![]() |
ولهذا كان الظاهر لازما للباطن من وجه، وملزوما له من وجه، وهو دليل عليه من جهة كونه ملزوما لا من جهة كونه لازما؛ فإن الدليل ملزوم المدلول، يلزم من وجود الدليل وجود المدلول، ولا يلزم من وجود الشيء وجود ما يدل عليه. والدليل يطرد ولا ينعكس، بخلاف الحد فإنه يطرد وينعكس. . 3- قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة:46]. فإذا وجدت الإرادة الجازمة مع القدرة، لزم أن يوجد المراد، وتخلف المراد هنا، وهو إعداد العدة للسفر، يدل على انتفاء إرادة الخروج. قال القرطبي: قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [التوبة:46] أي لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أهبة السفر. فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف. . 4- قوله تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ} [آل عمران:152]. فلما اختلفت نياتهم الباطنة، تباينت أعمالهم الظاهرة. قال ابن كثير: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} [آل عمران:152] وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة) . وقال البغوي: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا}:[آل عمران:152] يعني الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ} [آل عمران:152]: يعني الذين ثبتوا مع عبدالله بن جبير حتى قتلوا. قال ابن مسعود: ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد، ونزلت هذه الآية. . 5- قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني} [آل عمران:31]. فمتى قامت المحبة بالقلب مع التصديق، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، كما سبق تقريره نقلا عن شيخ الإسلام رحمه الله. وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي: يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم هي اتباعه صلى الله عليه وسلم، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محبا له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة، ومنه قول الشاعر: لو كان حبُّكَ صادقا لأطعته إنّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيع وقول ابن أبي ربيعة المخزومي: ومن لو نهاني من حبه عن الماء عطشان لم أشرب وقال ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في (الصحيح) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)) ، ولهذا قال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني يُحببكم الله} [آل عمران:31] . وقال ابن القيم: فأصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه. فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحبه. وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره، واجتناب نهيه. فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة. ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علما عليها، وشاهدا لمن ادعاها، فقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني يُحببكم الله} [آل عمران:31] فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم لله، وشرطا لمحبة الله لهم. ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه، وتحققه بتحققه. فعُلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة. فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم. فيستحيل إذاً ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله. ودل على أن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم: هي حب الله ورسوله، وطاعة أمره. . فتأمل قوله: (فعُلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة...) الخ، وقارن هذا بما يتخيله دعاة الإرجاء من وجود التصديق والانقياد والخوف والرجاء والمحبة في قلبِ من يعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يؤدي لله طاعة، مع قدرته وتمكنه من ذلك، ثم يقولون: نحن مع أهل السنة في إثبات التلازم بين الظاهر والباطن!! ولجهل المرجئة بهذا التلازم صاروا يفرضون مسائل يمتنع وقوعها، مثل قولهم: رجل يشهد أن لا إله إلا الله وفي قلبه التصديق والانقياد والمحبة، لكنه لا يعمل خيرا قط من أعمال الجوارح، مع العلم والتمكن والقدرة، ثم اجترؤوا فقالوا: هذا مسلم عند جمهور أهل السنة، وزاد بعضهم: ولا يكفره إلا الخوارج!! فيبقى المؤمنون العارفون ينكرون ذلك غاية الإنكار. 6- ومن الأدلة الصريحة في إثبات التلازم بين الظاهر والباطن: ما رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ الناسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ)) . قال شيخ الإسلام بعد ذكر الحديث: (... فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس) . وقال: فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيما إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب)) ، وقال عمر لمن رآه يعبث في صلاته: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. وفي الحديث: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه)) . وقال أيضا: ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب)) . وقال أبو هريرة: ((القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده)) . وقول أبي هريرة تقريب. وقول النبي صلى الله عليه وسلم أحسن بيانا؛ فإن الملك وإن كان صالحا فالجند لهم اختيار قد يعصون به ملكهم وبالعكس، فيكون فيهم صلاح مع فساده أو فساد مع صلاحه، بخلاف القلب فإن الجسد تابع له لا يخرج عن إرادته قط، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد)) . فإذا كان القلب صالحا بما فيه من الإيمان علما وعملا قلبيا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل: قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر. والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي العابث: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) . وقال: (وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ)) فبين أن صلاح القلب مستلزِمٌ لصلاح الجسد، فإذا كان الجسد غير صالح دلّ على أن القلب غير صالح، و القلبُ المؤمن صالح، فعُلم أنّ من يتكلم بالإيمان ولا يعمل به، لا يكون قلبه مؤمنا، حتى إن المكره إذا كان في إظهار الإيمان فلابد أن يتكلم مع نفسه، وفي السر مع من يأمن إليه، ولابد أن يظهر على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، كما قال عثمان، وأما إذا لم يظهر أثر ذلك، لا بقوله ولا بفعله قط، فإنه يدل على أنه ليس في القلب إيمان، وذلك أن الجسد تابع للقلب، فلا يستقر شيء في القلب إلا ظهر موجَبه و مقتضاه على البدن، و لو بوجه من الوجوه) . وقال ابن مفلح: قال الشيخ تقي الدين: فأخبر أن صلاح القلب مستلزم لصلاح سائر الجسد، وفساده مستلزم لفساد سائر الجسد. فإذا رُأي ظاهر الجسد فاسدا غير صالح، عُلم أن القلب ليس بصالح بل فاسد. ويمتنع فساد الظاهر مع صلاح الباطن، كما يمتنع صلاح الظاهر مع فساد الباطن؛ إذ كان صلاح الظاهر وفساده ملازما لصلاح الباطن وفساده. قال عثمان رضي الله عنه: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. . وقال الشيخ حافظ الحكمي: (ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ)) . ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة، أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرا وباطنا بلا شك، لم يعنوا مجرد التصديق) . 7- وروى ابن أبي شيبة عن الحسن قال: إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. . وجملة القول: أن التلازم بين الظاهر والباطن فرقان بين أهل السنة والمرجئة في باب الإيمان، وأن من عرف هذا التلازم زالت عنه شبهات كثيرة في مثل هذه المواضع التي كثر اختلاف الناس فيها المبحث الثاني: إجماع أهل السنة على أن العمل جزء لا يصح الإيمان إلا به وقد حكى هذا الإجماع ونقله غير واحد من أهل السنة، بألفاظ متقاربة، يدل مجموعها على أن الإيمان لا يجزئ من دون عمل الجوارح. ومن هؤلاء: 1- الإمام الشافعي، ت: 204هـ، حيث قال: (وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) . 2- الإمام الحميدي، ت: 219هـ، حيث قال: (وأخبرت أن قوما يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا، إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفعل المسلمين، قال الله عز وجل: {وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة:5] قال حنبل: قال أبو عبدالله أو سمعته يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به) . 3- الإمام الآجري، ت: 360هـ، حيث قال: (بل نقول– والحمد لله– قولا يوافق الكتاب والسنة وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم، وقد تقدم ذكرنا لهم: إن الإيمان معرفة بالقلب تصديقا يقينا، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا بهذه الثلاثة، لا يجزئ بعضها عن بعض، والحمد لله على ذلك) . وقال أيضا: (اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم: أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا. دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين) . وقال أيضا: (اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين واجب على جميع الخلق: وهو تصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح. ثم إنه لا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون معه عمل بالجوارح. فإذا اكتملت فيه هذه الخصال الثلاثة كان مؤمنا، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين. ولا ينفع القول إذا لم يكن القلب مصدقا بما ينطق به اللسان مع القلب. وإنما الإيمان بما فرض الله على الجوارح تصديقا لما أمر الله به القلب، ونطق به اللسان، لقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77]، وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43]، وفي غير موضع من القرآن، ومثله فرض الحج وفرض الجهاد على البدن بجميع الجوارح. والأعمال بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان. فمن لم يصدق بجوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه هذه، ومن رضي لنفسه بالمعرفة دون القول والعمل لم يكن مؤمنا. ومن لم يعتقد المعرفة والقول كان تركه للعمل تكذيبا منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكرنا تصديقا منه لإيمانه، فاعلم ذلك. هذا مذهب علماء المسلمين قديما وحديثا، فمن قال غير هذا فهو مرجئ خبيث، فاحذره على دينك. والدليل عليه قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة:5] . 4- أبو طالب المكي، ت: 386هـ، حيث قال: وأيضا: فإن الأمة مجمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكرناه من عقود القلب في حديث جبريل عليه السلام من وصف الإيمان، ولم يعمل بما ذكرناه من وصف الإسلام بأعمال الجوارح، لا يسمى مؤمنا، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان، أنه لا يكون مسلما. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة) . وقال كلاما نفيسا قبل هذا، يوضح مراده- وسيأتي نقل أكثره- ومن ذلك قوله: (ومن كان ظاهره أعمال الإسلام، (و)لا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة. ومن كان عقده الإيمان بالغيب، (و)لا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام، فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد) . 5- الإمام ابن بطة العكبري، ت: 387هـ، حيث قال: (باب بيان الإيمان وفرضه وأنه: تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات، لا يكون العبد مؤمنا إلا بهذه الثلاث. قال الشيخ: اعلموا رحمكم الله أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به والتصديق له ولرسله ولكتبه وبكل ما جاءت به السنة، وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولا، وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفرضه من الأعمال، لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها. ولا يكون العبد مؤمنا إلا بأن يجمعها كلها حتى يكون مؤمنا بقلبه، مقرا بلسانه، عاملا مجتهدا بجوارحه. ثم لا يكون أيضا مع ذلك مؤمنا حتى يكون موافقا للسنة في كل ما يقوله ويعمله، متبعا للكتاب والعلم في جميع أقواله وأعماله. وبكل ما شرحته لكم نزل به القرآن ومضت به السنة، وأجمع عليه علماء الأمة) . وتأمل قوله: (لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها) فإنه موافق لما حكاه الشافعي: كما سبق. 6- شيخ الإسلام ابن تيمية، ت: 728هـ، حيث قال في معرض الاستدلال على تكفير تارك الصلاة، والمناقشة لأدلة المخالفين: (وأيضا فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، كما دل عليه الكتاب والسنة و أجمع عليه السلف، وعلى ما هو مقرر في موضعه، فالقول تصديق الرسول، والعمل تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا. والقول الذي يصير به مؤمنا قول مخصوص، وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة. وأيضا فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل، لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينا، و من لا دين له فهو كافر) . 7- الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ت: 1206هـ، حيث قال: (لا خلاف بين الأمة أن التوحيد: لابد أن يكون بالقلب، الذي هو العلم؛ واللسان الذي هو القول، والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي، فإن أخل بشيء من هذا، لم يكن الرجل مسلما. فإن أقر بالتوحيد، ولم يعمل به، فهو كافر معاند، كفرعون وإبليس. وإن عمل بالتوحيد ظاهراً، وهو لا يعتقده باطناً، فهو منافق خالصاً، أشر من الكافر والله أعلم) . وقال أيضا: اعلم رحمك الله أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد وبالحب وبالبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث كفر وارتد . وقال في آخر (كشف الشبهات): (ولنختم الكلام إن شاء الله بمسألة عظيمة مهمة جدا تفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها، فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما. فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما. وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكننا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا} [التوبة:9]، وغير ذلك من الآيات، كقوله: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة:146]، فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً، وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه، فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ} [النساء:145]. وهذه المسألة مسألة طويلة تبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به، لخوف نقص دنياه أو جاهه أو مداراة، وترى من يعمل به ظاهراً لا باطناً، فإذا سألته عما يعتقده بقلبه فإذا هو لا يعرفه) . قلت: وقد نقل عنه المخالف غير مرة أنه لا يكفر بترك المباني الأربعة، واعتمد على قول الشيخ: وقد سئل عما يقاتل عليه، وعما يكفر الرجل به: (أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة إذا أقر بها، وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفّره بتركها؛ والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود؛ ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان) . وجوابه من وجهين: الأول: أنه لم يتحرر لي مذهب الشيخ: في تكفير تارك الصلاة، فما ذكر هنا يعارضه قوله: (هل يشترط في الواجب ، النطق بالشهادتين؟ أو يصير مسلماً بالمعرفة؟ فذكر أنه لا يصير مسلماً إلا ّ بالنطق للقادر عليه، والمخالف في ذلك جهم، ومن تبعه؛ وقد أفتى الإمام أحمد، وغيره من السلف، بكفر من قال: إنه يصير مسلماً بالمعرفة، وتفرّع على هذه مسائل؛ منها: من دُعي إلى الصلاة فأبى، مع الإقرار بوجوبها، هل يقتل كفراً؟ أو حداً؟ ومن قال: يقتل حداً، من رأى أن هذا أصل المسألة) . وظاهر هذا أنه يرى كفر تارك الصلاة إذا دعي إليها وأبى، كما هو المعروف من مذهب الحنابلة. وما ذكره: من أن الخلاف هنا متفرع على الخلاف في مسألة الإيمان، هو ما قرره شيخ الإسلام بقوله: (وعُلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب، وامتنع عن الفعل، لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه؛ فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان) . الوجه الثاني: أنه على فرض أن الشيخ: لا يكفر بترك الصلاة والزكاة والصوم والحج، فهذا من أبلغ الرد على المخالف في زعمه أن مسألة ترك العمل راجعة إلى مسألة ترك الصلاة، خلافا ومأخذا، والحق أن الأُولى مجمع عليها بين أهل السنة، بخلاف الثانية، والشيخ هنا: مع عدم تكفيره لتارك المباني الأربعة، يجزم بكفر تارك عمل الجوارح بالكلية، ويحكي الإجماع على هذا، فلله الحمد والمنة. 8- أحد أئمة الدعوة، حيث قال في (التوضيح عن توحيد الخلاق): (فأهل السنة مجمعون على أنه متى زال عمل القلب فقط، أو هو مع عمل الجوارح: زال الإيمان بكليته. وإن وُجد مجرد التصديق، فلا ينفع مجردا عن عمل القلب والجوارح معا، أو أحدهما ، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم سرا وجهرا) . 9- الشيخ عبدالرحمن بن حسن، ت: 1285هـ، حيث قال: (قوله: ((مَنْ شَهِدَ أَن لا إِلَهَ إِلا الله)) أي تكلم بها عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا ، كما قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} [محمد:19]، وقوله: {إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف:86] أما النطق بها من غير معرفة معناها، ولا يقين ولا عمل بمقتضاها، من نفي الشرك وإخلاص القول والعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فغير نافع بالإجماع) . وقال: وفي الآية رد على المرجئة والكرامية، ووجهه أنه لم ينفع هؤلاء قولهم: آمنا بالله، مع عدم صبرهم على أذى من عاداهم في الله، فلا ينفع القول والتصديق بدون العمل. فلا يصدق الإيمان الشرعي على الإنسان إلا باجتماع الثلاثة: التصديق بالقلب وعمله، والقول باللسان، والعمل بالأركان، وهذا قول أهل السنة والجماعة، سلفا وخلفا، والله سبحانه أعلم) . 10- الشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن حسن، ت: 1292هـ، حيث قال في رده على من شنع على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لأجل كلامه السابق، ونسبه إلى الخوارج: (قد تقدم مرارا أن المعترض له حظ وافر من صناعة التبديل والتحريف، كما وصف الله اليهود بذلك في غير آية والذبح والنذر لغير الله، وإخلاص الدين في ذلك كله لله. هذا ما دل عليه كلام شيخنا في (كشف الشبهات) وهذا مجمع عليه بين أهل العلم. فإذا اختل أحد هذه الثلاثة اختل الإسلام وبطل، كما دل عليه حديث جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، فبدأ بتعريف الإسلام بالشهادتين، ولا شك أن العلم والقول والعمل مشترط في صحة الإتيان بهما، وهذا لا يخفى على أحد شم رائحة العلم، وإنما خالف الخوارج فيما دون ذلك من ظلم العبد لنفسه، وظلمه لغيره من الناس) . 11- الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ت: 1377هـ، حيث قال: (بل إجماع بين أهل العلم (أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل)، فلا بد من الثلاثة، لابد أن يكون هو المعتقَد في قلبه، ولابد أن يكون هو الذي ينطق به لسانه، ولابد أن يكون هو الذي تعمل به جوارحه، (فإن اختل شيء من هذا): لو وحّد بلسانه دون قلبه ما نفعه توحيده، ولو وحد بقلبه وأركانه دون لسانه ما نفعه ذلك، ولو وحَّــد بأركانـه دون الباقي (لم يكن الرجل مسلماً)، هذا إجماع أن الإنسان لابد أن يكون موحداً باعتقاده ولسانه وعمله) . ... ومن عرف التوحيد الذي دعت إليه الرسل، زال عنه الإشكال في هذه المسألة، فإن التوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة، و(لا إله إلا الله) تعني أنه لا معبود بحق إلا الله، فالتوحيد يقوم على عبادة الله وحده بالقلب واللسان والجوارح، بل حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد،..... ولا يتم هذا إلا بالعمل، فكيف يتصور بقاء التوحيد في قلب من عاش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يؤدي له فرضا ولا نفلا. وقد بان من خلال النقولات السابقة أن أهل السنة مجمعون على أن الإيمان قول وعمل، أو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، وأن هذه الثلاثة لا يجزئ بعضها عن بعض، ولا ينفع بعضها دون بعض، وأن العمل تصديق للقول، فمن لم يصدق القول بعمله كان مكذبا. المبحث الثالث: إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة ووجه الاستدلال بهذا الإجماع في مسألتنا: أن تارك أعمال الجوارح بالكلية تارك للصلاة ضمنا، فإذا ثبت إجماعهم على كفر تارك الصلاة وحدها، كان كفر تارك العمل الظاهر كله أحق وأولى بالإجماع. وقد حكى هذا الإجماع جماعة من الصحابة والأئمة الذين لم يُعرفوا بالتساهل في نقل الإجماع، ومنهم: 1- جابر بن عبدالله رضي الله عنه: وقد سأله مجاهد بن جبر: ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: الصلاة . 2- أبو هريرة رضي الله عنه: عن عبدالله بن شقيق عن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفرا غير الصلاة . 3- الحسن البصري: قال: بلغني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر . 4- عبدالله بن شقيق: قال: لم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة . 5- أيوب السختياني: قال: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه . 6- إسحاق بن راهويه: قال الإمام محمد بن نصر: سمعت إسحاق يقول: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. . وقال ابن رجب: (وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة، وكذلك قال سفيان بن عيينة...) . 7- محمد بن نصر المروزي: قال: (قد ذكرنا في كتابنا هذا ما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من تعظيم قدر الصلاة وإيجاب الوعد بالثواب لمن قام بها، والتغليظ بالوعيد على من ضيعها، والفرق بينها وبين سائر الأعمال في الفضل، وعظم القدر. ثم ذكرنا الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في إكفار تاركها، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصحابة مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك) . 8- ابن تيمية: قال في بيان أدلة تكفير تارك الصلاة، بعد ذكر أدلة من الكتاب والسنة، وبيان أنه القول المنقول عن جمهور السلف: (ولأنّ هذا إجماع الصحابة. قال عمر لما قيل له وقد خرج إلى الصلاة: نعم ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة وقصته في الصحيح، وفي رواية عنه قال: لا إسلام لمن لم يصل رواه النجاد، وهذا قاله بمحضر من الصحابة) . 9- ابن القيم: وقد ذكر أن من كفر تارك الصلاة استدل بالكتاب والسنة وبإجماع الصحابة، ثم قال: (وأما إجماع الصحابة، فقال ابن زنجويه: حدثنا عمر بن الربيع حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبدالله بن عتبة أن عبدالله بن عباس أخبره أنه جاء عمر بن الخطاب حين طعن في المسجد، قال: فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد حتى أدخلناه بيته. قال: فأمر عبدالرحمن بن عوف أن يصلي بالناس. قال: فلما دخلنا على عمر بيته غشي عليه من الموت، فلم يزل في غشيته حتى أسفر، ثم أفاق فقال: هل صلى الناس؟ قال: فقلنا: نعم، فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة، وفي سياق آخر:لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى، وذكر القصة. فقال هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكروه عليه. وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، ولا يعلم عن صحابي خلافهم) . ثم قال ابن القيم في خاتمة الفصل الذي جعله في الحكم بين الفريقين: (ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويُشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك، فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبدا. ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمن مسلم، يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وبعضهم يقول: إنه مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمانه جبريل وميكائيل! فلا يستحي من هذا قوله، من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة. والله الموفق) . 10- الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، قال: (فهذه الأحاديث كما ترى، صريحة في كفر تارك الصلاة، مع ما تقدم من إجماع الصحابة، كما حكاه إسحاق بن راهويه، وابن حزم، وعبد الله بن شقيق، وهو مذهب جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم) . 11- الشيخ محمد بن إبراهيم، قال: (فقد وصلني كتابك الذي تستفتي به عن الرجل الذي وعظ في أَحد المساجد وقال: من ترك الصلاة تهاونًا وكسلا يقتل. وتسأَل عن كلام العلماء في ذلك؟ فالجواب: الحمد لله. ذهب إِمامنا أَحمد بن حنبل والشافعي في أَحد قوليه وإِسحاق بن راهويه، وعبدالله بن المبارك والنخعي والحكم وأَيوب السختياني وأَبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأَئمة والتابعين إِلى أَن تاركها كافر. وحكاه إِسحق بن راهويه إِجماعًا، ذكره عنه الشيخ أَحمد بن حجر الهيثمي في شرح الأَربعين، وذكره في كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) عن جمهور الصحابة. وقال الإِمام أَبو محمد بن حزم: سائر الصحابة ومن بعدهم من التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقًا، ويحكمون عليه بالارتداد منهم أَبو بكر وعمر وابنه عبدالله وعبدالله بن مسعود وابن عباس ومعاذ وجابر وعبد الرحمن بن عوف وأَبو الدرداء وأَبو هريرة وغيرهم من الصحابة ولا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة، واحتجوا على كفر تاركها بما رواه مسلم في (صحيحه) عن جابر بن عبدالله، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بَيْن الرَّجل وَبَيْن الشِّرْكِ وَالكُفر ترْكُ الصَّلاةِ)) ، وعن بريدة بن الحصيب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الْعَهدُ الَّذِيْ بَيْننا وَبَيْنهُمْ الصَّلاةُ فمَن ترَكها فقدْ كفرَ)) رواه الإِمام أَحمد وأَهل السنن. ... وعن معاذ مرفوعًا ((مَن تَرَكَ صَلاَةً مَكتُوْبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرئَت مِنهُ ذِمَّةُ اللهِ)) ، وعن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: كان أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأَعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي. فهذه الأَحاديث كما ترى صريحة في كفر تارك الصلاة مع ما تقدم من إِجماع الصحابة، كما حكاه إِسحق بن راهويه وابن حزم وعبدالله بن شقيق، وهو مذهب جمهور العلماء والتابعين ومن بعدهم) . |
12- الشيخ عبدالعزيز بن باز، قال: (... ولهذا ذكر عبدالله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل، عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم كانوا لا يرون شيئا تركه كفر غير الصلاة، فهذا يدل على أن تركها كفر أكبر بإجماع الصحابة؛ لأن هناك أشياء يعرفون عنها أنها كفر، لكنه كفر دون كفر، مثل البراءة من النسب، ومثل القتال بين المؤمنين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((سِبَابُ المُسْلِمُ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) فهذا كفر دون كفر إذا لم يستحله، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ كُفْراً بِكُمْ التَّبَرُّؤُ مِنْ آبَائِكُمْ)) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((اثْنَتَانِ فِي الناسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ النِّيَاحَةُ وَالطَّعْنُ فِي النَّسَبِ)) فهذا كله كفر دون كفر عند أهل العلم؛ لأنه جاء منكرا غير معرف بـ (أل)، ودلت الأدلة الأخرى دالة على أن المراد به غير الكفر الأكبر، بخلاف الصلاة فإن أمرها عظيم، وهي أعظم شيء بعد الشهادتين، وعمود الإسلام) . وبعد: (فهذا الإجماع أقوى دليل في هذه المسألة، وأصرح دليل فيها؛ إذ لا يعتريه احتمال ولا تأويل. وهو ما يؤكد ما دلت عليه ظواهر النصوص بأن المراد بالكفر فيها الكفر المخرج من الملة. وهو يردُّ على كل من أراد صرف تلك النصوص عن ظواهرها، بأن المراد كفر دون كفر. بل هذا الإجماع يوجب على كل منصف الرجوع عن كل قول مخالف له، فإن الأئمة الأربعة وعامة العلماء على أن الإجماع حجة قطعية، لا يجوز العدول عنها. فمن قال من العلماء بخلاف ما دل عليه هذا الإجماع، لعل له عذره أو اجتهاده الذي يؤجر عليه، لكن هذا العذر قد زال عمن اطلع على هذا الإجماع ووقف عليه) . تنبيهان: الأول: ما ذهب إليه بعض أهل العلم من حمل أحاديث كفر تارك الصلاة على الكفر الأصغر، قد ردّه شيخ الإسلام من تسعة أوجه، قال في (شرح العمدة): وأما حمله على كفر دون كفر، فهذا حمل صحيح ومحمل مستقيم في الجملة في مثل هذا الكلام، ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين في كثير من المواضع مفسراً، لكن الكفر الوارد في الصلاة هو الكفر الأعظم لوجوه: أحدها: أن الكفر المطلق هو الكفر الأعظم المخرج عن الملة فينصرف الإطلاق إليه، وإنما صرف في تلك المواضع إلى غير ذلك لقرائن انضمت إلى الكلام، ومن تأمل سياق كل حديث وجده معه، وليس هنا شيء يوجب صرفه عن ظاهره، بل هنا ما تقرره على الظاهر. الثاني: أن ذلك الكفر منكر مبهم مثل قوله: ((وقتاله كفر))، ((هما بهم كفر)) وقوله: ((كفر بالله)) وشبه ذلك، وهنا عرف باللام بقوله: ((ليس بين العبد وبين الكفر أو قال الشرك)) والكفر المعرف ينصرف إلى الكفر المعروف وهو المخرج عن الملة. الثالث: أن في بعض الأحاديث: ((فقد خرج من الملة)) وفي بعضها: ((بينه وبين الإيمان)) وفي بعضها: ((بينه وبين الكفر)) وهذا كله يقتضي أن الصلاة حدٌّ تُدخله إلى الإيمان إن فعله، وتخرجه عنه إن تركه. الرابع: أن قوله: (ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة)، وقوله: (كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) لا يجوز أن يراد به إلا الكفر الأعظم؛ لأن بينه وبين غير ذلك مما يسمى كفرا أشياء كثيرة، ولا يقال: فقد يخرج من الملة بأشياء غير الصلاة، لأنا نقول: هذا ذكر في سياق ما كان من الأعمال المفروضة، وعلى العموم يوجب تركه الكفر، وما سوى ذلك من الاعتقادات فإنه ليس من الأعمال الظاهرة. الخامس: أنه خرج هذا الكلام مخرج تخصيص الصلاة وبيان مرتبتها على غيرها في الجملة، ولو كان ذلك الكفر فسقاً لشاركها في ذلك عامة الفرائض. السادس: أنه بين أنها آخر الدين، فإذا ذهب آخره ذهب كله. السابع: أنه بين أن الصلاة هي العهد الذي بيننا وبين الكفار، وهم خارجون عن الملة ليسوا داخلين فيها، واقتضى ذلك أن من ترك هذا العهد فقد كفر، كما أن من أتى به فقد دخل في الدين، ولا يكون هذا إلا في الكفر المخرج من الملة. الثامن: أن قول عمر: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) أصرح شيء في خروجه عن الملة، وكذلك قول ابن مسعود وغيره، مع أنه بيّن أن إخراجها عن الوقت ليس هو الكفر وإنما هو الترك بالكلية، وهذا لا يكون إلا فيما يخرج من الملة. التاسع: ما تقدم من حديث معاذ ؛ فإن فسطاطا على غير عمود لا يقوم، كذلك الدين لا يقوم إلا بالصلاة. وفي هذه الوجوه يبطل قول من حملها على من تركها جاحدا. وأيضا قوله: (كانوا لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر" وقوله: ليس بين العبد وبين الكفر وغير ذلك مما يوجب اختصاص الصلاة بذلك، وترك الجحود لا فرق فيه بين الصلاة وغيرها؛ ولأن الجحود نفسه هو الكفر من غير ترك حتى لو فعلها مع ذلك لم ينفعه، فكيف يعلق الحكم على ما لم يذكر؟! ولأن المذكور هو الترك، وهو عام في من تركها جحودا أو تكاسلا، ولأن هذا عدول عن حقيقة الكلام من غير موجب فلا يلتفت إليه) . التنبيه الثاني: ما يردده بعض المخالفين من قولهم: كيف خفي هذا الإجماع على الأئمة الذين ذهبوا إلى عدم تكفير تارك الصلاة؟ جوابه أن يقال: إذا ثبت إجماع الصحابة، فهو حجة على من بعدهم، وأقوال العلماء يحتج لها، ولا يحتج بها، وباب العذر واسع، فالمخالف ربما لم يبلغه الإجماع، أو تأوله بنوع تأويل، والمسألة لها نظائر، فمن ذلك: 1- أنه قد نقل غير واحد إجماع الصحابة على منع بيع أمهات الأولاد، وخالف في ذلك من خالف . قال ابن قدامة: (ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم بدليل قول علي كرم الله وجهه: كان رأيي ورأي عمر أن لا تباع أمهات الأولاد، وقوله: فقضى به عمر حياته وعثمان حياته، وقول عبيدة: رأي علي ... وعمر في الجماعة أحب إلينا من رأيه وحده. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال عمر رضي الله عنهم: ما من رجلٍ كان يقر بأنه يطأ جاريته ثم يموت إلا أعتقها ولدها إذا ولدت وإن كان سقطا. فإن قيل: فكيف تصح دعوى الإجماع مع مخالفة علي وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم؟ قلنا: قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة، فقد روى عبيدة قال: بعث إليَّ علي ... وإلى شريح أن اقضوا كما كنتم تقضون فإني أبغض الاختلاف. وابن عباس قال: ولد أم ولد بمنزلتها، وهو الراوي لحديث عتقهن عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر، فيدل على موافقته لهم، ثم قد ثبت الإجماع باتفاقهم قبل المخالفة، واتفاقهم معصوم عن الخطأ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يجوز أن يخلو زمن عن قائم لله بحجته، ولو جاز ذلك في بعض العصر لجاز في جميعه، ورأي الموافق في زمن الاتفاق خير من رأيه في الخلاف بعده، فيكون الاتفاق حجة على المخالف له منهم كما هو حجة على غيره. فإن قيل: فلو كان الاتفاق في بعض العصر إجماعا حرمت مخالفته، فكيف خالفه هؤلاء الأئمة الذين لا تجوز نسبتهم إلى ارتكاب الحرام؟ قلنا: الإجماع ينقسم إلى مقطوع به ومظنون، وهذا من المظنون، فيمكن وقوع المخالفة منهم له مع كونه حجة، كما وقع منهم مخالفة النصوص الظنية، ولا تخرج بمخالفتهم عن كونها حجة، كذا ههنا) . ويقال هنا أيضا: لا يجوز أن يخلو زمن عن قائم لله بحجته، فأين النقل عن صحابي واحد بما يخالف هذا الإجماع؟! 2- ومن ذلك أيضا: إجماع الصحابة على انتقاض عهد الذمي بسب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مخالفة بعض الفقهاء في ذلك ، قال شيخ الإسلام: (والدلالة على انتقاض عهد الذمي بسب الله أو كتابه أو دينه أو رسوله ووجوب قتله وقتل المسلم إذا أتى ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والاعتبار) . إلى أن قال: (وأما إجماع الصحابة فلأن ذلك نُقل عنهم في قضايا متعددة ينتشر مثلها ويستفيض، ولم ينكرها أحد منهم، فصارت إجماعا. واعلم أنه لا يمكن ادعاء إجماع الصحابة على مسألة فرعية بأبلغ من هذا الطريق) . 3- ومن ذلك: مسألة اشتراط المرأة على الرجل ألا يتزوج عليها ولا يتسرى، ولا يخرجها من دارها أو بلدها، فقد حكى فيها ابن القيم إجماع الصحابة على أن الشرط لازم، مع مخالفة من خالف من الأئمة. قال رحمه الله: (إذا تزوجها على أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها فالنكاح صحيح، والشرط لازم. هذا إجماع الصحابة، فإنه صح عن عمر، وسعد، ومعاوية، ولا مخالف لهم من الصحابة، وإليه ذهب عامة التابعين، وقال به أحمد. وخالف في ذلك الثلاثة، فأبطلوا الشرط، ولم يوجبوا الوفاء به) . 4- ومن ذلك: الإجماع القديم على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه، وقد خالف فيه أبو حنيفة والشافعي . قال شيخ الإسلام: (وكذلك مذهب مالك وأهل المدينة في أعيان النجاسات الظاهرة في العبادات أشبه شيء بالأحاديث الصحيحة، وسيرة الصحابة، ثم إنهم لا يقولون بنجاسة البول والروث مما يؤكل لحمه، وعلى ذلك بضع عشرة حجة، من النص، والإجماع القديم، والاعتبار، ذكرناها في غير هذا الموضع، وليس مع المنجّس إلا لفظ يظن عمومه، وليس بعام، أو قياس يظن مساواة الفرع فيه للأصل، وليس كذلك) . وقال: (وبول ما أُكل لحمه وروثه طاهر، لم يذهب أحدٌ من الصحابة إلى تنجسه، بل القول بنجاسته قول محدثٌ لا سلف له من الصحابة) . 5، 6، 7- ومن ذلك: الإجماع القديم على حل ذبائح أهل الكتاب، وحل نسائهم، وجواز أخذ الجزية منهم، سواء كانوا أو أحد آبائهم ممن دخلوا في الدين قبل نزول القرآن، أو بعده، وخالف في ذلك الشافعي . قال الإمام محمد بن الحسين التميمي الجوهري (ت: 350هـ): (وأجمعوا أن ذبيحة الكتابي حلال للمسلم، وسواء دان بدينه ذلك واحد من آبائه قبل نزول القرآن، أو بعده، إلا الشافعي، فإنه لم يجز من ذبائحهم إلا ذبائح من دان منهم أو أحد من آبائهم قبل نزول القرآن، وأما من دان منهم أو أحد من آبائهم بعد نزول القرآن، فإنه لا يبيح للمسلم ذبيحته) . وقال: (وأجمعوا أن الجزية على كل كتابي، وإن كان إنما دان بدينه بعد نزول الفرقان، إلا الشافعي فإنه قال: لا جزية إلا أن يكون قد دان، أو واحدة من آبائه بذلك الدين قبل نزول الفرقان) . وقال أبو بكر الجصاص: (وقد روي عن جماعة من السلف القول في أهل الكتاب من العرب، لم يفرق أحدٌ منهم فيه بين من دان بذلك قبل نزول القرآن أو بعده، ولا نعلم أحدا من السلف والخلف اعتبر فيهم ما اعتبره الشافعي في ذلك، فهو منفرد بهذه المقالة خارج بها عن أقاويل أهل العلم) . وقال شيخ الإسلام: (وهذا مبني على أصل، وهو أن قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة:5] هل المراد به من هو بعد نزول القرآن متدين بدين أهل الكتاب؟ أو المراد به من كان آباؤه قد دخلوا في دين أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل؟ على قولين للعلماء. فالقول الأول هو قول جمهور المسلمين من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحد القولين في مذهب أحمد، بل هو المنصوص عنه صريحا. والثاني: قول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد). إلى أن قال: (وأحمد إنما اختلف اجتهاده في بني تغلب، وهم الذين تنازع فيهم الصحابة. فأما سائر اليهود والنصارى من العرب مثل: تنوخ وبهراء وغيرهما من اليهود، فلا أعرف عن أحمد في حل ذبائحهم نزاعا، ولا عن الصحابة ولا عن التابعين وغيرهم من السلف، وإنما كان النزاع بينهم في بني تغلب خاصة). ثم قال: (بل الصواب المقطوع به أن كون الرجل كتابيا أو غير كتابي هو حكم مستقل بنفسه، لا بنسبه. وكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم، سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم، أو لم يدخل، وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل، أو بعد ذلك. وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك والمنصوص الصريح عن أحمد، وإن كان بين أصحابه في ذلك نزاع معروف. وهذا القول هو الثابت عن الصحابة، ولا أعلم بين الصحابة في ذلك نزاعا، وقد ذكر الطحاوي أن هذا إجماع قديم) . 8- ومن ذلك: إجماع الصحابة على أن سجود التلاوة غير واجب، مع مخالفة الحنفية فيه. قال ابن قدامة: (وجملة ذلك أن سجود التلاوة سنة مؤكدة وليس بواجب عند إمامنا ومالك والأوزاعي والليث والشافعي وهو مذهب عمر وابنه عبد الله، وأوجبه أبو حنيفة وأصحابه؛ لقول الله عز وجل: {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق:20-21]، ولا يذم إلا على ترك واجب، ولأنه سجود يفعل في الصلاة فكان واجبا كسجود الصلاة. ولنا ما روى زيد بن ثابت قال: ((قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد منا أحد)). متفق عليه . ولأنه إجماع الصحابة، وروى البخاري والأثرم عن عمر أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر. وفي لفظ: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. وفي رواية الأثرم: فقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. فقرأها ولم يسجد ومنعهم أن يسجدوا، وهذا بحضرة الجمع الكثير، فلم ينكره أحد ولا نُقل خلافه. فأما الآية فإنه ذمهم لترك السجود غير معتقدين فضله ولا مشروعيته. وقياسهم ينتقض بسجود السهو فإنه عندهم غير واجب) . 9- ومن ذلك: الإجماع على منع الرجوع في الوقف، مع مخالفة أبي حنيفة. قال ابن قدامة: (وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده وللواقف الرجوع فيه إلا أن يوصي به بعد موته فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم. وحكاه بعضهم عن علي وابن مسعود وابن عباس. وخالفه صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم. وهذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة رضي الله عنهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر في وقفه: ((لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث)) قال الترمذي: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافا) . ونظائر هذا كثيرة، تركت ذكرها خشية الإطالة. الفصل الثاني: نقول عن أهل العلم في بيان منزلة عمل الجوارح وحكم تاركه ليس الغرض هنا نقل كلام السلف والأئمة في أن العمل من الإيمان، فهذا أمر معلوم بيّن، لكن المراد حكاية أقوالهم في ارتباط القول بالعمل، وأنه لا يصح القول ولا ينفع ولا يستقيم ولا يقبل إلا بالعمل، وحكاية أقوالهم في ارتباط عمل القلب بعمل الجوارح، وأنه لا يتصور وجود الإيمان الباطن مع تخلف العمل الظاهر، وحكاية ما هو أصرح من ذلك، من تكفير تارك العمل بالكلية، والجزم بردته، وخلو قلبه من الإيمان الصحيح. والمراد أيضا: إظهار أن القول بعدم صحة الإيمان عند تخلف عمل الجوارح بالكلية، أمرٌ مستقر عند أهل السنة، بيّنه الأئمة سلفا وخلفا، لم يكن بينهم نزاع في ذلك، حتى جاء من دخلت عليه شبهة المرجئة، فزعم أن العمل كمالي في الإيمان، وأن تاركه بالكلية مسلم تحت المشيئة، وهذا ما تلقفوه عن أهل الكلام المذموم من الأشعرية وغيرهم، ثم نسبوه إلى السلف وأهل السنة جهلا وافتراء، وغلا بعضهم حتى زعم أن القول بكفر تارك العمل- كلِّه- هو قول الخوارج والمعتزلة، لا قول أهل السنة، ولهذا رأيت من اللازم نقل كلام الأئمة، من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، إلى زمننا هذا، نصحا للأمة، ودرءا للفتنة عن ناشئة أهل السنة، تبصيراً للجاهل، وتثبيتاً للعالم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. 1- علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قال رضي الله عنه: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة . 2- عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وقد قال بنفس ما قاله علي رضي الله عنه . 3- سعيد بن جبير، ت: 95هـ قال: (لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة) . 4- الحسن البصري، ت: 110هـ قال: (الإيمان قول، ولا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة) . 5- الأوزاعي، ت: 157هـ قال: (أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة، ولا يفرقون بين الإيمان والعمل، ولا يعدون الذنوب كفرا ولا شركا. وقال: الإيمان والعمل كهاتين، وقال بإصبعيه، لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان) . وقال: (لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة. وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه وكان في الآخرة من الخاسرين) . وقال الوليد بن مسلم: (سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ينكرون قول من يقول: إن الإيمان قول بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان) . 6- سفيان الثوري، ت: 161هـ قال رحمه الله: (أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل مخافة أن يزكوا أنفسهم، لا يجوز عمل إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بعمل، فإن قال من إمامك في هذا؟ فقل: سفيان الثوري) . وقال أيضا: (كان الفقهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة) . وقال أيضا: (لا يصلح قول إلا بعمل) . 7- الفضيل بن عياض، ت: 187هـ قال: (لا يصلح قول إلا بعمل) . 8- سفيان بن عيينة، ت: 198هـ قال:: (الإيمان قول وعمل). (وأخذناه ممن قبلنا، وأنه لا يكون قول إلا بعمل. قيل له: يزيد وينقص؟ قال: فإيش إذا؟!) . وقال وقد سئل عن الإرجاء: (يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل. والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليسوا سواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية. وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر. وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وإبليس وعلماء اليهود. أما آدم فنهاه الله عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين فسمي عاصيا من غير كفر. وأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا. وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شريعته، فسماهم الله عز وجل كفارا. فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء. وأما ترك الفرائض جحودا فهو كفر، مثل كفر إبليس لعنه الله. وتركها على معرفة من غير جحود فهو كفر، مثل كفر علماء اليهود. والله أعلم) . 9- إسحاق بن راهويه، ت: 238هـ قال: (غلت المرجئة حتى صار من قولهم: إن قوما يقولون: من ترك المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض من غير جحود بها أنا لا نكفّره، يرجى أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر. فهؤلاء المرجئة الذين لاشك فيهم) . وكلامه يؤخذ منه أمران: الأول: تكفير من ترك عامة الفرائض، وهذا مطابق لما سبق نقله عن سفيان بن عيينة، وهو عين ما يقرره شيخ الإسلام، كما سيأتي، لكنه يعبّر بلفظ: الواجبات، ولا فرق. الثاني: الحكم على المخالف في هذه المسألة بأنه من المرجئة. 10- أبو ثور: إبراهيم بن خالد الكلبي الفقيه، ت: 240هـ قال: (فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان؛ فيقال لهم: ما أراد الله من العباد إذ قال لهم: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الراكِعِينَ} [البقرة:43]، الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل؛ فقد كفرت عند أهل العلم، من قال إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة! فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل! قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعا لم زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعا؟! أرأيتم لو أن رجلا قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: لا! قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئا أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: نعم! قيل لهم: ما الفرق وقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعا فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمنا، لا فرق بين ذلك! فإن احتج فقال: لو أن رجلا أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا، ولو قال: أقر ولا أعمل؛ لم نطلق له اسم الإيمان. وفيما بينا من هذا ما يكتفى به ونسأل الله التوفيق) . 11- أحمد بن حنبل، ت:241هـ قال في رواية محمد بن موسى البغدادي: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وإذا عملت الحسن زاد، وإذا ضيعت نقص، والإيمان لا يكون إلا بعمل) . |
12- أبو بكر الآجري المتوفى سنة 360هـ قال: (فالأعمال – رحمكم الله تعالى – بالجوارح تصديق للإيمان بالقلب واللسان. فمن لم يصدق الإيمان بجوارحه: مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه لهذه، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول: لم يكن مؤمنا، ولم تنفعـه المعرفة والقول، وكان تركه العمل تكذيبا منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكرنا تصديقا منه لإيمانه، وبالله تعالى التوفيق) . وقال: (هذا بيان لمن عقل، يعلم أنه لا يصحّ الدين إلا بالتصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وما أشبه ذلك) . وقال: وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10] فأخبر تعالى بأن الكلم الطيب حقيقته أن يُرفع إلى الله عز وجل بالعمل الصالح، فإن لم يكن عملٌ، بطل الكلام من قائله، ورد عليه. ولا كلام أطيب وأجل من التوحيد، ولا عمل من عمل الصالحات أجل من أداء الفرائض... ثم جعل على كل قول دليلا، من عملٍ يصدقه، ومن عملٍ يكذبه، فإذا قال قولا حسنا، وعمل عملا حسنا، رفع الله قوله بعمله، وإذا قال قولا حسنا، وعمل عملا سيئا، رد الله القول على العمل، وذلك في كتاب الله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10] . 13- ابن بطة العكبري، ت: 387 هـ قال: (فقد تلوت عليكم من كتاب الله ما يدل العقلاء من المؤمنين أن الإيمان قول وعمل، وأن من صدق بالقول وترك العمل كان مكذبا وخارجا من الإيمان، وأن الله لا يقبل قولا إلا بعمل، ولا عملا إلا بقول) . وقال: (فمن زعم أنّه يقر بالفرائض ولا يؤديها، ويعلمها، وبتحريم الفواحش والمنكـــرات ولا ينزجر عنها ولا يتركها، وأنه مع ذلك مؤمن، فقد كذّب بالكتاب وبما جاء به رسوله، ومثَله كمثل المنافقين الذين قالوا: {قَالُواْ آمَنا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة:41] فأكذبهم الله وردّ عليهم قولهم، وسماهم منافقين مأواهم الدرك الأسفل من النار، على أن المنافقين أحسن حالا من المرجئة؛ لأن المنافقين جحدوا العمل، وعملوه، والمرجئة أقروا بالعمل بقولهم، وجحدوه بترك العمل به. فمن جحد شيئا وأقر به بلسانه وعمله ببدنه، أحسن حالا ممن أقر بلسانه وأبى أن يعمله ببدنه. فالمرجئة جاحدون لما هم به مقرون، ومكذبون لما هم به مصدقون، فهم أسوأ حالا من المنافقين) . 14- شيخ الإسلام ابن تيمية، ت: 728هـ وقد قرر هذه المسألة من وجوهٍ عدة: (1) تصريحه بأن من لم يأت بالعمل فهو كافر: قال: (وأيضا فان الإيمان عند أهل السنة و الجماعة قول وعمل كما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف، وعلى ما هو مقرر في موضعه، فالقول تصديق الرسول، والعمل تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا. والقول الذي يصير به مؤمنا قول مخصوص وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة. وأيضاً فإن حقيقة الدين هو الطاعة و الانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينا، و من لا دين له فهو كافر) . (2) تصريحه بأن انتفاء أعمال الجوارح مع القدرة والعلم بها لا يكون إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح: قال: (وهذه المسألة لها طرفان: أحدهما: في إثبات الكفر الظاهر. والثاني: في إثبات الكفر الباطن. فأما الطرف الثاني فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولا وعملا كما تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح) . (3) تصريحه بأن الرجل لا يكون مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي اختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم: قال رحمه الله: (وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجباً ظاهراً، لا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات، ولو قدّر أن يؤدي الواجبات لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة ويصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر؛ فإن المشركين، وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم. ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له أو جزءا منه- فهذا نزاع لفظي- كان مخطئا خطئا بينا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف. والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها) . (4) تصريحه بأنه إذا انتفت أعمال الجوارح لم يبق في القلب إيمان: قال: (وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب (الموجز)، وهو أن القرآن نفى الإيمان عن غير هؤلاء كقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال:2]، ولم يقل: إن هذه الأعمال من الإيمان. قالوا: فنحن نقول: من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمنا لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان وهذا هو المطلوب، وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءا نزاع لفظي) . فتأمل قوله: (أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان وهذا هو المطلوب) لتعلم أن هذا هو مقتضى التلازم عند شيخ الإسلام. (5) تصريحه بأن انتفاء اللازم الظاهر دليل على انتفاء الملزوم الباطن: قال: (والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان؛ فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضا وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين. ومن قصد إخراج العمل الظاهر قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن. فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان) . وقال: (وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي؛ فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن. فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيا. وإن قلت ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه من أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر وترك جميع الواجبات الظاهرة. قيل لك: فهذا يناقض قولك إن الظاهر لازم له وموجب له. بل قيل: حقيقة قولك أن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى، فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجود الباطن، وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم وهذا حقيقة قولك) . وقال أيضا: (وقوله: ليس الإيمان بالتمني يعني: الكلام. وقوله: بالتحلي يعني: أن يصير حلية ظاهرة له، فيظهره من غير حقيقة من قلبه. ومعناه: ليس هو ما يظهر من القول، ولا من الحلية الظاهرة، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال. فالعمل يصدق أن في القلب إيمانا، وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيمانا؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم) . وقال: (والعمل الظاهر هو موجب إيمان القلب ومقتضاه، فإذا حصل إيمان القلب حصل إيمان الجوارح ضرورة. وإيمان القلب لابد فيه من تصديق القلب وانقياده، وإلا فلو صدق قلبه بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبغضه ويحسده ويستكبر عن متابعته لم يكن قد آمن قلبه) . (6) تصريحه بأن قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن ممتنع: قال: (وأيضا فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضا، وهذا باطل قطعا؛ فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه، فهو كافر قطعا بالضرورة. وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضا؛ لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن وليس المقصود هنا ذكر عمل معين، بل من كان مؤمناً بالله ورسوله بقلبه هل يتصور إذا رأى الرسول وأعداءه يقاتلونه وهو قادر على أن ينظر إليهم ويحض على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة إلا أن يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول، فمن المعلوم أن هذا ممتنع) . (7) تصريحه بأن مذهب السلف وأهل السنة، أنه متى وجد الإيمان الباطن، وجدت الطاعات: قال: (وقول القائل: (الطاعات ثمرات التصديق الباطن) يراد به شيئان: يراد به أنها لوازم له، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت. وهذا مذهب السلف وأهل السنة) . (8) تصريحه بأن وجود إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع: قال: (فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل. ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان. وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءاً من الإيمان،) . تنبيه: قوله: (إيمان القلب التام) المراد به الصحيح المجزئ، لا الكامل، كما فهم البعض، ويدل على ذلك ما سبق من جزمه رحمه الله بأنه إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وأنه لا يبق في القلب إيمان، وأن انتفاء الأعمال الظاهرة إنما يكون مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح، وغير ذلك مما هو صريح لا يحتمل التأويل، بل يدل على ذلك سياق كلامه في هذا الموضع، فإنه في معرض التقرير لكفر تارك الصلاة، والرد على من لا يكفره ولو أصرّ على الترك حتى يقتل. وذكر قبلها مثالين: الأول: من أخذ يلقي المصحف في الحش، ويقول: أشهدا أن ما فيه كلام الله. والثاني: من جعل يقتل نبيا من الأنبياء، ويقول: أشهد أنه رسول الله، (ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال، كان كاذبا فيما أظهره من القول. فهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن...) الخ. فالكلام ليس في نقص الإيمان، بل في زواله، فتنبه. وقد استعمل شيخ الإسلام مصطلح (إيمان القلب التام) بمعنى (الإيمان الصحيح أو المجزئ الذي يقابله الكفر) في مواضع، منها: 1- قوله: (وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام فإن الإيمان في القلب والإسلام ظاهر، كما في (المسند) عن النبي أنه قال: ((الإسلام علانية والإيمان في القلب والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره)) . ومتى حصل له هذا الإيمان وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لأن إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنا، ولا يحصل ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد. وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانا جازما امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة. فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام. وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة، فإن هذا ممتنع؛ إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة، فان من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبا جازما وهو قادر على مواصلته ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك) . فانظر قوله: (فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام) وتأمل هل يصح أن يحمل ذلك على الإيمان الكامل؟! إن ذلك يعني صحة إيمان من ترك الشهادتين مع القدرة! وقد مضى أن أهل السنة مجمعون على كفر من ترك الشهادتين مع القدرة. 2- وقريب من هذا قوله: (ثم إنه إذا تحقق القلب بالتصديق والمحبة التامة المتضمنة للإرادة، لزم وجود الأفعال الظاهرة؛ فإن الإرادة الجازمة إذا اقترنت بها القدرة التامة لزم وجود المراد قطعا، وإنما ينتفي وجود الفعل لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة، وإلا فمع كمالها يجب وجود الفعل الاختياري. فإذا أقر القلب إقرارا تاما بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبه محبة تامة، امتنع مع ذلك أن لا يتكلم بالشهادتين مع قدرته على ذلك، لكن إن كان عاجزا لخرس ونحوه، أو الخوف ونحوه، لم يكن قادرا على النطق بهما) . قلت: التام هنا بمعنى الصحيح قطعا، ولا يجوز حمله على (الكامل) وإلا للزم صحة إقرار القلب، وصحة المحبة، مع عدم التكلم بالشهادتين مع القدرة. 3- وقال رحمه الله في بيان أوجه تفاضل الإيمان: (أحدها: الأعمال الظاهرة فإن الناس يتفاضلون فيها وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان، فالنفاة يقولون هو من ثمرات الإيمان ومقتضاه، فأُدخل فيه مجازا بهذا الاعتبار، وهذا معنى زيادة الإيمان عندهم ونقصه، أي زيادة ثمراته ونقصانها، فيقال: قد تقدم أن هذا من لوازم الإيمان وموجباته، فإنه يمتنع أن يكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر، وأما كونه لازما أو جزءا منه فهذا يختلف بحسب حال استعمال لفظ الإيمان مفردا أو مقرونا بلفظ الإسلام والعمل) . و(الإيمان التام) هنا هو الصحيح ولا شك، ولو فسر بالكامل للزم أن يصح الإيمان مع تخلف القول، ولا قائل به من أهل السنة. 4- وقال أيضا: (وأما إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، فما قام بأنفسهم من الكفر وإرادة العلو والحسد، منع من حب الله وعبادة القلب له الذي لا يتم الإيمان إلا به، وصار فى القلب من كراهية رضوان الله واتباع ما أسخطه ما كان كفرا لا ينفع معه العلم) . والتمام هنا بمعنى الصحة من غير شك. 5- وقال: (وهو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصا يستحق صاحبه العقوبة...) فالتمام هنا بمعنى الصحة، دون شك، وقد أكثر المخالف من الاستشهاد بهذا النص دون أن ينتبه لهذا المعنى! وهذا-وغيره- يؤكد أن استعمال التام بمعنى الصحيح أو المجزئ أو أصل الإيمان، هو الغالب في كلام شيخ الإسلام، وقد قال: (فإنه يجب أن يُفسّر كلام المتكلم بعضُه ببعض، ويؤخذ كلامُه هاهنا وهاهنا، وتُعرف ما عادته (وما) يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتُعرف المعاني التي عُرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عُرف عُرْفه وعادتُه في معانيه وألفاظه، كان هذا مما يُستعان به على معرفة مراده. وأما إذا استُعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه، وتُرك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحُمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عُرف أنه يريده بذلك اللفظ، بجعلِ كلامه متناقضا، وتركِ حمله على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه، وتبديلا لمقاصده، وكذبا عليه) . (9) تصريحه بأنه لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح: قال: (وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولا للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب) . قلت: فإذا عدمت أعمال الجوارح بالكلية، لم يتصور وجود الإيمان الواجب في القلب. وعلى فرض أن شيخ الإسلام يريد بالإيمان الواجب هنا ما زاد على أصل الإيمان الصحيح المجزئ، فإنه يسقط الاستشهاد به، لكنه لا ينافي عباراته الماضية التي يصرح فيها بأنه لم يبق في القلب إيمان، بل الكفر والزندقة، لأنا نقول: ترك العمل الظاهر بالكلية دليل على عدم وجود الإيمان القلبي الصحيح، وعلى عدم وجود ما زاد على الصحيح من باب أولى. (10) تصريحه بأن ترك الواجبات الظاهرة دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب: قال: (فالسلف يقولون: ترك الواجبات الظاهرة، دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب، لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب، الذي هو حب الله ورسوله، وخشية الله، ونحو ذلك، لا يستلزم ألا يكون في القلب من التصديق شيء. وعند هؤلاء كل من نفى الشرع إيمانه دلّ على أنه ليس في قلبه شيء من التصديق أصلا، وهذا سفسطة عند جماهير العقلاء) . قلت: الإيمان الواجب هنا، هو الإيمان الصحيح المجزئ، بدليل قوله: (لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب... لا يستلزم ألا يكون في القلب من التصديق شيء). وسياق الكلام يفيد بأن شيخ الإسلام يسلم للمخالف بأن إيمان القلب يذهب وينتفي، لكن ليس لذهاب التصديق فقط، بل قد يكون بذهاب عمل القلب، وهذا يدل على أن المراد بانتفاء الإيمان الواجب من القلب: انتفاء الإيمان الصحيح المجزئ، المترتب على (زوال عمل القلب). (11) تصريحه بأنه لابد في الإسلام من الإتيان بأصل الطاعة في الظاهر: قال: (فإذا قال أحد هؤلاء العالمين الجاحدين الذين ليسوا بمؤمنين: محمد رسول الله، كقول أولئك اليهود وغيرهم، فهذا خبر محض مطابق لعلمهم الذي قال الله فيه: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة:146]، لكن كما لا ينفعهم مجرد العلم، لا ينفعهم مجرد الخبر، بل لابد أن يقترن بالعلم في الباطن مقتضاه من العمل الذي هو المحبة والتعظيم والانقياد ونحو ذلك، كما أنه لابد أن يقترن بالخبر الظاهر مقتضاه من الاستسلام والانقياد وأصل الطاعة) . وهذا كما ترى صريح في اشتراط أربعة أمور، هي أركان الحقيقة المركبة، قول القلب وعمله، وقول اللسان وأصل عمل الجوارح، وسماه هنا: أصل الطاعة، وبين أنه لا ينفع الكافر وجود التصديق مع قول اللسان، ما لم يقترن التصديق بالعمل الباطن، ويقترن قول اللسان بالعمل الظاهر، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن التلازم بين الظاهر والباطن إنما هو في الإيمان المطلق أو الكامل لا في أصل الإيمان. 15- الإمام ابن القيم رحمه الله، ت:751هـ (1) تصريحه بأن تخلف العمل الظاهر دليل على فساد الباطن. قال: (الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته، فلا ينفع ظاهر لا باطن له وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية. ولا يجزئ باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك، فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل على فساد الباطن وخلوه من الإيمان. ونقصه دليل نقصه. وقوته دليل قوته. فالإيمان قلب الإسلام ولبه، واليقين قلب الإيمان ولبه. وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوةً فمدخول، وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول) . وقال: (فكل إسلام ظاهر لا ينفذ صاحبه منه إلى حقيقة الإيمان الباطنة، فليس بنافع، حتى يكون معه شيء من الإيمان الباطن. وكل حقيقة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة، لا تنفع ولو كانت ما كانت، فلو تمزق القلب بالمحبة والخوف، ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع، لم ينجه ذلك من النار، كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقة الإيمان لم ينجه من النار) . (2) تصريحه بأن من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية: قال: (على أنا نقول: لا يصر على ترك الصلاة إصرارا مستمرا من يصدّق بأن الله أمر بها أصلا، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب، وهو مع ذلك مصر على تركها، هذا من المستحيل قطعا، فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبدا، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا تصغ إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها. وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد، والجنة والنار، وأن الله فرض عليه الصلاة، وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها، وهو محافظ على الترك، في صحته وعافيته، وعدم الموانع المانعة له من الفعل، وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق، وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم، وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية...) . |
3) تصريحه بأن التصديق لا يصح إلا بالعمل: قال: (فالتصديق إنما يتم بأمرين: أحدهما اعتقاد الصدق، والثاني محبة القلب وانقياده، ولهذا قال تعالى لإبراهيم: {يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 104-105]، وإبراهيم كان معتقداً لصدق رؤياه من حين رآها، فإن رؤيا الأنبياء وحي، وإنما جعله مصدقاً لها بعد أن فعل ما أمر به، وكذلك قوله: ((وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)) ، فجعل التصديق عمل الفرج ما يتمنى القلب، والتكذيب تركه لذلك، وهذا صريح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل. وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وقد روي هذا مرفوعاً، والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة، (و)الوعد على فعلها والوعيد على تركها. وبالله التوفيق) . وقال رحمه الله: (وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب، فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزوماً لعدم محبة القلب وانقياده، الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم، كما تقدم تقريره؛ فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح؛ إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان. فإن الإيمان ليس مجرد التصديق..... وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهُدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى، فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقاً فليس هو التصديق المستلزم للإيمان. فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته) . 16- الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ت: 1206هـ قال: (اعلم رحمك الله أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحب وبالبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث كفر وارتد) . 17- الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي، ت: 1376هـ قال: فائدة (الإيمان يشمل عقائد الدين وأعمال القلوب والجوارح) توضيح أن الإيمان يشمل عقائد الدين، وأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، كما دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه السلف الصالح، وبيان ارتباط بعضها ببعض: وذلك أن العبد إذا سمع النصوص من الكتاب والسنة، الدالة على صفات الله إثباتا ونفيا، وعلى تصديق رسوله، وعلى الإخبار بكل الغيوب، وعلى الأمر بالخير والنهي عن الشر، فإنه يفهمها أولا، فإذا فهمها وعرفها، اعترف القلب بها، وصدقها تصديقا لا ريب فيه، تصديقا لله ولرسوله، وذلك يقتضي محبتها، والتقرب إلى الله باعتقاد ما دلت عليه، والجزم بأنه الحق النافع، فإذا عرف الله ورسوله وأحبه، أحب كل ما يقرب إلى الله، وكره كل ما يبغضه ويمقته، وحينئذ ينقاد القلب انقيادا جازما لطاعة الله وطاعة رسوله، فيقصد ويريد فعل ما يقدر عليه من محبوبات الله، من واجب ومستحب قصدا جازما، يترتب عليه وجود ما قصده وأراده، ويقصد اجتناب ما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله قصدا جازما، يقترن به الترك، وهذا هو معنى قوله: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنا} [آل عمران:193]، وقول المؤمنين: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة:285]، ومنّة الله عليهم بقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات:7] الآية، فتبين أن هذه الأمور: التصديق، والاعتراف، والحب، والانقياد، ووجود مُقتضَى هذا الانقياد، متلازمة، مرتبط بعضها ببعض، إذا تم واحد منها وكمل، عُلم أن جميعها قد كملت، وإذا انتفى واحد منها بالكلية: عُلم أن جميعها انتفت، وإذا نقص واحد منها فلنقصٍ في بقيتها، فافهم هذا الإيضاح في بيان الإيمان، ولهذا مثل الله الإيمان بالشجرة في وجودها، وكمالها، ونقصها، على هذا الوصف الذي ذكرنا، والله أعلم) . وهذا صريح في إثبات التلازم والارتباط بين أجزاء الإيمان، وأنه إذا انتفى عمل الجوارح بالكلية عُلم انتفاء بقية الأجزاء، وكذا لو انتفى التصديق، أو انتفى عمل القلب. وقال في تفسير قوله تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى:36] (أي جمعوا بين الإيمان الصحيح، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة، وبين التوكل، الذي هو الآلة لكل عمل، فكل عمل لا يصحبه التوكل، فغير تام) . وقال: (وقد يعطف الله على الإيمان الأعمال الصالحة، أو التقوى، أو الصبر، للحاجة إلى ذكر المعطوف؛ لئلا يظن الظان أن الإيمان يكتفى فيه بما في القلب. فكم في القرآن من قوله:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ} ثم يذكر خبرا عنهم. والأعمال الصالحات من الإيمان، ومن لوازم الإيمان، وهي التي يتحقق بها الإيمان. فمن ادعى أنه مؤمن، وهو لم يعمل بما أمر الله به ورسوله من الواجبات، ومن ترك المحرمات، فليس بصادق في إيمانه) . 18- الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، ت:1377هـ قال: (ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ)) . ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة؛ أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهراً وباطناً، لم يعنوا مجرد التصديق) . 19- الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ت:1389هـ قال: (فدل على أن مجرد قول لا إله إلا الله لا يمنع من التكفير، بل يقولها ناس كثير ويكونون كفارا: إما لعدم العلمِ بها، أو العملِ بها، أو وجود ما ينافيها، فلابد مع النطق بها من أشياء أخر، أكبرها معرفة معناها والعمل به) . 20- الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، ت: 1420هـ وقد زعم البعض أنه يرى مسألة ترك عمل الجوارح بالكلية، مسألةً خلافية بين أهل السنة، وهذا زعم باطل، فالشيخ: يجزم بأن العمل ركن في الإيمان، وأن القول بأنه شرط كمال قول المرجئة، لا قول أهل السنة، ويرى أنه لا يتصور وجود الإيمان مع ترك جميع العمل، وتولى التحذير من القول المخالف الذي يحكم بإسلام تارك العمل بالكلية، وقرظ وأقرّ ما فيه التصريح بأن ترك جميع العمل كفر. وإليك البيان من ثمانية أوجه: الأول: أن الشيخ صرح في حوار أجرته معه مجلة المشكاة بأن مقولة: "العمل شرط كمال" هي مقولة المرجئة، وهذا نص الحوار: (المشكاة: ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح عندما تكلم على مسألة الإيمان والعمل، وهل هو داخل في المسمى، ذكر أنه شرط كمال، قال الحافظ (السلف قالوا....). الشيخ ابن باز: لا، هو جزء، ما هو بشرط، هو جزء من الإيمان، الإيمان قول وعلم وعقيدة أي تصديق، والإيمان يتكون من القول والعمل والتصديق عند أهل السنة والجماعة. المشكاة: هناك من يقول بأنه داخل في الإيمان لكنه شرط كمال؟ الشيخ: لا، لا، ما هو بشرط كمال، جزء، جزء من الإيمان. هذا قول المرجئة، المرجئة يرون الإيمان قول وتصديق فقط، والآخرون يقولون: المعرفة. وبعضهم يقول: التصديق. وكل هذا غلط. الصواب عند أهل السنة أن الإيمان قول وعمل وعقيدة، كما في الواسطية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. المشكاة: المقصود بالعمل جنس العمل؟ الشيخ: من صلاة وصوم وغيره. عمل القلب من خوف ورجاء. المشكاة: يذكرون أنكم لم تعلقوا على هذا في أول الفتح؟ الشيخ: ما أدري، تعليقنا قبل أربعين سنة، قبل أن نذهب إلى المدينة، ونحن ذهبنا للمدينة في سنة 1381 هـ، وسجلنا تصحيحات الفتح أظن في 1377هـ أو 87 (لعلها 78) أي تقريبا قبل أربعين سنة. ما أذكر يمكن مرّ ولم نفطن له) . الثاني: أن الشيخ حذر من كتاب (ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه)، واعتبر كتابه داعيا لمذهب الإرجاء المذموم وأنه لا يعتبر الأعمال الظاهرة في حقيقة الإيمان. والكتاب المحذَّر منه يرى أن عمل الجوارح شرط كمال في الإيمان، وأن تاركه بالكلية مسلم عاص معرض للوعيد. ولو كان الشيخ يراها مسألة خلافية لما حذر من كتابه ولما وصفه بالإرجاء. الثالث: أن الشيخ أقر ما تعقب به الشيخ علي بن عبد العزيز الشبل كلام الحافظ ابن حجر، وذلك في كتابه: (التنبيه على المخالفات العقدية في الفتح)(ص28) قال المؤلف: (الصواب أن الأعمال عند السلف الصالح قد تكون شرطا في صحة الإيمان، أي أنها من حقيقة الإيمان، قد ينتفي الإيمان بانتفائها كالصلاة. وقد تكون شرطا في كماله الواجب فينقص الإيمان بانتفائها كبقية الأعمال التي تركها فسق ومعصية وليس كفرا، فهذا التفصيل لابد منه لفهم قول السلف الصالح وعدم خلطه بقول الوعيدية. مع أن العمل عند أهل السنة والجماعة ركن من أركان الإيمان الثلاثة: قول وعمل واعتقاد، والإيمان عندهم يزيد وينقص خلافا للخوارج والمعتزلة، والله ولي التوفيق) . الرابع: أن الشيخ قد أقر ما هو أبلغ من ذلك وأظهر في نقد كلام ابن حجر وبيان معتقد أهل السنة، وذلك بإقراره ما كتبه الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف في كتابه: (التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد)، حيث علق المؤلف في الهامش بقوله: (وكلامه هذا عليه مآخذ أهمها نسبته القول بأن الأعمال شرط في كمال الإيمان للسلف، وهو على إطلاقه غير صحيح، بل في ذلك تفصيل: فالأعمال المكفرة سواء كانت تركا، كترك جنس العمل أو الشهادتين أو الصلاة، أو كانت فعلا كالسجود لصنم أو الذبح لغير الله، فهي شرط في صحة الإيمان، وما كان ذنبا دون الكفر فشرط كمال. وإنما أوردت كلامه هنا لحُكمه بالكفر على من فعل فعلا يدل على كفره كالسجود لصنم دون أن يقيده بالاعتقاد. على أن هذه العبارة فيها نظر أيضا، فالسجود لصنم كفر بمجرده وليس فعلا يدل على الكفر) . وقد أثنى الشيخ على الكتاب وقال: (فألفيتها رسالة قيمة مفيدة يحسن طبعها ونشرها ليستفيد منها المسلمون). الخامس: أن الشيخ قرظ كتاب (درء الفتنة عن أهل السنة) للشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد حفظه الله، وقد جاء في الكتاب: (وإياك ثم إياك- أيها المسلم- أن تغتر بما فاه به بعض الناس من التهوين بواحد من هذه الأسس الخمسة لحقيقة الإيمان، لا سيما ما تلقفوه عن الجهمية وغلاة المرجئة من أن العمل كمالي في حقيقة الإيمان ليس ركنا فيه، وهذا إعراض عن المحكم من كتاب الله تعالى في نحو ستين موضعا، مثل قول الله تعالى: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:43]، ونحوها في السنة كثير، وخرق لإجماع الصحابة ومن تبعهم بإحسان) . والأسس الخمسة المشار إليها هي أن الإيمان: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. قال الشيخ ابن باز في تقريظه: (أما بعد: فقد اطلعت على هذه الرسالة الموسومة بـ(درء الفتنة عن أهل السنة) من مؤلفات أخينا العلامة الدكتور بكر بن عبدالله أبو زيد، فألفيتها رسالة قيمة مفيدة جديرة بالنشر والتوزيع. جزى الله مؤلفها خيرا وضاعف مثوبته ونصر به الحق، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه) . السادس: أن الشيخ يرى كفر من ترك عمل الجوارح بالكلية، وهذا يعلم من: تصريحه بكفر تارك الصلاة، فتارك الصلاة وما معها من أعمال الجوارح لا شك في كفره عند الشيخ، من باب أولى. وليست المسألة راجعة إلى قضية الصلاة، حتى يدعى الخلاف فيها، بناء على الخلاف المشهور في حكم تارك الصلاة، بل جميع أهل السنة يرون ركنية العمل وضرورة وجوده ليصح الإيمان، سواء قالوا بكفر تارك الصلاة أو نازعوا في ذلك. يوضحه الوجه: السابع: أن الشيخ أجاب أحد طلابه بجوابٍ فصلٍ في هذه المسألة، مبيناً الفرق بين ترك آحاد الأعمال، وتركِ العمل جملة، وأن أهل السنة متفقون على أن جنس العمل لابد منه لصحة الإيمان. قال الأخ عبد العزيز بن فيصل الراجحي حفظه الله: (وقد سألت شيخنا الإمام ابن باز عام(1415هـ) وكنا في أحد دروسه عن الأعمال: أهـي شـرط صحـة للإيمان، أم شرط كمال؟ فقال: من الأعمال شرط صحة للإيمان لا يصح الإيمان إلا بها كالصلاة، فمن تركها فقد كفر. ومنها ما هو شرط كمال يصـح الإيمـان بدونها، مع عصيان تاركها وإثمه . فقلت له: من لم يكفر تارك الصلاة من السلف، أيكون العمل عنده شرط كمال؟ أم شرط صحة؟ فقال: لا، بل العمل عند الجميع شرط صحة، إلا أنهم اختلفوا فيما يصح الإيمان به منه؛ فقالت جماعة: إنه الصـلاة، وعليـه إجماع الصحابـة كما حكاه عبدالله بن شقيق. وقال آخرون بغيرها. إلا أن جنس العمل لابد منه لصحة الإيمان عند السلف جميعاً. لهذا الإيمان عندهم: قول وعمل واعتقاد، لا يصح إلا بها مجتمعة) . الثامن: أن الشيخ ابن باز سئل ما نصه: من شهد أن لا إله إلا الله واعتقد بقلبه ولكن ترك جميع الأعمال، هل يكون مسلماً؟ فأجاب: (لا، ما يكون مسلماً حتى يوحد الله بعمله، يوحد الله بخوفه ورجاءه، ومحبته، والصلاة، ويؤمن أن الله أوجب كـذا وحـرم كـذا. ولا يتصـور، مـا يتصـوّر أن الإنسـان المسلم يؤمن بالله يترك جميع الأعمال، هذا التقدير لا أساس لـه. لا يمكــن يتصـور أن يقـع مـن أحـد. نعم؛ لأن الإيمان يحفزه إلى العمل. الإيمان الصادق) . تعليق: مع وضوح كلام الشيخ وكثرته في بيان هذه المسألة، إلا أن المخالف أعرض عنه، وتمسك بكلامه في حكاية خلاف أهل السنة في حكم تارك الصلاة، أو تارك المباني الأربعة، وهذا خارج عن محل النزاع، فكلامنا في ترك العمل الظاهر بالكلية، لا في ترك بعض الأعمال. ومن ذلك استشهادهم بحوار أجرته مجلة الفرقان مع الشيخ، جاء فيه: (س: العلماء الذين قالوا بعدم كفر من ترك أعمال الجوارح مع تلفظه بالشهادتين ووجود أصل الإيمان القلبي هل هم من المرجئة؟ فقال الشيخ: هذا من أهل السنة والجماعة، فمن ترك الصيام أو الزكاة أو الحج لا شك أن ذلك كبيرة عند العلماء، ولكن على الصواب لا يكفر كفراً أكبر، أما تارك الصلاة، فالأرجح أنه كافر كفراً أكبر إذا تعمد تركها، وأما تارك الزكاة والصيام والحج فإنه كفر دون كفر. السائل: أعمال الجوارح هل هي شرط كمال أم شرط صحة الإيمان؟ الشيخ: إن أعمال الجوارح كالصوم هي من كمال الإيمان والصدقة والزكاة من كمال الإيمان وتركها ضعف في الإيمان، أما الصلاة فالصواب أن تركها كفر، فالإنسان عندما يأتي بالأعمال الصالحة فإن ذلك من كمال الإيمان) انتهى. قلت: هذا أعلى ما استشهدوا به من كلام الشيخ رحمه الله في هذه المسألة، ولا معارضة بينه وبين ما نقلته عنه، فكلامه هنا عن ترك آحاد العمل، كالصيام أو الزكاة أو الحج، أو الصلاة، والخلاف فيها معتبر بين أهل السنة، ولم يتحدث الشيخ عن ترك جميع العمل، وإن كان السائل أراد هذا، لكن لا يخفى أن عبارة: (ترك أعمال الجوارح) تحتمل الترك الكلي، وتحتمل ترك البعض، والشيخ على كل تقدير، أجاب عن ترك البعض. وأما ما نقلته عنه فهو صريح في الترك الكلي، وفي الحكم على القول المخالف بأنه قول المرجئة، فلا يَترك هذا، ويتمسك بما هو خارج عن محل النزاع، من يريد الحق وينشده، والموفق من وفقه الله. 21- الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ت: 1420هـ قال: (إن الإيمان بدون عمل لا يفيد؛ فالله حينما يذكر الإيمان يذكره مقرونًا بالعمل الصالح؛ لأننا لا نتصور إيمانًا بدون عمل صالح، إلا أن نتخيله خيالا؛ آمن من هنا، قال: أشهد ألا إله إلا الله ومحمد رسول الله، ومات من هنا. هذا نستطيع أن نتصوره، لكن إنسان يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ ويعيش دهره مما شاء الله ولا يعمل صالحًا؛ فعدم عمله الصالح هو دليل أنه يقولها بلسانه، ولم يدخل الإيمان إلى قلبه؛ فذكر الأعمال الصالحة بعد الإيمان ليدل على أن الإيمان النافع هو الذي يكون مقرونًا بالعمل الصالح) . 22- الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، ت: 1421هـ وكلامه في هذه المسألة مستفيض، ومذهبه واضح بيّن، لا يشتبه على من قرأ كلامه، وقد سقت منه اثني عشر موضعا: (1) قال في شرح (كشف الشبهات): (ختم المؤلف هذه الشبهات بمسألة عظيمة هي: أنها لابد أن يكون الإنسان موحدا بقلبه، وقوله، وعمله، فإن كان موحدا بقلبه، ولكنه لم يوحد بقوله أو بعمله فإنه غير صادق في دعواه؛ لأن توحيد القلب يتبعه توحيد القول والعمل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ)) ، فإذا وحد الله كمـا زعــم بقلبــه ولكنــه لم يوحده بقوله أو فعله؛ فإنه من جنس فرعون الذي كان مستيقناً بالحق عالماً، لكنه أصر وعاند وبقي على ما كان عليه من دعوى الربوبية) . وسئل: عفا الله عنك يا شيخ، ورد عن بعض السلف في حديث أنه من شهد بالتوحيد دخل الجنة أنه منسوخ بأحاديث الفرائض، فهل هذا قول صحيح؟ فأجاب: (الصحيح أنه لا نسخ بهذا، ولكن ليكن معلوما أن من شهد بالتوحيد مخلصا، فلا يمكن أن يدع الفرائض؛ لأن إخلاصه يحمله على أن يفعل. كيف تشهد ألا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، وكيف تقول: أنا أريد بذلك وجه الله، ثم لا تعمل العمل الذي يوصلك إلى الله؟! فهذا لا يمكن، ولهذا كان من حافظ على ترك الصلاة ولم يصل أبدا كافر، فلو قال: أشهد ألا إله إلا الله وأومن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولكن لا أصلي، نقول: أنت كافر، لا فرق بينك وبين الذي يسجد للصنم؛ ولهذا جاء في رواية مسلم من حديث جابر: ((بَيْن الرَّجل وَبَيْن الكُفر وَالشِّرْكِ ترْكُ الصَّلاةِ))) . (3) وقال في شرح حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه: ((فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ)) : (قوله: ((مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ)) أي بشرط الإخلاص، بدليل قوله: ((يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ)) أي: يطلب وجه الله، ومن طلب وجها، فلابد أن يعمل كل ما في وسعه للوصول إليه؛ لأن مبتغي الشيء يسعى في الوصول إليه، وعليه فلا نحتاج إلى قول الزهري بعد أن ساق الحديث، كما في (صحيح مسلم) حيث قال: ثم وجبت بعد ذلك أمور، وحرمت أمور؛ فلا يغتر مغتر بهذا. فالحديث واضح الدلالة على شرطية العمل لمن قال لا إله إلا الله، حيث قال: ((يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ))، ولهذا قال بعض السلف عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مفتاح الجنة لا إله إلا الله)) : لكن من أتى بمفتاح لا أسنان له لا يفتح له) . (4) وقال: (وترك الصلاة كفر مخرج عن الملة إذا تركها الإنسان ولم يصل، لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وقد حكى بعض أهل العلم إجماع الصحابة على ذلك، ولا شك أن الذي لا يصلي ليس في قلبه إيمان؛ لأن الإيمان مقتضٍ لفعل الطاعة، وأعظم الطاعات البدنية الصلاة، فإذا تركها فهو دليل أنه ليس في قلبه إيمان، وإن ادعى أنه مؤمن، فإن من كان مؤمناً فإنه بمقتضى هذا الإيمان يكون قائماً بهذه الصلاة العظيمة) . (5) وسئل رحمه الله: عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: شَفَعَتْ الْمَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلا أَرْحَمُ الراحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ)) رواه مسلم ، ما معنى قوله: ((لم يعملوا خيرا قط))؟ فأجاب: (معنى قوله: ((لم يعملوا خيرا قط)) أنهم ما عملوا أعمالا صالحة، لكن الإيمان قد وقر في قلوبهم، فإما أن يكون هؤلاء قد ماتوا قبل التمكن من العمل، آمنوا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا من العمل، وحينئذ يصدق عليهم أنهم لم يعملوا خيرا قط. وإما أن يكون هذا الحديث مقيداً بمثل الأحاديث الدالة على أن بعض الأعمال الصالحة تركها كفر كالصلاة مثلا، فإن من لم يصل فهو كافر ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله، والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة وهو خالد مخلد في النار أبد الآبدين والعياذ بالله. فالمهم أن هذا الحديث إما أن يكون في قوم آمنوا ولم يتمكنوا من العمل فماتوا فور إيمانهم، فما عملوا خيرا قط. وإما أن يكون هذا عاما ولكنه يستثنى منه ما دلت النصوص الشرعية على أنه لا بد أن يعمل كالصلاة، فمن لم يصل فهو كافر لا تنفعه الشفاعة ولا يخرج من النار) . (6) وسئل: كيف التوفيق بين قوله صلى الله عليه وسلم في أقوام يدخلون الجنة ولم يسجدوا لله سجدة، والأحاديث التي جاءت بكفر تارك الصلاة؟ |
( فأجاب: (يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: إنهم يدخلون الجنة ولم يسجدوا لله سجدة على أناس يجهلون وجوب الصلاة، كما لو كانوا في بلاد بعيدة عن الإسلام، أو في بادية لا تسمع عن الصلاة شيئا. ويحمل أيضا على من ماتوا فور إسلامهم دون أن يسجدوا لله سجدة. وإنما قلنا ذلك لأن هذا الحديث الذي ذكرت من الأحاديث المتشابهة، وأحاديث كفر تارك الصلاة من الأحاديث المحكمة البينة، والواجب على المؤمن في الاستدلال بالقرآن أو السنة أن يحمل المتشابه على المحكم. واتباع المتشابه واطّراح المحكم طريقة من في قلوبهم زيغ والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَما الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7]) . (7) وسئل: استدل بعض العلماء على عدم كفر تارك الصلاة بحديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه البخاري ومسلم... فما قولكم حفظكم الله تعالى؟ فأجاب بقوله: (حديث الشفاعة الذي استدل به من لا يرى كفر تارك الصلاة عام مخصوص بلا ريب، فإنه مخصوص بمن قال لا إله إلا الله وأتى مكفراً، مثل أن يقول: لا إله إلا الله وهو ينكر تحريم الربا، أو فرضية الصلاة ونحو ذلك، لم يخرج من النار بشفاعة ولا غيرها، فكذلك من قال: لا إله إلا الله، وترك الصلاة، فإنه لا يخرج من النار بشفاعة ولا غيرها، لأنه كافر، فأي فرق بين من كفر بجحد فرضية الصلاة مع نطقه بالشهادة، ومن كفر بترك الصلاة مع نطقه بالشهادة؟!! فكما أن الأول لا يدخل في الحديث فكذلك الثاني. وأيضاً فإن قوله: ((لم يعمل خيراً قط)) عام يدخل فيه من لم يصل؛ لأن الصلاة من الخير، ولكن هذا العموم خُصَّ بالأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة، فيخرج تارك الصلاة من عمومه، كما هو الشأن في العمومات المخصوصة) . (8) وسئل رحمه الله: يوجد قِبَلنا من يقول: الإيمان اعتقاد بالقلب، وتلفظ باللسان، وأصل عمل القلوب فقال - وهو غاضب-: (أعوذ بالله، هذا قول المرجئة، وهو مذهب قديم معروف) . (9) وسئل: نرجو توضيح كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، فالعمل يصدِّق أن في القلب إيمانا، وإذا لم يكن عمل كذّب أن في القلب إيمانا؛ لان ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم. فأجاب: (كلام الشيخ ظاهر، وهو مروي عن الحسن البصري (أن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال)، وهذا معلوم من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْب)) ، فمعلوم أن القلب إذا كان فيه إيمان، فلا بد أن تظهر مقتضياته على الجوارح) . (10) وسئل: شخص قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه مصدقاً بقلبه مستسلماً منقاداً لكنه لم يعمل بجوارحه خيراً قط مع إمكان العمل هل هو داخل في المشيئة أم كافر؟ فأجاب: أقول والحمد لله رب العالمين: (إذا كان لا يصلي فهو كافر، ولو قال لا إله إلا الله. لو كان صادقاً بقول لا إله إلا الله مخلصاً بها والله لن يترك الصلاة، لأن الصلاة صلة بين الإنسان وبين الله فقد جاء في الأدلة من القرآن والسنة والنظر الصحيح وإجماع الصحابة كما حكاه غير واحد على أن تارك الصلاة كافر مخلد في نار جهنم وليس داخلاً تحت المشيئة. ونحن إذا قلنا بذلك لم نقله عن فراغ ونحن إذا قلنا بذلك فإنما قلناه لأنه من مدلولات كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسـلم وأقـوال الصحابـة الــتي حُكــي إجماعـهم علـيهـا. قـال عبدالله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. ونقل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة الحافظ ابن راهويه وهو إمام مشهور. أما سائر الأعمال إذا تركها الإنسان كان تحت المشيئة يعني لو لم يزك مثلاً فهذا تحت المشيئة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر عقوبة مانع الزكاة قال: ((ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِما إِلَى الْجَنَّةِ وَإِما إِلَى النارِ)) ومعلوم أنه لو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة. والصيام والحج كذلك من تركها لم يكفر، وهو تحت المشيئة ولكنه يكون أفسق عباد الله) . قلت: تأمل قوله: (لو كان صادقاً بقول لا إله إلا الله مخلصاً بها والله لن يترك الصلاة) ففيه تقرير للتلازم بين الظاهر والباطن، ورد على من توهم حصول الإيمان في القلب مع تخلف العمل الظاهر جملة. ولهذا لما استقر هذا الوهم صاروا يفترضون مسائل لا يمكن وقوعها، كقولهم هنا: شخص قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه مصدقاً بقلبه مستسلماً منقاداً لكنه لم يعمل بجوارحه خيراً قط مع إمكان العمل! ومعلوم أن القلب لو استسلم وانقاد، لانقادت الجوارح ولابد، فمن جهة عدم إدراك التلازم بين الظاهر والباطن، غلط غالطون، كما قال شيخ الإسلام. (11) وسئل: كيف نفهم حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم وفيه: ((فَيُخْرِجُ اللَّهُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ)) ؟ فأجاب: (نفهم هذا أنه عام وأن أدلة كفر تارك الصلاة خاصة، ومعلوم عند العلماء أن العام لا يخصص بخاص، لأن هذا الحديث لم يقل: لم يصل، حتى نقول: إنه معارض للنصوص الدالة على كفر تارك الصلاة، بل قالhttp://www.qoranona.net/vbq/images/smilies/frown.gif(لم يعمل خيرا قط)) فلم ينص على الصلاة بل عمم، ونصوص كفر تارك الصلاة خاصة فتخص بما خصصت به) . (12) وسئل: يقول البعض: إذا ترك عمل الجوارح بالكلية خرج من الإيمان ولكن لا يقتضي عدم انتفاعه بأصل الإيمان والشهادتين، بل ينتفع بهما، كمن أراد الحج ولم يشهد عرفة وهو ركن فإنه ينتفع بالأركان الأخرى، فما قول فضيلتكم في ذلك؟ فأجاب: (نقول هذا ليس بصواب، إنه لن ينتفع بإيمانه مع ترك الصلاة التي دلت النصوص على كفر تاركها، وكذلك لو ترك الوقوف بعرفة، ما صح حجه كما دل على ذلك سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما من أدرك عرفة قبل الفجر يوم النحر فقد أدرك، ومن لا فلا، حتى لو جاء بعد ذلك بالرمي والمبيت في منى والطواف والسعي لم يكن حج) . تعليق: المتأمل في كلام الشيخ يرى أنه يسير على منوال واحد، هو تقرير أن عمل الجوارح من الإيمان، وأن تاركه بالكلية كافر، وأنه لو وجد إيمان القلب فلابد أن يظهر مقتضاه على الجوارح، وأن حديث: ((لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ))- وهو أقوى دليل للقائلين بإسلام تارك العمل الظاهر- حديث عام، مخصص بأدلة تكفير تارك الصلاة، أو محمول على حالة من لم يتمكن من العمل. وبهذا يتضح جليا أنه لا خلاف بين الشيخ وبين أهل العلم الذين حذروا من الكتب الداعية للإرجاء في هذا العصر. غاية الأمر أن الشيخ أعرض عن تعبير: (جنس العمل) وقال حين سئل: (تارك جنس العمل كافر. تارك آحاد العمل ليس بكافر، ما رأيكم في ذلك؟) قال: (من قال هذه القاعدة؟! من قائلها؟! هل قالها محمد رسول الله؟! كلام لا معنى له. نقول: من كفره الله ورسوله فهو كافر، ومن لم يكفره الله ورسوله فليس بكافر هذا الصواب. أما جنس العمل أو نوع العمل أو آحاد العمل فهذا كله طنطنة لا فائدة منها) . وهذا إعراض عن المصطلح، مع الموافقة على المضمون كما سبق، وهو اجتهاد من الشيخ لفض النزاع وتقليل الخلاف، فإنه قد دعي في هذا اللقاء ليحسم هذه المسألة، وأُخبر أن الخلاف دائر حولها، فرأى المصلحة في صرف المتنازعين عن الألفاظ المجملة، والاعتماد على المناطات الواضحة التي يمكن الركون إليها، فتارك العمل بالكلية، يحكم بكفره لأنه تارك للصلاة، وهذا مجمع عليه بين الصحابة كما أكد الشيخ، فلا مجال للخروج عن إجماعهم، مع تقرير أنه لا يمكن أن يوجد الإيمان في القلب مع ترك عمل الجوارح. وأيضا: فإن السؤال الذي عُرض على الشيخ، ينم عن جهل، وفتنة بالمصطلح، فقول السائل: (تارك جنس العمل كافر)، يقال فيه: عمل ماذا؟! عمل القلب أم عمل الجوارح أم كلاهما؟! وقوله: (تارك آحاد العمل ليس بكافر)، يقال فيه: أي عمل تريد؟ الصلاة؟ أم الزكاة؟ أم بر الوالدين؟ أم عمل القلب كالخوف والمحبة؟ فلا شك أن هذا السؤال طنطنة، بل عيّ وجهل. ولله دره، فقد حدث بعده أن اختلف المختلفون في المراد بجنس العمل، فمنهم من قال: المراد به ترك العمل الظاهر كله، ومنهم من قال: بل المراد ترك جنس كل عمل، أي ترك جنس الصلاة، وجنس الزكاة، وجنس بر الوالدين! ولا أحسب سنيا يقول هذا، لكنه من تشنيع المخالف على المخالف. على أنه قد ورد التعبير بـ(جنس العمل) و(جنس التصديق) في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، لكنه محفوف بسياق وسباق يزيل عنه اللبس، وقد قدمت في أول هذه المسألة أني أعرضت عن استعمال هذا المصطلح، وآثرت التعبير بما لا لبس فيه، من نحو قولنا: تارك عمل الجوارح كلِّه، أو بالكلية. 23- الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد، رحمه الله: قال في كتابه: (درء الفتنة عن أهل السنة): (وإياك ثم إياك- أيها المسلم- أن تغتر بما فاه به بعض الناس من التهوين بواحد من هذه الأسس الخمسة لحقيقة الإيمان، لا سيما ما تلقفوه عن الجهمية وغلاة المرجئة من أن العمل كمالي في حقيقة الإيمان ليس ركنا فيه، وهذا إعراض عن المحكم من كتاب الله تعالى في نحو ستين موضعا، مثل قول الله تعالى: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]، ونحوها في السنة كثير، وخرق لإجماع الصحابة ومن تبعهم بإحسان) . والأسس الخمسة المشار إليها هي أن الإيمان: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وشارك الشيخ حفظه الله مع اللجنة الدائمة في التحذير من الكتب الداعية إلى الإرجاء، والزاعمة بأن العمل شرط كمال، وأن تاركه بالكلية مسلم. الباب الأول: عقيدة أهل السنة في الصحابة، وآل البيت، وموقفهم من العلماء. الفصل الأول: عقيدة أهل السنة في الصحابة المبحث الأول: تعريف الصحابي لغة واصطلاحا المطلب الأول: التعريف اللغوي الصاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته، ومن ذلك الصاحب، والجمع: الصحب؛ ومن الباب: أصحب فلان: إذا انقاد، وكل شيء لائم شيئاً فقد استصحبه . ويقال صحبه يصحبه صحبة بالضم، وصحابة بالفتح، وصاحبه: عاشره، والصاحب: المعاشر، والجمع: أصحاب، والصحابة بالفتح: الأصحاب ؛ ويقال: استصحبه: أي دعاه إلى الصحبة ولازمه ؛ وأصحب البعير والدابة: أي: انقادا، وأصحبت الناقة: أي: انقادت واسترسلت وتبعت صاحبها . (ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القول (صحابي) مشتق من الصحبة، وأنه ليس مشتقاً من قدر منها مخصوص، بل هو جار على من صحب غيره قليلاً أو كثيراً، كما أن القول: مكلم، ومخاطب، وضارب مشتق من المكالمة، والمخاطبة، والضرب، وجار على كل من وقع منه ذلك قليلاً أو كثيراً؛ وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال، وكذلك يقال: صحبت فلاناً حولاً ودهراً وسنةً وشهراً ويوماً وساعةً، فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره، وذلك يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة من نهار، هذا هو الأصل في اشتقاق الاسم) . وهذا يعني أن الصحبة في اللغة لا يشترط في إطلاقها أن تكون الملازمة بين الشيئين طويلة، بل يصح إطلاقها على كل من صحب غيره مهما كان مقدار الصحبة، لذلك قال السخاوي: (الصحابي لغة: يقع على من صحب أقل ما يطلق عليه اسم صحبة فضلاً عمن طالت صحبته وكثرت مجالسته) . المطلب الثاني: التعريف الاصطلاحي قال ابن حجر: وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام؛ فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى. ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى. وقولنا: (به) يخرج من لقيه مؤمناً بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة. وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل؟ محل احتمال. ومن هؤلاء بحيرا الراهب ونظراؤه. ويدخل في قولنا: (مؤمناً به) كل مكلف من الجن والإنس؛ فحينئذ يتعين ذكر من حفظ ذكره من الجن الذين آمنوا به بالشرط المذكور، وأما إنكار ابن الأثير على أبي موسى تخريجه لبعض الجن الذين عرفوا في كتاب الصحابة فليس بمنكر لما ذكرته. وقد قال ابن حزم في كتاب الأقضية من (المحلى): من ادعى الإجماع فقد كذب على الأمة؛ فإن الله تعالى قد أعلمنا أن نفرا من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهم صحابة فضلاء؛ فمن أين للمدعي إجماع أولئك؟ وهذا الذي ذكره في مسألة الإجماع لا نوافقه عليه؛ وإنما أردت نقل كلامه في كونهم صحابة. وهل تدخل الملائكة؟ محل نظر؛ قد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثا إليهم أو لا؟ وقد نقل الإمام فخر الدين في (أسرار التنزيل) الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مرسلا إلى الملائكة. ونوزع في هذا النقل؛ بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلاً إليهم. واحتج بأشياء يطول شرحها. وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى. وخرج بقولنا: (ومات على الإسلام) من لقيه مؤمنا به ثم ارتد، ومات على ردته والعياذ بالله. وقد وجد من ذلك عدد يسير؛ كعبيد الله بن جحش الذي كان زوج أم حبيبة؛ فإنه أسلم معها، وهاجر إلى الحبشة، فتنصر هو ومات على نصرانيته . وكعبد الله بن خطل الذي قتل وهو متعلق بأستار الكعبة ، وكربيعة بن أمية بن خلف على ما سأشرح خبره في ترجمته في القسم الرابع من حرف الراء. ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به صلى الله عليه وسلم مرة أخرى أم لا؛ وهذا هو الصحيح المعتمد. والشق الأول لا خلاف في دخوله وأبدى بعضهم في الشق الثاني احتمالا؛ وهو مردود لإطباق أهل الحديث على عد الأشعث بن قيس في الصحابة، وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد؛ وهو ممن ارتد ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر . وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين؛ كالبخاري، وشيخه أحمد بن حنبل، ومن تبعهما؛ ووراء ذلك أقوال أخرى شاذة: كقول من قال: لا يعد صحابيا إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا معه، أو استشهد بين يديه؛ وكذا من اشترط في صحة الصحبة بلوغ الحلم، أو المجالسة ولو قصرت. وأطلق جماعة أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحابي. وهو محمول على من بلغ سن التمييز؛ إذ من لم يميز لا تصح نسبة الرؤية إليه. نعم يصدق إن النبي صلى الله عليه وسلم رآه فيكون صحابيا من هذه الحيثية، ومن حيث الرواية يكون تابعيا؛ وهل يدخل من رآه ميتا قبل أن يدفن كما وقع ذلك لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر؟ إن صح محل نظر. والراجح عدم الدخول المبحث الثاني: طرق إثبات الصحبة المطلب الأول: إثبات الصحبة بالنص النوع الأول: القرآن الكريم وذلك مثل قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا...} [التوبة: 40] الآية. فهذا النص يثبت صحبة سيدنا أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – حيث استقر الإجماع على أن المعني بالصاحب في هذه الآية هو أبو بكر، كما ذكر ذلك الإمام الرازي في تفسيره ، ولذلك قال العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر، لإنكاره كلام الله تعالى، وليس ذلك لسائر الصحابة، ذكر ذلك أبو حيان في (البحر المحيط) ، والطوفي في (الإكسير) النوع الثاني: الخبر المتواتر وذلك كما في صحبة العشرة المبشرين بالجنة، فقد تواترت الأخبار بثبوت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم الذين ورد ذكرهم في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص، في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)) . ومثلهم في ثبوت صحبتهم، كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمثال عبادة بن الصامت، الذي حضر بيعة العقبة الأولى والثانية رضي الله عنه. النوع الثالث: الخبر المشهور كما في صحبة عكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، فهؤلاء ومن على شاكلتهم، لا يكاد يرتاب مسلم في ثبوت صحبتهم للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتمتعهم بالإيمان به، والأخذ عنه، والاستضاءة بنوره النوع الرابع: الخبر الآحاد: ويدخل تحته أربع طرق أ- رواية أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الرؤية أو السماع، مع معاصرته للنبي صلى الله عليه وسلم، كأن يقول أحد التابعين: أخبرني فلان أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول، أو رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا، كقول الزهري فيما رواه البخاري في فتح مكة من صحيحه: أخبرني سنين أبو جميلة، ونحن مع ابن المسيب قال: (وزعم أبو جميلة أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وخرج معه عام الفتح) . فإن ذلك طريق من طرق إثبات صحبة ذلك الراوي، كما يدل على ذلك كلام ابن كثير في كتابه (الباعث الحثيث) حيث قال وهو يبين طرق إثبات الصحبة: وتارة بروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم سماعاً، أو مشاهدة مع المعاصرة ، وكلام السخاوي كما في (فتح المغيث) . ب- إخبار الصحابي عن نفسه أنه صحابي: وقد افترق العلماء إزاء هذا الطريق إلى أربعة مذاهب: المذهب الأول: أنه يقبل قوله: إني صحابي مطلقاً من غير شرط، وجرى على ذلك ابن عبد البر فيما نقله عنه السخاوي في (فتح المغيث) حيث قال: (إن ابن عبد البر قد جزم بالقبول من غير شرط، بناء على أن الظاهر سلامته من الجرح، وقوي ذلك بتصرف أئمة الحديث في تخريجهم أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم) . المذهب الثاني: أنه يقبل قوله بشرطين: الأول: أن يكون ذلك بعد ثبوت عدالته. الثاني: أن يكون بعد ثبوت معاصرته للنبي صلى الله عليه وسلم. وممن ذهب إلى ذلك وجزم بقبول قوله: جمهور علماء الأصول والحديث. ومنهم: ابن النجار حيث قال في (شرح الكوكب المنير): (فلو قال معاصر عدل: أنا صحابي، قبل عند أصحابنا والجمهور) . وابن اللحام حيث قال في (المختصر): (فلو قال معاصر عدل: أنا صحابي، قبل عند الأكثر) . وأبو الحسين البصري المعتزلي، كما في كتابه (المعتمد) . والإمام السبكي كما في (جمع الجوامع) . والإمام العراقي كما في (ألفيته) ، والحافظ ابن حجر كما في (الإصابة) ، والإمام السخاوي كما في (فتح المغيث) ، والإمام ابن الصلاح كما في (مقدمته) ، والنووي كما في (تقريبه) ، وزكريا الأنصاري كما في (فتح الباقي) ، وممن ذهب إلى ذلك الإمام الباقلاني كما نقل ذلك عنه السبكي والشوكاني ، غير أنه اشترط صحة ثبوت صحبته بقوله إني صحابي أن لا يروى عن غيره ما يعارض صحبته – كما نقل ذلك عنه الشوكاني في (إرشاد الفحول) . والعلة في صحة قبول إخباره عن نفسه أنه صحابي، لأنه لو أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبلنا روايته عنه، فلأن نقبل خبره عن نفسه بأنه صحابي من باب أولى. وقد أشار إلى هذا التعليل ابن النجار حيث قال: (إنه قول ثقة مقبول القول، فقبل في ذلك كروايته) . والمعاصرة التي اشترطوها في إثبات الصحبة هي: المعاصرة الممكنة شرعاً، وإنما تكون المعاصرة للنبي صلى الله عليه وسلم ممكنة شرعاً، إذا ادعى الصحبة في حدود مائة وعشر سنين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة - كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه (الإصابة) -، وذلك لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آخر حياته لأصحابه: ((أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد)) . وفي حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم: أن ذلك كان قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهر. ولفظه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول -قبل أن يموت بشهر-: ((تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة)) . زاد في رواية: ((وهي حية يومئذ)) . ومن هنا يتبين: أن من ادعى الصحبة، وكانت المعاصرة غير ممكنة، فإنه لا يقبل قوله، ويعتبر في ذلك من الكاذبين. وذلك مثل: جعفر بن نسطور الرومي، الذي ادعى الصحبة بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وسرباتك الهندي، الذي ادعى الصحبة بعد خمسمائة وتسع، ورتن الهندي الذي ادعى الصحبة بعد ستمائة واثنتين وثلاثين سنة من الهجرة، وجبير بن الحارث، الذي ادعى الصحبة بعد سبعمائة وثلاث وخمسين سنة من الهجرة، وغيرهم من الدجالين أمثالهم . |
المذهب الثالث: عدم قبول قوله إني صحابي، وجرى على هذا القول ابن القطان فقد نقل الشوكاني أنه يروى عنه ما يدل على الجزم بعدم القبول فقال: (ومن يدع الصحبة لا يقبل منه حتى نعلم صحبته، وإذا علمناها فما رواه فهو على السماع حتى نعلم غيره) . وبه قال أبو عبد الله الصيمري من الحنفية – كما ذكره ابن النجار في (شرح الكوكب المنير) . والإمام البلقيني حيث قال في (محاسن الاصطلاح): (ولو جاء إنسان إلى تابعي وقال له: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا، لم يسغ لذلك التابعي أن يروي ذلك الحديث على أنه صحابي بمجرد قوله، ولا أن يقول: حدثني بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يظهر أمره في الدين، ومن ادعى تسويغ ذلك فليس بصحيح، ولكن يسوغ أن يقول: قال فلان: رأيت.. إلخ، ولم يظهر لي صحبته) . وإلى هذا المذهب مال الطوفي، كما في (البلبل) و(شرح مختصر الروضة) . وعللوا ذلك: أنه متهم بأنه يدعي رتبة عالية يثبتها لنفسه، وهي: منصب الصحابة، والإنسان مجبول على طلبها قصداً للشرف، وإلى هذا التعليل ذهب الطوفي وابن عبد الشكور وابن نظام الدين وابن الهمام وأمير بادشاه البخاري وابن الحاجب والآمدي . وما قاله أصحاب المذهب الثاني من أن قبول قوله في إثبات الصحبة لنفسه يتوقف على ثبوت عدالته، قد رده المانعون بأنه يلزم عليه الدور . وبيان ذلك: أن دعوى الصحبة يتوقف ثبوتها على ثبوت عدالة مدعيها، حيث لا تقبل دعوى الصحبة إلا من عدل، وثبوت عدالة مدعيها تتوقف على ثبوت صحبته، وذلك: أن دعوى الصحبة تشتمل ضمناً على دعوى العدالة، لما هو معلوم من أن الصحابة كلهم عدول، ولا شك أن توقف ثبوت الصحبة على ثبوت العدالة، وتوقف ثبوت العدالة على ثبوت الصحبة يلزمه الدور . وعن مسألة الدور هذه، لأصحاب المذهب الثاني أن يجيبوا: بأن دعوى الصحبة وإن توقفت على ثبوت عدالة مدعيها، فإن عدالة مدعيها لا تتوقف على ثبوت الصحبة، فقد تثبت عدالة الرجل وإن لم تثبت صحبته، فانفك الدور. كما يجاب – أيضاً – عن قولهم: إنه متهم بدعواه رتبة يثبتها لنفسه... إلخ. بما قاله الفراء في (العدة) من أنه لما قبل خبر غيره عنه بأنه صحابي، كذلك يجوز قبول خبره عن نفسه بذلك. يبين صحة هذا وتساويهما: أن العدالة معتبرة فيما يخبر غيره عنه، وفيما يخبر هو عن نفسه. فإن قيل: لا يمتنع أن يقبل قول غيره له، ولا يقبل قوله لنفسه، كما تقبل شهادة غيره له، ولا يقبل إقراره لنفسه، لأنه يجر إلى نفسه منفعة، وهذا موجود ها هنا. قيل: هذا لا يمنع خبره لنفسه، ألا ترى أن من روى خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل منه وإن كان نفعه يعود بالمخبر. كذلك قوله: أنا صحابي لا يمنع وإن عاد نفعه إليه، ويفارق هذا الشهادة والدعوة، لأن حصول النفع يمنع قبول ذلك. وأيضاً: فإن العقل لا يمنع من قبول خبره بذلك، والسمع لم يرد بالمنع فجاز قوله . المذهب الرابع: التفصيل في ذلك: فمن ادعى الصحبة القصيرة قبل منه، لأنها مما يتعذر إثباتها بالنقل، إذ ربما لا يحضره حالة اجتماعه بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو رؤيته له أحد. ومن ادعى الصحبة الطويلة، وكثرة التردد في السفر والحضر فلا يقبل منه ذلك، لأن مثل ذلك يشاهد وينقل ويشتهر، فلا تثبت صحبته بقوله كما ذكر ذلك السخاوي في (فتح المغيث) . ج- قول أحد الصحابة بصحبة آخر: وهو إما أن يكون بطريق التصريح، كأن يقول الصحابي: إن فلاناً صحابي، أو من الأصحاب، أو ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم. وإما أن يكون بطريق اللزوم، كأن يقول: كنت أنا وفلان عند النبي، أو سمع معي هذا الحديث فلان من النبي، أو دخلت أنا وفلان على النبي صلى الله عليه وسلم. غير أن هذا الطريق الأخير، إنما تثبت فيه الصحبة، إذا عرف إسلام المذكور في تلك الحالة، كما ذكر ذلك السخاوي في (فتح المغيث) . وقد مثلوا لثبوت صحبة الصحابي بقول صحابي آخر، بحممة بن أبي حممة الدوسي، الذي مات بأصبهان مبطوناً، فشهد له أبو موسى الأشعري - وهو من الصحابة المشهورين – أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم حكم له بالشهادة ذكر ذلك أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) . وقد استدرك العراقي على ما ذكره أبو نعيم بقوله: (على أنه يجوز أن يكون أبو موسى إنما أراد بذلك شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لمن قتله بطنه، وفي عمومهم حممة، لا أنه سماه باسمه والله أعلم) . وبناء على ما استدركه العراقي لا يصح التمثيل بحممة، إذ ليس في ذكر أبي موسى ما يفيد التصريح بإثبات صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم فالحديث ليس نصاً، وإنما هو محتمل، وما تطرقه الاحتمال يسقط به الاستدلال. إلا أن ما استدركه العراقي من الاحتمال المذكور – كما يقول الدكتور التازي – رحمه الله – بعيد، لأن الضمير في له إنما هو لحممة، وليس في لفظ الحديث ما يمكن أن يعود عليه الضمير غيره، وإخبار أبي موسى بأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم له يستلزم معرفته به، وصحبته له. ويعلل لقبول قول الصحابي في آخر صحابي: بأن الصحابي عدل، فإذ صح لنا أن نقبل قوله حين يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن نقبل قوله حين يخبر أن فلاناً صحابي من باب أولى. د- أخبار أحد التابعين الموثقين عند أهل الحديث بأن فلاناً صحابي: فهل يقبل قوله وتثبت به صحبة من أخبر عنه، أو لا يقبل قوله، ولا تثبت به صحبة من أخبر عنه؟ اختلف العلماء من المحدثين والأصوليين في ذلك. فذهب جماعة منهم إلى قبول قوله، ومنهم الإمام السخاوي حيث قال في (فتح المغيث) وهو يبين طرق إثبات الصحبة: (وكذا تعرف بقول آحاد ثقات التابعين على الراجح) . والحافظ ابن حجر فقد قال في (الإصابة): (وكذا عن آحاد التابعين). أي: بأن يروي عن آحاد التابعين أن فلاناً صحابي. والإمام زكريا الأنصاري حيث قال في (فتح الباقي): (وكذا تعرف بقول آحاد ثقات التابعين) . والشيخ محمد نجيب المطيعي حيث قال في (حاشيته على الإسنوي): (أو بإخبار آحاد التابعين بأنه صحابي) . وغيرهم من العلماء . وذهب جماعة آخرون إلى أنه لا يقبل قوله، ولا تثبت به صحبة من أخبر عنه. وممن ذهب إلى ذلك: بعض شراح (اللمع) على ما ذكره الإمام السخاوي في (فتح المغيث) . وقد سكت بعض العلماء عن ذكر هذا الطريق كالإمام ابن كثير وابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم، حيث لم يذكروا وهم يبينون طرق إثبات الصحبة قول التابعي: إن فلاناً صحابي كطريق لمعرفة الصحابة رضي الله عنهم . والاختلاف بين القائلين بثبوت الصحبة بإخبار أحد ثقات التابعين وبين النافين لذلك مبني في الحقيقة على خلاف آخر وهو: هل تقبل التزكية إذا صدرت من مزكٍّ واحد، أو لابد فيها من التعدد؟ فمن ذهب إلى عدم إثبات الصحبة بقول التابعي: إن فلاناً صحابي، جرى على أن التزكية غير مقبولة إذا صدرت من مزك واحد، بل لابد فيها من اثنين. ووجهتهم فيما ذهبوا إليه من اشتراط التعدد. 1- أن التزكية تتنزل منزلة الحكم، فلا يشترط فيها العدد، بخلاف الشهادة فإنها تكون عند الحاكم فلابد فيها من العدد، فلا يصح إلحاق التزكية بالشهادة . 2- إن التزكية إن كانت صادرة عن اجتهاد المزكي فهي بمنزلة الحكم، وحينئذ لا يشترط التعدد في المزكي، لأنه بمنزلة الحاكم. وإن لم تكن صادرة عن نفسه واجتهاده، بل منقولة عن غيره، فأيضاً لا يشترط التعدد حينئذ، لأن أصل النقل لا يشترط فيه العدد، فكذا ما يتفرع عنه، فلا يقال: إن التزكية تأخذ حكم الشهادة . وما ذكر من أن الاستقراء أن لا يزيد شرط على مشروطه، ولا ينقص شرط عن مشروطه منتف – كما في (التحرير) وشرحه – بشاهد هلال رمضان إذا كان بالسماء علة، فإنه يكتفى فيه بواحد، ويفتقر تعديله إلى اثنين، فقد زاد الشرط في هذا على مشروطه. وكون الشرط لا ينقص عن مشروطه مردود بشهادة الزنا، فإنه يلزم كونهم أربعة ويكفي في تعديلهم اثنان . قال في (التحرير) وشرحه: وما قيل: لا نقض بهذين بل زيادة في الأصل في شهادة الزنا ونقصانه في الهلال، إنما يثبت بالنص للاحتياط في الدرء للعقوبات، والإيجاب للعبادة كما هو مذكور في (حاشية التفتازاني)، لا يخرجه أي: هذا الجواب لا يخرج ما ذكر من مادتي النقض عنهما أي ثبوت الزيادة وثبوت النقص المنافيين لما ادعى الضابطين بالاستقراء . 3- أن المزكي يكتفي فيه بواحد، لأنه بمثابة الخبر، وكما يصح قبول خبر الواحد – كما هو القول الراجح – فكذلك يقبل قول المزكي، لأنه بمنزلته . 4- أن اعتبار الواحد في الجرح والتعديل أصل متفق عليه، واعتبار ضم قول غيره إليه يستدعي دليلاً، والأصل عدمه، ولا يخفى أن ما يلزم منه موافقة النفي الأصلي أولى مما يلزم منه مخالفته . 5- ينبغي القول بعدم اشتراط التعدد في المزكي، لأن اشتراط التعدد قد يؤدي إلى تضييع بعض الأحكام، فكان عدم التعدد أولى وأحوط . المطلب الثاني: إثبات الصحبة عن طريق أحد العلامات ونذكر منها ما يأتي: العلامة الأولى: أن يكون من يدَّعى صحبته قد تولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم غزوة من غزواته، ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يؤمر على غزوة من غزواته إلا من كان من أصحابه . وذلك مثل: عبيدة بن الحارث، الذي عقد له النبي صلى الله عليه وسلم اللواء إلى رابغ. وعبد الله بن جحش، الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم على سرية إلى نخلة . العلامة الثانية: أن يكون المدعى صحبته ممن أمره أحد الخلفاء الراشدين على أحد المغازي في حروب الردة والفتوح . وذلك مثل: شرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة بن مسعود. العلامة الثالثة: أن يكون المدعى صحبته قد ثبت أن له ابناً حنكه النبي صلى الله عليه وسلم، أو مسح على رأسه، أو دعا له، فإنه ((كان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له)) كما أخرجه الحاكم عن عبد الرحمن بن عوف على ما ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة . وذلك مثل: ثابت بن قيس بن شماس، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما. العلامة الرابعة: أن يكون من يدعى صحبته ممن كان بمكة أو الطائف سنة عشر من الهجرة، إذ من المعلوم عند المحدثين أن كل من كان بمكة أو الطائف سنة عشر قد أسلم وحج مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فيكون من الصحابة . وذلك مثل: عامر بن أبي أمية رضي الله عنه. العلامة الخامسة: أن يكون من يدعى صحبته من الأوس أو الخزرج الذين كانوا بالمدينة المنورة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أنهم دخلوا في الإسلام جميعاً، ولم يثبت عن أحد منهم أنه ارتد عن الإسلام . المبحث الثالث: فضل الصحابة وتفاوتهم في الفضل والمنزلة المطلب الأول: فضل الصحابة الفرع الأول: الأدلة على فضل الصحابة أولا: الأدلة على فضل الصحابة من القرآن قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في شرحه لمنظومة سلم الوصول: فكلهم في محكم القرآن أثنى عليهم خالق الأكوان |
في مواضع من كتابه (كالفتح) أي سورة (الفتح) من أولها إلى آخرها (و) سورة (الحديد) كقوله تعالى فيها: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} – إلى قوله – {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد:10] الآيات. (و) سورة (القتال) كقوله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد:3] الآيات. (و) سورة (الحشر) إلى آخرها، وقد رتب تعالى فيها الصحابة على منازلهم وتفاضلهم ثم أَرْدَفهم بذكر التابعين فقال تعالى {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:8 – 10] أخرج الله بهذه الآية وغيرها شاتم الصحابة من جميع الفرق الذين في قلوبهم غل لهم إلى يوم القيامة، ولهذا منعهم كثير من الأئمة الفيء وحرموه عليهم. (و) في سورة (التوبة) وسورة (الأنفال) بكمالها تارة في الثناء عليهم وتارة في تحذيرهم من عدوهم ووصف المشركين والمنافقين بأنواعهم وسماهم ليحذروهم، وتارة في حثهم على الطاعة والجماعة والجهاد في سبيل الله والإثخان في الكفار والثبات لهم عند لقائهم إياهم وعدم فرارهم منهم، ووعْدِه تعالى إياهم بالنَّصر على عدوِّهم، وتارة بتذكيرهم بنعم الله عليهم وامتنانه عليهم أَنْ هداهم للإسلام وجنَّبهم السُّبُل المضلة. وأَلَّف بين قلوبهم وآواهم وأيدهم بنصره بعد إذ كانوا مستضعفين أذلة. وتارة يخبرهم ويهيجهم ويشوقهم بما أعد لهم في الدار الآخرة على قيامهم بطاعته تعالى وطاعة رسوله، وجهادهم بأموالهم في سبيله وله الحمد والمنة، وغير ذلك من سور القرآن وآياته (كذلك في التوراة) الكتاب المنزل على موسى عليه السلام (و) في (الإنجيل) الكتاب المنزل على عيسى عليه السلام (صفاتهم) التي جعلهم الله عليها (معلومة التفصيل) كما أخبر الله تعالى بقوله عز وجل: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} صلى الله عليه وسلم {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} [الفتح:29] هنا تم الكلام ثم قال تعالى: {وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الفتح:29]. ثانيا: الأدلة على فضل الصحابة من السنة - عن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه قال: صَلّيْتُ المغرب مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثم قلنا لو جلسنا حتى نصلّي معه العشاء قال فجلسنا فخرج علينا فقال: ((ما زلتم ههنا، قلنا: يا رسولَ الله صلَّينا معك المغرب ثم قلنا نجلسُ حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم أو أصبتم، قال: فرفع رأسهُ إلى السماء وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: النجوم أَمَنَةُ السماءِ، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأُمَّتي فإذا ذهب أصحابي أتى أُمَّتي ما يوعدون)) . - وفيه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال ((يأتي على الناس زمانٌ يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم مَنْ رأى رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئامٌ مِنَ الناس فيقال لهم: فيكم مَنْ رأى مَنْ صحِب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم مَنْ رأى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم فيفتح لهم)) . - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أي النَّاسِ خير؟ قال ((أقراني ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيءُ قومٌ تبدر شهادةَ أحدهم يمينه وتبدر يمينه شهادته)) . - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((خَيْر أُمَّتي القرن الذي بُعثتُ فيه، ثم الذين يلونهم))، والله أعلم أذكر الثالث أم لا ((ثم يخلُفُ قومٌ يحبُّون السمانة، يشهدون قبل أَنْ يُستشهدوا)) . - وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما أَنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال ((إِنَّ خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) قال عمران فلا أدري أَقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرَّتين أو ثلاثاً ((ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يُستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون ويَنذرون ولا يُوفون ويظهر فيهم السِّمن)) . زاد في رواية ((ويحلفون ولا يُستحلفون)) . - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سأَل رجلٌ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أي الناس خيرٌ قال ((القرنُ الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث)) . - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ((لا تَسُبُّوا أَصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أَنَّ أَحدكم أَنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه)) . - وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيءٌ فسبَّه خالدٌ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ((لا تسُبُّوا أَحداً من أصحابي، فإنَّ أحدكم لو أَنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه)) . وفي (الصحيحين) من حديث علي رضي الله عنه في قصة كتاب حاطب مع الظعينة – وفيه – فقال عمر: إِنَّه قد خانَ اللهَ ورسوله فدعني فلأَضْرِبْ عنقه، فقال ((أَلَيْس مِنْ أهل بدر)) فقال صلى الله عليه وسلم ((لعلَّ الله اطَّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة)) أو ((فقد غفرت لكم)) فدمعتْ عينا عمر رضي الله عنه وقال: الله ورسولُهُ أعلم . - وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: حدَّثني أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ممَّن شهد بدراً أَنَّهم كانوا عدَّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر: بضعة عشر وثلاثمائة، قال البراء: لا والله ما جاوز معه النهر إلاّ مؤمن. . - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} [الفتح:1] قال الحديبية، قال أصحابه هنيئاً مريئاً فما لنا. فأنزل الله تعالى {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [الفتح:5](655) وكل هذا في (الصحيح) . وروى الترمذي عن جابر رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يدخل النار أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة)). وقال الترمذي حسن صحيح . وقد وردت أحاديث في فضائل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم منها عام ومنها خاص بالمهاجرين ومنها خاص بالأنصار ومنها خاص بالآحاد فرداً فرداً، ومنها القطع لأحدهم بالجنَّة مطلقاً، ومنها القطعُ لبعضهم بمجاورة رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الجنة ليس هذا موضع بسطها. ثالثا: أقوال العلماء في فضل الصحابة أولاً: ما ورد من أقوال الصحابة بعضهم في بعض: فمن ذلك: 1- قول.. عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ) . 2- وقول... عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم، والله رب الكعبة) . 3- وما رواه البخاري عن المسور بن مخرمة قال: ((لما طعن عمر جعل يألم فقال ابن عباس – وكأنه يجزعه -: يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحابته فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه فإنما ذاك منّ من الله تعالى منّ به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك منّ من الله جل ذكره منّ به علي، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه)) . 4- وما رواه البخاري عن مروان بن الحكم قال: ((أصاب عثمان بن عفان رضي الله عنه رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش قال: استخلف، قال: وقالوه؟ قال: نعم، قال: ومن؟ فسكت، فدخل عليه رجل آخر –أحسبه الحارث- فقال: استخلف، فقال عثمان: وقالوا؟ قال: نعم، قال: ومن هو؟ فسكت، قال: فلعلهم قالوا: إنه الزبير، قال: نعم. قال: أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . 5- وما رواه الحاكم عن أبي البختري عن سيدنا علي رضي الله عنه قال: ((قيل: أخبرنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عن أيهم؟ قال: أخبرنا عن عبد الله بن مسعود قال: علم الكتاب والسنة ثم انتهى وكفى به)) . وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. |
6- وما رواه الحاكم عن شقيق قال: سمعت حذيفة رضي الله عنه يقول: ((إن أشبه الناس هدياً وسمتاً ودلاً بمحمد صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود من حين يخرج إلى حين يرجع فما أدري ما في بيته، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن أم عبد من أقربهم وسيلة عند الله يوم القيامة)) . وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. 7- وما رواه الطبراني عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (ثلاثة من قريش أصبح قريش وجوهاً، وأحسنها أخلاقاً، وأثبتها جناناً، إن حدثوك لم يكذبوك، وإن حدثتهم لم يكذبوك، أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان) . 8- وما رواه الطبراني عن ربعي بن خراش قال: (استأذن عبد الله بن عباس على معاوية وقد علقت عنده بطون قريش وسعيد بن العاص جالس عن يمينه، فلما رآه معاوية مقبلاً قال: يا سعيد والله لألقين على ابن عباس مسائل يعيا بجوابها، فقال له سعيد: ليس مثل ابن عباس يعيا بمسائلك، فلما جلس قال له معاوية: ما تقول في أبي بكر؟ قال: رحم الله أبا بكر كان والله للقرآن تالياً، وعن الميل نائياً، وعن الفحشاء ساهياً، وعن المنكر ناهياً، وبدينه عارفاً ومن الله خائفاً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، ومن دنياه سالماً، وعلى عدل البرية عازماً، وبالمعروف آمراً، وإليه صائراً، وفي الأحوال شاكراً، ولله في الغدو والرواح ذاكراً، ولنفسه بالمصالح قاهراً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وزهداً وعفافاً، وبراً وحياطة، وزهادة وكفاءة، فأعقب الله من ثلبه اللعائن إلى يوم القيامة. قال معاوية: فما تقول في عمر بن الخطاب؟ قال: رحم الله أبا حفص، كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومحل الإيمان، وملاذ الضعفاء، ومعقل الحنفاء، للخلق حصناً، وللبأس عوناً، قام بحق الله صابراً محتسباً، حتى أظهر الله الدين، وفتح الديار، وذكر الله في الأقطار والمناهل، وعلى التلال وفي الضواحي والبقاع، وعند الخنا وقوراً، وفي الشدة والرضاء شكوراً، ولله في كل وقت وأوان ذكوراً، فأعقب الله من يبغضه اللعنة إلى يوم الحسرة. قال معاوية: فما تقول في عثمان بن عفان؟ قال: رحم الله أبا عمرو، كان والله أكرم الحفدة، وأوصل البررة، وأصبر الغزاة، هجاداً بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر الله، دائم الفكر فيما يعنيه الليل والنهار، ناهضاً إلى كل مكرمة، يسعى إلى كل منجية فراراً من كل موبقة، وصاحب الجيش والبئر، وختن المصطفى على ابنتيه، فأعقب الله من سبه الندامة إلى يوم القيامة. قال معاوية: فما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: رحم الله أبا الحسن، كان والله علم الهدى، وكهف التقى، ومحل الحجا، وطود البها، ونور السرى في ظلم الدجى، داعياً إلى المحجة العظمى، عالماً بما في الصحف الأولى، وقائماً بالتأويل والذكرى، متعلقاً بأسباب الهدى، وتاركاً للفجور والأذى، وحائداً عن طرقات الردى، وخير من آمن واتقى، وسيد من تقمص وارتدى، وأفضل من حج وسعى، وأسمح من عدل وسوى، وأخطب أهل الدنيا إلا الأنبياء والنبي المصطفى، وصاحب القبلتين، فهل يوازيه موحد؟ وزوج خير النساء، وأبو السبطين، لم تر عيني مثله، ولا ترى إلى يوم القيامة واللقاء، من لعنه فعليه لعنة الله والعباد إلى يوم القيامة. قال: فما تقول في طلحة والزبير؟ قال: رحمة الله عليهما، كانا والله عفيفين، برين، مسلمين، طاهرين، متطهرين، شهيدين، عالمين، زلازلة والله غافر لهما – إن شاء الله – بالنصرة القديمة، والصحبة القديمة، والأفعال الجميلة. قال معاوية: فما تقول في العباس؟ قال: رحم الله أبا الفضل، كان والله صنو أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرة عين صفي الله، كهف الأقوام، وسيد الأعمام، قد علا بصراً بالأمور، ونظراً بالعواقب، قد زانه علم، قد تلاشت الأحساب عند ذكر فضيلته، وتباعدت الأنساب عند فخر عشيرته، ولم لا يكون كذلك؟ وقد ساسه أكرم من دب وهب عبد المطلب. أفخر من مشى من قريش وركب... الحديث. وقال معاوية في آخره: صدقت يا ابن عباس، أشهد أنك لسان أهل بيتك، فلما خرج ابن عباس من عنده قال: ما كلمته إلا وجدته مستعداً) . 9- وما رواه الحاكم عن أبي سعيد المقبري قال: (لما طعن أبو عبيدة رضي الله عنه قال: يا معاذ صل بالناس، فصلى معاذ بالناس، ثم مات أبو عبيدة بن الجراح، قام معاذ في الناس فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله توبة نصوحاً، فإن عبد الله لا يلقى الله تائباً من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له، ثم قال: إنكم أيها الناس قد فجعتم برجل والله ما أزعم أني رأيت من عباد الله عبداً قط أقل عمراً، ولا أبر صدراً، ولا أبعد غائلة، ولا أشد حباً للعاقبة، ولا أنصح للعامة منه، فرتحموا عليه وأصحروا للصلاة عليه. فوالله لا يلي عليكم مثله أبداً. فاجتمع الناس، وأخرج أبو عبيدة رضي الله عنه فتقدم معاذ رضي الله عنه فصلى عليه، حتى إذا أتى به قبره، دخل قبره معاذ بن جبل وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس، فلما وضعوه في لحده وخرجوا، فشنوا عليه التراب فقال معاذ بن جبل: يا أبا عبيدة لأثنين عليك ولا أقول باطلاً أخاف أن يلحقني بها من الله مقت: كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيراً، ومن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوماً، وكنت والله من المخبتين المتواضعين الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الخائنين المتكبرين) . ثانياً: ما ورد من أقوال التابعين في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن ذلك: 1- ما أخرجه أبو نعيم في (الحلية) عن الحسن البصري رحمه الله (أن بعض القوم قال له: أخبرنا صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فبكى وقال: ظهرت منهم علامات الخير في السيما والسمت والهدى والصدق، وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستقادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم، ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسامهم، واستخفوا بسخط المخلوقين رضى الخالق، لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا في جور، ولم يجاوزوا حكم الله تعالى في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دمائهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين، حسنت أخلاقهم، وهانت مؤنتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم) . 2- وما رواه الإمام أحمد عن قتادة بن دعامة رحمه الله أنه قال: (أحق من صدقتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه) . 3- وما رواه ابن سعد في (الطبقات) عن مسروق قال: (لقد جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالإخاذ. فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت عبد الله بن مسعود من ذلك الإخاذ) . 5- وما رواه الطبراني عن مسروق قال: (شاممت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا الدرداء وزيد بن ثابت، ثم شاممت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله بن مسعود) . 5- وما رواه ابن سعد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: (كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، وسيب ونائل، وما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أعلم بما مضى ولا أثقف رأياً فيما احتيج إليه منه. ولقد كان يجلس يوماً ما يذكر فيه إلا الفقه، ويوماً التأويل، ويوماً المغازي، ويوماً الشعر، ويوماً أيام العرب، وما رأيت عالماً قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلاً قط سأله إلا وجد عنده علماً) . 6- وما رواه ابن عبد البر في (الاستيعاب) قال: (وسئل الحسن بن أبي الحسن البصري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: كان علي والله سهماً صائباً من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها، وذا سابقتها، وذا قرابتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بالنومة عن أمر الله ولا باللومة في دين الله ولا بالسروقة لمال الله، أعطى القرآن عزائمه، ففاز منه برياض مونقة، ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه يا لكع) . 7- وما رواه أبو نعيم في (الحلية) عن أبي صالح قال: (دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له: صف لي علياً فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: أما إذا لابد فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب. كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أخرى الليل سدوله، وغارت نجومه، يميل في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا – يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: إلي تغرتت؟ إلي تشوفت؟ هيهات هيهات، غري غيري، قد بتتك ثلاثاً، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك كبير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق. فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء فقال: كذا كان أبو الحسن رحمه الله، كيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها، لا ترقأ دمعتها، ولا يسكن حزنها، ثم قام فخرج) . 8- وروي عن حميد بن زياد أنه قال: (قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب الرسول عليه السلام فيما كان بينهم؟ وأردت الفتن. فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال: سبحان الله! ألا تقرأ قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} [التوبة: 100] إلى آخر الآية! فأوجب أن لجميع أصحاب النبي عليه السلام الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً شرطه عليهم، قلت: وما ذاك الشرط؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان في العمل وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك، أو يقال: المراد أن يتبعوهم بإحسان في القول، وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً، وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه، قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط) . ثالثاً: ما ورد من أقوال أتباع التابعين فمن بعدهم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن ذلك: 1- ما رواه البيهقي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: (وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهناهم بما آتاهم من ذلك، ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، هم أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاماً وخاصاً وعزماً وإرشاداً، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا لأنفسنا –والله أعلم) . 2- وما قاله الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في مقدمة كتابه (الجرح والتعديل): (فأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته، وإقامة دينه، وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاماً وقدوة، فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع، وحكم وقضى، وندب وأمر، ونهى وحظر وأدب، ووعوه فأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده، بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقفهم منه، واستنباطهم عنه، فشرفهم الله عز وجل بما منّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز، وسماهم عدول الأمة، فقال عز ذكره في محكم كتابه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، ففسر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز ذكره قوله: {وسطاً}، قال: عدلاً، فكانوا عدول الأمة، وأئمة الهدى، ونقلة الكتاب والسنة. وندب الله عز وجل إلى التمسك بهديهم، والجري على مناهجهم، والسلوك لسبيلهم، والاقتداء بهم، فقال: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: 115]. ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها، منها أن دعا لهم فقال: ((نضر الله إمرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره)). وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته: ((فليبلغ الشاهد منكم الغائب)) وقال: ((بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني ولا حرج)) . ثم تفرقت الصحابة رضي الله عنهم في النواحي والأمصار والثغور، وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام، فبث كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكموا بحكم الله عز وجل، وأمضوا الأمور على ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظائرها من المسائل، وجردوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه، لتعليم الناس الفرائض والأحكام، والسنن والحلال والحرام، حتى قبضهم الله عز وجل – رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين -) . 3- وما قاله الأستاذ الشيخ عبد الحميد بخيت في كتابه (دراسات تاريخية في رجال الحديث): (إن الصحابة – كما يتضح من سلوكهم في أنفسهم وفي المجتمع – يعتبرون من ذلك الضرب الرفيع، الذي لا يكاد يوجد إلا في فترات قليلة جداً من تاريخ البشرية الطويل المديد، لا لأنهم مجرد أصحاب النبي، أو حملة مبادئ عليا، أو عاشوا في عصر معين من الزمان، ولكن لأن مقومات شخصياتهم، ومواهبهم، وفدائيتهم الفريدة للإيمان والعمل وشعائر الحق والعدل والحرية كانت من أبرز مميزاتهم ومظاهر سلوكهم) . – رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين -. الفرع الثاني: تفضيل الصحابة على سائر الأمة الصحابة رضوان الله عليهم هم أفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذكر من الأدلة... دليل على ذلك فليس أفضل ممن زكاهم الله وعدلهم وأثنى عليهم ورضي عنهم، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنهم أمان لأمته ما بقي منهم فيها أحد فإن هم ذهبوا أتى الأمة ما توعد، وأقسم صلى الله عليه وسلم أن أحداً من الأمة إن أنفق مثل أحد ذهباً لا يبلغ بذلك مد أحدهم ولا نصيفه ، ولقد صرح صلى الله عليه وسلم بأنهم رضوان الله عليهم خير أمته فقال: ((خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم)) . قال الإمام أحمد رحمه الله: (فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه صلى الله عليه وسلم ولو لقوا الله بجميع الأعمال، كان هؤلاء الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه, وسمعوا منه, ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير) . وقال ذلك علي بن المديني أيضاً . الفرع الثالث: تفضيل الصحابة على سائر البشر بعد الأنبياء الصحابة أفضل أتباع الأنبياء على الإطلاق دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]. وقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. وفسر لفظ الأمة في الآيتين بأن المراد به الصحابة فهو عام مخصوص وقيل: بل هو وارد في الصحابة دون غيرهم . أي أنه لا عموم في اللفظ، وعليه فاللفظ ظاهر الدلالة على أن الصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء. وفسر اللفظ بأن المراد به أمة محمد صلى الله عليه وسلم عامة . وهو دال على ما ذكر أيضاً لأن أصل الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان عاماً في أمته فهم المخاطبون أصلاً به, وهم يدخلون في عموم اللفظ دخولاً أولياً، وقد ثبت كونهم أفضل الأمة فهم أفضل الأمة التي هي خير الأمم، فهم أفضل الأمم على الإطلاق. وقال صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني)) . وسأله رجل: أي الناس خير؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((القرن الذي أنا فيه)) ففي الحديثين تعميم تفضيل قرنه صلى الله عليه وسلم على الناس، أي جميع الناس، جميع بني آدم، ويؤكد هذا المعنى. قوله صلى الله عليه وسلم: ((بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى كنت من القرن الذي كنت منه)) . فهذا دال على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أفضل أصحاب الأنبياء، أفضل بني آدم بعد الأنبياء، رضي الله عنهم وأرضاهم. وقال صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}: ((إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله)) . وهذا ظاهر الدلالة على ما ذكرنا. قال ابن تيمية رحمه الله: (ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله) . المطلب الثاني: تفاوت الصحابة في الفضل والمنزلة الفرع الأول: الأدلة على وقوع التفاضل بين الصحابة لقد دلت أدلة الشرع من نصوص الكتاب والسنة على وقوع التفاضل بين الصحابة رضوان الله عليهم. فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [ الحديد: 10]. ففي الآية تفضيل طائفة من الصحابة وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا على طائفة من الصحابة وهم الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا مع إثبات الفضل للجميع والتنبيه على أن تفضيل بعضهم على بعض لا يفضي إلى تنقيص المفضول إذ {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}. وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [ التوبة: 100]. ففي الآية الثناء على الصحابة أجمعين مع تخصيص السابقين الأولين بالذكر، وهذا التخصيص ثم التعميم دليل على تفضيل المخصصين بالذكر على العموم. وقال سبحانه وتعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [ الأحزاب: 32]. قال ابن عباس: (يريد: ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم) . ففي الآية دلالة على تفضيل نساء النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابيات على سائرهن. ومن السنة: ما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه – قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) . وجاء في رواية لمسلم بيان سبب ورود الحديث: أنه كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وفيه دليل على تفضيل بعض الصحابة على بعض إذ فيه تفضيل عبد الرحمن وطبقته ممن أسلم قبل الفتح وقاتل على خالد وطبقته ممن أسلم بعد الحديبية وقاتل... وقال ابن عمر رضي الله عنهما: (كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان) . وفي رواية: (كنا نقول ورسول الله حي: أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان) . زاد في رواية: (فيسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فلا ينكره) . فهذا إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم التفاضل بين الصحابة، وفيه تفضيل آحاد بأعيانهم على من سواهم, وتفضيل واحد بعينه على صاحبه وهو تفضيل أبي بكر على عمر وعمر على عثمان، وقد قال ابن عبد البر: (فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه بفضائل خص كل واحد منهم بفضيلة وسمه بها وذكره فيها) قال: (ولم يأت عنه عليه الصلاة والسلام أنه فضل منهم واحداً على صاحبه بعينه من وجه يصح) قلت: لعله يريد أنه لم يصح ذلك عنه صلى الله عليه وسلم من قوله لا من إقراره وإلا فحديث ابن عمر صحيح، ثم قال ابن عبد البر: (ولكنه ذكر من فضائلهم ما يستدل به على مواضعهم ومنازلهم من الفضل والدين والعلم, وكان صلى الله عليه وسلم أحلم وأكرم معاشرة, وأعلم بمحاسن الأخلاق من أن يواجه فاضلاً منهم بأن غيره أفضل منه فيجد من ذلك في نفسه، بل فضل السابقين منهم وأهل الاختصاص به على من لم ينل منازلهم فقال لهم: ((لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))، وهو من معنى قول الله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}، ومحال أن يستوي من قاتله صلى الله عليه وسلم مع من قاتل عنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من لم يشهد بدر وقد رآه يمشي بين يدي أبي بكر: ((تمشي بين يدي من هو خير منك)) . وهذا لأنه كان أعلمنا ذلك في الجملة لمن شهد بدراً والحديبية، ولكل طبقة منهم منزلة معروفة وحال موصوفة) . قلت: ثبوت تفضيل طائفة موصوفة من الصحابة على طائفة بالكتاب والسنة دليل قوي للقطع بتفضيل واحد بعينه من الطائفة الفاضلة على واحد بعينه من الطائفة المفضولة، وحديث أبي سعيد دليل لصحة هذا المأخذ, فإن سبب وروده نزاع بين واحد بعينه من طائفة فاضلة وهو عبد الرحمن بن عوف ممن أسلم قبل الفتح وقاتل، وآخر بعينه من طائفة مفضولة وهو خالد بن الوليد ممن أسلم متأخراً وقاتل، فقال صلى الله عليه وسلم ما قال مما يدل على تفضيله عبد الرحمن على خالد، والله أعلم. وهذا الحديث وإن لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابيين باسميهما إلا أنه كالتنصيص منه صلى الله عليه وسلم بتفضيل واحد بعينه على صاحبه، لدلالة سبب الورود على ذلك ولكنه صلى الله عليه وسلم – كما قال ابن عبد البر – أكرم وأحلم وأتم خلقاً وأحسن معاشرة من أن يسمي الفاضل والمفضول تسمية صريحة في مثل هذه الحال، والله أعلم. وهنا مسألة: وهي: التفاضل ثابت بين الصحابة رضوان الله عليهم فهل نفاضل بينهم؟ روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم)) . ففي هذا اللفظ حصر المفاضلة في الثلاثة دون غيرهم، ولكن قد ثبت بالكتاب والسنة تفضيل بعض الصحابة على بعض ... ولابد من تفضيل من فضله الله واعتقاد ذلك، ولذا قال ابن حجر: (قد اتفق العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا لما تقرر عند أهل السنة قاطبة من تقديم علي بعد عثمان, ومن تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم, ومن تقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك فالظاهر أن ابن عمر إنما أراد بهذا النفي أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل فيظهر لهم فضائل الثلاثة ظهوراً بيناً فيجزمون به ولم يكونوا حينئذ اطلعوا على التنصيص) . فمذهب أهل السنة والجماعة تفضيل الصحابة بعضهم على بعض بمقتضى دلالات النصوص، إجمالاً فيما أجملته، وتفصيلاً فيما فصلته. |
الفرع الثاني: أوجه التفاضل بين الصحابة لقد دل الكتاب والسنة على أوجه حكما بها في المفاضلة بين الصحابة، وجماع هذه الأوجه هو ما سلف من كل واحد منهم من أعمال البر والطاعات التي تتفاضل منزلتها عند الله. فمن أوجه التفاضل بينهم: السبق إلى الإسلام فالسابق إلى الإسلام أفضل من المسبوق، أفاده قوله سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100]. ومن أوجه التفاضل بينهم: الإنفاق والجهاد قبل الفتح فمن أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، أفادته آية (سورة الحديد). ومن أوجه التفاضل بينهم: شهود بدر كما أفاده قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لعل الله أن يكون اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) . ومن أوجه التفاضل بينهم: شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فمن شهد له بها أفضل. ومن أوجه التفاضل شهود بيعة الرضوان فمن شهدها أفضل. ومن أوجه التفاضل بينهم تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم أحدهم بمنقبة. وغير ذلك من وجوه التفاضل بينهم رضوان الله عليهم، و... كون المفضول قد يختص بفضيلة لا توجد في الفاضل إلا أن ذلك لا يقتضي تفضيله بها مطلقاً، فعثمان بن عفان رضي الله عنه لم يحضر بدرا . ولكنه أفضل بعد أبي بكر وعمر من جميع الصحابة من حضر بدراً ومن لم يحضر.. الفرع الثالث: التفاضل بين أفراد الصحابة رضي الله عنهم أولا:المفاضلة بين الخلفاء الراشدين قد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب شتى: المذهب الأول: يرى أن أفضل أفراد الصحابة، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنه. وهو مذهب أهل السنة، كما ذكر ذلك الإمام النووي حيث قال: (واتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر، وقال جمهورهم: ثم عثمان، ثم علي) . والإمام القسطلاني، حيث قال في (المواهب): (إن أفضلهم على الإطلاق عند أهل السنة إجماعاً أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما، إلى أن قال: ثم اختلفوا فيمن بعدهما، فالجمهور على تقديم عثمان) . وابن كثير، حيث قال في (الباعث الحثيث): (وأفضل الصحابة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء – عليهم السلام -: أبو بكر الصديق ثم من بعده عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب) . وابن الصلاح حيث قال في (مقدمته): (أفضلهم على الإطلاق: أبو بكر ثم عمر، ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على علي – رضي الله عنهم أجمعين ) . وغيرهم من العلماء . وهو مذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه -، فقد ذكر البيهقي عن الربيع عن الشافعي أنه قال: (أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم) . ومذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه حيث قال: (كنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت، حتى صح لنا حديث ابن عمر بالتفضيل) . قال ابن بدران الدمشقي في (المدخل): (وأما الحديث الذي أشار إليه الإمام، فإني كشفت عليه في المسند فلم أجده، ولست أدري هل هو فيه فزاغ عنه البصر، أم هو مفقود منه؟ وكذلك فتشت عليه في الكتب الستة فلم أجده، لكنني وجدت أن الحافظ أبا القاسم ابن عساكر الدمشقي رواه في ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه من تاريخه الكبير عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله حي: أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينكره، وفي لفظ: ثم ندع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -فلا نفاضل بينهم-). قال ابن بدران: (وحيث إن الإمام أشار إلى صحة هذا الحديث تركنا الكلام عليه، اكتفاء بتوثيق إمام المحدثين) . وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله – في (منهاج السنة): (وأما جمهور الناس ففضلوا عثمان، وعليه استقر أمر أهل السنة، وهو مذهب أهل الحديث ومشايخ الزهد والتصوف وأئمة الفقهاء كالشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه وإحدى الروايتين عن مالك وأصحابه، وذكر أن هذا هو مذهب جماهير أهل الكلام، ونقل عن أبي أيوب السختياني قوله: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار قال: وهكذا قال أحمد والدارقطني وغيرهما) . وهو مذهب المتقدمين من المعتزلة: كأبي عثمان عمرو بن عبيد، وأبي إسحاق النظام: إبراهيم بن يسار، وأبي عثمان الجاحظ، وغيرهم، كما ذكر ذلك القاضي عبد الجبار في (شرح الأصول الخمسة) حيث قال: (إن المتقدمين من المعتزلة ذهبوا إلى أن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) . وأيدوا ما ذهبوا إليه: بأن إجماع الصحابة من المهاجرين والأنصار على الترتيب بينهم في الإمامة، دليل على الترتيب بينهم في الفضل، ومن خرج على ذلك يعتبر - كما يقول أبو أيوب السختياني – ممن أزرى بالمهاجرين والأنصار، قال القسطلاني في (المواهب): (إن هؤلاء الأربعة اختارهم الله لخلافة نبيه، وإقامة دينه، فمنزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة) . وقال ابن كثير: (هذا – أي الترتيب بين الأربعة في الفضل كالترتيب بينهم في الخلافة – رأي المهاجرين والأنصار، حين جعل عمر الأمر من بعده شورى بين ستة، فانحصر في عثمان، وعلي، واجتهد فيهما عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها حتى سأل النساء في خدورهن على علي، وولاه الأمر قبله، قال: ولهذا قال الدارقطني: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وصدق رضي الله عنه وأكرم مثواه، وجعل جنة الفردوس مأواه) . ويشير إلى هذا قول الشافعي: (أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي – كما ذكر ذلك ابن حجر في (فتح الباري) . ثم إن أهل السنة لم يتعرضوا بعد ذلك إلى بيان التفاضل بين بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم عندهم كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. قال الشيخ عبد السلام اللقاني في (إتحاف المريد) بعد أن ذكر الستة من العشرة المبشرة: (ولم يرد نص بتفاوت بعضهم على بعض في الأفضلية، فلا قائل به لعدم التوقيف) . وقد اتفق أهل السنة والجماعة على تفضيل أبي بكر وعمر على عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، والليث بن سعد وأهل مصر، والأوزاعي وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهم من أهل العراق، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد وغير هؤلاء من الأئمة) . وحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك فقال: (ما أدركت أحدًا ممن يقتدى به يشك في تقديم أبي بكر وعمر) . ونقل البيهقي في (الاعتقاد) بسنده إلى أبي ثور عن الشافعي أنه قال: (أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) . والأدلة على ما ذهبوا إليه مستفيضة منها على سبيل المثال: - ما رواه البخاري وغيره عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كنا نخير بين الناس في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم) . - وفي رواية قال سالم بن عبد الله: إن عبد الله بن عمر قال: (كنا نقول ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حي: أفضل أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم) . وكلا الحديثين نص في المسألة. - وقد روي آثار مستفيضة عن علي رضي الله تعالى عنه نفسه ففي صحيح البخاري عن محمد بن الحنفية أنه قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين) . قال ابن تيمية: (وروي هذا عن علي بن أبي طالب من نحو ثمانين وجهًا، وأنه كان يقول على منبر الكوفة، بل قال: ((لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري)) ، فمن فضله على أبي بكر وعمر جلد بمقتضى قوله رضي الله عنه - ثمانين سوطًا) . قلت: وفي هذا أكبر حجة على بطلان قول الرافضة بأنه لم يبايع إلا تقية وكان مكرهًا وإلا فهو أفضل منهما، ولو كان الأمر كذلك لما أعلنه على رؤوس الأشهاد على المنبر، ولما جلد من يقول ذلك حد الافتراء. ومنها ما رواه البخاري أيضًا وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (إني لواقف في قوم ندعو الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره، إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله إن كنتُ لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما، فالتفتُّ فإذا هو علي بن أبي طالب) . - وروي عن سفيان الثوري أنه قال: (من زعم أن عليًا كان أحق بالولاية منهما فقد خطَّأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار رضي الله عن جميعهم وما أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء) وفي رواية (... فقد أزرى على اثني عشر ألفًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما أراه... إلخ الحديث) هذا بالإضافة إلى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل منهم من الفضائل. ثانيا: المفاضلة بين عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما أما المفاضلة بين عثمان وعلي فهذه دون تلك، وقد حصل فيها نزاع بين السلف قال ابن تيمية: (فإن سفيان الثوري وطائفة من أهل الكوفة رجحوا عليًا على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره، وبعض أهل المدينة توقَّف في عثمان وعلي وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على علي كما هو مذهب سائر الأئمة كالشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام) . أما أبو حنيفة رحمه الله فقد روي عنه (تقديم علي على عثمان) وجاء في (السير الكبير) لمحمد بن الحسن الشيباني: (روى نوح بن أبي مريم عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: سألته عن مذهب أهل السنة فقال: أن تفضل أبا بكر وعمر، وتحب عليًّا وعثمان، وترى المسح على الخفين ، ولا تكفر أحدًا من أهل القبلة، وتؤمن بالقدر، ولا تنطق في الله بشيء...) ثم قال الشارح: (ومن الناس من يقول: قبل الخلافة كان عليًّا مُقَدَّمًا على عثمان، وبعد الخلافة عثمان أفضل من علي) ثم اعتذر الشارح عن كلام الإمام السابق بقوله: (ولم يُرِدْ أبو حنيفة رضي الله عنه بما ذكر تقديم علي على عثمان، ولكن مراده أن محبتهما من مذهب أهل السنة فالواو عنده لا توجب الترتيب) . قلت: بل قد صرَّح في الفقه الأكبر بتقديم عثمان على علي فقال: (وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أبو بكر، ثم عمر بن الخطاب الفاروق، ثم عثمان بن عفان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضي الله تعالى عنهم أجمعين) . وهو ظاهر المذهب قال السرخسي: (فأما المذهب عندنا أن عثمان أفضل من علي رضوان الله عليهما قبل الخلافة وبعدها) . أدلة تفضيل عثمان على علي رضي الله عنه: ... أن الغالبية العظمى من أهل السنة والجماعة على تقديم عثمان على علي، ولم يخالف إلا القليل، ويدل على صحة ما ذهبوا إليه ما يلي: - ما تقدّم من قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كنا نقول ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيّ: (أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم) . - وكذلك في قصة بيعة عثمان الثابتة في الصحيح - كما مر - أنه لما لم يبق في الشورى إلا عثمان، وعلي، والحكم عبد الرحمن بن عوف، وبقي عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمهات المؤمنين، ويشاور أمراء الأمصار - فإنهم كانوا بالمدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته - حتى قال عبد الرحمن: (إن لي ثلاثًا ما اغتمضت بنوم) بعد هذا كله وبعد أخذ المواثيق منهما على أن يبايع من بايعه، أعلن النتيجة بعد هذا الاستفتاء وهي قوله: (إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان) فبايعه علي وعبد الرحمن وسائر المسلمين بيعة رضى واختيار فدلّ ذلك على تقديمه في الأفضلية عليه، قال ابن تيمية: (وهذا إجماع منهم على تقديم عثمان على علي) ولما سأل رجل عبد الله بن المبارك أيهما أفضل علي أو عثمان قال: (قد كفانا ذاك عبد الرحمن بن عوف) ، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حينما ولي عثمان الخلافة (أمَّرنا خير من بقي ولم نَأْل) . ولهذا قال أيوب وأحمد بن حنبل والدارقطني: (من قَدَّم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) ويفسِّر ابن تيمية ذلك بأنه: (لو لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله، وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني، ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم) . والسلف وإن كان بعضهم يرى التوقف بعد ذكر عثمان، لا يقدِّمون على علي أحدًا بعد الثلاثة، كما قال الإمام أحمد: (من لم يربِّع بعلي فهو أضل من حمار أهله) وإنما من قال بالتوقف في التفضيل عند عثمان يريد الاقتداء بحديث ابن عمر السابق، فيذكرون الثلاثة ثم يجملون بقية أصحاب الشورى كما هي رواية عن الإمام أحمد نفسه فقد ذكر عنه اللالكائي قوله: (وخير الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان. نقدِّم هؤلاء الثلاثة كما قدَّمهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا في ذلك، ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد كلهم يصلح للخلافة وكلهم إمام، ونذهب إلى حديث ابن عمر (كنا نعدّ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيّ وأصحابه متوافرون أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان) . وبنحوه تمامًا عن علي بن المديني . وإن كان ورد عنه نفسه رحمه الله روايات ينص فيها على التربيع بعلي منها الرواية السابقة: (من لم يربِّع بعلي فهو أضل من حمار أهله). ومنها رواية الإصطخري حيث قال فيها: (وخير الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان) . ولذلك كانت خلاصة رأي الإمام أحمد رحمه الله في التفضيل - على ما يراه الخلال - هي من قوله: (من قال: أبو بكر وعمر وعثمان فقد أصاب. وهو الذي العمل عليه، ومن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فصحيح أيضًا جيد لا بأس به وبالله التوفيق) . قلت: لكنه ورد عنه رحمه الله تكذيبه لمن نسبه إلى التوقف عند عثمان فقال في رواية محمد بن عوف الحمصي: (وخير الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فقلت له يا أبا عبد الله، فإنهم يقولون: إنك وقفت على عثمان؟ فقال: كذبوا والله علي، إنما حدثتهم بحديث ابن عمر - وذكر الحديث - ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تخايروا بعد هؤلاء بين أحد، ليس لأحد في ذلك حجة، فمن وقف على عثمان ولم يربع بعلي فهو على غير السنة يا أبا جعفر) . فالحاصل أن من نص على التربيع على علي، ومن توقف عن التنصيص عند عثمان، كلهم لا يقدمون على علي بعد الثلاثة أحدًا، ولا يلزم من عدم التنصيص عليه بعد عثمان أنهم يقدمون عليه أحدًا، قال ابن تيمية: (فليس في أهل السنة من يقدم عليه - أي علي - أحدًا غير الثلاثة، بل يفضلونه على جمهور أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وعلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وما في أهل السنة من يقول: إن طلحة والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف أفضل منه، بل غاية ما يقولون السكوت عن التفضيل بين أهل الشورى) وقد حكى الحافظ ابن حجر الإجماع على أن ترتيب الخلفاء في الأفضلية كترتيبهم في الخلافة . لكن من قدم عليًا على عثمان هل هو مبتدع أم لا؟ وعلى هذا السؤال يجيب الخلال، فقد قال بعد ذكره لعدة روايات مسنده عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل فيمن قدم عليًا على عثمان قال: (فاستقر القول من أبي عبد الله أنه يكره هذا القول ولم يجزم في تبديعه، وإن قال قائل: هو مبتدع لم ينكر عليه وبالله التوفيق) . هذا وبعض أهل السنة قد خمَّس بالخلفاء الراشدين، ولكن اختلفوا في الخامس، فمنهم من جعله عمر بن عبد العزيز، وُروي ذلك عن سفيان الثوري وروي عن الشافعي أيضًا. ومنهم من جعله الحسن بن علي لخلافته التي مدتها ستة أشهر قبل الصلح، واستدلوا على ذلك بحديث سفينة السابق ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة...)) الحديث. وقد عدّوا هذه الأشهر الستة تمام الثلاثين سنة . وهذا القول أقوى من سابقه، لأن معاوية رضي الله عنه أفضل من عمر بن عبد العزيز ولم يُعَّد منهم، ويكفيه فضلاً صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكتابته الوحي بين يديه وغيرهما وإنما اشتهر فضل عمر بن عبد العزيز لأنه أتى بعد سنوات من الظلم والعَسْفِ، فرفع المظالم ورد الأمانات إلى أهلها. أما معاوية رضي الله عنه فقد جاء بعد أفضل الأمة بعد الأنبياء، وهم الخلفاء الأربعة الراشدون رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ومع ذلك فقد كان له من الفضل والأمانة وحسن سياسة الرعية ومحبتهم له الشيء الكثير، روى الأثرم بسنده إلى أبي هريرة المكتَّب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله فقال الأعمش: (فكيف لو أدركتم معاوية؟) قالوا في حلمه؟ قال: (لا والله بل في عدله) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة) . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث في فضله رضي الله عنه، هذا من ناحية الخلفاء، أما أفضل الصحابة عمومًا بعد الأربعة فهم بقية أهل الشورى. من السنة المفاضلة بين الخلفاء الراشدين قد يعترض معترض فيقول: الأولى أن نحبّ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جميعاً ولا نفاضل بينهم، ولهذا المعترض نقول: السنة المفاضلة بينهم على ما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وسار عليه السلف الصالح من تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين على سائر الصحابة، وقد سئل الإمام أحمد عن رجل يحب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يفضل بعضهم على بعض وهو يحبهم قال: (السنة أن يفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعلي من الخلفاء) . وإنما الذي ذموا التحدث فيه والتعرض له هو ما شجر بين الصحابة من قتال وفتن بعد مقتل الشهيد عثمان رضي الله عنه، ثم النزاع الذي حصل بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ومن معهما من الصحابة الفرع الرابع: المفاضلة بين جماعات الصحابة لقد دل كتاب الله على تفاضل جماعات الصحابة، فالله عز وجل فضل الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا على الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، والمقصود بالفتح صلح الحديبية . قال سبحانه: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [ الحديد: 10]. وفضل الله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على من دونهم، فقال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [ التوبة: 100]. |
وهذا نص على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كما يقول القرطبي . وقد اختلف في تعيين السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على أقوال : أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين. الثاني: أنهم أهل بيعة الرضوان. الثالث: أنهم أهل بدر. الرابع: أنهم جميع الصحابة بلا استثناء وأن الذين اتبعوهم بإحسان هم تابعوهم من غير الصحابة. هذه الأقوال المنقولة عن السلف من الصحابة والتابعين، وزاد المتأخرون قولين: أحدهما: أنهم السابقون بالموت والشهادة، قال ابن الجوزي: (ذكره الماوردي) . الثاني: أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة، قال ابن الجوزي: (ذكره القاضي أبو يعلى) . قال القرطبي: (واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم) . والذي أرى في اللفظ دلالة عليه أن المراد بالسابقين الأولين الذين سبقوا إلى الإسلام والهجرة والنصرة, وابتدروا ذلك قبل تمكن الإسلام وتتابع الناس عليه، ولا شك أن أول من يدخل في هؤلاء أوائل من أسلم من المهاجرين كالخلفاء الأربعة ومن الأنصار الذين أسلموا ليلتي العقبة. ولعل جميع من أسلم حتى غزوة الحديبية من السابقين الأولين . ذلك أن صلح الحديبية كان فتحاً للمسلمين، فقد نزل قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [ الفتح: 1]. في منصرفه صلى الله عليه وسلم من الحديبية . ولم يكن الصحابة يعدون الفتح إلا الحديبية كما قال البراء رضي الله عنه: (تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية) . وفي (مغازي الواقدي) عن أبي بكر وعمر أن كلاً منهما قال: (ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية) . فكان يوم الحديبية فتحاً للإسلام والمسلمين تتابع الناس بعده على الإسلام لما ترتب على الصلح من وقوع الأمن ورفع الحرب وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك كما وقع لخالد وعمرو وغيرهما، ولعله مما يقوي هذا الرأي تفسير جمع من أهل العلم الفتح بالحديبية في قوله: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا} فيستأنس بهذا التفضيل في الآية على أنه للسابقين الأولين، وتفسير العلماء للفتح بالحديبية على أن السابقين هم من أسلم قبل الحديبية. والله أعلم. ودل كتاب الله على تفضيل المهاجرين على الأنصار فقد قدم الله ذكرهم على ذكر الأنصار في كتابه، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [ الأنفال: 74]. فقدم ذكر الذين هاجروا على الذين آووا ونصروا. وقال سبحانه: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [ التوبة: 117]. فبدأ بذكر المهاجرين بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم بذكر الأنصار، وقال سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [ الحشر: 8-9]. فبدأ بذكر المهاجرين ثم الأنصار، وأفرد سبحانه ذكر المهاجرين في مواضع من كتابه كقوله: {فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [ آل عمران: 195]. وقال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [ التوبة: 20]. وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [ النحل: 41-42]. قال ابن تيمية رحمه الله في بيان أصول أهل السنة: (ويفضلون من أنفق من قبل الفتح – وهو صلح الحديبية – وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار) . وفي عقيدة الإمام أحمد أنه كان يقول: (أفضل الصحابة أهل بيعة الرضوان وخيرهم وأفضلهم أهل بدر، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وأعيانهم الأربعون أهل الدار، وخيرهم عشرة شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وهو عنهم راض, وأعيانهم أهل الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمسلمين, وأفضلهم الخلفاء الأربعة) . وقد صنف العلماء الصحابة في طبقات اختلفوا في عددها، قال السيوطي في (شرح التقريب) (واختلف في عدد طبقاتهم – (يعني الصحابة) – باعتبار السبق إلى الإسلام, أو الهجرة, أو شهود المشاهد الفاضلة، فجعلهم ابن سعد خمس طبقات, وجعلهم الحاكم اثنتي عشرة طبقة) . قال أحمد شاكر رحمه الله: (وزاد بعضهم أكثر من ذلك، والمشهور ما ذهب إليه الحاكم) . والمراتب التي جعلها الحاكم للصحابة هي: قوم أسلموا بمكة. أصحاب دار الندوة. المهاجرة إلى الحبشة. أصحاب بيعة العقبة الأولى. أصحاب بيعة العقبة الثانية. أول المهاجرين الذين وصلوا والنبي في قباء قبل أن يدخلوا المدينة ويبنى المسجد. أهل بدر. المهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية. أهل بيعة الرضوان. المهاجرة بين الحديبية والفتح. الذين أسلموا يوم الفتح. صبيان وأطفال رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها وعدادهم في الصحابة . ولعل المراتب السبع الأولى هي مراتب السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والله أعلم. أما الطبقات الخمس التي جعلها ابن سعد في كتابه للصحابة فالأمر فيها ما قاله أحمد شاكر: (لو كان المطبوع كاملا لاستخرجناها منه وذكرناها) . وأظن أن الطبقات التي جعلها ابن سعد هي الطبقات التي صنف عليها ابن الجوزي في كتابه (صفة الصفوة) من ترجم له من الصحابة، فإنه قال: (بدأت بذكر العشرة ثم ذكرت من بعدهم على ترتيب طبقاتهم) والطبقات التي ذكرها خمس هي: الطبقة الأولى على السابقة في الإسلام ممن شهد بدراً من المهاجرين والأنصار، وحلفائهم ومواليهم . من لم يشهد بدراً من المهاجرين والأنصار وله إسلام قديم . من شهد الخندق وما بعده . من أسلم عند الفتح وفيما بعد ذلك . الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أحداث الأسنان . وفي المطبوع من (طبقات ابن سعد) ذكر الطبقتين الأوليين على نفس الوصف الذي ذكره ابن الجوزي تماماً . والعلماء وإن أرادوا بهذا التقسيم معرفة الصحابة لا ذكر التفاضل إلا أنهم قد اعتبروا وجوه الفضل والتفاضل في التقسيم، والله أعلم. القسم الثاني: في ترتيب التفاضل بين جماعات الصحابة – رضي الله عنهم: وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: مذهب أهل السنة: ويرى أن أفضل جماعات الصحابة رضي الله عنهم: الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون بعدهم إلى تمام العشرة المبشرين بالجنة. ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. وممن ذكر ذلك أبو منصور البغدادي حيث قال في (أصول الدين): (أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم: الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون بعدهم إلى تمام العشرة وهم: طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهم. ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية) . كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره . جاء في عقيدة الإمام أحمد وعلي بن المديني اللتين رواهما اللالكائي بسنده عنهما أنه يلي الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان في الفضل بقية أصحاب الشورى الخمسة: علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وهما لا يقدمان على علي أحداً بعد الثلاثة بل قالا هذا موافقة لحديث ابن عمر كما تقدم بيانه. قال ابن تيمية رحمه الله: (ما في أهل السنة من يقول: إن طلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف أفضل منه (يعني من علي) – بل غاية ما يقولون السكوت عن التفضيل بين أهل الشورى وهؤلاء أهل الشورى عندهم أفضل السابقين الأولين والسابقون الأولون أفضل من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا) والحاصل أن بقية أصحاب الشورى الذين جعل عمر رضي الله عنه فيهم الأمر من بعده يختارون أحدهم أفضل الصحابة بعد علي رضي الله عنه عند أهل السنة والجماعة، وقال الإمام أحمد: (ثم من بعد أصحاب الشورى: أهل بدر من المهاجرين ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدر الهجرة والسابقة أولاً فأول) . وقد نقل جماعة من أهل العلم أن أفضل الصحابة بعد الأربعة بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم أصحاب الشورى المذكورون, وسعيد بن زيد, بن عمرو بن نفيل, وأبو عبيدة بن الجراح . ثم من بعد العشرة أهل بدر الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم: ((لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) . وفي لفظ: ((فقد وجبت لكم الجنة)) . وجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين – أو كلمة نحوها – قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة)) . ثم أهل أحد ثم أهل بيعة الرضوان الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [ الفتح: 10]. وقال فيهم: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [ الفتح: 18]. وقال فيهم صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها)) . وقد كانوا أكثر من ألف وأربعمائة صحابي كما في الصحيح . ذكر هذا الترتيب في الفضل بعد العشرة النووي . وابن الصلاح ، وابن كثير . وذكر السفاريني تقديم أهل بيعة الرضوان على أهل أحد بعد أهل بدر وقال: (هو الأصح)، وقال: (لأن الله تعالى قال في أهل بيعة الرضوان: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [ الفتح: 18]. وقال في أهل غزوة أحد: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [ آل عمران: 155]. وفي الآية الأخرى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ}[ آل عمران: 152]. فوصفهم في الموضعين بالعفو, ووصف أهل البيعة بالرضى, وهو أعلى وأسنى وأفضل من العفو) قال: (وهذا ظاهر والله تعالى أعلم) . |
قال بعض العلماء: أن أهل أحد مقدمون على أهل بيعة الرضوان، ومن المعلوم أن من الصحابة من كان من أهل بدر ومن العشرة ومن أهل بيعة الرضوان ومن أهل أحد يعني بعض الصحابة اجتمعت لهم الأوصاف الأربعة وبعضهم لا، إذا قلنا: إن أهل أحد مقدمون على أهل بيعة الرضوان، أيهم أكثر ؟ أهل بيعة الرضوان لأن أهل بيعة الرضوان ألف وأربعمائة وأهل أحد نحو سبعمائة نفر لكن أصابهم من البلاء والتمحيص والقتل ما لم يكن في بيعة الرضوان، لهذا رجَّح بعض العلماء أهل أحد على أهل بيعة الرضوان، ولكن الذي يظهر القول الأول: أن أهل بيعة الرضوان أفضل الفرع الخامس: المفاضلة بين الصحابيات لا ريب أن التفاضل كما أنه واقع بين الصحابة واقع بين الصحابيات أيضاً، ولقد ثبت في الكتاب والسنة تفضيل نساء النبي صلى الله عليه وسلم عامة, وخديجة وعائشة خاصة وابنته فاطمة رضي الله عنهن على جميع الصحابيات. قال تعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [ الأحزاب: 32]. فهذا في تفضيل نساء النبي صلى الله عليه وسلم عامة, وأنه لا يلحقهن في فضلهن إن اتقين الله أحد من النساء فهن أكرم على الله من غيرهن. وقال صلى الله عليه وسلم: ((خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة)) . فهذا في تفضيل خديجة رضي الله عنها. وقال صلى الله عليه وسلم: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة)) . وفي لفظ: ((أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة)) . وقد اشتهر الخلاف في خديجة وعائشة وفاطمة أيهن أفضل رضي الله عنهن، قال ابن تيمية: (أفضل نساء هذه الأمة خديجة وعائشة وفاطمة، و في تفضيل بعضهن على بعض نزاع وتفصيل) . وإذا نظرنا في النصوص الواردة في تفضيل كل واحدة منهم – رضي الله عنهن – وجدنا أن اللفظ الوارد في تفضيل خديجة وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((خير نسائها خديجة)) إنما يتضح تمام معناه بمعرفة الضمير على أي شيء يعود، وقد ورد ما يفسر ذلك صريحاً فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لقد فضلت خديجة على نساء أمتي)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((أفضل نساء أهل الجنة خديجة, وفاطمة, ومريم, وآسية)) . قال ابن حجر: (وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((حسبك من نساء العالمين: مريم ابنة عمران, وخديجة بنت خويلد, وفاطمة بنت محمد, وآسية امرأة فرعون)) . فهذا النص في خديجة رضي الله عنها أنها أفضل نساء الأمة. ثم إن اللفظ الوارد في تفضيل فاطمة رضي الله عنها وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة)) وفي لفظ: ((سيدة نساء أهل الجنة)) فهو صريح لا لبس فيه ولا يحتمل التأويل، وهو نص في أنها أفضل نساء الأمة, وسيدة نساء أهل الجنة، وقد شاركت أمها في هذا التفضيل, فهي وأمها أفضل نساء أهل الجنة، وهي وأمها أفضل نساء الأمة، بهذا وردت النصوص. وأما اللفظ الوارد في تفضيل عائشة رضي الله عنها وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام)) فهو لفظ لا يستلزم الأفضلية المطلقة كما يقول ابن حجر وقال رحمه الله: (وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة رضي الله عنها على غيرها، لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤنة وسهولة الإساغة، وكان أجل أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة فقد يكون مفضولاً بالنسبة لغيره من جهات أخرى) ومحصل القول في الحديث أنه دال على أفضلية عائشة إلا أنه لا يستلزم الأفضلية المطلقة, إذ هو مقيد بما ورد في خديجة وفاطمة رضي الله عنهما, فهو دال على تفضيل عائشة على النساء إلا خديجة وفاطمة. وأما حديث عمرو بن العاص لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب إليك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((عائشة)) فإن ابن حبان رحمه الله دلل على تقييده في نسائه صلى الله عليه وسلم فقد عقد عنواناً في (صحيحه) فقال: (ذكر خبر وهم في تأويله من لم يحكم صناعة الحديث) وأخرج تحته حديث عمرو بلفظ: ((قلت: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: إني لست أعني النساء إنما أعني الرجال، فقال: أبو بكر أو قال أبوها)) ثم قال ابن حبان: (ذكر الخبر الدال على أن مخرج هذا السؤال معا كان عن أهله دون سائر النساء في فاطمة وغيرها) وأخرج بسنده عن أنس قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة, قيل له: ليس عن أهلك نسأل، قال: فأبوها)) . ثم هو محمول على إرادة الأحياء من زوجاته الموجودات حين السؤال، ثم هو وإن دل على عموم تفضيلها رضي الله عنها إلا أنه مقيد بالنص في خديجة وفاطمة والله أعلم. فالنصوص دالة دلالة بينة لا تحتاج إلى تأويل على أن عائشة تلي خديجة وفاطمة في الفضل رضي الله عنهن، وعلى المخالف أن يأتي بالدليل على استثناء عائشة رضي الله عنها، من قوله صلى الله عليه وسلم في كل من خديجة وفاطمة أنها أفضل أهل الجنة وأنها سيدة نساء هذه الأمة. على أن لعائشة رضي الله عنها من الفضائل كالعلم مثلاً ما تختص به خديجة وفاطمة رضي الله عنهن، وفضائلها رضي الله عنها لا تحصر، إلا أن هذا على نحو ما تقرر من أنه لا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق. هذا، والنص لم يرد بتفضيل خديجة أو فاطمة على عائشة لفظاً كما ورد بتفضيل أبي بكر على عمر مثلاً, ولولا ما حدث من الكلام في هذا الأمر واشتهار الخلاف فيه حتى أنه قد أُلف فيه لكان الواجب الأخذ بالأصل وهو أن يسعنا ما ورد في الشرع من إقرار ما جاء من الفضل لخديجة، وما جاء منه لفاطمة، وما جاء منه لعائشة على نحو ما ورد في النصوص من غير تعرض للمفاضلة بينهن، فإن دعت حاجة شرعية لذكر المفاضلة بينهن ذكرت، والله أعلم. وقد قامت بعض الأدلة غير التي ذكرت على تفضيل خديجة على عائشة منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام وطعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني, وبشرها ببيت في الجنة من قصب, لا صخب فيه ولا نصب)) وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً: ((يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته, ترى ما لا أرى، تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . فالسلام لخديجة رضي الله عنها كان من الرب سبحانه ومن جبريل، ولعائشة رضي الله عنها من جبريل فقط . وفي المتفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت في خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم: ((ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين, هلكت في الدهر, فقد أبدلك الله خيراً منها)) . وورد في هذه القصة في غير الصحيحين بأسانيد حسان زيادة أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب حتى أقسمت عائشة ألا تذكر خديجة بعد ذلك إلا بخير , وفي رواية زيادة قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما أبدلني الله خيراً منها)) وذكره صلى الله عليه وسلم جملة من فضائلها . ولقد قالت عائشة رضي الله عنه: ((ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة, وما رأيتها ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صداق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت, وكان لي منها ولد)) . وقد قال ابن العربي في خديجة رضي الله عنها: (وهي أفضل نساء الأمة من غير خلاف) . قال ابن حجر: (رد بأن الخلاف ثابت قديماً وإن كان الراجح أفضلية خديجة) . وعائشة رضي الله عنها أفضل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة، لأنه لم يقيد من عموم تفضيلها على النساء إلا خديجة وفاطمة بالنص, ولقد ورد فيما لا يحصى من النصوص ما يدل على تفضيلها رضي الله عنها على بقية زوجاته صلى الله عليه وسلم، منها حديث: ((كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس: أن يهدوا إليه حيث كان، أو حيث دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها)) وفي رواية: ((أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله)) . وحديث: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: أين أنا غداً؟ حرصاً على بيت عائشة، قالت عائشة: فلما كان يومي سكن)) . وروى أن زياداً بعث إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بمال وفضل عائشة فجعل مبعوثه يعتذر إلى أم سلمة فقالت: ((يعتذر إلينا زياد فقد كان يفضلها من كان أعظم علينا تفضيلاً من زياد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . ثم زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أفضل نساء الأمة لقوله تعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} وإنما خصت فاطمة رضي الله عنها من عموم الآية بقوله صلى الله عليه وسلم فيها أنها سيدة نساء الأمة . وقد قيل إن الإجماع انعقد على أفضلية فاطمة . والحاصل أن فاطمة سيدة نساء هذه الأمة، ونساء النبي صلى الله عليه وسلم أفضل المؤمنات على الإطلاق وأفضلهن خديجة وقد شاركتها ابنتها فاطمة في كونهما أفضل نساء الأمة، ثم بعد خديجة عائشة ثم بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم بعد عائشة، هذا وفي حديث عائشة رضي الله عنها الطويل الذي فيه ما وقع لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيذاء والمتاعب لما خرجت من مكة بعد قدوم أبيها صلى الله عليه وسلم المدينة قال صلى الله عليه وسلم في زينب: ((هي أفضل بناتي، أصيبت في)) . وهذا يشكل ما ورد في فاطمة رضي الله عنها من التفضيل لأنه يدل على أن زينب أفضل من فاطمة رضي الله عنهما. وقد أجاب الطحاوي عن هذا الإشكال بأن ذلك كان متقدماً ثم وهب الله فاطمة من الفضائل والأحوال الشريفة ما لم يشاركها فيه أحد من نساء الأمة، قال: (وكانت – (يعني فاطمة) – قبل ذلك الوقت الذي استحقت زينب ما استحقت من الفضيلة صغيرة غير بالغة مما لا يجري لها ثواب بطاعتها, ولا عقاب بخلافها) . وذكر ابن حجر وجها آخر من الجواب وهو احتمال تقدير (من) فيكون المراد من أفضل بناتي .. المطلب الثالث: فضائل الخلفاء الأربعة الفرع الأول: فضل أبي بكر الصديق هو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة التيمي، أول الرجال إسلاماً، وأفضل الأمة على الإطلاق رضي الله عنه....... وأما فضله فقال تبارك وتعالى {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة:40]، وقال الله تبارك وتعالى {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر:33]، وقال {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل:17 – 21] حكى جماعة من المفسرين على أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه . وفي (الصحيحين) من حديث الهجرة الطويل: ((فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: هذا الطلب، قد لحقنا يا رسول الله، فقال: لا تحزن إن الله معنا)) . وفيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن أبي بكر رضي الله عنه قال: ((قلت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما)) . وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كنّا نخير بين الناس في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم)) . وفي لفظ قال: ((كنّا في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم)) . وفيهما واللفظ لمسلم عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنّهما سمعا أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينما رجلٌ يسوق بقرةً له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت: إنّي لم أخلق لهذا ولكنّي إنّما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله تعجباً وفزعاً أبقرة تكلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنّي أؤمن به وأبو بكر وعمر)) وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينما راعٍ في غنمه عدا عليها الذئب فأخذ منه شاة فطلبه الراعي حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري. فقال الناس: سبحان الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنّي أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر)) .، وفي رواية لهما: ((ومن ثم أبو بكر وعمر)) . ولمسلم ((وما هما ثم)) . وفي (صحيح البخاري) عن همام قال: سمعت عماراً يقول: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلاّ خمسة أعبُدٍ وامرأتان وأبو بكر)) . |
وفيه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ((كنت جالساً عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أمّا صاحبكم فقد غامر، فسلّم وقال: يا رسول الله إنّه كان بيني وبين ابن الخطاب شيءٌ فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثاً)، ثم إنّ عمر رضي الله عنه ندم فأتى منزل أبا بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسلّم عليه فجعل وجه النّبيّ صلى الله عليه وسلم يتمعّر حتى أشفق أبو بكر رضي الله عنه فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله والله أنا كنت أظلم. مرتين. فقال صلى الله عليه وسلم: إنّ الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين. فما أوذي بعدها – وفي رواية – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أنتم تاركو لي صاحبي، هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إنّي قلت يا أيّها الناس إنّي رسول الله إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت)) . قال أبو عبد الله - هو البخاري -: سبق بالخير. ولهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أنفق زوجين من شيءٍ من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنّة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصّدقة دعي من باب الصّدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان. فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة. وقال: هل يدعى منها كلها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر)) . وفيه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: ((أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب، فعدّ رجالاً)) . وفيه عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أيّ الناس خيرٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان فقلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلاّ رجلٌ من المسلمين . وفيه عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم . وفيهما عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أنّه توضّأ في بيته ثم خرج فقلت: لألزمنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأكوننّ معه يومي هذا، قال فجاء المسجد فسأل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: خرج ووجّه ههنا، فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب وبابها من جريد – حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فتوضّأ، فقمت إليه فإذا هو جالسٌ على بئر أريس وتوسّط قفّها وكشف عن ساقيه ودلاّهما في البئر فسلّمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت لأكوننّ بوّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشّره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشّرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في القف ودلّى رجليه في البئر كما صنع النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكفّ عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلانٍ خيراً – يريد أخاه – يأت به، فإذا إنسانٌ يحرّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّمت عليه فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: ائذن له وبشّره بالجنّة، فجئت فقلت له: ادخل وبشّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنّة، فدخل فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القفّ عن يساره ودلى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلانٍ خيراً يأت به، فجاء إنسانٌ يحرّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ائذن له وبشّره بالجنّة على بلوى تصيبه، فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنّة على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القفّ قد ملئ فجلس وجاهه من الشّقّ الآخر. قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم . وفيهما عن أنس رضي الله عنه أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: ((اثبت، فإنما عليك نبيٌّ وصدّيقٌ وشهيدان)) . وله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، ووافق ذلك عندي مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً. قال فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكلّ ما عنده فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيءٍ أبداً)) هذا حديث حسن صحيح . ولمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ((من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئٍ إلاّ دخل الجنّة)) . والأحاديث في الصديق كثيرة جداً، قد أفردت بالتصنيف، وفيما ذكر كفاية في التنبيه على ما وراءه، وما أحسن ما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: إذا تذكّرت شجواً من أخٍ ثقةٍ فاذكر أخاك أبا بكر بما فعـلا خير البريّة أوفاهـا وأعدلهـا بعـد النّبيّ وأولاها بما حمـلا والتالي الثاني المحمود مشهـده وأوّل النّاس منهم صدّق الرّسلا عاش حمـيـداً لأمر الله متّبعاً بأمر صاحبه الماضي وما انتقلا مواقفه العظيمة وأما ما منحه الله تعالى من المواقف العظيمة مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم من حين بعثته إلى أن توفاه الله عز وجل من نصرته والذب عنه والشفقة عليه والدعوة إلى ما دعا إليه وملازمته إياه ومواساته بنفسه وماله، وتقدمه معه في كل خير، فأمرٌ لا تدرك غايته، ثم لما توفى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم كان من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن ولاه أمرهم بعد نبيه، وجمعهم عليه بلطفه، فجمع الله به شمل العرب بعد شتاته، وقمع به كل عدوّ للدين ودمّر عليه وألف له الأمة وردّهم إليه، بعد أن ارتدّ أكثرهم عن دينه وانقلب الغالب منهم على أعقابهم كافرين. حتى قيل: لم يبق يصلى إلاّ في ثلاثة مساجد الحرمين الشريفين, ومسجد العلاء الحضرمي بالبحرين، فردّهم الله تعالى إلى الحق طوعاً وكرهاً وأطفأ به كل فتنة في أقل من ستة أشهر ولله الحمد والمنة. قال الله تبارك وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} [المائدة:54] الآيات. قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن البصري وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة . وذلك أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب، إلا أهل مكة والمدينة والبحرين من عبد القيس، ومنع بعضهم الزكاة. وهمّ أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم فكره ذلك أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقال عمر رضي الله عنه: ((كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم منّي ماله ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله عز وجل، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله لأقتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها)) . قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كرهت الصحابة رضي الله عنهم قتال مانعي الزكاة وقالوا أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بداً من الخروج في أثره . قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر رضي الله عنه، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردّة . وكان قد ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق: منهم بنو مذحجٍ ورئيسهم الخمار عبهلة بن كعب العنسي ويلقب بالأسود، وكان كاهناً مشعبذاً فتنبأ باليمن واستولى على بلاده، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم وعلى النّهوض لحرب الأسود فقتله فيروز الديلمي على فراشه قال رضي الله عنه: ((فأتى الخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم من السّماء في الليلة التي قتل فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: قتل الأسود البارحة قتله رجلٌ مبارك، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز)) . فبشّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود وقبض النّبيّ صلى الله عليه وسلم من الغد وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعد ما خرج أسامة وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضي الله عنه . والفرقة الثانية بنو حنيفة ورئيسهم مسيلمة الكذاب، وكان قد تنبّأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر وزعم أنّه اشترك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله: أما بعد فإنّ الأرض نصفها لي ونصفها لك وبعث إليه رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما)). ثم أجاب: ((من محمّدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى مسيلمة الكذاب: أمّا بعد فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين)) ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذّاب في جيشٍ كثير حتى أهلكه الله على يد وحشي غلام مطعم بن عديّ الذي قتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب شديدة، وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشرّ الناس في الإسلام . والفرقة الثالثة بنو أسد ورأسهم طليحة بن خويلد، وكان طليحة آخر من ارتدّ وادعى النبوّة في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأوّل من قوتل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الردّة، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد فهزمهم خالد بعد قتال شديد، وأفلت طليحة فمرّ على وجهه هارباً نحو الشام، ثم إنّه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه. وارتدّ بعد وفاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه خلق كثير حتى كفى الله المسلمين أمرهم، ونصر دينه على يدي أبي بكر رضي الله عنه، قالت عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله وارتدت العرب واشرأبّ النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال لهاضها ... وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في (سننه) وابن عساكر عن قتادة: قال الله تعالى هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ} [المائدة:54] وقد علم أنّه سيرتد مرتدّون من الناس، فلما قبض الله نبيّه صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الجواثي من عبد القيس. وقال الذين ارتدوا: نصلي الصلاة ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا. فكلم أبو بكر في ذلك ليتجاوز عنهم، وقيل له: إنّهم لو قد فقهوا أدوا الزكاة. فقال: والله لا أفرّق بين شيء جمعه الله عز وجل، ولو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث الله عصائب مع أبي بكر فقاتلوا حتى أقروا بالماعون وهو الزكاة . قال قتادة: فكنّا نتحدّث أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] إلى آخر الآية . ولا ينافي هذا ما ورد من أنّها نزلت في أهل اليمن كما أخرج ابن جرير عن شريح بن عبيد قال: لما أنزل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} [المائدة:54]. الآية، قال عمر رضي الله عنه: أنا وقومي يا رسول الله؟ قال: ((لا بل هذا وقومه)) يعني أبا موسى الأشعري . وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة في (مسنده) وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في (الدلائل) عن عياض الأشعري قال: ((لما نزلت {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] قال رسول الله: هم قوم هذا وأشار إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه)) . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم في (جمعه لحديث شعبة) والبيهقي وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ((تليت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] الآية فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: قومك يا أبا موسى الأشعري، أهل اليمن)) . وأخرج ابن أبي حاتم في (الكنى) والطبراني في (الأوسط) وأبو الشيخ وابن مردويه بسندٍ حسن عن جابر بن عبد الله قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] الآية فقال: هؤلاء قوم من أهل اليمن ثم كندة ثم السكون ثم تجيب)) . وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال: هم أهل القادسية . قلت: وكان غالب أهل القادسية من أهل اليمن، بل كانت بجيلة ربع الناس فضلاً عن غيره، وكان بأس الناس الذي هم فيه، كما رواه ابن إسحاق عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: وكان يمر عمرو بن معد يكرب الزبيدي فيقول: يا معشر المهاجرين كونوا أسوداً، فإنما الفارسي تيس . وقد قتل رضي الله عنه أسواراً فارس الفرس وأبلى بلاء حسناً، وكانت له اليد البيضاء يومئذ. وأخرج البخاري رحمه الله تعالى في (تاريخه) عن القاسم بن ينخسرة قال: أتيت ابن عمير فرحب بي ثم تلا {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] الآية ثم ضرب على منكبي وقال: أحلف بالله أنّه لمنكم أهل اليمن – ثلاثاً . وكلّ هذا لا ينافي ما قدمناه من نزولها في أبي بكر أولاً، فإن أهل اليمن لم يرتد جميع قبائلهم يومئذٍ، وإنّما ارتدّ كثيرٌ منهم مع الأسود وثبت كثيرٌ منهم على الإيمان مع معاذ بن جبل وأبي موسى وفيروز الديلمي وغيرهم من عمّال النبي صلى الله عليه وسلم ونشب بين مؤمنيهم وكافريهم قتال عظيم حتى قتل الله الأسود على يد فيروز وأيد الله الذين آمنوا منهم على عدوهم فأصبحوا ظاهرين، ولكن لم يرجع أمرهم على ما كانوا عليه قبل العنسي إلاّ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، فإنّه لم يزل يتابع الكتائب مدداً لمؤمنهم على كافرهم حتى راجعوا الإسلام وكانوا من أعظم أنصاره حتى صار رؤساء ردتهم كعمرو بن معد يكرب وقيس بن مكشوح وغيرهم من أعظم الناس وأشدهم بلاءً في أيام الردة والفتوح، فحينئذٍ عاد المعنى إلى أبي بكر وأصحابه وهم من أصحابه، وكل هذا في شأن السبب لنزول الآية، وإلا فهي عامة لكل مؤمن يحبّ الله ويحبه ويوالي فيه ويعادي فيه ولا يخاف في الله لومة لائم. وكان أبو بكر وأصحابه أسعد النّاس بذلك وأقدمهم فيه وأسبقهم إليه وأول من تناولته الآية، رضي الله عنه وأرضاه وعن أنصار الإسلام وحزبه أجمعين. وفي (الصحيحين) وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لمّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منّي ماله ونفسه إلا بحقّه وحسابه على الله عز وجل فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنّه الحق)) . وتفاصيل مواقفه العظام رضي الله عنه مشهورة مبسوطة في كتب السيرة وغيرها وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر، وكانت وفاته رضي الله عنه في يوم الإثنين عشية، وقيل: بعد المغرب ودفن من ليلته وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوماً، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان وقرئ على المسلمين فأقرّوا به وسمعوا له وأطاعوا. وكان عُمْر الصديق رضي الله عنه يوم توفي ثلاثاً وستين سنة السن الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمع الله بينهما في التربة كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه، ومن جميع أبواب الجنة دعاه، وقد فعل ولله الحمد والمنة. الفرع الثاني فضل: عمر بن الخطاب عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب العدوي ثاني الخلفاء وإمام الحنفاء بعد أبي بكر رضي الله عنهما وأوّل من تسمى أمير المؤمنين.... تقدمت إشارات النصوص النبوية وكثير من فضائله... التي شارك فيها أبا بكر. وفي (الصحيحين) عن جابر رضي الله عنه قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ((رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خشخشة فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك، فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار؟)) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأةٌ تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر، فذكرت غيرته فولّيت مدبراً. فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟)) . وعن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بينا أنا نائم إذ رأيت قدحاً أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى إنّي لأرى الريّ يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب. قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم)) . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((بينا أنا نائمٌ رأيت الناس عرضوا عليّ وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثّدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك. وعرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميصٌ يجتره. قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: الدين)) . وعن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: ((استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده نسوةٌ من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهنّ على صوته صلى الله عليه وسلم، فلمّا استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنّك يا رسول الله، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: عجبت من هؤلاء اللاتي كنّ عندي، فلمّا سمعن صوتك ابتدرن الحجاب. فقال عمر: فأنت أحقّ أن يهبن يا رسول الله. فقال عمر: يا عدوّات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلن: نعم أنت أفظّ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إيهاً يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّا قط إلا سلك فجّاً غير فجك)) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ((لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجالٌ يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمّتي منهم أحدٌ فعمر)) . |
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال: لما توفي عبد الله بن أبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه قميصه وأمره أن يكفنه فيه، ثم قام يصلّي عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال: تصلّي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ قال: إنّما خيرني الله – أو أخبرني الله – فقال {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم} [التوبة:80] فقال: سأزيده على سبعين. قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا معه ثم أنزل الله عليه {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة:84] . وفي (البخاري) عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه قال: ((لما مات عبد الله بن أبيّ ابن سلول دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلّ عليه، فلمّا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا، قال: اعدد عليه قوله. فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أخّر عنّي يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إنّي خيّرت فاخترت، لو أعلم أنّي إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها. قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة:84]. قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم)) . وفي (صحيح مسلم) من حديث ابن عباس رضي الله عنه في قصة أسارى بدر بطوله قال ابن عباس: ((فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: هم يا نبيّ الله بنو العمّ والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنّي أرى أن تضرب أعناقهم فتمكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان – نسيباً لعمر – فأضرب عنقه، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلمّا كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أيّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض عليّ في أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة – شجرة قريبة من نبيّ الله صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله عز وجل {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ – إلى قوله – فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا} [الأنفال:67 – 69] فأحل الله الغنيمة لهم)) . وفي (صحيح البخاري) عن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه: ((وافقت الله في ثلاث - أو وافقني الله في ثلاث - قلت: يا رسول الله لو اتّخذت من مقام إبراهيم مصلّى فأنزل الله تعالى {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125]، وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال وبلغني معاتبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهم قلت: إن انتهيتنّ أو ليبدلن الله رسوله صلى الله عليه وسلم خيراً منكن، حتى أتيت إحدى نسائه قالت: يا عمر ما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله تعالى {عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ} [التحريم:5])) . وعنه رضي الله عنه: ((أنّ رجلاً سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء، إلاّ أنّي أحبّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال: أنت مع من أحببت قال أنس: فما فرحنا بشيءٍ كما فرحنا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبّي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم)) . وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: ((ما رأيت أحداً قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين قبض كان أجدّ وأجود حتى انتهى من عمر بن الخطاب رضي الله عنه)) . وعن المسور بن مخرمة قال: لمّا طعن عمر رضي الله عنه جعل يألم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما وكأنه يجزعه: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذلك لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ. ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ. ثم صحبت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنّهم وهم عنك راضون. قال: أمّا ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه فإنّما ذاك من الله تعالى منّ به تعالى عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذلك من الله عز وجل ذكره منّ به عليّ. وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أنّ لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه . وفيهما عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: وضع عمر على سريره فتكنّفه الناس يدعون ويصلّون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلاّ رجل آخذ منكبي فإذا عليٌّ رضي الله عنه فترحّم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منك. وأيم الله إن كنت لأظنّ أن يجعلك الله تعالى مع صاحبيك، وحسبك إنّي كنت أسمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول كثيراً: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر. زاد مسلم في آخره أيضاً. فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله تعالى معهما . والأحاديث في فضله كثيرة جداً قد أفردت بالتصنيف، وفيما ذكرنا كفاية. قصة استشهاد الفاروق رضي الله عنه: وكان قصة استشهاده ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا أبو عوانة عن حصين عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف وقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حمّلتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمراً هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق. قالا: لا. فقال عمر: لئن سلّمني الله تعالى لأدعنّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً. قال فما أتت عليه رابعة حتى أصيب رضي الله عنه. قال إني لقائم ما بيني وبينه إلاّ عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان إذا مرّ بين الصّفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللاً تقدم فكبّر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع النّاس، فما هو إلا أن كبّر حتى سمعته يقول: قتلني – أو أكلني – الكلب حين طعنه، فطار العلج بسكّين ذات طرفين لا يمر على أحدٍ يميناً ولا شمالاً إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم سبعة، فلمّا رأى ذلك رجلٌ من المسلمين طرح عليه برنساً فلما ظنّ العلج أنّه مأخوذٌ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى وأما نواحي المسجد فلا يدرون غير أنّهم فقدوا صوت عمر رضي الله عنه وهم يقولون سبحان الله سبحان الله، فصلّى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاةً خفيفة، فلمّا انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني. فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة، فقال: الصّنع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجلٌ يدّعي الإسلام، فقد كنت أنت وأبوك تحبّان أن تكثر العلوج بالمدينة. وكان العباس أكثرهم رقيقاً. فقال: إن شئت فعلت، أي إن شئت قتلنا. قال: كذبت، بعدما تكلّموا بلسانكم، وصلّوا إلى قبلتكم، وحجّوا حجّكم؟ فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأنّ الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذٍ فشربه فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنّه ميّتٌ، فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجلٌ شابٌّ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدمٍ في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال: وددت أنّ ذلك كفاف، لا عليّ ولا لي. فلمّا أدبر إذا إزاره يمسّ الأرض، قال: ردوا عليّ الغلام، قال: ابن أخي ارفع ثوبك، إنّه أبقى لثوبك، وأتقى لربّك. يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدّين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فسل بني عديّ بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدّ عنّي هذا المال، وانطلق إلى عائشة فقل: يقرأ عليك عمر السلام – ولا تقل أمير المؤمنين فإنّي لست اليوم للمؤمنين أميراً – وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلّم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدةٌ تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنّ به اليوم على نفسي. فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحبّ يا أمير المؤمنين، أذنت. قال: الحمد لله. ما كان من شيءٍ أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلّم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردّتني ردّوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال فولجت داخلاً لهم فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر – أو الرهط – الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمّى عليّاً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن، وقال: ليشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيءٌ – كهيئة التعزية له – فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك، وإلاّ فليستعن به أيّكم ما أمّر، فإنّي لم أعزله عن عجزٍ ولا خيانة. وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأوّلين أن يعرف لهم حقّهم، ويحفظ لهم حرمتهم؛ وأوصيه بالأنصار خيراً الذين تبوّأوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم. وأوصيه بأهل الأمصار خيراً فإنّهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم. وأوصيه بالأعراب خيراً فإنّهم أصل العرب ومادّة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم وتردّ على فقرائهم. وأوصيه بذمّة الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم. فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي. فسلّم عبد الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب. قال: أدخلوه. فأدخل: فوضع هنالك مع صاحبيه. فلمّا فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثةٍ منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى عليٍّ، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان. وقال سعدٌ: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن: أيكما تبرّأ من هذا الأمر فلنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ والله على أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمّرتك لتعدلنّ، ولئن أمّرت عثمان لتسمعنّ ولتطيعنّ؟ ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك. فلمّا أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه وبايع له عليٌّ رضي الله عنه، وولج أهل الدار فبايعوه، رضي الله عنهم أجمعين . وكانت مدة خلافة الفاروق رضي الله عنه عشر سنين وستة أشهر، وكانت وفاته على المشهور لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وله من العمر ثلاث وستون سنة على الأشهر، وهي السن التي توفي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وبويع لعثمان في ثلاث من المحرم دخول سنة أربع وعشرين، وأوّل من بايعه عبد الرحمن بن عوف ثم علي بن أبي طالب ثم بقية أصحاب الشّورى ثم بقيّة أهل الدار ثم بقيّة المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين. الفرع الثالث: فضل عثمان بن عفان عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، من السّابقين الأوّلين إلى الإسلام بدعوة الصّدّيق إياه، وزوّجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية ابنته رضي الله عنها، وهاجر الهجرتين وهي معه، وتخلّف عن بدر لمرضها، وضرب له النّبيّ صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، وبعد وفاتها زوّجه النّبيّ صلى الله عليه وسلم أم كلثوم بمثل صداق رقية على مثل صحبتها وبذلك تسمى (ذو النورين) لأنّه تزوج ابنتي نبيٍّ واحدة بعد واحدة ولم يتفق ذلك لغيره رضي الله عنه. (ذو الحلم) التام الذي لم يدركه غيره (والحياء) الإيماني الذي يقول فيه النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ((الحياء شعبةٌ من الإيمان)) . وقال: ((وأصدقهم حياء عثمان)) , (بحر العلوم) الفهم التام في كتاب الله تعالى حتى إن كان ليقوم به في ركعة واحدة فلا يركع إلاّ في خاتمتها إلاّ ما كان من سجود القرآن. (جامع القرآن) لما خشي الاختلاف في القرآن والخصام فيه في أثناء خلافته رضي الله عنه فجمع الناس على قراءةٍ واحدةٍ وكتب المصحف على القراءة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر سني حياته. وكان سبب ذلك أنّ حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود وأبي الدرداء، وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بجواز القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره وربما خطّأه الآخر أو كفّره، فأدّى ذلك إلى خلاف شديد وانتشار الكلام السيّئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمّة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة فعند ذلك جمع الصحابة وشاورهم في ذلك ورأى أن يكتب المصحف على حرفٍ واحدٍ وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه لما رأى في ذلك من مصلحة كفّ المنازعة ودفع الاختلاف فاستدعى بالصحف التي كان أمر زيد بن ثابت بجمعها فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين. فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيءٍ أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب لأهل الشام مصحفاً، ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفاً، وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكّة مصحفاً، وإلى اليمن مثله، وأقر بالمدينة مصحفاً، ويقال لهذه المصاحف (الأئمة)، ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه لئلا يقع بسببه اختلاف. وروى أبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي داود السجستاني عن سويد بن غفلة قال: قال لي عليٌّ رضي الله عنه حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته . وروى البيهقي عنه رضي الله عنه قال: قال عليّ رضي الله عنه: أيّها النّاس إيّاكم والغلو في عثمان تقولون حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو وليت مثل ما ولي لفعلت مثل الذي فعل . (منه استحت ملائك الرّحمن) كما في (الصحيح) عن عطاءٍ وسليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدّث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدّث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوّى ثيابه. قال محمد - يعني ابن أبي حرملة الراوي عنهم -: ولا أقول ذلك في يومٍ واحدٍ فدخل فتحدّث، فلمّا خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتشّ له ودخل عمر ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسوّيت ثيابك. فقال: ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة)) . وعن سعيد بن العاص أنّ عائشة رضي الله عنها وعثمان رضي الله عنه حدثاه: ((أنّ أبا بكر رضي الله عنه استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى حاجته ثم انصرف، قال عثمان ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. فقالت عائشة: يا رسول الله مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ عثمان رجلٌ حيي وإنّي خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إليّ في حاجته)) . (بايع عنه) حين ذهب لمكة في حاجة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين (سيد الأكوان) محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم (بكفه) ضرب بها على الأخرى وقال: هذه لعثمان (في بيعة الرضوان) لما غاب عنها فيما ذكرنا، وكان انحباسه بمكة هو سبب البيعة كما قال محمد بن إسحاق بن يسار في (السيرة)، ((ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إلى مكّة ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكّة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها وغلظي عليها، ولكني أدلّك على رجلٍ أعزّ بها مني، عثمان بن عفان رضي الله عنه، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب، وأنّه إنّما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته. فخرج عثمان رضي الله عنه إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان رضي الله عنه حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به فقال لعثمان رضي الله عنه حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم. واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أنّ عثمان رضي الله عنه قد قتل، قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أنّ عثمان رضي الله عنه قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم . ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وكان جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: إنّ رسول الله لم يبايعهم على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر . فبايع النّاس ولم يتخلّف أحدٌ من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة فكان جابر رضي الله عنه يقول: والله لكأنّي أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته قد مال إليها يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الذي كان من أمر عثمان باطل)) . وفي (الصحيح) عن عثمان بن موهب قال: ((جاء رجلٌ من أهل مصر حجّ البيت فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر، إنّي سائلك عن شيءٍ فحدّثني عنه، هل تعلم أنّ عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بيعة الرضوان، فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبيّن لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أنّ الله عفا عنه وغفر له. وأمّا تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ لك أجر رجلٍ ممن شهد بدراً وسهمه. وأمّا تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحدٌ أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. فقال له ابن عمر رضي الله عنه: اذهب بها الآن معك)) . وفي (الصحيح) عن عروة أنّ عبد الله بن عدي بن الخيار أخبره أنّ المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ((ما منعك أن تكلم عثمان لأخيك الوليد فقد أكثر الناس فيه، فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إنّ لي إليك حاجة وهي نصيحةٌ لك. قال: يا أيّها المرء أعوذ بالله منك، فانصرفت فرجعت إليهم إذ جاء رسول عثمان، فأتيته فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إنّ الله سبحانه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممّن استجاب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت هديه. وقد أكثر الناس في شأن الوليد. قال: أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا، ولكن خلص إليّ من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها. قال: أمّا بعد فإنّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحقّ فكنت ممّن استجاب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وآمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين – كما قلت – وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعته، فوالله ما عصيته، ولا غششته، حتى توفّاه الله عز وجل ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسآخذ فيه بالحقّ إن شاء الله. ثم دعا عليّاً فأمره أن يجلده، فجلده ثمانين)) . وفي (المسند) و(السنن) عن عمرو بن جاوان قال: قال الأحنف: ((انطلقنا حجاجاً فمررنا بالمدينة، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آتٍ فقال: الناس في المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفرٍ في المسجد، قال فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا عليٌّ بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، قال فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي. فقال: ههنا علي؟ قالوا: نعم، قال: ههنا الزبير؟ قالوا: نعم. قال: ههنا طلحة؟ قالوا: نعم. قال: ههنا سعد بن أبي وقاص؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له)) فابتعته، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني قد ابتعته، فقال: ((اجعله في مسجدنا وأجره لك))؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من يبتاع بئر رومة)) فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنّي قد ابتعتها – يعني بئر رومة – قال: ((اجعلها سقايةً للمسلمين، ولك أجرها))؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: ((من يجهّز هؤلاء غفر الله له)) فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاماً ولا عقالاً؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم انصرف رضي الله عنه)) . وروى أحمد والترمذي والنسائي عن ثمامة بن حزن القشيري قال: ((شهدت الدار يوم أصيب عثمان، فاطلع عليه اطلاعة، فقال: ادعوا لي صاحبيكم اللذين ألّباكم عليّ، فدعيا له، فقال: أنشدكما الله، تعلمان أّنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله فقال: من يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون كالمسلمين وله خيرٌ منها في الجنة فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين، وأنتم تمنعوني أن أصلّي فيها ركعتين. ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يكن فيها غير بئر يستعذب منه إلا بئر رومة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين وله خير منها في الجنّة فاشتريتها من خالص مالي، وأنتم تمنعوني أن أشرب منها. ثم قال: هل تعلمون أنّي صاحب جيش العسرة؟ قالوا: اللهم نعم)). وقال الترمذي حسن . وله عن عبد الرحمن بن سمرة قال: ((جاء عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف دينار في كمّه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، فقال عبد الرحمن: فرأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول: ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم – مرّتين-)) حسّنه الترمذي . وروى الإمام أحمد وأصحاب (السنن) عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة توعدهم إيّاه بالقتل، قال: ((ولم يقتلونني؟ فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجلٌ كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس. فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت بدلاً بديني منذ هداني الله له، ولا قتلت نفساً. فبم يقتلونني)) . وروى الإمام أحمد وغيره عن النعمان بن بشير عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأينا إقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان أقبلت إحدانا على الأخرى، فكان من آخر كلمةٍ أن ضرب على منكبه وقال: يا عثمان، إنّ الله تعالى عسى أن يلبسـك قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني - ثلاثاً-)) . |
وروى أحمد والتّرمذي وقال: حسن غريب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنةً فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذٍ مظلوماً فنظرنا فإذا هو عثمان بن عفان)) . وروى أحمد بإسنادٍ جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنّكم تلقون بعدي فتنةً واختلافاً أو قال اختلافاً وفتنة - فقال قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان بذلك)) . وله عن مرة البهزي قال: ((بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة قال: كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنّها صياصي البقر قالوا: نصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: عليكم هذا وأصحابه، أو اتبعوا هذا وأصحابه قال: فأسرعت حتى عييت، فأدركت الرجل فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا، فإذا هو عثمان بن عفان، فقال هذا وأصحابه يذكره)) . وروى الترمذي في (جامعه) عنه رضي الله عنه قال لولا حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تكلّمت ((وذكر الفتن فقربها، فمرّ رجلٌ متقنع في ثوب فقال: هذا يومئذٍ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان. فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: نعم)) ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ... وروى أحمد وابن ماجه وغيرهما عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: ((ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنةً فقرّبها وعظّمها، قال: ثم مرّ رجلٌ مقنع في ملحفة فقال: هذا يومئذ على الحقّ. قال فانطلقت مسرعاً – أو محضراً – وأخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا)) . وروى أبو داود الطيالسي بإسنادٍ رجاله ثقات عن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تهجمون على رجلٍ معتجر ببردة من أهل الجنّة يبايع الناس، قال: فهجمنا على عثمان بن عفان معتجراً يبايع الناس)) . وقد تقدم من الأحاديث التي تشير إلى خلافته وأشياء من فضائله مع ذكر صاحبيه رضي الله عنهما، وفي فضائله منفرداً ومع غيره من السابقين أحاديث كثيرة، وفيما أشرنا إليه كفاية. وكان الاعتداء على حياته رضي الله عنه يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على الصحيح المشهور، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً، لأنه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع وعشرين. وأما عمره رضي الله عنه فإنه قد جاوز ثنتين وثمانين سنة. والله أعلم. الفرع الرابع: فضل علي بن أبي طالب (والرابـع) في الخلافة والفضل (ابن عم) محمد صلى الله عليه وسلم (خير الرسل) أكرمهم على الله عز وجل (أعني) بذلك (الإمام الحق) بالإجماع بلا مدافعة ولا ممانعة... وهو أمير المؤمنين وأبو السبطين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم رضي الله عنه وأرضاه. ((كان أبو طالب عم النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخاً شقيقاً لأبيه عبد الله وأمه فاطمة بنت عمرو، كفل أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، ولما بعث آواه الله تعالى به وحماه، وهو مع ذلك على دين قومه، ولله في ذلك حكمة، وقد حرص النّبيّ صلى الله عليه وسلم على هداية عمّه كل الحرص، ولم يكن ذلك حتى خرجت روحه وهو يقول: على ملّة عبد المطلب، وأنزل الله تعالى في ذلك تعزية لنبيه صلى الله عليه وسلم {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} [القصص:56] وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ((لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)) فنهاه الله تعالى عن الاستغفار له بقوله عز وجل {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة:113])) . الآيات. وفي (صحيح مسلم): ((عن العباس بن عبد المطلب أنّه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيءٍ فإنّه كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم، هو في ضحضاح من نارٍ، ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار)) ، وفي لفظ: ((وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاحٍ)) . وفيه عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: ((لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاحٍ من نارٍ يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)) . وفيه عن ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعلٌ بنعلين يغلي منهما دماغه)) . وكفل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه وهو صغير، فلما بعث آمن به وهو ابن ثمان سنين، وهو أول من آمن من الصبيان، كما أنّ أبا بكر أول من آمن به من الرجال، وخديجة رضي الله عنها أول من آمن به من النساء، وورقة بن نوفل رضي الله عنه أول من آمن به من الشيوخ، وزيدٌ بن حارثة رضي الله عنه أول من آمن به من الموالي، وبلال رضي الله عنه أوّل من آمن به من الأرقاء صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين. وكان عليٌّ صاحب دعوة قريش حين نزلـت على الرسول صلــى الله عليه وسلم {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] فأمر عليّاً أن يدعوهم له فيجتمعون للنذارة. وهو الذي فاداه بنفسه فنام على فراشه ليلة مكر المشركين ... وهو الذي أدى الأمانات عنه بعدها. وهو الذي برز مع حمزة وعبيدة لخصمائهم يوم بدر وكان يقول: أنا أوّل من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة . وشهد مع الرّسول صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها إلا تبوك ... وهو صاحب عمرو بن ود وخيله يوم الخندق، وفتح الله على يديه يوم خيبر بعد قتله فارسهم مرحب. وكان مع حماة النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. وكان صاحب النداء بسورة براءة تبليغاً عن الرّسول صلى الله عليه وسلم في الموسم، وشريكه في هديه في حجة الوداع، وخليفته في أهله في غزوة تبوك، وصاحب تجهيزه حين توفي مع جماعة من أهل البيت رضي الله عنهم. وقد ثبت له في الأحاديث الصحاح والحسان من الفضائل الجمة ما فيه كفاية وغنية عن تلفيق الرافضة وخرطهم وكذبهم عليه وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقولهم عليه ما لم يقل قبّحهم الله. (مبيد) أي مدمر (كل خارجي) نسبة إلى الخروج من الطاعة، ولكن صار هذا الاسم علماً على الحرورية الذين كفروا أهل القبلة والمعاصي وحكموا بتخليدهم في النار بذلك، واستحلّوا دماءهم وأموالهم، حتى الصحابة من السابقين الأولين من أهل بدر وغيرهم، حتى علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وخباب وأقرانهم رضي الله عنهم، ثم صار هذا الاسم عاماً لكل من اتبع مذهبهم الفاسد وسلك طريقتهم الخائبة. وكل ذنب يكفرون به المؤمنين فهو تكفير لأنفسهم من وجوه عديدة وهم لا يشعرون: فمنها: أن تكفير المؤمن إن لم يكن كذلك كفر فاعله كما في الحديث: ((أيّما امرئٍ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه)) . ومنها: أنّ من أكبر الكبائر التي يكفرون بها المؤمنين قتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وهم أسرع الناس في ذلك يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان. ومنها: أنّ المؤمن وإن عمل المعاصي فهو لا يستحلها وإنّما يقع فيها لغلبة نفسه إياه وتسويل شيطانه له وهو مقر بتحريمها وبما يترتب عليه من الحدود الشرعية فيما ارتكبه، وهم يقتلون النفس التي حرّم الله قتلها إلاّ بالحق، ويأخذون الأموال التي حرّم الله أخذها إلا بالحق، ويفعلون الأفاعيل القبيحة مستحلّين لها، والذي يعمل الكبيرة مستحلاًّ لها أولى بالكفر ممن يعملها مقراً بتحريمها بل لا مخالف في ذلك إذ هو تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله تعالى به رسله عليهم السلام، وإنّما توقّف الصحابة عن تكفير أهل النهروان لأنّهم كانوا يتأوّلون فحكموا أنّهم بغاة... في (الصحيح) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((أتى رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة منصرفة من حنين، وفي ثوب بلال فضّة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطي الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال: ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدّث الناس أنّي أقتل أصحابي، إنّ هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية)) . وفيه: عن أبي سعيد في قصة الذُّهَيْبَة: ((فجاء رجلٌ كثّ اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرّأس فقال: اتّق الله يا محمد، قال فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يطع الله إن عصيته؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ قال ثم أدبر الرجل فاستأذن رجلٌ من القوم في قتله - يرون أنّه خالد بن الوليد - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ من ضئضئ هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرميّة، لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد)) . وفي لفظٍ ((ثمود)) . وفي لفظ ((فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإنّ له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيّه فلا يوجد فيه شيء وهو القدح، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيءٌ، سبق الفرث والدم، آيتهم رجلٌ أسودٌ إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقةٍ من الناس. قال أبو سعيد: فأشهد أنّي سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد، فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت)) . وفيه: عنه رضي الله عنه أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوماً يكونون في أمّته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق قال: ((هم شرّ الخلق، أو من أشر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق قال فضرب النّبيّ صلى الله عليه وسلم لهم مثلاً – أو قال قولاً – الرجل يرمي الرمية أو قال الفوق فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في النضيّ فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة. قال قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق)) . وفيه عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تمرق مارقةٌ عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطّائفتين بالحق)) . وفي روايــة: ((يكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحقّ)) . وفي لفظٍ قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((تمرق مارقةٌ في فرقة من الناس، فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق)) . وفي رواية: ((يخرجون على فرقة مختلفة، يقتلهم أقرب الطّائفتين من الحق)) . وفيه: عن سويد بن غفلة قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: ((إذا حدّثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أن أقول عليه ما لم يقل، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإنّ الحرب خدعة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرميّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة)) . وفيه: عن عبيدة عنه رضي الله عنه قال: ((ذكر الخوارج فقال: فيهم رجلٌ مخدّج اليد - أو مودن اليد، أو مودون اليد - لولا أن تطروا لحدّثتكم بما وعد الله تعالى الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. قال قلت: أنت سمعت من محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: إي وربّ الكعبة، إي وربّ الكعبة، إي وربّ الكعبة)) . وفيه: عن زيد بن وهب الجهني أنّه كان في الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه الذين ساروا إلى الخوارج، فقال عليٌّ رضي الله عنه: أيّها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يخرج قومٌ من أمّتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيءٍ، ولا صلاتكم إلا صلاتهم بشيءٍ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيءٍ، يقرأون القرآن يحسبونه أنّه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيّهم صلى الله عليه وسلم لاتكلوا عن العمل، وآية ذلك أنّ فيهم رجلاً له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهلّ الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ والله إنّي لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنّهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله، قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيدٌ بن وهب منزلاً حتى مررنا على قنطرة فلمّا التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا الرّماح وسلّوا سيوفكم من جفونها فإنّي أخاف أن يناشدونكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحّشوا برماحهم وسلّوا السّيوف وشجرهم النّاس برماحهم، قال وقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذٍ إلا رجلان. قال عليٌّ رضي الله عنه: التمسوا فيهم المخدج فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي رضي الله عنه نفسه حتى أتى ناساً قد قتل بعضهم على بعض قال أخّروهم، فوجدوه مما يلي الأرض فكبّر ثم قال: صدق الله وبلّغ رسوله، قال فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين، الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو. حتى استحلفه ثلاثاً وهو يحلف له)) . وفيه: عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أنّ الحرورية لما خرجت وهو مع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قالوا: لا حكم إلا لله، قال علي: كلمة حقٍّ أريد بها باطلٌ. إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لنا وإنّي لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون بألسنتهم ولا يجوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي. فلما قتلهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذّبت – مرتين أو ثلاثاً – ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي رضي الله عنه فيهم)) . وفيه: عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ بعدي من أمّتي قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدّين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه، هم شرّ الخلق والخليقة)) . ومثله عن رافع بن عمر الغفاري رضي الله عنه. وفي (سنن أبي داود) عن أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سيكون في أمّتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدّين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شرّ الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيءٍ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التحليق)) . وله عن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأنيموهم)) . قال أبو داود: التسبيد استئصال الشعر. والأحاديث في ذم الخوارج والأمر بقتالهم والثناء على مقاتليهم كثيرة جداً وفيما ذكرنا كفاية. (و) مبيد (كل خبٍّ رافضي فاسق) الخب الخدّاع الخائن، والرافضيّ نسبة إلى الرّفض وهو التّرك بازدراءٍ واستهانة، سمّوا بذلك لرفضهم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وزعموا أنّهما ظلموا عليّاً واغتصبوه الخلافة ومنعوا فاطمة رضي الله عنها فدك، وبذلك يحطون عليهما ثم على عائشة ثم على غيرها من الصحابة. وهم أقسام كثيرة لا كثّرهم الله تعالى، أعظمهم غلوّاً وأسوأهم قولاً وأخبثهم اعتقاداً بل وأخبث من اليهود والنصارى هم السّبئية أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي قبّحه الله، كانوا يعتقدون في عليٍّ رضي الله عنه الإلهية كما يعتقد النّصارى في عيسى عليه السلام، وهم الذين أحرقهم علي رضي الله عنه بالنّار، وأنكر ذلك عليه ابن عباس كما في (صحيح البخاري) و(المسند) و(أبي داود) و(الترمذي) و(النّسائي) عن عكرمة رضي الله عنه قال: أتي عليٌّ رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تعذّبوا بعذاب الله)) ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من بدّل دينه فاقتلوه)) . حكي عن أبي المظفر الإسفراييني في (الملل والنحل): أنّ الذين أحرقهم علي رضي الله عنه طائفةً من الروافض ادّعوا فيه الإلهية وهم السبئية وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديّاً ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة. وتفصيل ذلك ما ذكره في (الفتح) من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعليٍّ رضي الله عنه إنّ هنا قوماً على باب المسجد يزعمون أنّك ربّهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربّنا وخالقنا ورازقنا، قال: ويلكم إنّما أنا عبدٌ مثلكم آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتّقوا الله وارجعوا، فأبوا. فلمّا كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال أدخلهم فقالوا كذلك، فلمّا كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنّكم بأخبث قتلة فأبوا إلا ذلك، فأمر عليٌّ رضي الله عنه أن يخدّ لهم أخدود بين المسجد والقصر، وأمر بالحطب أن يطرح في الأخدود ويضرم بالنّار ثم قال لهم: إنّي طارحكم فيها أو ترجعوا. فأبو أن يرجعوا، فقذف بهم حتى إذا احترقوا قال: إنّي إذا رأيت أمراً منكراً أوقدت ناري ودعوت قنبرا قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح .......من صار (للرسول) صلى الله عليه وسلم في منزلة (هارون من موسى) عليهما السلام في الاستخلاف، فموسى استخلف هارون في مدة الميعاد، ومحمد صلى الله عليه وسلم استخلف عليّاً في غزوة تبوك، ففي (الصّحيحين) عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه ((أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى)) . وفيها من رواية مصعب بن سعد عن أبيه ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليّاً رضي الله عنه، فقال: أتخلفني في الصّبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي)) . هذا الاستثناء يزيل الإشكال من الرواية الأولى ويخصص عموم المنزلة بخصوص الأخوّة والاستخلاف في أهله فقط لا في النبوة كمشاركة هارون لموسى فيها إذ يقول الله تعالى لموسى {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه:31-32]، وقال لهما: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:16].....وفي (الصّحيحين) في تفسير قول الله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج:19] عن قيس بن عدي عن أبي ذر رضي الله عنه إنّه كان يقسم فيها أنّ هذه الآية نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه، برزوا في يوم بدر . وفيهما عنه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرّحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج:19] قال: هم الذين بارزوا يوم بدرٍ علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة . وفيهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: ((لأعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّهم يرجو أن يعطاها فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه. فأتى به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأنّ لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الرّاية فقال عليٌّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال عليه الصلاة والسلام: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن تكون لك حمر النّعم)) . وعن سلمة بن الأكوع نحوه مختصراً، ونحوه عند مسلم أيضاً. وفيهما عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: ((أنّ رجلاً جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلان لأمير المدينة يدعو علياً عند المنبر. قال: ماذا يقول له؟ قال: يقول أبو تراب؟ فضحك وقال: والله ما سمّاه إلاّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وما كان له اسم أحب إليه منه، فاستطعمت الحديث سهلاً وقلت: يا أبا العباس كيف؟ قال:دخل عليٌّ رضي الله عنه على فاطمة، ثم خرج فاضطجع في المسجد، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أين ابن عمك؟ قالت: في المسجد فخرج فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، وخلص إلى ظهره، فجعل يمسح التّراب عن ظهره، فيقول: اجلس يا أبا تراب مرتين)) . وفي رواية مسلم عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال استعمل على المدينة رجلٌ من آل مروان، قال فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليّاً فأبى سهل فقال له أمّا إذا أبيت فقل لعن الله أبا تراب، فقال سهل: ما كان لعليٍّ اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي به. فقال له أخبرنا عن قصّته أسمى أبا تراب فذكره . وفي (صحيح البخاري) عن سعيد بن عبيدة قال جاء رجلٌ إلى ابن عمر رضي الله عنهما فسأله عن عثمان، فذكر من محاسن عمله وقال لعل ذلك يسوؤك؟ قال: نعم. قال فأرغم الله بأنفك. ثم سأله عن عليٍّ فذكر محاسن عمله وقال هو ذاك بيته أوسط بيوت النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك. انطلق وأجهد على جهدك . وفيهما عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا عليّ رضي الله عنه: ((أنّ فاطمة عليها السلام شكت ما تلقى من أثر الرحى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم سبيٌ، فانطلقت فلم تجده فوجدت عائشة فأخبرتها، فلمّا جاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلينا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت لأقوم، فقال: على مكانكما. فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري وقال: ألا أعلّمكما خيراً مما سألتماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما؟ تكبّران أربعاً وثلاثين وتسبّحان ثلاثاً وثلاثين وتحمدان ثلاثاً وثلاثين فهو خيرٌ لكما من خادم)) . وفي (البخاري) عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي رضي الله عنه قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإنّي أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي. فكان ابن سيرين يرى أنّ عامة ما يروى عن عليٍّ رضي الله عنه الكذب . قلت: وأكثر ما يكذب على عليّ رضي الله عنه الرّافضة الذين يدعون مشايعته ونشر فضائله ومثالب غيره من الصحابة، فيسندون ذلك إليه رضي الله عنه وهو بريء منهم، وهم أعدى عدوٍّ له. وفي (الصحيحين) من طرق عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكذبوا عليّ فإنه من كذب عليّ فليلج النار)) . وفي فضائله رضي الله عنه من الأحاديث الصحاح والحسان ما يغني عن أكاذيب الرافضة، وهم يجهلون غالب ما له من الفضائل فيها. وفي (صحيح مسلم) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنه قال: ((أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت فثلاث قالهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن تكون لي واحدة منهمّ أحب إليّ من حمر النّعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وقد خلّفه في مغازيه فقال له عليٌّ رضي الله عنه: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبوة بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، قال فتطاولنا لها قال ادعوا لي عليّاً، فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ليلة فتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ} [آل عمران:61] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهمّ هؤلاء أهلي)) . وفي (صحيح مسلم) عن زر قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: ((والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق)) . والأحاديث في فضله كثيرة جداً... والحديث في الإشارة إلى خلافته رضي الله عنه في رؤيا الرجل الصالح الدلو التي شرب منها أبو بكر وعمر وعثمان. ثم جاء علي وأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء ، وكان تأويل ذلك ما أصابه رضي الله عنه من اختلاف الناس عليه والفتن الهائلة والدماء المهرقة والأمور الصعاب والأسلحة المسلولة بين المسلمين بسبب السّبئية ومن وافقهم من أهل الأمصار على قتل عثمان، وكان غالبهم منافقين، وقليلٌ منهم من أبناء الصحابة مغرورون، فحصل من ذلك في يوم الجمل وصفين وغيرهما وقائع يطول ذكرها. ... وكان رضي الله عنه أيام خلافته على طريق الحق والاستقامة والتمسك بكتاب الله وهدي محمد صلى الله عليه وسلم مجتهداً في جمع شمل الأمّة وإطفاء الفتن والتذفيف على أهل البدع حتى اعتدى على حياته رضي الله عنه الشَّقي ابن ملجم الخارجيّ قبّحه الله وقد فعل، وذلك يوم الجمعة في وقت الفجر وهو يقول: الصّلاة الصّلاة، فمكث يوم الجمعة ليلة السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة 597هـ، فكانت مدة خلافته أربع سنين وتسعة أشهر إلا ليال، وهو يومئذ أفضل من على وجه الأرض بالإجماع. وذلك مصداق ما روى الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما عن سفينة أبي عبد الرحمن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الخلافة ثلاثون سنةً، ثم تكون بعد ذلك ملكاً)) قال سفينة: فخذ سنتي أبي بكر وعشر عمر واثنتي عشرة عثمان وست علي رضي الله عنهم أجمعين . قلت: سفينة رضي الله عنه حذف الزائد والناقص على السنين من الأشهر على ما جرت به عادات العرب في حذف الكسور في الحساب، وعلى ما قدّمنا ضبطه فأيام كلٍّ منهم لا تكمل ثلاثين إّلا بخلافة الحسن بن علي رضي الله عنه، وهي ستّة أشهر، ثم أصلح الله به الفئتين من المسلمين كما أخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وولّي معاوية بذلك واجتمع الناس عليه وكان ذلك العام يسمى (عام الجماعة) وكان معاوية رضي الله عنه أوّل ملوك الإسلام وخيرهم، وروى الإمام أحمد عن عليّ رضي الله عنه قال: سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلّى أبو بكر، وثلّث عمر، ثم خبطتنا بعده فتنة فهو ما شاء الله . وفي رواية: يقضي الله فيها ما شاء . وله عنه رضي الله عنه قال: ليحبني قوم حتّى يدخلوا النار في حبّي، وليبغضني قومٌ حتى يدخلوا النّار في بغضي ... وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: لا أعلم أحداً يحفظ من الفضائل في الأحاديث الصحاح ما يُحفظ لعليٍّ رضي الله عنه وعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين. الفرع الخامس: فضائل باقي العشرة المبشرين بالجنة أولا: فضل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي (يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب ومع أبي بكر الصديق في تيم بن مرة وعدد ما بينهم من الآباء سواء) وأمه -رضي الله عنه- الصعبة بنت الحضرمي امرأة من أهل اليمن وهي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت ولها صحبة وظفرت بشرف الهجرة وطلحة -رضي الله عنه- أحد العشرة الذين بشروا بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان -رضي الله عنه- عند وقعة بدر قد وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعيد بن زيد يتجسسان خبر العير قبل خروجه عليه الصلاة والسلام إلى بدر فلم يرجعا إلا وقد فرغ من موقعة بدر وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمهما وأجرهما . وقال الواقدي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر فخروجهما لجس الأخبار يعتبر في صالح المعركة وهو نوع من المشاركة فيها. وشهد طلحة -رضي الله عنه- أحداً وما بعدها من المشاهد وقد أبلى في غزوة أحد بلاء حسناً فقد وقى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه واتقى النبل عنه بيده حتى شلت أصبعه . وفضائله -رضي الله عنه- كثيرة مشهورة ومنها: - ما رواه البخاري بإسناده إلى قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد . هذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة خص بها طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- وهي أنه وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يوم أحد لما أراد بعض المشركين أن يضربه فاتقى طلحة الضربة بيده حتى أصابها شلل والشلل بطلان في اليد أو في الرجل من آفة تعتريها فالحديث فيه بيان فضيلة عظيمة لطلحة -رضي الله عنه- وأرضاه. - وروى أيضاً بإسناده إلى أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير طلحة وسعد عن حديثهما . |
وهذا الحديث أيضاً تضمن منقبة ظاهرة لأبي محمد طلحة بن عبيد الله من حيث إنه بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تفرق الناس عنه يوم أحد والمراد بقوله في الحديث: ((في بعض تلك الأيام)) يوم أحد. - وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى الزبير -رضي الله عنه- قال: كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعان فنهض إلى الصخرة فلم يستطع فأقعد تحته طلحة، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوى على الصخرة قال: فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أوجب طلحة)) . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم ((أوجب طلحة)) أي: وجبت له الجنة بسبب عمله هذا أو بما فعل في ذلك اليوم فإنه خاطر بنفسه يوم أحد وفدى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها وقاية له حتى طعن ببدنه وجرح جميع جسده حتى شلت يده . - وروى أبو نعيم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك كله يوم طلحة . وهذا مدح وثناء عظيم من صديق هذه الأمة وشهادة صادقة لأبي محمد طلحة بن عبيد الله بثباته مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أحد التي أبلى فيها بلاء حسناً وكان موقفه عظيماً في غزوة أحد يذكر به في الآخرين -رضي الله عنه- وأرضاه. - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن طلحة ممن قضى نحبه ووفى لله بما نذره على نفسه من القتال في سبيله ونصرة دينه. فقد روى الترمذي بإسناده إلى موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية فقال: ألا أبشرك؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((طلحة ممن قضى نحبه)) . وروى أيضاً: بإسناده إلى موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة (أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يتجرؤون هم على مسألته يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أين السائل عمن قضى نحبه)) قال الأعرابي: أنا يا رسول الله قال: ((هذا ممن قضى نحبه)) . هذان الحديثان فيهما بيان فضل طلحة بن عبيد الله حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن طلحة ممن قضى نحبه وكان طلحة ضمن جماعة كعثمان بن عفان ومصعب وسعيد وغيرهم نذروا إذا لقوا حرباً ثبتوا حتى يستشهدوا وقد ثبت طلحة يوم أحد وبذل جهده حتى شلت يده ووقى بها النبي صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنه- وأرضاه. قال أبو بكر بن العربي أثناء ذكره لمسائل اشتمل عليها الحديث قال رحمه الله تعالى: الرابعة: إلا أن قوماً تحققت عاقبتهم وأخبر الله تعالى عن حسن مآلهم وإن كانوا لم يوافوا بعد، فلهم شرف الحالة بذلك وعلو المنزلة وطلحة منهم. الخامسة: وكان ذلك له -والله أعلم- بوقايته بنفسه للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى شلت يمينه فقدمته يداه إلى الجنة وتقدمه إليها وتعلق بسبب عظيم لا ينقطع منها) ... - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه يموت شهيداً. فقد روى مسلم في (صحيحه) بسنده إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)) وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم . قال النووي رحمه الله تعالى: (وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها إخباره أن هؤلاء شهداء وماتوا كلهم غير النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر شهداء؛ فإن عمر وعثمان وعلياً وطلحة والزبير رضي الله عنهم قتلوا ظلماً شهداء، فقتل الثلاثة مشهور وقتل الزبير بوادي السباع بقرب البصرة منصرفاً تاركاً للقتال وكذلك طلحة اعتزل الناس تاركاً للقتال فأصابه سهم فقتله وقد ثبت أن من قتل ظلماً فهو شهيد والمراد شهداء في أحكام الآخرة وعظم ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم وفيه بيان فضيلة هؤلاء) . - ومن مناقبه الرفيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنه راض. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: (باب ذكر مناقب طلحة بن عبيد الله، وقال عمر: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض) . - ومما يدل على عظم مكانته وعلو منزلته أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بالجنة ضمن جماعة من فضلاء الصحابة. فقد روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد في الجنة وسعيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)) ثم قال: وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا . ففي هذا الحديث منقبة واضحة لطلحة -رضي الله عنه- حيث شهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة وأكرم بها من شهادة فإنها تضمنت الإخبار بسعادته في الدنيا والآخرة، ذلك هو الصحابي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وتلك طائفة من الأحاديث التي دلت على عظيم قدره وعلو منزلته -رضي الله عنه- وأرضاه. ثانيا: فضل الزبير بن العوام رضي الله عنه هو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي وعدد ما بينهما من الآباء سواء وهو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى . قال عروة بن الزبير: أسلم الزبير بن العوام وهو ابن ثمان سنين هاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة وكان عم الزبير يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع إلى الكفر فيقول الزبير: لا أكفر أبداً. وقال أيضاً: (أسلم الزبير وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين معاً ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم) . فهو -رضي الله عنه- من السابقين الأولين إلى الإسلام، وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم وفضائله -رضي الله عنه- كثيرة مشهورة ومنها: 1- ما رواه البخاري بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إن لكل نبي حوارياً، وإن حواري الزبير بن العوام)) . وعند مسلم بلفظ: ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لكل نبي حواري وحواري الزبير)) . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((وحواري الزبير)) أي: خاصتي من أصحابي وناصري ومنه الحواريون أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام أي: خلصائه وأنصاره، وأصله من التحوير: التبييض قيل: إنهم كانوا قصّارين يحورون الثياب أي: يبيضونها... قال الأزهري: الحواريون خلصان الأنبياء وتأويله الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب . فالحواري: هو الناصر المخلص، فالحديث اشتمل على هذه المنقبة العظيمة التي تميز بها الزبير -رضي الله عنه- ولذلك سمع عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- رجلا يقول: أنا ابن الحواري فقال: إن كنت من ولد الزبير وإلا فلا . وقال عبد الله بن عباس: هو حواري النبي صلى الله عليه وسلم وسمي الحواريون لبياض ثيابهم . وجاء في ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري)) للعيني: (فإن قلت: الصحابة كلهم أنصار رسول الله عليه الصلاة والسلام خلصاء فما وجه التخصيص به، قلنا: هذا قاله حين قال يوم الأحزاب: من يأتيني بخبر القوم قال الزبير: أنا، ثم قال: من يأتيني بخبر القوم فقال: أنا وهكذا مرة ثالثة، ولا شك أنه في ذلك الوقت نصر نصرة زائدة على غيره) . 2- من مناقبه -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم فداه بأبويه. روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن الزبير قال: ((كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثاً فلما رجعت قلت: يا أبت رأيتك تختلف قال: وهل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه فقال: فداك أبي وأمي)) . وهذا الحديث فيه منقبة ظاهرة للزبير -رضي الله عنه- حيث فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبويه (وفي هذه التفدية تعظيم لقدره واعتداد بعمله واعتبار بأمره وذلك لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل نفسه أو أعز أهله له) . 3- ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه كان ممن استجاب لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح يوم أحد. فقد روى الشيخان في (صحيحيهما) عن عائشة رضي الله عنها {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172] قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبوك منهم: الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: ((من يذهب في إثرهم؟)) فانتدب منهم سبعون رجلا قال: كان فيهم أبو بكر والزبير . فلقد أثنى الله على الذين استجابوا لله والرسول وأخبر أن جزاء المحسنين المتقين منهم أجر عظيم، وكان الزبير بن العوام واحداً من هؤلاء رضي الله عنهم. 4- وروى ابن سعد بإسناد صحيح عن هشام عن أبيه قال كانت على الزبير عمامة صفراء معتجراً بها يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الملائكة نزلت على سيماء الزبير)) . وفي هذا الحديث منقبة ظاهرة للزبير -رضي الله عنه- دلت على عظيم قدره وعلو منزلته فكون الملائكة الذين أنزلهم الله لنصر المسلمين في موقعة بدر كانوا على صورته فإن ذلك دليل على أنه جليل القدر رفيع المنزلة رضي الله عنه وأرضاه. 5- وروى البخاري بإسناده إلى مروان بن الحكم قال: (أصاب عثمان بن عفان رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى فدخل عليه رجل من قريش قال: استخلف قال: وقالوه؟ قال: نعم قال: ومن؟ فسكت فدخل عليه رجل آخر أحسبه الحارث فقال: استخلف فقال عثمان: وقالوا؟ فقال: نعم قال: ومن هو؟ فسكت فلعلهم قالوا: إنه الزبير؟ قال: نعم قال: والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أخرى قال: (أما والله إنكم لتعلمون أنه خيركم ثلاثا) . ففي هاتين الروايتين منقبة عظيمة لحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث شهد له ثالث الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بالخيرية وأنه كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الداودي: يحتمل أن يكون المراد من الخيرية في شيء مخصوص كحسن الخلق وإن حمل على ظاهره ففيه ما يبين أن قول ابن عمر: (ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم) لم يرد به جميع الصحابة فإن بعضهم قد وقع منه تفضيل بعضهم على بعض وهو عثمان في حق الزبير وقد تعقب الحافظ رحمه الله هذا الاحتمال الذي قاله الداودي بقوله: (قلت: قول ابن عمر قيده بحياة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعارض ما وقع منهم بعد ذلك) . 6- ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه كان شجاعاً مقداماً في ساحة القتال. فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه: (أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للزبير يوم وقعة اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فحمل عليهم فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير) . وفي هذا بيان فضيلة للزبير -رضي الله عنه- تضمنها قول الصحابة له يوم اليرموك (ألا تشد فنشد معك... إلخ) فإنه كان شجاعاً مقداماً موفقاً في تسديد الضربات لجيوش الشرك. ولقد أبلى -رضي الله عنه- في يوم اليرموك وفي جميع الغزوات التي غزاها بلاء حسناً. فقد روى الترمذي بإسناده إلى هشام بن عروة قال: (أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل فقال: ما مني عضو إلا وقد جرح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى ذَاكَ إلى فرجه) . 7- ومن أعظم مناقبه وأعلاها شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة. فقد روى الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة...)) الحديث . 8- ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بأنه يموت شهيداً فقد روى الإمام مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)) . فلقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالشهادة وحصلت له كما أخبر بها المصطفى عليه الصلاة والسلام، فإنه لما كان يوم الجمل ذكره علي بما ذكره به فرجع عن القتال وكر راجعاً إلى المدينة فمر بقوم الأحنف بن قيس وكانوا قد انعزلوا عن الفريقين فقال قائل يقال له الأحنف: ما بال هذا جمع بين الناس حتى إذا التقوا كر راجعاً إلى بيته من رجل يكشف لنا خبره؟ فاتبعه عمرو بن جرموز في طائفة من غواة بني تميم... فأدركه عمرو بواد يقال له وادي السباع – قريب من البصرة – وهو نائم في القائلة فهجم عليه فقتله... ولما قتله اجتز رأسه وذهب بها إلى علي ورأى أن ذلك يحصل له به حظوة عنده فاستأذن فقال علي: لا تأذنوا له وبشروه بالنار وفي رواية: أن علياً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((بشر قاتل ابن صفية بالنار)) ودخل ابن جرموز ومعه سيف الزبير فقال علي: إن هذا السيف طال من فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقال: إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه وقيل: بل عاش إلى أن تأمر مصعب بن الزبير على العراق فاختفى منه فقيل لمصعب: إن عمرو بن جرموز هاهنا وهو مختف فهل لك فيه؟ فقال: مروه فليظهر فهو آمن والله ما كنت لأقيد للزبير منه فهو أحقر من أن أجعله عدلا للزبير (وكان قتله -رضي الله عنه- يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين) ذلك هو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على عظيم قدره وعلو شأنه -رضي الله عنه- وأرضاه. ثالثا: فضل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري كان اسمه في الجاهلية –عبد عمرو- وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن أمه الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة . (شهد -رضي الله عنه- بدراً والمشاهد كلها وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا بالإسلام) (وأحد الستة أصحاب الشورى الذين أخبر عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه توفي وهو عنهم راض وأسند رفقته أمرهم إليه حتى بايع عثمان) (أسلم قديماً قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها) . |
(وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى بني كلب، وأرخى له عذبة بين كتفيه لتكون أمارة عليه للإمارة) ومناقبه -رضي الله عنه- كثيرة وقد وردت طائفة من الأحاديث الصحيحة بذكر مناقبه -رضي الله عنه- ومنها: - روى الإمام مسلم بإسناده إلى عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك قال المغيرة: ((فتبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الغائط فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أخذت أهريق على يديه من الإداوة وغسل يديه ثلاث مرات ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه، ثم أقبل. قال المغيرة: فأقبلت معه حتى وجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى لهم فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم ثم قال: أحسنتم أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها)) . فصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية من صلاة الفجر دلت على منقبة عظيمة له لا تبارى، رضي الله عنه وأرضاه. - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) . فقوله صلى الله عليه وسلم ((لا تسبوا أحداً من أصحابي)) يعني عبد الرحمن ونحوه الذين هم السابقون الأولون وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا وهم أهل بيعة الرضوان فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان وهم الذين أسلموا بعد الحديبية وبعد مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة ومنهم خالد بن الوليد فالحديث تضمن منقبة رفيعة لعبد الرحمن بن عوف حيث كان ممن شرف بالسبق إلى الإسلام. - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم غيّر اسمه من عبد عمرو إلى عبد الرحمن. روى الحاكم بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: (كان اسمي في الجاهلية عبد عمرو فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن) - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله له أن يسقيه من سلسبيل الجنة. فقد روى الحاكم أيضاً بإسناده إلى أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأزواجه: ((إن الذي يحنو عليكم بعدي هو الصادق البار اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة)) . وروى أيضاً: بإسناده إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن حدثه قال: دخلت على عائشة -رضي الله عنها- فقالت لي: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي: أمركن مما يهمني بعدي ولن يصبر عليكن إلا الصابرون، ثم قالت: فسقى الله أباك من سلسبيل الجنة، وكان عبد الرحمن بن عوف قد وصلهن بمال فبيع بأربعين ألفاً)) . ففي هذين الحديثين فضيلة لعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-. - ومن أجلّ مناقبه وأعلاها شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة. فقد روى الترمذي رحمه الله بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة...)) الحديث . فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الرحمن أحد أهل الجنة، جعلنا الله منهم بفضله ومنه آمين. - ومن مناقبه العظيمة إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد. روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: أشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم قيل: وكيف ذاك قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء فقال: ((اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)) قيل: ومن هم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف قيل فمن العاشر قال أنا . فالحديث تضمن منقبة عالية لعبد الرحمن وهي أنه سيموت شهيداً ولا يعارض هذا وفاته -رضي الله عنه- على فراشه فلابد من التسليم والإيمان بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ولابد هناك من سبب ثبتت له به الشهادة ليكون تصديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم لم نعلمه نحن. ذلك هو عبد الرحمن بن عوف الذي قضى حياته كلها في طاعة ربه حتى في اللحظة الأخيرة التي كان فيها في مرض موته فقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمائة دينار وكانوا مائة فأخذوها حتى عثمان وعلي وقال علي: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت زيفها . وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير حتى كانت عائشة تقول: سقاه الله من السلسبيل وأعتق خلقاً من مماليكه، ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحمل في جنازته سعد بن أبي وقاص ودفن بالبقيع سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وهو الأشهر) . رابعا: فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن أهيب ويقال له: ابن وهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب القرشي الزهري (يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرة وعدد ما بينهما من الآباء متقارب وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس لم تسلم) وهو -رضي الله عنه- أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، أسلم قديماً وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً، وما بعدها من المشاهد وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارساً شجاعاً من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في أيام الصديق معظماً جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر وقد استنابه على الكوفة وهو الذي بناها، وهو الذي فتح المدائن ، وكانت بين يديه وقعة جلولاء وكان سيداً مطاعاً، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك، ثم ولاه عثمان بعده، ثم عزله عنها وكان -رضي الله عنه- مجاب الدعوة مشهوراً بذلك ، ومناقبه -رضي الله عنه- كثيرة مشهورة وردت بها الأحاديث الصحيحة ومنها: - روى البخاري بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت سعداً يقول: جمع لي النبي صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد . - وروى مسلم بإسناده إلى عامر بن سعد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع له أبويه يوم أحد قال: ((كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارم فداك أبي وأمي قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظرت إلى نواجذه)) . - وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن شداد قال: سمعت علياً يقول: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد غير سعد بن مالك فإنه جعل يقول له يوم أحد: ((ارم فداك أبي وأمي)) . هذه الأحاديث تضمنت منقبة عظيمة لسعد -رضي الله عنه- وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم فداه بأبويه وهذه التفدية فيها دلالة على أنه عظيم المنزلة جليل القدر عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيضحي بنفسه أو أعز أهله له. وقول علي -رضي الله عنه-: (ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد غير سعد بن مالك) يفيد الحصر ولكن هذا الحصر فيه نظر لأنه تقدم معنا قريباً أن عليه الصلاة والسلام جمع أبويه يوم الخندق للزبير بن العوام -رضي الله عنه- ويجمع بين الحديثين (بأن علياً -رضي الله عنه- لم يطلع على ذلك أو مراده بذلك تقييده بيوم أحد والله أعلم) . - وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ((سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلا صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال: من هذا قال: سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك؟ قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام)) . هذا الحديث تضمن منقبة لسعد -رضي الله عنه- وأنه من الصالحين وأكرم بها من منقبة إذ الصالحون يتولاهم رب العالمين كما قال تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196] ولقد حظي -رضي الله عنه- بمفخرة عظيمة وهي حراسته للنبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه له عليه الصلاة والسلام وكان هذا الحديث قبل نزول قوله تعالى: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] لأنه صلى الله عليه وسلم ترك الاحتراس حين نزلت هذه الآية وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته وهذا الحديث مصرح بأن هذه الحراسة كانت أول قدومه المدينة ومعلوم أن الآية نزلت بعد ذلك بأزمان . - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن الله تعالى أنزل فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى سعد -رضي الله عنه- أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: ((حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله – عز وجل – في القرآن هذه الآية {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ} {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} وفيها {وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] قال وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف فأخذته فأتيت به الرسول صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلني هذا السيف فأنا من قد علمت حاله، فقال: رده من حيث أخذته؛ فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه، قال فشد لي صوته: رده من حيث أخذته، قال: فأنزل الله – عز وجل - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ} [الأنفال: 1] قال: ومرضت فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتاني فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت قال: فأبى قلت: فالنصف قال: فأبى قلت: فالثلث قال: فسكت فكان بعد الثلث جائزاً قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً وذلك قبل أن تحرم الخمر قال: فأتيتهم في حش والحش البستان فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر قال: فأكلت وشربت معهم قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأنزل الله – عز وجل – في يعني نفسه شأن الخمر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90])) . فهذا الحديث تضمن بيان فضيلة سعد حيث نزلت في شأنه تلك الآيات القرآنية المشار إليها في هذا الحديث. - ومن مناقبه رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى أثنى عليه وأخبر أنه من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. فقد جاء في (صحيح مسلم) عنه -رضي الله عنه- قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله – عز وجل - {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52])) . - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه أسلم قديماً. فقد روى البخاري بإسناده إلى سعد قال: (لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام) . وروى أيضاً بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام) . فقوله -رضي الله عنه- لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام فيه منقبة عظيمة له وأراد بذلك أنه ثالث من أسلم أولا وأراد بالاثنين أبا بكر وخديجة أو النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر والظاهر أنه أراد الرجال الأحرار (فقد ذكر أبو عمر بن عبد البر في (الاستيعاب) أنه سابع سبعة في الإسلام) وقد قدمنا في فضل الصديق من حديث عمار بن ياسر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وأبو بكر فهؤلاء ستة ويكون هو السابع بهذا الاعتبار أو قال ذلك بحسب اطلاعه والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه فبهذا الاعتبار قال: وأنا ثلث الإسلام... وقوله -رضي الله عنه-: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه) ظاهره أنه لم يسلم أحد قبله وهذا فيه إشكال لأنه قد أسلم قبله جماعة ولكن يحمل هذا على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ، وقد روى ابن منده في (المعرفة) من طريق أبي بدر عن هاشم بلفظ: (ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه) وهذا لا إشكال فيه لأنه لا مانع أن يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم ولا ينافي هذا إسلام جماعة قبل يوم إسلامه وقوله: (ولقد مكثت...إلخ) هذا أيضاً على مقتضى اطلاعه) . - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه أول من رمى بسهمه في سبيل الله لمجاهدة أعداء الله وإعلاء كلمة الله. فقد روى البخاري بإسناده إلى سعد -رضي الله عنه- قال: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله وكنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ما له خلط...) الحديث . في هذا بيان فضيلة سعد -رضي الله عنه- حيث إنه كان أول رام بسهمه في سبيل الله (وكان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين وهي أول سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من الهجرة بعث ناساً من المسلمين إلى رابغ ليلقوا عيراً لقريش فتراموا بالسهام ولم يكن بينهم مسايفة فكان سعد أول من رمى) . - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه كان مجاب الدعوة مشهوراً بذلك وسبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله له بأن يكون مجاب الدعوة فحقق الله دعوة نبيه عليه الصلاة والسلام فكانت دعوته مستجابة -رضي الله عنه- جاء في (مجمع الزوائد) عن عامر – يعني الشعبي – قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: متى أجبت الدعوة؟ قال: يوم بدر كنت أرمي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فأضع السهم في كبد القوس ثم أقول: اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم وافعل بهم وافعل فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم استجب لسعد)) رواه الطبراني وإسناده حسن . وفيه أيضاً: عن سعد قال: سمعني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو فقال: ((اللهم استجب له إذا دعاك)). رواه البزار ورجاله رجال الصحيح . - ومن مناقبه العالية شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة فقد روى الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة...)) الحديث . - ومن مناقبه -رضي الله عنه- شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بأنه من الشهداء فقد روى مسلم بإسناده إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء فتحرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)) وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم . فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد مع أنه لم يمت في معركة وإنما توفي بقصره بالعقيق سنة إحدى وخمسين وقيل ست وقيل ثمان والثاني أشهر . قال النووي: وأما ذكر سعد بن أبي وقاص في الشهداء فقال القاضي: إنما سمي شهيداً لأنه مشهود له بالجنة قال علي بن المديني: وهو آخر العشرة وفاة، وقال غيره: كان آخر المهاجرين وفاة، رضي الله عنه وعنهم أجمعين ذلك هو سعد بن أبي وقاص وتلك طائفة من فضائله العظيمة رضي الله عنه. خامسا: فضل أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب ويقال: وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري أبو عبيدة بن الجراح مشهور بكنيته وبالنسبة إلى جده، وأمه أميمة بنت غنم بن جابر بن عبد العزى بن عامر بن عميرة . وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام (وكان إسلامه هو وعثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد في ساعة واحدة قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم) . وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهاجر الهجرتين وشهد بدراً وما بعدها وهو الذي انتزع حلقتي المغفر من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنيتاه بسبب ذلك وثبت يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انهزم الناس ومناقبه -رضي الله عنه- تضمنتها أحاديث صحيحة مشهورة منها: |
- ما رواه الشيخان من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لكل أمة أميناً وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح)) . هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة لأبي عبيدة -رضي الله عنه- (والأمين هو الثقة المرضي وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره لكن السياق يشعر بأن له مزيداً في ذلك لكن خص النبي صلى الله عليه وسلم كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها فأشعر بقدر زائد فيها على غيره كالحياء لعثمان والقضاء لعلي ونحو ذلك) . وروى البخاري بإسناده إلى حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران: ((لأبعثن عليكم – يعني – أمينا حق أمين)) فأشرف أصحابه فبعث أبا عبيدة رضي الله عنه . وروى مسلم بإسناده إلى أنس ((أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة)) . وروى أيضاً: بإسناده إلى حذيفة قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلا أميناً فقال: ((لأبعثن إليكم رجلا أميناً حق أمين)) قال: فاستشرف لها الناس . إنها لمنقبة عظيمة خص بها أبو عبيدة -رضي الله عنه- حق لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتطلعوا لها (وكان تطلعهم رضي الله عنهم إلى الولاية ورغبتهم فيها حرصاً منهم على أن يكون أحدهم هو الأمين الموعود في الحديث لا حرصاً على الولاية من حيث هي) . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله لأهل نجران هم أهل بلد قريب من اليمن وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد ومن معهما، ذكر ابن سعد أنهم وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في سنة تسع وسماهم ... ووقع في حديث أنس عند مسلم: (أن أهل اليمن قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام فأخذ بيد أبي عبيدة وقال: ((هذا أمين هذه الأمة)) فإن كان الراوي تجوز عن أهل نجران بقوله: (أهل اليمن) لقرب نجران من اليمن وإلا فهما واقعتان والأول أرجح) ا.هـ . - ومن مناقبه العالية -رضي الله عنه- أنه كان أحد من يصلح للخلافة، وأحد الناس الذين كانوا أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم روى الإمام مسلم بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا . وهذا الأثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تضمن منقبة عظيمة لأبي عبيدة وهي اعتقادها رضي الله عنها أنه صالح للخلافة وأنه أهل لها رضي الله عنه وأرضاه. وروى الترمذي وابن ماجة بإسناديهما إلى عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر قلت: ثم من؟ قالت: ثم عمر، قلت: ثم من؟ قالت ثم أبو عبيدة بن الجراح قلت: ثم من؟ فسكتت . وفي هذا بيان فضيلة لأبي عبيدة وهي أنه كان أحد الذين هم أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن الفاروق -رضي الله عنه- كان يكره مخالفته فيما يراه وأنه كان جليل القدر عنده. فقد روى الشيخان في (صحيحيهما) عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن عمر لما خرج إلى الشام وأخبر أن الوباء قد وقع به فجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشارهم فاختلفوا فرأى عمر رأي من رأى الرجوع فرجع فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة وكان عمر يكره خلافه، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله.. إلخ) الحديث . قال الحافظ رحمه الله تعالى: (وذلك دال على جلالة أبي عبيدة عند عمر) . - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه عليه الصلاة والسلام قرنه في المدح بالشيخين. روى الترمذي بسنده إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح)) ثم قال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث سهيل. في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأبي عبيدة حيث قرنه عليه الصلاة والسلام في المدح والثناء عليه مع أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهم جميعاً. - ومن مناقبه العالية الرفيعة شهادة المصطفى عليه الصلاة والسلام له بالجنة ضمن جماعة من الصحابة كما تقدم في حديث العشرة المبشرين بالجنة، وهو ما رواه الترمذي وغيره بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)) . - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن وفاته كانت شهادة في سبيل الله فقد مات في الطاعون الذي حصل بأرض الشام زمن الفاروق -رضي الله عنه- وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من كانت وفاته بسبب هذا الداء فإنه شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد وقد جمع الله لأبي عبيدة بين هذين الوصفين. فقد روى الإمام مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد)) قال ابن مقسم: (أشهد على أبيك في هذا الحديث أنه قال: والغريق شهيد) (وهذه الموتات إنما كانت شهادة بتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها) . قال النووي رحمه الله تعالى: (قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم... والشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفار وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم هؤلاء المذكورون هنا وشهيد في الدنيا دون الآخرة وهو من غل في الغنيمة أو قتل مدبراً) . (وقد اتفق العلماء على أن أبا عبيدة مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثماني عشرة) . ولما دفن -رضي الله عنه- خطب الناس معاذ بن جبل خطبة بين فيها الكثير من فضائل أبي عبيدة. وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد المقبري قال: لما طعن أبو عبيدة قال: يا معاذ صل فصلى معاذ بالناس ثم مات أبو عبيدة بن الجراح فقام معاذ في الناس فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحاً فإن عبداً لله يلقى الله تائباً من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له ثم قال: إنكم أيها الناس قد فجعتم برجل والله ما أزعم أني رأيت من عباد الله عبداً قط أقل غمزاً ولا أبر صدراً ولا أبعد غائلة ولا أشد حباً للعاقبة ولا أنصح للعامة منه فترحموا عليه رحمه الله ثم أصحروا للصلاة عليه فوالله لا يلي عليكم مثله أبداً فاجتمع الناس وأخرج أبو عبيدة وتقدم معاذ فصلى عليه حتى إذا أتي به قبره دخل قبره معاذ بن جبل وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس فلما وضعوه في لحده وخرجوا فشنوا عليه التراب فقال معاذ بن جبل: يا أبا عبيدة لأثنين عليك ولا أقول باطلا أخاف أن يلحقني بها من الله مقت كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيراً ومن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً وكنت والله من المخبتين المتواضعين الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الخائنين المتكبرين . فهذا الثناء من معاذ -رضي الله عنه- كله تضمن بيان فضائل لأبي عبيدة بن الجراح ذلك هو أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على أنه جليل القدر رفيع المنزلة رضي الله عنه وأرضاه. سادسا: فضل سعيد بن زيد رضي الله عنه هو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح ابن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي كان أبوه زيد بن عمرو بن نفيل أحد الحنفاء الذين طلبوا دين الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام، وكان لا يذبح للأصنام ولا يأكل الميتة والدم وكان يقول لقومه: يا معشر قريش والله لا آكل ما ذبح لغير الله، والله ما أحد على دين إبراهيم غيري . وأم سعيد بن زيد فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية كانت من السابقين إلى الإسلام وهو ابن عم عمر بن الخطاب وصهره كانت تحته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب وكانت أخته عاتكة بنت زيد بن عمرو تحت عمر بن الخطاب وكان سعيد بن زيد من السابقين الأولين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قبل عمر بن الخطاب هو وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة. قال عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد: لم يشهد بدراً لأنه قد كان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش، فلم يرجعا حتى فرغ من بدر فضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهميهما وأجرهما، ولم يذكره عمر في أهل الشورى لئلا يحابى بسبب قرابته من عمر فيولى فتركه لذلك ولم يتول بعده ولاية وما زال كذلك حتى مات . وقد وردت بعض الأحاديث المتعددة المصرحة بفضله -رضي الله عنه- ومنها: - ما رواه البخاري بإسناده إلى قيس بن أبي حازم قال: سمعت سعيد بن زيد يقول للقوم في مسجد الكوفة يقول: (والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر ولو أن أحداً أرفض للذي صنعتم بعثمان لكان محقوقاً أن يرفض) . ففي هذا بيان فضيلة ظاهرة لسعيد -رضي الله عنه- وهي أنه كان ممن حظي بشرف السبق إلى الإسلام وأن إسلامه كان قبل إسلام الفاروق -رضي الله عنه- إذ أنه بين أن صنع عمر هذا به كان قبل أن يسلم. قال أبو عبد الله الحاكم: (أسلم سعيد بن زيد بن عمرو قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها الناس إلى الإسلام) . - ومن مناقبه العالية شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة مع جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن حميد أن سعيد بن زيد حدثه في نفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عشرة في الجنة أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة وعلي وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص)) قال: فعد هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر قال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله أبو الأعور في الجنة . - ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه من الشهداء. فقد روى الترمذي بإسناده إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: ((أشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قال: اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، قيل: ومن هم؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف قيل: فمن العاشر قال: أنا)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ففي هذا فضيلة عظيمة لسعيد بن زيد -رضي الله عنه- حيث شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة وإن مات على فراشه فهو شهيد لخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام بذلك. وكانت وفاته -رضي الله عنه- سنة (إحدى وخمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين وقد غسله سعد وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة) . قال الشوكاني رحمه الله تعالى مبيناً فضل سعيد بن زيد -رضي الله عنه- (ويكفي سعيد بن زيد أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة وأنه شهد أحداً وما بعده من المشاهد كلها وصار من جملة أهل بدر بما ضربه له رسول الله صلى الله عليه وسلم من السهم والأجر) اهـ . ذلك هو سعيد بن زيد وتلك طائفة من مناقبه وبه -رضي الله عنه- نختم فضل العشرة المبشرين بالجنة الذين قدمنا فضائلهم التي دلت على مكانتهم وعلو منزلتهم، فيجب على المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أنهم من أهل الجنة بأعيانهم كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] وكلهم رضي الله عنهم من قريش الذين سبقوا إلى الإسلام وهاجروا إلى الله ورسوله وتركوا ديارهم وأموالهم بغية نصرة دين الإسلام ورفع رايته. المبحث الرابع: عقيدة أهل السنة في الصحابة المطلب الأول: وجوب محبتهم من عقائد أهل السنة والجماعة وجوب محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم والاحتجاج بإجماعهم والاقتداء بهم، والأخذ بآثارهم، وحرمة بغض أحد منهم لما شرفهم الله به من صحبة رسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين والمنافقين، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم وتقديم حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك كله، وقد دلت النصوص الكثيرة على وجوب حب الصحابة رضي الله عنهم جميعاً، وقد فهم أهل السنة والجماعة ما دلت عليه النصوص في هذا واعتقدوا ما تضمنته مما يجب لهم من المحبة على وجه العموم رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن تلك النصوص: |
(1) قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]. (هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة لأنه جعل لمن بعدهم حظاً في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو واحداً منهم أو اعتقد فيه شراً أنه لا حق له في الفيء، روي ذلك عن مالك وغيره، قال مالك: (من كان يبغض أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية) . (2) روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه)) . هذا الحديث تضمن الحث لكل إنسان يأتي بعد الصحابة في أن يحفظ حقهم، والمعنى: لا تنقصوا من حقهم ولا تسبوهم، بل عظموهم ووقروهم، ولا تتخذوهم هدفاً ترمونهم بقبيح الكلام، كما يرمى الهدف بالسهم، وبين عليه الصلاة والسلام أن حبهم ما استقر في قلب إنسان إلا بسبب حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، أو بسبب حب النبي صلى الله عليه وسلم إياهم وما وجد بغضهم في قلب إنسان إلا بسبب ما فيه من البغض للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يأخذه))، أي: يعاقبه في الدنيا أو في الآخرة . فالحديث دل على وجوب حب الصحابة رضي الله عنهم وخطورة بغضهم. قال المناوي في قوله صلى الله عليه وسلم: ((الله الله في أصحابي)) (أي: اتقوا الله فيهم ولا تلمزوهم بسوء أو اذكروا الله فيهم، وفي تعظيمهم وتوقيرهم، وكرره إيذاناً بمزيد الحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص ((فمن أحبهم فبحبي أحبهم)) أي: فبسبب حبهم إياي، أو حبي إياهم، أي: إنما أحبهم لحبهم إياي، أو لحبي إياهم. ((ومن أبغضهم فببغضي)). أي: فبسبب بغضه إياي، ((أبغضهم)) يعني: إنما أبغضهم لبغضه إياي... وخص الوعيد بها لما اطلع عليه مما سيكون بعده من ظهور البدع وإيذاء بعضهم زعماً منهم الحب لبعض آخر، وهذا من باهر معجزاته، وقد كان في حياته حريصاً على حفظهم والشفقة عليهم. أخرج البيهقي عن ابن مسعود: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)) ، وإن تعرض إليهم ملحد وكفر نعمة قد أنعم الله بها عليهم، فجهل منه وحرمان، وسوء فهم، وقلة إيمان، إذ لو لحقهم نقص لم يبق في الدين ساق قائمة لأنهم النقلة إلينا، فإذا جرح النقلة دخل من الآيات والأحاديث التي بها ذهاب الأنام، وخراب الإسلام إذ لا وحي بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم وعدالة المبلغ شرط لصحة التبليغ) . (3) وروى الإمام البخاري في (صحيحه) من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)) . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم هذا: (أن علامات كمال إيمان الإنسان، أو نفس إيمانه حب مؤمني الأوس والخزرج لحسن وفائهم بما عاهدوا الله عليه من إيواء نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره على أعدائه زمن الضعف والعسرة وحسن جواره ورسوخ صداقتهم وخلوص مودتهم ولا يلزم منه ترجيحهم على المهاجرين الذين فارقوا أوطانهم وأهليهم وحرموا أموالهم حباً له وروماً لرضاه... (وآية النفاق) بالمعنى الخاص (بغض الأنصار)، صرح به مع فهمه مما قبله لاقتضاء المقام التأكيد، ولم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، لأن الكلام فيمن ظاهره الإيمان، وباطنه الكفر فميزه عن ذوي الإيمان الحقيقي، فلم يقل آية الكفر لكونه غير كافر ظاهراً، وخص الأنصار بهذه المنقبة العظمى، لما امتازوا به من الفضائل، فكان اختصاصهم بها مظنة الحسد الموجب للبغض، فوجب التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، وأبرز ذلك في هذين التركيبين المفيدين للحصر لأن المبتدأ والخبر فيهما معرفتان، فجعل ذلك آية الإيمان والنفاق على منهج القصر الادعائي، حتى كأنه: لا علامة للإيمان إلا حبهم، وليس حبهم إلا علامته، ولا علامة للنفاق إلا بغضهم، وليس بغضهم إلا علامته، تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في المعنى مشاركاً لهم في الفضل كل بقسطه) . (4) وروى مسلم بإسناده إلى عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأنصار: ((لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)). قال شعبة: (قلت لعدي: سمعته من البراء؟ قال: إياي حدث) . (5) وروى أيضاً: بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)) . (6) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله)) . (7) وروى الحافظ الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم)) . (8) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحب الأنصار إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)) . (9) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا الحي من الأنصار محنة حبهم إيمان وبغضهم نفاق)) . (10) وروى أيضاً: بإسناده إلى الحارث بن زياد الساعدي ((أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهو يبايع الناس على الهجرة فقال: يا رسول الله بايع هذا، قال: ومن هذا، قال: ابن عمي حوط بن يزيد أو يزيد بن حوط، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أبايعك إن الناس يهاجرون إليكم ولا تهاجرون إليهم، والذي نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده لا يحب رجل الأنصار حتى يلقى الله تبارك وتعالى إلا لقي الله – تبارك وتعالى – وهو يحبه، ولا يبغض رجل الأنصار حتى يلقى الله – تبارك وتعالى – إلا لقي الله – تبارك وتعالى – وهو يبغضه)) . (11) وروى الإمام مسلم بإسناده إلى علي رضي الله عنه أنه قال: ((والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)) . فهذه الأحاديث كلها دلت على وجوب حب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً مهاجرين وأنصار، ولا يقال إن ظاهر لفظها في الأنصار فلا يدخل فيها المهاجرون، بل الصحيح أنه يدخل فيها كل فرد من أفراد الصحابة لتحقق مشترك الإكرام، لما لهم من حسن الغناء في الدين رضي الله عنهم أجمعين. كما اشتملت على ذكر الجزاء الذي ينتظر من يكن لهم المحبة في قلبه ومن يكن لهم البغض، فمن أحبهم فاز بحب الله له، ومن أبغضهم أبغضه الله، وشتان بين الجزائين، كما دلت على أن القلب الذي امتلأ ببغضهم إنما هو قلب ينضح بالنفاق، خذل صاحبه بعدم الإيمان والعياذ بالله. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى مبيناً المراد في قوله صلى الله عليه وسلم: ((آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار)) ، وفي الرواية الأخرى: ((لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)) ، وفي الأخرى: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)) ، وفي حديث علي رضي الله عنه: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق) . (الآية: هي العلامة، ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثاراً للإسلام، وعرف من علي بن أبي طالب رضي الله عنه قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب النبي صلى الله عليه وسلم له، وما كان منه في نصرة الإسلام، وسوابقه فيه، ثم أحب الأنصار وعلياً لهذا كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام والقيام بما يرضي الله – سبحانه وتعالى – ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم) . وقال الذهبي رحمه الله تعالى مبيناً العلة من جعله صلى الله عليه وسلم حب الأنصار علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق حيث قال: (وما ذاك إلا لسابقتهم ومجاهدتهم أعداء الله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حب علي رضي الله عنه من الإيمان وبغضه من النفاق، وإنما يعرف فضائل الصحابة رضي الله عنهم من تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان، والمجاهدة للكفار ونشر الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله وتعليم فرائضه وسننه ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضاً، ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئاً) . وقال العيني رحمه الله تعالى شارحاً لقوله صلى الله عليه وسلم: ((آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)) : (المقصود من الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم، لما كان منهم من إعزاز الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير ذلك، قالوا: وهذا جار في أعيان الصحابة كالخلفاء وبقية العشرة والمهاجرين بل في كل الصحابة إذ كل واحد منهم له سابقة وسالفة وغناء في الدين وأثر حسن فيه، فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان وبغضهم محض النفاق ويدل عليه ما روي مرفوعاً في فضل أصحابه كلهم: ((من أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)) . وقال القرطبي: (وأما من أبغض والعياذ بالله أحداً منهم من غير تلك الجهة لأمر طارئ من حدث وقع لمخالفة غرض أو لضرر ونحوه لم يصر بذلك منافقاً ولا كافراً، فقد وقع بينهم حروب ومخالفات، ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، فإما أن يقال كلهم مصيب، أو المصيب واحد والمخطئ معذور، مع أنه مخاطب بما يراه ويظنه، فمن وقع له في أحد منهم والعياذ بالله لشيء من ذلك، فهو عاص يجب عليه التوبة، ومجاهدة نفسه بذكر سوابقهم، وفضائلهم، وما لهم على كل من بعدهم من الحقوق إذا لم يصل أحد من بعدهم لشيء من الدين والدنيا إلا بهم وبسببهم قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية اهـ) . وقد وفق الله الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة لاعتقاد ما دلت عليه النصوص المتقدم ذكرها من أن حب الصحابة واجب على كل مسلم، (فقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى: حب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما سنة؟ قال: لا، فريضة) . وقال الطحاوي رحمه الله تعالى مبيناً ما يجب على المسلم اعتقاده في محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) . وقال أبو عبد الله بن بطة في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة: (ونحب جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراتبهم ومنازلهم أولاً فأولاً: من أهل بدر والحديبية وبيعة الرضوان وأحد فهؤلاء أهل الفضائل الشريفة والمنازل المنيفة الذين سبقت لهم السوابق رحمهم الله أجمعين) . فعلى المسلم أن يسلك في حب الصحابة مسلك أهل الحق من أهل السنة والجماعة بحيث يحبهم جميعاً، ولا يفرط في حب أحد منهم وأن يتبرأ من طريقة الشيعة الرافضة الذين يتدينون ببغضهم وسبهم، ومن طريقة النواصب والخوارج الذين ابتلوا بإيذاء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعلم كل مسلم أن أهل السنة والجماعة يتبرؤون من طريقة هذه الفرق فيهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ويتبرؤون من طريقة الروافض والشيعة الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب والخوارج الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل) . (فمن أراد السلامة لدينه وأن يسلم له إيمانه فليحبهم جميعاً، وأن يحتم ذلك على نفسه، وعلى كل أبناء جنسه لأن ذلك واجب على جميع الأمة واتفق على ذلك الأئمة، فلا يزوغ عن حبهم إلا هالك، ولا يزوغ عن وجوب ذلك إلا آفك) . أولاً: معنى العدالة في اللغة جاء في (الصحاح) للجوهري: (العدل خلاف الجور، يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومعدِلته ومعدَلَتَه، وفلان من أهل المعدلة، أي: من أهل العدل، ورجل عدل، أي: رضا ومقنع في الشهادة، وهو في الأصل مصدر، وقوم عدل وعدول أيضاً: وهو جمع عدل وقد عدل الرجل بالضم عدالة... إلى أن قال: وتعديل الشيء: تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي: قومته فاستقام) . وجاء في (لسان العرب): (رجل عدل بين العدل والعدالة: وصف بالمصدر معناه ذو عدل، قال في موضعين: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ}[الطلاق: 2]، ويقال: رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعاً، أو مثنى أو مؤنثاً، فعلى أنه قد أجري مجرى الوصف الذي ليس بمصدر) اهـ. وجاء في (المصباح المنير): (وعدلت الشاهد نسبته إلى العدالة ووصفته بها و(عدل) هو بالضم، (عدالة) و(عدولة) فهو (عدل) أي: مرضي يقنع به ويطلق (العدل) على الواحد وغيره بلفظ واحد، وجاز أن يطابق في التثنية والجمع فيجمع على عدول، قال ابن الأنباري: وأنشدنا أبو العباس: وتعاقد العقد الوثيق وأشهدا من كل قوم مسلمين عدولاً وربما طابق في التأنيث، وقيل: امرأة عدلة) . وجاء في (القاموس): (العدل ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم كالعدالة والعَدُولة والمعدِلة والمعدَلة) اهـ. فمن هذه التعاريف اللغوية تبين أن معنى العدالة في اللغة: الاستقامة، وأن العدل هو الذي لم تظهر منه ريبة ، وهو الذي يرضى الناس عنه، ويقبلون شهادته ويقنعون بها . |
ثانياً: تعريف العدالة في الاصطلاح
أما تعريف العدالة في الاصطلاح فقد تنوعت فيها عبارات العلماء من محدثين وأصوليين وفقهاء: (1) روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب أنه قال: (العدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامة مذهبه، وسلامته من الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها) . (2) وعرفها الخطيب البغدادي بقوله: (العدل هو من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقاً حتى يكون مع ذلك متوقياً لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير) . (3) وعرفها الغزالي بقوله: (والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفاً وازعاً عن الكذب، ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي ولا يكفي أيضاً: اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصداً، وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالأغراض الدنيوية كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح وضابط ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم فما دل عنده على جرأته على الكذب رد الشهادة به وما لا، فلا) . (4) وعرفها ابن الحاجب: بقوله: (العدالة: هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر وبعض المباح كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأراذل والحرف الدنية مما لا يليق به ولا ضرورة) . (5) وعرفها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: (المراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة) . (6) وعرفها أيضاً بتعريف آخر فقال: (والعدل والرضا عند الجمهور من يكون مسلماً مكلفاً حراً غير مرتكب كبيرة ولا مصر على صغيرة. زاد الشافعي: وأن يكون ذا مروءة) . واشتراط الحرية فيه نظر. (7) وذكر علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي عدة تعريفات للعدالة في كتابه (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف) حيث قال: (العدالة: هي استواء أحواله في دينه واعتدال أقواله وأفعاله، وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبة) . وذكر أبو محمد الجوزي في العدالة: (اجتناب الريبة وانتفاء التهمة). زاد في (الرعاية): (وفعل ما يستحب وترك ما يكره) اهـ. (8) وقال السيوطي في تعريف العدالة: (حدها الأصحاب: بأنها ملكة أي: هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على الخسة أو مباح يخل بالمروءة وهذه أحسن عبارة في حدها وأضعفها قول من قال: اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر لأن مجرد الاجتناب من غير أن تكون عنده ملكة وقوة تردعه عن الوقوع فيما يهواه غير كاف في صدق العدالة، ولأن التعبير بالكبائر بلفظ الجمع يوهم أن ارتكاب الكبيرة الواحدة لا يضر وليس كذلك، ولأن الإصرار على الصغائر من جملة الكبائر فذكره في الحد تكرار) . هذه تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح، وهي وإن تنوعت عباراتها إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ولا تتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي وأن يبعد عما يخل بالمروءة، وأيضاً: لا تتحقق إلا بالإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق. والمراد بالفسق: ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب والإصرار على صغيرة من الصغائر لأن الإصرار على فعل الصغائر يصيرها من الكبائر. والمروءة التي يعبر عنها أهل العلم: هي الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات وما يخل بالمروءة يعود إلى سببين: الأول: ارتكاب الصغائر من الذنوب التي تدل على الخسة كسرقة شيء حقير كبصلة أو تطفيف في حبة قصداً. الثاني: فعل بعض الأشياء المباحة التي ينتج عنها ذهاب كرامة الإنسان أو هيبته وتورث الاحتقار، وذلك مثل كثرة المزاح المذموم. ولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجميعهم رضي الله عنهم عدول تحققت فيهم صفة العدالة ومن صدر منه ما يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته فرضي الله عنهم أجمعين. مطلب الثالث: سلامة ألسنتهم وقلوبهم للصحابة تمهيد فمن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سلامة القلب من البغض والغل والحقد والكراهة، وسلامة ألسنتهم من كل قول لا يليق بهم. فقلوبهم سالمة من ذلك، مملوءة بالحب والتقدير والتعظيم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يليق بهم. فهم يحبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويفضلونهم على جميع الخلق، لأن محبتهم من محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من محبة الله، وألسنتهم أيضاً سالمة من السب والشتم واللعن والتفسيق والتكفير وما أشبه ذلك مما يأتي به أهل البدع، فإذا سلمت من هذا، ملئت من الثناء عليهم والترضي عنهم والترحم والاستغفار وغير ذلك. فرع: تحريم سب الصحابة أولا: الأدلة على تحريم سبهم من القرآن أولا: الأدلة على تحريم سبهم من القرآن إن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محرم بنص الكتاب العزيز وهو ما تعتقده وتدين به الفرقة الناجية من هذه الأمة، وقد جاءت الإشارة إلى تحريم سبهم في غير ما آية من كتاب الله – جل وعلا – من ذلك: (1) قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100] الآية. ووجه دلالة الآية على تحريم سبهم أن الله تعالى رضي عنهم رضى مطلقاً، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً، وقد بين تعالى في آخر هذه الآية أن هؤلاء الذين رضي الله عنهم هم من أهل الثواب في الآخرة يموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك حيث قال: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] ولذا لما كان هؤلاء الأخيار بهذه المنزلة العظيمة والمكانة الرفيعة أمر الله من جاء بعدهم أن يستغفروا لهم ويدعوا الله ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، ومن هنا علم أن الاستغفار وطهارة القلب من الغل لهم أمر يحبه الله ويرضاه، ويثني على فاعله كما أنه قد أمر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]. وقال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159]، ومحبة الشيء كراهية لضده، فيكون الله يكره السب لهم، الذي هو ضد الاستغفار، والبغض لهم الذي هو ضد الطهارة، وهذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم) . (2) قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا} [الأحزاب: 57]. هذه الآية تضمنت التهديد والوعيد بالطرد والإبعاد من رحمة الله والعذاب المهين لمن آذاه – جل وعلا – بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك وإيذاء رسوله (يشمل كل أذيّة قولية أو فعلية من سب وشتم أو تنقص له أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى) . ومما يؤذيه صلى الله عليه وسلم سب أصحابه وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن إيذاءهم إيذاء له، ومن آذاه فقد آذى الله وأي أذية للصحابة أبلغ من سبهم فالآية فيها إشارة قوية ظاهرة إلى أنه يحرم سبهم رضي الله عنهم. (3) قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 58]. وهذه الآية فيها التحذير من إيذاء المؤمنين والمؤمنات بما ينسب إليهم مما هم منه براء لم يعملوه، ولم يفعلوه، والبهتان الكبير أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم . ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم أنهم في صدارة المؤمنين فإنهم المواجهون بالخطاب في كل آية مفتتحة بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 104]، ومثل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الكهف: 107] في جميع القرآن فالآية دلت على تحريم سب الصحابة لأن لفظ المؤمنين أول ما ينطلق عليهم لأن الصدارة في المؤمنين لهم رضي الله عنهم وسبهم والنيل منهم من أعظم الأذى، وأن من نال منهم بذلك فقد آذى خيار المؤمنين بما لم يكتسبوا وأن من اتخذ شتمهم والنيل منهم ديناً له فإن الوعيد المذكور في الآية يصيبه. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين ينتقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم، فإن الله – عز وجل – قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبداً فهم في الحقيقة منكسوا القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين) اهـ. وكما هو معلوم (أن سب آحاد المؤمنين موجب للتعزير بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزير من سب الصحابة أبلغ وتعزير من سب العلماء وأهل الدين أعظم من غيرهم) . (4) قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ في الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29] الآية. ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم أنه لا يسبهم شخص إلا لما وجد في قلبه من الغيظ عليهم، وقد بين تعالى في هذه الآية إنما يغاظ بهم الكفار، فدلت على تحريم سبهم، والتعرض لهم بما وقع بينهم على وجه العيب لهم. قال أبو عبد الله القرطبي: (روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} حتى بلغ {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}، فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية) – ثم قال -: (لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين، ثم ذكر طائفة من الآيات القرآنية التي تضمنت الثناء عليهم والشهادة لهم بالصدق والفلاح، ثم قال عقبها: "وهذا كله مع علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم) اهـ. فهذه الآية اشتملت على تحريم سب الصحابة، لأن سبهم إنما يصدر ممن امتلأ قلبه غيظاً عليهم، لا محل فيه للإيمان نعوذ بالله من الخذلان. (5) قوله تعالى: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12]. وهذه الآية الكريمة تضمنت النهي لجميع العباد عن أن يقول بعضهم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقول فيه، ذلك أن يقال له في وجهه والغيبة قد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ((قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال صلى الله عليه وسلم: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)) . وبتفسير الشارع للغيبة في هذا الحديث يتبين وجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة وذلك أن سبهم وازدراءهم والتنقص من مكانتهم الرفيعة التي أنزلهم الله فيها إنما هو من البهت لهم بما ليس فيهم، فكل من عابهم وطعن فيهم أو في أحد منهم كل ذلك من البهتان المبين ومن الوقوع في أعراضهم الذي يعد من أربى الربا عند الله – جل وعلا -، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((أي الربا أربى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم، ثم قرأ {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 58])) . فإذا كان الكلام في عرض أي مسلم كان من أربى الربا عند الله عز وجل فما الشأن بالاستطالة والسب على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم في مقدمة عباد الله المتقين وعباده الصالحين، ولا يشك مسلم في أن النيل منهم بقول الشيء من سب وغيره أنه انتهاك لحرمة أمر الله عز وجل باحترام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. (6) قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1]. ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة يتضح بما قاله السلف في تفسير هذه الآية، فقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه بعد أن سئل عن قوله: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ}، قال: (طعان، لمزة، قال: مغتاب) . وقال مجاهد: (الهمزة الطعان في الناس، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس) . وقال قتادة: ({وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} قال: تهمزه في وجهه وتلمزه من خلفه...) ، فهذه التفاسير لهذه الآية عن هؤلاء الأئمة ن السلف تدل على تحريم اغتياب عموم المؤمنين وهي تنطبق على من أطلقوا ألسنتهم بالوقوع في الصحابة من الرافضة وغيرهم فهم الهمازون لهم بالقول بحيث يزدرونهم وينتقصونهم بالسب والشتم وينسبون إليهم ما لم يقولوه وما لم يفعلوه، ولا شك أن العذاب الذي توعد الله به في هذه الآية سيصيب كل من اتخذ الطعن فيهم ديدنه إن لم يتب ويقلع عن ذلك ويجعل لسانه رطباً بذكرهم بالجميل والترضي عنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما جاء الأمر به لكل من جاء بعدهم من أهل الإيمان، والحاصل مما تقدم ذكره أن تحريم سب الصحابة جاءت الإشارة إليه في القرآن الكريم وأن الواجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى حرم سبهم وازدراءهم وعيبهم بما جرى بينهم وأن يحذر طريقة الروافض الذين لم يراعوا لهم حرمة ولم يقدروهم حق قدرهم وأن من سلك طريقهم ألقى نفسه في المهالك التي لا نجاة منها إلا بالرجوع إلى طريقة أهل الحق من أهل السنة والجماعة والتوبة مما أسلفه من جناية في حق الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين |
ثانيا: الأدلة من السنة على تحريم سب الصحابة لقد دلت السنة النبوية المطهرة على تحريم سب الصحابة والتعرض لهم بما فيه نقص وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في ذلك لأن الله – تعالى – اختارهم لصحبة نبيه ونشر دينه وإعلاء كلمته، وبلغوا الذروة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا له وزراء وأنصاراً يذبون عنه وسعوا جاهدين منافحين لتمكين الدين في أرض الله حتى بلغ الأقطار المختلفة ووصل إلى الأجيال المتتابعة كاملاً غير منقوص، ولمقامهم الشريف ولما لهم من القيام التام بأنواع العبادات، وصنوف الطاعات والقربات جاءت النصوص النبوية القطعية بتحريم سبهم وتجريحهم أو الطعن فيهم والحط من قدرهم ومن تلك النصوص: (1) ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) . وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أيضاً بلفظ: ((كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) . (2) وعند الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله عنه قال: ((كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن بن عوف تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهباً أو مثل الجبال ذهباً لما بلغتم أعمالهم)) . هذان الحديثان اشتملا على النهي والتحذير من سب الصحابة رضي الله عنهم، وفيهما التصريح بتحريم سبهم، وقد عد بعض أهل العلم سبهم (من المعاصي الكبائر) . قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (واعلم أن سب الصحابة رضي الله عنهم حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون) . والنهي في هذين الحديثين المتقدمين كان موجهاً من النبي صلى الله عليه وسلم لمن كانت له صحبة متأخرة، أن يسب من كانت له صحبة متقدمة (لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة، فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة رضي الله عنهم) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإن قيل: فلم نهى خالداً عن أن يسب أصحابه إذ كان من أصحابه أيضاً؟ وقال: ((لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) . قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد وأمثاله يعادونه فيه، وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى، فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل، فنهى أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله، ومن لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه كنسبة خالد إلى السابقين وأبعد. وقوله: ((لا تسبوا أصحابي)) خطاب لكل أحد أن لا يسب من انفرد عنه بصحبته عليه الصلاة والسلام، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: ((أيها الناس إني أتيتكم، فقلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟)) .. أو كما قال بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، قال ذلك لما عاير بعض الصحابة أبا بكر، وذلك الرجل من فضلاء أصحابه ولكن امتاز أبو بكر عنه بصحبته وانفرد بها عنه) اهـ. فالنهي عن سبهم عام لكل من وجد على ظهر الأرض أيا كان عن أن يسب أي واحد من الصحابة. قال المناوي بعد قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((دعوا لي أصحابي)): (الإضافة للتشريف تؤذن باحترامهم وزجر سابهم... ((أنفقتم مثل أحد ذهباً ما بلغتم أعمالهم)) أي: ما بلغتم من إنفاقكم بعض أعمالهم لما قارنها من مزيد إخلاص وصدق نية وكمال يقين، وقوله: ((أصحابي)) مفرد مضاف فيعم كل صاحب له لكنه عموم مراد به الخصوص... يدل على أن الخطاب لخالد وأمثاله ممن تأخر إسلامه وأن المراد هنا متقدموا الإسلام منهم الذي كانت له الآثار الجميلة والمناقب الجليلة في نصرة الدين من الإنفاق في سبيل الله واحتمال الأذى في سبيل الله ومجاهدة أعدائه، ويصح أن يكون من بعد الصحابة مخاطباً بذلك حكماً إما بالقياس أو بالتبعية) . (4) روى الحافظ الطبراني بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا أصحابي، لعن الله من سب أصحابي)) . (5) وروى أيضاً بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) . (6) وروى أيضاً: بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله من سب أصحابي)) . هذه الأحاديث الثلاثة مشتملة على لعن من سب الصحابة ودلت على أن سبهم من الكبائر، وقد جمع الإمام الذهبي الذنوب التي هي كبائر وعد سب الصحابة منها ، فعلى المسلم أن يحذر من بهم أو يتعرض لهم بما يشينهم رضي الله عنهم (وسبهم معناه: شتمهم ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم ((فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) الطرد والإبعاد عن مواطن الأبرار، ومنازل الأخيار، والسب والدعاء من الخلق وتحريم سبهم يشمل من لابس الفتن ومن لم يلابسها، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون فسبهم كبيرة ونسبتهم إلى الضلال أو الكفر كفر) . (7) روى الإمام أحمد وغيره من حديث سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن من أربى الربا الاستطالة على عرض المسلم بغير حق)) . فكل من أطلق لسانه بالسب لهم فهو مستطيل عليهم بغير حق وهو أفاك أثيم إذ لفظ المسلم في الحديث أول ما ينطلق عليهم إذ هم مقدمة المسلمين الذين انقادوا لله تعالى بالطاعة وأخلصوا العبادة له وحده لا شريك له (وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتاباً) . (8) روى الشيخان من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) . فإذا كان هذا الوعيد يلحق من سب أي مسلم كان فما الشأن بمن يسب خيار المسلمين والأبرار من عباده المتقين وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم. قال النووي رحمه الله تعالى: (السب في اللغة الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه والفسق في اللغة الخروج والمراد به في الشرع الخروج عن الطاعة، وأما معنى الحديث فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا فالرافضة والخوارج ومن سلك طريقهم من أهل البدع الذين يشتمون الصحابة ويتكلمون فيهم بما يعيبهم بغير حق فهم أكثر من يدخل في وصف الفسق كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. قال المناوي مبيناً معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق)) (أي: مسقط للعدالة والمرتبة، وفيه تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بالفسق وأن الإيمان ينقص ويزيد لأن الساب إذا فسق نقص إيمانه وخرج عن الطاعة فضره ذنبه لا كما زعم المرجئة، أنه لا يضر مع التوحيد ذنب) . فكل من سب الصحابة رضي الله عنهم أو واحداً منهم أسقط نفسه من العدالة وفسق بذلك وأدى إلى نقصان إيمانه بخروجه عن الطاعة. (9) روى أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ساب الموتى كالمشرف على الهلكة)) . (أراد: الموتى المؤمنين وإيذاء المؤمن الميت أغلظ من الحي لأن الحي ممكن استحلاله، والميت لا يمكن استحلاله، فلذا توعد عليه بالوقوع في الهلاك) . (10) وروى أبو القاسم الطبراني أيضاً: عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ساب المؤمن كالمشرف على الهلكة)) . ومعنى الحديث: (أي: يكاد أن يقع في الهلاك الأخروي، وأراد في ذلك المؤمن المعصوم والقصد به التحذير من السب) . وهذا الحديث والذي قبله تضمنا العقوبة الشديدة التي تلحق ساب أي ميت من المسلمين وأي مؤمن كان فما الشأن بمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم خيار موتى المؤمنين وأفضل المؤمنين بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكل من سبهم يعد من أهلك الهالكين وأخسر الخاسرين بنص هذين الحديثين، فلا يجوز سب أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي وجه، وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن أي كلام يصدر من بعض الصحابة لآخرين منهم يتضمن الأذى وكان يحذر من ذلك أشد التحذير. (11) فقد روى أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: ((شكا عبد الرحمن بن عوف خالداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا خالد لا تؤذ رجلاً من أهل بدر فلو أنفقت مثل أحد ذهباً لم تدرك عمله، قال: يقعون في فأرد عليهم، فقال: لا تؤذوا خالداً فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار)) . فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل أي كلام يتضمن الأذى من بعض الصحابة لآخرين منهم، فما الشأن بحال من ليس من الصحابة ويطلق لسانه عليهم بالسب القبيح الذي يستحي المؤمن من حكايته عنهم، لا شك أن من كان هذا شأنه فإنه أنزل نفسه أقبح المنازل وتجرأ على خيار المؤمنين، وعصى سيد المرسلين في أمره بوجوب الإمساك عن الكلام في شأنهم إذا ذكروا. (12) فقد روى الحافظ الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا)) . فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ذكر أصحابي)) بما شجر بينهم من الحروب والمنازعات (فأمسكوا) وجوباً عن الطعن فيهم والخوض في ذكرهم بما لا يليق فإنهم خير الأمة وخير القرون، ولما جرى بينهم محامل ، فالذي يشغل نفسه بما حصل بينهم من الوقائع ويتخذ ذلك ذريعة لسبهم والطعن فيهم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم في أمره بالإمساك عن الكلام فيهم إذا ذكر ما شجر بينهم وعصاه أيضاً في أمره بالإحسان إليهم وأمره بحفظه فيهم. (13) فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى جابر بن سمرة، قال: ((خطب عمر الناس بالجابية، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مثل مقامي هذا فقال: أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) . فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالإحسان إلى جميع الصحابة والإحسان يكون بالقول كما يكون بالفعل، فيجب على جميع الناس بعدهم أن يحسنوا إليهم بكف ألسنتهم (عن غمطهم أو الوقيعة فيهم بلوم أو تعنيف لبذلهم نفوسهم وإطراحها بين يدي الله تعالى في الحروب وقتالهم القريب والبعيد في ذات الله، وبذلهم أموالهم وخروجهم من ديارهم وصبرهم على البلاء والجهد الذي لا يطيقه غيرهم، وليس ذلك إلا عن أمر عظيم ملك البواطن وصرفها على حكم محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم فاستوجبوا بذلك الرعاية وكمال العناية) . فالذي يسبهم ويطعن فيهم لم يحسن إليهم ولم يمتثل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، وإنما أتى بعكس ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أنه فعل ضد ما أمر به وهو الإساءة إليهم بالقول السيئ نعوذ بالله من ذلك. والأحاديث التي اشتملت على تحريم سب الصحابة والنهي عنه كثيرة فالواجب على كل مسلم أن يحذر من الوقوع في ذلك ويعتقد حرمة ذلك وأنه من أعظم الذنوب التي لا يقع فيها إلا رافضي غال جعل للشيطان على نفسه سبيلاً يتبعه في كل شيء يأمره به مما فيه معصية لله – عز وجل -. والحاصل مما تقدم أن السنة دلت على أن سب الصحابة من أكبر الكبائر، وأفجر الفجور، وأن من ابتلي بذلك فهو من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وقد وفق الله الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة لاحترامهم ومعرفة حقهم وذكرهم بالجميل اللائق بهم، وحفظوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حيث اعتقدوا ما دل عليه الكتاب والسنة من حرمة سبهم فهم العاملون بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم فيما يجب لهم من الحق على الخلق بعدهم حفظ الله أحياءهم ورحم موتاهم... ثالثا: الأدلة من كلام السلف على تحريم سب الصحابة إن النصوص الواردة عن سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان التي تقضي بتحريم سب الصحابة والدفاع عنهم كثيرة جداً ومتنوعة في ذم وعقوبة من أطلق لسانه على أولئك البررة الأخيار وأقوال السلف التي كانوا يواجهون بها الذين ابتلوا بالنيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت في غاية الإنكار على من وقع في ذلك وبيان الخسارة الكبيرة التي يكسبها من أراد الله فتنته بالوقوع والنيل من خير القرون. (1) فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى يوسف بن سعد عن محمد بن حاطب قال: (ونزل في داري حيث ظهر علي رضي الله عنه على أهل البصرة، فقال لي يوماً: لقد شهدت أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر رضي الله عنهم، فذكروا عثمان رضي الله عنه فنالوا منه، فكان علي رضي الله عنه على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم فسألوه، فقال علي رضي الله عنه كان عثمان رضي الله عنه من الذين قال الله تعالى فيهم: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ في أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16]، قال: والله عثمان وأصحاب عثمان رضي الله عنهم قالها ثلاثاً: قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب الله لسمعت هذا من علي رضي الله عنه، قال: آلله لسمعت هذا من علي رضي الله عنه) . (2) وكان رضي الله عنه يعاقب بالجلد الموجع على الكلام الذي فيه إيماء أو إشارة إلى النيل من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد ذكر ابن الأثير (أن رجلين وقفا على باب الدار الذي نزلت فيه أم المؤمنين بالبصرة، فقال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقاً. وقال الآخر: يا أمي توبي فقد أخطأت – فبلغ ذلك علياً – فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة وهما: عجلان، وسعد ابنا عبد الله فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما) . (3) روى أبو داود بإسناده إلى رباح بن الحارث قال: ((كنت قاعداً عند فلان في مسجد الكوفة، وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فرحب به وحياه وأقعده عند رجله على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس بن علقمة، فاستقبله فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ قال: يسب علياً، فقال: ألا أرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير؟ أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول – وإني لغني أن أقول عنه ما لم يقل فيسألني عنه غداً إذا لقيته –: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة، وسكت عن العاشر، قالوا: من هو العاشر؟ فقال: سعيد بن زيد –يعني نفسه-، ثم قال: والله لمشهد رجل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم ولو عمر عمر نوح)) . زاد رزين: ثم قال: ((لا جرم لما انقطعت أعمارهم، أراد الله أن لا يقطع الأجر عنهم إلى يوم القيامة، والشقي من أبغضهم، والسعيد من أحبهم)) . (4) وذكر ابن الأثير عن رزين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (قيل لعائشة: إن ناساً يتناولون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا؟ انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر) . (5) روى ابن بطة بإسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنه قال: ((لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة – يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم – خير من عمل أحدكم أربعين سنة)) . وفي رواية وكيع: ((خير من عبادة أحدكم عمره)) . (6) وروى أبو نعيم بإسناده (أن مزيد بن هزاري أنه لقي سعيد بن جبير بأصبهان، فقال له: إن رأيت أن تفيدني مما عندك؟ فحبس دابته وقال: قال لي ابن عباس: احفظ عني ثلاثاً: إياك والنظر في النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة، وإياك والنظر في القدر، فإنه يدعو إلى الزندقة، وإياك وشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكبك الله في النار على وجهك يوم القيامة) . (7) وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي إلى عريب بن حميد قال: (قام رجل فنال من عائشة رضي الله عنها، فقام عمار رضي الله عنه يتخطى الناس فقال: اجلس مقبوحاً منبوحاً أنت تقع في حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فوالله إنها لزوجته في الدنيا والآخرة) . (8) وروى أبو يعلى والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت لأبي عبد الله الجدلي: (يا أبا عبد الله أيسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم، قلت: أنى يسب رسول صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أليس يسب علي ومن يحبه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه) . (9) وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله بإسناده إلى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، قال: (قلت لأبي: ما تقول في رجل سب أبا بكر؟ قال: يقتل، قلت: سب عمر؟ قال: يقتل) . هذه تسعة نماذج عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها توضيح للطريقة التي كانوا يواجهون بها من أزاغ الله قلبه عن معرفة ما يجب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتن بسبهم والنيل منهم، فقد كان إنكارهم عظيماً على من صدر منه ذلك، فلم يسكتوا عن المتقولين فيهم بل كانوا يردون عليهم إما بذكر فضائلهم وما لهم عند الله من المنزلة العظيمة التي لا يلحقهم فيها غيرهم مهما قدم من العمل، وإما أن يعاقبوا بجلدهم بالسياط، وقد حصل الأمران في موقف علي رضي الله عنه ممن قلل من عثمان وعائشة رضي الله عنهما، وبعض الصحابة كان يعتبر سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سباً للرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم ذلك عن أم سلمة، وبعضهم كان يفتي بقتل من سب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وكل ذلك يدل على عظم الجرم الذي يقع فيه من امتلأ قلبه ببغضهم وخبث لسانه بالقول القبيح فيهم الذي لا يليق إلا بمن صدر منه وقد سلك التابعون بإحسان من أهل السنة والجماعة في مواجهة السابين لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقة الغلظة والشدة عليهم ولم يسكتوا عن أي تعريض بهم، بل اعتبروا الطعن في الصحابة والسب لهم مروقاً من الدين أعاذنا الله من ذلك. (10) فقد روى أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى محمد بن علي بن الحسين بن علي أنه قال لجابر الجعفي: (يا جابر بلغني أن قوماً بالعراق يزعمون أنهم يحبونا ويتناولون أبا بكر وعمر، ويزعمون أني آمرهم بذلك، فأبلغهم عني أني إلى الله منهم بريء والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما إن أعداء الله لغافلون عن فضلهما، فأبلغهم أني بريء منهم وممن تبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما) . (11) وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن الحسن بن علي أنه قال: (ما أرى رجلاً يسب أبا بكر وعمر تيسر له توبة أبداً) . (12) وقال عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي: (من شتم أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقد ارتد عن دينه وأباح دمه) . (13) وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: (الذي يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له سهم أو قال نصيب في الإسلام) . (14) روى محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى الحسن بن الربيع قال: (سمعت أبا الأحوص يقول: لو أن الروم أقبلت من موضعها يعني تقتل ما بين يديها وتقبل حتى تبلغ النخيلة ثم خرج رجل بسيفه فاستنقذ ما في أيديها وردها إلى موضعها ولقي الله وفي قلبه شيء على بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما رأينا أن ذلك ينفعه) . (15) وروى أيضاً: بإسناده إلى عبد الله بن مصعب قال: (قال لي أمير المؤمنين – المهدي – ما تقول في الذين يشتمون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: زنادقة يا أمير المؤمنين، قال: ما علمت أحداً قال هذا غيرك فكيف ذلك؟ قلت: إنما قوم أرادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا أحداً من الأمة يتابعهم على ذلك فيه فشتموا أصحابه رضي الله عنهم يا أمير المؤمنين ما أقبح بالرجل أن يصحب صحابة السوء فكأنهم قالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم صحب صحابة السوء، فقال لي: ما أرى إلا كما قلت) . (16) روى أبو عبيد الله بن بطة إلى أبي بكر بن عياش أنه قال: (لا أصلي على رافضي ولا حروري لأن الرافضي يجعل عمر كافراً، والحروري يجعل علياً كافراً) . (17) روى محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى يعقوب بن حميد قال: (سمعت سفيان بن عيينة يقول: حج هارون الرشيد أمير المؤمنين فدعاني فقال: يا سفيان إن أبا معاوية الضرير حدثني عن أبي جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: سيكون بعدي قوم لهم نبز يسمون الرافضة وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر، فإذا وجدتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون، فقلت: يا أمير المؤمنين اقتلهم بكتاب الله، فقال: يا سفيان وأين موضع ذلك من كتاب الله؟ فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} إلى قوله {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]، يا أمير المؤمنين، فمن غاظه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر) . (18) وقال أيضاً: (من نطق في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة فهو صاحب هوى) . (19) ذكر القرطبي عن عمر بن حبيب قال: (حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع بعضهم الحديث وزادت المرافعة والخصام، حتى قال قائلون منهم: لا يقبل هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فنظر إليّ الرشيد نظر مغضب وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي.. حاسر عن ذراعيه بيده السيف، وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ما جاء به إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله) . (20) روى أبو عبيد الله بن بطة بإسناده إلى هارون بن زياد، قال: (سمعت الفريابي ورجل يسأله عمن شتم أبا بكر، فقال: كافر، قال: فنصلي؟ قال: لا، فسألته: كيف نصنع به وهو يقول: لا إله إلا الله، قال: لا تمسوه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته) . (21) وقال بشر بن الحارث: (من شتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين) . (22) وقال أبو بكر المروزي: (سألت أبا عبد الله عمن شتم أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة رضي الله عنهم، فقال: ما أراه على الإسلام) . (23) وقال محمد بن بشار: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: أحضر جنازة من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ (لو كان من عصبتي ما ورثته) . (24) وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى إسماعيل بن القاسم، قال: (قال لي عبد الله بن سليمان: يا إسماعيل ما تقول فيمن يسب أبا بكر وعمر، قلت: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، قال لي القتال؟ قلت: نعم، قال: وأني لك هذا؟ قلت: بآية من كتاب الله تعالى، فقال: وآية من كتاب الله؟ قلت: نعم، قال: وأي هي من كتاب الله تعالى، قلت له: قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ} [المائدة: 3]، ولا فساد في الأرض أعظم من سب أبي بكر وعمر عليهما السلام، قال لي: أحسنت يا إسماعيل) . وهذه الآثار عن هؤلاء الأئمة كلها دلت على تحريم سب الصحابة عموماً وفيها بيان الخسارة الواضحة التي تلحق من أقحم نفسه في هذا الجرم الكبير وأن من ابتلي بداء المبغضين لخيار الأمة وحمله ذلك على سبهم وتجريحهم إنما رام الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبطال الشريعة الإسلامية من أساسها لأن الصحابة إذا كانوا كذابين فجميع أحكام دين الإسلام باطلة، إذ الدين لم يصل إلينا إلا عن طريقهم فهم الذين تلقوه من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم لم يأخذه إلا عنهم، ومن طعن فيهم، أو جرحهم ماذا يبقى له من الدين وكما دلت تلك الآثار عن أولئك الأسلاف على تحريم سب الصحابة دلت كذلك على أن من تكلم فيهم بكلام لا ينبغي فإنه لا يضرهم وإنما يضر نفسه، فهم رضي الله عنهم قدموا على ما قدموا، وقد قدموا الخير الكثير من الأعمال الجليلة والمآثر الحميدة في نصرة دين الإسلام والكلام فيهم بغير حق إن كانت له حسنات فإنهم يأخذون من حسناته ويضاف ذلك إلى حسناتهم ويزدادون بذلك رفعة عند الله تعالى، وإن لم يكن للمتكلم فيهم حسنات فلا تأثير لكلامه فيهم ولا مضرة عليهم، إذ الذي مدحه الله وأثنى عليه لا يضيره ذم الخلق وتنقصهم. |
المطلب الرابع: أهل السنة يمسكون عما شجر بين الصحابة تمهيد أجمع أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحل والعقد الذين يعتدّ بإجماعهم على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم بعد قتل عثمان رضي الله عنه والاسترجاع على تلك المصائب التي أصيبت بها هذه الأمة والاستغفار للقتلى من الطّرفين والترحم عليهم وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر مناقبهم، عملاً بقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر:10] الآية، واعتقاد أنّ الكلّ منهم مجتهدٌ إن أصاب فله أجران، أجرٌ على اجتهاده وأجرٌ على إصابته، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد والخطأ مغفور، ولا تقول إنّهم معصومون بل مجتهدون إمّا مصيبون وإمّا مخطئون لم يتعمّدوا الخطأ في ذلك. وما روي من الأحاديث في مساويهم الكثير منه مكذوب، ومنه ما قد زيد فيه أو نقص منه وغيّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون. فالصحابة رضي الله عنهم وقعت بينهم بعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزاعات، واشتد الأمر بعد مقتل عثمان، فوقع بينهم ما وقع، مما أدى إلى القتال. وهذه القضايا مشهورة، وقد وقعت بلا شك عن تأويل واجتهاد كل منهم يظن أنه على حق، ولا يمكن أن نقول: إن عائشة والزبير بن العوام قاتلا علياً رضي الله عنهم أجمعين وهم يعتقدون أنهم على باطل، وأن علياً على حق. واعتقادهم أنهم على حق لا يستلزم أن يكونوا قد أصابوا الحق. ولكن إذا كانوا مخطئين، ونحن نعلم أنهم لن يقدموا على هذا الأمر إلا عن اجتهاد، فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر)) ، فنقول: هم مخطئون مجتهدون، فلهم أجر واحد. فهذا الذي حصل موقفنا نحن منه له جهتان: الجهة الأولى: الحكم على الفاعل. والجهة الثانية: موقفنا من الفاعل. - أما الحكم على الفاعل، فقد سبق، وأن ما ندين الله به أن ما جرى بينهم، فهو صادر عن اجتهاد، والاجتهاد إذا وقع فيه الخطأ، فصاحبه معذور مغفور له. وأما موقفنا من الفاعل، فالواجب علينا الإمساك عما شجر بينهم لماذا نتخذ من فعل هؤلاء مجالاً للسب والشتم والوقيعة فيهم والبغضاء بيننا، ونحن في فعلنا هذا إما آثمون وإما سالمون ولسنا غانمين أبدا. فالواجب علينا تجاه هذه الأمور أن نسكت عما جرى بين الصحابة وأن لا نطالع الأخبار أو التاريخ في هذه الأمور، إلا المراجعة للضرورة. ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم؛ منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص عن وجهه الصريح، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. قسم المؤلف الآثار المروية في مساويهم ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما هو كذب محض لم يقع منهم، وهذا يوجد كثيراً فيما يرويه النواصب في آل البيت وما يرويه الروافض في غير آل البيت. القسم الثاني: شيء له أصل، لكن زيد فيه ونقص وغير عن وجهه. وهذان القسمان كلاهما يجب رده. القسم الثالث: ما هو صحيح، فماذا نقول فيه؟ بينه المؤلف بقوله: والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. والمجتهد إن أصاب، فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر واحد، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر)) . فما جرى بين معاوية وعلى رضي الله عنهما صادر عن اجتهاد وتأويل. لكن لا شك أن عليا أقرب إلى الصواب فيه من معاوية، بل قد نكاد نجزم بصوابه، إلا أنّ معاوية كان مجتهداً. ويدل على أن عليا أقرب إلى الصواب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ويح عماراً تقتله الفئة الباغية)) ، فكان الذي قتله أصحاب معاوية، وبهذا عرفنا أنها فئة باغية خارجة على الإمام، لكنهم متأوّلون، والصواب مع علي إما قطعاً وإما ظناً. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره. وهناك قسم رابع: وهو ما وقع منهم من سيئات حصلت لا عن اجتهاد ولا عن تأويل: فبينه المؤلف بقوله: وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره. لا يعتقدون ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)) . ولكن العصمة في إجماعهم؛ فلا يمكن أن يجمعوا على شيء من كبائر الذنوب وصغائرها فيستحلوها أو يفعلوها. ولكن الواحد منهم قد يفعل شيئاً من الكبائر، كما حصل من مسطح بن أثاثه وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش في قصة الإفك، ولكن هذا الذي حصل تطهروا منه بإقامة الحد عليهم. بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر يعني: كغيرهم من البشر، لكن يمتازون عن غيرهم بما قال المؤلف رحمه الله: ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر. هذا من الأسباب التي يمحو الله بها عنهم ما فعلوه من الصغائر أو الكبائر، وهو ما لهم من السوابق والفضائل التي لم يلحقهم فيها أحد، فهم نصروا النبي عليه الصلاة والسلام، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وبذلوا رقابهم لإعلاء كلمة الله، فهذه توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب، إذا لم يصل إلى الكفر. ومن ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة: ((حين أرسل إلى قريش يخبرهم عن مسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، حتى أطلع الله نبيه على ذلك، فلم يصلهم الخبر، فاستأذن عمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضرب عنق حاطب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه شهد بدراً، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)) . حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم خير القرون وإنّ المدّ من أحدهم إذا تصدّق به كان أفضل من جبل أحدٍ ذهباً من بعدهم، ثم إن كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتي بحسنات تمحوه. أو غفر له بفضل سابقته. وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني)) ، وفي قوله: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) . يعني: وإذا تاب منه، ارتفع عنه وباله ومعرته، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، - إلى قوله: - إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68-70]، ومن تاب من الذنب كمن لا ذنب له، فلا يؤثر عليه. لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ} [هود:114]. لقوله تعالى: في الحديث القدسي في أهل بدر: ((اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)) . أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم أحق الناس بشفاعته أو ابتلي ببلاءٍ في الدنيا كفر به عنه فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا، فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور. ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم. فإن البلاء في الدنيا يكفر الله به السيئات، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها)) . والأحاديث في هذا مشهورة كثيرة. فهذه الأسباب التي ذكرها المؤلف ترفع القدح في الصحابة، وهي قسمان: الأول: خاص بهم، وهو مالهم من السوابق والفضائل. والثاني: عام، وهي التوبة، والحسنات الماحية، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، والبلاء. القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل جداً نزر أقل القليل، ولهذا قال: مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم. ولا شك أنه حصل من بعضهم سرقة وشرب خمر وقذف وزنى بإحصان وزنى بغير إحصان، لكن كل هذه الأشياء تكون مغمورة في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، وبعضها أقيم فيه الحدود، فيكون كفارة. ومن نظر في سيرة القوم بعلمٍ وبصيرةٍ، وما مَنَّ الله عليهم به من الفضائل، علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء. فكل هذه مناقب وفضائل معلومة مشهورة، تغمر كل ما جاء من مساوئ القوم المحققة، فكيف بالمساوئ غير المحققة أو التي كانوا فيها مجتهدين متأوّلين. هذا بالإضافة إلى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قوله: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . وعلي هذا تثبت خيرتهم على غيرهم من أتباع الأنبياء بالنص والنظر في أحوالهم. فإذا نظرت بعلم وبصيرة وإنصاف في محاسن القوم وما أعطاهم الله من الفضائل، علمت يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، فهم خير من الحواريين أصحاب عيسي، خير من النقباء أصحاب موسى، وخير من الذين آمنوا من نوح ومع هود وغيرهم، لا يوجد أحد في أتباع الأنبياء أفضل من الصحابة رضي الله عنهم، والأمر في هذا ظاهر معلوم، لقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]، وخيرنا الصحابة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم خير الخلق، فأصحابه خير الأصحاب بلا شك. هذا عند أهل السنة والجماعة، أما عند الرافضة، فهم شر الخلق، إلا من استثنوا منهم. لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى. وأما كون الصحابة صفوة قرون الأمة، فلقوله صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني)) . وفي لفظ: ((خير أمتي قرني)) ، والمراد بقرنه: الصحابة، وبالذين يلونهم: التابعون، وبالذين يلونهم: تابعوا التابعين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والاعتبار بالقرون الثلاثة بجمهور أهل القرن، وهم وسطه، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة، حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك وجمهور تابعي التابعين في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية. اهـ. وكان آخر الصحابة موتاً أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي سنة مائة من الهجرة، وقيل: مائة وعشر. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): واتفقوا على أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين. الفرع الأول: متى بدأ التشاجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ظلماً وعدواناً من قبل الخارجين عليه من أهل مصر، وأهل الكوفة، وأهل البصرة سنة خمس وثلاثين للهجرة كان مصدر بدء التشاجر بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم والقارئ لكتب التواريخ والسير يخرج منها بأن بداية التشاجر بين خير القرون كان بعد قتل ثالث الخلفاء الراشدين وبداية خلافة أبي الحسن رضي الله عنهما الفرع الثاني دوافع التشاجر بين الصحابة إن أعظم دافع لهم إلى ذلك ليس إلا مطالبة الخليفة الرابع بوجوب الإسراع بأخذ القود من أولئك الأشرار قتلة عثمان رضي الله عنه وأرضاه ذلك أن طائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومعاوية رضي الله عنهم أجمعين كانوا يرون أنه لابد من المطالبة بدم عثمان ووجوب الإسراع بإقامة حد الله عليهم كما أمر الله . بينما كان يرى علي رضي الله عنه إرجاء الأمر حتى يبايعه أهل الشام ويستتب له الأمر ليتسنى له بعد ذلك التمكن من القبض عليهم لأنهم كانوا كثيرين في جيش علي ومن قبائل مختلفة وكانوا لهم بعض التمكن حينذاك. قال الحافظ ابن كثير: (ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة – رضي الله عنهم – وطلبوا منه إقامة الحدود والأخذ بدم عثمان فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا) اهـ. ومما يؤكد أن سبب البداية للتشاجر بين الصحابة هو قتل عثمان رضي الله عنه (أن علياً رضي الله عنه بعد أن بويع له بالخلافة شرع في إرسال عماله إلى الأمصار فكان من أرسله إلى الشام بدل معاوية سهل بن حنيف فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية فقالوا: من أنت؟ فقال: أمير قالوا: على أي شي؟ قال: على الشام فقالوا: إن كان عثمان بعثك فحيهلا بك وإن كان غيره فارجع فقال: أو ما سمعتم بالذي كان؟ قالوا بلى فرجع إلى علي، وأما قيس بن سعد بن عبادة – فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور، وقالت طائفة: لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان، وكذلك أهل البصرة، وأما عمارة بن شهاب المبعوث أميراً على الكوفة فصده طليحة بن خويلد – الأسدي – غضباً لعثمان فرجع إلى علي فأخبره) (وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه، يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة، وعمرو بن عنبسة وغيرهم من الصحابة والتابعين: شريك بن حباشة وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غنم... وغيرهم من التابعين) . (ولما كان رأي كل واحد من الفريقين مضاداً لرأي الآخر من هنا اختلفت الكلمة وتفاقم الأمر، وانتشرت الفتنة فما كان من علي رضي الله عنه وهو الخليفة الحق الذي تجب طاعته إلا أن قام بإرسال الكتب المتتابعة إلى معاوية رضي الله عنه يدعوه فيها إلى البيعة غير أن معاوية رضي الله عنه لم يرد شيئا فكرر عليه علي رضي الله عنه ذلك مراراً إلى أن دخل الشهر الثالث من مقتل ذي النورين رضي الله عنه، ثم بعث بعد ذلك طوماراً من رجل فدخل به على علي فقال: ما وراءك؟ قال جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور... فقال علي: أمني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتوراً كترة عثمان؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان) . وقد وجه علي رضي الله عنه جماعة إلى معاوية رضي الله عنه وهو بصفين منهم بشير بن عمرو الأنصاري وقال لهم: (ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم فلما دخلوا على معاوية "قال له بشير بن عمرو: يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، والله محاسبك بعملك ومجازيك بما قدمت يداك إني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءها بينها – إلى أن قال له: - وإنه – أي علي – يدعوك إلى مبايعته فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في آخرتك فقال معاوية: ويبطل دم عثمان؟ لا والله لا أفعل ذلك أبداً) . (وقد دخل أبو الدرداء، وأبو أمامة رضي الله عنهما أيام صفين على معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما فقالا له: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاماً وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق بهذا الأمر منك – فكان جوابه عليهم – أقاتله على دم عثمان وأنه آوى قتلته فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من يبايعه من أهل الشام) فهذه الرواية وما قبله تبين لنا أن معاوية رضي الله عنه كان باذلاً للبيعة بالخلافة لعلي رضي الله عنه لكن بشرط تعجيل القود من قتلة عثمان وكان رأي علي رضي الله عنه أن يدخل معاوية في البيعة أولاً ثم بعد ذلك يتتبع القتلة ويقام عليهم الحد الشرعي بعد إقامة الدعوى والإجابة ثم صدور الحكم فيهم كما أمر الله به. ولكن لما رأى علي ومعاوية رضي الله عنهما رأيين متضادين لا يلتقيان أدى ذلك إلى المنازعة واختلاف الكلمة، ولما رأى علي رضي الله عنه أن الكتب التي وجهها إلى معاوية لم تجد شيئاً بل إن الفتنة بدأت تشتد ولم تزدد الأمور إلا تعقيداً حيث استأثر معاوية رضي الله عنه ببلاد الشام ولم يسمح لأمر علي أن يمتد إليها وهو الخليفة الحق بعد ذي النورين، وأن من حقه على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا، وأخذ في إعداد الجيش لقتال أهل الشام، وحاول الحسن ابنه أن يثنيه عن ذلك وقال له: يا أبتي دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين . فلم يسمع لقوله بل هيأ الجيش ودفع اللواء إلى ولده محمد بن علي – المعروف بابن الحنفية – غير أنه لم يتمكن مما قصده من تسيير الجيش إلى بلاد الشام فإنه جاءه ما شغله عن ذلك وهو توجه أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم إلى البصرة وعندما بلغ هذا الخبر علياً – رضي الله عنه – عدل عن وجهته إلى الشام وغير رأيه وتوجه إلى البصرة بدلاً من الشام وهكذا بدأ النزاع يتدرج بين الصحابة رضي الله عنهم من طور الكتابة والمحاورة إلى طور التعبئة وتجهيز الجيوش استعداداً للقتال والمواجهة للضرب بالسيوف وقد تمثل ذلك في موقعتين: الأولى: موقعة الجمل. الثانية: موقعة صفين. أما موقعة الجمل فقد دارت رحا الحرب فيها بين علي رضي الله عنه ومن معه وبين أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن معهم رضي الله عنهم وذلك أنه: (لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق سنة خمس وثلاثين للهجرة – كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم – أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في هذا العام فراراً من الفتنة فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل أقمن بمكة وقد تجمع بمكة خلق كثير وجم غفير من سادات الصحابة منهم طلحة والزبير حيث استأذنا علياً في الاعتمار فأذن لهما فخرجا إلى مكة وتبعهما كثير من الناس وكذا قدم إلى مكة ابن عمر ومن اليمن يعلى بن أمية عامل عثمان عليها وعبد الله بن عامر عامله على البصرة ولم يزل الناس حينذاك يفدون على مكة ولما كثروا فيها قامت فيهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فحثتهم على القيام بطلب دم عثمان وذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام ولم يراقبوا جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سفكوا الدماء وأخذوا الأموال، فاستجاب الناس لها وطاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة وقالوا لها: حيثما سرت سرنا معك وبعد أن تعددت آراؤهم في تحديد الجهة التي يسيرون إليها أجمعوا على الذهاب إلى البصرة فلما أتوا البصرة منعهم من دخولها عثمان بن حنيف عامل علي عليها حينذاك وجرت بينه وبينهم مراسلة ومحاورة حتى وصل الأمر بهم إلى المشاجرة ثم ما لبثوا أن اصطلحوا بعد ذلك إلى أن يقدم علي رضي الله عنه لأنه بلغهم أنه متوجه إليهم – وكما تقدم قريباً أنه عدل عن المسير إلى الشام بعد أن بلغه مسير أم المؤمنين عائشة إلى البصرة فأخذ في الاتجاه بعدهم في جمع كبير وهو يرجو أن يدركهم قبل وصولهم إلى البصرة فلما علم أنهم قد فاتوه، استمر في طريقه إليهم قاصداً البصرة من أرض العراق) . |
لما انتهى إلى البصرة كاتب أبا موسى الأشعري رضي الله عنه – عامله على الكوفة وطلب منه أنه يستنفر الناس ليلحقوا به غير أن أبا موسى رضي الله عنه كان يرى عكس رأي علي فكان يدعو إلى القعود ويقول: (وإنما هي فتنة وجعل كلما جاء رسول من عند علي رده بمثل ذلك حتى أرسل علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر فقال الحسن لأبي موسى: لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يخاف علي شيء فقال: صدقت بأبي وأمي ولكن المستشار مؤتمن سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب)) وقد جعلنا الله إخواناً وحرم علينا دماءنا وأموالنا فكان كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر – ولكن مع ذلك استجاب للنفير كثير من الناس فخرج مع الحسن جمع كبير من أهل الكوفة وقدموا على علي رضي الله عنه فتلقاهم بذي قار إلى أثناء الطريق في جماعة منهم ابن عباس فرحب بهم وقال: يا أهل الكوفة أنتم لقيتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نريده وإن أبوا داويناهم بالرفق حتى يبدءونا بالظلم، ولن ندع أمراً فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله تعالى) وفي هذا توضيح لمقصد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأن مقصده الأول والأخير هو طلب الإصلاح وأن القتال كان غير محبب إلى نفسه لاسيما مع إخوانه البررة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا كان مقصد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير من خروجهم من مكة إلى البصرة من أرض العراق هو التماس الإصلاح بين المسلمين بأمر يرتضيه طرفا النزاع ويحسم به الاختلاف وتجتمع به كلمة المسلمين ولم يخرجوا مقاتلين ولا داعين لأحد منهم ليولوه الخلافة هذا ما قرره العلماء من أهل السنة، قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى: (وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة رضي الله عنهم ومن معهم فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة ولا أحدثوا إمامة أخرى ولا حددوا بيعة لغيره هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن فإذ لاشك في كل هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافاً عليه ولا نقصاً لبيعته ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته هذا مما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ظلماً، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم فبيتوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم حتى خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم وكل طائفة تظن ولا شك أن الأخرى بدئ بها بالقتال واختلط الأمر اختلاطاً لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون من شن الحرب وإضرامها فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها) .
وقال أبو بكر بن العربي في صدد ذكره للغرض الذي خرجت له عائشة ومن معها من مكة إلى البصرة: (ويمكن أنهم خرجوا في جمع طوائف المسلمين وضم نشرهم وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا وهذا هو الصحيح لا شيء سواه) . وقال أبو الوليد بن رشد المالكي: بعد ذكره قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] الآية (فأرادت عائشة رضي الله عنها بقولها والله أعلم: ما رأيت ما ترك الناس في هذه الآية نسبة التقصير إلى من أمسك من الصحابة عن الدخول في الحرب التي وقعت بينهم واعتزالهم وكف عنهم ولم يكن مع بعضهم على بعض ورأت أن الأحظ لهم والواجب عليهم إنما كان أن يرموا الإصلاح بينهم) ، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في صدد ذكره لبعض الأدلة التي تدل على أن عائشة رضي الله عنها ما خرجت إلا للإصلاح: (ويدل لذلك أن أحداً لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا علياً في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة) . فأهل السنة والجماعة مجمعون على أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ما قصدت بخروجها إلى البصرة إلا الإصلاح بين بنيها رضي الله عنها وبهذا وردت أخبار منها: (1) روى ابن جرير الطبري: (أن عثمان بن حنيف لما بلغه مجيء عائشة رضي الله عنها إلى البصرة أرسل إليها عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي فقال لهما: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها، وعلم من معها فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحفير فاستأذنا فأذنت لهما فسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطي لبنيه الخبر إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام، فسفكوه وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام ومزقوا الأعراض والجلود وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا وقرأت {لاَّ خَيْرَ في كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114]) . (2) وروى أيضاً: (أن علياً رضي الله عنه لما نزل بذي قار دعا القعقاع بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يا ابن الحنظلية فادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم الفرقة.. فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة رضي الله عنها فسلم عليها وقال: أي أمه ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت أي بني إصلاح بين الناس قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما فبعثت إليهما فجاءا فقال: إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفناه لنصلحن، ولئن أنكرناه لا نصلح قالا: قتلة عثمان رضي الله عنه فإن هذا إن ترك كان تركاً للقرآن) . (3) لما رجع القعقاع بن عمرو إلى علي رضي الله عنه وأخبره أن أصحاب الجمل استجابوا إلى ما بعثه به إليهم أذعن علي لذلك وبعث إلى طلحة والزبير يقول: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر فأرسلا إليه: (إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس) ففي هذه الأخبار دليل واضح على أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تكن تقصد بخروجها هي ومن معها تفريق الجماعة ولا شفاء حقد بينها وبين علي كما يزعمه ذلك مبغضوا الصحابة من الرافضة، وإنما الغرض الذي كانت تريده الإصلاح بين الناس ابتغاء مرضات الله راجية الثواب على ذلك من الله، كما أن الذين طلبوا منها الخروج وهم طلحة والزبير ومن معهما كانوا كذلك، وكانوا يعلقون آمالاً على خروجها في حسم الاختلاف وجمع الكلمة ولم يكن يخطر على بالهم قتل أحد لأنهم ما أرادوا إلا الإصلاح ما استطاعوا. قال أبو بكر بن العربي في صدد ذكره لبيان الغرض الذي خرجت من أجله أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هي ومن معها قائلاً: (فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم فيراعوا حرمة نبيهم واحتجوا عليها عندما حاولت الامتناع بقول الله تعالى: {لاَّ خَيْرَ في كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] ثم قالوا لها: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج في الصلح وأرسل فيه فرجت المثوبة واغتنمت الفرصة وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها) . وقال أيضاً: في معرض الرد على من قال: إن أهل البصرة لما عرفوا بمجيء عائشة وطلحة والزبير خرجوا ليقاتلوهم وعلى رأسهم حكيم بن جبلة قال في شأن حكيم هذا: (وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة، وإنما جاءوا ساعين في الصلح راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن بين بطلان الحديث الذي نصه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: ((تقاتلين علياً وأنت ظالمة)) ، بيّن أن هذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة ولا له إسناده معروف وبين أنه إلى الموضوعات أشبه ثم قال بعد ذلك: (فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين... لا قاتلت ولا أمرت بقتال هكذا ذكر غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار) . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى مبيناً القصد الذي خرجت من أجله عائشة رضي الله عنها هي ومن معها: (والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنهم أجمعين وكان رأي علي الاجتماع على الطاعة وطلب أولياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه) . فلا مقصد إذن من خروج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هي ومن معها من الصحابة من مكة إلى البصرة إلا بغية الإصلاح بين المسلمين ولم تخرج لقتال ولا أمرت به ثم أيضاً: إن فكرة الصلح لم تكن عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هي ومن معها فحسب بل كانت أيضاً: تجول في فكر علي رضي الله عنه ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم معنا قريباً أن علياً رضي الله عنه بعث إلى طلحة والزبير يقول: (إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر فأرسلا إليه: إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس) ولما كان جوابهم على علي رضي الله عنه بهذا (اطمأنت النفوس وسكنت واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم وبعثوا إليه محمد بن طلحة السجاد وعولوا جميعاً على الصلح وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية) . فهكذا كانت فكرة الصلح مسيطرة على عقول الجميع من الطرفين كما كانت هدفهم الذي يهدفون إليه حتى في وقت استعدادهم للقتال وفي أثناء تنظيم الجيوش. قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: (ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعاً وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت ربيعة فوقهم وهم لا يشكون في الصلح ونزلت اليمن أسفل منهم ولا يشكون في الصلح... ونزل علي بحيالهم، فنزلت مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن فكان بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح وكان أصحاب علي عشرون ألفاً، وخرج علي وطلحة والزبير فتوافقوا فلم يروا أمراً أمثل من الصلح ووضع الحرب فافترقوا على ذلك) . ولما أرسلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلى علي رضي الله عنه تعلمه أنها إنما جاءت للصلح فرح هؤلاء وهؤلاء لاتفاقهم على رأي واحد وهو الصلح ولما رجع القعقاع بن عمرو من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم (جمع علي الناس ثم قام خطيباً فيهم – فحمد الله – عز وجل وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذي يليه ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة وأرادوا رد الأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره، ومصيب ما أراد ألا وإني راحل غداً فارتحلوا، ألا ولا يرتحلن معي أحد أعان على قتل عثمان في شيء من أمور الناس) . ففكرة الصلح كانت هي المقصد الذي يطلبه الفريقان واتفقوا عليه وكان المسلمون حينئذ مجمعين على وجوب إقامة الحد وتنفيذ القصاص في قتلة عثمان ولم يخطر القتال على بال أحد منهم، ولكن المفسدين في الأرض الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه أصابهم الغم وأدركهم الحزن من اتفاق الكلمة وجمع الشمل، وأيقنوا أن الصلح الذي حصل الاتفاق عليه بين علي وأم المؤمنين وطلحة والزبير رضي الله عنهم سيكشف أمرهم وسيسلم رؤوسهم إلى سيف الحق وقصاص الخليفة فباتوا يدبرون أمرهم بليل شديد الظلمة فلم يجدوا سبيلاً لنجاتهم إلا بأن يعملوا على إبطال الصلح وتفريق صفوف المسلمين وذلك بأن يقوموا بعمل يحير العقلاء ويجعل كل فريق يسيء الظن بالآخر. فقد أجمعوا على إنشاب الحرب في السر واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر وخاصة بعد أن تيقنوا أن رأي علي فيهم موافق لرأي طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم وقض مضجعهم قوله رضي الله عنه في خطبته التي ذكرناها آنفاً: (ألا وإني راحل غداً فارتحلوا ألا ولا يرتحلن معي أحد أعان على قتل عثمان في شيء من أمور الناس) (فلما قال هذا اجتمع من رؤوسهم جماعة كالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى وعبدالله بن سبأ – المعروف بابن السوداء- وسالم بن ثعلبة وعلياء بن الهيثم وغيرهم في ألفين وخمسمائة وليس فيهم صحابي ولله الحمد فقالوا: ما هذا الرأي؟ وعلي والله أعلم بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك وقد قال ما سمعتم غداً يجمع عليكم الناس، وإنما يريد القوم كلهم أنتم فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم؟ فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم فإن كان اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا ألحقنا علياً بعثمان فرضي القوم منا بالسكوت فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت لو قتلناه فإنا يا معشر قتلة عثمان – في ألفين وخمسمائة – وطلحة والزبير وأصحابهما في خمسة آلاف لا طاقة لكم بهم وهم إنما يريدونكم. فقال علياء بن الهيثم: دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها فقال ابن السوداء: بئس ما قلت، إذاً والله كان يتخطفكم الناس، ثم قال ابن السوداء: قبحه الله يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فإذا التقى الناس فأنشبوا الحرب والقتال بين الناس ولا تدعوهم يجتمعون، فمن أنتم معه لا يجد بداً من أن يمتنع ويشغل الله طلحة والزبير ومن معهما عما يحبون ويأتيهم ما يكرهون فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه) فاجتمعوا على هذا الرأي الذي تفوه به الخبيث عبد الله بن سبأ اليهودي (فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم فخرجوا متسللين وعليهم ظلمة فخرج مضريهم إلى مضريهم، وربيعهم إلى ربيعهم ويمانيهم إلى يمانيهم فوضعوا فيهم السلاح بغتة فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم، وبلغ طلحة والزبير ما وقع من الاعتداء على أهل البصرة فقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلاً وفي نفس الوقت حسب خطة أولئك المفسدين ذهبت منهم فرقة أخرى في ظلمة الليل ففاجأت معسكر علي بوضع السيف فيهم وقد وضعت السبئيه رجلاً قريباً من علي يخبره بما يريدون فلما سمع علي الصوت عندما هجموا على معسكره قال: ما هذا؟ قال ذلك الرجل: ما شعرنا إلا وقوم من أهل البصرة قد بيتونا) . (فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر وكان أمر الله قدراً مقدوراً وقامت الحرب على قدم وساق وتبارز الفرسان، وجالت الشجعان فنشبت الحرب وتوافق الفريقان وقد اجتمع مع علي عشرون ألفاً، والتف على عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفاً فإنا لله وإنا إليه راجعون والسبئية أصحاب ابن السوداء – قبحه الله – لا يفترون عن القتل ومنادي علي ينادي ألا كفوا، ألا كفوا فلا يسمع أحد) فاشتدت المعركة وحمي الوطيس وقد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا يذفف على جريح ولا يتبع مدبر وقد قتل من هذا خلق كثير جداً حتى حزن علي رضي الله عنه أشد الحزن وجعل يقول لابنه الحسن: (يا بني ليت أباك مات منذ عشرين سنة فقال له: يا أبه قد كنت أنهاك عن هذا قال: يا بني إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا) ثم نزل بنفسه إلى ميدان المعركة لإنهاء القتال (وطلب طلحة والزبير ليكلمهما فاجتمعوا حتى التقت أعناق خيولهم فذكرهما بما ذكرهما به فانتهى الأمر برجوع الزبير يوم الجمل وفي أثناء رجوعه رضي الله عنه نزل وادياً يقال له: وادي السباع فاتبعه رجل يقال له عمرو بن جرموز فجاءه وهو نائم فقتله غيلة) وأما طلحة رضي الله عنه فإنه بعد (أن اجتمع به علي فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف فجاءه سهم غرب فوقع في ركبته وقيل في رقبته والأول أشهر، وانتظم السهم مع ساقه خاصرة الفرس فجمح به حتى كان يلقيه وجعل يقول: إلي عباد الله فأدركه مولى له فركب وراءه وأدخله البصرة فمات بدار فيها ويقال: إنه مات بالمعركة) ولم تنته موقعة الجمل برجوع الزبير واستشهاد طلحة رضي الله عنهما بل اشتدت الحرب بين الفريقين (حتى أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقدمت وهي في هودجها وناولت كعب بن سور قاضي البصرة مصحفاً وقالت ادعهم إليه وذلك حين اشتد الحرب وحمي القتال فلما تقدم كعب بن سور بالمصحف يدعو إليه استقبله مقدمة جيش الكوفيين وكان عبد الله بن سبأ – وهو ابن السوداء – وأتباعه بين يدي الجيش يقتلون من قدروا عليه من أهل البصرة لا يتوقفون في أحد، فلما رأوا كعب بن سور رافعاً المصحف رشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد فقتلوه ووصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فجعلت تنادي الله الله يا بني اذكروا يوم الحساب ورفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان، فضج الناس معها بالدعاء حتى بلغت الضجة إلى علي فقال: ما هذا؟ فقالوا: أم المؤمنين تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم فقال: اللهم العن قتلة عثمان) . (ولما رأى علي رضي الله عنه أن المعركة حميت حول الجمل أمر بعقره على ما يقال كي لا تصاب أم المؤمنين لأنها بقيت غرضاً للرماة ولينفصل هذا الموقف الذي تفانى فيه الناس ولما سقط البعير إلى الأرض انهزم من حوله من الناس وانتهت المعركة وحملت أم المؤمنين بأمر من علي وهي مكرمة معززة ودخلت البصرة ومعها أخوها محمد بن أبي بكر) . وأما علي رضي الله عنه، فإنه (أقام بظاهر البصرة ثلاثاً ثم صلى على القتلى من الفريقين... ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر، وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة فمن عرف شيئاً هو لأهلهم فليأخذه إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين – عشرة آلاف خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء رحمهم الله ورضي عن الصحابة منهم وقد سأل بعض أصحاب علي علياً أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير فأبى عليهم) . (ولما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة بعث إليها علي رضي الله عنه بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها – أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه، جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها فقال علي: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة وسار علي معها مودعاً ومشيعاً أميالاً، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين، وقصدت في سيرها ذلك إلى مكة، فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة رضي الله عنها) . ومما تقدم ذكره بشأن موقعة الجمل تبين أن القتال وقع بين الصحابة فيما بينهم كان بدون قصد منهم ولا اختيار وأن حقيقة المؤامرة التي قام بها قتلة عثمان خفيت على كلا الفريقين حتى ظن كل منهما أن الفريق الآخر قصده بالقتال. وقد وضح حقيقة هذه المؤامرة العلامة ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله قال أبو محمد بن حزم: (وأما أهل الجمل فما قصدوا قط قتال علي رضوان الله عليه ولا قصد علي رضوان الله عليه قتالهم وإنما اجتمعوا بالبصرة للنظر في قتلة عثمان رضوان الله عليه وإقامة حق الله تعالى فيهم، فتسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم وكانوا أعداداً عظيمة يقربون من الألوف – فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين إلى الدفاع عن أنفسهم إذ رأوا السيف قد خالطهم) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في القتال ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير وقصدوا الاتفاق على المصلحة وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة وكان علي غير راض بقتل عثمان ولا معيناً عليه كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله وهو الصادق البار في يمينه فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة فحملوا دفعاً عن أنفسهم فظن علي أنهم حملوا عليه فحمل دفعاً عن نفسه فوقعت الفتنة بغير اختيارهم) . فهكذا أنشب الحرب بين علي وأخويه الزبير وطلحة قتلة عثمان الأشرار دون أن يفطن لذلك أولئك الأخيار من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وأما موقعة صفين: فقد دارت رحا الحرب فيها بين أهل العراق من أصحاب علي رضي الله عنه وبين أهل الشام من أصحاب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ذلك أن علياً رضي الله عنه لما فرغ من موقعة الجمل ودخل البصرة وشيع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما أرادت الرجوع إلى مكة ثم سار من البصرة إلى الكوفة فدخلها وكان في نيته أن يمضي ليرغم أهل الشام على الدخول في طاعته كما كان في نية معاوية ألا يبايع حتى يقام الحد على قتلة عثمان رضي الله عنه، أو يسلموا إليه ليقتلهم ولما دخل علي رضي الله عنه الكوفة شرع في مراسلة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فقد بعث إليه جرير بن عبد الله البجلي ومعه كتاب أعلمه فيه (باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ودعاه فيه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله أعطاه الكتاب فطلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان وإن لم يفعل لم يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان رضي الله عنه فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا: وحينئذ خرج من الكوفة عازماً على دخول الشام فعسكر بالنخيلة وبلغ معاوية أن علياً قد خرج بنفسه فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضاً بنفسك فتهيأ أهل الشام وتأهبوا، وخرجوا أيضاً: إلى نحو الفرات من ناحية صفين حيث يكون مقدم علي بن أبي طالب رضي الله وسار علي رضي الله عنه بمن معه من الجنود من النخيلة قاصداً أرض الشام فالتقى الجمعان في صفين – أوائل ذي الحجة سنة ست وثلاثين) . ومكث علي يومين لا يكاتب معاوية، ولا يكاتبه معاوية، ثم دعا علي بشير بن عمرو الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي فقال لهم: (ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم: فلما دخلوا على معاوية جرى بينه وبينهم حوار لم يوصلهم إلى نتيجة فما كان من معاوية إلا أن أخبرهم أنه مصمم على القيام بطلب دم عثمان الذي قتل مظلوماً) . ولما رجع أولئك النفر إلى علي رضي الله عنه وأخبروه بجواب معاوية رضي الله عنه لهم وأنه لن يبايع حتى يقتل القتلة أو يسلمهم (عند ذلك نشبت الحرب بين الفريقين واقتتلوا مدة شهر ذي الحجة كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين ولما دخل شهر المحرم تحاجز القوم رجاء أن تقوم بينهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى الصلح والمراسلة بين الناس وحقن دمائهم) ثم في خلال هذا الشهر بدأت مساعي الصلح والمراسلة تتكرر بين الطرفين ولكن انسلخ شهر المحرم ولم يحصل لهم أي اتفاق، ولم يقع بينهم صلح. (ثم نشبت الحرب بين الطائفتين أياماً ثمانية وكان أشدها وأعنفها ليلة التاسع من صفر سنة سبع وثلاثين حيث سميت هذه الليلة (ليلة الهرير) تشبيهاً لها بليلة القادسية اشتد القتال فيها حتى توجه النصر فيها لأهل العراق على أهل الشام) وتفرقت صفوفهم وكادوا ينهزمون فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا: (هذا بيننا وبينكم قد فني الناس فمن لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق، فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله – عز وجل – وننيب إليه) (ولما رفعت المصاحف بالرماح توقفت الحرب ولما رفع أهل الشام المصاحف اختلف أصحاب علي رضي الله عنه وانقسموا عليه فمنهم من رأى الموافقة على التحكيم، ومنهم من كان يرى الاستمرار في القتال حتى يحسم الأمر، وهذا كان رأي علي رضي الله عنه في بادئ الأمر، ثم وافق أخيراً على التحكيم) . فتم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة صفين وهو أن يحكم كل واحد منهما رجلاً من جهته، ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين فوكل معاوية عمرو بن العاص ووكل علي أبا موسى الأشعري رضي الله عنهم جميعاً، ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والأمة أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين - كليهما - عهد الله وميثاقه أنهما على ما في ذلك الكتاب وأجلا القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك فعلى تراض منهما وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح ولما كان شهر رمضان جعل الاجتماع كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين وذلك أن علياً رضي الله عنه لما كان مجيء رمضان بعث أربعمائة فارس مع شريح بن هانئ ومعهم أبو موسى، وعبد الله بن عباس، وإليه الصلاة، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام ومعهم عبد الله بن عمر، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام بينها وبين كل من البلدين تسع مراحل – وشهد معهم جماعة من رؤوس الناس كعبد الله بن هشام المخزومي وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري، وأبو جهم بن حذيفة فلما اجتمع الحكمان وتراوضا على المصلحة للمسلمين ونظرا في تقدير الأمور ثم اتفقا على أن يكون الفصل في موضوع النزاع بين علي ومعاوية يكون لأعيان الصحابة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم هذا ما اتفق عليه الحكمان فيما بينهما لا شيء سواه. أما ما يذكره المؤرخون من أن الحكمين لما اجتمعا بأذرح من دومة الجندل وتفاوضا واتفقا على أن يخلعا الرجلين فقال عمرو بن العاص لأبي موسى: اسبق بالقول فتقدم فقال: إني نظرت فخلعت علياً عن الأمر وينظر المسلمون لأنفسهم كما خلعت سيفي هذا من عنقي أو من عاتقي وأخرجه من عنقه فوضعه في الأرض، وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر: كما أثبت سيفي هذا في عاتقي وتقلده، فأنكر أبو موسى فقال عمرو: كذلك اتفقنا وتفرق الجمع على ذلك الاختلاف . فهذه الحكاية وما يشبهها من اختلاف أهل الأهواء والبدع الذين لا يعرفون قدر أبي موسى وعمرو بن العاص ومنزلتهما الرفيعة في الإسلام. قال أبو بكر بن العربي مبيناً كذب ذلك: (هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع) . ولم يكتف الواضعون من أهل التاريخ بهذا بل وسموا الحكمين بصفات يتخذون منها وسيلة للتفكه والتندر، وليتخذ منه أعداء الإسلام صوراً هزيلة لأعلام الإسلام في المواقف الحرجة، فقد وصفوا عمرو بن العاص رضي الله عنه بأنه كان صاحب غدر وخداع ووصفوا أبا موسى بأنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوع في القول كما وصفوه بأنه كان على جنب كبير من الغفلة ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضية التحكيم حيث اتفقا على خلع الرجلين فخلعهما أبو موسى واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية كل هذه الصفات الذميمة يحاول المغرضون إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين اللذين اختارهما المسلمون ليفصلا في خلاف كبير أدى إلى قتل الآلاف من المسلمين وكل ذي لب يعلم أن المسلمين لا يسندون الفصل في هذا الأمر إلى أبي موسى وعمرو بن العاص رضي الله عنهما إلا لعلمهم بما هما عليه من الفضل، وأنهما من خيار الأمة المحمدية، ومن أكثرهم ثقة وورعاً وأمانة فكيف يصف الغافلون هذين الرجلين بما وصفوهما به من المكيدة والخداع وضعف الرأي والغفلة، ولكن تلك الأوصاف هي أليق بمن تفوه بها من أهل الأهواء، وقد تجاهل أولئك الواصفون لأبي موسى وعمرو بما تقدم ذكره أموراً لو دققوا النظر فيها لاستحيوا من ذكر تلك الأوصاف وتلك الأمور هي: الأمر الأول: أنهم تجاهلوا أن معاوية لم يكن خليفة ولا هو ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه أو تثبيتها له. الأمر الثاني: أن سبب النزاع هو أخذ الثأر لعثمان رضي الله عنه من قتلته فلما طلب علي البيعة من معاوية (اعتل بأن عثمان قتل مظلوماً وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك والتمس من علي أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك) ومعنى هذا أن معاوية كان مسلماً لعلي بالخلافة لأنه طلب منه بوصفه الخليفة تسليم القتلة، أو إقامة الحد عليهم باعتباره أمير المؤمنين، وكان رأي علي أن يدخل معاوية ومن معه من أهل الشام فيما دخل فيه الناس من البيعة له، ثم يتقدم أولياء عثمان بالمحاكمة إليه (فإن ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه فاختلفوا بحسب ذلك) . |
قال أبو محمد بن حزم مبيناً أن القتال الذي دار بين علي ومعاوية كان مغايراً لقتال علي الخوارج حيث قال: (وأما أمر معاوية رضي الله عنه فبخلاف ذلك ولم يقاتله علي رضي الله عنه لامتناعه من بيعته لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر وغيره لكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الإمام الواجبة طاعته فعلي المصيب في هذا ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان رضي الله عنه على البيعة ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه من ولد عثمان وولد الحكم بن أبي العاص لسنه ولقوته على الطلب بذلك كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن سهل أخا عبد الله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت وهو أخو المقتول وقال له: كبر كبر فسكت عبد الرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابنا مسعود وهما ابنا عم المقتول لأنهما كانا أسن من أخيه فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه وأصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم في الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم أجراً واحداً وللمصيب أجران – إلى أن قال – وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه وقاتل دونه فإنه يجب على الإمام أن يقاتله وإن كان منا وليس بمؤثر في عدالته وفضله ولا بموجب له فسقاً بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير فبهذا قطعنا على صواب علي رضي الله عنه وصحة إمامته وأنه صاحب الحق وأن له أجرين أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة وقطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجراً واحداً) . فابن حزم رحمة الله عليه يقرر في هذا النص أن النزاع الذي كان بين علي ومعاوية إنما هو في شأن قتلة عثمان وليس اختلافاً على الخلافة إذ أن معاوية رضي الله عنه لم ينكر فضل علي واستحقاقه للخلافة وإنما امتنع عن البيعة حتى يسلمه القتلة أو يقتلهم وكان علي رضي الله عنه يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك فتحكيمهما إذن إنما هو في محل النزاع، وليس من أجل الخلافة. الأمر الثالث: أن موقف أبي موسى الأشعري في التحكيم لم يكن أقل من موقف عمرو بن العاص في شيء ولذلك عد المؤرخون المنصفون هذا الموقف من مفاخر أبي موسى بعد موته بأجيال وصار مصدر فخر لأحفاده من بعده حتى قال ذو الرمة الشاعر مخاطبا بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري بأبيات منها: أبوك تلافى الدين والناس بعدما تشاءوا وبيت الدين منقطع الكسر فشد أصار الدين أيام أذرح ورد حروباً قد لقحن إلى عقر فلم يول رضي الله عنه في الفصل في قضية التحكيم إلا لما علم فيه من الفطنة والعلم وقدرته على حل المعضلات فقد ولاه النبي صلى الله عليه وسلم هو ومعاذ بن جبل قبل حجة الوداع على بلاد اليمن حيث بعث كل واحد منهما على مخلاف وأوصاهما عليه الصلاة والسلام بأن ييسرا ولا يعسرا وأن يبشرا ولا ينفرا وما توليته عليه الصلاة والسلام لأبي موسى إلا لعلمه بصلاحه للإمارة. قال العلامة ابن حجر رحمه الله عند شرحه لحديث بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن: (واستدل به على أن أبا موسى كان عالماً فطناً حاذقاً، ولولا ذلك لم يوله النبي صلى الله عليه وسلم الإمارة، ولو كان فوض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم علي وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة لما صدر منه في التحكيم بصفين) فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة، وأن عمراً لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى ولم يخرج عما اتفقا عليه من تفويض الحسم في موضع النزاع إلى النفر الذين بقوا على قيد الحياة ممن توفي عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم. قال ابن كثير: (والحكمان كانا من خيار الصحابة وهما: عمرو بن العاص السهمي – من جهة أهل الشام- والثاني: أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري – من جهة أهل العراق، وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين وحقن لدمائهم وكذلك وقع) . وإذا كان قرارهما الذي اتفقا عليه لم يتم فما في ذلك تقصير منهما فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتهادهما واقتناعهما ولو لم تكلفهما الطائفتان معاً بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها ولا أبديا رأيا فيها، وكل ما تقدم ذكره في هذا المبحث عن موقعتي الجمل وصفين وقضية التحكيم هو اللائق بمقام الصحابة فهو خال مما دسه الشيعة الرافضة وغيرهم على الصحابة في تلك المواطن من الحكايات المختلقة والأحاديث الموضوعة ومما يعجب له الإنسان أن أعداء الصحابة إذا دعوا إلى الحق أعرضوا وقالوا: لنا أخبارنا ولكم أخباركم ونحن حينئذ نقول لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. موقف أهل السنة من تلك الحرب: إن موقف أهل السنة والجماعة من الحرب التي وقعت بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم هو الإمساك عما شجر بينهم إلا فيما يليق بهم رضي الله عنهم لما يسببه الخوض في ذلك من توليد العداوة والحقد والبغض لأحد الطرفين وذلك من أعظم الذنوب وقالوا: إنه يجب على كل مسلم أن يحب الجميع ويترضى عنهم ويترحم عليهم ويحفظ لهم فضائلهم، ويعترف لهم بسوابقهم، وينشر مناقبهم وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهاد والجميع مثابون في حالتي الصواب والخطأ غير أن ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ في اجتهاده وأن القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة، ولم يجوز أهل السنة والجماعة الخوض فيما شجر بينهم. وقبل أن أذكر طائفة من أقوال أهل السنة التي تبين موقفهم فيما شجر بين الصحابة أذكر بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى ما وقع بين الصحابة من الاقتتال وبما وصفوا به فيها وتلك النصوص هي: (1) قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]. ففي هذه الآية أمر الله تعالى بالإصلاح بين المؤمنين إذا ما جرى بينهم قتال لأنهم إخوة وهذا الاقتتال لا يخرجهم عن وصف الإيمان حيث سماهم الله – عز وجل – مؤمنين وأمر بالإصلاح بينهم وإذا كان حصل اقتتال بين عموم المؤمنين ولم يخرجهم ذلك من الإيمان فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اقتتلوا في موقعة الجمل وبعدها أول من يدخل في اسم الإيمان الذي ذكر في هذه الآية فهم لا يزالون عند ربهم مؤمنين إيماناً ولم يؤثر ما حصل بينهم من شجار في إيمانهم بحال لأنه كان عن اجتهاد . (2) روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان وتكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة)) . فالمراد بالفئتين جماعة علي وجماعة معاوية، والمراد بالدعوة الإسلام على الراجح وقيل المراد اعتقاد كل منهما الحق . (3) وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق)) والفرقة المشار إليها في الحديث هي ما كان من الاختلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما وقد وصف صلى الله عليه وسلم الطائفتين معاً بأنهما مسلمتان وأنهما متعلقتان بالحق. والحديث علم من أعلام النبوة (إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن علياً هو المصيب وإن كان معاوية مجتهداً وهو مأجور إن شاء الله ولكن علي هو الإمام فله أجران كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) . (4) وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكرة قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب جاء الحسن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)) . ففي هذا الحديث شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام الطائفتين أهل العراق وأهل الشام والحديث فيه رد واضح على الخوارج الذين كفروا علياً ومن معه ومعاوية ومن معه بما تضمنه الحديث من الشهادة للجميع بالإسلام ولذا كان يقول سفيان بن عيينة: (قوله: فئتين من المسلمين يعجبنا جداً) قال البيهقي: (وإنما أعجبهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماهما جميعاً مسلمين وهذا خبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان من الحسن بن علي بعد وفاة علي في تسليمه الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان) . فهذه الثلاثة الأحاديث المتقدم ذكرها كلها فيها الإشارة إلى أهل العراق الذين كانوا مع علي وإلى أهل الشام الذين كانوا مع معاوية بن أبي سفيان وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أمته . كما وصفهم بأنهم جميعاً متعلقون بالحق لم يخرجوا عنه كما شهد لهم صلى الله عليه وسلم بأنهم مستمرون على الإيمان ولم يخرجوا عنه بسبب القتال الذي حصل بينهم وقد دخلوا تحت عموم قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] وقد قدمنا أن مدلول الآية ينتظمهم رضي الله عنهم أجمعين فلم يكفروا ولم يفسقوا بقتالهم بل هم مجتهدون متأولون وقد بين الحكم في قتالهم ذلك علي رضي الله عنه فقد شهد للفريقين بالحسنى فقد روى ابن جرير الطبري (أن علياً لما وصل البصرة خطب الناس فقام إليه أبو سلامة الدالاني فقال: أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله – عز وجل – بذلك قال: نعم قال: فترى لك حجة بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم إن الشيء إذا كان لا يدرك فالحكم فيه أحوطه وأعمه نفعاً قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غداً؟ قال: إني لأرجو ألا يقتل أحد نقى قلبه الله إلا أدخله الله الجنة) . وروى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن علي – المعروف بابن الحنفية – قال: قال علي: (إني لأرجو أن أكون وطلحة والزبير من الذين قال الله – عز وجل -: {وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر:47]) . كما شهد رضي الله عنه بالحسنى للقتلى من الفريقين في موقعة صفين: فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده إلى يزيد بن الأصم قال: (سئل علي عن قتلى يوم صفين فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة) . وشهادة علي رضي الله عنه للقتلى من الفريقين بالجنة شهادة حق وصدق لأن الباري – جل وعلا – أخبر بأنه وعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ووعده – سبحانه – حق وصدق لا خلف فيه. قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد:10] فالخطاب في هذه الآية الكريمة موجه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوعد فيها بالجنة لجميعهم رضي الله عنهم فكل من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنية صادقة ولو ساعة واستمر على الإيمان حتى مات فإنه من أهل الجنة لا يدخل النار لتعذيب إلا أن الذين أسلموا من بعد الفتح وقاتلوا لا يلحقون من أسلم وقاتل قبل الفتح في المرتبة وعلو الدرجة وكلاً وعد الله الجنة ورضي عنهم ومن كمال ورع علي رضي الله عنه أنه لم ينسب أحداً إلى الشرك أو إلى النفاق ممن قاتله من أهل القبلة بل كان يقول رضي الله عنه (هم إخواننا بغوا علينا) ذلك هو معتقد علي رضي الله عنه في قتلى الصحابة رضي الله عنهم في موقعتي الجمل وصفين فقد شهد للقاتل والمقتول منهم بالجنة لأنهم لم يقصدوا بقتالهم إلا الحق والاجتهاد ولم يكونوا مقاتلين لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لدافع الحقد حاشاهم من كل ذلك وقد ثبت كذلك أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ترحمت على من قاتلها يوم الجمل أو قتل معها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد ذكر ابن الأثير: (أنها رضي الله عنها لما كانت بالبصرة بعد وقعة الجمل سألت يومئذ عمن قتل من الناس معها ومنهم عليها والناس عندها فكلما نعي واحد من الجميع قالت: يرحمه الله فقيل لها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فلان في الجنة، وفلان في الجنة)) . ) . وقولها رضي الله عنها: فلان في الجنة، وفلان في الجنة تعني بذلك من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وسماه مثل طلحة والزبير رضي الله عنهما. ولقد تقدم معنا أن علياً رضي الله عنه تصرف فيما خلفه القتلى في يوم الجمل تصرفاً يدل على أن تلك الحرب لم تكن بين مسلمين وغير مسلمين وإنما هي حرب بين فريقين من المسلمين يرى كل فريق منهما أن الحق في جانبه حيث جمع كل مخلفات موقعة الجمل وبعث بها إلى مسجد البصرة وقال: (من عرف شيئاً فليأخذه إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان) . وصلى على جميع القتلى من الفريقين ودفن كثيراً منهم في قبر كبير كل عمله هذا دل على إيمانه أنهم جميعاً كانوا يقاتلون اجتهاداً لا عناداً ولا شهوة، ولا شفاء خصومة كانت بينهم رضي الله عنهم أجمعين ومما ينبغي أن يعلم أن شهادة علي رضي الله عنه بالجنة للقتلى من الفريقين كما تقدم لا يدخل فيها من مرق عن الحق في إثارة الفتنة الأولى على عثمان كما لا يعد من إحدى الطائفتين اللتين وصفتا بأنهما متعلقتان بالحق وإن قاتل معها والتحق بها لأن الذين تلوثت أيديهم ونياتهم وقلوبهم بالبغي الظالم على أمير المؤمنين عثمان – كائناً من كانوا – استحقوا إقامة الحد الشرعي عليهم سواء استطاع ولي الأمر أن يقيم عليهم هذا الحد أو لم يستطع وفي حالة عدم استطاعته، فإن مواصلتهم تسعير نار الحرب بين صالحي المسلمين كلما أحسوا منهم بالعزم على الإصلاح والتآخي كما فعلوا في وقعة الجمل وبعدها يعد إصراراً منهم على الاستمرار في الإجرام ما داموا على ذلك، فإذا قال أهل السنة والجماعة: إن الطائفتين كانتا على الحق فإنما يريدون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا في الطائفتين ومن سار معهم على سنته صلى الله عليه وسلم من التابعين. فالواجب على المسلم أن يسلك في اعتقاده فيما حصل بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم مسلك الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وهو الإمساك عما حصل بينهم رضي الله عنهم ولا يخوض فيه إلا بما هو لائق بمقامهم. وكتب أهل السنة مملؤة ببيان عقيدتهم الصافية النقية في حق أولئك الصفوة المختارة وقد حددوا موقفهم من تلك الحرب التي وقعت بينهم في أقوالهم الحسنة التي منها. (1) سئل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عن القتال الذي بين الصحابة فقال: (تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها) . قال البيهقي معلقاً على قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: (هذا حسن جميل لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب) . والمسلم مطلوب منه أن يتحرز من الوقوع في الخطأ، والحكم على بعض الصحابة بما لا يكون مصيباً فيه. (2) قال عامر بن شراحيل الشعبي رحمه الله تعالى في المقتتلين من الصحابة: (هم أهل الجنة لقي بعضهم بعضاً فلم يفر أحد من أحد) . (3) سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن قتال الصحابة فيما بينهم فقال: (قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا) . ومعنى قول الحسن هذا: (أن الصحابة كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا وما علينا إلا أن نتبعهم فيما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأياً منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله – عز وجل – إذ كانوا غير متهمين في الدين) . (4) سئل جعفر بن محمد الصادق عما وقع بين الصحابة فأجاب بقوله: (أقول ما قال الله: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي في كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: 52]) . (5) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية قال: (ما أقول فيهم إلا الحسنى) . (6) وقال أبو بكر المروذي: سمعت أبا عبد الله وذكر له أصحاب رسول الله فقال: (رحمهم الله أجمعين ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والمغيرة كلهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: {سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]) . (7) قال إبراهيم بن آزر الفقيه: (حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية؟ فأعرض عنه فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم فأقبل عليه فقال: اقرأ {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141]) . (8) وقال أبو الحسن الأشعري: (فأما ما جرى بين علي والزبير وعائشة رضي الله عنهم فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعلي الإمام وكلهم من أهل الاجتهاد وقد شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة والشهادة فدل على أنهم كلهم على حق في اجتهادهم وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما كان على تأويل واجتهاد، وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتبري ممن ينقص أحداً منهم رضي الله عن جميعهم) . (9) وقال ابن أبي زيد القيرواني في صدد عرضه لما يجب أن يعتقده المسلم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينبغي أن يذكروا به فقال: (وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس – لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب) . (10) وقال أبو نعيم الأصبهاني مبيناً حق الصحابة على المسلمين بعدهم وما يجب عليهم نحوهم: (فالواجب على المسلمين في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار ما مدحهم الله تعالى به وشكرهم عليه من جميل أفعالهم وجميل سوابقهم وأن يغضوا عما كان منهم في حال الغضب والإغفال وفرط منهم عند استزلال الشيطان إياهم ونأخذ في ذكرهم بما أخبر الله تعالى به فقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10] الآية فإن الهفوة والزلل والغضب والحدة والإفراط لا يخلو منه أحد وهو لهم مغفور ولا يوجب ذلك البراءة منهم ولا العداوة لهم ولكن يحب على السابقة الحميدة ويتولى للمنقبة الشريفة) . (11) وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله أثناء عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: (ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد شهدوا المشاهد معه وسبقوا الناس بالفضل فقد غفر الله لهم وأمرك بالاستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم وكل ما شجر بينهم مغفور لهم) اهـ. (12) قال أبو بكر بن الطيب الباقلاني: (ويجب أن يعلم: أن ما جرى بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم من المشاجرة نكف عنه ونترحم على الجميع ونثني عليهم ونسأل الله تعالى لهم الرضوان والأمان والفوز والجنان ونعتقد أن علياً عليه السلام أصاب فيما فعل وله أجران، وأن الصحابة رضي الله عنهم إن ما صدر منهم كان باجتهاد فلهم الأجر ولا يفسقون ولا يبدعون والدليل عليه قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) فإذا كان الحاكم في وقتنا له أجران على اجتهاده فما ظنك باجتهاد من رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويدل على صحة هذا القول: قوله صلى الله عليه وسلم للحسن عليه السلام: ((إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) فأثبت العظم لكل واحدة من الطائفتين وحكم لهم بصحة الإسلام وقد وعد الله هؤلاء القوم بنزع الغل من صدورهم بقوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47]) إلى أن قال: (ويجب الكف عن ذكر ما شجر بينهم والسكوت عنه) اهـ) . (13) وقال أبو عثمان الصابوني في صدد ذكره لعرض عقيدة السلف وأصحاب الحديث: (ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم) . (14) وقال أبو الوليد بن رشد المالكي: (كلهم محمود على ما فعله، القاتل منهم والمقتول في الجنة فهذا الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فيما شجر بينهم لأن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله فقال عز من قائل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] أي: خياراً عدولاً... وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عشرة من قريش في الجنة)) فسمى فيهم علياً وطلحة والزبير والذي يقول أئمة أهل السنة والحق: إن علياً رضي الله عنه ومن اتبعه كانوا على الصواب والحق، وإن طلحة والزبير كانا على الخطأ إلا أنهما رأيا ذلك باجتهادهما فكان فرضهما ما فعلاه إذ هما من أهل الاجتهاد...) إلى أن قال: (والذي قلناه من أنهم اجتهدوا فأصاب علي وأخطأ طلحة والزبير هو الصحيح الذي يلزم اعتقاده فلعلي أجران لموافقته الحق باجتهاده ولطلحة والزبير أجر لاجتهادهما وبالله التوفيق) . (15) وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى: (لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله – عز وجل – وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم وأن الله غفر لهم وأخبر بالرضا عنهم هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض)) فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصياناً لم يكن بالقتل فيه شهيداً وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيراً في الواجب عليه لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة فوجب حمل أمرهم على ما بيناه ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار ، وقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((بشر قاتل ابن صفية بالنار)) وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في طلحة (شهيد) ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار وكذلك من قعد غير مخطئ في التأويل بل صواب أراهم الله الاجتهاد وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم وإبطال فضائلهم وجهادهم وعظيم عنائهم في الدين رضي الله عنهم) اهـ |
(16) وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى عند قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) (واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله وكان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ لأنه لاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب هذا مذهب أهل السنة وكانت القضايا مشتبهة حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم) اهـ .
وقال في موضع آخر مبيناً سبب الحروب التي وقعت بين الصحابة: (واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام: قسم: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده. وقسم: عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه. وقسم ثالث: اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك) وهذا هو التفسير الصحيح لمواقف الصحابة رضي الله عنهم في تلك الحروب وهو اللائق بحالهم رضي الله عنهم. (17) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة: (ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون) اهـ. (18) وقال الإمام الذهبي: (... تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفوا القلوب، وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى حيث يقول: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10] فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم وجهاد محاء وعبادة ممحصة) . (19) وقال الحافظ ابن كثير: (أما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين والاجتهاد يخطئ ويصيب ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور أيضاً: وأما المصيب فله أجران اثنان) . (20) وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حاكياً على وجوب المنع من الطعن على واحد من الصحابة بسبب ما حصل بينهم ولو عرف المحق منهم حيث قال: (واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً، وأن المصيب يؤجر أجرين) . فهذه طائفة من كلام أكابر علماء أهل السنة والجماعة تبين منها الموقف الواجب على المسلم أن يقف من الآثار المشتملة على نيل أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بسبب ما وقع بينهم من شجار وخلاف ومقاتلة خاصة في حرب الجمل بين الخليفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن معه وبين أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن معهم. وأيضاً في حرب صفين بين علي ومعاوية وهو صيانة القلم واللسان عن ذكر ما لا يليق بهم وإحسان الظن بهم والترضي عنهم أجمعين، ومعرفة حقهم ومنزلتهم والتماس أحسن المخارج لما ثبت صدوره من بعضهم واعتقاد أنهم مجتهدون والمجتهد مغفور له خطؤه إن أخطأ، وأن الأخبار المروية في ذلك منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه أو نقص منه حتى تحرف عن أصله وتشوه، كما تبين من هذه النقول المتقدم ذكرها أن عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فيما شجر بينهم هو الإمساك، ومعنى الإمساك عما شجر بينهم وهو عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلات ونشر ذلك بين العامة أو التعرض لهم بالتنقص لفئة والانتصار لأخرى وقد تقدم معنىً قريباً من قول الذهبي رحمه الله تعالى بأن كثيراً مما حدث بين الصحابة من شجار وخلاف ينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه وأن كتمان ذلك متعين على العامة بل آحاد العلماء لأنه لا مصلحة شرعية ولا علمية من وراء نشر ذلك، أما من ناحية النظر العلمي المستقيم المهتدي بنصوص الشريعة فإن البحث في هذا الموضوع لا يمتنع إذا قصد به تبين أحكام الشريعة وما كان ذكر العلماء المعتبرين للحروب والخلافات التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم إلا على هذا السبيل، أو لبيان المواقف الصحيحة، وتصحيح الأغاليط التاريخية التي أثيرت حول مواقفهم في تلك الحروب رضي الله عنهم فعلى المسلم أن يعتقد فيما صح مما جرى بين الصحابة من خلاف أنهم فيه مجتهدون، إما مصيبون فلهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون فلهم أجر الاجتهاد، وخطؤهم مغفور وهم ليسوا معصومين بل هم بشر يصيبون ويخطئون ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم، وقد وعدوا من الله بالمغفرة والرضوان، كما أنه يجب على كل مسلم أن يكون لسانه رطباً بالذكر الحسن والثناء الجميل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحاول جهده في ذكر محاسنهم العظيمة وسيرتهم الحميدة ويتجنب ذكر ما شجر بينهم، هذه طريقة الصدر الأول من هذه الأمة والتي اتخذها أهل السنة والجماعة منهاجاً في موقفهم نحو الصحابة رضي الله عنهم جميعاً. قال العوام بن حوشب: (أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة بعضهم يقول لبعض: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأتلف عليها القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتحرشوا الناس عليهم) . وبعبارة أخرى أنه قال: (أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تألف عليهم القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم) . فأهل السنة مجمعون على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم بعد قتل عثمان رضي الله عنه والترحم عليهم وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر محاسنهم رضي الله عنهم وأرضاهم. المطلب الخامس: الدعاء والاستغفار لهم من حق الصحابة الكرام رضي الله عنهم على كل من جاء بعدهم من عباد الله المؤمنين أن يدعو لهم ويستغفر لهم، ويترحم عليهم، لما لهم من القدر العظيم، ولما حازوه من المناقب الحميدة، والسوابق القديمة، والمحاسن المشهورة، ولما لهم من الفضل الكبير على كل من أتى بعدهم، فهم الذين نقلوا إلى من بعدهم الدين الحنيف الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ففضلهم مستمر على كل مسلم جاء بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد ندب الله – جل وعلا – كل من جاء بعدهم من أهل الإيمان إلى أن يدعو لهم، ويترحم عليهم، وأثنى على من استجاب منهم لذلك بقوله – جل وعلا -: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10] فالآية مشتملة على بيان موقف أهل الإيمان ممن تقدمهم من الصحابة، فقد بين –تعالى- أن موقفهم من أولئك الصفوة أنهم يثنون عليهم، ويدعون لهم ابتهاجاً بما آتاهم الله من الفضل وغبطة لهم فيما وفقوا له من الأعمال المصحوبة بالإخلاص واليقين، وهذا الموقف المبارك ينطبق على أهل السنة والجماعة، فقد وفقهم الله للثناء الجميل والقول الحسن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين يترضون عنهم جميعاً ويستغفرون لهم، وحرم هذا الموقف العظيم الشيعة الرافضة الذين جعلوا رأس مالهم سبهم وبغضهم والحقد عليهم، وهذا خذلان أيما خذلان، أعاذنا الله منه. وقد فهم متقدموا أهل السنة والجماعة ومتأخروهم أن المراد من الآية السابقة الأمر بالدعاء والاستغفار من اللاحق للسابق، ومن الخلف للسلف، الذين هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليك طائفة من أقوالهم التي دلت على عمق معرفتهم بما دل عليه كتاب ربهم جل وعلا: (1) روى الإمام مسلم بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة: (يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم) . (2) وعند ابن أبي شيبة بلفظ: (أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسبوهم) . (3) وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم) ، (قال القاضي: الظاهر أنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا: وأهل الشام في علي ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا: وأما الأمر بالاستغفار الذي أشارت إليه فهو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10] وبهذا احتج مالك في أنه لا حق في الفيء لمن سب الصحابة رضي الله عنهم لأن الله –تعالى- إنما جعله لمن جاء بعدهم ممن يستغفر الله لهم والله أعلم) . (4) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون) . (5) ذكر الإمام البغوي رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية. عن مالك بن مغول قال: قال عامر بن شراحيل الشعبي: (يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى الرافضة بخصلة سئلت اليهود من خير أهل ملتكم، فقالت: أصحاب موسى عليه السلام، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم، فقالوا: حواري عيسى عليه السلام، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم، فقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الفتن المضلة) . (6) وروى أبو نعيم بإسناده إلى عمر بن ذر، قال: (أقبلت أنا وأبي دار عامر، فقال له أبي: يا أبا عمر، قال: لبيك، قال: ما تقول فيما قال فيه الناس من هذين الرجلين، قال عامر: أي هذين الرجلين؟ قال: علي وعثمان، قال: إني والله لغني أن أجيء يوم القيامة خصيماً لعلي وعثمان رضي الله تعالى عنهما وغفر لنا ولهما) . (7) أخرج عبد بن حميد عن الضحاك بن مزاحم رحمه الله تعالى، أنه قال في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية: (أمروا بالاستغفار لهم وقد علم ما أحدثوا) . (8) وأخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي أنه قال بعد قراءته لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية: (إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا بسبهم) . فهذه جملة صالحة من أقوال السلف الصالح كلها دلت على أن كل من جاء بعد الرعيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم مأمور بالدعاء والاستغفار لهم، والترحم عليهم، وأنه يجب على كل مسلم أن يطهر قلبه من الغل والحقد عليهم، وقد استنبط أهل العلم من الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة أن من لم يستغفر لهم وكان في قلبه غل عليهم أنه بعيد من أهل الإسلام، ولا حظ له في الفيء وما يغنمه المسلمون. (9) أخرج ابن مردويه عن ابن عمر (أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ} الآية.. ثم قال: هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا، ثم قرأ عليه {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء) . (10) وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر (أنه بلغه أن رجلاً نال من عثمان، فدعاه، فأقعده بين يديه، فقرأ عليه {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ} الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قرأ {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم، قال: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم) . ولم يذكر الآية الواردة في الأنصار لكون الرجل تناول عثمان رضي الله عنه وهو من المهاجرين. (11) روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر، قال: حدثنا عبد الله بن زيد عن طلحة بن مصرف عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: (الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذا المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]، فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم) . ولا يتردد من له أدنى علم في أن الشيعة الرافضة خارجون من هذه المنزلة لأنهم لم يترحموا على الصحابة ولم يستغفروا لهم بل سبوهم وحملوا لهم الغل في قلوبهم، فحرموا من تلك المنزلة التي يجب على المسلم أن يكون فيها ولا يحيد عنها بحال حتى يلقى ربه -جل وعلا-. (12) وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (من يبغض أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [الحشر: 7] حتى أتى على هذه الآية {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ} [الحشر: 8] {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} [الحشر: 9] {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} إلى قوله {رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]) . (13) وقال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} يعني: التابعين إلى يوم القيامة. قال الزجاج: والمعنى: ما أفاء الله على رسوله فلله وللرسول ولهؤلاء المسلمين وللذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ما أقاموا على محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل هذا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10] أي: الذين جاءوا في حال قولهم {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا} [الحشر: 10] فمن ترحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ من فيء المسلمين بنص الكتاب) اهـ. (14) وقال البغوي رحمه الله تعالى: ({وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10] يعني التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان والمغفرة...) –إلى أن قال-: (فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله –تعالى- رتب المؤمنين على ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجاً من أقسام المؤمنين. قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرين، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجاً من هذه المنازل) . (15) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر آيات الحشر الثلاث من قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ} [الحشر: 8] إلى قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]. قال رحمه الله: (وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتلونهم وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا ينقض مذهب الرافضة) . (16) وقال الحافظ ابن كثير: (قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10] الآية.. هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان، كما قال في آية براءة: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100]. فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة الداعون لهم في السر والعلانية ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ} [الحشر: 10] أي: قائلين: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا} أي: بغضاً وحسداً {لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10] وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قوله {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]) اهـ. (17) وقال الشوكاني رحمه الله تعالى بعد أن ذكر قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10] الآية: (أمرهم الله –سبحانه- بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله –سبحانه- أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولاً أولياً لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية فإن وجد في قلبه غلاً لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه وخير أمة نبيه صلى الله عليه وسلم وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجأ إلى الله – سبحانه – والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم، فقد انقاد للشيطان بزمام ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان وزين لهم الأكاذيب المختلقة والأقاصيص المفتراة والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور فاشتروا الضلالة بالهدى واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين وأهملوا فرائض الله وهجروا شعائر الدين وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر والله من ورائهم محيط) اهـ. فهذه النصوص التي سقناها في هذا المبحث عن المتقدمين والمتأخرين من أهل السنة والجماعة كلها تبين أنهم هم الفائزون بسلامة الصدور من الغل والحقد لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم يعتقدون أن من حق الصحابة الكرام على من بعدهم الترحم عليهم والاستغفار لهم فأهل السنة والجماعة يترحمون على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرهم وكبيرهم أولهم وآخرهم، ويذكرون محاسنهم وينشرون فضائلهم ويقتدون بهديهم ويقتفون آثارهم، ويعتقدون أن الحق في كل ما قالوه والصواب فيما فعلوه . فمن لم يترحم على الصحابة ويستغفر لهم فهو ليس من أهل السنة والجماعة وليس له حظ في شيء من فيء المسلمين. المطلب السادس: الشهادة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة منهم من عقائد أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون لمن شهد له المصطفى صلى الله عليه وسلم بالجنة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم فهناك أشخاص أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم من أهل الجنة، وهناك آخرون أخبر ببعض النعيم المعد لهم في الجنة، وكل ذلك شهادة منه صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة، وسواء ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم الشخص من أهل الجنة أو أخبر أن له كذا أو مكانته في الجنة كذا أو أخبر أنه رآه في الجنة الكل يشهد له أهل السنة والجماعة بالجنة تصديقاً منهم لخبر الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، فلقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن عشرة من المهاجرين بأنهم في الجنة وسماهم بأعيانهم وبشرهم بها أولئك العشرة هم: (1) أبو بكر: عبد الله بن عثمان الصديق الأكبر. (2) أبو حفص: عمر بن الخطاب. (3) أبو عبد الله: عثمان بن عفان. (4) أبو الحسن: علي بن أبي طالب. (5) أبو محمد: طلحة بن عبيد الله. (6) أبو عبد الله: الزبير بن العوام. (7) أبو إسحاق: سعد بن أبي وقاص. (8) أبو محمد: عبد الرحمن بن عوف. (9) أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح. (10) أبو الأعور: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. وهؤلاء العشرة رضي الله عنهم انتظم تبشيرهم بالجنة حديث واحد. روى الإمام الترمذي وغيره عن سعيد بن زيد ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص – قال: فعد هؤلاء التسعة، وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله أبو الأعور في الجنة)) . هؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم وكلهم من المهاجرين وتبشير العشرة هؤلاء بالجنة لا ينافي تبشير غيرهم، فقد جاء تبشير غيرهم في غير ما خبر، ولأن العدد في الحديث لا ينفي الزائد وممن بشر بالجنة سوى هؤلاء العشرة كثير منهم:- (11) بلال بن رباح: بلال بن رباح الحبشي المؤذن واسم أمه حمامة اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبي صلى الله عليه وسلم، وأذن له، شهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخى بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، خرج رضي الله عنه مجاهداً بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مات بالشام زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد بشر رضي الله عنه بالجنة في غير ما حديث، فقد روى البخاري رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال)) . وعند مسلم بلفظ: ((.... ثم سمعت خشخشة أمامي فإذا بلال)) . وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال عند صلاة الغداة: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة، فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة، قال بلال: ما عملت عملاً في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهوراً تاماً في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي)) . (12) زيد بن حارثة: هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس وزيد هذا هو والد أسامة بن زيد الحب ابن الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يدعى زيد بن محمد حتى نزلت {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: 5]، استشهد في مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة رضي الله عنه. ومما جاء في بشارته بالجنة ما أخرجه ابن عساكر عن زيد بن الحباب: حدثني حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((دخلت الجنة فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: أنا لزيد بن حارثة)) . فهذا الحديث اشتمل على منقبة ظاهرة لزيد بن حارثة حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحد الذين رأى لهم بعض النعيم المعد لهم في الجنة. |
(13) حاطب بن أبي بلتعة: هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي من ولد لخم بن عدي، يكنى أبا عبد الله، وقيل يكنى أبا محمد واسم أبي بلتعة عمرو بن راشد بن معاذ اللخمي، حليف قريش، ويقال: إنه من مذجح، وقيل: هو حليف للزبير بن العوام، وهو من أهل اليمن، والأكثر أنه حليف لبنى أسد بن عبد العزى، شهد بدراً والحديبية، ومات سنة ثلاثين بالمدينة، وهو ابن خمس وستين سنة وصلى عليه ذو النورين عثمان. وقد جاء النص عليه في أنه من أصحاب الجنة، وممن يقطع له بدخولها فيما رواه مسلم بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه ((أن عبداً لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطباً، فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبت، لا يدخلها، فإنه شهد بدراً والحديبية)) . فهذا الحديث تضمن فضيلة لأهل بدر والحديبية على وجه العموم ولحاطب على وجه الخصوص، حيث نص عليه باسمه أنه من أهل الجنة وأن النار لا تمسه رضي الله عنه وأرضاه. (14) عكاشة بن محصن: هو عكاشة بن محصن بن حرثان بن مرة بن بكير بن غنم بن دودان بن أسيد بن خزيمة الأسدي حليف بني عبد شمس من السابقين الأولين البدريين أهل الجنة، قتل شهيداً في قتال أهل الردة زمن أبي بكر الصديق قتله طليحة بن خويلد الأسدي الذي ادعى النبوة وقد هداه الله – عز وجل – فرجع إلى الإسلام. شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة. فقد روى البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: ((عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد ورأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر. فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا هكذا، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس، ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم، فقام آخر، فقال: أمنهم أنا؟ فقال: سبقك بها عكاشة)) . وعند الإمام مسلم من حديث عمران بن حصين، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم)) . فهذان الحديثان فيهما منقبة ظاهرة لعكاشة بن محصن رضي الله عنه وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه من المقطوع لهم بدخول الجنة. (15) سعد بن معاذ: هو أبو عمرو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي سيد الأوس، وأمه كبشة بنت رافع، لها صحبة، أسلم رضي الله عنه بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير، ثم كان سبباً في إسلام قومه كلهم، شهد بدراً، وأحداً، والخندق، ورمي يوم الخندق بسهم فعاش بعد ذلك شهراً حتى حكم في بني قريظة حكمه المشهور الذي وافق فيه حكم الله من فوق سبع سماوات، وبعد ذلك مات بسبب انتقاض جرحه وذلك سنة خمس. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم ببعض ما أعد الله له في الجنة من النعيم، قد روى الشيخان من حديث البراء رضي الله عنه، قال: ((أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال: تعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين)) . ورويا أيضاً من حديث أنس رضي الله عنه، قال: ((أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها فقال: والذي نفس محمد بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا)) . ففي هذين الحديثين: إشارة إلى عظيم منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها التي هي المناديل خير من تلك الجبة التي أثارت العجب في نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المنديل أدنى الثياب، فغيره أفضل، وفيهما إثبات الجنة لسعد بن معاذ رضي الله عنه . (16) ثابت بن قيس بن شماس: هو: ثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، وأمه امرأة من طيئ، يكنى أبا محمد بابنه محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، كان رضي الله عنه خطيب الأنصار، ويقال له: خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وقتل يوم اليمامة شهيداً في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وقد وردت بشارته بالجنة فيما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالساً في بيته منكساً رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة)) . وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك، أنه قال: ((لما نزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمر، وما شأن ثابت؟ أشتكى؟ قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو من أهل الجنة)) . وفي رواية أخرى له عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية. واقتص الحديث ولم يذكر سعد بن معاذ، وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة . هذه الأحاديث تضمنت منقبة عظيمة لثابت بن قيس رضي الله عنه وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من أهل الجنة رضي الله عنه وأرضاه. (17) حارثة بن سراقة: هو حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري، أمه الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك، شهد بدراً، وقتل يومئذ شهيداً، قتله حبان بن العرقة بسهم وهو يشرب من الحوض، وكان خرج نظاراً يوم بدر ورماه فأصاب حنجرته فقتله، وهو أول قتيل قتل ببدر من الأنصار . وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى أنس رضي الله عنه، قال: ((أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع، فقال: ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي؟ إنها جنات كثيرة، وإنه في جنة الفردوس)) . وروى أيضاً: بإسناده إلى أنس بن مالك ((أن أم حارثة بن سراقة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة – وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب – فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)) . في هذين الحديثين منقبة ظاهرة لحارثة بن سراقة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أمه بأنه في الجنة وأنه أصاب من الجنان أعلاها، وهي الفردوس. (18) حارثة بن النعمان: هو: حارثة بن النعمان بن نقع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، شهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من فضلاء الصحابة، توفي رضي الله عنه في خلافة معاوية بن أبي سفيان. وحارثة هذا وردت بشارته بالجنة فيما صح من الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذاك البر كذاك البر، وكان أبر الناس بأمه)) . ورواه أبو عبد الله الحاكم بلفظ: ((دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلكم البر كذلكم البر)) . قال الطيبي في قوله صلى الله عليه وسلم: ((كذلكم البر كذلكم البر)): (المشار إليه ما سبق والمخاطبون الصحابة، فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم رأى هذه الرؤيا وقصها على أصحابه، فلما بلغ إلى قوله النعمان نبههم على سبب نيل تلك الدرجة بقوله ((كذلكم البر))، أي: حارثة، نال تلك الدرجة بسبب البر وموقع هذه الجملة التذييل كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34]، وفيه من المبالغة أنه جعل جزاء البر براً، وعرف الخبر بلام الجنس تنبيهاً على أن هذه الدرجة القصوى لا تنال إلا ببر الوالدين والتكرار للاستيعاب) . اهـ. (19) عبد الله بن سلام: هو: عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف من ذرية يوسف بن يعقوب صلى الله عليه وسلم، كان حليفاً للأنصار، وهو أحد أحبار اليهود أسلم رضي الله عنه حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان اسمه في الجاهلية الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، توفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين. أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة. روى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث سعد بن أبي وقاص قال: ((ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأحقاف: 10] الآية)) . ورويا أيضاً – عن قيس بن عباد، قال: ((كنت جالساً في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج، وتبعته، فقلت إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك رأيت رؤيا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة فقيل له: ارقه، قلت: لا أستطيع فأتاني منصف فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت العروة فقيل له: استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت. وذاك الرجل عبد الله بن سلام)) . وفي (سنن الترمذي) من حديث طويل عن معاذ بن جبل، قال: ((إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول – أي في ابن سلام – إنه عاشر عشرة في الجنة)) . هذه الأحاديث تضمنت الشهادة بالجنة لعبد الله بن سلام وأنه من المقطوع لهم بها. قال ابن كثير في ترجمة عبد الله بن سلام: (وهو ممن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وهو ممن يقطع له بدخولها) . (20) أم سليم بنت ملحان: هي: أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. اختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة، ويقال: الغميصاء، أو الرميصاء كانت تحت مالك بن النضر، أبي أنس بن مالك في الجاهلية، فولدت أنساً في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب مالك وخرج إلى الشام، فمات، فتزوجت بعده أبا طلحة الأنصاري. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآها وسمع صوت حركة مشيها في الجنة. فقد روى البخاري بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة)) . وعند مسلم بلفظ: ((أريت الجنة، فرأيت امرأة أبي طلحة)) . وروى مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك)) . فهذه الأحاديث تضمنت شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة لأم سليم رضي الله عنها. وهناك جماعة من أهل بيت النبوة غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه وردت نصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها دلالة واضحة في أنهم ممن يقطع لهم بدخول الجنة، منهم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد، فقد بشرها النبي صلى الله عليه وسلم ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ، وابنته فاطمة رضي الله عنها أخبر بأنها سيدة نساء أهل الجنة وولداها الحسن والحسين فقد بين عليه الصلاة والسلام بأنهما سيدا شباب أهل الجنة ، وحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه دخل الجنة فنظر فيها فإذا جعفر يطير مع الملائكة وإذا حمزة متكئ على سرير . فكل من تقدم ذكره شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة على سبيل التنصيص عليه باسمه منفرداً، كما شهد صلى الله عليه وسلم بالجنة لخلق كثير من الصحابة على سبيل الجمع كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، فأهل بدر كان عددهم رضي الله عنهم بضعة عشر وثلاثمائة، فهؤلاء أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم أنهم من أهل الجنة فقد روى البخاري من حديث طويل عن علي رضي الله عنه، وفيه أنه قال: ((لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم)) . وأما أهل بيعة الرضوان فقد كان عددهم ألفاً وأربعمائة وكلهم شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأنهم ممن يقطع لهم بدخولها، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر عند مسلم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها)) . فقد قال أهل العلم: (معناه لا يدخلها أحد منهم قطعاً... وإنما قال إن شاء الله للتبرك لا للشك) . فأهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لكل من قدمنا ذكره في هذا المبحث ، بل يشهدون بالجنة لجميع الصحابة من مهاجرين وأنصار حيث إن الله تعالى وعدهم جميعاً بالحسنى كما قال: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10]. المطلب السابع: إثبات الخلافة للخلفاء الراشدين حسب ترتيبهم في الفضل تمهيد عقيدة أهل السنة والجماعة في ترتيب الخلفاء الأربعة في الإمامة كترتيبهم في الفضل فالإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين ثم أبو السبطين علي رضي الله عنهم أجمعين فأهل الحق يعتقدون اعتقاداً جازماً لا مرية فيه ولا شك أن أولى الناس بالإمامة والأحق بها بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، روى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى عباد السماك قال: (سمعت سفيان الثوري يقول: الأئمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز وما سوى ذلك فهم منتزون) . قال أبو عمر: (قد روي عن مالك وطائفة نحو قول سفيان هذا وتأبى جماعة من أهل العلم أن تفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية لمكان صحبته) . وروى بإسناده إلى أبي نوبة قال: (سمعت أبا إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك وعيسى بن يونس ومخلد بن الحسين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) وروى أيضاً بإسناده إلى الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي محمد بن إدريس يقول: (أقول في الخلافة والتفضيل بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم) ، وروى البيهقي بإسناده إلى الربيع بن سليمان أنه قال: قال الشافعي في مسألة (الحجة في تثبيت خبر الواحد): (ولم تزل كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره – إلى أن قال -: وهكذا كانت كتب خلفائه من بعده وعمالهم وما أجمع المسلمون من كون الخليفة واحداً والقاضي واحداً والأمير واحداً والإمام واحداً فاستخلفوا أبا بكر واستخلف أبو بكر عمر، ثم أمر عمر أهل الشورى ليختاروا واحداً، فاختار عبد الرحمن عثمان بن عفان) وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى أبي علي الحسن بن أحمد بن الليث الرازي قال: (سألت أحمد بن حنبل – فقلت -: يا أبا عبد الله من تفضل؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء – فقلت -: يا أبا عبد الله إنما أسألك عن التفضيل من تفضل قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء المهديون الراشدون ورد الباب في وجهي قال أبو علي: ثم قدمت الري فقلت لأبي زرعة وسألت أحمد وذكرت له القصة فقال: لا نبالي من خالفنا، نقول: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلافة والتفضيل جميعاً هذا ديني الذي أدين الله به وأرجو أن يقبضني الله عليه) . وروى أيضاً: بإسناده إلى سلمة بن شبيب قال: قلت لأحمد بن حنبل: من تقدم؟ قال: (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلافة) . وروى أبو الفرج بن الجوزي إلى أبي بكر المروذي قال: (قال أحمد بن حنبل: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكر ليصلي بالناس وقد كان في القوم من هو أقرأ منه وإنما أراد الخلافة) . وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: (كنت بين يدي أبي جالساً ذات يوم فجاءت طائفة من الكرخية فذكروا خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وذكروا خلافة علي بن أبي طالب فزادوا وأطالوا فرفع أبي رأسه إليهم فقال: يا هؤلاء، قد أكثرتم القول في علي والخلافة إن الخلافة لم تزين علياً بل علي زينها قال السياري – أحد رجال السند -: فحدثت بهذا بعض الشيعة فقال لي: قد أخرجت نصف ما كان في قلبي على أحمد بن حنبل من البغض) فهذه طائفة من أقوال بعض كبار أئمة أهل السنة وكلها تبين أنهم يثبتون إمامة الخلفاء الراشدين على حسب ترتيبهم في الفضل وأن أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق وعلى هذا الاعتقاد مشى من جاء بعدهم من أهل السنة ودونوا هذا الاعتقاد في كتبهم ودعوا الناس إلى اعتقاده فقد قال الإمام الطحاوي: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلا له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم لعثمان رضي الله عنه، ثم لعلي رضي الله عنه) وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله تعالى في ذكر سياقه لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة: (ثم الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم.. وأحقهم بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق... ثم من بعده على هذا الترتيب والصفة أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو الفاروق. ثم من بعدهما علي هذا الترتيب والنعت عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو أبو عبد الله وأبو عمرو ذو النورين رضي الله عنه ثم على هذا النعت والصفة من بعدهم أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فبحبهم وبمعرفة فضلهم قام الدين وتمت السنة وعدلت الحجة) . وقال أبو الحسن الأشعري في صدد ذكره للأدلة على أن الصديق هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم: (فوجب أن يكون إماماً بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين) . وقال ابن أبي زيد القيرواني: (وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين) . وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (ويجب أن يعلم: أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين ومقدم خلق الله أجمعين من الأنصار والمهاجرين بعد الأنبياء والمرسلين: أبو بكر الصديق رضي الله عنه...، ثم من بعده على هذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لاستخلافه إياه... وبعده أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وبعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه) . وقال أبو عثمان الصابوني مبيناً عقيدة أهل الأثر في ترتيب الخلافة: (ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم باختيار الصحابة واتفاقهم عليه... ثم خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه باستخلاف أبي بكر رضي الله عنه إياه واتفاق الصحابة عليه بعده وإنجاز الله –سبحانه- بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه وعده ثم خلافة عثمان رضي الله عنه بإجماع أهل الشورى وإجماع الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه، ثم خلافة علي رضي الله عنه ببيعة الصحابة إياه عرفه ورآه كل منهم رضي الله عنه أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدون الذين نصر الله بهم الدين وقهر وقسر بمكانهم الملحدين وقوى بمكانهم الإسلام ورفع في أيامهم للحق الأعلام ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام) . وقال أبو عمر بن عبد البر: (الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلي وهم أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم) . وقال الإمام موفق الدين بن قدامة رحمه الله تعالى مبيناً أن الصديق رضي الله عنه أحق الناس بخلافة النبي صلى الله عليه وسلم: (وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لفضله وسابقته وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة، ثم من بعده عمر رضي الله عنه لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان رضي الله عه لتقديم أهل الشورى له ثم علي رضي الله عنه لفضله وإجماع أهل عصره عليه. وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الخلاف في مسألة تقديم عثمان على علي في الأفضلية، ثم بين أن أمر أهل السنة استقر في هذه المسألة على تقديم عثمان على علي رضي الله عنهما فقال: (وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر، ثم عثمان، ثم علي ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله) . وقال في موضع آخر: (اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي) . وقال صديق حسن خان: (وأحقهم بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر لفضله وسابقته وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلوات على جميع أصحابه وإجماع الصحابة على تقديمه ومتابعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة) . وقال عمر بن علي بن سمرة الجعدي في صدد ذكره لترجمة الصديق رضي الله عنه: (ثم استخلف أفضل الصحابة وأولاهم بالخلافة معدن الوقار وشيخ الافتخار صاحب المصطفى بالغار سيد المهاجرين والأنصار الصديق أبو بكر التيمي... قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يصلي بالناس أيام مرضه وبذلك احتج عمر رضي الله عنه على الأنصار يوم السقيفة فقال: (رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا) ، (وأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقادوا له وبايعوه) . ) . فهذه طائفة من أقوال أئمة أعلام من أهل السنة والجماعة سقناها في هذا المبحث كلها توضح وتبين أن أهل السنة والجماعة يؤمنون ويعتقدون بأن أحق الناس بالخلافة بعد وفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين وهذا ما يجب على المسلم أن يعتقده ويؤمن به ويموت عليه. |
الفرع الأول: خلافة أبي بكر الصديق أولا: طريقة مبايعة أبي بكر وأما الكيفية أو الطريقة التي تمت بها مبايعة الصديق رضي الله عنه فإنه لما قبض الرب – جلا وعلا – نبيه صلى الله عليه وسلم ونقله إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وأرادوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فقصدوا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين ولما انتهوا إليهم حصل بينهم حوار في أمر الخلافة حيث اضطرب أمر الأنصار فجعلوا يطلبون الأمر لأنفسهم، أو الشركة فيه مع المهاجرين فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الأئمة من قريش)) فأذعنوا لذلك منقادين ورجعوا إلى الحق طائعين، وبايعوا أبا بكر رضوان الله عليه واجتمعوا على إمامته واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته وانقطع الحوار في مسألة الخلافة باجتماعهم على أبي بكر رضي الله عنه وقد بين عمر رضي الله عنه كيفية بيعة أبي بكر رضي الله عنه في حديث طويل رواه البخاري وفيه أنه قال: ((قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرين إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت من هذا فقالوا: هذا سعد بن عبادة فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم –معشر المهاجرين- رهط وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم – وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر – وكنت أداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم –فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا- فلم أكره مما قال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكم وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة فقلت: قتل الله سعد بن عبادة قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر قوي من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا فإما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساداً فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا)) . ولقد اعترف سعد بن عبادة رضي الله عنه بصحة ما قاله الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة من أن قريشاً هم ولاة هذا الأمر وسلم طائعاً منقاداً لما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد تذكير الصديق إياه بذلك. فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن قال: ((توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه في طائفة من المدينة قال: فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال: فداك أبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً مات محمد ورب الكعبة – وفيه – فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئاً أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا ذكره وقال: لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو سلك الناس وادياً، وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال – وأنت قاعد-: قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم، فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنت الأمراء)) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد إيراده لهذا الحديث: (فهذا مرسل حسن ولعل حميداً أخذه عن بعض الصحابة الذي شهدوا ذلك وفيه فائدة جليلة جداً وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين) . والبيعة التي حصلت للصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة تعتبر بيعة أولى من كبار وفضلاء الصحابة من مهاجرين وأنصار وقد بويع رضي الله عنه بيعة عامة من الغد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة صبيحة يوم الثلاثاء وهو اليوم الثاني من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل تجهيزه عليه الصلاة والسلام . روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم قال: (كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا يريد بذلك أن يكون آخرهم – فإن يك محمد قد مات فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به بما هدى الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين فإنه أولى بأموركم، فقوموا فبايعوه وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر قال الزهري عن أنس بن مالك: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة) . وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم أما لو قلتم غير هذا لم نبايعكم وأخذ بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار قال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير قال: فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير علياً فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء فقال: قلت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعاه)) . قال ابن كثير: (فيه فائدة جليلة وهي: مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم، أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه... وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهراً سيفه يريد قتال أهل الردة) . وأما ما جاء في (الصحيحين) من حديث عائشة رضي الله عنها ((من أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبي أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد.. فقال عمر لأبي بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي إني والله لآتينهم فدخل عليهم أبو بكر فتشهد علي بن أبي طالب ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك ولكنك استبددت علينا بالأمر وكنا نحن نرى لنا حقاً لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الحق ولم أترك أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكاراً للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيباً فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا فسر بذلك المسلمون وقالوا أصبت فكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع الأمر المعروف)) . فتأخر علي رضي الله عنه المدة المذكورة في الحديث عن بيعة الصديق رضي الله عنه أجاب عنه بعض أهل العلم بما يقنع الذين يسمعون، ويشفي من سلمت قلوبهم من الأحقاد والأضغان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد قال الإمام النووي: (أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة فقد ذكره علي في هذا الحديث واعتذر إلى أبي بكر رضي الله عنه، ومع هذا فتأخره ليس بقادح في البيعة ولا فيه أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا كل أهل الحل والعقد وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له وأن لا يظهر خلافاً ولا يشق العصا وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته فإنه لم يظهر على أبي بكر خلافاً ولا شق العصا ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره فلما لم يجب لم يحضر وما نقل عنه قدح في البيعة ولا مخالفة ولكن بقي في نفسه عتب فتأخر حضوره إلى أن زال العتب وكان سبب العتب أنه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كل شيء وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك رأى أنه لا يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهم الأمور كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك وليس لهم من يفصل الأمور فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء والله أعلم) . وقال الحافظ ابن كثير معللا عدم استجابة الصديق رضي الله عنه لما طلبته فاطمة رضي الله عنها من الميراث حيث ظنت أن ما خلفه النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين الورثة قال: (فلم يجبها إلى ذلك لأنه رأى أن حقاً عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق البار الراشد التابع للحق رضي الله عنه فحصل لها – وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة – عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى ماتت واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر رضي الله عنه مع ما تقدم من البيعة قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبي (أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة ولا سألتها في سر ولا علانية فقبل المهاجرون مقالته وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس وهو حي) إسناده جيد، ولله الحمد والمنة ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له إجماع الصحابة – المهاجرين منهم والأنصار – على تقديم أبي بكر وظهر له برهان قوله عليه الصلاة والسلام: ((ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) .) . فبيعة علي رضي الله عنه للصديق بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((لا نورث ما تركناه فهو صدقة)) كما تقدم، ومن هذا يعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا حصل لهم بعض العتب على بعضهم فإنهم كانوا سريعي الرجوع عند مراجعة الحق وظهوره ولم يجعلوا للغل في قلوبهم سكناً بل كانت قلوبهم على قلب رجل واحد وحتى أم الحسنين رضي الله عنها رجعت عن عتبها على الصديق وعدلت عن مطالبته فيما أفاء الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال فدك بعد أن أبان لها الحكم فيه كما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له: (أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهذا هو الصواب والمظنون بها واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها رضي الله عنها ولم تطب نفس الإمام الأكبر والصديق الأعظم أبو بكر رضي الله عنه أن تبقى سيدة نساء العالمين عاتبة عليه بل ترضاها وتلاينها قبل موتها فرضيت – رضي الله عنها – على رغم أنف كل رافضي على وجه الأرض. فقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: (لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم! فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضات الله ومرضات رسوله ومرضاتكم أهل البيت ثم ترضاها حتى رضيت) . ففي هذا الأثر صفعة قوية للرافضة الذين فتحوا على أنفسهم شراً عريضاً وجهلا طويلا وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم بسبب ما ذكر من هجران فاطمة رضي الله عنها لأبي بكر ولو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة وفرقة مرذولة يتمسكون بالمتشابه ويتركون الأمور المحكمة المقدرة عند أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين . ثم إن الصديق رضي الله عنه لم يقبل الإمامة حرصاً عليها ولا رغبة فيها وإنما قبلها تخوفاً من وقوع فتنة أكبر من تركه قبولها رضي الله عنه وأرضاه ، ولما بويع رضي الله عنه البيعة الثانية التي هي بيعة عامة الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس خطبة عامة حيث قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله: (أما بعد: أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله) . وقوله رضي الله عنه: (قد وليت عليكم ولست بخيركم) من باب الهضم والتواضع إذ أنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم رضي الله عنهم . ففي هذه الروايات المتقدمة بيان كيفية مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقد انعقدت له الخلافة بعقد خيار هذه الأمة المحمدية وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار الذين هم بطانة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين بهم صار للإسلام قوة وعزة وبهم قهر المشركون وبهم فتحت جزيرة العرب. فجمهور الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين بايعوا أبا بكر وأما كون عمر أو غيره سبق إلى البيعة ففي كل بيعة لابد من سابق . ثانيا: النصوص المشيرة إلى خلافته 1- الآيات القرآنية: لقد وردت آيات في الكتاب العزيز فيها الإشارة إلى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أحق الناس من هذه الأمة بخلافة سيد الأولين والآخرين وتلك الآيات هي: (1) قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6-7] ووجه الدلالة أن أبا بكر رضي الله عنه داخل فيمن أمر الله – جل وعلا – عباده أن يسألوه أن يهديهم طريقهم وأن يسلك بهم سبيلهم وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر منهم الصديقين في قوله: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر رضي الله عنه من الصديقين فدل ذلك على أنه واحد منهم بل هو المقدم فيهم ولما كان أبو بكر رضي الله عنه ممن طريقهم هو الصراط المستقيم فلا يبقى أي شك لدى العاقل في أنه أحق خلق الله من هذه الأمة بخلافة المصطفى صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن عمر الرازي: (قوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} [الفاتحة: 6-7] يدل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه لأنا ذكرنا أن تقدير الآية: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم؟ فقال: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} [النساء: 69] الآية ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر ظالماً لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه) . وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم – أعني الفاتحة – بأن نسأله أن يهدينا صراطهم فدل على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} [الفاتحة: 6-7] وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين وقد بين صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر رضي الله عنه من الصديقين فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الصراط المستقيم وأن إمامته حق) . (2) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]. هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين فقد مدحهم الله بأكمل الصفات وأعلى المبرات ووجه دلالة الآية على خلافة الصديق أنه (كان في علم الله سبحانه وتعالى ما يكون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ارتداد قوم فوعد سبحانه – ووعده صدق – أنه يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فلما وجد ما كان في علمه في ارتداد من ارتد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد تصديق وعده بقيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقتالهم فجاهد بمن أطاعه من الصحابة من عصاه من الأعراب ولم يخف في الله لومة لائم حتى ظهر الحق وزهق الباطل وصار تصديق وعده بعد وفاة رسوله صلى الله عليه وسلم آية للعالمين ودلالة على صحة خلافة الصديق رضي الله عنه) روى ابن جرير الطبري بإسناده إلى علي رضي الله عنه أنه قال في قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] قال: (فسوف يأتي الله المرتدة في دورهم بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه) وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى الحسن البصري رحمه الله أنه قال في قوله: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] قال: (هم الذين قاتلوا مع أبي بكر أهل الردة من العرب حتى رجعوا إلى الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ثم قال: وكذلك قال عكرمة وقتادة والضحاك، وروينا عن عبد الله بن الأهتم أنه قال لعمر بن عبد العزيز: (إن أبا بكر الصديق قام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا إلى سنته ومضى على سبيله فارتدت العرب، أو من ارتد منهم فعرضوا أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة فأبى أن يقبل منهم إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قابلاً في حياته فانتزع السيوف من أغمادها وأوقد النيران في شعلها وركب بأهل حق الله أكتاف أهل الباطل حتى قررهم بالذي نفروا منه وأدخلهم من الباب الذي خرجوا منه حتى قبضه الله) . فدلت الآية السابقة على خلافة الصديق حيث حصل في خلافته ما نطقت به الآية من ارتداد الكثير من العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وجاهدهم أبو بكر رضي الله عنه هو والصحابة الكرام رضي الله عنهم حتى رجعوا إلى الإسلام كما أخبر الله تعالى في الآية وهذا من الكائنات التي أخبر بها الرب – جل وعلا – قبل وقوعها. (3) قال تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] ففي هذه الآية الكريمة جعل الله أبا بكر في مقابلة الصحابة أجمع حيث خاطبهم بأنهم إن لم يعينوا رسوله صلى الله عليه وسلم بالنفير معه للمقاتلة في سبيل الله فقد نصره بصاحبه أبي بكر رضي الله عنه وأيده بجنود من الملائكة ثم بين –تعالى- أنه ثاني اثنين – ثالثهما رب العالمين وهذه الميزة الشريفة والمنزلة العظيمة اعتبرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفاته العالية التي جعلته أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا أفضل في الأمة المحمدية من أبي بكر الذي هو ثاني اثنين قال عليه الصلاة والسلام في شأنهما: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما)) . قال أبو عبد الله القرطبي: (قال بعض العلماء في قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ} ما يدل على أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأن الخليفة لا يكون أبداً إلا ثانياً وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق الصديق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر كقيام النبي صلى الله عليه وسلم به أولا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ارتدت العرب كلها ولم يبق الإسلام إلا بالمدينة وجواثا فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين) . |
(4) قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100] الآية (ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق فإنه كان في خدمة المصطفى عليه الصلاة والسلام وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره وإذا ثبت هذا صار محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه ورضي هو عن الله وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعلى صحة إمامتهما) .
(5) قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55]. (هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق رضي الله عنه وعلى خلافة الثلاثة بعده فلما وجدت هذه الصفة من الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلافتهم حق) . قال الحافظ ابن كثير: (وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية) . (6) قال تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16]. قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وقد دل الله على إمامة أبي بكر في (سورة براءة) فقال للقاعدين عن نصرة نبيه عليه السلام والمتخلفين عن الخروج معه {فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83] وقال في سورة أخرى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح: 15] يعني قوله: {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا} ثم قال: {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الفتح: 15] -يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم- {كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16] والداعي لهم إلى ذلك غير النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله –عز وجل- له {فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا} وقال في سورة الفتح: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} فمنعهم عن الخروج مع نبيه عليه السلام وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم) . (وقد قال مجاهد في قوله: {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}: هم فارس والروم وبه قال الحسن البصري. وقال عطاء: هم فارس، وهو أحد قولي ابن عباس رضي الله عنه، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر، وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم) فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أنه أفضل المسلمين رضي الله عنه) . (7) قال تعالى: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8]. وجه دلالة هذه الآية على خلافته رضي الله عنه أن الله –جل وعلا- سماهم (صادقين) ومن شهد له الرب –جل وعلا- بالصدق فإنه لا يقع في الكذب ولا يتخذه خلقاً بحال وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق رضي الله عنه (خليفة رسول الله) صلى الله عليه وسلم ومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته رضي الله عنه. 2- الأحاديث النبوية وأما الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة إما على وجه التصريح، أو الإشارة ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لا يسع أهل البدعة إنكارها ومن تلك الأحاديث:- (1) ما رواه الشيخان في (صحيحيهما) عن جبير بن مطعم قال: ((أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك –كأنها تقول الموت- قال صلى الله عليه وسلم: إن لم تجديني فأتي أبا بكر)) . اشتمل هذا الحديث على إشارة واضحة في أن الذي يخلفه على الأمة هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. قال أبو محمد بن حزم: (وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر) . وقال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث أن مواعيد النبي صلى الله عليه وسلم كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس) . (2) وروى مسلم رحمه الله بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: (سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا) . قال النووي: (هذا دليل لأهل السنة في تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة وفيه دلالة لأهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من النبي صلى الله عليه وسلم على خلافته صريحاً بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولا ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه لكن تنازعوا أولا ولم يكن هناك نص ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر وأما ما تدعيه الشيعة من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن علي وأول من كذبهم علي رضي الله عنه بقوله: (ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة) الحديث، ولو كان عنده نص لذكره ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام ولا أن أحداً ذكره له والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم.. ((للمرأة حين قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر)) فليس فيه نص على خلافته وأمر بها بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله تعالى به والله أعلم) . (3) وروى الإمام أحمد وغيره عن حذيفة قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال: ((إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه)) . فقوله صلى الله عليه وسلم: ((اقتدوا باللذين من بعدي)) أي: (بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر. وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة) . (4) وروى الشيخان في( صحيحيهما) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بينا أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع دلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر)) . هذا الحديث فيه إشارة ظاهرة إلى خلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: (رؤيا الأنبياء وحي وقوله: ((وفي نزعه ضعف)) قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته) . (5) وروى الشيخان في (صحيحيهما) من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ((ادعي لي أبا بكر، وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) . (6) وعند الإمام أحمد عنها رضي الله عنها قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: ((ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر)) . دل هذا الحديث دلالة ظاهرة على فضل الصديق رضي الله عنه حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره رضي الله عنه وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع ووقع كل ذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام ثم اجتمعوا على أبي بكر رضي الله عنه قال أبو محمد بن حزم بعد أن ذكر هذا الحديث: (فهذا نص جلي على استخلافه عليه الصلاة والسلام أبا بكر على ولاية الأمة بعده) . (7) وروى البخاري من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر)) . وفي لفظ آخر للشيخين: ((لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر)) فأمره صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب جميعها إلا باب أبي بكر فيه إشارة قوية إلى أنه أول من يلي أمر الأمة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. قال الحافظ ابن حجر: (قوله إلا باب أبي بكر) هو استثناء مفرغ والمعنى لا تبقوا باباً غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سد قال الخطابي وابن بطال وغيرهما: (في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة ولاسيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي أمرهم فيه لا يؤمهم إلا أبو بكر وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة والأمر بالسد كناية عن طلبها كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها وإلى هذا جنح ابن حبان فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا الحديث دليل على أنه الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حسم بقوله سدوا عنى كل خوخة في المسجد أطماع الناس كلهم على أن يكونوا خلفاء بعده) . (8) وروى الشيخان في (صحيحيهما) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ((مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فعادت فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم)) . (9) وفي رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلي بالناس قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً)) . (10) وروى مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله قال: ((دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: بلى ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصلى الناس قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله فقال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس فقلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر، وكان رجلا رقيقاً: يا عمر صل بالناس قال: فقال: عمر أنت أحق بذلك قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخر وقال لهما: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئاً غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت: لا قال: هو علي)) . هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: (فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر رضي الله عنه لأن أبا بكر رضي الله عنه لم يعدل إلى غيره) . (11) وروى الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه ((أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرخى الستر قال: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك)) . (12) وروى البخاري بإسناده إلى أنس رضي الله عنه قال: ((لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي صلى الله عليه وسلم ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين وضح لنا فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات)) فهذه الأحاديث التي فيها تقديم الصديق رضي الله عنه في الصلاة على اختلاف رواياتها واضحة الدلالة على أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الصحابة على الإطلاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة وقد فهم هذه الدلالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. (13) فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير قال: فأتاهم عمر رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر رضي الله عنه فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر)) . (14) وروى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال: قال علي: ((لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فقدمنا أبا بكر)) . وكما فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من تقديم الصديق في الصلاة أن ذلك إشارة إلى أنه أحق بالإمامة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كذلك فهم هذا الفهم من جاء بعدهم من أهل العلم، فقد قال أبو بكر المروذي: (قيل لأبي عبدالله – أحمد بن حنبل – قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم فلما مرض قال: قدموا أبا بكر يصلي بالناس)) ، وقد كان في القوم من هو أقرؤ من أبي بكر فقال أبو عبدالله: إنما أراد الخلافة) . وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سناً، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلاماً)) – قال ابن كثير – وهذا من كلام الأشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق رضي الله عنه وأرضاه) . وقال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ساق الأحاديث التي فيها تقديم أبي بكر الصديق في الصلاة: (فهذه الأخبار وما في معناها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر الصديق فنبه أمته بما ذكر من فضيلته وسابقته وحسن أثره، ثم بما أمرهم به من الصلاة خلفه، ثم الاقتداء به وبعمر بن الخطاب رضي الله عنهما على ذلك وإنما لم ينص عليه نصاً لا يحتمل غيره والله أعلم لأنه علم بإعلام الله إياه أن المسلمين يجتمعون عليه وأن خلافته تنعقد بإجماعهم على بيعته) اهـ . ثالثا: هل خلافة أبي بكر ثبتت بالنص أم بالإشارة إن أهل السنة لهم قولان في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه من حيث الإشارة بالنص الخفي أو الجلي. القول الأول: منهم من قال: إن إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثابتة بالنص الخفي والإشارة وهذا القول ينسب إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل الحديث وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة وبأمره صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب إلا باب أبي بكر وقد تقدمت هذه الأحاديث قريباً. القول الثاني: ومنهم من قال: إن خلافة أبي بكر رضي الله عنه ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحديث وبه قال أبو محمد بن حزم الظاهري واستدل هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها: ((إن لم تجديني فأتي أبا بكر)) وبقوله لعائشة رضي الله عنها: ((ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) وحديث رؤياه صلى الله عليه وسلم أنه على حوض يسقي الناس فجاء أبو بكر فنزع الدلو من يده ليروحه ... والقول الذي يطمئن إليه القلب وترتاح له النفس في خلافة أبي بكر رضي الله عنه أن يقال: إن المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبا بكر رضي الله عنه وإنما دلهم عليها لإعلام الله – سبحانه – له بأن المسلمين سيختارونه لما له من الفضائل العالية التي ورد بها القرآن والسنة وفاق بها غيره من جميع الأمة المحمدية رضي الله عنه وأرضاه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ذكره للخلاف الوارد في خلافة الصديق هل ثبتت بالنص الجلي، أو الخفي: (والتحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهداً ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك... فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بياناً قاطعاً للعذر ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: (وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر) رواه البخاري ومسلم ...) إلى أن قال – (فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعاً لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد، وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلا على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة فإن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص) . فهذا هو الرأي الراجح في هذه المسألة لأن النصوص متفقة على إثبات فضله الذي لا يلحقه فيه أحد، وإرشاد الأمة إلى أنه أحق الناس بنيابة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين سيجتمعون على خلافة أبي بكر لسابقته إلى الإسلام وفضله العظيم الذي لا يشاركه فيه أحد فخلافته رضي الله عنه ورد في القرآن والسنة التنبيه والإشارة إليها والله أعلم. والقول بأنها قد ثبتت بالنص قد يصعب الاستدلال عليه، لأن أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله التي يستدل بها على أن خلافة أبي بكر ثابتة بالنص لا تفيد هذا إفادة صريحة، فتقديم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر للصلاة بالناس ليس نصًا على خلافته لا جليًا ولا خفيًا وإنما هو إرشاد للأمة إلى أن أبا بكر أولى بأن ينوب عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك أحاديث سد الأبواب والخوخ إلا باب أبي بكر ففيه إشارة إلى فضله وتميزه عن غيره لا أكثر. أما الأحاديث الدالة على أنه أراد أن يكتب عهدًا ثم تركه فقد ترك ذلك لعلمه بأن المؤمنين سيختارونه من دون عهد منه - صلى الله عليه وسلم - فدل على أنه ليس هناك عهد. وكذلك حديث المرأة السائلة، ومبعوث بني المصطلق. ففيه: إخبار بأن الذي سيكون واليًا هو أبو بكر، فلتأته المرأة وتسأله، وليدفع بنوا المصطلق إليه زكاتهم. وكذلك حديث الأمر بالإقتداء ليس نصًا في الخلافة. فهذه الأحاديث التي يظن بعض الناس أنها تفيد النص على إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه إنما تدل على علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طريق الوحي بأن المسلمين سيجتمعون على خلافة أبي بكر لمزاياه التي لا يضارعه فيها أحد كما تدل إلى رضا الله ورسوله بذلك دون غيره، وهذا هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم منها، يدل على ذلك ما يلي: 1- اجتماع السقيفة: حيث لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للمسلمين فلو كان هناك نص ما اجتمعوا لذلك ولبايعوا المعهود إليه مباشرة وهم أحرص الناس على اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم. 2- كما يدل على ذلك أيضًا أخذ أبي بكر رضي الله تعالى عنه بيدي عمر وأبي عبيدة بن الجراح وقوله: (قد اخترت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم) فلو كان هناك عهد له لم يجز له أن يختار، ولا يعقل أن لا يعلم هو بذلك وهو المعهود له. 3- ومنها قول عمر رضي الله تعالى عنه حينما طلب منه أن يختار خليفة للمسلمين بعده فقال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وأن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني الرسول - صلى الله عليه وسلم -) . وهذا نص في المسألة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف أحدًا بعده. 4- ومما يدل على ذلك أيضًا قول عائشة رضي الله تعالى عنها حينما سئلت من كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخلفًا لو استخلف؟ فقالت: أبو بكر، قيل ثم من؟ قالت: عمر، قيل ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح . فقول السائل: (لو استخلف) دال على أنه لم يستخلف، والسؤال عما لو كان مستخلفًا فمن سيستخلف ؟ 5- ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يوص) . فهذا دليل صريح في المسألة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوص بالخلافة لا لأبي بكر، ولا لعلي رضي الله عنها، ولا لغيرهما. 6- ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى علي رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله من تؤمر بعدك؟ قال: ((إن تؤمروا أبا بكر تجده أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًا أميًنا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًا يأخذ بكم الطريق المستقيم)) . فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن تؤمروا)) دليل على أنه لم يؤمر أحدًا، وإنما وكل ذلك إلى المسلمين ثم استعرض - صلى الله عليه وسلم - بعض أفاضل الصحابة مبتدئًا بأبي بكر وبين ما في كل واحد منهم من الخصال الحميدة المميزة له. رابعاً: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه لقد أجمع أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه لفضله وسابقته ولتقديم النبي صلى الله عليه وسلم إياه في الصلوات على جميع الصحابة وقد فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مراد المصطفى عليه الصلاة والسلام من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد ولم يكن – الرب جلا وعلا – ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين وكانوا لأوامره ممتثلين ولم يعارض منهم أحد في تقديمه وما يزعمه الشيعة من أن علياً تخلف عن بيعته هو والزبير قد قدمنا قريباً ما يدل على بطلان هذا الزعم من ثبوت بيعتهما في البيعة العامة التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني من بيعة السقيفة ومن زعم أن علياً والزبير رضي الله عنهما بايعا ظاهراً وخالفا باطناً فقد قال فيهما أقبح القول فهما رضي الله عنهما أجل قدراً وأكبر محلا من هذا، وقد نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أولى بخلافة من كل أحد جماعة من أهل العلم المعتبرين. فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ أنه قال: (أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله ورضوا به من بعده رضي الله عنهم) . وقال أبو الحسن الأشعري: (أثنى الله – عز وجل – على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} الآية [الفتح: 18] قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وسموه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك) . وقال أيضاً: (بعد أن ذكر آيات القرآن الكريم استدل بها على خلافة أبي بكر: "ومما يدل على إمامة الصديق رضي الله عنه أن المسلمين جميعاً تابعوه وانقادوا لإمامته... ثم رأينا علياً والعباس قد بايعاه وأجمعا على إمامته فوجب أن يكون إماماً بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين، ولا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع المسلمين وهذا يسقط حجية الإجماع لأن الله – عز وجل – لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس وإنما تعبدنا بظاهرها وإذا كان ذلك كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق) . وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق رضي الله عنه: (وكان رضي الله عنه مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له حتى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام مجيباً لقوله رضي الله عنه لما قال: أقيلوني فلست بخيركم، فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ألا نرضاك لدنيانا يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج فأمرك علينا وكان رضي الله عنه أفضل الأمة وأرجحهم إيماناً وأكملهم فهماً وأوفرهم علماً) . |
وقال أبو عثمان الصابوني: (ويثبت أهل الحديث خلافة أبو بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فرضيناه لدنيانا، وقولهم: قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يؤخرك وأرادوا أنه صلى الله عليه وسلم قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه فصلينا وراءك بأمره فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته بما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا فانتفعوا بمكانه والله وارتفعوا به وارتقوا) . وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بعد ذكره روايات عدة في مبايعة الصحابة جميعاً بالخلافة لأبي بكر رضي الله عنه (وقد صح بما ذكرنا اجتماعهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب فلا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن علي أو غيره بخلاف ظاهره فكان علي أكبر محلا وأجل قدراً من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حق أو يظهر للناس خلاف ما في ضميره ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لم يصح إجماع قط والإجماع أحد حجج الشريعة ولا يجوز تعطيله بالتوهم والذي روى أن علياً لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة إنما هو من قول الزهري فأدرجه بعض الرواة في الحديث عن عائشة في قصة فاطمة رضي الله عنهم وحفظه معمر بن راشد فرواه مفصلا وجعله من قول الزهري منقطعاً من الحديث وقد روينا في الحديث الموصول عن أبي سعيد الخدري ومن تابعه من المغازي أن علياً بايعه في بيعة العامة بعد البيعة التي جرت في السقيفة ويحتمل أن علياً بايعه بيعة العامة كما روينا في حديث أبي سعيد الخدري وغيره، ثم شجر بين فاطمة وأبي بكر كلام بسبب الميراث إذ لم تسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب الميراث ما سمعه أبو بكر وغيره فكانت معذورة فيما طلبته وكان أبو بكر معذوراً فيما منع فتخلف علي عن حضور أبي بكر حتى توفيت، ثم كان منه تجديد البيعة والقيام بواجباتها كما قال الزهري ولا يجوز أن يكون قعود علي في بيته على وجه الكراهية لإمارته ففي رواية الزهري أنه بايعه بعد وعظم حقه ولو كان الأمر على غير ما قلنا لكانت بيعته آخراً خطأ، ومن زعم أن علياً بايعه ظاهراً وخالفه باطناً فقد أساء الثناء على علي، وقال فيه أقبح القول وقد قال علي في إمارته وهو على المنبر: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم قالوا: بلى قال: أبو بكر ثم عمر ونحن نزعم أن علياً كان لا يفعل إلا ما هو حق ولا يقول إلا ما هو صدق وقد فعل في مبايعة أبي بكر ومؤازرة عمر ما يليق بفضله وعلمه وسابقته وحسن عقيدته وجميل نيته في أداء النصح للراعي والرعية... فلا معنى لقول من قال بخلاف ما قال وفعل وقد دخل أبو بكر الصديق على فاطمة في مرض موتها وترضاها حتى رضيت عنه فلا طائل لسخط غيرهما ممن يدعي موالاة أهل البيت ثم يطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهجن من يواليه ويرميه بالعجز والضعف واختلاف السر والعلانية في القول والفعل وبالله العصمة والتوفيق) . وقال عبد الملك الجويني: (أما إمامة أبي بكر رضي الله عنه فقد ثبتت بإجماع الصحابة فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والانقياد لحكمه... وما تخرص به الروافض من إبداء علي شراساً وشماساً في عقد البيعة له كذب صريح، نعم لم يكن –رضي الله عنه- في السقيفة وكان مستخلياً بنفسه قد استفزه الحزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد) . وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وهو –أي أبو بكر- أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لفضله وسابقته وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تقديمه ومتابعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة) . وقال أبو عبد الله القرطبي: (وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في سياق رده على الرافضي: (فلما اتفقوا على بيعته ولم يقل قط أحد: إني أحق بهذا الأمر منه لا قرشي ولا أنصاري فإن من نازع أولاً من الأنصار لم تكن منازعته للصديق بل طلبوا أن يكون منهم أمير ومن قريش أمير وهذه منازعة عامة لقريش، فلما تبين لهم أن هذا الأمر في قريش قطعوا المنازعة وقال لهم الصديق: (رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح قال عمر: فكنت والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر) ، وقال له بمحضر الباقين: (أنت خيرنا وأفضلنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، ثم بايعوا أبا بكر من غير طلب منه، ولا رغبة بذلت لهم ولا رهبة، فبايعه الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة والذين بايعوه ليلة العقبة، والذين بايعوه لما كانوا يهاجرون إليه والذين بايعوه لما كانوا يسلمون من غير هجرة كالطلقاء وغيرهم، ولم يقل أحد قط: إني أحق بهذا من أبي بكر ولا قاله أحد في أحد بعينه أن فلاناً أحق بهذا الأمر من أبي بكر وإنما قال من فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية: إن بيت الرسول أحق بالولاية لأن العرب – في جاهليتها – كانت تقدم أهل الرؤساء وكذلك الفرس يقدمون أهل بيت الملك فنقل عمن نقل عنه كلام يشير به إلى هذا وصاحب هذا الرأي لم يكن له غرض في علي بل كان العباس عنده بحكم رأيه أولى من علي، فأما الذين لا يحكمون إلا بحكم الإسلام المحض وهو التقديم بالإيمان والتقوى فلم يختلف منهم اثنان في أبي بكر ولا خالف أحد من هؤلاء ولا هؤلاء وفي أنه ليس في القوم أعظم إيماناً وتقوى من أبي بكر فقدموه مختارين له مطيعين فدل على كمال إيمانهم وتقواهم واتباعهم لما بعث الله به نبيهم من تقديم الأتقى فالأتقى وكان ما اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولهم أفضل لهم والحمد لله على أن هدى هذه الأمة وعلى أن جعلنا من أتباعهم) . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (قد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة الصديق حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما) . وقال يحيى بن أبي بكر العامري رحمه الله تعالى: (وقد كانت بيعته إجماعاً حجة قطعية من غيرهم فما ظنك بهم) فهذه النقول للإجماع عمن تقدم ذكره من الأئمة كلها وضحت أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو الأحق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لإجماع الصحابة على إمامته وانقيادهم له جميعاً وإطباقهم على مخاطبتهم له بالخلافة فقالوا بأجمعهم: يا خليفة رسول الله، وما حصل عليه الإجماع لا يكون إلا حقاً فهذا سبيل المؤمنين أهل السنة والجماعة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتبع سبيلا غيره. الفرع الثاني: خلافة عمر بن الخطاب أولا: طريقة تولي عمر الخلافة إن طريقة تولية الفاروق رضي الله عنه الخلافة بعد الصديق الأعظم رضي الله عنه كانت باستخلاف أبي بكر إياه، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه مرض قبل وفاته خمسة عشر يوماً ولما أحس بدنو أجله رضي الله عنه عهد في أثناء هذا المرض بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان رضي الله عنه وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، ولم يعهد الصديق رضي الله عنه بالخلافة لعمر رضي الله عنه إلا بعد أن استشار نفراً من فضلاء الصحابة فيه مع أن عمر رضي الله عنه هو المعروف بصلابته في الدين، وأمانته وشدته على المنافقين إلى غير ذلك من الصفات الحميدة التي اتصف بها في ذات الله – ولكن الصديق رضي الله عنه فعل هذا مبالغة في النصح للأمة المحمدية وقد ذكر أهل السير والتواريخ صيغة عهد الصديق بالخلافة للفاروق رضي الله عنه فقد روى ابن سعد وغيره: (أن أبا بكر الصديق لما استعز به دعا عبدالرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال عبدالرحمن: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني فقال أبو بكر: وإن فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر فقال: أنت أخبرنا به فقال: على ذلك يا أبا عبد الله فقال: عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله والله لو تركته ما عدوتك وشاور معهما سعيد بن زيد أبا الأعور وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك يرضى للرضى ويسخط للسخط الذي يسر خير من الذي يعلن، ولم يل هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وسمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذ سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني فقال: أبالله تخوفوني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت لك من وراءك، ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب من الإثم والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام عليكم ورحمة الله، ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم قال بعضهم لما أملى أبو بكر صدر هذا الكتاب: بقي ذكر عمر فذهب به قبل أن يسمي أحداً فكتب عثمان: إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي ما كتبت فقرأ عليه ذكر عمر فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت إن أقبلت نفسي في غشيتي تلك يختلف الناس فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيراً، والله إن كنت لها لأهلاً، ثم أمره فخرج بالكتاب مختوماً ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا به، قال ابن سعد: علي القائل وهو عمر، فأقروا بذلك جميعاً ورضوا به وبايعوا، ثم دعا أبو بكر عمر خالياً فأوصاه بما أوصاه به ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مداً فقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح لهم وإليهم واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدي نبي الرحمة، وهدي الصالحين بعده وأصلح له رعيته) وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن الحسن بن أبي الحسن قال: (لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميت لما بي وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي فقاموا في ذلك وخلوا عليه فلم تستقم لهم، فرجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيك قال: فلعلكم تختلفون قالوا: لا قال: فعليكم عهد الله على الرضى قالوا: نعم. قال فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده أرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان فقال: اكتب فكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه ثم أفاق: فقال: اكتب عمر) ومن هذا السياق تبين واتضح أن تولية الفاروق رضي الله عنه الخلافة كانت بعهد من الصديق رضي الله عنه ولقد صدقت فراسة أبي بكر في عمر حين اجتهد في العهد بالخلافة من بعده له رضي الله عنه فلقد قام بالخلافة أتم القيام حيث كان إماماً ناصحاً لله ولرسوله ولدين الإسلام حيث كثرت في خلافته الفتوح واتسعت رقعة الدولة الإسلامية ونعمت الأمة الإسلامية بعدله رضي الله عنه ولحسن اختيار الصديق رضي الله عنه في أن يكون الفاروق هو الخليفة من بعده اعتبر من أشد الناس فراسة بسبب ذلك فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إن أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه، والمرأة التي رأت موسى عليه السلام فقالت لأبيها: يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله عنهما) قال الحاكم: فرضي الله عن ابن مسعود لقد أحسن في الجمع بينهم (بهذا الإسناد صحيح). ثانيا أحقية عمر بالخلافه إن حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه مما لا يشك فيها مسلم لما هو معلوم عند كل ذي عقل وفهم أنه يلزم من حقية خلافة أبي بكر حقية خلافة عمر وقد قدمنا في الفصل الثاني من هذا الباب أن نصوص الكتاب والسنة والإجماع كلها دلت على حقية خلافة أبي بكر، وما دل على حقية خلافة الصديق رضي الله عنه دل على حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه لأن الفرع يثبت له من حيث كونه فرعاً ما ثبت للأصل فحينئذ لا مطمع لأحد من الشيعة الرافضة في النزاع في حقية خلافة عمر لما قدمناه من الأدلة الواضحة القطعية على حقية خلافة مستخلفه، ولما سنذكره هنا من بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه، وإذا ثبت حقية خلافة الصديق رضي الله عنه قطعاً صار النزاع في حقية خلافة الفاروق عناداً وجهلاً وغباوة وإنكاراً لما هو معلوم في الدين بالضرورة ومن اعتقد عدم حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه كالشيعة الرافضة إنما يعد من الجهلة الحمقى حقيق أن يعرض عنه وعن أكاذيبه وأباطيله، ولا يلتفت إليه ولا يعول في شيء من الأمور عليه، فخلافة الفاروق رضي الله عنه حق بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وقد وردت الإشارة إلى حقية خلافته في طائفة من النصوص القطعية الصحيحة منها:- (1) في نص القرآن دليل على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وعلى وجوب الطاعة لهم وهو أن الله –تعالى- قال مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم في الأعراب {فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83] وكان نزول براءة التي فيها هذا الحكم بعد غزوة تبوك بلا شك التي تخلف فيها الثلاثة المعذرون الذين تاب الله عليهم في (سورة براءة) ولم يغز- عليه الصلاة والسلام – بعد غزوة تبوك إلى أن مات صلى الله عليه وسلم وقال تعالى أيضاً: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ} [الفتح: 15] فبين أن العرب لا يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تبوك لهذا، ثم عطف – سبحانه وتعالى – عليهم أثر منعه إياهم من الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16] فأخبر –تعالى- أنهم سيدعوهم غير النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم يقاتلونهم أو يسلمون ووعدهم على طاعة من دعاهم إلى ذلك بجزيل الأجر العظيم وتوعدهم على عصيان الداعي لهم إلى ذلك العذاب الأليم. قال أبو محمد بن حزم: (وما دعا أولئك الأعراب أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم يقاتلونهم أو يسلمون إلا أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فإن أبا بكر رضي الله عنه دعاهم إلى قتال مرتدي العرب بني حنيفة وأصحاب الأسود وسجاح وطليحة والروم والفرس وغيرهم، ودعاهم عمر إلى قتال الروم والفرس وعثمان دعاهم إلى قتال الروم والفرس والترك فوجب طاعة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم بنص القرآن الذي لا يحتمل تأويلاً وإذ قد وجبت طاعتهم فقد صحت إمامتهم وخلافتهم رضي الله عنهم) . (2) ما رواه الشيخان في (صحيحيهما) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة علي قليب فجاء أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين نزعاً ضعيفاً والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربلاً فلم أر عبقرياً يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن)) . هذا الحديث تضمن الإشارة إلى خلافة الشيخين رضي الله عنهما، كما تضمن الإشارة إلى حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه، وإلى كثرة الفتوح وظهور الإسلام في زمنه فهذا المنام النبوي مثال واضح لما حصل لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وآثار صحبته فقد كان عليه الصلاة والسلام هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام حيث قرر قواعد الدين ومهد أموره وأوضح أصوله وفروعه ودخل الناس في دين الله أفواجاً وأنزل الله تعالى عليه قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3]. ولما التحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى خلفه أبو بكر رضي الله عنه على الأمة سنتين وأشهراً وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: ((ذنوباً أو ذنوبين)) - وهذا شك من الراوي والمراد ذنوبان كما جاء التصريح بذلك في رواية أخرى وقد حصل في خلافته رضي الله عنه قتال المرتدين وقطع دابرهم واتساع رقعة الإسلام ولما توفي الصديق رضي الله عنه خلفه عمر رضي الله عنه فانتشر الإسلام في زمنه أكثر وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله لطول ولايته واتساع بلاد الإسلام وكثرة الأموال من الغنائم وغيرها فالحديث اشتمل على حقية خلافة عمر رضي الله عنه وصحتها وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها. (3) روى الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال: ((إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه)) . دل هذا الحديث دلالة صريحة على حقية خلافة عمر رضي الله عنه فقوله صلى الله عليه وسلم: ((اقتدوا باللذين)) بفتح الذال – أي الخليفتين اللذين يقومان من بعدي أبو بكر وعمر، فأمره صلى الله عليه وسلم بطاعتهما يتضمن الثناء عليهما لكونهما أهلاً لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه المؤذن بحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وإيماء لكونهما الخليفتين بعده وسبب الحث على الاقتداء بالسابقين الأولين ما فطروا عليه من الأخلاق المرضية والطبيعة القابلة للخير ولذلك كانوا أفضل الناس بعد الأنبياء وصار أفضل الخلق بعدهم من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين . (4) روى الشيخان في (صحيحيهما) بإسناديهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بينا أنا نائم إذ رأيت قدحاً أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله قال: العلم)) . ففي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة عمر رضي الله عنه (والمراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر – وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف ومع ذلك فساس عمر فيها – مع طول مدته – الناس بحيث لم يخالفه أحد ثم ازدادت اتساعاً في خلافة عثمان فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله – واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافاً، والفتن إلا انتشاراً) فالحديث فيه إشارة واضحة إلى حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه. (4) روى أبو داود وغيره من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: ((من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . في هذا الحديث إشارة إلى ترتيب الثلاثة في الفضل فأفضلهم أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان رضي الله عنهم جميعاً كما أن الحديث تضمن الإشارة إلى حقية خلافة عمر رضي الله عنه وأنه يلي الخلافة بعد الصديق رضي الله عنه وقوله له في الحديث: ((فرأينا الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وذلك لما علم صلى الله عليه وسلم من أن تأويل رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور وظهور الفتن بعد خلافة عمر . (6) وروى الشيخان في (صحيحيهما) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث ((أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها: فالمستكثر والمستقل وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل. فقال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعبرها قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به رجل فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله – بأبي أنت – أصبت أم أخطأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت. قال: لا تقسم)) . تضمن هذا الحديث الإشارة إلى حقية خلافة عمر رضي الله عنه وأرضاه. ووجه ذلك أن قوله في الحديث: ((ثم أخذ به رجل آخر فعلا به)) هو أبو بكر رضي الله عنه وقوله ثانياً: ((ثم أخذ به رجل آخر فانقطع)) إشارة إلى خلافة الفاروق رضي الله عنه. (7) روى أبو داود بإسناد إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه كان يحدث أن – رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم)) . دل هذا الحديث بالإشارة الواضحة إلى ترتيب الثلاثة في الخلافة وإلى حقية خلافتهم رضي الله عنهم وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الرؤيا ولذلك عبروا تنوط بعضهم ببعض بولاية الأمر بعده عليه الصلاة والسلام. (8) روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من ندفع صدقاتنا بعدك قال: فأتيته فسألته فقال: إلى أبي بكر فأتيتهم فأخبرتهم فقالوا: ارجع إليه فسله فإن حدث بأبي بكر حدث فإلى من؟ فأتيته فسألته فقال: إلى عمر فأتيتهم فأخبرتهم...)) الحديث. اشتمل هذا الحديث على الإشارة إلى حقية خلافة عمر رضي الله عنه وأنه يلي أمر المسلمين بعد وفاة الصديق رضي الله عنه. (9) روى البزار والطبراني كما في ((مجمع الزوائد)) عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان يعني في الخلافة) وهذا أيضا: من الآثار التي إشارتها واضحة إلى حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه. (10) وروى مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: وسمعت عائشة وسئلت: ((من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلفه قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا)) يعني وقفت على أبي عبيدة وهذا الحديث من أدلة أهل السنة والجماعة على تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة . (11) وروى الشيخان في (صحيحيهما) عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقول: ((وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما)) . (12) ومما دل على حقية خلافته رضي الله عنه اجتماع الصحابة على أنهم لا يقدمون إلا أفضلهم وأخيرهم مع قول أبي بكر وعلي رضي الله عنهما فيه. فأما قول أبي بكر رضي الله عنه فيه فهو قوله: (اللهم أمرت عليهم خير أهلك) وأما قول علي رضي الله عنه فيه فهو ما رواه البخاري عن محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو بكر قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر وخشيت أن يقول: عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين) . فهذه الأحاديث التي أوردناها في هذا المبحث كلها فيها الدلالة الواضحة على حقية خلافة عمر رضي الله عنه وأرضاه. قال السفاريني رحمه الله تعالى: (اعلم أن خلافة سيدنا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه مرتبة ولازمة لحقية خلافة الصديق الأعظم أبي بكر رضي الله عنه وقد قام الإجماع وإشارات الكتاب والسنة على حقية خلافته فما ثبت للأصل الذي هو الصديق من حقية الخلافة يثبت لفرعه الذي هو عمر بن الخطاب فيها فلا مطمع لأحد من فروق الضلال في الطعن والنزاع في حقية الخلافة وقد علم أهل العلم علماً باتاً ضرورياً أن الصحابة الكرام أجمعوا على تولية الصديق الخلافة ومن شذ لا يقدح في ذلك من غير مرية) . ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه |
إن خلافة الفاروق رضي الله عنه لم يختلف فيها اثنان فإنه لما عهد الصديق رضي الله عنه بالخلافة من بعده لعمر رضي الله عنه أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبول ذلك العهد ولم يعارض في ذلك منهم أحد بل أقروا بذلك وسمعوا له وأطاعوا وكذلك التابعون لهم بإحسان من أهل السنة والجماعة أجمعوا على صحة خلافة الفاروق رضي الله عنه واعتقدوا اعتقاداً جازماً أنه رضي الله عنه أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه.
وقد نقل إجماع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على خلافة عمر طائفة من أهل العلم الذين يعتمد عليهم في النقل. فقد تقدم معنا قريباً ما رواه ابن سعد وغيره في صيغة عهد الصديق بالخلافة لعمر رضي الله عنه وفيه: (أن الصديق رضي الله عنه أمر عثمان أن يخرج بالكتاب مختوماً ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا قال ابن سعد: علي القائل: وهو عمر فأقروا بذلك جميعاً ورضوا به وبايعوا) . وروى ابن الأثير بإسناده إلى يسار المدني قال: (لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة فقال: يا أيها الناس إني قد عهدت عهداً أفترضون به؟ فقال الناس: قد رضينا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي: لا نرضى إلا أن يكون عمر بن الخطاب) . فكان ما توقعوه لأنهم كانوا رضي الله عنهم يعلمون أنه لا أحد أفضل من عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر ولذلك أقروا جميعاً بعهد الصديق ورضوا به، ثم بايعوه. وروى ابن جرير بإسناده إلى أبي السفر سعيد بن محمد قال: (أشرف أبو بكر على الناس من كنيفة وأسماء بنت عميس ممسكته وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا فقالوا: سمعنا وأطعنا) . وروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (دخلت على عمر حين طعن. فقلت: أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقتلت شهيداً فقال: أعد علي فأعدت عليه فقال: والله الذي لا إله غيره لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع) . وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى مبيناً الإجماع على خلافة الفاروق رضي الله عنه: (لما علم الصديق رضي الله عنه من فضل عمر رضي الله عنه ونصيحته وقوته على ما يقلده وما كان يعينه عليه في أيامه من المعونة التامة لم يكن يسعه في ذات الله ونصيحته لعباد الله –تعالى- أن يعدل هذا الأمر عنه إلى غيره، ولما كان يعلم من أمر شأن الصحابة رضي الله عنهم أنهم يعرفون منه ما عرفه ولا يشكل عليهم شيء من أمره فوض إليه ذلك فرضي المسلمون له ذلك وسلموه، ولو خالطهم في أمره ارتياب أو شبهة لأنكروه ولم يتابعوه كاتباعهم أبا بكر رضي الله عنه فيما فرض الله عليه الإجماع وأن إمامته وخلافته ثبتت على الوجه الذي ثبت للصديق، وإنما كان كالدليل لهم على الأفضل والأكمل فتبعوه على ذلك مستسلمين له راضين به) . وقال أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى بعد ذكره خلافة الصديق باختيار الصحابة وإجماعهم عليه قال: (ثم خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه باستخلاف أبي بكر رضي الله عنه إياه واتفاق الصحابة عليه بعده وإنجاز الله –سبحانه- بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه بعده) . وقال النووي في معرض ذكره لإجماع الصحابة على تنفيذ عهد الصديق بالخلافة لعمر حيث قال: (أجمعوا على اختيار أبي بكر وعلى تنفيذ عهده إلى عمر) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأما عمر فإن أبا بكر عهد إليه وبايعه المسلمون بعد موت أبي بكر فصار إماماً لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم) . وقال شارح الطحاوية: (ونثبت الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه) . وقال أبو حامد محمد المقدسي بعد ذكره لطائفة من الأدلة على ثبوت خلافة أبي بكر: (وإذ قد صحت إمامة أبي بكر رضي الله عنه فطاعته فرض في استخلاف عمر رضي الله عنه بما ذكرناه، وبإجماع المسلمين عليها) . وقال الملا على القاري ذاكراً للإجماع على فضل عمر وحقية خلافته فقال: (وقد أجمعوا على فضيلته وحقية خلافته) اهـ. ومن هذه النقول التي تقدم ذكرها تبين أن خلافة عمر رضي الله عنه تمت بإجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تلقوا عهد أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة لعمر بالقبول والتسليم ولم يعارض في ذلك أحد وكذا أجمعت الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على ما أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخالفهم إلا من لا يعتد بخلافه ممن ابتلي ببغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كالشيعة الرافضة ومن جرى في ركابهم ممن فتن بهم فإن اعترض معترض على إجماع الصحابة المتقدم ذكره بما رواه ابن سعد وغيره (من أن بعض الصحابة سمعوا بدخول عبد الرحمن بن عوف وعثمان على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلاف عمر علينا؟ وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني أبالله تخوفني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت لك من وراءك) والجواب عن هذا أن هذا الإنكار الصادر إن صح من هذا القائل ليس عن جهالة لتفضيل عمر بعد أبي بكر واستحقاقه للخلافة، وإنما كان خوفاً من خشونته وغلظته لا اتهاماً له في قوته وأمانته . فالذي يجب على المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً لا مرية فيه أن أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه لفضله وعهد أبي بكر إليه وإجماع المسلمين كافة على صحة خلافته وحقيتها. الفرع الثالث: خلافة عثمان رضي الله عنه أولا: كيفية توليه الخلافة رضي الله عنه لما طعن عمر رضي الله عنه لم يستخلف أحداً بعينه ليكون الخليفة على المسلمين من بعده بل أوصى أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وتحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين وقال: (لا أتحمل أمرهم حياً وميتاً) ، وإن يرد الله بكم خيراً يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم صلى الله عليه وسلم. ومن تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه، خشي أن يراعى فيولى لكونه ابن عمه فلذلك تركه وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ولما مات الفاروق رضي الله عنه ودفنه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه اجتمع النفر الذين جعل عمر الأمر فيهم شورى للتشاور فيمن يلي الخلافة بعد عمر رضي الله عنه ففوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة حيث فوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف وترك طلحة حقه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه؟ والله عليه والإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فسكت علي وعثمان رضي الله عنهما، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك، والله علي والإسلام أن أجتهد فأولي أولاكما بالحق فقالا: نعم ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن فقال كل منهما: نعم ثم تفرقوا . وقد روى البخاري في (صحيحه) من حديث طويل عن عمرو بن ميمون فيه تفاصيل حادثة استشهاد عمر رضي الله عنه وعدد الذين طعنوا معه، ووصية عمر لابنه عبدالله أن يحسب ما عليه من الدين وكيف يقضيه، وطلبه رضي الله عنه الاستئذان من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه فأذنت في ذلك رضي الله عنها بطيب نفس كما اشتمل هذا الحديث على الكيفية التي بويع بها لعثمان والاتفاق عليه ومما جاء فيه بشأن خلافة عثمان رضي الله عنه أنهم ((قالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذلك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة –إلى أن قال- لما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن بن عوف: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه)) . وروى أيضاً: بإسناده إلى الزهري أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن المسور بن مخرمة أخبره ((أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا قال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائماً فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم انطلق فادع الزبير وسعداً فدعوتهما له فشاورهما ثم دعاني فقال: ادع لي علياً فدعوته فناجاه حتى ابهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئاً، ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون)) . ففي هذين الحديثين بيان أن عمر رضي الله عنه لم يعهد بالخلافة من بعده إلى واحد بعينه وإنما جعلها شورى في الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وقد التمس بعض أهل العلم وجه الحكمة من جعل عمر الأمر شورى بين الستة دون أن يعين واحداً. فقد قال ابن بطال: (إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكاً متوسطاً خشية الفتنة فرأى أن الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين فجعل الأمر معقوداً على الستة لئلا يترك الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فأخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم طرفاً وهو ترك التعيين، ومن فعل أبي بكر طرفاً وهو العقد لأحد الستة وإن لم ينص عليه) اهـ . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأما عمر رضي الله عنه فرأى الأمر في الستة متقارباً فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر ورأى أنه إن عين واحداً فقد يحصل بولايته نوع من الخلل فيكون منسوباً إليه فترك التعيين خوفاً من الله –تعالى- وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم لما تخوفه من التقصير، والله تعالى قد أوجب على العبد أن يفعل المصلحة بحسب الإمكان فكان ما فعله غاية ما يمكن من المصلحة، وإذا كان من الأمور أمور لا يمكن دفعها فتلك لا تدخل في التكليف وكان كما رآه فعلم أنه إن ولي واحداً من الستة فلابد أن يحصل نوع من التأخر عن سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأن يحصل بسبب ذلك مشاجرة كما جبل الله ذلك طباع بني آدم، وإن كانوا من أولياء الله المتقين، وذكر في كل واحد من الستة الأمر الذي منعه من تعيينه وتقديمه على غيره ثم إن الصحابة اجتمعوا على عثمان رضي الله عنه لأن ولايته كانت أعظم مصلحة وأقل مفسدة من ولاية غيره والواجب أن يقدم أكثر الأمرين مصلحة، وأقلهما مفسدة، وعمر رضي الله عنه خاف أن يتقلد أمراً يكون فيه ما ذكر، ورأى أنهم إذا بايعوا واحداً منهم باختيارهم حصلت المصلحة بحسب الإمكان وكان الفرق بين حال المحيا وحال الممات أنه في الحياة يتولى أمر المسلمين فيجب عليه أن يولي عليهم أصلح من يمكنه، وأما بعد الموت فلا يجب عليه أن يستخلف معيناً إذا كانوا يجتمعون على أمثلهم، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم علم أنهم يجتمعون على أبي بكر استغنى بذلك عن كتابة العهد الذي كان قد عزم على أن يكتبه لأبي بكر أيضاً: فلا دليل على أنه يجب على الخليفة أن يستخلف بعده فلم يترك عمر واجباً ولهذا روجع في استخلاف المعين وقيل له أرأيت لو أنك استرعيت فقال: إن الله تعالى لم يكن يضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض) اهـ. ومما تقدم تبين لنا الكيفية التي تولى بها ذو النورين عثمان رضي الله عنه الخلافة وأنها تمت باختيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له قاطبة فهو أحق الناس على الإطلاق بالخلافة بعد عمر رضي الله عنه. ثانيا: أحقية عثمان بالخلافه لا يشك مؤمن في حقية خلافة عثمان رضي الله عنه وصحتها وأنه لا مطعن فيها لأحد إلا ممن أصيب في قلبه بزيغ فنقم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب ما حل في قلبه من الغيظ منهم وهذا لم يحصل إلا من الشيعة الرافضة الذين جعلوا رأس مالهم في هذه الحياة الدنيا هو سب الصحابة رضي الله عنهم وبغضهم ولا قيمة لما يوجهونه من المطاعن على خلافة الثلاثة رضي الله عنهم لظهور بطلانه وأنها افتراءات لا تصح، وقد جاء في جملة من النصوص القطعية الصحيحة والآثار الشهيرة التنبيه والإيماء إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه ومن ذلك:- (1) قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور: 55] الآية وجه الاستدلال بهذه الآية على حقية خلافة عثمان رضي الله عنه أنه من الذين استخلفهم الله في الأرض ومكن لهم فيها وسار في الناس أيام خلافته سيرة حسنة حيث حكم فيهم بالعدل وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهذه الآية تضمنت الإشارة إلى حقية خلافته رضي الله عنه. (2) قوله تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16]. ووجه الاستدلال بهذه الآية على حقية خلافة عثمان رضي الله عنه هو أن الداعي لهؤلاء الأعراب داع يدعوهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم وهو أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فأبو بكر دعاهم إلى قتال مرتدي العرب بني حنيفة وأصحاب الأسود، وسجاح وطليحة والروم والفرس وغيرهم ودعاهم عمر إلى قتال الروم والفرس وعثمان دعاهم إلى قتال الروم والفرس والترك فوجبت طاعة هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم بنص القرآن، وإذا وجبت طاعتهم صحت خلافتهم رضي الله عنهم وأرضاهم. (3) روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فإذا عمر ثم جاء آخر يستأذن فسكت هنيهة ثم قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فإذا هو عثمان بن عفان)) هذا الحديث فيه إشارة إلى ترتيب الثلاثة في الخلافة وإخبار عن بلوى تصيب عثمان وهذه البلوى حصلت له رضي الله عنه وهي حصاره يوم الدار حتى قتل آنذاك مظلوماً فالحديث علم من أعلام النبوة وفيه الإشارة إلى كونه شهيداً رضي الله عنه وأرضاه. (4) وروى أبو داود بإسناده إلى أبي بكرة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً أنزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . تضمن هذا الحديث الإشارة إلى ترتيب الخلفاء الثلاثة في الفضل كما تضمن الإشارة إلى أن ترتيبهم في الخلافة يكون على حسب ترتيبهم في الفضل وإلى حقية خلافتهم جميعاً رضي الله عنهم وأرضاهم. (5) وروى أبو داود رحمه الله بإسناده إلى جابر بن عبد الله أنه كان يحدث ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم)) . هذا الحديث علم من أعلام النبوة الدالة على صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث حصل في شأن ترتيب الخلافة الراشدة طبقاً لهذه الرؤيا كما اشتمل على التنبيه على حقية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم (وفيه إشارة واضحة إلى ترتيب الخلافة الراشدة بعده صلى الله عليه وسلم وقد فهم هذا راوي الحديث وكان كما قال) . (6) وروى الشيخان في (صحيحيهما) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث ((أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها: فالمستكثر والمستقل وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل، فقال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: اعبرها قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله – بأبي أنت – أصبت أم أخطأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت قال: لا تقسم)) تضمن هذا الحديث الإشارة إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه، فقوله في الحديث: ((ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع ثم يوصل له فيعلو به)) هو عثمان رضي الله عنه لكن قوله: ((ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع ثم يوصل له فيعلو به)) فيه إشكال من حيث كونه يوصل له بعد انقطاعه مع العلم أن خلافة عثمان رضي الله عنه لم يحصل فيها انقطاع ولم تنقطع إلا بموته رضي الله عنه وأرضاه. وقد ذكر العلامة ابن القيم وجه الإشكال في شرحه الحديث على سنن أبي داود مع بيان إزالته حيث قال رحمه الله تعالى: (وهذا يشكل عليه شيئان: أحدهما: أن في نفس الرؤيا ((ثم وصل له، فعلا به)) فتفسير الصديق لذلك مطابق لنفس الرؤيا. والثاني: أن قتل عثمان رضي الله عنه لا يمنع أن يوصل له، بدليل أن عمر قد قتل ومع هذا فأخذ به وعلا به، ولم يكن قتله مانعاً من علوه به. أما الأول: فلفظه: ((ثم وصل له)) لم يذكر هذا البخاري، ولفظ حديثه ((ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل)) فقط وهذا لا يقتضي أن يوصل له بعد انقطاعه به وقال الصديق في تفسيره في نفس حديث البخاري: ((فينقطع به ثم يوصل له)) فهذا موضع الغلط، وهذا مما يبين فضل صدق معرفة البخاري، وغور علمه في إعراضه عن لفظة ((له)) وإنما انفرد بها مسلم، وأما الثاني: فيجاب عنه: بأن عمر رضي الله عنه لم ينقطع به السبب من حيث علا به، وإنما انقطع به بالأجل المحتوم، كما ينقطع الأجل بالسم وغيره، وأما عثمان فانقطع به من حيث وصل له من الجهة التي علا بها وهي الخلافة، فإنه إنما أريد منه أن يخلع نفسه، وإنما قتلوه لعدم إجابتهم إلى خلع نفسه، فخلعوه هم بالقتل ظلماً وعدواناً، فانقطع به من الجهة التي أخذ به منها ثم وصل لغيره رضي الله عنه وهذا سر سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن تعيين موضع خطأ الصديق فإن قيل: لم تكلفتم أنتم بيانه، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم الصديق من تعرفه، والسؤال عنه؟ قيل: منعه من هذا: ما ذكرناه من تعلق ذلك بأمر الخلافة، وما يحصل للرابع من المحنة، وانقطاع السبب به فأما وقد حدث ذلك ووقع فالكلام فيه الكلام في غيره من الوقائع التي يحذر الكلام فيها قبل وقوعها سداً للذريعة، ودرءاً للمفسدة فإذا وقعت زال المعنى الذي سكت عنها لأجله) اهـ. فالحديث فيه إشارة إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه وأرضاه. (7) وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنها ستكون فتنة واختلاف أو اختلاف وفتنه قال قلنا يا رسول الله: فما تأمرنا قال: عليكم بالأمير وأصحابه وأشار إلى عثمان)) . وهذا الحديث أيضاً: فيه معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدق نبوته حيث أخبر بالفتنة التي حصلت أيام خلافة عثمان وكانت كما أخبر كما تضمن الحديث التنبيه على حقية خلافة عثمان إذ أنه صلى الله عليه وسلم أرشد الناس إلى أن يلزموه وأخبر بأنه حين وقوع الفتنة والاختلاف أمير المؤمنين ومقدمهم وأمرهم بالالتفاف حوله وملازمته لكونه على الحق، والخارجون عليه على الباطل أهل زيغ والهوى، وقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون مستمراً على الهدى لا ينفك عنه. (8) فقد روى الترمذي بإسناده إلى أبي الأشعث الصنعاني أن خطباء قامت بالشام وفيهم رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقام آخرهم رجل يقال له: مرة بن كعب فقال: (لولا حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قمت وذكر الفتن فقربها فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: نعم) . (9) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى جبير بن نفير قال: ((كنا معسكرين مع معاوية بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه فقام كعب بن مرة البهزي فقال: لولا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قمت هذا المقام فلما سمع بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلس الناس فقال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مر عثمان عليه مرجلاً قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتخرجن فتنة من تحت قدمي أو من بين رجلي هذا، هذا يومئذ ومن اتبعه على الهدى قال: فقام ابن حوالة الأزدي من عند المنبر فقال: إنك لصاحب هذا قال: نعم قال: والله إني لحاضر ذلك المجلس ولو علمت أن لي في الجيش مصدقاً كنت أول من تكلم به)) . (10) وروى أيضاً بإسناده إلى كعب بن عجرة قال: ((كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر فتنة فقربها فمر رجل متقنع فقال هذا يومئذ على الهدى قال فاتبعته حتى أخذت بضبعيه فحولت وجهه إليه وكشفت عن رأسه وقلت: هذا يا رسول الله قال: نعم فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه)) . فهذه الثلاثة الأحاديث كلها تضمنت الإشارة إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه وأنه سيبتلى بالفتنة المذكورة في الحديث والتي كان من آثارها قتله رضي الله عنه ظلماً وعدواناً بغير حق لما علم الله تعالى له أن سيكون في عداد الشهداء كما وضحت هذه الأحاديث أنه هو ومن اتبعه على الهدى عند وقوع تلك الفتن من قبيل قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 5] فعثمان رضي الله عنه كان على الحق، والفتنة التي وقعت في زمنه أهلها على الباطل ففي ذلك فضيلة عظيمة لعثمان رضي الله عنه. ولقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان رضي الله عنه سيكون أحد الخلفاء الراشدين من بعده، الذين يتولون أمر الأمة، فقد أوصاه في غير ما حديث أنه إن خرج عليه الخارجون وأرادوا منه أن يخلع نفسه فلا يستجيب لهم ولا كرامة وأنه يتمسك بحقه فيه ولا يطع أحداً في تركه. (11) فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصاً فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم)) . ففي هذا الحديث (الإشارة إلى الخلافة واستعارة القميص لها وذكر الخلع ترشيح أي: سيجعلك الله خليفة، فإن قصد الناس عزلك، فلا تعزل نفسك عنها لأجلهم لكونك على الحق، وكونهم على الباطل) . |
(12) وروى الترمذي بإسناده إلى أبي سهلة قال: ((قال لي عثمان يوم الدار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى عهداً فأنا صابر عليه)) . فقوله: ((قد عهد إلى عهداً)) أي: أوصاني أن لا أخلع بقوله: ((وإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم)) ((فأنا صابر عليه)) (أي: على ذلك العهد) . (13) وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ادعوا لي أو ليت عندي رجلاً من أصحابي قالت: ليت أبو بكر؟ قال: لا قلت: عمر قال: لا قلت: فعثمان قال: نعم قالت: فجاء عثمان فقال: قومي قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير قال: فلما كان يوم الدار قلنا: ألا تقاتل قال: لا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أمراً فأنا صابر نفسي عليه)) . فهذا الحديث والذي قبله فيهما دلالة على صحة خلافته، فمن أنكر خلافته ولم يره من أهل الجنة والشهداء وأساء الأدب فيه باللسان، أو الجنان فهو خارج عن دائرة الإيمان وحيز الإسلام . ولقد عمل رضي الله عنه وأرضاه بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم طبقاً لما أوصاه به ولذلك ما عزل نفسه حين حاصروه يوم الدار. (14) وروى ابن سعد بإسناده إلى عبد الله بن عمر قال: ((قال لي عثمان وهو محصور في الدار: ما ترى فيما أشار به علي المغيرة بن الأخنس؟ قال قلت: ما أشار به عليك؟ قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعي فإن خلعت تركوني وإن لم أخلع قتلوني قال قلت: أرأيت إن خلعت تترك مخلداً في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يملكون الجنة والنار؟ قال: لا قال: فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا قلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصاً قَمَّصَكَهُ الله)) . (15) ومما دل على صحة خلافته وإمامته ما رواه البخاري بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم تترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم)) . وفي هذا إشارة إلى أن الله –تعالى- ألهمهم وألقى في روعهم ما كان صانعه بعد نبيه صلى الله عليه وسلم من أمر ترتيب الخلافة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من تفضيل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره، وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتاً بالنص وإلا فيكون ثابتاً بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من غير نكير، وبما ظهر لما توفي عمر فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة ولا رهبة ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم) . وكل ما تقدم ذكره من النصوص في هذا المبحث أدلة قوية كلها فيها الإشارة والتنبيه إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه وأرضاه وأنه لا مرية في ذلك ولا نزاع عند المتمسكين بالكتاب والسنة والذين هم أسعد الناس بالعمل بهما وهم أهل السنة والجماعة فيجب على كل مسلم أن يعتقد حقية خلافة عثمان رضي الله عنه وأن يسلم تسليماً كاملاً للنصوص المشيرة إلى ذلك. ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه لقد أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا من جاء بعدهم ممن سلك سبيلهم من أهل السنة والجماعة على أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أحق الناس بخلافة النبوة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يخالف أو يعارض في هذا أحد بل الجميع سلم له ذلك لكونه أفضل خلق الله على الإطلاق بعد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقد نقل الإجماع على أحقية عثمان رضي الله عنه بالخلافة بعد عمر رضي الله عنه طائفة من أهل العلم بالحديث وغيرهم ومن تلك النقول: ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: (حججت في إمارة عمر فلم يكونوا يشكون أن الخلافة من بعده لعثمان) . وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حذيفة –رضي الله عنه قال: (إني لواقف مع عمر تمس ركبتي ركبته فقال: من ترى قومك يؤمرون قال: إن الناس قد أسندوا أمرهم إلى ابن عفان) . ونقل الحافظ الذهبي عن شريك بن عبد الله القاضي أنه قال: (قبض النبي صلى الله عليه وسلم فاستخلف المسلمون أبا بكر فلو علموا أن فيهم أحداً أفضل منه كانوا قد غشوا، ثم استخلف أبو بكر عمر فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما احتضر جعل الأمر شورى بين ستة، فاجتمعوا على عثمان، فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا) . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وأخرج يعقوب بن شيبة في (مسنده) من طريق صحيح إلى حذيفة قال: (قال لي عمر من ترى قومك يؤمرون بعدي؟ قال: قلت: قد نظر الناس إلى عثمان وأشهروه لها) . وقال أيضاً: وأخرج البغوي في (معجمه) وخيثمة في (فضائل الصحابة) بسند صحيح عن حارثة بن مضرب قال: (حججت مع عمر فكان الحادي يحدو أن الأمير بعده عثمان بن عفان) . وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: (حججت مع عمر أول خلافة عمر فلم يشك أن الخليفة بعده عثمان بن عفان رضي الله عنه) . فهذه النقول فيها بيان واضح في أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد اشتهر بينهم أولوية عثمان بالخلافة وما زال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حياً لما سبق من علمهم ببعض النصوص المشيرة إلى أن ترتيبه سيكون في خلافة النبوة بعد الفاروق رضي الله عنه ولعلمهم أنه أفضل الناس على الإطلاق بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى النزال بن سبرة رضي الله عنه قال: (قال عبد الله بن مسعود حين استخلف عثمان: استخلفنا خير من بقي ولم نأله) وفي رواية أخرى قال: (أمرنا خير من بقي ولم نأل) ولما استشهد الفاروق رضي الله عنه بايع المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون عثمان رضي الله عنه ليكون الخليفة للمسلمين بعد عمر رض الله عنه ولم يتأخر منهم أحد عن بيعته. فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى المسور بن مخرمة في قصة بيعة عثمان رضي الله عنه من حديث طويل وفيه: ((أن عبد الرحمن أرسل على من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد – وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر – فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون)) وقال الحسن بن محمد الزعفراني سمعت الشافعي يقول: (أجمع الناس على خلافة أبي بكر واستخلف أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الشورى إلى ستة على أن يولوها واحداً فولوها عثمان رضي الله عنهم أجمعين) . وقد نقل أبو حامد محمد المقدسي كلاماً عزاه للإمام الشافعي أنه قال: (واعملوا أن الإمام الحق بعد عمر رضي الله عنه عثمان رضي الله تعالى عنه بجعل أهل الشورى اختيار الإمامة إلى عبد الرحمن بن عوف واختياره لعثمان رضي الله عنه وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وصوبوا رأيه فيما فعله وأقام الناس على محجة الحق وبسط العدل إلى أن استشهد رضي الله عنه) . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: (لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان) . وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وثبتت إمامة عثمان رضي الله عنه بعد عمر بعقد من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى الذين نص عليهم عمر فاختاروه ورضوا بإمامته وأجمعوا على فضله وعدله) . وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في صدد ذكره للإجماع على خلافة عثمان: (فاجتمع أهل الشورى ونظروا فيما أمرهم الله به من التوفيق وأبدوا أحسن النظر والحياطة والنصيحة للمسلمين وهم البقية من العشرة المشهود لهم بالجنة واختاروا بعد التشاور والاجتهاد في نصيحة الأمة والحياطة لهم عثمان بن عفان رضي الله عنه لما خصه الله به من كمال الخصال الحميدة والسوابق الكريمة وما عرفوا من علمه الغزير وحلمه لم يختلف على ما اختاروه وتشاوروا فيه أحد، ولا طعن فيما اتفقوا عليه طاعن فأسرعوا إلى بيعته، ولم يتخلف عن بيعته من تخلف عن أبي بكر ولا تسخطها متسخط بل اجتمعوا عليه راضين به مجيبين له) . وقال أبو عثمان الصابوني مبيناً عقيدة السلف وأصحاب الحديث في ترتيب الخلافة بعد أن ذكر أنهم يقولون أولاً بخلافة الصديق ثم عمر قال: (ثم خلافة عثمان رضي الله عنه بإجماع أهل الشورى وإجماع الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد... فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماماً وإلا لو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماماً ولكن عمر لما جعله شورى في ستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولي أحد الرجلين وأقام عبد الرحمن ثلاثاً حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان يشاور أمراء الأجناد، وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها، ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل لأنهم قدموه باختيارهم واشتوارهم) . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى حاكياً لإجماع الصحابة على خلافة عثمان رضي الله عنه: (ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى، وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان، وقال لعثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به؟ قال: بعلي بن أبي طالب والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل، والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه، ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعاً وأشتاتاً، مثنى وفرادى، ومجتمعين سراً وجهراً حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقديم عثمان بن عفان فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة وسؤالاً من ذوي الرأي عنهم، فلم يجد أحداً يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب، جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة وأمره أن ينادي له علياً وعثمان رضي الله عنهما فناداهما فحضرا إلى عبد الرحمن فأخبرهما أنه سأل الناس فلم يجدا أحداً يعدل بهما أحداً ثم أخذ العهد على كل منهما أيضاً لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعن، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقلد سيفاً، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة فامتلأ المسجد بالناس حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس فيه إلا في أخريات الناس – وكان رجلاً حيياً رضي الله عنه – ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف وقوفاً طويلاً ودعا دعاء طويلاً لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس إني سألتكم سراً وجهراً عن إمامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي، وإما عثمان فقم إلي يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي قال: فأرسل يده وقال: قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده وقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر قال: فقعد عبد الرحمن مقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه علي بن أبي طالب أولاً، ويقال ثانياً) . فهذه النقول المتقدم ذكرها للإجماع عن هؤلاء الأئمة كلها تفيد إفادة قطعية أن البيعة بالخلافة تمت لعثمان رضي الله عنه بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يخالف أو يعارض في ذلك أحد، وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون (أن علياً تلكأ فقال: عبد الرحمن: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10] فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيما خدعة) . فهذا باطل من وجوه: الوجه الأول: أن هذه القصة مخالفة لما ثبت في الحديث الصحيح وذلك أنه ثبت في (صحيح البخاري) في قصة البيعة والاتفاق على عثمان (أن علياً رضي الله عنه بايع عثمان بعد عبدالرحمن بن عوف مباشرة ثم بايع الناس بعده) وما جاء مخالفاً لهذا فهو مردود على قائله وناقليه. الوجه الثاني: أخرج ابن سعد بإسناده إلى مولى عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده قال: (أنا رأيت علياً بايع عثمان أول الناس، ثم تتابع الناس فبايعوا) . الوجه الثالث: أن المظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها وميادها وقويمها . فكل ما يذكر من أن علياً رضي الله عنه تلكأ عن بيعة عثمان أو تأخر عنها فهو مبني على خبر غير صحيح رجاله لا يعرفون قد يكون في الغالب من وضع الرافضة الذين أوبقوا أنفسهم ببغض الصحابة رضي الله عنهم. فبيعة عثمان تمت بإجماع المسلمين كافة ولا مطعن فيها لأحد من أهل الزيغ. الفرع الرابع: خلافة علي رضي الله عنه أولا: طريقة توليه الخلافة لقد تمت بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة بطريقة الاختيار وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاءوا من الآفاق ومن أمصار مختلفة، وقبائل متباينة لا سابقة لهم، ولا أثر خير في الدين فبعد أن قتلوه رضي الله عنه ظلماً وعدواناً (يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين) . قام كل من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمبايعة علي رضي الله عنه بالخلافة وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق بعد عثمان رضي الله عنه، ولذلك لم يدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان رضي الله عنه ولم يكن أبو السبطين رضي الله عنه حريصاً عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقي من الصحابة بالمدينة وخوفاً من ازدياد الفتن وانتشارها ومع ذلك لم يسلم من معرة تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على الإسلام كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه لفسقهم ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روى الكيفية التي تم بها اختيار علي رضي الله عنه للخلافة بعض أهل العلم. فقد روى أبو بكر الخلال بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: (كنت مع علي رحمه الله وعثمان محصور قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة قال: فقام علي رحمه الله: قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفاً عليه فقال: خل لا أم لك قال: فأتى علي الدار وقد قتل الرجل رحمه الله فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا قد قتل، ولابد للناس من خليفة ولا نعلم أحداً أحق بها منك فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله لا نعلم أحداً أحق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سراً، ولكن أخرج إلى المسجد فبايعه الناس) . وفي رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن الحنفية: (فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام ولا نجد أحداً أحق بهذا منك أقدم مشاهد، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي: لا تفعلوا فإني وزير خير مني أمير، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك قال: ففي المسجد فإنه لا ينبغي بيعتي أن تكون خفياً ولا تكون إلا عن رضا من المسلمين قال: فقال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه وأبى هو إلا المسجد فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس) . وقال ابن جرير: وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف بن أبي حارثة وأبي عثمان – يزيد بن أسيد الغساني – قال: (لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان رضي الله عنه جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعداً والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له... فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر على الأمة فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبع فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون). وفي رواية أخرى: أن جمهور الصحابة لما عرضوا على علي رضي الله عنه الخلافة قال لهم: (دعوني والتمسوا غيري... فقالوا: ننشدك الله ألا ترى الفتنة ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ثم على ذلك واتّعدوا الغد... فلما أصبحوا يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي حتى صعد المنبر فقال: يا أيها الناس – عن ملأ وإذن – إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد فقالوا نحن على ما فارقناك بالأمس) . ومما تقدم تبين أن خلافة علي رضي الله عنه تمت بطريق الاختيار من جميع من كان موجوداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد استشهاد ذي النورين رضي الله عنه، وهذه الطريقة التي تم بها اختيار علي رضي الله عنه كالطريق التي ثبت بها خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه حيث إن عثمان رضي الله عنه لم يعين أحداً يقوم بالخلافة بعده فقد روى الإمام أحمد والبخاري والحاكم عن مروان بن الحكم: (أن عثمان رضي الله عنه أصابه رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى وطلب منه أن يستخلف فلم يستخلف رضي الله عنه وأرضاه) كما تبين أيضاً: مما تقدم (أن بيعة علي رضي الله عنه كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدر وفي إبانها وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة) . قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (وأما ما يغتر به كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء من أنه أوصى إلى علي بالخلافة فكذب وبهت وافتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة، وممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه، وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب وكل مؤمن بالله ورسوله يتحقق أن دين الإسلام هو الحق يعلم بطلان هذا الافتراء لأن الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء وهم خير قرون هذه الأمة التي هي أشرف الأمم بنص القرآن، وإجماع السلف والخلف في الدنيا والآخرة ولله الحمد) . ثانيا: أحقية علي بالخلافه إن أحق الناس بالخلافة بعد الثلاثة المتقدمين أعني أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بل ومعتقد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطبة وهذا هو ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في شأن ترتيب الخلافة الراشدة، وقد ورد الإيماء إلى حقية خلافة علي رضي الله عنه في كثير من النصوص الشرعية منها: (1) قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55] الآية ووجه الاستدلال بها على حقية خلافة علي رضي الله عنه أنه أحد المستخلفين في الأرض الذين مكن الله لهم دينهم . (2) قوله عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) . ووجه الدلالة في هذا الحديث على حقية خلافة علي رضي الله عنه أنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وحافظوا على حدود الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وساروا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العدل وإقامة الحق. (3) روى أبو عبد الله الحاكم وغيره بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقطعت نعله فتخلف علي يخصفها فمشي قليلاً ثم قال: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال أبو بكر: أنا هو قال: لا. قال عمر أنا هو قال: لا. لكن خاصف النعل –يعني عليا فأتيناه فبشرناه فلم يرفع به رأسه كأنه قد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . هذا الحديث فيه إيماء إلى ولايته حيث إنه رضي الله عنه قاتل في خلافته أهل التأويل الذين خرجوا عليه بالتأويل، ومنه أخذت أحكام قتال البغاة في أنه لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم ذرية وغير ذلك من أحكامهم وقاتل أيضاً الحرورية الذين تأولوا القرآن على غير تأويله وكفروا أهل الحق ومرقوا من الدين مروق السهم من الرمية. (4) روى مسلم في (صحيحه) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق)) . وفيه أيضاً: أنه قال: ((تكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق)) . وفي لفظ: قال: ((تمرق مارقة في فرقة من الناس فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق)) . وجاء أيضاً بلفظ ((يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق)) . فقوله صلى الله عليه وسلم على حين فرقة –بضم الفاء- أي: في وقت افتراق الناس أي: افتراق يقع بين المسلمين وهو الافتراق الذي كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهما . والمراد بالفرقة المارقة هم (أهل النهروان كانوا في عسكر علي رضي الله عنه في حرب صفين فلما اتفق علي ومعاوية على تحكيم الحكمين خرجوا وقالوا: إن علياً ومعاوية استبقا إلى الكفر كفرسي رهان فكفر معاوية بقتال علي ثم كفر علي بتحكيم الحكمين وكفروا طلحة والزبير فقتلتهم الطائفة الذين كانوا مع علي وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم أن الطائفة التي تقتلهم أقرب إلى الحق وهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم لعلي وأصحابه بالحق وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم لكونه أخبر بما يكون فكان على ما قال وفيه دلالة على صحة خلافة علي رضي الله عنه وخطأ من خالفه) . (5) وروى البخاري بإسناده إلى خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: ((كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن)) . (6) عند مسلم عن أبي سعيد أيضاً: قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يسمح رأسه ويقول: ((بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية)) . هذان الحديثان دلا على حقية خلافة علي رضي الله عنه وأنه الإمام الحق بعد عثمان رضي الله عنه وأن الذين قاتلوه مجتهدون مخطئون لا إثم عليهم ولا لوم فيما وقع بينهم من القتال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بعد ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم: ((تقتل عماراً الفئة الباغية)) (وهذا أيضاً يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار وإن كان متأولاً وهو دليل على أنه لم يمكن يجوز قتال علي وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولاً، أو باغ بلا تأويل وهو أصح القولين لأصحابنا وهو الحكم بتخطئة من قاتل علياً وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين وكذلك أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة علي في قتال البغاة المتأولين قال: أيجعل طلحة والزبير معاً بغاة؟ رد عليه الإمام أحمد فقال: ويحك وأي شيء يسعه أن يضع في هذا المقام يعني: إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة – إلى أن قال – ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه) . فلو قال قائل: إن قتل عمار كان بصفين (وهو مع علي والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار، فالجواب أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة الإمام وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم) . قال الإمام النووي بعد قوله صلى الله عليه وسلم: ((بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية)) (قال العلماء: هذا الحديث حجة ظاهرة في أن علياً رضي الله عنه كان محقاً مصيباً والطائفة الأخرى بغاة لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك.. وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أوجه: منها: أن عماراً يموت قتيلاً وأنه يقتله مسلمون وأنهم بغاة، وأن الصحابة يقاتلون وأنهم يكونون فرقتين باغية وغيرها وكل هذا وقع مثل فلق الصبح صلى الله وسلم على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم: ((تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق)) . (وفي هذا وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((تقتل عماراً الفئة الباغية)) دلالة واضحة أن علياً ومن معه كانوا على الحق وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم) . (10) وروى أبو داود بإسناده إلى سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء)) . وعند الترمذي بلفظ: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك)) وفي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة علي رضي الله عنه حيث إن خلافته كانت آخر الثلاثين من مدة النبوة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وبموجب هذا قال أهل العلم. قال أبو عمر: (قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء) . وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله تعالى قول من يقول بأن علياً رضي الله عنه ليس من الخلفاء بأنه سيء ورديء. قال عبد الله بن أحمد رحمه الله تعالى: (قلت لأبي إن قوماً يقولون إنه ليس بخليفة قال: هذا قول سوء رديء فقال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون له يا أمير المؤمنين أفنكذبهم وقد حج وقطع ورجم فيكون هذا إلا خليفة) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة له في حديث سفينة: (وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن حوشب عن سعيد بن جهمان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أهل السنن كأبي داود. وغيره واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وثبته أحمد واستدل به على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه حتى قال أحمد: من لم يربع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله ونهى عن مناكحته) . وقال شارح الطحاوية: (ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي رضي الله عنهما لما قتل عثمان وبايع الناس علياً صار إماماً حقاً واجب الطاعة وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة كما دل عليه حديث سفينة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)) . فهذه النصوص المتقدم ذكرها كلها دالة على حقية خلافة علي رضي الله عنه وأنه رضي الله عنه أحق بالأمر وأولى بالحق من كل أحد بعد الثلاثة رضي الله عنهم جميعاً فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن علياً رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين وأحد الأئمة المهديين. ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه لقد انعقد إجماع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على أن علياً رضي الله عنه كان متعيناً للخلافة بعد عثمان رضي الله عنه لفضله على من بقي من الصحابة، وأنه أقدمهم إسلاماً، وأوفرهم علماً، وأقربهم بالنبي صلى الله عليه وسلم نسباً، وأشجعهم نفساً، وأحبهم إلى الله ورسوله وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأشرفهم منزلة، وأشبهم برسول الله صلى الله عليه وسلم هدياً وسمتاً فكان رضي الله عنه متعيناً للخلافة دون غيره، وقد قام من بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعقد البيعة له بالخلافة بالإجماع فكان حينئذ إماماً حقاً وجب على سائر الناس طاعته وحرم الخروج عليه ومخالفته وقد نقل الإجماع على خلافته كثير من أهل العلم: فقد نقل محمد بن سعد إجماع من له قدم صدق وسابقة في الدين ممن بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة على بيعة علي رضي الله عنه حيث قال: (وبويع لعلي بن أبي طالب رحمه الله بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة بايعه طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم) . كما نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على بيعة علي رضي الله عنه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو الحسن الأشعري وأبو نعيم الأصبهاني وغيرهم من أهل العلم. فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: (كنت مع علي وعثمان محصور قال فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول، ثم جاء آخر فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة قال: فقام علي قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفاً عليه فقال: خل لا أم لك قال فأتى علي الدار وقد قتل الرجل فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من خليفة ولا نعلم أحداً أحق بها منك فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله ما نعلم أحداً أحق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سراً ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس) . وذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى روى بإسناده عن عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن عوف قال: (كنت عند الحسن فكأن رجلاً انتقص أبا موسى باتباعه علياً فغضب الحسن ثم قال: سبحان الله قتل أمير المؤمنين عثمان فاجتمع الناس على خيرهم فبايعوه أفيلام أبو موسى باتباعه) . فقد نقل الإمام أحمد رحمه الله في هاتين الروايتين أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على بيعة علي رضي الله عنه وأن إجماعهم رضي الله عنهم كان على خيرهم وأفضلهم على الإطلاق وأحقهم بالخلافة بعد عثمان رضي الله عنه. وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (ونثبت إمامة علي بعد عثمان رضي الله عنه بعقد من عقد له من الصحابة من أهل الحل والعقد ولأنه لم يدع أحد من أهل الشورى غيره في وقته وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقاً لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه فلما كان لنفسه في غير وقت الخلفاء قبله كان حقاً لعلمه أن ذلك وقت قيامه، ثم لما صار الأمر إليه أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد، كما مضى من قبله من الخلفاء وأئمة العدل على السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم هؤلاء الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم رضي الله عنهم) . |
(12) وروى الترمذي بإسناده إلى أبي سهلة قال: ((قال لي عثمان يوم الدار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى عهداً فأنا صابر عليه)) . فقوله: ((قد عهد إلى عهداً)) أي: أوصاني أن لا أخلع بقوله: ((وإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم)) ((فأنا صابر عليه)) (أي: على ذلك العهد) . (13) وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ادعوا لي أو ليت عندي رجلاً من أصحابي قالت: ليت أبو بكر؟ قال: لا قلت: عمر قال: لا قلت: فعثمان قال: نعم قالت: فجاء عثمان فقال: قومي قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير قال: فلما كان يوم الدار قلنا: ألا تقاتل قال: لا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أمراً فأنا صابر نفسي عليه)) . فهذا الحديث والذي قبله فيهما دلالة على صحة خلافته، فمن أنكر خلافته ولم يره من أهل الجنة والشهداء وأساء الأدب فيه باللسان، أو الجنان فهو خارج عن دائرة الإيمان وحيز الإسلام . ولقد عمل رضي الله عنه وأرضاه بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم طبقاً لما أوصاه به ولذلك ما عزل نفسه حين حاصروه يوم الدار. (14) وروى ابن سعد بإسناده إلى عبد الله بن عمر قال: ((قال لي عثمان وهو محصور في الدار: ما ترى فيما أشار به علي المغيرة بن الأخنس؟ قال قلت: ما أشار به عليك؟ قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعي فإن خلعت تركوني وإن لم أخلع قتلوني قال قلت: أرأيت إن خلعت تترك مخلداً في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يملكون الجنة والنار؟ قال: لا قال: فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا قلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصاً قَمَّصَكَهُ الله)) . (15) ومما دل على صحة خلافته وإمامته ما رواه البخاري بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم تترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم)) . وفي هذا إشارة إلى أن الله –تعالى- ألهمهم وألقى في روعهم ما كان صانعه بعد نبيه صلى الله عليه وسلم من أمر ترتيب الخلافة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من تفضيل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره، وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتاً بالنص وإلا فيكون ثابتاً بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من غير نكير، وبما ظهر لما توفي عمر فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة ولا رهبة ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم) . وكل ما تقدم ذكره من النصوص في هذا المبحث أدلة قوية كلها فيها الإشارة والتنبيه إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه وأرضاه وأنه لا مرية في ذلك ولا نزاع عند المتمسكين بالكتاب والسنة والذين هم أسعد الناس بالعمل بهما وهم أهل السنة والجماعة فيجب على كل مسلم أن يعتقد حقية خلافة عثمان رضي الله عنه وأن يسلم تسليماً كاملاً للنصوص المشيرة إلى ذلك. ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه لقد أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا من جاء بعدهم ممن سلك سبيلهم من أهل السنة والجماعة على أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أحق الناس بخلافة النبوة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يخالف أو يعارض في هذا أحد بل الجميع سلم له ذلك لكونه أفضل خلق الله على الإطلاق بعد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقد نقل الإجماع على أحقية عثمان رضي الله عنه بالخلافة بعد عمر رضي الله عنه طائفة من أهل العلم بالحديث وغيرهم ومن تلك النقول: ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: (حججت في إمارة عمر فلم يكونوا يشكون أن الخلافة من بعده لعثمان) . وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حذيفة –رضي الله عنه قال: (إني لواقف مع عمر تمس ركبتي ركبته فقال: من ترى قومك يؤمرون قال: إن الناس قد أسندوا أمرهم إلى ابن عفان) . ونقل الحافظ الذهبي عن شريك بن عبد الله القاضي أنه قال: (قبض النبي صلى الله عليه وسلم فاستخلف المسلمون أبا بكر فلو علموا أن فيهم أحداً أفضل منه كانوا قد غشوا، ثم استخلف أبو بكر عمر فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما احتضر جعل الأمر شورى بين ستة، فاجتمعوا على عثمان، فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا) . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وأخرج يعقوب بن شيبة في (مسنده) من طريق صحيح إلى حذيفة قال: (قال لي عمر من ترى قومك يؤمرون بعدي؟ قال: قلت: قد نظر الناس إلى عثمان وأشهروه لها) . وقال أيضاً: وأخرج البغوي في (معجمه) وخيثمة في (فضائل الصحابة) بسند صحيح عن حارثة بن مضرب قال: (حججت مع عمر فكان الحادي يحدو أن الأمير بعده عثمان بن عفان) . وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: (حججت مع عمر أول خلافة عمر فلم يشك أن الخليفة بعده عثمان بن عفان رضي الله عنه) . فهذه النقول فيها بيان واضح في أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد اشتهر بينهم أولوية عثمان بالخلافة وما زال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حياً لما سبق من علمهم ببعض النصوص المشيرة إلى أن ترتيبه سيكون في خلافة النبوة بعد الفاروق رضي الله عنه ولعلمهم أنه أفضل الناس على الإطلاق بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى النزال بن سبرة رضي الله عنه قال: (قال عبد الله بن مسعود حين استخلف عثمان: استخلفنا خير من بقي ولم نأله) وفي رواية أخرى قال: (أمرنا خير من بقي ولم نأل) ولما استشهد الفاروق رضي الله عنه بايع المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون عثمان رضي الله عنه ليكون الخليفة للمسلمين بعد عمر رض الله عنه ولم يتأخر منهم أحد عن بيعته. فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى المسور بن مخرمة في قصة بيعة عثمان رضي الله عنه من حديث طويل وفيه: ((أن عبد الرحمن أرسل على من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد – وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر – فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون)) وقال الحسن بن محمد الزعفراني سمعت الشافعي يقول: (أجمع الناس على خلافة أبي بكر واستخلف أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الشورى إلى ستة على أن يولوها واحداً فولوها عثمان رضي الله عنهم أجمعين) . وقد نقل أبو حامد محمد المقدسي كلاماً عزاه للإمام الشافعي أنه قال: (واعملوا أن الإمام الحق بعد عمر رضي الله عنه عثمان رضي الله تعالى عنه بجعل أهل الشورى اختيار الإمامة إلى عبد الرحمن بن عوف واختياره لعثمان رضي الله عنه وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وصوبوا رأيه فيما فعله وأقام الناس على محجة الحق وبسط العدل إلى أن استشهد رضي الله عنه) . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: (لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان) . وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وثبتت إمامة عثمان رضي الله عنه بعد عمر بعقد من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى الذين نص عليهم عمر فاختاروه ورضوا بإمامته وأجمعوا على فضله وعدله) . وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في صدد ذكره للإجماع على خلافة عثمان: (فاجتمع أهل الشورى ونظروا فيما أمرهم الله به من التوفيق وأبدوا أحسن النظر والحياطة والنصيحة للمسلمين وهم البقية من العشرة المشهود لهم بالجنة واختاروا بعد التشاور والاجتهاد في نصيحة الأمة والحياطة لهم عثمان بن عفان رضي الله عنه لما خصه الله به من كمال الخصال الحميدة والسوابق الكريمة وما عرفوا من علمه الغزير وحلمه لم يختلف على ما اختاروه وتشاوروا فيه أحد، ولا طعن فيما اتفقوا عليه طاعن فأسرعوا إلى بيعته، ولم يتخلف عن بيعته من تخلف عن أبي بكر ولا تسخطها متسخط بل اجتمعوا عليه راضين به مجيبين له) . وقال أبو عثمان الصابوني مبيناً عقيدة السلف وأصحاب الحديث في ترتيب الخلافة بعد أن ذكر أنهم يقولون أولاً بخلافة الصديق ثم عمر قال: (ثم خلافة عثمان رضي الله عنه بإجماع أهل الشورى وإجماع الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد... فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماماً وإلا لو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماماً ولكن عمر لما جعله شورى في ستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولي أحد الرجلين وأقام عبد الرحمن ثلاثاً حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان يشاور أمراء الأجناد، وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها، ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل لأنهم قدموه باختيارهم واشتوارهم) . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى حاكياً لإجماع الصحابة على خلافة عثمان رضي الله عنه: (ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى، وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان، وقال لعثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به؟ قال: بعلي بن أبي طالب والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل، والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه، ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعاً وأشتاتاً، مثنى وفرادى، ومجتمعين سراً وجهراً حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقديم عثمان بن عفان فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة وسؤالاً من ذوي الرأي عنهم، فلم يجد أحداً يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب، جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة وأمره أن ينادي له علياً وعثمان رضي الله عنهما فناداهما فحضرا إلى عبد الرحمن فأخبرهما أنه سأل الناس فلم يجدا أحداً يعدل بهما أحداً ثم أخذ العهد على كل منهما أيضاً لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعن، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقلد سيفاً، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة فامتلأ المسجد بالناس حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس فيه إلا في أخريات الناس – وكان رجلاً حيياً رضي الله عنه – ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف وقوفاً طويلاً ودعا دعاء طويلاً لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس إني سألتكم سراً وجهراً عن إمامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي، وإما عثمان فقم إلي يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي قال: فأرسل يده وقال: قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده وقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر قال: فقعد عبد الرحمن مقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه علي بن أبي طالب أولاً، ويقال ثانياً) . فهذه النقول المتقدم ذكرها للإجماع عن هؤلاء الأئمة كلها تفيد إفادة قطعية أن البيعة بالخلافة تمت لعثمان رضي الله عنه بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يخالف أو يعارض في ذلك أحد، وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون (أن علياً تلكأ فقال: عبد الرحمن: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10] فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيما خدعة) . فهذا باطل من وجوه: الوجه الأول: أن هذه القصة مخالفة لما ثبت في الحديث الصحيح وذلك أنه ثبت في (صحيح البخاري) في قصة البيعة والاتفاق على عثمان (أن علياً رضي الله عنه بايع عثمان بعد عبدالرحمن بن عوف مباشرة ثم بايع الناس بعده) وما جاء مخالفاً لهذا فهو مردود على قائله وناقليه. الوجه الثاني: أخرج ابن سعد بإسناده إلى مولى عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده قال: (أنا رأيت علياً بايع عثمان أول الناس، ثم تتابع الناس فبايعوا) . الوجه الثالث: أن المظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها وميادها وقويمها . فكل ما يذكر من أن علياً رضي الله عنه تلكأ عن بيعة عثمان أو تأخر عنها فهو مبني على خبر غير صحيح رجاله لا يعرفون قد يكون في الغالب من وضع الرافضة الذين أوبقوا أنفسهم ببغض الصحابة رضي الله عنهم. فبيعة عثمان تمت بإجماع المسلمين كافة ولا مطعن فيها لأحد من أهل الزيغ. الفرع الرابع: خلافة علي رضي الله عنه أولا: طريقة توليه الخلافة لقد تمت بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة بطريقة الاختيار وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاءوا من الآفاق ومن أمصار مختلفة، وقبائل متباينة لا سابقة لهم، ولا أثر خير في الدين فبعد أن قتلوه رضي الله عنه ظلماً وعدواناً (يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين) . قام كل من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمبايعة علي رضي الله عنه بالخلافة وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق بعد عثمان رضي الله عنه، ولذلك لم يدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان رضي الله عنه ولم يكن أبو السبطين رضي الله عنه حريصاً عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقي من الصحابة بالمدينة وخوفاً من ازدياد الفتن وانتشارها ومع ذلك لم يسلم من معرة تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على الإسلام كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه لفسقهم ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روى الكيفية التي تم بها اختيار علي رضي الله عنه للخلافة بعض أهل العلم. فقد روى أبو بكر الخلال بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: (كنت مع علي رحمه الله وعثمان محصور قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة قال: فقام علي رحمه الله: قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفاً عليه فقال: خل لا أم لك قال: فأتى علي الدار وقد قتل الرجل رحمه الله فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا قد قتل، ولابد للناس من خليفة ولا نعلم أحداً أحق بها منك فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله لا نعلم أحداً أحق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سراً، ولكن أخرج إلى المسجد فبايعه الناس) . وفي رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن الحنفية: (فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام ولا نجد أحداً أحق بهذا منك أقدم مشاهد، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي: لا تفعلوا فإني وزير خير مني أمير، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك قال: ففي المسجد فإنه لا ينبغي بيعتي أن تكون خفياً ولا تكون إلا عن رضا من المسلمين قال: فقال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه وأبى هو إلا المسجد فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس) . وقال ابن جرير: وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف بن أبي حارثة وأبي عثمان – يزيد بن أسيد الغساني – قال: (لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان رضي الله عنه جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعداً والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له... فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر على الأمة فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبع فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون). وفي رواية أخرى: أن جمهور الصحابة لما عرضوا على علي رضي الله عنه الخلافة قال لهم: (دعوني والتمسوا غيري... فقالوا: ننشدك الله ألا ترى الفتنة ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ثم على ذلك واتّعدوا الغد... فلما أصبحوا يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي حتى صعد المنبر فقال: يا أيها الناس – عن ملأ وإذن – إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد فقالوا نحن على ما فارقناك بالأمس) . ومما تقدم تبين أن خلافة علي رضي الله عنه تمت بطريق الاختيار من جميع من كان موجوداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد استشهاد ذي النورين رضي الله عنه، وهذه الطريقة التي تم بها اختيار علي رضي الله عنه كالطريق التي ثبت بها خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه حيث إن عثمان رضي الله عنه لم يعين أحداً يقوم بالخلافة بعده فقد روى الإمام أحمد والبخاري والحاكم عن مروان بن الحكم: (أن عثمان رضي الله عنه أصابه رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى وطلب منه أن يستخلف فلم يستخلف رضي الله عنه وأرضاه) كما تبين أيضاً: مما تقدم (أن بيعة علي رضي الله عنه كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدر وفي إبانها وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة) . قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (وأما ما يغتر به كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء من أنه أوصى إلى علي بالخلافة فكذب وبهت وافتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة، وممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه، وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب وكل مؤمن بالله ورسوله يتحقق أن دين الإسلام هو الحق يعلم بطلان هذا الافتراء لأن الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء وهم خير قرون هذه الأمة التي هي أشرف الأمم بنص القرآن، وإجماع السلف والخلف في الدنيا والآخرة ولله الحمد) . ثانيا: أحقية علي بالخلافه إن أحق الناس بالخلافة بعد الثلاثة المتقدمين أعني أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بل ومعتقد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطبة وهذا هو ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في شأن ترتيب الخلافة الراشدة، وقد ورد الإيماء إلى حقية خلافة علي رضي الله عنه في كثير من النصوص الشرعية منها: (1) قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55] الآية ووجه الاستدلال بها على حقية خلافة علي رضي الله عنه أنه أحد المستخلفين في الأرض الذين مكن الله لهم دينهم . (2) قوله عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) . ووجه الدلالة في هذا الحديث على حقية خلافة علي رضي الله عنه أنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وحافظوا على حدود الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وساروا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العدل وإقامة الحق. (3) روى أبو عبد الله الحاكم وغيره بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقطعت نعله فتخلف علي يخصفها فمشي قليلاً ثم قال: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال أبو بكر: أنا هو قال: لا. قال عمر أنا هو قال: لا. لكن خاصف النعل –يعني عليا فأتيناه فبشرناه فلم يرفع به رأسه كأنه قد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . هذا الحديث فيه إيماء إلى ولايته حيث إنه رضي الله عنه قاتل في خلافته أهل التأويل الذين خرجوا عليه بالتأويل، ومنه أخذت أحكام قتال البغاة في أنه لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم ذرية وغير ذلك من أحكامهم وقاتل أيضاً الحرورية الذين تأولوا القرآن على غير تأويله وكفروا أهل الحق ومرقوا من الدين مروق السهم من الرمية. (4) روى مسلم في (صحيحه) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق)) . وفيه أيضاً: أنه قال: ((تكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق)) . وفي لفظ: قال: ((تمرق مارقة في فرقة من الناس فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق)) . وجاء أيضاً بلفظ ((يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق)) . فقوله صلى الله عليه وسلم على حين فرقة –بضم الفاء- أي: في وقت افتراق الناس أي: افتراق يقع بين المسلمين وهو الافتراق الذي كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهما . والمراد بالفرقة المارقة هم (أهل النهروان كانوا في عسكر علي رضي الله عنه في حرب صفين فلما اتفق علي ومعاوية على تحكيم الحكمين خرجوا وقالوا: إن علياً ومعاوية استبقا إلى الكفر كفرسي رهان فكفر معاوية بقتال علي ثم كفر علي بتحكيم الحكمين وكفروا طلحة والزبير فقتلتهم الطائفة الذين كانوا مع علي وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم أن الطائفة التي تقتلهم أقرب إلى الحق وهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم لعلي وأصحابه بالحق وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم لكونه أخبر بما يكون فكان على ما قال وفيه دلالة على صحة خلافة علي رضي الله عنه وخطأ من خالفه) . (5) وروى البخاري بإسناده إلى خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: ((كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن)) . (6) عند مسلم عن أبي سعيد أيضاً: قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يسمح رأسه ويقول: ((بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية)) . هذان الحديثان دلا على حقية خلافة علي رضي الله عنه وأنه الإمام الحق بعد عثمان رضي الله عنه وأن الذين قاتلوه مجتهدون مخطئون لا إثم عليهم ولا لوم فيما وقع بينهم من القتال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بعد ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم: ((تقتل عماراً الفئة الباغية)) (وهذا أيضاً يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار وإن كان متأولاً وهو دليل على أنه لم يمكن يجوز قتال علي وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولاً، أو باغ بلا تأويل وهو أصح القولين لأصحابنا وهو الحكم بتخطئة من قاتل علياً وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين وكذلك أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة علي في قتال البغاة المتأولين قال: أيجعل طلحة والزبير معاً بغاة؟ رد عليه الإمام أحمد فقال: ويحك وأي شيء يسعه أن يضع في هذا المقام يعني: إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة – إلى أن قال – ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه) . فلو قال قائل: إن قتل عمار كان بصفين (وهو مع علي والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار، فالجواب أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة الإمام وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم) . قال الإمام النووي بعد قوله صلى الله عليه وسلم: ((بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية)) (قال العلماء: هذا الحديث حجة ظاهرة في أن علياً رضي الله عنه كان محقاً مصيباً والطائفة الأخرى بغاة لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك.. وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أوجه: منها: أن عماراً يموت قتيلاً وأنه يقتله مسلمون وأنهم بغاة، وأن الصحابة يقاتلون وأنهم يكونون فرقتين باغية وغيرها وكل هذا وقع مثل فلق الصبح صلى الله وسلم على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم: ((تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق)) . (وفي هذا وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((تقتل عماراً الفئة الباغية)) دلالة واضحة أن علياً ومن معه كانوا على الحق وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم) . (10) وروى أبو داود بإسناده إلى سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء)) . وعند الترمذي بلفظ: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك)) وفي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة علي رضي الله عنه حيث إن خلافته كانت آخر الثلاثين من مدة النبوة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وبموجب هذا قال أهل العلم. قال أبو عمر: (قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء) . وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله تعالى قول من يقول بأن علياً رضي الله عنه ليس من الخلفاء بأنه سيء ورديء. قال عبد الله بن أحمد رحمه الله تعالى: (قلت لأبي إن قوماً يقولون إنه ليس بخليفة قال: هذا قول سوء رديء فقال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون له يا أمير المؤمنين أفنكذبهم وقد حج وقطع ورجم فيكون هذا إلا خليفة) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة له في حديث سفينة: (وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن حوشب عن سعيد بن جهمان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أهل السنن كأبي داود. وغيره واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وثبته أحمد واستدل به على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه حتى قال أحمد: من لم يربع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله ونهى عن مناكحته) . وقال شارح الطحاوية: (ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي رضي الله عنهما لما قتل عثمان وبايع الناس علياً صار إماماً حقاً واجب الطاعة وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة كما دل عليه حديث سفينة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)) . فهذه النصوص المتقدم ذكرها كلها دالة على حقية خلافة علي رضي الله عنه وأنه رضي الله عنه أحق بالأمر وأولى بالحق من كل أحد بعد الثلاثة رضي الله عنهم جميعاً فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن علياً رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين وأحد الأئمة المهديين. ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه لقد انعقد إجماع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على أن علياً رضي الله عنه كان متعيناً للخلافة بعد عثمان رضي الله عنه لفضله على من بقي من الصحابة، وأنه أقدمهم إسلاماً، وأوفرهم علماً، وأقربهم بالنبي صلى الله عليه وسلم نسباً، وأشجعهم نفساً، وأحبهم إلى الله ورسوله وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأشرفهم منزلة، وأشبهم برسول الله صلى الله عليه وسلم هدياً وسمتاً فكان رضي الله عنه متعيناً للخلافة دون غيره، وقد قام من بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعقد البيعة له بالخلافة بالإجماع فكان حينئذ إماماً حقاً وجب على سائر الناس طاعته وحرم الخروج عليه ومخالفته وقد نقل الإجماع على خلافته كثير من أهل العلم: فقد نقل محمد بن سعد إجماع من له قدم صدق وسابقة في الدين ممن بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة على بيعة علي رضي الله عنه حيث قال: (وبويع لعلي بن أبي طالب رحمه الله بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة بايعه طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم) . كما نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على بيعة علي رضي الله عنه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو الحسن الأشعري وأبو نعيم الأصبهاني وغيرهم من أهل العلم. فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: (كنت مع علي وعثمان محصور قال فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول، ثم جاء آخر فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة قال: فقام علي قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفاً عليه فقال: خل لا أم لك قال فأتى علي الدار وقد قتل الرجل فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من خليفة ولا نعلم أحداً أحق بها منك فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله ما نعلم أحداً أحق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سراً ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس) . وذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى روى بإسناده عن عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن عوف قال: (كنت عند الحسن فكأن رجلاً انتقص أبا موسى باتباعه علياً فغضب الحسن ثم قال: سبحان الله قتل أمير المؤمنين عثمان فاجتمع الناس على خيرهم فبايعوه أفيلام أبو موسى باتباعه) . فقد نقل الإمام أحمد رحمه الله في هاتين الروايتين أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على بيعة علي رضي الله عنه وأن إجماعهم رضي الله عنهم كان على خيرهم وأفضلهم على الإطلاق وأحقهم بالخلافة بعد عثمان رضي الله عنه. وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (ونثبت إمامة علي بعد عثمان رضي الله عنه بعقد من عقد له من الصحابة من أهل الحل والعقد ولأنه لم يدع أحد من أهل الشورى غيره في وقته وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقاً لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه فلما كان لنفسه في غير وقت الخلفاء قبله كان حقاً لعلمه أن ذلك وقت قيامه، ثم لما صار الأمر إليه أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد، كما مضى من قبله من الخلفاء وأئمة العدل على السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم هؤلاء الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم رضي الله عنهم) . |
وقال أبو نعيم الأصبهاني مبيناً كيف تدارك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الموقف بعد استشهاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، ومبيناً المزايا العالية التي تميز بها علي رضي الله عنه على باقي الصحابة وجعلته أهلاً لأن يختاروه خليفة للمسلمين فقال: (فلما اختلفت الصحابة كان على الذين سبقوا إلى الهجرة والسابقة والنصرة والغيرة في الإسلام الذين اتفقت الأمة على تقديمهم لفضلهم في أمر دينهم ودنياهم لا يتنازعون فيهم ولا يختلفون فيمن أولى بالأمر من الجماعة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة في العشرة ممن توفي وهو عنهم راض فسلم من بقي من العشرة الأمر لعلي رضي الله عنه ولم ينكر أنه من أكمل الأمة ذكراً وأرفعهم قدراً لقديم سابقته وتقدمه في الفضل والعلم، وشهوده المشاهد الكريمة يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله ويحبه المؤمنون ويبغضه المنافقون لم يضع منه تقديم من تقدمه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ازداد به ارتفاعاً لمعرفته بفضل من قدمه على نفسه إذ كان ذلك موجوداً في الأنبياء والرسل عليهم السلام قال الله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} إلى قوله {مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] فلم يكن تفضيل بعضهم على بعض بالذي يضع ممن هو دونه فكل الرسل صفوة الله – عز وجل – وخيرته من خلقه، فتولى أمر المسلمين عادلاً زاهداً آخذاً في سيرته بمنهاج الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم حتى قبضه الله – عز وجل – شهيداً هادياً مهدياً سلك بهم السبيل المستبين والصراط المستقيم) . وقال أبو منصور البغدادي: (أجمع أهل الحق والعدل على صحة إمامة علي رضي الله عنه وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان رضي الله عنه) . وقال الزهري رحمه الله تعالى بعد ذكره لما قام به أبو الحسن من الوفاء بالعهد لإخوانه الثلاثة الخلفاء السابقين قبله قال: (وكان قد وفى بعهد عثمان حتى قتل وكان أفضل من بقي من الصحابة فلم يكن أحد أحق بالخلافة منه، ثم لم يستبد بها مع كونه أحق الناس بها حتى جرت له بيعة وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى) . وقال عبد الملك الجويني في صدد ذكره للطريق التي تمت بها خلافة عمر وعثمان وعلي وأنه لا يعبأ بقول من يقول: إن إمامة علي لم يحصل عليها إجماع فقال: (وأما عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم فسبيل إثبات إمامتهم واستجماعهم لشرائط الإمامة كسبيل إثبات إمامة أبي بكر، ومرجع كل قاطع في الإمامة إلى الخبر المتواتر والإجماع... ولا اكتراث بقول من يقول: لم يحصل إجماع على إمامة علي رضي الله عنه فإن الإمامة لم تجحد له وإنما هاجت الفتن لأمور أخرى) . وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله تعالى حاكياً لثبوت الإجماع على خلافة أبي الحسن رضي الله عنه حيث قال: (كانت بيعة علي رحمه الله بيعة اجتماع ورحمة لم يدع إلى نفسه ولم يجبرهم على بيعته بسيفه ولم يغلبهم بعشيرته ولقد شرف الخلافة بنفسه وزانها بشرفه وكساها حلة البهاء بعدله ورفعها بعلو قدره ولقد أباها فأجبروه وتقاعس عنها فأكرهوه) . فقد بين رحمه الله تعالى أن بيعة علي رضي الله عنه كانت بالإجماع وأن حصول الإجماع عليها من قبل أهل الحل والعقد كان رحمة من الله بالأمة المحمدية، و بين رحمه الله أن علياً رضي الله عنه زين الخلافة ولم تزينه، ورفعها ولم ترفعه وهكذا كان من تقدمه من الخلفاء رضي الله عنهم زينوا الخلافة وجملوا الأمة المحمدية، وأتموا الدين وأظهروه، وأسسوا الإسلام وأشهروه رضي الله عنهم أجمعين. وقال الغزالي: (وقد أجمعوا على تقديم أبي بكر، ثم نص أبو بكر على عمر، ثم أجمعوا بعده على عثمان، ثم على علي رضي الله عنهم، وليس يظن منهم الخيانة في دين الله – تعالى- لغرض من الأغراض وكان إجماعهم على ذلك من أحسن ما يستدل به على مراتبهم في الفضل، ومن هذا اعتقد أهل السنة هذا الترتيب في الفضل، ثم بحثوا عن الأخبار فوجدوا فيها ما عرف مستند الصحابة وأهل الإجماع في هذا الترتيب) . وقال أبو بكر بن العربي في معرض سياقه لحادثة قتل عثمان ظلماً وعدواناً على أيدي الخارجين عليه الظلمة المعتدين قال: (فلما قضى الله من أمره ما قضى ومضى في قدره ما مضى علم أن الحق لا يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدراً وعلماً وتقى وديناً فانعقدت له البيعة ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار ورأى ذلك فرضاً عليه فانقاد إليه) . وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعوا على بيعة عثمان بعد عمر رضي الله عنهم جميعاً كما بين كذلك أن أهل السنة والجماعة أجمعوا عامة على تقديم الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم. فقد قال رحمه الله: (واتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة عثمان بعد عمر وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) فكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي) . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وكانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام فكان بينهم بعد ما كان) . والذي نستفيده من هذه النقول المتقدمة للإجماع أن خلافة علي رضي الله عنه محل إجماع على حقيتها وصحتها في وقت زمنها وذلك بعد قتل عثمان رضي الله عنه حيث لم يبق على الأرض أحق بها منه رضي الله عنه فقد جاءته رضي الله عنه على قدر في وقتها ومحلها، وقد جاء في بعض هذه النقول للإجماع النص على مبايعة طلحة والزبير رضي الله عنهما لعلي رضي الله عنه وهذا فيه رد لبعض الروايات التي ذكرها بعض المؤرخين من أنهما بايعا مكرهين فقد جاء في بعض تلك الروايات أن طلحة رضي الله عنه قال: (بايعت واللج على قفي) . وقد رد العلامة ابن العربي على هذا بقوله: (اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في (القفا) لغة (قفي) كما يجعل في (الهوى): (هوي) وتلك لغة هذيل لا قريش فكانت كذبه لم تدبر) . بل قد جاء في بعض الروايات أن طلحة رضي الله عنه كان أول من بايع علياً حتى قال حبيب بن ذؤيب: (بايع علياً يد شلاء لا يتم هذا الأمر) (وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر) . وقد رد القاضي أبو بكر ابن العربي على قول القائل في طلحة (يد شلاء) بقوله: (أما قولهم: (يد شلاء) لو صح فلا متعلق لهم فيه فإن يداً شلت في وقاية رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم لها كل أمر ويتوقى بها من كل مكروه وقد تم الأمر على وجهه ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه) . وهذا الرد من ابن العربي على ما قيل في يد طلحة رضي الله عنه يستحق أن يكتب بماء الذهب لأنه لو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أكثر بركة ونفعاً لأنها يد ذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم أحد، أما يد الأشتر اللئيم فإنها كانت لا تزال رطبة من دم الإمام الشهيد المبشر بالجنة عثمان رضي الله عنه، فدعوى أن طلحة والزبير بايعا مكرهين دعوى غير صحيحة بل الثابت أنه لما قتل عثمان رضي الله عنه طلب جمهور الصحابة رضي الله عنهم من علي أن يتولى أمر المسلمين فكان يفر منهم في حيطان المدينة وأيضاً: لما توفي عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى في ستة منهم طلحة والزبير واتفقوا على أن الأمر دائر بين عثمان وعلي فاتفقوا على تقديم عثمان وبعد استشهاده رضي الله عنه كان صاحب الحق هو علي رضي الله عنه. وقد اعترض بعض الناس على الإجماع على خلافة علي رضي الله عنه وجوه: (1) تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وابن عمر وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم . (2) إنما بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان . (3) أن أهل الشام معاوية ومن معه لم يبايعوه بل قاتلوه. وهذه الاعتراضات لا تأثير لها على الإجماع المذكور، ولا توجب معارضته وذلك أنها مردودة من وجوه: الوجه الأول: (أن دعوى أن جماعة من الصحابة تخلفوا عن بيعته دعوى غير صحيحة إذ أن بيعته لم يتخلف عنها وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذكر لأنها كانت مسألة اجتهادية فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره) . الوجه الثاني: (أن عقد الخلافة ونصب إمام واجب لابد منه، ووقف ذلك على حضور جميع الأمة واتفاقهم مستحيل أو متعذر فلا يجوز اشتراطه لإفضاء ذلك إلى انتفاء الواجب ووقوع الفساد اللازم من انتفائه) . الوجه الثالث: أن الإجماع حصل على بيعة أبي بكر بمبايعة الفاروق وأبي عبيدة ومن حضرهم من الأنصار مع غيبة علي وعثمان وغيرهما من الصحابة وكذلك حصل الإجماع على خلافة علي بمبايعة عمار ومن حضر من البدريين وغيرهم من الصحابة ولا يضر هذا الإجماع من غاب عن البيعة أو لم يبايعه من غيرهم رضي الله عنهم جميعاً. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: (والله ما كانت بيعة علي إلا كبيعة أبي بكر وعمر رضي الله عنهم) . الوجه الرابع: دعوى أنه إنما بويع على أن يقتل قتلة عثمان (هذا لا يصح في شرط البيعة. وإنما يبايعونه على الحكم بالحق وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب وتقع الدعوى ويكون الجواب وتقوم البينة ويقع الحكم) بعد ذلك. الوجه الخامس: أن معاوية رضي الله عنه لم يقاتل علياً على الخلافة ولم ينكر إمامته وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان مع ظنه أنه مصيب في اجتهاده ولكنه كان مخطئاً في اجتهاده ذلك فله أجر الاجتهاد فقط. قال عبد الملك الجويني: (ومعاوية وإن قاتل علياً فإنه لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه وإنما كان يطلب قتله عثمان رضي الله عنه ظاناً أنه مصيب ولكنه كان مخطئاً) . فخلافة علي رضي الله عنه ثابتة بالنص والإجماع ولا تأثير لأي اعتراض يورد على الإجماع فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن علياً رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين أمرنا بالتمسك بسنتهم والاقتداء بهم وترتيبهم في الإمامة كترتيبهم في الفضل أولاً أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين وهذا معتقد الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة فقد روى البيهقي بإسناده إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: (في الخلافة والتفضيل نبدأ بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم) وروى أيضاً بإسناده إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قيل له: (كأنك تذهب إلى حديث سفينة قال: أذهب إلى حديث سفينة وإلى شيء آخر رأيت علياً في زمن أبي بكر وعمر وعثمان لم يتسم بأمير المؤمنين ولم يقم الجمع والحدود ثم رأيته بعد قتل عثمان قد فعل ذلك فعلمت أنه قد وجب له في ذلك الوقت ما لم يكن له قبل ذلك) . وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى: (خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم بالخلافة أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين) . وقال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً لأبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون) . وقال أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى موضحاً الدليل على ترتيب الخلافة الراشدة: (والدليل على إثبات الإمامة للخلفاء الأربعة رضي الله عنهم على الترتيب الذي بيناه: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلام الدين ومصابيح أهل اليقين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، وشهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون فقال: ((خير القرون قرني)) . فلما قدموا هؤلاء الأربعة على غيرهم ورتبوهم على الترتيب المذكور علمنا أنهم رضي الله عنهم لم يقدموا أحداً تشهياً منهم، وإنما قدموا من قدموه لاعتقادهم كونه أفضل وأصلح للإمامة من غيره في وقت توليه. قال الشريف الأجل الإمام جمال الإسلام: ووقع لي أنا دليل من نص الكتاب في ترتيبهم على هذه الرتبة أنه لا يجوز أن يكون غير ذلك هو قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]. ووعده حق. وخبره صدق لا يقع بخلاف مخبره فلابد من أن يتم ما وعدهم به، وأخبر أن يكون لهم، ولا يصح إلا على هذا الترتيب لأنه لو قدم علي عليه السلام لم تصر الخلافة فيها إلى أحد من الثلاثة لأن علياً عليه السلام مات بعد الثلاثة وكذلك لو قدم عثمان رضي الله عنه لم تصر الخلافة إلى أبي بكر وعمر لأن عثمان مات بعد موتهما، ولو قدم عمر لم تصر الخلافة إلى أبي بكر لأن عمر مات بعده والله تعالى أخبر ووعد أنها تصير إليهم فلم يصح أن تقع إلا على الوجه الذي وقعت ولله الحمد على الهداية والتوفيق) . فهذه الأقوال عن هؤلاء الأئمة كلها فيها البيان الشافي لعقيدة الفرقة الناجية في ترتيب الخلافة الراشدة كما علم مما تقدم في هذا المبحث من نقول للإجماع أن علياً رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين باتفاق أهل الحل والعقد وأنه قد اتفق على بيعته عامة من حضر المدينة من البدريين والأنصار كاجتماع أهل السقيفة على بيعة أبي بكر رضي الله عنه وبناء على ما تقدم فإن الذي لا يسعه في عقيدة ترتيب الخلافة ما وسع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فإنه رافضي مقيت. الفرع الخامس: خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه لما استشهد الخليفة الرابع: علي رضي الله عنه بقتل أحد الخوارج له وهو عبدالرحمن بن عمرو المرادي في شهر رمضان لسبع عشرة ليلة خلت منه سنة أربعين للهجرة النبوية بويع بالخلافة بعده ابنه الحسن رضي الله عنه واستمر خليفة على الحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك نحو سبعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل ستة أشهر وكانت خلافته هذه المدة خلافة راشدة حقه لأن تلك المدة كانت مكملة لمدة الخلافة الراشدة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مدتها ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً. فقد روى الترمذي بإسناده إلى سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك)) . وعند الإمام أحمد من حديث سفينة أيضاً بلفظ: ((الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك)) . وعند أبي داود بلفظ: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء أو ملكه من يشاء)) . ولم يكن في الثلاثين بعده صلى الله عليه وسلم إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن وقد قرر جمع من أهل العلم عند شرحهم لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة)) أن الأشهر التي تولى فيها الحسن بن علي بعد موت أبيه كانت داخلة في خلافة النبوة ومكملة لها. فقد قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: (فنفذ الوعد الصادق في قوله- صلى الله عليه وسلم-...: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم تعود ملكاً)) فكانت لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وللحسن منها ثمانية أشهر لا تزيد ولا تنقص يوماً فسبحان المحيط لا رب غيره) . وقال القاضي عياض: (لم يكن في ثلاثين سنة إلا الخلفاء الراشدون الأربعة والأشهر التي بويع فيها الحسن بن علي... والمراد من حديث ((الخلافة ثلاثون سنة)) خلافة النبوة وقد جاء مفسراً في بعض الروايات ((خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً)) . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في (دلائل النبوة) من طريق سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً)) وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي) . وقال شارح الطحاوية: (وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفاً، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ستة أشهر) . وقال المناوي بعد ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) قال: (وكان ذلك فلما بويع له بعد أبيه وصار هو الإمام الحق مدة ستة أشهر تكملة للثلاثين سنة التي أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم إنها مدة الخلافة وبعدها يكون ملكاً عضوضاً) . ولما كان رضي الله عنه هو المبايع بالخلافة بعد أبيه وأنه الإمام الحق تلك المدة التي كانت مكملة لخلافة النبوة رأى أنه لابد من أن يكون أمره نافذاً على بلاد الشام التي كان الأمر فيها حينئذ لمعاوية رضي الله عنه فتوجه نحو بلاد الشام بكتائب كأمثال الجبال وبايعه منهم أربعون ألفاً على الموت فلما ترائى الجمعان علم أنه لا يغلب أحدهما حتى يقتل بعضها بعضاً واشترط على معاوية رضي الله عنه شروطاً التزمها، ووفى بها وعلى وفقها جرى الصلح بينهما وقد روى قصة الصلح بينهما الإمام البخاري رحمه الله تعالى في (صحيحه). فقد روى بإسناده إلى الحسن البصري حيث قال: (استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية – وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس – عبد الرحمن ابن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز – فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك قال: فمن لي بهذا؟ قالا نحن لك به فما سألهما شيئاً إلا قالا: نحن لك به فصالحه فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: ((إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) . وبقبوله الصلح مع معاوية حصل مصداق قوله صلى الله عليه وسلم فيه: (فكان كما قال: أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة) . وهذا الإصلاح الذي حصل بين فريقي الحسن بن علي ومعاوية رضي الله عنهما مما يحبه الرب -جل وعلا – ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو من أكبر مناقب الحسن رضي الله عنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وهذا الحديث يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان ممدوحاً يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان القتال واجباً أو مستحباً لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم بترك واجب أو مستحب) . وقد ذكر ابن العربي أسباباً هيأت الحسن لقبول الصلح مع معاوية رضي الله عنه حيث قال: (وعمل الحسن بمقتضى حاله فإنه صالح حين استشرى الأمر عليه وكان ذلك بأسباب سماوية ومقادير أزلية ومواعيد من الصادق صادقة منها: ما رأى من تشتت آراء من معه. ومنها: أنه طعن حين خرج إلى معاوية فسقط عن فرسه وداوى جرحه حتى برأ فعلم من ينافق عليه ولا يأمنه على نفسه. ومنها: أنه رأى الخوارج أحاطوا بأطرافه، وعلم أنه إن اشتغل بحرب معاوية استولى الخوارج على البلاد، وإن اشتغل بالخوارج استولى عليه معاوية. ومنها: أنه تذكر وعد جده الصادق عند كل أحد صلى الله عليه وسلم في قوله: ((إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) وإنه لما سار الحسن إلى معاوية بالكتائب في أربعين ألفاً وقدم قيس بن سعد بعشرة آلاف قال عمرو بن العاص لمعاوية: إني أرى كتيبة لا تولي أولاها حتى تدبر أخراها فقال معاوية لعمرو: من لي بذراري المسلمين فقال أنا: فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: تلقاه فتقول له: الصلح فصالحه فنفذ الوعد الصادق في قوله: ((إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) . ). وكان ذلك الصلح المبارك الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون علي يد سبطه الحسن بن علي عام واحد وأربعين هجرية (فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه توفى في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة وهذا من دلائل – نبوته – صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليماً، وقد مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد) وتسليم الحسن الأمر لمعاوية يعتبر عقد بيعة منه له بالخلافة وكان ذلك في موضع يقال له: (مسكن) ولما نزل الحسن عن الخلافة لمعاوية بايعه (الأمراء من الجيشين واستقل بأعباء الأمة فسمي ذلك العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد) ولاجتماع المسلمين بعد الفرقة وتفرغهم للحروب الخارجية والفتوح، ونشر دعوة الإسلام بعد أن عطل قتلة عثمان سيوف المسلمين عن هذه المهمة نحو خمس سنوات. (ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم والآفاق وحصل على بيعته عامئذ الإجماع والاتفاق – رحل الحسن بن علي ومعه أخوه الحسين وبقية إخوتهم، وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كلما مر بحي من شيعتهم يبكتونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية وهو في ذلك – هو البار الراشد الممدوح، وليس يجد في صدره حرجاً ولا تلوماً ولا ندماً، بل هو راض بذلك مستبشر به وإن كان قد ساء هذا خلقاً من ذويه وأهله وشيعتهم ولاسيما بعد ذلك بمدد، وهلم جراً والحق في ذلك اتباع السنة ومدحه فيما حقن به دماء الأمة، كما مدحه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الحديث الصحيح ولله الحمد والمنة) . |
والحاصل مما تقدم أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن خلافة الحسن بن علي كانت خلافة حقة وأنها جزء مكمل لخلافة النبوة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مدتها ستكون ثلاثين سنة وكذلك كانت كما أخبر عليه الصلاة والسلام. الفصل الثاني: عقيدة أهل السنة في آل البيت المبحث الأول: التعريف بآل البيت لغة وشرعاً المطلب الأول: التعريف بآل البيت لغة: إن كلمة آل من الكلمات التي وقع فيها الاختلاف عند علماء اللغة من حيث الاشتقاق، ومن حيث المعنى، أما من حيث الاشتقاق، فقيل إن أصلها أول، وقيل إن أصلها أهل. فذهب الخليل بن أحمد إلى أن كلمة (آل) مشتقة من الأول، قال: (آل يؤول إليه، إذا رجع إليه) . ووافقه ابن فارس قال: (آل يؤول أي رجع... يقال: أول الحكم إلى أهله، أي أرجعه ورده إليهم) . وابن الجوزي حيث قال: (والأصل في ذلك قولنا: آل، وهو بمعنى: رجع) . واختار هذا القول ابن تيمية . وذهب فريق آخر إلى أن أصل كلمة (آل): أهل. في (المفردات) : (الآل مقلوب من الأهل). وفي (لسان العرب) : (أصلها أهل ثم أبدلت الهاء همزة فصارت في التقدير أأل فلما توالت الهمزتان أبدل الثانية ألفا كما قالوا آدم وآخر). وبمثل هذا قال الفيروزآبادي . وفي (المصباح) ذكر القولين ولم يرجح. وضعف ابن القيم القول الثاني لأمور: أحدهما: عدم الدليل عليه. الثاني: أنه يلزم منه القلب الشاذ من غير موجب، مع مخالفة الأصل. الثالث: أن الأهل تضاف إلى العاقل وغيره بخلاف الآل. الرابع: أن الأهل تضاف إلى العلم والنكرة، والآل لا يضاف إلا إلى معظم من شأنه أن يؤول غيره إليه. الخامس: أن الأهل تضاف إلى الظاهر والمضمر، أما الآل فإضافتها إلى المضمر قليلة شاذة . وأما من حيث المعنى فقد نص غير واحد على أن آل الرجل هم أهل بيته وقرابته ، وأضافت طائفة أخرى الأتباع ، واقتصر بعضهم على الأتباع . وقد وفق ابن الجوزي بين القولين فقال: (الآل: اسم لكل من رجع إلى معتمد فيما رجع فيه إليه، فتارة يكون النسب، وتارة بالسبب) . فقوله: (بالنسب) إشارة إلى الأهل والقرابة، وقوله: (بالسبب) إشارة إلى الأتباع، ومن الثاني قوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]. هذا وقد اختلف علماء اللغة في دخول الشخص من آل نفسه، فذهب بعض المحققين إلى التفصيل في ذلك، وهو إن ذكر الشخص مع آله فلا يدخل فيهم، وإن لم يذكر معهم كأن يقال آل زيد فعند ذلك يدخل فيهم . وأما الأهل فقد اتفق علماء اللغة على إطلاق أهل الرجل على زوجه. قال الخليل: (أهل الرجل: زوجه) . ونقله ابن فارس مقراً له . وقال الراغب: (وعبر بأهل الرجل عن امرأته) . وفي (لسان العرب): (أهل الرجل: زوجته) . وفي (المصباح المنير): (ويطلق الأهل على الزوجة) . ولهذا الاتفاق ذهب بعضهم إلى أن الأهل تطلق على الزوجة خاصة؛ لأنها المرادة في عرف اللسان . ومما يدل على الاتفاق في هذا المعنى اتفاقهم على أن التأهل: (التزوج) . وقد أضاف أكثرهم إلى معنى الزوجة العشيرة والقرابة ، إلا أن الراغب عد ذلك من المجاز . ومن خلال هذه النقول يتبين أن لفظة الآل والأهل تشتركان في معان كثيرة بل تقتربان من الترادف. وأما البيت لغة، فيلحظ الناظر أن المتقدمين من علماء اللغة كالجوهري وابن فارس كانوا يقصرون معنى البيت على عيال الرجل كزوجه، وعلى المأوى والسكن. يقول ابن فارس: (الباء والياء والتاء أصل واحد، وهو المأوى، والمآب، ومجمع الشمل. والبيت: عيال الرجل والذين يبيت عندهم) . أما المتأخرون كصاحب (القاموس) فأضافوا معان قد لا تخرج عن المعنيين السابقين كالشرف، والتزويج، والقبر، وفرش البيت . أما إطلاق أهل البيت مركبة تركيباً إضافياً، فهي عند علماء اللغة بمعنى من يسكن فيه. قال الخليل: (أهل البيت سكانه) . وتبعه على ذلك من أتى بعده كابن فارس، وابن منظور ، والفيروزآبادي ، بدون نكير منهم. إلا أن هذا التركيب صار عرفاً على آل النبي صلى الله عليه وسلم. قال الراغب: (وصار أهل البيت متعارفاً في آل النبي صلى الله عليه وسلم) . المطلب الثاني: تعريف آل البيت شرعا واختلف في آل النبي صلى الله عليه وسلم على أربعة أقوال: فقيل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة, وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنهم بنو هاشم, وبنو المطلب, وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه . والثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبي حنيفة , والرواية عن أحمد واختيار ابن القاسم صاحب مالك . والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب, فيدخل فيهم بنو مطلب, وبنو أمية, وبنو نوفل, ومن فوقهم إلى بني غالب, وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك, حكاه صاحب (الجواهر) عنه, وحكاه اللخمي في (التبصرة) عن أصبغ, ولم يحكه عن أشهب. وهذا القول في الآل أعني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين, وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي . والقول الثاني: أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم ذريته وأزواجه خاصة, حكاه ابن عبد البر في (التمهيد) قال في باب عبد الله بن أبي بكر، في شرح حديث أبي حميد الساعدي: استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة، لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر، وفي غير ما حديث: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) وفي هذا الحديث يعني حديث أبي حميد: ((اللهم صل على محمد وعلى وأزواجه وذريته)) , قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث, ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته, قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد صلى الله عليه وسلم ومن ذريته صلى الله عليك، إذا واجهه, وصلى الله عليه إذا غاب عنه, ولا يجوز ذلك في غيرهم. قالوا: والآل والأهل سواء, وآل الرجل وأهله سواء, وهم الأزواج والذرية بدليل هذا الحديث. والقول الثالث: أن آله صلى الله عليه وسلم أتباعه إلى يوم القيامة حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم, وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله, ذكره البيهقي عنه ، ورواه عن سفيان الثوري وغيره, واختاره بعض أصحاب الشافعي , حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه, ورجحه الشيخ محيي الدين النواوي في (شرح مسلم) واختاره الأزهري. والقول الرابع: أن آله صلى الله عليه وسلم هم الأتقياء من أمته, حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة. فصل في ذكر حجج هذه الأقوال, وتبين ما فيها من الصحيح والضعيف فأما القول الأول: وهو أن الآل من تحرم عليهم الصدقة على ما فيهم من الاختلاف, فحجته من وجوه: أحدها: ما رواه البخاري في صحيحه: من حديث أبي هريرة, رضي الله عنه, قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالنخل عند صرامه, فيجيء هذا بتمرة وهذا بتمرة حتى يصير عنده كوم من تمر, فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر, فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه, فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجها من فيه, فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة)) , ورواه مسلم وقال: ((إنا لا تحل لنا الصدقة)) . الثاني: ما رواه مسلم في صحيحه: عن زيد بن أرقم, قال: ((قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيباً فينا بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة, فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ, ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي عز وجل، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله عز وجل فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به, فحث على كتاب الله ورغب فيه, وقال: وأهل بيتي: أذكركم الله في أهل بيتي, أذكركم الله في أهل بيتي. فقال له حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته, ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل, وآل جعفر, وآل عباس. قال: أكل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن الصدقة لا تحل لآل محمد)) . الدليل الثالث: ما في الصحيحين: من حديث الزهري, عن عروة, عن عائشة رضي الله عنها ((أن فاطمة رضي الله عنها أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث, ما تركنا صدقة, إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل)) . فآله صلى الله عليه وسلم لهم خواص: منها حرمان الصدقة, ومنها أنهم لا يرثونه, ومنها استحقاقهم خمس الخمس, ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم. وقد ثبت أن تحريم الصدقة واستحقاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه صلى الله عليه وسلم فكذلك الصلاة على آله. الدليل الرابع: ما رواه مسلم: من حديث ابن شهاب, عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي, أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره، أن أباه ربيعة بن الحارث، قال لعبد المطلب بن ربيعة، وللفضل بن العباس رضي الله عنهما: ((ائتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولا له استعملنا يا رسول الله على الصدقات فذكر الحديث وفيه: فقال لنا: إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) . الدليل الخامس: ما رواه مسلم في صحيحه: من حديث عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، فذكر الحديث وقال فيه: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكبش، فأضجعه، ثم ذبحه ثم قال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد، ومن آل محمد, ومن أمة محمد. ثم ضحى به)) . هكذا رواه مسلم بتمامه، وحقيقة العطف المغايرة، وأمته صلى الله عليه وسلم أعم من آله. قال أصحاب هذا القول: (وتفسير الآل بكلام النبي صلى الله عليه وسلم أولى من تفسيره بكلام غيره). فصل وأما القول الثاني: أنهم ذريته وأزواجه خاصة، فقد تقدم احتجاج ابن عبد البر له، بأن في حديث أبي حميد ((اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته)) وفي غيره من الأحاديث اللهم صل على محمد وعلى آل محمد, وهذا غايته أن يكون الأول منهما قد فسره اللفظ الآخر. واحتجوا أيضاً بما في الصحيحين: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)) ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة لم تنل كل بني هاشم ولا بني المطلب, لأنه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجدة وإلى الآن. وأما أزواجه وذريته صلى الله عليه وسلم فكان رزقهم قوتاً, وما كان يحصل لأزواجه بعد من الأموال كن يتصدقن به ويجعلن رزقهن قوتاً. (وقد جاء عائشة رضي الله عنها مال عظيم فقسمته كله في قعدة واحدة، فقالت لها الجارية: لو خبيت لنا منه درهماً نشتري به لحماً؟ فقالت لها: لو ذكرتني فعلت) . واحتجوا أيضاً بما في الصحيحين: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عز وجل) . قالوا: ومعلوم أن العباس وأولاده وبني المطلب لم يدخلوا في لفظ عائشة ولا مرادها. قال هؤلاء: وإنما دخل الأزواج في الآل، وخصوصاً أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تشبيهاً لذلك بالسبب، لأن اتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم غير مرتفع، وهن محرمات على غيره في حياته وبعد مماته، وهن زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهن بالنبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام النسب. وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عليهن، ولهذا كان القول الصحيح، وهو منصوص الإمام أحمد رحمه الله: (أن الصدقة تحرم عليهن, لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم) ويا لله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)) , وقوله في الأضحية: ((اللهم هذا عن محمد وآل محمد)) ، وفي قول عائشة رضي الله عنها: ((ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر)) وفي قول المصلي: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) ، ولا يدخلن في قوله: ((إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد مع كونها من أوساخ الناس)) ، فأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصيانة عنها والبعد منها. فإن قيل: لو كانت الصدقة حراماً عليهن لحرمت على مواليهن، كما أنها لما حرمت على بني هاشم على مواليهم، وقد ثبت في الصحيح أن بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته، ولم يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم, وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها. قيل: هذا هو شبهة من أباحها لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وجواب هذه الشبهة: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليس بطريق الأصالة، وإنما هو تبع لتحريمها عليه صلى الله عليه وسلم وإلا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به، فهن فرع في هذا التحريم على المولى فرع التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلاً استتبع ذلك مواليهم ولما كان التحريم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تبعاً, لم يقو ذلك على استتباع مواليهن، لأنه فرع عن فرع. قالوا: وقد قال الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} [الأحزاب: 30-33] فدخلن في أهل البيت لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء, والله أعلم. فصل وأما القول الثالث: وهو أن آل النبي صلى الله عليه وسلم أمته وأتباعه إلى يوم القيامة. فقد احتج له بأن آل المعظم المتبوع هم أتباعه على دينه وأمره، قريبهم وبعيدهم. قالوا: واشتقاق هذه اللفظة تدل عليه, فإنه من آل يؤول إذا رجع، ومرجع الأتباع إلى متبوعهم لأنه إمامهم وموئلهم. قالوا: ولهذا كان قوله تعالى:{إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر} [القمر: 34] المراد به أتباعه وشيعته المؤمنون به من أقاربه وغيرهم. وقوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، المراد به أتباعه. واحتجوا أيضاً بأن واثلة بن الأسقع روى: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا حسناً وحسيناً، فأجلس كل واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة رضي الله عنها من حجره وزوجها، ثم لف عليهم ثوبه, ثم قال: اللهم هؤلاء أهلي، قال واثلة: فقلت يا رسول الله، وأنا من أهلك؟ فقال: وأنت من أهلي)) رواه البيهقي بإسناد جيد . قالوا: ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، وإنما هو من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم. فصل وأما أصحاب القول الرابع: أن آله الأتقياء من أمته. فاحتجوا بما رواه الطبراني في (معجمه): عن جعفر بن إلياس بن صدقة، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري, عن أنس بن مالك, قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من آل محمد؟ فقال: كل تقي, وتلا النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ}[الأنفال: 34])) قال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا نوح، تفرد به نعيم. وقد رواه البيهقي: من حديث عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثنا نافع أبو هرمز، عن أنس، فذكره . ونوح هذا ونافع أبو هرمز لا يحتج بهما أحد من أهل العلم، وقد رميا بالكذب واحتج لهذا القول أيضاً بأن الله عز وجل قال لنوح عن ابنه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46]، فأخرجه بشركه أن يكون من أهله، فعلم أن آل الرسول صلى الله عليه وسلم هم أتباعه. وأجاب عنه الشافعي رحمه الله بجواب جيد، وهو أن المراد أنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم، ووعدناك بنجاتهم، لأن الله سبحانه قال له قبل ذلك: {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: 40], فليس ابنه من أهله الذين ضمن نجاتهم. وتخصيصاً له بالذكر من بين النوع، لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه، وهنا للناس طريقان: أحدهما: أن ذكر الخاص قبل العام أو بعده قرينة تدل على أن المراد بالعام ما عداه. والطريق الثاني: أن الخاص ذكر مرتين مرة بخصوصه ومرة بشمول الاسم العام له تنبيهاً على مزيد شرفه، وهو كقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: 7]، وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98]. وأيضاً فإن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حق له ولآله دون سائر الأمة، ولهذا تجب عليه وعلى آله عند الشافعي رحمه الله وغيره ... وإن كان عندهم في الآل اختلاف، ومن لم يوجبها فلا ريب أنه يستحبها عليه وعلى آله، ويكرهها أو لا يستحبها لسائر المؤمنين، أو لا يجوزها على غير النبي صلى الله عليه وسلم وآله، فمن قال: إن آله في الصلاة هم كالأمة، فقد أبعد غاية الإبعاد. وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم شرع في التشهد السلام والصلاة، فشرع في السلام تسليم المصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً وعلى نفسه ثانياً، وعلى سائر عباد الله الصالحين ثالثاً، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فإذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض)) , وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه وعلى آله فقط، فدل على أن آله هم أهله وأقاربه. وأيضاً فإن الله سبحانه أمرنا بالصلاة عليه بعد ذكر حقوقه وما خصه به دون أمته من حل نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة بعده، ومن سائر ما ذكر مع ذلك من حقوقه وتعظيمه وتوقيره وتبجيله. ثم قال تعالى:{وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً} [الأحزاب: 53]، ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عليهن، وخلوتهم بهن، ثم عقب ذلك بما هو حق من حقوقه الأكيدة على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامه، مستفتحاً ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يصلون عليه، فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: على أي صفة يؤذن هذا الحق؟ فقال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) , فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها، لأن ذلك مما تقر به عينه، ويزيده الله به شرفاً وعلواً. صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً. وأما من قال إنهم الأتقياء من أمته فهؤلاء هم أولياؤه، فمن كان منهم من أقربائه فهو من أوليائه، ومن لم يكن منهم من أقربائه، فهم من أوليائه، لا من آله. فقد يكون الرجل من آله وأوليائه، كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه، ولا يكون من آله ولا من أوليائه، وقد يكون من أوليائه وإن لم يكن من آله، كخلفائه في أمته الداعين إلى سنته, الذابين عنه، الناصرين لدينه، وإن لم يكن من أقاربه. وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ألا إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إن أوليائي المتقون أين كانوا ومن كانوا)) ... وأما من زعم أن الآل هم الأتباع، فيقال: لا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ الآل في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ الآل يراد به الأتباع، لما ذكرنا من النصوص، والله أعلم. |
المطلب الثالث دخول أزواج النبي في آل البيت دخول الأزواج رضي الله عنهن في مصطلح الآل: لما كان دخول الأزواج رضي الله عنهن في الآل والأهل، وتحريم الصدقة عليهم مما قد يخفى ، نذكر هنا نصوصاً إضافية تدل على ذلك. 1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً ولقد ذكروا رجلاً... ما كان يدخل على أهلي إلا معي)) . فهنا سمى النبي صلى الله عليه وسلم زوجته رضي الله عنها في هذا الحديث (حديث الإفك) سماها أهله بل أهل بيته. 2- عن أنس أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم قلن للنبي صلى الله عليه وسلم بعد بنائه بزينب: (كيف وجدت أهلك؟) . 3- عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتالين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم) . 4- عن ابن عباس رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة هو وأهله لا يجدون شيئاً) . 5- سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان يصنع النبي صلى الله عليه وسلم في البيت فقالت: (كان يكون في مهنة أهله) . وواضح أن السؤال عن بيته صلى الله عليه وسلم الذي فيه زوجته. 6- عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهديت له قلادة من جزع فقال: ((لأدفعنها إلى أحب أهلي إلي، فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة...)) الحديث – يعني عائشة – رضي الله عنها، وفي رواية، ((لأدفعنها إلى أحب أهل البيت إلي)) . 7- في حديث الإفك قال أسامة بن زيد رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: (أهلك وما نعلم إلا خيراً) . وهذان الحديثان يدلان على شيوع إطلاق أهل النبي صلى الله عليه وسلم على زوجاته رضي الله عنهن. 8- عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله) . ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يضحي عن الزوجات فحسب. 9- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جئنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنا فأذن لنا، فوضعت بين أيدينا صحفة فيها قدر مد من الشعير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما أمسى في آل محمد غير شيء ترونه)) . 10- حديث بلال رضي الله عنه لما جاءت إبل الصدقة قال صلى الله عليه وسلم: ((ما أنا بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منها))، فلما أراحه بلال رضي الله عنه منها قال: (ثم اتبعته حتى جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته) . 11- لما دون عمر رضي الله عنه الدواوين قال: (أبدأ بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ بالأزواج ثم بعلي رضي الله عنه) . قال ابن قدامة تعليقاً على حديث عائشة رضي الله عنها: (إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة) ، قال: (وهذا يدل على تحريمها على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم) . قال ابن القيم: (ولهذا كان القول الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد أن الصدقة تحرم عليهم؛ لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم، ويالله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله: ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)) ، وقوله في الأضحية: ((اللهم تقبل من محمد وآل محمد)) ، وفي قول عائشة: ((ما شبع آل رسول الله من خبز بر)) ، وفي قول المصلي: اللهم صل على محمد وآل محمد، ولا يدخلن في قوله: ((إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) ، مع كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصيانة عنها والبعد منها) . فهذه نصوص صريحة الدلالة في إطلاق آل وأهل النبي صلى الله عليه وسلم على زوجاته الطاهرات رضي الله عنهن، وهناك نصوص أخرى أطلقت عليهم مصطلح (أهل البيت) غير ما تقدم. المبحث الثاني فضائل آل البيت المطلب الأول: فضائل أهل البيت في الكتاب أما الآيات التي تشير إلى فضائل ومناقب أهل البيت والتي تدل على رفعة منزلتهم وعلو درجتهم لما لهم من صلة بالنسب الشريف صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين هي: 1- قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]. ففي هذه الآية منقبة عظيمة شرف الله بها آل البيت حيث طهرهم من الرجس تطهيراً وهي شاملة لجميع أهل بيته صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ومن سلك مسلكهم وسار على نهجهم فالله أراد لهم التطهير. قال ابن حجر الهيتمي: هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدأت بـ(إنما) المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس الذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنهم، وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة . وقد اختلف المفسرون في معنى الرجس على أربعة أقوال: فقيل الإثم: وقيل الشرك، وقيل الشيطان، وقيل الأفعال الخبيثة والأخلاق الذميمة، فالأفعال الخبيثة كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، والأخلاق الذميمة كالشح، والبخل والحسد وقطع الرحم . 2- قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. وفي ذلك منقبة عظيمة ودرجة عالية شريفة حيث أمر بالصلاة عليهم تبعاً له صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن كعب بن عجرة قال: ((لما نزلت هذه الآية قلنا يا رسول الله: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...)) . 3- قوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61]. في هذه الآية فضيلة عالية ومنقبة جليلة لأصحاب الكساء وهم فاطمة وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص قال: ((لما نزلت هذه الآية {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي)) . قال ابن حجر الهيتمي: فعلم أنهم المراد من الآية وأن أولاد فاطمة وذريتهم يسمون أبناءه وينسبون إليه نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة . وكما هو معلوم أنه قد ورد الثناء في الكتاب والسنة على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في غير ما آية وحديث على سبيل العموم مثل: قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29]. قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]. وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ...} [الفتح: 18]. وغير ذلك من الآيات، ويدخل في هذا الثناء صحابته من أهل بيته رضي الله عنهم دخولاً أولياً فهم أولى وألصق بالنبي صلى الله عليه وسلم من غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. المطلب الثاني فضائل أهل البيت في السنة لقد وردت أحاديث كثيرة تبين فضائل ومناقب أهل البيت عموماً منها: 1- ما روى الترمذي بسنده أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت: ((يا رسول الله إن قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً)) . فهذا الحديث يدل على فضل جنس العرب ثم جنس قريش ثم جنس بني هاشم فكان النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس نفساً ونسباً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والمعنى أن النخلة طيبة في نفسها، وإن كان أصلها ليس بذاك فأخبر صلى الله عليه وسلم: أنه خير الناس نفساً ونسباً) . 2- وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم)) . فهذا الحديث نص في التفضيل (والذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم وروميهم وفرسيهم وغيرهم، وأن قريشاً أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق وأفضلهم نسباً) . 3- وجاء في صحيح مسلم بإسناده إلى يزيد بن حيان قال: ((انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا يزد خيراً كثيراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بن أخي! والله! لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم فامثلوا، وما لا، فلا تكلفونيه، ثم قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيباً بماء يدعى خماً، بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي...)) الحديث. ففي هذا الحديث منقبة واضحة وفضيلة عالية لأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم حيث قرن الوصية بهم مع الوصية بالالتزام والتمسك بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، فجعلهم صلى الله عليه وسلم ثقلاً دليل واضح على عظم حقهم وارتفاع شأنهم وعلو منزلتهم. فالتمسك بالكتاب امتثال ما أمر الله به فيه واجتناب ما نهى عنه قولاً وعملاً. والتمسك بأهل بيته محبتهم والمحافظة على حرمتهم والعمل بروايتهم الصحيحة والاهتداء بهديهم وسيرتهم إذا لم يكن في ذلك مخالفة في الدين... 4- وروى مسلم في صحيحه عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: (({إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33])) . فهذه فضيلة ظاهرة لهؤلاء الخمسة وقد طهرهم الله من الرجس وجل نسل آل البيت منهم رضي الله عنهم أجمعين. 5- روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثاً أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم وسألت الله فيكم أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء فلو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار)) . فهذا الحديث تضمن ثلاث مناقب لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهي واضحة لا تحتاج إلى زيادة بيان كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم إضافة إلى ما تضمنه من وجوب محبتهم والبعد عن بغضهم لأن من فعل ذلك فهو من أهل النار والعياذ بالله. المطلب الثالث: فضائل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الفرع الأول: فضائل أزواج النبي إجمالا الفضيلة الأولى: الحديث عنهن بوصف الزوجية ذكر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الزوجية في غير ما موضع من القرآن الكريم، ومن ذلك أول آية من آيات التخيير: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 28]، إن ذكر أمهات المؤمنين بلفظ الزوجية هنا لم يكن عبثاً من القول –وحاشا القرآن أن يكون كذلك- بل له دلالة على الفضل، ووجه ذلك: أن لفظ الأزواج مشعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران كما هو المفهوم من لفظه؛ فإن الزوجين هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان والمتساويان، ومنه قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22]، قال أهل التفسير: أشباههم وأمثالهم . |
ففي الآية دليل ظاهر على التزكية العلية لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث جعلن في مقام المشابه المناسب له صلى الله عليه وسلم مما يدل على صفات الصلاح والتقوى والطهر. وتأمل كيف كان القرآن يتحدث عن الزوجات الكافرات للأنبياء بلفظ المرأة، قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ} [التحريم: 10] أما أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكان الخطاب لهن بلفظ الزوجة غالباً حتى في مقام العتاب كما في سورة التحريم، ولم يخاطبهن بلفظ المرأة. وغير خافٍ لطافة بداية الخطاب القرآني لهن بلفظ الزوجية في آية التخيير، وكأن الله يذكرهن بمقام المشابهة والمناسبة للنبي صلى الله عليه وسلم والذي لا ينبغي أن يغفلن عنه، بل يلحظنه دائما، وقد فعلن رضي الله عنهن. الفضيلة الثانية: اختيارهن جميعاً الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة: وهذا أمر مقطوع به دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنه المتقدم وحديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: (فجعل يخيرهن ويقرأ عليهن القرآن، ويخبرهن بما صنعت عائشة رضي الله عنها فتتابعن على ذلك) . وعلى هذا قول جمهور المفسرين أنهن جميعاً تتابعن على ما قالت عائشة رضي الله عنها إلا ما روي عن ابن زيد أن بدوية اختارت نفسها، لكنه رأي مرجوح. قال ابن حجر: (واستدل به بعضهم على ضعف ما جاء أن من الأزواج حينئذ من اختارت الدنيا لعموم قولها: (ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثلما فعلت) . قال ابن تيمية: (وقد ثبت بالنقل الصحيح أن هذه الآيات لما نزلت قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أزواجه، وخيرهن كما أمره الله، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك أقرهن ولم يطلقهن، حتى مات عنهن) . قال ابن كثير: (فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة) . وإذا كان هذا الاختيار دالاً على المرتبة العالية في التقوى وصدق الإيمان لأمهات المؤمنين عموماً فإن فيه فضائل خاصة لعائشة رضي الله عنها من عدة جهات: الأولى: البدء بها في التخيير المشعر بتقدمها على باقي الأمهات رضي الله عنهن. الثانية: بيان كمال عقلها، وصحة رأيها مع صغر سنها ، حيث أسرعت بالاستجابة ولم تشاور أبويها، ورأت أن هذا لا استشارة فيه البتة. الثالثة: أنها بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم قد سنت سنة حسنة، فيكون لها أجر باقي الأمهات لا سيما والنبي صلى الله عليه وسلم يخبرهن جميعاً بما قالت عائشة رضي الله عنها. عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً)) . الرابعة: استبشار النبي صلى الله عليه وسلم باستجابتها حتى رئي الفرح في وجهه صلى الله عليه وسلم. وكان من تبعات اختيار أمهات المؤمنين رضي الله عنهن الله ورسوله والدار الآخرة – وهو من الفضائل- إنزال بقية الآيات تكريماً لهن. قال الشوكاني: (لما اختار نساء رسول الله رسول الله؛ أنزل فيهن هذه الآيات تكريماً لهن وتعظيماً لحقهن) . الفضيلة الثالثة: العناية بنصحهن وخطابهن بأحسن الألقاب: وهذا أمر تميزن به عن بقية الصحابة، بل عن بقية آل البيت رضي الله عنهم أجمعين، يقول الألوسي: (قال تعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن. ونداؤهن هاهنا وفيما بعد بالإضافة إليه صلى الله عليه وسلم؛ لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل) . الفضيلة الرابعة: استحقاقهن الأجر العظيم: قال تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 29]، هذه الآية الكريمة تدل على أنهن سينلن أجراً عظيماً، وهذا الأجر العظيم مجمل بينته الآيات الأخر، وإذا تأملنا وجدنا أن هذا الأجر العظيم في الدنيا والآخرة؛ أما في الآخرة فكونهن مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وهذا أمر لا غاية فوقه ولا مزية بعده، وفي ذلك من زيادة النعيم والثواب على غيرهن ما هو معلوم؛ فإن الثواب والنعيم على قدر المنزلة. أما في الدنيا فمن ثلاثة أوجه: الوجه الأول: جعلن أمهات المؤمنين تعظيماً لحقهن، وتأكيداً لحرمتهن، وتشريفاً لمنزلتهن. الوجه الثاني: حظر طلاقهن، وتحريم التزوج عليهن على أحد القولين عند المفسرين في قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ} [الأحزاب: 52]؛ لأنهن لم يخترن غير النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بإمساكهن . الوجه الثالث: قتل قاذفهن، أما غيرهن فالجلد فقط. ويلاحظ في الآية الكريمة إيقاع الظاهر موقع المضمر؛ فإنه تعالى قال: {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 29]، ولم يقل فإن الله أعد لكن أجراً عظيماً. والحكمة من ذلك كما قال بعض المفسرين: (تنبيهاً على الوصف الذي ترتب لهن به الأجر العظيم وهو الإحسان؛ كأنه قال: أعد لكن؛ لأن من أراد الله ورسوله والدار الآخرة كان محسناً) ، وهذا التعليل يتماشى مع الفائدة العامة للإظهار في موضع الإضمار عند المفسرين ، وهو بيان علة الحكم. وقال بعض المفسرين: الفائدة من ذكر الإحسان؛ ليعلم أن هذا الأجر حاصل لهن على مقدار إحسانهن؛ لأن الإحسان متفاوت، فعلى مقدار إحسان كل واحدة يكون أجرها العظيم . ولا مانع من صواب هذا الرأي أيضاً؛ إذ أنه لا يخلو مثال للإظهار في موضوع الإضمار من فائدة خاصة به . وكما تحدث المفسرون عن الإظهار في موضع الإضمار تحدثوا عن حرف (من) في الآية، وهل هو لبيان الجنس أو للتبعيض. فقال بعض المفسرين: إنها لبيان الجنس؛ لأن الجميع اخترن الله ورسوله والجميع محسنات ، وقال بعضهم بجواز: أن تكون للتبعيض؛ لأن اختيار الجميع لله ولرسوله لم يعلم وقت النزول. والظاهر أن (من) هنا للتبيين لا للتبعيض؛ لأن علامة (من) التبعيضية صحة مجيء (بعض) مكانها، وهنا لا يستقيم وضع (بعض) مكانها، بينما التي لبيان الجنس تقدر بتخصيص الشيء دون غيره ، وهو ما يناسب هنا، فكأن الآية: فإن الله أعد للمحسنات أخص أمهات المؤمنين أجراً عظيماً، كقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30]، والمعنى: فاجتنبوا الرجس أخص الأوثان. وغير خاف أنه على القولين لا إشكال في كون كل أمهات المؤمنين محسنات، وفي ذكر الإعداد إفادة العناية بهذا الأجر والتنويه به زيادة على وصفه بالتعظيم . الفضيلة الخامسة: إبراز شرفهن وعلو منزلتهن: وهذا الأمر وإن كانت الآيات تدل عليه صراحة أو ضمناً إلا أننا هنا سنبرزه في قوله تعالى: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30]. وقد يكون مستغرباً لأول وهلة كيف تدل هذه الآيات على شرف أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن -؟ والجواب هو بالنظر إلى الحكمة من وراء مضاعفة العذاب. فقد ذكر أهل التفسير حكماً من وراء ذلك تدل على ما نحن بصدده، فمن هذه الحكم قولهم: (إن مضاعفة العذاب لشرف المنزلة وفضل الدرجة وتقدمهن على سائر النساء، فهن وإن كن كالنساء جبلة؛ فإنهن لسن كغيرهن شرفاً، وشرف المنزلة لا يحتمل العثرات ، وزيادة قباحة المعصية تتبع زيادة الفضل) ، وهذا التعليل لأكثر المفسرين . بل إن الرازي تأكيداً لهذا الأمر جعل نسبة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرائر المسلمات، كنسبة الحرة إلى الأمة، فالحرة يضاعف عذابها على الأمة، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يضاعف عذابها على الحرة . وقيل الحكمة من مضاعفة العقوبة لكون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط الوحي قوي الأمر عليهن بسبب مكانتهن ، وغير خاف أن هذا يعود للأول. وقيل: لما فيه من كفران نعمة القرب، وهذا يعود للأول . وقيل: لعظم الضرر في جرائمهن بإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم . وقيل: لأنه قد يقتدى بهن . ولا مانع من صحة كل هذه الحكم. وقد يستشكل مضاعفة العقوبة لما قد علم أن من كثرة حسناته يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره. أجاب ابن القيم فقال: (من كملت عليه نعمة الله واختصه منها بما لم يختص به غيره في إعطائه منها ما حرمه غيره، فحبي بالإنعام، وخص بالإكرام، وخص بمزيد التقريب، وجعل في منزلة الولي الحبيب، اقتضت حاله من حفظ مرتبة الولاية والقرب والاختصاص بأن يراعي مرتبته من أدنى مشوش وقاطع؛ فلشدة الاعتناء به، ومزيد تقريبه، واتخاذه لنفسه، واصطفائه على غيره؛ تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم، ونعمه عليه أكمل، والمطلوب منه فوق المطلوب من غيره؛ فهو إذا غفل وأخل بمقتضى مرتبته نبه بما لم ينبه عليه البعيد البراني مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك أيضاً، فيجتمع في حقه الأمران) . الفضيلة السادسة: مضاعفة الأجر: وهذا منطوق قوله تعالى: {نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} [الأحزاب: 31]. قال الطبري: (يعطي الله الواحدة منهن مثلي ما يعطي غيرهن من سائر النساء) . قال الألوسي: (ويستدعي هذا أنه إذا أثيب نساء المسلمين على الحسنة بعشر أمثالها؛ أثبن على الحسنة بعشرين مثلاً لها، وإذا زيد للنساء على العشر شيء؛ زيد لهن ضعفه) . وقد ورد في ذلك حديث: ((أربعة يؤتون أجرهن مرتين: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أسلم من أهل الكتاب، ورجل كانت عنده أمة فأعجبته، فأعتقها، ثم تزوجها، وعبد مملوك أدى حق الله، وحق سادته)) . ولكنه لا يصح، والآية تغني عنه. قال أهل التفسير: مضاعفة الأجر لعظيم قدرهن ، وقيل: أجر على الطاعة والتقوى وأجر على طلبهن رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وليس الفضل هنا بمجرد الوعد بمضاعفة الأجر – وهو فضل ولا شك – ولكن بتنفيذ الأمر. يقول ابن تيمية: (وهن ولله الحمد قنتن لله ورسوله وعملن صالحاً؛ فاستحققن الأجر مرتين، فصرن أفضل لطاعة الأمر، لا لمجرد الأمر) . ولم أقف على خلاف هذا لأي مفسر من أهل السنة بكافة طوائفهم. الفضيلة السابعة: البشارة بالجنة: الله تعالى وعد نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وهذا فضل لهن من جهتين: الجهة الأولى: اختصاصهن عن بقية النساء بل والرجال بهذا الوعد. الجهة الثانية: أنهن من أهل الجنة لكونهن بالاتفاق قنتن لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعملن صالحاً، ويزيد الأمر قطعية قول عمار رضي الله عنه عن عائشة رضي الله عنها: (إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة) . وقد أخذت هذه البشارة من قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب: 31]، فقد ذهب أهل التفسير إلى أن الرزق الكريم: الجنة . قال ابن كثير: (فإنهن في منازل رسول الله في أعلى عليين فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش) . واستشف بعض المفسرين تحقق الوقوع من التعبير بالماضي في (أعتدنا) دون المضارعة، يقول الطاهر بن عاشور: (والعدول عن المضارع إلى فعل الماضي في قوله: {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب: 31] لإفادة تحقيق وقوعه) . وقد لحظ الرازي معنى لطيفاً في وصف الرزق بالكرم، يقول: (فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه، وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، أما في الآخرة فلا يكون له ممسك ومرسل في الظاهر؛ فهو الذي يأتي بنفسه؛ فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرزق، وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق) . وابن عطية مع أنه يرى – كبقية المفسرين – أن الرزق الكريم هو الجنة؛ إلا أنه يجوز أن يكون في ذلك وعد دنيوي، وهو أن أرزاقهن في الدنيا على الله، وهو كريم من حيث هو حلال وقصد وبرضا من الله من نيله . ولكن يضعف قوله أن لفظة الرزق الكريم وردت في القرآن الكريم خمس مرات لم يرد بها سوى الجنة، بل إن ابن عطية نفسه فسر الرزق الكريم في سورة النور بالجنة، وهذه الآية في (سورة النور) وثيقة الصلاة بآية الأحزاب من حيث إرادة أمهات المؤمنين رضي الله عنهن. ومن لطائف هذه الوعود في الآية الكريمة أننا نلحظ إسناد فعل إيتاء أجرهن إلى ضمير الجلالة بوجه صريح تشريفاً لإيتائهن الأجر؛ لأنه المأمول بهن، وكذلك فعل أعتدنا. كما أن في إضافة الأجر إلى ضمير (ها) إشارة إلى تعظيم ذلك الأجر بأنه يناسب مقامها وإلى تشريفها بأنها مستحقة ذلك الأجر . وهذه الأمور تميزت بها هذه الآية عن التي قبلها مما يظهر للقارئ تغليب جانب الرحمة على جانب الغضب . الفضيلة الثامنة: تفضيلهن على عموم النساء: وهو منطوق قوله تعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء} [الأحزاب: 32]. قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: (ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات؛ أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم) . ولا إشكال عند المفسرين من حيث الجملة على دلالة هذه الآية، وإنما حصل الخلاف هل هذا التفضيل باعتبار الجملة أم باعتبار كل واحدة منهن على قولين: القول الأول: أن هذا التفضيل باعتبار الجملة، فلو تقصينا النساء جماعة جماعة لم نجد جماعة تساوي جماعة أمهات المؤمنين . ونوقش هذا بأنه خلاف الأصل؛ فالأصل أن (أحداً) لشخص واحد فنبقيه على موضوعه ولا نتأوله بجماعة واحدة . وكأن الزمخشري – الذي رأى هذا القول – أراد المطابقة بين المتفاضلين، لكنه كان مستغنياً عن ذلك بحمل الكلام على واحدة ويكون المعنى أبلغ، والتقدير: ليست واحدة منكن كأحد من النساء؛ أي كواحدة من النساء . القول الثاني: أن هذا التفضيل باعتبار كل واحدة منهن وهذا قول أكثر المفسرين . وأورد على هذا القول أنه يلزم عليه أن يكون كل واحدة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من فاطمة الزهراء ولا قائل به. وأجيب: بأن أمهات المؤمنين أفضل من حيثية الزوجية لا من سائر الحيثيات . وهذا الجواب ضعيف؛ إذ أنه يحصر أفضلية الأمهات في حيثية الزوجية، والأحسن أن يقال: إن الآية عامة في فضل أمهات المؤمنين على سائر النساء، لكن تخرج فاطمة من ذلك العموم بالأدلة التي تدل على فضلها وسيادتها لنساء هذه الأمة. قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها: ((أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة)) . وبناء على هذا يكون أولى القولين بالصواب القول الثاني، على أن الألوسي حاول التوفيق بين القولين فأجاد حيث قال: (لأن فضل الجماعة على الجماعة يكون غالباً لفضل كل منها) . وقد اجتهد المفسرون في استنباط العلة التي من أجلها فضلت نساء النبي صلى الله عليه وسلم على بقية النساء، فمن ذلك ما قاله الرازي: (كما أن محمداً ليس كأحد من الرجال... كذلك قرابته اللاتي يشرفن به، وبين الزوجين نوع من الكفاءة) . ويشهد لكلام الرازي تصدير آيات التخيير بلفظ الزوجية. أما الطاهر ابن عاشور فله رأي آخر: (وسبب ذلك أنهن اتصلن بالنبي صلى الله عليه وسلم اتصالاً أقرب من كل اتصال، وصرن أنيساته، ملازمات شؤونه فيختصصن باطلاع ما لم يطلع عليه غيرهن من أحواله وخلقه... ويتخلقن بخلقه أكثر مما يقتبس منه غيرهن؛ ولأن إقباله عليهن إقبال خاص، ألا ترى إلى قوله: ((حبب إلي من دنياكم...))) . ولا مانع من صحة التعليلين، بل ويمكن أن يضاف إليها ما اتصفن به من صفات التقوى والإيمان وما تميزن به من تلقي تربية النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من بقية النساء. الفضيلة التاسعة: الوعد بقبول العمل: قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]. يقول الألوسي: (والآية متضمنة الوعد منه تعالى لأهل بيت نبيه بأنهم إن ينتهوا عما ينهى عنه، ويأتمروا بما يأمرهم به؛ يذهب عنهم لا محالة مبادئ ما يستهجن، ويحليهم أجل تحلية بما يستحسن، وفيه إيماء إلى قبول أعمالهم وترتب الآثار الجميلة عليها قطعاً، ويكون هذا خصوصية لهم ومزية على من عداهم، من حيث إن أولئك الأغيار إذا انتهوا وائتمروا لا يقطع لهم بحصول ذلك) . |
ويشهد لقوله رحمه الله التعبير القرآني حيث أكد التطهير بالمصدر؛ ليعلم أنه في أعلى مراتب التطهير، بل وذكره في سياق الامتنان؛ لإفادة العموم ليشمل جل مراتب التطهير . الفضيلة العاشرة: الاصطفاء الإلهي: قال تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب: 34]. لقد فطن المفسرون للحكمة من ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين، إذ أن من المعلوم عند أهل العلم بالتفسير وثاقة الصلة بين الآية وما تختم به من أسماء كريمة . إن ختم الآية بذكر الخبير لها دلالتها الواضحة على أن الله تعالى اختار لنبيه أزواجاً هن خير الأزواج، حيث اصطفى له سبحانه خير نساء العالمين. وكفى بذلك شرفاً {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]، وقد لحظ هذا المعنى أهل التفسير. قال الزمخشري تعليقاً على قوله تعالى: {خَبِيرًا}: (أي علم من يصلح لنبوته ومن يصلح لأن يكونوا أهل بيته) . وقال ابن كثير: (بخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن به... واختاركن لرسوله أزواجاً) . فليس الأمر إعطاء، بل تخصيص واختيار ولا ريب أن هذه تزكية إلهية ما بعدها تزكية، تدل على كمال صلاح وإيمان أمهات المؤمنين وتؤكد حقيقة اصطفاء أمهات المؤمنين على سائر النساء. وفي ختام هذا المطلب نقول: إن هذه الآيات الكريمات أظهرت لكل مسلم رفعة درجة أمهات المؤمنين، وعلو همتهن، وصحة مقصدهن باختيار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما أظهرت اصطفاءهن على نساء العالمين، وأن الله عز وجل اختارهن لكمالهن زوجات لنبيه فلا يناسبه وهو الأكمل صلى الله عليه وسلم إلا أكمل النساء. وهذا يستوجب على كل مسلم ومسلمة: تولي زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة فضلهن وإحسان القول فيهن وسلامة اللسان تجاههن، والذب عنهن، والرد على منتقصهن، أو من يقلل من مكانتهن، بل وإظهار فضائلهن، ودراسة سيرتهن، ومعرفة أخبارهن وآدابهن وعبادتهن؛ فإنهن أعظم النساء تعلماً في مدرسة النبوة بل إن هناك أموراً عديدة من هديه صلى الله عليه وسلم لا يمكن العلم بها إلا من طريقهن رضي الله عنهن. الفرع الثاني: فضائل بعض زوجات النبي صلى الله عليه وسلم تفصيلا أولاً: فضل خديجة رضي الله عنها هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يلتقي نسبها بنسب النبي صلى الله عليه وسلم في الجد الخامس قصي بن كلاب، وهي أقرب أمهات المؤمنين إلى النبي صلى الله عليه وسلم في النسب، ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أم حبيبة، وكانت أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً، تزوجها صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة كانت قبله عند أبي هالة بن النباش بن زرارة التميمي حليف بني عبد الدار، وبقيت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن أكرمه الله برسالته، فآمنت به ونصرته، فكانت له وزير صدق، فهي ممن كمل من النساء فقد كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة، وكان صلى الله عليه وسلم يثني عليها ويفضلها على سائر نسائه رضي الله عنهن ويبالغ في تعظيمها، فلم يتزوج امرأة قبلها، وكل أولاده منها إلا إبراهيم رضي الله عنه فإنه من سريته مارية رضي الله عنها كما لم يتزوج صلى الله عليه وسلم عليها امرأة قط، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها رضي الله عنها فكانت وفاتها قبل الهجرة بثلاث سنين . ولقد وردت الأحاديث الصحيحة في مناقبها رضي الله عنها ومن ذلك: 1- ما رواه الحاكم بإسناده إلى عفيف بن عمرو قال ((كنت امرءاً تاجراً، وكنت صديقاً للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية فقدمت لتجارة فنزلت على العباس بن عبد المطلب بمنى فجاء رجل فنظر إلى الشمس حين مالت فقام يصلي ثم جاءت امرأة فقامت تصلي ثم جاء غلام حين راهق الحلم فقام يصلي فقلت للعباس من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي يزعم أنه نبي ولم يتابعه على أمره غير هذه المرأة وهذا الغلام، وهذا المرأة خديجة بنت خويلد امرأته وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب. قال عفيف الكندي: وأسلم وحسن إسلامه لوددت أني كنت أسلمت يومئذ فيكون لي ربع الإسلام)) . في هذا الحديث منقبة عظيمة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها حيث كانت في السابقين الأولين إلى الإسلام فهي أول من آمن به صلى الله عليه وسلم من النساء. قال الحافظ ابن حجر: (ومما اختصت به سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهن، لما ثبت ((أنه من سن سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيء)) وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجال، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله عز وجل) . 2- ومن مناقبها التي انفردت بها دون سائر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها حتى فارقت الحياة الدنيا. فقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ((لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت)) . قال الحافظ ابن حجر: (وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين، لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك. وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها) . 3- ومن مناقبها رضي الله عنها التي تدل على شرفها وجلالة قدرها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر من ذكرها بعد موتها بالثناء عليها والمدح لها وما يسرها في حياتها حيث يصل من يودها. فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد)) . وروى مسلم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما غرت للنبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها)) . وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت: فغرت يوماً فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها قال: ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء)) . في هذه الأحاديث المتقدمة (ثبوت الغيرة وأنه غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلاً عمن دونهن، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكن كانت تغار من خديجة أكثر، وقد بينت ذلك وأنه لكثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إياها... وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة) . قال القرطبي: (كان حبه صلى الله عليه وسلم لها لما تقدم ذكره من الأسباب، وهي كثيرة كل منها سبب في إيجاد المحبة) . وقال ابن العربي عند ذكر فضائلها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتفع بخديجة برأيها ومالها ونصرها فرعاها حية وميتة برها موجودة ومعدومة وأتى بعد موتها ما يعلم أن يسرها لو كان في حياتها. ومن هذا المعنى ما روي من أن ((من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه)) . ) . 4- ومن مناقبها ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بأن حبه لها كان رزقاً من الله رزقه إياه. فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة وإني لم أدركها قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة قالت: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد رزقت حبها)) . ففي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لخديجة رضي الله عنها. قال الإمام النووي عند قوله صلى الله عليه وسلم: ((رزقت حبها)): (فيه إشارة إلى أن حبها فضيلة حصلت) . 5- ومما يدل على فضلها وجلالة قدرها أن الله سبحانه وتعالى أرسل إليها السلام مع جبريل وأمر نبيه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. فقد روى الشيخان بإسنادهما إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب ولا نصب)) . ورويا أيضا بإسنادهما إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: (قلت لعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما بشر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة؟ قال: نعم، ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب) . وفي ذلك منقبتان عظيمتان لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: الأولى: إرسال الرب جل وعلا سلامه عليها مع جبريل وإبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، وهذه خاصة لا تعرف لامرأة سواها . الثانية: البشرى لها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. قال السهيلي: (لذكر البيت معنى لطيف لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي صلى الله عليه وسلم بيت إسلام إلا بيتها وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضاً غيرها، قال: وجزاء الفعل يذكر غالباً بلفظه وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر) . وقال الحافظ ابن حجر: (وفي البيت معنى آخر لأن مرجع أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إليها لما ثبت في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الأحزاب: 33] قالت أم سلمة: لما نزلت دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وعلياً والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي)) الحديث أخرجه الترمذي وغيره . ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم تزوج بنتها بعدها فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من قصب)) قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف، قال الحافظ وعند الطبراني في (الأوسط) من حديث فاطمة قالت قلت: ((يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب. قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت)) . قال السهيلي: (النكتة في قوله: ((من قصب)) ولم يقل من لؤلؤ أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ الحديث) . وقال الحافظ ابن حجر: (وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها إذ كانت حرية على رضاه بكل ممكن ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها) . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صخب فيه ولا نصب)) الصخب: الصياح والمنازعة برفع الصوت، والنصب: التعب . فنفى عنه ما في بيوت الدنيا من آفة جلبة الأصوات وتعب تهيئتها وإصلاحها. وقد أبدى السهيلي لنفي هاتين الصفتين حكمة لطيفة فقال: (لأنه صلى الله عليه وسلم لما دعا إلى الإيمان أجابت خديجة رضي الله عنها طوعاً فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب، بل أزالت عنه كل تعب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها) . 6- ومن مناقبها ما حظيت به رضي الله عنها من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتاح لسماع صوت من يشبه صوتها لما وضع الله لها في قلبه من المحبة رضي الله عنها فقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ((استأذنت هالة بنت خويلد – أخت خديجة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال: اللهم هالة قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدل الله خيراً منها)) . ففي هذا الحديث (دلالة حسن العهد وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حياً وميتاً، وإكرام معارف ذلك الصاحب) . 7- ومن مناقبها ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أنها رضي الله عنها خير نساء هذه الأمة: فقد روى البخاري بإسناده إلى علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة)) . وعند مسلم بلفظ: ((خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد)) قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض . قال النووي عند شرحه الحديث: (أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها وأن المراد به جميع نساء الأرض أي: كل من بين السماء والأرض من النساء والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه) . قال القرطبي: (الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني: به الدنيا) . وقال الحافظ ابن حجر بعد أن حكى أقوال العلماء في مرجع الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم: ((خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة)) والذي يظهر لي أن قوله: ((خير نسائها)) خبر مقدم والضمير لمريم فكأنه قال مريم خير نساء زمانها، وكذا في خديجة، وقد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها لما تقدم في أحاديث الأنبياء في قصة موسى وذكر آسية من حديث أبي موسى رفعه: ((كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية)) فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لآسية كما أثبت لمريم، فامتنع حمل الخيرية في حديث الباب على الإطلاق وجاء ما يفسر المراد صريحاً، فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه ((لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين)) وهو حديث حسن الإسناد واستدل بهذا الحديث على أن خديجة أفضل من عائشة ، وسيأتي مزيد تفصيل عند ذكر فضائل عائشة رضي الله عنهن فإنه أدعى لذلك والله أعلم. ثانياً: فضل سودة رضي الله عنها هي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدون بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، وأمها الشموس بنت قيس بن عمرو بن زيد الأنصارية، كانت عند السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو فتوفي عنها، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهي أول امرأة تزوجها بعد خديجة رضي الله عنهن وانفردت به صلى الله عليه وسلم نحواً من ثلاث سنين أو أكثر حتى دخل بعائشة وكانت سيدة جليلة نبيلة، وهي التي وهبت يومها لعائشة رعاية لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهي مع سائر من توفي عنهن من أزواجه رضي الله عنهن وأرضاهن وكانت وفاتها رضي الله عنها في آخر زمن عمر بن الخطاب، وقيل سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنهم أجمعين . وقد وردت لأم المؤمنين سودة رضي الله عنها فضائل ومناقب تدل على جلالة قدرها وعظيم شأنها رضي الله عنها ومن تلك المناقب: 1- حرصها على البقاء في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم وإيثارها يومها في القسم لعائشة رضي الله عنهن إيثاراً منها لرضاه عليه الصلاة والسلام وحباً في البقاء معه لتكون من أزواجه في الدنيا والآخرة. فقد روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ((خشيت سودة أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تطلقني وأمسكني وأجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128]. فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز)) . وروى البخاري بإسناده إلى عائشة: (أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة) . وعن عائشة رضي الله عنها أيضاً قالت: ((كان رسول الله، إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . قلت: ففي طلب سودة رضي الله عنها من النبي صلى الله عليه وسلم إمساكها مع إيثار لضرتها بقسمها ما يدل على رجاحة عقلها ونبل مقصدها. وقد تضمنت موافقة رسول صلى الله عليه وسلم على إمساكها فضيلة ظاهرة لسودة رضي الله عنها حيث بقيت في عصمته عليه الصلاة والسلام وتوفي وهي في عداد زوجاته الطاهرات. قال ابن القيم رحمه الله: (فلما توفاها الله –يقصد خديجة- تزوج بعدها سودة بنت زمعة.. وكبرت عنده وأراد طلاقها، فوهبت يومها لعائشة رضي الله عنها فأمسكها وهذا من خواصها أنها آثرت بيومها حب النبي صلى الله عليه وسلم تقرباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحباً له، وإيثارا لمقامها معه، فكان يقسم لنسائه ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها) . 2- ومن مناقبها رضي الله عنها أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها: فقد روى مسلم بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة قالت فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة قالت: يا رسول الله قد جلعت يومي منك لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين ويوم سودة)) . قال ابن الأثير: (كأنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها) . وقال النووي: (وقولها من امرأة، قال القاضي: من هنا للبيان واستفتاح الكلام، ولم ترد عائشة عيب سودة بذلك بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحد بكسر الحاء) فرضي الله عنها وأرضاها ثالثاً: فضل عائشة رضي الله عنها هي الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان وأمها أم رومان بنت عويمر الكنانية، ولدت بعد المبعث بأربع سنوات أو خمس. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست ودخل بها وهي بنت تسع سنين وكان دخولها بها في شوال في السنة الأولى، وقيل في السنة الثانية من الهجرة. وهي المبرأة من فوق سبع سموات، وكانت أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يتزوج بكراً غيرها، وكانت أفقه نساء الأمة على الإطلاق، فكان الأكابر من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها، وقد توفي عنها النبي صلى الله عليه وسلم وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وكانت وفاتها رضي الله عنها في سنة ثمان وخمسين ليلة السابع عشر من رمضان وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين ودفنت في البقيع رضي الله عنها وأرضاها . 1- فضل عائشة رضي الله عنها في القرآن الكريم أوجه دلالات آيات الإفك على فضلها رضي الله عنها الفضيلة الأولى: إرادة الله تعالى الخير بها هذا التعبير مستفاد من قوله تعالى: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [النور: 11]. وقد تحدث المفسرون كل على طريقته في طبيعة هذا الخير فذكروا من ذلك: أولاً: اكتساب الثواب العظيم والأجر الجزيل . يقول الرازي (صبروا على ذلك الغم طلباً لمرضاة الله فاستوجبوا به الثواب، وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم) . وحصول الأجر هو غاية منى الصالحين، والذي هو من علم الغيب، لا يقطع به؛ ولأجل هذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((وثبت الأجر إن شاء الله)) . فعلق على المشيئة؛ لأنه أمر غيبي. هذا الأمر الغيبي صار بالنسبة لعائشة رضي الله عنها في أمر الإفك أصبح من علم الشهادة المقطوع به، قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]. ثانياً: إنزال ثماني عشرة آية من القرآن في شأنها . وهذه الآيات كل واحدة منها ناطقة بتعظيم شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تنزيه وتبريء لأم المؤمنين وذم ولعن للقاذفين، وهذا ترفيع من الله ولا شك . قال ابن كثير: (ومن خصائصها أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنزل في عذرها وبراءتها وحياً يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة) . وهذا أحد الأمور التي ذكرها ابن عباس لعائشة يبشرها وهي في فراش الموت . ثالثاً: حصول البراءة القطعية . وإنما كانت هذه البراءة قطعية؛ لأن الله تعالى حكم ببراءتها واقعاً، أما غير عائشة فإنه إن لم يشهد عليه أربعة شهود بارتكاب الزنا، حكم ببراءته ظاهراً مع أنه قد يكون زانياً في نفس الأمر. وإذا علم ببراءة عائشة رضي الله عنها قطعاً، فيكفر قاذفها لتكذيبه القرآن الكريم. قال ابن العربي: (إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة، فبرأها الله، فكل من رماها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر) . |
ويترتب على هذه الفضيلة، فضيلة أخرى وهو أن الإيمان والكفر أصبح متعلقاً بمدحها وقدحها. يقول الرازي: (صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها؛ فإن الله تعالى نص على كون تلك الواقعة إفكاً وبالغ في شرحه، فكل من يشك فيه كان كافراً قطعاً وهذه درجة عالية) . رابعاً: وعظ المؤمنين إلى يوم الدين، ونقمة من المفترين في الدنيا والآخرة . فإن هذه الآيات فيها من المواعظ والترغيب والترهيب والوعد والوعيد والتهديد والدروس والفوائد الشيء الكثير، وهذا كله إنما نشأ بسببها رضي الله عنها فكانت كما قال عمران بن حصين: (والله ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر) . وفي رواية: (جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيراً) . قال الرازي: (لولا إظهارهم للإفك؛ كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر... وشهد الله بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم) . الفضيلة الثانية: الشهادة الإلهية لها بالدرجة العالية من الإيمان والعفاف. قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12]. يقول ابن عطية: (كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم فإذا كان ذلك يبعد فيهم، فكانوا يقضون بأنه في عائشة أبعد، وقد روي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب وامرأته وذلك أنه دخل عليها فقالت يا أبا أيوب: أسمعت ما قيل؟ قال: نعم وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب تفعلينه؟ فقالت: لا والله، قال: فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب: نعم) . وهذا القياس يدل على أنه استقر في نفوس الأكابر كأبي أيوب رضي الله عنه، المكانة العالية الرفيعة لعائشة رضي الله عنها. ففي الآية دليل على صدق إيمانها، ودرجة عفافها، وإلا لم يكن الخطاب في هذه الآية بهذه القوة. ويستتبع هذه الفضيلة فضيلة أخرى وهي: الأمر الإلهي القاضي بوجوب ظن الخير في خصوص عائشة أما غيرها فمن جهة العموم؛ لأنها سبب النزول ودخول سبب النزول في الآية قطعي، وما كان هذا الواجب ليحصل لولا عظيم مرتبتها في الإيمان، فلها الأولوية رضي الله عنها في الظن الحسن وأحقية الدفاع. قال الألوسي: (وجوب ظن الخير بعائشة خصوصاً للقطع في دخولها بالعموم، أو على القول بأنها مرادة خصوصاً) . الفضيلة الثالثة: عتاب أهل الإيمان لأجلها. إن مما يلحظ في آيات الإفك أن الله تعالى عاتب أهل الإيمان عتاباً شديداً وبعبارات متنوعة لأجل التقصير في حق عائشة رضي الله عنها، الأمر الذي نص عليه عدد من المفسرين. قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} [النور: 12]. قال الطبري: (هذا عتاب من الله تعالى ذكره أهل الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة) . كما لاحظ المفسرون أمر الالتفات في الآية من الخطاب إلى الغيبة. قال الزمخشري: (عدل عن الغيبة إلى الخطاب وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات) . الآية تشير على أن من كان مؤمناً فشأنه الثناء على عائشة والدفاع عنها، وأن القدح فيها دلالة على خلل في الإيمان . وقال تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13] قال الزمخشري: (وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره، واحتجاجهم عليه بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة، إذا قذف امرأة من عرض نساء المسلمين فكيف بالصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله؟!) . فإذا كان كل هذا التوبيخ لمن قصر في دفعه، فكيف بمن أشاعه؟ فكيف بمن اعتقده بعد نزول هذه الآيات؟ وقال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا} [النور: 16]. وهذه الآية أيضاً من جملة آيات العتاب. قال ابن عطية والقرطبي والشوكاني: (هذا عتاب لجميع المؤمنين) . قال ابن عطية: (أي كان ينبغي أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل، وأن تنزهوا الله أن يقع هذا من زوجة نبيه، وأن تحكموا عليه بالبهتان) . فالله تعالى يعاتب عموم المؤمنين لأجلها –رضي الله عنها-. ومن لطائف التفسير أننا لا نجد لوماً للمؤمنين لأجل أحد، إلا لأبي بكر الصديق وبنته عائشة رضي الله عنهما. أما أبو بكر ففي قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ} [التوبة: 40]. فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (إن الله تعالى ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر) . وهكذا يعاتب الله المؤمنين في مواضع متعددة على التقصير في جنب عائشة وليس الأمر عتاباً فقط بل تحذير أيضاً من معاودة مثل هذا. قال تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [النور: 17]. قال الطاهر بن عاشور: (بعد أن بين الله بادئ ذي بدء أنه ليس شراً، وأن الذين جاؤوا به ما اكتسبوا إلا الإثم، ونعى على المؤمنين تهاونهم وغفلتهم وأنهم اقتحموا بذلك ما يكون سبباً للحاق العذاب بهم... أعقب ذلك كله بتحذير المؤمنين من العود إلى مثله) . وبين القرطبي أن مثل هذا العود كفر حيث قال: (لما في ذلك من أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله وذلك كفر من فاعله) . الفضيلة الرابعة: التهديد بالعقوبة لأجل عائشة رضي الله عنها: لعظم الأمر وشناعته، لم يقتصر الرب عز وجل على لوم المؤمنين وعتابهم في شأن عائشة رضي الله عنها، بل نجد أمراً وراء ذلك وهو التهديد بالعقوبة. قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [النور: 20]. قال الطبري: (لولا أن الله تفضل عليكم... لهلكتم فيما أفضتم وعاجلتكم من الله العقوبة) . وقال ابن عطية: (لفضحكم بذنوبكم ، ولعذبكم فيما أفضتم فيه من قول الباطل والبهتان) . ويلاحظ أنهما فهما من الآية تكراراً في العقوبة. وقال ابن الجوزي: (جوابه محذوف، تقديره: لعاقبكم فيما قلتم لعائشة) . وقد تتابع المفسرون على تقرير هذا المعنى ، وأجاد الرازي في تتبع الزواجر المأخوذة من الآية . وهذا التنصيص على أن المتكلم في عائشة مستحق للعقوبة، أمر لم يحصل لغيرها سواء من الصحابة أو أهل البيت، بل إن الله تعالى امتن عليهم بعدم العقوبة بل وكرر منته بذلك. قال الشوكاني: (تكرير لما تقدم وتذكيراً للمنة منه سبحانه على عباده بترك المعاجلة لهم) . وقال الألوسي: (وهذا تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجريرة) . ولم نر هذا الأسلوب من التكرار والامتنان في القرآن الكريم إلا في حق عائشة، حتى إن الوعيد بالعقوبة في مسألة أخذ الغنائم لم يكن فيه مثل هذا التكرار ولا مثل إبراز المنة بهذه الأساليب المتعددة، وهذا كله يدل على أنه عظيم عند الله الاعتداء على زوج نبيه وما ذاك إلا لمكانتها العالية رضي الله عنها وهذا مصداق قوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا} [النور: 15]. يقول ابن كثير: (فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل، الله يغار لهذا، وهو سبحانه لا يقدر على زوجة نبي من أنبيائه ذلك حاشا وكلا... فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟! ولهذا قال: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]) . الفضيلة الخامسة: أن القدح في عائشة رضي الله عنها قدح في الله تعالى. وذلك أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن ينزهوه عند سماع خبر القدح في زوجة نبيه ، فالله تعالى ينزه أن يحصل لقرابة نبيه تدنيس . وعند التأمل في هذا الأمر نجد أن القدح في عائشة قدح في الله إذ جعل تحت نبيه من ليست أهلاً له، وأيضاً فإن الله تعالى ينزه أن لا يعاقب هؤلاء المفترين لما فيه من القدح في الحكمة، وأيضاً فإن الله تعالى منزه أن يرضى بظلم هؤلاء المفترين . ومن بديع التناظرات القرآنية ما ذكره القاسمي بقوله: (ولأجل هذا قال العلماء: قذف عائشة كفر، لأن الله تعالى سبح نفسه عند ذكره كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد) . فالقدح في عائشة رضي الله عنها، تكاد تبلغ شناعته نسبة الولد أو الزوج لله تعالى بل إن ظاهر قوله تعالى: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 25]، يدل على أن القدح في عائشة مناف لكونه تعالى حقاً. وهذا ما فهمه الألوسي حيث قال: (ولعل فائدة هذا العلم يأسهم من إنقاذ أحد إياهم... أو تبين خطأهم في رميهم حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالباطل لما أن حقيته تأبى كونه عز وجل حقا أي موجداً للأشياء بحسب ما تقتضيه الحكمة، وكذا تأبى كونه عز وجل حقاً أي واجباً لذاته بناء على أن الوجوب الذاتي يستتبع الاتصاف بالحكمة بل لجميع الصفات الكاملة) . ولئن عذر من رماها قبل التنزيل لغفلة أو جهل فلا مجال لإعذار من قدح فيها رضي الله عنها بعد التنزيل؛ إذ أن الحجة القرآنية قد قامت عليه من كل وجه. الفضيلة السادسة: الشهادة لها بالإحصان والإيمان: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 23]. يرى بعض أهل التفسير أن هذه الآية خاصة في أم المؤمنين عائشة، ويرى بعضهم أنها تعمها وأمهات المؤمنات، ويرى بعضهم أنها في عموم المؤمنات. وعلى كافة هذه الأقوال فدخول عائشة رضي الله عنها فيها قطعي؛ إذ أنها سبب نزول الآية . ففي حديث قصة الإفك، بشر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وتلا عليها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ}... الآية ، وهذا نص في كون هذه الآية من آيات الإفك وسبب النزول قطعي الدخول في الآية ولا يخرج بالتخصيص بحال، كما نص على ذلك أهل العلم في كتب علوم القرآن . وعليه فيكون من فضائل عائشة رضي الله عنها أنها مؤمنة، محصنة بنص القرآن الكريم. وقد أورد الزمخشري إشكالاً وأجاب عليه، وهو أنه إذا أريد وحدها فلماذا الجمع؟ وأجاب عن ذلك: بأنه إما إرادة لها ولبنات جنسها؛ لكونها أم المؤمنين، أو دخل معهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة كبراهن وأقربهن منزلة . الفضيلة السابعة: الشهادة لها بالطيب: اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26]. فقال بعضهم: المراد بالخبيثات أي النساء الخبيثات والخبيثون الرجال الخبيثون، والطيبات أي النساء الطيبات والطيبون أي الرجال منهم . واختار هذا القول الرازي ، وابن المنير ، وابن تيمية ، وأبو حيان ، وأبو السعود . قال الألوسي: (ورواه الإمامية عن أبي عبد الله وأبي جعفر) . وتفرع على هذا القول الحكم بطيب عائشة رضي الله عنها؛ ولأجل هذا قال ابن عباس يخاطب عائشة رضي الله عنها: وطيبك فقال: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26]. وجاء عنها رضي الله عنها أنها قالت: (لقد نزل عذري من السماء، وقد خلفت طيبة عند طيب) . وقد ضبطت كلمة (خلفت) بالفاء: خلفت، أي: تركت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته طيبة . وحيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب الطيبين فتكون عائشة من أطيب الطيبات بدلالة الآية، وقد نص على ذلك من اختار القول الثاني. قال الرازي: (ولا أحد أطيب ولا أطهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأزواجه إذن لا يكن إلا طيبات) ، وجمع رحمه الله بين قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} [آل عمران: 121]، حيث غدا يوم أحد من بيت عائشة وبين هذه الآية فقال: (فدل هذا النص على أنها مطهرة مبرأة من كل قبيح) . قال ابن تيمية: (أخبر تعالى أن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين فلا تكون خبيثة لطيب؛ فإنه خلاف الحصر، وأخبر أن الطيبين للطيبات فلا يكون طيب لخبيثة؛ فإنه خلاف الحصر، إذ قد ذكر أن جميع الخبيثات للخبيثين فلا يبقى خبيثة لطيب ولا طيب لخبيثة) . وقال ابن القيم: (وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله، أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها كما قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ}) . والقول الآخر في هذه الآية: أن المراد بالطيب والخبيث الكلمات، فالكلمات الخبيثات أولى بأهل الخبث والقبح، والكلام الطيب أولى بأهل الطيب . والفضيلة ثابتة لعائشة حتى على هذا القول. قال ابن كثير: (فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة هم أولى به وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم) . ورأى رحمه الله أن القولين متلازمان قال: (وهذا –القول الأول- يرجع إلى ما قاله أولئك – القول الثاني – باللازم) . وذلك؛ لأنها طيبة فلا يصلح لها، إلا الكلام الطيب، ومن تكلم فيها كان أحق بالكلام الخبيث. وتفرع على هذه الفضيلة فضيلة أخرى وهي: أن الله تعالى مدح مادح عائشة وذم ذامها. يقول الشوكاني في هذه الآية: (هذا ذم للذين قذفوا عائشة بالخبث ومدح للذين برؤها) ، وتبعه صديق حسن وهذا شرف أي شرف، أن يفيض الثناء على المحسن حتى يصل لمن أثنى عليه وهذا فضل من الله عظيم يؤتيه من يشاء، واختيار منه سبحانه مبني على الحكمة قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} [آل عمران: 73]، وقال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]. الفضيلة الثامنة: الشهادة لها بالبراءة والنزاهة من الأدناس: قال تعالى: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26]. اتفق المفسرون على أن الضمير في قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ} عائد إلى الطيبات والطيبين بمراعاة الخلاف في معنى الطيبات والطيبين، فقيل إن الضمير عائد إلى كل طيب وطيبة. قال ابن جرير: (الطيبون من الناس مبرؤون من خبيثات القول) . وقيل عائد إلى عائشة وصفوان، فهم منزهون من أقوال أهل الافتراء ، وقيل إنها في كافة الأزواج. قال ابن عطية: (وبهذه الآية قيل لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: الطيبات المبرآت) ، وعلى كافة الأقوال فالآية شاهدة لعائشة بالبراءة والنزاهة من الأدناس، أما على القول الثاني والثالث فظاهر، وأما على القول الأول؛ فلأنها كانت سبب النزول فتكون أولى من دخل في مصداق الآية، وقد ثبت في السنة المطهرة ذلك ففي حديث الإفك عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشة أما الله فقد برأك)) . والذي يظهر أن البراءة في هذا الموضع تختلف عن البراءة في صدر الآيات، فالبراءة في صدر الآيات من التهمة الشنيعة والبراءة في آخر الآيات من عموم الأدناس والتهم وهذا أحسن من القول بالتأكيد؛ لأن التأسيس مقدم على التأكيد على ما قرره علماء التفسير . وإذا تقرر هذا، علمنا أن من فضائل عائشة رضي الله عنها أن الله ذكر أمر تطهيرها في القرآن الكريم في موضعين: الأول: حين الحديث عن آيات أمهات المؤمنين في (سورة الأحزاب). والثاني: في هذا الموضع من (سورة النور). وعليه فيكون هذا الأمر مما تميزت به عائشة من أهل البيت وبقية الصحابة. الفضيلة التاسعة: الشهادة لها بالجنة: من فضائل عائشة رضي الله عنها أنها بشرت بالجنة في قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26]. فقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الرزق الكريم في الآية الجنة . قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}: (أي عند الله في جنات النعيم وفيه وعد بأن تكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة) . وقد سلم بهذا بعض مفسري الشيعة . ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب: 31]. فإن المراد به الجنة بقرينة أعتدنا، والقرآن يفسر بعضه بعضاً . ويلاحظ أن هذه الآية الكريمة التي تبشر أم المؤمنين بالجنة، لم تقيد ذلك بقيد مما يقطع بأن عائشة رضي الله عنها في الجنة بدلالة القرآن الكريم، ومثلها في ذلك بقية أمهات المؤمنين . وهذه الدلالة نبه عليها ابن عباس في عبارته لأم المؤمنين في مرض وفاتها حيث سمعها تقول: أعوذ بالله من النار فقال ابن عباس: (ما لك وللنار يا أم المؤمنين أعاذك الله منها) . ولعله لأجل هذه الفضائل القرآنية وغيرها، كانت لها المكانة العظيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (والله ما كان على الأرض نسمة أحب إلى رسول الله منك (أي عائشة)، ثم استدركت فقالت: أستغفر الله بعد أبيها) . ورغم هذه الفضائل المتعددة كتاباً وسنة كانت تقول في مرض موتها بعد ثناء ابن عباس عليها: (دعني منك يا ابن عباس، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً) ، فرضي الله عنها وأرضاها. 2- فضل عائشة في السنة مناقبها رضي الله عنها كثيرة مشهورة فقد وردت أحاديث صحيحة بخصائص انفردت بها عن سواها من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن ومنها: 1- مجيء الملك بصورتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سرقة من حرير قبل زواجها به صلى الله عليه وسلم فقد روى الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه)) . 2- ومن مناقبها رضي الله عنها أنها كانت أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقد صرح بمحبتها لما سئل عن أحب الناس إليها. فقد روى البخاري بإسناده إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: فمن الرجال؟ قال: أبوها...)) الحديث. |
قال الحافظ الذهبي رحمه الله: (وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان عليه الصلاة والسلام ليحب إلا طيباً وقد قال: ((لو كنت متخذاً خليلاً من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام أفضل)) ، فأحب أفضل رجل من أمته، وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حري أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله. وحبه عليه السلام لعائشة كان أمراً مستفيضاً) . 3- ومن مناقبها رضي الله عنها نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في لحافها دون غيرها من نسائه عليه الصلاة والسلام، فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: ((كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث ما دار قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم قالت: فأعرض عني فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها)) . قال الذهبي: (وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها، وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها) . 4- ومن مناقبها رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام أرسل إليها سلامه مع النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى ما لا أرى تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . قال النووي: (وفيه فضيلة ظاهرة لعائشة رضي الله عنها) . 5- ومن مناقبها رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بتخييرها عند نزول آية التخيير وقرن ذلك بإرشادها إلى استشارة أبويها في ذلك الشأن لعلمه أن أبويها لا يأمرانها بفراقه فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم. فقد روى الشيخان بإسنادهما إلى عائشة رضي الله عنها قالت: ((لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمراً لا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله جل ثناؤه قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا... أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28-29] قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما فعلت)) . 6- ومن مناقبها رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يمرض في بيتها فكانت وفاته صلى الله عليه وسلم بين سحرها ونحرها في يومها وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها . فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: أين أنا غداً؟ حرصاً على بيت عائشة، قالت: فلما كان يومي سكن)) . وعند مسلم عنها أيضاً قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد يقول: ((أين أنا اليوم أين أنا غداً؟ استبطاء ليوم عائشة قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري)) . وروى البخاري أيضا بإسناده عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيها يقول: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ يريد يوم عائشة حتى مات عندها. قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن. فأعطانيه فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به وهو مستند إلى صدري)) . وفي رواية أخرى بزيادة ((فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة)) 7- ومنها إخباره صلى الله عليه وسلم بأنها من أصحاب الجنة. فقد روى الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت ((قلت: يا رسول الله من من أزواجك في الجنة؟ قال: أما إنك منهن؟ قالت: فخيل إلي آن ذاك أنه لم يتزوج بكراً غيري)) . وروى البخاري بإسناده إلى القاسم بن محمد: ((أن عائشة اشتكت، فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين، تقدمين على فرط صدق، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر)) . وفي هذا فضيلة عظيمة لعائشة رضي الله عنها حيث قطع لها بدخول الجنة إذ لا يقول ذلك إلا بتوقيف . 8- ومن مناقبها رضي الله عنها ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى عبد الله بن عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) . في هذا الحديث يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن فضل عائشة زائد على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة. قال النووي: (قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه، والمراد بالفضيلة: نفعه والتشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ به وتيسر تناوله وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة وغير ذلك فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة، وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة. وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة) . وبهذا يتبين فضلها ومنزلتها رضي الله عنها وأرضاها. وقد اختلف العلماء في التفضيل بين خديجة وفاطمة وعائشة رضي الله عنهن حتى اشتهر ذلك . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أفضل نساء هذه الأمة خديجة وعائشة وفاطمة وفي تفضيل بعضهن على بعض نزاع وتفصيل) . وعند التحقيق والنظر في النصوص الواردة في تفضيل كل واحدة منهن رضي الله عنهن نجد أنها تدل على أفضلية خديجة وفاطمة ثم عائشة رضي الله عنهن، وذلك أن الضمير الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: ((خير نسائها خديجة)) قد فسر صريحا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لقد فضلت خديجة على نساء أمتي)) . وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية)) . قال ابن حجر: (وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((حسبك من نساء العالمين: مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون)) . وهذا نص في أن خديجة رضي الله عنها أفضل نساء الأمة. ثم إن اللفظ الوارد في تفضيل فاطمة رضي الله عنها وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة)) . وفي لفظ ((سيدة نساء أهل الجنة)) (فهو صريح لا لبس فيه ولا يحتمل التأويل، وهو نص في أنها أفضل نساء الأمة وسيدة نساء أهل الجنة، وقد شاركت أمها في هذا التفضيل فهي وأمها أفضل نساء أهل الجنة، وهي وأمها أفضل نساء الأمة بهذا وردت النصوص) . أما ما ورد في تفضيل عائشة رضي الله عنها من قوله صلى الله عليه وسلم: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) فهو لفظ لا يستلزم الأفضلية المطلقة كما قال ابن حجر: (وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة رضي الله عنها على غيرها، لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤونة وسهولة الإساغة، وكان أجل أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة فقد يكون مفضولاً بالنسبة لغيره من جهات أخرى) . فالحديث إذاً دال على أفضلية عائشة رضي الله عنها على سائر نساء هذه الأمة ما عدا خديجة وفاطمة رضي الله عنهن لورود الدليل على ذلك مما قيد تلك الأفضلية لعائشة رضي الله عنها. وأما ما ورد من حديث عمرو بن العاص لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ((أي النساء أحب إليك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: عائشة)) فقد أشار ابن حبان رحمه الله على أنه مقيد في نسائه صلى الله عليه وسلم إذ عقد عنواناً في صحيحه فقال: (ذكر خبر وهم في تأويله من لم يحكم صناعة الحديث) وساق تحته حديث عمرو بلفظ: ((قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: إني لست أعني النساء إنما أعني الرجال، فقال: أبو بكر أو قال أبوها)) . ثم قال ابن حبان: (ذكر الخبر الدال على أن مخرج هذا السؤال كان عن أهله دون سائر النساء من فاطمة وغيرها) وأخرج بسنده عن أنس قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة قيل له: ليس عن أهلك نسألك قال: فأبوها)) . وبهذا يتبين أن عائشة تلي خديجة وفاطمة في الفضل رضي الله عنها إذ كل ما ورد من دليل على عموم تفضيلها رضي الله عنها مقيد بالنص الوارد في خديجة وفاطمة رضي الله عنهن. ولا ينكر أن لعائشة رضي الله عنها من الفضائل كالعلم مثلاً ما تختص به عن خديجة وفاطمة رضي الله عنهن إلا أنه (لا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق) . رابعاً: فضل حفصة رضي الله عنها وهي حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهي أخت عبدالله لأبيه وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة، أخت عثمان بن مظعون. وقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد وكان بدرياً شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم ومات بالمدينة، وكانت رضي الله عنها صوامة قوامة، ولدت قبل المبعث بخمس سنين وكانت وفاتها في شعبان سنة خمس وأربعين رضي الله عنها وأرضاها . وقد وردت في مناقبها أحاديث منها: 1- أنها كانت ممن حظي بشرف الهجرة فقد روى ابن سعد بإسناده إلى أبي الحويرث قال: (تزوج خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم حفصة بنت عمر فكانت عنده وهاجرت معه إلى المدينة) . 2- روى البخاري بإسناده إلى سالم بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يحدث ((أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي بالمدينة فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري فلبث ليالي، ثم لقيني فقال: بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئاً، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي. ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر: قلت نعم. قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفش سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتها)) . 3- روى الطبراني بإسناده إلى قيس بن يزيد ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة... فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل فتجلببت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آتاني جبريل عليه السلام فقال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وأنها زوجتك في الجنة)) . في هذا الحديث فضيلة ظاهرة ومنقبة عالية لأم المؤمنين حفصة رضي الله عنها حيث الثناء عليها بكثرة الصيام والقيام والإخبار بأنها زوجة المصطفى صلى الله عليه وسلم في الجنة. قال ابن القيم رحمه الله: (ومن خواصها: ما ذكره الحافظ المقدسي في (مختصر السيرة): ((أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها فأتاه جبريل فقال: ((إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة وأنها زوجتك في الجنة)) . خامساً: فضل أم سلمة رضي الله عنها وهي هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أم المؤمنين أم سلمة مشهورة بكنيتها معروفة باسمها وكان أبوها يلقب زاد الركب لأنه كان أحد الأجواد فكان إذا سافر لم يحمل أحد معه من رفقته زاداً بل هو كان يكفيهم. وأما عاتكة بنت عامر كنانية من بني فراس وكانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة ثم هاجرت إلى المدينة فيقال: أنها أول ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة ولما مات زوجها خطبها النبي صلى الله عليه وسلم ودخل به سنة أربع من الهجرة وكانت من أجمل النساء وأشرفهن نسباً، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة إحدى وستين . وقد وردت أحاديث في مناقبها منها: 1- ما رواه مسلم بإسناده إلى أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبد مسلم تصيبه مصيبة فيقول: ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له فقلت: إن لي بنتاً وأنا غيور فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب الغيرة)) . 2- ومن مناقبها ما شرفت به رضي الله عنها من رؤية جبريل عليه السلام في صورة دحية بن خليفة الكلبي: فقد روى الشيخان بإسنادهما عن معتمر بن سليمان التيمي قال: سمعت أبي عن أبي عثمان قال: ((أنبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة فجعل يتحدث فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: من هذا؟ أو كما قال. قالت: هذا دحية فلما قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخبر خبر جبريل. أو كما قال. قال أبي: قلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد)) . قال النووي: (قوله إن أم سلمة رأت جبريل في صورة دحية: هو – بفتح الدال وكسرها – وفيه منقبة لأم سلمة رضي الله عنها. وفيه جواز رؤية البشر الملائكة ووقوع ذلك ويرونهم على صورة الآدميين لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صورهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى جبريل على صورة دحية غالباً، ورآه مرتين على صورته الأصلية) . وقال ابن القيم: (ومن خصائصها أن جبريل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهي عنده فرأته صورة دحية الكلبي) . فرضي الله عنها وأرضاها. سادساً: فضل زينب بنت جحش رضي الله عنها وهي زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت من المهاجرات الأول، تزوجها صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث، وقيل سنة خمس، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة وفيها نزلت {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 27] وكان زيد يدعي ابن محمد فلما نزلت {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ} [الأحزاب: 5]، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأته انتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه بحيث يتوارثان إلى غير ذلك، وكانت زينب رضي الله عنها من سادات النساء ديناً وورعاً وجوداً ومعروفاً وهي أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم لحوقا به حيث كانت وفاتها سنة عشرين فرضي الله عنها وأرضاها . 1- فضل زينب بنت جحش رضي الله عنها في القرآن الكريم أوجه دلالات قوله تعالى {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة..} على فضل زينب رضي الله عنها هذه الآيات الكريمات دلت على عدد من فضائل زينب رضي الله عنها وهي كالتالي: الفضيلة الأولى: دلالة الآية على إيمانها: بحسب ما ذكره جمهور المفسرين في سبب نزول الآية الأولى فإنها تدل بكل وضوح على عمق إيمانها رضي الله عنها فرغم أنها من بيت شريف نسيب، والشأن عند العرب أنه لا ينكحها إلا مثلها إلا أنها استجابت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضيت بزيد زوجاً فكان عاقبة هذا الرضى والتسليم لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن صار زوجها بعد ذلك هو سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم. الفضيلة الثانية: أن الله تبارك وتعالى هو الذي تولى تزويجها: وهذا ثابت في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37]، فهذه الآية الكريمة تدل على أن الذي زوج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب هو الله تعالى. وترتب على هذا الفضيلة الثالثة: أنه لم يحصل في زواج زينب شيء مما هو معتبر في النكاح من ولي وصداق وشهود. قال ابن القيم: (ومن خصائص زينب أن الله سبحانه كان هو وليها الذي زوجها لرسوله صلى الله عليه وسلم من فوق سماواته) . قال الشوكاني: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم على زينب بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شيء مما هو معتبر في حق النكاح في حق أمته) . وعلى دلالة الآية على هذا ذهب غير واحد من المفسرين ، وقد تأيد هذا المعنى بروايات في السنة المطهرة، فعن أنس رضي الله عنه: (أن زيداً لما خطب زينب للنبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن وجاء رسول الله ودخل عليها بغير إذن) ... ولهذه الفضيلة كانت رضي الله عنها تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: (زوجكن أهليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات) . وفي رواية: (إن الله أنكحني في السماء) . وكانت رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: أن جدي وجدك واحد، وأني أنكحنيك الله من السماء، وأن السفير جبريل عليه السلام) ، ولعل لأجل هذه الفضيلة أولم عليها رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يولم على امرأة من نسائه . الفضيلة الرابعة: نزول الحجاب في زواجها: حيث ثبت أن آية الحجاب وهي قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الأحزاب: 53]، نزلت في قصة زواجها، وقد ثبت ذلك من حديث أنس رضي الله عنه وقد عد ذلك أهل العلم من فضائلها ، ولعل مرد ذلك ما يوحي به نزول الآية في وقت زواجها من مزيد العناية بها رضي الله عنها، ولعل هذا من توابع تزويج الله لها فكأنه سبحانه وتعالى زوجها، وجعل من تبعات ذلك ضرب الحجاب عليها وعلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم والأمة. 2- فضل زينب في السنة - ثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليها بين أزواجه بذكر إحدى مآثرها بصيغة يتحقق تأويلها مستقبلاً وهي الصدقة والإنفاق في سبيل الله. فقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً قالت فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً قالت: فكانت أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق)) . وروى الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً، قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة قالت: وكانت زينب امرأة صناعة اليد فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله عز وجل)) . قال النووي: (معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة وكانت زينب أطولهن يداً في الصدقة وفعل الخير فماتت زينب أولهن فعلمن أن المراد طول اليد في الصدقة والجود... وفيه معجزة باهرة لرسوله صلى الله عليه وسلم ومنقبة ظاهرة لزينب. ووقع الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ: متعقد يوهم أن أسرعهن لحاقاً سودة وهذا الوهم باطل بالإجماع) . 4- ومن مناقبها ثناء عائشة رضي الله عنها ووصفها بصفات مكارم الأخلاق والتي اشتملت على البر والتقوى والورع. فقد روى مسلم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها من حديث طويل وفيه ((فأرسلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى)) . وفي حديث الإفك قالت عائشة رضي الله عنها: ((وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال: يا زينب ماذا عملت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً. قالت وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع)) . ففي ما تقدم من كلام عائشة رضي الله عنها فضيلة ظاهرة ومنقبة عالية لأم المؤمنين زينب رضي الله عنها وأرضاها. وفي ذلك يقول الإمام الذهبي: ويروى عن عائشة أنها قالت: يرحم الله زينب لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها، ونطق به القرآن، وإن رسول الله قال لنا: ((أسرعكن بي لحوقاً أطولكن باعاً)) فبشرها بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة . ومناقبها التي وردت بها الأحاديث والآثار كثيرة وحسبنا هنا ما تقدم. سابعاً: فضل جويرية بنت الحارث رضي الله عنها هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جذيمة وهو المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الخزاعية المصطلقية، كانت إحدى سبايا غزوة بني المصطلق (المريسيع) سنة خمس أو ست من الهجرة فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها وكانت قبله تحت مسافع بن صفوان المصطلقي والذي قتل في تلك المعركة، وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق، وقالوا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك من بركتها على قومها . وقد وردت في مناقبها رضي الله عنها أحاديث دلت على فضلها وعظم شأنها منها: 1- ما رواه الإمام أحمد في (مسنده) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسلوا ما بأيديهم قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها)) . ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لأم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها حيث كان زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم خيراً لها ولقومها فما أن علم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بذلك حتى أطلقوا الأسارى الذين كانوا في أيديهم من قومها إجلالاً وتعظيماً لسيد الخلق المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنهم صاروا أصهاره فكان خيرها شاملاً لقومها. 2- ومن مناقبها أنها كانت من المكثرات للعبادة الذاكرات الله ذكراً كثيراً رضي الله عنها فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن جويرية ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: مازلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)) . 3- تسمية النبي صلى الله عليه وسلم لها بهذا الاسم فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس قال: ((كانت جويرية اسمها برة، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة)) . وقد كانت وفاتها رضي الله عنها سنة خمسين للهجرة وقيل سنة ست وخمسين . ثامناً: فضل أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها وهي رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموية زوج النبي صلى الله عليه وسلم تكنى أم حبيبة وهي بها أشهر من اسمها وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية ولدت رضي الله عنها قبل البعثة بسبعة عشر عاماً وكانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند عبيد الله بن جحش بن رباب بن يعمر الأسدي من بني أسد بن خزيمة، فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة فولدت حبيبة وبها كانت تكنى، وقد ارتد زوجها عبيد الله بن جحش عن الإسلام ودخل في النصرانية فهلك وهو على تلك الحالة وتمسكت هي بدينها وذلك من فضل الله عليها ليتم لها الإسلام والهجرة فأبدلها الله عز وجل به خير البشر وأفضلهم سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهي أقرب أزواجه نسباً إليه وأكثرهن صداقاً رضي الله عنها وأرضاها . |
قال الذهبي عنها: (وهي من بنات عم الرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في أزواجه من هي أكرم نسباً إليه منها ولا في نسائه من هي أكثر صداقاً منها ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، عقد له صلى الله عليه وسلم عليها بالحبشة وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربعمائة دينار، وجهزها بأشياء) . وقد ورد لها بعض المناقب التي تدل على علو مكانتها وعظيم شأنها رضي الله عنها وأرضاها ومن تلك المناقب: 1- أنها كانت ممن هاجر في الله الهجرة الثانية إلى الحبشة فارة بدينها رضي الله عنها: فقد روى الحاكم بإسناده إلى إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: ((قالت أم حبيبة رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوء صورة وأشوهها ففزعت فقلت تغيرت والله حاله فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر ديناً خيراً من النصرانية وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات فأري في النوم كأن آتيا يقول لي: يا أم المؤمنين ففزعت وأولتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني قالت: فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول الله النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجكه فقالت: بشرك الله بخير قالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته...)) الحديث. ففي هذا الحديث فضيلة ظاهرة ومنقبة عالية لأم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها وهي أنها كانت ممن شرف بالهجرة إلى أرض الحبشة وثبتت على إسلامها وهجرتها رضي الله عنها وأرضاها. وفي ذلك يقول ابن سعد: (وكان عبيد الله بن جحش هاجر بأم حبيبة معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فتنصر وارتد عن الإسلام وتوفي بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على دينها الإسلام وهجرتها) . وقال ابن كثير: (أسلمت قديماً وهاجرت هي وزوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة فتنصر هناك زوجها وثبتت على دينها رضي الله عنها) . 3- ومن مناقبها أنها أكرمت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة لعقد الهدنة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين قريش ومنعته من الجلوس عليه لأنه كان يومئذ على الشرك ولم يكن قد أسلم. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن مسلم الزهري قال: (لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم طوته دونه فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه، فقالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت امرؤ نجس مشرك فقال: يا بنية أصابك بعدي شر) . قال ابن القيم رحمه الله: (وهي التي أكرمت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة وقالت: (إنك مشرك) ومنعته من الجلوس عليه) . 3- ومن مناقبها ما رواه ابن سعد والحاكم عن عوف بن الحارث قال: (سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحللك من ذلك فقالت: سررتيني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك، وتوفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما) ورضي الله عنها وأرضاها. تاسعاً: فضل صفية بنت حيي رضي الله عنها وهي صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي خبيب من بني النضير وهو من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى عليهما السلام، كانت قبل إسلامها تحت سلام بن مشكم، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، فقتل يوم خيبر فصارت صفية مع السبي فأخذها دحية الكلبي، ثم استعادها النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها. كانت من سيدات النساء عبادة وورعاً وزهادة وبراً وصدقة كما كانت شريفة عاقلة، ذات حسب، وجمال، ودين رضي الله عنها وأرضاها . وقد ورد في مناقبها رضي الله عنها أحاديث منها: 1- ما روى الشيخان من حديث طويل عن أنس رضي الله عنه في غزوة خيبر وفيه ((فقتل النبي صلى الله عليه وسلم المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل عتقها صداقها)) . وفي رواية: فقال ثابت لأنس: ((ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها)) . قال ابن القيم: (ومن خصائصها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها... وصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة يجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها وتصير زوجته) . 2- ومنها ما رواه البخاري في صحيحه بإسناده إلى أنس رضي الله عنه قال: ((قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروساً فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه فخرج حتى بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال لي آذن من حولك، فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب)) . وقال الحافظ ابن حجر: (ووقع في مغازي أبي الأسود عن عروة فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم لها فخذه لتركب فأجلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضع رجلها على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه وركبت) . ففي ذلك دليل على عظم شأنها وجلالة قدرها حيث كانت تجل المصطفى صلى الله عليه وسلم وتكرمه من أن تضع رجلها على فخذه وإنما كانت تضع ركبتها على فخذه حتى تركب فرضي الله عنها. 3- ومن مناقبها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من التنويه بشرف نسبها فقد روى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال: فما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة أني ابنة يهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإنك لابنة نبي، وأن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟ ثم قال: اتقي الله يا حفصة)) . وقد تضمن بياناً لمكانتها وجبراً لخاطرها. قال ابن القيم: (وهذا من خصائصها رضي الله عنها) . 4- مدح النبي صلى الله عليه وسلم لها ووصفه لها بالصدق، قد أخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم ((أن نبي الله صلى الله عليه وسلم في الوجع الذي توفي فيه اجتمعت إليه نساؤه فقالت صفية بنت حيي: أما والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي فغمزنها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأبصرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مضمضن. فقلن: من أي شيء يا نبي الله؟ قال: من تغامزكن بصاحبتكن والله إنها لصادقة)) . فكانت رضي الله عنها عاقلة حليمة فاضلة وكانت وفاتها سنة اثنين وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنهم أجمعين. عاشراً: فضل ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن قماطة من حمير. كانت تزوجت مسعود بن عمرو الثقفي ثم فارقها فخلف عليها أبو رهم بن عبد العزى فمات عنها فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وكان يلي أمرها. وهي خالة بني العباس بن عبد المطلب بن عبد الله وإخوته، وبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف على عشرة أميال من مكة وكانت آخر امرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وذلك سنة سبع من عمرة القضية . وقد وردت لها مناقب رضي الله عنها في أحاديث منها: 1- ما رواه الحاكم بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأخوات مؤمنات ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأختها أم الفضل بنت الحارث، وأختها سلمة بنت الحارث امرأة حمزة، وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن)) . ففي هذا الحديث منقبة عظيمة وفضيلة ظاهرة لأم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها حيث شهد لها المصطفى صلى الله عليه وسلم بحقيقة الإيمان واستقراره في قلبها هي وأخواتها اللاتي ذكرن معها رضي الله عنهن وأرضاهن. 2- إن تسميتها باسم (ميمونة) إنما سماها بهذا الاسم النبي صلى الله عليه وسلم روى الحاكم بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان اسم خالتي ميمونة برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة)) . 3- ومن مناقبها رضي الله عنها ما رواه الحاكم عن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة قال: ((تلقيت عائشة وهي مقبلة من مكة أنا وابن لطلحة بن عبيد الله وهو ابن أختها وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة فأصبنا منه فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله، ثم أقبلت علي فوعظتني موعظة بليغة ثم قالت: أما علمت أن الله تبارك وتعالى ساقك حتى جعلك في أهل بيت نبيه؟ ذهبت والله ميمونة ورمى برسنك على غاربك، أما أنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم)) . ففي هذا الحديث شهادة لأم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها بأنها صاحبة تقوى وممن يصل الرحم الذي حث الله على صلتها وتوعد بالعقوبة من قطعها. حادي عشر: فضل زينب بنت خزيمة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت تحت عبد الله بن جحش تزوجها سنة ثلاث من الهجرة وكانت تسمى أم المساكين لكثرة إطعامها المساكين ولم تلبث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة وتوفيت رضي الله عنها المطلب الرابع: فضائل بنات النبي صلى الله عليه وسلم 1- فضل زينب رضي الله عنها وهي زينب بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم القرشية الهاشمية، وأمها خديجة بنت خويلد، وكانت أكبر بناته صلى الله عليه وسلم وأول من تزوج منهن رضي الله عنهن، وقد ولدت قبل البعثة بمدة قيل إنها عشر سنين وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمه هاله بنت خويلد خالة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولدت زينب لأبي العاص علياً وأمامة فتوفي علي وهو صغير، وبقيت أمامة فتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت زينب رضي الله عنها من المهاجرات السيدات . وقد وردت جملة من الأحاديث في مناقبها رضي الله عنها: 1- فقد روى ابن سعد والحاكم بإسناديهما إلى عائشة رضي الله عنها: ((أن أبا العاص بن الربيع كان فيمن شهد بدراً مع المشركين فأسره عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري. فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم قدم في فداء أبي العاص أخوه عمر بن الربيع وبعثت معه زينب بنت رسول الله، وهي يومئذ بمكة، بقلادة لها كانت لخديجة بنت خويلد من جزع ظفار، وظفار جبل باليمن وكانت خديجة بنت خويلد أدخلتها بتلك القلادة على أبي العاص بن الربيع حين بنى بها، فبعثت بها في فداء زوجها أبي العاص، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، القلادة عرفها ورق لها وذكر خديجة وترحم عليها وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا إليها متاعها فعلتم. قالوا: نعم يا رسول الله فأطلقوا أبا العاص بن الربيع وردوا على زينب قلادتها وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي العاص أن يخلي سبيلها إليه فوعده ذلك ففعل)) . 2- وروى الحاكم بإسناده عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رسول الله لما قدم المدينة خرجت ابنته زينب من مكة مع كنانة أو ابن كنانة فخرجوا في إثرها فأدركها هبار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها وأهرقت دماً فحملت فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أميه فقال: بنو أمية نحن أحق بها وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص، فصارت عند هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول لها هند: هذا بسبب أبيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتجيئني بزينب قال: بلى يا رسول الله قال: فخذ خاتمي فأعطها إياه فانطلق زيد وترك بعيره فلم يزل يتلطف حتى لقي راعياً فقال: لمن ترعى قال: لأبي العاص قال: فلمن هذه الغنم قال: لزينب بنت محمد فسار معه شيئاً ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئاً تعطيها إياه ولا تذكره لأحد قال: نعم فأعطاه الخاتم فانطلق الراعي فأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال رجل قالت: وأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا قال: فسكتت حتى إذا جاء الليل خرجت إليه فلما جاءته قال لها: اركبي قالت: لا ولكن اركب أنت بين يدي فركب وركبت وراءه حتى أتت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي أفضل بناتي أصيبت في) 3- وروى البزار بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية وكنت فيهم، فقال: إن لقيتم هبار بن الأسود، ونافع بن عبد عمرو فأحرقوهما، وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت، فلم تزل ضبنة حتى ماتت، ثم قال: إن لقيتموهما، فاقتلوهما، فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله)) . وجاء عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وأن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما)) . والمعني بفلان وفلان هبار بن الأسود ورفيقه كما تقدم في الحديث السابق، قال ابن حجر رحمه الله: (والقصة مشهورة عند ابن إسحاق وغيره..) (وقد أسلم هبار هذا، ففي رواية أبي نجيح فلم تصبه السرية وأصابه الإسلام فهاجر) . 4- وروى الحاكم بإسناده إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ((أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خذي لي أماناً من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي صلى الله عليه وسلم في الصبح يصلي بالناس فقالت: أيها الناس: إني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير المسلمين أدناهم)) . (ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لزينب رضي الله عنها حيث قبل جوارها لزوجها وصار ذلك سنة للمسلمين إلى يوم القيامة، وهو أنه يجير على المسلمين أدناهم ولو كان امرأة) . 5- وروى مسلم بإسناده إلى أم عطية قالت: ((لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً واجعلن في الخامسة كافوراً أو شيئاً من كافور فإذا غَسَلْتُنَّهَا فأعلمنني قالت: فأعلمناها فأعطانا حقوه وقال.... أشعرنها إياه)) . ففي هذه الأحاديث بيان لمناقب وفضائل زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لها من منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كانت ممن تقدم إسلامهم، وممن حظيت بالهجرة حتى أوذيت في الله وصبرت وتحملت من الأذى ما كان سبباً في وفاتها، وقد انتقلت إلى الرفيق الأعلى في أول السنة الثامنة من الهجرة رضي الله عنها. 2- فضل رقية رضي الله عنها هي رقية بنت خير الخلق وسيد البشر صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمية وأمها خديجة بنت خويلد كانت ولادتها سنة ثلاث وثلاثين من مولد أبيها صلى الله عليه وسلم . قال ابن عبد البر: (لا أعلم خلافاً أن زينب أكبر بناته صلى الله عليه وسلم واختلف فيمن بعدها منهن ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت عبد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال: ولدت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاثين سنة، وولدت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث وثلاثين سنة) . وكانت رضي الله عنها قبل الهجرة تحت عتبة بن أبي لهب، وكانت أختها أم كلثوم تحت عتيبة بن أبي لهب فلما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما حمالة الحطب: (فارقا ابنتي محمد) وقال أبو لهب: (رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد ففارقاهما) . وقد أبدلها الله عز وجل بزوج من السابقين الأولين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد جاء عن قتادة رضي الله عنه أنه قال: (كانت رقية عند عتبة بن أبي لهب فلما أنزل الله تبارك وتعالى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] سأل النبي صلى الله عليه وسلم عتبة طلاق رقية وسألته رقية ذلك فطلقها، فتزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه رقية وتوفيت عنده) . وقد تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه بمكة وهاجرا إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ابنا سماه عبد الله فكان يكنى به ومات وهو صغير، وقيل مات في جمادى الأولى سنة أربع وهو ابن ست سنين نقره ديك في عينه فتورم وجهه ومرض ومات . وقد وردت في فضائلها طائفة من الأحاديث والآثار منها: 1- ما رواه الحاكم بإسناده إلى عروة في تسمية الذين خرجوا في المرة الأولى إلى الحبشة قبل خروج جعفر وأصحابه عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . ففي هذا منقبة ظاهرة لرقية وزوجها عثمان رضي الله عنهما إذ شرفوا بفضل الهجرة الأولى. 2- ومن فضائلها أنها لما مرضت رضي الله عنها أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجها عثمان بن عفان أن يتخلف عن غزوة بدر لتمريضها. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر قال: وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه)) . وفي ذلك منقبة عظيمة ومنزلة رفيعة لرقية رضي الله عنها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أنه أذن لعثمان في أن يتأخر عن غزوة بدر التي هي أول معركة فاصلة بين جيش الإيمان وجيش الكفر، لتمريضها رضي الله عنها وضرب له بسهمه في الغنيمة وأجره عند الله كمن حضر الغزوة، إكراماً لها وتعظيماً لشأنها رضي الله عنها. وقد كانت وفاتها يوم بدر في السنة الثانية من الهجرة قال ابن عبد البر: (وأما وفاة رقية فالصحيح في ذلك أن عثمان تخلف عليها بأمر رسول الله، وهي مريضة في حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وتوفيت يوم وقعة بدر ودفنت يوم جاء بن حارثة بشيراً بما فتح الله عليهم ببدر) . وقال ابن كثير عند ذكره لبنات النبي صلى الله عليه وسلم: (وماتت رقية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، ولما قدم زيد بن حارثة بالبشارة وجدهم قد ساووا التراب عليها، وكان عثمان قد أقام عندها يمرضها فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره) . فرضي الله عنها وأرضاها وبما تقدم يتبين فضلها ومنزلتها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. 3- فضل أم كلثوم رضي الله عنها هي أم كلثوم بنت المصطفى سيد ولد آدم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة بنت خويلد، تزوجها عتيبة بن أبي لهب قبل البعثة، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] قال له أبوه أبو لهب: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته، ففارقها ولم يكن دخل بها، فلم تزل بمكة مع أبيها صلى الله عليه وسلم وأسلمت حين أسلمت أمها وبايعت رسول الله مع أخواتها حين بايعه النساء وهاجرت إلى المدينة، فلم تزل بها، ولما توفيت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، زوجها الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، وكان ذلك شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وأدخلت عليه في هذه السنة في جمادى الآخرة، فلم تزل عنده إلى أن ماتت ولم تلد له شيئاً. فرضي الله عنها وأرضاها . وقد وردت لها مناقب تدل على فضلها ومنزلتها رضي الله عنها: 1- ما ذكره ابن عبد البر من قوله: (وكان عثمان رضي الله عنه إذ توفيت رقية قد عرض عليه عمر بن الخطاب حفصة ابنته ليتزوجها فسكت عثمان عنه لأنه قد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أدل عثمان على من هو خير له منها وأدلها على من هو خير لها من عثمان)) فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة وزوج عثمان أم كلثوم) . 2- وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه قال: شهدنا بنتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان، قال فقال: ((هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل، قال: فنزل في قبرها)) . قال الحافظ ابن حجر عند شرحه الحديث: (قوله: شهدنا بنتاً للنبي صلى الله عليه وسلم هي أم كلثوم زوج عثمان رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد، وأخرجه ابن سعد في (الطبقات) في ترجمة أم كلثوم ، وكذا الدولابي في (الذرية الطاهرة) .. ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية، أخرجه البخاري في (التاريخ الأوسط) والحاكم في (المستدرك) ، قال البخاري: (ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم ببدر لم يشهدها، قلت: وهم حماد في تسميتها فقط) . 3- ومن مناقبها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازتها رضي الله عنها فقد روى ابن سعد في ترجمتها بإسناده: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليها وجلس على حفرتها، ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب والفضل بن عباس وأسامة بن زيد) . وبهذا يتبين فضلها ومنزلتها إذ أبدلها الله عز وجل بعد مفارقة ابن أبي لهب برجل حيي كريم تستحي منه الملائكة من أفضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان نعم الزوج لها ونعمة الزوجة له، كما أنها حظيت رضي الله عنها بأن يكون المصطفى صلى الله عليه وسلم إمام المصلين على جنازتها وكفى بذلك منقبة وفضيلة لما في دعائه لها من البركة والرحمة والمغفرة. وقد كانت وفاتها سنة تسع من الهجرة فرضي الله عنها وأرضاها. |
1- فضل فاطمة رضي الله عنها 2- هي فاطمة بنت إمام المتقين سيد ولد آدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمها خديجة بنت خويلد كانت تكنى بأم أبيها ولدت رضي الله عنها قبل البعثة سنة خمس وثلاثين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، زوجها النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر وولدت له الحسن والحسين ومحسنا وأم كلثوم وكانت وفاتها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر فرضي الله عنها وأرضاها ولقد وردت في مناقبها وفضائلها أحاديث كثيرة منها 3- عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مرحباً يا ابنتي ثم أجلسها عن يمينه – أو عن شماله – ثم أسر إليها حديثاً فبكت فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فسألتها فقالت: أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي. فبكيت. فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة – أو نساء المؤمنين – فضحكت لذلك)) . 4- عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نزل ملك من السماء فاستأذن الله أن يسلم علي لم ينزل قبلها فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة)) . 5- عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عليها السلام في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشيء فبكت ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت فسألنا عن ذلك فقالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت)) . 6- عن المسور بن مخرمة قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها)) . 7- عن عبد الله بن الزبير: ((أن علياً ذكر ابنة أبي جهل فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنها فاطمة بضعة منى يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها)) . 8- عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً، وقال الحسن: حديثاً وكلاماً – ولم يذكر الحسن السمت والهدى والدل – برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة كرم الله وجهها: كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها)) . 9- عن سالم عن أبيه أنه كان يسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر أسامة بن زيد فبلغه أن الناس عابوا أسامة وطعنوا في إمارته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال كما حدثني سالم: ((ألا إنكم تعيبون أسامة وتطعنون في إمارته وقد فعلتم ذلك بأبيه من قبل، وإن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لأحب الناس كلهم إلي، وإن ابنه هذا من بعده لأحب الناس إلي فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم. قال سالم ما سمعت عبد الله يحدث هذا الحديث قط إلا قال ما حاشا فاطمة)) . المطلب الخامس فضائل بعض رجال آل البيت الفرع الأول: فضائل حمزة أولا: حمزة سيد الشهداء عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)) ثانيا: شهادة عبد الرحمن بن عوف – أحد العشرة – لحمزة بأنه خير منه عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام – وكان صائماً – فقال: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة – وهو خير مني – ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط – أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا – وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) . ثالثا: حمزة أسد الله عن سعد بن أبي وقاص قال: (كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: أنا أسد الله) رابعا: حمزة المبارز يوم بدر عن قيس بن عباد عن أبي ذر رضي الله عنه (أنه كان يقسم فيها قسماً إن هذه الآية: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في يوم بدر) خامسا: قصة قتل حمزة ووجد الرسول صلى الله عليه وسلم عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: ((خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشي يسكن حمص فسألنا عنه فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير فسلمنا فرد السلام قال: وعبيد الله معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه فقال عبيد الله: يا وحشي أتعرفني؟ قال: فنظر إليه ثم قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاما بمكة فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه، فلكأني نظرت إلى قدميك. قال: فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر قال: فلما أن خرج الناس عام عينين – وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه واد – خرجت مع الناس إلى القتال فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور أتحاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب. قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا منى رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه قال: فكان ذاك العهد به فلما رجع الناس رجعت معهم فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل، قال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآني قال: أنت وحشي قلت: نعم. قال: أنت قتلت حمزة؟ قلت: قد كان من الأمر ما بلغك. قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟ قال: فخرجت فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج مسيلمة الكذاب قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان، قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال: فرميته حربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته)) . عن ابن عباس قال: (لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية تطلبه لا تدري ما صنع قال: فلقيت علياً والزبير فقال علي للزبير: اذكر لأمك، قال الزبير: لا بل اذكر أنت لعمتك قالت: ما فعل حمزة؟ قال فأرياها أنهما لا يدريان قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أخاف على عقلها قال: فوضع يده على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت، ثم جاء وقام عليه وقد مثل به فقال: لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع. قال: ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم فيضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبعاً ثم يرفعون ويترك حمزة ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم حتى فرغ منهم) . سادسا: بعد حمزة من النار عن ابن مسعود قال: ((قال أبو سفيان يوم أحد: قد كانت في القوم مثلة، وإن كانت لعن غير ملاء مني، ما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت، ساءني ولا سرني قال: ونظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع هند أن تأكلها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكلت منها شيئاً؟ قالوا: لا. قال: ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة النار)) الفرع الثاني: فضل جعفر بن أبي طالب أولا: جعفر الطيار ذو الجناحين عن الشعبي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا سلم على ابن جعفر قال: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) . ثانيا: شهادة أبي هريرة لجعفر عن أبي هريرة قال: (ما احتذى النعال ولا انتعل ولا ركب المطايا ولا ركب الكور بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب) . ثالثا: حزن الرسول صلى الله عليه وسلم على جعفر وبشارته له عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((قال النبي صلى الله عليه وسلم: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب – وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان – ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له)) . رابعا: شجاعة جعفر رضي الله عنه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية)) . عن ابن أبي هلال قال وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره: (أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره، يعني في ظهره) . خامسا: جعفر أبو المساكين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن الناس كانوا يقولون: (أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني وكان أخير الناس للمساكن جعفر بن أبي طالب: كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فيشقها فنلعق ما فيها) . سادسا: خلق جعفر وخلقه من حديث البراء رضي الله عنه قال: (... لما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة.. الحديث وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي) . سابعا: هجرة جعفر للحبشة وموقفه القوي مع النجاشي وشجاعته في الحق رضي الله عنه عن أبي موسى رضي الله عنه: ((بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم – إما قال: في بضع وإما قال: في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي – فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا – يعني لأهل السفينة – سبقناكم بالهجرة. ودخلت أسماء بنت عميس – وهي ممن قدم معنا – على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة – وأسماء عندها – فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار – أو في أرض – البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله وفي رسوله صلى الله عليه وسلم، وأيم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه)) . عن أبي موسى قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن وبالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ومنهم حكيم إذا ألقى الخيل – أو قال العدو – قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم)) . عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ((لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا له أدماً كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروها أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وخير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم إنه قد صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم؛ فإن قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا: نعم. ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليردانهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي ثم قال: لا هيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوماً جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن. فلما جاؤوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله ليسألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسبي الجوار يأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمر بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدم، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمر بالصلاة والزكاة والصيام قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا ففتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، ولما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء. قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه علي. فقرأ عليه صدراً من كهيعص. قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً ولا أكاد. قالت أم سلمة رضي الله عنها: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غداً أعيبهم عنده ثم أستأصل به خضراءهم. قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة – وكان أتقى الرجلين فينا – لا تفعل فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عليهما السلام عبد. قالت: ثم غدا عليه الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. قالت أم سلمة: فأرسل إليهم يسألهم عنه قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه قالوا: نقول والله فيه ما قال الله سبحانه وتعالى وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائناً في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: نقول فيه الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول قالت: فضرب النجاشي يده على الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فنخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال: وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي – والسيوم الآمنون – من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ثم من سبكم غرم، فما أحب أن لي دير ذهب وأني آذيت رجلاً منكم، والدير بلسان الحبشة الجبل، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد على ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع في الناس فأطيعهم فيه قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به يعني من ينازعه في ملكه قالت: فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفاً أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه قالت: وسار النجاشي وبينهما عرض النيل قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر قالت: فقال الزبير بن العوام رضي الله عنه: أنا قالت: وكان من أحدث القوم سنا قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم قالت: ودعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوثق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة)) . الفرع الثالث: فضل إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عدي بن ثابت قال سمعت البراء قال: لما مات إبراهيم عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن له مرضعا في الجنة)) . عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين – وكان ظئراً لإبراهيم عليه السلام – فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه. ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى فقال صلى الله عليه وسلم: إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)) . الفرع الرابع: فضل الحسن والحسين رضي الله عنهما عن أبي سعيد الخدري قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) . عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: ((سألتني أمي منذ متى عهدك بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا قال: فنالت مني وسبتني. قال فقلت لها: دعيني فإني آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم انفتل فتبعته فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فاتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت حذيفة قال: مالك؟ فحدثته بالأمر فقال: غفر الله لك ولأمك، ثم قال: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ قال: قلت بلى قال: فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة فاستأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها)) . عن ابن أبي نعم قال كنت شاهداً لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض فقال: ((ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا)) . عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذه والحسن ويقول: ((اللهم إني أحبهما فأحبهما أو كما قال)) . قال سمعت البراء رضي الله عنه قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهم إني أحبه فأحبه)) . عن أبي هريرة الدوسي رضي الله عنه قال: ((خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى أتى سوق بني قينقاع فجلس بفناء بيت فاطمة فقال أثم لكع، أثم لكع؟ فحبسته شيئاً فظننت أنها تلبسه سخاباً أو تغسله فجاء يشتد حتى عانقه وقبله وقال: اللهم أحبه وأحب من يحبه)) . |
| الساعة الآن 05:51 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas