ ، لتعدّد مقابله . ب - عدم وجوب الغسل ، وهو وجه للشّافعيّة ، وقول مجاهد وقتادة ؛ ؛ لأنّ اليقين لا يزول بالشّكّ . والأولى الاغتسال لإزالة الشّكّ . وأوجبوا من ذلك الوضوء مرتّباً . ج - التّخيير في اعتباره واحداً ممّا اشتبه فيه ، وهو مشهور مذهب الشّافعيّة ، وذلك لاشتغال ذمّته بطهارة غير معيّنة . د - وللشّافعيّة وجه آخر وهو لزوم مقتضى الجميع . أي الغسل والوضوء ، للاحتياط . أثر الاحتلام في الصّوم والحجّ : 10 - لا أثر للاحتلام في الصّوم ، ولا يبطل به باتّفاق ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « ثلاث لا يفطرن الصّائم : الحجامة ، والقيء ، والاحتلام » ، ولأنّ فيه حرجاً ، لعدم إمكان التّحرّز عنه إلاّ بترك النّوم ، والنّوم مباح ، وتركه غير مستطاع . ولأنّه لم توجد صورة الجماع ، ولا معناه وهو الإنزال عن شهوة بمباشرة ولا أثر له كذلك في الحجّ باتّفاق . أثر الاحتلام في الاعتكاف 11 - يتّفق الفقهاء على أنّ الاعتكاف لا يبطل بالاحتلام ، ولا يفسد إن خرج المعتكف للاغتسال خارج المسجد ، إلاّ في حالة واحدة ذكرها الحنفيّة وهي إن أمكنه الاغتسال في المسجد ، ولم يخش تلويثه فإن خيف تلويثه منع ؛ لأنّ تنظيف المسجد واجب . وبقيّة الفقهاء منهم من يجيز الخروج للاغتسال ولو مع أمن المسجد في التّلوّث ، ومنهم من يوجب الخروج ويحرّم الاغتسال في المسجد مطلقاً ، فإن تعذّر الخروج فعليه تيمّم . والخروج لا يقطع التّتابع باتّفاق ما لم يطل . 12 - وفي اعتبار زمن الجنابة من الاعتكاف خلاف بين الفقهاء . فالشّافعيّة لا يعدّون زمن الجنابة من الاعتكاف إن اتّفق المكث معها لعذر أو غيره ؛ لمنافاة ذلك للاحتلام ، وهو قول الحنفيّة والمالكيّة ، ويحسب عند الحنابلة ، فقد صرّحوا بعدم قضائه لكونه معتاداً ، ولا كفّارة فيه . البلوغ بالاحتلام : 13 - يتّفق الفقهاء على أنّ البلوغ يحصل بالاحتلام مع الإنزال ، وينقطع به اليتم لما روي عن عليّ رضي الله عنه عن النّبيّ عليه الصلاة والسلام قال : « لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى اللّيل » . |
احتواش التّعريف 1 - الاحتواش لغةً الإحاطة . يقال : احتوش القوم على فلان إذا جعلوه وسطهم ، واحتوش القوم الصّيد أحاطوا به . ومن استعمله من الفقهاء - وهم الشّافعيّة - أطلقوه على إحاطة خاصّة ، وهي إحاطة الدّمين بطهر ، وإن كان غيرهم تعرّض للمسألة من غير استعمال هذه التّسمية . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة في الأصحّ عندهم إلى أنّ الطّهر الّذي يعتبر في العدّة هو المحتوش بين دمين ، فلو طلّق صغيرةً ومضى قدر زمن الطّهر ثمّ حاضت فلا يعتبر قرءاً . ومقابل الأصحّ اعتباره قرءاً ؛ لأنّ القرء هو انتقال من طهر إلى حيض ولا يخفى أنّ هذا لا يسمّى احتواشاً . ويذكر الفقهاء ذلك في عدّة ذوات الأقراء . ولا ترد هذه المسألة في مذهب الحنفيّة ، ولا على الأصحّ عند الحنابلة ؛ لأنّ العدّة عندهم بالحيض لا بالأطهار . احتياط التّعريف 1 - من معاني الاحتياط لغةً : الأخذ في الأمور بالأحزم والأوثق ، وبمعنى المحاذرة ، ومنه القول السّائر : أوسط الرّأي الاحتياط ، وبمعنى الاحتراز من الخطأ واتّقائه . ويستعمل الفقهاء الاحتياط بهذه المعاني كذلك . أمّا الورع فهو اجتناب الشّبهات خوفاً من الوقوع في المحرّمات . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - كثير من الأحكام الفقهيّة تثبت لأجل الاحتياط ، فمن نسي الظّهر والعصر من يومين لا يدري أي اليومين أسبق ، فإنّه يصلّي الظّهر ثمّ العصر ثمّ الظّهر في أحد الاحتمالات ، والباعث على ذلك الاحتياط . ولتعارض الاحتياط مع أصل براءة الذّمّة ، ومع قاعدة التّحرّي والتّوخّي عند الحرج ، يأتي التّردّد والخلاف في الأحكام المبنيّة على الاحتياط . ويذكر الأصوليّون ما عبّر عنه الأنصاريّ شارح مسلم الثّبوت أنّه " ليس كلّ ما كان أحوط يجب ، بل إنّما هو فيما ثبت وجوبه من قبل ، فيجب فيه ما تخرج به عن العهدة يقيناً ، كالصّلاة المنسيّة ، كما إذا فاتت صلاة من يوم فنسيها ، فيجب عليه قضاء الصّلوات الخمس من ذلك اليوم ليخرج عن عهدة المنسيّة يقيناً " قال : « ومنه نسيان المستحاضة أيّامها يجب عليها التّطهّر لكلّ صلاة أو لوقت كلّ صلاة " على خلاف تفصيله في " حيض » . ثمّ ذكر الحالة الثّانية الّتي يجب فيها الفعل احتياطاً فقال : « أو كان الوجوب هو الأصل ثمّ يعرض ما يوجب الشّكّ ، كصوم الثّلاثين من رمضان ، فإنّ الوجوب فيه الأصل ، وعروض عارض الغمام لا يمنعه ، فيجب احتياطاً ، لا كصوم يوم الشّكّ ، فلا يثبت الوجوب للاحتياط في صوم يوم الشّكّ ؛ لأنّ الوجوب فيه ليس هو الأصل ، ولا هو ثابت يقيناً » . ( مواطن البحث ) 3 - يذكر الأصوليّون في باب تعارض الأدلّة ترجيح الدّليل المقتضي للتّحريم على ما يقتضي غيره من الأحكام لاستناد ذلك التّرجيح للاحتياط ، وفي تعارض العلل ترجيح العلّة المقتضية للتّحريم على المقتضية لغيره . وذكروا أيضاً مسألة جريان الاحتياط في الوجوب والنّدب والتّحريم ، في الباب نفسه أيضاً . ومحلّ ذلك الملحق الأصوليّ . ويذكر الفقهاء القواعد المبنيّة على الاحتياط ، ومنها قاعدة تغليب الحرام عند اجتماع الحرام والحلال ، وما يدخل في هذه القاعدة وما يخرج عنها ، في كتب القواعد الفقهيّة . احتيال التّعريف 1 - يأتي الاحتيال بمعنى طلب الحيلة ، وهي الحذق في تدبير الأمور ، أي تقليب الفكر حتّى يهتدي إلى المقصود . ويأتي بمعنى الاحتيال بالدّين . ولا يخرج استعمال الأصوليّين والفقهاء له عن هذا ، إلاّ أنّ ابن القيّم ذكر أنّه غلب على الحيلة في العرف استعمالها في سلوك الطّرق الخفيّة الّتي يتوصّل بها الرّجل إلى حصول غرضه بحيث لا يتفطّن له إلاّ بنوع من الذّكاء والفطنة . فهذا أخصّ من موضوعها في أصل اللّغة ، وسواء أكان المقصود أمراً جائزاً أم محرّماً ، وأخصّ من هذا استعمالها في التّوصّل إلى الغرض الممنوع منه شرعاً أو عقلاً أو عادةً . وهذا هو الغالب عليها في عرف النّاس . إطلاقاته : الأوّل : بمعنى استعمال الطّرق الّتي يتوصّل بها الإنسان إلى غرضه . الثّاني : بمعنى نقل الدّين من ذمّة إلى ذمّة ، وهو الحوالة . ( الحكم الإجماليّ ) أوّلاً : بالمعنى الأوّل : يختلف حكم الاحتيال باختلاف القصد والنّيّة ، وباختلاف مآل العمل ، وذلك على الوجه الآتي : 2 - يكون الاحتيال حراماً إذا تسبّب به المكلّف في إسقاط ما وجب شرعاً ، حتّى يصير غير واجب في الظّاهر ، أو في جعل المحرّم حلالاً في الظّاهر . ذلك أنّ العمل إذا قصد به إبطال حكم شرعيّ وتحويله في الظّاهر إلى حكم آخر ، حتّى يصير مآل ذلك العمل خرم قواعد الشّريعة في الواقع ، فهو حرام منهيّ عنه . وذلك كما لو دخل عليه وقت الصّلاة فشرب خمراً أو دواءً منوّماً حتّى يخرج وقتها وهو فاقد لعقله كالمغمى عليه ، أو كان له مال يقدر به على الحجّ فوهبه كي لا يجب عليه الحجّ . وكذلك يحرم التّصرّف في المال بهبة أو غيرها قبل الحول للفرار من الزّكاة عند المالكيّة والحنابلة . وقد اختلف الحنفيّة في ذلك ، فقال أبو يوسف : لا يكره ذلك ؛ لأنّه امتناع عن الوجوب لإبطال حقّ الغير . وفي المحيط أنّه الأصحّ . وقال محمّد : يكره . واختاره الشّيخ حميد الدّين الضّرير ؛ لأنّ فيه إضراراً بالفقراء ، وإبطال حقّهم مآلاً . وقيل : الفتوى على قول محمّد ، كذلك الأمر بالنّسبة للشّافعيّة ، ففي نهاية المحتاج والشّروانيّ : يكره تنزيهاً إن قصد به الفرار من الزّكاة . وقال الشّروانيّ : وفي الوجيز يحرم . زاد في الإحياء : ولا تبرأ به الذّمّة باطناً ، وأنّ هذا من الفقه الضّارّ ، وقال ابن الصّلاح يأثم بقصده لا بفعله . كذلك يحرم الاحتيال لأخذ أموال النّاس وظلمهم في نفوسهم وسفك دمائهم وإبطال حقوقهم . والدّليل على حرمة الاحتيال قوله تعالى : { ولقد علمتم الّذين اعتدوا منكم في السّبت . . . } ؛ لأنّهم احتالوا للاصطياد في السّبت بصورة الاصطياد في غيره . وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يجمع بين متفرّق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصّدقة » . 3 - ويكون الاحتيال جائزاً إذا قصد به أخذ حقّ ، أو دفع باطل ، أو التّخلّص من الحرام ، أو التّوصّل إلى الحلال ، وسواء أكانت الوسيلة محرّمةً أم مشروعةً ، إلاّ أنّها إن كانت محرّمةً فهو آثم على الوسيلة دون المقصود ، وقد يطلب الاحتيال ولا سيّما في الحرب ؛ ؛ لأنّها خدعة . والأصل في الجواز قول اللّه تعالى : { وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث } . 4 - ومنه ما يختلف فيه وهو ما لم يتبيّن فيه مقصد للشّارع يتّفق على أنّه مقصود له ، ولا ظهر أنّه على خلاف المصلحة الّتي وضعت لها الشّريعة بحسب المسألة المفروضة . فمن رأى من الفقهاء أنّ الاحتيال في أمر ما غير مخالف للمصلحة فالتّحيّل جائز عنده فيه ، ومن رأى أنّه مخالف فالتّحيّل ممنوع عنده فيه . على أنّه من المقرّر أنّ من يجيز التّحيّل في بعض المسائل فإنّما يجيزه بناءً على تحرّي قصد المكلّف المحتال ، وأنّه غير مخالف لقصد الشّارع ؛ لأنّ مصادمة الشّارع صراحاً ، علماً أو ظنّاً ، ممنوع ، كما أنّ المانع إنّما منع بناءً على أنّ ذلك مخالف لقصد الشّارع ؛ ولما وضع في الأحكام من المصالح . ومن ذلك نكاح المحلّل ، فإنّه تحيّل إلى رجوع الزّوجة إلى مطلّقها الأوّل بحيلة توافق في الظّاهر قوله اللّه تعالى : { فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجاً غيره } فقد نكحت المرأة هذا المحلّل ، فكان رجوعها إلى الأوّل بعد تطليق الثّاني موافقاً . ونصوص الشّارع مفهمة لمقاصده ، ومن ذلك بيوع الآجال . 5 - وأكثر الّذين أخذوا بالاحتيال هم الحنفيّة فالشّافعيّة . أمّا المالكيّة والحنابلة فإنّ الأصل عندهم هو منع الاحتيال غالباً ، وهو لا يفيد في العبادات ولا في المعاملات ؛ لأنّ تجويز الحيل يناقض سدّ الذّرائع ، فإنّ الشّارع يسدّ الطّريق إلى المفاسد بكلّ ممكن ، والمحتال يفتح الطّريق إليها بحيلة . ثانياً بالمعنى الثّاني : 6 - الاحتيال بالحقّ من جهة المحيل يكون نتيجة عقد الحوالة ، فالحوالة عقد يقتضي نقل دين من ذمّة إلى أخرى ، وهي مستثناة - كما يقول بعض الفقهاء - من بيع الدّين بالدّين . 7 - وهي جائزة للحاجة إليها . والأصل فيها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل » والحكم فيها براءة ذمّة المحيل من دين المحال له . وقد اشترط الفقهاء لصحّتها شروطاً ، كرضا المحيل المحال له ، والعلم بما يحال به وعليه . وغير ذلك من التّفاصيل تنظر في مصطلح ( حوالة ) . ( مواطن البحث ) 8 - للاحتيال بمعنى الطّرق الّتي يتوصّل بها الإنسان إلى غرضه أحكام مفصّلة في مصطلح ( حيلة ) وفي كتب الأصول ولها علاقتها بمقاصد الشّريعة وبالذّرائع . وينظر في الملحق الأصوليّ . إحداد التّعريف 1 - من معاني الإحداد في اللّغة : المنع ، ومنه امتناع المرأة عن الزّينة وما في معناها إظهاراً للحزن . وهو في الاصطلاح : امتناع المرأة من الزّينة وما في معناها مدّةً مخصوصةً في أحوال مخصوصة ، وكذلك من الإحداد امتناعها من البيتوتة في غير منزلها . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : الاعتداد : 2 - وهو تربّص المرأة مدّةً محدّدةً شرعاً لفراق زوجها بوفاة أو طلاق أو فسخ . والعلاقة بين الاعتداد والإحداد أنّ الاعتداد طرف للإحداد ، ففي العدّة . تترك المرأة زينتها لموت زوجها . صفته ( حكمه التّكليفيّ ) : 3 - أجمع العلماء على وجوب الإحداد في عدّة الوفاة من نكاح صحيح ولو من غير دخول بالزّوجة . والدّليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث ليال إلاّ على زوج ، أربعة أشهر وعشراً » . كما أجمعوا على أنّه لا إحداد على الرّجل . وقد أجمعوا أيضاً على أنّه لا إحداد على المطلّقة رجعيّاً ، بل يطلب منها أن تتعرّض لمطلّقها وتتزيّن له لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً . على أنّ للشّافعيّ رأياً بأنّه يستحبّ للمطلّقة رجعيّاً الإحداد إذا لم ترج الرّجعة . 4 - وأمّا المعتدّة من طلاق بائن بينونةً صغرى أو كبرى فقد اختلف العلماء فيه على اتّجاهين : الأوّل : ذهب الحنفيّة والشّافعيّ في قديمه ، وهو إحدى الرّوايتين في مذهب أحمد ، أنّ عليها الإحداد ، لفوات نعمة النّكاح . فهي تشبه من وجه من توفّي عنها زوجها . الثّاني : ذهب المالكيّة والشّافعيّ في جديده وهو إحدى الرّوايتين عن الإمام أحمد ( وقيل في بعض الكتب إنّها المذهب ) إلاّ أنّه لا إحداد عليها ؛ لأنّ الزّوج هو الّذي فارقها نابذاً لها ، فلا يستحقّ أن تحدّ عليه . وإلى هذا ذهب جماعة من التّابعين ، منهم سعيد بن المسيّب ، وأبو ثور ، وعطاء ، وربيعة ، ومالك ، وابن المنذر . إلاّ أنّ الشّافعيّ يرى في جديده أنّه يستحبّ لها أن تحدّ . 5 - وأمّا المنكوحة نكاحاً فاسداً إذا مات عنها زوجها فالجمهور على أنّه لا إحداد عليها ؛ ؛ لأنّها ليست زوجةً على الحقيقة ، وأنّ بقاء الزّواج الفاسد نقمة ، وزواله نعمة ، فلا محلّ للإحداد . وذهب القاضي أبو يعلى من الحنابلة إلى وجوب الإحداد عليها تبعاً لوجوب العدّة ، وذهب القاضي الباجيّ المالكيّ إلى أنّه إذا ثبت بينها وبين زوجها المتوفّي شيء من أحكام النّكاح ، كالتّوارث وغيره ، فإنّها تعتدّ عدّة الوفاة ، ويلزمها الإحداد . 6 - أمّا إحداد المرأة على قريب غير زوج فإنّه جائز لمدّة ثلاثة أيّام فقط ، ويحرم الزّيادة عليها . والدّليل على ذلك ما روته زينب بنت أبي سلمة ، قالت : « لمّا أتى أمّ حبيبة نعي أبي سفيان دعت في اليوم الثّالث بصفرة ، فمسحت به ذراعيها وعارضيها ، وقالت : كنت عن هذا غنيّة ، سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ فوق ثلاث إلاّ على زوج فإنّها تحدّ عليه أربعة أشهر وعشراً . » أخرجه البخاريّ ومسلم ، واللّفظ له . وللزّوج منعها من الإحداد على القريب . إحداد زوجة المفقود : 7 - المفقود : هو من انقطع خبره ، ولم تعلم حياته من مماته . فإذا حكم باعتباره ميّتاً فقد أجمع العلماء على أنّ زوجته تعتدّ عدّة وفاة من حين الحكم ، ولكن أيجب عليها الإحداد ؟ ذهب جمهور العلماء إلى وجوبه باعتبار أنّها معتدّة عدّة وفاة ، فتأخذ حكمها . وذهب ابن الماجشون من المالكيّة إلى أنّه وإن وجبت عليها العدّة فإنّه لا إحداد عليها . بدء مدّة الإحداد : 8 - يبدأ الإحداد عقيب الوفاة سواء علمت الزّوجة بوقتها ، أو تأخّر علمها ، وعقيب الطّلاق البائن عند من يرى ذلك . هذا إذا كانت الوفاة والطّلاق معلومين . أمّا إذا مات الزّوج ، أو طلّقها ، وهو بعيد عنها فيبدأ الإحداد من حين علمها . وليس عليها قضاء ما فات ، وينقضي بانقضاء العدّة ، وإذا انتهت مدّة الإحداد وبقيت محدّةً بلا قصد فلا إثم عليها . حكمة تشريع الإحداد : 9 - شرع إحداد المرأة المتوفّى عنها زوجها وفاءً للزّوج ، ومراعاةً لحقّه العظيم عليها ، فإنّ الرّابطة الزّوجيّة أقدس رباط ، فلا يصحّ شرعاً ولا أدباً أن تنسى ذلك الجميل ، وتتجاهل حقّ الزّوجيّة الّتي كانت بينهما . وليس من الوفاء أن يموت زوجها من هنا ، ثمّ تنغمس في الزّينة وترتدي الثّياب الزّاهية المعطّرة ، وتتحوّل عن منزل الزّوجيّة ، كأنّ عشرةً لم تكن بينهما . وقد كانت المرأة قبل الإسلام تحدّ على زوجها حولاً كاملاً تفجّعاً وحزناً على وفاته ، فنسخ اللّه ذلك وجعله أربعه أشهر وعشراً . هكذا قرّر علماء أئمّة المذاهب الأربعة فيما يستخلص من كلامهم على أحكام الإحداد . فقد ذكروا " أنّ الحداد واجب على من توفّي عنها زوجها ، إظهاراً للتّأسّف على ممات زوج وفّى بعهدها ، وعلى انقطاع نعمة النّكاح ، وهي ليست نعمةً دنيويّةً فحسب ، ولكنّها أيضاً أخرويّة ؛ ؛ لأنّ النّكاح من أسباب النّجاة في المعاد والدّنيا " وشرع الإحداد أيضاً ؛ لأنّه يمنع تشوّف الرّجال إليها ؛ لأنّها إذا تزيّنت يؤدّي إلى التّشوّف ، وهو يؤدّي إلى العقد عليها ، وهو يؤدّي إلى الوطء ، وهو يؤدّي إلى اختلاط الأنساب ، وهو حرام . وما أدّى إلى الحرام حرام » . من تحدّ ومن لا تحدّ ؟ 10 - تبيّن فيما سبق من يطلب منها الإحداد في الجملة . وهناك حالات وقع فيها خلاف بين الفقهاء ، منها : الكتابيّة زوجة المسلم ، والصّغيرة . 11 - أمّا الكتابيّة فقد ذهب مالك - في رواية ابن القاسم - والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها يجب عليها الإحداد مدّة العدّة إذا مات زوجها المسلم ، وذلك ؛ لأنّ الإحداد تبع للعدّة فمتى وجبت عليها عدّة الوفاة وجب عليها الإحداد . وذهب الحنفيّة ومالك في رواية أشهب إلى أنّه لا إحداد عليها ؛ لأنّ الإحداد مطلوب من المسلمة ، لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر . . . » الحديث . 12 - وأمّا الصّغيرة فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها تحدّ ، وعلى وليّها أن يمنعها من فعل ما ينافي الإحداد ؛ لأنّ الإحداد تبع للعدّة . ولما روي عن أمّ سلمة رضي الله عنها « أنّ امرأةً أتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه ، إنّ ابنتي توفّي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها ؟ فقال : لا مرّتين ، أو ثلاثاً » الحديث ، ولم يسأل عن سنّها ، وترك الاستفصال في مقام السّؤال دليل على العموم . وذهب الحنفيّة إلى عدم وجوب الإحداد عليها لحديث : « رفع القلم عن ثلاث : عن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن المبتلى حتّى يبرأ ، وعن الصّبيّ حتّى يكبر » . فإن بلغت في العدّة حدّت فيما بقي . ومثلها المجنونة الكبيرة إذا أفاقت . وأمّا الأمة فالفقهاء على أنّه يلزمها الإحداد مدّة عدّتها ؛ لعموم الحديث في وجوب الإحداد ، وحكى الشّافعيّة الإجماع على ذلك » . ما تتجنّبه المحدّة : 13 - تجتنب المحدّة كلّ ما يعتبر زينةً شرعاً أو عرفاً ، سواء أكان يتّصل بالبدن أو الثّياب أو يلفت الأنظار إليها ، كالخروج من مسكنها ، أو التّعرّض للخطّاب . وهذا القدر مجمع عليه في الجملة . وقد اختلف الفقهاء في بعض الحالات فاعتبرها البعض من المحظورات على المحدّة ، ولم يعتبرها الآخرون . وذلك كبعض الملابس المصبوغة ، واختلافهم في الملابس السّوداء والبيضاء والمصبوغة بغير الزّعفران والمعصفر . وعند التّحقيق نجد أنّ اختلافهم - فيما عدا المنصوص عليه - ناشئ عن اختلاف العرف : فما اعتبر في العرف زينة اعتبروه محرّماً ، وما لم يعتبر اعتبر مباحاً . والممنوع يرجع كلّه إمّا إلى البدن ، أو الثّياب ، أو الحليّ ، أو التّعرّض للخطّاب ، أو البيتوتة . 14 - فأمّا ما يتّصل بالبدن فالّذي يحرم عليها كلّ ما يعتبر مرغّباً فيها من طيب وخضاب وكحل للزّينة . ومن ذلك الأشياء المستحدثة للزّينة ، وليس من ذلك ما تتعاطاه المرأة للتّداوي كالكحل والامتشاط بمشط واسع لا طيب فيه . وذهب الحنفيّة إلى كراهية الامتشاط بمشط الأسنان وهو بلا طيب ؛ لأنّه يعتبر من الزّينة عندهم . على أنّ من لا كسب لها إلاّ من الاتّجار بالطّيب أو صناعته فإنّ الشّافعيّة ينصّون على جواز مسّها له . وهذا كلّه في بدء التّطيّب بعد لزوم الإحداد ، أمّا لو تطيّبت قبل ذلك فهل عليها إزالته بعد لزوم الإحداد ؟ ذهب الشّافعيّة - إلى وجوب ذلك - وهو قول للمالكيّة اختاره ابن رشد . والرّأي الآخر للمالكيّة واختاره القرافيّ أنّه ليس عليها إزالته . 15 - واختلفوا في الأدهان غير المطيّبة ، كالزّيت والشّيرج ، فالحنفيّة والشّافعيّة يرون أنّ استعمالها من الزّينة الممنوعة على المحدّة ، خلافاً للمالكيّة والحنابلة . ففي حديث أمّ سلمة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل عليها حين توفّي زوجها أبو سلمة ، فنهاها أن تمتشط بالطّيب ولا بالحنّاء ، فإنّه خضاب . قالت : قلت بأيّ شيء أمتشط ؟ قال : بالسّدر تغلّفين به رأسك » أي تجعلين عليه من السّدر ما يشبه الغلاف . 16 - وأمّا ما يتّصل بالملابس فهو كما قلنا كلّ ما جرى العرف باعتباره زينةً ، بصرف النّظر عن اللّون ، فقد يكون الثّوب الأسود محظوراً إذا كان يزيدها جمالاً ، أو جرى العرف عند قومها باعتباره من ملابس الزّينة . ولكن ورد النّصّ بالنّهي عن المعصفر والمزعفر من الثّياب ؛ لأنّهما يفوح منهما الطّيب ، لحديث أمّ عطيّة في الصّحيحين « كنّا ننهى أن نحدّ على ميّت فوق ثلاث ، إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً ، وأن نكتحل ، وأن نتطيّب ، وأن نلبس ثوباً مصبوغاً . » وأمّا من لم يكن عندها إلاّ ثوب واحد من المنهيّ عن لبسه فلا يحرم عليها لبسه حتّى تجد غيره ؛ لأنّ ستر العورة أوجب من الإحداد . ونقل عن الخرقيّ من الحنابلة أنّه يحرم عليها استعمال النّقاب ، فإن اضطرّت إلى ستر وجهها ؛ فلتسدل النّقاب وتبعده عن وجهها وذلك ؛ لأنّه اعتبر المحدّة كالمحرمة ولكن المذهب على غير ذلك فلها استعمال النّقاب مطلقاً . 17 - أمّا الحليّ : فقد أجمع الفقهاء على حرمة الذّهب بكلّ صوره عليها ، فيلزمها أن تنزعه حينما تعلم بموت زوجها ، لا فرق في ذلك بين الأساور والدّمالج والخواتم ، ومثله الحليّ من الجواهر . ويلحق به ما يتّخذ للحلية من غير الذّهب والفضّة كالعاج وغيره . وجوّز بعض الفقهاء لبس الحليّ من الفضّة ، ولكنّه قول مردود لعموم النّهي عن لبس الحليّ على المحدّة . وقصر الغزاليّ من الشّافعيّة الإباحة على لبس الخاتم من الفضّة ؛ لأنّه ليس ممّا تختصّ بحلّه النّساء . وتحرم على المحدّة التّعرّض للخطّاب بأيّ وسيلة من الوسائل تلميحاً أو تصريحاً ، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه النّسائيّ وأبو داود : « ولا تلبس المعصفر من الثّياب ، ولا الحليّ » . ما يباح للمحدّة 18 - للمعتدّة الخروج في حوائجها نهاراً سواء كانت مطلّقةً أو متوفًّى عنها ، لما روى « جابر قال : طلقت خالتي ثلاثاً ، فخرجت تجذّ نخلها ، فلقيها رجل فنهاها . فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : اخرجي فجذّي نخلك ، لعلّك أن تتصدّقي منه أو تفعلي خيراً . » رواه النّسائيّ وأبو داود . وروى مجاهد قال : « استشهد رجال يوم أحد ، فجاء نساؤهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وقلن : يا رسول اللّه نستوحش باللّيل ، أفنبيت عند إحدانا ، فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : تحدّثن عند إحداكنّ ، حتّى إذا أردتنّ النّوم فلتؤب كلّ واحدة إلى بيتها » . وليس لها المبيت في غير بيتها ، ولا الخروج ليلاً إلاّ لضرورة ؛ لأنّ اللّيل مظنّة الفساد ، بخلاف النّهار فإنّه مظنّة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه . وإن وجب عليها حقّ لا يمكن استيفاؤه إلاّ بها ، كاليمين والحدّ ، وكانت ذات خدر ، بعث إليها الحاكم من يستوفي الحقّ منها في منزلها . وإن كانت برزةً جاز إحضارها لاستيفائه . فإذا فرغت رجعت إلى منزلها . على أنّ المالكيّة صرّحوا بأنّه لا بأس للمحدّة أن تحضر العرس ، ولكن لا تتهيّأ فيه بما لا تلبسه المحدّة . اتّفق أئمّة المذاهب الأربعة على أنّه يباح للمحدّة في عدّة وفاتها الأشياء التّالية : يباح لها أن تلبس ثوباً غير مصبوغ صبغاً فيه طيب وإن كان نفيساً . ويباح لها من الثّياب كلّ ما جرى العرف على أنّه ليس بزينة مهما كان لونه . ولمّا كان الإحداد خاصّاً بالزّينة في البدن أو الحليّ والثّياب على التّفصيل السّابق ، فلا تمنع من تجميل فراش بيتها ، وأثاثه ، وستوره والجلوس على أثاث وثير . ولا بأس بإزالة الوسخ والتّفث من ثوبها وبدنها ، كنتف الإبط ، وتقليم الأظافر إلخ ، والاغتسال بالصّابون غير المطيّب ، وغسل رأسها ويديها ، ولا يخفى أنّ للمرأة المحدّة أن تقابل من الرّجال البالغين من لها حاجة إلى مقابلته ما دامت غير مبدية زينتها ولا مختلية به . سكن المحدّة : 19 - ذهب جمهور الفقهاء من السّلف والخلف ، ولا سيّما أصحاب المذاهب الأربعة ، إلى أنّه يجب على المعتدّة من وفاة أن تلزم بيت الزّوجيّة الّذي كانت تسكنه عندما بلغها نعي زوجها ، سواء كان هذا البيت ملكاً لزوجها ، أو معاراً له ، أو مستأجراً . ولا فرق في ذلك بين الحضريّة والبدويّة ، والحائل والحامل . والأصل في ذلك قوله تعالى : { لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ } وحديث « فريعة بنت مالك وأنّها جاءت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنّ زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه بطرف القدوم ، فسألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي ، فإنّ زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة . قالت : فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : نعم . قالت : فخرجت حتّى إذا كنت في الحجرة ، أو في المسجد دعاني ، أو أمر بي فدعيت له ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : كيف قلت ؟ فرددت عليه القصّة ، فقال : امكثي في بيتك حتّى يبلغ الكتاب أجله ، فاعتدّت فيه أربعة أشهر وعشراً ، فلمّا كان عثمان بن عفّان رضي الله عنه أرسل إليّ فسألني عن ذلك ، فأخبرته ، فاتّبعه وقضى به » . رواه مالك في الموطّأ . وذهب جابر بن زيد والحسن البصريّ وعطاء من التّابعين إلى أنّها تعتدّ حيث شاءت . وروي ذلك عن عليّ وابن عبّاس وجابر وعائشة رضي الله عنهم . وحاصل ما استدلّوا به : أنّ الآية الّتي جعلت عدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً وهي قوله تعالى : { والّذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشراً } نسخت الآية الّتي جعلت عدّة المتوفّى عنها زوجها حولاً ، وهي قوله تعالى : { والّذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً وصيّةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج } . والنّسخ إنّما وقع على ما زاد عن أربعة أشهر وعشر ، فبقي ما سوى ذلك من الأحكام ، ثمّ جاء الميراث فأسقط تعلّق حقّ إسكانها بالتّركة . مسوّغات ترك مسكن الإحداد : 20 - إن طرأ على المحدّة ما يقتضي تحوّلها عن المسكن الّذي وجب عليها الإحداد فيه ، جاز لها الانتقال إلى مسكن آخر تأمن فيه على نفسها ومالها ، كأن خافت هدماً أو عدوّاً ، أو أخرجت من السّكن من مستحقّ أخذه ، كما لو كان عاريّةً أو إجارةً انقضت مدّتها ، أو منعت السّكنى تعدّياً ، أو طلب به أكثر من أجرة المثل . وإذا انتقلت تنتقل حيث شاءت إلاّ عند الشّافعيّة ، وهو اختيار أبي الخطّاب من الحنابلة ، فعليها أن تنتقل إلى أقرب ما يمكنها الانتقال إليه قياساً على ما إذا وجبت الزّكاة ولم يوجد من يستحقّها في مكان وجوبها ، فإنّها تنقل إلى أقرب موضع يجدهم فيه . وللجمهور أنّ الواجب سقط لعذر ولم يرد الشّرع له ببدل فلا يجب ، ولعدم النّصّ على اختيار الأقرب . أمّا البدويّة إذا انتقل جميع أهل المحلّة الّذين هي معهم أو بقي منهم من لا تأمن معه على نفسها ومالها فإنّها تنتقل عن السّكن الّذي بدأت فيه الإحداد كذلك . وإذا مات ربّان السّفينة ، أو أحد العاملين فيها ، وكانت معه زوجته ، ولها مسكن خاصّ بها في السّفينة ، فإنّها تحدّ فيه ، وتجري عليها الأحكام السّابقة . |
أجرة سكن المحدّة ، ونفقتها : 21 - اختلفت مذاهب الفقهاء فيمن يلزمه أجر سكن المحدّة هل هو عليها أم من مال المتوفّى عنها . فذهب الحنفيّة إلى أنّ أجرة سكن المحدّة من وفاة ، من مالها ؛ ؛ لأنّ الشّرع ورد بتوريثها ، ولم يثبت لها أكثر من ذلك . أمّا المحدّة من طلاق بائن - عندهم - فأجرة سكناها على الزّوج ؛ لأنّ نفقتها عليه في مدّة العدّة ، فإن دفعت من مالها رجعت عليه . وذهب المالكيّة إلى التّفرقة بين المدخول بها وغيرها ، فغير المدخول بها سكناها مع أهلها أو من مالها ، للدّليل السّابق عند الحنفيّة . وأمّا المدخول بها فإن كانت تسكن في ملكه أو في مسكن استأجره لها وعجّل أجرته فليس للورثة إخراجها حتّى لو بيعت الدّار ، فيستثنى منها مدّة إحدادها . فإن لم يكن كذلك فأجرة سكناها من مالها ، وليس لها الرّجوع على مال التّركة بشيء ، سواء في ذلك الحامل والحائل » . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ المحدّة تستحقّ أجرة السّكن من التّركة ، بل تتعلّق بأعيان التّركة . وتقدّم على مؤنة التّجهيز والدّيون المرسلة في الذّمّة في الأظهر ، سواء أكانت حائلاً أم حاملاً ، مدخولاً بها أو غير مدخول . وفي غير الأظهر أنّ أجرة السّكنى عليها ؛ لأنّها وارثة ، فتلزمها ، كالنّفقة . وهناك قول آخر : أنّ الّذي يقدّم على مؤنة التّجهيز أجرة سكنى يوم الوفاة ، وهذا إذا لم تكن تسكن فيما يملكه أو يملك منفعته أو لم يكن قد عجّل الأجرة قبل الوفاة . وذهب الحنابلة إلى التّفرقة بين الحامل والحائل ، فالحائل أجرة سكناها في الإحداد من مالها بلا خلاف عندهم ، للدّليل المذكور سابقاً . وأمّا الحامل فعندهم روايتان ، إحداهما : لها أجرة السّكنى من مال المتوفّى عنها ؛ لأنّها حامل من زوجها ، فكانت لها السّكنى والنّفقة ، كالمفارقة في الحياة . والثّانية : ليس لها ذلك . وصحّح القاضي أبو يعلى هذه الرّواية . هذا عن أجرة سكنى المحدّة ، أمّا نفقتها فموطن بحثه مصطلح ( عدّة ) ؛ لأنّ حكم النّفقة تابع للاعتداد لا للإحداد . حجّ المحدّة : 22 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا تخرج المعتدّة إلى الحجّ في عدّة الوفاة ؛ ؛ لأنّ الحجّ لا يفوت ، والعدّة تفوت . روي ذلك عن عمر وعثمان ، وبه قال سعيد بن المسيّب والثّوريّ وأصحاب الرّأي . وروي عن سعيد بن المسيّب قال : توفّي أزواج نساؤهنّ حاجّات أو معتمرات ، فردّهنّ عمر رضي الله عنه من ذي الحليفة حتّى يعتددن في بيوتهنّ . فإذا خرجت المرأة إلى الحجّ فتوفّي عنها زوجها وهي بالقرب ، أي دون مسافة قصر الصّلاة ، رجعت لتقضي العدّة ؛ لأنّها في حكم الإقامة . ومتى رجعت وقد بقي من عدّتها شيء ، أتت به في منزلها . وإن كانت قد تباعدت بأن قطعت مسافة القصر فأكثر ، مضت في سفرها ؛ لأنّ عليها في الرّجوع مشقّةً ، فلا يلزمها . فإن خافت أن تتعرّض لمخاطر في الرّجوع ، مضت في سفرها ولو كانت قريبةً ؛ لأنّ عليها ضرراً في رجوعها . وإن أحرمت بعد موته لزمتها الإقامة ؛ لأنّ العدّة أسبق . وفي رأي للحنفيّة : أنّ المرأة إذا خرجت إلى الحجّ ، فتوفّي عنها زوجها ، فالرّجوع أولى لتعتدّ في منزلها ، فلا ينبغي لمعتدّة أن تحجّ ، ولا تسافر مع محرم أو غير محرم ، فقد توفّي أزواج نساؤهنّ حاجّات أو معتمرات ، فردّهنّ عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه من قصر النّجف . فدلّ على أنّ المعتدّة تمنع من ذلك . أمّا المالكيّة فيقولون : إذا أحرمت بحجّ أو عمرة ، ثمّ طرأت عليها عدّة بأن توفّي زوجها ، بقيت على ما هي فيه ، ولا ترجع لمسكنها لتعتدّ به ؛ لأنّ الحجّ سابق على العدّة . وإن أحرمت بحجّ أو عمرة بعد موجب العدّة من طلاق أو وفاة ، فإنّها تمضي على إحرامها الطّارئ ، وأثمت بإدخال الإحرام على نفسها بعد العدّة بخروجها من مسكنها . ولم يعتبر الشّافعيّة المسافة الّتي تقطعها المحدّة المحرمة بالأيّام الّتي تقصر فيها الصّلاة . ولكن قالوا : إن فارقت البنيان ، فلها الخيار بين الرّجوع والتّمام ؛ لأنّها صارت في موضع أذن لها زوجها فيه وهو السّفر ، فأشبه ما لو بعدت . 23 - ومثل الحجّ كلّ سفر ، فليس لها أن تنشئ ذلك السّفر وهي محدّة . وذهب أبو يوسف ومحمّد إلى أنّه إذا كان معها محرم فلا بأس بأن تخرج من المصر قبل أن تعتدّ . وحاصل ما تفيده عبارات فقهاء المذاهب المختلفة أنّه إذا أذن الزّوج بالسّفر لزوجته ، ثمّ طلّقها ، أو مات عنها وبلغها الخبر ، فإن كان الطّلاق رجعيّاً فلا يتغيّر الحكم ؛ لقيام الزّوجيّة ، حتّى لو كان معها في السّفر تمضي معه ، وإن لم يكن معها والطّلاق بائن وكانت أقرب إلى بيت الزّوجيّة وجب عليها أن تعود لتعتدّ وتحدّ في بيت الزّوجيّة . وإن كانت أقرب إلى مقصدها فهي مخيّرة بين المضيّ إلى مقصدها وبين العودة ، والعودة أولى . إلاّ أنّ المالكيّة يوجبون العودة ، ولو بلغت مقصدها ، ما لم تقم ستّة أشهر ، إلاّ إذا كانت في حجّة الإسلام وأحرمت فإنّها تمضي عندهم في حجّتها . اعتكاف المحدّة : 24 - المعتكفة إذا توفّي عنها زوجها ، لزمها الخروج لقضاء العدّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ؛ لأنّ خروجها لقضاء العدّة أمر ضروريّ ، كما إذا خرج المعتكف للجمعة وسائر الواجبات ، كإنقاذ غريق ، أو إطفاء حريق ، أو أداء شهادة تعيّن عليه ، أو لفتنة يخشاها على نفسه أو أهله أو ماله . وإذا خرجت المعتكفة لهذه الضّرورات ، فهل يبطل اعتكافها ؟ وهل تلزمها كفّارة يمين ، أو لا كفّارة عليها ؟ ذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو أصحّ القولين للشّافعيّة ، أنّه لا يبطل اعتكافها ، فتقضي عدّتها ، ثمّ تعود إلى المسجد ، وتبني على ما مضى من اعتكافها . والقول الثّاني للشّافعيّة : يبطل اعتكافها ، وقد خرّجه ابن سريج ، وذكر البغويّ أنّها إذا لزمها الخروج للعدّة ، فمكثت في الاعتكاف ، عصت وأجزأها الاعتكاف . قاله الدّارميّ . أمّا المالكيّة فيقولون : « تمضي المعتكفة على اعتكافها إن طرأت عليها عدّة من وفاة أو طلاق . وبهذا قال ربيعة وابن المنذر . أمّا إذا طرأ اعتكاف على عدّة فلا تخرج له ، بل تبقى في بيتها حتّى تتمّ عدّتها ، فلا تخرج للطّارئ ، بل تستمرّ على السّابق " ( ر : اعتكاف ) . عقوبة غير الملتزمة بالإحداد : 25 - يستفاد من كلام أئمّة المذاهب الأربعة في الإحداد أنّ المحدّة المكلّفة لو تركت الإحداد الواجب كلّ المدّة أو بعضها ، فإن كان ذلك عن جهل فلا حرج ، وإن كان عمداً ، فقد أثمت متى علمت حرمة ذلك ، كما قاله ابن المقري من الشّافعيّة . ولكنّها لا تعيد الإحداد ؛ لأنّ وقته قد مضى ، ولا يجوز عمل شيء في غير موضعه في غير وقته ، وانقضت العدّة مع العصيان ، كما لو فارقت المعتدّة المسكن الّذي يجب عليها ملازمته بلا عذر ، فإنّها تعصي وتنقضي عدّتها . ( ف 24 ) وعلى وليّ غير المكلّفة إلزامها بالإحداد في مدّته وإلاّ كان آثماً . ولم ترد في الشّرع عقوبة محدّدة لمن تركت الإحداد ، ولكنّها توصف بأنّها عصت . هذا ومن المعلوم أنّ الإمام من حقّه أن يعزّر المرأة المكلّفة على ترك الإحداد إذا تعمّدت ذلك بما يراه من وسائل التّعزير . 26 - وإذا أمر المطلّق أو الميّت قبل الموت ، الزّوجة بترك الإحداد ، فلا تتركه ؛ لأنّه حقّ الشّرع ، فلا يملك العبد إسقاطه ؛ لأنّ هذه الأشياء دواعي الرّغبة ، وهي ممنوعة عن النّكاح فتجتنبها لئلاّ تصير ذريعةً إلى الوقوع في المحرّم . إحراز التّعريف 1 - الإحراز لغةً : حفظ الشّيء وصيانته عن الأخذ . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ المذكور فقد عرّفه النّسفيّ بأنّه : جعل الشّيء في الحرز ، وهو الموضع الحصين . هذا والإحراز إمّا أن يكون بحصانة موضعه ، وهو كلّ بقعة معدّة للإحراز ، ممنوع من الدّخول فيها إلاّ بإذن ، كالدّور والحوانيت والخيم والخزائن والصّناديق ، وإمّا أن يكون بحافظ يحرسه . والمحكّم في الحرز العرف ، إذ لم يحدّ في الشّرع ولا في اللّغة . وهو يختلف باختلاف الأموال والأحوال والأوقات . وضبطه الغزاليّ بما لا يعدّ صاحبه مضيّعاً له . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - الحيازة : هي وضع اليد على الشّيء والاستيلاء عليه . وقد يكون الشّيء المحوز في حرز أو لا يكون ، لهذا فالحيازة أعمّ من الإحراز . 3 - الاستيلاء : هو القهر والغلبة ولو حكماً في أخذ الشّيء من حرزه ووضع اليد عليه . فهو مختلف أيضاً عن مطلق الإحراز ، وأخصّ منه . الحكم الإجماليّ : 4 - الإحراز عند جمهور الفقهاء شرط من شروط القطع في السّرقة للمال المملوك . مواطن البحث : 5 - يبحث الإحراز في السّرقة عند الحديث عن شروطها ، وفي العقود الّتي بها ضمان كالوديعة وغيرها . إحراق التّعريف 1 - الإحراق لغةً مصدر أحرق . أمّا استعماله الفقهيّ فيؤخذ من عبارات بعض الفقهاء أنّ الإحراق هو إذهاب النّار الشّيء بالكلّيّة ، أو تأثيرها فيه مع بقائه ، ومن أمثلة النّوع الأخير : الكيّ والشّيّ ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - للإحراق صلة بألفاظ اصطلاحيّة كثيرة أهمّها : أ - الإتلاف : وهو الإفناء ، وهو أعمّ من الإحراق . ب - التّسخين : وهو تعريض الشّيء للحرارة ، فهو غير الإحراق . ج - الغلي : وهو آخر درجات التّسخين ، ويختلف باختلاف المادّة المراد غليها ، فهو غير الإحراق . صفته ( حكمه التّكليفيّ ) : 3 - يختلف حكم الإحراق باختلاف ما يراد إحراقه ، فتعتريه الأحكام التّكليفيّة الخمسة . أثر الإحراق من حيث التّطهير : 4 - ذهب المالكيّة في المعتمد ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة وهو المختار للفتوى وهو غير ظاهر المذهب عند الحنابلة إلى أنّ الإحراق إذا تبدّلت به العين النّجسة بتبدّل أوصافها أو انقلاب حقيقتها حتّى صارت شيئاً آخر ، وذلك كالميتة إذا احترقت فصارت رماداً أو دخاناً ، فإنّ ما يتخلّف من الإحراق يكون طاهراً ، ومن باب أولى إذا كانت العين طاهرةً في الأصل وتنجّست ، كالثّوب المتنجّس . ودليلهم قياس ذلك على الخمر إذا تخلّلت والإهاب إذا دبغ . وذهب الشّافعيّة والمالكيّة في غير المعتمد ، وأبو يوسف ، وهو ظاهر المذهب الحنبليّ ، إلى أنّ الإحراق لا يجعل ما يتخلّف منه شيئاً آخر ، فيبقى على نجاسته . وسواء في ذلك العين النّجسة ، أو المتنجّسة ، لقيام النّجاسة ؛ لأنّ المتخلّف من الإحراق جزء من العين النّجسة . وفصّل بعض المالكيّة فقالوا : إن أكلت النّار النّجاسة أكلاً قويّاً فرمادها طاهر ، وإلاّ فنجس . هذا وإنّ من قال من الفقهاء بنجاسة المتخلّف من إحراق النّجس ذهبوا إلى أنّه يعفى عن قليله للضّرورة ؛ ولأنّ المشقّة تجلب التّيسير . طهارة الأرض بالشّمس والنّار : 5 - إذا أصابت الأرض نجاسة ، فجفّت بالشّمس أو النّار ، وذهب أثرها ، وهو هنا اللّون والرّائحة ، جازت الصّلاة مكانها عند الحنفيّة ، واستدلّوا بقول النّبيّ عليه الصلاة والسلام : « ذكاة الأرض يبسها » . وعن ابن عمر قال : « كنت أبيت في المسجد في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكنت فتًى شابّاً عزباً ، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد ولم يكونوا يرشّون شيئاً من ذلك » . كما ذهبوا إلى أنّه لا يجوز التّيمّم به ؛ لأنّ طهارة الصّعيد شرط بنصّ الكتاب وقال اللّه تعالى : { فتيمّموا صعيداً طيّباً } وطهارة الأرض بالجفاف ثبتت بدليل ظنّيّ ، فلا يتحقّق بها الطّهارة القطعيّة المطلوبة للتّيمّم بنصّ الآية . وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة إلى أنّ الأرض لا تطهر بالجفاف ، ولا يجوز الصّلاة على مكانها ولا التّيمّم بها ؛ لأنّ النّجاسة حصلت في المكان ، والمزيل لم يوجد . تمويه المعادن بالنّجس : 6 - الإجماع على أنّه لو سقي الحديد بنجس ، فغسل ثلاثاً ، يطهر ظاهره ، فإذا استعمل بعدئذ في شيء لا ينجس . وعند الحنفيّة عدا محمّد وهو وجه عند الشّافعيّة أنّه يطهر مطلقاً لو سقي بالطّاهر ثلاثاً ، وذلك بالنّسبة لحمله في الصّلاة . وعند محمّد بن الحسن أنّه لا يطهر أبداً . وهذا بالنّسبة للحمل في الصّلاة . أمّا لو غسل ثلاثاً ثمّ قطع به نحو بطّيخ ، أو وقع في ماء قليل ، لا ينجّسه . فالغسل يطهّر ظاهره إجماعاً . وهناك قول آخر للشّافعيّة ، اختاره الشّاشيّ ، أنّه يكتفى لتطهير الحديد المسقيّ بنجس بتطهيره ظاهراً ؛ لأنّ الطّهارة كلّها جعلت على ما يظهر لا على الجوف . وعند المالكيّة إن سقي الحديد المحمى والنّحاس وغيرهما بنجس لا ينجّسهما ويبقيان على طهارتهما لعدم سريان النّجاسة فيهما لاندفاع النّجاسة بالحرارة . الاستصباح بالنّجس والمتنجّس الاستصباح بالدّهن النّجس : 7 - عند الحنابلة ، وهو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، شحوم الميتة لا يجوز الاستصباح بها . وعلّلوا ذلك بأنّه عين النّجاسة وجزؤها . ويؤيّده ما في صحيح البخاريّ عن جابر أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عام الفتح يقول وهو بمكّة : « إنّ اللّه حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام . فقيل : يا رسول اللّه أرأيت شحوم الميتة ، فإنّه يطلى بها السّفن ، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها النّاس ؟ قال : لا ، هو حرام » . الحديث . ونحوهم المالكيّة حيث قالوا : لا ينتفع بالنّجس إلاّ شحم ميتة لدهن العجلات ونحوها . وذلك في غير مسجد ، لا فيه . وعند الشّافعيّة : يحلّ مع الكراهة في غير المسجد الاستصباح بالدّهن النّجس . الاستصباح بالدّهن المتنجّس 8 - اختلفت الآراء في الاستصباح بالأدهان المتنجّسة : ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في المشهور عندهم وهو رواية عند الحنابلة اختارها الخرقيّ ، أنّه يجوز الاستصباح به في غير المسجد ، إلاّ إذا كان المصباح خارج المسجد والضّوء فيه فيجوز ؛ لأنّه أمكن الانتفاع به من غير ضرر ، فجاز كالطّاهر . وهو مرويّ عن ابن عمر . وذهب الحنابلة في الرّواية الأخرى ، وهو اختيار ابن المنذر ، إلى أنّه لا يجوز مطلقاً ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السّفن ، وتدهن بها الجلود ، ويستصبح بها النّاس ؟ فقال : لا ، هو حرام » . متّفق عليه . فقد سوّوا بين النّجس والمتنجّس . دخان وبخار النّجاسة المحرقة 9 - ذهب الحنفيّة في الصّحيح عندهم وهو المعتمد عند المالكيّة وهو اختيار ابن رشد وبعض من متأخّري الشّافعيّة وهو غير ظاهر المذهب عند الحنابلة إلى القول بالطّهارة مطلقاً . وذهب الحنفيّة في مقابل الصّحيح ، وهو ظاهر المذهب الحنبليّ ، واختاره من المالكيّة اللّخميّ والتّونسيّ والمازريّ وأبو الحسن وابن عرفة ووصفه بعضهم بأنّه المشهور ، إلى عدم طهارة الدّخان المتصاعد من وقود النّجاسة ، والبخار المتصاعد من الماء النّجس إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل ثمّ قطر فهو نجس ، وما يصيب الثّوب من بخار النّجاسة ينجّسه . وذهب بعض الشّافعيّة إلى أنّ دخان النّجاسة نجس يعفى عن قليله . وبخار النّجاسة إذا تصاعد بواسطة نار نجس ؛ لأنّ أجزاء النّجاسة تفصلها النّار بقوّتها فيعفى عن قليله . وإذا طبخ طعام بروث آدميّ ، أو بهيمة ، أو أوقد به تحت هباب فصار نشادراً ، فالطّعام طاهر إن لم يكن ما أصابه من دخان النّجاسة كثيراً ، وإلاّ تنجّس . وكذا النّشادر إن كان هبابه طاهراً ، وإلاّ فهو نجس . فالهباب المعروف المتّخذ من دخان السّرجين أو الزّيت المتنجّس إذا أوقد به نجس ، كالرّماد ، ويعفى عن قليله ؛ لأنّ المشقّة تجلب التّيسير . التّيمّم بالرّماد : 10 - كلّ شيء أحرق حتّى صار رماداً لم يجز التّيمّم به بالإجماع . أمّا ما أحرق ولم يصر رماداً فذهب الحنفيّة وهو أصحّ الأقوال عند الشّافعيّة ، إلى جواز التّيمّم منه ؛ لأنّه بالإحراق لم يخرج عن أصله . وذهب المالكيّة ، وهو المعتمد عند الحنابلة ، وقول للشّافعيّة ، إلى أنّه لا يجوز التّيمّم بكلّ ما احترق ، لخروجه بذلك عن كونه صعيداً . وتفصيل ما يصحّ التّيمّم منه وما لا يصحّ في مصطلح ( تيمّم ) . الماء المتجمّع تحت الجلد بالاحتراق ( النّفطة ) : 11 - النّفطة تحت الجلد لا يحكم عليها بنجاسة ولا نقض للوضوء . أمّا إذا خرج ماؤها فقد أجمعوا على نجاسته ، ويعفى عمّا يعتبر منه قليلاً تبعاً لكلّ مذهب في ضابط القلّة والكثرة في المعفوّات . أمّا نقض الوضوء بخروجه فهو مذهب الحنفيّة إن سال عن مكانه ، والحنابلة إن كان فاحشاً ، خلافاً للمالكيّة والشّافعيّة فهو غير ناقض عندهم ، كما يستفاد من عدم ذكرهم له بين نواقض الوضوء . تغسيل الميّت المحترق : 12 - ذهب الفقهاء إلى أنّ من احترق بالنّار يغسّل كغيره من الموتى إن أمكن تغسيله ؛ لأنّ الّذي لا يغسّل إنّما هو شهيد المعركة ولو كان محترقاً بفعل من أفعالها . أمّا المحترق خارج المعركة فهو من شهداء الآخرة . ولا تجري عليه أحكام شهداء المعركة . فإن خيف تقطّعه بالغسل يصبّ عليه الماء صبّاً ولا يمسّ . فإن خيف تقطّعه بصبّ الماء لم يغسّل وييمّم إن أمكن ، كالحيّ الّذي يؤذيه الماء . وإن تعذّر غسل بعضه دون بعض غسّل ما أمكن غسله وييمّم الباقي كالحيّ سواء . الصّلاة على المحترق المترمّد : 13 - ذهب ابن حبيب من المالكيّة والحنابلة وبعض المتأخّرين من الشّافعيّة إلى أنّه يصلّى عليه مع تعذّر الغسل والتّيمّم . ؛ لأنّه لا وجه لترك الصّلاة عليه ؛ لأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور ، لما صحّ من قوله عليه الصلاة والسلام : « وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » ، ولأنّ المقصود من هذه الصّلاة الدّعاء والشّفاعة للميّت . أمّا عند الحنفيّة وجمهور الشّافعيّة والمالكيّة فلا يصلّى عليه ؛ لأنّ بعضهم يشترط لصحّة الصّلاة على الجنازة تقدّم غسل الميّت ، وبعضهم يشترط حضوره أو أكثره ، فلمّا تعذّر غسله وتيمّمه لم يصلّ عليه لفوات الشّرط . الدّفن في التّابوت 14 - يكره دفن الميّت في تابوت بالإجماع ؛ لأنّه بدعة ، ولا تنفّذ وصيّته بذلك ، ولا يكره للمصلحة ، ومنها الميّت المحترق إذا دعت الحاجة إلى ذلك . الإحراق في الحدود والقصاص والتّعزير الإحراق العمد : 15 - يعتبر الإحراق بالنّار عمداً جناية عمد . وتجري عليه أحكام العمد ؛ لأنّها تعمل عمل المحدّد . وتفصيله في ( الجنايات ) . القصاص بالإحراق : 16 - ذهب الشّافعيّة ؛ وهو المشهور عند المالكيّة ، ورواية عند الحنابلة ، إلى قتل القاتل بما قتل به ولو ناراً . ويكون القصاص بالنّار مستثنًى من النّهي عن التّعذيب بها . واستدلّوا بقوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } وقوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وبما أخرجه البيهقيّ والبزّار عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من حديث البراء ، وفيه : « من حرق حرقناه » . وذهب الحنفيّة ، وهو غير المشهور عند المالكيّة ، والمعتمد عند الحنابلة ، إلى أنّ القود لا يكون إلاّ بالسّيف وإن قتل بغيره ، قلو اقتصّ منه بالإلقاء في النّار عزّر . واستدلّوا بحديث النّعمان بن بشير مرفوعاً : « لا قود إلاّ بالسّيف » . ورواه ابن ماجه والبزّار والطّحاويّ والطّبرانيّ والبيهقيّ بألفاظ مختلفة . موجب تعذيب السّيّد عبده بالنّار : 17 - اختلف العلماء في موجب تعذيب السّيّد عبده بالنّار ، فقال أكثرهم : لا يعتق عليه . وذهب مالك والأوزاعيّ ؛ واللّيث إلى عتق العبد بذلك ، ويكون ولاؤه له ، ويعاقبه السّلطان على فعله . واستدلّوا بأثر عمر رضي الله عنه ، أخرجه مالك في الموطّأ بلفظ : وليدة أتت عمر ، وقد ضربها سيّدها بنار ، فأصابها بها . فأعتقها عليه . وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك . العقوبة في اللّواط بالإحراق : 18 - يرى الإمام أبو حنيفة أنّ عقوبة اللّواط سواء اللاّئط والملوط به التّعزير ، ويجيز للحاكم أن يكون التّعزير بالإحراق . وإلى هذا الرّأي ذهب ابن القيّم وأوجب إحراقهما ابن حبيب من المالكيّة ، خلافاً للجمهور الّذين يرون أنّ عقوبتهما لا تكون بالإحراق وتفصيل ذلك في ( الحدود ) . واستدلّ من رأى الإحراق بفعل الصّحابة وعلى رأسهم أبو بكر . وتشدّد في ذلك عليّ رضي الله عنهم . إحراق الدّابّة الموطوءة : 19 - لا يحدّ شخص بوطء بهيمة ، بل يعزّر وتذبح البهيمة ، ثمّ تحرق إذا كانت ممّا لا يؤكل ، وذلك لقطع امتداد التّحدّث به كلّما رئيت . وليس بواجب كما في الهداية . وإن كانت الدّابّة تؤكل جاز أكلها عند أبي حنيفة والمالكيّة ، وقال أبو يوسف ومحمّد من ، الحنفيّة : تحرق أيضاً ، وفي القنية : تذبح وتحرق على الاستحباب ولا يحرم أكلها . ولأحمد والشّافعيّ قول بقتلها بغير ذبح ؛ لأنّ بقاءها يذكّر بالفاحشة فيعيّر بها . والقول الآخر لا بأس بتركها . التّحجير بالإحراق : 20 - من حجّر أرضاً ميّتةً بأن منع غيره منها بوضع علامة فهو أحقّ بها . وممّا يتحقّق به التّحجير إحراق ما في الأرض من الشّوك والأشجار لإصلاح الأرض . إيقاد النّار في المساجد والمقابر : 21 - يكره إيقاد النّار في المسجد لغير مصلحة ، كالتّبخير والاستصباح والتّدفئة ؛ لأنّه إذا لم يكن لمصلحة كان تشبّهاً بعبدة النّار ، فهو حينئذ حرام . وأمّا إيقاد النّار ، كالسّرج وغيرها ، عند القبور فلا يجوز ، لحديث : « لعن اللّه زائرات القبور والمتّخذين عليها السّرج » . فإذا كانت هناك مصلحة ظاهرة تقتضي الإضاءة كدفن الميّت ليلاً فهو جائز . التّبخير عند الميّت 22 - يستحبّ عند الجمهور تبخير أكفان الميّت بالعود ، وهو أن يترك العود على النّار في مجمر ، ثمّ يبخّر به الكفن حتّى تعبق رائحته ويطيب . ويكون ذلك بعد أن يرشّ عليه ماء الورد لتعلق الرّائحة به . وتجمر الأكفان قبل أن يدرج الميّت فيها وتراً . والأصل فيه ما روي عن جابر ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا أجمرتم الميّت فأجمروه ثلاثاً » رواه أحمد ، وأخرجه أيضاً البيهقيّ والبزّار . وقيل : رجاله رجال الصّحيح . وأخرج نحوه أحمد بن حنبل . . واختلفوا في الميّت المحرم على رأيين : فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى جواز تجميره ، قياساً على الحيّ ، ولأنّه انقطع إحرامه بموته ، وسقط عنه التّكليف . وقال الحنابلة : لا يبطل إحرامه ، فلا يجمر هو ولا أكفانه . والأصل في ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الّذي وقصته النّاقة « اغسلوه بماء وسدر ، وكفّنوه في ثوبين ، ولا تمسّوه طيباً ، ولا تخمّروا رأسه ، فإنّه يبعث يوم القيامة ملبّياً » . اتّباع الجنازة بنار 23 - اتّفق الفقهاء على كراهة اتّباع الجنازة بنار في مجمرة أو غيرها ، وإن كانت بخوراً . وكذلك مصاحبتها للميّت ، للأخبار الآتية . ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الكراهة ؛ لأنّ ذلك من فعل الجاهليّة ، وقد حرّم النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك ، وزجر عنه . فقد روي « أنّه خرج في جنازة ، فرأى امرأةً في يدها مجمر ، فصاح عليها وطردها حتّى توارت بالآكام » ، وروى أبو داود بإسناده عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار » ، وقد أوصى كثير من الصّحابة بألاّ يتبعوا بنار بعد موتهم . وروى ابن ماجه أنّ أبا موسى حين حضره الموت قال : لا تتبعوني بمجمر . قالوا له : أو سمعت فيه شيئاً ؟ قال : نعم من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فإن دفن ليلاً ، فاحتاجوا إلى ضوء ، فلا بأس به . وإنّما كره المجامر الّتي فيها البخور . الإحراق المضمون وغير المضمون 24 - إذا أوقد الشّخص ناراً في أرضه أو في ملكه ، أو في موات حجره ، أو فيما يستحقّ الانتفاع به ، فطارت شرارة إلى دار جاره فأحرقتها ، فإن كان الإيقاد بطريقة من شأنها ألاّ تنتقل النّار إلى ملك الغير ، فإنّه لا يضمن . أمّا إن كان الإيقاد بطريقة من شأنها انتقال النّار إلى ملك الغير ، فإنّه يضمن ما أتلفته النّار ، وذلك كأن كان الإيقاد والرّيح عاصفة ، أو وضع مادّةً من شأنها انتشار النّار ، إلى غير ذلك ممّا هو معروف . وعدم الضّمان في الحالة الأولى مرجعه إلى قياسها على سراية الجرح في قصاص الأطراف ، وفي الثّانية بسبب التّقصير . فإن أوقد ناراً في غير ملكه أو ما لا يملك الانتفاع ضمن ما أتلفته النّار ؛ لأنّه متعدّ . ملكيّة المغصوب المتغيّر بالإحراق : 25 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو قول عند أحمد ، إلى أنّه إذا تغيّرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتّى زال اسمها وأعظم منافعها زال ملك المغصوب منه عنها ، وملكها الغاصب وضمنها . ولا يحلّ له الانتفاع بها حتّى يؤدّي بدلها ، كمن غصب شاةً وذبحها وشواها أو طبخها ، أو حديداً فاتّخذه سيفاً ، أو نحاساً فعمله آنيةً . وسبب انتقال الملكيّة أنّ الغاصب أحدث صنعةً متقوّمةً ؛ لأنّ قيمة الشّاة تزداد بطبخها أو شيّها ، وبهذا يعتبر حقّ المالك هالكاً من وجه ، ألا ترى أنّه تبدّل الاسم وفات معظم المقاصد . وحقّ الغاصب في الصّنعة قائم من كلّ وجه ، وما هو قائم من كلّ وجه مرجّح على الأصل الّذي هو فائت وهالك من وجه . وعلى هذا يخرج ما إذا كان المغصوب لحماً ، فشواه أو طبخه ، أو حديداً فضربه سكّيناً ، أو تراباً له قيمة فاتّخذه خزفاً ، ونحو ذلك ؛ لأنّه ليس للمالك أن يستردّ شيئاً من ذلك ، ويزول ملكه بضمان المثل أو القيمة ، وتبطل ولاية الاسترداد ، كما إذا استهلكه حقيقةً . وقال الشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة ورواية عن أبي يوسف : لا ينقطع حقّ المالك ، ولا يزول ملك صاحبه عنه ؛ لأنّ بقاء العين المغصوبة يوجب بقاء ملك المالك ؛ لأنّ الواجب الأصليّ في الغصب ردّ العين عند قيامها ، والعين باقية ، فتبقى على ملكه ، وتتبعه الصّنعة الحادثة ؛ لأنّها تابعة للأصل ، ولا معتبر بفعله ؛ لأنّه محظور فلا يصلح سبباً للملك . وعن محمّد بن الحسن أنّه يخيّر بين القيمة أو العين مع الأرش . وذكر أبو الخطّاب : أنّ الغاصب يشارك المالك بكلّ الزّيادة ؛ لأنّها حصلت بمنافعه ، ومنافعه أجريت مجرى الأعيان ، فأشبه ما لو غصب ثوباً فصبغه ، وذلك بأن تقوّم العين المغصوبة غير مصنّعة ، ثمّ تقوّم مصنّعةً ، فالزّيادة تكون للغاصب على هذا الرّأي . ما يباح إحراقه وما لا يباح : 26 - الأصل أنّ المصحف الصّالح للقراءة لا يحرق ، لحرمته ، وإذا أحرق امتهاناً يكون كفراً عند جميع الفقهاء . وهناك بعض المسائل الفرعيّة ، منها : قال الحنفيّة : المصحف إذا صار خلقاً ، وتعذّر القراءة منه ، لا يحرق بالنّار ، بل يدفن ، كالمسلم . وذلك بأن يلفّ في خرقة طاهرة ثمّ يدفن . وتكره إذابة درهم عليه آية ، إلاّ إذا كسر ، فحينئذ لا يكره إذابته ، لتفرّق الحروف ، أو ؛ لأنّ الباقي دون آية . وقال المالكيّة : حرق المصحف الخلق إن كان على وجه صيانته فلا ضرر ، بل ربّما وجب . وقال الشّافعيّة : الخشبة المنقوش عليها قرآن في حرقها أربعة أحوال : يكره حرقها لحاجة الطّبخ مثلاً ، وإن قصد بحرقها إحرازها لم يكره ، وإن لم يكن الحرق لحاجة ، وإنّما فعله عبثاً فيحرم ، وإن قصد الامتهان فظاهر أنّه يكفر . وذهب الحنابلة إلى جواز تحريق المصحف غير الصّالح للقراءة . أمّا كتب الحديث والفقه وغيرها فقال المالكيّة : إن كان على وجه الاستخفاف فإحراقها كفر مثل القرآن ، وأيضاً أسماء اللّه وأسماء الأنبياء المقرونة بما يدلّ على ذلك مثل : « عليه الصلاة والسلام " لا مطلق الأسماء . وقال الحنفيّة : هذه الكتب إذا كان يتعذّر الانتفاع بها يمحى عنها اسم اللّه وملائكته ورسله ويحرق الباقي . إحراق السّمك والعظم وغيرهما : 27 - ذهب المالكيّة إلى جواز إلقاء السّمك في النّار حيّاً لشيّه . كما أباحوا إحراق العظم وغيره للانتفاع به . ووافقهم الشّافعيّة على الرّاجح في إحراق العظم . وكره الإمام أحمد شيّ السّمك الحيّ ولكن لا يكره أكله . ونصّ الحنابلة على أنّه لا يكره شيّ الجراد حيّاً ، لما أثر من فعل الصّحابة ذلك أمام عمر رضي الله عنه من غير نكير ، ولا يجوز عند الجميع إضاعة المال بالإحراق أو غيره . الإحراق بالكيّ للتّداوي : 28 - إذا لم يكن حاجة إلى التّداوي بالكيّ فإنّه حرام ؛ لأنّه تعذيب بالنّار ، ولا يعذّب بالنّار إلاّ خالقها . وأمّا إذا تعيّن الكيّ فإنّه مباح سواء أكان ذلك الحديد أو غيره . وتفصيل ذلك في مصطلح ( تداوي ) . |
الوسم بالنّار : 29 - الوسم في الوجه بالنّار منهيّ عنه بالإجماع في غير الآدميّ . ومن باب أولى وسم الآدميّ ، فهو حرام لكرامته ؛ ولأنّه لا حاجة إليه ، ولا يجوز تعذيبه . وذهب جماعة في غير الآدميّ إلى أنّ النّهي للكراهة ، وذهب جماعة آخرون إلى تحريمه ، وهو الأظهر ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعن فاعله ، واللّعن يقتضي التّحريم ، حيث قال : « أما بلغكم أنّي لعنت من وسم البهيمة في وجهها ؟ » أمّا وسم غير الآدميّ في بقيّة الجسم فالجمهور على أنّه جائز ، بل مستحبّ ، لما روي من فعل الصّحابة في ماشية الزّكاة والجزية . وذهب أبو حنيفة إلى كراهته لما فيه من تعذيب ومثلة . الانتقال من سبب موت - لآخر أهون 30 - لو شبّت النّار في سفينة أو غيرها فما غلب على ظنّهم السّلامة فيه من بقائهم في أماكنهم أو تركها فعلوه . وإن استوى عندهم الأمران فقال الشّافعيّ وأحمد : كيف شاءوا صنعوا ، وقال الأوزاعيّ : هما موتتان فاختر أيسرهما ، وصرّح المالكيّة بوجوب الانتقال من سبب الموت الّذي حلّ ، إلى سبب آخر إن رجا به حياةً ، أو طولها ، ولو حصل له معها ما هو أشدّ من الموت ؛ لأنّ حفظ النّفوس واجب ما أمكن . الإحراق في الحرب : 31 - إذا قدر على العدوّ بالتّغلّب عليه فلا يجوز تحريقه بالنّار من غير خلاف يعلم ، لما روى « حمزة الأسلميّ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمّره على سريّة ، فقال : فخرجت فيها ، فقال : إن أخذتم فلاناً فأحرقوه بالنّار فولّيت ، فناداني ، فرجعت ، فقال : إن أخذتم فلاناً فاقتلوه ولا تحرّقوه ، فإنّه لا يعذّب بالنّار إلاّ ربّ النّار » . فأمّا رميهم بالنّار قبل القدرة عليهم مع إمكان أخذهم بغير التّحريق فلا يجوز ؛ لأنّهما حينئذ في حكم المقدور عليهم . وأمّا عند العجز عنهم بغير التّحريق فجائز في قول أكثر أهل العلم ، لفعل الصّحابة والتّابعين في غزواتهم . هذا وإن تترّس العدوّ في الحرب ببعض المسلمين ، فإن اضطررنا إلى رميهم بالنّار فهو جائز عند الجمهور . ومرجع ذلك إلى تقدير المصلحة العامّة . والحكم في البغاة والمرتدّين في هذه المسألة كالكفّار في حال القتال . إحراق أشجار الكفّار في الحرب : 32 - إذا كان في ذلك نكاية بالعدوّ ، ولم يرج حصولها للمسلمين ، فالإحراق جائز اتّفاقاً . بل ذهب المالكيّة إلى تعيّن الإحراق . أمّا إذا رجي حصولها للمسلمين ، ولم يكن في إحراقها نكاية ، فإنّه محظور . وصرّح المالكيّة بحرمته . وأمّا إذا كان في إحراقها نكاية ، ويرجى حصولها للمسلمين ، فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى كراهة ذلك . بل صرّح الشّافعيّة بندب الإبقاء حفظاً لحقّ الفاتحين . وذهب المالكيّة إلى وجوب الإبقاء . وإذا كان لا نكاية في إحراقها ، ولا يرجى حصولها للمسلمين ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى جوازه . ومقتضى مذهب الشّافعيّة الكراهة ؛ لأنّه الأصل عندهم . أمّا الحنابلة فالأصل عندهم في هذه المسألة المعاملة بالمثل ، ومراعاة مصلحة المسلمين في القتال . حرق ما عجز المسلمون عن نقله من أسلحة وبهائم وغيرها : 33 - اختلف الفقهاء في الحرق والإتلاف ، فقال الحنفيّة والمالكيّة : إذا أراد الإمام العود ، وعجز عن نقل أسلحة وأمتعة وبهائم لمسلم أو عدوّ ، وعن الانتفاع بها ، تحرق وما لا يحرق ، كحديد ، يتلف أو يدفن في مكان خفيّ لا يقف عليه الكفّار ، وذلك لئلاّ ينتفعوا بهذه الأشياء . أمّا المواشي والبهائم والحيوانات فتذبح وتحرق ، ولا يتركها لهم ؛ لأنّ الذّبح يجوز لغرض صحيح ، ولا غرض أصحّ من كسر شوكة الأعداء وتعريضهم للهلكة والموت ، ثمّ يحرق بالنّار لتنقطع منفعته عن الكفّار ، وصار كتخريب البنيان والتّحريق لهذا الغرض المشروع ، بخلاف التّحريق قبل الذّبح ، فلا يجوز ؛ لأنّه منهيّ عنه . وفيه أحاديث كثيرة منها ما أخرج البزّار في مسنده عن عثمان بن حبّان قال : « كنت عند أمّ الدّرداء رضي الله عنها ، فأخذت برغوثاً فألقيته في النّار ، فقالت : سمعت أبا الدّرداء يقول : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا يعذّب بالنّار إلاّ ربّ النّار » . وللمالكيّة تفصيل ، قالوا : يجهز على الحيوان وجوباً ، للإراحة من التّعذيب بإزهاق روحه أو قطع عرقوبه ، أو الذّبح الشّرعيّ ويحرق الحيوان ندباً بعد إتلافه إن كان الأعداء يستحلّون أكل الميتة ، ولو ظنّاً ، لئلاّ ينتفعوا به . فإن كانوا لا يستحلّون أكل الميتة لم يطلب التّحريق في هذه الحالة وإن كان جائزاً . والأظهر في المذهب طلب تحريقه مطلقاً ، سواء استحلّوا أكل الميتة أم لا ، لاحتمال أكلهم له حال الضّرورة . وقيل : التّحريق واجب ، ورجح . وقال اللّخميّ : إن كانوا يرجعون إليه قبل فساده وجب التّحريق ، وإلاّ لم يجب ؛ لأنّ المقصود عدم انتفاعهم به ، وقد حصل بالإحراق . 34 - وقال الشّافعيّة والحنابلة وعامّة أهل العلم ، منهم الأوزاعيّ واللّيث : لا يجوز في غير حال الحرب عقر الدّوابّ وإحراق النّحل وبيوته لمغايظة الكفّار والإفساد عليهم ، سواء خفنا أخذهم لها أو لم نخف . وذلك بخلاف حال الحرب حيث يجوز قتل المشركين ورميهم بالنّار ، فيجوز إتلاف البهائم ؛ لأنّه يتوصّل بإتلاف البهائم إلى قتل الأعداء . واستدلّوا بقوله تعالى : { وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنّسل واللّه لا يحبّ الفساد } . ولأنّ أبا بكر الصّدّيق رضي الله عنه قال في وصيّته ليزيد بن أبي سفيان ، حين بعثه أميراً : يا يزيد لا تقتل صبيّاً ولا امرأةً ولا هرماً ، ولا تخرّبنّ عامراً ، ولا تعقرنّ شجراً مثمراً ، ولا دابّةً عجماء ، ولا شاةً إلاّ لمأكلة ، ولا تحرّقن نحلاً ولا تغرقنّه ، ولا تغلل ولا تجبن ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل شيء من الدّوابّ صبراً ولأنّه حيوان ذو حرمة فلم يجز قتله لغيظ المشركين ما يحرق للغالّ وما لا يحرق 35 - الغالّ هو الّذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة ، فلا يطلع الإمام عليه ، ولا يضمّه إلى الغنيمة . وقد اختلف الفقهاء في تحريق مال الغالّ للغنيمة ، فقال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة واللّيث : لا يحرق ماله . واستدلّوا بفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعدم تحريقه فعن ابن عمر قال : « جاء رجل بزمام من شعر ، فقال : يا رسول اللّه هذا فيما كنّا أصبنا من الغنيمة ، فقال : سمعت بلالاً نادى ثلاثاً ؟ قال : نعم . قال : فما منعك أن تجيء به ؟ فاعتذر . فقال ؛ كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك » أخرجه أبو داود . ولأنّ إحراق المتاع إضاعة له ، وقد نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال وقال بإحراق مال الغالّ الحنابلة وفقهاء الشّام ، منهم مكحول والأوزاعيّ والوليد بن هشام . وقد أتي سعيد بن عبد الملك بغالّ فجمع ماله وأحرقه ، وعمر بن عبد العزيز حاضر ذلك فلم يعبه قال يزيد بن يزيد بن جابر : السّنّة في الّذي يغلّ أن يحرق رحله . رواهما سعيد في سننه . وقد استدلّوا بما روى صالح بن محمّد بن زائدة ، قال : « دخلت مع مسلمة أرض الرّوم ، فأتي برجل قد غلّ ، فسأل سالماً عنه ، فقال : سمعت أبي يحدّث عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : إذا وجدتم الرّجل قد غلّ فأحرقوا متاعه واضربوه . قال : فوجدنا في متاعه مصحفاً . فسأل سالماً عنه ، فقال : بعه وتصدّق بثمنه » . وروى عبد اللّه بن عمرو « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغالّ » . 36 - قال أحمد : إن لم يحرق رحله حتّى استحدث متاعاً آخر وكذلك إن رجع إلى بلده ، أحرق ما كان معه حال الغلول . 37 - ويشترط في الغالّ أن يكون بالغاً عاقلاً حرّاً ، فتوقع عقوبة الإحراق في متاع الرّجل والخنثى والمرأة والذّمّيّ ؛ لأنّهم من أهل العقوبة . وإن كان الغالّ صبيّاً لم يحرق متاعه عند الحنابلة والأوزاعيّ ؛ لأنّ الإحراق عقوبة ، والصّبيّ ليس من أهل العقوبة . 38 - ويسقط إحراق متاع الغالّ إذا مات قبل إحراق رحله ، نصّ عليه أحمد ، لأنّها عقوبة فتسقط بالموت ، كالحدود ؛ ولأنّه بالموت انتقل المتاع إلى ورثته ، فإحراقه يكون عقوبةً لغير الجاني . وإن انتقل ملكه إلى غير الغالّ بالبيع أو الهبة احتمل عدم تحريقه ، لصيرورته لغيره فأشبه انتقاله للوارث بالموت ، واحتمل أن ينقض البيع والهبة ويحرق ، لأنّه تعلّق به حقّ سابق على البيع والهبة ، فوجب تقديمه كالقصاص في حقّ الجاني . 39 - وما لا يحرق للغالّ بالاتّفاق المصحف ، والحيوان أمّا المصحف فلا يحرق ، لحرمته ، ولما تقدّم من قول سالم فيه . وإن كان مع الغالّ شيء من كتب الحديث أو العلم فينبغي ألاّ تحرق أيضاً ؛ لأنّ نفع ذلك يعود إلى الدّين ، وليس المقصود الإضرار به في دينه ، وإنّما القصد الإضرار به في شيء من دنياه ، ويحتمل أن يباع المصحف ويتصدّق به لقول سالم فيه . 40 - أمّا الحيوان فلا يحرق ولنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعذّب بالنّار إلاّ ربّها ؛ ولحرمة الحيوان في نفسه ؛ ولأنّه لا يدخل في اسم المتاع المأمور بإحراقه . 41 - ولا تحرق ثياب الغالّ الّتي عليه ؛ لأنّه لا يجوز تركه عرياناً ، ولا سلاحه ؛ ؛ لأنّه يحتاج للقتال ، ولا نفقته ؛ لأنّ ذلك ممّا لا يحرق عادةً وللاحتياج إلى الإنفاق . 42 - ولا يحرق المال المغلول ؛ لأنّ ما غلّ من غنيمة المسلمين ، والقصد الإضرار بالغالّ في ماله وقيل لأحمد : أيّ شيء يصنع بالمال الّذي أصابه في الغلول ؟ قال : يرفع إلى الغنم . 43 - واختلف في آلة الدّابّة ، فنصّ أحمد على أنّها لا تحرق ؛ لأنّه يحتاج إليها للانتفاع بها ، ولأنّها تابعة لما لا يحرق فأشبه جلد المصحف وكيسه ؛ ولأنّها ملبوس حيوان ، فلا يحرق ، كثياب الغالّ . وقال الأوزاعيّ : يحرق سرجه وإكافه . ملكيّة ما لم يحرق : 44 - جميع ما ذكر ممّا لم يحرق ، وكذلك ما بقي بعد الإحراق . من حديد أو غيره وهو لصاحبه ؛ لأنّ ملكه كان ثابتاً عليه ، ولم يوجد ما يزيله ، وإنّما عوقب الغالّ بإحراق متاعه ، فما لم يحرق يبقى على ما كان عليه . إحرام الفصل الأوّل التّعريف 1 - من معاني الإحرام في اللّغة : الإهلال بحجّ أو عمرة ومباشرة أسبابها ، والدّخول في الحرمة . يقال : أحرم الرّجل إذا دخل في الشّهر الحرام ، وأحرم : دخل في الحرم ، ومنه حرم مكّة ، وحرم المدينة ، وأحرم : دخل في حرمة عهد أو ميثاق . والحرم - بضمّ الحاء وسكون الرّاء - : الإحرام بالحجّ أيضاً ، وبالكسر : الرّجل المحرم ، يقال أنت حلّ ، وأنت حرم . والإحرام في اصطلاح الفقهاء يراد به عند الإطلاق الإحرام بالحجّ ، أو العمرة . وقد يطلق على الدّخول في الصّلاة ويستعملون مادّته مقرونةً بالتّكبيرة الأولى ، فيقولون : « تكبيرة الإحرام " ويسمّونها " التّحريمة " وتفصيل ذلك في مصطلح ( صلاة ) . ويطلق فقهاء الشّافعيّة الإحرام على الدّخول في النّسك ، وبه فسّروا قول النّوويّ في المنهاج : « باب الإحرام » . تعريف الحنفيّة للإحرام : 2 - الإحرام عند الحنفيّة هو الدّخول في حرمات مخصوصة غير أنّه لا يتحقّق شرعاً إلاّ بالنّيّة مع الذّكر أو الخصوصيّة . والمراد بالدّخول في حرمات : التزام الحرمات ، والمراد بالذّكر التّلبية ونحوها ممّا فيه تعظيم اللّه تعالى . والمراد بالخصوصيّة : ما يقوم مقامها من سوق الهدي ، أو تقليد البدن . تعريف المذاهب الثّلاثة للإحرام : 3 - أمّا تعريف الإحرام عند المذاهب الثّلاثة : المالكيّة - على الرّاجح عندهم - والشّافعيّة والحنابلة فهو : نيّة الدّخول في حرمات الحجّ والعمرة . حكم الإحرام : 4 - أجمع العلماء على أنّ الإحرام من فرائض النّسك ، حجّاً كان أو عمرةً ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّما الأعمال بالنّيّات » متّفق عليه لكن اختلفوا فيه أمن الأركان هو أم من الشّروط . فمذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ الإحرام ركن للنّسك . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الإحرام شرط من شروط صحّة الحجّ ، غير أنّه عند الحنفيّة شرط من وجه ، ركن من وجه أو " هو شرط ابتداءً ، وله حكم الرّكن انتهاءً » . ويتفرّع على كون الإحرام شرطاً عند الحنفيّة وكونه يشبه الرّكن فروع . منها : 1 - أجاز الحنفيّة الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحجّ ، مع الكراهة ، لكون الإحرام شرطاً عندهم ، فجاز تقديمه على الوقت . 2 - لو أحرم المتمتّع بالعمرة قبل أشهر الحجّ ، وأتى بأفعالها ، أو بركنها ، أو أكثر الرّكن - يعني أربعة أشواط من الطّواف - في أشهر الحجّ يكون متمتّعاً عند الحنفيّة . 3 - تفرّع على شبه الإحرام بالرّكن عند الحنفيّة أنّه لو أحرم الصّبيّ ، ثمّ بلغ بعدما أحرم ، فإنّه إذا مضى في إحرامه لم يجزه عن حجّة الإسلام . لكن لو جدّد الإحرام قبل الوقوف ونوى حجّة الإسلام ، جاز عن حجّة الإسلام عند الحنفيّة اعتباراً لشبه الرّكن في هذه الصّورة احتياطاً في العبادة . حكمة تشريع الإحرام : 5 - فرضيّة الإحرام للنّسك لها حكم جليلة ، وأسرار ومقاصد تشريعيّة كثيرة ، أهمّها : استشعار تعظيم اللّه تعالى وتلبية أمره بأداء النّسك الّذي يريده المحرم ، وأنّ صاحبه يريد أن يحقّق به التّعبّد والامتثال للّه تعالى . شروط الإحرام : 6 - يشترط الفقهاء لصحّة الإحرام : الإسلام والنّيّة . وزاد الحنفيّة ، وهو المرجوح عند المالكيّة ، اشتراط التّلبية أو ما يقوم مقامها . 7 - وقد اتّفقوا على أنّه لا يشترط في النّيّة للنّسك الفرض تعيين أنّه فرض في النّيّة ، ولو أطلق النّيّة ولم يكن قد حجّ حجّة الفرض يقع عنها اتّفاقاً . بخلاف ما لو نوى ، حجّة نفل فالمذهب المعتمد عند الحنفيّة وهو مذهب المالكيّة أنّه يقع عمّا نوى . وبهذا قال سفيان الثّوريّ وابن المنذر ، وهو رواية عن الإمام أحمد . وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فقالوا : إن أحرم بتطوّع أو نذر من لم يحجّ حجّة الإسلام وقع عن حجّة الإسلام . وبهذا قال ابن عمر وأنس . وقالوا : من حجّ عن غيره ولم يكن حجّ عن نفسه ، ردّ ما أخذ ، وكانت الحجّة عن نفسه ، وبهذا قال الأوزاعيّ . استدلّ الحنفيّة ومن معهم : « بأنّ المطلق ينصرف إلى الفرد الكامل ، فإن كان عليه حجّة الإسلام يقع عنها استحساناً ، في ظاهر المذهب أي إذا أطلق ولم يعيّن » . وجه الاستحسان : « أنّ الظّاهر من حال من عليه حجّة الإسلام أنّه لا يريد بإحرام الحجّ حجّة التّطوّع ، ويبقي نفسه في عهدة الفرض ، فيحمل على حجّة الإسلام ، بدلالة حاله ، فكان الإطلاق فيه تعييناً ، كما في صوم رمضان » . وقالوا في اعتباره عمّا نواه من غير الفرض : « إنّما أوقعناه عن الفرض عند إطلاق النّيّة بدلالة حاله ، والدّلالة لا تعمل مع النّصّ بخلافه » . ويشهد لهم نصّ الحديث المشهور الصّحيح : « وإنّما لكلّ امرئ ما نوى » واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة بحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : لبّيك عن شبرمة . قال : من شبرمة ؟ قال : أخ لي ، أو قريب لي . قال : حججت عن نفسك ؟ قال : لا . قال : حجّ عن نفسك ، ثمّ حجّ عن شبرمة » . أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما . وفي رواية : « اجعل هذه عن نفسك . . . » فاستدلّوا بها . وقد صحّح النّوويّ أسانيده ، وتكلّم فيه غيره ، فرجّح إرساله ، ووقفه . واستدلّوا بحديث ابن عبّاس أيضاً : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا صرورة في الإسلام » أخرجه أحمد وأبو داود واختلف في صحّته كذلك . قال الخطّابيّ في معالم السّنن : « وقد يستدلّ به من يزعم أنّ الصّرورة لا يجوز له أن يحجّ عن غيره . وتقدير الكلام عنده : أنّ الصّرورة إذا شرع في الحجّ عن غيره صار الحجّ عنه ، وانقلب عن فرضه ، ليحصل معنى النّفي ، فلا يكون صرورةً ، وهذا مذهب الأوزاعيّ والشّافعيّ وأحمد وإسحاق . . . » . واستدلّوا من المعقول : « أنّ النّفل والنّذر أضعف من حجّة الإسلام ، فلا يجوز تقديمهما عليها ، كحجّ غيره على حجّه » . وبقياس النّفل والنّذر على من أحرم عن غيره وعليه فرضه . التّلبية : 8 - التّلبية لغةً إجابة المنادي . والمراد بالتّلبية هنا : قول المحرم : « لبّيك اللّهمّ لبّيك ... » ، أي إجابتي لك يا ربّ . ولم يستعمل " لبّيك " إلاّ على لفظ التّثنية . والمراد بها التّكثير . والمعنى : أجبتك إجابةً بعد إجابة ، إلى ما لا نهاية . حكم التّلبية : 9 - التّلبية شرط في الإحرام عند أبي حنيفة ومحمّد وابن حبيب من المالكيّة ، لا يصحّ الإحرام بمجرّد النّيّة ، حتّى يقرنها بالتّلبية أو ما يقوم مقامها ممّا يدلّ على التّعظيم من ذكر ودعاء أو سوق الهدي . فإذا نوى النّسك الّذي يريده من حجّ أو عمرة أو هما معاً ولبّى فقد أحرم ، ولزمه كلّ أحكام الإحرام الآتية ، وأن يمضي ، في أداء ما أحرم به . والمعتمد عندهم " أنّه يصير محرماً بالنّيّة لكن عند التّلبية ، كما يصير شارعاً في الصّلاة بالنّيّة ، لكن بشرط التّكبير ، لا بالتّكبير » . وقد نقل هذا المذهب عن عبد اللّه بن مسعود ، وابن عمر ، وعائشة ، وإبراهيم النّخعيّ ، وطاوس ومجاهد ، وعطاء بل ادّعى فيه اتّفاق السّلف . وذهب غيرهم إلى أنّ التّلبية لا تشترط في الإحرام ، فإذا نوى فقد أحرم بمجرّد النّيّة ، ولزمته أحكام الإحرام الآتية ، والمضيّ في أداء ما أحرم به . ثمّ اختلفوا : فقال المالكيّة : هي واجبة في الأصل ، والسّنّة قرنها بالإحرام . ويلزم الدّم بطول فصلها عن النّيّة . ولو رجع ولبّى لا يسقط عنه الدّم . وسواء أكان التّرك أو طول الفصل عمداً أم نسياناً . وذهب الشّافعيّة والحنابلة - وهو منقول عن أبي يوسف - إلى أنّ التّلبية سنّة في الإحرام مطلقاً . المقدار الواجب من لفظ التّلبية : 10 - الصّيغة الّتي أوردها الفقهاء للتّلبية : هي : « لبّيك اللّهمّ لبّيك . لبّيك لا شريك لك لبّيك . إنّ الحمد والنّعمة لك والملك . لا شريك لك » . هذه الصّبغة الّتي لزمها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع ، ولم يزد عليها والّذي يحصل به أداء التّلبية في الإحرام عند الحنفيّة هو ما يحصل به التّعظيم . فإنّ المشروط على الحقيقة عند الحنفيّة أن تقترن النّيّة " بذكر يقصد به التّعظيم ، كتسبيح ، وتهليل " ولو مشوباً بالدّعاء » . النّطق بالتّلبية : 11 - يشترط لأداء التّلبية أن تلفظ باللّسان ، فلو ذكرها بقلبه لم يعتدّ بها عند من يقول إنّها شرط ، ومن يقول إنّها واجب ، ومن يقول إنّها سنّة . وتفرّع على ذلك عند الحنفيّة فرعان : 12 - الفرع الأوّل : لو كان لا يحسن العربيّة ، فنطق بالتّلبية بغير العربيّة ، أجزأه اتّفاقاً . أمّا لو كان يحسن العربيّة ، فنطق بها بغير العربيّة ، فلا يجزئه عند الجمهور ، خلافاً للحنفيّة في ظاهر المذهب . ودليلهم أنّه ذكر مشروع ، فلا يشرع بغير العربيّة ، كالأذان والأذكار المشروعة في الصّلاة . ودليل الحنفيّة أنّه ذكر مقصود به التّعظيم ، فإذا حصل هذا المقصود أجزأه ، ولو بغير العربيّة . 13 - الفرع الثّاني في الأخرس : الأصحّ أنّه عند الحنفيّة يستحبّ له تحريك لسانه بالتّلبية مع النّيّة ، ولا يجب . وقيل : يجب تحريك لسانه ، فإنّه نصّ الإمام محمّد على أنّه شرط . وعلى هذا " فينبغي " ألاّ يلزمه في الحجّ بالأولى ، فإنّ باب الحجّ أوسع ، مع أنّ القراءة فرض قطعيّ متّفق عليه ، والتّلبية أمر ظنّيّ مختلف فيه . وقت التّلبية : 14 - الأفضل عند الحنفيّة والحنابلة أن يلبّي بنيّة الحجّ أو العمرة أو نيّتهما معاً عقب صلاته ركعتين سنّة الإحرام ، وبعد نيّة النّسك . وإن لبّى بعدما استوت به راحلته أو ركوبته جاز ، إلى أن يبلغ نهاية الميقات ، فإذا جاوز الميقات ولم يلبّ بنيّة النّسك صار مجاوزاً للميقات بغير إحرام عند الحنفيّة ، ولزمه ما يلزم ذاك عندهم . وعند الجمهور يستحبّ البدء بالتّلبية إذا ركب راحلته ، واستوت به ، لكن يلزمه الدّم عند المالكيّة إن تركها أو أخّرها حتّى طال الفصل بين الإحرام والتّلبية كما تقدّم ( ف 9 ) . ولا يلزمه شيء عند الشّافعيّة والحنابلة لقولهم إنّ التّلبية سنّة . ما يقوم مقام التّلبية : 15 - يقوم مقام التّلبية عند الحنفيّة لصحّة الإحرام أمران : الأوّل : كلّ ذكر فيه تعظيم للّه تعالى ، كالتّسبيح ، والتّحميد ، والتّكبير ، ولو بغير اللّغة العربيّة ، كما سبق بيانه ( ف 10 ) الثّاني : تقليد الهدي وسوقه والتّوجّه معه . والهدي يشمل الإبل والبقر والغنم . لكن يستثنى من التّقليد الغنم ، لعدم سنّيّة تقليد الغنم عند الحنفيّة . ( ر : هدي ) والتّقليد هو أن يربط في عنق البدنة أو البقرة علامةً على أنّه هدي . شروط إقامة تقليد الهدي وسوقه مقام التّلبية 16 - يشترط : 1 - النّيّة . 2 - سوق البدنة والتّوجّه معها . 3 - يشترط - إن بعث بها ولم يتوجّه معها - أن يدركها قبل الميقات ويسوقها ، إلاّ إذا كان بعثها لنسك متعة أو قران ، وكان التّقليد في أشهر الحجّ ، فإنّه يصير محرماً إذا توجّه بنيّة الإحرام وإن لم يلحقها ، استحساناً . الفصل الثّاني حالات الإحرام من حيث إبهام النّيّة وإطلاقها إبهام الإحرام تعريفه : 17 - هو أن ينوي مطلق نسك من غير تعيين ، كأن يقول : أحرمت للّه ، ثمّ يلبّي ، ولا يعيّن حجّاً أو عمرةً ، أو يقول : نويت الإحرام للّه تعالى ، لبّيك اللّهمّ . . ، أو ينوي الدّخول في حرمات نسك ، ولم يعيّن شيئاً . فهذا الإحرام صحيح باتّفاق المذاهب . ويترتّب عليه كلّ أحكام الإحرام ، وعليه اجتناب جميع محظوراته ، كالإحرام المعيّن ويسمّى هذا إحراماً مبهماً ، ويسمّونه أيضاً إحراماً مطلقاً . تعيين النّسك : 18 - ثمّ على هذا المحرم التّعيين قبل أن يشرع في أفعال أحدهما ، وله أن يجعله للعمرة ، أو للحجّ ، أو لهما معاً حسبما يشاء . وترجع الأفضليّة فيما يختاره ويعيّنه إلى خلاف المذاهب في أيّ أوجه الإحرام أفضل : القران ، أو التّمتّع ، أو الإفراد ، وإلى حكم الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحجّ ، إن وقع هذا الإحرام قبل أشهر الحجّ ، وأراد التّعيين قبلها . واختلفوا في كيفيّة التّعيين . فقال الحنفيّة : إن عيّن ما يريده قبل الطّواف فالعبرة لهذا التّعيين ، وإن لم يعيّن ثمّ طاف بالبيت للعمرة ، أو مطلقاً بغير تعيين ولو شوطاً ، جعل إحرامه للعمرة ، فيتمّ مناسك العمرة ، ثمّ يحرم بالحجّ ويصير متمتّعاً . وعلّة جعله للعمرة " أنّ الطّواف ركن في العمرة ، وطواف القدوم في الحجّ ليس بركن ، بل هو سنّة ، فإيقاعه عن الرّكن أولى ، وتتعيّن العمرة بفعله كما تتعيّن بقصده » . أمّا إن لم يعيّن ، ولم يطف بالبيت ، بل وقف بعرفة قبل أن يطوف ، فينصرف إحرامه للحجّ . وإن لم يقصد الحجّ في وقوفه ، فإنّه ينصرف إلى الحجّ شرعاً ، وعليه أن يتمّم مناسك الحجّ . هذا معتمد مذهب الحنفيّة . ومذهب المالكيّة ، وهو رواية عن أبي يوسف ومحمّد ، أنّه لا يفعل شيئاً إلاّ بعد التّعيين ، فإن طاف قبل أن يصرف إحرامه لشيء - سواء أكان أحرم في أشهر الحجّ أم لا - وجب صرفه للحجّ مفرداً ، ويكون هذا الطّواف الواقع قبل الصّرف والتّعيين طواف القدوم ، وهو ليس ركناً من أركان الحجّ فلا يضرّ وقوعه قبل الصّرف . ولا يصحّ صرف ذلك الإحرام لعمرة بعد الطّواف ؛ لأنّ الطّواف ركن منها ، وقد وقع قبل تعيينها . أمّا الشّافعيّة والحنابلة فيشترطون التّعيين قبل الشّروع بأيّ عمل من المناسك . فلو عمل شيئاً من أركان الحجّ أو العمرة قبل التّعيين ، لم يجزئه ، ولم يصحّ فعله . الإحرام بإحرام الغير 19 - هو أن ينوي المحرم في إحرامه مثل ما أحرم به فلان ، بأن يكون قاصداً مرافقته ، أو الاقتداء به لعلمه وفضله ، فيقول : اللّهمّ إنّي أهلّ أو أحرم أو أنوي مثل ما أهلّ أو نوى فلان ، ويلبّي . فهذا الإحرام صحيح ، وينعقد على مثل ما أحرم به ذلك الشّخص عند الجمهور وظاهر مذهب المالكيّة . ودليلهم حديث عليّ رضي الله عنه « أنّه قدم من اليمن ووافى النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع ، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم : بم أهللت ؟ قال : بما أهلّ به النّبيّ صلى الله عليه وسلم . فقال : لولا أنّ معي الهدي لأحللت » . زاد في رواية : قال : « فأهد وأمكث حراماً كما أنت » . الاشتراط في الإحرام 20 - الاشتراط في الإحرام أن يقول عند إحرامه : « إن حبسني حابس ، فمحلّي حيث حبستني » . 21 - ذهب الشّافعيّة إلى صحّة الاشتراط ، وأنّه يفيد إباحة التّحلّل من الإحرام عند وجود الحابس كالمرض ، فإذا لم يشترط لم يجز له التّحلّل ثمّ إن اشترط في التّحلّل أن يكون مع الهدي وجب الهدي ، وإن لم يشترط فلا هدي عليه . على تفاصيل تجدها في بحث الإحصار . وتوسّع الحنابلة فقالوا : يستحبّ لمن أحرم بنسك حجّ أو عمرة أن يشترط عند إحرامه . ويفيد هذا الشّرط عندهم شيئين : أحدهما : إذا عاقه عدوّ أو مرض أو غيرهما يجوز له التّحلّل . الثّاني : أنّه متى أحلّ بذلك فلا دم عليه ولا صوم ، سواء أكان المانع عدوّاً ، أو مرضاً ، أو غيرهما . وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم صحّة الاشتراط ، وعدم إفادته للتّحلّل عند حصول المانع له ، بل يأخذ حاله حكم ذلك المانع ، على ما هو مقرّر في مبحث الإحصار ، استدلّ الشّافعيّة والحنابلة بحديث عائشة رضي الله عنها قالت : « دخل النّبيّ صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزّبير ، فقالت : يا رسول اللّه إنّي أريد الحجّ وأنا شاكية ؟ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : حجّي واشترطي أنّ محلّي حيث حبستني » . متّفق عليه . واستدلّ الحنفيّة والمالكيّة بالآية الكريمة ، وهي قوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } وفي المسألة تفصيل موطنه مصطلح ( إحصار ) . إضافة الإحرام إلى الإحرام أوّلاً : إضافة إحرام الحجّ إلى العمرة : 22 - وهو أن يحرم بالعمرة أوّلاً ، ثمّ بالحجّ قبل أن يطوف لها ، أو بعدما طاف قبل أن يتحلّل منها . وتتنوّع صور إضافة إحرام الحجّ إلى العمرة بحسب حال إضافته ، وبحسب حال المحرم ، وتأخذ كلّ صورة حكمها . 23 - وللحنفيّة تفصيل خاصّ في هذا ، لقولهم بكراهة القران للمكّيّ ، وأنّه إن فعله جاز وأساء ، وعليه دم جبر لإساءته هذه . كما أنّ للمذاهب الأخرى تفصيلاً بحسب آرائهم في مسائل من الإحرام وأوجه الإحرام . والتّفصيل عند الحنفيّة : أنّ المحرم إمّا أن يكون مكّيّاً أو آفاقيّاً . وأمّا بالنّسبة لحال إضافة الإحرام بالحجّ إلى العمرة فعلى وجوه . 24 - الوجه الأوّل : أن يدخل الحجّ على العمرة قبل أن يطوف للعمرة : أ - إن كان آفاقيّاً صحّ ذلك ، بلا كراهة ، وكان قارناً ، باتّفاق المذاهب . بل هو مستحبّ ، على ما صرّح به الحنفيّة ، لحمل فعله صلى الله عليه وسلم على ذلك ، على ما حقّقه ابن حزم وغيره ، وتبعه النّوويّ وغيره . وممّا يدلّ على جواز ذلك « حديث عائشة في حجّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وفيه قولها : وكنت ممّن أهلّ بعمرة فحضت قبل أن أدخل مكّة ، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض ، فشكوت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : دعي عمرتك ، وانقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهّلي بالحجّ . . . » . متّفق عليه . وعلّل المالكيّة صحّة إرداف الحجّ على العمرة بقولهم : « لقوّته وضعفها » . ب - وإن كان مكّيّاً ( أو ميقاتيّاً ) فترتفض عمرته اتّفاقاً عند الحنفيّة ، وعليه دم الرّفض ؛ لأنّ الجمع بين النّسكين غير مشروع للمكّيّ عندهم ، " والنّزوع عن المعصية لازم " ويرفض العمرة هنا ؛ لأنّها أقلّ عملاً ، والحجّ أكثر عملاً . فكانت العمرة أخفّ مؤنةً من الحجّة ، فكان رفضها أيسر ، ولأنّ المعصية حصلت بسببها ؛ لأنّها هي الّتي دخلت في وقت الحجّ ، فكانت أولى بالرّفض . ويمضي حجّته . وعليه دم لرفض عمرته . وعليه قضاء العمرة » . أمّا غير الحنفيّة فحكم الآفاقيّ والمكّيّ عندهم سواء في صحّة الإحرامين وصيرورته قارناً ، تبعاً لمذهبهم في تجويز القران للمكّيّ على تفصيل يأتي . ( ف 30 ) لكن شرط المالكيّة والشّافعيّة أن تكون العمرة صحيحةً . وهذا شرط لصحّة الإرداف في جميع صوره عند المالكيّة ، وعند الحنفيّة شرط لصحّة القران فقط وزاد الشّافعيّة اشتراط أن يكون إدخال الحجّ عليها في أشهر الحجّ . 25 - الوجه الثّاني : أن يدخل الحجّ على العمرة بعد أن طاف شيئاً قليلاً ، على ألاّ يتجاوز أقلّ أشواط طواف العمرة ، أي ثلاثة أشواط فما دون ذلك . فمذهب الحنفيّة في ذلك : أ - إذا كان آفاقيّاً كان قارناً . ب - وإن كان مكّيّاً ( أي ميقاتيّاً ) : وجب عليه رفض أحد النّسكين ، على التّحقيق في عبارات فقهاء الحنفيّة ، وإنّما اختلفوا في أيّ الرّفضين أولى : قال أبو حنيفة : يرفض الحجّ . وعليه لرفضه دم . وعليه حجّة وعمرة ؛ لأنّه مثل فائت الحجّ ، وحكم فائت الحجّ أنّه يتحلّل بعمرة ، ثمّ يأتي بالحجّ من قابل حتّى لو حجّ في سنته سقطت العمرة ؛ لأنّه حينئذ ليس في معنى فائت الحجّ ، بل كالمحصر ، إذا تحلّل ثمّ حجّ من تلك السّنة ، فإنّه حينئذ لا تجب عليه عمرة ، بخلاف ما إذا تحوّلت السّنة ، فإنّه تجب عليه العمرة مع حجّته . وقال أبو يوسف ومحمّد : رفض العمرة أحبّ إلينا ، ويقضيها دون عمرة أخرى ، وعليه دم للرّفض . وكذلك هو الحكم عند أبي حنيفة لو اختار هذا المحرم رفض العمرة . استدلّ أبو حنيفة على استحباب رفض الحجّ بأنّ " إحرام العمرة قد تأكّد بأداء شيء من أعمالها ، وإحرام الحجّ لم يتأكّد ، ورفض غير المتأكّد أيسر . ولأنّ في رفض العمرة - والحالة هذه - إبطال العمل ، وفي رفض الحجّ امتناع عنه " والامتناع أولى من الإبطال ، واستدلّ الصّاحبان على أنّ رفض العمرة أولى : « بأنّها أدنى حالاً وأقلّ أعمالاً ، وأيسر قضاءً ، لكونها غير مؤقّتة » . وقال المالكيّة والحنابلة : يصحّ هذا الإرداف . ويصير قارناً ، ويتابع على ذلك . وتندرج العمرة في الحجّ . أمّا الشّافعيّة - وهو قول أشهب من المالكيّة - فقالوا : يصحّ إدخال الحجّة على العمرة قبل الشّروع في الطّواف ، فلو شرع في الطّواف ولو بخطوة فإنّه لا يصحّ إحرامه بالحجّ . واستدلّوا على ذلك : بأنّه " لاتّصال إحرامها بمقصوده ، وهو أعظم أفعالها ، فلا ينصرف بعد ذلك إلى غيرها » . لكن الشّافعيّة قرّروا أنّه " لو استلم الحجر بنيّة الطّواف فالأوجه جواز الإدخال ، إذ الاستلام مقدّمة الطّواف لا بعضه » . 26 - الوجه الثّالث : أن يدخل الحجّ على العمرة بعد أن يطوف أكثر أشواط طواف العمرة . فهذا حكمه عند الحنفيّة حكم ما لو أكمل الطّواف الآتي في الوجه الرّابع التّالي ؛ لأنّ للأكثر حكم الكلّ عندهم . وعند الجمهور حكمه حكم الوجه الثّاني السّابق . |
27 - الوجه الرّابع : أن يدخل الحجّ على العمرة بعد إكمال طواف العمرة قبل التّحلّل . مذهب الحنفيّة التّفصيل المتقدّم في الوجه الثّاني . وفصّل المالكيّة تفصيلاً آخر فقالوا : أ - إرداف الحجّ على العمرة بعد طوافها قبل ركعتي الطّواف مكروه . فإن فعله صحّ ، ولزمه ، وصار قارناً ، وعليه دم القران . ب - إرداف الحجّ على العمرة بعد أن طاف وصلّى ركعتي الطّواف قبل السّعي مكروه ، ولا يصحّ ، ولا يكون قارناً . وكذلك الإرداف في السّعي ، إن سعى بعض السّعي وأردف الحجّ على العمرة كره له ذلك . فإن فعل فليمض على سعيه ، فيحلّ ، ثمّ يستأنف الحجّ ، سواء أكان من أهل مكّة أم غيرها . وحيث إنّ الإرداف لم يصحّ بعد الرّكوع وقبل السّعي أو في أثنائه فلا يلزم قضاء الإحرام الّذي أردفه على المشهور . ج - إرداف الحجّ على العمرة بعد السّعي للعمرة قبل الحلق لا يجوز الإقدام عليه ابتداءً ؛ لأنّه يستلزم تأخير الحلق . فإن أقدم على إرداف الإحرام في هذا الحال فإنّ إحرامه صحيح ، وهذا حجّ مستأنف . ويحرم عليه الحلق للعمرة ، لا خلاله بإحرام الحجّ ، ويلزمه هدي لتأخير حلق العمرة الّذي وجب عليه بسبب إحرامه بالحجّ ، ولا يكون قارناً ولا متمتّعاً ، إن أتمّ عمرته قبل أشهر الحجّ ، بل يكون مفرداً . وإن فعل بعض ركنها في وقت الحجّ يكون متمتّعاً . ولو قدّم الحلق بعد إحرامه بالحجّ وقبل فراغه من أعمال الحجّ فلا يفيده في سقوط الهدي ، ولا بدّ من الهدي ، وعليه حينئذ فدية أيضاً . وهي فدية إزالة الأذى عند المالكيّة . ومذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّه لا يصحّ إدخال الحجّ على العمرة بعد الطّواف ، لما ذكرنا من العلّة في الصّورة السّابقة . وبعد السّعي لا يصحّ ، من باب أولى . إلاّ أنّ الحنابلة استثنوا من كان معه هدي فقالوا : « يصحّ إدخال الحجّ على العمرة ممّن معه هدي ، ولو بعد سعيها ، بل يلزمه كما يأتي ؛ لأنّه مضطرّ إليه لقوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } ويصير قارناً على المذهب . وقال في الفروع ، وشرح المنتهى في موضع آخر : لا يصير قارناً ، ولو كان إدخال الحجّ على العمرة في غير أشهر الحجّ يصحّ على المذهب ، لصحّة الإحرام به قبلها عند الحنابلة . ثانياً إضافة إحرام العمرة إلى الحجّ 28 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة - في الجديد وهو الأصحّ في المذهب - والحنابلة إلى أنّه لا يصحّ إحرامه بالعمرة بعدما أحرم بالحجّ . وعلى ذلك لا يصير قارناً ، ولا يلزمه دم القران ، ولا قضاء العمرة الّتي أهلّ بها . وبه قال إسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر ، وصرّح الحنفيّة والمالكيّة بكراهة هذا العمل ، لكن قال الحنفيّة بصحّة الإحرام على تفصيل نذكره . ثالثاً الإحرام بحجّتين معاً أو عمرتين معاً 29 - إن أحرم بحجّتين أو عمرتين انعقد بإحداهما ولغت الأخرى . وهذا مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ؛ لأنّهما عبادتان لا يلزمه المضيّ فيهما ، فلم يصحّ الإحرام بهما . وعلى هذا لو أفسد حجّه أو عمرته لم يلزمه إلاّ قضاؤها . ومذهب أبي حنيفة أنّ الإحرام ينعقد بهما ، وعليه قضاء إحداهما ؛ لأنّه أحرم بها ولم يتمّها . وفي الموضوع تفصيلات وفروع لا حاجة إلى إيرادها هنا لندرة وقوعها . الفصل الرّابع حالات الإحرام 30 - ينقسم الإحرام بحسب ما يقصد المحرم أداءه به من النّسك إلى ثلاثة أقسام : الإفراد للحجّ أو العمرة أو الجمع بين النّسكين ، وهو إمّا تمتّع أو قران . الإفراد : هو اصطلاحاً : أن يهلّ - أي ينوي - في إحرامه الحجّ فقط ، أو العمرة فقط . القران : القران عند الحنفيّة : هو أن يجمع الآفاقيّ بين الحجّ والعمرة متّصلاً أو منفصلاً قبل أكثر طواف العمرة ، ولو من مكّة ، ويؤدّي العمرة في أشهر الحجّ . وعند المالكيّة : أن يحرم بالحجّ والعمرة معاً ، بنيّة واحدة ، أو نيّتين مرتّبتين يبدأ فيهما بالعمرة ، أو يحرم بالعمرة ويردف الحجّ عليها قبل طوافها أو بطوافها . وعند الشّافعيّة : القران أن يحرم بالعمرة والحجّ جميعاً ، أو يحرم بعمرة في أشهر الحجّ ثمّ يدخل الحجّ عليها قبل الطّواف . ومثل ذلك عند الحنابلة إلاّ أنّهم لم يشترطوا الإحرام في أشهر الحجّ . التّمتّع : التّمتّع عند الحنفيّة : هو التّرفّق بأداء النّسكين في أشهر الحجّ في سنة واحدة ، من غير إلمام بينهما بأهله إلماماً صحيحاً . والإلمام الصّحيح : هو الّذي يكون في حالة تحلّله من عمرته ، وقبل شروعه في حجّته . وعند المالكيّة : التّمتّع هو أن يحرم بعمرة ، ثمّ يحلّ منها في أشهر الحجّ ، ثمّ يحجّ بعدها . وعند الشّافعيّة : أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويفرغ منها ثمّ ينشئ حجّاً . وعند الحنابلة : أن يحرم بعمرة في أشهر الحجّ ثمّ يحرم بالحجّ من أين شاء بعد فراغه منها . واجبات الإحرام : 31 - تنحصر واجبات الإحرام في أمرين أساسيّين : الأوّل : كون الإحرام من الميقات . الثّاني : صون الإحرام عن المحظورات . وتفصيل ذلك فيما يلي : الفصل الرّابع مواقيت الإحرام 32 - الميقات : من التّوقيت ، وهو : أن يجعل للشّيء وقت يختصّ به ، ثمّ اتّسع فيه فأطلق على المكان . ويطلق على الحدّ المحدّد للشّيء . وفي الاصطلاح : عرّفوا المواقيت بأنّها : « مواضع وأزمنة معيّنة لعبادة مخصوصة » . ومنه يعلم أنّ للإحرام نوعين من الميقات : النّوع الأوّل : الميقات الزّمانيّ . النّوع الثّاني : الميقات المكانيّ . الميقات الزّمانيّ إمّا أن يكون ميقاتاً للإحرام بالحجّ ، أو للإحرام بالعمرة . فينقسم قسمين : أوّلاً : الميقات الزّمانيّ للإحرام بالحجّ : 33 - ذهب الأئمّة الثّلاثة أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد وأصحابهم إلى أنّ وقت الإحرام بالحجّ شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة . وهو مذهب جمهور الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم . وذهب مالك إلى أنّ وقت الحجّ شوّال وذو القعدة وشهر ذي الحجّة إلى آخره . وليس المراد أنّ جميع هذا الزّمن الّذي ذكروه وقت لجواز الإحرام ، بل المراد أنّ بعض هذا الزّمن وقت لجواز ابتداء الإحرام ، وهو من شوّال لطلوع فجر يوم النّحر ، وبعضه وقت لجواز التّحلّل ، وهو من فجر يوم النّحر لآخر ذي الحجّة . وعلى هذا فالميقات الزّمانيّ بالنّسبة للإحرام متّفق عليه ، إنّما مرتّب على مذهب المالكيّة جواز تأخير الإحلال إلى آخر ذي الحجّة ، كما سيأتي . وهذا الّذي ذهب إليه المالكيّة " قد حكي أيضاً عن طاوس ، ومجاهد ، وعروة بن الزّبير ، والرّبيع بن أنس ، وقتادة » . والأصل للفريقين قوله تعالى : { الحجّ أشهر معلومات فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ } فالجمهور فسّروا الآية بأنّ المراد شهران وبعض الثّالث . واستدلّوا بالآثار عن الصّحابة . كما يدلّ لهم أنّ أركان الحجّ تؤدّى خلال تلك الفترة . وأمّا المالكيّة فدليلهم واضح ، وهو ظاهر الآية ؛ لأنّها عبّرت بالجمع " أشهر " وأقلّ الجمع ثلاث ، فلا بدّ من دخول ذي الحجّة بكماله . ثمّ اختلف الجمهور في نهار يوم النّحر هل هو من أشهر الحجّ أو لا . فقال الحنفيّة والحنابلة : هو من أشهر الحجّ . وقال الشّافعيّة : آخر أشهر الحجّ ليلة يوم النّحر . وهو مرويّ عن أبي يوسف . وفي وجه عند الشّافعيّة في ليلة النّحر أنّها ليست من أشهر الحجّ . والأوّل هو الصّحيح المشهور . استدلّ الحنفيّة والحنابلة بحديث ابن عمر « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقف يوم النّحر بين الجمرات في الحجّة الّتي حجّ فقال : أيّ يوم هذا ؟ قالوا : يوم النّحر . قال : هذا يوم الحجّ الأكبر » أخرجه أبو داود وابن ماجه . قالوا : ولا يجوز أن يكون يوم الحجّ الأكبر ليس من أشهره . ويشهد له حديث بعث أبي بكر أبا هريرة يؤذّن في النّاس يوم النّحر أن لا يحجّ بعد العام مشرك ، فإنّه امتثال لقوله تعالى : { وأذان من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر . . . } والحديث متّفق عليه . واحتجّوا بالدّليل المعقول ؛ لأنّ يوم النّحر فيه ركن الحجّ ، وهو طواف الزّيارة ، وفيه كثير من أفعال الحجّ ، منها : رمي جمرة العقبة ، والنّحر ، والحلق ، والطّواف ، والسّعي ، والرّجوع إلى منًى . ومستبعد " أن يوضع لأداء ركن عبادة وقت ليس وقتها ، ولا هو منه " واستدلّ الشّافعيّة برواية نافع عن ابن عمر أنّه قال : « أشهر الحجّ شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة " أي عشر ليال . وعن ابن مسعود وابن عبّاس وابن الزّبير مثله . رواها كلّها البيهقيّ ، وصحّح الرّواية عن ابن عبّاس . ورواية ابن عمر صحيحة . أحكام الميقات الزّمانيّ للحجّ : 34 - أ - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه يصحّ الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحجّ ، وينعقد حجّاً ، لكن مع الكراهة . وهو قول إبراهيم النّخعيّ ، وسفيان الثّوريّ ، وإسحاق بن راهويه ، واللّيث بن سعد . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا ينعقد الإحرام بالحجّ قبل أشهره ، فلو أحرم به قبل هلال شوّال لم ينعقد حجّاً ، وانعقد عمرةً على الصّحيح عندهم . وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وأبو ثور . 35 - والأصل في المسألة قوله تعالى : { الحجّ أشهر معلومات } وقد تنازع الفريقان الاستدلال بها ، وأيّد كلّ فريق وجهته بدلائل أخرى . وهو خلاف وقع بين أهل العربيّة أيضاً . استدلّ الثّلاثة بأنّ معنى الآية : الحجّ ( حجّ ) أشهر معلومات ، فعلى هذا التّقدير يكون الإحرام بالحجّ فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها ، وإن كان ذاك صحيحاً ؛ ولأنّه أحد نسكي القران ، فجاز الإحرام به في جميع السّنة كالعمرة ، أو : أحد الميقاتين ، فصحّ الإحرام قبله ، كميقات المكان . ووجّه الحنفيّة المسألة بناءً على مذهبهم بأنّه شرط عندهم ، فأشبه الطّهارة في جواز التّقديم على الوقت ، وثبتت الكراهة لشبهه بالرّكن . واستدلّ الشّافعيّة بقوله تعالى : { الحجّ أشهر معلومات } . ووجه الاستدلال أنّ ظاهره التّقدير الآخر الّذي ذهب إليه النّحاة ، وهو ( وقت الحجّ أشهر معلومات ) فخصّصه بها من بين سائر شهور السّنة ، فدلّ على أنّه لا يصحّ قبلها ، كميقات الصّلاة . واستدلّوا من المعقول : بأنّ الإحرام نسك من مناسك الحجّ ، فكان مؤقّتاً ، كالوقوف والطّواف . 36 - اتّفقوا بعد هذا على أنّه لو فعل أيّ شيء من أفعال الحجّ قبل أشهر الحجّ لم يجزه ، حتّى لو صام المتمتّع أو القارن ثلاثة أيّام قبل أشهر الحجّ لا يجوز ، وكذا السّعي بين الصّفا والمروة عقب طواف القدوم لا يقع عن سعي الحجّ إلاّ فيها . ثانياً : الميقات الزّمانيّ للإحرام بالعمرة : 37 - اتّفقوا على أنّ ميقات العمرة الزّمانيّ هو جميع العام ، فيصحّ أن تفعل في جميع السّنة ، وينعقد إحرامها ، وذلك لعدم المخصّص لها بوقت دون وقت . وكذلك قرّروا أنّها أفضل في شهر رمضان منها في غيره . وعبّر الحنفيّة بقولهم : « تندب في رمضان " ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « عمرة في رمضان تقضي حجّةً » . متّفق عليه . 38 - ثمّ اختلفوا في أوقات يكره فيها الإحرام بالعمرة أو لا يكره . وهي : أ - يوم عرفة ويوم النّحر وأيّام التّشريق : ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم الكراهة فيها ، لكن قال الرّمليّ الشّافعيّ : « وهي في يوم عرفة والعيد وأيّام التّشريق ليست كفضلها في غيرها ؛ لأنّ الأفضل فعل الحجّ فيها » . واستدلّوا لعدم الكراهة بأنّ الأصل عدم الكراهة ، ولا دليل عليها . وذهب الحنفيّة إلى أنّ العمرة تكره تحريماً يوم عرفة وأربعة أيّام بعده ، حتّى يجب الدّم على من فعلها في ذلك عندهم . واستدلّوا بقول عائشة رضي الله عنها : حلّت العمرة في السّنة كلّها إلاّ أربعة أيّام : يوم عرفة ، ويوم النّحر ويومان بعد ذلك أخرجه البيهقيّ » . ولأنّ هذه الأيّام أيّام شغل بأداء الحجّ ، والعمرة فيها تشغلهم عن ذلك ، وربّما يقع الخلل فيه فتكره » . ب - استثنى المالكيّة المحرم بالحجّ من سعة الوقت للإحرام بالعمرة ، فقالوا : الحاجّ وقت إحرامه بالعمرة من وقت تحلّله من الحجّ ، وذلك " بالفراغ من جميع أفعاله من طواف وسعي ورمي اليوم الرّابع ، أو قدر رميه لمن تعجّل فنفر في ثالث أيّام النّحر ، فإنّ هذا ينتظر إلى أن يمضي - بعد الزّوال من اليوم الرّابع - ما يسع الرّمي حتّى يبدأ وقت الإحرام له للعمرة » . وبناءً على ذلك قرّر المالكيّة : إن أحرم بالعمرة قبل ذلك الّذي ذكرناه لم ينعقد إحرامه ، وأنّه يكره الإحرام بالعمرة بعد التّحلّل بالفراغ من جميع أفعال الحجّ وقبل غروب شمس اليوم الرّابع . الميقات المكانيّ الميقات المكانيّ ينقسم قسمين : ميقات مكانيّ للإحرام بالحجّ ، وميقات مكانيّ للإحرام بالعمرة . أوّلاً : الميقات المكانيّ للإحرام بالحجّ : 39 - يختلف الميقات المكانيّ للإحرام بالحجّ باختلاف مواقع النّاس ، فإنّهما في حقّ المواقيت المكانيّة على أربعة أصناف ، وهي : الصّنف الأوّل : الآفاقيّ . الصّنف الثّاني : الميقاتيّ . الصّنف الثّالث : الحرميّ . الصّنف الرّابع : المكّيّ ، ويشترك مع الحرميّ في أكثر من وجه ، فيكونان مسألةً واحدةً . ثمّ صنف خامس : هو من تغيّر مكانه ، ما ميقاته ؟ . ميقات الآفاقيّ : وهو من منزله خارج منطقة المواقيت . 40 - اتّفق العلماء على تقرير الأماكن الآتية مواقيت لأهل الآفاق المقابلة لها ، وهذه الأماكن هي : أ - ذو الحليفة : ميقات أهل المدينة ، ومن مرّ بها من غير أهلها . وتسمّى الآن " آبار عليّ " فيما اشتهر لدى العامّة . ب - الجحفة : ميقات أهل الشّام ، ومن جاء من قبلها من مصر ، والمغرب . ويحرم الحجّاج من " رابغ " ، وتقع قبل الجحفة ، إلى جهة البحر ، فالمحرم من " رابغ " محرم قبل الميقات . وقد قيل إنّ الإحرام منها أحوط لعدم التّيقّن بمكان الجحفة . ج - قرن المنازل : ويقال له " قرن " أيضاً ، ميقات أهل نجد ، و " قرن " جبل مطلّ على عرفات . وهو أقرب المواقيت إلى مكّة ، وتسمّى الآن " السّيل » . د - يلملم : ميقات باقي أهل اليمن وتهامة ، والهند . وهو جبل من جبال تهامة ، جنوب مكّة . هـ - ذات عرق : ميقات أهل العراق ، وسائر أهل المشرق . أدلّة تحديد مواقيت الآفاق : 41 - والدّليل على تحديدها مواقيت للإحرام السّنّة والإجماع : أ - أمّا السّنّة فأحاديث كثيرة نذكر منها هذين الحديثين : حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال « : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشّام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم . هنّ لهنّ ؛ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ، ممّن أراد الحجّ والعمرة . ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، حتّى أهل مكّة من مكّة » . متّفق عليه . وحديث عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « يهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة ، وأهل الشّام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن . قال عبد اللّه - يعني ابن عمر - وبلغني أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : ويهلّ أهل اليمن من يلملم » . متّفق عليه فهذه نصوص في المواقيت عدا ذات عرق . وقد اختلف في دليل توقيت ذات عرق هل وقّت بالنّصّ أم بالاجتهاد والإجماع . فقال جماعة من العلماء ومنهم الشّافعيّ ومالك ثبت باجتهاد عمر رضي الله عنه وأقرّه الصّحابة ، فكان إجماعاً . وصحّح الحنفيّة والحنابلة وجمهور الشّافعيّة أنّ توقيت ذات عرق منصوص عليه من النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنّ عمر رضي الله عنه لم يبلغه تحديد النّبيّ صلى الله عليه وسلم فحدّده باجتهاده فوافق النّصّ . ب - وأمّا دلالة الإجماع على هذه المواقيت فقال النّوويّ في المجموع : « قال ابن المنذر وغيره : أجمع العلماء على هذه المواقيت » . وقال أبو عمر بن عبد البرّ : « أجمع أهل العلم على أنّ إحرام العراقيّ من ذات عرق إحرام من الميقات » . أحكام تتعلّق بالمواقيت : 42 - منها : أ - وجوب الإحرام منها لمن مرّ بالميقات قاصداً أحد النّسكين ، الحجّ أو العمرة ، وتحريم تأخير الإحرام عنها بالإجماع . والإحرام من أوّل الميقات ، أي الطّرف الأبعد من مكّة أفضل ، حتّى لا يمرّ بشيء ممّا يسمّى ميقاتاً غير محرم . ولو أحرم من آخره أي الطّرف الأقرب إلى مكّة جاز اتّفاقاً ، لحصول الاسم . 43 - ب - من مرّ بالمواقيت يريد دخول الحرم لحاجة غير النّسك اختلف فيه : ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه يجب عليه الإحرام لدخول مكّة أو الحرم المعظّم المحيط بها ، وعليه العمرة إن لم يكن محرماً بالحجّ . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا قصد مكّة أو منطقة الحرم لحاجة لا للنّسك جاز له ألاّ يحرم . ( انظر الأدلّة وفروع المسألة في مصطلح « حرم » ) . 44 - ج - الاعتبار في هذه المواقيت بتلك المواضع ، لا باسم القرية والبناء . فلو خرب البناء في الميقات ونقلت عمارته إلى موضع آخر قريب منه وسمّي باسم الأوّل لم يتغيّر الحكم ، بل الاعتبار بموضع الأوّل . 45 - د - لا يشترط أن يحرم من هذه المواقيت بأعيانها ، بل يكفي أن يحرم منها بذاتها ، أو من حذوها ، أي محاذاتها ومقابلتها ، وذلك لما سبق في توقيت ذات عرق ، أنّ عمر رضي الله عنه أخذ في توقيتها بالمحاذاة ، وأقرّ على ذلك . فدلّ على اتّفاق الصّحابة على الأخذ بقاعدة المحاذاة . فروع : تفرّع على ذلك : 46 - من سلك طريقاً ليس فيه ميقات معيّن ، برّاً أو بحراً أو جوّاً ، اجتهد وأحرم إذا حاذى ميقاتاً من هذه المواقيت المذكورة . وينبغي أن يأخذ بالاحتياط لئلاّ يجاوز الميقات غير محرم ، وخصوصاً راكب الطّائرة . 47 - إن لم يعلم المحاذاة فإنّه يحرم على مرحلتين من مكّة . اعتباراً بمسافة أقرب المواقيت ، فإنّه على بعد مرحلتين من مكّة . وعلى ذلك قرّروا أنّ جدّة تدخل في المواقيت ؛ لأنّها أقرب إلى مكّة من قرن المنازل 48 - وتفرّع على ذلك مسألة من يمرّ بميقاتين ، كالشّاميّ إذا قدم من المدينة ، والمدنيّ ، فإنّه إذا مرّ بالجحفة يمرّ بميقاتين فمن أيّ الميقاتين يحرم ؟ ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجب عليه أن يحرم من الميقات الأبعد ، كأهل الشّام ومصر والمغرب ، ميقاتهم الجحفة ، فإذا مرّوا بالمدينة وجب عليهم الإحرام من ذي الحليفة ميقات أهل المدينة ، وإذا جاوزوه غير محرمين حتّى الجحفة كان حكمهم حكم من جاوز الميقات من غير إحرام . وذهب المالكيّة إلى أنّ من يمرّ بميقاتين الثّاني منهما ميقاته ندب له الإحرام من الأوّل ، ولا يجب عليه الإحرام منه ؛ لأنّ ميقاته أمامه . وذهب الحنفيّة إلى أنّ من يمرّ بميقاتين فالأفضل له الإحرام من الأوّل ، ويكره له تأخيره إلى الثّاني الأقرب إلى مكّة . ولم يقيّدوه - في الأصحّ عندهم - بأن يكون الميقات الثّاني ميقاتاً له . استدلّ الشّافعيّة والحنابلة بحديث المواقيت ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : « هنّ لهنّ ؛ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ » ، فإنّ هذا بعمومه يدلّ على أنّ الشّاميّ مثلاً إذا أتى ذا الحليفة فهو ميقاته ، يجب عليه أن يحرم منه . ولا يجوز له أن يجاوزه غير محرم . واستدلّ المالكيّة والحنفيّة بعموم التّوقيت لأهل المناطق المذكورة ، إلى جانب العموم الّذي استدلّ به الشّافعيّة ، فيحصل من ذلك له جواز الأمرين . فأخذ الحنفيّة بالعموم على ظاهره في العبارتين ، وجوّزوا الإحرام من أيّ الميقاتين ، مع كراهة التّأخير ، ويدلّ لهم ما ثبت أنّ ابن عمر أهلّ من الفرع وهو موضع بين ذي الحليفة ومكّة . وخصّ المالكيّة ذلك بغير المدنيّ . ويشهد لهم فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم والصّحابة ، فإنّهم أحرموا من ذي الحليفة . وهو محمول عند الحنفيّة على فعل الأفضل . ويدلّ للحنفيّة والمالكيّة من جهة النّظر : أنّ المقصود من الميقات تعظيم الحرم المحترم ، وهو يحصل بأيّ ميقات اعتبره الشّرع المكرّم ، يستوي القريب والبعيد في هذا المعنى . 49 - التّقدّم بالإحرام على المواقيت المكانيّة جائز بالإجماع ، وإنّما حدّدت لمنع مجاوزتها بغير إحرام . لكن اختلف هل الأفضل التّقدّم عليها ، أو الإحرام منها : فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يكره له الإحرام قبل الميقات . وذهب الحنفيّة إلى أنّ تقديم الإحرام على الميقات المكانيّ أفضل ، إذا أمن على نفسه مخالفة أحكام الإحرام . استدلّ الأوّلون بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات ، ولا يفعلون إلاّ الأفضل . وبأنّه يشبّه الإحرام بالحجّ قبل أشهره ، فيكون مثله في الكراهة . واستدلّ الحنفيّة بما أخرج أبو داود وابن ماجه عن أمّ سلمة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من أهلّ من المسجد الأقصى بعمرة أو حجّة غفر له » . وسئل عليّ رضي الله عنه عن قوله تعالى : { وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه } فقال : أن تحرم من دويرة أهلك أخرجه الحاكم وصحّحه . واستدلّوا من حيث النّظر بأنّ " المشقّة فيه أكثر ، والتّعظيم أوفر " فيكون أفضل . 50 - من جاوز الميقات قاصداً الحجّ أو العمرة أو القران ، وهو غير محرم ، أثم ، ويجب عليه العود إليه والإحرام منه . فإن لم يرجع وجب عليه الدّم سواء ترك العود بعذر أو بغير عذر ، وسواء كان عالماً عامداً أو جاهلاً أو ناسياً . لكن من ترك العود لعذر لا يأثم بترك الرّجوع . ومن العذر خوف فوات الوقوف بعرفة لضيق الوقت ، أو المرض الشّاقّ ، أو خوف فوات الرّفقة . وذلك موضع وفاق بين المذاهب . ميقات الميقاتيّ ( البستانيّ ) : 51 - الميقاتيّ هو الّذي يسكن في مناطق المواقيت ، أو ما يحاذيها ، أو في مكان دونها إلى الحرم المحيط بمكّة كقديد ، وعسفان ، ومرّ الظّهران . مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ ميقات إحرام المكانيّ للحجّ هو موضعه ، إلاّ أنّ المالكيّة قالوا : « يحرم من داره ، أو من مسجده ، ولا يؤخّر ذلك » . والأحسن أن يحرم من أبعدهما من مكّة . وقال الشّافعيّة والحنابلة ميقاته القرية الّتي يسكنها ، إن كان قرويّاً ، أو المحلّة الّتي ينزلها إن كان بدويّاً ، فإن جاوز القرية وفارق العمران إلى مكّة ثمّ أحرم كان آثماً ، وعليه الدّم للإساءة ، فإن عاد إليها سقط الدّم ، على التّفصيل الّذي سبق ، وبيان المذاهب فيه . وكذا إذا جاوز الخيام إلى جهة مكّة غير محرم ، وإن كان في برّيّة منفرداً أحرم من منزله . ويستحبّ أن يحرم من طرف القرية أو المحلّة الأبعد عن مكّة ، وإن أحرم من الطّرف الأقرب جاز . ومذهب الحنفيّة أنّ ميقاته منطقة الحلّ أي جميع المسافة من الميقات إلى انتهاء الحلّ ، ولا يلزمه كفّارة ، ما لم يدخل أرض الحرم بلا إحرام . وإحرامه من دويرة أهله أفضل . استدلّ الجميع بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المواقيت : « ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ » ، فحمله المالكيّة على منزله ، وقالوا : إنّ المسجد واسع للإحرام " ؛ لأنّه موضع الصّلاة ؛ ولأنّ أهل مكّة يأتون المسجد فيحرمون منه ، وكذلك أهل ذي الحليفة يأتون مسجدهم » . وفسّره الشّافعيّة والحنابلة بالقرية والمحلّة الّتي يسكنها ؛ لأنّه أنشأ منها . وقال الحنفيّة : « إنّ خارج الحرم كلّه كمكان واحد في حقّ الميقاتيّ ، والحرم في حقّه كالميقات في حقّ الآفاقيّ ، فلا يدخل الحرم إذا أراد الحجّ أو العمرة إلاّ محرماً » . ميقات الحرميّ والمكّيّ : 52 - أ - اتّفقت المذاهب على أنّ من كان من هذين الصّنفين ، بأن كان منزله في الحرم ، أو في مكّة ، سواء أكان مستوطناً ، أم نازلاً ، فإنّه يحرم بالحجّ من حيث أنشأ ، لما سبق في الحديث : « فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتّى أهل مكّة من مكّه » . ب - ثمّ اختلفوا في تفاصيل ذلك . فمذهب الحنفيّة أنّ من كان مكّيّاً ، أو منزله في الحرم ، كسكّان منًى ، فوقته الحرم للحجّ وللقران . ومن المسجد أفضل ، أو من دويرة أهله ، وهو قول عند الشّافعيّة بالنّسبة للمكّيّ فقط . وهذا على سبيل الوجوب عندهم ، فلو أنّه أهلّ من خارج منطقة الحرم ، لزمه العود إلى الحرم ، وإلاّ وجب عليه الدّم . ودليله حديث جابر في حجّة الوداع : « فأهللنا من الأبطح » وحديثه : « وجعلنا مكّة بظهر أهللنا بالحجّ » . أخرجهما مسلم ، وعلّقهما البخاريّ بصيغة الجزم . ومذهب المالكيّة التّفرقة بين من أهلّ بالحجّ ومن أهلّ بالقران ، فجعلوا ميقات القران ميقات العمرة الآتي تفصيله ، وهو قول عند الشّافعيّة . وأمّا من أهلّ بالحجّ وهو من سكّان مكّة أو الحرم فإمّا أن يكون مستوطناً ، أو آفاقيّاً نازلاً : أمّا المستوطن فإنّه يندب له أن يحرم من مكّة ، ومن المسجد الحرام أفضل ، وإن تركها وأحرم من الحرم أو الحلّ فخلاف الأولى ، ولا إثم ، فلا يجب الإحرام من مكّة . وأمّا الآفاقيّ فإن كان له سعة من الوقت - وعبّروا عنه ب " ذي النّفس " - فيندب له الخروج إلى ميقاته والإحرام منه . وإن لم يكن له سعة من الوقت فهو كالمستوطن . ومذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّ الحرميّ ( الّذي ليس بمكّة ) حكمه حكم الميقاتيّ . وأمّا المكّيّ : أي المقيم بمكّة ولو كان غير مكّيّ ، فعند الشّافعيّة وجهان في ميقات الحجّ له ، مفرداً كان أو قارناً : الأصحّ : أنّ ميقاته نفس مكّة ، لما سبق في الحديث : « حتّى أهل مكّة من مكّة » . والثّاني : ميقاته كلّ الحرم ، لاستواء مكّة ، وما وراءها من الحرم في الحرمة . وعند الحنابلة يحرم بالحجّ من مكّة من المسجد من تحت الميزاب ، وهو أفضل عندهم . وجاز وصحّ أن يحرم من بمكّة من سائر الحرم عند الحنابلة كما هو عند الحنفيّة . الميقات المكانيّ للعمرة 53 - هو الميقات المكانيّ للحجّ بالنّسبة للآفاقيّ والميقاتيّ . وميقات من كان بمكّة من أهلها أو غير أهلها الحلّ من أيّ مكان ، ولو كان بعد الحرم ، ولو بخطوة . واختلفوا في الأفضل منهما ، فذهب الجمهور إلى أنّه من الجعرانة أفضل ، وذهب الحنفيّة إلى أنّه من التّنعيم أفضل . وقال أكثر المالكيّة هما متساويان . والأصل في ذلك حديث عائشة : « قالت : يا رسول اللّه أتنطلقون بعمرة وحجّة ، وأنطلق بالحجّ ؟ فأمر أخاها عبد الرّحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التّنعيم فاعتمرت بعد الحجّ في ذي الحجّة » . ( متّفق عليه ) . ومن جهة النّظر أنّ من شأن الإحرام أن تكون هنا رحلة بين الحلّ والحرم ، ولمّا كانت أركان العمرة كلّها في الحرم ، كان لا بدّ أن يكون الإحرام في الحلّ . ولا يعلم في ذلك خلاف بين العلماء . الفصل الخامس محظورات الإحرام حكمة حظر بعض المباحات حال الإحرام 54 - من حكم الشّرع في ذلك تذكير المحرم بما أقدم عليه من نسك ، وتربية النّفوس على التّقشّف . وقد كان من سنّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم المغايرة في حال العيش بين التّقشّف والتّرفّه ، وتقرير المساواة بين النّاس ، وإذكاء مراقبة الإنسان نفسه في خصائص أموره العادية ، والتّذلّل والافتقار للّه عزّ وجلّ ، واستكمال جوانب من عبادة البدن . وقد ورد : « إنّ اللّه عزّ وجلّ يباهي ملائكته عشيّة عرفة بأهل عرفة ، فيقول : انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً » . المحظورات من اللّباس 55 - يختلف تحريم الملبس في حقّ الرّجال عن تحريم الملبس في حقّ النّساء . أ - محظورات الإحرام في الملبس في حقّ الرّجال : 56 - ضابط هذه المحظورات أنّه لا يحلّ للرّجل المحرم أن يستر جسمه كلّه أو بعضه أو عضواً منه بشيء من اللّباس المخيط أو المحيط ، كالثّياب الّتي تنسج على هيئة الجسم قطعةً واحدةً دون خياطة ، إذا لبس ذلك الثّوب ، أو استعمله في اللّبس المعتاد له . ويستر جسمه بما سوى ذلك ، فيلبس رداءً يلفّه على نصفه العلويّ ، وإزاراً يلفّه على باقي جسمه ، أو ما أشبه ذلك . والدّليل على حظر ما ذكرنا ما ثبت في الحديث المشهور عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما « أنّ رجلاً سأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ما يلبس المحرم من الثّياب ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تلبسوا القمص ، ولا العمائم ، ولا السّراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف ، إلاّ أحد لا يجد النّعلين ، فليلبس الخفّين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين . ولا تلبسوا من الثّياب شيئاً مسّه الزّعفران ولا الورس » أخرجه السّتّة . وفي رواية عن ابن عمر زيادة « ولا تنتقب المرأة المحرمة ، ولا تلبس القفّازين » أخرجها البخاريّ وأبو داود والتّرمذيّ والنّسائيّ . تفصيل أحكام هذه المحظورات : يشمل تحريم هذه الأصول المتّفق عليها أموراً كثيرةً نذكر منها ما يلي : لبس القباء والسّراويل ونحوهما : |
57 - أوّلاً : لو وضع القباء ونحوه عليه من غير لبس أكمامه فهو محظور كاللّبس ، عند المالكيّة والشّافعيّة ، وهو المعتمد عند الحنابلة ، لنهيه عليه الصلاة والسلام عن لبسه للمحرم . رواه ابن المنذر ، ورواه النّجاد عن عليّ ، ولأنّه عادة لبسه كالقميص . وفصّل الحنفيّة فقالوا : لو ألقى القباء أو العباء ونحوهما على منكبيه من غير إدخال يديه أو إحداهما في كمّيه ولم يزرّه جاز مع الكراهة ، ولا فداء عليه ، وهو قول الخرقيّ من الحنابلة فإن زرّه أو أدخل يديه أو إحداهما في كمّيه فهو محظور ، حكمه حكم اللّبس في الجزاء . ووجهه : أنّ القباء لا يحيط بالبدن ، فلم تلزمه الفدية بوضعه على كتفيه ، إذا لم يدخل يديه كمّيه ، كالقميص يتّشح به . 58 - ثانياً : من لم يجد الإزار يجوز له أن يلبس السّراويل إلى أن يجد ما يتّزر به ، ولا فدية عليه عند الشّافعيّة والحنابلة . وفصّل الحنفيّة : فأجازوا لبس السّراويل إذا كان غير قابل لأن يشقّ ويؤتزر به ، وإلاّ يفتق ما حول السّراويل ما خلا موضع التّكّة ويتّزر به . ولو لبسه كما هو فعليه دم ، إلاّ إذا كان ضيّقاً غير قابل لذلك فيكون عليه فدية يتخيّر فيها . وعند المالكيّة قولان : قول بجواز لبس السّراويل إذا عدم الإزار ، ويفتدي ، وقول : لا يجوز ولو عدم الإزار ، وهو المعتمد . لبس الخفّين ونحوهما : 59 - ثالثاً : من لم يجد النّعلين يقطع الخفّين أسفل من الكعبين ويلبسهما ، كما نصّ الحديث . وهو قول المذاهب الثّلاثة الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد ، وقول عروة بن الزّبير والثّوريّ وإسحاق بن راهويه وابن المنذر ، وهو مرويّ عن عمر بن الخطّاب ، وعبد اللّه بن عمر ، والنّخعيّ . وقال الإمام أحمد : وهو المعتمد في المذهب : لا يقطع الخفّين ، ويلبسهما كما هما . وهو قول عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القدّاح ، بل قال الحنابلة : « حرم قطعهما " على المحرم . استدلّ الجمهور بحديث ابن عمر السّابق في محظورات الإحرام . واستدلّ الحنابلة بحديث ابن عبّاس ، وقالوا : « إنّ زيادة القطع - أي في حديث ابن عمر - اختلف فيها ، فإن صحّت فهي بالمدينة ، لرواية أحمد عنه : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر " فذكره ، وخبر ابن عبّاس بعرفات ، فلو كان القطع واجباً لبيّنه للجمع العظيم الّذي لم يحضر أكثرهم ذلك بالمدينة . وقد فسّر الجمهور الكعب الّذي يقطع الخفّ أسفل منه بأنّهما العظمان النّاتئان عند مفصل السّاق والقدم . وفسّره الحنفيّة بالمفصل الّذي في وسط القدم عند معقد الشّراك . ووجهه أنّه : « لمّا كان الكعب يطلق عليه وعلى النّاتئ حمل عليه احتياطاً » . 60 - رابعاً : ألحق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بالخفّين كلّ ما ستر شيئاً من القدمين ستر إحاطة ، فلم يجيزوا لبس الخفّين المقطوعين أسفل من الكعبين إلاّ عند فقد النّعلين . ولو وجد النّعلين لم يجز له لبسهما ، ووجب عليه خلعهما إن كان قد لبسهما . وإن لبسهما لعذر كالمرض لم يأثم وعليه الفداء . وأمّا الحنفيّة فإنّهم قالوا : كلّ ما كان غير ساتر للكعبين ، اللّذين في ظاهر القدمين فهو جائز للمحرم . تقلّد السّلاح : 61 - خامساً : حظر المالكيّة والحنابلة على المحرم تقلّد السّيف بدون حاجة ، ومثله الأسلحة المعاصرة . وأوجب عليه المالكيّة الفداء إذا تقلّده لغير حاجة ، وقالوا : هذا إذا كانت علاقته غير عريضة ، ولا متعدّدةً ، وإلاّ فالفدية لازمة على كلّ حال ، لكن لا يأثم في حال العذر . وأجاز الحنفيّة والشّافعيّة تقلّد السّيف مطلقاً ، لم يقيّدوه بالحاجة ، وكأنّهم لاحظوا أنّه ليس من اللّبس المعتاد المحظور على المحرم . ستر الرّأس والاستظلال : 62 - سادساً : اتّفق العلماء على تحريم ستر المحرم رأسه أو بعضه ، أخذاً من تحريم لبس العمائم والبرانس ثمّ اختلفوا في ضابط هذا السّتر . فعند الحنفيّة والحنابلة يحرم ستره بما يقصد به التّغطية عادةً . وعند المالكيّة يحرم ستر المحرم رأسه بكلّ ما يعدّ ساتراً مطلقاً . وقريب منهم مذهب الشّافعيّة ، غير أنّهم قالوا : يحرم ما يعدّ ساتراً عرفاً ، فإن لم يكن ساتراً عرفاً فيحرم إن قصد به السّتر . يحرم ستر بعض الرّأس كذلك بما يعدّ ساتراً ، أو يقصد به السّتر ، على الخلاف الّذي ذكرناه . فلا يجوز له أن يعصب رأسه بعصابة ، ولا سير ، ولا يجعل عليه شيئاً يلصق به . وقد ضبطه المالكيّة بما يبلغ مساحة درهم فأكثر . وجعل الحنفيّة فيما كان أقلّ من ربع الرّأس الكراهة وصدقةً بشرط الدّوام الّذي سيأتي . واتّفقوا على جواز نحو خيط ، ويحرم عند المالكيّة وضع اليد على الرّأس ، لأنّها ساتر مطلقاً ، وكذا عند الشّافعيّة إن قصد بها ستر الرّأس ، وإلاّ فلا . ولا يحرم عند الحنفيّة والحنابلة . 63 - وأمّا وضع حمل على الرّأس : فيحرم عند الحنفيّة والحنابلة إن كان ممّا يقصد به التّغطية بحسب العادة ، كما لو حمل على رأسه ثياباً ، فإنّه يكون تغطيةً ، وإن كان ممّا لا يقصد به تغطية الرّأس عادةً لا يحرم ، كحمل طبق أو قفّة ، أو طاسة قصد بها السّتر ؛ لأنّها ليست ممّا يقصد به السّتر غالباً ، فصار كوضع اليد . وهذا متّفق مع الشّافعيّة ، لكن عند الشّافعيّة إذا حمل ما لا يعتبر ساتراً كالقفّة وقصد به السّتر حرم ولزمه الفداء . وأمّا المالكيّة فقالوا : يجوز للمحرم أن يحمل على رأسه ما لا بدّ منه من خرجه وجرابه ، وغيره ، والحال أنّه لا يجد من يحمل خرجه مثلاً لا بأجرة ولا بغيرها . فإن حمل لغيره أو للتّجارة ، فالفدية ، وقال أشهب : إلاّ أن يكون عيشه ذلك . أي إلاّ أن يكون ما ذكر من الحمل للغير أو التّجارة لعيشه . وهو معتمد في المذهب المالكيّ . 64 - والتّظلّل بما لا يلامس الرّأس ، وهو ثابت في أصل تابع له ، جائز اتّفاقاً ، كسقف الخيمة ، والبيت ، من داخلهما ، أو التّظلّل بظلّهما من الخارج ، ومثل مظلّة المحمل إذا كانت ثابتةً عليه من الأصل . وعلى ذلك يجوز ركوب السّيّارات المسقفة اتّفاقاً ؛ لأنّ سقوفها من أصل صناعتها ، فصارت كالبيت والخيمة . وإن لم يكن المظلّ ثابتاً في أصل يتبعه فجائز كذلك مطلقاً عند الحنفيّة والشّافعيّة وقول عند الحنابلة . وقال المالكيّة : لا يجوز التّظلّل بما لا يثبت في المحمل . ونحو هذا قول عند الحنابلة ، واختاره الخرقيّ ، وضبطه عندهم في هذا القول : « أنّه ستر رأسه بما يستدام ويلازمه غالباً ، فأشبه ما لو ستره بشيء يلاقيه " وفي التّظلّل بنحو ثوب يجعل على عصاً أو على أعواد ( مظلّة أو بشيء يرفعه على رأسه من الشّمس أو الرّيح ) ، أقوال ثلاثة أقربها الجواز ، للحديث الآتي في دليل الجمهور . ويجوز الاتّقاء بذلك من المطر . وأمّا البناء والخباء ونحوهما فيجوز الاتّقاء به من الحرّ والبرد والمطر . وأجاز التّظلّل بذلك الحنابلة ، وكذا الحنفيّة والشّافعيّة ، لما عرفت من أصل مذهبهم . واستدلّوا بحديث أمّ الحصين قالت : « حججت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حجّة الوداع ، فرأيت أسامة وبلالاً ، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النّبيّ صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ ، حتّى رمى جمرة العقبة » . أخرجه مسلم . ولأنّ ما حلّ للحلال - كما في المغني - حلّ للمحرم إلاّ ما قام على تحريمه دليل . ستر الوجه 65 - سابعاً : يحظر على المحرم ستر وجهه عند الحنفيّة والمالكيّة وليس بمحظور عند الشّافعيّة والحنابلة وعزاه النّوويّ في المجموع إلى الجمهور . استدلّ الحنفيّة والمالكيّة بحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ رجلاً وقصته راحلته وهو محرم فمات ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : اغسلوه بماء وسدر ، وكفّنوه في ثوبيه ، ولا تخمّروا رأسه ولا وجهه ، فإنّه يبعث يوم القيامة ملبّياً » أخرجه مسلم . وجه الاستدلال أنّه : « أفاد أنّ للإحرام أثراً في عدم تغطية الوجه » . واستدلّوا أيضاً من المعقول بأنّ المرأة لا تغطّي وجهها ، مع أنّ في الكشف فتنةً ، فالرّجل بطريق الأولى . واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة بما ورد من الآثار عن بعض الصّحابة بإباحة تغطية المحرم وجهه ، من فعلهم أو قولهم . روي ذلك عن عثمان بن عفّان ، وعبد الرّحمن بن عوف ، وزيد بن ثابت ، وابن الزّبير ، وسعد بن أبي وقّاص ، وجابر . وروى القاسم وطاوس والثّوريّ من غير الصّحابة . لبس القفّازين : 66 - ثامناً : يحرم على الرّجل لبس القفّازين ، باتّفاق العلماء ، كما نصّ على ذلك النّوويّ ، وهو كذلك في مصادر المذاهب . ب - محظورات الإحرام من الملبس في حقّ النّساء : ينحصر محظور الإحرام من الملبس في حقّ النّساء في أمرين فقط ، هما الوجه واليدان ، نفصّل بحثهما فيما يلي : ستر الوجه : 67 - اتّفق العلماء على أنّه يحرم على المرأة في الإحرام ستر وجهها ، لا خلاف بينهم في ذلك . والدّليل عليه من النّقل ما سبق في الحديث : « ولا تنتقب المرأة المحرمة ، ولا تلبس القفّازين » . وضابط السّاتر هنا عند المذاهب هو كما مرّ في ستر الرّأس للرّجل . وإذا أرادت أن تحتجب بستر وجهها عن الرّجال جاز لها ذلك اتّفاقاً بين العلماء ، إلاّ إذا خشيت الفتنة أو ظنّت فإنّه يكون واجباً . والدّليل على هذا الاستثناء حديث عائشة رضي الله عنها قالت : « كان الرّكبان يمرّون بنا ونحن مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم محرمات ، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه » أخرجه أبو داود . وعن فاطمة بنت المنذر قالت : كنّا نخمّر وجوهنا ونحن محرمات ، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق . أخرجه مالك والحاكم . ومرادها من هذا ستر الوجه بغير النّقاب على معنى التّستّر . وقد اشترط الحنفيّة والشّافعيّة - وهو قول عند الحنابلة - ألاّ يلامس السّاتر الوجه ، كأن تضع على رأسها تحت السّاتر خشبةً أو شيئاً يبعد السّاتر عن ملامسة وجهها " لأنّه بمنزلة الاستظلال بالمحمل " كما في الهداية . وأجاز لها المالكيّة أن تستر وجهها إذا قصدت السّتر عن أعين النّاس ، بثوب تسدله من فوق رأسها دون ربط ، ولا غرز بإبرة أو نحوها ممّا يغرز به . ومثل ذلك عند الحنابلة ، لكن عبّروا بقولهم : « إن احتاجت إلى ستره " ؛ لأنّ العلّة في السّتر المحرّم أنّه ممّا يربط ، وهذا لا يربط ، كما تشير عبارة المالكيّة . لبس القفّازين : 68 - يحظر على المرأة المحرمة لبس القفّازين عند المالكيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة . وذهب الحنفيّة ، وهو رواية عند الشّافعيّة ، إلى أنّه يجوز لها اللّبس بكفّيها ، كالقفّاز وغيره ، ويقتصر إحرامها على وجهها فقط . استدلّ الجمهور بحديث ابن عمر بزيادة : « ولا تنتقب المرأة المحرمة ، ولا تلبس القفّازين » . واستدلّ الحنفيّة بحديث ابن عمر قال : « إحرام المرأة في وجهها » ، وبما ورد من آثار عن الصّحابة . وكان سعد بن أبي وقّاص يلبس بناته القفّازين وهنّ محرمات . ورخّص فيه عليّ وعائشة . وهو قول عطاء وسفيان والثّوريّ . يجوز للمحرمة تغطية يدها فقط من غير شدّ ، وأن تدخل يديها في أكمامها وفي قميصها . المحرّمات المتعلّقة ببدن المحرم 69 - ضابط هذه المحظورات كلّ شيء يرجع إلى تطييب الجسم ، أو إزالة الشّعث ، أو قضاء التّفث . والدّليل على تحريمها قوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } . ومن السّنّة قوله صلى الله عليه وسلم : « ولا تلبسوا شيئاً من الثّياب مسّه الزّعفران ولا الورس » . أخرجه السّتّة . فتحرم الأشياء الآتية : أ - حلق الرّأس . ب - إزالة الشّعر من أيّ موضع من الجسم . ج - قصّ الظّفر . د - الأدهان . هـ - التّطيّب . تفصيل أحكام هذه المحظورات حلق الرّأس : 70 - يحظر على المحرم حلق رأسه أو رأس محرم غيره . وكذا لو حلق له غيره حلالاً أو محرماً يحظر عليه تمكينه من ذلك . والتّقصير كالحلق في ذلك كلّه . وقليل الشّعر كذلك يحظر حلقه أو قطعه . وكذلك إزالة الشّعر عن الرّأس بأيّ شيء كالنّتف ، والحرق ، أو استعمال النّورة لإزالته . ومثلها أيّ علاج مزيل للشّعر . وذلك كلّه ما لم يفرغ الحالق والمحلوق له من أداء نسكهما . فإذا فرغا لا يدخلان في الحظر . ويسوغ لهما أن يحلق أحدهما للآخر ، باتّفاق المذاهب على ذلك كلّه . والدّليل هو ما سبق من نصّ الآية ، وهي وإن ذكرت الحلق فإنّ غيره ممّا ذكرنا مثله في التّرفّه ، فيقاس عليه ، ويأخذ حكمه . واختلفوا في حلق المحرم للحلال . فحظره الحنفيّة . وهو قول للمالكيّة . وأجازه المالكيّة في قول آخر والشّافعيّة والحنابلة . استدلّ الثّلاثة بأنّ المحرم حلق شعراً لا حرمة له من حيث الإحرام ، فلا يمنع ، ولا جزاء عليه . واستدلّ الحنفيّة : بأنّ المحرم كما هو ممنوع من حلق رأس نفسه ممنوع من حلق رأس غيره ، لقوله عزّ وجلّ : { ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } . والإنسان لا يحلق رأس نفسه عادةً ، إلاّ أنّه لمّا حرم عليه حلق رأس غيره يحرم عليه حلق رأس نفسه من طريق الأولى . وسواء كان المحلوق حلالاً أو حراماً ، لما قلنا . إزالة الشّعر من أيّ موضع من الجسم : 71 - يحظر إزالة الشّعر وذلك قياساً على شعر الرّأس ، بجامع التّرفّه في كلّ منهما . الادّهان : 73 - الدّهن مادّة دسمة من أصل حيوانيّ أو نباتيّ . وقد اختلفوا في الدّهن غير المطيّب : فالجمهور - عدا الإمام أحمد - على تفصيل بينهم - ذهبوا إلى حظر استعمال الدّهن ولو كان غير مطيّب ، كالزّيت ، لما فيه من التّرفّه والتّزيين ، وتحسين الشّعر ، وذلك ينافي الشّأن الّذي يجب أن يكون عليه المحرم من الشّعث والغبار افتقاراً وتذلّلاً للّه تعالى . وقد أوردوا في الدّهن وأشباهه الاستدلال بحديث ابن عمر ، قال : « قام رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : من الحاجّ يا رسول اللّه ؟ قال : الشّعث التّفل » . أخرجه التّرمذيّ وابن ماجه . والشّعث : بكسر العين الوصف ، وبفتحها المصدر ، ومعناه انتشار الشّعر وتغبّره لقلّة التّعهّد . والتّفل : من التّفل ، وهو ترك الطّيب حتّى يوجد منه رائحة كريهة . فشمل بذلك ترك الدّهن . فقال الحنفيّة والمالكيّة يحظر على المحرم استعمال الدّهن في رأسه ولحيته وعامّة بدنه لما ذكرنا من عموم الاستدلال فيما سبق . وقال الشّافعيّة يحظر دهن شعر الرّأس للرّجل والمرأة واللّحية وما ألحق بهما كالشّارب والعنفقة فقط ، حتّى لو كان أصلع جاز دهن رأسه ، أمّا إذا كانا محلوقين فيحظر دهنهما ؛ لأنّه يزيّنهما إذا نبتا . ويباح له دهن ما عدا الرّأس واللّحية وما ألحق بهما ، ولا يحظر ، ظاهراً كان أو باطناً ، ويباح سائر شعور بدنه ، ويباح له أكل الدّهن من غير أن يصيب اللّحية أو الشّارب أو العنفقة . واستدلّوا بأنّه ليس في الدّهن طيب ولا تزيين ، فلا يحرم إلاّ فيما ذكرنا ؛ لأنّه به يحصل التّزيين . وإنّ الّذي جاء به الشّرع استعمال الطّيب ، وهذا ليس منه ، فلا يثبت تحريمه . وقال الحنابلة - على المعتمد عندهم من إباحته في كلّ البدن : « إنّ وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ، ولا دليل فيه من نصّ ولا إجماع . ولا يصحّ قياسه على الطّيب ، فإنّ الطّيب يوجب الفدية وإن لم يزل شيئاً ، ويستوي فيه الرّأس وغيره ، والدّهن بخلافه » . هـ - التّطيّب : 74 - الطّيب عند الحنفيّة : ما له رائحة مستلذّة ويتّخذ منه الطّيب . وعند الشّافعيّة : ما يقصد منه رائحته غالباً ، ولو مع غيره . ويشترط في الطّيب الّذي يحكم بتحريمه أن يكون معظم الغرض منه الطّيب ، واتّخاذ الطّيب منه ، أو يظهر فيه هذا الغرض . وعند الحنابلة : ما تطيب رائحته ويتّخذ للشّمّ . وقسّمه المالكيّة إلى قسمين : مذكّر ومؤنّث . فالمذكّر : هو ما يخفى أثره أي تعلّقه بما مسّه من ثوب أو جسد ويظهر ريحه . والمراد به أنواع الرّياحين : كالرّيحان ، والورد ، والياسمين . وأمّا المياه الّتي تعتصر ممّا ذكر فليس من قبيل المؤنّث . والمؤنّث : هو ما يظهر لونه وأثره ، أي تعلّقه بما مسّه مسّاً شديداً ، كالمسك ، والكافور ، والزّعفران . فالمؤنّث يكره شمّه ، واستصحابه ، ومكث في المكان الّذي هو فيه ، ويحرم منه . والمذكّر يكره شمّه ، وأمّا مسّه من غير شمّ واستصحابه ومكث بمكان هو فيه فهو جائز . تفصيل أحكام التّطيّب للمحرم : تطييب الثّوب : 75 - وهو أصل في الباب ، للتّنصيص عليه في الحديث السّابق ، ومن هنا قالوا : المحرم ممنوع من استعمال الطّيب في إزاره ، أو ردائه ، وجميع ثيابه ، وفراشه ، ونعله حتّى لو علق بنعله طيب وجب أن يبادر لنزعه ، ولا يضع عليه ثوباً مسّه الورس أو الزّعفران ، أو نحوهما من صبغ له طيب . كذلك لا يجوز له حمل طيب تفوح رائحته ، أو شدّه بطرف ثوبه ، كالمسك ، بخلاف شدّ عود أو صندل . أمّا الثّوب الّذي فيه طيب قبل الإحرام فلا يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة لبسه . ويجوز عند الشّافعيّة والحنابلة تطييب ثوب الإحرام عند إرادة الإحرام . ولا يضرّ بقاء الرّائحة في الثّوب بعد الإحرام ، كما لا يضرّ بقاء الرّائحة الطّيّبة في البدن اتّفاقاً ، قياساً للثّوب على البدن ، لكن نصّوا على أنّه لو نزع ثوب الإحرام أو سقط عنه فلا يجوز له أن يعود إلى لبسه ما دامت الرّائحة فيه ، بل يزيل منه الرّائحة ثمّ يلبسه . تطييب البدن : 76 - يحظر على المحرم استعمال الطّيب في بدنه ، وعليه الفدية ، ولو للتّداوي . ولا يخضّب رأسه أو لحيته أو شيئاً من جسمه ، ولا يغسله بما فيه طيب ، ومنه عند الحنفيّة الخطميّ والحنّاء ، على ما مرّ من الخلاف فيهما . 77 - وأكل الطّيب الخالص أو شربه لا يحلّ للمحرم اتّفاقاً بين الأئمّة . أمّا إذا خلط الطّيب بطعام قبل الطّبخ ، وطبخه معه ، فلا شيء عليه ، قليلاً كان أو كثيراً ، عند الحنفيّة والمالكيّة . وكذا عند الحنفيّة لو خلطه بطعام مطبوخ بعد طبخه فإنّه يجوز للمحرم أكله . أمّا إذا خلطه بطعام غير مطبوخ : فإن كان الطّعام أكثر فلا شيء ، ولا فدية إن لم توجد الرّائحة ، وإن وجدت معه الرّائحة الطّيّبة يكره أكله عند الحنفيّة . وإن كان الطّيب أكثر وجب في أكله الدّم سواء ظهرت رائحته أو لم تظهر . وأمّا عند المالكيّة فكلّ طعام خلط بطيب من غير أن يطبخ الطّيب معه فهو محظور في كلّ الصّور ، وفيه الفداء . أمّا إن خلط الطّيب بمشروب ، كماء الورد وغيره ، وجب فيه الجزاء ، قليلاً كان الطّيب أو كثيراً ، عند الحنفيّة والمالكيّة . وقال الشّافعيّة والحنابلة : إذا خلط الطّيب بغيره من طعام أو شراب ، ولم يظهر له ريح ولا طعم ، فلا حرمة ولا فدية ، وإلاّ فهو حرام وفيه الفدية . شمّ الطّيب : 78 - شمّ الطّيب دون مسّ يكره عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، ولا جزاء فيه عندهم . أمّا الحنابلة فقالوا : يحرم تعمّد شمّ الطّيب ، ويجب فيه الفداء ، كالمسك والكافور ، ونحوهما ممّا يتطيّب بشمّه . الصّيد وما يتعلّق به 79 - تعريف الصّيد لغةً : الصّيد لغةً : مصدر بمعنى ، الاصطياد ، والقنص ، وبمعنى المصيد ، وكلّ من المعنيين داخل فيما يحظر بالإحرام . تعريف الصّيد اصطلاحاً : 80 - الصّيد عند الحنفيّة هو الحيوان البرّيّ الممتنع عن أخذه بقوائمه ، أو جناحيه ، المتوحّش في أصل الخلقة . وعند المالكيّة هو الحيوان البرّيّ المتوحّش في أصل الخلقة . وعند الشّافعيّة والحنابلة هو الحيوان البرّيّ المتوحّش المأكول اللّحم . أدلّة تحريم الصّيد : 81 - وقد ثبت تحريم الصّيد على المحرم بالكتاب والسّنّة والإجماع : أمّا الكتاب : فقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرم } . وقال عزّ من قائل : { وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً } . وكلّ منهما نصّ قاطع في الموضوع . وأمّا السّنّة فمنها حديث أبي قتادة « حين أحرم أصحابه ولم يحرم ، ورأى حمار وحش . وفي الحديث فأسرجت فرسي ، وأخذت رمحي ، ثمّ ركبت ، فسقط منّي سوطي ، فقلت لأصحابي - وكانوا محرمين - ناولوني السّوط . فقالوا : واللّه لا نعينك عليه بشيء ، فنزلت ، فتناولته ثمّ ركبت . وفي رواية أخرى : فنزلوا ، فأكلوا من لحمها ، وقالوا : أنأكل لحم صيد ونحن محرمون ؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان ، فلمّا أتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول اللّه إنّا كنّا أحرمنا ، وقد كان أبو قتادة لم يحرم ، فرأينا حمر وحش ، فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتاناً ، فنزلنا ، فأكلنا من لحمها ، ثمّ قلنا : أنأكل لحم صيد ونحن محرمون ، ؟ فحملنا ما بقي من لحمها . قال : أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها ؟ قالوا : لا قال : فكلوا ما بقي من لحمها » متّفق عليه . وأمّا الإجماع فقد حكاه النّوويّ وابن قدامة كما ذكر ابن قدامة إجماع أهل العلم على وجوب الجزاء بقتله . إباحة صيد البحر : 82 - وأمّا صيد البحر : فحلال للحلال وللمحرم بالنّصّ ، والإجماع : أمّا النّصّ فقوله تعالى : { أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسّيّارة وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً } . والإجماع حكاه النّوويّ وأبو بكر الجصّاص . أحكام تحريم الصّيد على المحرم : 83 - يشمل تحريم الصّيد على المحرم أموراً نصنّفها فيما يلي : تحريم قتل الصّيد ، لصريح النّصوص الواردة في ذلك . وتحريم إيذاء الصّيد ، أو الاستيلاء عليه . ومن ذلك : كسر قوائم الصّيد ، أو كسر جناحه ، أو شيّ بيضه أو كسره ، أو نتف ريشه ، أو جزّ شعره ، أو تنفير الصّيد ، أو أخذه ، أو دوام إمساكه ، أو التّسبّب في ذلك كلّه أو في شيء منه بدليل الآية : { وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً } . والآية تفيد تحريم سائر أفعالنا في الصّيد في حال الإحرام » . والدّليل من القياس : « أنّ ما منع من إتلافه لحقّ الغير منع من إتلاف أجزائه ، كالآدميّ ، فإن أتلف جزءاً منه ضمنه بالجزاء . . . » . وللقياس على حظر تنفير صيد الحرم ، لقوله صلى الله عليه وسلم في مكّة : « إنّ هذا البلد حرّمه اللّه ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفّر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلاّ من عرّفها » فإذا حرم تنفير صيد الحرم وجب أن يحرم في الإحرام . 84 - وتحرم المساعدة على الصّيد بأيّ وجه من الوجوه : مثل الدّلالة عليه ، أو الإشارة ، أو إعارة سكّين ، أو مناولة سوط . وكذا يحرم الأمر بقتل الصّيد اتّفاقاً في ذلك . والدّليل عليه حديث أبي قتادة السّابق . تحريم تملّك الصّيد 85 - يحرم تملّك الصّيد ابتداءً ، بأيّ طريق من طرق التّملّك ، فلا يجوز بيعه ، أو شراؤه ، أو قبوله هبةً ، أو وصيّةً ، أو صدقةً ، أو إقالةً . والدّليل على تحريم ذلك الآية : { وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً } . قال في فتح القدير : « أضاف التّحريم إلى العين ، فيكون ساقط التّقوّم في حقّه ، كالخمر . وأنت علمت أنّ إضافة التّحريم إلى العين تفيد منع سائر الانتفاعات » . ويستدلّ أيضاً من السّنّة بحديث الصّعب بن جثّامة « أنّه أهدى إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حمار وحش ، فردّه عليه ، فلمّا رأى ما في وجهه قال : إنّا لم نردّه عليك إلاّ أنّا حرم » . متّفق عليه . ويستدلّ بإجماع العلماء . تحريم الانتفاع بشيء من الصّيد 86 - يحرم على المحرم أكل لحمه ، وحلبه ، وأكل بيضه ، وشيّه . وذلك لعموم الأدلّة الّتي سبقت في تحريم تملّك الصّيد ؛ ولأنّ الانتفاع فرع من الملك ، فإذا حرّم الملك لم يبق محلّ لأثره . 87 - إذا صاد الحلال صيداً فهل يحلّ للمحرم أكله ؟ في المسألة مذاهب : المذهب الأوّل : لا يحلّ للمحرم الصّيد أصلاً ، سواء أمر به أم لا ، وسواء أعان على صيده أم لا ، وسواء أصاده الحلال له أم لم يصده له . وهذا قول طائفة من أهل العلم ، منهم من الصّحابة : عليّ وابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم . وكره ذلك طاوس وجابر بن زيد وسفيان الثّوريّ . المذهب الثّاني : ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله فلا يجوز للمحرم أكله ، فأمّا ما لم يصده من أجل المحرم بل صاده لنفسه أو لحلال آخر فلا يحرم على المحرم أكله . وهذا مذهب الجمهور ، المالكيّة والشّافعيّة الحنابلة . وهو قول إسحاق بن راهويه ، وأبي ثور . وقال ابن عبد البرّ : وهو الصّحيح عن عثمان في هذا الباب . إلاّ أنّ المالكيّة قالوا : ما صيد للمحرم هو ميتة على كلّ أحد ، المحرم المذبوح له وغيره ، وعلى المحرم الجزاء إن علم أنّه صيد لمحرم ولو غيره ، وأكل . وإن لم يعلم وأكل منه فلا جزاء عليه . ووافقهم الحنابلة في لزوم الجزاء ، وفصّلوا فأوجبوه كاملاً إن أكله كلّه ، وقسطه إن أكل بعضه ، لكنّهم لم يجعلوه حراماً إلاّ على من ذبح له . وقال الشّافعيّة - على ما هو الأصحّ الجديد في المذهب - لا جزاء في الأكل . ولم يعمّموا الحرمة على غير من صيد له الصّيد . المذهب الثّالث : يحلّ للمحرم أكل ما صاده الحلال من الصّيد ، ما لم يأمر به ، أو تكون منه إعانة عليه أو إشارة أو دلالة ، وهو مذهب الحنفيّة . وقال ابن المنذر : « كان عمر بن الخطّاب وأبو هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير يقولون : للمحرم أكل ما صاده الحلال ، وروي ذلك عن الزّبير بن العوّام ، وبه قال أصحاب الرّأي » . استدلّ أصحاب المذهب الأوّل القائلون بتحريم أكل لحم الصّيد على المحرم مطلقاً بإطلاق الكتاب والسّنّة فيما سبق . واستدلّ الجمهور أصحاب المذهب الثّاني بأنّ ما صاده الحلال يحلّ أكله للمحرم بشرط ألاّ يكون صيد لأجله بأدلّة من السّنّة منها : حديث أبي قتادة السّابق فقد أحلّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم للمحرمين أكل ما صاده الحلال . واستدلّ الجمهور أيضاً بحديث جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « صيد البرّ لكم حلال ، ما لم تصيدوه أو يصد لكم » . أخرجه أبو داود والتّرمذيّ والنّسائيّ وصحّحه الحاكم . وقد تكلّم في سنده ، لكن رجّح النّوويّ صحّته . واستدلّ أصحاب المذهب الثّالث الحنفيّة ومن معهم - القائلون : يحلّ للمحرم أن يأكل من صيد صاده الحلال ، وذبحه ، ما لم يكن من المحرم دلالة ولا أمر للحلال به ، وإن صاده الحلال لأجل المحرم - بأدلّة كثيرة من السّنّة والآثار . منها حديث أبي قتادة السّابق ، في صيده حمار وحش وهو حلال وأكل منه الصّحابة وأقرّهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم منه . وجه دلالة الحديث : « أنّهم لمّا سألوه عليه الصلاة والسلام لم يجب بحلّه لهم حتّى سألهم عن موانع الحلّ ، أكانت موجودةً أم لا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها ، أو أشار إليها ؟ قالوا : لا . قال : فكلوا إذن » . فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه في سلك ما يسأل عنه منها في التّفحّص عن الموانع ، ليجيب بالحكم عند خلوّه منها . وهذا المعنى كالصّريح في نفي كون الاصطياد للمحرم مانعاً ، فيعارض حديث جابر ، ويقدّم عليه ، لقوّة ثبوته . صيد الحرم : 88 - المراد بالحرم هنا مكّة والمنطقة المحرّمة المحيطة بها . وللحرم أحكام خاصّة ، منها تحريم صيده على الحلال كما يحرم على المحرم أيضاً ، وذلك باتّفاق العلماء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ هذا البلد حرّمه اللّه ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفّر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلاّ من عرّفها » . متّفق عليه . فقرّر العلماء من تحريم الصّيد على الحلال في الحرم أحكاماً نحو تحريم الصّيد على المحرم ، وتفرّعت لذلك فروع في المذاهب لا نطيل ببسطها ( ر : حرم . ) ما يستثنى من تحريم قتل الصّيد : 89 - أ - اتّفق على جواز قتل الحيوانات التّالية في الحلّ والحرم ، للمحرم وغيره ، سواء ابتدأت بأذًى أو لا ، ولا جزاء على من قتلها - وهي : الغراب ، والحدأة ، والذّئب ، والحيّة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور ، لما ورد من الأحاديث في إباحة قتلها : روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « خمس من الدّوابّ ليس على المحرم في قتلهنّ جناح : الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور » . متّفق عليه . وقد ورد ذكر الغراب في الحديث مطلقاً ، ومقيّداً ، ففسّروه بالغراب الأبقع الّذي يأكل الجيف . قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : « اتّفق العلماء على إخراج الغراب الصّغير الّذي يأكل الحبّ من ذلك ، ويقال له : غراب الزّرع » . ا هـ . يعني أنّه لا يدخل في إباحة قتل الصّيد ، بل يحرم صيده . إلاّ أنّ المالكيّة فصلّوا فقالوا : يجوز قتل الفأرة والحيّة والعقرب مطلقاً ، صغيرةً أو كبيرةً ، بدأت بالأذيّة أم لا . وأمّا الغراب والحدأة ففي قتل صغيرهما - وهو ما لم يصل لحدّ الإيذاء - خلاف عند المالكيّة : قول بالجواز نظراً للفظ « غراب " الواقع في الحديث ، فإنّه مطلق يصدق على الكبير والصّغير : وقول بالمنع نظراً للعلّة في جواز القتل ، وهي الإيذاء ، وذلك منتف في الصّغير . وعلى القول بالمنع ، فلا جزاء فيه ، مراعاةً للقول الآخر . ثمّ قرّر المالكيّة شرطاً لجواز قتل ما يقبل التّذكية ، كالغراب ، والحدأة ، والفأرة ، والذّئب ، وهو أن يكون قتلها بغير نيّة الذّكاة ، بل لدفع شرّها ، فإن قتل بقصد الذّكاة ، فلا يجوز ، وفيه الجزاء . 90 - ب - يجوز قتل كلّ مؤذ بطبعه ممّا لم تنصّ عليه الأحاديث ، مثل الأسد ، والنّمر ، والفهد ، وسائر السّباع . بل صرّح الشّافعيّة والحنابلة أنّه مستحبّ بإطلاق دون اشتراط شيء . وكذا الحكم عندهم فيما سبق استحباب قتل تلك المؤذيات . وأمّا المالكيّة فعندهم التّفصيل السّابق بالنّسبة للكبار والصّغار ، واشتراط عدم قصد الذّكاة بقتلها . واشترطوا في الطّير الّذي لم ينصّ عليه أن يخاف منه على نفس أو مال ، ولا يندفع إلاّ بقتله . وأمّا الحنفيّة فقالوا : السّباع ونحوها كالبازي والصّقر ، معلّماً وغير معلّم ، صيود لا يحلّ قتلها . إلاّ إذا صالت على المحرم ، فإن صالت جاز له قتلها ولا جزاء عليه . وفي رواية عندهم جواز قتلها مطلقاً . استدلّ الجمهور على تعميم الحكم في كلّ مؤذ بأدلّة : منها : حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « يقتل المحرم السّبع العادي ، والكلب العقور ، والفأرة ، والعقرب ، والحدأة والغراب . » . أخرجه أبو داود والتّرمذيّ وابن ماجه . وقال التّرمذيّ : هذا حديث حسن ، والعمل على هذا عند أهل العلم ، قالوا : « المحرم يقتل السّبع العادي » . واستدلّوا بما ورد في الأحاديث المتّفق عليها من الأمر بقتل " الكلب العقور » . قال الإمام مالك : « إنّ كلّ ما عقر النّاس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد ، والنّمر ، والفهد ، والذّئب ، فهو الكلب العقور » . 91 - ج - ألحق الشّافعيّة والحنابلة بما يقتل في الحرم والإحرام كلّ ما لا يؤكل لحمه . |
الهوامّ والحشرات 92 - د - لا تدخل الهوامّ والحشرات في تحريم الصّيد عند أصحاب المذاهب الثّلاثة : الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . أمّا عند الحنفيّة : فلأنّها ليست ممتنعةً ، وقد ذكروا في تعريف الصّيد أنّه الممتنع . وعلى ذلك فلا جزاء في قتلها عند الحنفيّة ، لكن لا يحلّ عندهم قتل ما لا يؤذي ، وإن لم يجب فيه الجزاء . وأمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فلا تدخل في الصّيد ، لكونهم اشترطوا فيه أن يكون مأكولاً . وهذه غير مأكولة ، وقد عرفت تفصيل حكمها عندهم في المسألة السّابقة . وأمّا المالكيّة فقالوا : يحظر قتل ما لا يؤذي من الحشرات بالإحرام والحرم ، وفيه الجزاء عندهم . لكن قالوا في الوزغ : لا يجوز للمحرم قتله ، ويجوز للحلال قتله في الحرم ، " إذ لو تركها الحلال بالحرم لكثرت في البيوت وحصل منها الضّرر » . الجماع ودواعيه : 93 - يحرم على المحرم باتّفاق العلماء وإجماع الأمّة الجماع ودواعيه الفعليّة أو القوليّة وقضاء الشّهوة بأيّ طريق . والجماع أشدّ المحظورات حظراً ؛ لأنّه يؤدّي إلى فساد النّسك . والدّليل على تحريم ذلك النّصّ القرآنيّ : { فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ } . فسّر الرّفث بأنّه ما قيل عند النّساء من ذكر الجماع وقول الفحش . وثبت ذلك عن ابن عبّاس فتكون الآية دليلاً على تحريم الجماع على المحرم بطريق دلالة النّصّ ، أي من باب الأولى ؛ لأنّه إذا حرم ما دون الجماع ، كان تحريمه معلوماً بطريق الأولى . وفسّر الرّفث أيضاً بذكر إتيان النّساء ، الرّجال والنّساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم . ونقل ذلك عن ابن عمر وبعض التّابعين . فتدلّ الآية على حرمة الجماع لدخوله في عمومها . كما فسّر بالجماع أيضاً ، ونسب ذلك إلى جماعة من السّلف منهم ابن عبّاس وابن عمر ، فتكون الآية نصّاً فيه . الفسوق والجدال : 94 - الفسوق : هو الخروج عن الطّاعة . وهو حرام في كلّ حال ، وفي حال الإحرام آكد وأغلظ ، لذلك نصّ عليه في الكتاب الكريم : { ولا فسوق ولا جدال في الحجّ } . وقد اختار جمهور المفسّرين والمحقّقون أنّ المراد به في الآية إتيان معاصي اللّه تعالى . وهذا هو المراد والصّواب ، لما هو معلوم من استعمال القرآن والسّنّة والشّرع لكلمة الفسق بمعنى الخروج عن الطّاعة . والجدال : المخاصمة . وقد قال جمهور المفسّرين المتقدّمين : أن تماري صاحبك حتّى تغضبه . وهذا يقتضي النّهي عن كلّ مساوئ الأخلاق والمعاملات . لكن ما يحتاج إليه من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لا يدخل في حظر الجدال . الفصل السّادس مكروهات الإحرام 95 - وهي أمور يكون فاعلها مسيئاً ، لكن لا يلزمه جزاء لو فعلها . وفي بيانها تنبيه هامّ ، وإزاحة لما قد يقع من اشتباه . 96 - فمنها غسل الرّأس والجسد واللّحية بالسّدر ونحوه ، عند الحنفيّة ؛ لأنّه يقتل الهوامّ ويليّن الشّعر . 97 - ومشط الرّأس بقوّة ، وحكّه ، وكذا حكّ الجسد حكّاً شديداً ، وذلك لأنّه يؤدّي إلى قطع الشّعر أو نتفه . أمّا لو فعل ذلك برفق فإنّه مباح ، لذلك قالوا : يحكّ ببطون أنامله . قال النّوويّ : « وأمّا حكّ المحرم رأسه فلا أعلم خلافاً في إباحته بل هو جائز » . 98 - والتّزيّن ، صرّح بكراهته الحنفيّة وعبارات غيرهم تدلّ عليه . قال الحنفيّة في الاكتحال بكحل غير مطيّب لقصد الزّينة إنّه مكروه ، فإن اكتحل لا لقصد الزّينة بكحل غير مطيّب بل للتّداوي أو لتقوية الباصرة فمباح . أمّا المالكيّة فالاكتحال بغير مطيّب محظور عندهم ، وفيه الفداء ، إلاّ لضرورة فلا فداء فيه . ومذهب الشّافعيّة والحنابلة الاكتحال بما لا طيب فيه ، إن لم يكن فيه زينة ، غير مكروه ، كالكحل الأبيض ، وإن كان فيه زينة كالإثمد فإنّه يكره ، لكن لا يلزم فيه فدية . فإن اكتحل بما فيه زينة لحاجة كالرّمد فلا كراهة . أمّا الاكتحال بكحل مطيّب فإنّه محظور اتّفاقاً على الرّجال والنّساء . ما يباح في الإحرام 99 - الأمور الّتي تباح في الإحرام كلّ ما ليس محظوراً ولا مكروهاً ، لأنّ الأصل في الأشياء الإباحة . ونذكر منها ما يلي : 100 - الاغتسال بالماء القراح ، وماء الصّابون ونحوه . 101 - ولبس الخاتم جائز عند الحنفيّة أو الشّافعيّة والحنابلة للرّجال والنّساء . ولا يجوز عند المالكيّة للرّجل المحرم لبس الخاتم ، وفيه الفداء . وأمّا المرأة : فيجوز لها لبس المحيط لسائر أعضائها ، ما عدا الوجه والكفّين عند الثّلاثة ، وما عدا الوجه فقط عند الحنفيّة . وشدّ الهميان والمنطقة جائز عند الحنفيّة بإطلاق وكذا الشّافعيّة . وقيّد المالكيّة والحنابلة إباحة شدّهما بالحاجة لنفقته . 102 - والنّظر في المرآة مباح عند الحنفيّة والشّافعيّة مطلقاً . وعند الحنابلة جائز لحاجة لا لزينة ، وأمّا المالكيّة فيكره عندهم النّظر في المرآة ، خيفة أن يرى شعثاً فيزيله . 103 - والسّواك نصّ على إباحته الحنفيّة وليس هو محلّ خلاف . 104 - ونزع الظّفر المكسور مباح باتّفاق الأئمّة ، وصرّح الشّافعيّة بألاّ يجاوز القسم المكسور ، وهذا لا يختلف فيه . 105 - والفصد والحجامة بلا نزع شعر جائزة عند فقهاء المذاهب الأربعة . ومثلهما الختان . لكن تحفّظ المالكيّة بالنّسبة للفصد ، فقالوا : يجوز الفصد لحاجة إن لم يعصب العضو المفصود ، وإن لم يكن له حاجة للفصد فهو مكروه ، وإن عصبه ففيه الفدية . 106 - والارتداء والاتّزار بمخيط أو محيط أي أن يجعل الثّوب المخيط أو المحيط رداءً أو إزاراً ، دون لبس . وكذا إلقاؤه على جسمه كلّ ذلك مباح عندهم جميعاً . 107 - وذبح الإبل والبقر والحيوانات الأهليّة مباح وذلك لأنّها لا تدخل في تحريم الصّيد ولا محرّمات الإحرام باتّفاقهم . الفصل السّابع في سنن الإحرام وهي أمور يثاب فاعلها ، ويكون تاركها مسيئاً ولا يلزمه بالتّرك شيء . وجملة ذلك أربعة : أوّلاً : الاغتسال : 108 - وهو سنّة عند الأئمّة الأربعة لما ورد فيه من الأحاديث ، كحديث زيد بن ثابت : « أنّه رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم تجرّد لإهلاله واغتسل » . أخرجه التّرمذيّ وحسّنه . وقد اتّفقوا على أنّ هذا الغسل سنّة لكلّ محرم صغير أو كبير ، ذكر أو أنثى ، ويطلب أيضاً من المرأة الحائض والنّفساء في حال الحيض والنّفاس . فعن ابن عبّاس مرفوعاً إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ النّفساء والحائض تغتسل وتحرم وتقضي المناسك كلّها ، غير أن لا تطوف بالبيت حتّى تطهر » أخرجه أبو داود والتّرمذيّ وحسّنه واللّفظ للتّرمذيّ . ووقت هذا الاغتسال موسّع عند الحنفيّة في الأظهر من مذهبهم . وهو مذهب الحنابلة والشّافعيّة . وثمرة الخلاف أنّه لو اغتسل ثمّ أحدث ثمّ توضّأ ينال فضيلة السّنّة ، ولا يضرّه ذلك . وألحق الشّافعيّة هذا الغسل بغسل الجمعة ، فدلّ على أنّه موسّع ، كما هو حكم غسل الجمعة . أمّا المالكيّة فقيّدوا سنّيّة الغسل بأن يكون متّصلاً بالإحرام . ثانياً : التّطيّب 109 - وهو من محظورات الإحرام ، لكنّه سنّ استعداداً للإحرام ، عند الجمهور ، وكرهه مالك . التّطيّب في البدن : 110 - ودليل سنّيّته ما روت عائشة رضي الله عنها قالت : « كنت أطيّب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ، ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت » . متّفق عليه . وعنها رضي الله عنها أيضاً قالت : « كأنّي أنظر إلى وبيص الطّيب في مفارق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو محرم » . متّفق عليه . والصّحيح عندهم جواز التّطيّب بما يبقى جرمه بعد الإحرام ، لتصريح حديث عائشة الثّاني . وأمّا المالكيّة فحظروا بقاء جرم الطّيب ولم يجوّزوا بقاء رائحته . التّطيّب في ثوب الإحرام : 111 - أمّا تطييب الثّوب قبل الإحرام فمنعه الجمهور وأجازه الشّافعيّ في القول المعتمد . فلا يضرّ بقاء الرّائحة الطّيّبة في الثّوب بعد الإحرام ، كما لا يضرّ بقاء الرّائحة الطّيّبة في البدن اتّفاقاً ، قياساً للثّوب على البدن . لكن نصّوا على أنّه لو نزع ثوب الإحرام . أو سقط عنه . فلا يجوز له أن يعود إلى لبسه ما دامت الرّائحة فيه ، بل يزيل منه الرّائحة ثمّ يلبسه . وذهب الحنفيّة إلى عدم جواز التّطيّب في الثّوب للإحرام ، ولا يجوز أن يلبس ثوب إحرام مطيّباً لأنّه بذلك يكون مستعملاً للطّيب في إحرامه باستعمال الثّوب ، وهو محظور على المحرم . وذهب المالكيّة إلى أنّه إن تطيّب قبل الإحرام يجب إزالته ، سواء في ذلك بدنه أو ثوبه ، فإن بقي في البدن أو الثّوب بعد الإحرام شيء من جرم الطّيب الّذي تطيّب به قبل الإحرام فإنّ الفدية تكون واجبةً ، وأمّا إن كان الباقي في الثّوب رائحته ، فلا يجب نزع الثّوب لكن يكره استدامته ، ولا فدية . وأمّا اللّون ففيه قولان عند المالكيّة . وهذا كلّه في الأثر اليسير ، وأمّا الأثر الكثير ففيه الفدية . استدلّ المالكيّة بحديث يعلى بن أميّة قال : « أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجل متضمّخ بطيب وعليه جبّة ، فقال : يا رسول اللّه : كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبّة بعدما تضمّخ بطيب ؟ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أمّا الطّيب الّذي بك فاغسله ثلاث مرّات ، وأمّا الجبّة فانزعها ، ثمّ اصنع في عمرتك ما تصنع في حجّك » . متّفق عليه . فاستدلالهم بهذا الحديث لحظر الطّيب في الإحرام في البدن والثّوب . ثالثاً : صلاة الإحرام 112 - يسنّ للمحرم أن يصلّي ركعتين قبل الإحرام باتّفاق الأئمّة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين » . أخرجه مسلم . ولا يصلّيهما في الوقت المكروه ، اتّفاقاً بين الأئمّة ، إلاّ من أحرم بالحرم عند الشّافعيّة ، فإنّه يصلّيهما ولو في الوقت المكروه عندهم . وتجزئ الصّلاة المكتوبة عن سنّة الإحرام اتّفاقاً كذلك ، كما في تحيّة المسجد . رابعاً : التّلبية : 113 - التّلبية سنّة في الإحرام متّفق على سنّيّتها إجمالاً ، فيما عدا الخلاف في حكم قرنها بالنّيّة هل هي فرض في الإحرام مع النّيّة ، أو واجب أو سنّة ؟ ( ف . . . ) فاتّفقوا فيما عدا ذلك على سنّيّتها للمحرم ، وعلى استحباب الإكثار منها ، وسنّيّة رفع الصّوت بها . 114 - والأفضل أن يلبّي عقب صلاة الإحرام ناوياً الحجّ أو العمرة ، على ما قاله الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة . وهو قول عند الشّافعيّة ، وفي قول - وهو الأصحّ - يلبّي إذا ركب . ولا خلاف في جواز ذلك كلّه لورود الرّواية به . عن ابن عمر رضي الله عنهما « أنّه صلى الله عليه وسلم أهلّ حين استوت به راحلته قائمةً » متّفق عليه . 115 - وأمّا انتهاء التّلبية : فهو للحاجّ ابتداء رمي جمرة العقبة يوم النّحر عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويقطعها عند الطّواف والسّعي للاشتغال بالأذكار والأدعية الواردة فيها . وأمّا المالكيّة فعندهم قولان : الأوّل : يستمرّ في التّلبية حتّى يبلغ مكّة ، فيقطع التّلبية حتّى يطوف ويسعى ، ثمّ يعاودها حتّى تزول الشّمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاّها . الثّاني : يستمرّ في التّلبية حتّى الابتداء بالطّواف والشّروع فيه . 116 - وأمّا تلبية إحرام العمرة فالجمهور أنّها تنتهي ببدء الطّواف باستلام الرّكن . وقال المالكيّة : المعتمر الآفاقيّ يلبّي حتّى الحرم ، لا إلى رؤية بيوت مكّة ، والمعتمر من الجعرانة والتّنعيم يلبّي إلى دخول بيوت مكّة ، لقرب المسافة . يدلّ للجمهور حديث ابن عبّاس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « يلبّي المعتمر حتّى يستلم الحجر » . أخرجه أبو داود والتّرمذيّ وصحّحه . واستدلّ مالك بما رواه عن نافع عن ابن عمر من فعله في المناسك قال : وكان يترك التّلبية في العمرة إذا دخل الحرم . كيفيّة الإحرام المستحبّة : 117 - من أراد أن يحرم بحجّ أو عمرة أو بهما معاً يستحبّ له إزالة التّفث عن جسمه ، وأن يتزيّن على الصّورة المألوفة الّتي لا تتنافى مع الشّريعة وآدابها ، وأن يغتسل بنيّة الإحرام ، وإذا كان جنباً فيكفيه غسل واحد بنيّة إزالة الجنابة والإحرام ، وأن يتطيّب . والأولى أن يتطيّب بطيب لا يبقى جرمه ، على التّفصيل والخلاف السّابق ، ثمّ يلبس ثوبين نظيفين جديدين أو غسيلين ، على ألاّ يكونا مصبوغين بصبغ له رائحة . وأمّا المرأة فتلبس ما يستر عورتها إلاّ وجهها وكفّيها . ثمّ يصلّي ركعتين بنيّة الإحرام . فإذا أتمّهما نوى بقلبه وقال بلسانه : اللّهمّ إنّي أريد الحجّ فيسّره لي ، وتقبّله منّي . ثمّ يلبّي . وإذا كان يريد العمرة فيقول : اللّهمّ إنّي أريد العمرة ، فيسّرها لي ، وتقبّلها منّي . ثمّ يلبّي . وإذا كان قارناً فيستحبّ أن يقدّم ذكر العمرة على ذكر الحجّ حتّى لا يشتبه أنّه أدخل العمرة على الحجّ . ويقول : اللّهمّ إنّي أريد الحجّ والعمرة . . . إلخ ، ويلبّي . فيصير بذلك محرماً ، وتجري عليه . أحكام الإحرام الّتي تقدّم بيانها . وإذا كان يؤدّي الحجّ والعمرة عن غيره فلا بدّ أن يعيّن ذلك بقلبه ولسانه . ويسنّ له الإكثار من التّلبية . وأفضل صيغها الصّيغة المأثورة : « لبّيك اللّهمّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك ، لا شريك لك » . ويستحبّ ألاّ ينقص منها . قال الطّحاويّ والقرطبيّ : « أجمع العلماء على هذه التّلبية » . وأمّا الزّيادة على التّلبية ، فإن كانت من المأثور فمستحبّ . وما ليس مرويّاً فجائز أو حسن ، على تفصيل يذكر في موضع آخر ( ر : تلبية ) موجب الإحرام : 118 - إذا أحرم شخص بنسك وجب عليه إتمامه ولو كان نفلاً في الأصل . ويلزمه جميع ما يجب على المحرم فعله . ولا يتحلّل من إحرامه إلاّ بعد أداء هذا النّسك ، على التّفصيل المتقدّم . ويتّصل بهذا بيان أحكام ما يبطل الحجّ وما يفسده وما يمنع المضيّ فيه . 119 - أمّا ما يبطله فهو الرّدّة ، فإذا ارتدّ بطل نسكه ولا يمضي فيه . 120 - أمّا ما يفسد النّسك فهو الجماع ، وعليه أن يمضي في نسكه ثمّ القضاء من قابل إن كان حجّاً على ما يأتي بيانه . وإن كان عمرةً فعليه أن يمضي أيضاً فيها ثمّ يقضيها ولو في عامه على التّفصيل . 121 - أمّا ما يمنع الاستمرار في النّسك ، وهو الإحصار والفوات ، فإنّ أحكام ذلك ترد في موضع آخر ( ر : إحصار . فوات ) . الفصل الثّامن التّحلّل من الإحرام المراد بالتّحلّل هنا الخروج من الإحرام وحلّ ما كان محظوراً عليه وهو محرم . وهو قسمان : تحلّل أصغر ، وتحلّل أكبر . التّحلّل الأصغر 122 - يكون التّحلّل الأصغر بفعل أمرين من ثلاثة : رمي جمرة العقبة ، والنّحر ، والحلق أو التّقصير . ويحلّ بهذا التّحلّل لبس الثّياب وكلّ شيء ما عدا النّساء بالإجماع ، والطّيب عند البعض ، والصّيد عند المالكيّة . والأصل في هذا الخلاف ما ورد عن السّيّدة « عائشة رضي الله عنها أنّها ضمّخت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالمسك قبل أن يطوف طواف الإفاضة » . وقد جاء في بعض الأحاديث : أنّه « إذا رمى جمرة العقبة فقد حلّ له كلّ شيء إلاّ النّساء والطّيب » ، لما أخرجه مالك في الموطّأ عن عمر رضي الله عنه أنّه خطب النّاس بعرفة ، وعلّمهم أمر الحجّ ، وقال لهم فيما قال : إذا جئتم فمن رمى الجمرة فقد حلّ له ما حرّم على الحاجّ إلاّ النّساء والطّيب . وأمّا ما ذهب إليه مالك من تحريم الصّيد كذلك فإنّه أخذ بعموم قوله تعالى : { لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرم } ووجه الاستدلال بالآية أنّ الحاجّ يعتبر محرماً ما لم يطف طواف الإفاضة . التّحلّل الأكبر : 123 - هو التّحلّل الّذي تحلّ به جميع محظورات الإحرام دون استثناء . ويبدأ الوقت الّذي تصحّ أفعال التّحلّل الأكبر فيه عند الحنفيّة والمالكيّة من طلوع فجر يوم النّحر ، وعند الشّافعيّة والحنابلة من منتصف ليلة النّحر ، وذلك تابع لاختلافهم فيما يحصل به التّحلّل الأكبر . أمّا نهاية وقته فبحسب ما يتحلّل به ، فهو لا ينتهي إلاّ بفعل ما يتحلّل به عند الحنفيّة والمالكيّة ؛ لأنّه لا يفوت ، كما ستعلم ، وهو الطّواف . وأمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فكذلك إن توقّف التّحلّل الأكبر على الطّواف أو الحلق ، أو السّعي . أمّا الرّمي فإنّه مؤقّت بغروب شمس آخر أيّام التّشريق ، فإذا توقّف عليه التّحلّل ، ولم يرم حتّى آخر أيّام التّشريق ، فات وقت الرّمي بالكلّيّة ، فيحلّ عند الحنابلة بمجرّد فوات الوقت ، وإن بقي عليه الفداء مقابل ذلك . وهذا قول عند الشّافعيّة ، لكن الأصحّ عندهم أنّه بفوات وقت الرّمي ينتقل التّحلّل إلى كفّارته ، فلا يحلّ حتّى يؤدّيها . ما يحصل به التّحلّل الأكبر : 124 - يحصل التّحلّل الأكبر عند الحنفيّة والمالكيّة بطواف الإفاضة ، بشرط الحلق هنا باتّفاق الطّرفين . فلو أفاض ولم يحلق لم يتحلّل حتّى يحلق عند المذهبين . زاد المالكيّة : أن يكون الطّواف مسبوقاً بالسّعي ، وإلاّ لا يحلّ به حتّى يسعى ، لأنّ السّعي ركن عند المالكيّة . وقال الحنفيّة : لا مدخل للسّعي في التّحلّل ؛ لأنّه واجب مستقلّ . وعند الشّافعيّة والحنابلة يحصل التّحلّل الأكبر باستكمال أفعال التّحلّل الّتي ذكرناها : ثلاثة على القول بأنّ الحلق نسك ، واثنان على القول الآخر غير المشهور أنّه ليس بنسك . وحصول التّحلّل الأكبر باستكمال الأفعال الثّلاثة : رمي جمرة العقبة ، والحلق ، وطواف الإفاضة المسبوق بالسّعي ، محلّ اتّفاق العلماء ، وبه تحلّ جميع محظورات الإحرام بالإجماع . 125 - ثمّ إذا حصل التّحلّل الأكبر في اليوم الأوّل لجوازه مثلاً فلا يعني انتهاء كلّ أعمال الحجّ ، بل يجب عليه الإتيان بها ، وإن كان حلالاً ، وقد ضربوا لهذا مثلاً لطيفاً يبيّن حسن موقع هذه الأعمال بعد التّحلّلين ، نحو قول الرّمليّ : « ويجب عليه الإتيان بما بقي من أعمال الحجّ ، وهو الرّمي والمبيت ، مع أنّه غير محرم ، كما يخرج بالتّسليمة الأولى من صلاته ، ويطلب منه الثّانية . " التّحلّل من إحرام العمرة : 126 - اتّفقوا على أنّ للعمرة تحلّلاً واحداً يحلّ به للمحرم جميع محظورات الإحرام . ويحصل هذا التّحلّل بالحلق أو التّقصير باتّفاق المذاهب على اختلافهم في حكمه في مناسك العمرة . ما يرفع الإحرام 127 - يرفع الإحرام ، بتحويله عمّا نواه المحرم ، أمران : 1 - فسخ الإحرام . 2 - رفض الإحرام . ذهب الحنابلة خلافاً للجمهور إلى أنّ من كان مفرداً أو قارناً ( إذا لم يكن قد ساق الهدي ) يستحبّ له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيّته بالحجّ ، وينوي عمرةً مفردةً ، ثمّ يهلّ بالحجّ . وهذا مبنيّ عندهم على أفضليّة التّمتّع . واستدلّ الحنابلة بما روى ابن عمر « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمّا قدم مكّة قال للنّاس : من كان منكم أهدى فإنّه لا يحلّ من شيء حرم منه حتّى يقضي حجّه ، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصّفا والمروة ، وليقصّر ، وليحلل ، ثمّ ليهلّ بالحجّ ، وليهد » . أخرجه البخاريّ ومسلم . واستدلّ الجمهور على منع فسخ الحجّ بأدلّة منها قوله تعالى : { وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه } فقد أمر اللّه تعالى بإكمال أفعال الحجّ وأفعال العمرة لمن شرع في أيّ منهما ، والفسخ ضدّ الإتمام ، فلا يكون مشروعاً ، ومنها الأحاديث الّتي شرع بها الإفراد والقران ، وقد سبق ذكرها . رفض الإحرام 128 - رفض الإحرام : هو ترك المضيّ في النّسك بزعم التّحلّل منه قبل إتمامه . ورفض الإحرام لغو باتّفاق العلماء ، ولا يبطل به الإحرام ، ولا يخرج به عن أحكامه . ما يبطل الإحرام : 129 - يبطل الإحرام بأمر واحد فقط ، متّفق عليه بين الجميع : هو الرّدّة عن الإسلام ، عياذاً باللّه تعالى وذلك لأنّهم اتّفقوا على كون الإسلام شرطاً لصحّة النّسك . ويتفرّع على بطلان الإحرام أنّه لا يمضي في متابعة أعمال ما أحرم به ، خلافاً للفاسد . وأمّا إذا أسلم وتاب عن ردّته فلا يمضي أيضاً ؛ لبطلان إحرامه . الفصل التّاسع أحكام خاصّة في الإحرام 130 - وهي أحكام مستثناة من عموم أحكام الإحرام العامّة ، بسبب وضع خاصّ لبعض الأشخاص ، أو بسبب طروء بعض الطّوارئ ، كما في السّرد التّالي : أ - إحرام المرأة . ب - إحرام الصّبيّ . ج - إحرام العبد والأمة . د - إحرام المغمى عليه . هـ - نسيان ما أحرم به . وقد تقدّم بعض ذلك ، وندرس ما بقي منها ، كلّاً منها وحده . إحرام الصّبيّ مشروعيّة حجّ الصّبيّ وصحّة إحرامه : 131 - اتّفق العلماء على صحّة حجّ الصّبيّ ، وعمرته ، وأنّ ما يؤدّيه من عبادة أو من حجّ أو من عمرة يكون تطوّعاً ، فإذا بلغ وجب عليه حجّة فرض الإسلام . وإذا كان أداء الصّبيّ للنّسك صحيحاً كان إحرامه صحيحاً قطعاً . صفة إحرام الصّبيّ : 132 - ينقسم الصّبيّ بالنّسبة إلى مرحلة صباه إلى قسمين : صبيّ مميّز ، وصبيّ غير مميّز . وضابط المميّز : هو الّذي يفهم الخطاب ويردّ الجواب ، دون اعتبار للسّنّ . 133 - أمّا الصّبيّ المميّز : فعند الحنفيّة والمالكيّة ينعقد إحرامه بنفسه ، ولا تصحّ النّيابة عنه في الإحرام ، لعدم جواز النّيابة عند عدم الضّرورة . ولا تتوقّف صحّة إحرامه على إذن الوليّ ، بل يصحّ إحرامه بإذن الوليّ ، وبغير إذن الوليّ ، لكن إذا أحرم بغير إذن الوليّ فقد صرّح المالكيّة أنّ للوليّ تحليله ، وله إجازة فعله وإبقاؤه على إحرامه بحسب ما يرى من المصلحة . فإن كان يرتجي بلوغه فالأولى تحليله ليحرم بالفرض بعد بلوغه . فإن أحرم بإذنه لم يكن له تحليله ، أمّا إذا أراد الوليّ الرّجوع عن الإذن قبل الإحرام فقال الحطّاب : « الظّاهر أنّ له الرّجوع ، لا سيّما إذا كان لمصلحته » . ولم يصرّح بذلك الحنفيّة . ولعلّه يدخل في الإحصار بمنع السّلطان عندهم . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا ينعقد إحرامه إلاّ بإذن وليّه ، بل قال الشّافعيّة : يصحّ إحرام وليّه عنه ، على الأصحّ عندهم في المسألتين . أمّا عند الحنابلة فلا يحرم عنه وليّه لعدم الدّليل . ويفعل الصّبيّ الصّغير المميّز كلّ ما يستطيع أن يفعله بنفسه ، فإن قدر على الطّواف علّمه فطاف ، وإلاّ طيف به ، وكذلك السّعي وسائر المناسك . ولا تجوز النّيابة عنه فيما قدر عليه بنفسه ، وكلّ ما لا يقدر الصّبيّ على أدائه ينوب عنه وليّه في أدائه . 134 - وأمّا الصّبيّ غير المميّز - ومثله المجنون جنوناً مطبقاً - فيحرم عنه وليّه ، بأن يقول : نويت إدخال هذا الصّبيّ في حرمات الحجّ ، مثلاً . وليس المراد أنّ الوليّ يحرم في نفسه ويقصد النّيابة عن الصّبيّ . ولا ينعقد إحرام الصّبيّ غير المميّز بنفسه اتّفاقاً . 135 - ويؤدّي الوليّ بالصّبيّ غير المميّز المناسك ، فيجرّده من المخيط والمحيط إن كان ذكراً ، ويكشف وجه الأنثى وكفّيها كالكبيرة على ما سبق فيه ويطوف به ويسعى ، ويقف به بعرفة والمزدلفة ، ويرمي عنه ، ويجنّبه محظورات الإحرام ، وهكذا . لكن لا يصلّي عنه ركعتي الإحرام أو الطّواف ، بل تسقطان عنه عند الحنفيّة والمالكيّة ، أمّا عند الشّافعيّة فيصلّيهما الوليّ عنه ، وهو ظاهر كلام الحنابلة . إلاّ أنّ المالكيّة خفّفوا في الإحرام والتّجرّد من الثّياب ، فقالوا : « يحرم الوليّ بالصّغير غير المميّز ، ويجرّده من ثيابه قرب مكّة ، لخوف المشقّة وحصول الضّرر . فإن كانت المشقّة أو الضّرر يتحقّق بتجريده قرب مكّة أحرم بغير تجريده ، كما هو الظّاهر من كلامهم - ويفدي » . بلوغ الصّبيّ في أثناء النّسك : 136 - إن بلغ الصّبيّ الحلم بعدما أحرم ، فمضى في نسكه على إحرامه الأوّل ، لم يجزه حجّه عن فرض الإسلام عند الحنفيّة والمالكيّة . وقال الحنفيّة : لو جدّد الصّبيّ الإحرام قبل الوقوف بعرفة ، ونوى حجّة الإسلام ، جاز عن حجّة الإسلام ؛ لأنّ إحرام الصّبيّ غير لازم لعدم أهليّته للّزوم عليه . وقال المالكيّة لا يرتفض إحرامه السّابق ، ولا يجزيه إرداف إحرام عليه ، ولا ينقلب إحرامه عن الفرض ، لأنّه اختلّ شرط الوقوع فرضاً ، وهو ثبوت الحرّيّة والتّكليف ، وقت الإحرام . وهذا لم يكن مكلّفاً وقت الإحرام ، فلا يقع نسكه هذا إلاّ نفلاً . أمّا الشّافعيّة والحنابلة فقالوا : إن بلغ الصّبيّ في أثناء الحجّ ينظر إلى حاله من الوقوف فينقسم إلى قسمين : الأوّل : أن يبلغ بعد خروج وقت الوقوف ، أو قبل خروجه وبعد مفارقة عرفات لكن لم يعد إليها بعد البلوغ ، فهذا لا يجزيه حجّه عن حجّة الإسلام . الثّاني : أن يبلغ في حال الوقوف ، أو يبلغ بعد وقوفه بعرفة ، فيعود ويقف بها في وقت الوقوف ، أي قبل طلوع فجر يوم النّحر ، فهذا يجزيه حجّه عن حجّة الإسلام . لكن يجب عليه إعادة السّعي إن كان سعى عقب طواف القدوم قبل البلوغ ، ولا دم عليه . أمّا في العمرة : فالطّواف في العمرة كالوقوف بعرفة في الحجّ ، إذا بلغ قبل طواف العمرة أجزأه عن عمرة الإسلام ، عند من يقول بوجوبها . إحرام المغمى عليه 137 - للمغمى عليه حالان : أن يغمى عليه قبل الإحرام ، أو يغمى عليه بعد الإحرام . أوّلاً : من أغمي عليه قبل الإحرام : 138 - في المذاهب الثّلاثة المالكيّ والشّافعيّ والحنبليّ : لا إحرام له ، ولا يحرم عنه أحد من رفقته ولا غيرهم ، سواء أمرهم بذلك قبل أن يغمى عليه أو لم يأمرهم ، ولو خيف فوات الحجّ عليه ؛ لأنّ الإغماء مظنّة عدم الطّول ، ويرجى زواله عن قرب غالباً . وذهب الحنفيّة إلى جواز الإحرام عن المغمى عليه ، على تفصيل بين الإمام وصاحبيه : أ - من توجّه إلى البيت الحرام يريد الحجّ فأغمي عليه قبل الإحرام ، أو نام وهو مريض فنوى عنه ولبّى أحد رفقته ، وكذا من غير رفقته وكان قد أمرهم بالإحرام عنه قبل الإغماء ، صحّ الإحرام عنه ، ويصير المغمى عليه محرماً بنيّة رفيقه وتلبيته عنه اتّفاقاً بين أئمّة الحنفيّة . ويجزيه عن حجّة الإسلام . ب - إن أحرم عنه بعض رفقته أو غيرهم بلا أمر سابق على الإغماء صحّ كذلك عند الإمام أبي حنيفة ، ولم يصحّ عند صاحبيه أبي يوسف ومحمّد . فروع 139 - أ - إن أفاق المغمى عليه بعدما أحرم عنه غيره ، فهو عند الحنفيّة محرم يتابع النّسك . وعند غيرهم لا عبرة بإحرام غيره عنه ، فإن كان بحيث يدرك الوقوف بعرفة أحرم بالحجّ ، وأدّى المناسك ، وإلاّ فإنّه يحرم بعمرة . ولا ينطبق عليه حكم الفوات عند الثّلاثة ؛ لأنّه لم يكن محرماً . 140 - ب - لا يجب على من أحرم عن المغمى عليه تجريده من المخيط وإلباسه غير المخيط لصحّة الإحرام ؛ لأنّ ذلك ليس هو الإحرام ، بل كفّ عن بعض محظورات الإحرام . حتّى إذا أفاق وجب عليه أفعال النّسك ، والكفّ عن المحظورات . 141 - ج - لو ارتكب المغمى عليه الّذي أحرم عنه غيره محظوراً من محرّمات الإحرام لزمه موجبه ، أي كفّارته ، وإن كان غير قاصد للمحظور . ولا يلزم الرّفيق الّذي أحرم عنه ؛ لأنّ هذا الرّفيق أحرم عن نفسه بطريق الأصالة ، وعن المغمى عليه بطريق النّيابة ، كالوليّ يحرم عن الصّغير . فينتقل إحرامه إليه ، فيصير محرماً كما لو نوى هو ولبّى ، ولذا لو ارتكب هو أيضاً - أي الوليّ - محظوراً لزمه جزاء واحد لإحرام نفسه ، ولا شيء عليه من جهة إهلاله عن غيره عند الحنفيّة كما سبق . 142 - د - إذا لم يفق المغمى عليه فهل يشهد به رفقته المشاهد ، على أساس الإحرام عنه الّذي قال به الحنفيّة ؟ هناك قولان عند الحنفيّة : قيل : لا يجب على الرّفقاء أن يشهدوا به المشاهد ، كالطّواف والوقوف والرّمي والوقوف بمزدلفة ، بل مباشرتهم عنه تجزيه ، لكن إحضاره أولى ، على ما صرّح به بعض أصحاب هذا القول . وهذا الأصحّ على ما أفاد في ردّ المحتار المعتمد في الفتوى في مذهب الحنفيّة ، لكن لا بدّ للإجزاء عنه من نيّة الوقوف عنه ، والطّواف عنه بعد طواف النّائب عن نفسه ، وهكذا . ثانياً : من أغمي عليه بعد إحرامه بنفسه : 143 - الإغماء بعد الإحرام لا يؤثّر في صحّته ، باتّفاق الأئمّة . وعلى ذلك فهذا حمله متعيّن على رفقائه ، ولا سيّما للوقوف بعرفة ، فإنّه يصحّ ولو كان نائماً أو مغمًى عليه ، على تفصيل في أداء المناسك له يطلب في موضعه من مصطلح « حجّ " ومصطلح « عمرة » . نسيان ما أحرم به 144 - من أحرم بشيء معيّن ، مثل حجّ ، أو عمرة ، أو قران ، ثمّ نسي ما أحرم به ، لزمه حجّ وعمرة . ويعمل عمل القران في المذاهب الثّلاثة : الحنفيّ والمالكيّ والشّافعيّ . وذهب الحنابلة إلى أنّه يصرف إحرامه إلى أيّ نسك شاء ، ويندب صرفه إلى العمرة خاصّةً . الفصل العاشر في كفّارات محظورات الإحرام تعريفها : 145 - المراد بالكفّارة هنا : الجزاء الّذي يجب على من ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام . وهذه الأجزية أنواع : 1 - الفدية : حيث أطلقت فالمراد الفدية المخيّرة الّتي نصّ عليها القرآن في قوله تعالى : { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } . 2 - الهدي : وربّما عبّر عنه بالدّم . وكلّ موضع أطلق فيه الدّم أو الهدي تجزئ فيه الشّاة ، إلاّ من جامع بعد الوقوف بعرفة فعليه بدنة ( أي من الإبل ) اتّفاقاً . أمّا من جامع قبل الوقوف فإنّه يفسد حجّه اتّفاقاً وعليه بدنة عند الثّلاثة ، وقال الحنفيّة : عليه شاة ، ويمضي في حجّه ، ويقضيه . 3 - الصّدقة : حيث أطلق وجوب " صدقة " عند الحنفيّة من غير بيان مقدارها فإنّه يجب نصف صاع من برّ ( قمح ) أو صاع من شعير أو تمر . 4 - الصّيام : يجب الصّيام على التّخيير في الفدية ، وهو ثلاثة أيّام . ويجب في مقابلة الإطعام . 5 - الضّمان بالمثل : في جزاء الصّيد ، على ما سيأتي . 146 - يستوي إحرام العمرة مع إحرام الحجّ في عقوبة الجناية عليه . إلاّ من جامع في العمرة قبل أداء ركنها ، فتفسد اتّفاقاً كما ذكرنا ، وعليه شاة عند الحنفيّة والحنابلة ، وقال الشّافعيّة والمالكيّة : عليه بدنة . المبحث الأوّل في كفّارة محظورات التّرفّه . 147 - يتناول هذا البحث كفّارة محظورات اللّبس ، وتغطية الرّأس ، والادّهان ، والتّطيّب ، وحلق الشّعر أو إزالته أو قطعة من الرّأس أو غيره ، وقلم الظّفر . أصل كفّارة محظورات التّرفّه . 148 - اتّفقوا على أنّ من فعل من المحظورات شيئاً لعذر مرض أو دفع أذًى فإنّ عليه الفدية ، يتخيّر فيها : إمّا أن يذبح هدياً ، أو يتصدّق بإطعام ستّة مساكين ، أو يصوم ثلاثة أيّام ، لقوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } . ولما ورد عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال له حين رأى هوامّ رأسه : « أيؤذيك هوامّ رأسك ؟ قال : قلت : نعم . قال : فاحلق ، وصم ثلاثة أيّام ، أو أطعم ستّة مساكين ، أو انسك نسيكةً » متّفق عليه . 149 - وأمّا العامد الّذي لا عذر له فقد اختلفوا فيه : فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يتخيّر ، كالمعذور ، وعليه إثم ما فعله . واستدلّوا بالآية . وذهب الحنفيّة إلى أنّ العامد لا يتخيّر ، بل يجب عليه الدّم عيناً أو الصّدقة عيناً ، حسب جنايته . واستدلّوا على ذلك بالأدلّة السّابقة . وجه الاستدلال : أنّ التّخيير شرع فيها عند العذر من مرض أو أذًى ، وغير المعذور جنايته أغلظ ، فتتغلّظ عقوبته ، وذلك بنفي التّخيير في حقّه . 150 - وأمّا المعذور بغير الأذى والمرض : كالنّاسي والجاهل بالحكم والمكره والنّائم والمغمى عليه ، فحكمه عند الحنفيّة المالكيّة حكم العامد ، على ما سبق . ووجه حكمه هذا : أنّ الارتفاق حصل له ، وعدم الاختيار أسقط الإثم عنه ، كما وجّهه الحنفيّة . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى التّمييز بين جناية فيها إتلاف ، وهي هنا الحلق أو قصّ الشّعر أو قلم الظّفر ، وجناية ليس فيها إتلاف ، وهي : اللّبس وتغطية الرّأس ، والادّهان والتّطيّب . فأوجبوا الفدية في الإتلاف ؛ لأنّه يستوي عمده وسهوه ، ولم يوجبوا فديةً في غير الإتلاف ، بل أسقطوا الكفّارة عن صاحب أيّ عذر من هذه الأعذار . |
تفصيل كفّارة محظورات التّرفّه 151 - الأصل في هذا التّفصيل هو القياس على الأصل السّابق المنصوص عليه في الكتاب والسّنّة بخصوص الحلق ، فقاس الفقهاء عليه سائر مسائل الفصل بجامع اشتراك الجميع في العلّة وهي التّرفّه ، أو الارتفاق . وقد اختلفوا في بعض التّفاصيل ، في القدر الّذي يوجب الفدية من المحظور ، وفي تفاوت الجزاء بتفاوت الجناية ، وذلك بسبب اختلاف أنظارهم في المقدار الّذي يحصل به التّرفّه والارتفاق الّذي هو علّة وجوب الفدية ، فالحنفيّة اشترطوا كمال الجناية ، فلم يوجبوا الدّم أو الفداء إلاّ لمقادير تحقّق ذلك في نظرهم ، وغيرهم مال إلى اعتبار الفعل نفسه جنايةً . وتفصيل المذاهب في كلّ محظور من محظورات التّرفّه فيما يلي : أوّلاً : اللّباس : 152 - من لبس شيئاً من محظور اللّبس ، أو ارتكب تغطية الرّأس ، أو غير ذلك ، فقال فقهاء الحنفيّة : إن استدام ذلك نهاراً كاملاً أو ليلةً وجب عليه الدّم . وكذا إذا غطّت المرأة وجهها بساتر يلامس بشرتها على ما سبق من التّفصيل فيه ( ف 67 ) وإن كان أقلّ من يوم أو أقلّ من ليلة فعليه صدقة عند الحنفيّة . وفي أقلّ من ساعة عرفيّة قبضة من برّ ، وهي مقدار ما يحمل الكفّ . ومذهب الشّافعيّ وأحمد أنّه يجب الفداء بمجرّد اللّبس ، ولو لم يستمرّ زمناً ؛ لأنّ الارتفاق يحصل بالاشتمال على الثّوب ، ويحصل محظور الإحرام ، فلا يتقيّد وجوب الفدية بالزّمن . وعند المالكيّة يشترط لوجوب الفدية من لبس الثّوب أو الخفّ أو غيرهما من محظورات اللّبس أن ينتفع به من حرّ أو برد ، فإن لم ينتفع به من حرّ أو برد بأن لبس قميصاً رقيقاً لا يقي حرّاً ولا برداً يجب الفداء إن امتدّ لبسه مدّةً كاليوم . ثانياً : التّطيّب : 153 - يجب الفداء عند الثّلاثة المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لأيّ تطيّب ممّا سبق بيان حظره ، دون تقييد بأن يطيّب عضواً كاملاً ، أو مقداراً من الثّوب معيّناً . وفرّق الحنفيّة بين تطيّب وتطيّب ، وفصّلوا : أمّا في البدن فقالوا : تجب شاة إن طيّب المحرم عضواً كاملاً مثل الرّأس واليد والسّاق ، أو ما يبلغ عضواً كاملاً . والبدن كلّه كعضو واحد إن اتّحد مجلس التّطيّب ، وإن تفرّق المجلس فلكلّ طيب كفّارة ، وتجب إزالة الطّيب ، فلو ذبح ولم يزله لزمه دم آخر . ووجه وجوب الشّاة : أنّ الجناية تتكامل بتكامل الارتفاق ، وذلك في العضو الكامل ، فيترتّب كمال الموجب . وإن طيّب أقلّ من عضو فعليه الصّدقة لقصور الجناية ، إلاّ أن يكون الطّيب كثيراً فعليه دم . ولم يشرط الحنفيّة استمرار الطّيب لوجوب الجزاء ، بل يجب بمجرّد التّطيّب . وأمّا تطييب الثّوب : فيجب فيه الدّم عند الحنفيّة بشرطين : أوّلهما : أن يكون كثيراً ، وهو ما يصلح أن يغطّي مساحةً تزيد على شبر في شبر . والثّاني : أن يستمرّ نهاراً ، أو ليلةً . فإن اختلّ أحد الشّرطين وجبت الصّدقة ، وإن اختلّ الشّرطان معاً وجب التّصدّق بقبضة من قمح . 154 - لو طيّب محرم محرماً أو حلالاً فلا شيء على الفاعل ما لم يمسّ الطّيب ، عند الحنفيّة . وعلى الطّرف الآخر الدّم إن كان محرماً وإن كان مكرهاً . وعند الثّلاثة التّفصيل الآتي في مسألة الحلق ( ف 157 ) لكن عليه في حال لا تلزمه فيه الفدية ألاّ يستديمه ، بل يبادر بإزالته . فإن تراخى لزمه الفداء . ثالثاً : الحلق أو التّقصير : 155 - مذهب الحنفيّة أنّ من حلق ربع رأسه أو ربع لحيته يجب عليه دم ؛ لأنّ الرّبع يقوم مقام الكلّ ، فيجب فيه الفداء الّذي دلّت عليه الآية الكريمة . ولو حلق رأسه ولحيته وإبطيه وكلّ بدنه في مجلس واحد فعليه دم واحد ، وإن اختلفت المجالس فلكلّ مجلس موجبه . وإن حلق خصلةً من شعره أقلّ من الرّبع يجب عليه الصّدقة ، أمّا إن سقط من رأسه أو لحيته عند الوضوء أو الحكّ ثلاث شعرات فعليه بكلّ شعرة صدقة ( كفّ من طعام ) . وإن حلق رقبته كلّها ، أو إبطيه ، أو أحدهما ، يجب الدّم . أمّا إن حلق بعض واحد منهما ، وإن كثر . فتجب الصّدقة ؛ لأنّ حلق جزء عضو من هذه الأشياء ليس ارتفاقاً كاملاً ، لعدم جريان العادة بحلق البعض فيها ، فلا يجب إلاّ الصّدقة . وقرّر الحنفيّة أنّ في حلق الشّارب حكومة عدل ، بأن ينظر إلى هذا المأخوذ كم يكون من ربع اللّحية ، فيجب عليه بحسابه من الطّعام . وذهب المالكيّة إلى أنّه إن أخذ عشر شعرات فأقلّ ، ولم يقصد إزالة الأذى ، يجب عليه أن يتصدّق بحفنة قمح ، وإن أزالها بقصد إماطة الأذى تجب الفدية ، ولو كانت شعرةً واحدةً . وتجب الفدية أيضاً إذا أزال أكثر من عشر شعرات لأيّ سبب كان . وشعر البدن كلّه سواء . وذهب الشّافعيّ وأحمد إلى أنّه تجب الفدية لو حلق ثلاث شعرات فأكثر ، كما تجب لو حلق جميع الرّأس ، بل جميع البدن ، بشرط اتّحاد المجلس ، أي الزّمان والمكان . ولو حلق شعرةً أو شعرتين ففي شعرة مدّ ، وفي شعرتين مدّان من القمح ، وسواء في ذلك كلّه شعر الرّأس وشعر البدن . 156 - أمّا إذا سقط شعر المحرم بنفسه من غير صنع آدميّ فلا فدية باتّفاق المذاهب . 157 - إذا حلق محرم رأس غيره ، أو حلق غيره رأسه - ومحلّ المسألة إذا كان الحلق لغير التّحلّل - فعلى المحرم المحلوق الدّم عند الحنفيّة ، ولو كان كارهاً . وأمّا غيرهم فعندهم تفصيل في حقّ الحالق والمحلوق . ولهذه المسألة ثلاث صور تقتضيها القسمة العقليّة نبيّن حكمها فيما يلي : الصّورة الأولى : أن يكونا محرمين ، فعلى المحرم الحالق صدقة عند الحنفيّة ، سواء حلق بأمر المحلوق أو بغير أمره طائعاً أو مكرهاً ، ما لم يكن حلقه في أوان الحلق . فإن كان فيه ، فلا شيء عليه . وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إن حلق له بغير رضاه فالفدية على الحالق ، وإن كان برضاه فعلى المحلوق فدية ، وعلى الحالق فدية ، وقيل حفنة . الصّورة الثّانية : أن يكون الحالق محرماً والمحلوق حلالاً ، فكذلك على الحالق المحرم صدقة عند الحنفيّة . وقال المالكيّة : يفتدي الحالق . وعندهم في تفسيره قولان : قول أنّه يطعم قدر حفنة ، أي ملء يد واحدة من طعام ، وقول أنّ عليه الفدية . وقال الشّافعيّة والحنابلة : لا فدية على الحالق ، ولو حلق له المحرم بغير إذنه ، إذ لا حرمة لشعره في حقّ الإحرام . الصّورة الثّالثة : أن يكون الحالق حلالاً والمحلوق محرماً ، فعلى الحالق صدقة عند الحنفيّة . وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إن كان بإذن المحرم أو عدم ممانعته فعلى المحرم الفدية . وإن كان الحلق بغير إذن المحرم فعلى الحلال الفدية . رابعاً : تقليم الأظفار : 158 - قال الحنفيّة : إذا قصّ أظفار يديه ورجليه جميعها في مجلس واحد تجب عليه شاة . وكذا إذا قصّ أظفار يد واحدة ، أو رجل واحدة ، تجب شاة . وإن قصّ أقلّ من خمسة أظفار من يد واحدة ، أو خمسةً متفرّقةً من أظفاره ، تجب عليه صدقة لكلّ ظفر . ومذهب المالكيّة أنّه إن قلم ظفراً واحداً عبثاً أو ترفّهاً ، لا لإماطة أذًى ، ولا لكسره ، يجب عليه صدقة : حفنة من طعام . فإن فعل ذلك لإماطة الأذى أو الوسخ ففيه فدية . وإن قلّمه لكسره فلا شيء عليه إذا تأذّى منه . ويقتصر على ما كسر منه . وإن قلّم ظفرين في مجلس واحد ففدية ، ولو لم يقصد إماطة الأذى ، وإن قطع واحداً بعد آخر فإن كانا في فور ففدية ، وإلاّ ففي كلّ ظفر حفنة . وعند الشّافعيّة والحنابلة : يجب الفداء في تقليم ثلاثة أظفار فصاعداً في مجلس واحد ، ويجب في الظّفر والظّفرين ما يجب في الشّعرتين . خامساً : قتل القمل : 159 - وهو ملحق بهذا المبحث ؛ لأنّ فيه إزالة الأذى ، لذا يختصّ البحث بما على بدن المحرم أو ثيابه . فقد ذهب الشّافعيّة إلى ندب قتل المحرم لقمل بدنه وثيابه لأنّه من الحيوانات المؤذية ، وقد صحّ أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقتل الفواسق الخمس في الحلّ والحرم ، وألحقوا بها كلّ حيوان مؤذ . أمّا قمل شعر الرّأس واللّحية خاصّةً فيكره تنزيهاً تعرّضه له لئلاّ ينتتف الشّعر . ومقتضى تعليلهم الكراهة بالخوف من انتتاف الشّعر زوال هذه الكراهة فيما لو قتله بوسيلة لا يخشى معها الانتتاف كما إذا رشّه بدواء مطهّر مثلاً . وعلى أيّة حال فإذا قتل قمل شعر رأسه ولحيته لم يلزمه شيء لكن يستحبّ له أن يفدي الواحدة منه ولو بلقمة . وفي رواية عن أحمد إباحة قتل القمل مطلقاً دون تفريق بين قمل الرّأس وغيره لأنّه من أكثر الهوامّ أذًى فأبيح قتله كالبراغيث ، وسائر ما يؤذي . وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم » يدلّ بمعناه على إباحة قتل كلّ ما يؤذي بني آدم في أنفسهم وأموالهم . وفي رواية أخرى عنه حرمة قتله ، إلاّ أنّه لا جزاء فيه إذ لا قيمة له وليس بصيد . وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب الصّدقة ولا ريب أنّه إذا آذاه بالفعل ، ولم يمكنه التّخلّص منه إلاّ بقتله ، جاز له قتله طبقاً لقاعدة : « الضّرر يزال » ، وقاعدة : « الضّرورات تبيح المحظورات » . المبحث الثّاني في قتل الصّيد وما يتعلّق به 160 - أجمع العلماء على وجوب الجزاء في قتل الصّيد ، استدلالاً بقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمّداً فجزاء مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفّارة طعام مساكين ، أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره عفا اللّه عمّا سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه واللّه عزيز ذو انتقام } . أوّلاً : قتل الصّيد : 161 - وجوب الجزاء في قتل الصّيد عمداً متّفق عليه عملاً بنصّ الآية الكريمة السّابقة . 162 - إنّ غير العمد في هذا الباب كالعمد ، يجب فيه الجزاء باتّفاق المذاهب الأربعة ؛ لأنّ العقوبة هنا شرعت ضماناً للمتلف ، وذلك يستوي فيه العمد والخطأ والجهل والسّهو والنّسيان . 163 - إنّ هذا الجزاء هو كما نصّت الآية : { مثل ما قتل من النّعم } . ويخيّر فيه بين الخصال الثّلاث . لكن اختلفوا بعد هذا في تفسير هذين الأمرين : ذهب الحنفيّة : إلى أنّه تقدّر قيمة الصّيد بتقويم رجلين عدلين ، سواء أكان للصّيد المقتول نظير من النّعم أم لم يكن له نظير . وتعتبر القيمة في موضع قتله ، ثمّ يخيّر الجاني بين ثلاثة أمور : الأوّل - أن يشتري هدياً ويذبحه في الحرم إن بلغت القيمة هدياً . ويزاد على الهدي في مأكول اللّحم إلى اثنين أو أكثر إن زادت قيمته ، لكنّه لا يتجاوز هدياً واحداً في غير مأكول اللّحم ، حتّى لو قتل فيلاً لا يجب عليه أكثر من شاة . الثّاني - أن يشتري بالقيمة طعاماً ويتصدّق به على المساكين ، لكلّ مسكين نصف صاع من برّ ، أو صاع من شعير أو تمر كما في صدقة الفطر . ولا يجوز أن يعطي المسكين أقلّ ممّا ذكر ، إلاّ إن فضل من الطّعام أقلّ منه ، فيجوز أن يتصدّق به . ولا يختصّ التّصدّق بمساكين الحرم . الثّالث - أن يصوم عن طعام كلّ مسكين يوماً ، وعن أقلّ من نصف صاع - إذا فضل - يوماً أيضاً . وذهب الأئمّة الثّلاثة المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى التّفصيل فقالوا : الصّيد ضربان : مثليّ : وهو ما له مثل من النّعم ، أي مشابه في الخلقة من النّعم ، وهي الإبل والبقر والغنم . وغير مثليّ ، وهو ما لا يشبه شيئاً من النّعم . أمّا المثليّ : فجزاؤه على التّخيير والتّعديل ، أي أنّ القاتل يخيّر بين ثلاثة أشياء على الوجه التّالي : الأوّل - أن يذبح المثل المشابه من النّعم في الحرم ، ويتصدّق به على مساكين الحرم . الثّاني - أن يقوّم المثل دراهم ثمّ يشتري بها طعاماً ، ويتصدّق به على مساكين الحرم . ولا يجوز تفرقة الدّراهم عليهم . وقال مالك بل يقوّم الصّيد نفسه ويشتري به طعاماً يتصدّق به على مساكين موضع الصّيد ، فإن لم يكن فيه مساكين فعلى مساكين أقرب المواضع فيه . الثّالث - إن شاء صام عن كلّ مدّ يوماً . وفي أقلّ من مدّ يجب صيام يوم . ويجوز الصّيام في الحرم وفي جميع البلاد . وأمّا غير المثليّ : فيجب فيه قيمته ويتخيّر فيها بين أمرين : الأوّل - أن يشتري بها طعاماً يتصدّق به على مساكين الحرم ، وعند مالك : على المساكين في موضع الصّيد . الثّاني - أن يصوم عن كلّ مدّ يوماً كما ذكر سابقاً . ثمّ قالوا في بيان المثليّ : المعتبر فيه التّشابه في الصّورة والخلقة . وكلّ ما ورد فيه نقل عن السّلف فيتبع ؛ لقوله تعالى : { يحكم به ذوا عدل منكم } ، وما لا نقل فيه يحكم بمثله عدلان فطنان بهذا الأمر ، عملاً بالآية . ويختلف الحكم فيه بين الدّوابّ والطّيور : أمّا الدّوابّ ففي النّعامة بدنة ، وفي بقر الوحش وحمار الوحش بقرة إنسيّة ، وفي الغزال عنز ، وفي الأرنب عناق ، وفي اليربوع جفرة . وعند مالك في الأرنب واليربوع والضّبّ القيمة . وأمّا الطّيور : ففي أنواع الحمام شاة . والمراد بالحمام كلّ ما عبّ في الماء ، وهو أن يشربه جرعاً ، فيدخل فيه اليمام اللّواتي يألفن البيوت ، والقمريّ ، والقطا . والعرب تسمّي كلّ مطوّق حماماً . وإن كان الطّائر أصغر من الحمام جثّةً ففيه القيمة . وإن كان أكبر من الحمام ، كالبطّة والإوزّة ، فالأصحّ أنّه يجب فيه القيمة ، إذ لا مثل له . وقال مالك : تجب شاة في حمام مكّة والحرم ويمامهما ، وفي حمام ويمام غيرهما تجب القيمة ، وكذا في سائر الطّيور . 164 - وعند الشّافعيّة والحنابلة : الواجب في الكبير والصّغير والسّمين والهزيل والمريض من الصّيد المثليّ مثله من النّعم ؛ لقوله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل } وهذا مثليّ فيجزئ . وقال مالك : يجب فيه كبير ؛ لقوله تعالى : { هدياً بالغ الكعبة } ؟ والصّغير لا يكون هدياً ، وإنّما يجزئ في الهدي ما يجزئ في الأضحيّة . ثانياً : إصابة الصّيد 165 - إذا أصاب الصّيد بضرر ، ولم يقتله ، يجب عليه الجزاء بحسب تلك الإصابة عند الثّلاثة : الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . فإن جرح المحرم صيداً ، أو نتف شعره . ضمن قيمة ما نقص منه ، اعتباراً للجزء بالكلّ ، فكما تجب القيمة بالكلّ تجب بالجزء . وهذا الجزاء يجب إذا برئ الحيوان وظهر أثر الجناية عليه ، أمّا إذا لم يبق لها أثر فلا يضمن عند الحنفيّة ، لزوال الموجب . وعند الشّافعيّة والحنابلة إن جرح صيداً يجب عليه قدر النّقص من مثله من النّعم إن كان مثليّاً ، وإلاّ بقدر ما نقص من قيمته ، وإذا أحدث به عاهةً مستديمةً فوجهان عندهم ، أصحّهما يلزمه جزاء كامل . أمّا إذا أصابه إصابةً أزالت امتناعه عمّن يريد أخذه وجب الجزاء كاملاً عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو أحد القولين عند الشّافعيّة ؛ لأنّه فوّت عليه الأمن بهذا . وفي قول عند الشّافعيّة : يضمن النّقص فقط . أمّا المالكيّة فعندهم لا يضمن ما غلب على ظنّه سلامته من الصّيد بإصابته بنقص ، ولا جزاء عليه ، ولا يلزمه فرق ما بين قيمته سليماً وقيمته بعد إصابته . ثالثاً : حلب الصّيد أو كسر بيضه أو جزّ صوفه : 166 - يجب فيه قيمة كلّ من اللّبن والبيض والصّوف عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ويضمن أيضاً قيمة ما يلحق الصّيد نفسه من نقص بسبب من ذلك . ونصّ المالكيّة على البيض أنّ فيه عشر دية الأمّ ما لم يخرج منه فرخ ويستهلّ ثمّ يموت ، فإنّه حينئذ يلزمه الدّية كاملةً . وهذا الأخير متّفق عليه . رابعاً : التّسبّب في قتل الصّيد : 167 - يجب في التّسبّب بقتل الصّيد الجزاء ، وذلك : 1 - بأن يصيح به وينفّره ، فيتسبّب ذلك بموته . 2 - بنصب شبكة وقع بها صيد فمات ، أو إرسال كلب . 3 - المشاركة بقتل الصّيد ، كأن يمسكه ليقتله آخر ، أو يذبحه . 4 - الدّلالة على الصّيد ، أو الإشارة ، أو الإعانة بغير المشاركة في اليد ، كمناولة آلة أو سلاح ، يضمن فاعلها عند الحنفيّة والحنابلة ، ولا يضمن عند المالكيّة والشّافعيّة . خامساً : التّعدّي بوضع اليد على الصّيد : 168 - إذا مات الصّيد في يده فعليه الجزاء ؛ لأنّه تعدّى بوضع اليد عليه فيضمنه ولو كان وديعةً . سادساً : أكل المحرم من ذبيحة الصّيد أو قتيله : 169 - إن أكل المحرم من ذبيحة أو صيد محرم أو ذبيحة صيد الحرم فلا ضمان عليه للأكل ، ولو كان هو قاتل الصّيد أيضاً أو ذابحه فلا جزاء عليه للأكل ، إنّما عليه جزاء قتل الصّيد أو ذبحه إن فعل ذلك هو ، وذلك عند جمهور العلماء ، ومنهم الأئمّة الثّلاثة ، وصاحبا أبي حنيفة . وقال أبو حنيفة كذلك بالنّسبة للمحرم إذا أكل من صيد غيره ، أو صيد الحرم إذا أكل منه الحلال الّذي صاده ، وأوجب على المحرم إذا أكل من صيده أو ذبيحته من الصّيد الضّمان سواء أكل منه قبل الضّمان أو بعده . استدلّ الجمهور بأنّه صيد مضمون بالجزاء ، فلم يضمن ثانياً ، كما لو أتلفه بغير الأكل ؛ ولأنّ تحريمه لكونه ميتةً ، والميتة لا تضمن بالجزاء . واستدلّ أبو حنيفة بأنّ " حرمته باعتبار أنّه محظور إحرامه ؛ لأنّ إحرامه هو الّذي أخرج الصّيد عن المحلّيّة ، والذّابح عن الأهليّة في حقّ الذّكاة ، فصارت حرمة التّناول بهذه الوسائط مضافةً إلى إحرامه » . المبحث الثّالث في الجماع ودواعيه 170 - اتّفق العلماء على أنّ الجماع في حالة الإحرام جناية يجب فيها الجزاء . والجمهور على أنّ العامد والجاهل والسّاهي والنّاسي والمكره في ذلك سواء . وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة . قال ابن قدامة : « لأنّه معنًى يتعلّق به قضاء الحجّ ، فاستوى عمده وسهوه كالفوات » . لكن استثنى الحنابلة من الفداء الموطوءة كرهاً ، فقالوا : لا فداء عليها ، بل يجب عليها القضاء فقط . وقال الشّافعيّة : النّاسي والمجنون والمغمى عليه والنّائم والمكره والجاهل لقرب عهده بالإسلام أو نشوئه ببادية بعيدة عن العلماء ، فلا يفسد الإحرام بالنّسبة إليهم بالجماع . أوّلاً : الجماع في إحرام الحجّ : يكون الجماع في إحرام الحجّ جنايةً في ثلاثة أحوال : 171 - الأوّل - الجماع قبل الوقوف بعرفة . فمن جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجّه بإجماع العلماء ، ووجب عليه ثلاثة أمور : 1 - الاستمرار في حجّه الفاسد إلى نهايته لقوله تعالى : { وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه } وجه الاستدلال أنّه " لم يفرّق بين صحيح وفاسد » . 2 - أداء حجّ جديد في المستقبل قضاءً للحجّة الفاسدة ، ولو كانت نافلةً . ويستحبّ أن يفترقا في حجّة القضاء هذه عند الأئمّة الثّلاثة منذ الإحرام بحجّة القضاء ، وأوجب المالكيّة عليهما الافتراق . 3 - ذبح الهدي في حجّة القضاء . وهو عند الحنفيّة شاة ، وقال الأئمّة الثّلاثة : لا تجزئ الشّاة ، بل يجب عليه بدنة . استدلّ الحنفيّة بما ورد أنّ « رجلاً جامع امرأته وهما محرمان ، فسألا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال لهما : اقضيا نسككما وأهديا هدياً » رواه أبو داود في المراسيل والبيهقيّ ، وبما روي من الآثار عن الصّحابة أنّه يجب عليه شاة . واستدلّ الجمهور بما قال الرّمليّ : « لفتوى جماعة من الصّحابة ، ولم يعرف لهم مخالف » . 172 - الثّاني : الجماع بعد الوقوف قبل التّحلّل الأوّل : فمن جامع بعد الوقوف قبل التّحلّل يفسد حجّه ، وعليه بدنة - كما هو الحال قبل الوقوف - عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يفسد حجّه ، ويجب عليه أن يهدي بدنةً . استدلّ الثّلاثة : بما روي عن ابن عمر أنّ رجلاً سأله فقال : إنّي وقعت على امرأتي ونحن محرمان ؟ فقال : أفسدت حجّك . انطلق أنت وأهلك مع النّاس ، فاقضوا ما يقضون ، وحلّ إذا حلّوا . فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك ، وأهديا هدياً ، فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعةً إذا رجعتم . وجه الاستدلال : أنّه ونحوه ممّا روي عن الصّحابة مطلق في المحرم إذا جامع ، لا تفصيل فيه بين ما قبل الوقوف وبين ما بعده ، فيكون حكمهما واحداً ، وهو الفساد ووجوب بدنة . واستدلّ الحنفيّة بقوله صلى الله عليه وسلم : « الحجّ عرفة » . أخرجه أحمد وأصحاب السّنن والحاكم ، وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث « عروة بن مضرّس الطّائيّ : وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تمّ حجّه وقضى تفثه » أخرجه أحمد وأصحاب السّنن ، وصحّحه التّرمذيّ ، وقال الحاكم : « صحيح على شرط كافّة أئمّة الحديث » . وجه الاستدلال : أنّ حقيقة تمام الحجّ المتبادرة من الحديثين غير مرادة ؛ لبقاء طواف الزّيارة ، وهو ركن إجماعاً ، فتعيّن القول بأنّ الحجّ قد تمّ حكماً ، والتّمام الحكميّ يكون بالأمن من فساد الحجّ بعده ، فأفاد الحديث أنّ الحجّ لا يفسد بعد عرفة مهما صنع المحرم . وإنّما أوجبنا البدنة بما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنًى قبل أن يفيض ، فأمره أن ينحر بدنةً . رواه مالك وابن أبي شيبة . 173 - الثّالث : الجماع بعد التّحلّل الأوّل : اتّفقوا على أنّ الجماع بعد التّحلّل الأوّل لا يفسد الحجّ . وألحق المالكيّة به الجماع بعد طواف الإفاضة ولو قبل الرّمي ، والجماع بعد يوم النّحر قبل الرّمي والإفاضة . ووقع الخلاف في الجزاء الواجب : فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجب عليه شاة . قالوا في الاستدلال : « لخفّة الجناية ، لوجود التّحلّل في حقّ غير النّساء » . وقال مالك ، وهو قول عند الشّافعيّة والحنابلة : يجب عليه بدنة . وعلّله الباجيّ بأنّه لعظم الجناية على الإحرام . وأوجب مالك والحنابلة على من فعل هذه الجناية بعد التّحلّل الأوّل قبل الإفاضة أن يخرج إلى الحلّ ، ويأتي بعمرة ، لقول ابن عبّاس ذلك . قال الباجيّ في المنتقى : « وذلك لأنّه لمّا أدخل النّقص على طوافه للإفاضة بما أصاب من الوطء كان عليه أن يقضيه بطواف سالم إحرامه من ذلك النّقص ، ولا يصلح أن يكون الطّواف في إحرام إلاّ في حجّ أو عمرة » . ولم يوجب الحنفيّة والشّافعيّة ذلك . ثانياً : الجماع في إحرام العمرة : 174 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو جامع قبل أن يؤدّي ركن العمرة ، وهو الطّواف أربعة أشواط ، تفسد عمرته ، أمّا لو وقع المفسد بعد ذلك لا تفسد العمرة ؛ لأنّه بأداء الرّكن أمن الفساد . وذهب المالكيّة إلى أنّ المفسد إن حصل قبل تمام سعيها ولو بشرط فسدت ، أمّا لو وقع بعد تمام السّعي قبل الحلق فلا تفسد ؛ لأنّه بالسّعي تتمّ أركانها ، والحلق من شروط الكمال عندهم . ومذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّه إذا حصل المفسد قبل التّحلّل من العمرة فسدت . والتّحلّل بالحلق ، وهو ركن عند الشّافعيّة واجب عند الحنابلة . 175 يجب في إفساد العمرة ما يجب في إفساد الحجّ من الاستمرار فيها ، والقضاء والفداء باتّفاق العلماء . لكن اختلفوا في فداء إفساد العمرة : فمذهب الحنفيّة والحنابلة وأحد القولين عند الشّافعيّة أنّه يلزمه شاة ؛ لأنّ العمرة أقلّ رتبةً من الحجّ ، فخفّت جنايتها ، فوجبت شاة . ومذهب المالكيّة والشّافعيّة أنّه يلزمه بدنة قياساً على الحجّ . أمّا فداء الجماع الّذي لا يفسد العمرة فشاة فقط عند الحنفيّة وبدنة عند المالكيّة . ثالثاً : مقدّمات الجماع : 176 - المقدّمات المباشرة أو القريبة ، كاللّمس بشهوة ، والتّقبيل ، والمباشرة بغير جماع : يجب على من فعل شيئاً منها الدّم سواء أنزل منيّاً أو لم ينزل . ولا يفسد حجّه اتّفاقاً بين الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، إلاّ أنّ الحنابلة قالوا : إن أنزل وجب عليه بدنة . ومذهب المالكيّة : إن أنزل بمقدّمات الجماع منيّاً فحكمه حكم الجماع في إفساد الحجّ ، وعليه ما على المجامع ممّا ذكر سابقاً ، وإن لم ينزل فليهد بدنةً . 177 - المقدّمات البعيدة : كالنّظر بشهوة والتّفكّر كذلك ، صرّح الحنفيّة والشّافعيّة أنّه لا يجب في شيء منهما الفداء ، ولو أدّى إلى الإنزال . وهو مذهب الحنابلة في الفكر . ومذهب المالكيّة : إذا فعل أيّ واحد منها بقصد اللّذّة ، واستدامه حتّى خرج المنيّ ، فهو كالجماع في إفساد الحجّ . وإن خرج المنيّ بمجرّد الفكر أو النّظر من غير استدامة فلا يفسد ، وإنّما فيه الهدي ( بدنة ) . ومذهب الحنابلة : إن نظر فصرف بصره فأمنى فعليه دم ، وإن كرّر النّظر حتّى أمنى فعليه بدنة . رابعاً : في جماع القارن : 178 - قرّر الحنفيّة في جماع القارن - بناءً على مذهبهم أنّه يطوف طوافين ويسعى سعيين - التّفصيل الآتي : 1 - إن جامع قبل الوقوف ، وقبل طواف العمرة ، فسد حجّه وعمرته كلاهما ، وعليه المضيّ فيهما ، وعليه شاتان للجناية على إحرامهما ، وعليه قضاؤهما ، وسقط عنه دم القران . 2 - إن جامع بعدما طاف لعمرته كلّ أشواطه أو أكثرها فسد حجّه دون عمرته لأنّه أدّى ركنها قبل الجماع ، وسقط عنه دم القران ، وعليه دمان لجنايته المتكرّرة حكماً ، دم لفساد الحجّ ، ودم للجماع في إحرام العمرة لعدم تحلّله منها ، وعليه قضاء الحجّ فقط ، لصحّة عمرته . 3 - إن جامع بعد طواف العمرة وبعد الوقوف قبل الحلق ولو بعرفة لم يفسد الحجّ ولا العمرة ، لإدراكه ركنهما ، ولا يسقط عنه دم القران ؛ لصحّة أداء الحجّ والعمرة ، لكن عليه بدنة للحجّ وشاة للعمرة . 4 - لو لم يطف لعمرته - ثمّ جامع بعد الوقوف - فعليه بدنة للحجّ ، وشاة لرفض العمرة ، وقضاؤها . 5 - لو طاف القارن طواف الزّيارة قبل الحلق ، ثمّ جامع ، فعليه شاتان بناءً على وقوع الجناية على إحراميه ؛ لعدم التّحلّل الأوّل المرتّب عليه التّحلّل الثّاني . المبحث الرّابع في أحكام كفّارات محظورات الإحرام كفّارات محظورات الإحرام أربعة أمور ، هي : الهدي ، والصّدقة ، والصّيام ، والقضاء ، والكلام هنا على أحكامها الخاصّة بهذا الموضوع : المطلب الأوّل الهدي . 179 - تراعى في الهدي وذبحه وأنواعه الشّروط والأحكام الموضّحة في مصطلح « هدي » . المطلب الثّاني الصّدقة 180 - يراعى في المال الّذي تخرج منه الصّدقة أن يكون من الأصناف الّتي تخرج منها صدقة الفطر ، كما تراعى أحكام الزّكاة في الفقير الّذي تدفع إليه . ويراعى في إخراج القيمة ، ومقدار الصّدقة لكلّ مسكين ما هو مقرّر في صدقة الفطر ، وهذا في الإطعام الواجب في الفدية . وأمّا في جزاء الصّيد فالمالكيّة والشّافعيّة لم يقيّدوا الصّدقة فيه بمقدار معيّن . وتفصيلات ذلك وآراء الفقهاء يرجع إليها في مصطلح هدي وكفّارة وصدقة الفطر . المطلب الثّالث الصّيام 181 - أوّلاً : من كفّر بالصّيام يراعي فيه أحكام الصّيام ولا سيّما تبييت النّيّة بالنّسبة للواجب غير المعيّن ( ر : صوم ) . 182 - ثانياً : الصّيام المقرّر جزاءً عن المحظور لا يتقيّد بزمان ولا مكان ولا تتابع اتّفاقاً ، إلاّ الصّيام لمن عجز عن هدي القران والتّمتّع ، فإنّه يصوم ثلاثة أيّام في الحجّ ، وسبعةً إذا رجع إلى أهله . فلا يصحّ صيام الأيّام الثّلاثة قبل أشهر الحجّ ، ولا قبل إحرام الحجّ والعمرة في حقّ القارن ، ولا قبل إحرام العمرة في حقّ المتمتّع اتّفاقاً . أمّا تقديمها للمتمتّع على إحرام الحجّ فمنعه المالكيّة والشّافعيّة لقوله تعالى : { فصيام ثلاثة أيّام في الحجّ } وأجازه الحنفيّة والحنابلة لأنّه كما قال ابن قدامة : « وقت كامل جاز فيه نحر الهدي ، فجاز فيه الصّيام ، كبعد إحرام الحجّ . ومعنى قوله تعالى ( في الحجّ ) أي في وقته » . وأمّا الأيّام السّبعة الباقية على من عجز عن هدي القران والتّمتّع ، فلا يصحّ صيامها إلاّ بعد أيّام التّشريق ، ثمّ يجوز صيامها بعد الفراغ من أفعال الحجّ ، ولو في مكّة ، إذا مكث بها ، عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة . والأفضل المستحبّ أن يصومها إذا رجع إلى أهله ، وهو قول عند الشّافعيّة ، لكن الأظهر عند الشّافعيّة أنّه يصوم الأيّام السّبعة إذا رجع إلى أهله ، ولا يجوز أن يصومها في الطّريق ، إلاّ إذا أراد الإقامة بمكّة صامها بها . والدّليل للجميع قوله تعالى : { وسبعة إذا رجعتم } . فحمله الشّافعيّ على ظاهره ، وقال غيرهم : إنّ الفراغ من الحجّ هو المراد بالرّجوع ، فكأنّه بالفراغ رجع عمّا كان مقبلاً عليه . |
183 - ثالثاً : من فاته أداء الأيّام الثّلاثة في الحجّ يقضيها عند الثّلاثة ، ويرجع إلى الدّم عند الحنفيّة ، لا يجزيه غيره . وهو قول عند الحنابلة . ثمّ عند المالكيّة ، وهو قول عند الحنابلة : إن صام بعضها قبل يوم النّحر كمّلها أيّام التّشريق ، وإن أخّرها عن أيّام التّشريق صامها متى شاء ، وصلها بالسّبعة أو لا . ولم يجز الشّافعيّة والحنابلة في القول الآخر عندهم صيامها أيّام النّحر والتّشريق ، بل يؤخّرها إلى ما بعد . 184 - ويجب عند الشّافعيّة في الأظهر في قضاء الأيّام الثّلاثة : « أن يفرّق في قضائها بينها وبين السّبعة بقدر أربعة أيّام ، يوم النّحر وأيّام التّشريق ، ومدّة إمكان السّير إلى أهله ، على العادة الغالبة ، كما في الأداء ، فلو صام عشرة أيّام متتاليةً حصلت الثّلاثة ، ولا يعتدّ بالبقيّة لعدم التّفريق » . المطلب الرّابع في القضاء 185 - وهو من واجب إفساد النّسك بالجماع . ومن أحكامه ما يلي : أوّلاً : يراعى في قضاء النّسك أحكام الأداء العامّة ، مع تعيين القضاء في نيّة الإحرام به . ثانياً : قال الحنفيّة وهو قول عند الشّافعيّة : عليه القضاء من قابل أي من سنة آتية ، ولم يجعلوه على الفور . ومذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ القضاء واجب على الفور ولو كان النّسك الفاسد تطوّعاً ، فيأتي بالعمرة عقب التّحلّل من العمرة الفاسدة ، ويحجّ في العام القادم . ثالثاً : قرّر المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ المفسد عندما يقضي نسكه الفاسد يحرم في القضاء حيث أحرم في النّسك المفسد ، فإن أحرم من الجحفة مثلاً أحرم في القضاء منها . وعند الشّافعيّة : إن سلك في القضاء طريقاً آخر أحرم من مثل مسافة الميقات الأوّل ما لم يجعله ذلك يجاوز الميقات بغير إحرام ، فإنّه يحرم من الميقات . وإن أحرم في العام الأوّل قبل المواقيت لزمه كذلك عند الشّافعيّة والحنابلة . وعند المالكيّة لا يجب الإحرام بالقضاء إلاّ من المواقيت . أمّا إن جاوز في العام الأوّل الميقات غير محرم فإنّه في القضاء يحرم من الميقات ولا يجوز أن يجاوزه غير محرم . وقال المالكيّة : إن تعدّى الميقات في عام الفساد لعذر مشروع " كأن يجاوز الميقات حلالاً لعدم إرادته دخول مكّة ، ثمّ بعد ذلك أراد الدّخول ، وأحرم بالحجّ ، ثمّ أفسده ، فإنّه في عام القضاء يحرم ممّا أحرم منه أوّلاً » . إحصار التّعريف 1 - من معاني الإحصار في اللّغة المنع من بلوغ المناسك بمرض أو نحوه ، وهو المعنى الشّرعيّ أيضاً على خلاف عند الفقهاء فيما يتحقّق به الإحصار . 2 - واستعمل الفقهاء مادّة ( حصر ) بالمعنى اللّغويّ في كتبهم استعمالاً كثيراً . ومن أمثلة ذلك : قول صاحب تنوير الأبصار وشارحه في الدّرّ المختار : « والمحصور فاقد الماء والتّراب الطّهورين ، بأن حبس في مكان نجس ، ولا يمكنه إخراج مطهّر ، وكذا العاجز عنهما لمرض يؤخّر الصّلاة عند أبي حنيفة ، وقالا يتشبّه بالمصلّين وجوباً ، فيركع ويسجد إن وجد مكاناً يابساً ، وإلاّ يومئ قائماً ثمّ يعيد » . ومنه أيضاً قول صاحب تنوير الأبصار : « وكذا يجوز له أن يستخلف إذا حصر عن قراءة قدر المفروض » . وقال أبو إسحاق الشّيرازيّ : « ويجوز أن يصلّي بتيمّم واحد ما شاء من النّوافل ؛ لأنّها غير محصورة ، فخفّ أمرها » . وتفصيله في مصطلح ( صلاة ) . إلاّ أنّهم غلّبوا استعمال هذه المادّة ( حصر ) ومشتقّاتها في باب الحجّ والعمرة للدّلالة على منع المحرم من أركان النّسك ، وذلك اتّباعاً للقرآن الكريم ، وتوافقت على ذلك عباراتهم حتّى أصبح ( الإحصار ) اصطلاحاً فقهيّاً معروفاً ومشهوراً . 2 - ويعرّف الحنفيّة الإحصار بأنّه : هو المنع من الوقوف بعرفة والطّواف جميعهما بعد الإحرام بالحجّ الفرض ، والنّفل ، وفي العمرة عن الطّواف ، وهذا التّعريف لم يعترض عليه . ويعرّفه المالكيّة بأنّه المنع من الوقوف والطّواف معاً أو المنع من أحدهما . وبمثل مذهب الشّافعيّة هذا التّعريف الّذي أورده الرّمليّ الشّافعيّ في نهاية المحتاج ، ونصّه : « هو المنع من إتمام أركان الحجّ أو العمرة » . وينطبق هذا التّعريف للشّافعيّة على مذهب الحنابلة في الإحصار ؛ لأنّهم يقولون بالإحصار عن أيّ من أركان الحجّ أو العمرة ، على تفصيل يسير في كيفيّة التّحلّل لمن أحصر عن الوقوف دون الطّواف . الأصل التّشريعيّ في موجب الإحصار : 3 - موجب الإحصار - إجمالاً - التّحلّل بكيفيّة سيأتي تفصيلها . والأصل في هذا المبحث حادثة الحديبية المعروفة ، وفي ذلك نزل قوله تبارك وتعالى : { وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } . وقال ابن عمر رضي الله عنهما « : خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فحال كفّار قريش دون البيت ، فنحر النّبيّ صلى الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه » . أخرجه البخاريّ . ما يتحقّق به الإحصار 4 - يتحقّق الإحصار بوجود ركنه ، وهو المنع من المضيّ في النّسك ، حجّاً كان أو عمرةً ، إذا توافرت فيه شروط بعضها متّفق عليه وبعضها مختلف فيه . ركن الإحصار : 5 - اختلف الفقهاء في المنع الّذي يتحقّق به الإحصار هل يشمل المنع بالعدوّ والمنع بالمرض ونحوه من العلل ، أم يختصّ بالحصر بالعدوّ ؟ فقال الحنفيّة : « الإحصار يتحقّق بالعدوّ ، وغيره ، كالمرض ، وهلاك النّفقة ، وموت محرم المرأة ، أو زوجها ، في الطّريق " ويتحقّق الإحصار بكلّ حابس يحبسه ، يعني المحرم ، عن المضيّ في موجب الإحرام . وهو رواية عن الإمام أحمد . وهو قول ابن مسعود ، وابن الزّبير ، وعلقمة ، وسعيد بن المسيّب ، وعروة بن الزّبير ، ومجاهد ، والنّخعيّ ، وعطاء ، ومقاتل بن حيّان ، وسفيان الثّوريّ ، وأبي ثور . ومذهب المالكيّة : أنّ الحصر يتحقّق بالعدوّ ، والفتنة ، والحبس ظلماً . كذلك هو مذهب الشّافعيّة والمشهور عند الحنابلة ، مع أسباب أخرى من الحصر بما يقهر الإنسان ، ممّا سيأتي ذكره ، كمنع الزّوج زوجته عن المتابعة . واتّفقت المذاهب الثّلاثة على أنّ من يتعذّر عليه الوصول إلى البيت بحاصر آخر غير العدوّ ، كالحصر بالمرض أو بالعرج أو بذهاب نفقة ونحوه ، أنّه لا يجوز له التّحلّل بذلك . لكن من اشترط التّحلّل إذا حبسه حابس له حكم خاصّ عند الشّافعيّة والحنابلة يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . وهذا القول ينفي تحقّق الإحصار بالمرض ونحوه من علّة وهو قول ابن عبّاس وابن عمر وطاوس والزّهريّ وزيد بن أسلم ومروان بن الحكم . 6 - استدلّ الحنفيّة ومن معهم بالأدلّة من الكتاب والسّنّة والمعقول : أمّا الكتاب فقوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } . ووجه دلالة الآية قول أهل اللّغة إنّ الإحصار ما كان بمرض أو علّة ، وقد عبّرت الآية بأحصرتم ، فدلّ على تحقّق الإحصار شرعاً بالنّسبة للمرض وبالعدوّ . وقال الجصّاص : « لمّا ثبت بما قدّمته من قول أهل اللّغة أنّ اسم الإحصار يختصّ بالمرض ، وقال اللّه { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } وجب أن يكون اللّفظ مستعملاً فيما هو حقيقة فيه ، وهو المرض ، ويكون العدوّ داخلاً فيه بالمعنى » . وأمّا السّنّة : فقد أخرج أصحاب السّنن الأربعة بأسانيد صحيحة ، كما قال النّوويّ ، عن عكرمة ، قال : سمعت الحجّاج بن عمرو الأنصاريّ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من كسر أو عرج فقد حلّ ، وعليه الحجّ من قابل » . قال عكرمة سألت ابن عبّاس وأبا هريرة عن ذلك فقالا : صدق . وفي رواية عند أبي داود وابن ماجه : « من كسر أو عرج أو مرض . . . » . وأمّا العقل : فهو قياس المرض ونحوه على العدوّ بجامع الحبس عن أركان النّسك في كلّ ، وهو قياس جليّ ، حتّى جعله بعض الحنفيّة أولويّاً . 7 - واستدلّ الجمهور بالكتاب والآثار والعقل : أمّا الكتاب فآية : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } قال الشّافعيّ : « فلم أسمع مخالفاً ممّن حفظت عنه ممّن لقيت من أهل العلم بالتّفسير في أنّها نزلت بالحديبية . وذلك إحصار عدوّ ، فكان في الحصر إذن اللّه تعالى لصاحبه فيه بما استيسر من الهدي . ثمّ بيّن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ الّذي يحلّ منه المحرم الإحصار بالعدوّ ، فرأيت أنّ الآية بأمر اللّه تعالى بإتمام الحجّ والعمرة للّه عامّة على كلّ حاجّ ومعتمر ، إلاّ من استثنى اللّه ، ثمّ سنّ فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الحصر بالعدوّ . وكان المريض عندي ممّن عليه عموم الآية » . يعني { وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه } . وأمّا الآثار : فقد ثبت من طرق عن ابن عبّاس أنّه قال : لا حصر إلاّ حصر العدوّ ، فأمّا من أصابه مرض ، أو وجع ، أو ضلال ، فليس عليه شيء ، إنّما قال اللّه تعالى : { فإذا أمنتم } وروي عن ابن عمرو والزّهريّ وطاوس وزيد بن أسلم نحو ذلك . وروى الشّافعيّ في الأمّ عن مالك - وهو عنده في الموطّأ - عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أنّ عبد اللّه بن عمر ، ومروان بن الحكم ، وابن الزّبير أفتوا ابن حزابة المخزوميّ ، وأنّه صرع ببعض طريق مكّة وهو محرم ، أن يتداوى بما لا بدّ له منه ، ويفتدي ، فإذا صحّ اعتمر فحلّ من إحرامه ، وكان عليه أن يحجّ عاماً قابلاً ويهدي . وهذا إسناد صحيح . وأمّا الدّليل من المعقول : فقال فيه الشّيرازيّ : « إن أحرم وأحصره المرض لم يجز له أن يتحلّل ؛ لأنّه لا يتخلّص بالتّحلّل من الأذى الّذي هو فيه ، فهو كمن ضلّ الطّريق » . شروط تحقّق الإحصار : 8 - لم ينصّ الفقهاء صراحةً على شروط تحقّق الإحصار أنّها كذا وكذا ، ولكن يمكن استخلاصها ، وهي : الشّرط الأوّل : سبق الإحرام بالنّسك ، بحجّ أو عمرة ، أو بهما معاً ؛ لأنّه إذا عرض ما يمنع من أداء النّسك ، ولم يكن أحرم ، لا يلزمه شيء . ويتحقّق الإحصار عن الإحرام الفاسد كالصّحيح ، ويستتبع أحكامه أيضاً . الشّرط الثّاني : ألاّ يكون قد وقف بعرفة قبل حدوث المانع من المتابعة ، إذا كان محرماً بالحجّ . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة ، أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فيتحقّق الإحصار عن الطّواف بالبيت ، كما سيتّضح في أنواع الإحصار . أمّا في العمرة فالإحصار يتحقّق بمنعه عن أكثر الطّواف بالإجماع . الشّرط الثّالث : أن ييأس من زوال المانع ، بأن يتيقّن أو يغلب على ظنّه عدم زوال المانع قبل فوات الحجّ ، " بحيث لم يبق بينه وبين ليلة النّحر زمان يمكنه فيه السّير لو زال العذر » . وهذا نصّ عليه المالكيّة والشّافعيّة ، وقدّر الرّمليّ الشّافعيّ المدّة في العمرة إلى ثلاثة أيّام . فإذا وقع مانع يتوقّع زواله عن قريب فليس بإحصار . ويشير إلى أصل هذا الشّرط تعليل الحنفيّة إباحة التّحلّل بالإحصار بأنّه معلّل بمشقّة امتداد الإحرام . الشّرط الرّابع : نصّ عليه المالكيّة وتفرّدوا به ، وهو ألاّ يعلم حين إحرامه بالمانع من إتمام الحجّ أو العمرة . فإن علم فليس له التّحلّل ، ويبقى على إحرامه حتّى يحجّ في العام القابل ، إلاّ أن يظنّ أنّه لا يمنعه فمنعه ، فله أن يتحلّل حينئذ ، كما وقع للنّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أنّه أحرم بالعمرة عام الحديبية عالماً بالعدوّ ، ظانّاً أنّه لا يمنعه ، فمنعه العدوّ ، فلمّا منعه تحلّل » . أنواع الإحصار بحسب الرّكن المحصر عنه يتنوّع الإحصار بحسب الرّكن الّذي أحصر عنه المحرم ثلاثة أنواع : الأوّل : الإحصار عن الوقوف بعرفة وعن طواف الإفاضة : 9 - هذا الإحصار يتحقّق به الإحصار الشّرعيّ ، بما يتربّب عليه من أحكام ستأتي ( ف 26 ) وذلك باتّفاق الأئمّة ، مع اختلافهم في بعض أسباب الإحصار . الثّاني : الإحصار عن الوقوف بعرفة دون الطّواف : 10 - من أحصر عن الوقوف بعرفة ، دون الطّواف بالبيت ، فليس بمحصر عند الحنفيّة ، وهو رواية عن أحمد . ووجه ذلك عندهم أنّه يستطيع أن يتحلّل بمناسك العمرة ، فيجب عليه أن يؤدّي مناسك العمرة بالإحرام السّابق نفسه . ويتحلّل بتلك العمرة . قال في المسلك المتقسّط : « وإن منع عن الوقوف فقط يكون في معنى فائت الحجّ ، فيتحلّل بعد فوت الوقوف عن إحرامه بأفعال العمرة ، ولا دم عليه ، ولا عمرة في القضاء » . وهذا يفيد بظاهره أنّه ينتظر حتّى يفوت الوقوف ، فيتحلّل بعمرة ، أي بأعمال عمرة بإحرامه السّابق ، كما صرّح بذلك في المبسوط بقوله : « إن لم يكن ممنوعاً من الطّواف يمكنه أن يصبر حتّى يفوته الحجّ ، فيتحلّل بالطّواف والسّعي " ومذهب المالكيّة والشّافعيّة أنّه يعتبر من أحصر عن الوقوف فقط محصراً ، ويتحلّل بأعمال العمرة . لكنّه وإن تشابهت الصّورة عند هؤلاء الأئمّة إلاّ أنّ النّتيجة تختلف فيما بينهم . فالحنفيّة يعتبرونه تحلّل فائت حجّ ، فلا يوجبون عليه دماً ، ويعتبره المالكيّة والشّافعيّة تحلّل إحصار ، فعليه دم أمّا الحنابلة فقالوا : له أن يفسخ نيّة الحجّ ، ويجعله عمرةً ، ولا هدي عليه ، لإباحة ذلك له من غير إحصار ، ففيه أولى ، فإن كان طاف وسعى للقدوم ثمّ أحصر أو مرض ، حتّى فاته الحجّ ، تحلّل بطواف وسعي آخر ، لأنّ الأوّل لم يقصد به طواف العمرة ولا سعيها ، وليس عليه أن يجدّد إحراماً . الثّالث : الإحصار عن طواف الرّكن : 11 - مذهب الحنفيّة والمالكيّة أنّ من وقف بعرفة ثمّ أحصر لا يكون محصراً ، لوقوع الأمن عن الفوات ، كما قال الحنفيّة . ويفعل ما سوى ذلك من أعمال الحجّ ، ويظلّ محرماً في حقّ النّساء حتّى يطوف طواف الإفاضة . وقال الشّافعيّة : إن منع المحرم من مكّة دون عرفة وقف وتحلّل ، ولا قضاء عليه في الأظهر . وأمّا الحنابلة ففرّقوا بين أمرين فقالوا : إن أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة قبل رمي الجمرة فله التّحلّل . وإن أحصر عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة فليس له أن يتحلّل . واستدلّوا على التّحلّل في الصّورة الأولى في الإحصار قبل الرّمي بأنّ " الحصر يفيده التّحلّل من جميعه ، فأفاد التّحلّل من بعضه » . وهو دليل لمذهب الشّافعيّة أيضاً . واستدلّوا لعدم التّحلّل بعد رمي جمرة العقبة إذا أحصر عن البيت : بأنّ إحرامه أي بعد الرّمي عندهم إنّما هو عن النّساء ، والشّرع إنّما ورد بالتّحلّل الإحرام التّامّ الّذي يحرم جميع محظوراته ، فلا يثبت - التّحلّل - بما ليس مثله . ومتى زال الحصر أتى بالطّواف ، وقد تمّ حجّه . أنواع الإحصار من حيث سببه الإحصار بسبب فيه قهر ( أو سلطة ) : 12 - ذكروا من صوره ما يلي : الحصر بالعدوّ - الفتنة بين المسلمين - الحبس - منع السّلطان عن المتابعة - السّبع - منع الدّائن مدينه عن المتابعة - منع الزّوج زوجته عن المتابعة - موت المحرم أو الزّوج أو فقدهما - العدّة الطّارئة - منع الوليّ الصّبيّ والسّفيه عن المتابعة - منع السّيّد عبده عن المتابعة . وقبل الدّخول في تفصيل البحث لا بدّ من إجمال مهمّ ، هو : أنّ المالكيّة قصروا الحصر الّذي يبيح التّحلّل للمحصر بثلاثة أسباب ، أحصوها بالعدد ، وهي : الحصر بالعدوّ ، والحصر بالفتنة ، والحبس ظلماً . وبالتّالي فإنّ هذه الأسباب متّفق عليها بين المذاهب . وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فاتّفقوا مع الحنفيّة على جميع الصّور الّتي صدر بها الموضوع ما عدا ثلاثة أسباب هي : منع السّلطان عن المتابعة ، والحصر بالسّبع ، والعدّة الطّارئة . فهذه الثّلاثة تفرّد بها الحنفيّة . هذا مع مراعاة تفصيل في بعض الأسباب الّتي ذكر اتّفاق الحنفيّة مع الشّافعيّة والحنابلة عليها ويأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى . أ - الحصر بالعدوّ الكافر : 13 - وهو أن يتسلّط العدوّ على بقعة تقع في طريق الحجّاج ، فيقطع على المحرمين السّبل ، ويصدّهم عن المتابعة لأداء مناسكهم . وتحقّق الحصر الشّرعيّ بهذه الصّورة محلّ إجماع العلماء ، وفيها نزل القرآن الكريم . كما سبق . وقد قرّر الحنفيّة والمالكيّة أنّه لو أحصر العدوّ طريقاً إلى مكّة أو عرفة ، ووجد المحصر طريقاً آخر ، ينظر فيه : فإن أضرّ به سلوكها لطوله ، أو صعوبة طريقه ، ضرراً معتبراً ، فهو محصر شرعاً . وإن لم يتضرّر به فلا يكون محصراً شرعاً . أمّا الشّافعيّة فقد ألزموا المحصر بالطّريق الآخر ولو كان أطول أو فيه مشقّة ، ما دامت النّفقة تكفيهم لذلك الطّريق . أمّا الحنابلة فعباراتهم مطلقة عن التّقييد بأيّ من هذين الأمرين ، ممّا يشير إلى أنّهم يلزمونه بالطّريق الآخر ولو كان أطول أو أشقّ ، ولو كانت النّفقة لا تكفيهم . وهذا يشير إلى ترجيح وجوب القضاء عند الحنابلة لفوات الحجّ بسبب الطّريق الثّاني ، ولعلّه لذلك ذكره ابن قدامة أوّلاً . فإذا سلك الطّريق الأطول ففاته الحجّ بطول الطّريق أو خشونته أو غيرهما ، فما يحصل الفوات بسببه فقولان مشهوران في المذهبين الشّافعيّ والحنبليّ أصحّهما عند الشّافعيّة : لا يلزمه القضاء ، بل يتحلّل تحلّل المحصر ؛ لأنّه محصر ، ولعدم تقصيره . والثّاني : يلزمه القضاء ، كما لو سلكته ابتداءً ، ففاته بضلال في الطّريق ونحوه ، ولو استوى الطّريقان من كلّ وجه وجب القضاء بلا خلاف ؛ لأنّه فوات محض . ب - الإحصار بالفتنة : 14 - بأن تحصل حرب بين المسلمين عياذاً باللّه تعالى ، ويحصر المحرم بسبب ذلك ، مثل الفتنة الّتي ثارت بحرب الحجّاج وعبد اللّه بن الزّبير سنة 73 هـ . وهذا يتحقّق به الإحصار شرعاً أيضاً باتّفاق الأئمّة كالإحصار بالعدوّ سواءً بسواء . ج - الحبس : 15 - بأن يسجن المحرم بعدما تلبّس بالإحرام . وقد فرّق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بين الحبس بحقّ أو بغير حقّ . فإن حبس بغير حقّ ، بأن اعتقل ظلماً ، أو كان مديناً ثبت إعساره فإنّه يكون محصراً . وإن حبس بحقّ عليه يمكنه الخروج منه فلا يجوز له التّحلّل ولا يكون محصراً ، ويكون حكمه حكم المرض . أمّا الحنفيّة فقد أطلقوا الحبس سبباً للإحصار . د - منع الدّائن مدينه عن المتابعة : 16 - عدّ الشّافعيّة والحنابلة الدّين مانعاً من موانع النّسك في باب الإحصار . وأمّا المالكيّة فقد صرّحوا بأنّه إن حبس ظلماً كان محصراً ، وإلاّ فلا ، فآلت المسألة عندهم إلى الحبس ، كالحنفيّة . هـ - منع الزّوج زوجته عن المتابعة : 17 - منع الزّوج زوجته عن المتابعة يتحقّق به إحصارها باتّفاق المذاهب الأربعة ( الحنفيّة المالكيّة ، على الأصحّ عندهم ، والشّافعيّة والحنابلة ) ، وذلك في حجّ النّفل ، أو عمرة النّفل ، عند الجميع ، وعمرة الإسلام ، عند الحنفيّة والمالكيّة لقولهم بعدم فرضيّتها . وإن أذن لها الزّوج ابتداءً بحجّ النّفل أو عمرة النّفل ولها محرم فإنّه ليس له منعها بعد الإحرام ؛ لأنّه تغرير ، ولا تصير محصرةً بمنعه . وحجّة الإسلام ، أو الحجّ الواجب ، كالنّذر ، إذا أحرمت الزّوجة بهما بغير إذن الزّوج ، ولها محرم ، فلا تكون محصرةً عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لأنّهم لا يشترطون إذن الزّوج لوجوب الحجّ عليها ، وليس له أن يمنعها من حجّ الفرض ، ولا يجوز له أن يحلّلها بمحظور من محظورات الإحرام ، ولو تحلّلت هي لم يصحّ تحلّلها . وأمّا الشّافعيّة فيقولون باشتراط إذن الزّوج لفرضيّة الحجّ ، فإذا لم يأذن لها قبل إحرامها ، وأحرمت ، كان له منعها ، فصارت كالصّورة الأولى على الأصحّ عندهم . وإن أحرمت بحجّة الفرض وكان لها زوج وليس معها محرم ، فمنعها الزّوج ، فهي محصرة في ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وكذا عند الشّافعيّة والحنابلة . وأمّا عند المالكيّة فلا تكون محصرةً إذا سافرت مع الرّفقة المأمونة ، وكانت هي مأمونةً أيضاً ، لأنّهم يكتفون بهذا لسفر المرأة في الحجّ الفرض ، ولا يشترطون إذن الزّوج للسّفر في الحجّ الفرض . و - منع الأب ابنه عن المتابعة : 18 - مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ للأبوين أو أحدهما منع ابنه عن حجّ التّطوّع لا الفرض . وفي رواية عند المالكيّة والفرض أيضاً ، لكن لا يصير عند المالكيّة والحنابلة محصراً بمنعهما ، لما عرف من حصر المالكيّة أسباب الإحصار بما لا يدخل هذا فيه . ومذهب الحنفيّة : يكره الخروج إلى الحجّ إذا كره أحد أبويه وكان الوالد محتاجاً إلى خدمة الولد ، وإن كان مستغنياً عن خدمته فلا بأس . وذكر في السّير الكبير إذا كان لا يخاف عليه الضّيعة فلا بأس بالخروج . وحجّ الفرض أولى من طاعة الوالدين ، وطاعتهما أولى من حجّ النّفل . ز - العدّة الطّارئة : 19 - والمراد طروء عدّة الطّلاق بعد الإحرام : فإذا أهلّت المرأة بحجّة الإسلام أو حجّة نذر أو نفل ، فطلّقها زوجها ، فوجبت عليها العدّة ، صارت محصرةً ، وإن كان لها محرم ، عند الحنفيّة دون أن تتقيّد بمسافة السّفر . وأمّا المالكيّة فأجروا على عدّة الطّلاق حكم وفاة الزّوج . وقال الشّافعيّة : لو أحرمت بحجّ أو قران بإذنه أو بغيره ، ثمّ طلّقها أو مات ، وخافت فوته لضيق الوقت ، خرجت وجوباً وهي معتدّة ؛ لتقدّم الإحرام . وإن أمنت الفوات لسعة الوقت جاز لها الخروج لذلك ، لما في تعيّن التّأخير من مشقّة مصابرة الإحرام . وأمّا الحنابلة ففرّقوا بين علّة الطّلاق المبتوت والرّجعيّ ، فلها أن تخرج إليه - يعني الحجّ - في عدّة الطّلاق المبتوت ، وأمّا عدّة الرّجعيّة فالمرأة في الإحصار كالزّوجة . المنع بعلّة تمنع المتابعة 20 - ومن صوره : الكسر أو العرج - المرض - هلاك النّفقة - هلاك الرّاحلة - العجز عن المشي - الضّلالة عن الطّريق . وتحقّق الإحصار بسبب من هذه الأسباب هو مذهب الحنفيّة . أمّا الجمهور فيقولون إنّها لا تجعل صاحبها محصراً شرعاً ، فإذا حبس بشيء منها لا يتحلّل حتّى يبلغ البيت ، فإن أدرك الحجّ فيها ، وإلاّ تحلّل بأعمال العمرة ، ويكون حكمه حكم ( الفوات ) . انظر مصطلح ( فوات ) الكسر أو العرج : 21 - والمراد بالعرج المانع من الذّهاب والأصل في هذا السّبب ما سبق في الحديث : « من كسر أو عرج فقد حلّ » . المرض : 22 - والمعتبر هنا المرض الّذي لا يزيد بالذّهاب ، بناءً على غلبة الظّنّ ، أو بإخبار طبيب حاذق متديّن . والأصل في الإحصار بالمرض من السّنّة الحديث الّذي سبق فقد ورد في بعض رواياته : « أو مرض » . هلاك النّفقة أو الرّاحلة : 23 - إن سرقت نفقة المحرم في الطّريق بعد أن أحرم ، أو ضاعت ، أو نهبت ، أو نفدت ، إن قدر على المشي فليس بمحصر ، وإن لم يقدر على المشي فهو محصر ، على ما في التّجنيس . العجز عن المشي : 24 - إن أحرم وهو عاجز عن المشي ابتداءً من أوّل إحرامه ، وله قدرة على النّفقة دون الرّاحلة ، فهو محصر حينئذ . والضّلالة عن الطّريق : 25 - أي طريق مكّة أو عرفة . فمن ضلّ الطّريق فهو محصر . أحكام الإحصار تندرج أحكام الإحصار في أمرين : التّحلّل ، وما يجب على المحصر بعد التّحلّل . التّحلّل تعريف التّحلّل : 26 - التّحلّل لغةً : أن يفعل الإنسان ما يخرج به من الحرمة . واصطلاحاً : هو فسخ الإحرام ، والخروج منه بالطّريق الموضوع له شرعاً . جواز التّحلّل للمحصر : 27 - إذا تحقّق للمحرم وصف الإحصار فإنّه يجوز له التّحلّل . وهذا الحكم متّفق عليه بين العلماء ، كلّ حسب الأسباب الّتي يعتبرها موجبةً لتحقّق الإحصار الشّرعيّ . والأصل في الإحرام وجوب المضيّ على المحرم في النّسك الّذي أحرم به ، وألاّ يخرج من إحرامه إلاّ بتمام موجب هذا الإحرام ، لقوله تعالى : { وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه } . لكن جاز التّحلّل للمحصر قبل إتمام موجب إحرامه استثناءً من هذا الأصل ، لما دلّ عليه الدّليل الشّرعيّ . والدّليل على جواز التّحلّل قوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } . وجه الاستدلال بالآية : أنّ الكلام على تقدير مضمر ، ومعناه واللّه أعلم ، فإن أحصرتم عن إتمام الحجّ أو العمرة ، وأردتم أن تحلّوا فاذبحوا ما تيسّر من الهدي . والدّليل على هذا التّقدير أنّ الإحصار نفسه لا يوجب الهدي ، ألا ترى أنّ له أن لا يتحلّل ويبقى محرماً كما كان ، إلى أن يزول المانع ، فيمضي في موجب الإحرام . ومن السّنّة : « فعله صلى الله عليه وسلم فقد تحلّل وأمر أصحابه بالتّحلّل عام الحديبية حين صدّهم المشركون عن الاعتمار بالبيت العتيق » ، كما وردت الأحاديث الصّحيحة السّابقة . المفاضلة بين التّحلّل ومصابرة الإحرام : 28 - أطلق الحنفيّة الحكم على المحصر أنّه " جاز له التّحلّل " وأنّه رخصة في حقّه ، حتّى لا يمتدّ إحصاره ، فيشقّ عليه ، وأنّ له أن يبقى محرماً . يرجع إلى أهله بغير تحلّل ويعتبر محرماً حتّى يزول الخوف . وقال المالكيّة إن منعه بعض ما ذكر من أسباب الإحصار الثّلاثة المعتبرة عندهم ، عند إتمام حجّ ، بأن أحصر عن الوقوف والبيت معاً ، أو عن إكمال عمرة ، بأن أحصر عن البيت أو السّعي ، فله التّحلّل بالنّيّة ، ممّا هو محرم به ، في أيّ محلّ كان ، قارب مكّة أو لا ، دخلها أو لا . وله البقاء لقابل أيضاً ، إلاّ أنّ تحلّله أفضل . أمّا من منع عن إتمام نسكه بغير الأسباب الثّلاثة ( العدوّ والفتنة والحبس ) كالمرض ، فإن قارب مكّة كره له إبقاء إحرامه بالحجّ لقابل ، ويتحلّل بفعل عمرة . أمّا الشّافعيّة ففرّقوا بين حالي اتّساع الوقت وضيقه : فإن كان الوقت واسعاً فالأفضل أن لا يعجّل التّحلّل ، فربّما زال المنع فأتمّ الحجّ ، ومثله العمرة ، وإن كان الوقت ضيّقاً فالأفضل تعجيل التّحلّل ؛ لئلاّ يفوت الحجّ . وذلك ما لم يغلب على ظنّ المحرم المحصر إدراكه بعد الحصر ، أو إدراك العمرة في ثلاثة أيّام فيجب الصّبر كما سبق . وأطلق الحنابلة فقالوا " المستحبّ له الإقامة مع إحرامه رجاء زوال الحصر ، فمتى زال قبل تحلّله فعليه المضيّ لإتمام نسكه . والحاصل أنّ جواز التّحلّل متّفق عليه ، إنّما اختلفوا في المفاضلة بينه وبين البقاء على الإحرام ، فإن اختار المحصر التّحلّل تحلّل متى شاء ، إذا صنع ما يلزمه للتّحلّل ، ممّا سيأتي ذكره في موضعه . وهذا الحكم سواء فيه المحصر عن الحجّ ، أو عن العمرة ، أو عنهما معاً ، عند عامّة العلماء . التّحلّل من الإحرام الفاسد : 29 - يجوز للمحرم الّذي فسد إحرامه - إذا أحصر - أن يتحلّل من إحرامه الفاسد ، فإذا جامع المحرم بالحجّ جماعاً مفسداً ثمّ أحصر تحلّل ، ويلزمه دم للإفساد ، ودم للإحصار ، ويلزمه القضاء بسبب الإفساد اتّفاقاً هنا ؛ لأنّ الخلاف في القضاء هو في الإحصار بعد الإحرام الصّحيح . فلو لم يتحلّل حتّى فاته الوقوف ، ولم يمكنه الطّواف بالكعبة ، تحلّل في موضعه تحلّل المحصر ، ويلزمه ثلاثة دماء : دم للإفساد ، ودم للفوات ، ودم للإحصار . فدم الإفساد بدنة ، والآخران شاتان ، ويلزمه قضاء واحد . لكن عند المالكيّة يكفيه في الصّورة الأولى هدي واحد هو هدي الإفساد : بدنة ؛ لأنّه لا هدي على المحصر عند المالكيّة . وعليه في الصّورة الثّانية هديان عند الحنفيّة والمالكيّة : هدي الإفساد وهدي الإحصار عند الحنفيّة ؛ لأنّه لا دم عندهم للفوات ، وهدي الإفساد . وهدي الفوات عند المالكيّة . البقاء على الإحرام : 30 - إن اختار المحصر البقاء على الإحرام ومصابرته حتّى يزول المانع فله بالنّسبة للحجّ حالان : الحالة الأولى : أن يتمكّن من إدراك الحجّ بإدراك الوقوف بعرفة ، فبها ونعمت . الحالة الثّانية : أن لا يتمكّن من إدراك الحجّ ، بأن يفوته الحجّ لفوات الوقوف بعرفة . فاتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه يتحلّل تحلّل فوات الحجّ ، بأن يؤدّي أعمال العمرة . ثمّ اختلفوا : فقال : الحنفيّة لا دم عليه لأنّ ذلك هو حكم الفوات وعليه القضاء . وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فقالوا : عليه دم الفوات دون دم الإحصار . والأصحّ أنّه لا قضاء عليه عند الشّافعيّة وعليه القضاء عند الحنابلة ، كما هي القاعدة عندهم : « إنّ من لم يتحلّل حتّى فاته الحجّ لزمه القضاء » . وأمّا المالكيّة فقالوا : لو استمرّ المحصر على إحرامه حتّى دخل وقت الإحرام من العام القابل ، وزال المانع فلا يجوز له أن يتحلّل بالعمرة ليسر ما بقي . فقد أجاز المالكيّة البقاء على الإحرام بعد الفوات ، ولم يلزموه بالتّحلّل بعمرة ، وعندهم يجزئه الإحرام السّابق للحجّ في العام القابل . 31 - وأمّا إذا بقي الإحصار قائماً وفات الحجّ : فعند المالكيّة والشّافعيّة له أن يحلّ تحلّل المحصر ، ولا قضاء عليه . وعليه دم عند الشّافعيّة . وفي قول عليه القضاء . أمّا الحنابلة فأوجبوا عليه القضاء ، فيما يظهر من كلامهم . وأمّا الحنفيّة فحكمه عندهم حكم الفوات ، ولا أثر للحصر . حكمة مشروعيّة التّحلّل : 32 - المحصر كما قال الكاسانيّ محتاج إلى التّحلّل ؛ لأنّه منع عن المضيّ في موجب الإحرام ، على وجه لا يمكنه الدّفع ، فلو لم يجز له التّحلّل لبقي محرماً لا يحلّ له ما حظره الإحرام إلى أن يزول المانع فيمضي في موجب الإحرام ، وفيه من الضّرر والحرج ما لا يخفى ، فمسّت الحاجة إلى التّحلّل والخروج من الإحرام ، دفعاً للضّرر والحرج . وسواء كان الإحصار عن الحجّ ، أو عن العمرة ، أو عنهما عند عامّة العلماء . ما يتحلّل به المحصر 33 - الإحصار بحسب إطلاق الإحرام الّذي وقع فيه أو تقييده بالشّرط نوعان : النّوع الأوّل : الإحصار في الإحرام المطلق ، وهو الّذي لم يشترط فيه المحرم لنفسه حقّ التّحلّل إذا طرأ له مانع . النّوع الثّاني : الإحصار في الإحرام الّذي اشترط فيه المحرم التّحلّل . التّحلّل بالإحصار في الإحرام المطلق 34 - ينقسم هذا الإحصار إلى قسمين ، حسبما يستخلص من الفقه الحنفيّ : القسم الأوّل : الإحصار بمانع حقيقيّ ، أو شرعيّ لحقّ اللّه تعالى ، لا دخل لحقّ العبد فيه . القسم الثّاني : الإحصار بمانع شرعيّ لحقّ العبد لا لحقّ اللّه تعالى . وقد وجدت نتيجة التّقسيم من حيث الحكم مطابقةً لغير الحنفيّة إجمالاً ، فيما اتّفقوا مع الحنفيّة على كونه إحصاراً . كيفيّة تحلّل المحصر أوّلاً : نيّة التّحلّل : 35 - إنّ مبدأ نيّة التّحلّل بالمعنى الواسع متّفق عليه كشرط لتحلّل المحصر من إحرامه ، ثمّ وقع الخلاف فيما وراء ذلك : أمّا الشّافعيّة والحنابلة فقد شرطوا نيّة التّحلّل عند ذبح الهدي ، بأن ينوي التّحلّل بذبحه ؛ لأنّ الهدي قد يكون للتّحلّل وقد يكون لغيره فوجب أن ينوي ليميّز بينهما ثمّ يحلق ؛ ولأنّ من أتى بأفعال النّسك فقد أتى بما عليه فيحلّ منها بإكمالها ، فلم يحتج إلى نيّة ، بخلاف المحصور ، فإنّه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها ، فافتقر إلى قصده . كذلك تشترط نيّة التّحلّل عند الحلق ، بناءً على الأصحّ عند الشّافعيّة أنّ الحلق نسك ، وأنّه شرط لحصول التّحلّل ، كما سيأتي ( ف . . . . ) وذلك من الدّليل على شرطيّة النّيّة عند ذبح الهدي . وأمّا المالكيّة فقالوا : نيّة التّحلّل وحدها هي ركن التّحلّل فقط ، بالنّسبة لتحلّل المحصر بالعدوّ ، أو الفتنة ، أو الحبس بغير حقّ . هؤلاء يتحلّلون عند المالكيّة بالنّيّة فحسب ، ولا يغني عنها غيرها ، حتّى لو نحر الهدي وحلق ولم ينو التّحلّل لم يتحلّل . وأمّا الحنفيّة فقالوا : « إذا أحصر المحرم بحجّة أو عمرة ، وكذا إذا كان محرماً بهما ، وأراد التّحلّل - بخلاف من أراد الاستمرار على حاله ، منتظراً زوال إحصاره - يجب عليه أن يبعث الهدي . . . إلخ " فقد علّقوا التّحلّل ببعث الهدي وذبحه على إرادة التّحلّل ، واحترزوا عمّن أراد الاستمرار على حاله . فلو بعث هدياً ، وهو مريد الانتظار لا يحلّ بذبح الهدي إلاّ إذا قصد به التّحلّل . |
ثانياً : ذبح الهدي : تعريف الهدي : 36 - الهدي ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره . لكن المراد هنا وفي أبحاث الحجّ خاصّةً : ما يهدى إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم والماعز خاصّةً . حكم ذبح الهدي لتحلّل المحصر : 36 م - ذهب جمهور العلماء إلى وجوب ذبح الهدي على المحصر ، لكي يتحلّل من إحرامه ، وأنّه لو بعث به واشتراه ، لا يحلّ ما لم يذبح . وهو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وقول أشهب من المالكيّة . وذهب المالكيّة إلى أنّ المحصر يتحلّل بالنّيّة فقط ، ولا يجب عليه ذبح الهدي ، بل هو سنّة ، وليس شرطاً . استدلّ الجمهور بقوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } على ما سبق . واحتجّ الجمهور أيضاً بالسّنّة : « بأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لم يحلّ يوم الحديبية ولم يحلق رأسه حتّى نحر الهدي » ، فدلّ ذلك على أنّ من شرط إحلال المحصر ذبح هدي إن كان عنده . وأمّا وجه قول المالكيّة ودليلهم فهو دليل من جهة القياس ، وهو كما ذكره أبو الوليد الباجيّ أنّه تحلّل مأذون فيه ، عار من التّفريط وإدخال النّقص ، فلم يجب به هدي ، أصل ذلك إذا أكمل حجّه . ما يجزئ من الهدي في الإحصار 37 - يجزئ في الهدي الشّاة عن واحد ، وكذا الماعز باتّفاق العلماء ، وأمّا البدنة وهي من الإبل والبقر ، فتكفي عن سبعة عند الجماهير ومنهم الأئمّة الأربعة . وللتّفصيل ( ر : هدي ) . ما يجب من الهدي على المحصر : 38 - اتّفق الفقهاء على أنّ المحرم بالعمرة مفردةً ، أو الحجّ مفرداً ، إذا أحصر يلزمه ذبح هدي واحد للتّحلّل من إحرامه . أمّا القارن فقد اختلفوا فيما يجب عليه من الهدي للتّحلّل بالإحصار : فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يحلّ بدم واحد ، حيث أطلقوا وجوب هدي على المحصر دون تفصيل ، والمسألة مشهورة . وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يحلّ إلاّ بدمين يذبحهما في الحرم . ومنشأ الخلاف هو اختلاف الفريقين في حقيقة إحرام القارن . ( انظر مصطلح إحرام ) . فالشّافعيّة ومن معهم : القارن عندهم محرم بإحرام واحد يجزئ عن الإحرامين : إحرام الحجّ وإحرام العمرة ، لذلك قالوا : يكفيه طواف واحد وسعي واحد للحجّ والعمرة مقرونين ، فألزموه إذا أحصر بهدي واحد . وأمّا الحنفيّة فالقارن عندهم محرم بإحرامين : إحرام الحجّ وإحرام العمرة ، لذلك ألزموه بطوافين وسعيين ، فألزموه إذا أحصر بهديين . وقالوا : الأفضل أن يكونا معيّنين مبيّنين ، هذا لإحصار الحجّ ، وهذا لإحصار العمرة ، كما ألزموه في جنايات الإحرام على القران الّتي يلزم فيها المفرد دم ألزموا القارن بدمين ، وكذا الصّدقة . مكان ذبح هدي الإحصار : 39 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة في رواية إلى أنّ المحصر يذبح الهدي حيث أحصر ، فإن كان في الحرم ذبحه في الحرم ، وإن كان في غيره ذبحه في مكانه . حتّى لو كان في غير الحرم وأمكنه الوصول إلى الحرم فذبحه في موضعه أجزأه على الأصحّ في المذهبين . وذهب الحنفيّة - وهو رواية عن الإمام أحمد - إلى أنّ ذبح هدي الإحصار مؤقّت بالمكان ، وهو الحرم ، فإذا أراد المحصر أن يتحلّل يجب عليه أن يبعث الهدي إلى الحرم فيذبح بتوكيله نيابةً عنه في الحرم ، أو يبعث ثمن الهدي ليشتري به الهدي ويذبح عنه في الحرم . ثمّ لا يحلّ ببعث الهدي ولا بوصوله إلى الحرم ، حتّى يذبح في الحرم ، ولو ذبح في غير الحرم لم يتحلّل من الإحرام ، بل هو محرم على حاله . ويتواعد مع من يبعث معه الهدي على وقت يذبح فيه ليتحلّل بعده . وإذا تبيّن للمحصر أنّ الهدي ذبح في غير الحرم فلا يجزي . وفي رواية أخرى عن أحمد أنّه إن قدر على الذّبح في أطراف الحرم ففيه وجهان . استدلّ الشّافعيّة والحنابلة بفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّه نحر هديه في الحديبية حين أحصر ، وهي من الحلّ . بدليل قوله تعالى : { والهدي معكوفاً أن يبلغ محلّه } . واستدلّوا كذلك من جهة العقل بما يرجع إلى حكمة تشريع التّحلّل من التّسهيل ورفع الحرج ، كما قال في المغني : « لأنّ ذلك يفضي إلى تعذّر الحلّ ، لتعذّر وصول الهدي إلى الحرم » ، أي وإذا كان كذلك دلّ على ضعف هذا الاشتراط . واستدلّ الحنفيّة على توقيت ذبح الهدي بالحرم بقوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } . وتوجيه الاستدلال بالآية عندهم من وجهين : الأوّل : التّعبير ب " الهدي » . الثّاني : الغاية في قوله { حتّى يبلغ الهدي محلّه } وتفسير قوله " محلّه " بأنّه الحرم . واستدلّوا بالقياس على دماء القربات ، لأنّ الإحصار دم قربة ، والإراقة لم تعرف قربةً إلاّ في زمان ، أو مكان ، فلا يقع قربةً دونه . أي دون توقيت بزمان ولا مكان ، والزّمان غير مطلوب ، فتعيّن التّوقيت بالمكان . زمان ذبح هدي الإحصار : 40 - ذهب أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد - على المعتمد في مذهبه - إلى أنّ زمان ذبح الهدي هو مطلق الوقت ، لا يتوقّت بيوم النّحر ، بل أيّ وقت شاء المحصر ذبح هديه ، سواء كان الإحصار عن الحجّ أو عن العمرة . وقال أبو يوسف ومحمّد - وهو رواية عن الإمام أحمد - لا يجوز الذّبح للمحصر بالحجّ إلاّ في أيّام النّحر الثّلاثة ، ويجوز للمحصر بالعمرة متى شاء . استدلّ الجمهور بقوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } . فقد ذكر الهدي في الآية مطلقاً عن التّوقيت بزمان ، وتقييده بالزّمان نسخ أو تخصيص لنصّ الكتاب القطعيّ فلا يجوز إلاّ بدليل قاطع ولا دليل . واستدلّ أبو يوسف ومحمّد بأنّ هذا دم يتحلّل به من إحرام الحجّ ، فيختصّ بيوم النّحر في الحجّ . وربّما يعتبرانه بدم التّمتّع والقران فيقيسانه عليه ، حيث إنّه يجب أن يذبح في أيّام النّحر . ويتفرّع على هذا الخلاف أنّ المحصر يستطيع على مذهب الجمهور أن يتحلّل متى تحقّق إحصاره بذبح الهدي ، دون مشقّة الانتظار . أمّا على قول الصّاحبين : فلا يحلّ إلى يوم النّحر ؛ لأنّ التّحلّل متوقّف على ذبح الهدي ، ولا يذبح الهدي عندهما إلاّ أيّام النّحر . العجز عن الهدي : 41 - مذهب الشّافعيّة والحنابلة وهو مرويّ عن أبي يوسف من عجز عن الهدي فله بدل يحلّ محلّ الهدي ، وفي تعيين هذا البدل ثلاثة أقوال عند الشّافعيّة . القول الأوّل وهو الأظهر : أنّ بدل الهدي طعام تقوّم به الشّاة ويتصدّق به ، فإن عجز عن قيمة الطّعام صام عن كلّ مدّ يوماً ، وهو قول أبي يوسف ، لكنّه قال : يصوم لكلّ نصف صاع يوماً . ثمّ إذا انتقل إلى الصّيام فله التّحلّل في الحال في الأظهر عند الشّافعيّة بالحلق والنّيّة عنده ؛ لأنّ الصّوم يطول انتظاره ، فتعظم المشقّة في الصّبر على الإحرام إلى فراغه . القول الثّاني : بدل الهدي الطّعام فقط ، وفيه وجهان : الأوّل أن يقوّم كما سبق . الثّاني أنّه ثلاث آصع لستّة مساكين ، مثل كفّارة جناية الحلق . القول الثّالث للشّافعيّة وهو مذهب الحنابلة أنّ بدل الدّم الصّوم فقط . وهو عشرة أيّام كصوم التّمتّع . وقال أبو حنيفة ومحمّد ، وهو قول عند الشّافعيّة وهو المعتمد في المذهب الحنفيّ لا بدل للهدي . فإن عجز المنحصر عن الهدي بأن لم يجده ، أو لم يجد ثمنه ، أو لم يجد من يبعث معه الهدي إلى الحرم بقي محرماً أبداً ، لا يحلّ بالصّوم ، ولا بالصّدقة ، وليسا ببدل عن هدي المحصر . وأمّا المالكيّة فلا يجب الهدي من أصله على المحصر عندهم ، فلا بحث في بدله عندهم . استدلّ الشّافعيّة والحنابلة القائلون بمشروعيّة البدل لمن عجز عن الهدي بالقياس ، ووجهه " أنّه دم يتعلّق وجوبه بإحرام ، فكان له بدل ، كدم التّمتّع » . وقاسوه أيضاً على غيره من الدّماء الواجبة ، فإنّ لها بدلاً عند العجز عنها ( ر : إحرام ) . واستدلّ الحنفيّة بقوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } . وجه دلالة الآية كما قال في البدائع : « نهى اللّه عن حلق الرّأس ممدوداً إلى غاية ذبح الهدي ، والحكم المدوّد إلى غاية لا ينتهي قبل وجود الغاية ، فيقتضي أن لا يتحلّل ما لم يذبح الهدي ، سواء صام ، أو أطعم ، أو لا » . وبتوجيه آخر : أنّه تعالى " ذكر الهدي ، ولم يذكر له بدلاً ، ولو كان له بدل لذكره ، كما ذكره في جزاء الصّيد » . واستدلّوا بالعقل وذلك " لأنّ التّحلّل بالدّم قبل إتمام موجب الإحرام عرف بالنّصّ ، بخلاف القياس ، فلا يجوز إقامة غيره مقامه بالرّأي » . ثالثاً : الحلق أو التّقصير : 42 - مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف في رواية عنه - ومحمّد ومالك وهو قول عند الحنابلة الحلق ليس بشرط لتحلّل المحصر من الإحرام . ويحلّ المحصر عند الحنفيّة بالذّبح بدون الحلق ، وإن حلق فحسن ، وصرّح المالكيّة أنّ الحلق سنّة . وقال أبو يوسف في رواية ثانية : إنّه واجب ، ولو تركه لا شيء عليه . أي أنّه سنّة ، وفي رواية ثالثة عن أبي يوسف أنّه قال في الحلق للمحصر : « هو واجب لا يسعه تركه " وهو قوله آخراً ، وأخذ به الطّحاويّ . والأظهر عند الشّافعيّة وهو قول عند الحنابلة أنّ الحلق أو التّقصير شرط للتّحلّل ، وذلك بناءً على القول بأنّ الحلق نسك من مناسك الحجّ والعمرة ، كما هو المشهور الرّاجح في المذهبين ، ولا بدّ من نيّة التّحلّل بالحلق أو التّقصير لما ذكر في النّيّة عند الذّبح . استدلّ أبو حنيفة ومن معه بالقران وهو قوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ووجه دلالة الآية : أنّ المعنى : « إن أحصرتم وأردتم أن تحلّوا فاذبحوا ما استيسر من الهدي . جعل ذبح الهدي في حقّ المحصر إذا أراد الحلّ كلّ موجب الإحصار ، فمن أوجب الحلق فقد جعله بعض الموجب ، وهذا خلاف النّصّ » . واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف : « بفعله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فإنّه حلق ، وأمر أصحابه أن يحلقوا ، ولمّا تباطئوا عظم عليه صلى الله عليه وسلم حتّى بادر فحلق بنفسه ، فأقبل النّاس فحلقوا وقصّروا ، فدعا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اللّهمّ اغفر للمحلّقين قالوا : والمقصّرين ؟ ، فقال والمقصّرين في الثّالثة أو الرّابعة » . ولولا أنّ الحلق نسك ما دعا لهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وإذا كان نسكاً وجب فعله كما يجب عند القضاء لغير المحصر . واستدلّ لهم أيضاً بالآية { ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } . ووجه الاستدلال بها أنّ التّعبير بالغاية يقتضي " أن يكون حكم الغاية بضدّ ما قبلها ، فيكون تقديره ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فإذا بلغ فاحلقوا . وذلك يقتضي وجوب الحلق » . تحلّل المحصر لحقّ العبد 43 - المحصر لحقّ العبد - على التّفصيل والخلاف السّابق - يكون تحليله على النّحو الآتي : عند الحنفيّة بأن يأتي من له الحقّ في الإحصار عملاً من محظورات الإحرام ناوياً التّحليل كقصّ شعر أو تقليم ظفر أو نحوهما ، ولا يكفي القول ، وعند المالكيّة على الرّاجح : يكون التّحلّل بنيّة المحصر ، فإن امتنع عن التّحلّل قام من كان الإحصار لحقّه بتحليله بنيّته أيضاً . وعند الشّافعيّة والحنابلة للزّوج تحليل زوجته ، وللأب تحليل ابنه ، وللسّيّد تحليل عبده في الأحوال السّابقة . ومعنى التّحليل عندهم على ما ذكروا في الزّوج والسّيّد : أن يأمر الزّوج زوجته بالتّحلّل ، فيجب عليها التّحلّل بأمره ، ويمتنع عليها التّحلّل قبل أمره . وتحلّلها كتحلّل المحصر بالذّبح ثمّ الحلق ، بنيّة التّحلّل فيهما . ولا يحصل التّحلّل إلاّ بما يحصل به تحلّل المحصر عند الشّافعيّة . ويقاس عليه تحليل الأب للابن أيضاً . ولو لم تتحلّل الزّوجة بعد أن أمرها زوجها بالتّحلّل ، فللزّوج أن يستمتع بها ، والإثم عليها . إحصار من اشترط في إحرامه التّحلّل إذا حصل له مانع معنى الاشتراط والخلاف فيه : 44 - الاشتراط في الإحرام : هو أن يقول المحرم عند الإحرام : « إنّي أريد الحجّ " مثلاً ، أو " العمرة ، فإن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستني » . وقد اختلفت المذاهب في مشروعيّة الاشتراط في الإحرام ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الاشتراط في الإحرام غير مشروع ، ولا أثر له في إباحة التّحلّل وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى مشروعيّة الاشتراط في الإحرام ، وأنّ له أثراً في التّحلّل . وتفصيله في مصطلح : ( إحرام ) . آثار الاشتراط : 45 - أمّا عند الحنفيّة والمالكيّة المانعين لشرعيّة الاشتراط في الإحرام . فإنّ الاشتراط في الإحرام لا يفيد المحرم شيئاً ، ولا يجيز له أن يتحلّل إذا طرأ له مانع عن المتابعة ، من عدوّ ، أو مرض ، فلا يسقط عنه الهدي الّذي يتحلّل به المحصر عند الحنفيّة إذا أراد التّحلّل ، ولا يجزئه عن نيّة التّحلّل الّتي بها يتحلّل عند المالكيّة . ومذهب الشّافعيّة أنّ الاشتراط في الإحرام يفيد المحرم المشترط جواز التّحلّل إذا طرأ له مانع ممّا لا يعتبر سبباً للإحصار عند الشّافعيّة كالمرض ونفاد النّفقة ، وضلال الطّريق ، والأوجه في المرض أن يضبط بما يحصل معه مشقّة لا تحتمل عادةً في إتمام النّسك . ثمّ يراعي في كيفيّة التّحلّل ما شرطه عند الإحرام ، وفي هذا يقول الرّمليّ الشّافعيّ : إن شرطه بلا هدي لم يلزمه هدي ، عملاً بشرطه . وكذا لو أطلق - أي لم يتعرّض لنفي الهدي ولا لإثباته - لعدم شرطه ، ولظاهر خبر ضباعة . فالتّحلّل فيهما يكون بالنّيّة فقط . وإن شرطه بهدي لزمه ، عملاً بشرطه . ولو قال : إن مرضت فأنا حلال ، فمرض صار حلالاً بالمرض من غير نيّة وعليه حملوا خبر أبي داود وغيره بإسناد صحيح : « من كسر أو عرج فقد حلّ ، وعليه الحجّ من قابل » . وإن شرط قلب حجّه عمرةً بالمرض أو نحوه ، جاز ، كما لو شرط التّحلّل به ، بل أولى ، ولقول عمر لأبي أميّة سويد بن غفلة : حجّ واشترط ، وقل : اللّهمّ الحجّ أردت وله عمدت ، فإن تيسّر ، وإلاّ فعمرة رواه البيهقيّ بسند حسن . ولقول عائشة لعروة : هل تستثني إذا حججت ؟ فقال : ماذا أقول ؟ قالت : قل : اللّهمّ الحجّ أردت وله عمدت ، فإن يسّرته فهو الحجّ ، وإن حبسني حابس فهو عمرة . رواه الشّافعيّ والبيهقيّ بسند صحيح على شرط الشّيخين . فله في ذلك - أي إذا شرط قلب حجّه عمرةً - إذا وجد العذر أن يقلب حجّه عمرةً ، وتجزئه عن عمرة الإسلام . والأوجه أنّه لا يلزمه في هذه الحالة الخروج إلى أدنى الحلّ ولو بيسير ، إذ يغتفر في الدّوام ما لا يغتفر في الابتداء . ولو شرط أن ينقلب حجّه عمرةً عند العذر ، فوجد العذر ، انقلب حجّه عمرةً ، وأجزأته عن عمرة الإسلام ، بخلاف عمرة التّحلّل بالإحصار فإنّها لا تجزئ عن عمرة الإسلام ؛ لأنّها في الحقيقة ليست عمرةً ، وإنّما هي أعمال عمرة . وحكم التّحلّل بالمرض ونحوه حكم التّحلّل بالإحصار . وقال الحنابلة : يفيد الاشتراط عند الإحرام جواز التّحلّل على نحو ما قاله الشّافعيّ ، إلاّ أنّ الحنابلة توسّعوا ، فقالوا : يفيد اشتراط التّحلّل المطلق شيئين : أحدهما : أنّه إذا عاقه عائق من عدوّ ، أو مرض ، أو ذهاب نفقة ، ونحوه أنّ له التّحلّل . الثّاني : أنّه متى حلّ بذلك فلا دم عليه ولا صوم أي بدلاً عن الدّم - بل يحلّ بالحلق عليه التّحلّل . وهذا يوافق ما قاله الشّافعيّة ، إلاّ أنّ الحنابلة سوّوا في الاشتراط بين الموانع الّتي تعتبر سبباً للإحصار كالعدوّ ، وبين الموانع الّتي لا تعتبر سبباً للإحصار عندهم . أمّا الشّافعيّة فلم يجروا الاشتراط فيما يعتبر سبباً للإحصار . وملحظهم في ذلك أنّ التّحلّل بالإحصار جائز بلا شرط ، فشرطه لاغ . وإذا كان لاغياً ، لا يؤثّر في سقوط الدّم . تحلّل من أحصر عن الوقوف بعرفة دون الطّواف 46 - هذا لا يعتبر محصراً عند الحنفيّة والحنابلة ، ويعتبر محصراً عند الشّافعيّة والمالكيّة ، ويتحلّل عند جميعهم بعمل عمرة ، على التّفصيل والاعتبار الخاصّ لهذه العمرة ، عند كلّ مذهب ، كما سبق . هذا وإنّ من أحصر عن الوقوف دون الطّواف إذا تحلّل قبل فوات وقت الوقوف بعرفة أجري عليه حكم المحصر . أمّا إن تأخّر في التّحلّل حتّى فات الوقوف أصبح حكمه حكم الفوات لا الحصر ، على ما قرّره المالكيّة . وهذا ينبغي أن يجري عند الشّافعيّ أيضاً . وقد قرّر الحنابلة أن يجري هذا الحكم عندهم إذا لم يفسخ الحجّ إلى عمرة حتّى فاته الحجّ . تحلّل من أحصر عن البيت دون الوقوف 47 - من أحصر عن البيت دون الوقوف يعتبر محصراً عند الشّافعيّة والحنابلة ، على تفصيل سبق ذكره . وهذا يجب عليه أن يقف بعرفة ثمّ يتحلّل . ويحصل تحلّله بما يتحلّل به المحصر ، وهو الذّبح والحلق بنيّة التّحلّل فيهما . أمّا الحنفيّة والمالكيّة فلا يكون محصراً عندهم ، وعليه أن يأتي بطواف الإفاضة ، ويظلّ محرماً بالنّسبة للنّساء حتّى يفيض . وكذا هو عند الحنابلة إذا أحصر عن البيت بعد الرّمي ، على ما سبق بيانه . وكذا لو لم يتحلّل عند الشّافعيّة والحنابلة . ويؤدّي طواف الإفاضة بإحرامه الأوّل ؛ لأنّه ما دام لم يتحلّل التّحلّل الأكبر فإحرامه قائم ، إذ التّحلّل يكون بالطّواف ، ولم يوجد الطّواف ، فيكون الإحرام قائماً ، ولا يحتاج إلى إحرام جديد . تفريع على شروط تحلّل المحصر أجزية محظورات الإحرام قبل تحلّل المحصر : 48 - يتفرّع على شروط التّحلّل للمحصر أنّ المحصر إذا لم يتحلّل ، ووقع في بعض محظورات الإحرام ، أو تحلّل لكن وقع قبل التّحلّل في شيء من محظورات الإحرام فإنّه يجب عليه من الجزاء ما يجب على المحرم غير المحصر ، باتّفاق المذاهب الأربعة . إلاّ أنّ الحنابلة فيما ذهب إليه أكثرهم وقال المرداويّ : إنّه المذهب . قالوا : من كان محصراً فنوى التّحلّل قبل ذبح الهدي - أو الصّوم عند عدم الهدي - لم يحلّ . لفقد شرطه ، وهو الذّبح أو الصّوم بالنّيّة : أي بنيّة التّحلّل ، ولزم دم لكلّ محظور فعله بعد التّحلّل ، ودم لتحلّله بالنّيّة . فزادوا على الجمهور دماً لتحلّله بالنّيّة ، ووجهه عندهم : أنّه عدل عن الواجب عليه من هدي أو صوم - أي عند عدم الهدي - فلزمه دم . ما يجب على المحصر بعد التّحلّل قضاء ما أحصر عنه المحرم قضاء النّسك الواجب الّذي أحصر عنه المحرم : 49 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجب على المحصر قضاء النّسك الّذي أحصر عنه إذا كان واجباً ، كحجّة الإسلام ، والحجّ والعمرة المنذورين عند جميعهم ، وكعمرة الإسلام عند الشّافعيّة والحنابلة ، ولا يسقط هذا الواجب عنه بسبب الإحصار . وهذا ظاهر ؛ لأنّ الخطاب بالوجوب لا يسقط عن المكلّف إلاّ بأداء ما وجب عليه . لكن الشّافعيّة فصلوا بين الواجب المستقرّ وبين الواجب غير المستقرّ ، فقالوا : « إن كان واجباً مستقرّاً كالقضاء ، والنّذر ، وحجّة الإسلام الّتي استقرّ وجوبها قبل هذه السّنة بقي الوجوب في ذمّته كما كان ، وإنّما أفاده الإحصار جواز الخروج منها ، وإن كان واجباً غير مستقرّ ، وهي حجّة الإسلام في السّنة الأولى من سني الإمكان سقطت الاستطاعة فلا حجّ عليه إلاّ أن تجتمع فيه شروط الاستطاعة بعد ذلك . فلو تحلّل بالإحصار ثمّ زال الإحصار والوقت واسع وأمكنه الحجّ من سنته استقرّ الوجوب عليه لوجود الاستطاعة لكن له أن يؤخّر الحجّ عن هذه السّنة لأنّ الحجّ على التّراخي » . 50 - أمّا من أحصر عن نسك التّطوّع فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يجب عليه القضاء ، واستدلّوا بأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين رجع عن البيت في عام الحديبية لم يأمر أحداً من أصحابه ولا ممّن كان معه أن يقضوا شيئاً ولا أن يعودوا لشيء ، ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه ، ولا قال في العام المقبل : إنّ عمرتي هذه قضاء عن العمرة الّتي حصرت فيها . ولم ينقل ذلك عنه ، وإنّما سمّيت عمرة القضاء وعمرة القضيّة لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قاضى قريشاً وصالحهم في ذلك العام على الرّجوع عن البيت ، وقصده من قابل فسمّيت بذلك عمرة القضيّة . وصرّح ابن رشد من المالكيّة بوجوب القضاء على الزّوجة والسّفيه وعزاه إلى ابن القاسم روايةً عن مالك . وقال الدّردير : يجب القضاء على الزّوجة فقط . وعلّله الدّسوقيّ بأنّ الحجر على الزّوجة ضعيف ؛ لأنّه لحقّ غيرها ، بخلاف الحجر على السّفيه ومن يشبهه لأنّه لحقّ نفسه . وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجب قضاء النّفل الّذي أحصر عنه المحرم ؛ لأنّ اعتمار النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية إنّما كان قضاءً لتلك العمرة ، ولذلك قيل لها عمرة القضاء . وروي ذلك عن الإمام أحمد . وهي رواية مقابلة للصّحيح . ما يلزم المحصر في القضاء : 51 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ المحصر عن الحجّ إذا تحلّل وقضى فيما يستقبل يجب عليه حجّ وعمرة ، والقارن عليه حجّة وعمرتان . أمّا المعتمر فيقضي العمرة فقط . وعليه نيّة القضاء في ذلك كلّه . وذهب الأئمّة الثّلاثة إلى أنّ النّسك الّذي وجب فيه القضاء للتّحلّل بالإحصار يلزم فيه قضاء ما فاته بالإحصار فحسب ، إن حجّةً فحجّةً فقط ، وإن عمرةً فعمرةً ، وهكذا . وعليه نيّة القضاء عندهم أيضاً . استدلّ الحنفيّة بما روي عن بعض الصّحابة كابن مسعود وابن عبّاس ، فإنّهما قالا في المحصر بالحجّ : « عليه عمرة وحجّة " وذلك لا يكون إلاّ عن توقيف . وتابعهما في ذلك علقمة ، والحسن ، وإبراهيم ، وسالم ، والقاسم ، ومحمّد بن سيرين . واستدلّ الجمهور بحديث : « من كسر أو عرج فقد حلّ ، وعليه الحجّ من قابل » . وجه الاستدلال به أنّه لم يذكر العمرة ، ولو كانت واجبةً مع الحجّ لذكرها . موانع المتابعة بعد الوقوف بعرفة : 52 - موانع المتابعة بعد الوقوف بعرفة لها حالان : الحال الأولى : أن تمنع من الإفاضة وما بعدها . الحال الثّانية : أن تمنع ممّا بعد طواف الإفاضة . سبق البحث فيمن منع من طواف الإفاضة ، هل يكون محصراً أو لا ، مع بيان الخلاف في ذلك . أمّا على القول بأنّه يتحقّق فيه الإحصار إذا استوفى المانع شروط الإحصار فحكم تحلّله حكم تحلّل المحصر ، بكلّ التّفاصيل الّتي سبقت . وأمّا على القول بأنّه لا يتحقّق فيه الإحصار فإنّه يظلّ محرماً حتّى يؤدّي طواف الإفاضة ، وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة . وعليه جزاء ما فاته من واجبات ، كما سيأتي . موانع المتابعة بعد طواف الإفاضة : 53 - اتّفق العلماء على أنّ الحاجّ إذا منع عن المتابعة بعد أداء الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة فليس بمحصر ، أيّاً كان المانع عدوّاً أو مرضاً أو غيرهما وليس له التّحلّل بهذا الإحصار ؛ لأنّ صحّة الحجّ لا تقف على ما بعد الوقوف والطّواف ، ويجب عليه فداء ترك ما تركه من أعمال الحجّ . فروع : ويتفرّع على هذين الأصلين فروع في المذاهب الفقهيّة هي . 54 - قال الحنفيّة : لو وقف بعرفة ، ثمّ عرض له مانع لا يكون محصراً شرعاً كما تقدّم ، ويبقى محرماً في حقّ كلّ شيء من محظورات الإحرام إن لم يحلق ، وإن حلق فهو محرم في حقّ النّساء لا غير إلى أن يطوف للزّيارة . وإن منع عن بقيّة أفعال حجّه بعد وقوفه حتّى مضت أيّام النّحر فعليه أربعة دماء مجتمعة ، لترك الوقوف بمزدلفة ، والرّمي ، وتأخير الطّواف ، وتأخير الحلق . وعليه دم خامس لو حلق في الحلّ ، بناءً على القول بوجوبه في الحرم ، وسادس لو كان قارناً أو متمتّعاً لفوات التّرتيب ، وعليه أن يطوف للزّيارة ولو إلى آخر عمره ، ويطوف للصّدر إن خلّى بمكّة وكان آفاقيّاً . وقال المالكيّة : لا يحلّ إلاّ بطواف الإفاضة إذا كان قدّم السّعي قبل الوقوف ثمّ حصر بعد ذلك . وأمّا إن كان حصر قبل سعيه فلا يحلّ إلاّ بالإفاضة والسّعي . وعليه هدي واحد للرّمي ومبيت ليالي منًى ونزول مزدلفة إذا تركها للحصر عنها ، كما لو تركها بنسيانها جميعها ، فإنّه يكون عليه هدي واحد . « وكأنّهم لاحظوا أنّ الموجب واحد ، لا سيّما وهو معذور » . وقال الشّافعيّة : إن كان الإحصار بعد الوقوف ، فإن تحلّل فذاك ، وإن لم يتحلّل حتّى فاته الرّمي والمبيت بمنًى فهو فيما يرجع إلى وجوب الدّم لفواتهما كغير المحصر . وقال الحنابلة : إن أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة فله التّحلّل ؛ لأنّ الحصر يفيده التّحلّل من جميعه فأفاد التّحلّل من بعضه . وإن كان ما حصر عنه ليس من أركان الحجّ كالرّمي ، وطواف الوداع ، والمبيت بمزدلفة ، أو بمنًى في لياليها فليس له تحلّل الإحصار ؛ لأنّ صحّة الحجّ لا تقف على ذلك ، ويكون عليه دم لتركه ذلك ، وحجّه صحيح ، كما لو تركه من غير حصر . زوال الإحصار : 55 - اختلفت المذاهب في الآثار المترتّبة على زوال الإحصار ، فعند الحنفيّة تأتي الأحوال الآتية . الحالة الأولى : أن يزول الإحصار قبل بعث الهدي مع إمكان إدراك الحجّ . والحالة الثّانية : أن يزول الإحصار بعد بعث الهدي ، وهناك متّسع لإدراك الهدي والحجّ جميعاً . ففي هاتين الحالتين يجب عليه المضيّ في موجب إحرامه وأداء النّسك الّذي أحرم به . الحالة الثّالثة : أن لا يقدر على بعث الهدي ولا الحجّ معاً . فلا يلزمه المضيّ ، ويجوز له التّحلّل ، لعدم الفائدة من المضيّ ، فتقرّر الإحصار ، فيتقرّر حكمه . فيصبر حتّى يتحلّل بنحر الهدي في الوقت الّذي واعد عليه . وله أن يتوجّه ليتحلّل بأفعال العمرة ؛ لأنّه فائت الحجّ . فإذا تحلّل يلزمه في القضاء أداء عمرة إضافةً لما فاته ، لما سبق . الحالة الرّابعة : أن يقدر على إدراك الهدي ولا يقدر على إدراك الحجّ . فلا يلزمه المضيّ في أداء الحجّ أيضاً ؛ لعدم الفائدة في إدراك الهدي بدون إدراك الحجّ ، إذ الذّهاب لأجل إدراك الحجّ ، فإذا كان لا يدركه فلا فائدة في الذّهاب ، فكانت قدرته على إدراك الهدي وعدمها بمنزلة واحدة . الحالة الخامسة : أن يقدر على إدراك الحجّ ولا يقدر على إدراك الهدي : قياس مذهب أبي حنيفة في هذا الوجه أن يلزمه المضيّ ، ولا يجوز له التّحلّل ؛ لأنّه إذا قدر على إدراك الحجّ لم يعجز عن المضيّ في الحجّ ، فلم يوجد عذر الإحصار ، فلا يجوز له التّحلّل ، ويلزمه المضيّ . ووجه الاستحسان أنّا لو ألزمناه التّوجّه لضاع ماله ؛ لأنّ المبعوث على يديه الهدي يذبحه ولا حصل مقصوده . والأولى في توجيه الاستحسان أن نقول : يجوز له التّحلّل ؛ لأنّه إذا كان لا يقدر على إدراك الهدي صار كأنّ الإحصار زال عنه بالذّبح ، فيحلّ بالذّبح عنه ؛ ولأنّ الهدي قد مضى في سبيله ، بدليل أنّه لا يجب الضّمان بالذّبح على من بعث على يده بدنةً ، فصار كأنّه قدر على الذّهاب بعد ما ذبح عنه ، واللّه أعلم . وأمّا المالكيّة فقالوا . أ - من أحصر فلمّا قارب أن يحلّ انكشف العدوّ قبل أن يحلق وينحر فله أن يحلّ ويحلق ، كما لو كان العدوّ قائماً إذا فاته الحجّ في عامه ، وهو أيضاً على بعد من مكّة . ب - إن انكشف الحصر وكان في الإمكان إدراك الحجّ في عامه فلا يحلّ . ج - وأمّا إن انكشف الحصر وقد ضاق الوقت عن إدراك الحجّ إلاّ أنّه بقرب مكّة لم يحلّ إلاّ بعمل عمرة ؛ لأنّه قادر على الطّواف والسّعي من غير كبير مضرّة . وأمّا الشّافعيّة فقالوا : أ - إن زال الإحصار وكان الوقت واسعاً بحيث يمكنه تجديد الإحرام وإدراك الحجّ ، وكان حجّه تطوّعاً ، فلا يجب عليه شيء . ب - وإن كان الوقت واسعاً وكانت الحجّة قد تقدّم وجوبها بقي وجوبها كما كان . والأولى أن يحرم بها في هذه السّنة ، وله التّأخير . ج - وإن كانت الحجّة حجّة الإسلام وجبت هذه السّنة بأن استطاع هذه السّنة دون ما قبلها فقد استقرّ الوجوب في ذمّته لتمكّنه ، والأولى أن يحرم بها في هذه السّنة ، وله التّأخير ؛ لأنّ الحجّ عند الشّافعيّة على التّراخي . انظر مصطلح ( حجّ ) . د - وإن كان الوقت ضيّقاً بحيث لا يمكنه إدراك الحجّ ، أي ولم يستقرّ الوجوب في ذمّته لكونها وجبت هذه السّنة - سقط عنه الوجوب في هذه السّنة ، فإن استطاع بعده لزمه ، وإلاّ فلا . وأمّا الحنابلة فقالوا : أ - إن لم يحلّ المحصر حتّى زال الحصر لم يجز له التّحلّل ؛ لأنّه زال العذر . ب - إن زال العذر بعد الفوات تحلّل بعمرة ، وعليه هدي للفوات ، لا للحصر ؛ لأنّه لم يحلّ بالحصر . ج - إن فاته الحجّ مع بقاء الحصر فله التّحلّل به ؛ لأنّه إذا حلّ بالحصر قبل الفوات فمعه أولى ، وعليه الهدي للحلّ ، ويحتمل أن يلزمه هدي آخر للفوات . د - إن حلّ بالإحصار ثمّ زال الإحصار وأمكنه الحجّ من عامه لزمه ذلك إن قلنا بوجوب القضاء أو كانت الحجّة واجبةً لأنّ الحجّ على الفور ، وإن لم نقل بوجوب القضاء ولم تكن الحجّة واجبةً فلا يجب شيء . |
زوال الإحصار بالعمرة : 56 - معلوم أنّ وقت العمرة جميع العمر ، فلا يتأتّى فيها كلّ الحالات الّتي ذكرت في زوال الإحصار بالحجّ . ويتأتّى فيها عند الحنفيّة الأحوال التّالية : الحال الأولى : أن يزول الإحصار قبل البعث بالهدي . وهذا يلزمه التّوجّه لأداء العمرة ووجهه ظاهر وقد تقدّم . الحال الثّانية : أن يتمكّن بعد زوال الإحصار من إدراك الهدي والعمرة ، وهذا يلزمه التّوجّه لأداء العمرة أيضاً كما تقدّم . الحال الثّالثة : أن يتمكّن من إدراك العمرة فقط دون الهدي . وهذه حكمها في الاستحسان ألاّ يلزمه التّوجّه ، وفي القياس أن يلزمه التّوجّه . وأمّا المالكيّة فقالوا : أ - إن انكشف العدوّ عن المحصر بالعمرة وكان بعيداً من مكّة وبلغ أن يحلّ فله أن يحلّ . ب - وإن انكشف العدوّ وكان قريباً من مكّة " ينبغي ألاّ يتحلّل ، لأنّه قادر على فعل العمرة ، كما لو انكشف العدوّ في الحجّ والوقت متّسع » . أمّا الشّافعيّة والحنابلة فعندهم : أ - إن انصرف العدوّ قبل تحلّل المحصر بالعمرة لم يجز له التّحلّل ، ووجب عليه أداء العمرة . ب - إن انصرف العدوّ بعد التّحلّل وكانت العمرة الّتي تحلّل عنها واجبةً ، وجب عليه قضاؤها ، لكنّه لا يلزم به في وقت معيّن ؛ لأنّ العمرة غير مؤقّتة . ج - إن زال الحصر بعد التّحلّل وكانت العمرة تطوّعاً فعلى القول بعدم وجوب قضاء التّطوّع لا شيء عليه . تفريع على التّحلّل وزوال الإحصار : أ - ( فرع ) في تحلّل المحصر من الإحرام الفاسد ثمّ زوال إحصاره : 57 - يتفرّع على تحلّل المحصر من الإحرام الفاسد ثمّ زوال إحصاره : أنّه إذا تحلّل المحصر من الإحرام الفاسد ، ثمّ زال الإحصار وفي الوقت متّسع ، فإنّه يقضي الحجّ الفاسد من سنته ، ويلزمه ذلك بناءً على من ذهب إلى أنّ القضاء على الفور . وهذه لطيفة : أن يتمكّن من قضاء الحجّ الفاسد في سنة الإفساد نفسها ، ولا يمكن أن يتحقّق ذلك إلاّ في هذه المسألة . وهذا متّفق عليه . ب - ( فرع ) في الإحصار بعد الإحصار : 58 - إن بعث المحصر بالهدي إلى الحرم ثمّ زال إحصاره ، وحدث إحصار آخر ، فإن علم المحصر أنّه يدرك الهدي حيّاً ، ونوى به التّحلّل من إحصاره الثّاني بعد تصوّر إدراكه جاز وحلّ به ، إن صحّت شروطه ، وإن لم ينو لم يجز أصلاً . وهذا بناءً على مذهب الحنفيّة بوجوب بعث المحصر هديه إلى الحرم ، أمّا عند غيرهم فهو إحصار قبل التّحلّل ، يتحلّل منه بما يتحلّل من الإحصار السّابق واللّه تعالى أعلم . إحصان التّعريف 1 - الإحصان في اللّغة : معناه الأصليّ المنع ، ومن معانيه : العفّة والتّزوّج والحرّيّة . ويختلف تعريفه في الاصطلاح بحسب نوعيه : الإحصان في الزّنا ، والإحصان في القذف . صفته ( حكمه التّكليفيّ ) : 2 - أهمّ شروط إحصان الرّجم لعقوبة الزّنا : التّزوّج ، وهو ممّا تعتريه الأحكام التّكليفيّة الخمسة على تفصيل موطنه مصطلح « نكاح » . وأهمّ شروط إحصان القذف العفّة ، وهي مطلوبة شرعاً ، وورد فيها كثير من الآيات والأحاديث ، كقوله تعالى : { وليستعفف الّذين لا يجدون نكاحاً } . أنواع الإحصان : الإحصان نوعان : 3 - أ - إحصان الرّجم : وهو مجموعة من الشّروط إذا توفّرت في الزّاني كان عقابه الرّجم فالإحصان هيئة يكوّنها اجتماع الشّروط الّتي هي أجزاؤه ، وهي ثمانية ، وكلّ جزء علّة . فكلّ واحد من تلك الأجزاء شرط وجوب الرّجم . 4 - ب - إحصان القذف : وهو عبارة عن اجتماع صفات في المقذوف تجعل قاذفه مستحقّاً للجلد . وتختلف هذه الصّفات بحسب كيفيّة القذف : بالاتّهام بالزّنا ، أو بنفي النّسب . حكمة مشروعيّة الإحصان : 5 - سيأتي أنّ إحصان الرّجم هو أن يكون حرّاً عاقلاً بالغاً مسلماً قد تزوّج امرأةً نكاحاً صحيحاً ودخل بها وهما على صفة الإحصان . والحكمة في اشتراط ذلك أنّ العقل والبلوغ شرط لأهليّة العقوبة ، إذ لا خطاب دونهما ، وما وراءهما يشترط لتكامل الجناية بواسطة تكامل النّعمة ، إذ كفران النّعمة يتغلّظ عند تكثّرها . وهذه الأشياء من جلائل النّعم ، وقد شرع الرّجم بالزّنا عند استجماعها فيناط به بخلاف الشّرف والعلم ؛ لأنّ الشّرع ما ورد به باعتبارهما ، ونصب الشّرع بالرّأي متعذّر ؛ ولأنّ الحرّيّة ممكّنة من النّكاح الصّحيح ، والنّكاح الصّحيح ممكّن من الوطء الحلال ، والإصابة شبع بالحلال ، والإسلام يمكّنه من نكاح المسلمة ويؤكّد اعتقاد الحرمة فيكون الكلّ مزجرةً عن الزّنا ، والجناية بعد توفّر الزّواجر أغلظ . وأمّا اشتراط العفّة في إحصان القذف فلأنّ غير العفيف لا يلحقه العار بنسبته إلى الزّنا ؛ لأنّ تحصيل الحاصل محال . ولو لحقه عار آخر فهو صدق ، وحدّ القذف للفرية لا للصّدق . شروط إحصان الرّجم : 6 - اتّفق الفقهاء على بعض شروط الإحصان في جريمة الزّنا ، واختلفوا في البعض الآخر فمن الشّروط المتّفق عليها : أوّلاً وثانياً : البلوغ والعقل : وهما شرطان لأصل التّكليف ، فيجب توفّرهما في المحصن وغير المحصن وقت ارتكاب الجريمة ، فالوطء الّذي يحصن يشترط أن يكون من بالغ عاقل فإذا حصل الوطء من صبيّ ومجنون ثمّ بلغ أو عقل بعد الوطء لم يكن بالوطء السّابق محصناً . وإذا زنى عوقب بالجلد على أنّه غير محصن . وخالف في هذا بعض أصحاب الشّافعيّ وهو المرجوح في المذهب ، فقالوا : إنّ الواطئ يصير محصناً بالوطء قبل البلوغ وأثناء الجنون . وحجّتهم أنّ ذلك الوطء وطء مباح ، فيجب أن يثبت به الإحصان ، لأنّ النّكاح إذا صحّ قبل البلوغ وأثناء الجنون فإنّ الوطء يصبح تبعاً له . وحجّة جمهور الفقهاء أنّ الرّجم عقوبة الثّيّب ، ولو اعتبرت الثّيوبة حاصلةً بالوطء قبل البلوغ وأثناء الجنون لوجب رجم الصّغير والمجنون ، وهذا ما لا يقول به أحد . وعند مالك ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ووجه للحنابلة ، أنّه يكفي أن تتوفّر شروط الإحصان في أحد الزّوجين ليكون محصناً بغضّ النّظر عمّا إذا كان الزّوج الآخر تتوفّر فيه هذه الشّروط أم لا ، إلاّ أنّ المالكيّة لا يعتبرون الزّوجة محصنةً إلاّ إذا كان واطئها بالغاً : فشرط تحصين الذّكر أن تتوفّر فيه شروط الإحصان مع إطاقة موطوءته له ولو كانت صغيرةً أو مجنونةً ، وتتحصّن الأنثى عند المالكيّة بتوفّر شروط الإحصان فيها وببلوغ واطئها ولو كان مجنوناً . واشترط الحنفيّة - وهو مقابل الصّحيح عند الشّافعيّة ووجه للحنابلة - البلوغ والعقل في الطّرفين عند الوطء ليكون كلّ منهما محصناً فإن توافر في أحدهما فقط لم يعتبر أيّ منهما محصناً . وللحنابلة وجه آخر بالنّسبة للصّغيرة الّتي لم تبلغ تسعاً ولا يشتهى مثلها فإنّه لا يعتبر وطء البالغ العاقل لها إحصاناً . 7 - ثالثاً : الوطء في نكاح صحيح : يشترط لقيام الإحصان أن يوجد وطء في نكاح صحيح ، وأن يكون الوطء في القبل ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « والثّيّب بالثّيّب الجلد والرّجم » ، والثّيوبة تحصل بالوطء في القبل ، ولا خلاف في أنّ عقد النّكاح الخالي من الوطء لا يحصل به إحصان ولو حصلت فيه خلوة صحيحة أو وطء فيما دون الفرج ، أو وطء في الدّبر ؛ لأنّ هذه أمور لا تعتبر بها المرأة ثيّباً ، ولا تخرج عن الأبكار اللاّئي حدّهنّ الجلد . والوطء المعتبر هو الإيلاج في القبل على وجه يوجب الغسل سواء أنزل أو لم ينزل . وإن كان الوطء في غير نكاح كالزّنى ووطء الشّبهة فلا يصير الواطئ به محصناً باتّفاق . ويشترط في النّكاح أن يكون صحيحاً ، فإن كان فاسداً فإنّ الوطء فيه لا يحصن ، وهذا رأي جمهور الفقهاء ؛ لأنّه وطء في غير ملك فلا يحصل به إحصان كوطء الشّبهة . ويشترط إذا كان الوطء في نكاح صحيح ألاّ يكون وطئاً محرّماً كالوطء في الحيض أو الإحرام ، فإنّ الوطء الّذي يحرّمه الشّارع لا يحصن ولو كان في النّكاح صحيح . وزاد المالكيّة اشتراط أن يكون النّكاح الصّحيح لازماً . ويترتّب على ذلك أنّه لو كان في أحد الزّوجين عيب أو غرر يثبت به الخيار فلا يتحقّق به الإحصان . وقال أبو ثور : يحصل الإحصان بالوطء في نكاح فاسد ، وحكي ذلك عن اللّيث والأوزاعيّ ؛ لأنّ الصّحيح والفاسد سواء في أكثر الأحكام مثل وجوب المهر وتحريم الرّبيبة وأمّ المرأة ولحوق الولد ، فكذلك في الإحصان . 8 - ويتفرّع على اشتراط الوطء في القبل ما يلي : أ - وطء الخصيّ إذا كان لا يجامع ، وكذلك المجبوب والعنّين لا يحصن الموطوءة ، على أنّه إن جاءت بولد وثبت نسبه من الزّوج فالخصيّ والعنّين يحصنان الزّوجة ؛ لأنّ الحكم بثبوت النّسب حكم بالدّخول . والمجبوب عند أكثر العلماء لا تصير الزّوجة به محصنةً لعدم الآلة . ولا يتصوّر الجماع بدونها وثبوت حكم الإحصان يتعلّق بالجماع ، وخالف في ذلك زفر ؛ لأنّ الحكم بثبوت النّسب من المجبوب يجعل الزّوجة محصنةً . ب - وطء الرّتقاء لا يحصنها لانعدام الجماع مع الرّتق ، كما أنّه لا يصبح محصناً بذلك إلاّ إذا وطئ غيرها بالشّروط السّابقة . رابعاً الحرّيّة : 9 - الرّقيق ليس بمحصن ولو مكاتباً أو مبعّضاً أو مستولدةً لأنّه على النّصف من الحرّ ، والرّجم لا نصف له وإيجابه كلّه يخالف النّصّ مع مخالفة الإجماع . قال اللّه تعالى : { فإن أتين بفاحشة فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب } . وخالف في ذلك أبو ثور وقال : العبد والأمة هما محصنان يرجمان إذا زنيا . وحكي عن الأوزاعيّ في العبد تحته حرّة هو محصن ، وإن كان تحته أمة لم يرجم . ثمّ ذهب الفقهاء إلى أنّ العبد إذا عتق مع امرأته الأمة فإن جامعها بعد العتق يكونا محصنين ، علما بالعتق أو لم يعلما . وكذا لو نكح الحرّ أمةً أو الحرّة عبد فلا إحصان إلاّ أن يطأها بعد العتق . خامساً : الإسلام : 10 - أمّا شرط الإسلام فالشّافعيّ وأحمد وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة لا يشترطون الإسلام في إحصان الرّجم ، فإن تزوّج المسلم ذمّيّةً فوطئها صارا محصنين ، لما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنّه قال : « جاء اليهود إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكروا له أنّ رجلاً منهم وامرأةً زنيا فأمر بهما رسول اللّه صلى الله عليه وسلم » . متّفق عليه ؛ ولأنّ الجناية بالزّنى استوت من المسلم والذّمّيّ ، فيجب أن يستويا في الحدّ . وعلى هذا يكون الذّمّيّان محصنين . وحدّهما الرّجم إذا زنيا فبالأولى إذا كانت الذّمّيّة زوجةً لمسلم . وجعل مالك وأبو حنيفة الإسلام شرطاً من شروط الإحصان ، فلا يكون الكافر محصناً ، ولا تحصن الذّمّيّة مسلماً عند أبي حنيفة ؛ لأنّ « كعب بن مالك لمّا أراد الزّواج من يهوديّة نهاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقال : إنّها لا تحصنك » ، ولأنّه إحصان من شرطه الحرّيّة فكان الإسلام شرطاً فيه كإحصان القذف . وعلى هذا فالمسلم المتزوّج من كتابيّة إذا زنى يرجم عند أكثر الفقهاء ولا يرجم عند أبي حنيفة لأنّه لا يعتبر محصناً ؛ لأنّ الكتابيّة عنده لا تحصن المسلم . ونظراً لأنّ مالكاً - وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ووجه عند الحنابلة - لا يعتبر توفّر شروط الإحصان في الزّوجين فقد قال برأي الجمهور : أنّ الذّمّيّة تحصن المسلم ، ويستحقّ الرّجم إذا زنى . أمّا وجود الكمال في الطّرفين بمعنى وجود شروط الإحصان في الواطئ والموطوءة حال الوطء الّذي يترتّب عليه الإحصان فيرى أبو حنيفة وأحمد - وهو رأي عند الشّافعيّ - أنّ هذا من شروط الإحصان ، فيطأ مثلاً الرّجل العاقل امرأةً عاقلةً . وإذا لم تتوفّر هذه الشّروط في أحدهما فهما غير محصنين . فالزّاني المتزوّج من مجنونة أو صغيرة غير محصن ولو كان هو نفسه عاقلاً بالغاً ، ولكنّ مالكاً لا يشترط هذا ويكفي عنده أن تتوفّر شروط الإحصان في أحد الزّوجين ليكون محصناً بغضّ النّظر عمّا إذا كان الآخر تتوفّر فيه هذه الشّروط أم لا . أثر الإحصان في الرّجم : 11 - ممّا سبق يتبيّن ما اتّفق عليه الفقهاء من شروط الإحصان وما اختلفوا فيه ، وإذا كان بعض الفقهاء يوجب توفّر هذه الشّروط في كلّ من الزّوجين لاعتبار أحدهما محصناً فإنّ الفقهاء جميعاً لا يشترطون إحصان كلّ من الزّانيين ، فإذا كان أحدهما محصناً والثّاني غير محصن رجم المحصن وجلد غير المحصن ، لما روي « أنّ رجلاً من الأعراب أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول اللّه أنشدك اللّه إلاّ قضيت لي بكتاب اللّه ، وقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه - : نعم فاقض بيننا بكتاب اللّه وأذن لي ، فقال صلى الله عليه وسلم قل ، فقال : إنّ ابني كان عسيفاً على هذا ، فزنى بامرأته ، وإنّي أخبرت أنّ على ابني الرّجم ، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة فسألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأنّ على امرأة هذا الرّجم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : والّذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب اللّه . الوليدة والغنم ردّ عليك ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام . واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها . قال : فغدا عليها فاعترفت ، فأمر بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فرجمت » . وممّا تجدر الإشارة إليه أنّه لا يجب بقاء النّكاح لبقاء الإحصان ، فلو نكح في عمره مرّةً ثمّ طلّق وبقي مجرّداً ، وزنى رجم . إثبات الإحصان : 12 - يثبت الإحصان في الرّجم بالإقرار الصّحيح وهو ما صدر من عاقل مختار فيجب أن يكون المقرّ بالإحصان عاقلاً مختاراً ؛ لأنّ المكره والمجنون لا حكم لكلامهما كما يثبت بشهادة الشّهود ، ويرى مالك والشّافعيّ وأحمد وزفر أنّه يكفي في إثبات الإحصان شهادة رجلين ؛ لأنّه حالة في الشّخص لا علاقة لها بواقعة الزّنى ، فلا يشترط أن يشهد بالإحصان أربعة رجال كما هو الحال في الزّنى . ولكنّ أبا يوسف ومحمّداً يريان أنّ الإحصان يثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين . وكيفيّة الشّهادة أن يقول الشّهود : تزوّج امرأةً وجامعها أو باضعها ، ولو قال : دخل بها يكفي عند أبي حنيفة وأبي يوسف ؛ لأنّه متى اقترن الدّخول بحرف الباء يراد به الجماع ، وقال محمّد : لا يكفي ؛ لأنّ الدّخول يطلق على الخلوة بها . ثبوت حدّ المحصن : 13 - اتّفق الفقهاء على وجوب رجم المحصن إذا زنى حتّى يموت ، رجلاً كان أو امرأةً ، مع خلاف في الجمع بين الجلد والرّجم . وعقوبة الرّجم ثابتة بالسّنّة والإجماع . فالرّجم ثابت عن الرّسول صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً على تفصيل محلّه مصطلح « زنى » . إحصان القذف 14 - لصيانة أعراض ذوي العفّة من الرّجال والنّساء حرّم اللّه قذف المحصنين والمحصنات ورتّب على ذلك عقوبةً دنيويّةً وأخرويّةً . شروط إحصان القذف : 15 - المحصن الّذي يحدّ قاذفه هو من تتوفّر فيه الشّروط الآتية باتّفاق الفقهاء ، إذا كان القذف بالزّنا ، أمّا في حالة نفي النّسب فيشترط أبو حنيفة فضلاً عن ذلك أن تكون الأمّ مسلمةً وأن تكون حرّةً . أ - الحرّيّة : فلا حدّ على قاذف العبد والأمة . ب - الإسلام : فلا حدّ على قاذف مرتدّ أو كافر أصليّ ؛ لأنّه غير محصن . وإنّما اعتبر الكافر محصناً عند أكثر أهل العلم في حدّ الزّنا دون حدّ القذف لأنّ حدّه في الزّنا بالرّجم إهانة له ، وحدّ قاذف الكافر إكرام له ، والكافر ليس من أهل الإكرام . ج ، د - العقل والبلوغ : خرج الصّبيّ والمجنون لأنّه لا يتصوّر منهما الزّنا ، أو هو فعل محرّم ، والحرمة بالتّكليف ، وأبو حنيفة والشّافعيّ يشترطان البلوغ مطلقاً ، سواء أكان المقذوف ذكراً أم أنثى ، ولا يشترط مالك البلوغ في الأنثى ، ولكنّه يشترطه في الغلام ، ويعتبر الصّبيّة محصنةً إذا كانت تطيق الوطء ، أو كان مثلها يوطأ ولو لم تبلغ ، لأنّ مثل هذه الصّبيّة يلحقها العار . واختلفت الرّوايات عن أحمد في اشتراط البلوغ ، ففي رواية أنّ البلوغ شرط يجب توفّره في المقذوف ؛ لأنّه أحد شرطي التّكليف ، فأشبه العقل ؛ ولأنّ زنى الصّبيّ لا يوجب حدّاً ، فلا يجب الحدّ بالقذف به ، كزنى المجنون . وفي رواية ثانية أنّ البلوغ ليس شرطاً ، لأنّه حرّ عاقل عفيف يتعيّر بهذا القول الممكن صدقه ، فأشبه الكبير . وعلى هذه الرّواية لا بدّ أن يكون كبيراً ممّن يتأتّى منه الجماع . ويرجع فيه إلى اختلاف البلاد . هـ - العفّة عن الزّنى : معنى العفّة عن الزّنى ألاّ يكون المقذوف وطئ في عمره وطئاً حراماً في غير ملك ولا نكاح أصلاً ، ولا في نكاح فاسد فساداً مجمعاً عليه ، فإن كان قد فعل شيئاً من ذلك سقطت عفّته ، سواء كان الوطء زنًى موجباً للحدّ أم لا ، فالعفّة الفعليّة يشترطها الأئمّة الثّلاثة ، وأحمد يكتفي بالعفّة الظّاهرة عن الزّنى ، فمن لم يثبت عليه الزّنا ببيّنة أو إقرار ، ومن لم يحدّ للزّنا فهو عفيف . ثمّ إن كان القذف بنفي النّسب حدّ اتّفاقاً ، وإن كان بالزّنى فيمن لا يتأتّى منه الوطء فلا يحدّ قاذفه عند أبي حنيفة والشّافعيّ ومالك . وقالوا : لا حدّ على قاذف المجبوب ، وقال ابن المنذر : وكذلك الرّتقاء ، وقال الحسن : لا حدّ على قاذف الخصيّ ، لأنّ العار منتف عن هؤلاء للعلم بكذب القاذف ، والحدّ إنّما يجب لنفي العار . وعند أحمد يجب الحدّ على قاذف الخصيّ والمجبوب والمريض والرّتقاء والقرناء لعموم قوله تعالى : { والّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً } . والرّتقاء داخلة في عموم هذا ، ولأنّه قاذف لمحصن فيلزمه الحدّ كقاذف القادر على الوطء ؛ ولأنّ إمكان الوطء أمر خفيّ لا يعلمه كثير من النّاس فلا ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحدّ ، فيجب كقذف المريض . إثبات الإحصان في القذف 16 - كلّ مسلم محمول على العفّة ما لم يقرّ بالزّنى ، أو يثبت عليه بأربعة عدول ، فإذا قذف إنسان بالزّنى فالمطالب بإثبات الزّنى وعدم العفّة هو القاذف ، لقوله تعالى : { والّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً } . وأمّا المقذوف فلا يطالب بإثبات العفّة ؛ لأنّ النّاس محمولون عليها حتّى يثبت القاذف خلافه ، فإذا أقرّ القاذف بإحصان المقذوف ثبت الإحصان . وإن أنكر القاذف الإحصان فعليه أن يقيم البرهان على سقوط عفّة المقذوف ، فإن عجز عن الإثبات فليس له أن يحلّف المقذوف . سقوط الإحصان : 17 - يسقط الإحصان بفقد شرط من شروطه ، فمن أصابه جنون أو عنّة أو رقّ بطل إحصانه . والمرتدّ يبطل إحصانه عند من يجعل الإسلام شرطاً في الإحصان . ولا حدّ على القاذف إذا تخلّف شرط من شروط الإحصان في المقذوف ، وإنّما عليه التّعزير إذا عجز عن إثبات صحّة ما قذف به . ويرى الأئمّة الثّلاثة توفّر شروط الإحصان إلى حالة إقامة الحدّ ، خلافاً لأحمد فإنّه يرى أنّ الإحصان لا يشترط إلاّ وقت القذف ولا يشترط بعده . أثر الإحصان في القذف : 18 - إحصان المقذوف يوجب عقوبتين : جلد القاذف ، وهي عقوبة أصليّة ، وعدم قبول شهادته ، وهي عقوبة تبعيّة على تفصيل موطنه مصطلح : « قذف » . أثر الرّدّة على الإحصان بنوعيه : 19 - لو ارتدّ المحصن لا يبطل إحصانه عند من لا يشترط الإسلام في الإحصان كالشّافعيّ وأحمد ، ويوافقهما أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة . وحجّتهم أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجم يهوديّين زنيا ، ولو كان الإسلام شرطاً في الإحصان ما رجمهما . ثمّ هذا داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : « أو زنًى بعد إحصان " ؛ ولأنّه زنًى بعد إحصان فكان حدّه الرّجم كالّذي لم يرتدّ . ونظراً لأنّ أبا حنيفة يجعل الإسلام شرطاً في الإحصان فالمحصن إذا ارتدّ يبطل إحصانه . وحجّته حديث الرّسول صلى الله عليه وسلم : « من أشرك باللّه فليس بمحصن » . فكذلك المرتدّ لا يبقى محصناً لفقد شرط من شروط الإحصان وهو الإسلام . وبهذا أخذ مالك ، وذهب إلى أنّه إذا ثبت للرّجل والمرأة حكم الإحصان سواء في إحصان الرّجم أو القذف ، ثمّ ارتدّ عن الإسلام فإنّه يسقط عنه حكم الإحصان ، فإن رجع إلى الإسلام لم يكن محصناً إلاّ بإحصان مستأنف . واستدلّ مالك على ذلك بقول اللّه تعالى : { لئن أشركت ليحبطنّ عملك } وهذا قد أشرك ، فوجب أن يحبط كلّ عمل كان عمله . إحلال التّعريف 1 - الإحلال في اللّغة مصدر أحلّ ضدّ حرّم ، يقال : أحللت له الشّيء ، أي جعلته له حلالاً . ويأتي بمعنًى آخر وهو أحلّ لغة في حلّ ، أي دخل في أشهر الحلّ ، أو جاوز الحرم ، أو حلّ له ما حرم عليه من محظورات الحجّ . ولم يستعمل الفقهاء ، لفظ « إحلال " إلاّ للتّعبير عن معاني غيره من الألفاظ المشابهة مثل " استحلال ، وتحليل ، وتحلّل ، وحلول " فهي الّتي أكثر الفقهاء استعمالها ، لكنّهم استعملوا " الإحلال " بمعنى الإبراء من الدّين أو المظلمة . وأمّا استعمال البعض الإحلال بالمعنى اللّغويّ فيراد به الإطلاقات التّالية : أ - ففي مسألة الخروج من الإحرام عبّر الفقهاء بالتّحلّل ، أمّا التّعبير بالإحلال في هذه المسألة فهو لغويّ . ( ر : تحلّل ) . ب - وفي مسألة جعل المحرم حلالاً عبّر الفقهاء بالاستحلال ، سواء كان قصداً أو تأويلاً . ( ر : استحلال ) . ج - وفي المطلّقة ثلاثاً عبّروا بالتّحليل ( ر : تحليل ) . د - وفي الدّين المؤجّل إذا حلّ عبّروا بالحلول ( ر حلول ) . الحكم الإجماليّ : 2 - يختلف الحكم بحسب اختلاف إطلاق لفظ ( إحلال ) على ما سبق في التّعريف . مواطن البحث : 3 - يرجع في كلّ إطلاق إلى مصطلحه إحماء انظر : حمو إحياء . البيت الحرام التّعريف 1 - الإحياء مصدر " أحيا " وهو جعل الشّيء حيّاً ، أو بثّ الحياة في الهامد ، ومنه قولهم : أحياه اللّه إحياءً ، أي جعله حيّاً ، وأحيا اللّه الأرض ، أي أخصبها بعد الجدب ، جاء في كتاب اللّه تعالى : { واللّه الّذي أرسل الرّياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميّت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النّشور } . ولم يخرج استعمال الفقهاء لكلمة " إحياء " عن المعنى اللّغويّ ، فقالوا : « إحياء الموات " ، وأرادوا بذلك إنبات الأرض المجدبة ، وقالوا : إحياء اللّيل ، وإحياء ما بين العشاءين ، وأرادوا بذلك شغله بالصّلاة والذّكر ، وعدم تعطيله وجعله كالميّت في عطلته . وقالوا : إحياء البيت الحرام ، وأرادوا بذلك دوام وصله بالحجّ والعمرة ، وعدم الانقطاع عنه كالانقطاع عن الميّت ، وهكذا . وقالوا : إحياء السّنّة وأرادوا إعادة العمل بشعيرة من شعائر الإسلام بعد إهمال العمل بها . يختلف الإحياء بحسب ما يضاف إليه ، فهناك : أ - إحياء البيت الحرام . ب - إحياء السّنّة . ج - إحياء اللّيل . د - وإحياء الموات . والمراد بإحياء البيت الحرام عند الفقهاء عمارة البيت بالحجّ ، وبالعمرة أيضاً عند بعضهم ، تشبيهاً للمكان المعمور بالحيّ ، ولغير المعمور بالميّت . ( الحكم الإجماليّ ) 2 - نصّ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ إحياء البيت الحرام بالحجّ فرض كفاية كلّ عام على المسلمين في الجملة . وهذا لا يتعارض مع كونه فرض عين في العمر مرّة واحدة على كلّ من استطاع إليه سبيلاً كما هو معلوم من الدّين بالضّرورة ؛ لأنّ المسألة مفروضة فيما إذا لم يحجّ عدد من المسلمين فرضاً ولا تطوّعاً ممّن يحصل بهم الشّعار عرفاً في كلّ عام ، فإنّ الإثم يلحق الجميع ، إذ المقصود الأعظم ببناء الكعبة هو الحجّ ، فكان به إحياؤها ، ولما أخرجه عبد الرّزّاق في مصنّفه عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : لو ترك النّاس زيارة هذا البيت عاماً واحداً ما أمطروا . ومثل الحجّ في ذلك العمرة عند الشّافعيّة والتّادليّ من المالكيّة . ولا يغني عنهما الطّواف والاعتكاف والصّلاة ونحو ذلك ، وإن كانت هذه الطّاعات واجبةً أيضاً في المسجد الحرام وجوباً على الكفاية ، فإنّ التّعظيم وإحياء البقعة يحصل بجميع ذلك . وتطبيقاً على هذا فقد نصّ المالكيّة على أنّه يجب على إمام المسلمين أن يرسل جماعةً في كلّ سنة لإقامة الموسم ، فإن لم يكن هناك إمام فعلى جماعة المسلمين . هذا ولم أجد فيما وقفت عليه نصّاً للحنفيّة على ذلك . ( مواطن البحث ) 3 - تناول الفقهاء حكم إحياء البيت الحرام بالتّفصيل في أوّل كتاب الجهاد ، لمناسبة حكم الجهاد ، وهو الوجوب الكفائيّ ، حيث تعرّضوا لتعريف الواجب على الكفاية وذكر شيء من فروض الكفايات وأحكامها ، كما ذكره بعضهم في أوّل كتاب الحجّ عند الكلام على حكم الحجّ . والّذين جمعوا أحكام المساجد في تآليف خاصّة ، أو عقدوا في كتبهم فصلاً خاصّاً بأحكام المسجد الحرام ، تعرّضوا له أيضاً كالبدر الزّركشيّ رحمه الله في كتابه : « إعلام السّاجد بأحكام المساجد » . إحياء السّنّة التّعريف 1 - السّنّة : الطّريقة المسلوكة في الدّين . والمراد بإحياء السّنّة هنا : إعادة العمل بشعيرة من شعائر الإسلام بعد إهمال العمل بها . ( الحكم الإجماليّ ومواطن البحث ) : 2 - إحياء السّنّة المماتة مطلوب شرعاً إمّا على سبيل فرض الكفاية ، وهو الأصل ، وإمّا على سبيل فرض العين ، وإمّا على سبيل النّدب . وتفصيل ذلك في مصطلح : أمر بالمعروف . إحياء اللّيل التّعريف 1 - الإحياء في اللّغة جعل الشّيء حيّاً ، ويريد الفقهاء من قولهم : « إحياء اللّيل " قضاء اللّيل أو أكثره بالعبادة ، كالصّلاة والذّكر وقراءة القرآن ونحو ذلك . وبذلك تكون المدّة هي أكثر اللّيل ، ويكون العمل عامّاً في كلّ عبادة . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : أ - قيام اللّيل : 2 - المستفاد من كلام الفقهاء أنّ قيام اللّيل قد لا يكون مستغرقاً لأكثر اللّيل ، بل يتحقّق بقيام ساعة منه . أمّا العمل فيه فهو الصّلاة دون غيرها . وقد يطلقون قيام اللّيل على إحياء اللّيل . فقد قال في مراقي الفلاح : معنى القيام أن يكون مشتغلاً معظم اللّيل بطاعة ، وقيل ساعةً منه ، يقرأ القرآن أو يسمع الحديث أو يسبّح أو يصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وكلّ واحد منهما قد يسبقه نوم بعد صلاة العشاء وقد لا يسبقه نوم . ب - التّهجّد : 3 - التّهجّد لا يكون إلاّ بعد نوم . ولكن يطلقه كثير من الفقهاء على صلاة اللّيل مطلقاً . مشروعيّته : 4 - اتّفق الفقهاء على أنّه يندب إحياء اللّيالي الفاضلة الّتي ورد بشأنها نصّ ، كما يندب إحياء أيّ ليلة من اللّيالي ، لقول عائشة رضي الله عنها : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينام أوّل اللّيل ويحيي آخره » ؛ لأنّ التّطوّع بالعبادة في اللّيل ، كالدّعاء والاستغفار في ساعاته مستحبّ استحباباً مؤكّداً ، وخاصّةً في النّصف الأخير من اللّيل ، ولا سيّما في الأسحار ، لقوله تعالى : { والمستغفرين بالأسحار } ، ولحديث جابر مرفوعاً : « إنّ في اللّيل لساعةً لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللّه خيراً من أمر الدّنيا والآخرة إلاّ أعطاه اللّه إيّاه » رواه مسلم ، فهو ممّا يدخل في النّصوص الكثيرة الّتي تحضّ على العبادة . |
| الساعة الآن 04:44 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas