الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد

الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد (http://www.quran-university.com/vb/index.php)
-   ركن البيان فى تفسير القرآن (http://www.quran-university.com/vb/forumdisplay.php?f=170)
-   -   سلسلة ميسرة لتفسير القران (http://www.quran-university.com/vb/showthread.php?t=13650)

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:54 PM

سلسلة ميسرة لتفسير القران
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حياكم الله

يسعدني أن أقدم لكم هذا التفسير - المتواضع
- و الذي هو عبارة عن تفسير سهل ميسرمن أربعة تفاسير– تفسير السعدي , أيسر التفاسير للجزائري , اختصار تفسير ابن كثير لأحمد شاكر , و محاسن التأويل للقاسمي – لعلّه أن يكون مرجعا مفيدا لكل المسلمين وطلبة العلم المبتدئين

فاللهم إنك أنت المعين

و إن شاء الله تعالى سنبدأ من سورة الناس

أسأل الله أن ييسر لنا الامر

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:55 PM

تفسير سورة الناس

سورة الناس مدنية عدد آياتها ستة

( قل أعوذ بربّ الناس ) أي ألجأ إليه و أستعين به , و " رب الناس " الذي يربيهم بقدرته و مشيئته و تدبيره , و هو رب العالمين كلهم و الخالق للجميع .

( ملك الناس ) أي الذي ينفذ فيهم أمره و حكمه و قضاؤه و مشيئته دون غيره .

( إله الناس ) أي معبودهم الحق و ملاذهم إذا ضاق بهم الأمر , دون كل شيء سواه , و الإله المعبود الذي هو المقصود بالإرادات و الأعمال كلها .

( من شر الوسواس الخناس )

" من شر الوسواس " الذي هو الشيطان الموسوس في صدور الناس و ذلك بصوت خفي لا يسمع فيلقي الشبه في القلب , و المخاوف و الظنون السيئة و يزين القبيح و يقبح الحسن و ذلك متى غفل المرء عن ذكر الله تعالى .
" الخناس " هذا وصف للشيطان من الجن فإنه إذا ذكر العبد ربه خنس أي استتر و كأنه غاب و لم يغب فإذا غفل العبد عن ذكر الله عاد للوسوسة , لأنه لا يوسوس إلا مع الغفلة .
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله " الوسواس الخنّاس " , قال : الشيطان جاثم على قلب ابن آدم , فإذا سها و غفل وسوس , فإذا ذكر الله خنس , و كذا قال مجاهد و قتادة .
و قال المعتمر بن سليمان عن أبيه : ذُكر لي أن الشيطان , أو : الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن و عند الفرح , فإذا ذكر الله خنس.
و قال العوفي عن ابن عباس في قوله " الوسواس " قال : هو الشيطان يأمر , فإذا أطيع خنس .

( الذي يوسوس في صدور النّاس ) هل يختص هذا ببني آدم - كما هو ظاهر - أو يعم بني آدم و الجن ؟ فيه قولان , و يكونون - أي الجن - قد دخلوا في لفظ الناس تغليبا . قال ابن جرير : و قد استعمل فيهم " رجال من الجن " فلابدع في إطلاق الناس عليهم .

( من الجنّة و الناس ) هل هو تفصيل لقوله " الذي يوسوس في صدور الناس " ثم بينهم فقال " من الجنّة و الناس " و هذا يقوي القول الثاني , و قيل قوله " من الجنة و الناس " تفسير للذي يُوسوس في صدور الناس , من شياطين الإنس و الجن , كما قال تعالى " و كذلك جعلنا لكل نبي عدوّا شياطين الإنس و الجن يُوحي بعضهم إلى بعض زُخرف القول غرورا " , فالموسوس للإنسان كما يكون من الجن يكون من الناس , و الإنسان يوسوس بمعنى يعمل عمل الشيطان في تزيين الشر و تحسين القبيح و إلقاء الشبه في النفس , و إثارة الهواجس و الخواطر بالكلمات الفاسدة و العبارة المضللة حتى إن ضرر الإنسان على الإنسان أكبر من ضرر الشيطان على الإنسان , إذ الشيطان من الجن يطرد بالإستعاذة و شيطان الإنس لا يطرد بها و إنما يصانع و يُدارى للتخلص منه .






اِبن الصالحين 04-07-2012 03:55 PM

لطيفة

قال ابن تيمية :
الفرق بين الإلهام المحمود و بين الوسوسة المذمومة هو الكتاب و السنة , فإن كان مما ألقي في النفس مما دل الكتاب و السنة على أنه تقوى الله , فهو من الإلهام المحمود , و إن كان مما دلّ على أنه فجور , فهو من الوسواس المذموم , و هذا الفرق مطرد لا ينقض .

و قد ذكر أبو حزم في الفرق بين وسوسة النفس و الشيطان , فقال : ما كرهته نفسك لنفسك فهو من الشيطان فاستعذ بالله منه , و ما أحبته نفسك لنفسك فهو من نفسك فانهها عنه

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:55 PM

تفسير سورة الفلق

سورة الفلق مدنية عددآياتها خمسة

فضلها هي و سورة الناس :

روى مسلم عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يُر مثلهن قط : " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " ) .
و عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين و ينفث , فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه , و أمسح بيده عليه رجاء بركتها . رواه البخاري
و عن أبي سعيد : " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يتعوذ من أعين الجان و عين الإنسان , فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما , و ترك ما سواهما " . رواه الترمذي و النسائي و ابن ماجه , و قال الترمذي : حديث حسن . قلت ( عبد الحي ) : و قد صححه الإمام الألباني .

( قل أعوذ برب الفلق ) : أي ألوذ به و ألتجئ إليه
" الفلق " عن جابر قال : الفلق : الصبح , و قال العوفي عن ابن عباس : الفلق : الصبح . و روى عن مجاهد و سعيد بن جبير و قتادة مثل هذا . قال ابن يزيد و ابن جرير : و هي كقوله تعالى ( فالق الإصباح ) . و هذا هو الصحيح و هو اختيار البخاري في صحيحه .
و أما من قال إنه واد في جهنم أو شجرة في جهنم أو أنه اسم من أسماء جهنم فهذا أمر لا نعرف صحته , لا بدلالة الإسم عليه , و لا بنقل عن النبي صلى الله عليه و سلم , و لا في تخصيص ربوبيته بذلك حكمة .

( من شر ما خلق ) أي : من شر جميع المخلوقات , و قال ثابت البناني و الحسن البصري : جهنم و إبليس و ذريته مما خلق .

( و من شر غاسق إذا وقب ) أي من شر ما يكون في الليل حين يغشى الناس , و تنتشر فيه كثير من الأرواح الشريرة , و الحيونات المؤذية , قال ابن تيمية : ...فإن الغاسق قد فسر بالليل كقوله تعالى " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " و هذا قول أكثر المفسرين و أهل اللغة .

( ومن شر النفّاثات في العقد ) قال ابن جرير : أي و من شر السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها , و به قال أهل التأويل - قلت ( عبد الحي : أي أهل التفسير ) -
و الإستعاذة من شرهن له ثلاثة أوجه : 1 - أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر , و من إثمهن في ذلك 2 - أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن و ما يخدعنهم به من باطلهن 3 - أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن . قاله الزمخشري .
و النفث هو إخراج هواء من الفم بدون ريق .

( و من شر حاسد إذا حسد ) قال الزمخشري : أي إذا أظهر حسده و عمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود , لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره , فلا ضرر يعود منه على من حسده , بل هو الضّار لنفسه , لاغتمامه بسرور غيره .
و الحاسد هو الذي يحب زوال النعمة عن المحسود فيسعى في زوالها بما يقدر عليه من الأسباب , فاحتيج إلى الإستعاذة بالله من شره , و إبطال كيده , و يدخل في الحاسد العاين , لأنه لا تصدر العين إلا من حاسد شرير الطبع , خبيث النفس .

و الحسد حرام و هو أول ذنب عصي به الله تعالى إذ حسد إبليس آدم و حسد قابيل هابيل .

و هذه السورة تضمنت الإستعاذة من جميع أنواع الشر , عموما و خصوصا , و دلّت على أن السحر له حقيقة يخشى من ضرره , و يستعاذ بالله منه و من أهله .



اِبن الصالحين 04-07-2012 03:56 PM

تفسير سورة الإخلاص

سورة الإخلاص مكية عدد آياتها أربعة

- سبب نزولها :

عن أبي بن كعب : أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : يا محمد أنسب لنا ربك , فأنزل الله : " قل هو الله أحد , الله الصمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد " رواه الإمام أحمد و الترمذي و ابن جرير و حسّنه الإمام الألباني .

- فضلها :

روى البخاري عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟ " فشق ذلك عليهم و قالوا : أينا يُطيق ذلك يا رسول الله ؟ فقال : " الله الواحد الصمد ثلث القرآن " .
و روى البخاري عن عائشة " أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه , ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ( قل هو الله أحد ) و ( قل أعوذ برب الفلق ) و ( قل أعوذ برب الناس ) , ثم يمسح بهما ما استطاع من جسد , يبدأ بهما على رأسه ووجهه , و ما أقبل من جسده , يفعل ذلك ثلاث مرات " .
( قل هو الله أحد )
" قل " قولا جازما به , معتقدا له , عارفا بمعناه
" هو الله أحد " أي : قد انحصرت فيه الأحدية , فهو الأحد المنفرد بالكمال , الذي له الأسماء الحسنى , و الصفات الكاملة العليا , و الأفعال المقدسة , الذي لا نظير له و لا مثيل .

( الله الصمد ) أي : الله الذي لا تنبغي العبادة إلا له .
قال الغزالي : الله الصمد أي الذي يصمد إليه في الحوائج , و يقصد إليه في الرغائب , إذ ينتهي إليه منتهى السؤدد , و قال ابن جرير : الصمد عند العرب هو السيد الذي يصمد إليه , الذي لا أحد فوقه , و كذلك تسمى أشرافها .
و قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : و في الصمد للسلف أقوال متعددة , قد يظن أنها مختلفة و ليست كذلك بل كلها صواب , و المشهور منها قولان : 1 - أن الصمد هو الذي لا جوف له 2 - أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج . و الأول هو قول أكثر السلف من الصحابة و التابعين و طائفة من أهل اللغة , و الثاني قول طائفة من السلف و الخلف و جمهور اللغويين .

( لم يلد و لم يولد )
" لم يلد " أي لم يكن له ولد لانتفاء من يجانسه إذ الولد يجانس والده , و المجانسة منفية عنه تعالى إذ ليس كمثله شيء .
" و لم يولد " لانتفاء الحدوث عنه تعالى .
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( قال الله عز وجل : كذبني ابن آدم و لم يكن له ذلك , و شتمني و لم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله : لن يُعيدني كما بدأني , و ليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته , و أما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا و أنا الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد ) رواه البخاري .

( و لم يكن له كفوا أحد ) أي لم يكن أحدا كفوا له و لا مثيلا و لا نظيرا و لا شبيها , لا في أسمائه و لا في أوصافه و لا في أفعاله , إذ ليس كمثله شيء و هو السميه البصير.
قال مجاهد ( و لم يكن له كفوا أحد ) يعني : لا صاحبة له , و هذا كما قال تعالى ( بديع السماوات و الأرض أنّى يكون له ولد و لم يكن له صاحبة و خلق كلّ شيء ) أي هو مالك كل شيء و خالقه , فكيف يكون له من خلقه من نظير يساميه , أو قريب يدانيه , تعالى و تقدّس و تنزّه .
قال ابن القيم في زاد المعاد ( .. فسورة الإخلاص متضمنة لتوحيد الإعتقاد و المعرفة , و ما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه , و الصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه , و نفى الولد و الوالد الذي هو من لازم الصمدية و غناه و أحديثه , و نفيُ الكفؤ المتضمن لنفي التشبيه و التمثيل و التنظير : فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال له , و نفي كل نقص عنه و نفي إثبات شبيه أو مثل له في كماله و نفي مطلق الشريك عنه , و هذه الأصول هي مجامع التوحيد العلميّ الإعتقاديّ الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلالة و الشرك ) .


يتبع ان شاء الله

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:56 PM

بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة المسد

سورة المسد مكية عدد آياتها خمسة

- سبب نزولها :

روى البخاري عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه و سلم خرج إلى البطحاء . فصعد الجبل فنادى : " ياصباحاه " , فاجتمعت إليه قريش , فقال : " أرأيتم إن حدّثتكم أن العدوّ مُصبحكم أو مُمْسيكم أكنتم تصدقوني ؟ " قالوا : نعم , قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " , فقال أبو لهب : ألهذا جمعتنا ؟ تبا لك , فأنزل الله : " تبت يدا أبي لهب و تبّ " . إلى آخرها . و في رواية - عند البخاري أيضا - : فقام ينفض يديه , و هو يقول : تبا لك سائر اليوم , ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل الله : " تبت يدا أبي لهب و تبّ " .

( تبت يدا أبي لهب ) أي خسرت و خابت , و ضل عمله و سعيه .
و هذه الجملة دعائية و لذا هلك - أبو لهب - بمرض خطير اسمه العدسة فمات و أقام ثلاثة أيام لم يدفن حتى أنتن ثم إن ولده أراقوا عليه الماء من بعيد مخافة عدوى العدسة ؟ إذ كانت العرب تتقي هذا المرض كما يتقى الطاعون .
و أبو لهب هذا هو أحد عمومة النبي صلى الله عليه و سلم و اسمه عبد العزّى , و قد اشتهر بكنيته و عرف بها لولدٍ له يقال له لهب , أو لتلهب وجنتيه و إشراقهما , مع الإشارة إلى أنه من أهل النار , و أن مآله إلى نار ذات لهب , فوافقت حاله كنيته , فحسن ذكره بها .

( و تبّ ) إخبار من الله تعالى بهلالك عبد العزّى أبي لهب .

( ما أغنى عنه ماله و ما كسب ) لما سخط الله عليه و أدخله ناره لم يغن عنه أي لم يدفع عنه العذاب ماله و لا ولده , حيث ذكر عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما دعا قومه إلى الإيمان , قال أبو لهب : إذا كان ما يقول ابن أخي حقا , فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي , فأنزل الله : " ما أغنى عنه ماله و ما كسب " .

( سيصلى نارا ذات لهب ) أي نار ذات شرر و لهيب و إحراق شديد , فتحيط به من كل جانب جزاء ما كان يأتيه من مقاومة الحق و مجاحدته .

( و امرأتُه حمالة الحطب )
" وامرأتُه " هي أم جميل العوراء , كانت من سادات نساء قريش , و اسمها أروى بنت حرب بن أمية و هي أخت أبي سفيان , و قد كانت عونا لزوجها على كفره و جحوده و عناده , فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم .
" حمالة الحطب " حيث كانت تأتي بشوك السعدان و تضعه في طريق النبي صلى الله عليه و سلم عند ذهابه إلى صلاة الصبح بالمسجد الحرام.
أو أنها تحمل في النار الحطب على زوجها .
و قيل لأنها كانت تحطب الكلام و تمشي بالنميمة كما قاله مجاهد و عكرمة و قتادة . قال الزمخشري : و يقال للمشّاء بالنمائم بين الناس , يحمل الحطب بينهم , أي يوقد بينهم و يورث الشر .

( في جيدها حبل من مسد ) قال مجاهد و عروة : من مسد النار , و قال سعيد بن المسيب : كانت لها قلادة فاخرة , فقالت : لأنفقها في عداوة محمد , يعني : فأعقبها الله بها حبلا في جيدها من مسد النار , و عن الشعبي قال : المسد : الليف .
قال مجاهد : " في جيدها حبل من مسد " أي طوق من حديد , ألا ترى أن العرب يسمون البَكْرة مسد ؟
قال بعض أهل العلم : أي في عنقها حبل من نار جهنم تُرفع به إلى شفيرها , ثم ترمى بها إلى أسفلها , ثم كذلك دائما .

قال الإمام : قد أنزل الله في أبي لهب و في زوجته هذه السورة , ليكون مثلا يعتبر به من يعادي ما أنزل الله على نبيه , مطاوعة لهواه و إيثارا لما ألفه من العقائد و العوائد و الأعمال , و اغترار بما عنده من الأموار , و بماله من الصولة أو من المنزلة في قلوب الرجال , و أنه لا تغني عنه أمواله و لا أعماله شيئا , و سيصلى ما يصلى , نسأل الله العافية .

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:57 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


تفسير سورة النصر

سورة النصر مدنية عدد آياتها ثلاثة , و أجمعوا على أنها آخر سورة نزلت جميعا , هذا قاله ابن عباس رضي الله عنه كما في صحيح مسلم

روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : " لما نزلت ( إذا جاء نصر الله و الفتح ) قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " نعيت إليَّ نفسي " بأنه مقبوض في تلك السنة " - قال الشيخ شاكر إسناده صحيح - , و هكذا قال مجاهد و أبو العالية و الضحاك , و غير واحد : إنها أجل رسول الله صلى الله عليه و سلم نُعي إليه .
و روى البخاري عن ابن عباس قال : " كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدر , فكأن بعضهم وجد في نفسه , فقال : لم يَدْخل هذا معنا و لنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه ممن قد علمتم , فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم , فما رئيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليُريهم فقال : ما تقولون في قول الله عز وجل ( إذا جاء نصر الله و الفتح ) ؟ فقال بعضهم : " أمرنا أن نحمد الله و نستغفره إذا نصرنا و فُتح علينا " , و سكت بعضهم فلم يقل شيئا , فقال لي : أكذلك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت : لا , فقال : ما تقول ؟ فقلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه و سلم أعلمه له , قال : ( إذا جاء نصر الله و الفتح ) فذلك علامة أجلك ( فسبح بحمد ربك و استغفره إنه كان توابا ) . فقال عمر بن الخطاب : " لا أعلم منها إلا ما تقول " .
أما المعنى الذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر , فهو معنى مليح صحيح , و قد ثبت له شاهد من صلاة النبي صلى الله عليه و سلم يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات , فقال قائلون : هي صلاة الضحى , و أجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها , فكيف صلاها ذلك اليوم و قد كان مسافرا لم يَنْوِ الإقامة بمكة ؟ و لهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبا من تسعة عشر يوما يقصر الصلاة و يُفطر هو و جميع الجيش , و كانوا نحوا من عشرة ألاف .
قال هؤلاء : و إنما كانت صلاة الفتح , قالوا : فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدا أن يصلي فيه أول ما يدخل ثماني ركعات , و هكذا فعل سعيد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن .
ثم قال بعضهم : يصليها كلها بتسليمة واحدة , و الصحيح أنه يسلم من كل ركعتين .

( إذا جاء نصر الله ) أي لدينه الحق على الباطل .

( و الفتح ) و المراد بالفتح ها هنا فتح مكة قولا واحدا , فإن أحياء العرب كانت تَتَلَوَّم بإسلامها فتح مكة , يقولون : إن ظهر على قومه فهو نبي , فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا , فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانا , و لم يبقى في سائر قبائل العرب إلا مُظهر للإسلام , و لله الحمد و المنة . و هذا هو قوله تعالى : " و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا " .

( فسبح بحمد ربك ) أي فنزه ربك عن أن يهمل الحق و يدعه للباطل يأكله , و عن أن يخلف وعده في تأييده , و ليكن هذا التنزيه بواسطة حمده و الثناء عليه بأنه القادر الذي لا يغلبه غالب .

( و استغفره ) أي إسأله أن يغفر لك و لأصحابك ما كان من القلق و الضجر و الحزن , لتأخر زمن النصر .

( إنه كان توّابا ) أي إن الله تعالى الذي أمرك بالإستغفار توبة إليه كان توابا على عباده يقبل توبتهم فيغفر ذنوبهم و يرحمهم .

روى البخاري عن عائشة قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يكثر أن يقول في ركوعه و سجوده : سبحانك اللهم ربنا و بحمدك , اللهم اغفر لي يتأول القرآن " .
و روى مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يكثر في آخر أمره من قول : سبحان الله و بحمده , أستغفر الله و أتوب إليه , و قال : إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي , و أمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده و أستغفره , إنه كان توابا , فقد رأيتها ( إذا جاء نصر الله و الفتح , و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا , فسبح بحمد ربك و اسغفره إنه كان توّابا ) .

تنبيه :
ذكر الشيخ أحمد شاكر و الشيخ الجزائري أن سورة النصر تعدل ربع القرآن و سورة الزلزلة تعدل ربع القرآن , قلت ( عبد الحي ) : و الحديث الذي يدل على ذلك حديث ضعيف أنظر ضعيف الترغيب و الترهيب ( 1 / 890 ) , و الشيخ الجزائري نفسه أشار أن الحديث ضعيف في تفسير سورة الزلزلة ( ص 1489 )

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:57 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


تفسير سورة الكافرون

سورة الكافرون مكية عدد آياتها ستة .

سبب نزولها :

نزلت ردا على اقتراح تقدم به بعض المشركين و هم الوليد بن المغيرة و العاص بن وائل السهمي و الأسود بن المطلب و أمية بن خلف , مفاده أن يعبد النبي صلى الله عليه و سلم معهم آلهتهم سنة و يعبدون معه إلهه سنة مصالحة بينهم و بينه و إنهاء للخصومات في نظرهم , و لم يجبهم الرسول صلى الله عليه و سلم بشيء حتى نزلت هذه السورة ( قل يا أيها الكافرون ) .

فضلها :

جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( ... " و قل يا أيها الكافرون " تعدل رُبع القرآن ) حسن لغيره . صحيح الترغيب و الترهيب ( 2 / 1477 ) .

( قل يا أيها الكافرون ) شمل كل كافر على وجه الأرض , و لكن المواجهون بهذا الخطاب هم كفار قريش .

( لا أعبد ما تعبدون ) أي تبرَّأ مما كانوا يعبدون من دون الله , ظاهرا و باطنا .

( و لا أنتم عابدون ما أعبد ) لعدم إخلاصكم لله في عبادته , فعبادتكم له المقترنة بالشرك لا تسمى عبادة .

( و لا أنا عابد ما عبدتم و لا أنتم عابدون ما أعبد )
" و لا أنا عابد " أي فيما أستقبل " ما عبدتم " أي فيما مضى " و لا أنتم عابدون " أي فيما تستقبلون أبدا " ما أعبد " أي الآن و فيما أستقبل , هكذا فسره الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى , ثم قال : و إنما قيل ذلك كذلك , لأن الخطاب من الله كان لرسول الله صلى الله عليه و سلم في أشخاص بأعيانهم من المشركين , قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا , و سبق لهم ذلك في السابق من علمه , فأمر نبيه صلى الله عليه و سلم أن يؤيسهم من الذين طمعوا فيه و حدثوا به أنفسهم , و إن ذلك غير كائن منه و لا منهم في وقت من الأوقات , و آيس نبي الله صلى الله عليه و سلم من الطمع في إيمانهم , و من أن يفلحوا أبدا , فكانوا كذلك لم يفلحوا و لم ينجحوا , إلى ان قتل بعضهم يوم بدر بالسيف , و هلك بعضٌ قبل ذلك كافراً .

( لكم دينكم و لي دين )
" لكم دينكم " تقرير لقوله تعالى ( لا أعبد ما تعبدون ) و قوله تعالى ( و لا أنا عابد ما عبدتم ) كما أن قوله تعالى " و لي دين " تقرير لقوله تعالى ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ) و المعنى أن دينكم , الذي هو الإشراك , مقصور على الحصول لكم , لا يتجاوزه إلى الحصول لي أيضا , كما تطمعون فيه , فإن ذلك من المحالات , و أن ديني الذي هو التوحيد , مقصور على الحصول لي , لا يتجاوزه إلى الحصول لكم , فلا مشاركة بينه و بين ما أنتم عليه .

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:57 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


تفسير سورة الكوثر

و تسمى سورة النحر

مكية و عدد آياتها ثلاث .

ما هو الكوثر :

روى مسلم عن أنس بن مالك قال : ( بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه و قال أنزلت عليّ آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم : " إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك و انحر إن شانئك هو الأبثر " , ثم قال أتدرون ما الكوثر ؟ قلنا الله و رسوله أعلم قال فإنه نهر و عدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم , فيختلج العبد منهم , فأقول : رب إنه من أمتي , فيقول : إنك لا تدري ما أحدث بعدك ) - و ظاهر هذه الرواية أن سورة الكوثر مدنية و لا مانع من نزولها مرتين مرة بمكة و أخرى بالمدينة - , و عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب , و الماء يجري على اللؤلؤ , و ماؤه أشد بياضا من اللبن , و أحلى من العسل ) إسناده صحيح .

( إنّا أعطيناك الكوثر ) روى الإمام أحمد عن أنس أنه قرأ هذه الآية " إنا أعطيناك الكوثر " قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( أعطيت الكوثر , فإذا هو نهر يجري , و لم يُشق شقا , و إذا حافتاه قباب اللؤلؤ , فضربت بيدي في تربته , فإذا مسكه ذَفَرة ,و إذا حصاه اللؤلؤ ) . إسناده صحيح , و روى البخاري عن أبي عبيدة عن عائشة قال : سألتها عن قوله تعالى " إنا أعطيناك الكوثر " قالت : ( نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه و سلم , شاطئاه عليه دُرّ مجوف آنيته كعدد النجوم ) , ثم قال البخاري عن ابن عباس أنه قال في الكوثر : هو الخير الذي أعطاه الله إياه , و قال كذلك - أي ابن عباس - الكوثر : الخير الكثير . و هذا تفسير يعم النهر و غيره , لأن الكوثر من الكثرة و هو الخير الكثير و من ذلك النهر كما قال ابن عباس و عكرمة و سعيد بن جبير و مجاهد .
و من الكوثر يملأ الحوض الذي في عرصات القيامة و لا يرده إلا الصالحون من أمته صلى الله عليه و سلم .

( فصلّ لربك و انحر ) أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا و الآخرة , و من ذلك النهر الذي تقدم صفته فأخلص لربك صلاتك المكتوبة و النافلة و نَحْرَك , فاعبده وحده لا شريك له و انحر على اسمه وحده لا شريك له كما قال تعالى " قل إنّ صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك أمرت و أنا أوّل المسلمين " .
و خصّ هاتين العبادتين بالذكر لأنهما من أفضل العبادات و أجلّ القربات , و لأن الصلاة تتضمن الخضوع في القلب و الجوارح للّه , و تنقلها في أنواع العبودية , و في النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر و إخراج للمال الذي جبلت النفوس على محبته و الشح به .
و في الآية دليل على وجوب تقديم صلاة العيد على النحر و هو ما عليه جمهور الفقهاء - قلت ( عبد الحي ) : روى البخاري عن البراء بن عازب قال : ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم النّحر بعد الصلاة , فقال : من صلّى صلاتنا و نسك نسكنا فقد أصاب النسك , و من نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم ) - .
و جائز أن يكون المراد من صلّ لربك و انحر أي صلّ صلاة الصبح بمزدلفة وانحر هديك بمنى .

( إنّ شانئك هو الأبتر ) أي إن مبغضك - يا محمد - و مبغض ماجئت به من الهدى و الحق و البرهان الساطع و النور المبين , هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكرُهُ .
قال ابن عباس و مجاهد و سعيد بن جبير , و قتادة : نزلت في العاص بن وائل . و قال شَمِر بن عطية : نزلت في عقبة بن أبي معيط , و قال ابن عباس أيضا , و عكرمة : نزلت في كعب بن الأشرف و جماعة من كفار قريش . و قال عطاء : نزلت في أبي لهب , و عن ابن عباس : نزلت في أبي جهل . قال ابن كثير : و الآية تعم جميع من اتصف بذلك , ممن ذكر و غيرهم .
" هو الأبتر " أي المقطوع من كل خير , مقطوع العمل , مقطوع الذِكر , و أما محمد صلى الله عليه و سلم فهو الكامل حقا , الذي له الكمال الممكن في حق المخلوق من رفع الذِكر , و كثرة الأنصار و الأتباع صلى الله عليه و سلم .

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:58 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة الماعون

هي مكية الأوائل مدنية الأواخر و آياتها سبع آيات

قوله تعالى ( أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم و لا يحض على طعام المسكين ) هذه الآيات الثلاث نزلت بمكة في العاص بن وائل و الوليد بن المغيرة و أضرابهم من عتاة قريش و كفارهم فهذه الآيات تُعرِّض بهم و تندد بسلوكهم و توعدهم .

( أرأيت الذي يكذب بالدين ) أي بثواب الله و عقابه , فلا يطيعه في أمره و نهيه , قال أبو سعود : استفهام أريد به تشويق السامع إلى معرفة من سيق له الكلام و التعجيب منه .

( فذلك الذي يَدُعُّ اليتيم ) أي : هو الذي يقهر اليتيم و يظلمه حقه , و لا يطعمه و لا يحسن إليه و لا يرحمه لقساوة قلبه , و لأنه لا يرجو ثوابا و لا يخشى عقابا .

( و لا يحضُّ على طعام المسكين ) أي لا يحثّ غيره من ذوي اليسار على إطعام المحتاج و سدّ خلته , بل يبخل بسعيه عند الأغنياء لإغاثة البؤساء , قال أبو سعود : و إذا كان حال من ترك حث غيره على ما ذكر , فماظنك بحال من ترك ذلك مع القدرة ؟ .

قوله تعالى ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون و يمنعون الماعون ) هذه الآيات الأربع نزلت في بعض منافقي المدينة النبوية فلذا نصف السورة مكي و نصفها مدني .

( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ) هذا وعد شديد لهم إذ الويل واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار و قيوحهم و هو أشد العذاب إذ كانوا يُغْمَسون فيه أو يطعمون و يشربون منه .
و معنى عن صلاتهم ساهون قال ابن جرير : " أي لاهون يتغافلون عنها و ذلك باللهو عنها و التشاغل بغيرها , و تضييعها أحيانا و تضييع وقتها أخرى " و مفوتون لأركانها , و هذا لعدم اهتمامهم بأمر الله حيث ضيعوا الصلاة , التي هي أهم الطاعات و أفضل القربات . قلت ( عبد الحي ) : فإن كان هذا حالهم مع أجل الطاعات فإهمالهم لباقي العبادات و القربات أكثر و أوسع , و تضييعها على النفس أسهل و أطوع .

( الذين هم يراءون ) أي يراؤون الناس بصلاتهم إذا صلوا لأنهم لا يصلّون رغبة في ثواب , و لا رهبة من عقاب , و إنما يصلونها ليراهم المؤمنون فيظنوهم منهم فيكفوا عنهم , لأن بالمراءاة يدرءون عن أنفسهم القتل و السبي .

( و يمنعون الماعون ) أي ما يعان به الخلق و يصرف في معونتهم من الأموال و الأمتعة و كل ما ينتفع به , فإذا استعارهم مؤمن ماعونا للحاجة به لا يعيرونه و يعتذرون بمعاذير باطلة , فهؤلاء لمنع الزاكة و أنواع القربات أولى و أولى .
روى ابن جرير عن عبد الله قال : كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم نتحدث أن الماعون الدلو , و الفأس و القِدر لا يستغنى عنهن .
و قال ابن عباس ( و يمنعون الماعون ) يعني : متاع البيت , و كذا قال مجاهد و إبراهيم النَّخعي و سعيد بن جبير و غير واحد : إنها العاريّة للأمتعة .
و قال عكرمة : رأس الماعون زكاة المال , و أدناه المنخل , و الدلو , و الإبرة . و هذا الذي قاله عكرمة حسن , فإنه يشمل الأقوال كلها , و ترجع كلها إلى شيء واحد , و هو ترك المعاونة بمال أو منفعة .

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:58 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة قريش


مكية و آياتها أربع آيات

(
لإيلاف قريش ) قال كثير من المفسرين
: إن الجار و المجرور متعلق بالسورة التي قبلها أي : فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش و أمنهم , و استقامة مصالحهم , و انتظام رحلتهم في الشتاء لليمن , و الصيف للشام , و ذلك للإتجار و جلب الأرزاق إلى بلادهم التي ليست هي بذات زرع و لا صناعة فإيلافهم هاتين الرحلتين كان بتدبير الله تعالى ليعيش سكان حرمه و بلده في رغد من العيش فهي نعمة من نعم الله تعالى .
ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال :

(
فليعبدوا رب هذا البيت ) أي : فليوحدوه بالعبادة , كما جعل لهم حرما آمنا و بيتا محرما , كما قال الله تعالى ( إنّما أمرت أن أعبد ربّ هذه البلدة الذي حرّمها و له كل شيء و أمرت أن أكون من المسلمين
) . و البيت هو الكعبة المشرفة .
و خصّ الله بالربوبية البيت , لفضله و شرفه و إلا فهو رب كل شيء .

(
الذي أطعمهم من جوع
) بما هيأ لهم من أسباب .

(
و ءامنهم من خوف ) أي مما يخاف منه من لم يكن من أهل الحرم من الغارات و الحروب و القتال و الأمور التي كانت العرب يخاف بعضها من بعض , قال ابن زيد : كانت العرب يغير بعضها على بعض و يسبي بعضها بعض , فأمنوا من ذلك لمكان الحرم و قرأ " أولم نُمكّن لهم حرما ءامنا يُجبى إليه ثمرات كلّ شيء " و نظيره أيضا قوله تعالى " أولم يروا أنّا جعلنا حرما ءامنا و يُتخطّف الناس من حولهم " .

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:59 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة الفيل

مكية و آياتها خمس آيات

( ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * و أرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف ماكول ) .
هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش , فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل , الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة و محو أثرها من الوجود , فأبادهم الله , و أرغم آنافهم , و خيّب سعيهم , و أضل أعمالهم , وَرَدهم بِشرِّ خيبة , و كانوا قوما نصارى , و كان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان . و لكن كان هذا من باب الإرهاص و التوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال .
وواقعة الفيل في ذاتها معروفة متواترة الرواية , حتى إنهم جعلوها مبدأ تاريخ يحددون به أوقات الحوادث , فيقولون : ولد عام الفيل و حدث كذا لسنتين بعد عام الفيل و نحو ذلك .

( ألم تر كيف فعل ربُّك بأصحاب الفيل ) يعني الذين قدموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة من الحبشة , أي ألم تعلم علما رصينا متاخما للمشاهدة و العيان باستماع الأخبار المتواترة , و معاينة الآثار الظاهرة .
و الله تعالى يخاطب رسوله مذكرا إياه بفعله الجبار في إهلاك الجبابرة فأين قوة ظلمة قريش من قوة أبرهة و أبادها الله تعالى في ساعة فاصبر يا محمد و لا تحمل لهؤلاء الأعداء همّا فإن لهم ساعة فكانت السورة عبارة عن ذكرى للعظة و الإعتبار .

( ألم يجعل كيدهم في تضليل ) أي ألم يجعل ما كادوه لبيتنا و حرمنا في خسارة و ضلال فلم يجنوا إلا الخزي و الدمار . قال الرازي : إعلم أن الكيد هو إرادة مضرة بالغير على الخفية " إن قيل " لم سماه كيدا و أمره كان ظاهرا , فإنه كان يصرح أنه يهدم البيت ؟ " قلنا " نعم لكن الذي كان في قلبه شر مما أظهر , لأنه كان يضمر الحسد للعرب , و كان يريد صرف الشرف الحاصل لهم بسبب الكعبة , منهم و من بلدهم , إلى نفسه و إلى بلدته .

( و أرسل عليهم طيرا أبابيل ) أي طوائف متفرقة , يتبع بعضها بعضا من نواح شتى . و " أبابيل " جمع لا واحد له , على ما حكاه , و التنكير في " طيرا " إما للتحقير , فإنه مهما كان أحقر كان صنع الله أعجب و أكبر , أو للتفخيم , كأنه يقول و أي طير ترمي بحجارة صغيرة فلاتخطئ القتل , أفاده الرازيّ .

( ترميهم بحجارة من سجّيل ) أي من طين متحجر . كل طائر يحمل ثلاثة أحجار كالحمصة و العدسة واحدة بمنقاره و اثنتين بمخلبيه كل واحدة في مخلب ترميهم بها فتتفتت لحومهم و تتناثر فجعلهم كعصف ماكول .

( فجعلهم كعصف ماكول ) قال ابن جرير : " كزرع أكلته الدواب فراثته , فيبس و تفرقت أجزاؤه , شبه تقطع أوصالهم بالعقوبة التي نزلت بهم , و تفرقت آراب أبدانهم بها , بتفرق أجزاء الروت , الذي حدث عن أكل الزرع ".
و المعنى : أن الله سبحانه و تعالى أهلكهم و دمرهم , و ردهم بكيدهم و غيظهم لم ينالوا خيرا , و أهلك عامتهم , و لم يرجع منهم بخير إلا و هو جريح , كما جرى لملكهم أبرهة , فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء و أخبرهم بما جرى لهم , ثم مات .

و أخيرا : إن أمر القصة أضيفت إلى الفيل , و اشتهرت به , لاصطحابهم الفيل معهم للبطش و التخريب , فإنه لو تمّ لقائديه كيدهم , لكان الفيل يتخذونه آلة بطش و انتقام , فإذا غضبوا على محارب و أسروه , أو وزير و أوثقوه , أو بلد و نازلوا حصنه - أرسلوا على دار المغضوب عليه أو حصنه الفيل , فنطح برأسه و نابه الصرح فيدكه , و قواعد البنيان فيهدمها , فيكون أمضى من معاول و فؤوس , و أعظم رعبا و رهبة في النفوس , و ربما ألقوا المسخوط عليه بين يديه , فأعمل فيه نابه , و لف عليه خرطومه و شاله , و مثل به تمثيلا , كان أشد بطشا و تنكيلا .

اِبن الصالحين 04-07-2012 03:59 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة الهمزة


مكية و آياتها تسع آيات

(
ويل لكل همزة لمزة
)
"
ويل
" يتوعد الرب تبارك و تعالى بواد في جهنم يسيل بصديد أهل النار و قيوحهم كل همزة لمزة .
"
لكل همزة لمزة " أي لكل من يطعن في أعراض الناس و يغتابهم , فالهمّاز بالقول , و اللّماز بالفعل . قال القاشاني
( رذيلتان مركبتان من الجهل و الغضب و الكبر , لأنهما يتضمنان الإيذاء و طلب الترفع على الناس , و صاحبهما يريد أن يتفضل على الناس , و لا يجد في نفسه فضيلة يترفع بها , فينسب العيب و الرذيلة إليهم ليظهر فضله عليهم , و لا يشعر أن ذلك عين الرذيلة , فهو مخدوع من نفسه و شيطانه موصوف برذيلتي القوة النطقية و الغضبية ).

(
الذي جمع مالا و عدّده ) و من صفة هذا الهماز اللماز , أنه لا همّ له سوى جمع المال و تعديده و الغبطة به , و ليس له رغبة في إنفاقه في طرق الخيرات و صلة الأرحام , و نحو ذلك . قال الإمام : أي أن الذي يحمله على الحط من أقدار الناس , هو جمعه المال و تعديده , أي عده مرة بعد أخرى , شغفا به و تلذذا بإحصائه . لأنه لا يرى عزّا و لا شرفا و لا مجدا في سواه , فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه , انتفخ و ظن أنه من رفعة المكانة , بحيث يكون كل ذي فضل و مزية دونه , فهو يهزأ به و يهمزه و يلمزه , ثم لا يخشى أن تصيبه عقوبة على الهمز و اللمز و تمزيق العرض , لأن غروره بالمال أنساه الموت و صرف عنه ذكر المآل فهو " يحسب أن ماله أخلده
" .

(
يحسب أنّ ماله أخلده ) أي يظن أن ماله الذي جمعه و أحصاه , و بخل بإنفاقه , مخلده في الدنيا , فمزيل عنه الموت . قال القاشاني
( ...أي لا يشعر أن المقتنيات المخلدة لصاحبها هي العلوم و الفضائل النفسانية الاقية , لا العروض و الذخائر الجسمانية الفانية ) .

(
كلا لينبذن في الحطمة
)
"
كلا " لا يخلده ماله بل و عزتنا و جلالنا " لينبذن في الحطمة
" أي ليلقين هذا الذي جمع مالا فعدده في الحطمة و هي إسم طبقة من أسماء النار , لأنها تحطم من فيها .

(
و ما أدراك ما الحطمة
) هذا الإستفهام لتعظيم أمرها و تهويل شأنها , كأنها ليست من الأمور التي تدركها العقول .

(
نار الله الموقدة ) أي المستعرة المتأججة , التي وقودها الناس و الحجارة , قال أبو سعود
: و في إضافتها إليه سبحانه , ووصفها بالإيقاد , من تهويل أمرها ما لا مزيد عليه .

(
التي تطلع على الأفئدة ) قال ثابت البناني : تحرقهم إلى الأفئدة و هم أحياء , ثم يقول : لقد بلغ منهم العذاب , ثم يبكي . و قال محمد بن كعب : تأكل كل شيء من جسده , حتى إذا بلغت فؤاده حَذْو حلقه ترجع على جسده . قال الزمخشري
: يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم و تطلع على أفئدتهم , و هي أوساط القلوب , و لاشيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد , و لاأشد تألمنا منه بأدنى أذى يمسه , فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم و استولت عليه !!! و يجوز أن يخص الأفئدة لأنها مواطن الكفر و العقائد الفاسدة و النيات الخبيثة ...

(
إنها عليهم مؤصدة
) أي مغلقة مطبقة لا مخلص لهم منها .

(
في عمد ممددة ) قال الزمخشري : ( و المعنى أنه يؤكد بأسهم من الخروج , و تيقنهم بحبس الأبد , فتؤصد عليهم الأبواب , و تمدد على العمد , استيثاقا في استيثاق . و يجوز أن يكون المعنى أنها عليهم مؤصدة , موثقين في عمد ممددة , مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص ) . و المقطرة هي جذع كبير فيه خروق يوضع فيها أرجل المحبوسين من اللصوص و نحوهم .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:00 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة العصر

مكية و آياتها ثلاث آيات

قال الإمام ابن القيم في " مفتاح دار السعادة " ( قال الشافعي رضي الله عنه " لو فكر الناس في هذه السورة , لكفتهم " . و بيان ذلك أن المراتب أربعة و باستكمالها يحصل للشخص غاية كماله , إحداها معرفة الحق , الثانية عمله به , الثالثة تعليمه من لا يحسنه , الرابعة صبره على تعلمه و العمل به و تعليمه , فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة ) ثم قال ( فهذه السورة على اختصارها , هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره , و الحمد لله الذي جعل كتابه كافيا عن كل ما سواه , شافيا من كل داء , هاديا إلى كل خير ) .

قال الرازي ( هذه السورة فيها وعيد شديد , و ذلك لأنه تعالى حكم بالخسارة على جميع الناس , إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة , و هي : الإيمان و العمل الصالح و التواصي بالحق و التواصي بالصبر , فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور ) .

( و العصر ) أقسم الله تعالى بالعصر , الذي هو الليل و النهار , محل أفعال العباد و أعمالهم , و لانطوائه على تعاجيب الأمور , و لأنه يذكر بما فيه من النعم و أضدادها , فينبّه الإنسان على أنه مستعد للخسران و السعادة , و للتنويه به و التعظيم من شأنه , تعريضا ببراءته مما يضاف إليه من الخسران و الذم , كما قيل :

يَعيبون الزمان و ليس فيه *** معايبُ غير أهلٍ للزمانِ

فالعصر ظرف لشؤون الله الجليلة من خلق و رزق و إعزاز و إذلال و خفض و رفع , فكيف يذم في ذاته , و إنما قد يذم ما يقع فيه من الأفعال الممقوتة .

( إن الإنسان لفي خسر ) أي خسران , لخسارته رأس ماله الذي هو نور الفطرة و الهداية الأصلية , بإيثار الحياة الدنيا و اللذات الفانية و الإحتجاب بها و بالدهر , و إضاعة الباقي في الفاني .

( إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات ) فهؤلاء استثناهم الله تعالى من الخسر فهم رابحون غير خاسرين و ذلك بدخولهم الجنة دار السعادة , و المراد من الإيمان الإيمان بالله و رسوله و ما جاء به رسوله من الهدى و دين الحق , و المراد من العمل الصالح الفرائض و السنن و النوافل .

( و تواصوا بالحق ) أي أوصي بعضهم بعضا بما أنزل الله في كتابه من أمره , و اجتناب ما نهى عنه من معاصيه , قال الرازي ( دلت الآية على أن الحق ثقيل , و أن المحن تلازمه , فلذلك قرن التواصي بالصبر )

( و تواصوا بالصّبر ) أي على ما يبلو الله به عباده , أو على الحق , فإن الوصول إلى الحق سهل , و أما البقاء عليه و الصبر معه بالإستقامة و الجهاد لأجله , فذاك الذي يظهر به مصداق الإيمان و حقيقته .
و تخصيص التواصي بالحق و الصبر , مع إندراجهما في الأعمال الصالحة , لإبراز كمال الإعتناء بهما .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:00 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة التكاثر

مكية و آياتها ثماني آيات

( ألهاكم التكاثر ) هذا خطاب الله تعالى للمشتغلين بجمع المال و تكثيره - الأموال و الأولاد , و الأنصار , و الجنود , و الخدم , و الجاه , و غير ذلك مما يقصد منه مكاثرة كل واحد للآخر , و ليس المقصود به الإخلاص لله تعالى - للمباهاة به و التفاخر الأمر الذي ألهاهم عن طاعة الله و رسوله فماتوا و لم يقدموا لأنفسهم خيرا .

( حتى زرتم المقابر ) أي حتى هلكتم , و متم و صرتم من أصحاب القبور , فأفنيتم عمركم في الأعمال السيئة و ما تنبّهتم طول حياتكم إلى ما هو سبب سعادتكم و نجاتكم .
و زيارة القبور عبارة عن الموت . قال الشهاب : " و فيها إشارة إلى تحقق البعث , لأن الزائر لابد من انصرافه عما زاره " , فدلّ ذلك على البعث و الجزاء بالأعمال , في دار باقية غير فانية .

( كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون )
( كلا ) ردع عن الإشتغال بالتكاثر , و توهم أن الفوز بالتفاخر , فإن الفوز بالتناصر على الحق و التحلي بالفضائل .
( سوف تعلمون ) أي مغبة ما أنتم عليه , في الآخرة , من وخامة عاقبة الإشتغال بهذه الشهوات السريعة الزوال , العظيمة الوبال , لبقاء تبعاتها .
( ثم كلا سوف تعلمون ) كرّر الوعيد و التهديد للتأكيد , و " ثم " للدلالة على أن الثاني أبلغ من الأول , أو الأول عند الموت , و الثاني عند النشور .

( كلا لو تعلمون علم اليقين ) أي لو تعلمون ما أمامكم - في قبوركم و يوم بعثكم و نشوركم - علما يصل إلى القلوب , لما ألهاكم التكاثر , و لبادرتم إلى الأعمال الصالحة .

( لترون الجحيم , ثم لترونها عين اليقين ) هذا تفسير الوعيد المتقدم , و هو قوله " تعلمون , ثم كلا سوف تعلمون " توعّدهم بهذا الحال , و هي رؤية النار - رؤية بصرية كما قال تعالى " و رأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعها و لم يجدوا عنها مصرفا " - التي إذا زفرت زفرة خرّ كل ملك مقرب , و نبي مرسل على ركبتيه , من المهابة و العظمة و معاينة الأهوال .

( ثم لتسئلنّ يومئذ عن النّعيم ) أي عن النعيم الذي ألهاكم التكاثر به و التفاخر في الدنيا , ماذا عملتم فيه ؟ و من أين وصلتم إليه ؟ و فيم أصبتموه ؟ و ماذا عملتم به ؟ . و قد صحّ عن النبي صلى الله عليه و سلم " إنه لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه و عن شبابه فيما أبلاه و عن علمه ماذا عمل به و عن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه " .
و عن عبد الله بن الزبير قال : قال الزبير : لما نزلت " ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم " قالوا يا رسول الله , لأي نعيم نسأل عنه , و إنما هما الأسودان التمر و الماء ؟ قال : " إن ذلك سيكون " حسنه الشيخ الألباني .
و قال النبي صلى الله عليه و سلم " إن أول ما يسأل عنه - يعني يوم القيامة - العبد من النعيم أن يقال له : ألم نُصِحّ لك جسمك , و نُروكَ من الماء البارد ؟ " صححه الشيخ الألباني .
قال ابن عباس " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " النعيم : صحة الأبدان و الأسماع و الأبصار , يسأل الله العباد فيما استعملوها , و هو أعلم بذلك منهم , و هو قوله تعالى " إن السّمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا " , قال ابن جرير : لم يخصص في خبره تعالى نوعا من النعيم دون نوع , بل عمَّ , فهو سائلهم عن جميع النعم , و لذا قال مجاهد : أي عن كل شيء من لذة الدنيا .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:00 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة القارعة

مكية و آياتها إحدى عشر آية

( القارعة ) من أسماء القيامة , كالحاقة , و الطامة , و الصاخة , و الغاشية , و غير ذلك . و سميت بها لأنها تفزع القلوب و الأسماع بفنون الأفزاع و الأهوال , و تخرج جميع الأجرام العلوية و السفلية من حال إلى حال : السماء بالإنشقاق و الإنفطار , و الشمس و النجوم بالتكوير و الإنكدار و الإنتثار , و الأرض بالزلزال و التبديل و الجبال بالدك و النسف .

( ما القارعة ) أي أي شيء هي ؟ فالإستفهام للتهويل من شأنها .

( و ما أدراك ما القارعة ) تأكيد لهولها و فضاعتها , ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق على معنى أن عظم شأنها و مدى شدتها , بحيث لا يكاد تناله دراية أحد , حتى يدريك بها .

( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ) أي : في انتشارهم و تفرقهم , و ذهابهم و مجيئهم , من حيرتهم مما هم فيه , من ضعف و ذلة و اضطراب . وجاء في آية أخرى " كأنهم جراد منتشر "

( و تكون الجبال كالعهن المنفوش ) أي : كالصوف المنفوش , الذي بقي ضعيفا جدا تطير به أدنى ريح , قال تعالى " و ترى الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب " ثم بعد ذلك تكون هباء منثورا , فتضمحل و لا يبقى منها شيء يشاهد , فحينئذ تنصب الموازين , و ينقسم الناس قسمين : سعداء و أشقياء .

( فأما من ثقلت موازينه ) أي : رجحت حسناته على سيئاته .

( فهو في عيشة راضية ) أي مرضية له و هو بها راض و كيف لا و هي الجنة دار النعيم المقيم .

( و أما من خفت موازينه ) أي قلَّت حسناته و كثرت سيئاته أو لم يكن له حسنة بالمرة كأهل الكفر و الشرك .

( فأمُّه هاوية ) أي : مأواه و مسكنه النار , التي من أسمائها الهاوية , تكون له بمنزلة الأم الملازمة كما قال تعالى " و إن عذابها كان غراما " قال ابن جرير : و إنما قيل : للهاوية أمه , لأنه لا مأوى له غيرها , و قال ابن زيد : الهاوية : النار , و هي أمه و مأواه التي يرجع إليها و يأوي إليها , و قرأ " و مأواهم النار " . و قيل : إن معنى ذلك , فأم دماغه هاوية في النار أي : يلقى في النار على رأسه روي نحو هذا عن ابن عباس و عكرمة و قتادة , قال قتادة : يهوي في النار على رأسه .

( و ما أدراك ماهيه ) هذا الإستفهام للتهويل من شأنها و تعظيم لأمرها .

( نار حامية ) أي حارة شديدة الحر , قوية اللهيب و السعير , قال النبي صلى الله عليه و سلم ( نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين من نار جهنم ) قالوا : يا رسول الله , إن كانت لكافية , فقال ( إنها فضّلت عليها بتسعة و ستين جزءا ) رواه البخاري , و في بعض ألفاظه ( إنها فضلت عليها بتسعة و ستين جزءا , كلهن مثل حرّها ) رواه البخاري و مسلم , و رواه الإمام أحمد و زاد عليه ( و ضربت بالبحر مرتين , و لولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد ) صححه الشيخ الألباني .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:01 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة العاديات


مكية و آياتها إحدى عشر آية

(
و العاديات ضبحا
) يقسم الله تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فعدت عدوا بليغا قويا , يصدر عنه الضبح , و هو صوت نفسها في صدرها عند اشتداد العَدْو .

(
فالموريات قدحا
) يعني اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار و تسمى نار الحباحب .

(
فالمغيرات صبحا ) أي جماعات الخيل يركبها فرسانها للإغارة على العدو بها صباحا , و الإغارة صباحا أمر أغلبي , قال الشهاب
: ... و تخصيص الصبح , لأن الغارة كانت معتادة فيه , أي مباغتة العدو .

(
فأثرن به نقعا ) أي فأهجن بذلك الوقت غبارا من الإثارة , قال الشهاب
: و ذكر إثارة الغبار , للإشارة إلى شدة العَدْوِ و كثرة الكرّ و الفرّ .

(
فوسطن به جمعا
) فتوسطت جمع العدو و كتائبه لقتال أعداء الله الكافرين بالله و آياته و لقائه المفسدين في الأرض بالشرك و المعاصي .

(
إن الإنسان لربّه لكنود
) المراد من الإنسان الكافر و الجاهل بربّه تعالى الذي لم تتهذب روحه بمعرفة الله و محابه و مكارهه و لم يُزَك نفسه بفعل المحاب و ترك المكاره , هذا الإنسان أقسم تعالى على أنه كفور لربه تعالى و لنعمه عليه أي شديد الكفر كثيره بذكر المصائب و يعشر بها و يصرخ لها و يصر عليها وينسى النعم و الفواضل عليه فلايذكرها و لا يشكر الله تعالى عليها , فالكنود الكفور .
و قد فسر السلف الكنود بالهلوع و الجحود و الجهول و الحقود و المَنوع .

(
و إنه على ذلك لشهيد
) أي إن الإنسان على ما يعرف من نفسه من المنع و الكند لشاهد بذلك , لا يجحده و لا ينكره , لأن ذلك أمر بيِّن واضح . و يحتمل أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي : إن العبد لربه لكنود , و الله شهيد على ذلك , ففيه الوعيد , و التهديد الشديد , لمن هو لربه كنود , بأن الله عليه شهيد .

(
و إنه لحب الخير لشديد
) أي و إنه لحب المال و الدنيا و إيثارها , لقويّ , و حبه لذلك , هو الذي أوجب له ترك الحقوق الواجبة عليه , قدم شهوة نفسه على حق ربه , و كلُّ هذا لأنه قصر نظره على هذه الدار , و غفل عن الآخرة .
و سمّي المال خيرا تسمية عرفية إذ تعارف الناس على ذلك , كما أنه خير من حيث أنه يحصل به الخير الكثير إذا أنفق في مرضاة الله تعالى .

(
أفلا يعلم إذا بُعثر ما في القبور
) أخرج ما فيها من الأموات , لحشرهم و نشورهم .

(
و حُصّل ما في الصدور
) أي أظهر و أبرز ما في صدورهم و نفوسهم من أسرارهم و نياتهم المكتومة فيها , من خير أو شر , فصار السر علانية , و الباطن ظاهرا , و بان على وجوه الخلق نتيجة أعمالهم .
قال الرازي : ( و إنما خص أعمال القلوب بالتحصيل دون أعمال الجوارح , لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب , فإنه لولا البواعث و الإرادات في القلوب , لما حصلت أفعال الجوارح , و لذلك جعلها تعالى الأصل في الذم فقال " ءاثم قلبه " و الأصل في المدح فقال " وَجِلَت قلوبهم
" )

(
إنّ ربهم بهم يومئذ لخبير
) أي العالم بجميع ما كانوا يصنعون و يعملون و مجازيهم عليه أوفر الجزاء , و لا يظلم مثقال ذرة . فلو علم الكفور من الناس المحب للمال هذا و أيقنه لعدّل من سلوكه و أصلح من اعتقاده و من أقواله و أعماله فالآيات دعوة إلى مراقبة الله تعالى بعد الإيمان و الإستقامة على طاعته .
و خُص خُبره بذلك اليوم , مع أنه خبير بهم في كل وقت , لأن المراد بذلك , الجزاء بالأعمال , الناشئ عن علم الله و اطلاعه .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:02 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة الزلزلة

سورة الزلزلة مدنية و آياتها ثماني آيات

و تسمى سورة الزلزال لوجود لفظ الزلزال فيها و هو قوله تعالى " إذا زلزلت الأرض زلزالها " .

في هذه السورة يخبر الله تعالى عما يكون يوم القيامة , و أن الأرض تتزلزل و ترتجف حتى يسقط ما عليها من بناء و عَلَم . فتندك جبالها , و تُسوّى تلالها , و تكون قاعا صفصفا لا عوج فيه و لا أمت , و هذا الإخبار جاء مجملا إذ المقصود تقرير البعث و الجزاء ليعمل الناس بما ينجيهم من النار و يدخلهم الجنة .

( إذا زلزلت الأرض زلزالها ) أي أصابها ذلك الزلزال الشديد و الإهتزاز الرهيب , فهي الرجة التي لا غاية و راءها .

( و أخرجت الأرض أثقالها ) أي قذفت ما في باطنها من كنوز و دفائن و أموات و غير ذلك , لشدة الزلزلة , و تشقق ظهرها - كقوله تعالى " يا أيها النّاس اتقوا ربكم إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم " - وكقوله تعالى " و إذا الأرض مُدّت و ألقت ما فيها و تخلّت " .

( و قال الإنسان مالها ) أي قال من يكون من الإنسان شاهدا لهذا الزلزال ما لهذه الأرض رجّت هذه الرجة الهائلة , و بعثر ما فيها من الأثقال المدفونة .
و " مالها " استفهام ناشئ عن دهشة و حيرة للمفاجأة .

( يومئذ تحدّث أخبارها ) أي تشهد على العاملين بما عملوا على ظهرها من خير و شر - بلسان القال أو الحال - فإن الأرض من جملة الشهود الذين يشهدون على العباد بأعمالهم .
و هي في هذا الإخبار مأمورة لقوله تعالى ( بأن ربك أوحى لها ) أي أمرها أن تخبر بما عمل عليها , فلاتعصي لأمره .

( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ) أي يوم تزلزل الأرض و تهتز للنفخة الثانية نفخة يصدر الناس فيها أشتاتا , ينصرفون عن مراقدهم إلى موطن حسابهم و جزائهم , متفرقين سعداء و أشقياء .

( ليروا أعمالهم ) ليريهم الله ما عملوا من الحسنات و السيئات , و يريهم جزاءه موفرا , فالحسنة تورث الجنة و السيئة تورث النار .

( فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره , و من يعمل مثقال ذرّة شرّا يره ) فمن عمل في الدنيا وزن ذرة من خير , يرى ثوابه هنالك - و الذرة النملة الصغيرة و هي مَثل في الصغر , و قيل الذر هو الهباء الذي يُرى في ضوء الشمس إذا دخلت من نافذة - و من كان عمل في الدنيا وزن ذرة من شر , يرى جزاءه ثَمَّة إلا أن يعفو الجبار عز وجل , و بما أن الكفر مانع من دخول الجنة فإن الكافر إذا عمل حسنة في الدنيا يرى جزاءها في الدنيا , و ليس له في الآخرة شيء منها .
و هذا الجزاء شامل عام للخير و الشر كله , لأنه إذا رأى مثقال الذرة , التي هي أحقر الأشياء , و جوزي عليها فما فوق ذلك من باب أولى و أحرى , كما قال تعالى " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا , و ما عملت من سوء تود لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا " " ووجدوا ما عملوا حاضرا " .
و هذه الآية فيها غاية الترغيب في فعل الخير ولو قليلا , و الترهيب من فعل الشر و لو حقيرا .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:03 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة البيّنة

و تسمى سورة القيّمة و سورة لم يكن و يقال سورة المنفكين و سورة البرية و هي سورة مدنية عدد آياتها ثمان .

( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين ) أهل الكتاب هم اليهود و النصارى , و المشركون هم : عبدة الأوثان و النيران من العرب و من العجم .
فعنوان المشركين لا يتناول أهل الكتاب في عرف القرآن , بل هو خاص بالوثنيين , أعني من يدينون بالإشراك و تعدد الأرباب , فأهل الكتاب لا يتناولهم ذلك العنوان و إن دخل في عقائدهم الشرك , لأنه دخيل لا أصيل , و لذلك ينفرون من وصمة الشرك , و بسببه حل النكاح منهم دون الوثنيين .

( منفكين ) منتهين عن كفرهم و ضلالهم الذين هم عليه أي : لا يزالون في غيهم و ضلالهم , لا يزيدهم مرور السنين إلا كفرا .

( حتى تأتيهم البيّنة ) أي الحجة القاطعة و البرهان الساطع و هي هنا النبي صلى الله عليه و سلم .

و المعنى الإجمالي لهذه الآية ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى تأتيهم البيّنة ) أن هؤلاء لم يكونوا منفصلين عمّا هم عليه من الديانة تاركين لها إلى غاية مجيء البينة لهم , فلما جاءتهم البينة و هي محمد صلى الله عليه و سلم و كتابه انفكوا أي انقسموا فمنهم من آمن بمحمد صلى الله عليه و سلم و كتابه و الدين الإسلامي و منهم من كفر فلم يؤمن .

( رسول من الله ) أي محمد صلى الله عليه و سلم . أرسله الله يدعو الناس إلى الحق , و أنزل عليه كتابا يتلوه , ليعلم الناس الحكمة و يزكيهم , و يخرجهم من الظلمات إلى النور .

( يتلو صحفا مطهرة ) و هي صحف القرآن المطهرة من الخلط و حشو المدلسين , فلهذا تنبعث منها أشعة الحق حتى يعرفه طالبوه و منكروه معا .

( فيها كتب قيمة ) قال ابن جرير : أي في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة , ليس فيها خطأ , لأنها من عند الله عز وجل . قال الله تعالى " لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " . و الكتب التي في صحف القرآن و مصاحفه , إما أن تكون هي ما صح من كتب الأولين كموسى و عيسى و غيرهما , مما حكاه الله في كتابه عنهم , فإنه لم يأت منها إلا بما هو قوي سليم , و قد ترك حكاية ما لبّس فيه المتلبسون إلا أن يكون ذكره لبيان بطلانه , و لهذا لم يجد الجاحدون لرسالته عليه السلام من أهل الكتاب سبيلا إلى إنكار الحق , و إنما فضلوا عليه غيره . أو هي سور القرآن , فإن كل سورة من سوره كتاب قويم , فصحف القرآن أو صحائفه و أوراقهمصحفه تحتوي على سور من القرآن هي كتب قيمة .

( و ما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ماجاءتهم البينة ) أي اليهود و النصارى إلا من بعد ما جاءتهم البينة و هي محمد صلى الله عليه و سلم و كتابه إذ كانوا قبل البعثة المحمدية متفقين على انتظار نبيّ آخر الزمان و أنه النبيّ الخاتم للنبوات فلما جاءهم تفرقوا فآمن بعض و كفر بعض .

( و ما أمروا ) أي و الحال أن أهل الكتاب ما أمروا بلسان أنبيائهم و كتبهم , و كذا في القرآن و على لسان نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ( إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) أي قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة و الباطنة وجه الله , و طلب الزلفى لديه .

( حنفاء ) مُعرضين مائلين عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد .

( و يقيموا الصلاة ) بأن يؤدوها في أوقاتها بشروطها و أركانها و آدابها .

( و يؤتوا الزكاة ) أي بصرفها في مصارفها التي عينها الله تعالى .

و خصّ الصلاة و الزكاة بالذكر مع أنهما داخلان في قوله تعالى " ليعبدوا الله مخلصين " لفضلهما و شرفهما , و كونهما العبادتين اللتين من قام بهما قام بجميع شرائع الدين .

( و ذلك دين القيمة )
" و ذلك " أي التوحيد و الإخلاص في الدين , هو " دين القيمة " أي الدين المستقيم , الموصل إلى جنات النعيم , و ما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم .
و قد استدل كثير من الأئمة , كالزهري و الشافعي , بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان , و لهذا قال " و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدّين حُنفاء و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و ذلك دين القيّمة " .

( إن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البريّة ) بعد أن بيّن الدين الحق المنجي من العذاب و الموجب للنعيم و هو الدين الإسلامي أخبر تعالى أن من كفر به من أهل الكتاب و من المشركين هم في نار جهنم خالدين فيها هذا حكم الله فيهم لكفرهم بالحق و إعراضهم عنه بعد ما جاءتهم البيّنة و عرفوا الطريق و تنكبوه رضا بالباطل و اقتناعا بالكفر و الشرك بدل الإيمان و التوحيد هؤلاء الكفرة الفجرة هم شر الخليقة كلها .

( إن الذين ءامنوا ) أي بالله و رسوله محمد صلوات الله عليه ( و عملوا الصالحات ) من بذل النفس في سبيل الجهاد للحق , و بذل المال في أعمال البر , مع القيام بفرائض العبادات , و الإخلاص في سائر ضروب المعاملات , لأن إذعانهم الصحيح ووجدانهم لذة معرفة الحق , ملّكت الحق قيادهم , فعملوا الأعمال الصالحة ( أولئك هم خير البريّة ) أي أفضل الخليقة . لأنهم بمتابعة الحق عند معرفته بالدليل القائم عليه , قد حققوا لأنفسهم معنى الإنسانية التي شرفهم الله بها , و بالعمل الصالح , قد حفظوا نظام الفضيلة الذي جعله الله قوام الوجود الإنسانيّ , و هَدوا غيرهم بحسن الأسوة إلى مثل ما هُدوا إليه من الخير و السعادة .
و قد استدل بهذه الآية أبو هريرة رضي الله تعالى عنه و طائفة من العلماء , على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة .

( جزاؤهم عند ربهم ) أي يوم القيامة .

( جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) أي بساتين إقامة دائما - تجري من تحتها الأنهار - لا يخرجون منها و لا يموتون أبدا .

( رضي الله عنهم و رضوا عنه ) رضي الله عنهم بسبب إيمانهم و طاعتهم و رضوا عنه , لأنهم بحسن يقينهم يرتاحون إلى امتثال ما يأمر به في الدنيا , فهم راضون عنه , ثم إذا ذهبوا إلى نعيم الآخرة , وجدوا من فضل الله ما لا محل للسخط معه , فهم راضون عن الله في كل حال .

( ذلك لمن خشية ربه ) أي هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله و اتقاه حق تقواه , و عبده كأنه يراه , قد علم أنه إن لم يره فإنه يراه , و إن عصاه يوما تاب و إن أخطأ رجع حتى مات و هو على الطاعة لا على المعصية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فائدة : الخشية الموجبة لهذا النعيم المقيم هي ثمرة العلم إذ لا خشية بلا علم قال تعالى " إنما يخشى الله من عباده العلماء " فلذا وجب طلب العلم و هو العلم بالله و محابه و مكارهه ووعده ووعيده إذ ها هو العلم الذي يثمر الخشية .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:03 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة القدر

مكية و آياتها خمس آيات

( إنّا أنزلناه في ليلة القدر ) أي أنزلنا القرآن على قلب خاتم النبيين , بمعنى ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر , و هي الليلة المباركة التي قال الله عز و جل " إنا أنزلناه في ليلة مباركة " و هي من شهر رمضان , كما قال تعالى " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن " .
قال ابن عباس و غيره : أنزل الله القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة من السماء الدنيا , ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث و عشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و سميت ليلة القدر لعظم قدرها و فضلها عند الله , و لأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الآجال و الأرزاق و المقادير القدرية .

( و ما أدراك ما ليلة القدر ) أي أن شأنها جليل و مقدارها عظيم .

( ليلة القدر خير من ألف شهر ) أي تعادل من فضلها ألف شهر , فالعمل الذي يقع فيها , خير من العمل في ألف شهر خالية منها , و هذا مما تتحير فيه الألباب , و تندهش له العقول , حيث منّ تبارك و تعالى على هذه الأمة الضعيفة القوة و القوى , بليلة يكون العمل فيها يقابل و يزيد على ألف شهر , يعني ثلاث و ثمانون سنة و أربعة أشهر .
و لما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر , ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " من قام ليلة القدر إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه " .

( تنزّل الملائكة و الروح فيها بإذن ربّهم ) أي يكثر تنزّل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها , و الملائكة يتنزلون مع تنزل البركة و الرحمة , كما يتنزلون عند تلاوة القرآن و يحيطون بحلق الذكر , و يضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيما له . و أما الروح فقيل : المراد به هاهنا جبريل عليه السلام , فيكون من باب عطف الخاص على العام , و قيل : هم ضرب من الملائكة . كما تقدم في سورة النبأ , و الله أعلم .

( من كل أمر ) قال قتادة و غيره : تقضى فيها الأمور , و تقدر الآجال و الأرزاق , كما قال تعالى " فيها يُفرق كل أمر حكيم " .

( سلام هي حتى مطلع الفجر ) أي سالمة من كل آفة و شر , إذ هي كلها خير من غروب الشمس إلى طلوع فجرها إنها كلها سلام , سلام الملائكة على العابدين من المؤمنين و المؤمنات و سلامة من كل شر . و الحمد لله الذي جعلنا من أهلها .

و من تحرى ليلة القدر فليتحرها في الوتر من العشر الأواخر , قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان " رواه البخاري و مسلم , و اللفظ للبخاري .
و قالت عائشة رضي الله عنها " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دخل العشر , أحيا الليل , و أيقظ أهله , و شد المئزر " رواه البخاري و مسلم , و لمسلم عنها " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره " .
و ليجعل دعاءه " اللهم إنّك عفو تحب العفو فاعف عني " لما رواه الإمام أحمد عن عائشة قالت : يا رسول الله , إن وافقت ليلة القدر فما أدعو ؟ قال : قولي " اللهم إنّك عفو تحب العفو فاعف عني " صححه الألباني .
و ليلة القدر هذه باقية في كل سنة إلى قيام الساعة .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:04 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة التّين

مكية و آياتها ثمان

( التين و الزيتون و طور سينين و هذا البلد الأمين ) أقسم الله تعالى بالتين و الزيتون , و هو الأرض المقدسة التي ينبت فيها ذلك , و منها بُعث المسيح عيسى بن مريم و أنزل عليه فيها الإنجيل , و أقسم بطور سيناء و هو الجبل الذي كلم الله موسى و ناداه فيه , من واديه الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة , و أقسم بهذا البلد الأمين الذي جعله الله حرما آمنا و يتخطف الناس من حوله و هو مكة الذي أسكن فيها إبراهيم إبنه , و أمه هاجر فيه . و أرسل فيه محمدا صلى الله عليه و سلم .
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى ( " و التين و الزيتون و طور سينين و هذا البلد الأمين " إقساما منه بالأمكنة الشريفة المعظمة الثلاثة , التي ظهر فيها نوره هذا , و أنزل فيها كتبه الثلاثة : التوراة و الإنجيل و القرآن ) .

( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) تام الخلق , متناسب الأعضاء , منتصب القامة , لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرا أو باطنا شيئا , و مع هذه النعم العظيمة , التي ينبغي منه القيام بشكرها , فأكثر الخلق منحرفون عن شكر المنعم , مشتغلون باللهو و اللعب , قد رضوا لأنفسهم بأسافل الأمور , و سفاسف الأخلاق , فردهم الله إلى أسفل سافلين .

( ثم رددناه إلى أسفل سافلين ) أي جعلناه أسفل من سفل , و هم أصحاب النار , لعدم جريانه على موجب ما خلقناه عليه من الصفات التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين .

( إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) إلا من منّ الله عليه بالإيمان و العمل الصالح , و الأخلاق الفاضلة العالية , " فلهم " بذلك المنازل العالية و " أجر غير ممنون " أي غير مقطوع , بل لذات متوافرة , و أفراح متواترة , و نعم متكاثرة في أبدٍ لا يزول , ونعيم لا يحول .

( فما يكذبك بعد بالدين ) أي شيء يا ابن آدم يحملك على التكذيب بيوم الجزاء على الأعمال , و قد رأيت من آيات الله الكثيرة ما به يحصل لك اليقين , و من نعمه ما يوجب عليك أن لا تكفر بشيء مما أخبرك به .
و جُوِّز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم فيكون ذلك إنكار توبيخي للمكذبين له صلى الله عليه و سلم , بعدما ظهر لهم من دلائل صدقه و صحة مدعاه .

( أليس الله بأحكم الحاكمين ) أي بأحكم من حكم في أحكامه الذي لا يجور و لا يظلم أحدا , و من عدله أن يقيم القيامة فينصف المظلم في الدنيا ممن ظلمه . قال أبو السعود " أي أليس الذي فعل ما ذكر بأحكم الحاكمين صنعا و تدبيرا , حتى يتوهم عدم الإعادة و الجزاء , و حيث استحال عدم كونه أحكم الحاكمين , تعين الإعادة و الجزاء , فالجملة تقرير لما قبلها "

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:04 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الشرح

مكية و آياتها ثمان آيات

( ألم نشرح لك صدرك ) أي نورناه و جعلناه فسيحا رحيبا واسعا لشرائع الدين و الدعوة إلى الله , و الإتصاف بمكارم الأخلاق , و الإقبال على الآخرة , و تسهيل الخيرات , فلم يكن ضيقا حرجا , لا يكاد ينقاد لخير , و لا تكاد تجده منبسطا .
و كما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا واسعا سمحا سهلا لا حرج فيه و لا إصر و لا ضيق .

( ووضعنا عنك وزرك ) النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن له وزر حقيقة , لأنه كان محفوظا بحفظ الله تعالى فلم يسجد لصنم و لم يشرب خمرا و لم يقل أو يفعل إثما قط .
فالأنبياء و الرسل معصومون من الكبائر , و من الصغائر على الراجح , إذا ماهي ذنوب الأنبياء ؟ قال العلماء : ذنوب الأنبياء هي ما كان خلاف الأولى عن اجتهاد يعني يجتهد و لا يصيب الأولى , مثلما اجتهد النبي صلى الله عليه و سلم في أسرى بدر حيث قبل الفدية و أطلق سراحهم , فكان هذا اجتهاد , الله تعالى عاتبه عليه و قال " لولا كتاب من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم " قاله الشيخ عبد العظيم بدوي في الدقيقة 53:01 .

( الذي أنقض ظهرك ) قال غير واحد من السلف أي أثقلك حمله . و الإنقاض : حصول النقيض و هو صوت فقرات الظهر , و قيل : صوت الجمل أو الرحل أو المركوب إذا ثقل عليه . فالإنقاض التثقيل في الحمل حتى يسمع له نقيض , أي صوت .

( و رفعنا لك ذكرك ) أي : أعلينا قدرك , و جعلنا لك الثناء الحسن العالي , الذي لم يصل إليه أحد من الخلق , فلا يذكر الله إلا ذكر معه رسوله صلى الله عليه و سلم , كما في الدخول في الإسلام , و في الأذان و الإقامة و الخطب , و غير ذلك من الأمور التي أعلى الله بها ذكر رسوله صلى الله عليه و سلم . و له في قلوب أمته من المحبة و الإجلال و التعظيم ما ليس لأحد غيره , بعد الله تعالى , فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيا عن أمته .

( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) بشارة عظيمة , أنه كلما وجد عسر و إن بلغ من الصعوبة ما بلغ فإنه في آخره التيسير الملازم له , حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه , كما قال تعالى " سيجعل الله بعد عسر يسرا " .
و تعريف " العسر " في الآيتين , يدل على أنه واحد , و تنكير " اليسر " يدل على تكراره , فلن يغلب عسر يسرين .

( فإذا فرغت فانصب ) إذا فرغت من أمور الدنيا و أشغالها و قطعت علائقها , فانصب في العبادة , و قم إليها نشيطا فارغ البال , و أخلص لربك النية و الرغبة . و عن ابن مسعود : إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل . و قال ابن عباس " فإذا فرغت فانصب " : يعني في الدعاء . و قال زيد بن أسلم و الضحاك " فإذا فرغت " أي : من الجهاد " فانصب " أي في العبادة .

( و إلى ربك فارغب ) إرغب بعد كل عمل تقوم به في مثوبة ربك و عطائه و ما عنده من الفضل و الخير إذ هو الذي تعمل له و تنصب من أجله فلاترغب في غيره و لا تطلب سواه .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:05 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الضحى

مكية و آياتها إحدى عشر آية

عن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال " اشتكى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت يا محمد إنّي لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قد قربك منذ ليلتين أو ثلاثا فأنزل الله عز وجل ( و الضحى و الليل إذا سجى ماودّعك ربّك و ما قلى ) " رواه البخاري و مسلم . و المرأة هي أم جميل العوراء إمرأة أبي لهب .
قلت ( عبد الحي ) : و روى مسلم أيضا عن جندب أنه قال : " أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه و سلم , فقال المشركون : قد وُدِّع محمد , فأنزل الله عزّ و جل ( و الضحى و الليل إذا سجى ماودّعك ربّك و ما قلى ) "

( و الضحى و الليل إذا سجى )
" الضحى " هو أول النهار من طلوع الشمس و ارتفاعها قيد رمح إلى ما قبل الزوال بقليل .
" و الليل إذا سجى " أي اشتدّ ظلامه
و معنى الآية : أن الله تعالى أقسم بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى , و بالليل إذا سجى و ادلهمّت ظلمته , على اعتناء الله برسوله صلى الله عليه و سلم .

( ما ودّعك ربك ) أي ما تركك منذ اعتنى بك , و لا أهملك منذ رباك و رعاك , بل لم يزل يربيك أحسن تربية , و يعليك درجة بعد درجة

( و ما قلى ) و ما أبغضك , و القالي : المبغض , يعني ما هجرك عن بغض .

( و للآخرة خير لك من الأولى ) قال ابن جرير : " أي و للدار الآخرة , و ما أعد الله لك فيها , خير لك من الدار الدنيا و ما فيها " .
لهذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أزهد الناس في الدنيا , و أعظمهم لها إطراحا . و قال القاضي : " أو : لنهاية أمرك خير من بدايته ". فلم يزل صلى الله عليه و سلم في درج المعالي , و يمكن له الله دينه , و ينصره على أعدائه , و يسدد له أحواله , حتى مات , و قد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون و الآخرون , من الفضائل و النعم و قرة العين , و سرور القلب .

( و لسوف يعطيك ربك فترضى ) أي يعطيك من فواضل نعمه في العقبى حتى ترضى , و هذه عدّة كريمة شاملة لما أعطاه الله تعالى في الدنيا من كمال النفس و علوم الأولين و الآخرين , و ظهور الأمر و إعلاء الدين , بالفتوح الواقعة في عصره عليه الصلاة و السلام , و في أيام خلفائه الراشدين و غيرهم من ملوك الإسلام , و فشوّ دعوته في مشارق الأرض و مغاربها , و لما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله تعالى , و بالجملة , فهذه الآية جامعة لوجوه الكرامة و أنواع السعادة و شتات الإنعام في الدارين , حيث أجمله ووكله إلى رضاه و هذا غاية الإحسان و الإكرام .

ثم قال تعالى يعدد نعمه على عبده و رسوله محمد , صلوات الله و سلامه عليه : ( ألم يجدك يتيما فآوى ) و ذلك أن أباه تُوفي و هو حَمل في بطن أمه , و قيل : بعد أن ولد , عليه السلام , ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب و له من العمر ست سنين , ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي و له من العمر ثماني سنين , فكفله عمه أبو طالب , ثم لم يزل يحوطه و ينصره و يَرفع من قدره و يُوقّره , و يكفّ عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره , هذا و أبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان , و كل ذلك بقدر الله و حُسن تدبيره , إلى أن تُوفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل , فأقدم عليه سفهاء قريش و جُهالهم , فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس و الخزرج , كما أجرى الله سُنَّته على الوجه الأتم و الأكمل , فلما وصل إليهم أوَوه و نَصروه و حاطوه و قاتلوا بين يديه , رضي الله عنهم أجمعين , و كل هذا من حفظ الله له و عنايته به .

( ووجدك ضالا فهدى ) أي غافلا عما أوحاه إليك من الهدى و الفرقان , فهداك إليه و جعلك إماما له , كما في آية " ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان " قال الشهاب : فالضلال مستعار من " ضل في طريقه " إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده لعدم ما يوصله للعلوم النافعة , من طريق الإكتساب .

( ووجدك عائلا ) أي فقيرا ( فأغنى ) فأغناك بمال خديجة الذي وهبته إياه , أو بما حصل لك من ربح التجارة , ثم بما فتح الله عليك من البلدان , التي جبيت لك أموالها و خراجها , فجمع له بين مقامي , الفقير الصابر و الغني الشاكر , صلوات الله و سلامه عليه .

( فأمام اليتيم فلا تقهر ) كما كنت يتيما فآواك الله فلا تقهر اليتيم , و لا تذله و تنهره و تهنه , و لكن أحسن إليه و تلطفه به .

( و أما السائل فلا تنهر ) لا يصدر منك إلى السائل كلام يقتضي رده عن مطلوبه , بنهر و شراسة خلق , بل أعطه ما تيسر عندك أو ردّه بمعروف و إحسان , و هذا يدخل فيه السائل للمال , و السائل للعلم , و لهذا كان المعلم مأمورا بحسن الخلق مع المتعلم , و مباشرته بالإكرام و التحنن عليه , فإن في ذلك معونة له على مقصده , و إكراما لمن كان يسعى في نفع العباد و البلاد .

( و أما بنعمة ربك فحدّث ) و النعم هذه تشمل الدينية و الدنيوية , فالدنيوية : كما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله , فحدث بنعمة الله عليك و أوسع في البذل على الفقراء , أما الدينية : فاشكر نعمة الإيمان و الإحسان و الوحي و العلم و الفرقان و ذلك بالتحدث بها إبلاغا و تعليما و تربية و هداية .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:05 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الليل

مكية و آياتها إحدى و عشرون آية

( و الليل إذا يغشى ) أي يعم الخلق بظلامه .

( و النهار إذا تجلى ) ظهر بزوال ظلمة الليل أو تبين بطلوع الشمس .

و الليل و النهار هما آيتان من آيات الله الدالتان على ربوبيته تعالى الموجبة لألوهيته .

( و ما خلق الذكر و الأنثى ) و هو كقوله تعالى " و خلقناكم أزواجا " و كقوله تعالى " و من كل شيء خلقنا زوجين " .

( إن سعيكم لشتى ) أي إن عملكم أيها الناس لمختلف , منه الحسنات الموجبة للسعادة و الكمال في الدارين , و منه السيئات الموجبة للشقاء في الدارين - أي دار الدنيا و الآخرة - .

( فأما من أعطى ) أي أعطى ما أمر بإخراجه من العبادات المالية , كالزكوات , و الكفارات و النفقات , و الصدقات , و الإنفاق في وجوه الخير .

( و اتقى ) ما نُهي عنه , من المحرمات و المعاصي , على اختلاف أجناسها .

( و صدق بالحسنى ) أي صدّق ب " لا إله إلا الله " و ما دلت عليه , من جميع العقائد الدينية , و ما ترتب عليها من الجزاء الأخروي .

( فسنيسره لليسرى ) أي فسنهيئه و نوفقه للطريقة اليسرى , التي هي السلوك في طريق الحق , فنيسر له فعل كل خير , و نيسر له ترك كل شر , لأنه أتى بأسباب التيسير , فيسر الله له ذلك .

( و أما من بخل ) أي بالنفقة في سبيل الله , و منع ما وهب الله له من فضله من صرفه في الوجوه التي أمر الله بصرفه فيها. فلم يعط حق الله فيه و لم يتصدق متطوعا في سبيل الله .

( و استغنى ) بماله وولده و جاهه فلم يتقرب إلى الله تعالى بطاعته في ترك معاصيه و لا في أداء فرائضه , و لم ير نفسه مفتقرة غاية الإفتقار إلى ربها , الذي لا نجاة و لا فوز و لا فلاح , إلا بأن يكون هو محبوبها و معبودها , الذي تقصده و تتوجه إليه .

( و كذّب بالحسنى ) أي بوجود المثوبة للحسنى , لمن آمن الحق , لاسغنائه بالحياة الدنيا و احتجابه بها عن عالم الآخرة .

( فسنيسره للعسرى ) أي للطريقة العسرى المؤدية إلى الشقاء الأبدي , و هي العمل بما يكرهه الله تعالى و لا يرضاه من الذنوب و المعاصي و الآثام ليكون ذلك قائده إلى النار , قال الله تعالى " و نُقلّب أفئدتهم و أبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرة و نذرهم في طغيانهم يعمهون " .

( و ما يغني عنه ماله إذا تردّى ) يخبر تعالى بأن من بخل و استغنى و كذب بالحسنى حفاظا على ماله و شحا به و بخلا أن ينفقه في سبيل ربه هذا المال لا يغني عنه شيئا يوم القيامة إذا ألقي به في نار جهنم فتردى ساقطا فيها على أم رأسه .

( إن علينا للهدى ) أي علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة , حيث خلقنا الخلق للإصلاح في الأرض , أن نبين لهم طريق الهدى ليجتنبوا مواقع الردى , و قد فعل سبحانه ذلك بإرسال الرسل , و إنزال الكتب , و التمكين من الإستدلال و الإستبصار , بخلق العقل و هبة الإختيار .

( و إنّ لنا للأخرة و الأولى ) أي ملكا و خلقا , ليس له فيهما مشارك فليرغب الراغبون إليه في الطلب , و لينقطع رجاؤهم عن المخلوقين . و الآية أيضا فيها إشارة إلى تناهي عظمته و تكامل قهره و جبروته , و إن من كان كذلك , فجدير أن يبادر لطاعته و يحذر من معصيته .

( فأنذرتكم نارا تلظى ) أي تستعر و تتوقد . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منها دماغه " رواه البخاري . و الأخمص هو المتجافي من الرجل عن الأرض . و في رواية لمسلم " إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان و شراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل , ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا , و إنه لأهونهم عذابا " . و الشراك هو أحد سيور النعل , الذي يكون على وجهها و على ظهر القدم .

( لا يصلاها إلا الأشقى ) لا يدخلها و يصطلي بحرها خالدا فيها أبدا إلا الأشقى أي الأكثر شقاوة و هو المشرك , و قد يدخلها الشقي من أهل التوحيد و يخرج منها بتوحيده , حيث لم يكذب و لم يتول , و لكن فجر و عصى , و ما أشرك و ما تولى .

( الذي كذب ) بالحق الذي جاءه .

( و تولى ) عن آيات ربه و براهينها التي وضح أمرها و بهر نورها , عنادا و كفرا .

( و سيجنبها الأتقى ) أي و سيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى , ثم فسره بقوله تعالى ( الذي يؤتي ماله يتزكى ) أي يصرف ماله في طاعة ربه , ليزكي نفسه و ماله و ما وهبه الله من دين و دنيا .

( و ما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) فهو ينفق ما ينفقه في سبيل الله خاصة و ليس ما ينفقه من أجل أن عليه لأحد من الناس فضلا أو يداً فهو يكافئه بها لا لا , و إنما هو ينفق ابتغاء رضا ربه تعالى لا غير .

( و لسوف يرضى ) و لسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات .

و قد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق , حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك . و لا شك أنه داخل فيها , و أولى الأمة بعمومها , فإن لفظها لفظ العموم , و هو قوله تعالى " و سيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى و ما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى " , و لكنه مقدم الأمة و سابقهم في جميع هذه الأوصاف و سائر الأوصاف الحميدة .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:05 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الشمس

مكية و آياتها خمس عشرة آية

أقسم الله تعالى بهذه الآيات العظيمة , على النفس المفلحة , و غيرها من النفوس الفاجرة , فقال :

( و الشمس و ضحاها ) قال ابن جرير : أقسم الله بالشمس و نهارها , لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار . قال الراغب " الضحى " انبساط الشمس و امتداد النهار , و به سمي الوقت . و حقيقته - كما قال الشهاب - تباعد الشمس عن الأفق المرئيّ و بروزها للناظرين . و قال الإمام : يقسم بالشمس نفسها ظهرت أو غابت لأنها خلق عظيم . و يقسم بضوئها لأنه مبعث الحياة و مجلي الهداية في عالمها الفخيم .

( و القمر إذا تلاها ) أي تبع الشمس في المنازل و النور . قال الإمام : و ذلك في الليالي البيض , من الليلة الثالثة عشرة من الشهر إلى السادسة عشرة . و هو قسم بالقمر عند امتلائه أو قربه مع الإمتلاء . إذ يضيء الليل كله مع غروب الشمس إلى الفجر . و هو قسم في الحقيقة بالضياء في طور آخر من أطواره , و هو ظهوره و انتشاره الليل كله .

( و النهار إذا جلاّها ) أي جلّى ما على وجه الأرض و أوضحه , و ذلك عند انتفاخ النهار و انبساطه , لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الإنجلاء .

( و الليل إذا يغشاها ) أي يغشي وجه الأرض , فيكون ما عليها مظلما .
فتعاقب الظلمة و الضياء , و الشمس و القمر , على هذا العالم , بانتظام و إتقان , و قيام لمصالح العباد , أكبر دليل على أنه الله بكل شيء عليم , و على كل شيء قدير , و أنه المعبود وحده , الذي كل معبود سواه فباطل .

( و السماء و ما بناها ) أي و من رفعها , و صيّرها بما فيها من الكواكب كالسقف أو القبة المحكمة المزينة المحيطة بنا .

( و الأرض و ما طحاها ) أي بسطها من كل جانب , لافتراشها و ازدراعها و الضرب في أكنافها , فتمكن الخلق حينئذ من الإنتفاع بها , بجميع وجوه الإنتفاع .

( و نفس و ما سواها ) أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة , كما قال تعالى " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " , و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " كل مولود يولد على الفطرة , فأبواه يُهوّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمَجِّسانه , كما تولد البهيمة بهيمة جَمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ " رواه البخاري و مسلم , و قال صلى الله عليه و سلم : " يقول الله عز و جل : إني خلقت عبادي حُنفاء فجاءَتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم " رواه مسلم .

( فألهمها فجورها و تقواها ) بين لها الخير و الشر , أي ما تعمله من الصالحات و ما تتجنّبه من المفسدات .

( قد أفلح من زكَّاها ) أي طهر نفسه من الذنوب , و نقّاها من العيوب , و رقّاها بطاعة الله , و علاّها بالعلم النافع و العمل الصالح .

( و قد خاب من دسّاها ) أي أخفى نفسه الكريمة , بالتدنس بالرذائل و الدنو من العيوب و الإقتراف للذنوب , و ترك ما يكملها و ينميها , و استعمال ما يشينها و يدسيها .

( كذّبت ثمود بطغواها ) أي بسبب طغيانها و ترفعها عن الحق و مجاوزتها الحدّ في الفجور , و عتوها على رسل الله . و المراد بهذا الإخبار إنذار قريش من خطر استمرارها على التكذيب , و تسلية للرسول صلى الله عليه و سلم و المؤمنين .

( إذ انبعث أشقاها ) أي أشقى القبيلة , هو قُدَار بن سالف عاقر الناقة , و هو أحمير ثمود , و هو الذي قال تعالى " فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر " . و كان هذا الرجل عزيزا فيهم شريفا في قومه نسيبا رئيسا مطاعا .

( فقال لهم رسول الله ) و هو صالح عليه السلام , محذّرا .

( ناقة الله و سقياها ) أي : احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء , و لا تعتدوا عليها في سقياها الذي اختصه الله به في يومها . و كان عليه السلام تقدم إليهم عن أمر الله أن للناقة شرب يوم و لهم شرب آخر , غير يوم الناقة . كما بينته آية الشعراء في قوله " هذه ناقة لها شرب و لكم شرب يوم معلوم و لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم " .

( فكذَّبوه ) أي : كذّبوه فيما جاءهم به سواء رسالته و دعوته إلى عبادة الله وحده , أو تحذيره لهم من حلول العذاب عليهم إنهم لمسوا الناقة بسوء .

( فعقروها ) أي قتلوها . قال في النهاية : أصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف و هو قائم , ثم اتسع حتى استعمل في القتل و الهلاك .
و ذلك أنهم أجمعوا على منعها الشرب و رضوا بقتلها . و عن رضا جميعهم قتلها قاتلها و عقرها من عقرها . و لذلك نسب التكذيب و العقر إلى جميعهم .

( فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ) أهلكهم و أزعجهم بسبب كفرهم به و تكذيبهم رسوله و عقرهم ناقته , استهانة به و استخفاف بما بعث به . فأرسل عليهم الصيحة من فوقهم , و الرجفة من تحتهم , فأصبحوا جاثمين على ركبهم , لا تجد منهم داعيا و لا مجيبا .

( فسوّاها ) أي فسوى الدمدمة عليهم جميعا , فلم يفلت منهم أحد . فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء .

( و لا يخاف عقباها ) قال ابن عباس : لا يخاف الله من أحد تبعة , و كذا قال مجاهد و الحسن , و بكر بن عبد الله المزني , و غيرهم . فالله تعالى لا يخشى تبعة إهلاكهم لأنه العزيز الذي لا يغالب , و القاهر الذي لا يخرج عن قهره و تصرفه مخلوق , الحكيم في كل ما قضاه و شرعه .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:06 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسر سورة البلد

مكية و آياتها عشرون آية

( لا أقسم بهذا البلد ) يقسم الله تعالى بالبلد الأمين , الذي هو مكة المكرمة , أفضل البلدان على الإطلاق .

( و أنت حل بهذا البلد ) قال مجاهد : ما أصبت - يعني الرسول صلى الله عليه و سلم - فيه فهو حلال لك , و قال قتادة : أنت به من غير حرج و لا إثم , و قال الحسن البصري : أحلها الله له ساعة من نهار . و هذا المعنى الذي قالوه قد ورد به الحديث المتفق على صحته : ( إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات و الأرض , فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة , لا يُعضَد شجره و لا يختلى خلاه , و إنما أحلت لي ساعة من نهار , و قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس , ألا فليبلغ الشاهد الغائب ) . و في لفظ آخر ( فإن أحد ترخَّص بقتال رسول الله فقولوا : إن الله أذن لرسوله و لم يأذن لكم ) رواه البخاري و مسلم .

( ووالد و ما ولد ) قال مجاهد و قتادة و سعيد بن جبير و الحسن البصري و غيرهم : يعني بالوالد آدم , و ما ولد ولده , قال ابن كثير : و هذا الذي ذهب إليه مجاهد و أصحابه حسن قوي , لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى و هي المساكن أقسم بعده بالساكن , و هو آدم أبو البشر وولده . و اختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده , قال : و غير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل , و لا خبر بخصوص ذلك و لا برهان , يجب التسليم له بخصوصه , فهو على عمومه كما عمه .

( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) أي في شدة , يكابد الأمور و بعالجها في أطواره كلها , من حمله إلى أن يستقر به القرار , إما في الجنة و إما في النار .
و فيه تسلية للنّبي صلوات الله عليه , مما كان يكابده من قريش , من جهة أن الإنسان لم يخلق للراحة في الدنيا , و أن كل ما كان أعظم فهو أشد نصبا .

( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) أي أن لن تقوم قيامة , و لن يقدر على مجازاته و قهره و غلبته , مع أن ما هو فيه من المكابدة يكفي لإيقاظه من غفلته و اعترافه بعجزه .

( يقول أهلكت مالا لُّبَدًا ) أي : كثير , بعضه فوق بعض . و سمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات و المعاصي إهلاكا , لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق , و لا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم و الخسار و التعب و القلة , لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير , فإن هذا قد تاجر مع الله , و ربح أضعافا أضعافا ما أنفق .

( أيحسب أن لم يره أحد ) أيحسب أن لم يطلع الله تعالى على باطنه و نيته , حين ينفق ماله في السمعة و الرياء و المباهاة لا على ما ينبغي في مراضي الله , بل قد رآه الله , و حفظ عليه أعماله , ووكل به الكرام الكاتبين , لكل ما عمله من خير و شر .

( ألم نجعل له عينين و لسانا و شفتين ) للجمال و البصر و النطق , و غير ذلك من المنافع الضرورية فيها . قال السيد المرتضى : هذا تذكير بنعم الله عليهم ... و ما تفضل به عليهم من الآلات التي يتوصلون بها إلى منافعهم , و يدفعون بها المضار عنهم .

( و هديناه النجدين ) أي بيّنا له طريق الخير و الشر , و السعادة و الشقاء , بما أودعناه في فطرته و بما أرسلنا به رسلنا و أنزلنا به كتبنا .
و نظير هذه الآية قوله تعالى " إنّا خلقنا الإنسان من نُطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا . إنّا هديناه السبيل إمّا شاكرا و إما كفورا " .

( فلا اقتحم العقبة ) قال ابن زيد : أي : أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة و الخير .

( و ما أدراك ما العقبة ) أي أي شيء أعلمك ما اقتحم العقبة ؟ و في الإستفهام زيادة تقريرها و كونها عند الله تعالى بمكانة رفيعة .

( فك رقبة ) أي فكها من الرق , بعتقها أو مساعدتها على أداء كتابتها , و من باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار. قال رسول لله صلى الله عليه و سلم : " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار , حتى إنه ليعتق باليد اليد , و بالرجل الرجل , و بالفرج الفرج " رواه البخاري و مسلم , و قال صلى الله عليه و سلم : " من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار , عضوا بعضو " صححه الألباني .

( أو إطعام في ذي مسغبة ) قال ابن عباس و عكرمة و مجاهد و الضحاك و قتادة و غير واحد : ذي مجاعة , و السَّغب : هو الجوع , قال إبراهيم النخعي : في يوم الطعام فيه عزيز . فيطعم وقت الحاجة أشد الناس حاجة .

( يتيما ذا مقربة ) أي أطعم في مثل هذا اليوم يتيما ذا قرابة منك , قال السيد المرتضى : و هذا حض على تقديم ذوي النسب و القربى المحتاجين , على الأجانب في الإفضال . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " الصدقة على المسكين صدقة , و على ذي الرحم اثنتان , صدقة و صلة " . صححه الألباني .

( أو مسكينا ذا متربة ) أي فقيرا مُدقعا لاصقا بالتراب من الحاجة و الضرورة , قال ابن عباس : " ذا متربة " هو المطروح في الطريق الذي لا بيت له , و لا شيء يقيه من التراب , و قال عكرمة : هو الفقير المديون المحتاج , و قال سعيد بن جبير : هو الذي لا أحد له . قال ابن كثير : و كل هذه - الأقوال - قريبة المعنى .

( ثم كان من الذين آمنوا ) أي : ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة , مؤمن بقلبه , و يعمل الصالحات بجوارحه من كل قول و فعل , واجب أو مستحب , محتسب ثواب ذلك عند الله عز و جل , كما قال تعالى " و من أراد الآخرة و سعى لها سعيها و هو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا " , و قال " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن " .

( و تواصوا بالصبر ) على طاعة الله و عن معصيته و على أقدار الله المؤلمة بأن يحث بعضهم بعضا على الإنقياد لذلك , و الإتيان به كاملا منشرحا به الصدر , مطمئنة به النفس .

( و تواصوا بالمرحمة ) للخلق , من إعطاء محتاجهم , و تعليم جاهلهم , و القيام بما يحتاجون إليه من جميع الوجوه , و مساعدتهم على المصالح الدينية و الدنيوية , و أن يحب لهم ما يحب لنفسه , و يكره لهم ما يكره لنفسه , أولئك الذين قاموا بهذه الأوصاف , الذين وفقهم الله لاقتحام هذه العقبة ( أولئك أصحاب الميمنة ) لأنهم أدوا ما أمر الله به من حقوقه و حقوق عباده , و تركوا ما نهوا عنه و هذا عنوان السعادة و علامتها .

( و الذين كفروا بأياتنا ) أي بأدلتنا و أعلامنا من الكتب و الرسل و غير ذلك من آيات الأنفس و الآفاق , التي بكل يرتقي إلى معرفة الصراط التي يجب الإستقامة عليه في الإعتقاد و العمل .

( هم أصحاب المشئمة ) أي الشؤم على أنفسهم , أو جهة الشمال التي فيها الأشقياء , قال الإمام : أهل اليمين , في لسان الدين الإسلامي عنوان السعداء , و أهل الشمال عنوان الأشقياء .

( عليهم نار مؤصدة ) أي : مطبقة عليهم , فلا محيد لهم عنها و لا خروج لهم منها , و هي كناية عن حبسهم المخلد فيها و سد سبل الخلاص منها . أجارنا الله و إياكم بفضله و كرمه منها .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:07 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الفجر

مكية و آياتها ثلاثون آية

( و الفجر ) أقسم الله تعالى الفجر , الذي هو آخر الليل و مقدمة النهار , لما في إدبار الليل و إقبال النهار , من الآيات الدالة عل كمال قدرة الله تعالى . و أنه وحده المدبر لجميع الأمور , الذي لا نبغي العبادة إلا له , و يقع في الفجر صلاة فاضلة معظمة , يحسن أن يقسم الله بها . و جائز أن يكون قد أراد تعالى فجر يوم معين , فعن مسروق و مجاهد و محمد بن كعب أن المراد به هو فجر يوم النحر خاصة , و هو خاتمة الليالي العشر .

( و ليال عشر ) هي العشر الأول من شهر ذي الحجة , و فيها الأضحى , و الوقوف بعرفة , الذي يغفر الله فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان , فما رُئِي الشيطان أحقر و لا أدحر منه في يوم عرفة , لما يرى من تَنَزُّل الأملاك و الرحمة من الله لعباده , و يقع فيها كثير من أفعال الحج و العمرة , و هذه أشياء معظمة , مستحقة لأن يقسم الله بها . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام "- يعني عشر ذي الحجة - قالوا : و لا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : " و لا الجهاد في سبيل الله , إلا رجلا خرج بنفسه و ماله , ثم لم يرجع من ذلك بشيء " . رواه البخاري .

( و الشفع و الوتر ) قال ابن جرير : و الصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذِكره أقسم بالشفع و الوتر , و لم يخصص نوعا من الشفع و لا من الوتر , دون نوع , بخبر و لا عقل , و كل شفع و وتر , فهو مما أقسم به . مما قاله أهل التأويل أنه داخل في قسمه هذا , لعموم قسمه بذلك .

( و الليل إذا يسر ) مقبلا أو مدبرا فهو بمعنى و الليل إذا سار و السير يكون صاحبه ذاهبا أو آيبا .

( هل في ذلك قسم لذي حجر ) أي : لذي عقل و لب و حجا و دين , و إنما سمي العقل حجرا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال و الأقوال . قال ابن جرير : أي : هل فيما أقسمت به من هذه الأمور مقنع لذي حجر . و إنما عُني بذلك : أن في هذا القسم مكتفى لمن عقل عن ربه , مما هو أغلظ منه في الأقسام .

( ألم تر كيف فعل ربك بعاد ) ألم تعلم علما يقينيّا كيف عذب ربك عادا , فيعذب هؤلاء أيضا , لاشتراكهم فيما يوجبه من جحود الحق و المعاصي . و عاد قبيلة من العرب البائدة , و تلقب بإرم أيضا , كانوا متمردين عتاة جبارين , خارجين عن طاعته مكذبين لرسله , جاحدين لكتبه , فذكر تعالى كيف أهلكهم و دمرهم , و جعلهم أحاديث و عبر , و هؤلاء عاد الأولى هم أولاد عاد بن إرم بن عَوص بن سام بن نوح , قاله ابن إسحاق و هم الذين بعث الله فيهم رسوله هودا عليه السلام , فكذبوه و خالفوه , فأنجاه الله من بين أظهرهم و من آمن معه منهم , و أهلكهم بريح صرصر عاتية " سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية , فهل ترى لهم من باقية " . و قد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع , ليعتبر بمصرعهم المؤمنون .

( ذات العماد ) كانوا يسكنون بيوت الشَّعر التي ترفع بالأعمدة الشداد لأنهم ينتجعون الغيوث و ينتقلون إلى الكلأ حيث كان , ثم يرجعون إلى منازلهم في الأحقاف في حضر موت .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:08 PM

( التي لم يُخلق مثلها في البلاد ) أي في العِظم و البطش و الأيدي , فقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة و أقواهم بطشا , و لهذا ذكَّرهم هود عليه السلام بتلك النعمة و أرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم فقال : " و اذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح و زادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تُفلحون " . و قال تعالى " فأمّا عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق و قالوا من أشدُّ منّا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة " .

( و ثمود ) هم قوم صالح عليه السلام .

( الذين جابوا الصخر بالواد ) أي قطعوا صخر الجبال , واتخذوا فيها بيوتا لهم و مساكن تقيهم برد الشتاء القارص و حر الصيف اللافح , قال تعالى " و كانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين " , و المراد بالواد واديهم الذي كان بين جبلين من جبالهم التي ينحتون منها البيوت و هو وادي القرى .

( و فرعون ذي الأوتاد ) أي الجنود الذين يشدون له أمره , أو هي أوتاد يشد بها من يعذّبه إذ كان له أربعة أوتاد إذا أراد قتل من كفر به و خرج عن طاعته قيد كل يد بوتد و كل رجل بوتد و يقتله , أو هي القوى و العَدد و العُدد التي تم له بها ملكه , و رسخ بطشه و سلطانه .

( الذين طغوا في البلاد ) هذا الوصف عائد إلى عاد و ثمود و فرعون و من تبعهم , فإنهم طغوا في بلاد الله , و آذوا عباد الله , في دينهم و دنياهم , و لهذا قال " فأكثروا فيها الفساد "

( فأكثروا فيها الفساد ) و العمل بالكفر و شُعبه , من جميع أجناس المعاصي , و سعوا في محاربة الرسل و صد الناس عن سبيل الله , فلما بلغوا من العتو ما هو موجب لهلاكهم أرسل الله عليهم من عذابه ذنوبا و سوط عذاب .

( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) أي : أنزل عليهم رجزا من السماء , و أحل بهم عقوبة لا يَرُدُّها عن القوم المجرمين , بما طغوا في البلاد و أفسدوا فيها , و قد بيّن تعالى إهلاكهم مفصلا في غير ما سورة و آية , فأهلك عاد بالريح الصرصر , و ثمود بالصيحة العاتية , و فرعون بالغرق في البحر .

( إن ربك لبالمرصاد ) أي لهؤلاء الذين قصّ نبأ هلاكهم , و لكل جبار عات و طاغية ظالم , فالله تعالى يرصد خلقه فيما يعملون و يجازي كلا بسعيه في الدنيا و الآخرى , و سيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله , و يقابل كلا بما يستحقه , و هو المنزه عن الظلم و الجور .

( فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعّمه فيقول ربي أكرمني ) فأما الإنسان إذا ما ابتلاه الله تعالى فأكرمه بالمال و الولد و الجاه و نعمه بالأرزاق و الخيرات ليختبره في ذلك , فيعتقد أن ذلك من الله إكراما له , فيقول مفاخرا , ربي فضلني على غيري لمالي من فضائل و مزايا لم تكن لهؤلاء الفقراء , و الأمر ليس كذلك , بل هو ابتلاء و امتحان كما قال تعالى " أيحسبون أنّما نمدُّهم به من مال و بنين , نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " .

( و أمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) و أما إذا اختبره و ضيّق عليه رزقه لينظر تعالى هل يصبر العبد المختبر أو يجزع , فيقول ربي أهانن أي أذلني فأفقرني .

( كلاّ ) أي ليس كل من نعّمته في الدنيا فهو كريم عليّ , و لا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لديّ , فإن الله يعطي المال من يحب و من لا يحب , و يضيق على من يحب و من لا يحب , و إنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين , إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك , و إذا كان فقيرا بأن يصبر , فيثيبه الله على ذلك الثواب الجزيل , و إن كان ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل .

( بل لا تكرمون اليتيم ) الذي فقد أباه و كاسبه , و احتاج إلى جبر خاطره و الإحسان إليه . فأنتم لا تكرمونه بل تهينونه , و هذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم و عدم الرغبة في الخير .

( و لا تحضون على طعام المسكين ) لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء و المساكين , و يحث بعضهم على بعض في ذلك .
و ذلك لأجل الشح على الدنيا و محبتها الشديدة المتمكنة من القلوب و لهذا قال تعالى " و تأكلون التراث أكلا لمّا و تحبون المال حبّا جمّا " .
قال الإمام : و إنما ذكر التحاض على الطعام , و لم يكتف بالإطعام فيقول " و لم تطعموا المسكين " ليصرح لك بالبيان الجليّ أن أفراد الأمة متكافلون و إنه يجب أن يكون لبعضهم على بعض عطف بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر , مع إلتزام كلّ لما يأمر به , و ابتعاده عما ينهى عنه .

( و تأكلون التراث ) أي الميراث .

( أكلاً لمّا ) أي : من أي جهة حصل لهم , من حلال أو حرام . قال بكر بن عبد الله : اللمّ : الإعتداء في الميراث , يأكل ميراثه و ميراث غيره .

( و تحبون المال حبّا جمّا ) أي جمعه و كنزه , حبّا كثيرا شديدا , و هذا كقوله تعالى " بل تؤثرون الحياة الدنيا و الآخرة خير و أبقى " , " كلا بل تحبون العاجلة و تذرون الآخرة " .

( كلاّ ) ردع لهم عن ذلك , و إنكار لفعلهم . و ما بعده وعيد عليه بالإخبار عن ندمهم و تحسرهم حين لا ينفعهم الندم .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:09 PM

( إذا دكت الأرض دكّا دكّا ) أي حركت حركة شديدة و زلزلت زلزالا قويا , و سويت الأرض و الجبال , فلم يبقى عليها شاخص البتّة .

(
و جاء ربك
) لفصل القضاء بين خلقه , و ذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلى الله عليه و سلم , بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد , فكلهم يقول : لست بصاحب ذاكم , حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه و سلم فيقول : " أنا لها , أنا لها " فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك , و هي أول الشفاعات , و هي المقام المحمود , فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء .

(
و الملك صفا صفا
) و تجيء الملائكة الكرام , أهل السماوات كلهم , صفا بعد صف , كل سماء يجيء ملائكتها صفا , يحيطون بمن دونهم من الخلق , و هذه الصفوف صفوف خضوع و ذل للملك الجبار .

(
و جيء يومئذ بجهنم ) تقودها الملائكة بالسلاسل , قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يُؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام , مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها " . رواه مسلم
.

(
يومئذ يتذكر الإنسان
) ما قدمه من خير و شر .

(
و أنّى له الذكرى
) أي : و كيف تنفعه الذكرى ؟ فقد فات أوانها , و ذهب زمانها .

ثم يقول متحسرا على ما فرط في جنب الله (
ياليتني قدمت لحياتي ) يعني : يندم على ما كان سلف منه من المعاصي – إن كان عاصيا – و يود لو كان ازداد من الطاعات – إن كان طائعا – كما روى الإمام أحمد بن حنبل عن محمد بن أبي عَميرة – و كان من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم – قال : " لو أن عبدًا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرمًا في طاعة الله , لََحَقِرَهُ يوم القيامة , و لودَّ أنه يُردَّ إلى الدنيا كيْما يزداد من الأجر و الثواب " . إسناده صحيح
.
و في الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها و كمالها , و في تتميم لذَّتها , هي الحياة في دار القرار , فإنها دار الخلد و البقاء .

(
فيومئذ لا يعذب عذابه أحد
) أي : ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه .

(
و لا يوثق وثاقه أحد
) أي : و ليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم , عز و جل , فإنهم يقرنون بسلاسل من نار , و يسحبون على وجوههم في الحميم , ثم في النار يسجرون , فهذا جزاء المجرمين من الخلائق الظالمين .

و أما من اطمأن إلى الله و آمن به و صدق رسله , فيقال له :
(
يا أيتها النفس المطمئنة
) إلى صادق وعد الله ووعيده في كتابه و على لسان رسوله فآمنت و اتقت و تخلت عن الشرك و الشر فكانت مطمئنة بالإيمان و ذكر الله قريرة العين بحب الله و رسوله و ما وعدها الرحمن .

(
إرجعي إلى ربك
) إلى جواره و ثوابه و ما أعد لعباده في جنته .

(
راضية مرضية
) راضية عن الله , و عن ما أكرمها به من الثواب , و الله قد رضي عنها .

(
فادخلي في عبادي
) أي في جملة عبادي الصالحين الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون .

(
و ادخلي جنتي ) و هذا يقال لها عند الإحتضار , و في يوم القيامة , كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره و عند قيامه من قبره , و كذلك ها هنا .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:09 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الغاشية

مكية و آياتها ست و عشرون آية

( هل أتاك حديث الغاشية ) هذا خطاب من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه و سلم يقول فيه هل أتاك نبأ الغاشية – و هي من أسماء يوم القيامة – و خبرها العظيم وحديثها المهيل المخيف , إن لم يكن أتاك , فقد أتاك الأن , إنه حديث القيامة التي تغشى الناس بأهوالها و صعوبة مواقفها و اشتداد أحوالها , و إليك عرضا سريعا لبعض ما يجري فيها :

( وجوه يومئذ خاشعة ) من الذل و الفضيحة و الخزي , و هي وجوه أهل الكفر بالحق و الجحود له .
و ذكر الوجوه هنا كناية عن أصحابها إذ يطلق الوجه و يراد به الذات .

( عاملة ناصبة ) تاعبة في العذاب من جر السلاسل و الأغلال , و تكليف أشق الأعمال .

( تصلى نارا حامية ) أي تدخل نارا متناهية في الحرارة , تحيط بهم من كل مكان .

( تسقى من عين آنية ) أي بلغت غايتها في شدة الحر , قال تعالى " و إن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه " فهذا شرابهم .

( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) و هو من جنس الشوك , قبيح اللون خبيث الطعم منتن الريح , ترعاه الإبل مادام رطبا , فإذا يبس تحامته , و هو سم قاتل . قال ابن جرير : الضريع عند العرب نبت يقال له الشِبْرِق , و تسميه أهل الحجاز الضريع , إذا يبس .
و لا منافاة بين هذه الآية و آية " و لا طعام إلاّ من غسلين " لأن العذاب ألوان , و المعذبون طبقات , فمنهم أكلة الزقوم , و منهم أكلة الغسلين , و منهم أكلة الضريع .

( لا يسمن و لا يغني من جوع ) لا يحصل به مقصود , و لا يندفع به محذور , فلا يخصب بدن , و لا يسكن داعية النفس و لا نهمها من أجله .

هذه حال من كفر و فجر , كفر بالله و بآياته و لقائه و رسوله , أو فجر عن طاعة الله و رسوله فترك الفرائض و غشي المحارم .

( وجوه يومئذ ناعمة ) أي : قد جرت عليهم نضرة النعيم , فنضرت أبدانهم , و استنارت وجوههم , و سروا غاية السرور .

( لسعيها راضية ) أي : راضية بما قدمته في الدنيا من الأعمال الصالحة , و الإحسان إلى عباد الله , إذ وجدت ثوابه مدخرا مضاعفا , فحمدت عقباه , و حصل لها كل ما تتمناه .

( في جنة عالية ) عالية في محالها و منازلها , فمحلها في أعلى عليين , و منازلها مساكن عالية , لها غرف و من فوق الغرف غرف مبنية يشرفون منها على ما أعد الله لهم من الكرامة .

( لا تسمع فيها لاغية ) أي : لا تسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو و باطل , فضلا عن الكلام المحرم , بل كلامهم كلام حسن نافع مشتمل على ذكر الله تعالى , و ذكر نعمه المتواترة عليهم , و على الآداب المستحسنة بين المتعاشرين الذي يسر القلوب , و يشرح الصدور .

( فيها عين جارية ) أي : لا انقطاع لها .
و ليس المراد بها عينا واحدة , و إنما هذا إسم جنس , يعني : فيها عيون جاريات يفجرونها و يصرفونها كيف شاؤوا , و أنَّى أرادوا .

( فيها سرر مرفوعة ) و السرر جمع سرير . و هي المجالس المرتفعة في ذاتها , و بما عليها من الفرش اللينة الوطيئة , إذا جلسوا عليها رأوا جميع ما خولوه من النعيم و الملك .

( و أكواب موضوعة ) أي : أوانٍ ممتلئة من أنواع الأشربة اللذيذة , قد وضعت بين أيديهم , و أعدت لهم , و صارت تحت طلبهم و اختيارهم , يطوف بها عليهم الولدان المخلدون . و الكوب هو إناء لا أُذن له .

( و نمارق مصفوفة ) وسائد من الحرير و الإستبرق و غيرهما مما لا يعلمه إلا الله , قد صُفت للجلوس و الإتكاء عليها , و قد أريحوا عن أن يضعوها , و يَصُفُّوها بأنفسهم .

( و زرابي مبثوثة ) أي : البسط الحسان , مملوءة بها مجالسهم , مفروشة هنا و هناك لمن أراد الجلوس عليها .

يقول الله تعالى حثًّا للذين لا يصدقون الرسول صلى الله عليه و سلم , و لغيرهم من الناس , أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده :

( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) فإنها خَلق عجيب , و تركيبها غريب , فإنها في غاية القوة و الشدة , و هي مع ذلك تلين للحمل الثقيل , و تنقاد للقائد الضعيف , و تصبر على الجوع و العطش , و تكتفي بما يتيسر لها من شوك و شجر و غير ذلك , مما لا يكاد يرعاه سائر البهائم , و تؤِكل , و ينتفع بوبرها , و يشرب لبنها . و قد نبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل .

( و إلى السماء كيف رفعت ) أي : كيف رفعها الله عز و جل , عن الأرض هذا الرفع العظيم , بغير عمد يدعمها و لا سند يسندها . و كيف رفعت كواكبها رفعا سحيق المدى , و أمسك كل منها في مداره إمساكا لا يختل سيره و لا يفسد نظامه .

( و إلى الجبال كيف نصبت ) أي : جعلت منصوبة قائمة ثابتة راسية , بهيئة باهرة , حصل بها استقرار الأرض و ثباتها عن الإضطراب بأهلها , و جعل فيها ما جعل من المنافع و المعادن .

( و إلى الأرض كيف سطحت ) أي بسطت و مهدت , حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق , فمدت مدًا واسعًا , و سهلت غاية التسهيل . ليستقروا على ظهرها , و يتمكنوا من حرثها و غرسها , و البنيان فيها , و سلوك الطرق الموصلة إلى أنواع المقاصد فيها .
و اعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة , قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها , كما دل على ذلك النقل و العقل و الحس و المشاهد , كما هو مذكور معروف عند أكثر الناس , خصوصا في هذه الأزمنة , التي وقف الناس على أكثر أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد , فإن التسطيح إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدا , الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر . و أما جسم الأرض الذي هو في غاية الكبر و السعة , فيكون كرويا مسطحا , و لا يتنافى الأمران , كما يعرف ذلك أرباب الخبرة .

ففي هذه الآيات -" أفلا ينظرون .... سطحت "- نبّه الله تعالى البدوي على الإستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه , و السماء التي فوق رأسه , و الجبل الذي تجاهه , و الأرض التي تحته , على قدرة خالق ذلك و صانعه , و أنه الرب العظيم الخالق المتصرف المالك , و أنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه . قال الزمخشري : و المعنى أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق , حتى لا ينكروا اقتداره على البعث , فيسمعوا إنذار الرسول صلى الله عليه و سلم و يؤمنوا و يستعدوا للقائه .

( فذكّر إنما أنت مذكّر , لست عليهم بمسيطر ) أي فذكّر – يا محمد – الناس بما أرسلت به إليهم , فإنما عليك البلاغ و علينا الحساب , و لهذا قال " لست عليهم بمسيطر " أي لم تبعث مسيطرا عليهم , مسلطا موكّلا بأعمالهم , فإذا قمت بما عليك , فلا عليك بعد ذلك لوم , قال تعالى " و ما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد " .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله , فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها , و حسباهم على الله عز و جل " , ثم قرأ " فذكّر إنما أنت مذكّر , لست عليهم بمسيطر " رواه مسلم .

( إلا من تولى و كفر ) أي : تولى عن العمل بأركانه , و كفر بالحق بجنانه و لسانه , و هذه كقوله تعالى " فلا صدق و لا صلى , و لكن كذّب و تولّى "

( فيعذّبه الله العذاب الأكبر ) أي : الشديد الدائم , و هو عذاب الآخرة

( إنّ إلينا إيابهم ) أي رجوعهم إلينا لا إلى غيرنا , بالموت و البعث .

( ثم إنّ علينا حسابهم ) أي : نحن نحاسبهم على أعمالهم و نجازيهم بها , إن خيرا فخير , و إن شرا فشر . لذا فلا يضرك يا رسولنا إعراضهم و لا توليهم , و حسبك تذكيرهم فمن اهتدى نجا و نجاته لنفسه , و من ضلّ فإنما يضل عليها إذ عاقبة ضلاله و هي الخسران التام عائدة عليه .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:09 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الأعلى

مكية و آياتها تسع عشرة آية

( سبح اسم ربك الأعلى ) أي نزه ربك عما يصفه به المشركون من الولد و الشريك و نحوهما , كقوله " سبحان ربك ربّ العزّة عمّا يصفون " . و الأعلى صفة للرب تبارك و تعالى دالة على علوه على خلقه فالخلق كله تحته و هو قاهر له و حاكم فيه .

( الذي خلق فسوّى ) أي أوجد من العدم المخلوقات و سوّى خلقها كل مخلوق في أحسن الهيئات , فعدل أجزاءه و سوّى بينها فلا تفاوت فيها , و يدل هذا على أنه صادر عن عالم , و إنه صنعة حكيم كما قال الزمخشري .

( و الذي قدر فهدى ) أي قدّر الأشياء في كتاب المقادير من خير و غيره و هدى كل مخلوق إلى ما قدره له أو عليه فهو طالب له حتى يدركه في زمانه و مكانه و على الصورة التي قدر عليها . قال صلى الله عليه و سلم : " إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات و الأرض بخمسين ألف سنة , و كان عرشه على الماء " رواه مسلم .

( و الذي أخرج المرعى ) أي : أنزل من السماء ماء فأنبت به أنواع النبات و العشب الكثير , فرتع فيها الناس و البهائم و كل حيوان .

( فجعله غثاء أحوى ) أي جعله بعد خضرته و نضرته جافا يابسا تطير به الريح , و " أحوى " أي أسود , لأن النبات إذا يبس تغيّر إلى " الحوّة " و هي السواد .

هذه خمس آيات , الآية الأولى تضمنت الأمر بتنزيه إسم الله , و الأربع بعدها في التعريف به سبحانه و تعالى حتى يعظم إسمه و تعظيم ذاته و تنزه عن الشريك و الصحابة و الولد .

( سنقرئك فلا تنسى ) قال الزمخشري : بشره الله بإعطاء آية بينة , و هي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي , و هو أميّ لا يكتب و لا يقرأ , فيحفظه و لا ينساه .
و هذه بشارة كبيرة لعبده و رسوله محمد صلى الله عليه و سلم , أن الله سيعلمه علما لا ينساه . قال الرازي : هذه آية تدل على المعجزة من وجهين : - إحداهما : إنه كان رجلا أميّا فحفظه لهذا الكتاب المطول عن غير دراسة و لا تكرار و لا كتبة , خارق للعادة , فيكون معجزا . – ثانيهما : إن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة , فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة سيقع في المستقبل , و قد وقع , فكان هذا إخبارا عن الغيب , فيكون معجزا .

( إلا ما شاء الله ) مما اقتضت حكمته أن ينسيكه لمصلحة بالغة , مثل قوله تعالى " ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها ألم تعلم بأن الله على كل شيء قدير "

( إنه يعلم الجهر و ما يخفى ) أي : يعلم ما يجهر به العباد و ما يخفونه من أقوالهم و أفعالهم , لا يخفى عليه من ذلك شيء .

( و نيسرك لليسرى ) أي نسهل عليك أفعال الخير و أقواله , و نشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا , لا اعوجاج فيه و لا حرج و لا عسر .

( فذكّر إن نفعت الذكرى ) أي ذكّر بشرع الله و آياته مادامت الذكرى مقبولة , و الموعظة مسموعة , سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه .
و مفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى , بأن كان التذكير يزيد في الشر , أو ينقص من الخير , لم تكن الذكرى مأمورا بها , بل منهيا عنها , فالذكرى ينقسم الناس فيها قسمين : منتفعون و غير منتفعين .

فأما المنتفعون , فقد ذكرهم الله بقوله ( سيذّكر من يخشى ) أي سيذكّر و يتعظ من يخشى عقاب الله لإيمانه به و معرفته له .

و أما غير المنتفعين فذكرهم بقوله ( و يتجنّبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ) أي يدخل النار الكبرى نار يوم القيامة .

( ثم لا يموت فيها و لا يحيى ) أي لا يموت فيستريح و لا يحيا حياة تنفعه , بل هي مضرة عليه , لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب , و أنواع النكال . قال الله تعالى " لا يُقضى عليهم فيموتوا و لا يُخفف عنهم من عذابها " , و قال صلى الله عليه و سلم " أما أهل النار الذي هم أهلها , فإنهم لا يموتون فيها و لا يحيون ... " رواه مسلم .

( قد أفلح من تزكى ) أي فاز و ظفر من تطهر من دنس الشرك و المعاصي , و عمل بما أمره الله به .

( و ذكر اسم ربه فصلى ) أي : إتصف بذكر الله , و انصبغ به قلبه , فأوجب له ذلك العمل بما يرضي الله , خصوصا الصلاة , التي هي ميزان الإيمان .

( بل تؤثرون الحياة الدنيا ) أي تقدمونها على الآخرة , و تختارون نعيمها المنغص المكدر الزائل على الآخرة .

( و الآخرة خير و أبقى ) أي : ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا و أبقى , فإن الدنيا دنيّة فانية , و الآخرة شريفة باقية , فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى , و يهتم بما يزول عنه قريبا , و يترك الإهتمام بدار البقاء و الخلد ؟!

( إن هذا لفي الصحف الأولى , صحف إبراهيم و موسى ) أي إن قوله تعالى " قد أفلح من تزكى " إلى قوله " خير و أبقى " مذكور في كل من صحف إبراهيم و كانت له عشر صحف و لموسى التوراة .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:10 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الطارق

مكية و آياتها سبع عشرة آية

( والسماء و الطارق ) هذا قسم إلهي – قال العلماء : افتتاح السورة بالقسم تحقيق لما يقسم و تشويق إليه – حيث أقسم تعالى بالسماء و ما جعل فيها من الكواكب النيرة .

( و ما أدراك ما الطارق ) تفخيم من شأنه بالإستفهام عنه الدال على تهويله و تعظيمه . ثم فسره بقوله " و النجم الثاقب " .

( النجم الثاقب ) قال قتادة و غيره : إنما سمي النجم طارقا , لأنه إنما يرى بالليل و يختفي بالنهار , و يؤيده ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري " نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا " , أي : يأتيهم فجأة بالليل . و " الثاقب " : أي المضيء . كأنه يثقب ظلمة الليل و ينفذ فيه , فيبصر بنوره و يهتدي به . و قال السدي : يثقب الشياطين إذا أرسل عليها . و قال عكرمة : هو مضيء و محرق للشياطين .

و المقسم عليه هو قوله تعالى ( إن كل نفس لّمّا عليها حافظ ) أي أن كل نفس عليها حافظ – أي مهيمن عليها رقيب , و هو الله تعالى كما في آية " و كان الله على كل شيء رّقيبا " – يحفظ أعمالها فيحصى عليها ما تكسب من خير أو شر لتحاسب عليها و تجزي بها و هذا إثبات للبعث الآخر بطريقة الكناية .

( فلينظر الإنسان مّما خلق ) فليتدبر خلقته و مبدأه و من أي شيء خلقه . و هذا تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خُلق منه , و إرشاد له إلى الإعتراف بالمعاد , لأن من قدر على البَدَاءة فهو قادر على الإعادة بطريق أولى , كما قال " و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده و هو أهون عليه " .

( خُلق من ماء دافق ) يعني : المني , يخرج دفقا من الرجل و من المرأة فيتولد منهما الولد بإذن الله عز و جل .

( يخرج من بين الصلب و التّرائب ) قال الإمام : الصلب هو كل عظم من الظهر فيه فقار . و يعبر عنه في كلام العامة بسلسلة الظهر . و قد يطلق بمعنى الظهر نفسه إطلاقا لإسم الجزء على الكل , و الترائب موضع القلادة من الصدر .
قال بعض علماء الطب : الترائب جمع تريبة و هي عظام الصدر في الذكر و الأنثى . و يغلب إستعمالها في موضع القلادة من الأنثى .
قال الإمام : و معنى الآية أن المنيّ باعتبار أصله و هو الدم , يخرج من شيء ممتد بين الصلب – أي فقرات الظهر في الرجل – و الترائب أي عظام صدره . و ذلك الشيء الممتد بينهما هو الأبهر " الأورطي " و هو أكبر شريان في الجسم يخرج من القلب خلف الترائب و يمتد إلى آخر الصلب تقريبا . و منه تخرج عدة شرايين عظيمة , و منها شريانان طويلان يخرجان منه بعد شرياني الكليتين , و ينزلان إلى أسفل البطن حتى يصلا إلى الخصيتين , فيغذيانهما . و من دمهما يتكون المنيّ في الخصيتين و يسميان شرياني الخصيتين , أو الشريانين المنويين فلذا قال تعالى عن المنيّ " يخرج من بين الصلب و الترائب " لأنه يخرج من مكان بينهما و هو الأورطي أو الأبهر . و هذه الآية على هذا التفسير , تعتبر من معجزات القرآن العلمية .

( إنه على رجعه لقادر ) فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق , يخرج من هذا الموضع الصعب , قادر على رجعه في الآخرة , و إعادته للبعث و النشور و الجزاء .

( يوم تبلى السرائر ) أي تظهر و تعرف خفيات الضمائر , و يبقى السر علانية و المكنون مشهورا , فيظهر برّ الأبرار , و فجور الفجار . و قد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " يرفع لكل غادر لواء في إسته , يقال : هذه غَدْرة فلان بن فلان " .

( فما له من قوة و لا ناصر ) أي ليس لهذا الكافر و المكذب بالبعث و الحياة الثانية ما له قوة يدفع بها عن نفسه عذاب ربّه و لا ناصر ينصره فيخلصه من العذاب .

ثم أقسم الله تعالى قسما ثانيا على صحة القرآن فقال :

( و السماء ذات الرجع ) أي المطر , يسمى رجعا لأنه تعالى يرجعه وقتا فوقتا إلى العباد , و لولاه لهلكوا و هلكت مواشيهم .

( و الأرض ذات الصدع ) أي و الأرض ذات التشقق عن النبات و الزروع المختلفة .

( إنه لقول فصل ) أي إن القرآن حق و صدق , بيّن واضح , و حكم عدل في كل مختلف فيه من الحق و الباطل .

( و ما هو بالهزل ) أي و ليس القرآن باللعب الباطل , بل هو الحق من الله الذي لا باطل معه .

( إنهم يكيدون كيدا ) أي إن المكذبين بالقرآن و الجاحدين لحقه يمكرون مكرا لإبطال أمر الله و إطفاء نوره .

( و أكيد كيدا ) أي و أنا أمكر بهم و أكيد لهم كيدا , لإظهار الحق , و لو كره الكافرون . و لدفع ما جاؤوا به من الباطل , و يعلم بهذا مَنِ الغالب , فإن الآدمي أضعف و أحقر من أن يغالب القوي العليم في كيده .

( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) أي لا تستعجل لهم عقابهم و أنظرهم قليلا , و سترى ماذا أحل بهم من العذاب و النكال و العقوبة و الهلاك – كما قال تعالى " نمتّعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ " - , فقد كتبنا في كتاب عندنا " لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز " .
و قد أنجز الله وعده لرسوله و المؤمنين فلم يمض إلاّ سنوات قلائل , و لم يبق في مكة من سلطان إلا الله , و لا معبود يعبد إلا الله .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:10 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة البروج

مكية و آياتها إثنتان و عشرون آية

( والسماء و البروج ) هذا قسم من أعظم الأقسام إذ أقسم تعالى فيه بالسماء ذات المنازل المشتملة على منازل الشمس و القمر , و الكواكب المنتظمة في سيرها , على أكمل ترتيب و نظام دال على كمال قدرة الله تعالى و رحمته , و سعة علمه و حكمته . قال ابن جرير : هي منازل الشمس و القمر , و هي إثنا عشر برجا , تسير الشمس في كل واحد منها شهرا , و يسير القمر في كل واحد يومين و ثلثا , فذلك ثمانية و عشرون منزلا , و يستتر ليلتين .

( و اليوم الموعود ) و هو يوم القيامة , الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه , و يضم فيه أولهم و آخرهم , و قاصيهم و دانيهم , ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون .

( و شاهد و مشهود ) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " اليوم الموعود يوم القيامة و اليوم المشهود يوم عرفة و الشاهد يوم الجمعة " حسنه الإمام الألباني .

و المقسم عليه , ما تضمنه هذا القسم من آيات الله الباهرة , و حِكمه الطاهرة , و رحمته الواسعة , و قيل : إن المقسم عليه قوله " قتل أصحاب الأخدود " .

( قتل أصحاب الأخدود ) أي لعن أصحاب الأخدود و الدعاء عليهم بالهلاك , و الأخدود حفرة في الأرض مستطيلة .
و هذا خبر عن قوم من الكفار عَمَدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله , عز و جل , فقهروهم و أرادوهم أن يرجعوا عن دينهم , فأبوا عليهم , فحفروا لهم في الأرض أخدودا و أججوا فيه نار , و أعدوا لها و قودا يسعرونها به , ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم , فقذفوهم فيها , و لهذا قال تعالى " قتل أصحاب الأخدود , النّار ذات الوقود , إذ هم عليها قعود , و هم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود " .

( النار ذات الوقود ) النار ذات الحَطب الجزل الموقد به .

( إذ هم عليها قعود ) أي على حافات الأخدود قاعدين يتشفون من المؤمنين .

( و هم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ) و هم على ما يفعلون بالمؤمنين من الإلقاء في النار و الإرتداد عن الإسلام حضور يشاهدون احتراق الأجساد الحية و ما تفعل بها النيران , لا يرقّون لهم , و هذا من أعظم ما يكون من التجبر و قساوة القلب , لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله و معاندتها , و محاربة أهلها و تعذيبهم بهذا العذاب , الذي تنفطر منه القلوب , و حضورهم إياهم عند إلقائهم فيها .

( و ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) أي و ما عابوا عنهم شيئا سوى إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه , المنيع الحميد في جميع أفعاله و أقواله و شرعه و قدره , و إن كان قد قدّر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به , فهو العزيز الحميد , و إن خفي سبب ذلك على كثير من الناس .

( الذي له ملك السماوات و الأرض ) من تمام الصفة أنه المالك لجميع السماوات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما , ليس لغيره ملك في شيء معه .

( و الله على كل شيء شهيد ) أي على كل شيء من أفاعيل هؤلاء الفجرة أصحاب الأخدود و غيرهم , شاهد شهودا لا يخفى عليه منه مثقال ذرة , و هو مجازيهم عليه .
أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله , أن يبطش بهم العزيز المقتدر , أو ما علموا أنهم جميعهم مماليك لله , ليس لأحد على أحد سلطة , من دون إذن المالك ؟ أو خفي عليهم أن الله محيط بأعمالهم , مجازٍ لهم على فعالهم ؟ كلا إن الكافر في غرور , و الظالم في جهل و عمى عن سواء السبيل .

( إن الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات ) أي فتنوهم عن دينهم فأحرقوهم بالنار , و الآية عامة ليست خاصة بأصحاب الأخدود , و لا بكفار قريش , و إنما عامة في كل من يفتن المؤمنين و المؤمنات في دينهم فيصرفهم عنه بأنواع من التعذيب , و جزاؤهم ما ذكر في الآية و هو عذاب جهنم و عذاب الحريق , إلا من تاب قبل موته .

( ثم لم يتوبوا ) بعد فتنتهم للمؤمنين و المؤمنات , لم يتوبوا عن كفرهم و فتنتهم , و لم يقلعوا عما فعلوا , و يندموا على ما أسلفوا .
قال الحسن البصري : أنظروا إلى هذا الكرم و الجود , هم قتلوا أولياءه و أهل طاعته , و هو يدعوهم إلى التوبة و المغفرة .

( فلهم عذاب جهنم و لهم عذاب الحريق ) أي العذاب الشديد المحرق , و ذلك أن الجزاء من جنس العمل .

( إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات ) أي من هؤلاء المفتونين و غيرهم ( لهم ) أي في نشأتهم الأخرى ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) أنهار من الماء و اللبن و الخمر و العسل ( ذلك الفوز الكبير) أي التام الذي لا فوز مثله , لأنه نجاة من النار أولا و دخول الجنة ثانيا , قال تعالى " فمن زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " .

لما ذكر تعالى ما توعد به الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات من أجل إيمانهم أخبر رسوله – صلى الله عليه و سلم – معرّضا بمشركي قومه و طغاتهم الذين آذوا المؤمنين في مكة من أجل إيمانهم أخبره بقوله :
( إن بطش ربك لشديد ) أي إن عقوبته لأهل الجرائم و الذنوب العظام لقوية شديدة , فإنه تعالى ذو القوة المتين .

( إنه هو يُبدئ و يُعيد ) أي من قوته و قدرته التامة يبدئ الخلق ثم يعيده كما بدأه , بلا ممانع و لا مدافع . قال الإمام : " و هو في كل يوم يبدئ الخلق من نبات و حيوان و غيرهما , ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى , ثم هو يعيد الناس في اليوم الآخر على النحو الذي يعلمه " . و الذي يبدئ و يعيد لا يكون بطشه إلا قويا شديدا .

( و هو الغفور الودود )
" الغفور " الذي يغفر الذنوب جميعا لمن تاب – و لو كان الذنب من أي شيء كان – و يعفو عن السيئات لمن استغفره و أناب .
" الودود " أي المحب لمن أطاعه و أخلص له .
و في اقتران الودود بالغفور سر لطيف , حيث يدل ذلك على أن أهل الذنوب إذا تابوا إلى الله و أنابوا , غفر لهم ذنوبهم و أحبهم , فلا يقال : بل تُغفر ذنوبهم , و لا يَرجع إليهم الود , كما قاله بعض الغالطين .

( ذو العرش المجيد ) أي : صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق . فمن عظمته أنه وسع السماوات و الأرض و الكرسي , فهي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة , بالنسبة لسائر الأرض , و خص الله العرش بالذكر , لعظمته , و لأنه أخص المخلوقات بالقرب منه تعالى , و هذا على قراءة الجر , يكون " المجيد " نعتا للعرش , و أما على قراءة الرفع , فإنّ "المجيد" نعت لله - و كلاهما معنى صحيح - , و المجد سعة الأوصاف و عظمتها .

( فعّال لما يريد ) أي لا يريد شيئا إلا فعله , فلا يحول بينه و بين مراده شيء , لأنه لا معقب لحكمه , و لا يسأل عما يفعل , لعظمته و قهره و حكمته و عدله .

( هل أتاك حديث الجنود , فرعون و ثمود ) أي : هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس , و أنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد , لما طغوا و بغوا و كفروا و عصوا ؟ نعم قد أتاك , قال ابن جرير : " قد أتاك ذلك , و علمته , فاصبر لأذى قومك إياك , لما نالوك به من مكروه , كما صبر الذين تجند هؤلاء الجنود عليهم من رسلي , و لا يثنينّك عن تبليغهم رسالتي , كما لم يثن الذين أرسلوا إلا هؤلاء , فإن عاقبة من لم يصدقك و يؤمن بك منهم , إلى عطب و هلاك , كالذي كان من هؤلاء الجنود " .
فالجملة تقرير لقوله " إن بطش ربك لشديد " أي : إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما , أخذ عزيز مقتدر .

( بل الذين كفروا في تكذيب ) أي : لا يزالون مستمرين على التكذيب و العناد , لا تنفع فيهم الآيات , و لا تُجدي لديهم العظات , لأنه تكذيب ناشئ من الكبر و الحسد و الجهل فلذا هم لم يؤمنوا بعد .

( و الله من ورائهم مُّحيط ) أي : هم في قبضته و تحت قهره و سلطانه لا يخفى عليه منهم شيء , و لا يحول بينه و بينهم أحد , فمتى ما أراد أخذهم فعل .

( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) يرد بهذا على المشركين الذين قالوا في القرآن إنه سحر و شعر و أساطير الأولين فقال : ليس هو كما قالوا و ادّعوا و إنما هو قرآن مجيد بالغ الغاية في المجد و الشرف و السمو و العلو في ألفاظه و معانيه , و ما يحمل من هدي و تشريع و أنه في مناعته لا تصل إليه أيدي الخلق بالتحريف و التبديل إذ هو في لوح محفوظ من التغيير و الزيادة و النقص , محفوظ من الشياطين فلا تمسه و لا تقربه , و هذا يدل على جلالة القرآن و جزالته , و رفعة قدره عند الله تعالى .
و اللوح المحفوظ هو الذي أثبت الله فيه كل شيء , و هو في الملأ الأعلى .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:11 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الإنشقاق

و تسمى كذلك سورة إذا السماء انشقت , و هي مكية و آياتها خمس و عشرون آية .

يقول تعالى مبينا لما يكون في يوم القيامة من تغيير الأجرام العظام :

( إذا السماء انشقت ) أي انصدعت و تقطعت , و تمايز بعضها من بعض , و انتثرت نجومها , و خسف بشمسها و قمرها .

( و أذنت لربّها ) أي : استمعت لربها و أطاعت أمره فيما أمرها به من الإنشقاق .

( و حقّت ) أي : و حق لها أن تطيع أمره , لأنه العظيم الذي لا يُمَانَع و لا يغالب , بل قد قهر كل شيء و ذل له كلّ شيء .

( و إذا الأرض مدت ) أي بُسطت ووسعت و جعلت مستوية , و ذلك بنسف جبالها و آكامها , حتى صارت تسع أهل الموقف على كثرتهم .

( و ألقت ما فيها ) أي ما في جوفها من الكنوز و الأموات .

( و تخلّت ) حتى لم يبق شيء في باطنها .

( و أذنت لربّها و حقّت ) أي : انقادت له في التخلية , و حق لها ذلك , و إعادة الآية للتنبيه على أن ذلك تحت سلطان الجلال الإلهيّ و قهره و مشيئته .

( يا أيها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه ) قال ابن جرير : " أي إنك عامل إلى ربك عملا فملاقيه به , خيرا كان أو شرا " . ثم تلاقي الله يوم القيامة , فلاتعدم منه جزاء بالفضل إن كنت سعيدا , أو بالعدل إن كنت شقيا . و لهذا ذكر تفصيل الجزاء بعد هذه الآية . و المعنى المراد به في الآية : فليكن عملك مما ينجيك من سخطه , و يوجب لك رضاه , و لا يكن مما يسخطه عليك فتهلك .

( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) و هم من آمن و عمل صالحا و اتصف بما وصف به الأبرار , في غير ما آية .

( فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) قال ابن جرير : بأن ينظر في أعماله فيغفر له سيئها و يجازي على حسنها . فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في بعض صلاته : " اللهم حاسبني حسابا يسيرا " . فلما انصرف قلت : يا رسول الله , ما الحساب اليسير ؟ قال : " أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه , إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلَك " قال ابن كثير صحيح على شرط مسلم . " قلت ( عبد الحي) : قال الشيخ شعيب الأرنؤوط و رفاقه في تحقيق مسند الإمام أحمد حديث صحيح دون قوله : سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول في صلاته اللهم حاسبني حسابا يسيرا ( 24215/40 )" .
و عنها أيضا قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من نوقش الحساب عذب " قالت : فقلت : أليس قال الله : " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " قال : " ليس ذاك الحساب , و لكن ذلك العَرْض , من نوقش الحساب يوم القيامة عذب " رواه البخاري و مسلم .

( و ينقلب إلى أهله مسرورا ) و يرجع إلى أهله – و هم الحور العين و النساء المؤمنات و الذرية الصالحة , أو قومه ممن يجانسه و يقارنه من أصحاب اليمين – فرحان مغتبطا بما أعطاه الله عز و جل .

( و أما من أوتي كتابه وراء ظهره ) أي : أعطي كتاب عمله بشماله – حيث تغل اليمنى مع عنقه – من وراء ظهره , و هو على هيئة المغضوب عليه .

( فسوف يدعو ثبورا ) أي يُنادي بالهلاك – و هو أن يقول : واثبوراه ! و واويلاه ! – من الخزي و الفضيحة , و ما يجد في كتابه من الأعمال التي قدمها و لم يتب منها .

( و يصلى سعيرا ) أي يدخل نارا مستعرة شديدة الإلتهاب تحيط به من كل جانب و يقلب على عذابها حتى ينضح فيها لحمه المرة بعد المرة و أبداً و العياذ بالله .

( إنه كان في أهله مسرورا ) لا يخاف الله و لا يرجو الدار الآخرة يعمل ما يشاء و يترك ما يشاء , لا يفكر في العواقب . منعما مستريحا من التفكر في الحق و الدعاء إليه و الصبر عليه . لا يهمه إلا أجوفاه , بطراً بالنعم , ناسيا لمولاه .

( إنّه ظنّ أن لا يحور ) أي لن يرجع إلى ربه , أو إلى الحياة بالبعث , لاعتقاده أنه يحيى و يموت و لا يهلكه إلا الدهر . فلم يكُ يرجو ثوابا و لا يخشى عقابا و لا يُبالي ما ركب من المآثم , على خلاف ما قيل عن المؤمنين " إنّا كنّا قبل في أهلنا مشفقين " " إنّي ظننت أنّي ملاق حسابيه " .

( بلى ) أي ليحورن و ليرجعن إلى ربه حيّا كما كان قبل مماته , و يجازيه على أعماله خيرها و شرها .

( إنّ ربه كان به بصيرا ) أي عليما خبيرا , لا يخفى عليه من أمره شيء , و نتيجة لذلك تمّ له هذا الحساب و العقاب .

( فلا أقسم بالشّفق ) قال ابن جرير : " أقسم الله بالنهار مدبرا , و بالليل مقبلا " . و الشفق هو الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة , قال صلى الله عليه و سلم : " وقت المغرب مالم يغب الشفق " . رواه مسلم .

( و الليل و ما وسق ) أي و ما جمع من كل ذي روح من سابح في ماء و طائر في السماء و سارح في الغبراء , لأنه إذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه .

( و القمر إذا اتسق ) أي اجتمع و تم نوره و صار كاملا و ذلك في الليالي البيض .

و جواب القسم قوله تعالى ( لتركبنّ طبقا عن طبق ) أي حالا بعد حال الموت الحياة , ثم العرض ثم الحساب , ثم الجزاء فهي أحوال و أهوال فليس الأمر كما تتصورون من أنه موت و لا غير .

( فما لهم لا يؤمنون ) أي ما للناس لا يؤمنون , أي شيء منعهم من الإيمان بالله و رسوله و الدار الآخرة مع كثرة الآيات و قوة الحجج و سطوع البراهين .

( و إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) أي : لا يخضعون للقرآن , و لا ينقادون لأوامره و نواهيه .

( بل الذين كفروا يكذبون ) أي : يعاندون الحق بعدما تبين , فلا يستغرب عدم إيمانهم و عدم انقيادهم للقرآن , فإن المكذب بالحق عنادا , لا حيلة فيه . قال الإمام : لا تظن أن قرع القرآن لم يكسر أغلاق قلوبهم , و لم يبلغ صوته أعماق ضمائرهم , بلى , قد أبلغ و أقنع فيما بلغ , و لكن العناد هو الذي يمنعهم عن الإيمان , و يصدهم عن الإذعان , فليس منشأ التكذيب قصور الدليل . و إنما هو تقصير المستدل و إعراضه عن هدايته .

( و الله أعلم بما يوعون ) أي : بما يسرون في صدورهم من حقية التنزيل , و إن أخفوه عنادا , أو بما يضمرون من البغي و المكر , فسيجزيهم عليه و لذا قال ( فبشرهم بعذاب أليم ) أي : فأخبرهم – يا محمد – بأن الله عز و جل قد أعد لهم عذابا أليما جزاء على تكذيبهم و إعراضهم و بغيهم .
و سميت البشارة بشارة , لأنها تؤثر في البشرة سرورا أو غما .

( إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) هذا استثناء منقطع , يعني : لكن الذين آمنوا بقلوبهم , و عملوا الصالحات بجوارحهم لهم أجر في الدار الآخرة غير منقوص و لا مقطوع , بل هو أجر دائم مما لا عين رأت , و لا أذن سمعت , و لا خطر على قلب بشر .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:12 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة المطففين

مدنية الأوائل مكية الأواخر و آياتها ست و ثلاثون آية

قال ابن عباس : " لما قدم نبي الله صلى الله عليه و سلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا , فأنزل الله " و يل للمطففين " , فحسَّنوا الكيل بعد ذلك " صححه الألباني .
و قال أحد الأنصار رضي الله عنه : كُنَّا أسوأ الناس كيلا , حتى إنه ليكون لأحدنا مكيالان مكيال يشتري به و آخر يبيع به و ما إن نزلت فينا ويل للمطففين حتى أصبحنا أحسن كيلا ووزنا . قال الفرّاء : فهم من أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا .

( ويل للمطففين ) يتوعد الله تعالى المطففين بالخسار و الهلاك . و التطفيف ها هنا : هو البَخْس في المكيال و الميزان , إما بالإزدياد إن اقتضى من الناس , و إما بالنقصان إن قضاهم .

( إذا اكتالوا على الناس يستوفون ) إذا اشتروا من الناس يأخذون كيلهم وافيا و زائدا , على إيهام أن بذلك تمام الكيل . و إذا فعلوا ذلك في الكيل الذي هو أجلّ مقدارا , ففي الوزن بطريق الأولى .

( و إذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون ) أي كالوا للناس أو وزنوا لهم , ينقصونهم حقهم الواجب لهم – و هو الوفاء و التمام – سواء بمكيال و ميزان ناقصين , أو بعدم ملء المكيال و الميزان , أو نحو ذلك .

فهذا سرقة لأموال الناس في الأخذ و الدفع , و لو في القليل , لأن من دَنُؤَت نفسه إلى القليل دل على فساد طويته و خبث ملكته , و أنه لا يقعده عن التوثب إلى الكثير إلا عجز أو رقابة .
و قد أمرنا الله تعالى بالوفاء بالكيل و الميزان فقال " و أوفوا الكيل إذا كلتم و زنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير و أحسن تأويلا " , و قال " و أوفوا الكيل و الميزان بالقسط لا تكلّف نفسا إلاّ وسعها " , و قال " و أقيموا الوزن القسط و لا تُخسروا الميزان " . و أهلك الله قوم شعيب و دمّرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال و الميزان .

( ألا يظن أولئك أنّهم مبعوثون ليوم عظيم ) أما يخاف أولئك من البعث و القيام بين يديّ من يعلم السرائر و الضمائر , في يوم عظيم الهول كثير الفزع , جليل الخطب , من خسر فيه أدخل نارًا حامية ؟ .

( يوم يقوم النّاس لرب العالمين ) يقومون حفاة عراة غُرْلاً – قلت " عبد الحي " : أي غير مختونين - , في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم , و يغشاهم من أمر الله ما تعجز القوى و الحواس عنه .
عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ( يوم يقوم النّاس لرب العالمين ) حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " رواه البخاري و مسلم .
و روى الإمام أحمد عن ابن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " ( يوم يقوم النّاس لرب العالمين ) لعظمة الرحمن عز وجل يوم القيامة , حتى إن العرق ليُلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم " قال الشيخ أحمد شاكر إسناده صحيح .
و عن المقداد بن الأسود الكندي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " إذا كان يوم القيامة أُدْنِيَت الشمس من العباد , حتى تكون قيدَ ميل أو ميلين , قال : فتصهرهم الشمس , فيكونون في العرق كقدر أعمالهم , منهم من يأخذه إلى عقبيه , و منهم من يأخذه إلى ركبتيه , و منهم من يأخذه إلى حَقْوَيه , و منهم من يلجمه إلجاما " رواه مسلم .

فالذي جرأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر , و إلا فلو آمنوا به , و عرفوا أنهم يقومون بين يدي الله , يحاسبهم على القليل و الكثير , لأقلعوا عن ذلك و تابوا منه .

( كلاّ ) ردع عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب و ضعف اعتقادهم به .

( إنّ كتاب الفُجّار ) و هذا شامل لكل فاجر من أنواع الكفرة و المنافقين و الفاسقين , و الكتاب ما كتب فيه من عملهم السيء و أحصي عليهم .

( لفي سجّين ) موضع في أسفل الخلق به أرواح الكافرين و الظالمين و كتب أعمالهم . و هو سجن مقيم و عذاب أليم . قال القاشانيّ : " لفي سجّين " في مرتبة من الوجود مسجون أهلها في حبوس ضيقة مظلمة أذلاء أخساء في أسفل مراتب الطبيعة و دركاتها . و هو ديوان أعمال أهل الشرّ .

( و ما أدراك ما سجين ) أي و ما أعلمك يا رسولنا ما سجين . و الإستفهام للتهويل و تفخيم من شأن سجين .

( كتاب مرقوم ) أي مسطور بيّن الكتابة , مذكور فيه أعمالهم الخبيثة . و هو كتاب مفروغ منه , لا يزاد فيه أحد و لا ينقص منه أحد .

( ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين ) أي العذاب الأليم بوادي الويل يوم القيامة للمكذبين بالله و آياته و لقائه , المكذبين بيوم الجزاء و الحساب . و فيه إشعار بأن المطففين ممن يتناولهم هذا الوصف , لأن إصرارهم على التعدي و الإجترام يدل على عدم الظن بالبعث .

( و ما يكذب به إلا كل معتد أثيم ) و ما يكذب بيوم الجزاء و الحساب إلا كل معتد ظالم متجاوز للحد بالإفراط في أفعاله بالبغي و العدوان , مبالغ في ارتكاب أفانين الإثم و أنواع المعاصي .

( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) هذا بيان لذلك المعتدي الأثيم و هو أنه إذا قُرئت عليه آيات الله تذكيراً له و تعليمًا ردًّها بقوله أساطير الأولين أي هذه الحكايات من ترهات المتقدمين و أخبار الأمم الغابرين , ليس من عند الله تكبُّرا و عنادًا .

( كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسون ) أي : ليس الأمر كما زعموا و لا كما قالوا , إن هذا القرآن أساطير الأولين , بل هو كلام الله ووحيه و تنزيله على رسوله صلى الله عليه و سلم , و إنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرَّين – قال الحسن البصري : هو الذنب على الذنب , حتى يعمى القلب , فيموت . و كذا قال مجاهد و قتادة , و ابن زيد , و غيرهم – الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب و الخطايا . قال النبي صلى الله عليه و سلم : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكت في قلبه نكتة , فإن هو نزع و استغفر و تاب صُقل قلبه . فإن عاد زيد فيها حتى يعلو قلبه , فهو الران الذي قال الله تعالى ( كلاّ بل ران على قلوبهم مّا كانوا يكسبون ) " صححه الألباني .

( كلاّ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) أي ردعا لهم و زجرا عن أقوالهم الباطلة و أعمالهم الفاسدة , أو بمعنى حق , إنهم محجوبون عن رؤية ربهم و خالقهم . قال ابن جرير : أي فلا يرونه و لا يرون شيئا من كرامته , فهم محجوبون عن رؤيته و عن كرامته . و تخصيص الحجب بهؤلاء يقتضي أن غيرهم غير محجوب فيرى الله تعالى و يرى كرامته . قال الإمام الشافعي : في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ . قال ابن كثير : و هذا الذي قاله الإمام الشافعي , رحمه الله , في غاية الحسن , و هو استدلال بمفهوم هذه الآية , كما دل عليه منطوق قوله ( وجوه يومئذ ناضرة , على ربها ناظرة ) . و كما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة , رؤية بالأبصار في عَرَصات القيامة , و في روضات الجنات الفاخرة .

( ثم إنهم لصالوا الجحيم ) ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران , مصطلون بحرها معذبون بأنواع العذاب فيها .

( ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ) ثم يقال لهم على وجه التقريع و التوبيخ , و التصغير و التحقير " هذا " أي العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون حتى واصلتم كفركم و إجرامكم فحل بكم هذا الذي أنتم فيه الآن فذوقوا فلن تزدادوا إلا عذابا .

يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:12 PM

تتمة ...

لما ذكر الله تعالى أن كتاب الفجار في أسفل الأمكنة و أضيقها , ذكر أن كتاب الأبرار في أعلاها و أوسعها و أفسحها , فقال تعالى :

( إن كتاب الأبرار لفي عليين ) أي حقا إن كتاب أعمال هؤلاء الأبرار الذين كانوا لربهم طائعين - بأداء فرائضه و اجتناب نواهيه - في أعلى الجنة . قال القاشانيّ : أي ما كتب من صور أعمال السعداء و هيآت نفوسهم النورانية و ملكاتهم الفاضلة , في عليين . و هو مقابل للسجين , في علوه و ارتفاع درجته , و كونه ديوان أعمال أهل الخير .

( و ما أدراك ما عليون ) إستفهام للتفخيم و التعظيم بشأن عليين , إذ هو في أعلى مرتبة و أسمى منزلة .

( كتاب مرقوم ) أي محل شريف رقم بصور أعمالهم .

( يشهده المقربون ) أي يحضره المقربون من حضرة ذي الجلال , من الملائكة , و أرواح الأنبياء , و الصديقين و الشهداء , و ينوِّه الله بذكرهم في الملأ الأعلى .

( إن الأبرار لفي نعيم ) إن الأبرار – و هم أهل الطاعة و الصدق فيها , و هم أصحاب الكتب المودعة في عليين – لفي نعيم – و هو إسم جامع لنعيم القلب و الروح و البدن – عظيم دائم , و جنات فيها فضل عميم .

( على الأرائك ) أي على السرر المزينة بالفرش الحسان .

( ينظرون ) في ملكهم و ما أعطاهم الله من الخير و الفضل الذي لا ينقضي و لا يبيد , و ينظرون إلى وجه ربهم الكريم .

( تعرف في وجوههم نضر النعيم ) أي : تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم بهاء النعيم و نضارته و رونقه , فإن توالي اللذة و السرور , يكسب الوجه نورًا و حسنا و بهجة .

( يُسقون من رحيق ) يسقون من خمر من الجنة , صافية لا دنس فيها و لا غش . و الرحيق : من أسماء الخمر .

( مختوم ) أي : خُتم على أوانيه تكريما له لصيانته عن أن تمسه الأيدي على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم و يصان .

( ختامه مسك ) آخر هذا الشراب يفوح برائحة المسك الأذفر فهي طيبة الرائحة للغاية . قال ابن عباس : طيب الله لهم الخمر , فكان آخر شيء جعل فيها مسك , خُتم بمسك . و القصد لذة القطع بذكاء الرائحة و أرجها , على خلاف خمر الدنيا الخبيثة الطعم و الرائحة .

( و في ذلك ) أي النعيم المقيم , الذي لا يعلم مقداره و حسنه إلا الله .

( فليتنافس المتنافسون ) أي : يتسابقوا في المبادرة إليه و الأعمال الموصلة إليه , فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس , و أحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال .

( و مزاجه من تسنيم ) أي إن ذلك الرحيق يمزج لأصحاب اليمين بماء تسمى التسنيم .

( عينا يشرب بها المقربون ) هذا التسنيم يشربه المقربون صرفا أي خالصا بدون مزج , فهو أعلى أشربة الجنة على الإطلاق , لذلك كانت خالصة للمقربين , الذين هم أعلى الخلق منزلة , و ممزوجة بالرحيق و غيره من الأشربة اللذيذة لأصحاب اليمين .

( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون , و إذا مروا بهم يتغامزون ) يخبر تعالى عن المجرمين – الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك و المعاصي – أنهم كانوا في الدنيا يسخرون بالمؤمنين و يستهزؤون بهم , و يضحكون منهم , و يتغامزون بهم عند مرورهم عليهم , احتقارا لهم و ازدراء , لأنهم آمنوا بالله وحده و بما أوحاه إلى رسوله صلوات الله عليه , و نبذوا ما أَلْفَوْا عليه آباءهم . قال السيوطي : و في هذا دلالة على تحريم السخرية بالمؤمنين , و الضحك منهم , و التغامز عليهم .

( و إذا انقلبوا إلى أهلهم إنقلبوا فاكهين ) أي : رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم , مسرورين مغتبطين , متلذذين بالسخرية و حكاية ما يعيبون به أهل الإيمان , أو ما هم فيه من الشرك و الطغيان و التنعم الدنيا . و هذا من أعظم ما يكون من الإغترار أنهم جمعوا بين الإساءة و الأمن في الدنيا , حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله و عهد , أنهم من أهل السعادة , و قد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى , و أن المؤمنين ضالون , افتراء على الله , و تجروا على القول عليه بلا علم .

( و إذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ) أي : و إذا رأى أولئك المجرمون المؤمنين أشاروا إليهم و قالوا " إن هؤلاء لضالون " بتركهم دينهم و اعتناق دين محمد الجديد في نظرهم .

( و ما أرسلوا عليهم حافظين ) أي : و ما أرسلوا وكلاء على المؤمنين ملزمين بحفظ أعمالهم , حتى يحرصوا على رميهم بالضلال , و ما هذا منهم إلا تعنت و عناد و تلاعب , ليس له مستند و لا برهان , و لهذا كان جزاؤهم في الآخرة من جنس عملهم .

( فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ) أي : يوم القيامة يضحكون حين يرونهم في غمرات العذاب يقلبون , و ضحكهم من الكفار ضحك المسرور بما نزل بعدوّه من الهوان و الصغار , بعد العزة و الكبر .

( على الأرائك ينظرون ) على السرر المزينة ينظرون إلى ما أوتوا من النعيم , و ما حل بالمجرمين من عذاب الجحيم .

( هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون ) أي : هل جوزي الكفار على ما كانو يقابلون به المؤمنين من الإستهزاء و التنقيص أم لا ؟ نعم قد جوزوا أوفر الجزاء و أتمه و أكمله .

و نظير هذه الآيات قوله تعالى " إخسئوا فيها و لا تكلمون , إنّه كان فريق من عبادي يقولون ربنّا آمنا فاغفر لنا و ارحمنا و أنت خير الراحمين , فاتخذتموهم سِخريا حتى أنسوكم ذِكري و كنتم منهم تضحكون , إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون " .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:13 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الإنفطار

مكية و آياتها تسع عشرة آية

( إذا السماء انفطرت ) أي انشقت كما في آية " و يوم تشقّق السّماء بالغمام " .

( و إذا الكواكب انتثرت ) أي انفضّت و تساقطت .

( و إذا البحار فجّرت ) أي : اختلط ماؤها بعضه ببعض ملحها بعذبها لانكسار ذلك الحاجز الذي كان يفصلهما عن بعضهما لزلزلة الأرض إيذانا بخراب العالم .

( و إذا القبور بُعثرت ) إنقلب باطنها ظاهرها و أخرج ما فيها من الأموات .

( علمت نفس ما قدّمت و أخرت ) أي علمت كل نفس مكلفة ما قدمت من أعمال حسنة أو سيئة , و ما أخرت من أعمال لحقتها بعدها وذلك ما سنته من سنن الهدى أو سنن الضلالة . و هذا العلم يحصل للنفس أولا مجملا و ذلك عند ابيضاض الوجوه و اسودادها , و يحصل لها مفصلا عندما تقرأ كتاب أعمالها .

( يا أيّها الإنسان ما غرّك بربك الكريم ) أي : أي شيء خدعك و جرّأك على الكفر بربك الكريم و عصيانه بالفسق عن أمره و الخروج عن طاعته . و هو القادر على مؤاخذتك و الضرب على يديك ساعة ما كفرت به أو عصيته .
قال ابن القيّم : .. و إنّما غرَّه بربه الغَرور , و هو الشيطان , و نفسه الأمّارة بالسوء , و جهله و هواه . و أتى سبحانه بلفظ " الكريم " , و هو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الإغترار به و لا إهمال حقه .

( الذي خلقك فسواك فعدلك ) أي : جعلك سويّا معتدل القامة منتصبها , في أحسن الهيئات و الأشكال .

( في أي صورة ما شاء ركبك ) إن شاء بيضك أو سودك , طولك أو قصرك , جعلك ذكرا أو أنثى , إنسانا أو حيوانا , قردا أو خنزيرا , هل هناك من يصرفه عما أراد ذلك ؟ و الجواب لا أحد . إذا كيف يسوغ لك الكفر به و عصيانه و الخروج عن طاعته .

( كلاّ بل تكذبون بالدين ) كلاّ ما غركم كرم الله و لاحلمه , بل الذي جرأكم على الكفر و الظلم و الإجرام , تكذيب في قلوبكم بالمعاد و الجزاء و الحساب .

( و إن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) و إن عليكم لملائكة حفظَة كراما يحفظون عليكم أعمالكم و يحصونها لكم و يكتبونها في صحائفكم . يعلمون ما تفعلون – و دخل في هذا أفعال القلوب , و أفعال الجوارح – في السر و العلن , فاللائق بكم أن تكرموهم و تجلوهم و تحترموهم .

( إن الأبرار لفي نعيم ) قال ابن جرير : أي إن الذين برّوا بأداء فرائض الله , و اجتناب معاصيه , لفي نعيم الجنان ينعمون فيها .

( و إن الفجار لفي جحيم ) إن الذين قصروا في حقوق الله و حقوق عباده , الذين فجرت قلوبهم , ففجر أعمالهم , لفي عذاب أليم في دار الدنيا و دار البرزخ و في دار القرار .

( يصلونها يوم الدين ) يعذبون بها أشد العذاب و ذلك يوم الجزاء على الأعمال . قال القرطبي : يصيبهم حرها و لهيبها و هذا قطعا بعد دخولها .

( و ما هم عنها بغائبين ) أي : لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة , و لا يخفف عنهم من عذابها , و لا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة , و لو يوما واحدا .

( و ما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين ) ففي هذا تهويل و تفخيم لأمر ذلك اليوم و تعظيم لشأنه .

( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا و الأمر يومئذ لله ) أي : لا يقدر أحد على نفع أحد و لا خَلاصه مما هو فيه , إلا أن يأذن الله لمن يشاء و يرضى . و نذكر ها هنا حديث : " يا بني هاشم , أنقذوا أنفسكم من النار , لا أملك لكم من الله شيئا " رواه مسلم . و لهذا قال " الأمر يومئذ لله " , كقوله " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار " , و كقوله " الملك يومئذ الحق للرحمن " , و كقوله " مالك يوم الدين " . قال الرازي : و هو وعيد عظيم , من حيث إنه عرّفهم أنه لا يغني عنهم إلا البر و الطاعة يومئذ , دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا , من مال وولد و أعوان و شفعاء .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:14 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة التكوير

و تسمى سورة " إذا الشمس كورت " و هي مكية و آيها تسع و عشرون .

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنّه رأي عين فليقرأ " إذا الشّمس كورت " و " إذا السّماء انفطرت " و " إذا السماء انشقت " صححه الألباني

( إذا الشمس كورت ) أي أُزيلت من مكانها , و ألقيت عن فلكها , و مُحي ضوؤها . قال ابن جرير : التكوير جمع الشيء بعضه إلى بعض , و منه تكوير العمامة و جمع الثياب بعضها إلى بعض , فمعنى قوله " كوّرت " : جمع بعضها إلى بعض , ثم لفت فرمى بها , و إذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها . قال صلى الله عليه و سلم : " الشمس و القمر يكوران يوم القيامة " رواه البخاري .

( و إذا النجوم انكدرت ) أي تغيرت و تناثرت و تساقطت من أفلاكها على الأرض .

( و إذا الجبال سيّرت ) أي زالت عن أماكنها و نُسفت من أثر الرجفة و الزلزال الذي قطع أوصالها .

( و إذا العشار عطّلت ) أي تركت مهملة لا راعي لها و لا طالب , لما أصاب أهلها من الهول و الفزع . و العشار جمع عُشَراء و هي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر ثم لا يزال إسمها كذلك حتى تضع , و خصها , لأنها أنفس أموال العرب إذ ذاك عندهم , على ما هو في معناها من كل نفيس .

( و إذا الوحوش حشرت ) أي جمعت من كل جانب و اختلطت , لما دهم أوكارها و مكامنها من الزلزال و التخريب , فتخرج هائمة مذعورة من أثر زلزال الأرض و تقطع أوصالها .

( و إذا البحار سجّرت ) أي أوقدت فصارت – على عظمها – نارًا تتوقد .

( و إذا النفوس زوّجت ) أي قرنت بأجسادها – بعد خلق الأجساد لها – ثم قرن كل صاحب عمل مع نظيره , فجمع الأبرار مع الأبرار , و الفجار مع الفجار , و زوج المؤمنون بالحور العين , و الكافرون بالشياطين , و هذا كقوله تعالى " و سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا " " و سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا " " احشروا الذين ظلموا و أزواجهم " .

( و إذا الموءودة سئلت , بأي ذنب قتلت ) يوم القيامة تسأل الموؤودة على أي ذنب قتلت , ليكون ذلك توبيخا و تقريعا و تهديدا لقاتلها , فإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذا ؟! و قال ابن عباس " و إذا الموءودة سئلت " أي : سألت , و كذا قال أبو الضحى : " سألت " أي : طلبت بدمها . و عن السدي و قتادة مثله .
و عن حسناء إبنة معاوية الصُّريمية , عن عمها قال : قلت يا رسول الله , من في الجنة ؟ قال : " النبي في الجنة , و الشهيد في الجنة , و المولود في الجنة , و الموؤودة في الجنة " صححه الألباني .
و الموؤودة هي المقتولة الصغيرة التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات , و خشية العار و الفقر , أو لنذرهم إياهم للآلهة , أو يقولون إن الإناث بنات الله , فألحقوا البنات بالله فهو أحق بها منا .
و كان للعرب تفنن في الوأد , فمنهم من إذا صارت بنته سداسية يقول لأمها : طيّبيها و زيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها , و قد حفر لها بئرا في الصحراء , فيبلغ بها البئر فيقول لها : انظري فيها , ثم يدفعها من خلفها و يهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض . و منهم من كان إذا قربت امرأته من الوضع , حفر حفرة لتتمخّض على رأس الحفرة , فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة , و إن ولدت إبنا حبسته .
و قد اشتهر صعصعة بن ناجية بن عقال , جد الفرزدق بن غالب , بأنه كان ممن فدى الموءودات في الجاهلية , و نهى عن قتلهن . قيل إنه أحيا ألف موءودة , و قيل دون ذلك .
فالوأد كان عادة من أشنع العوائد في الجاهلية , مما يدل على نهاية القسوة و تمام الجفاء و الغلظة . قال الإمام : أنظر إلى هذه القسوة و غلظ القلب و قتل البنات البريئات بغير ذنب سوى خوف الفقر و العار , كيف استبدلت بالرحمة و الرأفة بعد أن خالط الإسلام قلوب العرب ؟ فما أعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها بمحوه هذه العادة القبيحة .

( و إذا الصحف نشرت ) قال ابن جرير : " أي صحف أعمال العباد نشرت لهم , بعد أن كانت مطوية على ما فيها مكتوب من الحسنات و السيئات " , فآخذ هذا كتابه بيمينه , و آخذ ذاك كتابه بشماله , أو من وراء ظهره .

( و إذا السماء كشطت ) أي نزعت من أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة عند سلخها .

( و إذا الجحيم سعّرت ) أي : أوقد عليها فاستعرت , و التهبت إلتهابا لم يكن لها قبل ذلك . قال قتادة : و إنما يسعرها غضب الله و خطايا بني آدم .

( و إذا الجنة أزلفت ) أي قرّبت لأهلها ليدخلوها .

( علمت نفس ما أحضرت ) أي : إذ وقعت هذه الأمور , علمت كل نفس عند ذلك , ما قدمت من خير فتصير به إلى الجنة , أو شر فتصير به إلى النار , أي تبيّن لها عند ذلك ما كانت جاهلة به , و ما الذي كان فيه صلاحها من غيره .

( فلاأقسم بالخنس , الجواري الكنس ) قال الشيخ عبد العظيم بدوي : الخُنَّس هي النجوم تخنس – أي تختفي و تغيب عن الأنظار نهارا – بالنهار , و تظهر بالليل . " الجواري الكنّس " التي تجري في بروجها و منازلها و مواقعها طول الليل ثم تغيب مع طلوع الفجر .

( و الليل إذا عسعس ) أي أدبر و لم يبق إلا اليسير , و ذلك وقت السحر .

( و الصبح إذا تنفس ) قال ابن جرير : يعني وضَوْءُ النهار إذا أقبل و تبيّن .

و جواب القسم قوله تعالى ( إنّه لقول رسول كريم ) يعني : إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم , أي : ملك شريف حَسَن الخلق , بهي المنظر , و هو جبريل عليه الصلاة و السلام .
فالله تعالى قد أقسم بأعظم قسم على أن القرآن نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه و سلم , و ما يقول محمد صلى الله عليه و سلم هو كلام الله ووحيه صدقا و حقا .

( ذي قوّة ) أي على تحمل أعباء الرسالة , و على كل ما يؤمر به .
و من قوته أنه قلب ديار قوم لوط بهم فأهلكهم . فهو شديد الخَلْق , شديد البطش و الفعل .

( عند ذي العرش مكين ) أي جبريل عليه السلام مقرب عند الله تعالى , له منزلة رفيعة , و خصيصة من الله اختصه بها . قال أبو صالح في قوله " عند ذي العرش مكين " قال : جبريل يدخل في سبعين حجابا من نور بغير إذن .
فجبريل عليه السلام له مكانة و منزلة فوق منازل الملائكة كلهم .

( مُطاع ثَمَّ ) له وجاهة , و هو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى , قال قتادة : " مطاع ثمّ " أي : في السماوات , يعني : ليس هو من أفناء الملائكة , بل هو من السادة و الأشراف , مُعْتَنى به , انتخب لهذه الرسالة العظيمة .

( أمين ) صفة لجبريل بالأمانة , و هذا عظيم جدا أن الرب عز و جل يزكي عبده و رسوله الملكي جبريل عليه السلام .
و هذا كله يدل على شرف القرآن عند الله تعالى , فإنه بعث به هذا الملك الكريم , الموصوف بتلك الصفات الكاملة . و العادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات , و أشرف الرسائل .

( و ما صاحبكم بمجنون ) أي : محمد صلى الله عليه و سلم ليس ممن يتكلم عن جِنَّة و يهذي هذيان المجانين " بل جاء بالحقّ و صدّق المرسلين " و هذا نفي لما كان يبهته به أعداؤه , صلى الله عليه و سلم , حسدا و لؤما . قال الشهاب : و في قوله " صاحبكم " تكذيب لهم بألطف وجه . إذ هو إيماء إلى أنه نشأ بين أظهركم من ابتداء أمره إلى الآن , فأنتم أعرف به و بأنه أتم الخلق عقلا و أرجحهم نبلا و أكملهم و أصفاهم ذهنا . فلا يسند له الجنون إلا من هو مركب من الحمق و الجنون .

( و لقد رآه بالأفق المبين ) أي : رأى محمد صلى الله عليه و سلم جبريل عليه السلام بالأفق البيِّن – الذي هو أعلى ما يلوح للبصر – على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح و قد سدّ الأفق كله . و هي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء , و هي المذكورة في قوله تعالى " علّمه شديد القوى , ذو مرّة فاستوى , و هو بالأفق الأعلى , ثُمّ دنا فتدلّى , فكان قاب قوسين أو أدنى , فأوحى إلى عبده ما أوحى " .

( و ما هو على الغيب بضنين ) و ما هو على ما أوحاه الله إليه بمتهم يزيد فيه أو ينقص أو يكتم بعضه , بل هو صلى الله عليه و سلم أمين أهل السماء و الأرض , الذي بلغ رسالات ربه البلاغ المبين . فلم يبخل بشيء منه , بل بلَّغه و نشره و بذله لكل من أراده .

( و ما هو بقول شيطان رجيم ) و ما هذا القرآن بقول شيطان رجيم . و هو نفي لقولهم إنه كهانة , قال تعالى " و ما تنزّلت به الشياطين و ما ينبغي لهم و ما يستطيعون " .

( فأين تذهبون ) ينكر عليهم مسلكهم الشائن في تكذيب رسوله محمد صلى الله عليه و سلم و إتهامه بالسحر , و القرآن بالشعر و الكهانة و الأساطير .

( إن هو إلاّ ذكر للعالمين ) أي هذا القرآن ذكر لجميع الناس , يتذكّرون به خالقهم و رازقهم و محييهم و مميتهم , و ما له عليهم من حق العبادة وواجب الشكر , و يتعضون به فيخافون ربهم فلا يعصونه بترك فرائض عليهم و لا بارتكاب ما حرمه عليهم .

( لمن شاء منكم أن يستقيم ) أي : من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن , فإنه منجاة له و هداية , لا هداية فيما سواه .

( و ما تشاءون إلا أن يشاء ربّ العالمين ) أي و ما تشاءون شيئا من فعالكم , إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم , و إقداركم عليها , و التخلية بينكم و بينها . و فائدة هذا الإخبار , و هو الإعلام بالإفتقار إلى الله تعالى , و أنه لا قدرة للعبد على ما لم يقدره الله عز و جل , فهو خاضع لسلطان مشيئته , مقهور تحت تدبيره و إرادته .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:14 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة عبس

و تسمى سورة الصاخبة , و هي مكية و آيها اثنتان و أربعون .

ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش , و قد طمع في إسلامه , فبينما هو يخاطبه و يناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم – و كان ممن أسلم قديما – فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن شيء و يلح عليه , وَوَدَّ النبي صلى الله عليه و سلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل , طمعا و رغبة في هدايته . و عبس في وجه ابن أم مكتوم و أعرض عنه , و أقبل على الآخر , فأنزل الله عز و جل " عبس و تولى " .
فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( أنزلت " عبس و تولى " في إبن أم مكتوم الأعمى , أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل يقول : أرشدني . قالت : و عند رسول الله صلى الله عليه و سلم من عظماء المشركين . قالت : فجعل النبي صلى الله عليه و سلم يُعرض عنه و يقبل على الآخر , و يقول : أترى بما أقول بأسا ؟ فيقول : لا , ففي هذا أنزل ) قال الشيخ الألباني صحيح الإسناد .
و إبن أم مكتوم هذا إسمه عبد الله , قال الشهاب : و هو مكيّ قرشيّ من المهاجرين الأولين , و كان النبي صلى الله عليه و سلم يستخلفه على المدينة في أكثر غزواته , و كان ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها .

( عبس و تولى ) أي النبي صلى الله عليه و سلم , و معنى عبس قطب ما بين عيينه كراهية لما نَابه و حصل له مما أزعجه , " و تولى " أعرض عنه .

( أن جاءه الأعمى ) أي لأجل أن جاء عبد الله بن أم مكتوم فقطعه عما هو مشغول به من دعوة بعض أشراف قريش للإسلام .

( و ما يدريك لعله يزّكى ) أي يريد زكاة نفسه و تطهير روحه بما يتعلمه منك .

( أو يذّكر فتنفه الذكر ) أي يعتبر و يتعظ فتنفعه موعظتك .

( أمّا من استغنى ) أي بماله و قوته و شرف قومه عن سماع القرآن و الهداية و الموعظة .

( فأنت له تصدّى ) أي تتعرض له مُقبلا عليه رجاء أن يسلم و يهتدي .

( و ما عليك ألاّ يزّكى ) أي و ليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام , إنْ عليك إلا البلاغ . قال الرازي : أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم , إلى أن تعرض عمن أسلم , للإشتغال بدعوتهم .

( و أمّا من جاءك يسعى و هو يخشى ) جاءك مسرعا يجري وراءك يناديك بأحبّ الأسماء إليك يا رسول الله , و الحال أنه يخشى الله تعالى و يخاف عقابه فلذا هو يطلب ما يزكي به نفسه ليقيها العقاب و العذاب .

( فأنت عنه تلهى ) أي تُعرض و تتشاغل بغيره .

و من هاهنا أمر الله عز و جل رسوله صلى الله عليه و سلم ألا يخص بالإنذار أحد , بل يساوي فيه بين الشريف و الضعيف , و الفقير و الغني , و السادة و العبيد , و الرجال و النساء , و الصغار و الكبار . ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم , و له الحكمة البالغة و الحجة الدامغة .
قال السيوطي في الإكليل : في هذه الآيات حث على الترحيب بالفقراء و الإقبال عليهم في مجالس العلم و قضاء حوائجهم , و عدم إيثار الأغنياء عليهم . قال الزمخشري : لقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسنا , فقد روي عن سفيان الثوري رحمه الله أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء .

( كلاّ ) لا تفعل مثل هذا مرة أخرى .

( إنّها تذكرة ) أي هذه الآيات و ما تحمل من عتاب حبيب إلى حبيب موعظة , يجب الإتعاظ بها و العمل بموجبها .

( فمن شاء ذكره ) أي عَمِل بهذا الوحي و التنزيل كقوله تعالى " و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر " .

( في صحف مكرمة , مرفوعة مطهرة ) صحف آيات التنزيل و سوره معظمة و موقرة عند الله تعالى , مرفوعة القدر و الرتبة , مطهرة من الدنس و الزيادة و النقص , و منزهة عن مس الشياطين لها .

( بأيدي سفرة , كرام بررة ) بأيدي ملائكة , خُلقهم كريم حسن شريف , و أخلاقهم و أفعالهم بارة طاهرة كاملة .
و من هاهنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله و أقواله على السداد و الرشاد .

( قتل الإنسان ) لعن الإنسان – الكافر – و هذا الجنس الإنسان المكذب , لكثرة تكذيبه بلا مستند , بل بمجرد الإستبعاد و عدم العلم .

( ما أكفره ) أي ما حمله على الكفر و الكبر .

قال الرازي : " قتل الإنسان " تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب . و قوله " ما أكفره " تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح و المنكرات .

( من أي شيء خلقه ) أي من أي شيء حقير مهين خلقه ؟ و هذا تحقيرا له .

( من نطفة خلقه ) خلقه الله من ماء مهين , من نطفة قذرة .
أمن كان هذا حاله يليق به أن يكفر و يتكبر و يستغني عن الله ؟ فلينظر إلى مبدئه و منتهاه و ما بينهما . مبدأه نطفة مذرة و آخره جيفة قذرة , و هو بينهما حامل عذرة . كيف يكفر و كيف يتكبر ؟

( فقدّره ) أي أطوارا نطفة فعلقة فمضغة , ثم هيأه لما يصلح له و يليق به من الأعضاء و الأشكال , فسواه بشرا سويا . و كذلك قدّر أجله و رزقه و عمله و شقي أو سعيد .

( ثم السبيل يسّره ) ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه – اختاره ابن جرير - , أو يكون المعنى : يسر له الأسباب الدينية و الدنيوية , و هداه السبيل و بيّنه و امتحنه بالأمر و النهي قال تعالى " إنا هديناه السبيل إمّا شاكرا و إمّا كفورا " و هذا رجحه ابن كثير .

( ثم أماته فأقبره ) أي أكرمه بالدفن , فهيأ له من يقبره , و لم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض .

( ثم إذا شاء أنشره ) أي بعثه بعد موته للجزاء .

( كلاّ لمّا يقض ما أمره ) فيها قولان للعلماء : الأول : أن الإنسان لم يقض ما أمره الله به , فهو مُقَصِر في حق الله , لأنه مهما اجتهد في طاعة الله فهو مقصر في حق مولاه – قاله الشيخ عبد العظيم بدوي - . الثاني : أن الله تعالى لن يقوم بالبعث و النشور الآن حتى تنقضي المدة , و يفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى له أنه سيوجد منهم , و يخرج إلى الدنيا , و قد أمر به تعالى كونا و قدرا , فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق و أعادهم كما بدأهم . و هذا اختاره ابن كثير .

( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) أي فإن لم يشهد خلق ذاته , و عمي عن الآيات في نفسه , و أصر على جحوده توحيدَ ربه , فلينظر إلى طعامه و مأكله الذي هو أقرب الأشياء لديه . ماذا صنعنا في إحداثه و تهيئته لأن يكون غذاء صالحا لعله يذكر فيشكر . و كذلك فيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظاما بالية و ترابا متمزقا .

( إنا صببنا الماء صبّا ) أنزلنا المطر من السماء على الأرض بكثرة .

( ثم شققنا الأرض شقّا ) أي صدعناها بالنبات , حيث أسكنّا المطر فيها فدخل في تُخُومها و تخلّل في أجزاء الحبِّ المودَع فيها , فنبت و ارتفع و ظهر على وجه الأرض .

( فأنبتنا فيها ) أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة , و الأقوات الشهية .

( حبّا ) و هذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها , كالقمح و الشعير و الذرة .

( و عنبا و قضبا ) العنب معروف , و القضب هو : كل ما أكل من النبات رطبا , كالقثاء و الخيار و نحوهما . و سمي قضبا لأنه يقضب , أي يقطع مرة بعد أخرى .

( و زيتونا و نخلا ) الزيتون يؤكل حبا , و يدهن به زيتا , و يستصبح به . و نخلا يؤكل بلحا بسرا , و رطبا , و تمرا , و نيئا , و مطبوخا , و يعتصر منه رُبٌّ و خل .

( و حدائق غُلبا ) أي بساتين ذوات الأشجار المثمرة , عليها حوائط تحيط بها , " غلبا " أي ضخمة عظيمة , و عظمها إما لاتساعها البالغ حد البصر , أو لغلظ أشجارها و تكاثفها و إلتفافها .

( و فاكهة و أبّا ) و فاكهة أي مما يؤكل من ثمار الأشجار , من تين و عنب و خوخ و رمان , و غير ذلك . و الأبُّ هو المرعى الذي تأكله البهائم من العشب و النبات .

( متاعا لكم و لأنعامكم ) أي عيشة لكم و لأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة .

فمن نظر في هذه النعم , أوجب له ذلك شكر ربه , و بذل الجهد في الإنابة إليه , و الإقبال على طاعته , و التصديق بأخباره .

( فإذا جاءت الصّاخة ) و هي صيحة القيامة و صوت زلزالها الهائل المصمّ للآذان , المزعج للأفئدة يومئذ , مما يرى الناس من الأهوال و شدة الحاجة لسالف الأعمال .

( يوم يفرّ المرء من أخيه , و أمّه و أبيه , و صاحبته و بنيه ) أي : يراهم , و يفر منهم , و يبتعد عنهم , لأن الهول عظيم , و الخطب جليل , و لاشتغاله بنفسه , و علمه بأنهم لا ينفعونه . و معنى صاحبته أي زوجته .

( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) أي قد أشغلته نفسه , و اهتم لفكاكها , و لم يكن له إلتفات إلى غيرها .
عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا " فقالت عائشة : يا رسول الله , فكيف بالعورات ؟ فقال : " لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " صححه الإمام الألباني . و غرلا : أي غير مختونين .

( وجوه يومئذ مسفرة , ضاحكة مستبشرة ) وجوه يومئذ مضيئة مشرقة , قد ظهر فيها السرور و البهجة , من ما عرفوا من نجاتهم , و فوزهم بالنعيم . و هذه الوجوه هي وجوه المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه , و قدموا من الخير و العمل الصالح ما ملأوا به صحفهم .

( ووجوه يومئذ عليها غبرة , ترهقها قترة ) ووجوه يومئذ عليها غبار و كدورة , تغشاها ظلمة و سواد , فهي وجوه سوداء مظلمة مدلهمة , قد أيست من كل خير , و عرفت شقاءها و هلاكها .

( أولئك هم الكفرة الفجرة ) أي : الكفرة قلوبهم , الفجرة في أعمالهم , الذين لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله , و ركبوا من محارمه , فجوزوا بسوء أعمالهم و خبث نياتهم .

اِبن الصالحين 04-07-2012 04:15 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة النازعات

و تسمى سورة الساهرة , و الطامة , و هي مكية و آيها ست و أربعون .

( و النّازعات غرقا ) أي الملائكة تنزع أرواح الفجار و الكفار عند الموت بشدّة

( و الناشطات نشطا ) أي الملائكة تنشط أرواح المؤمنين الصالحين نشطا أي تسلها برفق .

( و السابحات سبحا ) أي الملائكة مترددات في الهواء صعودا و نزولا .

( فالسابقات سبقا ) أي الملائكة تبادر لأمر الله , فتسبق الشياطين في إيصال الوحي إلى رسل الله حتى لا تسترقه .

( فالمدبرات أمرا ) الملائكة , الذين و كلهم الله أن يدبروا كثيرا من أمور العالم العلوي و السفلي , من الأمطار , و النبات , و الأشجار , و الرياح , و البحار , و الأجنة , و الحيوانات , و الجنة , و النار , و غير ذلك .

هذه الآيات الخمس قسم من الله تعالى عظيم , أقسم به على أنه لابد من البعث و الجزاء و أنه واقع لا محالة , حيث كان المشركون ينكرون ذلك حتى لا يقفوا عند حد في سلوكهم فيواصلوا كفرهم و فسادهم جَرْيا وراء شهوتهم كل أيامهم و طيلة حياتهم قال تعالى " بل يريد الإنسان ليفجر أمامه " .
و تقدير جواب القسم بل تبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم إذ هو معهود في كثير من الإقسام في القرآن كقوله تعالى " زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى و ربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم و ذلك على الله يسير " .

( يوم ترجف الراجفة تتبعها الرّادفة ) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هما النفختان الأولى و الثانية , قال الحسن : أما الأولى فتميت الأحياء , و أما الثانية فتحيي الموتى , ثم تلا " و نُفخ في الصور فصعق من في السماوات و من في الأرض إلاّ من شاء الله ثمّ نُفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " .

( قلوب يومئذ واجفة ) أي شديدة الإضطراب ,خوفا من عظيم الهول النازل .

( أبصارها خاشعة ) أي أبصار أهلها ذليلة حقيرة , مما قد علاها من الكآبة و الحزن , من الخوف و الرعب .

( يقولون أئنا لمردودون في الحافرة , أءذا كنّا عظاما نّخرة ) يعني : مشركي قريش و من قال بقولهم في إنكار المعاد , يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى القبور , و بعد تمزق أجسادهم و تفتت عظامهم , و نخورها قال ابن عباس : و هو العظم إذا بلى و دخلت الريح فيه .

( قالوا تلك إذا كرّة خاسرة ) يعنون أنهم إذا عادوا إلى الحياة مرة أخرى فإن هذه العودة تكون خاسرة , قال ابن زيد : و أي كرة أخسر منها ؟ أحيوا ثم صاروا إلى النار , فكانت كرّة سوء . و قال أبو السعود : هذا حكاية لكفر آخر لهم ,متفرع على كفرهم السابق ... أي قالوا ذلك بطريقة الإستهزاء , مشيرين إلى ما أنكروه من الردة في الحافرة .

( فإنما هي زجرة واحدة ) أي صيحة واحدة , و هو أن يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث , فإذا الأولون و الآخرون قيام بين يدي الربّ عز وجل ينظرون . قال تعالى " و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " و قال تعالى " و ما أمر السّاعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب " .

( فإذا هم بالسّاهرة ) أي على ظهر الأرض أحياء , فيجمعهم الله و يقضي بينهم بحكمه العدل و يجازيهم . و هذه الأرض لم يعمل عليها خطيئة , و لم يَهرَاق عليها دم قال تعالى " يوم تُبدل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار " .

( هل آتاك حديث موسى ) أي : هل سمعت بخبره ؟

( إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) أي ناداه الله تعالى بالوادي المطهر المبارك – المسمى طوى - , و هو واد في أسفل جبل طور سيناء من برية فلسطين . و كلمه فيه , و امتنّ عليه بالرسالة و اختصه بالوحي و الإجتباء فقال له :

( إذهب إلى فرعون إنه طغى ) إذهب إلى فرعون إنه عتا و تكبر و ظلم فأفحش في الظلم و الفساد .

( فقل له هل لّك إلى أن تزكّى ) أي : هل لك في خصلة حميدة , و محمدة جميلة , يتنافس فيها أولوا الألباب , و هي أن تُزكّي نفسك و تطهرها من دنس الكفر و الطغيان , إلى الإيمان و العمل الصالح ؟

( و أهديك إلى ربك ) أي : أدلك إلى عبادة ربك , و أُبَيّن لك مواقع رضاه , من مواقع سخطه .

( فتخشى ) فيصير قلبك خاضعا له مطيعا خاشيا بعد ما كان قاسيا خبيثا بعيدا من الخير . قال الزمخشري : ذكر الخشية لأنها ملاك الأمر , من خشى الله أتى منه كل خير , و من أَمِن اجترأ على كل شر .

( فأراه الآية الكبرى ) فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية , و دليلا واضحا على صدق ما جاء به من عند الله , و هي على ما قاله مجاهد , عصاه و يده . أي عصاه إذ تحولت ثعبانا مبينا , و يده إذ أخرجها بيضاء للناظرين . و إفرادهما لأنهما كالآية الواحدة في الدلالة , أو هي العصا لأنها كانت المقدمة و الأصل , و البقية كالتبع .

( فكذّب و عصى ) فكذب فرعون موسى فيما أتاه من الآيات المعجزة , و دعاها سحرا , و عصاه فيما أمره به من طاعة ربه و خشيته إياه .

( ثم أدبر يسعى ) أي يجتهد في مبارزة الحق و محاربته . و هو جمعُهُ السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى , عليه السلام , من المعجزة الباهرة .

( فحشر ) جمع رجاله و جنده .

( فنادى ) أي ناداه ليعدهم إلى حرب موسى .

( فقال أنا ربكم الأعلى ) يعني أنه لا ربّ فوقه , و بالتالي لا طاعة إلاّ له .

( فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى ) أي : انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة و نكالا لأمثاله من المشركين في الدنيا .

( إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى ) أي في أخذه لفرعون و ما أحل به من العذاب و الخزي , عظة و معتبرا لمن يخاف الله و يخشى عقابه , و يعلم أن هذه سنته في كل من يقاوم الحق و يحاربه , فإن نبأ الأولين عبرة للآخرين .

يقول الله تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه :

( أأنتم ) أيها الناس ( أشدُّ خلقا أم السماء ) ؟ يعني : بل السماء أشدّ خلقا منكم , فإن من رفع السماء على عظمها , هيّن عليه خلقهم و خلق أمثالهم , و إحياؤهم بعد مماتهم , كما قال سبحانه " لَخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس " و قوله تعالى " أوليس الذي خلق السماوات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم " .
و الإستفهام هنا استفهام تقريري و هو إلجاؤهم إلى الإقرار و الإعتراف بأن خلق السماء أعظم من خلقهم إذًا كيف ينكرون البعث و الحياة الثانية .

( بناها ) قال ابن جرير : أي رفعها فجعلها للأرض سقفا .

( رفع سمكها فسوّاها ) أي : جعلها عالية البناء , بعيدة الفناء , مستوية الأرجاء , مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء .

( و أغطش ليلها ) أي : جعل ليلها مظلما أسود حالكا , قال ابن جرير : أضاف الليل إلى السماء , لأن الليل غروب الشمس , و غروبها و طلوعها فيها , فأضيف إليها لما كان فيها .

( و أخرج ضُحاها ) أي : جعل نهارها مضيئا مشرقا نيرا واضحا , و الضحى انبساط الشمس و امتداد النهار . و إيثار الضحى لأنه وقت قيام سلطان الشمس و كمال إشراقها .

( و الأرض بعد ذلك دحاها ) أي بعد تسوية السماء على الوجه السابق , و إبراز الأضواء , بسط الله تعالى الأرض و مهدها لسكنى أهلها , و تقلبهم في أقطارها . أما خلق نفس الأرض ,فمتقدم على خلق السماء كما قال تعالى " قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين " إلى أن قال " ثم استوى إلى السماء و هي دخان فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " .

( أخرج منها ماءها ) بأن فجر منها عيونا و أجرى أنهارا .

( و مرعاها ) و هو ما يرعى من سائر الحبوب و الثمار و النبات و الأشجار .

( و الجبال أرساها ) أي قررها و أثبتها و أكّدها في أماكنها , لتستقر الأرض بأهلها .

( متاعا لكم و لأنعامكم ) أي انتفاعا لكم و لأنعامكم في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد , و ينقضي الأجل .

( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) أي الداهية العظمى التي تطمّ – أي تلو و تغلب أمثالها من الأحداث الجسام – على كل هائلة من الأمور , فتغمر ما سواها بعظيم هولها كما قال تعالى " و الساعة أدهى و أمرّ " , و هي القيامة للحساب و الجزاء .

( يوم يتذكّر الإنسان ما سعى ) حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره و شره , و ذلك بعرضه عليه .

( و بُرِّزت الجحيم لمن يرى ) أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانا .

( فأمّا من طغى ) أي أفرط في تعديه و مجاوزته حد الشريعة و الحق , إلى ارتكاب العصيان و الفساد و الضلال .

( و آثر الحياة الدنيا ) أي قدمها على أمر دينه و أخراه .

( فإن الجحيم هي المأوى ) فإن مصيره إلى الجحيم , و إن مطعمه من الزقوم , و مشربه من الحميم .

( و أمّا من خاف مقام ربّه ) أي : خاف القيام بين يدي الله عز و جل , و خاف حُكمَ الله فيه ,فأدى الفرائض و اجتنب النواهي .

( و نهى النفس عن الهوى ) أي : نهى نفسه عن هواها , فلم يجيبها في هوى يبغضه الله و لم يطعها في شيء حرمه الله , بل صار هواه تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم .

( فإنّ الجنّة هي المأوى ) أي : منقلبه و مصيره و مرجعه إلى الجنة الفيحاء .

( يسألونك عن السّاعة أيّان مرساها ) أي يسألك يا رسولنا المتعنتون المكذبون المنكرون للبعث عن الساعة متى وقوعها و قيامها .

( فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ) ليس علمها إليك و لا إلى أحد من الخلق , بل مَردها و مرجعها إلى الله عز و جل , فهو الذي يعلم وقتها على التعيين , كما قال تعالى في آية أخرى " يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات و الأرض لا تأتيكم إلا بغته يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله و لكن أكثر الناس لا يعلمون " .

( إنما أنت منذر من يخشاها ) إنما بعثتك لتنذر الناس و تحذرهم من بأس الله و عذابه , فمن خشي الله و خاف مقامه ووعيده , اتبعك فأفلح و أنجح , و الخيبة و الخسار على من كذبك و خالفك .

( كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) كأن هؤلاء المكذبين بها , و بما فيها من الجزاء و الحساب , يوم يشاهدون وقوعها , من عظيم هولها , لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلا ساعة من نهار , بمقدار عشية – و هي ما بين الظهر إلى غروب الشمس - , أو ضحاها – و هي ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار - .


الساعة الآن 04:29 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009