الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد

الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد (http://www.quran-university.com/vb/index.php)
-   ركن الفقة وأصوله (http://www.quran-university.com/vb/forumdisplay.php?f=148)
-   -   الموسوعة الفقهية (http://www.quran-university.com/vb/showthread.php?t=13996)

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:45 PM

ولاية التّأديب :
4 - تثبت ولاية التّأديب :
أ - للإمام ونوّابه كالقاضي بالولاية العامّة ، فلهم الحقّ في تأديب من ارتكب محظوراً ليس فيه حدّ ، مع الاختلاف بين الفقهاء في الوجوب عليهم وعدمه كما مرّت الإشارة إليه . ( ر : تعزير ) .
ب - للوليّ بالولاية الخاصّة ، أباً كان أو جدّاً أو وصيّاً ، أو قيّماً من قبل القاضي لحديث :
« مروا أولادكم بالصّلاة ... » إلخ
ج - للمعلّم على التّلميذ بإذن الوليّ .
د - للزّوج على زوجته فيما يتّصل بالحقوق الزّوجيّة ، لقوله تعالى : { واللّاتي تخافون نُشُوزَهنَّ فَعِظُوهنّ واهْجروهنّ في المضاجِعِ واضربوهنّ } ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء . ولكنّهم اختلفوا في جواز تأديب الزّوج لزوجته في حقّ اللّه تعالى ، كترك الصّلاة ونحوها من الفرائض . فذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز تأديبها على ذلك .
وقيّده المالكيّة بما قبل الرّفع للإمام . وعند الحنفيّة والشّافعيّة ليس له التّأديب لحقّ اللّه ، لأنّه لا يتعلّق به ولا ترجع المنفعة إليه . هذا ولم نقف على قول للفقهاء بوجوب التّأديب على الزّوج ، بل يفهم من عباراتهم أنّ التّرك أولى .
جاء في الأمّ للإمام الشّافعيّ : في نهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ضرب النّساء ، ثمّ إذنه في ضربهنّ ، وقوله : « لن يضربَ خيارُكم » يشبه أن يكون عليه الصلاة والسلام نهى عنه على اختيار النّهي ، وأذن فيه بأن أباح لهم الضّرب في الحقّ ، واختار لهم ألاّ يضربوا ، لقوله : « لن يضرب خياركم » . وليس لغير هؤلاء ولاية التّأديب عند جمهور الفقهاء . غير أنّ الحنفيّة قالوا : يقيم التّأديب - إذا كان حقّاً للّه - كلّ مسلم في حال مباشرة المعصية ، لأنّه من باب إزالة المنكر ، والشّارع ولّى كلّ مسلم ذلك ، لقوله صلى الله عليه وسلم « من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ... » أمّا بعد الفراغ من المعصية فليس بنهي ، لأنّ النّهي عمّا مضى لا يتصوّر ، فيتمحّض تعزيراً وذلك إلى الإمام .
ما يجوز فيه التّأديب لغير الحاكم .
5- أ - نشوز الزّوجة وما يتّصل به من الحقوق ، كتركها الزّينة له مع القدرة عليها ، وترك الغسل عند الجنابة ، والخروج من المنزل بغير إذنه ، وترك الإجابة إلى الفراش ، إلى غير ذلك ممّا له صلة بالعلاقة الزّوجيّة ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء .
واختلفوا في جواز تأديبه إيّاها لحقّ اللّه تعالى كترك الصّلاة ونحوها ، فجوّزه البعض ، ومنعه آخرون . : مصطلح ( نشوز ) .
ب - وتثبت على الصّبيّ لوليّه ، أباً كان ، أو جدّاً ، أو وصيّاً ، أو قيّماً من قبل القاضي لخبر : « مروا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ... » ويؤدّب على ترك الطّهارة والصّلاة وكذا الصّوم ، وينهى عن شرب الخمر ليألف الخير ويترك الشّرّ ، ويؤمر بالغسل إذا جامع ، ويؤمر بجميع المأمورات ، وينهى عن جميع المنهيّات . ويكون التّأديب بالضّرب والوعيد ، والتّعنيف بالقول . وهذا التّأديب واجب على الوليّ باتّفاق الفقهاء للحديث المتقدّم . وهو في حقّ الصّبيّ لتمرينه على الصّلاة ونحوها ليألفها ويعتادها ولا يتركها عند البلوغ . ولا تجب عليه الصّلاة عند جمهور الفقهاء لخبر « رُفع القلمُ عن ثلاثة ... » ذكر منهم الصّبيّ حتّى يبلغ .
ج - على التّلميذ : ويؤدّب المعلّم من يتعلّم منه بإذن الوليّ ، وليس له التّأديب بغير إذن الوليّ عند جمهور الفقهاء .
ونقل عن بعض الشّافعيّة قولهم : الإجماع الفعليّ مطّرد بجواز ذلك بدون إذن الوليّ .
نفقة التّأديب :
6 - تجب أجرة التّعليم في مال الطّفل إن كان له مال . فإن لم يكن له مال فعلى من تجب عليه نفقته ، والإنفاق من مال الصّبيّ لتعليمه الفرائض واجب بالاتّفاق ، كما يجوز أن يصرف من ماله أجرة تعليم ما سوى الفرائض من : القرآن ، والصّلاة ، والطّهارة ، كالأدب ، والخطّ ، إن تأهّل لديه لأنّه مستمرّ معه وينتفع به . ونقل الخطيب الشّربينيّ عن النّوويّ قوله في الرّوضة : يجب على الآباء والأمّهات تعليم أولادهم الطّهارة والصّلاة والشّرائع . وأجرة تعليم الفرائض في مال الطّفل ، فإن لم يكن فعلى من تلزمه نفقته .
طرق التّأديب :
7 - تختلف طرق التّأديب باختلاف من له التّأديب ومن عليه التّأديب :
فطرق تأديب الإمام لمن يستحقّ من الرّعيّة غير محصورة ولا مقدّرة شرعاً ، فيترك لاجتهاده في سلوك الأصلح لتحصيل الغرض من التّأديب ، لاختلاف ذلك باختلاف الجاني والجناية ، وعليه أن يراعي التّدرّج اللّائق بالحال والقدر كما يراعي دفع الصّائل ، فلا يرقى إلى مرتبة وهو يرى ما دونها كافياً وموثّراً . والتّفصيل في مصطلح ( تعزير ) .
طرق تأديب الزّوجة :
8 - أ - الوعظ .
ب - الهجر في المضجع .
ج - الضّرب غير المبرّح .
وهذا التّرتيب واجب عند جمهور الفقهاء ، فلا ينتقل إلى الهجر إلاّ إذا لم يجد الوعظ ، هذا لقوله تعالى : { واللّاتي تخافون نشوزَهنّ فعِظُوهنّ واهجروهنّ في المضاجِع واضربوهنّ } . جاء في المغني لابن قدامة : في الآية إضمار تقديره : واللّاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ ، فإن نشزن فاهجروهنّ في المضاجع ، فإن أصررن فاضربوهنّ .
وذهب الشّافعيّة - في الأظهر من قولين عندهم - إلى أنّه يجوز للزّوج أن يؤدّبها بالضّرب بعد ظهور النّشوز منها بقول أو فعل ، ولا ترتيب على هذا القول بين الهجر والضّرب بعد ظهور النّشوز ، والقول الآخر يوافق رأي الجمهور .
ويجب أن يكون الضّرب غير مبرّح ، وغير مدم ، وأن يتوقّى فيه الوجه والأماكن المخوفة ، لأنّ المقصود منه التّأديب لا الإتلاف . لخبر : « إنّ لكم عليهنّ ألاّ يوطئن فُرُشَكم أحداً تكرهونه ، فإنْ فعلنَ فاضربوهنّ ضرباً غير مبرّح » .
ويشترط الحنابلة ألاّ يجاوز به عشرة أسواط لحديث : « لا يجلد أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلاّ في حدّ من حدود اللّه » ر : مصطلح ( نشوز ) .
طرق تأديب الصّبيّ :
9 - يؤدّب الصّبيّ بالأمر بأداء الفرائض والنّهي عن المنكرات بالقول ، ثمّ الوعيد ، ثمّ التّعنيف ، ثمّ الضّرب ، إن لم تجد الطّرق المذكورة قبله ، ولا يضرب الصّبيّ لترك الصّلاة إلاّ إذا بلغ عشر سنين . لحديث : « مروا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ، وفرّقوا بينهم في المضاجع » .
ولا يجاوز ثلاثاً عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة .
وهي أيضاً على التّرتيب ، فلا يرقى إلى مرتبة إذا كان ما قبلها يفي بالغرض وهو الإصلاح .
تجاوز القدر المعتاد في التّأديب :
10 - اتّفق الفقهاء على منع التّأديب بقصد الإتلاف ، وعلى ترتّب المسئوليّة على ذلك ، واختلفوا في البلوغ بالتّأديب أو التّعزير مبلغ الحدّ . وتفصيله في مصطلح ( تعزير ) .
الهلاك من التّأديب المعتاد :
11 - اختلف الفقهاء أيضاً في حكم الهلاك من التّأديب المعتاد :
فاتّفق الأئمّة الثّلاثة : أبو حنيفة ، ومالك ، وأحمد على أنّ الإمام لا يضمن الهلاك من التّأديب المعتاد ، لأنّ الإمام مأمور بالحدّ والتّعزير ، وفعل المأمور لا يتقيّد بسلامة العاقبة .
واختلفوا في تضمين الزّوج والوليّ ، إذا حصل التّلف من تأديبهما ولم يتجاوزا القدر المشروع . فذهب مالك وأحمد إلى أنّه لا ضمان على الزّوج والوليّ من التّلف الّذي ينشأ من التّأديب المعتاد .
وعند الحنفيّة يضمن الزّوج إذا أفضى تأديبه المعتاد إلى الموت ، لأنّ تأديب الزّوجة إذا تعيّن سبيلاً لمنع نشوزها مشروط بأن يكون غير مبرّح ، فإذا ترتّب عليه الموت تبيّن أنّه قد جاوز الفعل المأذون فيه ، فيجب عليه الضّمان . ولأنّه غير واجب ، فشرط فيه سلامة العاقبة .
واختلف أبو حنيفة وصاحباه في تضمين الأب والجدّ والوصيّ ونحوهم : فذهب أبو حنيفة إلى أنّه يضمن الجميع إذا ترتّب على تأديبهم التّلف ، لأنّ الوليّ مأذون له بالتّأديب لا بالإتلاف ، فإذا أدّى إلى التّلف تبيّن أنّه جاوز الحدّ ، ولأنّ التّأديب قد يحصل بغير الضّرب كالزّجر وفرك الأذن . وخلاصة رأي أبي حنيفة : أنّ الواجب لا يتقيّد بسلامة العاقبة ، والمباح يتقيّد بها ، ومن المباح ضرب الأب أو الأمّ ولدهما تأديباً ومثلهما الوصيّ ، فإذا أفضى إلى الموت وجب الضّمان ، وإن كان الضّرب للتّعليم فلا ضمان ، لأنّه واجب ، والواجب لا يتقيّد بسلامة العاقبة . وذهب الصّاحبان إلى أنّه لا ضمان عليهم لأنّ التّأديب منهم فعل مأذون فيه لإصلاح الصّغير ، كضرب المعلّم ، بل أولى منه ، لأنّ المعلّم يستمدّ ولاية التّأديب من الوليّ ، والموت نتج من فعل مأذون فيه ، والمتولّد من فعل مأذون لا يعدّ اعتداءً فلا ضمان عليهم . ونقل عن بعض الحنفيّة أنّ الإمام رجع إلى قول الصّاحبين .
وذهب الشّافعيّة إلى وجوب الضّمان في التّأديب وإن لم يتجاوز القدر المعتاد في مثله ، فإن كان ممّا يقتل غالباً ففيه القصاص على غير الأصل ( الأب والجدّ ) وإلاّ فدية شبه العمد على العاقلة ، لأنّه فعل مشروط بسلامة العاقبة ، إذ المقصود التّأديب لا الهلاك ، فإذا حصل به هلاك تبيّن أنّه جاوز القدر المشروع فيه ، ولا فرق عندهم بين الإمام وغيره ممّن أوتوا سلطة التّأديب ، كالزّوج والوليّ .
تأديب الدّابّة :
12 - للمستأجر ورائض الدّابّة تأديبها بالضّرب والكبح بقدر ما جرت به العادة ، ولا يضمن إن تلفت بذلك عند الأئمّة الثّلاثة ( مالك والشّافعيّ وأحمد بن حنبل ) وصاحبي أبي حنيفة ، لأنّه صحّ « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه نخس بعير جابر وضربه » .
وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يضمن لأنّه تلف حصل بجنايته فضمنه كغيره ، ولأنّ المعتاد مقيّد بشرط السّلامة ، ولأنّ السّوق يتحقّق بدون الضّرب ، وإنّما يضرب للمبالغة فيضمن .
مواطن البحث :
13 - يذكر الفقهاء التّأديب أساساً في أبواب كثيرة مثل : الصّلاة ، النّشوز ، التّعزير ، دفع الصّائل ، ضمان الولاة ، والحسبة .

تأريخ *
التّعريف :
1 - التّأريخ : مصدر أرّخ ، ومعناه في اللّغة : تعريف الوقت ، يقال : أرّخت الكتاب ليوم كذا : إذا وقّتّه وجعلت له تاريخاً .
وأمّا معناه في الاصطلاح : فيؤخذ من كلام السّخاويّ : أنّه تحديد وقائع الزّمن من حيث التّعيين والتّوقيت .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الأجل :
2 - أجل الشّيء في اللّغة - كما جاء في المصباح - مدّته ووقته الّذي يحلّ فيه ، وهو مصدر ، ويجمع على آجال ، كسبب وأسباب ، والآجل على فاعل خلاف العاجل .
وأمّا الأجل في اصطلاح الفقهاء : فهو المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها أمر من الأمور ، سواء أكانت هذه الإضافة أجلاً للوفاء بالتزام ، أم أجلاً لإنهاء التزام .
وسواء أكانت هذه المدّة مقرّرةً بالشّرع ، أم بالقضاء ، أم بإرادة الملتزم : فرداً أو أكثر .
والنّسبة بينهما هي أنّ التّاريخ أعمّ من الأجل : لأنّه يتناول المدّة الماضية والحاضرة ، والمستقبلة ، والأجل لا يتناول إلاّ المستقبلة .
ب - الميقات :
3 - الميقات في اللّغة ، كما جاء في الصّحاح : الوقت المضروب للفعل والموضع ، وجاء في المصباح أنّه الوقت ، والجمع مواقيت ، وقد استعير الوقت للمكان ، ومنه مواقيت الحجّ لمواضع الإحرام . واصطلاحاً : ما قدّر فيه عمل من الأعمال . سواء أكان زمناً أم مكاناً ، وهو أعمّ من التّاريخ .
حكمه التّكليفيّ :
4 - قد يكون التّأريخ واجباً ، إذا تعيّن طريقاً للوصول إلى معرفة حكم شرعيّ ، كتوريث ، وقصاص ، وقبول رواية ، وتنفيذ عهد ، وقضاء دين ، وما إلى ذلك .
التّأريخ قبل الإسلام :
5 - لم يكن للعرب قبل الإسلام تأريخ يجمعهم ، وإنّما كانت كلّ طائفة منهم تؤرّخ بالحادثة المشهورة فيها .
وبيان ذلك أنّ بني إبراهيم عليه السلام ، كانوا يؤرّخون من نار إبراهيم إلى بنيان البيت ، حين بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، ثمّ أرّخ بنو إسماعيل من بنيان البيت حتّى تفرّقوا ، فكان كلّما خرج قوم من تهامة أرّخوا بمخرجهم ، ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرّخون من خروج سعد ونهد وجهينة بني زيد ، من تهامة حتّى مات كعب بن لؤيّ ، وأرّخوا من موته إلى الفيل ، ثمّ كان التّاريخ من الفيل حتّى أرّخ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه من الهجرة . وأمّا غيرهم من العرب فإنّهم كانوا يؤرّخون بالأيّام والحوادث المشهورة ، كحرب البسوس وداحس والغبراء ، وبيوم ذي قار ، والفجّار ونحوه .
أمّا قبل ذلك ، وفي البداية عندما كثر بنو آدم في الأرض ، فإنّهم أرّخوا من هبوط آدم إلى الطّوفان ، ثمّ إلى نار الخليل عليه الصلاة والسلام ، ثمّ إلى زمان يوسف عليه السلام ، ثمّ إلى خروج موسى عليه السلام من مصر ببني إسرائيل ، ثمّ إلى زمان داود عليه السلام ، ثمّ إلى زمان سليمان عليه السلام ، ثمّ إلى زمان عيسى عليه السلام .
وأرّخت حِمير بالتّبابعة ، وغسّانُ بالسّدّ ، وأهل صنعاء بظهور الحبشة على اليمن ، ثمّ بغلبة الفرس . وأرّخت الفرس بأربع طبقات من ملوكها ، والرّوم بقتل دارا بن دارا إلى ظهور الفرس عليهم . وأرّخ القبط ببخت نصّر إلى قلابطرة ( كليوبترا ) صاحبة مصر .
واليهود أرّخوا بخراب بيت المقدس . والنّصارى برفع عيسى عليه السلام .
سبب وضع التّاريخ الهجريّ :
6 - يروى أنّ أبا موسى الأشعريّ كتب إلى عمر : أن يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ ، فجمع عمر النّاس ، فقال بعضهم : أرّخ بالمبعث ، وبعضهم : أرّخ بالهجرة ، فقال عمر : الهجرة فرّقت بين الحقّ والباطل فأرّخوا بها ، وذلك سنة سبع عشرة ، فلمّا اتّفقوا قالوا : ابدءوا برمضان ، فقال عمر : بل بالمحرّم ، فإنّه منصرف النّاس من حجّهم ، فاتّفقوا عليه . هذا ولا يخفى أنّ المسلمين احتاجوا إلى التّأريخ لضبط أمورهم الدّينيّة كالصّوم والحجّ وعدّة المتوفّى عنها زوجها ، والنّذور الّتي تتعلّق بالأوقات .
ولضبط أمورهم الدّنيويّة كالمداينات والإجارات والمواعيد ومدّة الحمل والرّضاع .
التّأريخ بالسّنة الشّمسيّة ، وهو التّأريخ غير الهجريّ :
7 - السّنة الشّمسيّة تتّفق مع السّنة القمريّة في عدد الشّهور ، وتختلف معها في عدد الأيّام ، إذ تزيد أيّامها على أيّام السّنة القمريّة بأحد عشر يوماً تقريباً .
وقد اعتمد عليها الرّوم والسّريان والفرس والقبط في تأريخهم . فهناك السّنة الرّوميّة ، والسّنة السّريانيّة ، والسّنة الفارسيّة ، والسّنة القبطيّة .
وهذه السّنون ، وإن كانت متّفقةً في عدد شهور كلّ سنة منها ، إلاّ أنّها تختلف في أسماء تلك الشّهور وعدد أيّامها وأسماء الأيّام ، وفي موعد بدء كلّ سنة منها .
حكم استعمال التّأريخ غير الهجريّ في المعاملات :
8 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو الصّحيح عند الحنابلة إلى أنّ المتعاقدين إذا استعملا التّأريخ غير الهجريّ في المعاملات تنتفي الجهالة ويصحّ العقد ، إذا كان ذلك التّأريخ معلوماً عند المسلمين ، كأن يؤرّخ بشهر من أشهر الرّوم ، ككانون ، وشباط ، لأنّ تلك الشّهور معلومة مضبوطة ، أو يؤرّخ بفطر النّصارى بعدما شرعوا في صومهم ، لأنّ ذلك يكون معلوماً . أمّا إذا أرّخ بتأريخ قد لا يعرفه المسلمون ، مثل أن يؤرّخ بعيد من أعياد الكفّار ، كالنّيروز والمهرجان ، وفصح النّصارى ، وصومهم الميلاد ، وفطر اليهود ، والشّعانين ، فقد ذكر الحنفيّة في البيع إلى تلك الأوقات : أنّه يصحّ إذا علم المتعاقدان ذلك ، ولا يصحّ مع جهلهما ومعرفة غيرهما به ، لأنّه يفضي إلى المنازعة . وصحّح المالكيّة ذلك ، لأنّ تلك الأيّام إن كانت معلومةً فإنّها تكون كالمنصوصة .
وذكر الشّافعيّة كما جاء في الرّوضة أنّ التّأقيت بالنّيروز والمهرجان مجزئ على الصّحيح ، وفي وجه : لا يصحّ لعدم انضباط وقتهما .
أمّا التّأريخ بفصح النّصارى فقد نصّ الشّافعيّ على أنّه لا يصحّ ، وتمسّك بظاهره بعض الأصحاب من الشّافعيّة اجتناباً لمواقيت الكفّار ، وقال جمهور الأصحاب من الشّافعيّة : إن اختصّ بمعرفته الكفّار لم يصحّ ، لأنّه لا اعتماد على قولهم ، وإن عرفه المسلمون جاز كالنّيروز . ثمّ اعتبر جماعة فيهما معرفة المتعاقدين ، وقال أكثر الأصحاب : يكفي معرفة النّاس ، وسواء اعتبرنا معرفتهما أم لا ، فلو عرفا كفى على الصّحيح ، وفي وجه يشترط معرفة عدلين من المسلمين سواهما ، لأنّهما قد يختلفان فلا بدّ من مرجّح ، وفي معنى الفصح سائر أعياد أهل الملل كفطر اليهود ونحوه .
وأمّا الحنابلة فإنّهم لم يفرّقوا بين التّأريخ بغير الشّهور الهلاليّة ، كالشّهور الرّوميّة ، وأعياد الكفّار ، فإنّ ذلك عندهم يصحّ على الصّحيح من المذهب إذا عرف المسلمون ذلك ، وقد اختار هذا القول جماعة منهم القاضي ، وقدّمه صاحب الكافي والرّعايتين والحاويين والفروع وغيرهم . وقيل : لا يصحّ كالشّعانين وعيد الفطير ونحوهما ممّا يجهله المسلمون غالباً ، وهو ظاهر كلام الخرقيّ وابن أبي موسى وابن عبدوس في تذكرته ، حيث قالوا بالأهلّة .
مواطن البحث :
9 - يبحث عن الأحكام الخاصّة بمصطلح التّأريخ في مصطلح ( آجل ) ومصطلح ( تأقيت ) لأنّ الفقهاء في الغالب لا يذكرون في كتبهم لفظ التّأريخ ، وإنّما يذكرون لفظ الأجل ، ولفظ التّأقيت ، فكلّ ما يتعلّق بالتّصرّفات من التّأقيت أو التّأجيل يرجع فيه إلى هذين المصطلحين ( الأجل والتّأقيت ) .

تأقيت *
التّعريف :
1 - التّأقيت أو التّوقيت : مصدر أقّت أو وقّت بتشديد القاف ، فالهمزة في المصدر والفعل مبدلة من الواو ، ومعناه في اللّغة : تحديد الأوقات . وهو يتناول الشّيء الّذي قدّر له حيناً أو غايةً . وتقول : وقّتّه ليوم كذا مثل أجّلته . وقال في القاموس في بيان معنى الوقت : وأنّه يستعمل بمعنى تحديد الأوقات كالتّوقيت ، والوقت المقدار من الدّهر .
وقال في الصّحاح : وقّتّه فهو موقوت ، إذا بيّن للفعل وقتاً يفعل فيه ، ومنه قوله تعالى : { إنَّ الصّلاةَ كانت على المؤمنين كتاباً مَوْقوتاً } . أي مفروضاً في الأوقات . وقد استعير الوقت للمكان ، ومنه مواقيت الحجّ لمواضع الإحرام .
والتّأقيت في الاصطلاح : تحديد وقت الفعل ابتداءً وانتهاءً . والتّأقيت قد يكون من الشّارع في العبادات مثلاً ، وقد يكون من غيره .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الأجل :
2 - أجل الشّيء في اللّغة ، كما جاء في المصباح : مدّته ووقته الّذي يحلّ فيه .
وفي اصطلاح الفقهاء هو : المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها أمر من الأمور ، سواء أكانت هذه الإضافة أجلاً للوفاء بالتزام ، أو أجلاً لإنهاء التزام ، وسواء أكانت هذه المدّة مقرّرةً بالشّرع ، أو بالقضاء ، أو بإرادة الملتزم فرداً أو أكثر . والفرق بينه وبين التّأقيت واضح ، فإنّ التّصرّفات في التّأقيت تثبت في الحال غالباً وتنتهي في وقت معيّن .
ب - الإضافة :
3 - الإضافة في اللّغة تأتي لمعان منها : الإسناد ، والتّخصيص .
ويستعملها الفقهاء بهذين المعنيين ، كما يستعملونها أيضاً بمعنى إضافة الحكم إلى الزّمن المستقبل ، أي إرجاء نفاذ حكم التّصرّف إلى الزّمن المستقبل الّذي حدّده المتصرّف بغير كلمة شرط . والفرق بينهما وبين التّأقيت : أنّ التّصرّفات في التّأقيت تثبت في الحال ، وتنتهي في وقت معيّن . بخلاف الإضافة ، فإنّها تؤخّر ترتّب الحكم على السّبب إلى الوقت الّذي أضيف إليه السّبب .
ج - التّأبيد :
4 - التّأبيد في اللّغة معناه : التّخليد أو التّوحّش كما جاء في الصّحاح .
وقال في المصباح : فإذا قلت : لا أكلّمه أبداً ، فالأبد من لدن تكلّمت إلى آخر عمرك .
وأمّا عند الفقهاء فيعرف من استعمالاتهم : أنّه تقييد صيغة التّصرّفات بالأبد وما في معناه . والفرق بين التّأبيد والتّأقيت واضح ، فإنّه وإن كان التّصرّف في كلّ منهما ثابتاً في الحال ، إلاّ أنّ التّصرّفات في التّأقيت مقيّدة بوقت معيّن ينتهي أثرها عنده ، بخلاف التّأبيد . وللتّوسّع ر : ( تأبيد ) .
د - التّأجيل :
5 - التّأجيل في اللّغة : مصدر أجّل - بتشديد الجيم - ومعناه : أن تجعل للشّيء أجلاً ، وأجل الشّيء : مدّته ووقته الّذي يحلّ فيه .
وفي الاصطلاح معناه : تأخير الثّابت في الحال إلى زمن مستقبل ، كتأجيل المطالبة بالثّمن إلى مضيّ شهر مثلاً . والفرق بين التّأجيل والتّأقيت : أنّ التّأقيت يترتّب عليه ثبوت التّصرّف في الحال ، بخلاف التّأجيل فإنّه على العكس من ذلك .
هـ - التّعليق :
6 - التّعليق في اصطلاح الفقهاء - كما قال ابن نجيم - : ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى .
وفسّره الحمويّ بأنّه ترتيب أمر لم يوجد على أمر سيوجد ، بإن أو إحدى أدوات الشّرط الأخرى . والفرق بين التّعليق والتّأقيت : أنّ التّأقيت تثبت فيه التّصرّفات في الحال ، فلا يمنع ترتّب الحكم على السّبب ، بخلاف التّعليق فإنّه يمنع المعلّق عن أن يكون سبباً للحكم في الحال . ر : ( تعليق ) .
أثر التّأقيت في التّصرّفات :
7 - التّصرّفات من حيث قبولها التّأقيت أو عدم قبولها له على ثلاثة أقسام هي : تصرّفات لا تقع إلاّ مؤقّتةً كالإجارة والمزارعة والمساقاة والمكاتبة ، وتصرّفات لا تصحّ مؤقّتةً كالبيع والرّهن والهبة والنّكاح ، وتصرّفات تكون مؤقّتةً وغير مؤقّتة كالعاريّة والكفالة والمضاربة والوقف وغيرها ، وبيان ذلك فيما يلي :
أوّلاً : التّصرّفات الّتي لا تقع إلاّ مؤقّتةً :
أ - الإجارة :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ الإجارة لا تصحّ إلاّ مؤقّتةً بمدّة معيّنة ، أو بوقوعها على عمل معلوم . فمن الأوّل : إجارة الأرض أو الدّور أو الدّوابّ والأجير الخاصّ .
ومن الثّاني : الاستئجار على عمل كخياطة ثوب مثلاً ، وهو الأجير المشترك .
ب - المزارعة والمساقاة :
9 - ذهب أبو حنيفة إلى عدم جواز المزارعة ، خلافاً لأبي يوسف ومحمّد ، فقد قالا بجوازها . وأنّ من شروط صحّتها بيان المدّة ، فهي من العقود المؤقّتة عندهما .
وأمّا المساقاة فلا يشترط توقيتها عندهما ، فإن ترك تأقيتها جازت استحساناً ، لأنّ وقت إدراك الثّمر معلوم .
وأمّا المالكيّة فلم يتعرّضوا لذكر التّأقيت في المزارعة فتصحّ عندهم بلا تقدير مدّة .
وأمّا المساقاة عندهم فإنّها تؤقّت بالجذاذ ، أي : جني الثّمر ، حتّى أنّ بعضهم يرى فسادها إن أطلقت ولم تؤقّت ، أو أقّتت بوقت يزيد على الجذاذ . ويرى ابن الحاجب من المالكيّة أنّها إن أطلقت صحّت وحملت على الجذاذ ، وذكر صاحب الشّرح الكبير : أنّ التّأقيت ليس شرطاً في صحّتها ، وغاية ما في الأمر أنّها إن أقّتت فإنّها تؤقّت بالجذاذ .
وأمّا الشّافعيّة فإنّهم يرون أنّ المزارعة إذا أفردت بالعقد فلا بدّ فيها من تقرير المدّة ، وأمّا إذا كانت تابعةً للمساقاة فإنّ ما يجري على المساقاة يجري عليها .
وأمّا المساقاة فإنّ من شروط صحّتها عندهم أن تكون مؤقّتةً إذ يشترط فيها معرفة العمل بتقدير المدّة كسنة . وأمّا الحنابلة فلا يشترطون لصحّة المزارعة والمساقاة التّأقيت ، بل تصحّ مؤقّتةً وغير مؤقّتة ، فلو زارعه أو ساقاه دون أن يذكر مدّةً جاز ، « لأنّه صلى الله عليه وسلم لم يضرب لأهل خيبر مدّةً » . وكذا خلفاؤه من بعده صلى الله عليه وسلم . ولكلّ من العاقدين فسخها متى شاء ، فإن كان الفسخ من ربّ المال قبل ظهور الثّمر وبعد شروع العامل بالعمل فعليه للعامل أجرة مثل عمله . وإن فسخ العامل قبل ظهور الثّمر فلا شيء له .
ثانياً : التّصرّفات غير المؤقّتة :
وهي تلك التّصرّفات الّتي لا تقبل التّأقيت ، أي : أنّ التّأقيت يفسدها ، وهي البيع والرّهن والهبة والنّكاح ، وبيان ذلك في ما يلي :
أ - البيع :
10 - البيع عند الفقهاء مقابلة مال بمال على وجه مخصوص ، وهو لا يقبل التّأقيت عند الفقهاء ، فقد ذكروا أنّ من شرائط صحّة البيع العامّة ألاّ يكون مؤقّتاً . ر : ( بيع ) .
وذكر السّيوطيّ في أشباهه أنّ البيع لا يقبل التّأقيت بحال ، ومتى أقّت بطل .
ب - الرّهن :
11 - اتّفق الفقهاء على أنّ الرّهن لا يقبل التّأقيت ، ومتى أقّت فسد ، لأنّ حكم الرّهن كما قال الحنفيّة : الحبس الدّائم إلى انتهاء الرّهن بالأداء أو الإبراء . وقد ذكر المالكيّة أنّ من رهن رهناً على أنّه إن مضت سنة خرج من الرّهن ، فإنّ هذا لا يعرف من رهون النّاس ، ولا يكون رهناً . والرّهن عند الشّافعيّة إنّما شرع للاستيثاق ، فتأقيته بمدّة ينافي ذلك . والرّهن عند الحنابلة لا يقبل التّأقيت أيضاً ، فقد جاء في كشّاف القناع : أنّه لو شرط المتعاقدان تأقيت الرّهن ، بأن قالا : هو رهن عشرة أيّام ، فالشّرط فاسد ، لمنافاته مقتضى العقد ، والرّهن صحيح . ر : ( رهن ) .
ج - الهبة :
12 - اتّفق الفقهاء على أنّ الهبة لا تقبل التّأقيت ، لأنّها كما قال الحنفيّة : تمليك للعين في الحال بلا عوض ، فلا تحتمل التّأقيت قياساً على البيع .
ولأنّ تأقيتها أو تأجيلها يؤدّي إلى الغرر كما قال المالكيّة .
وذكر النّوويّ أنّ الهبة لا تقبل التّعليق على الشّرط ، ولا تقبل التّأقيت على المذهب .
وذكر الحنابلة كما جاء في المغني أنّه لو وقّت لهبة بأن قال : وهبتك هذا سنةً ثمّ يعود إليّ لم يصحّ ، لأنّه عقد تمليك لعين فلم يصحّ مؤقّتاً كالبيع .
العمرى والرّقبى :
13 - اتّفق الفقهاء على مشروعيّة العمرى ، إلاّ أنّهم اختلفوا في قبولها التّأقيت ، فذهب الحنفيّة ، والشّافعيّة في الجديد ، وأحمد إلى جواز العمرى للمعمر له حال حياته ، ولورثته من بعده . وصورة العمرى : أن يجعل داره للغير مدّة عمره ، وإذا مات تردّ عليه ، فيصحّ التّمليك له ولورثته ، ويبطل شرط العمر الّذي يفيد التّأقيت عند جمهور الفقهاء .
أمّا عند مالك ، والشّافعيّ في القديم : فالعمرى تمليك المنافع لا تمليك العين ، ويكون للمعمر له السّكنى ، فإذا مات عادت الدّار إلى المعمر ، فالعمرى من التّصرّفات المؤقّتة عندهم . أمّا الرّقبى فصورتها أن يقول الرّجل لغيره : داري لك رقبى . وهي باطلة عند أبي حنيفة ومحمّد ، فلا تفيد ملك الرّقبة ، وإنّما تكون عاريّةً ، يجوز للمعمر أن يرجع فيه ويبيعه في أيّ وقت شاء ، لأنّه تضمّن إطلاق الانتفاع .
فالرّقبى عندهما من التّصرّفات المؤقّتة لأنّها عاريّة . ويرى الشّافعيّ وأحمد وأبو يوسف جواز الرّقبى ، لأنّ قوله : " داري لك " تمليك ، وقوله " رقبى " شرط فاسد فيلغو . فكأنّه قال : رقبة داري لك . فصارت الرّقبى عندهم كالعمرى في الجواز . فهي من التّصرّفات الّتي لا تقبل التّأقيت . والرّقبى لم يجزها الإمام مالك . وللتّفصيل ر : ( عمرى ، رقبى ) .
د - النّكاح :
14 - النّكاح لا يقبل التّأقيت اتّفاقاً . فالنّكاح المؤقّت غير جائز ، سواء أكان بلفظ المتعة أم بلفظ التّزويج . كما صرّح المالكيّة بمنع ذكر الأجل مهما طال .
والنّكاح المؤقّت عند الشّافعيّة والحنابلة باطل ، سواء قيّد بمدّة مجهولة أو معلومة .
لأنّه نكاح المتعة ، وهو حرام كحرمة الميتة والدّم ولحم الخنزير . ر : ( نكاح ) .
الفرق بين النّكاح المؤقّت ونكاح المتعة :
15 - يفرّق بينهما من جهة اللّفظ ، فنكاح المتعة هو الّذي يكون بلفظ التّمتّع ، كأن يقول لها : أعطيك كذا على أن أتمتّع بك يوماً أو شهراً أو سنةً ونحو ذلك ، وهو غير صحيح عند عامّة العلماء . وأمّا النّكاح المؤقّت فهو الّذي يكون بلفظ التّزويج والنّكاح ، وما يقوم مقامهما ويقيّد بمدّة ، كأن يقول لها : أتزوّجك عشرة أيّام ونحو ذلك ، وهو غير صحيح عند عامّة العلماء ، وقال زفر : يصحّ العقد ويبطل التّأقيت .
هذا ، ولتأقيت النّكاح صور ، كأن يتزوّجها إلى مدّة معلومة ، أو مجهولة ، أو إلى مدّة لا يبلغها عمرهما ، أو عمر أحدهما . وسيأتي تفصيل ذلك كلّه في مصطلح ( نكاح ) .
إضمار التّأقيت في النّكاح :
16 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ إضمار التّأقيت في النّكاح لا يؤثّر في صحّته ولا يجعله مؤقّتاً ، فله تزوّجها وفي نيّته أن يمكث معها مدّةً نواها ، فالنّكاح صحيح ، لأنّ التّأقيت إنّما يكون باللّفظ . وذهب المالكيّة إلى أنّ التّأقيت إذا لم يقع في العقد ، ولم يعلمها الزّوج بذلك ، وإنّما قصده في نفسه ، وفهمت المرأة أو وليّها المفارقة بعد مدّة فإنّه لا يضرّ . وهذا هو الرّاجح ، وإن كان بهرام صدّر في شرحه وفي " شامله " بالفساد ، إذا فهمت منه ذلك الأمر الّذي قصده في نفسه ، فإن لم يصرّح للمرأة ولا لوليّها بذلك ، ولم تفهم المرأة ما قصده في نفسه ، فليس نكاح متعة .
وصرّح الشّافعيّة بكراهة هذا النّكاح الّذي أضمر فيه التّأقيت ، لأنّ كلّ ما لو صرّح به أبطل يكون إضماره مكروهاً عندهم .
والصّحيح المنصوص عليه في مذهب الحنابلة ، وهو الّذي عليه الأصحاب : أنّ إضمار التّأقيت في النّكاح كاشتراطه ، فيكون شبيهاً بنكاح المتعة في عدم الصّحّة .
وحكى صاحب الفروع عن الشّيخ ابن قدامة القطع بصحّته مع النّيّة .
وجاء في المغني أيضاً أنّه إن تزوّجها بغير شرط ، إلاّ أنّ في نيّته طلاقها بعد شهر ، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد ، فالنّكاح صحيح في قول عامّة أهل العلم إلاّ الأوزاعيّ ، قال : هو نكاح متعة . والصّحيح أنّه لا بأس به ، ولا تضرّ نيّته ، وليس على الرّجل أن ينوي حبس امرأته ، وحسبه إن وافقته وإلاّ طلّقها .
ثالثاً : التّصرّفات الّتي تكون مؤقّتةً وغير مؤقّتة :
المراد بها تلك التّصرّفات الّتي لا يفسدها التّأقيت ، كالإيلاء والظّهار والعاريّة وغيرها ، وبيان ذلك فيما يلي :
أ - الإيلاء :
17 - ذهب الفقهاء إلى أنّ الإيلاء قد يقع مؤقّتاً أو مطلقاً . وتفصيل أحكامه ينظر في مصطلح : ( إيلاء ) .
ب - الظّهار :
18 - الأصل في الظّهار إن أطلقه أن يقع مؤبّداً ، فإن أقّته كأن يظاهر من زوجته يوماً أو شهراً أو سنةً ، فقد اختلف الفقهاء في حكمه ، فذهب الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في القول الأظهر إلى أنّه يقع مؤقّتاً ، ولا يكون المظاهر عائداً إلاّ بالوطء في المدّة ، فإن لم يقربها حتّى مضت المدّة سقطت عنه الكفّارة ، وبطل الظّهار عملاً بالتّأقيت ، لأنّ التّحريم صادف ذلك الزّمن دون غيره ، فوجب أن ينقضي بانقضائه ، ولأنّ الظّهار منكر من القول وزور ، فترتّب عليه حكمه كالظّهار المعلّق .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة في غير الأظهر إلى أنّ الظّهار لا يقبل التّأقيت ، فإن قيّده بوقت تأبّد كالطّلاق ، فيلغى تقييده ، ويصير مظاهراً أبداً لوجود سبب الكفّارة .
وذكر الشّافعيّة في قول ثالث عندهم أنّ الظّهار المؤقّت لغو ، لأنّه لم يؤبّد التّحريم فأشبه ما إذا شبّهها بامرأة لا تحرم على التّأبيد .
ج - العاريّة :
19 - العاريّة الّتي هي تمليك للمنافع بغير عوض ، إمّا أن تكون مؤقّتةً بمدّة معلومة ، وتسمّى حينئذ العاريّة المقيّدة ، وإمّا أن تكون غير مؤقّتة ، وتسمّى العاريّة المطلقة ، وهي عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة من العقود غير اللّازمة ، فلكلّ من المعير والمستعير الرّجوع فيها متى شاء ، مطلقةً كانت أو مقيّدةً ، إلاّ في بعض الصّور كالإعارة للدّفن أو البناء أو الغراس . وللتّفصيل ر : ( إعارة ) .
ويرى المالكيّة أنّ العاريّة إذا كانت مقيّدةً بعمل كزراعة أرض بطناً ( زرعةً واحدةً ) أو بوقت كسكنى دار شهراً مثلاً ، فإنّها تكون لازمةً إلى انقضاء ذلك العمل أو الوقت ، وإن لم تكن مقيّدةً بعمل ولا بوقت فإنّها تلزم إلى انقضاء مدّة ينتفع فيها بمثلها عادةً ، لأنّ العادة كالشّرط . فإن انتفى المعتاد مع عدم التّقييد بالعمل أو الوقت فقد ذكر اللّخميّ أنّ للمعير الخيار في تسليم ذلك أو إمساكه ، وإن سلّم فله استرداده .
د - الكفالة :
20 - اختلف الفقهاء في جواز تأقيت الكفالة ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة - في غير الأصحّ عندهم - إلى جواز تأقيتها إلى أجل معلوم كشهر وسنة . ومنع ذلك الشّافعيّة في الأصحّ عندهم . ثمّ اختلف المجيزون لذلك في التّوقيت إلى أجل مجهول .
فذهب الحنفيّة إلى جواز التّوقيت بوقت مجهول جهالةً غير فاحشة ، جرى العرف بين النّاس على التّوقيت به ، كوقت الحصاد والدّياس ، فإن كان الوقت المجهول غير متعارف عليه بين النّاس ، كمجيء المطر وهبوب الرّيح ، فلا يصحّ تأقيت الكفالة به .
وأجاز المالكيّة توقيت الكفالة إلى أجل مجهول ، كما نقل عن ابن يونس في كتاب الحمالة ( الكفالة ) أنّ الحمالة بالمال المجهول جائزة ، فكذا الحمالة به إلى أجل مجهول .
والحنابلة يجيزون تأقيت الكفالة ولو إلى أجل مجهول لا يمنع حصول المقصود منها كوقت الحصاد والجذاذ ، لأنّها تبرّع من غير عوض فتصحّ كالنّذر . ر : ( كفالة ) .
هـ - المضاربة :
21 - يجوز تأقيت المضاربة عند الحنفيّة والحنابلة ، فقد ذكر الحنفيّة أنّه ليس للعامل فيها تجاوز بلد أو سلعة أو وقت أو شخص عيّنه المالك .
والحنابلة صحّحوا تأقيت المضاربة بأن يقول ربّ المال : ضاربتك على هذه الدّراهم أو الدّنانير سنةً ، فإذا مضت السّنة فلا تبع ولا تشتر ، لأنّه تصرّف يتعلّق بنوع من المتاع فجاز توقيته بالزّمان كالوكالة .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ المضاربة لا تقبل التّأقيت ، لأنّها كما قال المالكيّة : ليست بعقد لازم ، فحكمها أن تكون إلى غير أجل ، فلكلّ واحد منهما تركها متى شاء .
ولأنّ تأقيتها - كما قال الشّافعيّة - يؤدّي إلى التّضييق على العامل في عمله ، فقد ذكر النّوويّ في الرّوضة : أنّه لا يعتبر في القراض ( المضاربة ) بيان المدّة ، فلو وقّت فقال : قارضتك سنةً ، فإن منعه من التّصرّف بعدها مطلقاً ، أو من البيع فسد ، لأنّه يخلّ بالمقصود ، وذكر النّوويّ أيضاً أنّه إن قال : على ألاّ تشتري بعد السّنة ، ولك البيع ، صحّ على الأصحّ ، لأنّ المالك يتمكّن من منعه من الشّراء متى شاء ، بخلاف البيع ، ولو اقتصر على قوله : قارضتك سنةً فسد على الأصحّ ، وعلى الثّاني يجوز ، ويحمل على المنع من الشّراء استدامةً للعقد . ولو قال : قارضتك سنةً على ألاّ أملك الفسخ قبل انقضائها فسد .
و - النّذر :
22 - اتّفق الفقهاء على أنّ النّذر يقبل التّأقيت ، كما لو نذر صوم يوم من شهر المحرّم لزمه ذلك . أمّا إن لم يؤقّت ، بل قال : للّه عليّ أن أصوم يوماً لزمه ، وتعيين وقت الأداء إليه في هذه الحال .
ز - الوقف .
23 - اختلف الفقهاء في تأقيت الوقف ، فذهب الحنفيّة والشّافعيّة - في الصّحيح عندهم - والحنابلة - في أحد الوجهين - إلى أنّ الوقف لا يقبل التّأقيت ، ولا يكون إلاّ مؤبّداً .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة - في مقابل الصّحيح عندهم والحنابلة على الوجه الآخر - إلى جواز تأقيت الوقف ، ولا يشترط في صحّة الوقف التّأبيد ، أي كونه مؤبّداً دائماً بدوام الشّيء الموقوف ، فيصحّ وقفه مدّةً معيّنةً ثمّ ترفع وقفيّته ، ويجوز التّصرّف فيه بكلّ ما يجوز التّصرّف به في غير الموقوف . وينظر تفصيل ذلك والخلاف فيه في مصطلح : ( وقف ) .
ح - الوكالة :
24 - يصحّ تأقيت الوكالة عند الفقهاء . ففي جامع الفصولين : أنّه لو وكّله بالبيع أو الشّراء اليوم ففعل ذلك في الغد ، ففي صحّته روايتان ، ورجّح عدم الصّحّة بناءً على أنّ ذكر اليوم للتّوقيت .
وذكر صاحب البدائع أنّه لو وكّله بأن يبيع هذه الدّار غداً ، فإنّه لا يكون وكيلاً قبل الغد . وذكر المالكيّة أنّ الوكيل إذا خالف ما أمره به الموكّل ، بأن باع أو اشترى قبل أو بعد الوقت الّذي عيّنه له الموكّل ، فللموكّل الخيار في قبول ذلك أو عدم قبوله .
وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يمتنع على الوكيل التّصرّف بعد انتهاء وقت الوكالة ر : ( وكالة ) .
ط - اليمين :
25 - اتّفق الفقهاء على أنّ اليمين يقبل التّأقيت ، وتأقيتها تارةً يكون بألفاظ التّأقيت مثل ( ما دام ) ( وما لم ) ( وحتّى ) ( وأنّى ) ونحوها ، وتارةً يكون بالتّقييد بوقت كشهر ويوم . فمن حلف ألاّ يفعل شيئاً ، وحدّد وقتاً معيّناً لذلك ، اختصّت يمينه بما حدّده .
ويرجع للتّفصيل إلى بحث ( الأيمان ) .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:45 PM

تأكيد *
التّعريف :
1- التّأكيد لغةً : التّوثيق والإحكام والتّقوية ، يقال : أكّد العهد إذا وثّقه وأحكمه .
وفي الاصطلاح هو : جعل الشّيء مقرّراً ثابتاً في ذهن المخاطب .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّأسيس :
2 - التّأسيس عبارة عن إفادة معنًى جديد لم يكن حاصلاً قبله ، فالتّأسيس على هذا في عرف الفقهاء خير من التّأكيد ، لأنّ حمل الكلام على الإفادة خير من حمله على الإعادة . وإذا دار اللّفظ بينهما تعيّن حمله على التّأسيس ، ولذا لو قال شخص لزوجته : أنت طالق أنت طالق ولم ينو شيئاً ، فالأصحّ الحمل على الاستئناف ( أي التّأسيس ) لا التّأكيد . فإن قال : أردت التّأكيد بذلك صدّق .
وعند الحنفيّة - كما نقله ابن نجيم عن الزّيلعيّ - صدّق ديانةً لا قضاءً .
الحكم الإجماليّ :
3 - التّأكيد جائز في الأحكام لتقويتها وترجيحها على غيرها ، حيث يرجّح المؤكّد على غيره من الأحكام غير المؤكّدة ، لاحتمال تأويل غير المؤكّد بخلاف المؤكّد ، فإنّه لا يحتمله ، كما يمنع نقضها إلاّ بشرطه . من ذلك قوله تعالى : { ولا تَنْقُضُوا الأَيمانَ بعد توكيدها } .
تأكيد الأقوال :
4 - تؤكّد الأقوال فترجّح على غيرها ، ومن ذلك تأكيد الشّهادات ، لقوله تعالى : { فشهادةُ أحدهم أربعُ شهاداتٍ باللّه إنّه لمن الصّادقين } .
وقد يأخذ التّأكيد أحكاماً معيّنةً ، كتأكيد الطّلاق ، فإنّه يضمّ المتفرّق منه ليجعل حكمه واحداً ، وينظر تفصيله في الطّلاق ، وفي مصطلح ( أيمان ) .
التّأكيد بالأفعال :
5 - من ذلك تأكيد الثّمن في عقد البيع بقبض المبيع ، لأنّ المبيع ربّما هلك في يد البائع قبل التّسليم فيسقط الثّمن ، وتأكيد المهر بالدّخول ، وتأكيد الأحكام بالتّنفيذ .
وتفصيل ما أجمل في هذا البحث ينظر في الملحق الأصوليّ .

تأميم *
انظر : مصادرة .

تأمين *
انظر : أمين ، مستأمن .

تأمين الدّعاء *
انظر : آمين .

تأويل *
التّعريف :
1 - التّأويل : مصدر أوّل ، وأصل الفعل : آل الشّيء يئول أولاً : إذا رجع ، تقول : آل الأمر إلى كذا ، أي رجع إليه . ومعناه : تفسير ما يئول إليه الشّيء ، ومصيره .
وفي اصطلاح الأصوليّين ، التّأويل : صرف اللّفظ عن المعنى الظّاهر إلى معنًى مرجوح ، لاعتضاده بدليل يصير به أغلب على الظّنّ من المعنى الظّاهر .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّفسير :
2 - التّفسير لغةً : البيان ، وكشف المراد من اللّفظ المشكل .
وفي الشّرع : توضيح معنى الآية ، وشأنها ، وقصّتها ، والسّبب الّذي نزلت فيه بلفظ يدلّ عليه دلالةً ظاهرةً . وقريب من ذلك أنّ التّأويل : بيان أحد محتملات اللّفظ ، والتّفسير : بيان مراد المتكلّم . وقال ابن الأعرابيّ وأبو عبيدة وطائفة : التّفسير والتّأويل بمعنًى واحد .
وقال الرّاغب : التّفسير أعمّ من التّأويل ، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها ، وأكثر استعمال التّأويل في المعاني والجمل . وكثيراً ما يستعمل في الكتب الإلهيّة ، والتّفسير يستعمل فيها وفي غيرها . وقال غيره : التّفسير : بيان لفظ لا يحتمل إلاّ وجهاً واحداً . والتّأويل : توجيه لفظ متوجّه إلى معان مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلّة .
وقال أبو طالب الثّعلبيّ التّفسير : بيان وضع اللّفظ إمّا حقيقةً ، أو مجازاً ، كتفسير ( الصّراط ) بالطّريق ( والصّيّب ) بالمطر . والتّأويل : تفسير باطن اللّفظ ، مأخوذ من الأول وهو الرّجوع لعاقبة الأمر . فالتّأويل : إخبار عن حقيقة المراد ، والتّفسير إخبار عن دليل المراد ، لأنّ اللّفظ يكشف عن المراد ، والكاشف دليل .
ب - البيان :
3 - البيان لغةً : الإظهار والإيضاح والانكشاف ، وما يتبيّن به الشّيء من الدّلالة وغيرها . وأمّا في الاصطلاح : فهو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب .
والفرق بين التّأويل والبيان : أنّ التّأويل ما يذكر في كلام لا يفهم منه معنًى محصّل في أوّل وهلة ليفهم المعنى المراد . والبيان ما يذكر فيما يفهم ذلك بنوع خفاء بالنّسبة إلى البعض .
الحكم الإجماليّ :
يختلف الحكم الإجماليّ باختلاف ما يدخله التّأويل ، وبيان ذلك فيما يلي :
4 - أوّلاً : بالنّسبة للنّصوص المتعلّقة بالعقائد ، وأصول الدّيانات ، وصفات الباري عزّ وجلّ ، فقد اختلف العلماء في هذا القسم على ثلاثة مذاهب :
الأوّل : أنّه لا مدخل للتّأويل فيها ، بل تجري على ظاهرها ، ولا يؤوّل شيء منها .
وهذا قول المشبّهة .
الثّاني : أنّ لها تأويلاً ، ولكنّا نمسك عنه ، مع تنزيه اعتقادنا عن التّشبيه والتّعطيل ، لقوله تعالى : { وما يعلم تأويلَه إلاّ اللّه } ، قال ابن برهان : وهذا قول السّلف . وقال الشّوكانيّ : وهذا هو الطّريق الواضح والمنهج المصحوب بالسّلامة عن الوقوع في مهاوي التّأويل ، وكفى بالسّلف الصّالح قدوةً لمن أراد الاقتداء ، وأسوةً لمن أحبّ التّأسّي ، على تقدير عدم ورود الدّليل القاضي بالمنع من ذلك ، فكيف وهو قائم موجود في الكتاب والسّنّة .
والمذهب الثّالث : أنّها مؤوّلة . قال ابن برهان : والأوّل من هذه المذاهب باطل ، والآخران منقولان عن الصّحابة ، ونقل هذا المذهب الثّالث عن عليّ وابن مسعود وابن عبّاس وأمّ سلمة . وقال ابن دقيق العيد في الألفاظ المشكلة : إنّها حقّ وصدق ، وعلى الوجه الّذي أراده اللّه ، ومن أوّل شيئاً منها ، فإن كان تأويله قريباً على ما يقتضيه لسان العرب ويفهمونه في مخاطباتهم لم ننكر عليه ولم نبدّعه ، وإن كان تأويله بعيداً توقّفنا عليه واستبعدناه ورجعنا إلى القاعدة في الإيمان بمعناه مع التّنزيه .
وفي إعلام الموقّعين ، قال الجوينيّ : ذهب أئمّة السّلف إلى الانكفاف عن التّأويل ، وإجراء الظّواهر على مواردها ، وتفويض معانيها إلى الرّبّ تعالى ، والّذي نرتضيه رأياً وندين اللّه به عقد اتّباع سلف الأمّة ، فحقّ على ذي الدّين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدّثين ، ولا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى الرّبّ تعالى .
5 - ثانياً : النّصوص المتعلّقة بالفروع ، وهذه لا خلاف في دخول التّأويل فيها .
والتّأويل في النّصوص المتعلّقة بها باب من أبواب الاستنباط ، وهو قد يكون تأويلاً صحيحاً ، وقد يكون تأويلاً فاسداً . فيكون صحيحاً إذا كان مستوفياً لشروطه ، من الموافقة لوضع اللّغة ، أو عرف الاستعمال ، ومن قيام الدّليل على أنّ المراد بذلك اللّفظ هو المعنى الّذي حمل عليه ، ومن كون المتأوّل أهلاً لذلك .
ويتّفق العلماء على قبول العمل بالتّأويل الصّحيح مع اختلافهم في طرقه ومواضعه ، وما يعتبر قريباً ، وما يعتبر بعيداً . يقول الآمديّ : التّأويل مقبول معمول به إذا تحقّق بشروطه ، ولم يزل علماء الأمصار في كلّ عصر من عهد الصّحابة إلى زمننا عاملين به من غير نكير . وفي البرهان : تأويل الظّاهر على الجملة مسوّغ إذا استجمعت الشّرائط ، ولم ينكر أصل التّأويل ذو مذهب ، وإنّما الخلاف في التّفاصيل .
وعلى أيّ حال فهذا يرجع إلى نظر المجتهد في كلّ مسألة ، وعليه اتّباع ما أوجبه ظنّه كما يقول الآمديّ . ويقول الغزاليّ : مهما كان الاحتمال قريباً ، وكان الدّليل أيضاً قريباً ، وجب على المجتهد التّرجيح ، والمصير إلى ما يغلب على ظنّه ، فليس كلّ تأويل مقبولاً بوسيلة كلّ دليل ، بل ذلك يختلف ولا يدخل تحت ضبط . ويقول ابن قدامة : لكلّ مسألة ذوق يجب أن تفرد بنظر خاصّ .
هذا ، وقد ذكرت في كتب الأصول أمثلة للمسائل الفرعيّة الّتي استنبطت أحكامها عن طريق تأويل النّصوص ، مع بيان وجهة نظر الّذين نحوا هذا المنحى والّذين عارضوهم .
أثر التّأويل :
6 - للتّأويل أثر ظاهر في المسائل الفرعيّة المستنبطة من النّصوص ، إذ هو سبب اختلاف الفقهاء في أحكام هذه المسائل .
والمعروف عند الفقهاء ، أنّ العمل بالمختلف فيه لا ينكر على صاحبه إلاّ أن يكون الخلاف شاذّاً ، لكنّ الأفضل مراعاة الخلاف ، وذلك بترك ما هو جائز عند من يراه كذلك إذا كان غيره يراه حراماً ، وبفعل ما هو مباح إذا كان غيره يراه واجباً . وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ( اختلاف ) . ونذكر هنا بعض الآثار العمليّة للتّأويل من خلال بعض المسائل :
7 - أوّلاً : أمثلة للتّأويل المتّفق على فساده وما يترتّب عليه :
أ - من المقرّر أنّ كلّ من ثبتت إمامته وجبت طاعته ، وحرم الخروج عليه للنّصوص الدّالّة على ذلك من الكتاب والسّنّة .
وقد اتّفق الفقهاء على أنّ خروج طائفة على الإمام بتأويل يبيح لهم في نظرهم يعتبر بغياً لفساد تأويلهم . ويجب دعوتهم إلى الطّاعة والدّخول في الجماعة وكشف شبههم ، فإن لم يستجيبوا وجب قتالهم كما فعل عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه مع الخوارج .
وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ( بغاة ) .
ب - وجوب الزّكاة أمر ثابت بالكتاب والسّنّة والإجماع ، والتّأويل في منع أدائها تأويل فاسد . ويجب حمل المانعين على أدائها بالقوّة ، وقد فعل ذلك أبو بكر رضي الله تعالى عنه مع مانعي الزّكاة الّذين تأوّلوا قول اللّه تعالى : { خذْ من أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكّيهم بها وصلِّ عليهم إنَّ صلاتك سَكَنٌ لهم } فقالوا : إنّ ذلك لا يتأتّى لغير النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يقم دليل على قيام غيره في ذلك مقامه . والتّفصيل ينظر في الزّكاة .
ج - حرمة شرب الخمر ثابتة بالكتاب والسّنّة والإجماع ، والتّأويل لاستحلال شربها تأويل فاسد ، ويجب توقيع الحدّ على شاربها المتأوّل .
وقد حدث أنّ قدامة بن مظعون شرب الخمر ، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه : ما حملك على ذلك ؟ فقال : إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : { ليس على الّذين آمَنوا وعملوا الصّالحات جُنَاحٌ فيما طَعِمُوا إذا ما اتّقَوْا وآمنوا وعملوا الصّالحات } وإنّي من المهاجرين من أهل بدر وأحد ، فطلب عمر من الصّحابة أن يجيبوه ، فقال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما : " إنّما أنزلها اللّه تعالى عذراً للماضين لمن شربها قبل أن تحرم ، وأنزل : { إنّما الخمرُ والميسر والأنصابُ والأزلامُ رجْسٌ من عمل الشّيطانِ فاجتنبوه } حجّة على النّاس . وقال له عمر : " إنّك أخطأت التّأويل يا قدامة ، إذا اتّقيت اجتنبت ما حرّم اللّه عليك ".
8 - ثانياً : تأويل متّفق على قبوله :
وذلك مثل التّأوّل في اليمين إذا كان الحالف مظلوماً ، قال ابن قدامة : من حلف فتأوّل في يمينه فله تأويله إذا كان مظلوماً ، وإن كان ظالماً لم ينفعه تأويله . ولا يخلو حال الحالف المتأوّل من ثلاثة أحوال :
أحدها : أن يكون مظلوماً ، مثل من يستحلفه ظالم على شيء لو صدّقه لظلمه ، أو ظلم غيره ، أو نال مسلماً منه ضرر ، فهذا له تأويله .
ثانيها : أن يكون الحالف ظالماً كالّذي يستحلفه الحاكم على حقّ عنده ، فهذا تنصرف يمينه إلى ظاهر اللّفظ الّذي عناه المستحلف ولا ينفع الحالف تأويله ، ولا نعلم فيه مخالفاً ، فإنّ أبا هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « يمينك على ما يصدّقك به صاحبك » ولأنّه لو ساغ التّأويل لبطل المعنى المبتغى باليمين .
ثالثها : ألاّ يكون ظالماً ولا مظلوماً فظاهر كلام أحمد أنّ له تأويله . هذا ما ذكره ابن قدامة . والمذاهب متّفقة على أنّ المظلوم إذا تأوّل في يمينه فله تأويله . ( ر : أيمان ) .
9 - ثالثاً : هناك من التّأويلات ما اعتبره بعض الفقهاء قريباً ، فأصبح دليلاً في استنباط الحكم ، في حين اعتبره البعض الآخر بعيداً ، فلا يصلح دليلاً .
ومن أمثلة ذلك ، وجوب الكفّارة بالأكل أو الجماع عمداً في نهار رمضان عند الحنفيّة والمالكيّة ، وبالجماع فقط عند الشّافعيّة والحنابلة .
وعلى ذلك فمن رأى هلال رمضان وحده ، وردّت شهادته ، وجب عليه الصّوم ، فإن ظنّ إباحة الفطر لردّ شهادته فأفطر بما يوجب الكفّارة ، فعند الشّافعيّة والحنابلة ، وفي المشهور عند المالكيّة : تجب عليه الكفّارة لانتهاك حرمة الشّهر ، أمّا ظنّ الإباحة لردّ الشّهادة فهو تأويل بعيد لمخالفته قول اللّه تعالى : { فمن شَهِدَ منكم الشّهرَ فَلْيَصمْه } ، وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « صوموا لرؤيته » - وعند الحنفيّة وبعض المالكيّة : لا كفّارة عليه لمكان الشّبهة ، إذ ردّ الشّهادة يعتبر تأويلاً قريباً في ظنّ الإباحة .
ومثل هذه الاختلافات بين المذاهب ، بل بين فقهاء المذهب الواحد كثيرة في المسائل الفرعيّة . فالحنفيّة مثلاً لا يوجبون الزّكاة في مال الصّبيّ والمجنون ، وينتقض عندهم الوضوء بالقهقهة في الصّلاة ، خلافاً لبقيّة المذاهب في المسألتين . والمعروف كما سبق أنّه لا ينكر المختلف فيه . وتفصيل ما أجمل هنا موطنه الملحق الأصوليّ .

تابع *
انظر : تبعيّة .

تابوت *
انظر : جنائز .

تاريخ *
انظر : تأريخ .

تاسوعاء *
التّعريف :
1 - التّاسوعاء : هو اليوم التّاسع من شهر المحرّم استدلالاً بالحديث الصّحيح « أنّه صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء ، فقيل له : إنّ اليهود والنّصارى تعظّمه ، فقال : فإذا كان العام المقبل إن شاء اللّه صمنا اليوم التّاسع » .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - عاشوراء : وهو العاشر من شهر المحرّم ، لما روى ابن عبّاس رضي الله عنهما « أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء : العاشر من المحرّم » .
وأنّ صومه مستحبّ أو مسنون . فعن أبي قتادة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « سئل عن صيام يوم عاشوراء فقال : يكفّر السّنة الماضية والباقية » .
الحكم الإجماليّ :
3 - صوم يوم تاسوعاء مسنون ، أو مستحبّ ، كصوم يوم عاشوراء ، فقد روي أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء ، فذكروا أنّ اليهود والنّصارى تصومه . فقال صلى الله عليه وسلم إنّه في العام المقبل يصوم التّاسع » إلاّ أنّ صوم يوم عاشوراء آكد في الاستحباب لأنّه يكفّر السّنة الّتي قبله . ففي صحيح مسلم " أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال « صيام يوم عرفة أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله والسّنة الّتي بعده . وصيام يوم عاشوراء أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله »
وفي رواية لمسلم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « فإذا كان العام المقبل إن شاء اللّه صمنا اليوم التّاسع » . قال ابن عبّاس : « فلم يأت العام المقبل حتّى توفّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم » وتكفير سنة : أي ذنوب سنة من الصّغائر ، فإن لم يكن صغائر خفّف من كبائر السّنة ، وذلك التّخفيف موكول لفضل اللّه ، فإن لم يكن كبائر رفع له درجات . وعن عطاء أنّه سمع ابن عبّاس يقول في يوم عاشوراء : « خالفوا اليهود وصوموا التّاسع والعاشر » .
4 - وذكر العلماء في حكمة استحباب صوم يوم تاسوعاء أوجهاً :
أحدهما : أنّ المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر ، وهو مرويّ عن ابن عبّاس ، وفي حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل بسنده إلى ابن عبّاس قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « صوموا يوم عاشوراء ، وخالفوا اليهود ، وصوموا قبله يوماً وبعده يوماً » .
الثّاني : أنّ المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم .
الثّالث : الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع غلط ، فيكون التّاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر وللمزيد من التّفصيل في ذلك ر : ( صوم التّطوّع ) .

تبختر *
انظر : اختيال .

تبديل *
التّعريف :
1 - تبديل الشّيء لغةً : تغييره وإن لم يأت ببدله . يقال : بدّلت الشّيء تبديلاً بمعنى غيّرته تغييراً . والأصل في التّبديل : تغيير الشّيء عن حاله ، وقوله عزّ وجلّ : { يوم تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسّماواتُ } قال الزّجّاج : تبديلها واللّه أعلم : تسيير جبالها ، وتفجير بحارها ، وجعلها مستويةً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً . وتبديل السّماوات : انتشار كواكبها وانفطارها وانشقاقها وتكوير شمسها وخسوف قمرها .
ومعناه في الاصطلاح ، كمعناه في اللّغة ، ومنه النّسخ : وهو رفع حكم شرعيّ بدليل شرعيّ متأخّر . ويطلق التّبديل على الاستبدال في الوقف بمعنى : بيع الموقوف عقاراً كان أو منقولاً ، وشراء عين بمال البدل لتكون موقوفةً مكان العين الّتي بيعت . أو مقايضة عين الوقف بعين أخرى . ويدلّ كلام الحنفيّة على أنّ بيان التّغيير مثل تقييد المطلق وتخصيص العام ، وبيان التّبديل مثل النّسخ أي رفع الحكم الثّابت أوّلاً بنصّ متأخّر .
الحكم الإجماليّ :
للتّبديل أحكام تعتريه ، وهي تختلف باختلاف مواطنه :
2 - التّبديل في الوقف : أجاز الحنفيّة للواقف اشتراط الإدخال والإخراج في وقفه ، كما أجاز له متأخّروهم ما عرف بالشّروط العشرة . وهي الإعطاء ، والحرمان ، والإدخال ، والإخراج ، والزّيادة ، والنّقصان ، والتّغيير ، والإبدال ، والاستبدال ، والبدل أو التّبادل . وخالفهم الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة في ذلك .
فاعتبر الشّافعيّة اشتراط الواقف الرّجوع متى شاء ، أو الحرمان ، أو تحويل الحقّ إلى غير الموقوف عليه متى شاء اشتراطاً فاسداً ، وأجازوا له التّغيير إن كان قدر المصلحة ولم يجزه الحنابلة والمالكيّة ، لأنّه شرط ينافي مقتضى الوقف .
وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى مصطلح ( وقف ) شرط الواقف .
التّبديل في البيع :
ومن التّبديل البيع ، لأنّه تبديل متقوّم بمتقوّم . ولا بدّ فيه من مراعاة الشّروط الشّرعيّة ومن ذلك :
أ - التّبديل في الصّرف :
3 - وهو بيع جنس الأثمان بعضه ببعض ، ويستوي في ذلك مضروبها ومصوغها وتبرها . فإن باع فضّةً بفضّة أو ذهباً بذهب ، جاز متى كان وزناً بوزن ويداً بيد ، والأصل فيه ما رواه عبادة بن الصّامت رضي الله عنه " أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة والتّمر بالتّمر والبرّ بالبرّ والشّعير بالشّعير والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد » ولأنّهما جنسان فجاز التّفاضل فيهما ، كما لو تباعدت منافعهما .
ب - تبديل أحد العوضين بعد تعيّنه في العقد :
4 - إذا تعيّن أحد العوضين في العقد فلا يجوز تبديله ، ومن ذلك المبيع ، فإنّه يتعيّن بالعقد ، أمّا الثّمن فلا يتعيّن بالتّعيين ، إلاّ في مواطن منها : الصّرف والسّلم .
كما تتعيّن الأثمان في الإيداع ، فلا يجوز تبديلها .
وتفصيل ذلك في مصطلح : ( تعيين ) وفي ( الصّرف ، والسّلم ) .
تبديل الدّين :
5 - إن كان التّبديل من دين الإسلام إلى غيره ، وهو المعروف بالرّدّة ، فإنّه لا يقرّ عليه اتّفاقاً ، وتترتّب على ذلك أحكام كثيرة . وتفصيل ذلك في مصطلح ( ردّة ) .
أمّا إن كان تبديل الدّين من دين غير الإسلام إلى دين آخر غير الإسلام أيضاً ، كما لو تهوّد نصرانيّ ، أو تنصّر يهوديّ ، فقد اختلف الفقهاء في إقراره على ذلك ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو غير الأظهر عند الشّافعيّة ، وروايةً عن أحمد إلى أنّه يقرّ على ما انتقل إليه ، لأنّ الكفر كلّه ملّة واحدة .
والأظهر عند الشّافعيّة ، وهو مذهب الحنابلة : أنّه لا يقرّ على ذلك ، لأنّه أحدث ديناً باطلاً بعد اعترافه ببطلانه ، فلا يقرّ عليه ، كما لو ارتدّ المسلم . فإن كانت امرأةً لم تحلّ لمسلم تفريعاً على أنّه لا يقرّ ، فإن كانت زوجةً لمسلم فتهوّدت بعد أن كانت نصرانيّةً فهي كالمرتدّة . فإن كان التّهوّد أو التّنصّر قبل الدّخول تنجّزت الفرقة ، أو بعده توقّفت على انقضاء العدّة ، ولا يقبل منها إلاّ الإسلام ، لأنّها أقرّت ببطلان ما انتقلت عنه وكانت مقرّةً ببطلان المنتقل إليه . ولو انتقل يهوديّ أو نصرانيّ إلى دين غير كتابيّ لم يقرّ ، وفيما يطلب منه الرّجوع إليه عند الاستتابة قولان ، أحدهما : الإسلام فقط ، والثّاني هو أو دينه الأوّل ، وفي قول ثالث هما أو الدّين المساوي لدينه السّابق ، فإن كانت امرأةً تحت مسلم تنجّزت الفرقة قبل الدّخول ، وتوقّفت بعده على انقضاء العدّة .
ولو تهوّد وثنيّ أو تنصّر لم يقرّ لانتقاله عمّا لا يقرّ عليه إلى باطل ، والباطل لا يفيد فضيلة الإقرار ، ويتعيّن الإسلام ، كمسلم ارتدّ ، فإن أبى قتل .
تبديل الشّهادة في اللّعان :
6 - لو أبدل أحد المتلاعنين لفظة أشهد بأقسم ، أو أحلف ، أو أولي ، لم يعتدّ به ، لأنّ اللّعان يقصد فيه التّغليظ ، ولفظ الشّهادة أبلغ فيه ، ولو أبدل لفظة اللّعنة بالإبعاد ، أو أبدلها ( أي لفظة اللّعنة ) بالغضب لم يعتدّ به ، أو أبدلت المرأة لفظة الغضب بالسّخط ، أو قدّمت الغضب فيما قبل الخامسة لم يعتدّ به ، أو أبدلته أي الغضب باللّعنة أو قدّم الرّجل اللّعنة فيما قبل الخامسة لم يعتدّ به لمخالفته المنصوص .
والأصل فيه قوله تعالى : { والّذين يَرْمون أزواجَهم ولم يكن لهم شُهداء إلاّ أنفسُهم فشهادةُ أحدِهم أربعُ شهاداتٍ باللّه إنّه لمن الصّادقين ، والخامسة أنَّ لعنةَ اللّه عليه إنْ كان من الكاذبين ، ويَدْرَأُ عنها العذابَ أن تشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللّه إنّه لمن الكاذبين ، والخامسة أنَّ غضبَ اللّه عليها إنْ كان من الصّادقين } . وتفصيل ذلك في مصطلح ( لعان ) .
تبديل الزّكاة :
7 - ذهب الجمهور إلى عدم جواز تبديل الزّكاة بدفع قيمتها بدلاً من أعيانها ، وذهب الحنفيّة إلى جوازه ، إذ دفع القيمة عندهم أفضل من دفع العين ، لأنّ العلّة في أفضليّة القيمة كونها أعون على دفع حاجة الفقير ، لاحتمال أنّه يحتاج غير الحنطة مثلاً من ثياب ونحوها ، بخلاف دفع العروض ، وهذا في السّعة ، أمّا في الشّدّة فدفع العين أفضل .
وتفصيل ذلك يرجع إليه في ( زكاة الفطر ) .

تبذّل *
التّعريف :
1 - للتّبذّل في اللّغة معان : منها : ترك التّزيّن ، والتّهيّؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التّواضع . ومنه حديث سلمان : « فرأى أمّ الدّرداء متبذّلةً » وفي رواية « مبتذلةً » . والمبذل والمبذلة : الثّوب الخلق . والمتبذّل : لابسه . وفي حديث الاستسقاء « فخرج متبذّلاً متخضّعاً » ، وفي مختار الصّحاح . البِذلة والمِبذلة بكسر أوّلهما : ما يمتهن من الثّياب . وابتذال الثّوب وغيره : امتهانه . ومن معاني التّبذّل أيضاً : ترك التّصاون .
والتّبذّل في الاصطلاح : لبس ثياب البذلة . والبذلة : المهنة . وثياب البذلة هي الّتي تلبس في حال الشّغل ، ومباشرة الخدمة ، وتصرّف الإنسان في بيته .
وهو بهذا لا يخرج في معناه الاصطلاحيّ عمّا ذكر له من معان لغويّة .
حكمه الإجماليّ :
2 - التّبذّل بمعنى ترك التّزيّن . تارةً يكون واجباً ، وتارةً يكون مسنوناً . وتارةً يكون مكروهاً . وتارةً يكون مباحاً ، وهو الأصل .
3 - فيكون واجباً : في الإحداد . وهو ترك الزّينة ونحوها للمعتدّة من الموت أو الطّلاق البائن . ولا خلاف بين عامّة الفقهاء في وجوبه على المتوفّى عنها زوجها ، والأصل فيه قول اللّه تبارك وتعالى : { والّذين يُتوفّون منكم ويَذَرون أزواجاً يَتَرَبَّصْنَ بأنفسهنّ أربعةَ أشهرٍ وعشراً } وقوله صلى الله عليه وسلم : « لا يَحِلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعةَ أشهر وعشراً » .
وإحدادها يكون بتجنّب الزّينة ، والطّيب ، ولبس الحليّ ، والملوّن والمطرّز من الثّياب للتّزيّن ، والكحل والادّهان ، وكلّ ما من شأنه أن تعتبر معه باستعماله متزيّنةً ما لم تدع إلى ذلك ضرورة ، فتقدّر حينئذ بقدرها ، كالكحل مثلاً للرّمد ، فإنّه يرخّص لها باستعماله ليلاً وتمسحه نهاراً ، لما روى أبو داود « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل على أمّ سلمة وهي حادّة على أبي سلمة وقد جعلت في عينها صبراً ، فقال : ما هذا يا أمّ سلمة ؟ فقالت : إنّما هو صبر يا رسول اللّه ليس فيه طيب ، قال : إنّه يشبّ الوجه ، فلا تجعليه إلاّ باللّيل ، وتنزعينه بالنّهار » . وحديث أمّ عطيّة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالت : « كنّا ننهى أن نحدّ على ميّت فوق ثلاث ، إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً ، ولا تكتحل ولا تتطيّب ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلاّ ثوب عصب ، وقد رخّص لنا عند الطّهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار » .
والمطلّقة طلاقاً بائناً كالمتوفّى عنها زوجها عند الحنفيّة ، فيجب عليها تجنّب ما تتجنّبه الحادّة ، إظهاراً للتّأسّف على فوت نعمة النّكاح . وانظر للتّفصيل مصطلح ( إحداد ) .
4 - ويكون التّبذّل مسنوناً في الاستسقاء . وهو طلب العباد السّقيا من اللّه تعالى عند حاجتهم إليها . فيخرجون إلى الصّحراء في ثياب بذلة خاشعين متضرّعين وجلين ناكسين رءوسَهم ، إذ ذلك أقرب إلى الإجابة . فيصلّون ركعتين ، ويكثرون من الدّعاء والاستغفار . قال ابن عبّاس : « خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متبذّلاً متواضعاً متخشّعاً متضرّعاً حتّى أتى المصلّى » . وانظر للتّفصيل مصطلح ( استسقاء ) .
5- ويكون التّبذّل مكروهاً : في الجمعة والعيدين ، لأنّ التّزيّن مسنون لهما باتّفاق ، فيغتسل ويلبس أحسن ثيابه ، والجديد منها أفضل ، وأولاها البياض ، ويتطيّب . والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة ، منها : حديث « من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومسّ من طيب إن كان عنده ، ثمّ أتى الجمعة ، فلم يتخطّ أعناق النّاس ، ثمّ صلّى ما كتب له ، ثمّ أنصت إذا خرج إمامه حتّى يفرغ من صلاته ، كانت كفّارةً لما بينها وبين جمعته الّتي قبلها » وما روي عن عبد اللّه بن سلام رضي الله عنه « أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة يقول : ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبي مهنته » . هذا بالنّسبة للرّجال . أمّا النّساء فإنّهنّ إذا أردن حضور الجمعة والعيدين يتنظّفن بالماء ولا يتطيّبن ، ولا يلبسن الشّهرة من الثّياب ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه ، وليخرجن تفلات » أي غير متعطّرات ، لأنّهنّ إذا تطيّبن ولبسن الشّهرة من الثّياب دعا ذلك إلى الفساد والافتتان بهنّ . فهذه الأحاديث قد دلّت على كراهة التّبذّل للرّجال في الجمعة والعيدين ، وعلى استحبابه بالنّسبة للنّساء فيهما .
وانظر : ( جمعةً وعيدين ) .
ويكره التّبذّل في مجامع النّاس ولقاء الوفود . وانظر لتفصيل ذلك مصطلح : ( تزيّن ) . ويكره تبذّل المرأة لزوجها والرّجل لزوجته ، ذلك لأنّه يستحبّ لكلّ منهما أن يتزيّن للآخر عند عامّة الفقهاء ، لقوله تعالى : { وعاشروهنّ بالمعروف } وقوله تعالى : { ولهنّ مثلُ الّذي عليهنّ بالمعروف } فالمعاشرة بالمعروف حقّ لكلّ منهما على الآخر ، ومن المعروف أن يتزيّن كلّ منهما لصاحبه ، فكما يحبّ الزّوج أن تتزيّن له زوجته . فكذلك هي تحبّ أن يتزيّن لها . قال أبو زيد :" تتّقون اللّه فيهنّ كما عليهنّ أن يتّقين اللّه فيكم ".
وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما : " إنّي لأحبّ أن أتزيّن للمرأة كما أحبّ أن تتزيّن لي ، لأنّ اللّه تعالى يقول : { ولهنّ مثل الّذي عليهنّ بالمعروف } .
وكان محمّد بن الحسن يلبس الثّياب النّفيسة ويقول : إنّ لي نساءً وجواري ، فأزيّن نفسي كي لا ينظرن إلى غيري . وقال أبو يوسف : يعجبني أن تتزيّن لي امرأتي ، كما يعجبها أن أتزيّن لها . وانظر للتّفصيل مصطلح ( زينة ) .
كما يكره التّبذّل في الصّلاة عدا ما كان منه في صلاة الاستسقاء على نحو ما سبق بيانه ، سواء أكان المصلّي فرداً أم في جماعة ، إماماً كان أم مأموماً ، كأن يلبس المصلّي ثوباً يزري به . وذلك لأنّ مريد الصّلاة يعدّ نفسه لمناجاة ربّه ، ولذا يستحبّ له أن يرتدي أكمل ثيابه وأحسنها لقوله تعالى : { يا بَني آدمَ خذوا زينَتكم عندَ كلّ مسجد } وهذه الآية وإن كان نزولها فيمن كان يطوف بالبيت عرياناً إلاّ أنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب ، والمراد ما يستر العورة عند الصّلاة بما لا يصف البشرة ويخلّ بالصّلاة ، والرّجل والمرأة في ذلك سواء .
6- ولكون التّبذّل مباحاً في غير المواضع المذكورة ، كمن يلبس ثياب البذلة في عمله أو شؤونه الخاصّة .
7- أمّا التّبذّل بمعنى عدم التّصاون ، فهو مذموم شرعاً لإخلاله بالمروءة ، ولأنّه يؤدّي إلى عدم قبول الشّهادة .
وهو حرام إن كان عدم التّصاون عن المعاصي وتفصيله في ( الشّهادة ) .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:46 PM

تبذير *
انظر : إسراف .

تبر *
التّعريف :
1 - التّبر لغةً : الذّهب كلّه . وقال ابن الأعرابيّ : التّبر : الفتات من الذّهب والفضّة قبل أن يصاغا ، فإذا صيغا ، فهما ذهب وفضّة . وقال الجوهريّ : التّبر : ما كان من الذّهب غير مضروب . فإذا ضرب دنانير فهو عين ، ولا يقال : تبر إلاّ للذّهب ، وبعضهم يقوله للفضّة أيضاً . وقيل : يطلق التّبر على غير الذّهب والفضّة . كالنّحاس والحديد والرّصاص . واصطلاحاً : اسم للذّهب والفضّة قبل ضربهما ، أو للأوّل فقط ، والمراد الأعمّ .
الأحكام المتعلّقة بالتّبر :
الرّبا في التّبر :
2 - أجمع العلماء على أنّ بيع الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة لا يجوز إلاّ مثلاً بمثل يداً بيد ، لما رواه مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدريّ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تبيعوا الذّهب بالذّهب إلاّ مثلاً بمثل ، ولا تشفّوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الفضّة بالفضّة إلاّ مثلاً بمثل ، ولا تشفّوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها شيئاً غائباً بناجز » وخبر : « الذّهب بالذّهب وزناً بوزن ، ومثلاً بمثل ، يداً بيد ، والفضّة بالفضّة وزناً بوزن ، مثلاً بمثل ، فمن زاد أو استزاد فهو رباً » .
كما أجمعوا على أنّ مسكوكه ، وتبره ، ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلاً ، لما رواه عبادة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال « الذّهب بالذّهب تبرها وعينها ، والفضّة بالفضّة تبرها وعينها ، والبرّ بالبرّ مدي بمدي ، والشّعير بالشّعير مدي بمدي ، والتّمر بالتّمر مدي بمدي ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى » . ولا بأس ببيع الذّهب بالفضّة ، والفضّة أكثرهما ، يداً بيد ، وأمّا نسيئةً فلا ، ولا بأس ببيع البرّ بالشّعير ، والشّعير أكثرهما ، يداً بيد ، وأمّا نسيئةً فلا . ولعموم الأحاديث الواردة بهذا الخصوص .
الزّكاة في تبر الذّهب والفضّة :
3 - الذّهب والفضّة إن كان كلّ منهما نقوداً أو تبراً ففيه الزّكاة ، إذا بلغ نصاباً وحال عليه الحول . ر : ( زكاة : زكاة الذّهب والفضّة ) .
جعل التّبر رأسمال في الشّركات :
4 - يجوز أن يكون التّبر رأس مال في شركة المفاوضة إن تعامل النّاس به - أي باستعماله ثمناً - فينزّل التّعامل حينئذ منزلة الضّرب ، فيكون ثمناً ، ويصلح أن يكون رأس مال ، وهذا عند بعض الفقهاء الحنفيّة . وفي الجامع الصّغير : لا تكون المفاوضة بمثاقيل ذهب أو فضّة ، ومراده التّبر ، فعلى هذه الرّواية التّبر سلعة تتعيّن بالتّعيين ، فلا تصلح رأس مال في المضاربات والشّركات ، ونحوه عند الشّافعيّة .
وقال المالكيّة : لا تجوز الشّركة بتبر ومسكوك ولو تساويا قدراً إن كثر فضل السّكّة ، فإن ساوتها جودة التّبر فقولان كما في الشّامل .
التّبر المستخرج من الأرض :
5 - التّبر المستخرج من الأرض جعل فيه بعض العلماء الخمس لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « في الرّكاز الخمس » وذهب آخرون إلى أنّ فيه ربع العشر ( ر : ركاز ) .
مواطن البحث :
6 - فصّل الفقهاء أحكام التّبر في ( رباً ، وصرف ، وشركة ، وزكاة ، بيع ، ومضاربة ، وركاز ) " كنز " .

تبرّؤ *
انظر : براءة .

تبرّج *
التّعريف :
1 - التّبرّج لغةً : مصدر تبرّج ، يقال تبرّجت المرأة : إذا أبرزت محاسنها للرّجال .
وفي الحديث « كان يكره عشر خلال ، منها : التّبرّج بالزّينة لغير محلّها » والتّبرّج : إظهار الزّينة للرّجال الأجانب وهو المذموم . أمّا للزّوج فلا ، وهو معنى قوله لغير محلّها .
وهو في معناه الشّرعيّ لا يخرج عن هذا . قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى : { غيرَ مُتبرِّجات بِزِينَةٍ } أي غير مظهرات ولا متعرّضات بالزّينة لينظر إليهنّ ، فإنّ ذلك من أقبح الأشياء وأبعدها عن الحقّ . وأصل التّبرّج : التّكشّف والظّهور للعيون . وقال في تفسير قوله تعالى { ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهليّةِ الأُولى } حقيقة التّبرّج : إظهار ما ستره أحسن .
قيل ما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام : كانت المرأة تلبس الدّرع من اللّؤلؤ غير مخيط الجانبين ، وتلبس الثّياب الرّقاق ولا تواري بدنها .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّزيّن :
2 - التّزيّن : اتّخاذ الزّينة ، وهي ما يستعمل استجلاباً لحسن المنظر من الحليّ وغيره ، ومنه قوله تعالى { حتّى إذا أخذتِ الأرضُ زُخرفَها وازَّيَّنَتْ } أي حسنت وبهجت بالنّبات . فأمّا التّبرّج : فهو إظهار تلك الزّينة لمن لا يحلّ له النّظر إليها .
ما يعتبر إظهاره تبرّجاً :
3 - التّبرّج : إظهار الزّينة والمحاسن ، سواء أكانت فيما يعتبر عورةً من البدن : كعنق المرأة وصدرها وشعرها ، وما على ذلك من الزّينة . أو كان فيما لا يعتبر عورةً : كالوجه والكفّين ، إلاّ ما ورد الإذن به شرعاً كالكحل ، والخاتم ، والسّوار ، على ما روي عن ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى : { ولا يُبْدين زينَتَهنّ إلاّ ما ظهرَ منها } قال : ما ظهر منها : الكحل ، والخاتم والسّوار . ولأنّها تحتاج إلى كشف ذلك في المعاملات فكان فيه ضرورة ، على أنّ في اعتبار الوجه والكفّين من العورة خلافاً ينظر في مصطلح ( عورة ) .

الحكم التّكليفيّ للتّبرّج :
تبرّج المرأة :
4 - تبرّج المرأة على أشكاله المختلفة ، سواء ما كان منه بإظهار الزّينة والمحاسن لغير من لا يحلّ له نظر ذلك ، أو ما كان بالتّبختر والاختيال ، والتّثنّي في المشي ، ولبس الرّقيق من الثّياب الّذي يصف بشرتها ، ويبيّن مقاطع جسمها ، إلى غير ذلك - ممّا يبدو منها مثيراً للغرائز ومحرّكاً للشّهوة - حرام إجماعاً لغير الزّوج ، لقول اللّه تبارك وتعالى { وقَرْنَ في بيوتِكنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تبرّجَ الجاهليّة الأُولى } وقوله { ولا يَضْرِبْنَ بأرجُلِهنّ لِيُعْلمَ ما يُخْفِين من زينتهنّ } وذلك أنّ النّساء في الجاهليّة الأولى كنّ يخرجن في أجود زينتهنّ ويمشين مشيةً من الدّلّال والتّبختر ، فيكون ذلك فتنةً لمن ينظر إليهنّ . حتّى القواعد من النّساء ، وهنّ العجائز ونحوهنّ ممّن لا رغبة للرّجال فيهنّ ، نزل فيهنّ قوله تعالى { والقواعدُ من النّساء اللّاتي لا يَرْجون نكاحاً فليس عليهنَّ جُناحٌ أن يَضَعْنَ ثيابَهنّ غيرَ متبَرِّجات بزينةٍ } فأباح لهنّ وضع الخمار ، وكشف الرّأس ونحوه ، ونهاهنّ مع ذلك عن التّبرّج .
تبرّج الرّجل :
تبرّج الرّجل إمّا بإظهار عورته أو تزيّنه ، والتّزيّن إمّا أن يكون موافقاً للشّريعة ، أو مخالفاً لها .
أ - التّبرّج بإظهار العورة :
5 - يحرم على الرّجل كشف عورته أمام الرّجال والنّساء غير زوجته ، أو لحاجة التّداوي والختان ، على خلاف بين الفقهاء في تحديد العورة . ينظر إليه في مصطلح ( عورة ) . ويجوز للمرأة أن تنظر من الرّجل إلى ما ينظر الرّجل إليه من الرّجل إذا أمنت الشّهوة ، لاستواء الرّجل والمرأة في النّظر إلى ما ليس بعورة ، وذهب بعض الفقهاء إلى التّحريم . كما يكره نظر الرّجل إلى فرجه عبثاً من غير حاجة .
ب - التّبرّج بإظهار الزّينة :
6 - إظهار الزّينة من الرّجل قد يكون موافقاً للشّريعة ، وقد يكون مخالفاً لها .
فالتّزيّن المخالف للشّريعة ، كالأخذ من أطراف الحاجب تشبّهاً بالنّساء ، وكوضع المساحيق على الوجه تشبّهاً بالنّساء ، وكالتّزيّن بلبس الحرير والذّهب والتّختّم به وما إلى ذلك ، وهناك صور من التّزيّن اختلف في حكمها . تنظر في ( اختضاب ) وفي ( لحية وتزيّن ) . وأمّا التّزيّن الّذي أباحته الشّريعة ، ومنه تزيّن حضّت عليه : كتزيّن الزّوج لزوجته كتزيّنها له ، وتسريح الشّعر أو حلقه ، لكن يكره القزع ، ويسنّ تغيير الشّيب إلى الحمرة والصّفرة . ويجوز التّزيّن بالتّختّم بالفضّة ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اتّخذ خاتماً من الفضّة » ، إلاّ أنّ الفقهاء اختلفوا في مقدار الخاتم وينظر في مصطلح ( تختّم ) .
تبرّج الذّمّيّة :
7 - الذّمّيّة الحرّة عورتها كعورة المسلمة الحرّة ، حيث لم يفرّق الفقهاء في إطلاقهم للحرّة بين المسلمة وغيرها ، كما أنّهم لم يفرّقوا بين عورة الرّجل المسلم والكافر ، وهذا يقتضي تحريم النّظر إلى عورة الذّمّيّ رجلاً كان أو أنثى ، وعلى ذلك يجب على الذّمّيّة ستر عورتها والامتناع عن التّبرّج المثير للفتنة ، درءاً للفساد ومحافظةً على الآداب العامّة .
من يطلب منه منع التّبرّج ؟
8 - على الأب أن يمنع بنته الصّغيرة عن التّبرّج إذا كانت تشتهى ، حيث لا يباح مسّها والنّظر إليها والحالة هذه لخوف الفتنة ، وكذلك عليه ذلك بالنّسبة لبنته الّتي لم تتزوّج متى كانت في ولايته ، إذ ينبغي له أن يأمرها بجميع المأمورات ، وينهاها عن جميع المنهيّات ، ومثل الأب في ذلك وليّها عند عدمه . وعلى الزّوج منع زوجته عنه ، لأنّه معصية ، فله تأديبها وضربها ضرباً غير مبرّح في كلّ معصية لا حدّ فيه ، إذا لم تستجب لنصحه ووعظه ، متى كان متمشّياً مع المنهج الشّرعيّ . وعلى وليّ الأمر أن ينهى عن التّبرّج المحرّم ، وله أن يعاقب عليه ، وعقوبته التّعزير ، والمراد به التّأديب ، ويكون بالضّرب أو بالحبس أو بالكلام العنيف ، أو ليس فيه تقدير ، بل هو مفوّض إلى رأي من يقوم به وفق مقتضيات الأحوال الّتي يطلب فيها التّعزير . وانظر مصطلح ( تعزير ) .

تبرّز *
انظر : قضاء الحاجة .

تبرّع *
التّعريف :
1 - التّبرّع لغةً : مأخوذ من برع الرّجل وبرع بالضّمّ أيضاً براعةً ، أي : فاق أصحابه في العلم وغيره فهو بارع ، وفعلت كذا متبرّعاً أي : متطوّعاً ، وتبرّع بالأمر : فعله غير طالب عوضاً .
وأمّا في الاصطلاح ، فلم يضع الفقهاء تعريفاً للتّبرّع ، وإنّما عرّفوا أنواعه كالوصيّة والوقف والهبة وغيرها ، وكلّ تعريف لنوع من هذه الأنواع يحدّد ماهيّته فقط ، ومع هذا فإنّ معنى التّبرّع عند الفقهاء كما يؤخذ من تعريفهم لهذه الأنواع ، لا يخرج عن كون التّبرّع بذل المكلّف مالاً أو منفعةً لغيره في الحال أو المآل بلا عوض بقصد البرّ والمعروف غالباً .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّطوّع :
2 - التّطوّع : اسم لما شرع زيادةً على الفرض والواجب وهو فرد من أفراد التّبرّع ، فالتّبرّع قد يكون واجباً ، وقد لا يكون واجباً ، ويكون التّطوّع أيضاً في العبادات ، وهي النّوافل كلّها الزّائدة عن الفروض والواجبات .
الحكم التّكليفيّ للتّبرّع :
3 - حثّ الإسلام على فعل الخير وتقديم المعروف في الكتاب والسّنّة والإجماع ، والتّبرّع بأنواعه المختلفة من الخير ، فيكون مشروعاً بهذه الأدلّة .
أمّا الكتاب فقوله تعالى : { وتعاوَنوا على البِرِّ والتّقوى ولا تَعَاونوا على الإِثم والعدوان } فقد أمر اللّه بالتّعاون على البرّ ، وهو كلّ معروف يقدّم للغير سواء أكان بتقديم المال أم المنفعة . وقوله سبحانه { كُتِبَ عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إنْ ترك خيراً الوصيّةُ للوالدَيْن والأقربين بالمعروف حقّاً على المتّقين } .
وأمّا السّنّة ، فإنّ الأحاديث الدّالّة على أعمال الخير كثيرة ، منها : ما روي عن ابن عمر قال : « أصاب عمر أرضاً بخيبر ، فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها ، فقال : يا رسول اللّه إنّي أصبت أرضاً بخيبر ، لم أصب مالاً قطّ هو أنفس عندي منه . فما تأمرني به ؟ قال : إن شئت حَبسْتَ أصلها وتصدّقتَ بها . قال : فتصدّق بها عمر : أنّه لا يباع أصلها ، ولا يبتاع ، ولا يورث ، ولا يوهب . قال : فتصدّق عمر في الفقراء . وفي القربى ، وفي الرّقاب ، وفي سبيل اللّه ، وابن السّبيل . والضّيف . لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، أو يطعم صديقاً ، غير متموّل فيه . قال : فحدّثت بهذا الحديث محمّداً . فلمّا بلغت هذا المكان : غير متموّل فيه . قال محمّد : غير متأثّل مالاً » .
قال ابن عون : وأنبأني من قرأ هذا الكتاب ، أنّ فيه : غير متأثّل مالاً .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : « تهادوا تحابّوا » وقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه تبارك وتعالى تصدّق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادةً في حياتكم ، ليجعلها لكم زيادةً في أعمالكم » .
وأمّا الإجماع فقد اتّفقت الأمّة على مشروعيّة التّبرّع ، ولم ينكر ذلك أحد .
4 - والتّبرّعات أنواع متعدّدة منها : تبرّع بالعين ، ومنها تبرّع بالمنفعة ، وتكون التّبرّعات ، حالّةً أو مؤجّلةً ، أو مضافةً إلى ما بعد الموت .
والتّبرّع بأنواعه يدور عليه الحكم التّكليفيّ بأقسامه .
5- وقد اتّفق الفقهاء على أنّ التّبرّع ليس له حكم تكليفيّ واحد ، وإنّما تعتريه الأحكام الخمسة : فقد يكون واجباً ، وقد يكون مندوباً ، وقد يكون حراماً ، وقد يكون مكروهاً تبعاً ، لحالة التّبرّع والمتبرّع له والمتبرّع به .
فإن كان التّبرّع وصيّةً ، فتكون واجبةً لتدارك قربة فاتته كزكاة أو حجّ ، وتكون مندوبةً إذا كان ورثته أغنياء وهي في حدود الثّلث ، وتكون حراماً إذا أوصى لمعصية أو بمحرّم ، وتكون مكروهةً إذا أوصى لفقير أجنبيّ وله فقير قريب ، وتكون مباحةً إذا أوصى بأقلّ من الثّلث لغنيّ أجنبيّ وورثته أغنياء . والحكم كذلك في باقي التّبرّعات كالوقف والهبة .
أركان التّبرّع :
6 - التّبرّع أساسه العقد ، ولا بدّ من توافر أركان العقد ، وقد اختلف الفقهاء في عدد هذه الأركان . فالجمهور يرون أنّ للتّبرّع أربعة أركان : متبرّع ، ومتبرّع له ، ومتبرّع به ، وصيغة . فالمتبرّع هو الموصي أو الواهب أو الواقف أو المعير .
والمتبرّع له قد يكون الموصى له أو الموهوب له أو الموقوف عليه أو المستعير .
والمتبرّع به قد يكون موصًى به أو موهوباً أو موقوفاً أو معاراً إلى غير ذلك .
والصّيغة هي الّتي تنشئ التّبرّع وتبيّن إرادة المتبرّع .
أمّا الحنفيّة فللتّبرّع عندهم ركن واحد ، وهو الصّيغة ، والخلاف عندهم فيما تتحقّق به هذه الصّيغة ، وهذا يختلف تبعاً لنوع التّبرّع .
شروط التّبرّع :
7 - لكلّ نوع من التّبرّعات شروط إذا تحقّقت كان التّبرّع صحيحاً .
وإذا لم تتحقّق لم يكن صحيحاً ، وهذه الشّروط كثيرة ومتنوّعة ، فبعضها يتعلّق بالمتبرّع ، وبعضها يتعلّق بالمتبرّع له ، وبعضها يتعلّق بالمتبرّع به ، وبعضها يتعلّق بالصّيغة ، وتفصيل شروط كلّ نوع من التّبرّعات في مصطلحه .
آثار التّبرّع :
8 - التّبرّع إذا تمّ بشروطه الشّرعيّة يترتّب عليه أثر شرعيّ ، وهو انتقال المتبرّع به إلى المتبرّع له ، ويختلف ذلك باختلاف المتبرّع به .
ففي الوصيّة مثلاً ينتقل الملك من الموصي بعد وفاته إلى الموصى له بقبوله ، سواء أكان الموصى به أعياناً أم منافع ، وفي الهبة ينتقل ملك الموهوب من الواهب إلى الموهوب له إذا قبضه عند جمهور الفقهاء ، ويتوقّف انتقاله على القبض عند الحنفيّة . وفي العاريّة ينتقل حقّ الانتفاع إلى المستعير انتقالاً مؤقّتاً ، وأمّا الوقف فقد اختلفوا في انتقال الملك وعدمه ، فعند الحنفيّة والشّافعيّة والمشهور من مذهب أحمد : أنّ الوقف يخرج عن ملك الواقف ويبقى على ملك اللّه تعالى ، وعند المالكيّة وهو رواية عن أحمد أنّه يبقى على ملك صاحبه واستدلّوا بما روي « عن عمر رضي الله عنه لمّا وقف أسهماً له بخيبر قال له النّبيّ عليه الصلاة والسلام : حبّس أصلها » فاستنبطوا من ذلك النّصّ بقاء الموقوف على ملك واقفه ، وبالجملة فإنّ التّبرّع ينتج أثراً شرعيّاً ، وهو انتقال الملك في العين أو المنفعة من المتبرّع إلى المتبرّع له إذا تمّ العقد بشروطه .
وفي المسألة تفصيلات واختلاف يرجع إليها في ( عاريّة . هبة . وقف . وصيّة . إلخ ) .
ما ينتهي به التّبرّع :
9 - انتهاء التّبرّع قد يكون ببطلانه ، وقد يكون بغير فعل من أحد ، وقد يكون بفعل التّبرّع أو غيره . والأصل في التّبرّع عدم انتهائه لما فيه من البرّ والمعروف ، باستثناء الإعارة لأنّها مؤقّتة . وباستعراض أقوال الفقهاء في انتهاء التّبرّع يتبيّن أنّ الانتهاء يتّسع في بعض أنواع التّبرّع ، ويضيق في بعضها الآخر ، ومن ناحية أخرى فقد يكون إنهاء بعض التّبرّعات غير ممكن كالوقف عند جمهور الفقهاء ، وقد يكون أمراً حتميّاً كالإعارة .
وتفصيل ما يتعلّق بكلّ نوع من التّبرّعات ينظر في مصطلحه .

تبرّك *
التّعريف :
1 - التّبرّك لغةً : طلب البركة ، والبركة هي : النّماء والزّيادة ، والتّبريك : الدّعاء للإنسان بالبركة . وبارك اللّه الشّيء وبارك فيه وعليه : وضع فيه البركة ، وفي التّنزيل : { وهذا كتابٌ أَنزلْناه مبارَك } وتبرّكت به تيمّنت به . قال الرّاغب الأصفهانيّ : البركة ثبوت الخير الإلهيّ في الشّيء . قال تعالى : { ولو أنَّ أهلَ القرى آمنوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عليهم بركاتٍ من السّماء والأرض } { وهذا ذِكْر مبارك أنزلناه } تنبيهاً على ما يفيض به من الخيرات الإلهيّة . وعلى هذا فالمعنى الاصطلاحيّ للتّبرّك هو : طلب ثبوت الخير الإلهيّ في الشّيء .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّوسّل :
2 - التّوسّل لغةً : التّقرّب . يقال : توسّل العبد إلى ربّه بوسيلة إذا تقرّب إليه بعمل .
وفي التّنزيل : { وابْتَغُوا إليه الوسيلةَ } .
ب - الشّفاعة :
3 - الشّفاعة : لغةً من مادّة شفع ، ويقال : استشفعت به : طلبت منه الشّفاعة . وقال الرّاغب الأصفهانيّ : الشّفاعة الانضمام إلى آخر ناصراً له وسائلاً عنه ، وشفّع وتشفّع : طلب الشّفاعة ، والشّفاعة : كلام الشّفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ، والشّافع : الطّالب لغيره ، وشفع إليه في معنى : طلب إليه قضاء حاجة المشفوع له .
وفي الاصطلاح : الضّراعة والسّؤال في التّجاوز عن ذنوب المشفوع له أو قضاء حاجته .
ج - الاستغاثة :
4 - الاستغاثة لغةً : طلب الغوث ، وفي التّنزيل : { إذْ تستغيثون ربَّكم } وأغاثه إغاثةً : إذا أعانة ونصره ، فهو مغيث ، وأغاثهم اللّه برحمته : كشف شدّتهم .
الحكم التّكليفيّ :
التّبرّك مشروع في الجملة على التّفصيل التّالي :
- 1 - التّبرّك بالبسملة والحَمْدَلَة :
5 - ذهب بعض أهل العلم إلى سنّيّة ابتداء كلّ أمر ذي بال يهتمّ به شرعاً - بحيث لا يكون محرّماً لذاته ، ولا مكروهاً لذاته ، ولا من سفاسف الأمور ومحقّراتها - بالبسملة والحمدلة ، كلّ في موضعه على سبيل التّبرّك .
وجرى العلماء في افتتاح كلماتهم وخطبهم ومؤلّفاتهم وكلّ أعمالهم المهمّة بالبسملة عملاً بما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه فهو أبتر أو أقطع أو أجذم » وفي رواية أخرى : « كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد للّه فهو أبتر أو أقطع أو أجذم » ومن هذا الباب الإتيان بالبسملة عند الأكل ، والشّرب ، والجماع ، والاغتسال ، والوضوء ، والتّلاوة ، والتّيمّم ، والرّكوب والنّزول وما إلى ذلك .
- 2 - التّبرّك بآثار النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
6 - اتّفق العلماء على مشروعيّة التّبرّك بآثار النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأورد علماء السّيرة والشّمائل والحديث أخباراً كثيرةً تمثّل تبرّك الصّحابة الكرام رضي الله عنهم بأنواع متعدّدة من آثاره صلى الله عليه وسلم نجملها فيما يأتي :
أ - في وضوئه :
7 - « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه » ، لفرط حرصهم على التّبرّك بما مسّه صلى الله عليه وسلم ببدنه الشّريف ، وكان من لم يصب من وضوئه يأخذ من بلل يد صاحبه .
ب - في ريقه ونخامته :
8 - « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يبصق بصاقاً ولا يتنخّم نخامةً إلاّ تلقّوها ، وأخذوها من الهواء ، ووقعت في كفّ رجل منهم ، فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم ، ومسحوا بها جلودهم وأعضاءهم تبرّكاً بها » . « وكان يتفل في أفواه الأطفال ، ويمجّ ريقه في الأيادي ، وكان يمضغ الطّعام فيمجّه في فم الشّخص » ، « وكان الصّحابة يأتون بأطفالهم ليحنّكهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجاء البركة » .
ج - في دمه صلى الله عليه وسلم :
9 - ثبت أنّ بعض الصّحابة شربوا دمه صلى الله عليه وسلم على سبيل التّبرّك ، فعن عبد اللّه بن الزّبير رضي الله عنه « أنّه أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم ، فلمّا فرغ قال : يا عبد اللّه اذهب بهذا الدّم فأهرقه حيث لا يراك أحد فشربه ، فلمّا رجع ، قال : يا عبد اللّه ما صنعت ؟ قال : جعلته في أخفى مكان علمت أنّه مخفيّ عن النّاس ، قال : لعلّك شربته ؟ قلت : نعم . قال : ويل للنّاس منك ، وويل لك من النّاس » فكانوا يرون أنّ القوّة الّتي به من ذلك الدّم . وفي رواية « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له : من خالط دمه دمي لم تمسّه النّار » .
د - في شعره صلى الله عليه وسلم :
10 - « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوزّع شعره بين الصّحابة عندما يحلق رأسه الشّريف » ، وكان الصّحابة رضي الله عنهم يحرصون على أن يحصّلوا شيئاً من شعره صلى الله عليه وسلم ويحافظون على ما يصل إلى أيديهم منه للتّبرّك به . فعن أنس رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتى منًى فأتى الجمرة فرماها ثمّ أتى منزله بمنًى ونحر ، ثمّ قال : للحلّاق : خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثمّ الأيسر ، ثمّ جعل يعطيه النّاس » .
وفي رواية : « لمّا رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلّاق شقّه الأيمن ، فحلقه ، ثمّ دعا أبا طلحة الأنصاريّ رضي الله عنه فأعطاه إيّاه ، ثمّ ناوله الشّقّ الأيسر فقال : احلق ، فحلقه ، فأعطاه أبا طلحة ، فقال : اقسمه بين النّاس » . وفي رواية : « فبدأ بالشّقّ الأيمن فوزّعه الشّعرة والشّعرتين بين النّاس ، ثمّ قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك » .
وروي « أنّ خالد بن الوليد رضي الله عنه : فقد قلنسوةً له يوم اليرموك ، فطلبها حتّى وجدها ، وقال : اعتمر رسول اللّه فحلق رأسه فابتدر النّاس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة ، فلم أشهد قتالاً وهي معي إلاّ رزقت النّصر » .
وعن أنس رضي الله عنه قال : « لقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والحلّاق يحلقه وأطاف به أصحابه ، فما يريدون أن تقع شعرة إلاّ في يد رجل » .
هـ - في سؤره وطعامه صلى الله عليه وسلم :
11 - ثبت أنّ الصّحابة رضي الله عنهم كانوا يتنافسون في سؤره صلى الله عليه وسلم ليحوز كلّ واحد منهم البركة الّتي حلّت في الطّعام أو الشّراب من قبل الرّسول صلى الله عليه وسلم . فعن سهل بن سعد رضي الله عنه : « أنّ رسول اللّه أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام ، وعن يساره الأشياخ فقال للغلام : أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟ فقال الغلام : - وهو ابن عبّاس رضي الله عنهما - : واللّه يا رسول اللّه لا أوثر بنصيبي منك أحداً ، فتلّه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في يده » .
وعن عميرة بنت مسعود رضي الله عنها : « أنّها دخلت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم هي وأخواتها يبايعنه ، وهنّ خمس ، فوجدته يأكل قديده ، فمضغ لهنّ قديدةً ، ثمّ ناولني القديدة ، فمضغتها كلّ واحدة قطعةً قطعةً ، فلقين اللّه وما وجد لأفواههنّ خلوف » . وفي حديث خنس بن عقيل : « سقاني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم شربةً من سويق شرب أوّلها وشربت آخرها ، فما برحت أجد شبعها إذا جعت ، وريّها إذا عطشت ، وبردها إذا ظمئت » .
و - في أظافره صلى الله عليه وسلم :
12 - ثبت أنّه صلى الله عليه وسلم قلّم أظافره ، وقسمها بين النّاس للتّبرّك بها ، فقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله ، من حديث محمّد بن زيد أنّ أباه حدّثه : « أنّه شهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم على المنحر ورجلاً من قريش ، وهو يقسم أضاحيّ ، فلم يصبه منها شيء ولا صاحبه ، فحلق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رأسه في ثوبه ، فأعطاه فقسم منه على رجال ، وقلّم أظافره فأعطاه صاحبه » . وفي رواية « ثمّ قلّم أظافره وقسمها بين النّاس » .
ز - في لباسه صلى الله عليه وسلم وأوانيه :
13 - ثبت كذلك أنّ الصّحابة رضي الله عنهم كانوا يحرصون على اقتناء ملابسه وأوانيه للتّبرّك بها والاستشفاء . فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما : « أنّها أخرجت جبّةً طيالسةً وقالت : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها » . وفي رواية : « فنحن نغسلها نستشفي بها » .
وروي عن أبي محمّد الباجيّ قال : « كانت عندنا قصعة من قصاع النّبيّ صلى الله عليه وسلم فكنّا نجعل فيها الماء للمرضى ، يستشفون بها ، فيشفون بها » .
ح - في ما لمسه صلى الله عليه وسلم ومصلّاه :
14 - كان الصّحابة رضي الله عنهم يتبرّكون فيما تلمس يده الشّريفة صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك « بركة يده فيما لمسه وغرسه لسلمان رضي الله عنه حين كاتبه مواليه على ثلثمائة ودية وهو صغار النّخل يغرسها لهم كلّها ، تعلّق وتطعم ، وعلى أربعين أوقيّة من ذهب ، فقام صلى الله عليه وسلم وغرسها له بيده ، إلاّ واحدةً غرسها غيره ، فأخذت كلّها إلاّ تلك الواحدة ، فقلعها النّبيّ صلى الله عليه وسلم وردّها فأخذت » وفي رواية : « فأطعم النّخل من عامه إلاّ الواحدة ، فقلعها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وغرسها فأطعمت من عامها ، وأعطاه مثل بيضة الدّجاجة من ذهب ، بعد أن أدارها على لسانه ، فوزن منها لمواليه أربعين أوقيّة ، وبقي عنده مثل ما أعطاهم » .
« ووضع يده الشّريفة صلى الله عليه وسلم على رأس حنظلة بن حذيم وبرّك عليه ، فكان حنظلة يؤتى بالرّجل قد ورم وجهه ، والشّاة قد ورم ضرعها ، فيوضع على موضع كفّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيذهب الورم » .
« وكان يؤتى إليه صلى الله عليه وسلم بالمرضى وأصحاب العاهات والمجانين فيمسح عليهم بيده الشّريفة صلى الله عليه وسلم فيزول ما بهم من مرض وجنون وعاهة » .
وكذلك كانوا يحرصون على أن يصلّي النّبيّ صلى الله عليه وسلم في مكان من بيوتهم ، ليتّخذوه مصلًّى لهم بعد ذلك ، وتحصل لهم بركة النّبيّ صلى الله عليه وسلم . فعن عتبان بن مالك رضي الله عنه - وهو ممّن شهد بدراً - قال : « كنت أصلّي لقومي بني سالم ، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار ، فيشقّ عليّ اجتيازه قبل مسجدهم ، فجئت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقلت له : إنّي أنكرت بصري ، وإنّ الوادي الّذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشقّ عليّ اجتيازه ، فوددت أنّك تأتي فتصلّي في بيتي مكاناً أتّخذه مصلًّى ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : سأفعل إن شاء اللّه فغدا عليّ رسول اللّه وأبو بكر رضي الله عنه بعدما اشتدّ النّهار ، واستأذن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأذنت له ، فلم يجلس حتّى قال : أين تحبّ أن أصلّي من بيتك ؟ فأشرت له إلى المكان الّذي أحبّ أن يصلّي فيه ، فقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فكبّر وصففنا وراءه فصلّى ركعتين ثمّ سلّم ، وسلّمنا حين سلّم » .
- 3 - التّبرّك بماء زمزم :
15 - ذهب العلماء إلى سنّيّة شرب ماء زمزم لمطلوبه في الدّنيا والآخرة ، لأنّها مباركة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « ماء زمزم لما شرب له » .
- 4 - التّبرّك ببعض الأزمنة والأماكن في النّكاح :
16 - ذهب جمهور العلماء إلى استحباب مباشرة عقد النّكاح في المسجد ، وفي يوم الجمعة للتّبرّك بهما ، فقد قال الرّسول صلى الله عليه وسلم : « أعلنوا هذا النّكاح ، واجعلوه في المساجد ، واضربوا عليه بالدّفوف » .

تبسّط *
انظر : توسعة .

تبع *
انظر : تابع .

تبعّض *
انظر : تبعيض .

تبعة *
انظر : اتّباع ، ضمان .

تبعيض *
التّعريف :
1 - التّبعيض في اللّغة : التّجزئة ، وهو مصدر بعّض الشّيء تبعيضاً ، أي جعله أبعاضاً أي أجزاءً متمايزةً . وبعض الشّيء : جزؤه ، وهو طائفة منه سواء قلّت أو كثرت . ومنه : أخذوا ماله فبعّضوه ، أي : فرّقوه أجزاءً .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة التّبعيض عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّفريق :
2 - التّفريق : مصدر فرّق الشّيء تفريقاً ، أي فصله أبعاضاً ، فيكون بمعنى التّبعيض والتّجزّؤ ، وهو ضدّ الجمع . وفرّقت بين الرّجلين فتفرّقا . قال ابن الأعرابيّ : فرّقت بين الكلامين فافترقا ، مخفّف ، وفرّقت بين العبدين فتفرّقا مثقّل ، فجعل المخفّف في المعاني ، والمثقّل في الأعيان . والّذي حكاه غيره أنّهما بمعنًى ، والتّثقيل للمبالغة .
ويأتي التّفريق بين الشّيئين بمعنى التّمييز بينهما .
الحكم التّكليفيّ :
3 - ليس للتّبعيض حكم عامّ جامع ، ولا يمكن اطّراده على حكم واحد ، ويختلف حكمه باختلاف ما يتعلّق به من العبادات ، والمعاملات والدّعاوى ، والجنايات ، وغيرها على ما سيأتي .
أهمّ القواعد الّتي تبنى عليها مسائل التّبعيض وأحكامها :
4 - تبنى أحكام التّبعيض من ناحية الجواز وعدمه على قواعد فقهيّة كثيرة في المذاهب المختلفة ، نجمل أهمّها فيما يأتي :
أ - قاعدة " ذكر بعض ما لا يتجزّأ كذكر كلّه " .
5- فإذا طلّق المرأة نصف تطليقة وقعت واحدة . أو طلّق نصف المرأة طلقت .
وللقاعدة فروع أخرى عند الحنفيّة . يأتي ذكر بعضها في مواضعها ، ونظيرها عند الشّافعيّة قاعدة " ما لا يقبل التّبعيض فاختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه " .
ب - " ما جاز على البدل لا يدخله تبعيض في البدل والمبدل منه معاً " :
6- ولهذا قال الرّافعيّ في باب العدد : الواجب الواحد لا يتأدّى ببعض الأصل ، وبعض البدل كخصال الكفّارة ، وكالتّيمّم مع الوضوء ، أمّا في أحدهما فنعم ، كما لو وجد من الماء ما لا يكفيه ، فإنّه يستعمله ويتيمّم عن الباقي .
فهذا يجوز عند الشّافعيّة والحنابلة ، ولا يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة . كما سيأتي بيانه .
ج - قاعدة " الميسور لا يسقط بالمعسور " .
7- قال ابن السّبكيّ : هي من أشهر القواعد المستنبطة من قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » ومن أمثلتها ما إذا قدر المصلّي على بعض الفاتحة لزمه قطعاً . وكما لو وجد بعض الصّاع من الفطرة لزمه إخراجه على الأصحّ ، ويخرج عن هذه القاعدة أمور منها : أنّه لو وجد المحدث الفاقد للماء ثلجاً أو برداً ، وتعذّرت إذابته فلا يجب مسح الرّأس به على المذهب ، وكما إذا وجد في الكفّارة المرتّبة بعض الرّقبة لا يجب قطعاً ، لأنّ الشّرع قصد تكميل العتق قطعاً . وسيأتي تفصيل هذه الأحكام .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:04 PM

أحكام التّبعيض :
التّبعيض في الطّهارة :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّبعيض يتأتّى في الطّهارة : فإن قطعت يد الشّخص من المرفق غسّل ما بقي من محلّ الفرض ، وكذلك كلّ عضو سقط بعضه يتعلّق الحكم بباقيه غسلاً ومسحاً ، طبقاً لقاعدة " الميسور لا يسقط بالمعسور " .
وإذا وجد الجنب ماءً يكفي غسل بعض أعضائه ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وابن المنذر ، وهو أحد قولي الشّافعيّ إلى أنّه يتيمّم ويتركه ، لأنّ هذا الماء لا يطهّره ، فلم يلزمه استعماله كالماء المستعمل ، ولما فيه من الجمع بين البدل والمبدل ، ولأنّ ما جاز على البدل لا يدخله تبعيض . وهو قول الحسن ، والزّهريّ ، وحمّاد .
وذهب الحنابلة ، وهو قول آخر للشّافعيّ إلى أنّه يلزمه استعماله ، ويتيمّم للباقي . وبه قال عبدة بن أبي لبابة ومعمر ، ونحوه قال عطاء . وأمّا إن وجد المحدث حدثاً أصغر بعض ما يكفيه من ماء فالحكم لا يختلف عند من لا يجوّز الجمع بين البدل والمبدل منه . وعند الشّافعيّة يجب استعماله على الأصحّ ، وهو وجه للحنابلة أيضاً ، لأنّه قدر على بعض الطّهارة بالماء فلزمه كالجنب ، وكما لو كان بعض بدنه صحيحاً وبعضه جريحاً .
ومأخذ من لا يراه من الحنابلة : إمّا أنّ الحدث الأصغر لا يتبعّض رفعه فلا يحصل به مقصوده ، أو أنّه يتبعّض لكنّه يبطل بالإخلال بالموالاة ، فلا يبقى له فائدة ، أو أنّ غسل بعض أعضاء المحدث غير مشروع ، بخلاف غسل بعض أعضاء الجنب .
وعلى هذا الخلاف الجريح والمريض إذا أمكن غسل بعض جسده دون بعض ، فقد قال أبو حنيفة ومالك : إن كان أكثر بدنه صحيحاً غسّل ولا تيمّم عليه ، وإن كان العكس تيمّم ولا غسل عليه ، لأنّ الجمع بين البدل والمبدل لا يجب كالصّيام والإطعام . ويلزمه غسل ما أمكنه ، والتّيمّم للباقي عند الحنابلة ، وبه قال الشّافعيّ .
9- وإذا توضّأ ومسح على خفّيه ، ثمّ خلعهما قبل انقضاء المدّة ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو قول للشّافعيّ ، ورواية عن أحمد : أنّه يجزئه غسل قدميه .
ومذهب الحنابلة ، وهو قول آخر للشّافعيّ : أنّه إذا خلع خفّيه قبل انقضاء المدّة بطل وضوءه ، وبه قال النّخعيّ والزّهريّ ومكحول والأوزاعيّ وإسحاق . وهذا الاختلاف مبنيّ على الاختلاف في وجوب الموالاة في الوضوء ، فمن أجاز التّفريق جوّز غسل القدمين لأنّ سائر أعضائه مغسولة ، ومن منع التّفريق أبطل وضوءه لفوات الموالاة .
ونزع أحد الخفّين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم ، منهم : مالك والثّوريّ والأوزاعيّ وابن المبارك والشّافعيّ ، وأصحاب الرّأي ، والحنابلة . ويلزمه نزع الآخر . وقال الزّهريّ يغسل القدم الّتي نزع الخفّ منها ، ويمسح الآخر ، لأنّهما عضوان فأشبها الرّأس والقدم .
كما أنّه لا يجوز غسل إحدى الرّجلين والمسح على الأخرى ، لأنّ الشّارع خيّر المتوضّئ بين غسل الرّجلين والمسح على الخفّين ، لأنّه لا يجمع بين البدل والمبدل منه .
10 - وأمّا التّبعيض في مسح الرّأس : فقد اتّفق الفقهاء على وجوب مسح الرّأس واختلفوا في قدر الواجب : فذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد إلى أنّ المتوضّئ يجزئه مسح بعض الرّأس ، وإليه ذهب الحسن والثّوريّ والأوزاعيّ ، وقد نقل عن سلمة بن الأكوع أنّه كان يمسح مقدّم رأسه ، وابن عمر مسح اليافوخ .
وذهب المالكيّة ، وهو رواية عن أحمد إلى وجوب مسح جميعه في حقّ كلّ أحد ، إلاّ أنّ الظّاهر عن أحمد في حقّ الرّجل : وجوب الاستيعاب ، وأنّ المرأة يجزئها مسح مقدّم رأسها .وفي موضع المسح وبيان القدر المجزئ تفصيل ذكر في موطنه . ر : مصطلح ( وضوء ) .
التّبعيض في الصّلاة :
11 - ذهب الأئمّة الأربعة إلى جواز التّبعيض في بعض أفعال الصّلاة ، ومنها ما يلي :
إذا قدر المصلّي على بعض الفاتحة : فذهب المالكيّة والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّه يلزمه ، والأصل في هذا الباب عند الشّافعيّة قاعدة " الميسور لا يسقط بالمعسور " أي عدم القدرة على الكلّ لا يسقط البعض المقدور عليه ، وعند الحنابلة قاعدة " من قدر على بعض العبادة ، فما هو جزء من العبادة - وهو عبادة مشروعة في نفسه - فيجب فعله عند تعذّر فعل الجميع بغير خلاف " .
وأمّا الحنفيّة فلا يتأتّى هذا عندهم ، لأنّ قراءة الفاتحة في الصّلاة لا تتعيّن ، وتجزئ آية من القرآن من أيّ موضع كان .
وإذا وجد المصلّي بعض ما يستر به العورة ، فذهب الأئمّة الأربعة إلى أنّه يلزمه قطعاً . وكذلك لو عجز عن الرّكوع والسّجود دون القيام " لزماه عند غير الحنفيّة ، وإذا لم يمكنه رفع اليدين في الصّلاة إلاّ بالزّيادة أو النّقصان أتى بالممكن ، للقواعد المذكورة ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » .
التّبعيض في الزّكاة :
12 - من أتلف جزءاً من النّصاب قصداً للتّنقيص لتسقط عنه الزّكاة ، لم تسقط عند الإمام مالك والحنابلة ، وتؤخذ الزّكاة منه في آخر الحول إذا كان إبداله أو إتلافه عند قرب الوجوب ، ولو فعل ذلك في أوّل الحول لم تجب الزّكاة لأنّ ذلك ليس بمظنّة للفرار . وبه قال الأوزاعيّ ، وابن الماجشون ، وإسحاق وأبو عبيد . وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة : تسقط عنه الزّكاة ، لأنّه نقص قبل تمام الحول ، فلم تجب فيه الزّكاة ، كما لو أتلفه لحاجته .
التّبعيض في الصّوم :
13 - لا يصحّ صيام بعض اليوم ، فمن قدر على صوم بعض اليوم لا يلزمه إمساكه ، لأنّه ليس بصوم شرعيّ . وأمّا من قدر على صوم بعض أيّام رمضان دون جميعه فإنّه يلزمه صوم ما قدر عليه ، لقوله تعالى : { فمنْ شَهِدَ منكم الشّهرَ فَلْيصمه ومن كان مريضاً أو على سَفَر فَعِدَّةٌ من أيّام أُخَر } .
التّبعيض في الحجّ :
أ - التّبعيض في الإحرام :
14 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّبعيض لا يؤثّر في انعقاد الإحرام ، فإذا قال : أحرمت بنصف نسك ، انعقد بنسك كامل ، طبقاً لقاعدة : " المضاف للجزء كالمضاف للكلّ " وقاعدة : " ذكر بعض ما لا يتجزّأ كذكر كلّه " وكذلك قاعدة " ما لا يقبل التّبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه " .
كما أجمع أهل العلم على أنّه لا فرق بين تغطية جميع الرّأس وتغطية بعضه ، وكذلك تغطية جميع الوجه بالنّسبة للمرأة ، وقلم جميع الأظفار أو بعضها ، وحلق جميع الرّأس ، أو بعضه ، فإنّ المحرم يمنع من تغطية بعض رأسه ، كما يمنع من تغطية جميعه ، وهكذا ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا تخمّروا رأسه » والمنهيّ عنه يحرم فعل بعضه . كذلك لما قال تعالى : { ولا تَحْلِقُوا رءوسَكم } حرم حلق بعضه . وإنّما الفرق فيما يترتّب على ذلك من دم وفدية . وانظر مصطلح ( إحرام وحجّ ) .
ب - التّبعيض في الطّواف :
15 - اتّفق الفقهاء على أنّ الطّواف إنّما شرع بجميع البيت ، وأنّ ترك بعض البيت في الطّواف مبطل له . وقال الحنفيّة : إن طاف داخل الحجر فعليه قضاء ما ترك ، فإن لم يفعل فعليه دم . أمّا التّبعيض في عدد أشواط الطّواف فلا يجوز نقصه عن سبعة كاملة خلافاً للحنفيّة القائلين : بأنّ الأشواط الأربعة ركن ، وما زاد عليها واجب .
وصرّح الشّافعيّة بأنّه لا بدّ في الطّواف أن يمرّ في الابتداء بجميع البدن على جميع الحجر الأسود ، فلو حاذاه ببعض بدنه ، وكان بعضه الآخر مجاوزاً إلى جانب الباب ففيه قولان عندهم : الجديد : أنّه لا يعتدّ بذلك الشّوط . والقديم : يعتدّ به .
وعند الحنابلة احتمالان ، وأمّا لو حاذى بجميع البدن بعض الحجر دون بعضه أجزأه ، كما يجزئه أن يستقبل في الصّلاة بجميع بدنه بعض الكعبة .
التّبعيض في النّذور :
16 - من نذر صلاة نصف ركعة أو صيام بعض يوم : فذهب الحنفيّة ما عدا محمّداً وزفر ، والمالكيّة ما عدا ابن الماجشون ، وهو وجه عند الشّافعيّة : إلى أنّه يجب تكميله ، والتّكميل في الصّوم يكون بصيام يوم كامل .
وفيه وجه ضعيف عند الشّافعيّة : أنّه يكفيه إمساك بعض يوم ، بناءً على أنّ النّذر ينزّل على أقلّ ما يصحّ من جنسه ، وأنّ إمساك بعض اليوم صوم . واختلفوا في الصّلاة أيضاً .
فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ، وهو رواية عن الحنابلة ، وقول عند الشّافعيّة : إلى أنّه لا يجزئه إلاّ ركعتان . ونقل الجرهديّ في شرح الفرائد البهيّة : أنّ هذا هو المعتمد والموافق للقاعدة ، وهي : ما لا يقبل التّبعيض فاختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه . ولأنّ أقلّ الصّلاة الواجبة بالشّرع ركعتان ، فوجب حمل النّذر عليه .
وذهب المالكيّة ، وهو قول عند الحنابلة إلى أنّه يجزئه ركعة واحدة ، لأنّ أقلّ الصّلاة ركعة . وذهب الشّافعيّة في الأصحّ ، وابن الماجشون من المالكيّة ، ومحمّد وزفر من الحنفيّة إلى أنّه في هذه الحالة : أي إذا نذر صلاة نصف ركعة ، أو صيام بعض يوم لا ينعقد نذره ، فلا يلزمه شيء ولا يجب الوفاء به . ولتفصيل ذلك كلّه يرجع إلى مصطلح ( نذر ، أيمان ) .
التّبعيض في الكفّارة :
17 - اختلف الفقهاء في جواز التّبعيض في الكفّارة : فذهب المالكيّة والشّافعيّة ، وهو وجه عند الحنابلة : إلى أنّه لا يجوز تبعيض الكفّارة ، فلا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويصوم شهراً ، ويصوم شهراً أو يطعم ثلاثين مسكيناً ، أو يكفّر عن يمينه بإطعام خمسة مساكين وكسوة خمسة ، لأنّ ما جاز فيه التّخيير لا يجوز فيه التّبعيض ، إلاّ أن يكون الحقّ لمعيّن ورضي تبعيضه ، والحقّ هنا للّه تعالى .
وذهب الحنفيّة ، وهو المشهور عند الحنابلة إلى جواز التّبعيض في الكفّارة .
قال الحنابلة : إن أطعم خمسة مساكين وكسا خمسةً مطلقاً جاز ، لأنّه أخرج من المنصوص عليه بعدّة الواجب ، فأجزأه كما لو أخرجه من جنس واحد .
وأمّا عند الحنفيّة فيجزئه ذلك عن الإطعام إن كان الإطعام أرخص من الكسوة ، وإن كان على العكس فلا يجوز . هذا في إطعام الإباحة ( التّمكين من التّناول دون التّزوّد ) أمّا إذا ملّكه الطّعام فيجوز ويقام مقام الكسوة .
التّبعيض في البيع :
18 - يجوز التّبعيض في البيع إذا لم يكن فيه ضرر يرجع على أحد المتبايعين في القبض والتّسليم ، أو لا يفضي إلى الجهالة والمنازعة ، ولا خلاف في هذا .
واختلف الفقهاء في الآثار الّتي تترتّب على وقوع التّبعيض ، وفيما يلي بيان ذلك :
يختلف حكم التّبعيض باختلاف كون العقد وقع على مثليّ كالمكيل ، أو الموزون ، أو المذروع ، أو قيميّ .
19 - فإن كان العقد قد وقع على مثليّ ( مكيل أو موزون ) ولم يكن في تبعيضه ضرر ، كمن باع صبرةً على أنّها مائة قفيز بمائة درهم ، وهي أقلّ أو أكثر .
فذهب الحنفيّة إلى أنّ للمشتري أن يأخذ الأقلّ بحصّته أو يفسخ ، وهو مذهب المالكيّة والشّافعيّة ، وأحد الوجهين عند الحنابلة ، لتفريق الصّفقة ، ولأنّه وجد المبيع ناقصاً فكان له الفسخ كغير الصّبرة ، وكنقصان الصّفة .
والوجه الثّاني للحنابلة : أنّه لا خيار له ، لأنّ نقصان القدر ليس بعيب في الباقي من الكيل بخلاف غيره . ثمّ التّخيير عند النّقصان في المثليّ عند الحنفيّة مقيّد بما إذا لم يقبض كلّ المبيع أو بعضه ، فإن قبض أي بعد العلم بالنّقص لا يخيّر ، بل يرجع بالنّقصان . وأيضاً هو مقيّد بعدم كونه مشاهداً للمبيع حيث ينتفي التّغرير .
وأمّا الموزون الّذي في تبعيضه ضرر ، كما لو باع لؤلؤةً على أنّها تزن مثقالاً فوجدها أكثر سلّمت للمشتري ، لأنّ الوزن فيما يضرّه التّبعيض وصف بمنزلة الذّرعان في الثّوب . وللتّفصيل ر : ( خيار ) .
20 - وإن كان العقد قد وقع على مذروع : كمن باع ثوباً على أنّه مائة ذراع مثلاً فبان أنّه أقلّ ، فعند الحنفيّة ، وفي قول للمالكيّة ، وهو قول أصحاب الشّافعيّ أيضاً : أخذ المشتري الأقلّ بكلّ الثّمن أو ترك ، وإن بان أكثر أخذ الأكثر قضاءً بلا خيار للبائع ، لأنّ الذّرع في القيميّات وصف لتعيّبه بالتّبعيض . بخلاف القدر في المثليّات من مكيل أو موزون ، والوصف لا يقابله شيء من الثّمن إلاّ إذا كان مقصوداً بتناول المبيع له ، كأن يقول في بيع المذروع : كلّ ذراع بدرهم .
والقول الثّاني عند المالكيّة : إن كان النّاقص يسيراً لزمه الباقي بما ينوبه من الثّمن ، وإن كان كثيراً كان مخيّراً في الباقي بين أخذه بما ينوبه أو ردّه .
وعند الحنابلة في صورة الزّيادة روايتان : إحداهما : البيع باطل ، والثّانية : البيع صحيح ، والزّيادة للبائع ، ويخيّر بين تسليم المبيع زائداً وبين تسليم المائة ، فإن رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري ، وإن أبى تسليمه زائداً ، فللمشتري الخيار بين الفسخ ، والأخذ بجميع الثّمن المسمّى وقسّط الزّائد .
وكذلك في صورة النّقصان أيضاً روايتان عند الحنابلة . إحداهما : البيع باطل ، والثّانية : البيع صحيح ، والمشتري بالخيار بين الفسخ والإمساك بقسطه من الثّمن .
وقال أصحاب الشّافعيّ : ليس له إمساكه إلاّ بكلّ الثّمن أو الفسخ ، بناءً على قولهم : إنّ المعيب ليس لمشتريه إلاّ الفسخ ، أو إمساكه بكلّ الثّمن .
التّبعيض في القيميّات :
21 - أمّا التّبعيض في الأعيان الأخرى فذكر صاحب روضة الطّالبين : أنّه لو باع جزءاً شائعاً من سيف أو إناء ونحوهما صحّ وصار مشتركاً ، ولو عيّن بعضه وباعه لم يصحّ ، لأنّ تسليمه لا يحصل إلاّ بقطعه ، وفيه نقص وتضييع للمال .
وكذلك لو باع جزءاً معيّناً من جدار أو أسطوانة ، فإن كان فوقه شيء لم يصحّ ، لأنّه لا يمكن تسليمه إلاّ بهدم ما فوقه ، وإن لم يكن فوقه شيء ، فإن كان قطعةً واحدةً تتلف كلّيّةً بالتّبعيض لم يجز ، وإن كانت لا تتلف جاز .
وقواعد المذاهب الأخرى تقضي بما ذهب إليه الشّافعيّة .
التّبعيض في خيار العيب :
22 - إذا اشترى شيئين صفقةً واحدةً فوجد بأحدهما عيباً ، وكانا ممّا ينقصهما التّفريق ، ففيه روايتان عند الحنابلة :
إحداهما : ليس له إلاّ ردّهما ، أو أخذ الأرش مع إمساكهما ، وهو ظاهر قول الشّافعيّ ، وقول أبي حنيفة فيما قبل القبض ، لما فيه من التّشقيص على البائع فلم يكن له ذلك . والثّانية : له ردّ المعيب وإمساك الصّحيح ، وهو قول أبي حنيفة فيما بعد القبض .
وذهب المالكيّة إلى جواز ردّ المعيب ، والرّجوع بحصّته من الثّمن ، إذا كان الثّمن عيناً أو مثليّاً ، فإن كان سلعةً فإنّه يرجع بما ينوب السّلعة المعيبة من قيمة السّلعة الّتي هي الثّمن ، لضرر الشّركة ، وهذا إذا لم تكن السّلعة المعيبة وجه الصّفقة . فإن كانت فليس للمشتري إلاّ ردّ الجميع أو الرّضى بالجميع .
التّبعيض في الشّفعة :
23 - قال ابن المنذر : أجمع كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم على أنّ أحد الشّفيعين لو ترك شفعته ، لم يكن للآخر إلاّ أخذ الجميع أو ترك الجميع ، وليس له أخذ البعض ، وهذا قول مالك والشّافعيّ وأصحاب الرّأي ، لأنّ في أخذ البعض إضراراً بالمشتري بتبعيض الصّفقة عليه ، والضّرر لا يزال بالضّرر .
وكذا لو كان الشّفيع واحداً لم يجز له أخذ بعض المبيع لذلك . فإن فعل سقطت شفعته ، لأنّها لا تتبعّض ، فإذا سقط بعضها سقط جميعها كالقصاص . والأصل في هذا الباب عند الشّافعيّة قاعدة " ما لا يقبل التّبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه " .
وقاعدة " ما جاز فيه التّخيير لا يجوز فيه التّبعيض " قال القاضي حسين في فتاويه : والشّفيع مخيّر بين الأخذ بالشّفعة ، والتّرك ، فلو أراد أخذ بعض الشّفعة فليس له ذلك . وكذلك إذا وجد الشّفيع بعض ثمن الشّقص لا يأخذ قسطه من المثمّن ( المبيع ) طبقاً لقاعدة " إنّ بعض المقدور عليه لا يجب قطعاً " .
ثمّ هذا كلّه إن كان المبيع بعضه غير متميّز عن البعض ، أمّا إن كان متميّزاً عن البعض ، بأن اشترى دارين صفقةً واحدةً ، فأراد الشّفيع أن يأخذ إحداهما دون الأخرى ، وكان شفيعاً لهما أو لإحداهما دون الأخرى . فاختلف الأئمّة على آراء وأقوال .موطنها كتاب ( الشّفعة ).
التّبعيض في السّلم :
24 - أجمع الفقهاء على وجوب تسليم رأس مال السّلم في مجلس العقد ، فلو تفرّقا قبل قبضه بطل العقد عندهم . وأمّا لو تفرّقا قبل قبض بعضه ، فعند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : يبطل فيما لم يقبض . وحكي ذلك عن ابن شبرمة ، والثّوريّ .
وأمّا الحكم في المقبوض ، فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يصحّ بقسطه ، وعند الشّافعيّة طريقان ، وكلام الخرقيّ من الحنابلة يقتضي ألاّ يصحّ ، لقوله : ويقبض الثّمن كاملاً وقت السّلم قبل التّفرّق .
واشترط المالكيّة تسليم رأس المال في مجلس العقد ، فإن تأخّر بعضه انفسخ كلّه .
وأمّا التّبعيض في المسلم فيه بالإقالة في بعضه : فذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد إلى أنّه لا بأس بها ، لأنّ الإقالة مندوب إليها ، وكلّ معروف جاز في الجميع جاز في البعض كالإبراء . وروي ذلك عن ابن عبّاس وعطاء وطاوس وحميد بن عبد الرّحمن وعمرو بن دينار والحكم والثّوريّ . وذهب أحمد في رواية أخرى إلى أنّها لا تجوز .
ورويت كراهتها عن ابن عمر وسعيد بن المسيّب والحسن وابن سيرين والنّخعيّ ، وسعيد بن جبير ، وربيعة ، وابن أبي ليلى وإسحاق . وأمّا لو انقطع بعض المسلم فيه عند المحلّ ، والباقي مقبوض أو غير مقبوض ، ففيه خلاف وتفصيل ينظر في باب ( السّلم ) .
التّبعيض في القرض :
25 - اتّفق الفقهاء على جواز التّبعيض في الإقراض .
نقل ابن عابدين عن جامع الفصولين قوله : يحتمل أن يكون الإقراض بعد إفرازه أو قبله ، فإنّ قرض المشاع جائز بالإجماع .
وأمّا التّبعيض في إيفاء القرض كأن يشترط أن يوفيه أنقص ممّا أقرضه .
فذهب الحنابلة إلى أنّه لا يجوز ، سواء أكان ممّا يجري فيه الرّبا أم لا ، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشّافعيّ ، لأنّ القرض يقتضي المثل ، فشرط النّقصان يخالف مقتضاه ، فلم يجز كشرط الزّيادة . وفي الوجه الثّاني للشّافعيّة يجوز ، لأنّ القرض جعل للرّفق بالمستقرض ، وشرط النّقصان لا يخرجه عن موضوعه .
26 - وأمّا تعجيل بعض الدّين المؤجّل من قبل المدين في مقابل تنازل الغريم عن بعض الدّين ، فلا يجوز عند جمهور الفقهاء ، لكن إن تنازل المقروض بلا شرط ملفوظ أو ملحوظ عن بعض الحقّ فهو جائز . ر : مصطلح ( أجل ) ( ف :89 ) .
التّبعيض في الرّهن :
27 - ذهب المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى جواز التّبعيض في الرّهن ، فيجوز رهن بعض المشاع عندهم ، رهنه عند شريكه أو غيره ، قبل القسمة أم لم يقبلها ، وسواء أكان الباقي من المشاع للرّاهن أم لغيره .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يصحّ رهن المشاع مطلقاً ، سواء أكان مقارناً كنصف دار ، أم طارئاً : كأن يرهن الجميع ثمّ يتفاسخا في البعض ، وفي رواية عن أبي يوسف أنّ الطّارئ لا يضرّ ، والصّحيح الأوّل ، وسواء أكان من شريكه أم غيره ، وسواء أكان ممّا يقسم أم لا . فالأصل عند الحنفيّة : أنّه لا يجوز رهن المشاع ، فلا يجوز التّبعيض فيه ، ويستثنى من هذا الأصل الصّور التّالية :
أ - إذا كانت عيناً بينهما ، رهناها عند رجل بدين له على كلّ واحد منهما رهناً واحداً .
ب - إذا ثبت الشّيوع فيه ضرورةً ، كما لو جاء بثوبين ، وقال : خذ أحدهما رهناً والآخر بضاعةً عندك ، فإنّ نصف كلّ منهما يصير رهناً بالدّين ، لأنّ أحدهما ليس بأولى من الآخر ، فيشيع الرّهن فيهما بالضّرورة ، فلا يضرّ .
28 - أمّا حقّ الوثيقة في الرّهن وهو الحبس للتّوثّق ، فلا يتبعّض بأداء بعض الدّين ، لأنّ الدّين يتعلّق بالرّهن جميعه ، فيصير محبوساً بكلّ الحقّ ، وبكلّ جزء منه ، لا ينفكّ منه شيء حتّى يقضي جميع الدّين ، سواء أكان ممّا يمكن قسمته أم لا يمكن .
قال ابن المنذر : أجمع كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم على أنّ من رهن شيئاً بمال فأدّى بعض المال ، وأراد إخراج بعض الرّهن أنّ ذلك ليس له ، ولا يخرج شيء حتّى يوفيه آخر حقّه أو يبرئه من ذلك ، كذلك قال مالك ، والثّوريّ ، والشّافعيّ ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرّأي . لأنّ الرّهن وثيقة بحقّ فلا يزول إلاّ بزوال جميعه كالضّمان والشّهادة . وكذلك إن تلف بعض الرّهن وبقي بعضه فباقيه رهن بجميع الحقّ .
وفي الموضوع تفصيل ينظر في باب ( الرّهن ) .
التّبعيض في الصّلح :
29 - اتّفق الفقهاء على جواز التّبعيض في الصّلح ، فالصّلح مبناه على التّبعيض إذا وقع على جنس المدّعي وكان أقلّ منه ، وفي ذلك خلاف وتفصيل تبعاً لكون المدّعى عيناً أو ديناً ينظر في مصطلح : ( صلح ) .
التّبعيض في الهبة :
30 - اتّفق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على جواز التّبعيض في الهبة مطلقاً ، وهو المذهب عند الحنفيّة فيما لا يقبل القسمة ، فتصحّ هبة المشاع عند الأئمّة الثّلاثة مطلقاً ، وعند الحنفيّة تصحّ هبة المشاع الّذي لا يمكن قسمته إلاّ بضرر ، بألاّ يبقى منتفعاً به بعد أن يقسم ، كبيت وحمّام صغيرين . وأمّا هبة المشاع الّذي يمكن قسمته بلا ضرر فلا تصحّ هبته مشاعاً ، ولو كان لشريكه ، وذلك لعدم تصوّر القبض الكامل . وقيل : يجوز لشريكه ، وهو المختار عندهم . وإن وهب واحد لاثنين شيئاً ممّا ينقسم يجوز عند الحنابلة ، وأبي يوسف ومحمّد من الحنفيّة ، وهو وجه للشّافعيّة أيضاً .
وذهب الإمام أبو حنيفة ، وهو وجه آخر للشّافعيّة إلى عدم جوازه .
وفي الموضوع فروعات كثيرة تفصيلها في باب الهبة من كتب الفقه .
التّبعيض في الوديعة :
31 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّبعيض في الوديعة بإنفاق بعضها أو استهلاكه موجب للضّمان . واختلفوا في أخذ بعض الوديعة ، ثمّ ردّها أو ردّ مثلها .
فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من استودع شيئاً فأخذ بعضه لزمه ضمان ما أخذه ، فإن ردّه أو مثله لم يزل الضّمان عنه . وقال مالك : لا ضمان عليه إذا ردّه أو مثله .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن لم ينفق ما أخذه وردّه لم يضمن ،وإن أنفقه ثمّ ردّه أو مثله ضمن.
التّبعيض في الوقف :
32 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة في ظاهر المذهب ، وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز التّبعيض في الوقف ، سواء فيما يقبل القسمة أو لا يقبلها ، فيجوز وقف المشاع كنصف دار . وذهب محمّد بن الحسن من الحنفيّة إلى عدم جواز وقف المشاع إذا كان ممّا يقبل القسمة ، وبناه على أصله في أنّ القبض شرط ، وهو لا يصحّ في المشاع .
وأمّا ما لا يقبلها كالحمّام والرّحى ، فيجوز وقفه مشاعاً عنده أيضاً ، إلاّ في المسجد والمقبرة ، لأنّ بقاء الشّركة يمنع الخلوص للّه تعالى . وينظر تفصيل ذلك في باب ( الوقف ) .
التّبعيض في الغصب :
33 - يرتّب الفقهاء على تبعيض المال المغصوب بتلف بعضه أو تعييبه أحكاماً مختلفةً : فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الجزء الغائب مضمون بقسطه من أقصى القيم من يوم الغصب إلى يوم التّلف ، والنّقص الحاصل بتفاوت السّعر في الباقي المردود غير مضمون عند الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة فيما لا ينقصه التّبعيض ، وأمّا فيما ينقصه - كأن يكون ثوباً ينقصه القطع - فإنّه يلزمه أرش النّقص .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن تعيّب المال المغصوب باستهلاك بعضه كقطع يد الشّاة خيّر المالك بين ترك المغصوب للغاصب وأخذ قيمته ، وبين أن يأخذ المغصوب ويضمّنه النّقصان . بخلاف قطع طرف دابّة غير مأكولة إذا اختار ربّها أخذها ، لا يضمّنه شيئاً ، وإلاّ غرّمه كمال القيمة ، لأنّه فوّت جميع منافعها فصار كما لو قتلها .
وأمّا المالكيّة فقد فصّلوا الكلام في وجوب الضّمان في الجناية على بعض السّلعة المغصوبة : فالتّعدّي على بعض السّلعة المغصوبة إن فوّت المغصوب يضمن جميعه ، كقطع ذنب دابّة ذي هيبة ، أو أذنها ، وكذا مركوب كلّ من يعلم أنّ مثله لا يركب مثل ذلك ، ولا فرق بين المركوب والملبوس ، كقلنسوة القاضي وطيلسانه ، وإن لم يفوّته فإن كان التّعدّي يسيراً ، ولم يبطل الغرض منه لم يضمن بذلك ، وكذلك إذا كان التّعدّي كثيراً ، ولم يبطل الغرض المقصود منه ، فإنّ حكمه حكم اليسير .
وينظر تفصيل الكلام في هذا الموضوع في باب ( الغصب ) .
التّبعيض في القصاص :
34 - اتّفق الفقهاء على أنّ القصاص ممّا لا يتبعّض بالتّبعيض ، ثمّ اختلفوا في التّفاصيل : فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ مستحقّ القصاص إذا عفا عن بعض القاتل كان عفواً عن كلّه ، وكذا إذا عفا بعض الأولياء ، صحّ العفو ، وسقط القصاص كلّه ، ولم يبق لأحد إليه سبيل . وإليه ذهب عطاء والنّخعيّ ، والحكم ، وحمّاد ، والثّوريّ ، وروي معنى ذلك عن عمر وطاوس والشّعبيّ .
لما روى زيد بن وهب أنّ عمر أتي برجل قتل قتيلاً ، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه ، فقالت امرأة المقتول ، وهي أخت القاتل : قد عفوت عن حقّي ، فقال عمر : " اللّه أكبر ، عتق القتيل . وفي رواية عن زيد قال : دخل رجل على امرأته ، فوجد عندها رجلاً فقتلها ، فاستعدى إخوتها عمر ، فقال بعض إخوتها : قد تصدّقت . فقضى لسائرهم بالدّية ".
وذهب المالكيّة إلى أنّ عفو بعض الورثة لا يسقط القود ، إلاّ أن يكون العافي مساوياً لمن بقي في الدّرجة أو أعلى منه ، فإن كان أنزل درجةً لم يسقط القود بعفوه . فإن انضاف إلى الدّرجة العليا الأنوثة كالبنات مع الأب أو الجدّ ، فلا عفو إلاّ باجتماع الجميع ، فإن انفرد الأبوان فلا حقّ للأمّ في عفو ولا قتل .
وذهب بعض أهل المدينة ، وقيل : هو رواية عن مالك إلى أنّ القصاص لا يسقط بعفو بعض الشّركاء ، لأنّ النّفس قد تؤخذ ببعض النّفس بدليل قتل الجماعة بالواحد .
التّبعيض في العفو عن القذف :
35 - اختلف الفقهاء في جوازه : فذهب الشّافعيّة في الأصحّ ، وهو المذهب عند الحنابلة ، والمتبادر من أقوال المالكيّة ( ما لم يبلغ الإمام ) إلى عدم جواز التّبعيض في حدّ القذف ، فإذا عفا بعض الورثة ، أو بعض مستحقّي حدّ القذف يكون لمن بقي استيفاء جميعه لأنّ المعرّة عنه لم تزل بعفو صاحبه ، وليس للعافي الطّلب به ، لأنّه قد أسقط حقّه . وكذلك بالعفو عن بعضه لا يسقط شيء منه .
ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة جواز التّبعيض ، ووجهه أنّ حدّ القذف جلدات معروفة العدد ، ولا ريب أنّ الشّخص لو عفا بعد جلد بعضها ، سقط ما بقي منها ، فكذلك إذا أسقط منها في الابتداء قدراً معلوماً ، وعلى هذا لو عفا بعض مستحقّي حدّ القذف عن حقّه يسقط نصيب العافي ، ويستوفى الباقي ، لأنّه متوزّع . وهناك وجه ثالث للشّافعيّة : أن يسقط جميع الحدّ كالقصاص . وأمّا الحنفيّة فلا يتأتّى عندهم هذا ، لأنّ الغالب في حدّ القذف عندهم حقّ اللّه ، فلا يسقط كلّه ولا بعضه بالعفو بعد ثبوته ، وكذا إذا عفا قبل الرّفع إلى القاضي .
تبعيض الصّداق :
36 - اتّفق الفقهاء على جواز أن يكون بعض الصّداق معجّلاً وبعضه مؤجّلاً ، لأنّه عوض في عقد معاوضة ، فجاز ذلك فيه كالثّمن . وانظر مصطلح ( أجل ، مهر ) .
وأمّا تنصيف الصّداق بالطّلاق قبل الدّخول والخلوة ، وكيفيّة ذلك ففيه أوجه وتفصيل يذكر في مواطنه ، وانظر مصطلح ( مهر ) .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:04 PM

التّبعيض في الطّلاق :
37 - اتّفق الفقهاء على أنّ الطّلاق لا يتبعّض ، وإليه ذهب الشّعبيّ والحارث العكليّ ، والزّهريّ ، وقتادة ، وأبو عبيد ، وأهل الحجاز ، والثّوريّ ، وأهل العراق ، وذلك لأنّ ذكر بعض ما لا يتبعّض ذكر لجميعه ، فذكر بعض الطّلاق كذكر كلّه ، وجزء الطّلقة ولو من ألف جزء تطليقة . وهذا الحكم ثابت سواء أبهم : بأن قال : أنت طالق بعض طلقة . أو بيّن فقال : أنت طالق نصف طلقة ، أو ربع طلقة ، وهكذا ، لأنّ ذكر ما لا يتبعّض ذكر لجميعه .
التّبعيض في المطلّقة :
38 - إذا أضاف الطّلاق إلى جزء منها : سواء أضافه إلى بعضها شائعاً وأبهم فقال : بعضك وجزؤك طالق . أو نصّ على جزء معلوم كالنّصف والرّبع ، أو أضافه إلى عضو : باطناً كان كالكبد والقلب ، أو ظاهراً كاليد والرّجل ، طلقت كلّها عند الأئمّة الثّلاثة وزفر من الحنفيّة . وأمّا الحنفيّة - ما عدا زفر - ففرّقوا بين إضافة الطّلاق إلى جملتها ، أو إلى ما يعبّر به عنها كالرّقبة ، أو العنق أو الرّوح ، أو البدن أو الجسد ، أو إلى جزء شائع كنصفها أو ثلثها ، وبين إضافته إلى ما يعبّر به عن الجملة كاليد والرّجل حيث تطلق في الحالة الأولى دون الثّانية . والتّبعيض في الطّلاق من فروع قاعدة " ما لا يقبل التّبعيض فاختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه " .
التّبعيض في الوصيّة :
39 - اتّفق الفقهاء على جواز التّبعيض في الوصيّة ، إذا كانت الوصيّة بجزء شائع . كمن أوصى بجزء أو سهم من ماله ، فالبيان إلى الورثة يقال لهم : أعطوه شيئاً ، لأنّه مجهول يتناول القليل والكثير ، والوصيّة لا تمتنع بالجهالة ومثله الحظّ ، والشّقص ، والنّصيب ، والبعض ( لأنّ الوصيّة حقيقتها تصرّف المالك في جزء من حقوقه ) .
كذلك إن كانت الوصيّة بجزء معيّن : كمن أوصى بقطنه لرجل ، وبحبّه لآخر ، أو أوصى بلحم شاة معيّنة لرجل وبجلدها لآخر ، أو أوصى بحنطة في سنبلها لرجل ، وبالتّبن لآخر . جازت الوصيّة لهما ، وعلى الموصى لهما أن يدوسا الحبّ ، أو يسلخا الشّاة ، أو يحلجا القطن . ولو بانت الشّاة حيّةً فأجرة الذّبح على صاحب اللّحم خاصّةً ، لأنّ التّذكية لأجل اللّحم لا الجلد .
وفي المغني : إذا أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصّه صحّ ، وليس لواحد منهما الانتفاع به إلاّ بإذن صاحبه ، وأيّهما طلب قلع الفصّ من الخاتم أجيب إليه ، وأجبر الآخر عليه .
التّبعيض في العتق :
40 - من أعتق عبداً مملوكاً ، فإمّا أن يكون باقيه له أو لغيره :
ففي الحالة الأولى : ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّ الإعتاق لا يتجزّأ ولا يتبعّض بالتّبعيض ، لأنّ من خصائصه السّراية ، فمن أعتق بعض مملوك له ، فإنّه يسري العتق إلى باقيه .
وكذلك من أعتق جزءاً معيّناً كرأسه أو ظهره أو بطنه ، أو جزءاً مشاعاً كنصفه ، أو جزءاً من ألف جزء ، عتق الرّقيق كلّه . وذهب أبو حنيفة إلى أنّ الإعتاق يتجزّأ ، سواء كان باقيه له ، أو كان مشتركاً بينه وبين غيره ، وسواء كان المعتق معسراً أو موسراً .
41 - وفي الحالة الثّانية : وهي ما إذا كان العبد مشتركاً ، وأعتق أحد الشّريكين حصّته أو بعضها ، فاختلف الفقهاء تبعاً لكون المعتق موسراً أو معسراً :
فروي عن ابن مسعود وعليّ وابن عبّاس رضي الله عنهم : عتق ما عتق ويبقى الباقي رقيقاً . وبه قال البتّيّ : واستدلّ بما روى ابن التّلب عن أبيه « أنّ رجلاً أعتق نصيباً له في مملوك فلم يضمنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم » .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة ، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة إلى أنّ المعتق إن كان موسراً عتق كلّه ، وعليه قيمة باقيه لشريكه ، وإن كان معسراً عتق نصيبه فقط ولا يسري إلى باقيه ولو أيسر بعده . لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من أعتق شقصاً له من عبد أو شركاً ، أو قال : نصيباً ، وكان له ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق ، وإلاّ فقد عتق منه ما عتق » .
وهذا قول إسحاق ، وأبي عبيد وابن المنذر وابن جرير .
وذهب أبو يوسف ومحمّد ، وهو رواية عن أحمد إلى أنّه ليس للشّريك إلاّ الضّمان مع اليسار والسّعاية مع الإعسار ، وهو قول ابن شبرمة ، وابن أبي ليلى ، والأوزاعيّ . لما روى أبو هريرة قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من أعتق شقيصاً له في عبد مملوك فعليه أن يعتقه كلّه إن كان له مال ، وإلاّ استسعى العبد غير مشقوق عليه » .
وقال أبو حنيفة : إن كان المعتق موسراً فشريكه بالخيار ، إن شاء أعتق وإن شاء ضمّن المعتق قيمة نصيبه ، إذا لم يكن بإذنه ، فإن كان بإذن الشّريك فلا ضمان عليه له ، وإن شاء استسعى العبد .
وقال بعضهم : يعتق كلّه ، وليس للشّريك إلاّ الضّمان، وهو منقول عن زفر وبشر المريسيّ .

تبعيّة *
التّعريف :
1 - التّبعيّة : كون الشّيء مرتبطاً بغيره بحيث لا ينفكّ عنه .
والتّابع : هو التّالي الّذي يتبع غيره ، كالجزء من الكلّ ، والمشروط للشّرط .
ولا يخرج الاستعمال الاصطلاحيّ عن الاستعمال اللّغويّ .
أقسام التّبعيّة :
التّبعيّة قسمان :
2 - القسم الأوّل : ما اتّصل بالمتبوع فيلحق به . لتعذّر انفراده عنه . ومن أمثلة هذا القسم : ذكاة الجنين فإنّها تحصل بذكاة أمّه تبعاً لها ، عند الجمهور والصّاحبين من الحنفيّة ، خلافاً للإمام أبي حنيفة . وذلك مشروط وتفصيل ينظر في مصطلح : ( ذبائح ) .
ومن أمثلة هذا القسم أيضاً : الحمل ، فإنّه لا يفرد في البيع ، بل يتبع الأمّ بلا خلاف .
3 - القسم الثّاني : ما انفصل عن متبوعه والتحق به .
ومن أمثلة هذا القسم : الصّبيّ إذا أسر معه أحد أبويه ، وهذه المسألة على ثلاثة أحوال :
الأولى : أن يسبى الصّبيّ منفرداً عن أبويه ، فيصير مسلماً إجماعاً ، لأنّ الدّين إنّما يثبت له تبعاً ، وقد انقطعت بتبعيّته لأبويه لانقطاعه عنهما .
الثّانية : أن يسبى مع أبويه ، فإنّه يكون على دينهما ( تبعاً ) وبهذا قال أبو حنيفة ، ومالك والشّافعيّ ، وأحمد .
الثّالثة : أن يسبى مع أحد أبويه ، فإنّه يتبعه عند أبي حنيفة والشّافعيّ .
وقال مالك : إن سبي مع أبيه يتبعه ، وإن سبي مع أمّه فهو مسلم ، لأنّه لا يتبعها في النّسب ، فكذلك في الدّين .
وقال الحنابلة : من سبي من أولاد الكفّار مع أحد أبويه فإنّه يحكم بإسلامه .
ومن أمثلته أيضاً : ولد المسلم ، فإنّه يتبعه في الإسلام ، وإن كانت أمّه كافرةً اتّفاقاً .
أحكام التّبعيّة :
4 - التّبعيّة يتعلّق بها جملة من الأحكام ، ترجع كلّها إلى قاعدة فقهيّة واحدة ، وهي ( التّابع تابع ) ومعنى كون التّابع تابعاً : هو أنّ ما كان تبعاً لغيره في الوجود لا ينفرد بالحكم ، بل يدخل في الحكم مع متبوعه ، فإذا بيع حيوان في بطنه جنين دخل الجنين في البيع تبعاً لأمّه ، ولا يجوز إفراده بالبيع ، ومثل هذا الصّوف على الغنم ، واللّبن في الضّرع . ومن ذلك ما لو كان التّابع شيئاً لا يقبل الانفكاك عن متبوعه ، بأن كان في حكم الجزء ، كالمفتاح من القفل ، فإنّه يدخل في البيع تبعاً له ، أو كان شيئاً جرى في عرف البلد أنّه من مشتملاته ، فإنّه يدخل في البيع من غير ذكر .
فمثلاً بيع الدّار يدخل فيه المطبخ ، وفي بيع حديقة زيتون تدخل أشجار الزّيتون .
هذا ، وقد فرّع الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة على قاعدة : ( أنّ التّابع تابع ) عدداً من القواعد ذكرها الزّركشيّ في المنثور ، والسّيوطيّ وابن نجيم في كتابيهما الأشباه والنّظائر ، وقد أشار إليها القرافيّ في الفروق في الفرق التّاسع والتّسعين بعد المائة ، الّذي فرّق فيه بين قاعدة ما يتبع العقد عرفاً وما لا يتبعه . وتلك القواعد الفرعيّة هي :
أ - التّابع لا يفرد بالحكم :
5 - المراد بالتّابع الّذي لا يفرد بالحكم عن متبوعه هو الّذي لا يوجد مستقلّاً بنفسه ، بل يكون وجوده تبعاً لوجود متبوعه ، بأن يكون جزءاً أو كالجزء منه ، فحينئذ لا يصلح أن يكون محلّاً مستقلّاً في العقد ليتعلّق به الحكم ، كالجنين في بطن الحيوان ، فإنّه لا يصحّ بيعه منفرداً عن أمّه ، وكحقّ الشّرب فإنّه لا يصحّ بيعه منفرداً عن الأرض .
وكمن باع داراً بحقوقها ، فإنّ البيع يتناول أرضها وبناءها وما هو متّصل بها ممّا هو من مصلحتها ، كالأبواب المنصوبة ، دون غيره ممّا ليس من مصالحها ، كالكنز والأحجار المدفونة ، لأنّ ذلك مودع فيها للنّقل عنها ، فأشبه الفرش والسّتور .
واستثنى الفقهاء من ذلك صوراً يستقلّ التّابع فيها بالحكم عن متبوعه ، ومن تلك الصّور : إفراد الحمل بالوصيّة دون أمّه بشرط أن يولد حيّاً . لأقلّ من ستّة أشهر ، وهذا القدر مجمع عليه ، وأمّا إن أتت به لأكثر من ستّة أشهر ، ففيه تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلح ( وصيّة ، ثبوت النّسب ، والميراث ) .
ب - من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته :
6 - تتناول هذه القاعدة الأصول الّتي تدخل في البيع والشّراء من غير ذكر ، وتلك الأصول تدخل تحت أصلين :
الأوّل : كلّ ما كان في الدّار من بناء وغيره يتناوله اسم البيع عرفاً ، مثل ملحقات الدّار كالمطبخ والحجارة المثبّتة في الأرض والدّار لا المدفونة .
الثّاني : ما كان متّصلاً اتّصال قرار ، كالشّجر فإنّه يدخل في بيع الأرض عند الحنفيّة والمالكيّة بلا ذكر ، وعلى أحد الوجهين عند الحنابلة ، وهو أيضاً نصّ الشّافعيّ في البيع ، ونصّ في الرّهن على عدم الدّخول فيما لو رهن الأرض وأطلق .
وأمّا الأصحاب فلهم فيما نصّ عليه الإمام الشّافعيّ في البيع والرّهن طرق ، أصحّها عند جمهور أصحاب الشّافعيّ : تقرير النّصّين ( أي دخول الشّجر والبناء في البيع عند الإطلاق ، وعدم دخولها في الرّهن ) . والثّاني : فيهما قولان ، والثّالث : القطع بعدم الدّخول فيهما ، قاله ابن سريج ، واختاره الإمام والغزاليّ .
ج - التّابع يسقط بسقوط المتبوع :
7 - هذه القاعدة ذكرها الزّركشيّ في المنثور والسّيوطيّ وابن نجيم في كتابيهما .
ومرادهم بالتّابع الّذي يسقط بسقوط متبوعه ذلك التّابع الّذي يتبع غيره في الوجود ، ومن الفروع الّتي تذكرها كتب القواعد لهذه القاعدة : أنّ من فاتته صلاة في أيّام الجنون ، وقيل بعدم وجوب القضاء ، فإنّه لا يستحبّ له قضاء سننها الرّاتبة ، لأنّ الفرض سقط فكذا تابعه . ومن فاته الحجّ بعدم الوقوف فتحلّل بأفعال العمرة ، فلا يأتي بالرّمي والمبيت ، لأنّهما تابعان للوقوف وقد سقط .
وممّا خرج عن هذه القاعدة : الأخرس العاجز عن التّلفّظ بالتّكبير ، فإنّه يلزمه تحريك لسانه ، عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وعند القاضي من الحنابلة ، ولا يلزمه ذلك عند المالكيّة وعند الحنابلة على الصّحيح ، بل تكفيه النّيّة ، ويكبّر بقلبه ، لأنّ تحريك اللّسان للعاجز عن النّطق عبث كما قال الحنابلة ، بل قال ابن تيميّة : ولو قيل ببطلان الصّلاة بذلك لكان أقوى .
وممّا خرج عنها أيضاً : إمرار الموسى على رأس الأقرع للتّحلّل بالحلق ، فإنّه واجب على المختار عند الحنفيّة ، وواجب أيضاً عند المالكيّة ، لأنّ الحلق عبادة تتعلّق بالشّعر فتنتقل إلى البشرة عند عدمه ، وقال الشّافعيّة بالنّدب ، والحنابلة بالاستحباب .
وممّا خرج عنها في غير العبادات : ما لو أقرّ أحد الورثة بوارث ثالث مشارك لهما في الميراث لم يثبت النّسب بالإجماع ، لأنّ النّسب لا يتبعّض فلا يمكن إثباته في حقّ المقرّ دون المنكر ، ولا يمكن إثباته في حقّهما ، لأنّ أحدهما منكر ، ولم توجد شهادة يثبت بها النّسب ، ولكنّه يشارك المقرّ في الميراث في قول أكثر أهل العلم ، لأنّه أقرّ بسبب مال لم يحكم ببطلانه ، فلزمه المال . هذا ، وذكر السّيوطيّ وابن نجيم قاعدةً أخرى قريبةً من هذه القاعدة ، وهي قولهم ( الفرع يسقط إذا سقط الأصل ) وجاء في شرح المجلّة : أنّ هذه القاعدة مطّردة في المحسوسات والمعقولات . فالشّيء الّذي يكون وجوده أصلاً لوجود شيء آخر يتبعه في الوجود ، يكون ذلك فرعاً مبتنياً عليه ، كالشّجرة إذا ذوت ذوى ثمرها ، وكالإيمان باللّه تعالى أصل وجميع الأعمال فروعه ، فإذا سقط الإيمان - والعياذ باللّه تعالى - حبطت الأعمال ، لأنّ اعتبارها مبنيّ عليه .
ومن فروعها قولهم : إذا برئ الأصيل برئ الضّامن ، أي الكفيل لأنّه فرعه بخلاف العكس . وقد يثبت الفرع وإن لم يثبت الأصل ، كما لو ادّعى الزّوج الخلع ، وأنكرت الزّوجة ، ثبتت البينونة بلا خلاف ، لأنّه مقرّ بما يوجبها ، وإن لم يثبت المال الّذي هو الأصل .
د - يغتفر في التّوابع ما لا يغتفر في غيرها :
8 - هذه القاعدة ذكرها السّيوطيّ وابن نجيم ، وقريب منها قولهم : يغتفر في الشّيء ضمناً ما لا يغتفر فيه قصداً ، وقولهم : يغتفر في الثّواني ما لا يغتفر في الأوائل ، وقولهم : أوائل العقود تؤكّد بما لا يؤكّد بها أواخرها ، وإنّما اغتفر في ذلك لأنّه قد يكون للشّيء قصداً شروط مانعة ، وإذا ثبت ضمناً أو تبعاً لشيء آخر يكون ثبوته ضرورة ثبوته لمتبوعه أو ما هو في ضمنه .
ومن فروع هذه القاعدة : أنّ النّسب لا يثبت ابتداءً بشهادة النّساء ، أمّا لو شهدن بالولادة على الفراش يثبت النّسب تبعاً ، حتّى لو كانت الشّاهدة في الولادة القابلة وحدها .
وممّا خرج عن هذه القاعدة ممّا هو عكسها : أنّ الفاسق يجوز تقليده القضاء إذا ظنّ صدقه ، لكن إذا قلّد عدل ففسق في أثناء قضائه استحقّ العزل ، وهو ظاهر مذهب الحنفيّة ، وقيل : إنّه ينعزل بفسقه ، لأنّ عدالته في معنى المشروطة ، فقد جاز تقليده ابتداءً ولم يجز انتهاءً في ولايته ، فلمّا زالت عدالته زالت ولايته .
وذكر المالكيّة في هذه المسألة : أنّ غير العدل لا يصحّ قضاؤه ولا ينفذ حكمه ، لكن قال مالك : لا أرى خصال القضاة تجتمع اليوم في أحد ، فإن اجتمع منها خصلتان في واحد وهي العلم والورع ولّي . وقال القرافيّ : إن لم يوجد عدل ولّي أمثل الموجودين .
وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فلا يصحّ عندهم تولية الفاسق القضاء .
وعند الشّافعيّة : إن تعذّر جمع الشّروط في رجل فولّى سلطان له شوكة فاسقاً نفذ قضاؤه للضّرورة ، لئلاّ تتعطّل مصالح النّاس .
وقال العزّ بن عبد السّلام : لمّا كان تصرّف القضاة أعمّ من تصرّف الأوصياء ( الّذين يشترط فيهم العدالة ) وأخصّ من تصرّف الأئمّة ( وفي اشتراط العدالة فيهم اختلاف ) اختلف في إلحاقهم بالأئمّة ، فمنهم من ألحقهم بالأئمّة ، لأنّ تصرّفهم أعمّ من تصرّف الأوصياء ، ومنهم من ألحقهم بالأوصياء ، لأنّ تصرّفهم أخصّ من تصرّف الأئمّة .
هـ – التّابع لا يتقدّم على المتبوع :
9 - من فروع هذه القاعدة : أنّه لا يصحّ تقدّم المأموم على إمامه في تكبيرة الافتتاح ، ولا في غيرها من الأركان ، لحديث : « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به ، فإذا كبّر فكبّروا ... » إلخ الحديث .
و - التّابع لا يكون له تابع :
10 - من فروع هذه القاعدة : لو قطع شخص الأصابع وحدها في جناية وجبت الدّية ، فإن قطع اليد من الكوع لم يلزمه أكثر من الدّية ، ويجعل الكفّ تبعاً للأصابع ، وإن قطع زيادةً على ذلك لم يجعل تبعاً ، بل يلزمه للزّيادة حكومة عدل على قدرها ، لأنّ التّابع لا يكون له تابع . وممّا خرج عنها توكيل الوكيل غيره دون الرّجوع إلى موكّله ، فقد ذكر الحنفيّة أنّ للوكيل أن يوكّل في حقوق العقد فيما ترجع الحقوق فيه إليه ، لأنّه أصيل فيها ، فله أن يوكّل فيها بلا إذن موكّله .
وفرّق المالكيّة بين الوكيل المفوّض وغير المفوّض ، وذكروا أنّ الوكيل المفوّض له أن يوكّل على الأظهر ، وأمّا غير المفوّض فليس له أن يوكّل فيما وكّل فيه بلا إذن ، إلاّ في حالتين : إحداهما : ألاّ يليق الفعل به .
والثّانية : أن يكثر بحيث يتعذّر عليه القيام به وحده .
وذكر الشّافعيّة : أنّ الوكيل لو وكّل فيما وكّل فيه ، وسكت عنه موكّله ، نظر : إن كان أمراً يتأتّى له الإتيان به ، لم يجز أن يوكّل فيه ، وإن لم يتأتّ منه ، لكونه لا يحسنه ، أو لا يليق بمنصبه ، فله التّوكيل على الصّحيح ، لأنّ المقصود من مثله الاستنابة .
والمذهب الّذي عليه الأصحاب عند الحنابلة أنّ الوكيل لا يجوز له أن يوكّل فيما يتولّى مثله بنفسه ، ونقل عن الإمام أحمد الجواز . وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح : ( وكالة ) .
ز - العبرة بنيّة المتبوع لا التّابع :
11 - فمن كان تابعاً لغيره ، كالزّوجة التّابعة لزوجها ، والجنديّ التّابع لقائده ، فإنّ المعتبر في السّفر الّذي يبيح لهما القصر والفطر نيّة المتبوع دون التّابع ، لأنّ نيّة المتبوع تنسحب على التّابع ، فيعطى حكمه ، فتتبع المرأة زوجها ، والجنديّ قائده ، هذا عند الحنفيّة ، والحنابلة وأمّا الشّافعيّة : فهم كالحنفيّة والحنابلة في جعلهم نيّة الزّوجة تابعةً لنيّة الزّوج ، وخالفوهم في نيّة الجنديّ فلم يجعلوها تابعةً لنيّة الأمير ، لأنّه ليس تحت يده وقهره .
وأمّا المالكيّة فلم يعرضوا لهذه المسألة فيما . اطّلع عليه من مراجع .
ح - ما دخل في البيع تبعاً لا حصّة له من الثّمن :
12 - وذلك كالأوصاف الّتي تدخل في البيع بلا ذكر ، كبناء وشجر في الأرض ، وأطراف في الحيوان ، وجودة في الكيليّ والوزنيّ ، فإنّ هذه الأوصاف لا يقابلها شيء من الثّمن قبل القبض ، كما في جامع الفصولين ، أو إلاّ إذا ورد عليها القبض كما في شرح الإسبيجابيّ . وقد وضع محمّد رحمه الله أصلاً لهذا ، وهو : كلّ شيء إذا بعته وحده لا يجوز بيعه ، وإذا بعته مع غيره جاز ، فإذا استحقّ ذلك الشّيء قبل القبض ، كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ الباقي بجميع الثّمن ، وإن شاء ترك .
وكلّ شيء إذا بعته وحده جاز بيعه ، فإذا بعته مع غيره فاستحقّ ، كان له حصّة من الثّمن . والحاصل أنّ ما يدخل في البيع تبعاً إذا استحقّ بعد القبض كان له حصّة من الثّمن ، فيرجع على البائع بحصّته ، وإن استحقّ قبل القبض ، فإن كان لا يجوز بيعه وحده كالشّرب . فلا حصّة له من الثّمن ، فلا يرجع بشيء ، بل يخيّر بين الأخذ بكلّ الثّمن أو التّرك ، وإن جاز بيعه وحده كالشّجر كان له حصّة من الثّمن ، فيرجع بها على البائع .
ثمّ إنّ محلّ دخول التّابع في البيع ما لم يذكر ، فإن ذكر كان مبيعاً قصداً ، حتّى لو فات قبل القبض بآفة سماويّة تسقط حصّته من الثّمن . وللتّفصيل ينظر مصطلح ( بيع ) .
ط - التّابع مضمون بالاعتداء :
13 - من فروع هذه القاعدة أنّ من جنى على امرأة حامل فأسقطت ففيه الغرّة .
ومن ذلك منافع المغصوب وغلّته ، فإنّها مضمونة على الغاصب تبعاً للمغصوب عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة خلافاً للحنفيّة .

تَبْغ *
التّعريف :
1 - التّبغ ( بتاء مفتوحة ) لفظ أجنبيّ دخل العربيّة دون تغيير ، وقد أقرّه مجمع اللّغة العربيّة . وهو نبات من الفصيلة الباذنجانيّة يستعمل تدخيناً وسعوطاً ومضغاً ، ومنه نوع يزرع للزّينة ، وهو من أصل أمريكيّ ، ولم يعرفه العرب القدماء .
ومن أسمائه : الدّخان ، والتُتُن ، والتّنباك .
لكنّ الغالب إطلاق هذا الأخير على نوع خاصّ من التّبغ كثيف يدخّن بالنّارجيلة لا باللّفائف .
2 - وممّا يشبه التّبغ في التّدخين والإحراق : الطّبّاق ، وهو نبات عشبيّ معمّر من فصيلة المركّبات الأنبوبيّة الزّهر ، وهو معروف عند العرب ، خلافاً للتّبغ ، والطّبّاق : لفظ معرّب . وفي المعجم الوسيط : الطّبّاق : الدّخان ، يدخّن ورقه مفروماً أو ملفوفاً .
3 - وقال الفقهاء عن الدّخّان : إنّه حدث في أواخر القرن العاشر الهجريّ وأوائل القرن الحادي عشر ، وأوّل من جلبه لأرض الرّوم ( أي الأتراك العثمانيّين ) الإنكليز ، ولأرض المغرب يهوديّ زعم أنّه حكيم ، ثمّ جلب إلى مصر ، والحجاز، والهند، وغالب بلاد الإسلام . الأحكام المتعلّقة بالتّبغ :
حكم استعماله :
4 - منذ ظهور الدّخّان - وهو الاسم المشهور للتّبغ - والفقهاء يختلفون في حكم استعماله ، بسبب الاختلاف في تحقّق الضّرر من استعماله ، وفي الأدلّة الّتي تنطبق عليه ، قياساً على غيره ، إذ لا نصّ في شأنه . فقال بعضهم : إنّه حرام ، وقال آخرون : إنّه مباح ، وقال غيرهم : إنّه مكروه .
وبكلّ حكم من هذه الأحكام أفتى فريق من كلّ مذهب ، وبيان ذلك فيما يلي :
القائلون بتحريمه وأدلّتهم :
5 - ذهب إلى القول بتحريم شرب الدّخّان من الحنفيّة : الشّيخ الشرنبلالي ، والمسيريّ ، وصاحب الدّرّ المنتقى ، واستظهر ابن عابدين أنّه مكروه تحريماً عند الشّيخ عبد الرّحمن العماديّ . وقال بتحريمه من المالكيّة : سالم السّنهوريّ ، وإبراهيم اللّقانيّ ، ومحمّد بن عبد الكريم الفكّون ، وخالد بن أحمد ، وابن حمدون وغيرهم .
ومن الشّافعيّة : نجم الدّين الغزّيّ ، والقليوبيّ ، وابن علّان ، وغيرهم .
ومن الحنابلة الشّيخ أحمد البهوتيّ ، وبعض العلماء النّجديّين .
ومن هؤلاء جميعاً من ألّف في تحريمه كاللّقانيّ والقليوبيّ ومحمّد بن عبد الكريم الفكّون ، وابن علّان . واستدلّ القائلون بالحرمة بما يأتي :
6 - أ - أنّ الدّخّان يسكر في ابتداء تعاطيه إسكاراً سريعاً بغيبة تامّة ، ثمّ لا يزال في كلّ مرّة ينقص شيئاً فشيئاً حتّى يطول الأمد جدّاً ، فيصير لا يحسّ به ، لكنّه يجد نشوةً وطرباً أحسن عنده من السّكر . أو أنّ المراد بالإسكار : مطلق المغطّي للعقل وإن لم يكن معه الشّدّة المطربة ، ولا ريب أنّها حاصلة لمن يتعاطاه أوّل مرّة . وهو على هذا يكون نجساً ، ويحدّ شاربه ، ويحرم منه القليل والكثير .
7- ب - إن قيل : إنّه لا يسكر ، فهو يحدث تفتيراً وخدراً لشاربه ، فيشارك أوّليّة الخمر في نشوته ، وقد قالت أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن كلّ مسكر ومفتّر » قال العلماء : المفتّر : ما يحدث الفتور والخدر في الأطراف وصيرورتها إلى وهن وانكسار ، ويكفي حديث أمّ سلمة حجّةً ، ودليلاً على تحريمه .
ولكنّه على هذا لا يكون نجساً ولا يحدّ شاربه ، ويحرم القليل منه كالكثير خشية الوقوع في التّأثير ، إذ الغالب وقوعه بأدنى شيء منها ، وحفظ العقول من الكلّيّات الخمس المجمع عليها عند أهل الملل .
8- ج - أنّه يترتّب على شربه الضّرر في البدن والعقل والمال ، فهو يفسد القلب ، ويضعف القوى ، ويغيّر اللّون بالصّفرة ، ويتولّد من تكاثف دخّانه في الجوف الأمراض والعلل ، كالسّعال المؤدّي لمرض السّلّ ، وتكراره يسوّد ما يتعلّق به ، وتتولّد منه الحرارة ، فتكون داءً مزمناً مهلكاً ، فيشمله قوله تعالى : { ولا تَقْتُلُوا أنفسَكم } وهو يسدّ مجاري العروق ، فيتعطّل وصول الغذاء منها إلى أعماق البدن ، فيموت مستعمله فجأةً .
ثمّ قالوا : والأطبّاء مجمعون على أنّه مضرّ ، قال الشّيخ عليش : أخبر بعض مخالطي الإنكليز أنّهم ما جلبوا الدّخّان لبلاد الإسلام إلاّ بعد إجماع أطبّائهم على منعهم من ملازمته ، وأمرهم بالاقتصار على اليسير الّذي لا يضرّ ، لتشريحهم رجلاً مات باحتراق كبده وهو ملازمه ، فوجدوه سارياً في عروقه وعصبه ، ومسوّداً مخّ عظامه ، وقلبه مثل إسفنجة يابسة ، فمنعوهم من مداومته ، وأمروهم ببيعه للمسلمين لإضرارهم ... قال الشّيخ عليش : فلو لم يكن فيه إلاّ هذا لكان باعثاً للعقل على اجتنابه ، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من النّاس ، فمن اتّقى الشّبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشّبهات وقع في الحرام ، كالرّاعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه » . هذا وفي المراجع الحديثة ما يثبت ضرر التّدخين .
9- د - في التّدخين إسراف وتبذير وضياع للمال ، قال الشّيخ عليش : لو سئل الفقهاء - الّذين قالوا : السّفه الموجب للحجر تبذير المال في اللّذّات والشّهوات - عن ملازم استعمال الدّخّان ، لمّا توقّفوا في وجوب الحجر عليه وسفهه ، وانظر إلى ما يترتّب على إضاعة الأموال فيه من التّضييق على الفقراء والمساكين ، وحرمانهم من الصّدقة عليهم بشيء ممّا أفسده الدّخّان على المترفّهين به ، وسماحة أنفسهم بدفعها للكفّار المحاربين أعداء الدّين ، ومنعها من الإعانة بها على مصالح المسلمين وسدّ خلّة المحتاجين .
10 - هـ - صدر أمر سلطانيّ من الخليفة العثمانيّ في وقته - بناءً على فتاوى علماء عصره - بمنع استعمال الدّخّان ومعاقبة شاربيه ، وحرق ما وجد منه . فيعتبر من وجوه تحريمه : الخروج عن طاعة السّلطان ، فإنّ امتثال أمره واجب في غير ما أجمع على تحريمه ، ومخالفته محرّمة .
11 - و- رائحة الدّخّان منتنة مؤذية ، وكلّ رائحة مؤذية فهي ممنوعة ، والدّخّان أشدّ من البصل والثّوم في الرّائحة ، وقد ورد منع من تناولهما من دخول المسجد ، وفرّق بين الرّائحة المنتنة والرّائحة الكريهة ، والبصل والثّوم ريحهما مكروه وليس منتناً ، والدّخّان ريحه منتن .
12 - ز - من زعم استعماله تداوياً لم يستعمله استعمال الأدوية ، وخرج به إلى حدّ التّفكّه والتّلذّذ ، وادّعى التّداوي تلبيساً وتستّراً حتّى وصل به إلى أغراض باطنة من العبث واللّهو والإسطال ، ومذهب الحنفيّة حرمته ، وعرّفوا العبث : بأنّه فعل لغير غرض صحيح ، والسّفه : بأنّه فعل لا غرض فيه أصلاً واللّعب : فعل فيه لذّة . وممّن صرّح بحرمة العبث في غير الصّلاة صاحب كتاب الاحتساب متمسّكاً بقول اللّه سبحانه وتعالى : { أفَحَسِبْتُم أنّما خلقناكم عَبَثَاً } وصاحب الكافي متمسّكاً بقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « كلّ شيء يلهو به الرّجل باطل إلاّ رمية الرّجل بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته امرأته ، فإنّهنّ من الحقّ » . القائلون بإباحته وأدلّتهم :
13 - ذهب إلى القول بإباحة شرب الدّخّان من الحنفيّة : الشّيخ عبد الغنيّ النّابلسيّ ، وقد ألّف في إباحته رسالةً سمّاها ( الصّلح بين الإخوان في إباحة شرب الدّخّان ) ومنهم صاحب الدّرّ المختار ، وابن عابدين ، والشّيخ محمّد العبّاسيّ المهديّ صاحب الفتاوى المهديّة ، والحمويّ شارح الأشباه والنّظائر .
ومن المالكيّة : عليّ الأجهوريّ ، وله رسالة في إباحته سمّاها ( غاية البيان لحلّ شرب ما لا يغيّب العقل من الدّخّان ) ونقل فيها الإفتاء بحلّه عمّن يعتمد عليه من أئمّة المذاهب الأربعة ، وتابعه على الحلّ أكثر المتأخّرين من المالكيّة ، ومنهم : الدّسوقيّ ، والصّاويّ ، والأمير ، وصاحب تهذيب الفروق . ومن الشّافعيّة : الحفنيّ ، والحلبيّ ، والرّشيديّ ، والشبراملسي ، والبابليّ ، وعبد القادر بن محمّد بن يحيى الحسينيّ الطّبريّ المكّيّ ، وله رسالة سمّاها ( رفع الاشتباك عن تناول التّنباك ) . ومن الحنابلة : الكرميّ صاحب دليل الطّالب ، وله رسالة في ذلك سمّاها ( البرهان في شأن شرب الدّخّان ) . كذلك قال الشّوكانيّ بإباحته .
وقد استدلّ القائلون بإباحته بما يأتي :
14 - أ - أنّه لم يثبت إسكاره ولا تخديره ، ولا إضراره ( عند أصحاب هذا الرّأي ) وقد عرف ذلك بعد اشتهاره ، ومعرفة النّاس به ، فدعوى أنّه يسكر أو يخدّر غير صحيحة ، فإنّ الإسكار غيبوبة العقل مع حركة الأعضاء ، والتّخدير غيبوبة العقل مع فتور الأعضاء ، وكلاهما لا يحصل لشاربه . نعم من لم يعتده يحصل له إذا شربه نوع غشيان . وهذا لا يوجب التّحريم . كذا قال الشّيخ حسن الشّطّيّ وغيره .
وقال الشّيخ عليّ الأجهوريّ : الفتور الّذي يحصل لمبتدئ شربه ليس من تغييب العقل في شيء ، وإن سلم أنّه ممّا يغيّب العقل فليس من المسكر قطعاً ، لأنّ المسكر يكون معه نشوة وفرح ، والدّخّان ليس كذلك ، وحينئذ فيجوز استعماله لمن لا يغيّب عقله ، وهذا يختلف باختلاف الأمزجة ، والقلّة والكثرة ، فقد يغيّب عقل شخص ولا يغيّب عقل آخر ، وقد يغيّب من استعمال الكثير دون القليل .
15 - ب - الأصل في الأشياء الإباحة حتّى يرد نصّ بالتّحريم ، فيكون في حدّ ذاته مباحاً ، جرياً على قواعد الشّرع وعموماته ، الّتي يندرج تحتها حيث كان حادثاً غير موجود زمن الشّارع ، ولم يوجد فيه نصّ بخصوصه ، ولم يرد فيه نصّ في القرآن أو السّنّة ، فهو ممّا عفا اللّه عنه ، وليس الاحتياط في الافتراء على اللّه تعالى بإثبات الحرمة أو الكراهة اللّذين لا بدّ لهما من دليل ، بل في القول بالإباحة الّتي هي الأصل ، وقد توقّف النّبيّ صلى الله عليه وسلم - مع أنّه هو المشرّع في تحريم الخمر أمّ الخبائث - حتّى نزل عليه النّصّ القطعيّ ، فالّذي ينبغي للإنسان إذا سئل عنه أن يقول هو مباح ، لكنّ رائحته تستكرهها الطّباع ، فهو مكروه طبعاً لا شرعاً .
16 - ج - إنّ فرض إضراره لبعض النّاس فهو أمر عارض لا لذاته ، ويحرم على من يضرّه دون غيره ، ولا يلزم تحريمه على كلّ أحد ، فإنّ العسل يضرّ بعض النّاس ، وربّما أمرضهم ، مع أنّه شفاء بالنّصّ القطعيّ .
17 - د - صرف المال في المباحات على هذا الوجه ليس بسرف ، لأنّ الإسراف هو التّبذير ، وفسّر ابن مسعود التّبذير بأنّه إنفاق المال في غير حقّه ، فإذا كان الإنفاق في حقّه ولو مباحاً فليس بسرف ، ودعوى أنّه إسراف فهذا غير خاصّ بالدّخّان .
18 - هـ - اتّفق المحقّقون على أنّ تحكيم العقل والرّأي بلا مستند شرعيّ باطل ، إذ ليس الصّلاح بتحريمه ، وإنّما الصّلاح والدّين المحافظة بالاتّباع للأحكام الواردة بلا تغيير ولا تبديل ، وهل الطّعن في أكثر النّاس من أهل الإيمان والدّين ، والحكم عليهم بالفسق والطّغيان بسبب شربهم الدّخّان ، وفي العامّة من هذه الأمّة فضلاً عن الخاصّة ، صلاح أم فساد ؟
19 - و - حرّر ابن عابدين أنّه لا يجب تقليد من أفتى بحرمة شرب الدّخّان ، لأنّ فتواهم إن كانت عن اجتهاد فاجتهادهم ليس بثابت ، لعدم توافر شروط الاجتهاد ، وإن كانت عن تقليد لمجتهد آخر ، فليس بثابت كذلك لأنّه لم ينقل ما يدلّ على ذلك ، فكيف ساغ لهم الفتوى وكيف يجب تقليدهم ؟ . ثمّ قال : والحقّ في إفتاء التّحليل والتّحريم في هذا الزّمان التّمسّك بالأصلين اللّذين ذكرهما البيضاويّ في الأصول ، ووصفهما بأنّهما نافعان في الشّرع .
الأوّل : أنّ الأصل في المنافع : الإباحة ، والآيات الدّالّة على ذلك كثيرة .
الثّاني : أنّ الأصل في المضارّ : التّحريم والمنع لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضرار » . ثمّ قال : وبالجملة إن ثبت في هذا الدّخّان إضرار صرف عن المنافع فيجوز الإفتاء بتحريمه ، وإن لم يثبت إضراره فالأصل الحلّ . مع أنّ الإفتاء بحلّه فيه دفع الحرج عن المسلمين ، فإنّ أكثرهم يبتلون بتناوله ، فتحليله أيسر من تحريمه ، فإثبات حرمته أمر عسير لا يكاد يوجد له نصير . نعم لو أضرّ ببعض الطّبائع فهو عليه حرام ، ولو نفع ببعض وقصد التّداوي فهو مرغوب .
قال ابن عابدين : كذا أجاب الشّيخ محيي الدّين أحمد بن محيي الدّين بن حيدر الكرديّ الجزريّ رحمه الله تعالى . وفي تهذيب الفروق : من عافاه اللّه من شربه واستعماله بوجه من الوجوه ، لا ينبغي أن يحمل النّاس على مختاره ، فيدخل عليهم شغباً في أنفسهم وحيرةً في دينهم ، إذ من شرط التّغيير لأمر ما أن يكون متّفقاً على إنكاره .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:05 PM

القائلون بالكراهة وأدلّتهم :
20 - ذهب إلى القول بكراهة شرب الدّخّان من الحنفيّة : ابن عابدين ، وأبو السّعود ، واللّكنويّ . ومن المالكيّة : الشّيخ يوسف الصّفتيّ . ومن الشّافعيّة : الشّروانيّ .
ومن الحنابلة : البهوتيّ ، والرّحيبانيّ ، وأحمد بن محمّد المنقور التّميميّ .
واستدلّوا بما يأتي :
21 - أ - كراهة رائحته ، فيكره قياساً على البصل النّيء والثّوم والكرّات ونحوها .
22 - ب - عدم ثبوت أدلّة التّحريم ، فهي تورث الشّكّ ، ولا يحرم شيء بمجرّد الشّكّ ، فيقتصر على الكراهة لما أورده القائلون بالحرمة .
حكم شرب الدّخّان في المساجد ومجالس القرآن والعلم والمحافل :
23 - لا يجوز شرب الدّخّان في المساجد باتّفاق ، سواء قيل بإباحته أو كراهته أو تحريمه ، قياساً على منع أكل الثّوم والبصل في المساجد ، ومنع آكلهما من دخول المساجد حتّى تزول رائحة فمه ، وذلك لكراهة رائحة الثّوم والبصل ، فيتأذّى الملائكة والمصلّون منها ، ويلحق الدّخّان بهما لكراهة رائحته - والمساجد إنّما بنيت لعبادة اللّه ، فيجب تجنيبها المستقذرات والرّوائح الكريهة - فعن جابر رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من أكل البصل والثّوم والكرّات فلا يقربنّ مسجدنا ، فإنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم » . قال ابن عابدين : يمنع في المسجد أكل نحو ثوم وبصل ونحوه ممّا له رائحة كريهة ، للحديث الصّحيح في النّهي عن قربان آكل الثّوم والبصل المسجد قال الإمام العينيّ في شرحه على صحيح البخاريّ : قلت : علّة النّهي أذى الملائكة وأذى المسلمين .
قال ابن عابدين : ويلحق بما نصّ عليه في الحديث : كلّ ما له رائحة كريهة مأكولاً أو غيره . ونقل ابن عابدين عن الطّحطاويّ : إنّ الدّخّان ملحق بالبصل والثّوم في هذا الحكم .
وقال الشّيخ عليش المالكيّ : لا شكّ في تحريم شرب الدّخّان في المساجد والمحافل لأنّ له رائحةً كريهةً ، ونقل عن مجموع الأمير في باب الجمعة : أنّه يحرم تعاطي ما له رائحة كريهة في المسجد والمحافل . وفي الشّروانيّ على تحفة المحتاج : يمنع من دخول المسجد ذو الرّائحة الكريهة ، كآكل البصل والثّوم ، ومنه ريح الدّخّان المشهور الآن .
24 - كذلك لا يجوز لشارب الدّخّان دخول المسجد حتّى تزول الرّائحة من فمه ، قياساً على منع آكل الثّوم والبصل من دخول المسجد حتّى تزول الرّائحة .
واعتبر الفقهاء أنّ وجود الرّائحة الكريهة ، عذر في التّخلّف عن الجمعة والجماعة ، إذا لم يفعل ذلك قصداً لإسقاط الجماعة . ولا يختصّ المنع بالمساجد ، بل إنّه يشمل مجامع الصّلاة غير المساجد ، كمصلّى العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات ، وكذا مجامع العلم والذّكر ومجالس قراءة القرآن ونحوها .
25 - هذا مع اختلاف الفقهاء في منع من في فمه رائحة الدّخّان من دخول المسجد ، أو مجامع العبادات ، ومجالس القرآن ، فحرّمه الحنفيّة والمالكيّة ، وكرهه الشّافعيّة والحنابلة . كذلك اختلف الفقهاء بالنّسبة للمجامع الّتي ليست للصّلاة أو الذّكر أو قراءة القرآن . وذلك كالولائم ومجالس القضاء . فأفتى بإباحته في مجالس القضاء الشّيخ محمّد مهديّ العبّاسيّ الحنفيّ شيخ الأزهر ومفتي الدّيار المصريّة .
وقال الشّيخ عليش المالكيّ : يحرم تعاطيه في المحافل . وكرهه الشّافعيّة والحنابلة .
26 - أمّا الأسواق ونحوها ، فقد قال الإمام النّوويّ : يلحق بالثّوم والبصل والكرّات كلّ ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها ، وقاس العلماء على المساجد مجامع العبادات ومجامع العلم والذّكر والولائم ونحوها . ثمّ قال : ولا يلتحق بها الأسواق ونحوها . .
حكم بيع الدّخّان وزراعته :
27 - كان الاختلاف بين الفقهاء بالنّسبة للدّخّان هو في بيان حكم شربه ، هل هو حرام أو مباح أو مكروه ، وكان التّعرّض لبيان حكم بيعه أو زراعته قليلاً .
على أنّه يمكن أن يقال في الجملة : إنّ الّذين حرّموه يستتبع ذلك عندهم حرمة بيعه وزراعته ، والّذين أباحوه يباح عندهم بيعه وزراعته . يقول الشّيخ عليش من المالكيّة : الحاصل أنّ الدّخّان في شربه خلاف بالحلّ والحرمة ، فالورع عدم شربه ، وبيعه وسيلةً لشربه ، فيعطى حكمه . ونورد فيما يلي ما أمكن العثور عليه من أقوال في ذلك :
28 - من الحنفيّة نقل ابن عابدين عن الشرنبلالي : أنّه يمنع من بيع الدّخّان ،
ومن المالكيّة ، ذكر الشّيخ عليش : ما يفيد جواز زراعته وبيعه ، فقد سئل في الدّخّان الّذي يشرب في القصبة ، والّذي يستنشق به ، هل كلّ منهما متموّل ؟ فإذا أتلف شخص شيئاً من أحدهما مملوكاً لغيره يكون عليه الضّمان ، أو كيف الحال ؟ . فأجاب : نعم كلّ منهما متموّل ، لأنّه طاهر فيه منفعة شرعيّة لمن اختلّت طبيعته باستعماله وصار له كالدّواء ، فكلّ منهما كسائر العقاقير الّتي يتداوى بها من العلل ، ولا يرتاب عاقل متشرّع في أنّها متموّلة ، فكذلك هذان ، كيف والانتفاع على الوجه المذكور والتّنافس حاصلان بالمشاهدة .
فإذا أتلف شخص شيئاً من أحدهما مملوكاً لغيره كان عليه الضّمان ، وقد أفتى بعض المتأخّرين بجواز بيع مغيّب العقل بلا نشوة ، لمن يستعمل منه القدر اليسير الّذي لا يغيّب عقله ، واستظهر فتواه سيّدي إبراهيم اللّقانيّ .
كذلك سئل الشّيخ عليش : عن رجل تعدّى على بصل لآخر أو جزر أو خسّ أو دخّان أو مطلق زرع قبل بدوّ صلاحه ، فماذا يلزمه ؟ وهل يعتبر وقت الحصاد ، أو ما يقوله أهل المعرفة ؟ وإن كان بعد بدوّ الصّلاح فما الحكم ؟ فأجاب : إن تعدّى على الزّرع قبل بدوّ الصّلاح أغرم قيمته يوم التّعدّي على الرّجاء والخوف ، وإن تأخّر الحكم عليه بالغرم حتّى رجع الزّرع لحاله سقطت عنه القيمة ويؤدّب المفسد ، وإن تعدّى بعد بدوّ الصّلاح أغرم قيمته يوم التّعدّي على البتّ . ومن الشّافعيّة : جاء في حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج : يصحّ بيع الدّخّان المعروف في زماننا ، لأنّه طاهر منتفع به أي عند بعض النّاس . وجاء في حاشية الشّروانيّ على تحفة المحتاج ما ملخّصه جواز بيعه . للخلاف في حرمته ولانتفاع بعض النّاس به . كما إذا كان يعلم الضّرر بتركه ، وحينئذ فيصحّ بيعه . ولم نعثر على نصّ في مذهب الحنابلة ، لكن جاء في كشّاف القناع ما يمكن أن يستفاد منه جواز بيعه قياساً . قال : السّمّ من الحشائش والنّبات ، إن كان لا ينتفع به ، أو كان يقتل قليله ، لم يجز بيعه ، وإن انتفع به وأمكن التّداوي بيسيره جاز بيعه ، لما فيه من النّفع المباح .
حكم الدّخّان من حيث الطّهارة والنّجاسة :
29 - صرّح المالكيّة والشّافعيّة بطهارة الدّخّان . قال الدّردير : من الطّاهر الجماد ، ويشمل النّبات بأنواعه ، قال الصّاويّ : ومن ذلك الدّخّان وفي نهاية المحتاج قال الشبراملسي في الحاشية : يصحّ بيع الدّخّان المعروف في زماننا ، لأنّه طاهر منتفع به . وورد مثل ذلك في حاشية الجمل وحاشية الشّروانيّ وحاشية القليوبيّ .
هذا وقد ذكر القرافيّ في الفرق الأربعين : " قاعدة المسكرات والمرقّدات والمفسدات " ( تنبيه ) تنفرد المسكرات عن المرقّدات والمفسدات بثلاثة أحكام : الحدّ ، والتّنجيس ، وتحريم اليسير . والمرقّدات والمفسدات لا حدّ فيها ولا نجاسة ، فمن صلّى بالبنج معه أو الأفيون لم تبطل صلاته إجماعاً . هذا وبعض من حرّم الدّخّان وعلّل حرمته بالإسكار فهي عنده نجسة قياساً على الخمر . ولم نعثر على نصّ في مذهب الحنفيّة ، إلاّ أنّ قواعدهم تدلّ على أنّ الدّخّان طاهر ، فقد قال ابن عابدين : الأشربة الجامدة كالبنج والأفيون لم نر أحداً قال بنجاستها ، ولا يلزم من الحرمة نجاسته ، كالسّمّ القاتل ، فإنّه حرام مع أنّه طاهر . كذلك لم نعثر على نصّ في مذهب الحنابلة ، إلاّ أنّه جاء في نيل المآرب : المسكر غير المائع طاهر .
تفطير الصّائم بشرب الدّخّان :
30 - اتّفق الفقهاء على أنّ شرب الدّخّان المعروف أثناء الصّوم يفسد الصّيام لأنّه من المفطرات ، كذلك يفسد الصّوم لو أدخل الدّخّان حلقه من غير شرب ، بل باستنشاق له عمداً ، أمّا إذا وصل إلى حلقه بدون قصد ، كأن كان يخالط من يشربه فدخل الدّخان حلقه دون قصد ، فلا يفسد به الصّوم ، إذا لا يمكن الاحتزاز من ذلك .
وعند الحنفيّة والمالكيّة : إن تعمّد ذلك فعليه القضاء والكفّارة .
وعند الشّافعيّة والحنابلة عليه القضاء فقط ، إذ الكفّارة عندهم تكون بالجماع فقط في نهار رمضان . وكذلك يفطر الصّائم بمضغ الدّخّان أو نشوقه ، لأنّه نوع من أنواع التّكييف ، ويصل طعمه للحلق ، ويتكيّف به الدّماغ مثل تكيّفه بالدّخّان الّذي يمصّ بالعود .
وهذا ما صرّح به المالكيّة ، وقواعد المذاهب الأخرى لا تأباه .
حقّ الزّوج في منع زوجته من شرب الدّخّان :
31 - يرى جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة وأحد وجهين عند الشّافعيّة والحنابلة ) أنّ للزّوج منع زوجته من كلّ ما له رائحة كريهة ، كالبصل والثّوم ، ومن ذلك شرب الدّخّان المعروف ، لأنّ رائحته تمنع كمال الاستمتاع ، خصوصاً إذا كان الزّوج لا يشربه .
والوجه الثّاني عند الشّافعيّة والحنابلة : أنّه ليس له منعها من ذلك لأنّه لا يمنع الوطء .
التّبغ في نفقة الزّوجة :
32 - يرى بعض الشّافعيّة والحنابلة أنّ الزّوجة إن اعتادت شرب الدّخّان تفكّهاً وجب على الزّوج توفيره لها ضمن حقّها في النّفقة .
ويرى الحنفيّة أنّه لا يلزمه ذلك وإن تضرّرت بتركه ، قال ابن عابدين : لأنّ ذلك إن كان من قبيل الدّواء أو من قبيل التّفكّه ، فكلّ من الدّواء والتّفكّه لا يلزمه .
ولم يصرّح المالكيّة بذلك ، إلاّ أنّ قواعدهم كالحنفيّة في أنّ الدّواء والتّفكّه لا يلزم الزّوج .
حكم التّداوي بالتّبغ :
33 - من القواعد العامّة الّتي أجمع عليها الفقهاء أنّ الأشياء المحرّمة النّجسة المنصوص عليها كالخمر لا يجوز التّداوي بها . أمّا ما لا نصّ فيه فإنّه يختلف باختلاف اجتهاد الفقهاء . فمن قال بنجاسة الدّخّان وأنّه يسكر كالخمر لا يجوز عنده التّداوي به .
لكنّه عند جمهور الفقهاء طاهر ويجوز التّداوي به ، كما يؤخذ ذلك من نصوصهم . وهذا إذا كان يمكن التّداوي به .
قال الشّيخ عليش المالكيّ : الدّخان متموّل ، لأنّه طاهر فيه منفعة شرعيّة لمن اختلّت طبيعته باستعماله وصار له كالدّواء ، فهو كسائر العقاقير الّتي يتداوى بها من العلل .
إمامة شارب الدّخّان :
34 - نقل ابن عابدين عن الشّيخ العماديّ أنّه يكره الاقتداء بالمعروف بأكل الرّبا ، أو شيء من المحرّمات ، أو يداوم الإصرار على شيء من المكروهات ، كالدّخّان المبتدع في هذا الزّمان .

تبكير *
التّعريف :
1 - التّبكير : مصدر بكّر بالتّشديد ، وأصله من الخروج بُكْرة أوّل النّهار ، ويكون أيضاً بمعنى : التّعجيل والإسراع أيّ وقت كان ، يقال : بكّر بالصّلاة أي : صلّاها لأوّل وقتها ، ويقال : بكّروا بصلاة المغرب أي : صلّوها عند سقوط القرص ، وكلّ من أسرع إلى شيء فقد بكّر إليه . ولم يخرج الفقهاء في استعمالهم عن هذين المعنيين .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّغليس :
2 - التّغليس في صلاة الفجر : فعلها أوّل طلوع الفجر قبل انتشار الضّوء .
ب - الإسفار :
3 - الإسفار معناه : الوضوح والظّهور ، يقال : أسفر الصّبح : انكشف وأضاء ، والإسفار بصلاة الصّبح في عرف الفقهاء هو : فعلها عند انتشار ضوء الفجر .
الحكم التّكليفيّ :
4 - التّبكير بأداء العبادات في أوّل أوقاتها مستحبّ لتحصيل الفضل والثّواب ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن أفضل الأعمال - قال : « الصّلاة في أوّل وقتها » وهذا على الجملة عند الفقهاء .
5- ويستثنى من هذا الحكم ما نصّ على تأخيره لسبب ، كالإبراد بصلاة الظّهر في وقت الحرّ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا اشتدّ الحرّ فأبردوا بالصّلاة » .
كذلك استثنى الحنابلة والحنفيّة صلاة العشاء ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لولا أن أشقّ على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء » وهو أيضاً قول عند المالكيّة والشّافعيّة ، وزاد الحنفيّة صلاة العصر .
6- أمّا التّبكير بمعنى الخروج أوّل النّهار فهو وارد في صلاة الجمعة والعيدين . فقد استحبّ التّبكير لهما من أوّل النّهار الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من غسّل يوم الجمعة واغتسل ، وبكّر وابتكر كان له بكلّ خطوة يخطوها أجر سنة ، صيامها وقيامها » وقال الإمام مالك : لا يستحبّ التّبكير خشية الرّياء .
التّبكير لطلب الرّزق :
7 - يستحبّ التّبكير بطلب الرّزق والتّجارة فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « باكروا للغدوّ في طلب الرّزق ، فإنّ الغدوّ بركة ونجاح » . قال ابن العربيّ : يروى عن ابن عبّاس وغيره أنّ ما بعد صلاة الصّبح وقت يقسم اللّه فيه الرّزق بين العباد ، وثبت أنّه وقت ينادي فيه الملك : « اللّهمّ أعط منفقاً خلفاً ، وأعط ممسكاً تلفاً » . وهو وقت ابتداء الحرص ونشاط النّفس وراحة البدن وصفاء الخاطر ، فيقسم لأجل ذلك كلّه وأمثاله .
التّبكير بالتّعليم :
8 - ينبغي التّبكير بتعليم الصّبيان ما فرض اللّه على العباد من قول وفعل ، لكي يأتي عليهم البلوغ وقد تمكّن ذلك في قلوبهم ، وسكنت إليه أنفسهم ، وأنست بما يعلمون به من ذلك جوارحهم . وقد قال النّوويّ : الصّحيح أنّه يجب على الآباء والأمّهات تعليم الأولاد الصّغار ما سيتعيّن عليهم بعد البلوغ من : الطّهارة ، والصّلاة ، والصّوم ، وتحريم الزّنى واللّواط والسّرقة وشرب المسكر ، والكذب ، ونحوها .
واستدلّ على ذلك بقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا قوا أنفسَكم وأهليكم ناراً } قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ومجاهد وقتادة : معناه علّموهم ما ينجون به من النّار .
وتعليم الصّبيان يردّ العذاب الواقع بإرادة اللّه تعالى عن آبائهم ، أو عمّن تسبّب في تعليمهم ، أو عن معلّمهم ، أو عنهم فيما يستقبل ، أو عن المجموع ، أو يردّ العذاب عموماً .

تبليغ *
التّعريف :
1 - التّبليغ : مصدر بلّغ ، أي : أوصل ، يقال بلّغه السّلام : إذا أوصله . وبلغ الكتاب بلوغاً : وصل .
والتّبليغ في الاصطلاح أخصّ من ذلك ، إذ يراد به : الإعلام والإخبار ، لأنّه إيصال الخبر . والتّبليغ يكون شفاهاً وبالرّسالة والكتابة .
وأغلب تبليغ الرّسل كان مشافهةً . والتّبليغ بالرّسالة : أن يرسل شخص رسولاً إلى رجل ، ويقول للرّسول مثلاً : إنّي بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا ، فاذهب إليه ، وقل له : إنّ فلاناً أرسلني إليك ، وقال لي : قل له : إنّي قد بعت عبدي هذا من فلان بكذا ، فإن ذهب الرّسول وبلّغ الرّسالة ، فقال المشتري في مجلسه ذلك : قبلت ، انعقد البيع ، لأنّ الرّسول سفير ومعبّر عن كلام المرسل ، ناقل كلامه إلى المرسل إليه ، فكأنّه حضر بنفسه فأوجب البيع ، وقبل الآخر في المجلس . فالرّسالة بعض وسائل التّبليغ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الكتابة :
2 - الكتابة هي : أن يكتب الرّجل إلى رجل إنّي بعت منك فرسي - ويصفه - بمبلغ كذا ، فبلغ الكتاب المرسل إليه ، فقال في مجلسه : اشتريت ، تمّ البيع . لأنّ خطاب الغائب كتابه ، فكأنّه حضر بنفسه وخاطب بالإيجاب وقبل الآخر في المجلس ، فالكتابة أيضاً أخصّ من التّبليغ .
الحكم التّكليفيّ :
تبليغ الرّسالات :
3 - أوجب اللّه على رسله تبليغ رسالاته إلى من أرسلوا إليهم ، لئلاّ يكون لهم على اللّه حجّة ، قال تعالى : { رُسُلاً مبشِّرين ومنذِرين لئلاّ يكون للنّاس على اللّه حُجّةٌ بعد الرّسُل } وقال تعالى : { يا أيّها الرّسول بلِّغْ ما أُنزل إليك من ربّك ، وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته ، واللّه يَعْصِمُك من النّاس } . قال ابن عبّاس : المعنى بلّغ جميع ما أنزل إليك من ربّك ، فإن كتمت شيئاً منه فما بلّغت رسالته . وهذا تأديب للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وتأديب لحملة العلم من أمّته ألاّ يكتموا شيئاً من أمر شريعته .
وفي صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : « من حدّثك أنّ محمّداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد كذب ، واللّه تعالى يقول : { يا أيّها الرّسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإنْ لم تفعل فما بلّغت رسالته } »
وعن أبي جحيفة قلت لعليّ رضي الله عنه : « هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن ؟ فقال : لا . والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ، إلاّ فهماً يعطيه اللّه رجلاً في القرآن ، وما في هذه الصّحيفة ، قلت : وما في هذه الصّحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وألاّ يقتل مسلم بكافر » .
تبليغ الدّعوة الإسلاميّة :
4 - تبليغ الدّعوة الإسلاميّة لغير المسلمين واجب على الكفاية ، فقد أرسل الرّسول صلى الله عليه وسلم إلى الملوك غير المسلمين يدعوهم إلى الإسلام ، فكتب إلى المقوقس وغيره ، وجرى على ذلك أصحابه .
التّبليغ خلف الإمام :
5 - من سنن الصّلاة جهر الإمام بالتّكبير والتّسميع والسّلام بقدر الحاجة ليسمّع المأمومين ، فإن زاد على الحاجة زيادةً كبيرةً كره .
والتّكبير للإعلام بالدّخول في الصّلاة والانتقال فيها يكون من الإمام ، فإن كان صوته لا يبلغ من وراءه فينبغي التّبليغ عنه من أحد المأمومين ، والمراد من التّكبير ما يشمل تكبيرة الإحرام وغيرها . وقال ابن قدامة : يستحبّ للإمام أن يجهر بالتّكبير ، بحيث يسمع المأمومون ليكبّروا ، فإنّهم لا يجوز لهم التّكبير إلاّ بعد تكبيره ، فإن لم يمكنه إسماعهم جهر بعض المأمومين ليسمعهم ، أو ليسمع من لا يسمع الإمام . لما روى جابر رضي الله عنه قال : « صلّى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه ، فإذا كبّر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كبّر أبو بكر ليسمعنا » وفي كلّ مذهب تفصيل :
فعند الحنفيّة والشّافعيّة : أنّ الإمام إذا كبّر للافتتاح فلا بدّ لصحّة صلاته من قصده بالتّكبير الإحرام بالصّلاة ، وإلاّ فلا صلاة له إذا قصد الإعلام فقط . فإن جمع بين الأمرين بأن قصد الإحرام والإعلام فذلك هو المطلوب منه شرعاً . وكذلك المبلّغ إذا قصد التّبليغ فقط خالياً عن قصد الإحرام فلا صلاة له ، ولا لمن يصلّي بتبليغه في هذه الحالة ، لأنّه اقتدى بمن لم يدخل في الصّلاة . فإن قصد بتكبيره الإحرام مع التّبليغ للمصلّين ، فذلك هو المقصود منه شرعاً . ووجهه : أنّ تكبيرة الإحرام شرط أو ركن ، فلا بدّ في تحقّقها من قصد الإحرام أي الدّخول في الصّلاة .
وأمّا التّسميع من الإمام ، والتّحميد من المبلّغ ، وتكبيرات الانتقالات منهما ، إذا قصد بما ذكر الإعلام فقط ، فلا فساد للصّلاة . والفرق أنّ قصد الإعلام غير مفسد ، كما لو سبّح ليعلم غيره أنّه في الصّلاة . ولمّا كان المطلوب هو التّكبير على قصد الذّكر والإعلام ، فإذاً محض قصد الإعلام فكأنّه لم يذكر ، وعدم الذّكر في غير التّحريمة غير مفسد .
وعند المالكيّة أنّه يجوز اتّخاذ شخص معيّن ليسمع النّاس ، وتصحّ صلاته ، ولو قصد بتكبيره وتحميده مجرّد إسماع المأمومين .
وعندهم أنّه يصحّ أن يكون المسمع ( المبلّغ ) صبيّاً أو امرأةً أو محدثاً ، وذلك مبنيّ على أنّ المسمع علامة على صلاة الإمام ، وذلك هو اختيار المازريّ واللّقانيّ . وفي رأي : أنّ المسمع نائب ووكيل عن الإمام ، فلا يجوز له التّسميع حتّى يستوفي شرائط الإمام .
وعند الحنابلة : أنّه يستحبّ الجهر من الإمام ليسمع المأمومين انتقالاته في الصّلاة ، كالجهر بتكبيرة الإحرام ، فإن لم يجهر الإمام بحيث يسمع الجميع استحبّ لبعض المأمومين رفع صوته ليسمعهم .
تبليغ السّلام :
6 - أجمع العلماء على أنّ الابتداء بالسّلام سنّة مرغّب فيها ، وردّه فريضة لقوله تعالى :
{ وإذا حُيِّيتم بتحيّةٍ فحَيُّوا بأحسنَ منها أو ردُّوها }
فقد أمر اللّه بالتّحيّة بأحسن منها أو بالرّدّ . والأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف ، والظّاهر أنّ الحكم كذلك في المكاتبة ، أو بالطّلب إلى رسول تبليغ السّلام ، كما ينبغي لمن تحمّل السّلام أن يبلّغه . « قالت عائشة رضي الله عنها : وعليه السّلام ورحمة اللّه حين أخبرها النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ جبريل عليه السلام يقرأ عليها السّلام » .
قال القرطبيّ : وفي حديث عائشة من الفقه أنّ الرّجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه ، فعليه أن يردّ كما يردّ عليه إذا شافهه . « وجاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : إنّ أبي يقرئك السّلام . فقال وعليك السّلام ، وعلى أبيك السّلام » .
تبليغ الوالي عن الجناة المستترين :
7 - المنصوص عليه في المذاهب أنّ ما لم يظهر من المحظورات ، فليس لأحد - محتسباً كان أو غيره - أن يتجسّس عنها ، ولا أن يهتك الأستار ، فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر اللّه تعالى ، فإنّه من يُبْدِ لنا صفحته نقم عليه كتاب اللّه تعالى » .
وأمّا عند الظّهور ففيه تفصيل ينظر في مصطلح ( تجسّس وشهادة ) .

تبنّي *
التّعريف :
1 - التّبنّي : اتّخاذ الشّخص ولد غيره ابناً له ، وكان الرّجل في الجاهليّة يتبنّى الرّجل ، فيجعله كالابن المولود له ، ويدعوه إليه النّاس ، ويرث ميراث الأولاد .
وغلب في استعمال العرب لفظ ( ادّعاء ) على التّبنّي ، إذا جاء في مثل ( ادّعى فلان فلاناً ) ومنه ( الدّعيّ ) وهو المتبنّي ، قال اللّه تعالى : { وما جَعَلَ أَدْعِيَاءَكم أبناءَكم } .
ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ التّبنّي عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستلحاق :
2 - ألحق القائف الولد بأبيه : أخبر أنّه ابنه لشبه بينهما يظهر له ، واستلحقت الشّيء : ادّعيته ، وفي القاموس : استلحق فلاناً : ادّعاه ، والاستلحاق يختصّ بالأب وحده ، وهو الإقرار بالنّسب عند الحنفيّة ، ولا يقع الاستلحاق إلاّ على مجهول النّسب .
فالاستلحاق لا يكون إلاّ بالنّسبة لمجهول النّسب ، في حين أنّ التّبنّي يكون بالنّسبة لكلّ من مجهول النّسب ومعلوم النّسب ، وتفصيل ذلك في مصطلح : ( استلحاق ) .
ب - البنوّة :
3 - الابن : الذّكر من الأولاد ، والاسم : البنوّة .
وفي اصطلاح الفقهاء : يطلق الابن على الابن الصّلبيّ من نسب حقيقيّ ، فتكون البنوّة من نسب أصليّ ، ويطلق الابن على ابن الابن وإن نزل مجازاً .
فالفرق بين البنوّة والتّبنّي : أنّ البنوّة ترجع إلى النّسب الأصليّ ، أمّا التّبنّي فهو ادّعاء الرّجل أو المرأة من ليس ولداً لهما . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( بنوّة ) .
ج - الإقرار بالنّسب :
4 - إقرار الأب أو الأمّ بالبنوّة دون ذكر السّبب مع عدم إلحاق الضّرر أو العار بالولد ، هو الإقرار بالنّسب المباشر . فالإقرار تصحيح للنّسب بعد أن كان مجهولاً .
أمّا التّبنّي فيكون لمجهول النّسب ومعلومه ، والتّبنّي قد أبطله الإسلام ، أمّا الإقرار بالنّسب فقائم ولا يصحّ الرّجوع فيه ، ولا يجوز نفيه بعد صدوره . انظر مصطلح : ( إقرار ) .
د - اللّقيط :
5 - ادّعاء اللّقيط شكل من أشكال الإقرار بالنّسب ، واللّقيط هو الصّغير الّذي وجد في مكان يصعب فيه التّعرّف على أبويه . أمّا التّبنّي فيكون لمجهول النّسب كما يكون لمعلوم النّسب ، وادّعاء اللّقيط في الحقيقة ردّ إلى نسب حقيقيّ في الظّاهر ، ولا يحمل التّبنّي هذا المعنى .
الحكم التّكليفيّ :
6 - حرّم الإسلام التّبنّي ، وأبطل كلّ آثاره ، وذلك بقوله تعالى : { وما جعل أدعياءَكم أبناءَكم ذلكم قولُكم بأفواهِكم واللّهُ يقولُ الحقَّ وهو يهدي السّبيلَ } ، وقوله تعالى : { ادْعوهم لآبائِهم } .
وقد كان التّبنّي معروفاً عند العرب في الجاهليّة وبعد الإسلام ، فكان الرّجل في الجاهليّة إذا أعجبه من الرّجل جلده وظرفه ضمّه إلى نفسه ، وجعل له نصيب ابن من أولاده في الميراث ، وكان ينسب إليه فيقال : فلان بن فلان . وقد « تبنّى الرّسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة قبل أن يشرّفه اللّه بالرّسالة ، وكان يدعى زيد بن محمّد ، واستمرّ الأمر على ذلك إلى أن نزل قول اللّه تعالى : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } إلى قوله : { وكان اللّه غفوراً رحيماً } وبذلك أبطل اللّه نظام التّبنّي » ، وأمر من تبنّى أحداً ألاّ ينسبه إلى نفسه ، وإنّما ينسبه إلى أبيه إن كان له أب معروف ، فإن جهل أبوه دعي ( مولًى ) ( وأخاً في الدّين ) وبذلك منع النّاس من تغيير الحقائق ، وصينت حقوق الورثة من الضّياع أو الانتقاص .

تَبْوِئة *
التّعريف :
1 - التّبوئة في اللّغة : مصدر بوّأ ، بمعنى أسكن ، يقال : بوّأته داراً : أي أسكنته إيّاها . والمُبَوَّأُ المنزل الملزوم ، ومنه : بوّأه اللّه منزلاً : أي ألزمه إيّاه وأسكنه ، ومنه قوله تعالى : { ولقد بَوَّأنَا بني إسرائيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ } ومنه أيضاً حديث : « من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النّار ... » . وهي في الاصطلاح : أن يخلّي المولى بين الأمة وبين زوجها ويدفعها إليه ولا يستخدمها . أمّا إذا كانت تذهب وتجيء وتخدم مولاها فلا يكون ذلك تبوئةً . ولمعرفة أحكامها تنظر مباحث ( النّكاح ) من كتب الفقه وانظر أيضاً مصطلح ( رقّ ) .

تبيع *
التّعريف :
1 - التّبيع في اللّغة : ولد البقر في السّنة الأولى ، ويسمّى تبيعاً لأنّه يتبع أمّه ، والأنثى تبيعة ، وجمع المذكّر أتبعة ، وجمع الأنثى تباع .
وفي الاصطلاح : لا يخرج معنى تبيع ، وتبيعة عمّا ورد في اللّغة ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة ، والمعتمد عند الشّافعيّة . وعند المالكيّة : ما أوفى سنتين ودخل في الثّالثة .
الحكم الإجماليّ :
2 - أجمع الفقهاء على أنّ التّبيع يكون واجباً في نصاب البقر إذا بلغت ثلاثين ، لحديث معاذ رضي الله عنه قال : « بعثني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن ، فأمرني أن آخذ من البقر من كلّ ثلاثين تبيعاً ... » إلخ .
ووجوب التّبيع فيما زاد عن الثّلاثين تفصيله في مصطلح ( زكاة ) .

تبييت *
التّعريف :
1 - التّبييت لغةً : مصدر بيّت الأمر إذا دبّره ليلاً ، وبيّت النّيّة على الأمر : إذا عزم عليه ليلاً فهي مبيّتة بالفتح . وبيّت العدوّ : أي داهمه ليلاً . وفي التّنزيل العزيز { إذْ يُبَيِّتُون ما لا يرضى من القولِ } وفي السّيرة : « هذا أمر بُيِّتَ بليل » .
والتّبييت في الاصطلاح بمعناه اللّغويّ ، والبيات اسم المصدر ، ومنه قوله تعالى : { أَفَأمِنَ أهلُ القرى أن يأتيَهم بَأسُنا بَيَاتَاً وهم نائمون } .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإغارة :
2 - يطلق العرب البيات أو التّبييت على الإغارة على العدوّ ليلاً .
وفي التّنزيل : { قالوا تقاسَمُوا باللّه لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهلَه ثمّ لنقولَنّ لوليّه ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهلِه وإنّا لصادقون } فالفرق بين تبييت العدوّ وبين الإغارة عليه : أنّ الإغارة مطلقة ، إذ تكون ليلاً أو نهاراً ، أمّا التّبييت فهو في اللّيل .
ب - البيتوتة :
3 - البيتوتة : مصدر بات ، ومعناها الفعل باللّيل ، فهو بهذا المعنى أعمّ من البيات ، ويندر استعمالها بمعنى النّوم ليلاً .
ويستعملها الفقهاء أحياناً في آثار القسم بين الزّوجات ، وبهذا المعنى يخالف البيات .
حكم التّبييت :
أوّلاً : تبييت العدوّ :
4 - تبييت العدوّ جائز لمن يجوز قتالهم ، وهم الكفّار الّذين بلغتهم الدّعوة ورفضوها ، ولم يقبلوا دفع الجزية ، ولم يكن بيننا وبينهم عقد ذمّة ولا هدنة .
قال أحمد رحمه الله : لا بأس بالبيات ، وهل غزو الرّوم إلاّ البيات ؟ قال : ولا نعلم أحداً كره تبييت العدوّ . وعن الصّعب بن جثّامة قال : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يسأل عن أهل الدّيار من المشركين : نبيّتهم فنصيب من نسائهم وذراريّهم فقال : هم منهم » فإن قيل : قد نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتل النّساء والذّرّيّة . قلنا : هذا محمول على التّعمّد لقتلهم . والجمع بينهما ممكن بحمل النّهي على التّعمّد ، والإباحة على ما عداه . والمسألة فيها تفريعات فيما إذا كان مع الكفّار مسلم وقتل ، تنظر في : ( الجهاد والدّيات ) . فإن بيّت الإمام أو أمير الجيش قبل الدّعوة أثم ، لقوله تعالى : { فانْبِذْ إليهم على سَوَاء } . واختلف الفقهاء في ضمان من يقتل منهم بالتّبييت : فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه لا يضمن ، لأنّه لا إيمان له ، ولا أمان ، فلم يضمن .
وذهب بعض الشّافعيّة إلى أنّه يضمن بالدّية والكفّارة ، ونقل ذلك عن الشّافعيّ .
ويرى بعض الفقهاء : أنّ أهل الكتاب والمجوس لا تجب دعوتهم قبل القتال ، لأنّ الدّعوة قد بلغتهم ، ولأنّ كتبهم قد بشّرت بالرّسالة المحمّديّة . ويدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا .
5- أمّا من بلغتهم الدّعوة ، فتستحبّ الدّعوة قبل التّبييت مبالغةً في الإنذار ، وليعلموا أنّنا نقاتلهم على الدّين لا على سلب الأموال وسبي الذّراريّ ، وقد ثبت « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أمر عليّاً حين أعطاه الرّاية يوم خيبر وبعثه إلى قتالهم أن يدعوهم » ، وهم ممّن بلغتهم الدّعوة . ويجوز بياتهم بغير دعاء ، لأنّه صحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه أغار على بني المصطلق ليلاً وهم غافلون » . « وعهد إلى أسامة أن يغير على أبنى صباحاً » . « وسئل عن المشركين يبيّتون ، فيصاب من نسائهم وذراريّهم فقال : هم منهم » . وكانوا جميعاً ممّن بلغتهم الدّعوة وإلاّ لم يبيّتوا للأدلّة السّابقة .
ثانياً : تبييت النّيّة في صوم رمضان :
6 - ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب تبييت النّيّة في صوم رمضان ما بين غروب الشّمس إلى طلوع الفجر الثّاني . وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يستحبّ التّبييت ، لكن تجزئ النّيّة نهاراً إلى الزّوال ، وفي ذلك تفصيل ينظر في : ( الصّوم ، والنّيّة ) .
مواطن البحث :
7 - يذكر الفقهاء التّبييت في كتاب : ( السّيرة ، والجهاد ) .

تتابع *
التّعريف :
1 - من معاني التّتابع في اللّغة : الموالاة . يقال تابع فلان بين الصّلاة وبين القراءة : إذا والى بينهما ، ففعل هذا على أثر هذا بلا مهلة بينهما . وتتابعت الأشياء : تبع بعضها بعضاً . وتابع بين الأمور متابعةً وتباعاً : واتر ووالى . ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن ذلك .
الحكم الإجماليّ :
2 - التّتابع يكون في صوم الكفّارات ، ويكون في الاعتكاف ، ويكون في الوضوء والغسل ، ويسمّى غالباً ( الموالاة ) وتنظر أحكامه في ( الوضوء والغسل ) .
التّتابع في الصّوم في كفّارة اليمين :
3 - إذا لم يجد الحانث في يمينه ما يكفّر به عنها ، من إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة أو عجز عن ذلك ، كان عليه أن ينتقل إلى الصّوم ، فيصوم ثلاثة أيّام . والأصل في ذلك قول اللّه تبارك وتعالى : { لا يؤاخِذُكم اللّهُ باللَّغْوِ في أيمانِكم ولكنْ يؤاخِذُكم بما عَقَّدْتُم الأيمانَ فكفّارتُه إطعامُ عَشَرَةِ مساكينَ من أوسطِ ما تُطْعمون أهليكم أو كِسْوتهم أو تحريرُ رَقبةٍ فمن لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيّامٍ ذلك كفّارةُ أيمانِكم إذا حَلَفْتُم } .
واختلف الفقهاء في التّتابع ، فذهب الحنفيّة وهو الأصحّ عند الحنابلة ، وهو قول للشّافعيّة : إلى وجوب التّتابع ، للقراءة الشّاذّة لابن مسعود فصيام ثلاثة أيّام متتابعات . وذهب المالكيّة - وهو قول للشّافعيّة - إلى جواز صومها متتابعةً أو متفرّقةً . ر : ( كفّارة اليمين ) .
التّتابع في الصّوم في كفّارة الظّهار :
4 - يأتي الصّوم في المرتبة الثّانية بعد العتق في كفّارة الظّهار ، كما في قوله تعالى : { والّذينَ يُظَاهِرُون من نسائِهم ثمّ يَعُودونَ لِمَا قالوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أنْ يَتَماسَّا ذلكمْ تُوعظونَ به واللّهُ بما تعملونَ خبيرٌ . فمنْ لم يَجِدْ فصيامُ شهرين مُتَتَابعين من قبلِ أن يَتَمَاسَّا فمنْ لم يستطعْ فإطعامُ ستّينَ مِسْكيناً ذلك لِتُؤمنوا باللّهِ ورسولِهِ وتلك حدودُ اللّهِ وللكافرينَ عذابٌ أليمٌ } . فإن لم يجد المظاهر ما يعتق كما في الآية الأولى انتقل إلى الصّيام ، فيصوم شهرين متتابعين كما في صدر الآية الثّانية ، ليس فيهما رمضان ، ويوما العيد ، وأيّام التّشريق ، وذلك من قبل أن يتماسّا . فإن جامعها في الشّهرين ليلاً أو نهاراً عامداً أو ناسياً بعذر أو بغير عذر استقبل ، لقوله تعالى : { مِنْ قبلِ أنْ يَتَمَاسَّا } .
وبهذا أخذ الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة والحنابلة في وجوب التّتابع ، إلاّ أنّ الشّافعيّة قالوا : إذا جامعها ليلاً قبل أن يكفّر يأثم ولا يبطل التّتابع . ر : ( كفّارة الظّهار ) .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:05 PM

التّتابع في الصّوم في كفّارة الفطر في نهار رمضان :
5 - تجب الكفّارة بالجماع في نهار رمضان باتّفاق . وتجب بالأكل أو الشّرب عمداً عند الحنفيّة والمالكيّة ، والكفّارة تكون بالعتق أو الصّوم أو الإطعام .
وتأتي مرتبة الصّوم بعد العتق عند الحنفيّة والشّافعيّة وجمهور الحنابلة ، وفي رواية عن أحمد أنّها على التّخيير بين العتق والصّيام والإطعام وبأيّها كفّر أجزأه ، وهذا بناءً على أنّ أو للتّخيير لما روى أبو هريرة « أنّ رجلاً أفطر في رمضان ، فأمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكيناً » .
وعند المالكيّة كفّارته على التّخيير أيضاً ، ولكنّهم فضّلوا الإطعام على العتق فجعلوه أوّلاً ، لأنّه أكثر نفعاً لتعدّيه لأفراد كثيرة ، وفضّلوا العتق على الصّوم ، لأنّ نفعه متعدّ للغير دون الصّوم ، فالصّوم عندهم في المرتبة الثّالثة .
وسواء كان هذا أو ذاك ، فإنّ صوم كفّارة الفطر في رمضان شهران متتابعان عند الأئمّة الأربعة . لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : « بينما نحن جلوس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل ، فقال : يا رسول اللّه : هلكت ، قال : ما لك ؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبةً تعتقها ؟ قال : لا . قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا . قال : فهل تجد إطعام ستّين مسكيناً ؟ قال : لا . قال : فمكث النّبيّ صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك ، أُتِيَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر - والعرق : المكتل - قال : أين السّائل ؟ فقال : أنا . قال : خذ هذا فتصدّق به . فقال الرّجل : على أفقر منّي يا رسول اللّه ؟ فواللّه ما بين لابَتَيْها - يريد الحرّتين - أهلُ بيت أفقر من أهل بيتي . فضحك النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه ، ثمّ قال : أَطْعِمْه أهلَكَ » .
الصّوم في كفّارة القتل :
6 - يأتي في المرتبة الثّانية بعد العجز عن العتق ، كما في قوله تعالى : { ومنْ قتلَ مُؤْمناً خَطَأً فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِهِ إلاّ أنْ يَصَّدَّقُوا } إلى قوله تعالى : { فمنْ لمْ يجدْ فصيامُ شَهْرينِ متتابعينِ تَوْبَةً من اللّهِ وكانَ اللّهُ عليماً حكيماً } .
فالتّتابع في صيام هذين الشّهرين واجب اتّفاقاً . ر : ( كفّارة القتل ) .
التّتابع في صوم النّذر :
7 - إن نذر أن يصوم أيّاماً ، أو شهراً ، أو سنةً ، ولم يعيّن ، وشرط التّتابع لزمه اتّفاقاً ، وكذا لو نذر أن يصوم شهراً معيّناً كرجب ، أو سنة معيّنة ، لزمه التّتابع في صيامها كذلك . أمّا لو نذر شهراً ، أو سنةً غير معيّنين ، ولم يشترط التّتابع ، فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنابلة إلى : أنّه لا يلزمه التّتابع ، وفي رواية أخرى عند الحنابلة يلزمه التّتابع ، وروي عن أحمد كذلك فيمن قال : للّه عليّ أن أصوم عشرة أيّام : يصومها متتابعةً . وانظر للتّفصيل مصطلح : ( نذر ) .
التّتابع في الاعتكاف :
8 - مذهب الحنفيّة : أنّ من أوجب على نفسه اعتكاف أيّام ، بأن قال : عشرة أيّام مثلاً ، لزمه اعتكافها بلياليها متتابعةً ، وإن لم يشترط التّتابع ، لأنّ مبنى الاعتكاف على التّتابع . وكذا لو قال : شهراً ، ولم ينوه بعينه ، لزمه متتابعاً ليله ونهاره ، يفتتحه متى شاء بالعدد ، لا هلاليّاً ، وإن عيّن شهراً يعتبر الشّهر بالهلال ، وإن فرّق الاعتكاف استأنفه متتابعاً . وقال زفر في نذر اعتكاف شهر : إن شاء فرّق الاعتكاف وإن شاء تابعه . وإن نوى الأيّام خاصّةً أي دون اللّيل صحّت نيّته ، لأنّ حقيقة اليوم بياض النّهار .
وعند المالكيّة كذلك ، يلزم تتابع الاعتكاف المنذور فيما إذا كان مطلقاً ، أي غير مقيّد بتتابع ولا عدمه . وأنّ من نذر اعتكاف شهر أو ثلاثين يوماً فلا يفرّق ذلك . وهذا بخلاف من نذر أن يصوم شهراً أو أيّاماً ، فإنّه لا يلزمه التّتابع في ذلك .
والفرق : أنّ الصّوم إنّما يؤدّى في النّهار دون اللّيل فكيفما فعل أصاب ، متتابعاً أو مفرّقاً . والاعتكاف يستغرق الزّمانين اللّيل والنّهار ، فكان حكمه يقتضي التّتابع .
والمراد بالمطلق : الّذي لم يشترط في التّتابع لفظاً ، ولم يحصل فيه نيّة التّتابع ، ولا نيّة عدمه . فإن حصل فيه نيّة أحدهما عمل بها . ويلزم المعتكف ما نواه من تتابع أو تفريق وقت الشّروع ، وهو حين دخوله فيه ، ولا يلزمه بنيّته فقط ، لأنّ النّيّة بمجرّدها لا توجب شيئاً .
والشّافعيّة قالوا : إنّ من نذر أن يعتكف شهراً فإن عيّن شهراً لزمه اعتكافه متتابعاً ليلاً ونهاراً ، سواء كان الشّهر تامّاً أو ناقصاً ، لأنّ الشّهر عبارة عمّا بين الهلالين ، تمّ أو نقص . وإن نذر اعتكاف نهار الشّهر لزمه النّهار دون اللّيل ، لأنّه خصّ النّهار فلم يلزمه الاعتكاف باللّيل ، فإن فاته الشّهر ولم يعتكف فيه لزمه قضاؤه ، ويجوز أن يقضيه متتابعاً ومتفرّقاً ، لأنّ التّتابع في أدائه بحكم الوقت ، فإذا فات سقط التّتابع في صوم رمضان . وإن نذر أن يعتكف متتابعاً لزمه قضاؤه متتابعاً ، لأنّ التّتابع هنا بحكم النّذر ، فلم يسقط بفوات الوقت .
وإن نذر اعتكاف شهر غير معيّن ، واعتكف شهراً بالأهلّة أجزأه ، تمّ الشّهر أو نقص ، لأنّ اسم الشّهر يقع عليه ، وإن اعتكف شهراً بالعدد لزمه ثلاثون يوماً ، لأنّ الشّهر بالعدد ثلاثون يوماً . فإنّ شرط التّتابع لزمه متتابعاً ، لقوله صلى الله عليه وسلم « مَنْ نَذَرَ وسمّى فعليه الوفاء بما سمّى » وإن شرط أن يكون متفرّقاً جاز أن يكون متفرّقاً ومتتابعاً ، لأنّ المتتابع أفضل من المتفرّق ، وإن أطلق النّذر جاز متفرّقاً ومتتابعاً ، كما لو نذر صوم شهر .
أمّا الحنابلة فقد ذهبوا إلى أنّ من نذر اعتكاف أيّام متتابعة يصومها فأفطر يوماً أفسد تتابعه ، ووجب عليه الاستئناف ، لإخلاله بالإتيان بما نذره على صفته .
وإن نذر اعتكاف شهر لزمه شهر بالأهلّة أو ثلاثون يوماً ، والتّتابع فيه على وجهين : أحدهما لا يلزمه ، والثّاني يلزمه ، وقال القاضي : يلزمه التّتابع قولاً واحداً ، لأنّه معنًى يحصل في اللّيل والنّهار ، فإذا أطلقه اقتضى التّتابع . ر : ( اعتكاف ) .
ما يقطع التّتابع في صيام الكفّارات :
ينقطع التّتابع في صوم الكفّارة بأمور ذكرها الفقهاء وهي :
أ - الفطر بإكراه أو نسيان ونحوهما :
9 - يرى الحنفيّة أنّ الإفطار بعذر أو بغير عذر يقطع التّتابع ، باستثناء عذر المرأة في الحيض ، ولم يفرّقوا في ذلك بين عذر المرض أو غيره ، وهو يتناول الإكراه .
وأمّا لو أكل ناسياً في كفّارة الظّهار فقد ذكر صاحب الفتاوى الهنديّة : أنّه لا يضرّ .
ولا يجزئ عن الكفّارة صيام تسعة وخمسين يوماً بغير اعتبار الأهلّة ، أمّا إذا صام شهرين باعتبار الأهلّة ، فإنّ صومه يصحّ حتّى ولو كان ثمانيةً وخمسين يوماً .
ويرى المالكيّة أنّ الفطر بالإكراه بمؤلم من قتل أو ضرب لا يقطع التّتابع ، ولا يقطعه أيضاً فطر من ظنّ بقاء اللّيل ، أو غروب الشّمس بخلاف الشّكّ في غروب الشّمس فإنّه يقطعه ، وكذا لا يقطع التّتابع عندهم فطر من صام تسعةً وخمسين يوماً ، ثمّ أصبح مفطراً ظانّاً الكمال . ولا يقطع التّتابع عندهم الأكل والشّرب ناسياً على المشهور ، ولا يقطعه جماع غير المظاهر منها نهاراً نسياناً ، أو ليلاً ولو عمداً .
وذكر الشّافعيّة : أنّ الإكراه على الأكل يبطل التّتابع ، بناءً على أنّ الإكراه عليه يبطل الصّوم على القول به ، لأنّه سبب نادر . هذا هو المذهب في الصّورتين ، كما جاء في الرّوضة ، وبه قطع الجمهور ، وجعلهما ابن كجّ كالمرض ، وكذا إذا استنشق فوصل الماء إلى دماغه ، ففي انقطاع التّتابع الخلاف ، بناءً على القول بأنّه يفطر ، وقال النّوويّ : لو أوجر الطّعام مكرهاً لم يفطر ولم ينقطع تتابعه ، قطع به الأصحاب في كلّ الطّرق .
وذكر الحنابلة أنّ التّتابع لا يقطع بالفطر بسبب الإكراه أو الخطأ أو النّسيان على الصّحيح من المذهب ، لحديث : « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » لا إن أفطر لجهل فإنّه لا يعذر به ، وأمّا الّذي أفطر خطأً كمن ظنّ بقاء اللّيل أو الغروب فبان خلافه فلا ينقطع تتابع صيامه ، وأمّا الّذي أفطر على ظنّ تمام الشّهرين فبان خلافه فإنّه ينقطع تتابع صيامه ، أو ظنّ أنّ الواجب شهر واحد فأفطر ، أو أفطر ناسياً لوجوب التّتابع ، أو أفطر لغير عذر انقطع تتابع صيامه لقطعه إيّاه ، ولا يعذر بالجهل .
ب - الحيض والنّفاس :
10 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحيض لا يقطع التّتابع في الكفّارة الّتي توجب صيام شهرين على المرأة ، ككفّارة القتل ، لأنّه لا بدّ منه فيهما ، ولأنّها لا يد لها فيه ، ولأنّه ينافي الصّوم ، وفي تأخير التّكفير إلى سنّ اليأس خطر ، إلاّ أنّ المتولّي من الشّافعيّة قال : إنّ المرأة إذا كانت لها عادة في الطّهر تسع صوم الكفّارة فصامت في غيرها ، أي في وقت يحدث فيه الحيض ، فإنّه يقطع التّتابع .
وأمّا تتابع صوم أيّام كفّارة اليمين ، فإنّ الحيض يقطعه ، بناءً على وجوب التّتابع فيها كما ذكر الحنفيّة ، والشّافعيّة على أحد القولين في وجوب تتابعها ، لقلّة أيّامها ، بخلاف الشّهرين . هذا ، وذكر النّوويّ في الرّوضة : أنّنا إذا أوجبنا التّتابع في كفّارة اليمين فحاضت في أثنائها ، ففي انقطاع تتابعها القولان في الفطر بالمرض في الشّهرين ، ويشبه أن يكون فيه طريق جازم بانقطاع التّتابع .
11 - أمّا النّفاس فإنّه يقطع التّتابع في صوم الكفّارة عند الحنفيّة ، وعلى مقابل الصّحيح الّذي حكاه أبو الفرج السّرخسيّ من الشّافعيّة لندرته ، ولإمكانها اختيار شهرين خاليين منه . وذهب المالكيّة والشّافعيّة على الصّحيح ، والحنابلة إلى : أنّ النّفاس لا يقطع التّتابع ، قياساً على الحيض ، ولأنّها لا يد لها فيه .
ت - دخول رمضان والعيدين وأيّام التّشريق :
12 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ دخول شهر رمضان وعيد الفطر أو عيد الأضحى وأيّام التّشريق يقطع صوم الكفّارة لوجوب صوم رمضان وحرمة صوم الباقي ، ولأنّ في استطاعته أن يجد شهرين ليس فيهما ما ذكر ، وهذا أيضاً هو ما ذهب إليه الشّافعيّة في صوم غير الأسير . وأمّا الأسير إذا صام باجتهاده ، فدخل عليه رمضان أو العيد قبل تمام الشّهرين ، ففي انقطاع تتابعه الخلاف في انقطاعه بإفطار المريض .
وأمّا المالكيّة فذكروا : أنّ تعمّد فطر يوم العيد يقطع تتابع صوم الكفّارة ، كما إذا تعمّد صوم ذي القعدة وذي الحجّة عن كفّارة ظهاره مع علمه بدخول العيد في أثنائه . بخلاف ما إذا جهله فإنّه لا يقطع ، كما إذا ظنّ أنّ شهر ذي الحجّة هو المحرّم ، فصامه مع ما بعده ظانّاً أنّه صفر ، فبان خلافه .
وجهل دخول رمضان عندهم كجهل العيد على الأرجح عند ابن يونس ، والمراد بجهل العيد كما في الخرشيّ : جهله في كونه يأتي في الكفّارة ، لا جهل حكمه ، خلافاً لأبي الحسن ، حيث ذكر أنّ المراد بالجهل جهل الحكم وهو أظهر . ومثل العيد عندهم اليومان بعده . وأمّا ثالث أيّام التّشريق فإنّ صومه يجزئ ، وفطره يقطع التّتابع اتّفاقاً ، كما جاء في الخرشيّ . وأمّا الحنابلة فذهبوا إلى أنّ صوم الكفّارة لا يقطع بذلك مطلقاً ، لوجوب صوم رمضان بإيجاب الشّرع ، ولأنّ فطر العيدين وأيّام التّشريق واجب أيضاً بإيجاب الشّرع ، أي إنّ ذلك الزّمن منعه الشّرع من صومه كاللّيل .
ث - السّفر :
13 - السّفر عند الحنفيّة والمالكيّة ، وقول عند الشّافعيّة : يقطع التّتابع إن أفطر فيه ، لأنّ الإفطار عندهم بعذر أو بغير عذر يقطعه . والقول الآخر للشّافعيّة : أنّه كالمرض .
والسّفر الّذي يباح فيه الفطر لا يقطع التّتابع عند الحنابلة .
ج – فطر الحامل والمرضع :
14 - فطر الحامل والمرضع عند الشّافعيّة ، كما جاء في الرّوضة خوفاً على الولد . قيل : هو كالمرض ، وقيل : يقطع قطعاً ، لأنّه فعل اختياريّ .
وأمّا الحنابلة فيرون أنّ فطر الحامل والمرضع خوفاً على أنفسهما أو ولديهما لا يقطع التّتابع ، لأنّه فطر أبيح لعذر عن غير جهتهما ، فأشبه المرض . وما ذهب إليه الحنفيّة - من أنّ الفطر بعذر أو بغير عذر يقطع التّتابع - والمالكيّة - من القول بقطعه بكلّ فعل اختياريّ ، كالسّفر مثلاً - مقتضاه قطع التّتابع بفطرهما خوفاً على أنفسهما أو ولديهما .
ح - المرض :
15 - المرض يقطع تتابع صوم الكفّارة عند الحنفيّة ، وعند الشّافعيّة في الأظهر ، وهو الجديد ، لأنّ الحنفيّة لم يفرّقوا بين الفطر بعذر مرض أو غيره في قطع التّتابع ، باستثناء المرأة في الحيض ، ولأنّ المرض كما ذكر الشّافعيّة لا ينافي الصّوم ، وإنّما قطعه باختياره . وذهب الشّافعيّة في القديم إلى أنّ المرض لا يقطع تتابع صوم الكفّارة ، لأنّه لا يزيد على أصل وجوب صوم رمضان ، وهو يسقط بالمرض . وهذا أيضاً هو ما ذهب إليه الحنابلة ، وإن كان المرض غير مخوف ، لأنّه لا يد له فيه كالحيض ، ومثله الجنون والإغماء .
خ - نسيان النّيّة في بعض اللّيالي :
16 - ذهب الشّافعيّة إلى أنّ نسيان النّيّة في بعض اللّيالي يقطع التّتابع كتركها عمداً ، ولا يجعل النّسيان عذراً في ترك المأمور به ، وهذا بناءً على وجوب اشتراطها في كلّ ليلة ، على مقابل الأصحّ عندهم . أمّا لو صام أيّاماً من الشّهرين ، ثمّ شكّ بعد فراغه من صوم يوم ، هل نوى فيه أم لا ؟ لم يلزمه الاستئناف على الصّحيح كما قال النّوويّ ، ولا أثر للشّكّ بعد الفراغ من اليوم ، ذكره الرّويانيّ في كتاب الحيض في مسائل المتحيّرة .
د - الوطء :
17 - اتّفق الفقهاء على أنّ المظاهر إذا وطئ من ظاهر منها في النّهار عامداً ، فإنّ فعله هذا يقطع التّتابع ، وأمّا إذا وطئها في اللّيل عامداً أو ناسياً ، أو وطئها في النّهار ناسياً ، ففيه الخلاف . فذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى أنّ المظاهر إذا جامع الّتي ظاهر منها باللّيل عامداً أو بالنّهار ناسياً ، فإنّ ذلك يقطع التّتابع ، لأنّ الشّرط في الصّوم أن يكون خالياً من المسيس ، وقال أبو يوسف : إنّ التّتابع لا يقطع بذلك إذ لا يفسد به الصّوم ، وهو وإن كان تقديمه على المسيس شرطاً ، فإنّ فيما ذهبنا إليه تقديم البعض ، وفيما قلتم تأخير الكلّ عنه . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ وطء المظاهر منها يقطع التّتابع مطلقاً ، سواء أكان باللّيل أم بالنّهار ، وسواء أكان عالماً أو ناسياً أم جاهلاً أم غالطاً ، أو بعذر يبيح الفطر كسفر ، لقوله تعالى : { مِنْ قَبْلِ أنْ يَتَماسَّا } .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ وطأه باللّيل لا يقطع التّتابع ، ويعتبر عاصياً . هذا ، ووطء غير المظاهر منها في النّهار عامداً يقطع التّتابع ، كما صرّح به صاحب العناية من الحنفيّة ، بخلاف ما لو وطئها باللّيل عامداً ، أو ناسياً ، أو بالنّهار ناسياً فإنّ ذلك لا يقطع التّتابع ، كما صرّح به الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لأنّ ذلك غير محرّم عليه .
ومثل ذلك ما لو وطئها بسبب عذر يبيح الفطر كما صرّح به الحنابلة .
ذ - قضاء ما لم ينقطع به التّتابع :
18 - قال المالكيّة : إنّ تتابع صوم الكفّارة يقطعه تأخير قضاء الأيّام الّتي أفطرها في صيامه ، والّتي يجب عليه أن يقضيها متّصلةً بصيامه ، فإن أخّر قضاءها انقطع تتابع الصّوم . وشبّهوا ذلك بمن نسي شيئاً من فرائض الوضوء أو الغسل ، ثمّ تذكّره أثناءه فلم يغسله ، أي لم يأت به حين تذكّره فإنّه يبتدئ الطّهارة ، نسي ذلك أم تعمّده . بخلاف نسيان النّجاسة بعد تذكّرها قبل الصّلاة فإنّه لا يؤثّر لخفّتها .
ولم نجد لغير المالكيّة تصريحاً في هذه المسألة .

تترّس *
التّعريف :
1 - التّترّس في اللّغة : التّستّر بالتّرس ، والاحتماء به والتّوقّي به . وكذلك التّتريس ، يقال : تترّس بالتّرس ، أي توقّى وتستّر به . كما في حديث أنس بن مالك قال : « كان أبو طلحة يتترّس مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم بترس واحد » ويقال أيضاً : تترّس بالشّيء جعله كالتّرس وتستّر به ، ومنه : تترّس الكفّار بأسارى المسلمين وصبيانهم أثناء الحرب .
ولا يخرج الاستعمال الفقهيّ عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّحصّن :
2 - من معاني التّحصّن : الاحتماء بالحصن ، يقال : تحصّن العدوّ : إذا دخل الحصن واحتمى به ، فالتّحصّن نوع من التّستّر والتّوقّي أثناء الحرب .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
3 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز رمي الكفّار إذا تترّسوا بالمسلمين وأساراهم أثناء القتال أو حصارهم من قبل المسلمين ، إذا دعت الضّرورة إلى ذلك ، بأن كان في الكفّ عن قتالهم انهزام للمسلمين ، والخوف على استئصال قاعدة الإسلام . ويقصد بالرّمي الكفّار .
ولكن إذا لم تدع ضرورة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة ، أو لإمكان القدرة عليهم بدونه ، فلا يجوز رميهم عند الشّافعيّة والحنابلة ، وهو قول الحسن بن زياد من الحنفيّة .
ويجوز عند الحنفيّة - ما عدا الحسن بن زياد - لأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ بالدّفع عن مجتمع الإسلام ، إلاّ أنّه على الرّامي ألاّ يقصد بالرّمي إلاّ الكفّار .
وذهب المالكيّة إلى أنّهم يقاتلون ، ولا يقصدون المتترّس بهم ، إلاّ إذا كان في عدم رمي المتترّس بهم خوف على أكثر الجيش المقاتلين للكفّار ، فتسقط حرمة التّرس ، سواء أكان عدد المسلمين المتترّس بهم أكثر من المجاهدين أم أقلّ ، وكذلك لو تترّسوا بالصّفّ ، وكان في ترك قتالهم انهزام للمسلمين .
وعلى هذا فإن أصيب أحد من المسلمين نتيجة الرّمي وقتل ، وعلم القاتل ، فلا دية ولا كفّارة عند الحنفيّة ، لأنّ الجهاد فرض ، والغرامات لا تقرن بالفرائض ، خلافاً للحسن بن زياد ، فإنّه يقول بوجوب الدّية والكفّارة .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ فيه الكفّارة قولاً واحداً . أمّا الدّية ففيها عنهم قولان .
فعند الشّافعيّة : إن علمه الرّامي مسلماً ، وكان يمكن توقّيه والرّمي إلى غيره لزمته الدّية ، وإن لم يتأتّ رمي الكفّار إلاّ برمي المسلم فلا .
وكذلك عند الحنابلة : تجب الدّية في رواية لأنّه قتل مؤمناً خطأً ، وفي رواية أخرى : لا دية لأنّه قتل في دار الحرب برمي مباح .
4 - وإن تترّس الكفّار بذراريّهم ونسائهم فيجوز رميهم مطلقاً عند الحنفيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، ويقصد بالرّمي المقاتلين ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رماهم بالمنجنيق ومعهم النّساء والصّبيان » . ولا فرق في جواز الرّمي بين ما إذا كانت الحرب ملتحمةً وما إذا كانت غير ملتحمة ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحيّن بالرّمي حال التحام الحرب . وذهب المالكيّة والشّافعيّة : إلى أنّه لا يجوز رميهم ، إلاّ إذا دعت الضّرورة ويتركون عند عدم الضّرورة ، ويكون ترك القتال عند عدم الضّرورة واجباً في الأظهر عند الشّافعيّة ، لكنّ المعتمد ما جاء في الرّوضة وهو : جوازه مع الكراهة .
وقد فصّل الفقهاء أحكام التّترّس في باب الجهاد : عند الحديث عن كيفيّة القتال ، وبيان المكروهات والمحرّمات والمندوبات في الغزو .

تتريب *
التّعريف :
1 - التّتريب : مصدر ترّب ، يقال : ترّبت الشّيء تتريباً فتترّب ، أي لطّخته فتلطّخ بالتّراب . وأتربت الشّيء : جعلت عليه التّراب ، وترّبت الكتاب تتريباً ، وترّبت القرطاس فأنا أترّبه ، أي أضع عليه التّراب ليمتصّ ما زاد من الحبر .
وعلى هذا ، فتتريب الشّيء لغةً واصطلاحاً : جعل التّراب عليه .
الحكم الإجماليّ :
2 - استعمال التّراب في التّطهير من نجاسة الكلب :
التّراب الطّاهر قد يستعمل في التّطهير ، كما إذا ولغ الكلب في إناء ، فإنّه كي يطهر هذا الإناء يجب غسله سبعاً إحداهنّ بالتّراب ، هذا عند الحنابلة والشّافعيّة ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا وَلَغَ الكلبُ في إناء أحدكم فَلْيغسله سبعاً » متّفق عليه ، زاد مسلم « أولاهنّ بالتّراب » . ولما روى عبد اللّه بن مغفّل أنّه عليه الصلاة والسلام قال : « إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرّات ، وعَفِّروه الثّامنةَ بالتّراب » .
والمستحبّ أن يجعل التّراب في الغسلة الأولى ، لموافقته لفظ الخبر ، أو ليأتي الماء عليه بعده فينظّفه . ومتى غسل به أجزأه ، لأنّه روي في حديث : « إحداهنّ بالتّراب » وفي حديث : « أولاهنّ » وفي حديث : « في الثّامنة » فيدلّ على أنّ محلّ التّراب من الغسلات غير مقصود . فإن جعل مكان التّراب غيره من الأشنان والصّابون ونحوهما ، أو غسله غسلةً ثامنةً ، فالأصحّ أنّه لا يجزئ ، لأنّه طهارة أمر فيها بالتّراب تعبّداً ، ولذا لم يقم غيره مقامه . ولبعض الحنابلة : يجوز العدول عن التّراب إلى غيره عند عدم التّراب ، أو إفساد المحلّ المغسول به . فأمّا مع وجوده وعدم الضّرر فلا . وهذا قول ابن حامد .
وعند المالكيّة : يندب غسل الإناء سبعاً بولوغ الكلب فيه ، بأن يدخل فمه في الماء ويحرّك لسانه فيه ، ولا تتريب مع الغسل بأن يجعل في الأولى ، أو الأخيرة ، أو إحداهنّ . لأنّ التّتريب لم يثبت في كلّ الرّوايات ، وإنّما ثبت في بعضها ، وذلك البعض الّذي ثبت فيه ، وقع فيه اضطراب . وللحنفيّة قول بغسله ثلاثاً ، لحديث « يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً » . وقولٌ بغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً . لما روى الدّارقطنيّ عن الأعرج عن أبي هريرة « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الكلب ، يلغ في الإناء أنّه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً » وورد في حاشية الطّحطاويّ على مراقي الفلاح : يندب التّسبيع وكون إحداهنّ بالتّراب .

تتن *
انظر : تبغ .

تثاؤب *
التّعريف :
1 - التّثاؤب : ( بالمدّ ) : فترة تعتري الشّخص فيفتح عندها فمه .
والمعنى الاصطلاحيّ في هذا لا يخرج عن المعنى اللّغويّ .
حكمه التّكليفيّ :
2 - صرّح العلماء بكراهة التّثاؤب . فمن اعتراه ذلك ، فليكظمه ، وليردّه قدر الطّاقة . لقوله صلى الله عليه وسلم : « فليردّه ما استطاع » كأن يطبق شفتيه أو نحو ذلك . فإذا لم يستطع وضع يده على فمه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا تثاءب أحدكم فلْيُمْسك بيده على فمه ، فإنّ الشّيطانَ يَدْخُلُ » ويقوم مقام اليد كلّ ما يستر الفم كخرقة أو ثوب ممّا يحصل به المقصود . ثمّ يخفض صوته ولا يعوي ، لما رواه ابن ماجه من طريق عبد اللّه بن سعيد المقبريّ عن أبيه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه ، ولا يعوي ، فإنّ الشّيطان يضحك منه » ثمّ يمسك عن التّمطّي والتّلوّي الّذي يصاحب بعض النّاس ، لأنّه من الشّيطان . وقد روي : « أنّه صلى الله عليه وسلم كان لا يتمطّى ، لأنّه من الشّيطان » .
التّثاؤب في الصّلاة :
3 - التّثاؤب في الصّلاة مكروه ، لخبر مسلم : « إذا تثاءب أحدكم في الصّلاة فليكظمه ما استطاع ، فإنّ الشّيطان يدخل منه » ، وهذا إذا أمكن دفعه ، فإذا لم يمكن دفعه فلا كراهة ، ويغطّي فمه بيده اليسرى ، وقيل : بإحدى يديه . وهو رأي الحنفيّة والشّافعيّة . ولا شيء فيه عند المالكيّة والحنابلة ، ويندب كظم التّثاؤب في الصّلاة ما استطاع ، فإذا لم يستطع وضع يده على فمه للحديث .
التّثاؤب في قراءة القرآن :
4 - ذكر الفقهاء من آداب قراءة القرآن ألاّ يقرأ القرآن في حال شغل قلبه وعطشه ونعاسه ، وأن يغتنم أوقات نشاطه ، وإذا تثاءب ينبغي أن يمسك عن القراءة حتّى ينقضي التّثاؤب ، ثمّ يقرأ ، لئلاّ يتغيّر نظم قراءته ، قال مجاهد : وهو حسن ويدلّ عليه ما ثبت عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه ، فإنّ الشّيطان يدخل » .

تثبّت *
التّعريف :
1 - التّثبّت لغةً : هو التّأنّي في الأمر والرّأي .
واصطلاحاً : تفريغ الوسع والجهد لمعرفة حقيقة الحال المراد .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّحرّي :
2 - التّحرّي لغةً : القصد والطّلب .
واصطلاحاً : طلب الشّيء بغالب الرّأي عند تعذّر الوقوف على الحقيقة .
الحكم الإجماليّ :
للتّثبّت أحكام كثيرة منها :
أ - التّثبّت من استقبال القبلة في الصّلاة :
3 - لا خلاف في أنّ من شروط صحّة الصّلاة استقبال القبلة ، لقوله تعالى : { فولِّ وجهَك شطرَ المسجد الحرام وحيثما كنتم فوَلُّوا وجوهَكم شطرَه } ( أي جهته ) ويستثنى من ذلك أحوال لا يشترط فيها الاستقبال ، كصلاة الخوف ، والمصلوب ، والغريق ، ونفل السّفر المباح وغيرها . ( ر : استقبال القبلة ) .
ب - التّثبّت في شهادة الشّهود :
4 - ينبغي للقاضي أن يتثبّت في شهادة الشّهود ، وذلك بالسّؤال عنهم سرّاً أو علانيةً ، وهذا إذا لم يعلم بعدالتهم ، لأنّ القاضي مأمور بالتّفحّص عن العدالة . ( ر : تزكية ) .
ج - التّثبّت من رؤية هلال شهر رمضان :
5 - يستحبّ التّثبّت من رؤية هلال شهر رمضان ليلة الثّلاثين من شعبان لتحديد بدئه ، ويكون ذلك بأحد أمرين :
الأوّل : رؤية هلاله ، إذا كانت السّماء خاليةً ممّا يمنع الرّؤية من غيم أو غبار ونحوهما . الثّاني : إكمال شعبان ثلاثين يوماً ، إذا كانت السّماء غير خالية ممّا ذكر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غبّي عليكم فأكملوا عدّةَ شعبان ثلاثين » وبهذا أخذ الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهي رواية عن أحمد .
وخالف الحنابلة في حال الغيم ، فأوجبوا اعتبار شعبان تسعةً وعشرين ، وأوجبوا صيام يوم الثّلاثين على أنّه من أوّل رمضان ، عملاً بلفظ آخر ورد في حديث آخر وهو : « لا تصوموا حتّى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتّى تروه ، فإن غمّ عليكم فاقدروا له »
أي : احتاطوا له بالصّوم . ( ر : أهلّة ) .
د - التّثبّت من كلام الفسّاق :
6 - يجب التّثبّت ممّا يأتي به الفسّاق من أنباء ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا أنْ تصيبوا قوماً بِجَهالة فَتُصبحوا على ما فعلتم نادمين } وقد قرئ { فتثبّتوا } بدلاً من{ تبيّنوا } والمراد بالتّبيّن : التّثبّت ، قيل : إنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة ، وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة مصدّقاً إلى بني المصطلق ، فلمّا أبصروه أقبلوا نحوه ، فهابهم ، فرجع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره أنّهم قد ارتدّوا عن الإسلام ، فبعث نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتثبّت ولا يعجل . فانطلق خالد حتّى أتاهم ليلاً ، فبعث عيونه فلمّا جاءوا أخبروا خالداً أنّهم متمسّكون بالإسلام ، وسمعوا أذانهم وصلاتهم ، فلمّا أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحّة ما ذكر عيونه ، فعاد إلى نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فنزلت الآية » ، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « التّأنّي من اللّه ، والعجلة من الشّيطان » .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:06 PM

تثليث *
التّعريف :
1 - التّثليث : مصدر ثلّث ، ويختلف معناه في اللّغة باختلاف مواضع استعماله ، يقال : ثلّث الشّيء : جزّأه وقسّمه ثلاثة أقسام ، وثلّث الزّرع : سقاه الثّالثة ، وثلّث الشّراب : طبخه حتّى ذهب ثلثه أو ثلثاه ، وثلّث الاثنين : صيّرهما ثلاثةً بنفسه . أمّا في اصطلاح الفقهاء : فيطلقونه على تكرار الأمر ثلاث مرّات ، وعلى العصير الّذي ذهب بالطّبخ ثلثه أو ثلثاه .
الحكم الإجماليّ :
يختلف حكم التّثليث باختلاف مواطنه على النّحو التّالي :
أ - التّثليث في الوضوء :
2 - يسنّ التّثليث في الوضوء عند الأئمّة الثّلاثة ، وهو رواية عن المالكيّة ، وذلك بتكرار غسل الوجه واليدين والرّجلين إلى ثلاث مرّات مستوعبات . وهو مستحبّ في المشهور من مذهب المالكيّة . وقيل : الغسلة الثّانية سنّة ، والثّالثة فضيلة ، وقيل : العكس . أمّا الرّجلان ففي تثليث غسلهما في الوضوء عند المالكيّة قولان مشهوران :
الأوّل : أنّ الرّجلين كالوجه واليدين ، فتغسل كلّ واحدة ثلاثاً وهو المعتمد .
والقول الثّاني : أنّ فرض الرّجلين في الوضوء الإنقاء من غير تحديد .
ولا يسنّ التّثليث في مسح الرّأس عند الحنفيّة ، وفي الصّحيح من مذهب الحنابلة ، وأمّا عند المالكيّة فقيل : ردّ اليدين ثالثةً في مسح الرّأس لا فضيلة فيه ، وذهب أكثر علمائهم إلى أنّ ردّ اليدين ثالثةً فضيلة إذا كان في اليدين بلل ، ولا يستأنف الماء للثّانية ولا للثّالثة .
وذهب الشّافعيّة ، والحنابلة في رواية إلى أنّ التّثليث يسنّ في مسح الرّأس ، بل يسنّ التّثليث عند الشّافعيّة في المسح على الجبيرة ، والعمامة ، وفي السّواك ، والتّسمية ، وكذا في باقي السّنن إلاّ في المسح على الخفّ ، وكذا تثليث النّيّة في قول لبعض الشّافعيّة . وذهب ابن سيرين إلى مسح الرّأس مرّتين .
والأصل فيما ذكر ، ما رواه ابن عبّاس رضي الله عنهما ، قال : « توضّأ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّةً مرّةً » أخرجه البخاريّ . وروى عثمان رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « توضّأ ثلاثاً ثلاثاً » .
ثمّ الزّيادة على الثّلاث المستوعبة مع اعتقاد سنّيّة الثّلاث لا بأس بها عند الحنفيّة في رواية . والصّحيح عند الأئمّة الثّلاثة ، وهو رواية عن الحنفيّة : أنّها تكره .
ب - التّثليث في الغسل :
3 - يسنّ التّثليث في الغسل عند الأئمّة الثّلاثة كالوضوء ، فيغسل رأسه ثلاثاً ، ثمّ شقّه الأيمن ثلاثاً ، ثمّ شقّه الأيسر ثلاثاً .
وذهب المالكيّة إلى أنّ التّثليث مستحبّ في الغسل ، وإن لم تكف الثّلاث زاد إلى الكفاية . والأصل في هذا الباب ، ما روته عائشة رضي الله تعالى عنها « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً ، وتوضّأ وضوءه للصّلاة ، ثمّ يخلّل شعره بيده ، حتّى إذا ظنّ أنّه قد روى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرّات ، ثمّ غسل سائر جسده » .
ج - التّثليث في غسل الميّت :
4 - يستحبّ التّثليث في غسل الميّت عند الأئمّة الثّلاثة ، ويسنّ عند الحنفيّة ، واتّفقوا على جواز الزّيادة عليه ، لأنّ المقصود في غسل الميّت النّظافة والإنقاء ، فإن لم يحصل التّنظيف بالغسلات الثّلاث زيد عليها حتّى يحصل ، مع جعل الغسلات وتراً .
والأصل فيما ذكر ، خبر الشّيخين : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لغاسلات ابنته زينب رضي الله تعالى عنها : ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ، واغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً ، أو أكثر من ذلك إن رأيتنّ ذلك بماء وسدر ، واجعلن في الآخرة كافوراً ، أو شيئاً من كافور » . وكذا يستحبّ التّثليث ، وتجوز الزّيادة عليه عند جمهور الفقهاء في تجمير الميّت وكفن الميّت ، والميّت عند موته ، وسريره الّذي يوضع فيه .
والأصل فيما ذكر ، ما روي عنه عليه الصلاة والسلام « إذا أجمرتم الميّت فأجمروه ثلاثاً » . وفي لفظ « فأوتروا » . وفي لفظ البيهقيّ : « جمِّروا كفن الميّت ثلاثاً » .
د - التّثليث في الاستجمار والاستبراء :
5 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الواجب في الاستجمار الإنقاء دون العدد . ومعنى الإنقاء هنا هو إزالة عين النّجاسة وبلّتها ، بحيث يخرج الحجر نقيّاً ، وليس عليه أثر إلاّ شيئاً يسيراً . وأمّا التّثليث فمستحبّ عندهم وإن حصل الإنقاء باثنين ، بينما يشترط الشّافعيّة والحنابلة في الاستجمار أمرين : الإنقاء وإكمال الثّلاثة ، أيّهما وجد دون صاحبه لم يكف ، والحجر الكبير الّذي له ثلاث شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار .
كذلك قال جمهور الفقهاء : بأنّه يستحبّ نتر الذّكر ثلاثاً بعد البول لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً » .
وتفصيل أحكام الاستجمار والاستبراء في مصطلحي ( استنجاء ) و( استبراء ) .
هذا ، ويستحبّ التّثليث عند جمهور الحنفيّة في غسل النّجاسات غير المرئيّة ، وكذلك إزالة النّجاسات المرئيّة عند بعض الحنفيّة ، وهو رواية عن الحنابلة .
وأمّا المالكيّة والشّافعيّة ، والحنابلة في رواية فلا يشترطون العدد فيما سوى نجاسة ولوغ الكلب . ونجاسة الخنزير كنجاسة الكلب في ذلك عند الشّافعيّة والحنابلة .
هـ – التّثليث في تسبيحات الرّكوع والسّجود :
6 – يسنّ التّثليث عند الأئمّة الثّلاثة في تسبيح الرّكوع ، وهو " سبحان ربّي العظيم " . وتسبيح السّجود ، وهو " سبحان ربّي الأعلى " . وتستحبّ عندهم الزّيادة على الثّلاث بعد أن يختم على وتر ، خمس ، أو سبع ، أو تسع عند الحنفيّة والحنابلة ، أو إحدى عشرة عند الشّافعيّة . هذا إذا كان منفرداً ، وأمّا الإمام فلا ينبغي له أن يطوّل على وجه يملّ القوم ، وعند الشّافعيّة تكره للإمام الزّيادة على الثّلاث .
والأصل في هذا ما رواه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه : سبحان ربّي العظيم ثلاثاً فقد تمّ ركوعه ، وذلك أدناه . ومن قال في سجوده : سبحان ربّي الأعلى ثلاثاً فقد تمّ سجوده ، وذلك أدناه » . وأمّا عند المالكيّة فيندب التّسبيح في الرّكوع والسّجود بأيّ لفظ كان ، ولم يحدّوا فيه حدّاً ، ولا دعاءً مخصوصاً .
و - التّثليث في الاستئذان :
7 - إذا استأذن شخص على آخر وظنّ أنّه لم يسمع ، فاتّفق الفقهاء على جواز التّثليث ، ويسنّ عدم الزّيادة على الثّلاث عند الأئمّة الثّلاثة .
وقال الإمام مالك : له الزّيادة على الثّلاث حتّى يتحقّق من سماعه .
وأمّا إذا استأذن فتحقّق أنّه لم يسمع ، فاتّفقوا على جواز الزّيادة على الثّلاث وتكرير الاستئذان حتّى يتحقّق إسماعه .

تثنية *
التّعريف :
1 - التّثنية في اللّغة مصدر : ثنّى ، يقال : ثنّيت الشّيء : إذا جعلته اثنين ، ويأتي أيضاً بمعنى الضّمّ ، فإذا فعل الرّجل أمراً ثمّ ضمّ إليه آخر قيل : ثنّى بالأمر الثّاني .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ للفظ تثنية عمّا ورد في اللّغة .
مواطن البحث :
2 - وردت التّثنية في الأذان ، والإقامة ، وفي صلاة النّفل ، ومنها الرّواتب مع الفرائض ، وفي صلاة اللّيل ، لخبر : « صلاة اللّيل مثنى مثنى » . وفي العقيقة للذّكر ، والشّهادة في أغلب الأمور كالنّكاح ، والطّلاق ، والإسلام ، والموت ، وتفصيل كلّ في موطنه .

تثويب *
التّعريف :
1 - التّثويب : مصدر ثوّب يثوب ، وثلاثيّه ثاب يثوب ، بمعنى : رجع ، ومنه قوله تعالى : { وإذْ جعلْنا البيتَ مَثابةً للنّاس وأَمْناً } أي مكاناً يرجعون إليه . ومنه قولهم : ثاب إلى فلان عقله : أي رجع . ومنه أيضاً : الثّواب ، لأنّ منفعة عمل الشّخص تعود إليه .
والتّثويب : بمعنى ترجيع الصّوت وترديده ، ومنه التّثويب في الأذان .
والتّثويب في الاصطلاح : العود إلى الإعلام بالصّلاة بعد الإعلام الأوّل بنحو : " الصّلاة خير من النّوم " أو " الصّلاة الصّلاة " أو " الصّلاة حاضرة " أو نحو ذلك بأيّ لسان كان ، وقد كانت تسمّى تثويباً في العهد النّبويّ وعهد الصّحابة . لأنّ فيه تكريراً لمعنى الحيعلتين ، أو لأنّه لمّا حثّ على الصّلاة بقوله : حيّ على الصّلاة ، ثمّ قال : حيّ على الفلاح ، عاد إلى الحثّ على الصّلاة بقوله : " الصّلاة خير من النّوم " .
وللتّثويب عند الفقهاء ثلاثة إطلاقات :
أ - التّثويب القديم ، أو التّثويب الأوّل ، وهو : زيادة " الصّلاة خير من النّوم " في أذان الفجر .
ب - التّثويب المحدث وهو : زيادة حيّ على الصّلاة ، حيّ على الفلاح ، أو عبارة أخرى . حسب ما تعارفه أهل كلّ بلدة بين الأذان والإقامة .
ج - ما كان يختصّ به بعض من يقوم بأمور المسلمين ومصالحهم من تكليف شخص بإعلامهم بوقت الصّلاة ، فذلك الإعلام أو النّداء يطلق عليه أيضاً ( تثويب ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - النّداء :
2 - النّداء بمعنى : الدّعاء ورفع الصّوت بما له معنًى .
ب - الدّعاء :
3 - الدّعاء بمعنى : الطّلب ، ويكون برفع الصّوت وخفضه ، كما يقال : دعوته من بعيد ، ودعوت اللّه في نفسي . فهو أعمّ من النّداء والتّثويب .
ج - التّرجيع :
4 - يقال : رجّع في أذانه إذا أتى بالشّهادتين مرّةً خفضاً ومرّةً رفعاً ، فالتّثويب والتّرجيع يتّفقان في العود والتّكرير ، ولكنّهما يختلفان في أنّ محلّ التّثويب وهو قول المؤذّن : " الصّلاة خير من النّوم " في أذان الفجر عند أكثر الفقهاء ، أمّا التّرجيع بمعنى تكرار الشّهادتين فذلك في الأذان لجميع الصّلوات عند من يقول به .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
5 - يختلف الحكم الإجماليّ للتّثويب باختلاف إطلاقاته وباختلاف أوقات الصّلاة .
أمّا التّثويب في القديم ، أو التّثويب الأوّل ، وهو زيادة عبارة : " الصّلاة خير من النّوم " مرّتين بعد الحيعلتين في أذان الفجر أو بعده ( على الأصحّ عند بعض الحنفيّة ) فسنّة عند جميع الفقهاء ، وجائزة في العشاء عند بعض الحنفيّة وبعض الشّافعيّة .
وأجازه بعض الشّافعيّة في جميع الأوقات .
أمّا عند المالكيّة والحنابلة فمكروه في غير الفجر ، وهو المذهب عند الحنفيّة والشّافعيّة .
التّثويب في أذان الفجر :
6 - من المقرّر عند الفقهاء - عدا أبي حنيفة ومحمّد بن الحسن - أنّ المشروع للفجر أذانان : أحدهما قبل وقتها والثّاني عند وقتها . وقد قال النّوويّ : ظاهر إطلاق الأصحاب أنّه يشرع في كلّ أذان للصّبح سواء ما قبل الفجر وبعده . وقال البغويّ في التّهذيب : إن ثوّب في الأذان الأوّل لم يثوّب في الثّاني في أصحّ الوجهين . ومن مراجعة كتب بقيّة الفقهاء القائلين بمشروعيّة أذانين للفجر تبيّن أنّهم لم يصرّحوا بأنّ التّثويب يشرع في الأذان الأوّل أو الثّاني أو في كليهما ، فالظّاهر أنّه يكون في الأذانين كما استظهر النّوويّ .
7- وأمّا التّثويب المحدث وهو الّذي استحدثه علماء الكوفة من الحنفيّة ، وهو زيادة عبارة " حيّ على الصّلاة ، حيّ على الفلاح مرّتين " بين الأذان والإقامة في الفجر أو زيادة عبارة بحسب ما يتعارفه أهل كلّ بلدة بالتّنحنح أو " الصّلاة الصّلاة " أو " قامت ، قامت " أو غير ذلك فمستحسن عند متقدّمي الحنفيّة في الفجر فقط ، إلاّ أنّ المتأخّرين منهم استحسنوه في الصّلوات كلّها . وأمّا تخصيص من يقوم بأمور المسلمين ومصالحهم كالإمام ونحوه بتكليف شخص ليقوم بإعلامه بوقت الصّلاة فجائز عند أبي يوسف من الحنفيّة ، وهو قول للشّافعيّة وبعض المالكيّة ، وكذلك عند الحنابلة إن لم يكن الإمام ونحوه قد سمع الأذان وكرهه محمّد بن الحسن وبعض المالكيّة .

تجارة *
التّعريف :
1 - التّجارة في اللّغة والاصطلاح : هي تقليب المال ، أي بالبيع والشّراء لغرض الرّبح . وهي في الأصل : مصدر دالّ على المهنة ، وفعله تجر يتجر تجراً وتجارةً .
دليل مشروعيّة التّجارة :
2 - الأصل في التّجارة : قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا أموالَكم بينكم بالباطلِ إلاّ أن تكونَ تجارةً عن تراضٍ منكم } وقوله تعالى : { فإذا قُضيتِ الصّلاةُ فانتشروا في الأرضِ وابْتَغُوا من فضلِ اللّهِ } . وقوله صلى الله عليه وسلم : « التّاجرُ الأمينُ الصّدوقُ مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء » .
3 - وأجمع المسلمون على جواز التّجارة في الجملة ، وتقتضيه الحكمة ، لأنّ النّاس يحتاج بعضهم إلى ما في أيدي بعض ، وهذه سنّة الحياة ، وتشريع التّجارة وتجويزها هو الطّريق إلى وصول كلّ واحد منهم إلى غرضه ، ودفع حاجته .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - البيع :
4 - البيع : مبادلة مال بمال تمليكاً وتملّكاً . أمّا التّجارة فهي : عبارة عن شراء الشّخص شيئاً ليبيعه بالرّبح . فالفرق بينهما قصد الاسترباح في التّجارة ، سواء تحقّق أم لا .
ب - السّمسرة :
5 - السّمسرة لغةً : هي التّجارة ، قال الخطّابيّ : السّمسار لفظ أعجميّ ، وكان كثير ممّن يعالج البيع والشّراء فيهم عجماً ، فتلقّوا هذا الاسم عنهم ، « فغيّره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى التّجارة الّتي هي من الأسماء العربيّة » .
والسّمسرة اصطلاحاً : هي التّوسّط بين البائع والمشتري ، والسّمسار هو : الّذي يدخل بين البائع والمشتري متوسّطاً لإمضاء البيع ، وهو المسمّى الدّلّال ، لأنّه يدلّ المشتري على السّلع ، ويدلّ البائع على الأثمان .
الحكم التّكليفيّ :
6 - التّجارة من المهن المعيشيّة ، الّتي يمارسها الإنسان بغرض الكسب ، وهو كسب مشروع لأنّه يسدّ حاجات المجتمع فتدخل أصالةً في دائرة الإباحة ، وقد تطرأ عليها سائر الأحكام التّكليفيّة : كالوجوب ، والحرمة ، والكراهة إلخ . حسب الظّروف والملابسات الّتي تصادفها . ويعني الفقهاء بالأحكام المتّصلة بالتّجارة ( بالإضافة إلى كتب الفقه الأساسيّة ) بما يوردونه في كتب الحسبة ، وكتب الآداب الشّرعيّة وكتب الفتاوى ، وخصّها بعضهم بالتّأليف كالسّرخسيّ في كتابه " الاكتساب في الرّزق المستطاب " وأبو بكر الخلّال في " كتاب التّجارة " . وقد استحدثت أوضاع وتنظيمات تجاريّة يعرف حكمها ممّا وضعه الفقهاء من قواعد عامّة وما تعرّضوا إليه من أحكام .
كما يتناول الفقهاء بعض أحكام خاصّة بمال التّجارة في باب زكاة العروض ، كوجوب الزّكاة فيما لا تجب فيه زكاة لو لم يكن للتّجارة ، كالبزّ والعقارات ، وتغيّر النّوع المخرج وقدره فيما كان زكويّاً من المال في الأصل إذا صار للتّجارة ، كالنّعم والمعشّرات . وترد بعض أحكام للتّجارة في المضاربة والشّركات الأخرى .
فضل التّجارة :
7 - التّجارة من أفضل طرق الكسب ، وأشرفها إذا توقّى التّاجر طرق الكسب الحرام والتزم بآدابها . جاء في الأثر : « سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أيّ الكسب أطيب ؟ فقال : عمل الرّجل بيده وكلّ بيع مبرور » قال الشّرقاويّ في حاشيته : قوله : « وكلّ بيع مبرور » إشارةً إلى التّجارة .
المحظورات في التّجارة :
8 - يحرم في التّجارة جميع أنواع الغشّ والخداع ، وترويج السّلعة باليمين الكاذبة . فعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أنّه قال : « خرجت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المصلّى ، فرأى النّاس يتبايعون فقال : يا معشر التّجّار فاستجابوا لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه ، فقال : إنّ التّجّار يبعثون يوم القيامة فجّاراً ، إلاّ من اتّقى اللّه وبرّ وصَدَقَ » .
وعن أبي ذرّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ، ولا ينظر إليهم ، ولا يزكّيهم ، ولهم عذاب أليم ، قلت : من هم يا رسول اللّه ؟ فقد خسروا وخابوا : قال : المنّان ، والمسبل إزاره ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب » .
9- ومن المحظورات تلقّي الجلب : وهو أن يستقبل الحضريّ البدويّ ، قبل وصوله إلى السّوق ليشتري منه سلعته بأقلّ من الثّمن ، والتّفصيل في مصطلح ( تلقّي الرّكبان ) .
10 - ومنها الاحتكار : لحديث : « الجالب مرزوق ، والمحتكر ملعون » . وحديث : « لا يحتكر إلاّ خاطئ » وللتّفصيل ينظر مصطلح ( احتكار ) .
11 - ومنها : سَوْم المرء على سوم أخيه : وهو أن يتفاوض المتبايعان في ثمن السّلعة ، ويتقارب الانعقاد ، فيجيء آخر يريد أن يشتري تلك السّلعة ويخرجها من يد الأوّل بزيادة على ذلك الثّمن .
12 - ومنها : المتاجرة مع العدوّ بما فيه تقويتهم على حربنا كالسّلاح والحديد ، ولو بعد صلح ، لأنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك . ويجوز المتاجرة معهم بغير ذلك ، إذا لم يكن المسلمون في حاجة إليه .
آداب التّجارة :
13 - من آداب التّجارة : السّماحة في المعاملة ، واستعمال معالي الأخلاق ، وترك المشاحة والتّضييق على النّاس بالمطالبة .
والآثار الواردة في ذلك كثيرة ، منها حديث جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « رحم اللّه رجلاً سَمْحاً إذا باع ، وإذا اشترى ، وإذا اقتضى » وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « غفر اللّه لرجل كان قبلكم سَهْلاً إذا باع ، سَهْلاً إذا اشترى ، سَهْلاً إذا اقتضى » .
14 - ومن آدابها : ترك الشّبهات كالاتّجار في سوق يختلط الحرام فيه بالحلال ، وكالتّعامل مع من أكثر ماله حرام ، لحديث : « الحلال بَيّنٌ ، والحرام بيّن ، وبَيْنَ ذلك أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من النّاس : أمن الحلال هي أم من الحرام ؟ ، فمن تركها فقد استبرأ لدينه وعرضه » .
15 - ومنها : تحرّي الصّدق والأمانة . جاء في الأثر « التّاجر الأمين الصّدوق مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء » .
16 - ومنها : التّصدّق من مال التّجارة لحديث : « إنّ الشّيطان والإثم يحضران البيع ، فشوبوا بيعكم بالصّدقة ، فإنّها تطفئ غضب الرّبّ » .
17 - ومنها : التّبكير بالتّجارة . روى صخر الغامديّ قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اللّهمّ بارك لأمّتي في بكورها » وقيل : إنّ صخراً كان رجلاً تاجراً ، وكان إذا بعث تجّاره بعثهم أوّل النّهار ، فأثرى وكثر ماله .
وجوب الزّكاة في مال التّجارة :
18 - تجب الزّكاة في مال التّجارة . ومال التّجارة : كلّ ما قصد الاتّجار به عند اكتساب الملك بمعاوضة إذا حال عليه الحول ، وبه قال فقهاء المدينة السّبعة ، والحسن وجابر بن ميمون وطاوس والثّوريّ والنّخعيّ ، والأوزاعيّ وأبو عبيد وإسحاق ، وأصحاب الرّأي ، والشّافعيّ في القول الجديد .
وفصّل المالكيّة بين التّاجر المدير ( وهو من يبيع بالسّعر الواقع ويخلف بغيره ، كأرباب الحوانيت ) فإنّه يزكّي كلّ حول ، وبين التّاجر المحتكر وهو من يرصد بعرض التّجارة السّوق لترتفع الأثمان . فهذا لا زكاة على تجارته إلاّ بالتّنضيض ( تحوّل السّلعة إلى نقد ) ولو بقيت عنده سنين .
واستدلّ الجمهور بحديث : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : يأمرنا أن نخرج الصّدقة ممّا نعدّه للبيع » . وخبر : « وفي البزّ صدقة » . ولا خلاف في أنّها لا تجب في عينه ، فثبت أنّها تجب في قيمته ، ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحول والنّصاب معتبران في وجوب زكاة التّجارة . وانظر للتّفصيل مصطلح : ( زكاة ) زكاة عروض التّجارة .

تجديد *
التّعريف :
1- التّجديد في اللّغة مصدر : جدّد ، والجديد : خلاف القديم . ومنه : جدّد وضوءه ، أو عهده أو ثوبه : أي صيّره جديداً . والاصطلاح الشّرعيّ لا يخرج عن هذا المعنى .
الحكم التّكليفيّ :
2- يختلف حكم التّجديد باختلاف موضعه : فتجديد الوضوء سنّة عند جمهور الفقهاء ، أو مستحبّ على اختلاف اصطلاحاتهم . وعن أحمد روايتان : أصحّهما توافق الجمهور ، والأخرى أنّه لا فضل فيه .
واشترط الشّافعيّة للاستحباب : أن يصلّي بالأوّل صلاةً ولو ركعتين ، فإن لم يصلّ به صلاةً فلا يسنّ التّجديد ، فإن خالف وفعل لم يصحّ وضوءه ، لأنّه غير مطلوب .
ويشترط الأحناف أن يفصل بين الوضوءين بمجلس أو صلاة ، فإن لم يفصل بذلك كره ، ونقل عن بعضهم مشروعيّة التّجديد ، وإن لم يفصل بصلاة أو مجلس .
واشترط المالكيّة لاستحباب التّجديد أن يفعل بالأوّل عبادةً : كالطّواف أو الصّلاة ، ودليل مشروعيّته حديث : « من توضّأ على طهر كتب له عشر حسنات » وقد كان الخلفاء يتوضّئون لكلّ صلاة ، وكان عليّ رضي الله عنه يفعله ويتلو قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة فاغْسِلُوا وجوهَكم ... } الآية ولأنّه كان يجب الوضوء في أوّل الإسلام لكلّ صلاة فنسخ وجوبه ، وبقي أصل الطّلب ر : مصطلح ( وضوء ) .
تجديد الماء لمسح الأذنين :
3 - ذهب الشّافعيّ إلى أنّ تجديد الماء لمسح الأذنين سنّة ، ولا تحصل السّنّة إلاّ به ، وهو الصّحيح عند كلّ من الحنابلة والمالكيّة .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ السّنّة هي : مسحهما بماء الرّأس في المشهور من المذهب .
تجديد العصابة والحشو للاستحاضة :
4 - ذهب الشّافعيّة في الأصحّ عندهم إلى أنّه يجب على المستحاضة تجديد العصابة والحشو عند كلّ صلاة ، قياساً على الوضوء ، وقيل : لا تجب عليها ، لأنّه لا معنى لإزالة النّجاسة مع استمرارها ، وهذا إذا لم يظهر الدّم على جوانب العصابة ، ولم تزل العصابة عن محلّها . أمّا إذا ظهر الدّم على جوانب العصابة أو زالت عن محلّها ، فإنّه يجب التّجديد قولاً واحداً عندهم .
وعند الحنابلة : لا يلزمها إعادة شدّ العصابة وغسل الدّم لكلّ صلاة ، إذا لم تفرّط في الشّدّ . وصرّح بعض فقهاء الحنفيّة باستحباب الحشو أو العصابة في المستحاضة وغيرها من أصحاب الأعذار تقليلاً للنّجاسة ، ولم ينصّوا على مسألة التّجديد ، ومقتضاه عدم وجوبه لعدم وجوب أصل العصابة . ولم نجد للمالكيّة تصريحاً بهذه المسألة .
تجديد نكاح المرتدّة :
5 - ذهب الجمهور إلى أنّ المرأة إذا ارتدّت ، ولم ترجع إلى الإسلام بعد الاستتابة تقتل ، وقال الحنفيّة : لا تقتل ، بل تحبس إلى أن تموت .
وذهب بعض فقهاء الحنفيّة إلى أنّه إذا ارتدّت المرأة المتزوّجة ، تجبر على الإسلام وتجديد النّكاح مع زوجها ، ولو بغير رضاها ، إذا رغب زوجها في ذلك . ولا يجوز لها إذا رجعت إلى الإسلام أن تتزوّج غيره ، ولكلّ قاض أن يجدّد النّكاح بمهر يسير . والتّفصيل في مصطلح ( ردّة ) .
وإذا ارتدّ أحد الزّوجين عن الإسلام بعد الدّخول انفسخ النّكاح من حين الرّدّة عند الحنفيّة والمالكيّة ، فإن عاد المرتدّ منهما إلى الإسلام ، وكانت العدّة قائمةً وجب تجديد العقد . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ النّكاح موقوف إلى انقضاء العدّة ، فإن عاد المرتدّ منهما إلى الإسلام ، وهي في العدّة فهما على النّكاح الأوّل . وإن لم يعد انفسخ النّكاح من حين الرّدّة ، وتبدأ العدّة منذ الرّدّة . وتفصيل ذلك في مصطلح ( ردّة ) .

تجرّد *
انظر : عورة .

تجربة *
التّعريف :
1- التّجربة : مصدر جرّبت ، ومعناه : الاختبار . يقال : جرّبت الشّيء تجريباً وتجربةً ، أي : اختبرته مرّةً بعد أخرى . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ .
الحكم الإجماليّ :
2 - أثر المرض في إباحة الفطر عند خوف زيادته بالتّجربة :
يجوز الفطر لمريض خاف زيادة مرضه بالتّجربة ، ولو كانت من غير المريض عند اتّحاد المرض . أمّا حكم الصّحيح الّذي يخاف المرض لو صام ، وضابط المرض المبيح للفطر، فينظر في مصطلح : ( صوم ).
تجربة المبيع في مدّة الخيار :
3 - يجوز تجربة المبيع في مدّة الخيار ، وهي تختلف باختلاف السّلعة ، وإليك بعض أنواعها :
أ - تجربة الثّوب :
4 - يجوز تجربة الثّوب في مدّة الخيار لمعرفة طوله وعرضه ، ولا يعتبر ذلك إجازةً عند جمهور الفقهاء ، إلاّ أنّ الحنفيّة صرّحوا بأنّ المشتري إذا لبس الثّوب مرّةً ، ثمّ لبسه ثانياً لمعرفة الطّول والعرض يسقط خياره ، لأنّه لا حاجة إلى تكرار اللّبس في الثّوب ، لحصول المقصود باللّبس مرّةً واحدةً .
وأمّا عند المالكيّة : فتجري في لبس الثّوب في مدّة الخيار ستّ عشرة صورةً ، حاصلها جواز لبس الثّوب بغية التّجربة والاختيار في بعض تلك الصّور بشروط ذكروها .
ولتفصيل الموضوع يرجع إلى مصطلح ( خيار الشّرط ) .
ب - تجربة الدّار :
5 - إذا كان المبيع داراً فسكنها المشتري في مدّة الخيار ، أو أسكنها غيره ، بأجر أو بغير أجر ، يسقط خياره ، لأنّه دليل اختيار الملك أو تقريره ، فكان إجازة دلالة عند الحنفيّة . وصرّح المالكيّة بأنّه يجوز للمشتري في مدّة الخيار أن يسكن الدّار المشتراة تيسيراً لتجربتها واختبارها ، حسب تفصيل يأتي في مصطلح ( خيار الشّرط ) .
ويؤخذ ممّا أورده الشّافعيّة والحنابلة : أنّ للمشتري بالخيار التّصرّف بما تحصل به تجربة المبيع ، فله تجربة الثّوب أو الدّار ولا يعتبر بذلك إجازةً .
ج - تجربة الدّابّة :
6 - يرى الفقهاء جواز تجربة الدّابّة في مدّة الخيار للنّظر في سيرها وقوّتها ، على خلاف وتفصيل في كيفيّة التّجربة والمدّة الّتي يمكن تجريب الدّابّة فيها يرجع إليه في موطنه ، وفي مصطلح ( خيار الشّرط ) .
تجربة الصّبيّ لمعرفة رشده :
7 - يجرّب الصّبيّ لمعرفة رشده ، ويكون ذلك بتفويضه في التّصرّفات الّتي يتصرّف فيها أمثاله . فإن كان من أولاد التّجّار فوّض إليه البيع والشّراء ، فإذا تكرّر منه فلم يغبن ، ولم يضيّع ما في يديه ، فهو رشيد .
ويجرّب ولد الزّارع بالزّراعة والنّفقة على القائمين بمصالح الزّرع من حرث وحصد وحفظ ، كما يجرّب ولد المحترف بما يتعلّق بحرفة أبيه وأقاربه .
ويرى أبو حنيفة وزفر والنّخعيّ عدم تجربة الشّخص الّذي بلغ غير رشيد ، إذا أكمل الخامسة والعشرين من عمره ، فيجب عندهم إعطاؤه ماله ولو لم يصر رشيداً ، لأنّ منعه من ماله هو للتّأديب ، فإذا لم يتأدّب - وقد بلغ سنّاً يمكن أن يكون فيه جدّاً - فلا يبقى أمل في تأديبه . وللفقهاء في معنى الرّشد ووقت تجربة الصّبيّ لمعرفة رشده آراء وخلافات تنظر في مصطلحات : ( حجر ، رشد ، وسفه ) .
تجربة القائف لمعرفة كفاءته :
8 - يشترط في القائف - عند من يرى العمل بقوله في ثبوت النّسب - أن يكون مجرّباً في الإصابة ، لخبر : « لا حكيم إلاّ ذو تجربة » ولأنّ القيافة أمر علميّ ، فلا بدّ من العلم بمعرفة القائف له ، وذلك لا يعرف بغير التّجربة .
ومن طرق تجربة القائف لمعرفة كفاءته : أن يعرض عليه ولد في نسوة ، ليس فيهنّ أمّه ثلاث مرّات ، ثمّ في نسوة هي فيهنّ ، فإذا أصاب في الكلّ فهو مجرّب .
وتجدر الإشارة إلى أنّ الحنفيّة لا يجيزون العمل بقول القائف مطلقاً ، ومن ثمّ لم يشترطوا شروطاً لاعتبار قول القافة دليلاً يعتمد عليه في الحكم .
وتنظر التّفاصيل المتعلّقة بالموضوع في مصطلح : ( قيافة ) .
تجربة أهل الخبرة :
9 - يشترط في أهل الخبرة الّذين يعمل بقولهم في المنازعات : أن تثبت خبرتهم بتجارب مناسبة كالطّبيب والمهندس ونحوهما .

تجزّؤ *
انظر : تبعيض .

تجسّس *
التّعريف :
1 - التّجسّس لغةً : تتبّع الأخبار ، يقال : جسّ الأخبار وتجسّسها : إذا تتبّعها ، ومنه الجاسوس ، لأنّه يتتبّع الأخبار ويفحص عن بواطن الأمور ، ثمّ استعير لنظر العين .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنيّ اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّحسّس :
2 - التّحسّس هو : طلب الخبر ، يقال : رجل حسّاس للأخبار أي : كثير العلم بها ، وأصل الإحساس : الإبصار ، ومنه قوله تعالى : { هل تُحِسُّ منهم مِنْ أَحَدٍ } أي : هل ترى ، ثمّ استعمل في الوجدان والعلم بأيّ حاسّة كانت ، وقد قرئ قوله تعالى : { ولا تَجَسَّسُوا } بالحاء { ولا تحسّسوا } قال الزّمخشريّ : والمعنيان متقاربان ، وقيل : إنّ التّجسّس غالباً يطلق على الشّرّ ، وأمّا التّحسّس فيكون غالباً في الخير .
ب - التّرصّد :
3 - التّرصّد : القعود على الطّريق ، ومنه الرّصديّ : الّذي يقعد على الطّريق ينظر النّاس ليأخذ شيئاً من أموالهم ظلماً وعدواناً . فيجتمع التّجسّس والتّرصّد في أنّ كلّاً منهما تتبّع أخبار النّاس ، غير أنّ التّجسّس يكون بالتّتبّع والسّعي لتحصيل الأخبار ولو بالسّماع أو الانتقال ، أمّا التّرصّد فهو العقود والانتظار والتّرقّب .
ج - التّنصّت :
4 - التّنصّت هو : التّسمّع . يقال : أنصت إنصاتاً أي : استمع ، ونصت له أي : سكت مستمعاً ، فهو أعمّ من التّجسّس ، لأنّ التّنصّت يكون سرّاً وعلانيةً .
حكم التّجسّس التّكليفيّ :
5 - التّجسّس تعتريه أحكام ثلاثة : الحرمة والوجوب والإباحة .
فالتّجسّس على المسلمين في الأصل حرام منهيّ عنه ، لقوله تعالى : { ولا تجسّسوا } لأنّ فيه تتبّع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عمّا ستروه . وقد قال صلى الله عليه وسلم : « يا معشر مَنْ آمن بلسانه ولم يدخل الإيمانُ إلى قلبه لا تتبّعوا عوراتِ المسلمين . فإنّ من تتبّعَ عوراتِ المسلمين تتبّع اللّهُ عورتَه حتّى يفضحه ولو في جوف بيته » .
قال ابن وهب : والسّتر واجب إلاّ عن الإمام والوالي وأحد الشّهود الأربعة في الزّنى .
وقد يكون التّجسّس واجباً ، فقد نقل عن ابن الماجشون أنّه قال : اللّصوص وقطّاع الطّريق أرى أن يطلبوا في مظانّهم ويعان عليهم حتّى يقتلوا أو ينفوا من الأرض بالهرب .
وطلبهم لا يكون إلاّ بالتّجسّس عليهم وتتبّع أخبارهم .
ويباح في الحرب بين المسلمين وغيرهم بعث الجواسيس لتعرف أخبار جيش الكفّار من عدد وعتاد وأين يقيمون وما إلى ذلك . وكذلك يباح التّجسّس إذا رفع إلى الحاكم أنّ في بيت فلان خمراً ، فإن شهد على ذلك شهود كشف عن حال صاحب البيت ، فإن كان مشهوراً بما شهد عليه أخذ ، وإن كان مستوراً فلا يكشف عنه . وقد سئل الإمام مالك عن الشّرطيّ يأتيه رجل يدعوه إلى ناس في بيت اجتمعوا فيه على شراب ، فقال : إن كان في بيت لا يعلم ذلك منه فلا يتتبّعه ، وإن كان معلوماً بذلك يتتبّعه . وللمحتسب أن يكشف على مرتكبي المعاصي ، لأنّ قاعدة ولاية الحسبة : الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:06 PM

التّجسّس على المسلمين في الحرب :
6 - الجاسوس على المسلمين إمّا أن يكون مسلماً أو ذمّيّاً أو من أهل الحرب ،" وقد أجاب أبو يوسف عن سؤال هارون الرّشيد فيما يتعلّق بالحكم فيهم فقال : وسألتَ يا أمير المؤمنين عن الجواسيس يوجدون وهم من أهل الذّمّة أو أهل الحرب أو من المسلمين . فإن كانوا من أهل الحرب أو من أهل الذّمّة ممّن يؤدّي الجزية من اليهود والنّصارى والمجوس فاضرب أعناقهم ، وإن كانوا من أهل الإسلام معروفين فأوجعهم عقوبةً ، وأطل حبسهم حتّى يحدثوا توبةً ".
وقال الإمام محمّد بن الحسن : وإذا وجد المسلمون رجلاً - ممّن يدّعي الإسلام - عيناً للمشركين على المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم فأقرّ بذلك طوعاً فإنّه لا يقتل ، ولكنّ الإمام يوجعه عقوبةً . ثمّ قال : إنّ مثله لا يكون مسلماً حقيقةً ، ولكن لا يقتل لأنّه لم يترك ما به حكم بإسلامه فلا يخرج عن الإسلام في الظّاهر ما لم يترك ما به دخل في الإسلام ، ولأنّه إنّما حمله على ما فعل الطّمع ، لا خبث الاعتقاد ، وهذا أحسن الوجهين ، وبه أمرنا . قال اللّه تعالى : { الّذين يستمعون القولَ فيتَّبعون أَحْسَنَه } واستدلّ عليه بحديث « حاطب بن أبي بلتعة ، فإنّه كتب إلى قريش : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يغزوكم فخذوا حذركم ، فأراد عمر رضي الله عنه قتله ، فقال الرّسول لعمر : مهلاً يا عمر ، فلعلّ اللّه قد اطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم » فلو كان بهذا كافراً مستوجباً للقتل ما تركه الرّسول صلى الله عليه وسلم بدريّاً كان أو غير بدريّ ، وكذلك لو لزمه القتل بهذا حدّاً ما تركه الرّسول صلى الله عليه وسلم وفيه نزل قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تَتَّخِذُوا عدوّي وعدوَّكم أولياء } فقد سمّاه مؤمناً ، « وعليه دلّت قصّة أبي لبابة حين استشاره بنو قريظة ، فَأمَرَّ أصبعه على حلقه يخبرهم أنّهم لو نزلوا على حكم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قتلهم » ، وفيه نزل قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تَخُونوا اللّه والرّسولَ } . وكذلك لو فعل هذا ذمّيّ فإنّه يوجع عقوبةً ويستودع السّجن ، ولا يكون هذا نقضاً منه للعهد ، لأنّه لو فعله مسلم لم يكن به ناقضاً أمانه فإذا فعله ذمّيّ لا يكون ناقضاً أمانه أيضاً .
ألا ترى أنّه لو قطع الطّريق فقتل وأخذ المال لم يكن به ناقضاً للعهد ، وإن كان قطع الطّريق محاربةً للّه ورسوله بالنّصّ فهذا أولى .
وكذلك لو فعله مستأمن فإنّه لا يصير ناقضاً لأمانه بمنزلة ما لو قطع الطّريق ، إلاّ أنّه يوجع عقوبةً في جميع ذلك لأنّه ارتكب ما لا يحلّ له وقصد بفعله إلحاق الضّرر بالمسلمين .
فإن كان حين طلب الأمان قال له المسلمون : آمنّاك إن لم تكن عيناً للمشركين على المسلمين ، أو آمنّاك على أنّك إن أخبرت أهل الحرب بعورة المسلمين فلا أمان لك - والمسألة بحالها - فلا بأس بقتله ، لأنّ المعلّق بالشّرط يكون معدوماً قبل وجود الشّرط ، فقد علّق أمانه هاهنا بشرط ألاّ يكون عيناً ، فإن ظهر أنّه عين كان حربيّاً لا أمان له فلا بأس بقتله . وإن رأى الإمام أن يصلبه حتّى يعتبر به غيره فلا بأس بذلك ، وإن رأى أن يجعله فيئاً فلا بأس به أيضاً كغيره من الأسراء ، إلاّ أنّ الأولى أن يقتله هاهنا ليعتبر غيره .
فإن كان مكان الرّجل امرأة فلا بأس بقتلها أيضاً ، لأنّها قصدت إلحاق الضّرر بالمسلمين ، ولا بأس بقتل الحربيّة في هذه الحالة ، كما إذا قاتلت ، إلاّ أنّه يكره صلبها لأنّها عورة وستر العورة أولى .
وإن وجدوا غلاماً لم يبلغ ، بهذه الصّفة ، فإنّه يجعل فيئاً ولا يقتل ، لأنّه غير مخاطب ، فلا يكون فعله خيانةً يستوجب القتل بها ، بخلاف المرأة . وهو نظير الصّبيّ إذا قاتل فأخذ أسيراً لم يجز قتله بعد ذلك ، بخلاف المرأة إذا قاتلت فأخذت أسيرةً فإنّه يجوز قتلها .
والشّيخ الّذي لا قتال عنده ولكنّه صحيح العقل بمنزلة المرأة في ذلك لكونه مخاطباً .
وإن جحد المستأمن أن يكون فعل ذلك ، وقال : الكتاب الّذي وجدوه معه إنّما وجده في الطّريق وأخذه ، فليس ينبغي للمسلمين أن يقتلوه من غير حجّة ، لأنّه آمن باعتبار الظّاهر ، فما لم يثبت عليه ما ينفي أمانه كان حرام القتل . فإن هدّدوه بضرب أو قيد أو حبس حتّى أقرّ بأنّه عين فإقراره هذا ليس بشيء ، لأنّه مكره ، وإقرار المكره باطل سواء أكان الإكراه بالحبس أم بالقتل ، ولا يظهر كونه عيناً إلاّ بأن يقرّ به عن طوع ، أو شهد عليه شاهدان بذلك ، ويقبل عليه بذلك شهادة أهل الذّمّة وأهل الحرب ، لأنّه حربيّ فينا وإن كان مستأمناً ، وشهادة أهل الحرب حجّة على الحربيّ .
وإن وجد الإمام مع مسلم أو ذمّيّ أو مستأمن كتاباً فيه خطّه وهو معروف ، إلى ملك أهل الحرب يخبر فيه بعورات المسلمين فإنّ الإمام يحبسه ، ولا يضربه بهذا القدر ، لأنّ الكتاب محتمل فلعلّه مفتعل ، والخطّ يشبه الخطّ ، فلا يكون له أن يضربه بمثل هذا المحتمل ، ولكن يحبسه نظراً للمسلمين حتّى يتبيّن له أمره : فإن لم يتبيّن خلّى سبيله ، وردّ المستأمن إلى دار الحرب ، ولم يدعه ليقيم بعد هذا في دار الإسلام يوماً واحداً ، لأنّ الرّيبة في أمره قد تمكّنت وتطهير دار الإسلام من مثله من باب إماطة الأذى فهو أولى .
7- مذهب المالكيّة : أنّ الجاسوس المستأمن يقتل ، وقال سحنون في المسلم يكتب لأهل الحرب بأخبار المسلمين : يقتل ولا يستتاب ولا دية لورثته كالمحارب . وقيل : يجلد نكالاً ويطال حبسه وينفى من الموضع الّذي كان فيه ، وقيل : يقتل إلاّ أن يتوب ، وقيل : إلاّ أن يعذر بجهل . وقيل : يقتل إن كان معتاداً لذلك ، وإن كانت فلتةً ضرب ونكّل .
وقد جاء في القرطبيّ في تفسير قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا عدوّي وعدوَّكم أولياء } ما يأتي : من كثر تطلّعه على عورات المسلمين وينبّه عليهم ويعرف عددهم بأخبارهم لم يكن كافراً بذلك ، إذا كان فعله لغرض دنيويّ واعتقاده على ذلك سليم ، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتّخاذ اليد ولم ينو الرّدّة عن الدّين . وإذا قلنا : لا يكون بذلك كافراً فهل يقتل بذلك حدّاً أم لا ؟ اختلف النّاس فيه ، فقال مالك وابن القاسم وأشهب : يجتهد في ذلك الإمام . وقال عبد الملك : إذا كانت عادته ذلك قتل لأنّه جاسوس . وقد قال مالك : يقتل الجاسوس – وهو صحيح – لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض ، ولعلّ ابن الماجشون إنّما اتّخذ التّكرار في هذا لأنّ حاطباً أخذ في أوّل فعله .
فإن كان الجاسوس كافراً ، فقال الأوزاعيّ : يكون نقضاً لعهده ، وقال أصبغ : الجاسوس الحربيّ يقتل ، والجاسوس المسلم والذّمّيّ يعاقبان إلاّ إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان ، وقد روي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي بعين للمشركين اسمه فرات بن حيّان فأمر به أن يقتل ، فصاح : يا معشر الأنصار أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه فأمر به النّبيّ صلى الله عليه وسلم وخلّى سبيله . ثمّ قال : إنّ منكم من أكله إلى إيمانه ، منهم فرات بن حيّان » .
8- ومذهب الشّافعيّ وطائفة : أنّ الجاسوس المسلم يعزّر ولا يجوز قتله .
وإن كان ذا هيئة ( أي ماض كريم في خدمة الإسلام ) عفي عنه لحديث حاطب ، وعندهم أنّه لا ينتقض عهد الذّمّيّ بالدّلالة على عورات المسلمين ، ولو شرط عليهم في عهد الأمان ذلك في الأصحّ ، وفي غيره ينتقض بالشّرط .
9- وعند الحنابلة : أنّه ينتقض عهد أهل الذّمّة بأشياء ومنها : تجسّس أو آوى جاسوساً ، لما فيه من الضّرر على المسلمين .
وممّا تقدّم يتبيّن أنّ الجاسوس الحربيّ مباح الدّم يقتل على أيّ حال عند الجميع ، أمّا الذّمّيّ والمستأمن فقال أبو يوسف وبعض المالكيّة والحنابلة : إنّه يقتل .
وللشّافعيّة أقوال أصحّها أنّه لا ينتقض عهد الذّمّيّ بالدّلالة على عورات المسلمين ، لأنّه لا يخلّ بمقصود العقد . وأمّا الجاسوس المسلم فإنّه يعزّر ولا يقتل عند أبي يوسف ومحمّد وبعض المالكيّة والمشهور عند الشّافعيّة ، وعند الحنابلة أنّه يقتل .
التّجسّس على الكفّار :
10 - التّجسّس على الكفّار في الحرب لمعرفة عددهم وعددهم وما معهم من سلاح وغير ذلك مشروع ، ودليل ذلك « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق صلّى هويّاً من اللّيل ، ثمّ التفت فقال : من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم - يشترط له النّبيّ أن يرجع - أدخله اللّه الجنّة قال راوي الحديث حذيفة : فما قام رجل ، ثمّ صلّى إلى .. أن قال ذلك ثلاث مرّات فما قام رجل من شدّة الخوف وشدّة البرد وشدّة الجوع ، فلمّا لم يقم أحد دعاني أي دعا الرّسول صلى الله عليه وسلم حذيفة فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني ، فقال الرّسول : يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ، ولا تُحْدِثَنَّ شيئاً حتّى تأتينا قال فذهبت فدخلت في القوم ، والرّيح وجنود اللّه عزّ وجلّ تفعل بهم ما تفعل ، لا تقرّ لهم قدر ولا نار ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش لينظر كلّ امرئ من جليسه ، قال حذيفة : فأخذت بيد الرّجل الّذي إلى جنبي فقلت : من أنت ؟ قال : أنا فلان بن فلان ، ثمّ قال أبو سفيان : يا معشر قريش إنّكم واللّه ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخفّ ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الّذي نكره ... » إلخ فهذا دليل جواز التّجسّس على الكفّار في الحرب .
تجسّس الحاكم على رعيّته :
11 - سبق أنّ الأصل تحريم التّجسّس على المسلمين لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظّنّ إنّ بعض الظّنّ إثم ولا تجسّسوا }
ويتأكّد ذلك في حقّ وليّ الأمر لورود نصوص خاصّة تنهي أولياء الأمور عن تتبّع عورات النّاس ، منها ما رواه معاوية « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال له : إنّك إن اتّبعت عورات النّاس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم » فقال أبو الدّرداء : كلمة سمعها معاوية من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نفعه اللّه بها . وعن أبي أمامة مرفوعاً إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم « إنّ الأمير إذا ابتغى الرّيبة في النّاس أفسدهم » .
ولكنّ للحاكم أن يتجسّس على رعيّته إذا كان في ترك التّجسّس انتهاك حرمة يفوت استدراكها ، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أنّ رجلاً خلا برجل ليقتله ، أو امرأة ليزني بها ، فيجوز له في هذه الحال أن يتجسّس ويقدم على الكشف والبحث حذراً من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات ، وهكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوّعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار .
أمّا ما كان دون ذلك في الرّيبة فلا يجوز التّجسّس عليه ولا كشف الأستار عنه ." وقد حكي أنّ عمر دخل على قوم يتعاقرون على شراب ويوقدون في أخصاص فقال : نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم ، ونهيتكم عن الإيقاد في الأخصاص فأوقدتم . فقالوا : يا أمير المؤمنين قد نهى اللّه عن التّجسّس فتجسّست ، وعن الدّخول بغير إذن فدخلت . فقال : هاتان بهاتين وانصرف ولم يعرض لهم ".
وقد اختلفت الرّواية عن الإمام أحمد فيما ستر من المنكر مع العلم به هل ينكر ؟ فروى ابن منصور وعبد اللّه في المنكر يكون مغطًّى ، مثل طنبور ومسكر وأمثاله فقال : إذا كان مغطًّى لا يكسر . ونقل عنه أنّه يكسر . فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم أنكره خارج الدّار ، ولم يهجم بالدّخول عليهم ، وليس عليه أن يكشف عمّا سواه من الباطن ، وقد نقل عن مهنّا الأنباريّ عن أحمد أنّه سمع صوت طبل في جواره ، فقام إليهم من مجلسه ، فأرسل إليهم ونهاهم .
وقال في رواية محمّد بن أبي حرب في الرّجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه قال : يأمره ، فإن لم يقبل جمع عليه الجيران ويهوّل عليه . وقال الجصّاص عند قوله تعالى : { ولا تجسّسوا } نهى اللّه تعالى عن سوء الظّنّ بالمسلم الّذي ظاهره العدالة والسّتر ، ثمّ قال : نهى اللّه تعالى عن التّجسّس ، بل أمر بالسّتر على أهل المعاصي ما لم يظهر منهم إصرار . ثمّ روي أنّ ابن مسعود قيل له : هذا فلان تقطر لحيته خمراً ، فقال عبد اللّه : إنّا قد نهينا عن التّجسّس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به .
تجسّس المحتسب :
12 - المحتسب هو من يأمر بالمعروف إذا ظهر تركه وينهى عن المنكر إذا ظهر فعله . قال تعالى : { وَلْتكن منكم أمّةٌ يدْعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ويَنْهون عن المنكر } وهذا وإن صحّ من كلّ مسلم لكنّ المحتسب متعيّن عليه بحكم ولايته ، لكنّ غيره فرض عليه على سبيل الكفاية . وما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يتجسّس عنها ولا أن يهتك الأستار حذراً من الاستتار بها فقد قال صلى الله عليه وسلم : « اجتنبوا هذه القاذورة الّتي نهى اللّه عنها ، فمن ألمّ فليستتر بستر اللّه » .
فإن غلب على الظّنّ استتار قوم بها لأمارات دلّت وآثار ظهرت فذلك ضربان :
أحدهما : أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره من يثق به أنّ رجلاً خلا بامرأة ليزني بها أو رجل ليقتله ، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسّس ويقدم على الكشف والبحث حذراً من فوات ما لا يستدرك من ارتكاب المحارم وفعل المحظورات . والضّرب الثّاني : ما خرج عن هذا الحدّ وقصر عن حدّ هذه الرّتبة ، فلا يجوز التّجسّس عليه ولا كشف الأستار عنه كما تقدّم .
عقاب التّجسّس على البيوت :
13 - روى مسلم عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من اطّلع في بيت قوم من غير إذنهم حلّ لهم أن يفقئوا عينه »
وقد اختلف العلماء في تأويله ، فقال بعضهم : هو على ظاهره ، فيحلّ لمن اطّلع عليه أن يفقأ عين المطّلع حال الاطّلاع ، ولا ضمان ، وهذا مذهب الشّافعيّة والحنابلة .
وقال المالكيّة والحنفيّة : ليس هذا على ظاهره ، فإن فقأ فعليه الضّمان ، والخبر منسوخ ، وكان قبل نزول قوله تعالى : { وإنْ عاقبتم فعاقِبُوا بمثلِ ما عُوْقِبْتُمْ به } ويحتمل أن يكون خرج على وجه الوعيد لا على وجه الحتم ، والخبر إذا كان مخالفاً لكتاب اللّه تعالى لا يجوز العمل به . وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يتكلّم بالكلام في الظّاهر ، وهو يريد شيئاً آخر ، كما جاء في الخبر « أنّ عبّاس بن مرداس لمّا مدحه قال لبلال : قم فاقطع لسانه » وإنّما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئاً ولم يرد به القطع في الحقيقة .
وهذا أيضاً يحتمل أن يكون ذكر فقء العين والمراد : أن يعمل به عملاً حتّى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيره . وفي تبصرة الحكّام : ولو نظر من كوّة أو من باب ففقأ عينه صاحب الدّار ضمن ، لأنّه قادر على زجره ودفعه بالأخفّ ، ولو قصد زجره بذلك فأصاب عينه ولم يقصد فقأها ففي ضمانه خلاف .
وأمّا عند الحنفيّة : فإن لم يمكن دفع المطّلع إلاّ بفقء عينه ففقأها لا ضمان ، وإن أمكن بدون فقء عينه ففقأها فعليه الضّمان . أمّا إذا تجسّس وانصرف فليس للمطَّلع عليه أن يفقأ عينه اتّفاقاً . وينظر للتّفصيل : ( دفع الصّائل ) . أمّا عقوبة المتجسّس فهي التّعزير ، إذ ليس في ذلك حدّ معيّن ، والتّعزير يختلف والمرجع في تقديره إلى الإمام ( ر : تعزير ) .

تجشّؤ *
انظر : طعام .

تجمّل *
انظر : تزيّن .

تجميل *
انظر : تغيير .

تجهيز *
التّعريف :
1 - التّجهيز لغةً : تهيئة ما يحتاج إليه . يقال : جهّزت المسافر : إذا هيّأت له جهاز سفره . ويطلق أيضاً على تجهيز العروس والميّت والغزاة ، ويقال : جهّزت على الجريح - بالتّثقيل - إذا أتممت عليه وأسرعت قتله ، وذلك للمبالغة ( ومثله أجهزت ) وفعله من باب نفع ، ويأتي على وزن أفعل . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإعداد :
2 - الإعداد : التّهيئة والإحضار . فالتّجهيز أعمّ من الإعداد ، لأنّ التّجهيز يشمل الإعداد وغيره .
ب - التّزويد :
3 - التّزويد : مصدر زوّدته أعطيته زاداً ، فهو أخصّ من التّجهيز . لأنّ التّجهيز يكون بالطّعام وغيره ، أمّا التّزويد فهو بإعداد الزّاد أو إعطائه .
الأحكام المتعلّقة بالتّجهيز :
ويتكلّم الفقهاء في تجهيز العروس والمجاهدين والميّت ، على من يجب ، والحكم فيه ، ومقداره ، وبيان ذلك فيما يأتي :
تجهيز العروس :
4 - مذهب الشّافعيّ : عدم إجبار المرأة على الجهاز ، وهو المفهوم من نصوص الحنابلة ، فلا تجبر هي ولا غيرها على التّجهيز ، فقد جاء في منتهى الإرادات : وتملك زوجة بعقد جميع المسمّى ، ولها نماء معيّن كدار والتّصرّف فيه .
أمّا الحنفيّة : فقد نقل الحصكفيّ عن الزّاهديّ في القنية : أنّه لو زفّت الزّوجة إلى الزّوج بلا جهاز يليق به فله مطالبة الأب بالنّقد . وزاد في البحر عن المنتقى : إلاّ إذا سكت طويلاً فلا خصومة له . لكن في النّهر عن البزّازيّة : الصّحيح أنّه لا يرجع على الأب بشيء ، لأنّ المال في النّكاح غير مقصود . ومفهوم هذا أنّ الأب هو الّذي يجهّز ، لكنّ هذا إذا كان هو الّذي قبض المهر ، فإن كانت الزّوجة هي الّتي قبضته فهي الّتي تطالب به على القول بوجوب الجهاز ، وهو بحسب العرف والعادة .
وقال المالكيّة : إذا قبضت الحالّ من صداقها قبل بناء الزّوج بها فإنّه يلزمها أن تتجهّز به على العادة من حضر أو بدو ، حتّى لو كان العرف شراء دار لزمها ذلك ، ولا يلزمها أن تتجهّز بأزيد منه . ومثل حالّ الصّداق ما إذا عجّل لها المؤجّل وكان نقداً .
وإن تأخّر القبض عن البناء لم يلزمها التّجهيز سواء أكان حالّاً أم حلّ ، إلاّ لشرط أو عرف . ( أي فإنّه يلزمها التّجهيز للشّرط أو العرف ) .
تجهيز الغزاة :
5 - يجب على المسلمين أن لا يعطّلوا الجهاد في سبيل اللّه ، وأن يجهّزوا لذلك الغزاة بما يلزمهم من عدّة وعتاد وزاد ، لقول اللّه تعالى : { وأَنْفِقُوا في سبيلِ اللّهِ ولا تُلقوا بأيديكم إلى التَّهْلُكَةِ } وقوله عزّ وجلّ : { وأَعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رِباطِ الخيلِ تُرْهبون به عدوَّ اللّه وعدوَّكم وآخَرين من دونهم لا تَعْلَمُونهم اللّهُ يَعْلَمهم وما تُنفقوا من شيء في سبيلِ اللّه يُوَفَّ إليكم وأنتم لا تُظْلمون }
وتجهيز الغزاة واجب المسلمين جميعاً ، حكّاماً ومحكومين ، وهو من أعظم القرب لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من جهّز غازياً في سبيل اللّه فقد غزا » ومن المصادر الّتي يمكن تجهيز الغزاة منها : الزّكاة من صنف ( سبيل اللّه ) .
وقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الغزاة يعطون من الزّكاة مطلقاً ، ولو كانوا أغنياء . لكنّ المالكيّة قيّدوه بأن يكون المعطون ممّن يجب عليهم الجهاد .
وقيّده الشّافعيّة بألاّ تكون أسماؤهم في ديوان الجند . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الغازي يعطى من الزّكاة إذا كان من منقطعي الغزاة ، وهم الّذين عجزوا عن الالتحاق بجيش الإسلام لفقرهم .
وسبب اختلافهم في هذا هو اختلافهم في تفسير قوله تعالى في مصارف الصّدقات : { وفي سبيل اللّه } وفي ذلك تفصيل يرجع إليه في مصطلح ( زكاة ) .
تجهيز الميّت :
6 - يجب تجهيز الميّت ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر به ، ولأنّ سترته واجبة في الحياة ، فهي واجبة كذلك بالكفن في الممات .
واتّفق الفقهاء على أنّ تجهيز الميّت فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين . ونفقات التّجهيز تكون من تركة الميّت إن ترك مالاً ، وتقدّم على ديونه ووصيّته وإرثه ، إلاّ أعيان التّركة الّتي تعلّق بها حقّ للغير ، كعين الرّهن والمبيع ونحوهما . فإن لم يكن له مال ، وجب تجهيزه على من تجب عليه نفقته في حال حياته ، فإن لم يوجد أحد من هؤلاء ، وجب تجهيزه في بيت مال المسلمين إن وجد ، فإن لم يوجد أو كان موجوداً ولم يمكن الأخذ فتجهيزه على المسلمين فرض كفاية .
ولا يجب على الزّوجة تجهيز زوجها المتوفّى عنها بلا خلاف . وفي وجوب تجهيز الزّوج لزوجته المتوفّاة ، خلاف يرجع إليه مع تفصيل البحث في مصطلح : ( جنائز ) .

تجهيل *
التّعريف :
1- من معاني التّجهيل في اللّغة : النّسبة إلى الجهل . يقال : جهّلت فلاناً : إذا قلت : إنّه جاهل . والجهل : نقيض العلم . ويكون الجهل أيضاً نقيض الحلم ، يقال : جهل فلان على فلان : إذا سفه عليه وأخطأ .
يقال : جهّل فلان جهلاً وجهالةً ، والجهالة : أن تفعل فعلاً بغير علم .
وفي الاصطلاح : أن لا يبيّن الأمين قبل موته حال ما بيده للغير من وديعة ، أو لقطة ، أو مال يتيم ونحوه ، وكان يعلم أنّ وارثه لا يعلمها ، مات وهو على ذلك .
الحكم الإجماليّ :
2 - التّجهيل قد يرد على الوديعة ، وهي المال الّذي يوضع عند شخص ليحفظه . وهي أمانة نزل في شأنها قول اللّه تبارك وتعالى : { إنَّ اللّهَ يأمرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها } قيل : « نزلت في عثمان بن طلحة الحجبيّ الدّاريّ قبل إسلامه ، كان سادن الكعبة يوم الفتح ، فلمّا دخل النّبيّ صلى الله عليه وسلم مكّة أغلق عثمان باب الكعبة وامتنع من إعطاء مفتاحها ، زاعماً أنّه لو علم أنّه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما منعه ، فلوى عليّ رضي الله عنه يده ، وأخذه منه ، وفتح الباب ودخل صلى الله عليه وسلم الكعبة . فلمّا خرج سأله العبّاس رضي الله عنه أن يعطيه المفتاح لتجتمع له السّدانة مع السّقاية ، فأنزل اللّه تعالى الآية . فأمر صلى الله عليه وسلم عليّاً أن يردّه إلى عثمان ويعتذر إليه ، فقال له : أكرهتَ وآذيتَ ثمّ جئتَ ترفق ؟ فقال له : لقد أنزل اللّه في شأنك قرآناً وقرأ عليه الآية فأسلم ، فجاء جبريل عليه السلام فقال : ما دام هذا البيت فإنّ المفتاح والسّدانة في أولاد عثمان » .
3 - وقد جعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم السّدانة في أولاده إلى يوم القيامة ، حيث قال :
« خذوها خالدةً تالدةً لا ينزعها منكم إلاّ ظالم » والمراد من الآية جميع الأمانات فيجب على من كانت عنده أمانة - وديعةً كانت أو غيرها - أن يبيّن أمرها حتّى لا يفاجئه الموت ولم يعيّن صاحبها ، فتضيع عليه ، ويكون مسئولاً عن تجهيلها .
قال ابن عبّاس : ولم يرخّص اللّه لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة ، أي يحبسها عن صاحبها عند طلبها . وروي عنه عليه الصلاة والسلام « أنّه كانت عنده ودائع ، فلمّا أراد الهجرة أودعها عند أمّ أيمن ، وأمر عليّاً أن يردّها على أهلها » .
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ليس على المستودع ضمان ما لم يتعدّ » .
4 - وقد عظّم اللّه تعالى أمر الأمانة تعظيماً بليغاً وأكّده تأكيداً شديداً فقال عزّ وجلّ { إنّا عَرَضْنَا الأمانةَ على السّمواتِ والأرضِ والجبالِ فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ منها وحمَلَها الإنسانُ إنّه كان ظَلُوماً جَهُولاً } أي بمشقّتها الّتي لا تتناهى بها . وإذا كانت الوديعة أمانةً كانت غير مضمونة بالهلاك مطلقاً ، ما لم يكن المودع مفرّطاً أو متعدّياً ، ومن التّعدّي التّجهيل عن قصد .
قال في البزّازيّة : والمودع إنّما يضمن بالتّجهيل إذا لم يعرف الوارث الوديعة .
أمّا إذا علم الوارث الوديعة ، والمودع يعلم أنّ الوارث يعلم ، ومات ولم يبيّن لم يضمن . ولو قال الوارث : أنا علمتها ، وأنكر الطّالب علم الوارث بها لتصير مضمونةً بالتّجهيل ينظر ، إن فسّرها الوارث وقال : هي كذا وكذا ، وهلكت صدّق . ومعنى ضمانها صيرورتها ديناً في تركته .
5- وفي حاشية ابن عابدين : قال في مجمع الفتاوى : المودع والمضارب والمستعير والمستبضع وكلّ من كان المال بيده أمانةً إذا مات قبل البيان ، ولم تعرف الأمانة بعينها ، فإنّ المال يكون ديناً عليه في تركته ، لأنّه صار مستهلكاً للوديعة بالتّجهيل . ومعنى موته مجهّلاً : أن لا يبيّن حال الأمانة كما في الأشباه .
وقد سئل الشّيخ عمر بن نجيم عمّا لو قال المريض : عندي ورقة في الحانوت لفلان ضمّنها دراهم لا أعرف قدرها ، فمات ولم توجد . فأجاب : بأنّه من التّجهيل ، لقوله في البدائع : هو أن يموت قبل البيان ولم تعرف الأمانة بعينها .
6- ومن الأمانات الرّهن ، إذا مات المرتهن مجهّلاً يضمن قيمة الرّهن في تركته ، وكذا الوكيل إذا مات مجهّلاً ما قبضه .
وقد نصّت المادّة 801 من المجلّة على أنّه : ( إذا مات المستودع ووجدت الوديعة عيناً في تركته يكون أمانةً في يد وارثه ، فيردّها لصاحبها . وأمّا إذا لم توجد عيناً في تركته : فإن أثبت الوارث أنّ المستودع قد بيّن حال الوديعة في حياته ، كأن قال : رددت الوديعة لصاحبها ، أو قال : ضاعت بلا تعدّ ، فلا يلزم الضّمان . وكذا لو قال الوارث : نحن نعرف الوديعة ، وفسّرها ببيان أوصافها ، ثمّ قال : إنّها هلكت أو ضاعت بعد وفاة المستودع صدّق بيمينه ولا ضمان حينئذ ، وإذا مات المستودع بدون أن يبيّن حال الوديعة يكون مجهّلاً ، فتؤخذ الوديعة من تركته كسائر ديونه ، وكذا لو قال الوارث : نحن نعرف الوديعة بدون أن يفسّرها ويصفها ، لا يعتبر قوله : إنّها ضاعت . وبهذه الصّورة إذا لم يثبت أنّها ضاعت يلزم الضّمان من التّركة ) .
7- وقد ورد في الأشباه والنّظائر لابن نجيم : الأمانات تنقلب مضمونةً بالموت عن تجهيل إلاّ في ثلاث : النّاظر إذا مات مجهّلاً غلّات الوقف ، والقاضي إذا مات مجهّلاً أموال اليتامى عند من أودعها . والسّلطان إذا أودع بعض الغنيمة عند الغازي ثمّ مات ولم يبيّن عند من أودعها . هكذا في فتاوى قاضي خان في باب الوقف ، وفي الخلاصة في باب الوديعة وذكرها الولوالجيّ وذكر من الصّور الثّلاث : أحد الشّريكين المتفاوضين إذا مات ولم يبيّن حال المال الّذي في يده ، ولم يذكره للقاضي ، فصار المستثنى أربعةً .
وزاد ( أي صاحب الأشباه ) عليها مسائل :
الأولى الوصيّ إذا مات مجهّلاً فلا ضمان عليه كما في جامع الفصولين .
الثّانية : الأب إذا مات مجهّلاً مال ابنه ذكره فيها أيضاً .
الثّالثة : إذا مات الوارث مجهّلاً ما أودع عند موته .
الرّابعة : إذا مات مجهّلاً لما ألقته الرّيح في بيته .
الخامسة : إذا مات مجهّلاً لما وضعه مالكه في بيته بغير علمه .
السّادسة : إذا مات الصّبيّ مجهّلاً لما أودع عنده محجوراً . وهذه الثّلاث في تلخيص الجامع الكبير للخلّاطيّ فصار المستثنى عشرةً . ومعنى موته مجهّلاً : أن لا يبيّن حال الأمانة وكان يعلم أنّ وارثه لا يعلمها ، فإن بيّنها وقال في حياته : رددتها فلا تجهيل إن برهن الوارث على مقالته ، وإلاّ لم يقبل قوله ، وإن كان يعلم أنّ وارثه يعلمها فلا تجهيل .
وعند الشّافعيّة : إذا توفّي المودع ولديه وديعة ، ولم يردّها لصاحبها قبل موته ، ولم يوص بها ، أي لم يعلم بها من يقوم بردّها بعد موته من قاض أو أمين أو وارث ضمنها إن تمكّن من ردّها أو الإيصاء بها ولم يفعل ، بخلاف ما إذا لم يتمكّن ، كأن مات فجأةً أو قتل غيلةً أو سافر بها ، لعجزه عن ذلك ومحلّ ذلك في غير القاضي . أمّا القاضي إذا مات ولم يوجد مال اليتيم في تركته فلا يضمنه وإن لم يوص به ، لأنّه أمين الشّرع ، بخلاف سائر الأمناء ولعموم ولايته . ولا أثر لكتابة المودع على شيء : هذا وديعة فلان مثلاً ، أو في أوراقه : عندي لفلان كذا إلاّ إذا أقرّ به أو قامت به بيّنة أو أقرّ به الوارث .
والمالكيّة كذلك في الضّمان ، وزادوا طول الزّمن ، حيث قالوا : تضمن الوديعة بموت المودع إذا لم يوص بها ولم توجد في تركته ، فتؤخذ من تركته ، لاحتمال أنّه تسلّفها ، إلاّ أن يطول الزّمن من يوم الإيداع لعشر سنين فلا ضمان ، ويحمل على أنّه ردّها لربّها . ومحلّ كون العشر السّنين طوالاً إذا لم تكن الوديعة ببيّنة مقصودة للتّوثّق ، وإلاّ فلا يسقط الضّمان ، ولو زاد على العشرة أخذها ربّها إن ثبت بكتابة عليها أنّها له بخطّ المودع أو المودع . ويرى الحنابلة : أنّه إذا مات المودع وعنده وديعة ولا تتميّز من ماله فصاحبها غريم بها ، فإن كان عليه دين سواها فهي والدّين سواء .
8- هذا ولا تثبت الوديعة إلاّ بإقرار سابق من الميّت أو ورثته أو ببيّنة تشهد بها ، وإن وجد عليها مكتوباً وديعةً لم يكن حجّةً عليهم ، لجواز أن يكون الظّرف كانت فيه وديعة قبل هذا ، أو كانت وديعةً لمورّثهم عند غيره ، أو كانت وديعةً فابتاعها . وكذلك لو وجد في أوراق أبيه أنّ لفلان عندي وديعةً لم يلزمه بذلك ، لجواز أن يكون قد ردّها ونسي الضّرب على ما كتب أو غير ذلك .
وتفصيل ذلك يرجع إليه في ( إبضاع ، رهن ، عاريّة ، مضاربة ، وديعة ووقف ) .

تجويد *
التّعريف :
1- التّجويد لغةً : تصيير الشّيء جيّداً . والجيّد : ضدّ الرّديء ، يقال : جوّد فلان كذا : أي فعله جيّداً ، وجوّد القراءة : أي أتى بها بريئةً من الرّداءة في النّطق .
واصطلاحاً : إعطاء كلّ حرف حقّه ومستحقّه . والمراد بحقّ الحرف : الصّفة الذّاتيّة الثّابتة له كالشّدّة والاستعلاء ، والمراد بمستحقّ الحرف : ما ينشأ عن تلك الصّفات الذّاتيّة اللّازمة كالتّفخيم ، فإنّه ناشئ عن كلّ من الاستعلاء والتّكرير ، لأنّه يكون في الحرف حال سكونه وتحريكه بالفتح والضّمّ فقط ، ولا يكون في حال الكسر . وهذا كلّه بعد إخراج كلّ حرف من مخرجه . واعتبره بعضهم غير داخل في تعريف التّجويد ، لأنّه مطلوب لحصول أصل القراءة ، لكن قال الشّيخ عليّ القاريّ : ولا يخفى أنّ إخراج الحرف من مخرجه أيضاً داخل في تعريف التّجويد ، كما صرّح به ابن الجزريّ في كتاب التّمهيد ، أي لأنّ المعرّف هو القراءة المجوّدة ، وليس مطلق القراءة ، وتجويد القراءة لا يكون إلاّ بإخراج كلّ حرف من مخرجه . قال ابن الجزريّ : التّجويد : إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها ، وردّ الحرف إلى مخرجه وأصله وإلحاقه بنظيره ، وتصحيح لفظه وتلطيف النّطق به على حال صيغته وكمال هيئته ، من غير إسراف ولا تعسّف ولا إفراط ولا تكلّف .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّلاوة ، والأداء ، والقراءة :
2 - التّلاوة اصطلاحاً : قراءة القرآن متتابعاً كالأجزاء والأسداس .
أمّا الأداء فهو : الأخذ عن الشّيوخ بالسّماع منهم أو القراءة بحضرتهم .
وأمّا القراءة فهي أعمّ من التّلاوة والأداء .
ولا يخفى أنّ التّجويد أمر زائد على هذه الألفاظ الثّلاثة ، فهو أخصّ منها جميعها .
ب - التّرتيل :
3 - التّرتيل لغةً : مصدر رتّل ، يقال : رتّل فلان كلامه : إذا أتبع بعضه بعضاً على مكث وتفهّم من غير عجل .
واصطلاحاً : هو رعاية مخارج الحروف وحفظ الوقوف . وروي نحوه عن عليّ رضي الله عنه حيث قال : التّرتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف .
فالفرق بينه وبين التّجويد : أنّ التّرتيل وسيلة من وسائل التّجويد ، وأنّ التّجويد يشمل ما يتّصل بالصّفات الذّاتيّة للحروف ، وما يلزم عن تلك الصّفات ، أمّا التّرتيل فيقتصر على رعاية مخارج الحروف وضبط الوقوف لعدم الخلط بين الحروف في القراءة السّريعة ، ولذلك أطلق العلماء ( التّرتيل ) على مرتبة من مراتب القراءة من حيث إتمام المخارج والمدود ، وهو يأتي بعد مرتبة ( التّحقيق ) وأدنى منهما مرتبة وسطى تسمّى ( التّدوير ) ثمّ ( الحدر ) وهو المرتبة الأخيرة .
الحكم الإجماليّ :
4 - لا خلاف في أنّ الاشتغال بعلم التّجويد فرض كفاية .
أمّا العمل به ، فقد ذهب المتقدّمون من علماء القراءات والتّجويد إلى أنّ الأخذ بجميع أصول التّجويد واجب يأثم تاركه ، سواء أكان متعلّقاً بحفظ الحروف - ممّا يغيّر مبناها أو يفسد معناها - أم تعلّق بغير ذلك ممّا أورده العلماء في كتب التّجويد ، كالإدغام ونحوه .
قال محمّد بن الجزريّ في النّشر نقلاً عن الإمام نصر الشّيرازيّ : حسن الأداء فرض في القراءة ، ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حقّ تلاوته .
وذهب المتأخّرون إلى التّفصيل بين ما هو واجب شرعيّ من مسائل التّجويد ، وهو ما يؤدّي تركه إلى تغيير المبنى أو فساد المعنى ، وبين ما هو واجب صناعيّ أي أوجبه أهل ذلك العلم لتمام إتقان القراءة ، وهو ما ذكره العلماء في كتب التّجويد من مسائل ليست كذلك ، كالإدغام والإخفاء إلخ . فهذا النّوع لا يأثم تاركه عندهم .
قال الشّيخ عليّ القاريّ بعد بيانه أنّ مخارج الحروف وصفاتها ، ومتعلّقاتها معتبرة في لغة العرب : فينبغي أن تراعى جميع قواعدهم وجوباً فيما يتغيّر به المبنى ويفسد المعنى ، واستحباباً فيما يحسن به اللّفظ ويستحسن به النّطق حال الأداء . ثمّ قال عن اللّحن الخفيّ الّذي لا يعرفه إلاّ مهرة القرّاء : لا يتصوّر أن يكون فرض عين يترتّب العقاب على قارئه لما فيه من حرج عظيم . ولما قال محمّد بن الجزريّ في منظومته في التّجويد ، وفي الطّيّبة أيضاً : والأخذ بالتّجويد حتمٌ لازمُ مَنْ لم يجوِّد القُرآن آثِمُ
قال ابنه أحمد في شرحها : ذلك واجب على من يقدر عليه ، ثمّ قال : لأنّ اللّه تعالى أنزل به كتابه المجيد ، ووصل من نبيّه صلى الله عليه وسلم متواتراً بالتّجويد .
وكرّر أحمد بن محمّد بن الجزريّ هذا التّقييد بالقدرة أكثر من مرّة . ويدلّ لذلك الحديث الّذي رواه الشّيخان عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « الماهرُ بالقرآنِ مع السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ ، والّذي يقرأُ القرآنَ ويُتَعْتِعُ فيه ، وهو عليه شاقٌّ له أجرانِ » وقد اعتبر ابن غازيّ في شرحه للجزريّة من الواجب الصّناعيّ : كلّ ما كان من مسائل الخلاف من الوجوه المختارة لكلّ قارئ من القرّاء المشهورين ، حيث يرى بعضهم التّفخيم ويرى غيره التّرقيق في موطن واحد ، فهذا لا يأثم تاركه ، ولا يتّصف بالفسق . وكذلك ما كان من جهة الوقف ، فإنّه لا يجب على القارئ الوقف على محلّ معيّن بحيث لو تركه يأثم ، ولا يحرم الوقف على كلمة بعينها إلاّ إذا كانت موهمةً وقصدها ، فإن اعتقد المعنى الموهم للكفر كفر - والعياذ باللّه - كأن وقف على قوله تعالى : { إنّ اللّه لا يستحي } دون قوله : { أن يضرب مثلاً ما } . أو على قوله : { وما من إله } دون { إلاّ اللّه } . أمّا قول علماء القراءة : الوقف على هذا واجب ، أو لازم ، أو حرام ، أو لا يحلّ ، أو نحو ذلك من الألفاظ الدّالّة على الوجوب أو التّحريم فلا يراد منه ما هو مقرّر عند الفقهاء ، ممّا يثاب على فعله ، ويعاقب على تركه ، أو عكسه ، بل المراد : أنّه ينبغي للقارئ أن يقف عليه لمعنًى يستفاد من الوقف عليه ، أو لئلاّ يتوهّم من الوصل تغيير المعنى المقصود ، أو لا ينبغي الوقف عليه ولا الابتداء بما بعده ، لما يتوهّم من تغيير المعنى أو رداءة التّلفّظ ونحو ذلك . وقولهم : لا يوقف على كذا ، معناه : أنّه لا يحسن الوقف عليه صناعةً ، وليس معناه أنّ الوقف عليه حرام أو مكروه ، بل خلاف الأولى ، إلاّ إن تعمّد قاصداً المعنى الموهم . ثمّ تطرّق ابن غازيّ إلى حكم تعلّم التّجويد بالنّسبة لمريد القراءة ، فقرّر عدم وجوب ذلك على من أخذ القراءة على شيخ متقن ، ولم يتطرّق اللّحن إليه ، من غير معرفة علميّة بمسائله ، وكذلك عدم وجوب تعلّمه على العربيّ الفصيح الّذي لا يتطرّق اللّحن إليه ، بأن كان طبعه على القراءة بالتّجويد ، فإنّ تعلّم هذين للأحكام أمر صناعيّ . أمّا من أخلّ بشيء من الأحكام المجمع عليها ، أو لم يكن عربيّاً فصيحاً ، فلا بدّ في حقّه من تعلّم الأحكام والأخذ بمقتضاها من أفواه المشايخ .
قال الإمام الجَزَريّ في النّشر : ولا شكّ أنّ الأمّة كما هم متعبّدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده ، كذلك هم متعبّدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصّفة المتلقّاة من أئمّة القراءة والمتّصلة بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:06 PM

ما يتناوله التّجويد من أمور :
5 - التّجويد علم من علوم القرآن ، ولكنّه يتميّز عن غيره من تلك العلوم المتّصلة بالقرآن بأنّه يحتاج إليه الخاصّة والعامّة ، لحاجتهم إلى تلاوة كتاب اللّه تعالى كما أنزل ، حسبما نقل عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وهو إمّا أن يحصل بالتّعلّم لمسائله ، أو يؤخذ بالتّلقّي من أفواه العلماء ، ولا بدّ في الحالين من التّمرين والتّكرار .
قال أبو عمرو الدّانيّ : ليس بين التّجويد وتركه إلاّ رياضة لمن تدبّره بفكه . وقال أحمد بن الجزريّ : لا أعلم سبباً لبلوغ نهاية الإتقان والتّجويد ووصول غاية التّصحيح والتّسديد مثل رياضة الألسن والتّكرار على اللّفظ المتلقّى من فم المحسن .
ويشتمل علم التّجويد على أبحاث كثيرة أهمّها :
أ - مخارج الحروف ، للتّوصّل إلى إخراج كلّ حرف من مخرجه الصّحيح .
ب - صفات الحروف ، من جهر وهمس مع معرفة الحروف المشتركة في الصّفة .
ج - التّفخيم والتّرقيق وما يتّصل بذلك من أحكام لبعض الحروف كالرّاء واللّام .
د - أحوال النّون السّاكنة والتّنوين والميم السّاكنة .
هـ - المدّ والقصر وأنواع المدّ .
و - الوقف والابتداء والقطع وما يتّصل بذلك من أحكام .
ز - أحكام الابتداء بالقراءة ، من تعوّذ وبسملة وأحكام ختم القرآن وآداب التّلاوة .
وموطن تفصيل ذلك هو كتب علم التّجويد ، وكذلك كتب القراءات في آخر أبحاثها كما في منظومة حرز الأماني للشّاطبيّ ، أو في أوائلها كما في " الطّيّبة " لمحمّد بن الجزريّ ، وفي بعض المطوّلات من كتب علوم القرآن كالبرهان للزّركشيّ ، والإتقان للسّيوطيّ .
ما يخلّ بالتّجويد ، وحكمه :
6 - يقع الإخلال بالتّجويد إمّا في أداء الحروف ، وإمّا فيما يلابس القراءة من التّغييرات الصّوتيّة المخالفة لكيفيّة النّطق المأثورة .
فالنّوع الأوّل يسمّى ( اللّحن ) أي الخطأ والميل عن الصّواب ، وهو نوعان : جليّ وخفيّ . واللّحن الجليّ : خطأ يطرأ على الألفاظ فيخلّ بعرف القراءة ، سواء أخلّ بالمعنى أم لم يخلّ . وسمّي جليّاً لأنّه يخلّ إخلالاً ظاهراً يشترك في معرفته علماء القرآن وغيرهم ، وهو يكون في مبنى الكلمة كتبديل حرف بآخر ، أو في حركتها بتبديلها إلى حركة أخرى أو سكون ، سواء أتغيّر المعنى بالخطأ فيها أم لم يتغيّر . وهذا النّوع يحرم على من هو قادر على تلافيه ، سواء أوهم خلل المعنى أو اقتضى تغيير الإعراب .
وأمّا اللّحن الخفيّ : فهو خطأ يطرأ على اللّفظ ، فيخلّ بعرف القراءة ولا يخلّ بالمعنى . وسمّي خفيّاً لأنّه يختصّ بمعرفته علماء القرآن وأهل التّجويد . وهو يكون في صفات الحروف ، وهذا اللّحن الخفيّ قسمان :
أحدهما : لا يعرفه إلاّ علماء القراءة كترك الإخفاء ، وهو ليس بفرض عين يترتّب عليه عقاب كما سبق ، بل فيه خوف العتاب والتّهديد .
والثّاني : لا يعرفه إلاّ مهرة القرّاء كتكرير الرّاءات وتغليظ اللّامات في غير محلّها ، ومراعاة مثل هذا مستحبّة تحسن في حال الأداء .
وأمّا النّوع الثّاني من الإخلال فهو ما يحصل من الزّيادة والنّقص عن الحدّ المنقول من أوضاع التّلاوة ، سواء في أداء الحرف أو الحركة عند القراءة ، وسبب الإخلال القراءة بالألحان المطربة المرجّعة كترجيع الغناء ، وهو ممنوع لما فيه من إخراج التّلاوة عن أوضاعها الصّحيحة ، وتشبيه القرآن بالأغاني الّتي يقصد بها الطّرب .
واستدلّوا لمنع ذلك بحديث عابس رضي الله عنه قال : إنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « بادروا بالموت ستّاً : إمرة السّفهاء ، وكثرة الشّرط ، وبيع الحكم ، واستخفافاً بالدّم ، وقطيعة الرّحم ، ونَشْواً يتّخذون القرآن مزامير يقدّمونه يغنّيهم ، وإن كان أقلّ منهم فقهاً » . قال الشّيخ زكريّا الأنصاريّ : والمراد بلحون العرب : القراءة بالطّبع والسّليقة كما جبلوا عليه من غير زيادة ولا نقص ، والمراد بلحون أهل الفسق والكبائر : الأنغام المستفادة من علم الموسيقى ، والأمر في الخبر محمول على النّدب ، والنّهي على الكراهة إن حصلت المحافظة على صحّة ألفاظ الحروف ، وإلاّ فعلى التّحريم .
قال الرّافعيّ : المكروه أن يفرّط في المدّ وفي إشباع الحركات ، حتّى يتولّد من الفتحة ألف ومن الضّمّة واو ... إلخ قال النّوويّ : الصّحيح أنّ الإفراط على الوجه المذكور حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع ، لأنّه عدل به عن منهجه القويم ، وهذا مراد الشّافعيّ بالكراهة . وقد أورد علماء التّجويد نماذج من ذلك ، فمنها ما يسمّى بالتّرقيص ، والتّحزين ، والتّرعيد ، والتّحريف ، والقراءة باللّين والرّخاوة في الحروف ، والنّقر بالحروف وتقطيعها ... إلخ . وتفصيل المراد بذلك في مراجعه ، ومنها شروح الجزريّة ، ونهاية القول المفيد ، وقد أورد أبياتاً في ذلك من منظومة للإمام علم الدّين السّخاويّ ، ثمّ نقل عن شرحها قوله : فكلّ حرف له ميزان يعرف به مقدار حقيقته ، وذلك الميزان هو مخرجه وصفته ، وإذا خرج عن مخرجه معطًى ما له من الصّفات على وجه العدل في ذلك من غير إفراط ولا تفريط فقد وزن بميزانه ، وهذا هو حقيقة التّجويد . وسبيل ذلك التّلقّي من أفواه القرّاء المتقنين .

تحالف *
انظر : حلف .

تحبيس *
انظر : وقف .

تحجير *
التّعريف :
1 - التّحجير أو الاحتجار لغةً واصطلاحاً : منع الغير من الإحياء بوضع علامة كحجر أو غيره على الجوانب الأربعة ، وهو يفيد الاختصاص لا التّمليك .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأرض المحجّرة - من الأراضي الخربة - لا يجوز إحياؤها ، لأنّ من حجّرها أولى بالانتفاع بها من غيره ، فإن أهملها فللفقهاء تفصيلات .
فالحنفيّة والمالكيّة وضعوا مدّةً قصوى للاختصاص الحاصل بالتّحجير ، وهي ثلاث سنوات ، وهذا هو الحكم ديانةً ، أمّا قضاءً فإذا أحياها غيره قبل مضيّ هذه المدّة ملكها ، وهذا هو الحكم عند الحنفيّة ، فإن لم يقم بتعميرها أخذها الإمام ودفعها إلى غيره ، لقول عمر رضي الله عنه :" ليس لمتحجّر بعد ثلاث سنين حقّ ".
وذهب الشّافعيّة ، وهو وجه عند الحنابلة إلى أنّه إذا أهمل المتحجّر إحياء الأرض مدّةً غير طويلة عرفاً ، وجاء من يحييها فإنّ الحقّ للمتحجّر .
والوجه الآخر للحنابلة : أنّ التّحجير بلا عمل لا يفيد ، وأنّ الحقّ لمن أحيا تلك الأرض . وسبق التّفصيل في مصطلح ( إحياء الموات ج 2 /16 ) .

تحديد *
التّعريف :
1 - التّحديد لغةً : مصدر حدّد ، وأصل الحدّ : المنع والفصل بين الشّيئين ، يقال : حدّدت الدّار تحديداً : إذا ميّزتها من مجاوراتها بذكر نهاياتها .
وفي اصطلاح الفقهاء : تحديد الشّيء عبارة عن ذكر حدوده ، ويستعمل غالباً في العقار ، كما يقولون : إن ادّعى عقاراً حدّده ، أي ذكر المدّعي حدوده .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّعيين :
2 - تعيين الشّيء : تخصيصه من الجملة ، يقال : عيّنت النّيّة إذا نويت صوماً معيّناً ، ومنه خيار التّعيين ، وهو أن يشتري أحد الشّيئين أو الثّلاثة على أن يعيّنه في خلال ثلاثة أيّام . ب - التّقدير :
3 - التّقدير من القدر ، وقدر الشّيء ومقداره : مقياسه ، فالتّقدير : وضع قدر للشّيء أو قياسه ، أو التّروّي والتّفكير في تسوية أمر وتهيئته ، ومنه : تقدير القاضي العقوبة الرّادعة في التّعزير بحيث تتناسب مع الجريمة والمجرم .
الحكم الإجماليّ :
4 - تحديد المعقود عليه في العقود الواردة على العقار بحيث تنتفي الجهالة شرط لصحّة العقد . وتحديد المدّعي شرط لصحّة الدّعوى إذا كان عقاراً ، لأنّ العقار لا يمكن إحضاره فتعذّر تعريفه بالإشارة ، فيعرف بالحدود ، فيذكر المدّعي الحدود الأربعة ، ويذكر أسماء أصحاب الحدود وأنسابهم ، ويذكر المحلّة والبلد ، وإلاّ لا تصحّ الدّعوى .
وتفصيله في مصطلح : ( دعوى ) .
مواطن البحث :
يذكر الفقهاء تحديد المدّعي في كتاب الدّعوى ، وتحديد المعقود عليه في البيع والإجارة ونحوها .

تحرّف *
التّعريف :
1 - من معاني التّحرّف في اللّغة : الميل ، والعدول عن الشّيء . يقال : حرّف عن الشّيء يحرّف حرفاً وتحرّف : عدل ، وإذا مال الإنسان عن شيء يقال : تحرّف .
واصطلاحاً : يطلق على التّحرّف في القتال بمعنى ترك الموقف إلى موقف أصلح للقتال منه ، حسب ما يقتضيه الحال ، أو للتّوجّه إلى قتال طائفة أخرى أهمّ من هؤلاء ، أو مستطرداً لقتال عدوّه بطلب عورة له يمكنه إصابتها ، فيكرّ عليه .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - إذا التقى جيش المسلمين والكفّار وكان عدد الكفّار مثلي المسلمين أو أقلّ يحرم الفرار والانصراف إلاّ متحرّفاً لقتال ، فيجوز له الانصراف بقصد التّحرّف ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا لَقِيتُم الّذين كفروا زَحْفاً فلا تُوَلُّوهم الأَدْبارَ ، ومن يُوَلِّهم يَوْمَئِذٍ دُبُرَه إلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أو مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ فقد باءَ بِغَضَبٍ من اللّه ومَأْواه جهنّمُ وبئسَ المصيرُ } . والمتحرّف هو من ينصرف من جهة إلى أخرى حسبما يقتضيه الحال ، فله أن ينتقل من مكان ضيّق إلى مكان أرحب منه ، ليتبعه العدوّ إلى متّسع سهل للقتال ، أو من موضع مكشوف إلى موضع آخر غير مكشوف ليكمن فيه ويهجم ، أو عن محلّه لأصون منه عن نحو ريح أو شمس أو عطش ، أو يفرّ بين أيديهم لتنتقض صفوفهم ويجد فيهم فرصةً ، أو ليستند إلى جبل ونحو ذلك ممّا جرت به عادة أهل الحرب ، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنّه كان يوماً في خطبته إذ قال : " يا سارية بن زنيم الجبل " ، وكان قد بعث سارية إلى ناحية العراق لغزوهم ، فلمّا قدم ذلك الجيش أخبروا أنّهم لاقوا عدوّهم يوم جمعة ، فظهر عليهم ، فسمعوا صوت عمر فتحيّزوا إلى الجبل ، فنجوا من عدوّهم فانتصروا عليهم . والتّحرّف جائز بلا خلاف بين جمهور الفقهاء ، ولكنّ المالكيّة أجازوه لغير أمير الجيش والإمام . أمّا هما فليس لهما التّحرّف ، لما يحصل بسبب ذلك من الخلل والمفسدة . والتّفصيل موطنه مصطلح : ( جهاد ) .

تحرّي *
التّعريف :
1 - التّحرّي في اللّغة : القصد والابتغاء ، كقول القائل : أتحرّى مسرّتك ، أي أطلب مرضاتك ، ومنه قوله تعالى : { فأولئك تَحَرَّوا رَشَداً } أي قصدوا طريق الحقّ وتوخّوه . ومنه حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر ... » الحديث . أي اعتنوا بطلبها . وفي الاصطلاح : بذل المجهود في طلب المقصود ، أو طلب الشّيء بغالب الظّنّ عند عدم الوقوف على حقيقته .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاجتهاد :
2 - الاجتهاد والتّحرّي لفظان متقاربا المعنى ، ومعناهما : بذل المجهود في طلب المقصود ، إلاّ أنّ لفظ الاجتهاد صار في عرف العلماء مخصوصاً ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشّريعة ، وبذل المجهود في تعرّف حكم الحادثة من الدّليل .
أمّا التّحرّي فقد يكون بدليل ، وقد يكون بمجرّد شهادة القلب من غير أمارة . فكلّ اجتهاد تحرّ ، وليس كلّ تحرّ اجتهاد .
ب - التّوخّي :
3 - التّوخّي مأخوذ من الوخى ، بمعنى القصد ، فالتّحرّي والتّوخّي سواء ، إلاّ أنّ لفظ التّوخّي يستعمل في المعاملات . كما قال صلى الله عليه وسلم للرّجلين اللّذين اختصما في المواريث : « اذهبا وتوخّيا ، واستهما ، وليحلل كلّ واحد منكما صاحبه » .
وأمّا التّحرّي فيستعمل غالباً في العبادات . كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا شكّ أحدكم في الصّلاة فليتحرّ الصّواب » .
ج - الظّنّ :
4 - الظّنّ : هو إدراك الطّرف الرّاجح مع احتمال النّقيض ، ففي الظّنّ يكون ترجيح أحد الأمرين على الآخر ، فإن كان بغير دليل فهو مذموم ، ويكون التّرجيح في التّحرّي بغالب الرّأي ، وهو دليل يتوصّل به إلى طرف العلم وإن كان لا يتوصّل به إلى ما يوجب حقيقة العلم ، وقد يستعمل الظّنّ بمعنى اليقين كقوله تعالى : { الّذين يظنّون أنّهم ملاقو ربّهم } .
د - الشّكّ :
5 - الشّكّ : تردّد بين احتمالين مستويين ، أي من غير رجحان لأحدهما على الآخر عند الشّاكّ . فالتّحرّي وسيلة لإزالة الشّكّ .
الحكم التّكليفيّ :
6 - التّحرّي مشروع والعمل به جائز ، والدّليل على ذلك الكتاب والسّنّة والمعقول : أمّا الكتاب : فقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا جاءكم المؤمناتُ مهاجراتٍ فامتحنوهنّ اللّه أعلمُ بإِيمانهنّ فإِن عَلِمْتُموهنَّ مُؤْمنات فلا تَرْجعوهنّ إلى الكفّار } .
وذلك يكون بالتّحرّي وغالب الرّأي ، وأطلق عليه العلم .
وأمّا السّنّة : فالحديثان السّابقان عند الكلام عن التّوخّي .
وأمّا ما يدلّ عليه من المعقول : فهو أنّ الاجتهاد في الأحكام الشّرعيّة جائز للعمل به ، وذلك عمل بغالب الرّأي ، ثمّ جعل مدركاً من مدارك أحكام الشّرع ، وإن كانت الأحكام لا تثبت به ابتداءً ، فكذلك التّحرّي مدرك من مدارك التّوصّل إلى أداء العبادات وإن كانت العبادة لا تثبت به ابتداءً .
هذا ، والتّحرّي في أحكام الشّرع ورد في مواضع كثيرة ، ويختلف حكمه باختلاف مواطنه : أوّلاً : التّحرّي لمعرفة الطّاهر من غيره حالة الاختلاط :
أ - اختلاط الأواني :
7 - إذا اختلطت الأواني الّتي فيها ماء طاهر بالأواني الّتي فيها ماء نجس ، واشتبه الأمر ، ولم يكن معه ماء طاهر سوى ذلك ، ولا يعرف الطّاهر من النّجس :
فإن كانت الغلبة للأواني الطّاهرة ، يتحرّى عند الحنفيّة وبعض الحنابلة ، لأنّ الحكم للغالب ، وباعتبار الغالب لزمه استعمال الماء الطّاهر ، وإصابته بتحرّيه مأمولة ، ولأنّ جهة الإباحة قد ترجّحت . وإن كانت الغلبة للأواني النّجسة أو كانا متساويين ، فليس له أن يتحرّى إلاّ للشّرب حالة الضّرورة ، إذ لا بديل له ، بخلاف الوضوء فإنّ له بديلاً .
وظاهر كلام أحمد وأكثر أصحابه عدم جواز التّحرّي ، وإن كثر عدد الأواني الطّاهرة .
وعند الشّافعيّة يجوز التّحرّي في الحالين ، فيتوضّأ بالأغلب ، لأنّه شرط للصّلاة ، فجاز التّحرّي من أجله كالقبلة .
وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا كان عنده ثلاثة أوان نجسة أو متنجّسة واثنان طهوران ، واشتبهت هذه بهذه ، فإنّه يتوضّأ ثلاثة وضوآت من ثلاثة أوان عدد الأواني النّجسة ، ويتوضّأ وضوءاً رابعاً من إناء رابع ، ويصلّي بكلّ وضوء صلاةً .
وحكى ابن الماجشون من المالكيّة قولاً آخر ، وهو أنّه يتوضّأ من كلّ واحد من الأواني وضوءاً ويصلّي به . والتّفصيل في مصطلح ( اشتباه ) .
ب - اختلاط الثّياب :
8 - إذا اشتبهت على الشّخص ثياب طاهرة بنجسة ، وتعذّر التّمييز بينها ، وليس معه ثوب طاهر بيقين غيرها ، ولا ما يغسلها به ، ولا يعرف الطّاهر من النّجس ، واحتاج إلى الصّلاة ، فإنّه يتحرّى عند الحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة والشّافعيّة ما عدا المزنيّ ، ويصلّي في الّذي يقع تحرّيه على أنّه طاهر ، سواء أكانت الغلبة للثّياب النّجسة أم الطّاهرة ، أو كانا متساويين . وقال الحنابلة ، وابن الماجشون من المالكيّة : لا يجوز التّحرّي ، ويصلّي في ثياب منها بعدد النّجس منها ، ويزيد صلاةً في ثوب آخر .
وقال ابن عقيل من الحنابلة : يتحرّى في أصحّ الوجهين دفعاً للمشقّة .
وقال أبو ثور والمزنيّ : لا يصلّي في شيء منها ، كقولهما في الأواني .
ج - اختلاط المذكّاة بالميتة :
9 - إذا اختلطت المذكّاة بالميتة ، فذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز التّحرّي في حالة الاضطرار مطلقاً ، أي سواء أكانت الغلبة للمذكّاة أم للميتة أو تساويا .
وفي حالة الاختيار لا يجوز التّحرّي إلاّ إذا كانت الغلبة للحلال .
وأمّا الأئمّة الثّلاثة فلا يجوز عندهم التّحرّي مطلقاً في هذا المجال .
د - التّحرّي في الحيض :
10 - إذا نسيت امرأة عدد أيّام حيضها وموضعها ، واشتبه عليها حالها في الحيض والطّهر فالمتبادر من أقوال جمهور الفقهاء أنّ عليها أن تتحرّى ، فإن وقع أكبر رأيها على أنّها حائض أعطيت حكمه ، وإن وقع أكبر رأيها على أنّها طاهرة أعطيت حكم الطّاهرات ، لأنّ غلبة الظّنّ من الأدلّة الشّرعيّة .
وأمّا إذا تحيّرت ولم يغلب على ظنّها شيء ، فهي المتحيّرة أو المضلّة ، فعليها الأخذ بالأحوط في الأحكام . ولتفصيل أحكامها يرجع إلى مصطلح ( حيض ، استحاضة ) .
ثانياً : معرفة القبلة بالاستدلال والتّحرّي :
11 - إنّ المصلّي إذا كان قادراً على استقبال القبلة ، وكان بمكّة وفي حال مشاهدة الكعبة ومعاينته لها ، فلا خلاف بين الفقهاء في أنّ عليه التّوجّه إلى عين الكعبة ، ومقابلة ذاتها . وإن كان نائياً عن الكعبة غائباً عنها : فذهب الحنفيّة إلى أنّه يكفيه استقبال جهة الكعبة باجتهاد ، وليس عليه إصابة العين ، وهو الأظهر عند المالكيّة والحنابلة ، وهو قول للشّافعيّ .
والأظهر عند الشّافعيّة ، وهو قول للمالكيّة ، ورواية عن الحنابلة : أنّه تلزمه إصابة العين . ولا يجوز الاجتهاد عند جمهور الفقهاء مع وجود محاريب الصّحابة ، وكذلك محاريب المسلمين الّتي تكرّرت الصّلوات إليها .
كما أنّه لا يجوز الاجتهاد إذا كان بحضرته من يسأله من أهل المكان العالم بها ، بشرط كونه مقبول الشّهادة ، فالذّمّيّ والجاهل والفاسق والصّبيّ لا يعتدّ بإخباره في هذا المجال .
فإذا عجز المصلّي عن إصابة عين الكعبة والتّوجّه إلى جهتها استدلالاً بالمحاريب المنصوبة القديمة ، أو سؤال من هو عالم بالقبلة ، ممّن تقبل شهادته من أهل المكان : فإن كان من أهل الاجتهاد في أمر القبلة ، فعليه الاجتهاد . والمجتهد في القبلة هو : العالم بأدلّتها وهي : النّجوم ، والشّمس ، والقمر ، والرّياح ، والجبال ، والأنهار وغير ذلك من الوسائل والمعالم ، وإن كان جاهلاً بأحكام الشّرع . فإنّ كلّ من علم بأدلّة شيء كان من المجتهدين فيه ، وإن جهل غيره . وإن كان غير عالم بأدلّتها ، أو كان أعمى فهو مقلّد وإن علم غيرها . فالمصلّي القادر على الاجتهاد إن صلّى بغير اجتهاد ، فالمتبادر من أقوال جمهور الفقهاء أنّه لا تجوز صلاته ، وإن وقعت إلى القبلة ، وكذلك إذا أدّاه الاجتهاد إلى جهة فصلّى إلى غيرها ، ثمّ تبيّن أنّه صلّى إلى الكعبة ، فصلاته باطلة عند الأئمّة الأربعة ، لتركه الواجب ، كما لو صلّى ظانّاً أنّه محدث ثمّ تبيّن أنّه متطهّر . ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح : ( استقبال ) .
12 - من عجز عن معرفة القبلة بالاستدلال ، بأن خفيت عليه الأدلّة لحبس أو غيم ، أو التبست عليه أو تعارضت ، ولم يكن هناك من يخبره اختلف الفقهاء في ذلك ، فذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند المالكيّة : إلى أنّ عليه التّحرّي وتصحّ صلاته ، لأنّ التّكليف بحسب الوسع والإمكان ، وليس في وسعه إلاّ التّحرّي . والمشهور عند الشّافعيّة أنّه يصلّي كيف كان لحرمة الوقت ، سواء أكان في الوقت سعة أم لا ، ويقضي لندرة حصول ذلك . والأصل في هذا الباب ما روي عن عامر بن ربيعة أنّه قال : « كنّا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ، فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كلّ رجل منّا على خياله ، فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فنزل قول اللّه تعالى : { فأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجهُ اللّه } » وقال عليّ رضي الله تعالى عنه :" قبلة المتحرّي جهة قصده ".
ثالثاً : التّحرّي في الصّلاة :
13 - من شكّ في الصّلاة فلا يدري كم صلّى ، فعند الحنفيّة إن كان يعرض له الشّكّ كثيراً في الصّلاة ، وكان له رأي تحرّى ، وبنى على أكبر رأيه ، لقوله عليه الصلاة والسلام :
« من شكّ في الصّلاة فليتحرّ الصّواب » .
وعند المالكيّة يبني على الأقلّ ، ويأتي بما شكّ فيه مطلقاً .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا شكّ في أثناء الصّلاة فعليه الأخذ بالأقلّ ، ويسجد للسّهو . ولو شكّ بعد السّلام فقولان عندهم :
أحدهما : أن يقوم إلى التّدارك ، كأنّه لم يسلّم .
والثّاني : أنّه لا يعتبر بعد الفراغ لما فيه من العسر .
وأمّا الحنابلة فيفرّقون بين الإمام والمنفرد في المشهور من مذهبهم . فمن كان إماماً وشكّ فلم يدر كم صلّى تحرّى وبنى على غالب ظنّه ، وأمّا المنفرد فيبني على اليقين ( الأقلّ ) ، وفي رواية يبني على غالب ظنّه كالإمام ، هذا إذا كان له رأي ، أمّا إذا استوى عنده الأمران بنى على اليقين إماماً كان أو منفرداً .
رابعاً : التّحرّي في الصّوم :
14 - من كان محبوساً أو كان في بعض النّواحي النّائية عن الأمصار ، أو بدار حرب بحيث لا يمكنه التّعرّف على الأشهر بالخبر واشتبه عليه شهر رمضان : فقد اتّفق الفقهاء على أنّه يجب عليه التّحرّي والاجتهاد في معرفة شهر رمضان ، لأنّه أمكنه تأدية فرض بالتّحرّي والاجتهاد ، فلزمه كاستقبال القبلة .
فإذا غلب على ظنّه عن أمارة تقوم في نفسه دخول شهر رمضان صامه ، ثمّ إن تبيّن أنّه أصاب شهر رمضان ، أو لم ينكشف له الحال أجزأه في قول عامّة الفقهاء ، لأنّه أدّى فرضه بالاجتهاد ، وأدرك ما هو المقصود بالتّحرّي .
وإن تبيّن أنّه صام شهراً قبله ، فذهب الأئمّة الثّلاثة ، والشّافعيّة في الصّحيح من المذهب أنّه لا يجزئه ، لأنّه أدّى العبادة قبل وجود سبب وجوبها فلم تجزئه كمن صلّى قبل الوقت . وعند الشّافعيّة قول في القديم في حالة تبيّن الأمر بعد رمضان أنّه يجزئ ، لأنّه عبادة تفعل في السّنة مرّةً ، فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ .
أمّا إن تبيّن أنّه صام شهراً بعده ، جاز عند جمهور الفقهاء ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ، وذلك بشرطين : إكمال العدّة ، وتبييت النّيّة لشهر رمضان ، لأنّه قضاء ، وفي القضاء يعتبر هذان الشّرطان ، وفي قول للشّافعيّة أنّه أداء للعذر ، لأنّ العذر قد يجعل غير الوقت وقتاً كما في الجمع بين الصّلاتين .
وعلى هذا فإن كان الشّهر الّذي صامه ناقصاً ، ورمضان الّذي صامه النّاس تامّاً ، صام يوماً ، لأنّ صوم شهر آخر بعده يكون قضاءً ، والقضاء يكون على قدر الفائت .
وعلى القول الثّاني للشّافعيّة - بأنّه يقع أداءً - يجزئه ولو صامه ناقصاً وصام النّاس رمضان تامّاً ، لأنّ الشّهر يقع ما بين الهلالين . وكذلك إن وافق بعض رمضان دون بعض ، فما وافق رمضان أو بعده أجزأه ، وما وافق قبله لم يجزئه .
وأمّا إن ظنّ أنّ الشّهر لم يدخل فصام لم يجزئه ، ولو أصاب ، وكذا لو شكّ في دخوله ولم يغلب على ظنّه دخوله . وإن صام من اشتبهت عليه الأشهر بلا اجتهاد وهو قادر عليه ، وبلا تحرّ ، لا يجزئه كمن خفيت عليه القبلة .
ومن شكّ في الغروب في يوم غيم ولم يتحرّ لا يحلّ له الفطر ، لأنّ الأصل بقاء النّهار .
خامساً : التّحرّي في معرفة مستحقّي الزّكاة :
15 - من شكّ في حال من يدفع له الزّكاة لزمه التّحرّي : فإن وقع في أكبر رأيه أنّه فقير دفع إليه ، فإذا ظهر أنّه فقير أو لم يظهر من حاله شيء جاز بالاتّفاق ، وإن ظهر أنّه كان غنيّاً فكذلك في قول أبي حنيفة ومحمّد ، وهو قول أبي يوسف الأوّل ، وفي قوله الآخر تلزمه الإعادة ، وهو قول للشّافعيّ .
وعند المالكيّة : إن دفع الزّكاة باجتهاد لغير مستحقّ في الواقع كغنيّ ، أو كافر مع ظنّه أنّه مستحقّ ، لم تجزه . أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فروايتان : إحداهما يجزئه ، والأخرى لا يجزئه . ولمعرفة تفصيل أحكام ذلك يرجع إلى مصطلح : ( زكاة ) .
سادساً : التّحرّي بين الأقيسة المتعارضة :
16 - إذا وقع التّعارض بين القياسين ، ولم يكن هناك دليل لترجيح أحدهما على الآخر ، ولم يقع اختياره على أحدهما بالعمل به ، فيجب التّحرّي ، خلافاً للإمام الشّافعيّ ، فإنّه يقول : لا يجب التّحرّي ، بل للمجتهد أن يعمل بأيّهما شاء ، وعلى هذا الخلاف ، التّحرّي في قول صحابيّين عند من يقول بحجّيّة قول الصّحابيّ ، والتّفصيل في الملحق الأصوليّ .
مواطن البحث :
17 - ورد ذكر التّحرّي في فصول كثيرة من كتب الفقه منها : كتاب الصّلاة عند الكلام عن استقبال القبلة ، وسجدة السّهو ، وأبواب الحيض والطّهارة ، والصّوم ، وخصّص صاحب المبسوط للتّحرّي كتاباً مستقلّاً بعنوان ( كتاب التّحرّي ) ، كما أنّه يرجع لتفصيل أحكامه إلى مصطلحات ( استقبال ، واستحاضة ، واشتباه ) .

تحريش *
التّعريف :
1 - التّحريش في اللّغة : إغراء الإنسان أو الحيوان ليقع بقرنه ، أي نظيره . يقال : حرّش بين القوم إذا أفسد بينهم ، وأغرى بعضهم ببعض .
قال الجوهريّ : التّحريش : الإغراء بين القوم ، أو البهائم ، كالكلاب والثّيران وغيرهما ، بتهييج بعضها على بعض ، ففي التّحريش تسليط للمحرّش على غيره . ويقال في تسليط الكلب المعلّم نحوه على الصّيد : إشلاء .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ للتّحريش عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّحريض :
2 - التّحريض : الحثّ على القتال وغيره ، وهو يكون في الخير والشّرّ ، ويغلب استعماله فيما يكون الحثّ فيه لطرف ، أمّا التّحريش فيكون فيه الحثّ لطرفين .
الحكم التّكليفيّ :
3 - التّحريش بين النّاس بقصد الإفساد حرام ، لأنّه وسيلة لإفساد ذات البين ، واللّه لا يحبّ الفساد . ومن صور التّحريش : النّميمة . قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ألا أخبركم بأفضلَ من درجةِ الصّيام والصّلاة والصّدقة ؟ قالوا : بلى . قال : صلاح ذات البَيْن ، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة » أمّا تحريش الحيوان - بمعنى الإغراء والتّسليط والإرسال بقصد الصّيد - فمباح كإرسال الكلب المعلّم ، وما في معناه من الحيوانات .
ولا خلاف بين الفقهاء في حرمة التّحريش بين البهائم ، بتحريض بعضها على بعض وتهييجه عليه ، لأنّه سفه ويؤدّي إلى حصول الأذى للحيوان ، وربّما أدّى إلى إتلافه بدون غرض مشروع .
وجاء في الأثر : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن التّحريش بين البهائم » . ويحرم التّحريش بين المسلمين بقصد الإفساد وإثارة الفتنة بينهم . وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ الشّيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب ، ولكن في التّحريش بينهم » . أمّا الإغراء على فعل مشروع فيسمّى تحريضاً ، ومنه التّحريض على ركوب الخيل ، والتّدرّب على الرّمي ، وفنون القتال وهو جائز .
وقال بعض الفقهاء : إنّه مستحبّ . وتفصيله في ( تحريض ) .

تحريض *
التّعريف :
1 - التّحريض في اللّغة : التّحضيض والحثّ على القتال وغيره والإحماء عليه . وجاء في التّنزيل : { فقاتلْ في سبيلِ اللّه لا تُكَلَّفُ إلاّ نفسَك وحرِّض المؤمنين } .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
وقريب من التّحريض الحثّ والتّحريش والإغراء والتّهييج .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّثبيط :
2 - التّثبّط مصدر ثبّطه عن الأمر تثبيطاً : شغله عنه وعوَّقه . ونحوه التّخذيل ، وهو : حمل أنصار الشّخص على ترك عونه وتثبيطه عن نصرته . فالتّثبيط ضدّ التّحريض .
ب - الإرجاف :
3 - الإرجاف مصدر : أرجف في الشّيء : خاض فيه ، وأرجف القوم : إذا خاضوا في الأخبار السّيّئة وذكر الفتن . قال اللّه تعالى : { والمرْجِفون في المدينة } وهم الّذي يولّدون الأخبار الكاذبة الّتي يكون معها اضطراب في النّاس .
فالإرجاف وسيلة من وسائل التّثبيط الّذي هو ضدّ التّحريض .
ج - التّحريش :
4 - التّحريش : إغراء الإنسان أو الحيوان ليقع بقرنه أي نظيره . ولا يكون استعماله إلاّ في الشّرّ ، وهو فيما يكون الحثّ فيه لطرفين . أمّا التّحريض فيكون الحثّ فيه لطرف .
الحكم التّكليفيّ :
5 - يختلف حكم التّحريض باختلاف موضوعه :
فالتّحريض على القتال في الجهاد مأمور به ، وكذلك التّحريض على البرّ والإحسان ، كإطعام المساكين والأيتام . والتّحريض في الفساد ، وأنواع المنكر حرام .
وتحريض السّبع الضّاري ، والكلب العقور على إنسان معصوم الدّم أو مال محترم حرام وموجب للضّمان ، بتفصيل يأتي .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:07 PM

تحريض المجاهدين على القتال :
6 - يسنّ للإمام والأمير إذا جهّز جيشاً أو سريّةً للخروج إلى الجهاد أن يحرّضهم على القتال وعلى الصّبر والثّبات . لقوله تعالى : { فقاتلْ في سبيلِ اللّه لا تُكَلَّفُ إلاّ نفسَك وحرِّض المؤمنين } وقوله تعالى : { يا أيّها النّبيّ حرِّض المؤمنينَ على القتالِ }
وتفصيله في باب الجهاد .
التّحريض على المسابقة :
7 - يسنّ تحريض الرّجال على المسابقة والمناضلة وركوب الخيل . ويجوز للإمام أن يدفع العوض من بيت المال ، ومن ماله الخاصّ ، كما يجوز للأفراد أيضاً أن يدفعوه ، لأنّه بذل في طاعة ، ويثاب عليه . لأنّ ذلك من الإعداد الّذي أمر اللّه به في قوله عزّ من قائل : { وأَعِدُّوا لهم ما استطعتم من قُوَّةٍ ومن رِباطِ الخيلِ }
ولخبر : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خرج يوماً على قوم يتناضلون فقال : ارموا بني إسماعيل فإنّ أباكم كان رامياً » ولخبر : « ألا إنّ القوّة الرّمي ، ألا إنّ القوّة الرّمي » ، ولخبر : { إنّ اللّه يدخل الجنّة بالسّهم الواحد ثلاثةً : صانعه يحتسب في صنعه الخير ، والرّامي به ، ومنبّله » إلخ . والتّفصيل في ( السّباق ) .
تحريض الحيوان :
8 - إذا حرّض حيواناً فجنى على إنسان فعليه الضّمان لتسبّبه ، هذا رأي المالكيّة والحنابلة . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا كان في موضع واسع كالصّحراء فقتله فلا ضمان ، لأنّه لم يلجئه إلى قتله ، والّذي وجد منه ليس بمهلك . أمّا إذا كان في موضع ضيّق ، أو كان الحيوان ضارياً شديد العدو لا يتأتّى الهرب منه في الصّحراء ، وجب عليه الضّمان إذا قتل في الحال . وعند الأحناف : لا يضمن . والتّفصيل في ( الجنايات ) .
تحريض المحرم كلباً على صيد :
9 - إذا حرّض محرم كلباً على صيد ضمن ، كحلال في الحرم بجامع التّسبّب فيهما . والتّفصيل في ( الإحرام ) .

تحريف *
التّعريف :
1 - التّحريف لغةً : مصدر حرّف الشّيء : إذا جعله على جانب ، أو أخذ من جانبه شيئاً ، وتحريف الكلام عن مواضعه تغييره والعدول به عن جهته ، ومنه قوله تعالى في اليهود :
{ يُحرِّفونَ الكَلِمَ عن مَوَاضِعه } أي يغيّرونه .
والتّحريف في الاصطلاح : التّغيير في الكلمة بتبديل في حركاتها ، كالفلك والفلك ، والخلق والخلق . أو تبديل حرف بحرف ، سواء اشتبها في الخطّ أم لا ، أو كلمة بكلمة نحو ( سرى بالقوم ) ( وسرى في القوم ) أو بالزّيادة في الكلام أو النّقص منه ، أو حمله على غير المراد منه . وخصّه بعضهم في علم أصول الحديث بتبديل الكلمة بكلمة أخرى تشابهها في الخطّ والنّقط ، وتخالفها في الحركات ، كتبديل الخلق بالخلق ، والقدم بالقدم ، وهذا اصطلاح ابن حجر على ظاهر ما في نخبة الفكر وشرحها ، جعله مقابلاً للتّصحيف .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّصحيف :
2 - التّصحيف هو تغيير اللّفظ حتّى يتغيّر المعنى المراد ، وأصله الخطأ ، يقال : صحّفه فتصحّف ، أي غيّره فتغيّر حتّى التبس .
والتّصحيف في الاصطلاح اختلف فيه على قولين : قيل : هو كلّ تغيير في الكلمة سواء بسبب اختلاف النّقط أو الشّكل أو بتبديل حرف بحرف أو كلمة بكلمة ، وهذا الّذي جرى عليه اصطلاح أغلب المحدّثين قبل ابن حجر ، منهم الخطيب في الكفاية ، والحاكم في معرفة علوم الحديث ، والنّوويّ في التّقريب ، وابن الصّلاح وغيرهم . وهو بهذا المعنى قريب من التّحريف ، إلاّ أنّ التّحريف أشمل ، إذ يدخل فيه تغيير المعنى مع بقاء اللّفظ على حاله . فيكون التّصحيف هو التّحريف في نقط الكلمة أو شكلها أو حروفها . وما سوى ذلك فهو التّحريف في المعنى .
أمّا ابن حجر ومن تابعه فقد ذهبوا إلى أنّ التّصحيف خاصّ بتبديل الكلمة بكلمة أخرى تشابهها في الخطّ وتخالفها في النّقط ، وهو اصطلاح العسكريّ في كتابه ( شرح التّصحيف والتّحريف ) وذلك كتبديل الغدر بالعذر ، والخطب بالحطب .
وإنّما سمّي هذا النّوع من التّحريف تصحيفاً لأنّ الآخذ عن الصّحيفة قد لا يمكنه التّفريق بين الكلمة المرادة والكلمة الّتي تلتبس بها لمشابهتها في الصّورة ، بخلاف الآخذ من أفواه أهل العلم . وكان هذا الالتباس كثيراً قبل اختراع النّقط في القرن الثّاني الهجريّ ، وقلّ بعده ، إلاّ أنّه لم ينعدم حتّى عند من يلتزم به ، لأنّ النّقط قد تسقط ، وقد تنتقل عن مكانها ، فيحصل الالتباس .
ب - التّزوير :
3 - الزّور لغةً : الكذب ، والتّزوير : تزيين الكذب .
واصطلاحاً : كلّ قول أو عمل يراد به تزيين الباطل حتّى يظنّ أنّه حقّ ، سواء أكان ذلك في القول كشهادة الزّور ، أم الفعل كمحاكاة الخطوط أو النّقود بقصد إثبات الباطل . فالفرق بينه وبين التّحريف أنّ التّزوير يحدث به تغيير مقصود ، أمّا التّحريف فقد يتغيّر به الواقع وقد لا يتغيّر ، وقد يكون التّحريف مقصوداً أو غير مقصود ، ففيهما عموم وخصوص .
أنواع التّحريف والتّصحيف :
4 - التّحريف إمّا لفظيّ وإمّا معنويّ : فاللّفظيّ يكون في السّند ، كما صحّف الطّبريّ اسم عتبة بن النّدّر فقال فيه : ابن البذر . ويكون في المتن كما صحّف ابن لهيعة حديث « احتجر النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المسجد » فقال فيه « احتجم في المسجد » .
وينقسم اللّفظيّ قسمين : أوّلهما : ما يحسّ بالبصر ، كما سبق .
وثانيهما : ما يحسّ بالسّمع ، نحو حديث لعاصم الأحول رواه بعضهم فقال " واصل الأحدب " فذكر الدّارقطنيّ أنّه من تصحيف السّمع ، لا من تصحيف البصر ، كأنّه ذهب - واللّه أعلم - إلى أنّ ذلك لا يشتبه من حيث الكتابة وإنّما أخطأ فيه السّمع ممّن رواه كذلك .
وأمّا التّحريف المعنويّ : فهو ما يقع في المعنى بحمل اللّفظ على غير المراد منه بتأويل فاسد ، قصداً أو بدون قصد . ومن أمثلته : ما رواه محمّد بن المثنّى العنزيّ ، حدّث بحديث « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى إلى عَنَزة » . فقال : نحن قوم لنا شرف ، صلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلينا . وإنّما العنزة هنا : حربة نصبت بين يديه فصلّى إليها ، وليس المراد قبيلة عنزة . قال ابن الصّلاح : وأظرف من هذا أنّ أعرابيّاً زعم أنّه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلّى نصبت بين يديه شاة . أي صحّفها إلى عنزة بإسكان النّون .
حكم التّحريف والتّصحيف :
التّحريف إمّا أن يقصد به كتاب اللّه تعالى ، أو الأحاديث النّبويّة ، أو غيرهما من الكلام :
أ - التّحريف لكلام اللّه تعالى :
5 - ضمن اللّه تعالى أن يحفظ كتابه من التّبديل والتّحريف في ألفاظه ومبانيه حتّى يبقى إلى يوم القيامة كما أنزل ، قال تعالى : { إنّا نحن نَزّلْنا الذِكْر وإنّا له لحافظون } فعزل الشّياطين عن استماعه ، ورجمهم عند البعثة بالشّهب ، وجعل القرآن { في صُحُفٍ مكرَّمة مرفوعةٍ مطهَّرة بأَيْدي سَفَرةٍ كرامٍ بَرَرَةٍ } ولم يجعل اللّه تعالى لأحد من خلقه أن يبدّل كلامه أو يغيّر فيه ، قال اللّه تعالى : { وإذا تُتْلى عليهم آياتُنا بَيِّنات قال الّذين لا يَرْجون لِقاءَنا ائْتِ بقُرْآنٍ غيرِ هذا أو بَدِّلْه قل ما يكون لي أَنْ أُبَدِّلَه من تِلْقَاء نفسي إنْ أَتَّبِعُ إلاّ ما يُوحى إليَّ }
ودعت الشّريعة المسلمين إلى حفظ القرآن وتلاوته وضبطه ، فقامت الأمّة الإسلاميّة بذلك خير قيام ، بحيث أمن أن يتبدّل منه شيء ، ولو بدّل أحد حرفاً واحداً منه لوجد العشرات بل المئات من المسلمين كباراً وصغاراً ممّن يبيّنون ذلك التّحريف ، وينفون ذلك التّبديل .
وقد قصّ اللّه تعالى في كتابه ما فعله أهل الكتاب ، من تحريف لما لديهم من الكتب السّماويّة بالزّيادة أو الحذف أو التّغيير ، فقال : { وإنَّ منهم لَفَريقاً يَلْوُون ألسنَتَهم بالكتابِ لِتَحْسَبوه من الكتابِ وَمَا هو منَ الكتابِ ويقولون هوَ مِنْ عندِ اللّهِ وما هو من عندِ اللّهِ } وقال : { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعونَ كلامَ اللّهِ ثمّ يُحَرِّفونه من بعد ما عَقَلوه وهم يعلمون } وقال : { فَبِما نَقْضِهم ميثاقَهم لَعَنَّاهم وجعلنا قلوبَهم قاسيةً يُحَرِّفُون الكَلِمَ عن مواضِعه } وقال : { ومن الّذين هادُوا سَمَّاعون لِلْكَذب سَمَّاعون لِقَوْم آخرين لمْ يَأْتوك يحرِّفون الكَلِمَ مِنْ بعد مواضعه } .
ولأجل الأمن من أيّ تحريف أو تغيير في كلام اللّه تعالى التزم جمهور علماء الأمّة رسم خطّ المصحف العثمانيّ دون تغيير فيه ، مهما تغيّر اصطلاح الكتابة في العصور اللّاحقة .
قال الزّركشيّ : ولم يكن ذلك منهم كيف اتّفق ، بل على أمر عندهم قد تحقّق .
وقال أبو البقاء في كتاب اللّباب : ذهب جماعة من أهل اللّغة إلى كتابة الكلمة على لفظها ، إلاّ في خطّ المصحف ، فإنّهم اتّبعوا في ذلك ما وجدوه في المصحف الإمام .
وقال أشهب : سئل مالك رحمه الله : هل تكتب المصحف على ما أخذه النّاس من الهجاء ؟ فقال : لا ، إلاّ على الكتبة الأولى . رواه الدّانيّ ، ثمّ قال : ولا مخالف له من علماء الأمّة ، وقال الإمام أحمد : تحرم مخالفة خطّ مصحف عثمان " أي رسمه " في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك ، وقال أبو عبيد : اتّباع حروف المصحف عندنا كالسّنّة القائمة الّتي لا يجوز لأحد أن يتعدّاها إلاّ أنّ للإمام الشّوكانيّ في ذلك رأياً مخالفاً بيّنه في تفسيره عند قوله تعالى : { الّذين يَأْكلون الرِّبَوا } من سورة البقرة : قال : وقد كتبوه في المصحف بالواو ، وهذا مجرّد اصطلاح لا يلزم المشي عليه ، فإنّ هذه النّقوش الكتابيّة أمور اصطلاحيّة لا يشاحّ في مثلها ، إلاّ فيما كان يدلّ به على الحرف الّذي كان في أصل الكلمة ونحوه . قال : وعلى كلّ حال فرسم الكلمة وحمل نقشها الكتابيّ على ما يقتضيه اللّفظ بها هو الأولى أمّا التّغيير في القراءة بما يخرج عن رسم المصحف فلا يجوز أيضاً بوجه من الوجوه ، ولا يجوز التّغيير عمّا صحّت به الرّواية من الوجوه ولو احتملها رسم المصحف الإمام .
ويحصل الأمن من تحريف ألفاظ القرآن بالتّلقّي من أفواه القرّاء العالمين بالقراءة ، ولا ينبغي الاكتفاء بتعلّمها بمجرّد النّظر في المصحف .
أمّا تغيير المعنى بتفسير القرآن على غير الوجه المراد به ، فهو نوع شديد من التّحريف . وقد علم أنّ الواجب تفسير القرآن إمّا بالقرآن ، وإمّا بالسّنّة الصّحيحة ، وإمّا بمقتضى لسان العرب للعالمين به . وأمّا تفسيره بمجرّد الرّأي فلا يجوز ذلك شرعاً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ »
وإذا كان التّحريف لموافقة الهوى وتأييده كان فاعله أشدّ ضلالاً وإضلالاً ، فإنّ الإيمان بكتاب اللّه يقتضي أن يتّخذ الكتاب متبوعاً ، يأتمر المؤمنون بأمره ويقفون عند نهيه ، لا أن يجعل تابعاً للأهواء كما اتّخذته بعض الفرق الضّالّة .
هذا فيما قد يصنعه المفسّر من التّغيير والتّحريف للمعنى عن عمد ، وأمّا التّفسير المغيّر ، خطأ ، فإنّه ينبغي أن يحذر منه فلا يتصدّى للتّفسير إلاّ عالم بالقرآن عالم بالسّنن والعربيّة ، قد تعلّم أصول التّفسير ، وعرف ناسخ القرآن من منسوخه ، وعرف العموم والخصوص ونحو ذلك ممّا لا بدّ منه للمفسّر .
ب - التّحريف والتّصحيف للأحاديث النّبويّة :
حكم التّصحيف :
6 - يقول المحدّثون : إنّه لا يجوز على الصّحيح تعمّد تغيير صورة الحديث متناً أو إسناداً ، إلاّ لعالم بمدلولات الألفاظ ، عالم بما يحيل المعنى ، فله أن يغيّر على أن يتجنّب تحويل المعنى . والتّصحيف المقصود نوع من الرّواية بالمعنى .
أمّا ما يقع من التّصحيف والتّحريف على سبيل الخطأ ، فإنّ من وقع في روايته أشياء من ذلك فاحشة ، فيقال فيه : إنّه سيّئ الضّبط ، ويترك حديثه فلا يؤخذ به ، نقل أبو أحمد العسكريّ عن عبد اللّه بن الزّبير الحميديّ أنّ الغفلة الّتي يردّ بها حديث الرّجل الرّضا الّذي لا يعرف الكذب هي أن يكون في كتابه غلط ، فيقال له في ذلك ، فيحدّث بما قالوه ويغيّر في كتابه بقولهم ، لا يعرف فرق ما بين ذلك ، أو يصحّف تصحيفاً فاحشاً يقلب المعنى لا يعقل ذلك . ونقل عن يحيى بن معين أنّه قال : من حدّثك وهو لا يفرّق بين الخطأ والصّواب فليس بأهل أن يؤخذ عنه . على أنّ ما يقع من ذلك على سبيل النّدرة أو القلّة - ولا يكون فاحشاً - فلا يقدح في الرّاوي ، قال الإمام أحمد : ومن يعرى عن الخطأ والتّصحيف ؟
أمّا الحديث الّذي يقع فيه التّصحيف ، فما كان منه في المتن فهو قريب من الوضع ، وما كان في السّند فإنّه يصيّره ضعيفاً بذلك السّند .
إصلاح التّصحيف :
7 - في مقدّمة ابن الصّلاح ، والباعث الحثيث : إذا لحن الشّيخ فالصّواب أن يرويه عنه السّامع على الصّواب ، وهو محكيّ عن الأوزاعيّ وابن المبارك والجمهور .
وحكي عن ابن سيرين أنّه يرويه كما سمعه ملحوناً . قال ابن الصّلاح : وهذا غلوّ في مذهب اتّباع اللّفظ . وقال القاضي عياض : الّذي استمرّ عليه العمل أن ينقلوا الرّواية كما وصلت إليهم ولا يغيّروا في كتبهم ، كما وقع في الصّحيحين والموطّأ ، لكنّ أهل المعرفة ينبّهون على ذلك في الحواشي . ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها .
والأولى سدّ باب التّغيير والإصلاح ، لئلاّ يجسر على ذلك من لا يحسنه .
وعن عبد اللّه بن الإمام أحمد أنّ أباه كان يصلح الخطأ الفاحش ، ويسكت عن الخفيّ السّهل . وقال ابن كثير : ومن النّاس من إذا سمع الحديث ملحوناً عن الشّيخ ترك روايته ، لأنّه إن اتّبعه فالنّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن في كلامه ، وإن رواه عنه على الصّواب فلم يسمعه منه كذلك .
التّصحيف والتّحريف لغير القرآن والحديث :
8 - التّصحيف والتّحريف المتعمّد في الوثائق والسّجلّات ونحو ذلك نوع من التّزوير ، وحكمه التّحريم إن أسقط به حقّاً لغيره ، أو أثبت لنفسه أو غيره من الحقّ ما ليس له ، أو ألحق بأحد من النّاس ضرراً بغير حقّ . ومن فعله يستحقّ التّعزير . ( ر : تزوير ) .
توقّي التّحريف والتّصحيف :
9 - بيّن أهل الحديث الطّرق الّتي يتوقّى بها التّحريف والتّصحيف ، ومن ذلك :
أوّلاً : أخذ العلم من أفواه العارفين به المتقنين له ، فإنّ التّصحيف كثيراً ما ينشأ عن تشابه الحروف في الصّورة ، فتقرأ الكلمة على أكثر من وجه ، فإن أخذها الرّاوي عن فم الشّيخ أخذها على الوجه الصّحيح .
ثانياً : كتابة العلم المرويّ وضبط المكتوب لئلاّ يختلط بغيره . وذلك لأنّ الاعتماد على الذّاكرة وحدها لا يكفي ، وقد قال بعض السّلف : قيّدوا العلم بالكتاب .
ثالثاً : استكمال نقط الإعجام في الكتاب ، لتفرّق بين الحروف المتشابهة كالباء والتّاء والثّاء والنّون والياء ، وكالفاء والقاف . واستعمال الضّبط بالشّكل حيث يخشى التّحريف ، وربّما احتيج إلى الضّبط بالكلمات ، كقولهم " البرّ : بكسر الباء الموحّدة والرّاء المهملة » .
رابعاً : إتقان علوم اللّغة ، فإنّها كثيراً ما تكشف التّحريف والتّصحيف .
وقد أفرد العلماء لبيان ضبط ما يقبل أن يدخل التّحريف والتّصحيف في كتب العلم من الحديث وأسماء رجال الأسانيد وغيرها كتباً خاصّةً ، إذا قرأها طالب العلم أمن الغلط والتّحريف . وأفردوا كتباً أخرى لبيان ما وقع فعلاً من الأوهام في كتب الحديث وغيره وحذّروا في تآليفهم في علم أصول الحديث من التّصحيف ، وذكروا أمثلةً ممّا وقع منه كثيرةً يحصل بها التّنبّه للمزالق في هذا الباب . كما حذّروا من أن يروي الشّيخ حديثه بقراءة اللّحّان والمصحّف . وبيّنوا الطّرق الّتي استقرّت عندهم باستقراء ما ورد عن أئمّة الشّأن لكيفيّة ضبط الرّواية والسّماع والنّقل من الكتب ، وكتابة التّسميع ، والمقابلة بالأصول ، وضوابط الرّواية بالمعنى وغير ذلك ممّا يتحقّق به ضبط الرّواية لئلاّ يتحرّف الحديث عن وضعه الّذي كان عليه ، سواء في اللّفظ أو في المعنى .
وممّن تكلّم في ضبط الكلام المكتوب لئلاّ يدخله التّحريف المتكلّمون في أصول الفتيا ، فقالوا : لا ينبغي إذا ضاق موضع الفتيا في رقعة الجواب أن يكتب الجواب في رقعة أخرى خوفاً من الحيلة عليه ، ولهذا ينبغي أن يكون كلامه متّصلاً حتّى آخر سطر في الرّقعة ، فلا يدع فرجةً خوفاً من أن يثبت السّائل فيها غرضاً له ضارّاً . وقالوا : إن رأى المفتي في ورقة السّؤال بياضاً في أثناء بعض الأسطر أو في آخرها خطّ عليه وشغله ، لأنّه ربّما قصد المفتي أحد بسوء ، فكتب في ذلك البياض بعد فتياه ما يفسدها . وينبغي أن يكتب الجواب بخطّ واضح وسط ، ويقارب سطوره وأقلامه وخطّه لئلاّ يزوّر أحد عليه .
وهذا كما لا يخفى ينطبق على كتابة الوثائق والشّهادات وسائر ما تثبت به الحقوق .

تحريق *
انظر : إحراق .

تحريم *
التّعريف :
1- التّحريم في اللّغة : خلاف التّحليل وضدّه . والحرام : نقيض الحلال . يقال : حرم عليه الشّيء حرمةً وحراماً . والحرام : ما حرّم اللّه . والمحرّم : الحرام .
والمحارم : ما حرّم اللّه . وأحرم بالحجّ أو العمرة أو بهما : إذا دخل في الإحرام بالإهلال ، فيحرم عليه به ما كان حلالاً من قبل كالصّيد والنّساء ، فيتجنّب الأشياء الّتي منعه الشّرع منها كالطّيب والنّكاح والصّيد وغير ذلك .
والأصل فيه المنع ، فكأنّ المحرم ممتنع من هذه الأشياء ، ومنه حديث الصّلاة : « تحريمها التّكبير » فكأنّ المصلّي بالتّكبير والدّخول في الصّلاة صار ممنوعاً من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصّلاة وأفعالها ، فقيل للتّكبير : تحريم لمنعه المصلّي من ذلك .
والإحرام أيضاً بمعنى التّحريم . يقال : أحرمه وحرّمه بمعنًى . وهو في اصطلاح الأصوليّين : خطاب اللّه المقتضي الكفّ عن الفعل اقتضاءً جازماً ، بأن لم يجوّز فعله .
هذا في اصطلاح المتكلّمين من أهل الأصول ، أمّا أصوليّون الحنفيّة فيعرّفونه : بأنّه طلب الكفّ عن الفعل بدليل قطعيّ . كما في قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إنَّما الخمرُ والميْسِرُ والأنصابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عملِ الشّيطانِ فاجْتنبوه لعلَّكم تفلحون } . فقد ثبت التّحريم والأمر بالكفّ بالنّصّ القرآنيّ القاطع . وكتحريم الرّبا في قوله تعالى : { وحرَّمَ الرِّبا } . وأورد البركيّ في تعريفاته الفقهيّة تعريف التّحريم فقال : هو جعل الشّيء محرّماً .
وإنّما خصّت التّكبيرة الأولى في الصّلاة بالتّحريمة ، لأنّها تحرّم الأمور المباحة قبل الشّروع في الصّلاة دون سائر التّكبيرات .
هذا وللتّحريم إطلاق آخر حين يصدر من غير الشّارع ، كتحريم الزّوج زوجته على نفسه ، أو تحريم بعض المباحات بيمين أو بغيرها ، ومعناه هنا : المنع .
الألفاظ ذات الصّلة :
الكراهة :
2 - الكراهة ، والكراهية : خطاب الشّارع المقتضي الكفّ عن الفعل اقتضاءً غير جازم . كالنّهي في حديث الصّحيحين « إذا دخل أحدُكم المسجدَ فلا يجلس حتّى يصلّي ركعتين » وفي حديث ابن ماجه وغيره « لا تصلّوا في أَعْطان الإِبل فإنّها خُلِقَتْ من الشّياطين » .
والتّحريم وكراهة التّحريم : يتشاركان في استحقاق العقاب بترك الكفّ ، ويفترقان في أنّ التّحريم : ما تيقّن الكفّ عنه بدليل قطعيّ . والمكروه ما ترجّح الكفّ عنه بدليل ظنّيّ .
وفي مراقي الفلاح : المكروه : ما كان النّهي فيه بظنّيّ . وهو قسمان : مكروه تنزيهاً وهو ما كان إلى الحلّ أقرب ، ومكروه تحريماً وهو ما كان إلى الحرام أقرب . فالفعل إن تضمّن ترك واجب فمكروه تحريماً ، وإن تضمّن ترك سنّة فمكروه تنزيهاً ، لكن تتفاوت كراهته في الشّدّة والقرب من التّحريم بحسب تأكّد السّنّة .
الحكم الإجماليّ :
تحريم الشّارع يرجع في تفصيله إلى المصطلح الأصوليّ .
أمّا تحريم المكلّف ما هو حلال فيتعلّق به ما يلي من الأحكام :
أوّلاً - تحريم الزّوجة :
3 - من قال لزوجته : أنت عليّ حرام يسأل عن نيّته . فإن قال : أردت الكذب ، فهو كما قال ، لأنّه نوى حقيقة كلامه . وقيل : لا يصدّق في القضاء ، لأنّه يمين ظاهراً ، لأنّ تحريم الحلال يمين بالنّصّ ، وهو قول اللّه تبارك وتعالى : { يا أيّها النّبيّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحلَّ اللّهُ لك } إلى قوله : { قد فرضَ اللّهُ لكم تَحِلَّةَ أيمانِكم } فلا يصدّق في القضاء في نيّته خلاف الظّاهر وهذا هو الصّواب على ما عليه العمل والفتوى . وإن قال : أردت الطّلاق ، فهي تطليقة بائنة ، إلاّ أن ينوي الثّلاث . وإن قال : أردت الظّهار فهو ظهار ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمّد : ليس بظهار ، لانعدام التّشبيه بالمحرّمة وهو الرّكن فيه . ولهما أنّه أطلق الحرمة ، وفي الظّهار نوع حرمة ، والمطلق يحتمل المقيّد .
وإن قال : أردت التّحريم أو لم أرد به شيئاً ، فهو يمين يصير به مولياً . وصرف بعض الحنفيّة لفظة التّحريم إلى الطّلاق من غير نيّة بحكم العرف ، لأنّ العادة جرت فيما بين النّاس في زماننا أنّهم يريدون بهذا اللّفظ الطّلاق . قال بذلك أبو اللّيث .
وإن قال لها : أنا عليك حرام وينوي الطّلاق : فهي طالق .
وإن قال لها : أنت عليّ حرام كظهر أمّي ونوى به طلاقاً أو إيلاءً : لم يكن إلاّ ظهاراً عند أبي حنيفة ، وقالا : هو على ما نوى لأنّ التّحريم يحتمل كلّ ذلك ، غير أنّ عند محمّد إذا نوى الطّلاق لا يكون ظهاراً ، وعند أبي يوسف يكونان جميعاً ، ولأبي حنيفة أنّه صريح في الظّهار فلا يحتمل غيره .
أمّا إذا كان بلفظ الظّهار صريحاً كأن قال لها : أنت عليّ كظهر أمّي ، فلا ينصرف لغير الظّهار ، وبه حرمت عليه ، فلا يحلّ له وطؤها ولا مسّها ولا تقبيلها ، حتّى يكفّر عن ظهاره لقوله تعالى : { والّذين يُظَاهِرونَ من نسائِهم ثمَّ يَعُودونَ لِمَا قالوا فتحريرُ رقَبَةٍ من قبلِ أنْ يَتَماسّا } إلى قوله : { فمنْ لم يجدْ فصيامُ شهرين متتابعين من قبل أنْ يتماسّا فمنْ لم يستطع فإطعامُ ستِّينَ مسكيناً } . فإن وطئها قبل أن يكفّر استغفر اللّه تعالى ولا شيء عليه غير الكفّارة الأولى ، ولا يعود حتّى يكفّر ، لقوله عليه الصلاة والسلام للّذي واقع في ظهاره قبل الكفّارة : « فاعتزلها حتّى تكفّر عنك » ولو كان شيء آخر واجباً لنبّه عليه .
ولو قال : أنت عليّ حرام كأمّي يحتمل الطّلاق والظّهار . فإن قال : أردت الظّهار أو الطّلاق فهو على ما نوى ، لأنّه يحتمل الوجهين : الظّهار لمكان التّشبيه ، والطّلاق لمكان التّحريم . وإن لم تكن له نيّة : فعلى قول أبي يوسف إيلاء ، وعلى قول محمّد ظهار . هذا وتحريم الزّوجة بأربعة طرق : الطّلاق ، والإيلاء ، واللّعان ، والظّهار . وهذا ما قال به الحنفيّة .
4 - وعند المالكيّة : لو قال لزوجته : أنت عليّ حرام فهو البتات ( البينونة الكبرى ) .
ولو قال لها : أنت عليّ ككلّ شيء حرّمه الكتاب ، فإنّه حرّم الميتة والدّم ولحم الخنزير ، فهو بمنزلة ما لو قال لها : أنت كالميتة والدّم ، فيلزمه البتات ، وهو مذهب ابن القاسم وابن نافع . وفي المدوّنة : قال ربيعة : من قال : أنت مثل كلّ شيء حرّمه الكتاب ، فهو مظاهر ، وهو قول ابن الماجشون .
5- وقال الشّافعيّة : إذا قال لزوجته : أنت عليّ حرام أو حرمتك ، ونوى طلاقاً أو ظهاراً حصل المنويّ ، وهم كالحنفيّة ، والحنابلة في المشهور عن أحمد فيما إذا نوى الطّلاق يكون طلاقاً إلاّ أنّه يكون رجعيّاً . فإن نوى عدداً فإنّه يقع ما نواه وهم كرأي أبي حنيفة إذا نوى الظّهار يكون ظهاراً عندهم ، كما هو ظهار عنده .
فإن نواهما : أي الطّلاق والظّهار معاً تخيّر وثبت ما اختاره منهما . وقيل : الواقع طلاق لأنّه أقوى بإزالته الملك ، وقيل : ظهار ، لأنّ الأصل بقاء النّكاح ، ولا يثبتان جميعاً لأنّ الطّلاق يزيل النّكاح ، والظّهار يستدعي بقاءه .
وإن نوى تحريم عينها أو فرجها أو وطئها لم تحرم عليه ، وعليه كفّارة يمين .
إن أطلق قوله : أنت عليّ حرام ولم ينو شيئاً فقولان :
أظهرهما : وجوب الكفّارة . وقوله : أنت عليّ حرام صريح في لزوم الكفّارة .
والثّاني : لا شيء عليه ، وهذا اللّفظ كناية في لزوم الكفّارة .
وإن قال لها : أنت عليّ حرام . أنت عليّ حرام ونوى التّحريم . فإن قال ذلك في مجلس أو قاله في مجالس ونوى التّأكيد فعليه كفّارة واحدة . وإن قاله في مجالس ونوى الاستئناف تعدّدت الكفّارة على الأصحّ ، وقيل : عليه كفّارة فقط . وإن أطلق فقولان . ولو قال : أنت عليّ حرام كالميتة والدّم والخمر والخنزير ، وقال : أردت الطّلاق أو الظّهار صدّق ، وإن نوى التّحريم لزمته الكفّارة ، وإن أطلق فظاهر النّصّ أنّه كالحرام فيكون على الخلاف .
6- وعند الحنابلة : إذا قال لزوجته : أنت عليّ حرام وأطلق ، فهو ظهار ، لأنّه تحريم للزّوجة بغير طلاق ، فوجب به كفّارة الظّهار ، كما لو قال : أنت عليّ حرام كظهر أمّي .
وإن نوى غير الظّهار ، فعن أحمد في رواية جماعة : أنّه ظهار ، نوى الطّلاق أو لم ينوه . وقيل : إذا نوى بقوله : أنت عليّ حرام اليمين كان يميناً ، وعليه كفّارة يمين . فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما : إذا حرّم الرّجل عليه امرأته فهي يمين يكفّرها . وقال : { لقد كان لكمْ في رسولِ اللّهِ أسوةٌ حسنةٌ } ولأنّ اللّه تعالى قال : { يا أيّها النّبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحلَّ اللّهُ لك تبتغي مَرضاةَ أزواجكَ واللّهُ غفورٌ رحيمٌ قد فَرضَ اللّهُ لكم تَحِلَّةَ أيمانِكم } فجعل الحرام يميناً . وإن قال : أعني بأنت عليّ حرام الطّلاق فهو طلاق ، وهو المشهور عن أحمد . وإن نوى به ثلاثاً فهي ثلاث ، لأنّه أتى في تفسيره للتّحريم بالألف واللّام الّتي للاستغراق ، فيدخل فيه الطّلاق كلّه . وإن قال : أعني به طلاقاً فهو واحدة ، لأنّه ذكره منكّراً فيكون طلاقاً واحداً . وإن قال : أنت عليّ كظهر أمّي ونوى به الطّلاق لم يكن طلاقاً ، لأنّه صريح في الظّهار ، ولا ينصرف إلى غيره ، فلم يصحّ كنايةً في الطّلاق ، كما لا يكون الطّلاق كناية الظّهار .
وإن قال : أنت عليّ كالميتة والدّم ، ونوى به الطّلاق كان طلاقاً ، ويقع به من عدد الطّلاق ما نواه ، وإن لم ينو شيئاً وقعت واحدة .
وإن نوى الظّهار : وهو أن يقصد تحريمها عليه مع بقاء نكاحها ، احتمل أن يكون ظهاراً ، واحتمل أن لا يكون ظهاراً . وإن نوى اليمين : وهو أن يريد بذلك ترك وطئها لا تحريمها ولا طلاقها فهو يمين . وإن لم ينو شيئاً لم يكن طلاقاً ، لأنّه ليس بصريح في الطّلاق ولا نواه به . وهل يكون ظهاراً أو يميناً ؟ على وجهين . أحدهما يكون ظهاراً ، والثّاني يكون يميناً .
7- وإن نوى بقوله : أنت عليّ حرام الظّهار فهو ظهار على ما قاله به جمهور الفقهاء ( أبو حنيفة وأبو يوسف والشّافعيّ وأحمد ) وإن نوى به الطّلاق فهو طلاق ، وإن أطلق ففيه روايتان : إحداهما هو ظهار ، والأخرى يمين .
وإن قال : أنت عليّ حرام ، ونوى الطّلاق والظّهار معاً كان ظهاراً ولم يكن طلاقاً ، لأنّ اللّفظ الواحد لا يكون ظهاراً وطلاقاً ، والظّهار أولى بهذا اللّفظ ، فينصرف إليه ، وعند بعض أصحاب الشّافعيّ يتخيّر ، فيقال له : اختر أيّهما شئت كما سبق القول .
ولا خلاف بين عامّة الفقهاء في أنّه يحرم على المظاهر وطء امرأته قبل التّكفير عن ظهاره ، على نحو ما سبق بيانه .
ثانياً : تحريم الحلال :
8 - الأصل في الأشياء الإباحة حتّى يقوم الدّليل على تحريمها ، وبه قال الشّافعيّة وبعض الحنفيّة ومنهم الكرخيّ ويعضّد هذا قوله صلى الله عليه وسلم : « ما أحلّ اللّه فهو حلال ، وما حرّم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من اللّه عافيته ، فإنّ اللّه لم يكن لينسى شيئاً » وروى الطّبرانيّ من حديث أبي ثعلبة : « إنّ اللّه فرض فرائض فلا تضيّعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها ، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » وفي لفظ « وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلّفوها رحمةً لكم فاقبلوها » وروى التّرمذيّ وابن ماجه من حديث سلمان رضي الله عنه « أنّه صلى الله عليه وسلم سئل عن الجبن والسّمن والغذاء فقال : الحلال ما أحلّ اللّه في كتابه ، والحرام ما حرّم اللّه في كتابه ، وما سكت عنه فهو ممّا عفا عنه » .
وقد نزل في تحريم الحلال قول اللّه تبارك وتعالى : { يا أيّها النّبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحلَّ اللّهُ لكَ } إلى قوله سبحانه { قد فَرَضَ اللّهُ لكم تَحِلَّةَ أَيمانِكم } ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش رضي الله عنه فيشرب عندها عسلاً . قال : فتواطأت أنا وحفصة أنّ أيّتنا ما دخل عليها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلْتقل : إنّي أجد منك ريحَ مغافير . أكلتَ مغافير ؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك . فقال : بلْ شربتُ عَسَلاً عند زينبَ بنت جحش ، ولن أعود له فنزل قوله تعالى : { لِمَ تحرّمُ ما أحلَّ اللّهُ لكَ } إلى قوله : { إن تتوبا } لعائشة وحفصة » .
وفي قول : إنّ الّتي حرّمها هي مارية القبطيّة ، فقد روى الهيثم بن كليب عن عمر رضي الله عنه قال : « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لحفصة رضي الله عنها : لا تخبري أحداً وإنّ أمّ إبراهيم يعني مارية عليّ حرام ، فقالت : أتحرّم ما أحلّ اللّه لك ؟ قال : فواللّه لا أقربها ، قال : فلم يقربها حتّى أخبرت عائشة . قال : فأنزل اللّه تعالى : { قد فرضَ اللّهُ لكم تَحِلَّةَ أيمانِكم } » . وقد روى ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال : « حرّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمّ إبراهيم فقال : أنت عليّ حرام ، واللّه لا آتينك فأنزل اللّه عزّ وجلّ في ذلك { يا أيّها النّبيُّ لِمَ تُحرّمُ ما أحلَّ اللّهُ لكَ } » . فهذه روايات وردت في سبب نزول هذه الآية . والتّحريم الوارد فيها يمين تلزم به كفّارة يمين ، لقول اللّه تبارك وتعالى : { قد فرضَ اللّهُ لكم تَحِلَّةَ أيمانِكم } وليس تحريماً لما أحلّ اللّه ، لأنّ ما لم يحرّمه اللّه ليس لأحد أن يحرّمه ، ولا أن يصير بتحريمه حراماً ، ولم يثبت عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال لما أحلّه اللّه : هو عليّ حرام . وإنّما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه ، وهو قوله « واللّه لا أقربها » فقيل له : { لِمَ تُحرّمُ ما أحلَّ اللّهُ لكَ } أي لم تمتنع منه بسبب اليمين ، يعني أقدمْ عليه وكفِّرْ . قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس : إذا حرّم الرّجل عليه امرأته فإنّما هي يمين يكفّرها .
وتفصيل ذلك كلّه يرجع إليه في مصطلح ( أيمان ) وفي أبواب الطّلاق والظّهار والإيلاء .

تحريمة *
انظر : تكبيرة الإحرام .

تحسين *
التّعريف :
1 - التّحسين لغةً : التّزيين ، ومثله التّجميل . قال الجوهريّ : حسّنت الشّيء تحسيناً : زيّنته . وقال الرّاغب الأصفهانيّ : الحسن أكثر ما يقال في تعارف العامّة في المستحسن بالبصر ، وأكثر ما جاء في القرآن الكريم في المستحسن من جهة البصيرة .
فأهل اللّغة لم يفرّقوا بين " زيّنت الشّيء " و " حسّنته " ، وجعلوا الجميع معنًى واحداً . والتّحسين في الاصطلاح لا يخرج عن معناه اللّغويّ .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:08 PM

الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّجويد :
2 - التّجويد : مصدر جوّد الشّيء ، بمعنى جعله جيّداً .
وفي الاصطلاح : إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها ، وردّ الحرف إلى مخرجه وأصله ، وتلطيف النّطق به على كمال هيئته من غير إسراف ولا تعسّف ولا إفراط ولا تكلّف . فالتّحسين أعمّ من التّجويد لاختصاص التّجويد بالقراءة .
ب - التّحلية :
3 - يقال : تحلّت المرأة : إذا لبست الحليّ أو اتّخذته ، وحلّيتها بالتّشديد تحليةً : ألبستها الحليّ أو اتّخذته لها لتلبسه . وحلّيت السّويق : جعلت فيه شيئاً حلواً حتّى حلا .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ . والتّحسين أعمّ من التّحلية ، فقد يحسن الشّيء بغير تحليته ، كما يحسن الطّعام بتمليحه لا بتحليته .
ج - التّقبيح :
4 - التّقبيح : جعل الشّيء قبيحاً ، أو نسبته إلى القبح . وهو ضدّ التّحسين .
مصدر التّحسين والتّقبيح :
5 - التّحسين والتّقبيح يطلقان بثلاثة اعتبارات :
الأوّل : باعتبار ملاءمة الطّبع ومنافرته ، كقولنا : ريح الورد حسن ، وريح الجيفة قبيح . الثّاني : باعتباره صفة كمال أو صفة نقص ، كقولنا : العلم حسن ، والجهل قبيح . وهذان النّوعان مصدرهما : العقل من غير توقّف على الشّرع ، لا يعلم في ذلك خلاف .
والثّالث : باعتبار الثّواب والعقاب الشّرعيّين ، وهذا قد اختلف فيه : فذهب الأشاعرة إلى أنّ مصدره الشّرع ، والعقل لا يحسّن ولا يقبّح ، ولا يوجب ولا يحرّم . وقال الماتريديّة : إنّ العقل يحسّن ويقبّح ، وردّوا الحسن والقبح الشّرعيّين إلى الملاءمة والمنافرة .
وذهب المعتزلة إلى أنّ العقل يحسّن ويقبّح ، ويوجب ويحرّم ، وفي ذلك تفصيل محلّه الملحق الأصوليّ .
التّحسينيّات :
6 - بحث مقاصد الشّريعة من أبحاث أصول الفقه ، ويذكر علماء الأصول أنّ مقاصد الشّريعة لا تعدو ثلاثة أقسام : الأوّل : ضروريّة ، والثّاني : حاجيّة ، والثّالث : تحسينيّة . فالضّروريّة : هي الّتي لا بدّ منها لقيام مصالح الدّين والدّنيا ، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدّنيا على استقامة ، بل على فساد وتهارج وفوت حياة ، وفي الآخرة يكون فوات النّعيم ، والرّجوع بالخسران المبين .
أمّا الحاجيّة : فهي ما يفتقر إليها من حيث التّوسعة ورفع الضّيق المؤدّي في الغالب إلى الحرج والمشقّة اللّاحقة بفوت المطلوب ، فإذا لم تراع دخل على المكلّفين - على الجملة - الحرج والمشقّة دون اختلال شيء من الضّروريّات الخمسة .
وأمّا التّحسينيّة : فهي الأخذ بما يليق من محاسن العادات ، ويجمع ذلك مكارم الأخلاق ، والآداب الشّرعيّة . وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .
حكم التّحسين في الفقه الإسلاميّ :
7 - التّحسين مطلوب في الجملة إذا خلصت فيه النّيّة وأريد به الخير ، ومكروه أو محرّم إذا لم تخلص فيه النّيّة أو كان سبباً للوقوع في الحرام ولم يرد به الخير .
ويختلف حكمه باعتبار موضوعه . وإليك بعض الأمثلة :
تحسين الهيئة :
8 - يندب تحسين الهيئة العامّة من غير مبالغة ، وقد كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يأمر بذلك . وممّا قال في هذا : « أصلحوا رحالكم ، وأصلحوا لباسكم حتّى تكونوا كأنّكم شامة في النّاس ، فإنّ اللّه لا يحبّ الفحش ولا التّفحّش » . ويندب تحسين اللّحية والشّاربين ، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها » . وفي صحيح مسلم « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : جُزّوا الشّواربَ وأَرْخوا اللّحى ، خالفوا المجوسَ » .
9- وتحسين وجه المرأة يكون بتنقيته من الشّعر النّابت في غير أماكنه ، فيستحبّ لها إزالته عند الحنفيّة . وإذا أمرها الزّوج بإزالته وجب عليها ذلك عند الشّافعيّة . فقد روت امرأة بن أبي الصّقر : « أنّها كانت عند عائشة رضي الله عنها ، فسألتها امرأة فقالت : يا أمّ المؤمنين إنّ في وجهي شعرات أفأنتفهنّ ، أتزيّن بذلك لزوجي ؟ فقالت عائشة : أميطي عنك الأذى ، وتصنعي لزوجك كما تصنعين للزّيارة ، وإن أمرك فأطيعيه ، وإن أقسم عليك فأبرّيه ، ولا تأذني في بيته لمن يكره » .
وقال المالكيّة : يجب على المرأة إزالة الشّعر الّذي في إزالته جمال لها ، كشعر اللّحية إن نبت لها . ويجب عليها إبقاء ما في بقائه جمال لها ، فيحرم عليها حلق شعر رأسها .
ومنع من ذلك الحنابلة ، ورخّصوا بإزالته بالموسى .
ومن وجوه التّحسّن للهيئة : قطع الأعضاء الزّائدة في البدن كالسّنّ الزّائدة ، والأصبع الزّائدة ، والكفّ الزّائدة ، لما فيها من التّشويه . ويقاس على ذلك سائر التّشوّهات في البدن ، ويشترط في ذلك أن تكون السّلامة هي الغالبة في إزالته .
وتحسين الأسنان : يكون بالتّداوي والاستياك والتّفليج ( ويراجع حكمه في مصطلح تفليج ) ، والسّواك مستحبّ على كلّ حال .
10 - ويتأكّد تحسين المرأة هيئتها للزّوج ، وتحسين الزّوج هيئته للزّوجة .
كما يتأكّد تحسين الهيئة للخروج إلى الجمعة والعيدين وللأذان .
تحسين اللّباس :
11 - يستحبّ تحسين اللّباس بما لا يخرج عن العرف ، ولا يخرج عن السّنّة ، لما رواه أبو الأحوص « أنّ أباه أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو أشعث سيّئ الهيئة ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أما لك مالٌ ؟ قال : مِنْ كلٍّ قد آتاني اللّه عزّ وجلّ ، قال : فإنّ اللّه عزّ وجلّ إذا أنعم على عبد نعمةً أحبّ أن ترى عليه » ويكون تحسين اللّباس بما يلي :
أ - أن يكون نظيفاً ، فقد « رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رجلاً شعثاً فقال : أما كان يجد هذا ما يسكّن به شعره ، ورأى آخر عليه ثياب وسخة فقال : أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه » .
ب - أن لا يكون واسعاً سعةً تخرج عن حدّ الاحتياج ، لما في ذلك من الإسراف ، فقد كره الإمام مالك للرّجل سعة الثّوب وطوله ، قال ابن القاسم : بلغني أنّ عمر بن الخطّاب قطع كمّ رجل إلى قدر أصابع كفّه ، ثمّ أعطاه فضل ذلك ، وقال له : خذ هذا واجعله في حاجتك .
ج - أن يكون منسّقاً مرتّباً على ما يقتضيه العرف ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أصلحوا رحالَكم وأصلحوا لباسَكم ، حتّى تكونوا كأنّكم شَامَةٌ في النّاس ، فإِنَّ اللّه لا يحبّ الفحشَ ولا التّفحّشَ » . ويتأكّد تحسين الثّوب للخروج للجمع والأعياد والجماعات .
كما يتأكّد تحسين الثّوب للعلماء خاصّةً .
تحسين الأفنية :
12 - يسنّ تحسين الأفنية والبيوت بتنظيفها وترتيبها ، عملاً بما رواه عامر بن سعد عن أبيه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه طيّب يحبّ الطّيّب ، نظيف يحبّ النّظافة ، كريم يحبّ الكرم ، جوّاد يحبّ الجود ، فنظّفوا أفنيتكم ولا تَشَبَّهوا باليهود » .
تحسين الخروج إلى المسجد :
13 - يكون تحسين الخروج إلى المسجد بما يلي :
أ - إخلاص النّيّة للخروج إلى المسجد ، وعدم خلطها بنيّة أخرى كالتّمشّي ونحوه .
ب - أن يزيد على نيّة الخروج لأداء الفريضة في المسجد نيّة الاعتكاف فيه .
ج - الخروج إلى المسجد بغير ثياب المهنة ، لقوله تعالى : { يا بَني آدمَ خُذُوا زينَتَكم عند كلِّ مسجِدٍ } .
د - الدّخول إلى المسجد برجله اليمنى .
تحسين اللّقاء والسّلام وردّه :
14 - يندب تحسين لقاء المسلم ، وتحسين السّلام والرّدّ عليه ، لقوله تعالى : { وإذا حُيِّيتُم بتحيّةٍ فَحَيُّوا بأحسنَ منها أو رُدُّوها } وتحسين ردّ السّلام يكون بقول : " وعليكم السّلام ورحمة اللّه وبركاته " .
تحسين الصّوت :
15- تحسين الصّوت هو : التّرنّم والتّغنّي الّذي لا يصاحبه ترديد الصّوت بالحروف ، ولا تغيير الكلمات عن وجهها ، مع التزام قواعد التّجويد . ويندب تحسين الصّوت في القرآن ، وفي الأذان ، لأنّه يجذب النّاس إليهما ، ويحبّبهم بهما ، ويشرح صدورهم لهما .
أمّا التّطريب والتّلحين والتّغنّي - بمعنى الغناء - والقصر والزّيادة بالتّمطيط فهو محرّم . وقد اتّفق الفقهاء على استحباب أن يكون المؤذّن حسن الصّوت ، « لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اختار أبا محذورة مؤذّناً ، لحسن صوته » .
تحسين المرأة صوتها بحضرة الأجانب :
16 - على المرأة إذا تكلّمت بحضرة الرّجال الأجانب أن تتكلّم بصوت طبيعيّ ليس فيه تكلّف ولا تقطيع ولا تليين ، لقوله تعالى : { يا نساءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كأحدٍ من النِّساءِ إنْ اتَّقَيْتُنَّ فلا تَخْضَعْنَ بالقولِ فَيَطْمَعَ الّذي في قلبِه مَرَضٌ وقُلْنَ قَولاً معروفاً } .
قال ابن كثير : هذه آداب أمر اللّه تعالى بها نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم ونساء الأمّة تبع لهنّ في ذلك .
قال القرطبيّ في تفسيره { فلا تَخْضَعْنَ بالقولِ } أي لا تلنّ القول ، أمرهنّ أن يكون قولهنّ جزلاً ، وكلامهنّ فصلاً ، ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقةً بما يظهر عليه من اللّين.
تحسين المشية :
17 - على الإنسان أن يمشي المشية المتعارفة المعتادة ، أمّا المشية المصطنعة الملفتة للأنظار فمنهيّ عنها ، ومنعها في حقّ النّساء آكد من منعها في حقّ الرّجال ، لأنّ أمر المرأة مبنيّ على السّتر قال تعالى : { ولا يَضْرِبْنَ بأرجلِهنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ منْ زِينتهنَّ } قال القرطبيّ : من فعل منهنّ ذلك فرحاً بحليّهنّ فهو مكروه ، ومن فعل منهنّ تبرّجاً وتعرّضاً للرّجال فهو حرام مذموم . وكذلك من ضرب بنعله من الرّجال ، مَنْ فعل ذلك تعجّباً حرم ، فإنّ العُجْب كبيرة ، وإن فعل ذلك تبرّجاً لم يجز .
وأحسن المشي مشي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد ورد أنّه كان إذا مشى تكفّأ ، وكان أسرع النّاس مشيةً ، وأحسنها وأسكنها وهي المرادة بقوله تعالى : { وعبادُ الرّحمنِ الّذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً } .
قال غير واحد من السّلف : يعني بسكينة ووقار من غير تكبّر ولا تماوت .
تحسين الخلق :
18 - تحسين الخلق مطلوب شرعاً . قال اللّه تعالى : { ولا تَمْشِ في الأرضِ مَرَحاً إنَّكَ لنْ تخرقَ الأرضَ ولنْ تَبْلُغَ الجبالَ طُولاً } وقال جلّ شأنه : { يا أيّها الّذينَ آمنوا لا يَسخرْ قومٌ منْ قومٍ عسى أنْ يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ منْ نساءٍ عسى أنْ يَكُنَّ خيراً منهنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنفسَكم ولا تَنَابَزُوا بالألقابِ بئسَ الاسمُ الفُسوقُ بعدَ الإِيمانِ ومن لم يَتُبْ فأولئك هم الظّالمون يا أيّها الّذين آمنوا اجْتَنِبُوا كثيراً منَ الظَّنِّ إنَّ بعضَ الظَّنِّ إثمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يغتبْ بعضُكم بعضاً أَيُحِبُّ أحدُكم أنْ يأكلَ لَحْمَ أخيه مَيْتَاً فَكَرِهْتُمُوه واتّقوا اللّهَ إنَّ اللّهَ توّابٌ رحيمٌ } إلى غير ذلك من الآيات الموجبة لحسن الخلق ، وقد وصف اللّه رسوله بقوله : { وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيمٍ } .
ويتناسب تحسين الخلق مع عظم الحقّ ، فمن كان حقّه عليك أكبر كان تحسين الأخلاق معه أوجب ، ولذلك حرّم اللّه تعالى على الإنسان أن يتأفّف لأحد والديه ، لعظيم حقّهما على الولد ، قال تعالى : { فلا تَقُلْ لهما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهما وقلْ لهما قولاً كريماً } . قال البهوتيّ : يستحبّ لكلّ من الزّوجين تحسين الخلق لصاحبه والرّفق به واحتمال أذاه ، وفي حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « اسْتوصُوا بالنّساءِ خيراً ، فإِنَّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلعٍ ».
تحسين الظّنّ :
أ - تحسين الظّنّ باللّه تعالى :
19 - يجب على المؤمن أن يحسن الظّنّ باللّه تعالى ، وأكثر ما يجب أن يكون إحساناً للظّنّ باللّه عند نزول المصائب وعند الموت ، قال الحطّاب : نُدبَ للمحتضَر تحسين الظّنّ باللّه تعالى ، وتحسين الظّنّ باللّه وإن كان يتأكّد عند الموت وفي المرض ، إلاّ أنّه ينبغي للمكلّف أن يكون دائماً حسن الظّنّ باللّه ، ففي صحيح مسلم : « لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظّنّ باللّه » .
ب - تحسين الظّنّ بالمسلمين :
20 - على المسلم أن يحسن الظّنّ بالمسلمين ، حتّى إذا ما أخطأ أحدهم عفا عنه وصفح والْتَمَسَ له العذر . ومع إحسانه الظّنّ بالمسلمين ما دام لهم وجه ، عليه أن يتّهم نفسه ولا يحسن الظّنّ بها ، لأنّ ذلك أبعد عن الغرور ، وأسلم للقلب عن أمراض القلوب ، قال ابن الحاجّ في المدخل : إذا خرج المرء إلى الصّلاة فليحذر أن يخطر له في نفسه أنّه خير من أحد من إخوانه من المسلمين ، فيقع في البليّة العظمى ، بل يخرج محسن الظّنّ بإخوانه المسلمين ، مسيء الظّنّ بنفسه ، فيتّهم نفسه في فعل الخير .
تحسين الخطّ :
21 - حسن الخطّ عصمة للقارئ من الخطأ في قراءته ، وكلّما كان الكلام أكثر حرمةً كان تحسين الخطّ فيه ألزم ، لأنّ الخطأ فيه أفحش ، وعلى هذا فتحسين الخطّ بكتابة القرآن الكريم ألزم شيء ، ثمّ يتلوه تحسين الخطّ بكتابة سنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ بالآثار المرويّة عن الصّحابة والتّابعين ، ثمّ بالأحكام الشّرعيّة وهكذا ..
والأصل في ذلك « قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما : يا معاوية ألق الدّواة ، وحرّف القلم ، وانصب الباء ، وفرّق السّين ، ولا تعوّر الميم ، وحسّن اللّه ، ومدّ الرّحمن ، وجوّد الرّحيم » .
تحسين المخطوبة :
22 - لا تمنع المرأة المخطوبة من تحسين هيئتها ولبسها عند رؤية الخاطب لها من غير ستر عيب ولا تدليس ولا سرف .
تحسين المصحف :
23 - تحسين المصحف مندوب ، ويكون ذلك بتحسين خطّه ، وتعشيره ، وكتابة أسماء سوره في أوّل كلّ سورة وعدد آياتها ، وتشكيله وتنقيطه ، وعلامات وقوفه ، وتجليده . وتفصيل ذلك في الكلام عن المصحف .
تحسين الذّبح :
24 - اتّفق الفقهاء على ندب تحسين ذبح الحيوان تحسيناً يؤدّي إلى إراحة الحيوان المذبوح بقدر المستطاع ، فاستحبّوا أن يحدّ الشّفرة قبل الذّبح . وكرهوا الذّبح بآلة كالّة ، لما في الذّبح بها من تعذيب للحيوان ولحديث شدّاد بن أوس رضي الله عنه : « ثِنْتانِ حفظتُهما عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : إنَّ اللّهَ كتبَ الإِحسانَ على كلّ شيء ، فإِذا قَتَلتُم فَأحسِنُوا القِتْلَةَ ، وإذا ذبحتُم فأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ ، ولْيُحِدَّ أحدُكم شفرتَه ولْيُرِحْ ذبيحتَه » . ويندب عدم شحذ السّكّين أمام الذّبيحة ، ولا ذبح واحدة أمام أخرى ، كما يندب عرض الماء عليها قبل ذبحها . وأن يكون الذّبح في العنق لما قصر عنقه ، وفي اللّبّة لما طال عنقه كالإبل والنّعام والإوزّ لأنّه أسهل لخروج الرّوح .
وإمرار السّكّين على الذّبيحة برفق وتحامل يسير ذهاباً إياباً . وأن لا يكون الذّبح من القفا ، وأن لا يقطع أعمق من الودجين والحلقوم ، ولا يكسر العنق ، ولا يقطع شيئاً منها قبل أن تزهق نفسها . وكذلك يندب تحسين القتل في القصاص أو الحدّ ، للحديث المتقدّم .
تحسين المبيع :
25 - يعتبر تحسين المبيع مباحاً ما لم يكن فيه ستر عيب ، أو تغرير للمشتري ، أو تحسين مؤقّت لا يلبث أن يزول ، فإذا ظهر العيب الّذي أخفي بالتّحسين ثبت للمشتري خيار العيب . وتفصيل ذلك في ( بيع ، غرر ، خيار العيب ) .
تحسين المطالبة بالدّين :
26 - يندب تحسين المطالبة بالدّين ، ويكون تحسينها :
بالسّماحة بالمطالبة : لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « رحم اللّه رجلاً سمحاً إذا باع ، وإذا اشترى ، وإذا اقتضى » . وأن تكون المطالبة في وقت يظنّ فيه اليسر : فقد قدم سعيد بن عامر بن حذيم على عمر بن الخطّاب فلمّا أتاه علاه عمر بالدّرّة ، فقال سعيد : يا أمير المؤمنين سبق سيلُك مطرَك ، إن تعاقبْ نَصْبر ، وإنْ تعفُ نَشْكر ، وإنْ تَسْتعتب نعتب ، فقال عمر : ما على المسلم إلاّ هذا ، ما لكَ تُبْطئ بالخراج ؟ قال سعيد : أمرتنا أن لا نزيد الفلّاحين على أربعة دنانير ، فلسنا نزيدهم على ذلك ، ولكنّا نؤخّرهم إلى غلّاتهم ، فقال عمر : لا عزلتك ما حييتُ .
تحسين الميّت والكفن والقبر :
27 - يندب تحسين هيئة الميّت ، ففي تبيين الحقائق : فإذا ماتَ شدّ لحياه ، وغمّضت عيناه ، لأنّ فيه تحسينه ، إذ لو ترك على حاله لبقي فظيع المنظر ، ثمّ يغسّل .
28 - ويستحبّ تحسين كفن الميّت ، لأنّ الكفن للميّت بمثابة اللّباس للحيّ ، ولما رواه جابر رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « إذا كفّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه » . ويكون تحسين الكفن بثلاثة أمور : تحسين ذات الكفن ، وتحسين صفة الكفن ، وتحسين وضعه على الميّت .
أ - أمّا تحسين ذات الكفن : فقد صرّح المالكيّة بأنّ الميّت يكفّن بمثل ما كان يلبسه في الجمع والأعياد في حياته - وهو يلبس لها أحسن ثيابه - ويقضى بذلك عند اختلاف الورثة فيه ، إن لم يكن عليه دين .
ب - أمّا تحسين صفة الكفن : فإنّه يستحبّ البياض في الكفن لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً : « البسوا من ثيابكم البياض ، فإنّها من خير ثيابكم ، وكفّنوا بها موتاكم » والجديد أفضل من القديم ، على خلاف في ذلك بين الفقهاء .
ج - أمّا تحسين كيفيّة الكفن : فيتمثّل بأن تجعل أحسن اللّفائف بحيث تظهر للنّاس ، فيظهر حسن الكفن .
29 - ويندب تحسين القبر ، ويكون تحسينه بما يلي :
أ - حفره لحداً إن أمكن ، وبناء اللّحد ، وأفضل ما يبنى به اللّحد اللّبن ، ثمّ الألواح ، ثمّ القرميد ، ثمّ القصب .
ب - أن يكون عمقه بقدر قامة - وهي ما يقرب من ثلاثة أذراع - وأن يكون واسعاً بحيث لا يضيق بالميّت .
ج - فرش أرضه بالرّمل إن كانت الأرض صخريّةً أو كان هناك سبب آخر لذلك .
د - أن يعلو عن الأرض مقدار شبر ، ويكون مسطّحاً أو مسنّماً على خلاف بين الفقهاء فيما هو الأفضل .
هـ - أن يعلّم عند رأس الميّت بحجر .
وليس من المستحسن - بل هو مكروه - تجصيص القبور وتطيينها والبناء عليها .

تحسينيّات *
التّعريف :
1 - التّحسينيّات في اللّغة : مأخوذة من مادّة الحسن ، والحسن في اللّغة بالضّمّ : الجمال . وجاء في الصّحاح أنّه ضدّ القبح . والتّحسين : التّزيين .
وأمّا التّحسينيّات في اصطلاح الأصوليّين : فهي ما لا تدعو إليها ضرورة ولا حاجة ، ولكن تقع موقع التّحسين والتّيسير ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات .
ومن أمثلتها : تحريم الخبائث من القاذورات والسّباع حثّاً على مكارم الأخلاق .
ومن أمثلتها أيضاً : اعتبار الوليّ في النّكاح صيانةً للمرأة عن مباشرة العقد ، لكونه مشعراً بتوقان نفسها إلى الرّجال ، فلا يليق ذلك بالمروءة ، ففوّض ذلك إلى الوليّ حملاً للخلق على أحسن المناهج .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الضّروريّات :
2 - الضّروريّات يعرف معناها في اللّغة من معنى مادّة ضرّ ، والضّرّ في اللّغة : خلاف النّفع ، وضرّه وضارّه معناهما واحد ، والاسم الضّرر . وقال الأزهريّ : كلّ ما كان سوء حال وفقراً وشدّةً في بدن فهو ضرّ بالضّمّ ، وما كان ضدّ النّفع فهو بفتحها .
وأمّا عند الأصوليّين : فهي الأمور الّتي لا بدّ منها في قيام مصالح الدّين والدّنيا ، وهي حفظ الدّين ، والعقل ، والنّسل ، والمال ، والنّفس .
وهي أقوى مراتب المصالح بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدّنيا على استقامة ، بل على فساد وتهارج وفوت حياة ، وفي الأخرى فوت النّجاة والنّعيم والرّجوع بالخسران المبين . ومن هنا يتبيّن الفرق بين الضّروريّات والتحسينيات ، إذ التّحسينيّات هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات ، وتجنّب الأحوال المدنّسات الّتي تأنفها العقول الرّاجحة .
ب – الحاجيّات :
3 - يعرف معناها في اللّغة من معنى الحاجة ، وهي : الاحتياج . وأمّا عند الأصوليّين : فهي الّتي يحتاج إليها ، ولكنّها لا تصل إلى حدّ الضّرورة ، فإذا لم تراع دخل على المكلّفين على الجملة الحرج والمشقّة ، ولكنّه لا يبلغ مبلغ الفساد العاديّ المتوقّع في المصالح العامّة . وتأتي في المرتبة الثّانية بعد الضّروريّات ، أمّا التّحسينيّات فتأتي في المرتبة الثّالثة .
أقسام التّحسينيّات :
4 - تنقسم التّحسينيّات إلى قسمين :
الأوّل : ما كان غير معارض للقواعد الشّرعيّة ، كتحريم تناول القاذورات ، فإنّ نفرة الطّباع منها معنًى يناسب حرمة تناولها حثّاً على مكارم الأخلاق .
الثّاني : ما كان معارضاً للقواعد كالكتابة ، فإنّها غير محتاج إليها ، إذ لو منعت ما ضرّ ، لكنّها مستحسنة في العادة للتّوسّل بها إلى فكّ الرّقبة من الرّقّ ، وهي خارمة لقاعدة امتناع بيع الشّخص بعض ماله ببعض آخر ، إذ ما يحصّله المكاتب في قوّة ملك السّيّد له بأن يعجّز نفسه .
الأحكام الإجماليّة :
أ - المحافظة عليها :
5 - التّحسينيّات من الأمور الّتي قصد الشّارع المحافظة عليها ، لأنّها وإن كانت أدنى مراتب المصالح إلاّ أنّها مكمّلة للحاجيّات الّتي هي أعلى منها في المنزلة ، والحاجيّات بدورها مكمّلة للضّروريّات الّتي هي أصل لهما ، وأيضاً فإنّ ترك التّحسينيّات يؤدّي في النّهاية إلى ترك الضّروريّات ، لأنّ المتجرّئ على ترك الأخفّ بالإخلال به معرّض للتّجرّؤ على ما سواه ، ولذلك لو اقتصر المصلّي على ما هو فرض في الصّلاة لم يكن في صلاته ما يستحسن . وأيضاً فإنّ التّحسينات بالنّسبة للحاجيّات - الّتي هي آكد منها - كالنّفل بالنّسبة إلى ما هو فرض ، وكذا الحاجيّات مع الضّروريّات ، فستر العورة واستقبال القبلة بالنّسبة إلى أصل الصّلاة كالمندوب إليه ، والمندوب إليه بالجزء ينتهض أن يصير واجباً بالكلّ ، فالإخلال بالمندوب مطلقاً يشبه الإخلال بركن من أركان الواجب .
ب - تعارض التّحسينيّات مع غيرها :
6 - التّحسينيّات وإن كانت مكمّلةً للحاجيّات الّتي هي أصل لها ، إلاّ أنّه يشترط في المحافظة عليها باعتبارها مكمّلةً : ألاّ تعود على أصلها بالإبطال ، فإذا كانت المحافظة عليها تؤدّي إلى ترك ما هو أعلى منها فإنّها تترك ، ومثل ذلك الحاجيّات مع الضّروريّات ، لأنّ كلّ تكملة يفضي اعتبارها إلى إبطال أصلها لا يلتفت إليها لوجهين :
أحدهما : أنّ في إبطال الأصل إبطال التّكملة ، لأنّ التّكملة مع ما كمّلته كالصّفة مع الموصوف ، فإذا كان اعتبار الصّفة يؤدّي إلى ارتفاع الموصوف لزم من ذلك ارتفاع الصّفة أيضاً ، فاعتبار هذه التّكملة على هذا الوجه مؤدّ إلى عدم اعتبارها ، وهذا محال لا يتصوّر ، وإذا لم يتصوّر لم تعتبر التّكملة ، واعتبر الأصل من غير مزيد .
الثّاني : أنّا لو قدّرنا تقديراً أنّ المصلحة التّكميليّة تحصل مع فوات المصلحة الأصليّة ، لكان حصول الأصليّة أولى لما بينهما من التّفاوت . وبيان ذلك أنّ حفظ النّفس مهمّ كلّيّ ، وحفظ المروآت مستحسن ، فحرمت النّجاسات حفظاً للمروآت ، وإجراءً لأهل المروآت على محاسن العادات ، فإن دعت الضّرورة إلى إحياء النّفس بتناول النّجس كان تناوله أولى .
هذا وقد ذكر الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام في قواعده : أنّ المصالح إذا تعارضت حصّلت العليا منها ، واجتنبت الدّنيا منها فإنّ الأطبّاء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما ، ويجلبون أعلى السّلامتين والصّحّتين ولا يبالون بفوات أدناهما ، فإنّ الطّبّ كالشّرع ، وضع لجلب مصالح السّلامة والعافية ، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام ، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك ولجلب ما أمكن جلبه من ذلك ، فإن تعذّر درء الجميع أو جلب الجميع ، فإن تساوت الرّتب تخيّر ، وإن تفاوتت استعمل التّرجيح عند عرفانه والتّوقّف عند الجهل به .
ج - الاحتجاج بها :
7 - ذكر الغزاليّ في المستصفى : أنّه لا يجوز الحكم بالتحسينيات بمجرّدها إن لم تعتضد بشهادة أصل ، إلاّ أنّها قد تجري مجرى وضع الضّرورات ، فلا يبعد أن يؤدّي إليها اجتهاد مجتهد ، فحينئذ إن لم يشهد الشّرع برأي فهو كالاستحسان فإن اعتضد بأصل فذاك قياس ومثل التّحسينيّات في هذا الحاجيّات . وتفصيله في الملحق الأصوليّ .

تحصّن *
التّعريف :
1 - من معاني التّحصّن في اللّغة والاصطلاح : الدّخول في الحصن والاحتماء به ، وفي القاموس : الحصن ، كلّ موضع حصين لا يتوصّل إلى ما في جوفه ، وفي المصباح : هو المكان الّذي لا يقدر عليه لارتفاعه ، والجمع حصون . وحصّن القرية تحصيناً بنى حولها ما يحصّنها من سور أو نحوه .
ويستعمل التّحصّن أيضاً بمعنى : التّعفّف عن الرّيب ، ومنه قيل للمتعفّفة ( حصان ) .
قال اللّه تعالى : { ولا تُكْرِهوا فتياتِكم على البِغَاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّناً ... }
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - التّحصّن من الكفّار المحاربين - إن جاءوا لقتال المسلمين - جائز شرعاً ، سواء أكان المسلمون في الحصن أقلّ من نصف الكفّار أو أكثر ، وذلك ليلحقهم مدد وقوّة من بلاد المسلمين المجاورة ليشدّوا أزرهم ، فيكثر عددهم ويخشاهم عدوّهم ، ولا يلحق المسلمين بتحصّنهم إثم الفرار من الزّحف ، لأنّ الإثم منوط بمن فرّ بعد لقاء المحاربين غير متحرّف لقتال ، ولا متحيّزاً إلى فئة ، وإن لقوهم خارج الحصن فلهم التّحيّز إلى الحصن ، لأنّه بمنزلة التّحرّف للقتال أو التّحيّز إلى فئة ، وهذا بلا خلاف .
وإن كان الكفّار المحاربون في بلادهم مستقرّين غير قاصدين الحرب ، فحينئذ ينبغي للمسلمين أن يحتاطوا بإحكام الحصون والخنادق وشحنها بمكافئين لهم ، وتقليد ذلك للمؤتمنين من المسلمين والمشهورين بالشّجاعة . والتّفصيل موطنه مصطلح : ( جهاد ) .
3 - ويجوز أيضاً للمسلمين التّحصّن بالخنادق كما « فعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق حينما جاء الأحزاب لقتاله حول المدينة » . وإليه يشير قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمَنُوا اذْكُروا نعمةَ اللّهِ عليكم إذْ جاءَتْكم جنودٌ فأَرْسَلنا عليهم ريحاً وجُنُوداً لم تَرَوْها ، وكان اللّهُ بما تعملون بصيراً . إذْ جاءوكم مِنْ فوقِكم ومِنْ أسفلَ منكم وإذْ زَاغَتِ الأبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحناجِرَ وتَظُنّونَ باللّهِ الظّنُوْنَا } وقد « شارك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق بنفسه مع أصحابه » .
4 - ومثل التّحصّن بالحصون والخنادق : التّحصّن بكلّ ما يحمي المسلمين من مفاجأة العدوّ لهم من الوسائل الّتي تتنوّع بحسب أنواع الخطر . وهذا يختلف باختلاف العصور والأمكنة .

تحصين *
انظر : إحصان ، جهاد .

تحقّق *
انظر : تثبّت .

تحقير *
التّعريف :
1 - من معاني التّحقير في اللّغة : الإذلال والامتهان والتّصغير . وهو مصدر حقّر ، والمحقّرات : الصّغائر . ويقال : هذا الأمر محقرة بك : أي حقارة .
والحقير : الصّغير الذّليل . تقول : حقّر حقارةً ، وحقّره واحتقره واستحقره : إذا استصغره ورآه حقيراً . وحقّره : صيّره حقيراً ، أو نسبه إلى الحقارة . وحَقُر الشّيء حقارةً : هان قدره فلا يعبأ به ، فهو حقير . وهو في الاصطلاح لا يخرج عن هذا .
الحكم الإجماليّ :
للتّحقير أحكام تعتريه :
2 - فتارةً يكون حراماً منهيّاً عنه : كما في تحقير المسلم للمسلم استخفافاً به وسخريةً منه وامتهاناً لكرامته . وفي هذا قول اللّه تبارك وتعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا يسخرْ قومٌ مِنْ قومٍ عسى أنْ يكونُوا خيراً منهم ، ولا نساءٌ مِنْ نساءٍ عسى أنْ يَكُنَّ خيراً منهنَّ ، ولا تَلْمِزُوا أنفسَكم ولا تَنَابَزُوا بالألقابِ بئسَ الاسمُ الفُسوقُ بعدَ الإِيمانِ ومَنْ لم يتُبْ فأولئك هم الظّالمون } ونحوها من الآيات . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا تَحَاسدوا ولا تَنَاجشوا ولا تَبَاغضوا ولا تدابروا ، ولا يَبِعْ بعضُكم على بيعِ بعض ، وكونوا عبادَ اللّهِ إخواناً المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقّره التّقوى هاهنا . ويشير إلى صدره ثلاث مرّات بحسب امرئ من الشّرِّ أنْ يحقِرَ أخاه المسلمَ . كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ دمُه ومالُه وعرضُه » .
وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقالُ ذرّةٍ من كِبْر . فقال رجل : إنَّ الرّجلَ يحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً . قال : إنَّ اللّهَ جميلٌ يحبّ الجمال . الكبر بَطَر الحقِّ وغَمْطُ النّاس » وفي رواية « وغمص النّاس » ، وبطر الحقّ : هو دفعه وإبطاله ، والغمط والغمص معناهما واحد ، وهو : الاحتقار .
قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى : { بئس الاسمُ الفسوقُ بعدَ الإِيمان } قيل معناه : من لقّب أخاه أو سخر به فهو فاسق . قال ابن حجر الهيتميّ : السّخرية : الاستحقار والاستهانة والتّنبيه على العيوب والنّقائص يوم يضحك منه ، وقد يكون بالمحاكاة بالفعل أو القول أو الإشارة أو الإيماء ، أو الضّحك على كلامه إذا تخبّط فيه أو غلط ، أو على صنعته ، أو قبيح صورته .
فمن ارتكب شيئاً من التّحقير ممّا هو ممنوع كان قد ارتكب محرّماً يعزّر عليه شرعاً تأديباً له . وهذا التّعزير مفوّض إلى رأي الإمام ، وفق ما يراه في حدود المصلحة وطبقاً للشّرع ، كما هو مبيّن في مصطلح ( تعزير ) ، لأنّ المقصود منه الزّجر ، وأحوال النّاس فيه مختلفة ، فلكلّ ما يناسبه منه . وهذا إن قصد بهذه الأمور التّحقير . أمّا إن قصد التّعليم أو التّنبيه على الخطأ أو نحو ذلك - ولم يقصد تحقيراً - فلا بأس به ، فيعرف قصده من قرائن الأحوال .
3 - هذا وقد يصل التّحقير المحرّم إلى أن يكون ردّةً ، وذاك إذا حقّر شيئاً من شعائر الإسلام ، كتحقير الصّلاة والأذان والمسجد والمصحف ونحو ذلك ، قال اللّه تعالى في وصف المنافقين { ولئنْ سألتَهم لَيقولُنَّ إنّما كنَّا نخوضُ ونلعبُ قل أباللّهِ وآياتِه ورسولِه كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفرتمْ بعدَ إيمانكم } ، وقال تعالى فيهم أيضاً : { وإذا ناديتمْ إلى الصّلاةِ اتَّخذوها هُزُواً وَلَعِبَاً } . ونقل في فتح العليّ لمالك : أنّ رجلاً كان يزدري الصّلاة ، وربّما ازدرى المصلّين وشهد عليه ملأ كثير من النّاس ، منهم من زكّى ومنهم من لم يزكّ . فمن حمله على الازدراء بالمصلّين لقلّة اعتقاده فيهم فهو من سباب المسلم ، فيلزمه الأدب على قدر اجتهاد الحاكم . ومن يحمله على ازدراء العبادة فالأصوب أنّه ردّة ، لإظهاره إيّاه وشهرته به ، لا زندقة ، ويجري عليه أحكام المرتدّ .
4 - وقد يكون التّحقير واجباً : كما هو الحال فيمن فرضت عليه الجزية من أهل الكتاب . لقوله تعالى : { قاتِلوا الّذينَ لا يُؤْمنون باللّهِ ولا باليومِ الآخرِ ولا يُحرِّمون ما حَرَّمَ اللّهُ ورسولُه ولا يَدِينونَ دينَ الحقِّ من الّذين أُوتوا الكتابَ حتّى يُعْطُوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغرون } أي ذليلون حقيرون مهانون . وقد اختلف الفقهاء فيما يحصل به الصّغار عند إعطائهم الجزية . انظر مصطلح ( أهل الذّمّة ، وجزية ) .
التّعزير بما فيه تحقير :
5 - من ضروب التّعزير : التّوبيخ ، وهو نوع من التّحقير . واستدلّ الفقهاء على مشروعيّة التّوبيخ في التّعزير بالسّنّة فقد ، « روى أبو ذرّ رضي الله عنه أنّه سابّ رجلاً فعيّره بأمّه ، فقال الرّسول صلى الله عليه وسلم يا أبا ذرّ : أَعَيَّرْتَه بأمِّه ؟ إنّك امرؤ فيك جاهليّةٌ » .
« وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته » .
وقد فسّر النّيل من العرض بأن يقال له مثلاً : يا ظالم . يا معتدي . وهذا نوع من التّعزير بالقول ، وقد جاء في تبصرة الحكّام لابن فرحون : وأمّا التّعزير بالقول فدليله ما ثبت في سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب فقال : اضربوه فقال أبو هريرة فمنّا الضّارب بيده ، ومنّا الضّارب بنعله ، والضّارب بثوبه » . وفي رواية « بكّتوه فأقبلوا عليه يقولون : ما اتّقيت اللّه ؟ ما خشيت اللّه ؟ ما استحييت من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم » ؟
وهذا التّبكيت من التّعزير بالقول . ( ر : تعزير ) .
6- قد يكون التّحقير بالفعل : كما هو الحال في تجريس شاهد الزّور ، فإنّ تجريسه هو إسماع النّاس به ، وهو تشهير ، وإذا كان تشهيراً كان تعزيراً . فقد ورد في التتارخانية في التّشهير بشاهد الزّور : قال أبو حنيفة في المشهور : يطاف به ويشهر ولا يضرب ، وفي السّراجيّة : وعليه الفتوى . وفي جامع العتّابيّ : التّشهير أن يطاف به في البلد وينادى عليه في كلّ محلّة : إنّ هذا شاهد الزّور فلا تشهدوه . وذكر الخصّاف في كتابه أنّه يشهر على قولهما بغير الضّرب ، والّذي روي عن عمر أنّه كان يسخّم وجهه فتأويله عند السّرخسيّ أنّه بطريق السّياسة إذا رأى المصلحة ، وعند الشّيخ الإمام أنّه التّفضيح والتّشهير ، فإنّه يسمّى سواداً . ونقل عن شريح رحمه الله أنّه كان يبعث بشاهد الزّور إلى سوقه إن كان سوقيّاً ، وإلى قومه إن كان غير سوقيّ بعد العصر أجمع ما كانوا ، ويقول آخذه : إنّ شريحاً يقرأ عليكم السّلام ويقول : إنّا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذّروا النّاس منه .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:08 PM

تحقيق المناط *
التّعريف :
1 - حقّق الأمر : تيقّنه أو جعله ثابتاً لازماً . والمناط : موضع التّعليق .
ومناط الحكم عند الأصوليّين : علّته وسببه . وتحقيق المناط عند الأصوليّين : هو النّظر والاجتهاد في معرفة وجود العلّة في آحاد الصّور ، بعد معرفة تلك العلّة بنصّ أو إجماع أو استنباط ، فإثبات وجود العلّة في مسألة معيّنة بالنّظر والاجتهاد هو تحقيق المناط .
فمثال ما إذا كانت العلّة معروفةً بالنّصّ : جهة القبلة ، فإنّها مناط وجوب استقبالها ، وهي معروفة بالنّصّ ، وهو قوله تعالى : { وحيثما كُنتم فَوَلُّوا وجوهَكم شَطْرَهُ } وأمّا كون جهة ما هي جهة القبلة في حالة الاشتباه فمظنون بالاجتهاد والنّظر في الأمارات .
ومثال ما إذا كانت العلّة معلومةً بالإجماع : العدالة ، فإنّها مناط وجوب قبول الشّهادة ، وهي معلومة بالإجماع ، وأمّا كون هذا الشّخص عدلاً فمظنون بالاجتهاد .
ومثال ما إذا كانت العلّة مظنونةً بالاستنباط : الشّدّة المطربة ، فإنّها مناط تحريم الشّرب في الخمر ، فالنّظر في معرفتها في النّبيذ هو تحقيق المناط ، وسمّي تحقيق المناط ، لأنّ المناط وهو الوصف علم أنّه مناط ، وبقي النّظر في تحقيق وجوده في الصّورة المعيّنة .
الحكم الإجماليّ :
2 - تحقيق المناط مسلك من مسالك العلّة ، والأخذ به متّفق عليه . وقد يعتبر تحقيق المناط من قياس العلّة . وقال الغزاليّ : هذا النّوع من الاجتهاد لا خلاف فيه بين الأمّة ، والقياس مختلف فيه ، فكيف يكون هذا قياساً ؟ . وتحقيق المناط يحتاج إليه المجتهد والقاضي والمفتي في تطبيق علّة الحكم على آحاد الوقائع . وينظر تفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .

تحكيم *
التّعريف :
1 - التّحكيم في اللّغة : مصدر حكّمه في الأمر والشّيء ، أي : جعله حكماً ، وفوّض الحكم إليه . وفي التّنزيل العزيز : { فلا وربِّك لا يُؤْمنونَ حتّى يُحَكِّمُوك فيما شَجَرَ بينهم } .
وحكّمه بينهم : أمره أن يحكم بينهم . فهو حكم ، ومحكّم .
وأمّا الحديث الشّريف : « إنّ الجنّة للمحكَّمين » فالمراد به الّذين يقعون في يد العدوّ ، فيخيّرون بين الشّرك والقتل ، فيختارون القتل ثباتاً على الإسلام .
وفي المجاز : حكّمت السّفيه تحكيماً : إذا أخذت على يده ، أو بصّرته ما هو عليه . ومنه قول النّخعيّ رحمه الله تعالى : حكّم اليتيم كما تحكّم ولدك . أي : امنعه من الفساد كما تمنع ولدك وقيل : أراد حكمه في ماله إذا صلح كما تحكّم ولدك .
ومن معاني التّحكيم في اللّغة : الحكم . يقال : قضى بين الخصمين ، وقضى له ، وقضى عليه . وفي الاصطلاح : التّحكيم : تولية الخصمين حاكماً يحكم بينهما . وفي مجلّة الأحكام العدليّة : التّحكيم عبارة عن اتّخاذ الخصمين حاكماً برضاهما لفصل خصومتهما ودعواهما . ويقال لذلك : حكم بفتحتين ، ومحكّم بضمّ الميم ، وفتح الحاء ، وتشديد الكاف المفتوحة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - القضاء :
2 - من معانيه في اللّغة : الحكم ، وهو في اصطلاح الفقهاء : تبيين الحكم الشّرعيّ والإلزام به ، وفصل الخصومة .
وعلى هذا فكلّ من التّحكيم والقضاء وسيلة لفضّ النّزاع بين النّاس وتحديد صاحب الحقّ ، ولهذا اشترط الفقهاء في كلّ منهما صفات متماثلةً . كما سنرى بعد قليل .
إلاّ أنّ بينهما فوارق جوهريّةً تتجلّى في أنّ القضاء هو الأصل في هذا المقام ، وأنّ التّحكيم فرع ، وأنّ القاضي هو صاحب ولاية عامّة ، فلا يخرج عن سلطة القضاء أحد ، ولا يستثنى من اختصاصه موضوع . أمّا تولية الحكم فتكون من القاضي أو من الخصمين وفق الشّروط والقيود الّتي توضع له ، مع ملاحظة أنّ هناك أموراً ليست محلّاً للتّحكيم ، كما سنرى .
ب - الإصلاح :
3 - الإصلاح في اللّغة : نقيض الإفساد . يقال : أصلح : إذا أتى بالخير والصّواب . وأصلح في عمله ، أو أمره : أتى بما هو صالح نافع . وأصلح الشّيء : أزال فساده .
وأصلح بينهما ، أو ذات بينهما ، أو ما بينهما : أزال ما بينهما من عداوة ونزاع برضا الطّرفين . وفي ، القرآن المجيد : { وإنْ طائفتانِ من المؤمنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بينَهما ، فإنْ بَغَتْ إحداهُما على الأخرى فقاتِلوا الّتي تبغي حتّى تَفِيء إلى أمرِ اللّهِ ، فإنْ فاءَتْ فأصلِحوا بينهما بالعدلِ وأَقْسِطُوا إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المقسِطِين } .
فالإصلاح والتّحكيم يفضّ بهما النّزاع ، غير أنّ الحكم لا بدّ فيه من تولية من القاضي أو الخصمين ، والإصلاح يكون الاختيار فيه من الطّرفين أو من متبرّع به .
الحكم التّكليفيّ :
التّحكيم مشروع . وقد دلّ على ذلك الكتاب والسّنّة والإجماع .
4 - أمّا الكتاب الكريم فقوله تعالى : { وإنْ خِفْتُم شِقَاقَ بينهما فابْعَثُوا حَكَمَاً من أهلِه وحَكَمَاً من أهلِها ، إنْ يُرِيدا إصلاحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بينهما } .
قال القرطبيّ : إنّ هذه الآية دليل إثبات التّحكيم .
5- وأمّا السّنّة المطهّرة ، « فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رضي بتحكيم سعد بن معاذ رضي الله عنه في أمر اليهود من بني قريظة ، حين جنحوا إلى ذلك ورضوا بالنّزول على حكمه » . « وإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رضي بتحكيم الأعور بن بشامة في أمر بني العنبر ، حين انتهبوا أموال الزّكاة » .
وفي الحديث الشّريف « أنّ أبا شريح هانئ بن يزيد رضي الله عنه لمّا وفد إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع قومه ، سمعهم يكنّونه بأبي الحكم . فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّ اللّه هو الحَكَم . وإليه الحُكْمُ ، فلم تكنّى أبا الحكم ؟ فقال : إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني ، فحكمت بينهم ، فرضي كلا الفريقين . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا . فما لك من الولد ؟ قال : لي شريح ، ومسلم ، وعبد اللّه . قال : فما أكبرهم ؟ قلت : شريح . قال : أنت أبو شريح . ودعا له ولولده » .
6- أمّا الإجماع ، فقد كان بين عمر وأبيّ بن كعب رضي الله عنهما منازعة في نخل ، فحكّما بينهما زيد بن ثابت رضي الله عنه .
واختلف عمر مع رجل في أمر فرس اشتراها عمر بشرط السّوم ، فتحاكما إلى شريح .
كما تحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم رضي الله عنهم ، ولم يكن زيد ولا شريح ولا جبير من القضاة . وقد وقع مثل ذلك لجمع من كبار الصّحابة ، ولم ينكره أحد فكان إجماعاً .
7- وبناءً على ذلك ذهب الفقهاء إلى جواز التّحكيم . إلاّ أنّ من الحنفيّة من امتنع عن الفتوى بذلك ، وحجّته : أنّ السّلف إنّما يختارون للحكم من كان عالماً صالحاً ديّناً ، فيحكم بما يعلمه من أحكام الشّرع ، أو بما أدّى إليه اجتهاد المجتهدين . فلو قيل بصحّة التّحكيم اليوم لتجاسر العوامّ ، ومن كان في حكمهم إلى تحكيم أمثالهم ، فيحكم الحكم بجهله بغير ما شرع اللّه تعالى من الأحكام ، وهذا مفسدة عظيمة ، ولذلك أفتوا بمنعه .
وقال أصبغ من المالكيّة : لا أحبّ ذلك ، فإن وقع مضى . ومنهم من لم يجزه ابتداءً .
ومن الشّافعيّة من قال بعدم الجواز ، ومنهم من قال بالجواز إذا لم يكن في البلد قاض . ومنهم من قال بجوازه في المال فقط . ومهما يكن فإنّ جواز التّحكيم هو ظاهر مذهب الحنفيّة والأصحّ عندهم ، والأظهر عند جمهور الشّافعيّة . وهو مذهب الحنابلة .
أمّا المالكيّة : فظاهر كلامهم نفاذه بعد الوقوع .
8- وطرفا التّحكيم هما الخصمان اللّذان اتّفقا على فضّ النّزاع به فيما بينهما ، وكلّ منهما يسمّى المحكّم بتشديد الكاف المكسورة .
وقد يكون الخصمان اثنين ، وقد يكونان أكثر من ذلك .
9- والشّرط في طرفي التّحكيم الأهليّة الصّحيحة للتّعاقد الّتي قوامها العقل ، إذ بدونها لا يصحّ العقد . ولا يجوز لوكيلٍ التّحكيمُ من غير إذن موكّله ، وكذلك الصّغيرُ المأذون له في التّجارة من غير إذن وليّه ، ولا يجوز التّحكيم من عامل المضاربة إلاّ بإذن المالك ، ولا من الوليّ والوصيّ والمحجور عليه بالإفلاس إذا كان ذلك يضرّ بالقاصر أو بالغرماء .
شروط المحكَّم :
10 - أ - أن يكون معلوماً . فلو حكّم الخصمان أوّل من دخل المسجد مثلاً لم يجز بالإجماع ، لما فيه من الجهالة ، إلاّ إذا رضوا به بعد العلم ، فيكون حينئذ تحكيماً لمعلوم .
11 - ب - أن يكون أهلاً لولاية القضاء .
وعلى ذلك اتّفاق المذاهب الأربعة ، على خلاف فيما بينها في تحديد عناصر تلك الأهليّة . والمراد بأهليّة القضاء هنا : الأهليّة المطلقة للقضاء ، لا في خصوص الواقعة موضوع النّزاع . وفي قول للشّافعيّة : إنّ هذا الشّرط يمكن الاستغناء عنه عندما لا يوجد الأهل لذلك . ومنهم من قال بعدم اشتراطه مطلقاً ، ومنهم من قيّد جواز التّحكيم بعدم وجود قاض ، وقيل : يتقيّد بالمال دون القصاص والنّكاح ، أي إثبات عقد النّكاح .
وفي قول للحنابلة : إنّ المحكّم لا تشترط فيه كلّ صفات القاضي .
وثمّة أحكام تفصيليّة لهذا الشّرط يرجع إليها في مبحث ( دعوى ) ( وقضاء ) .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ أهليّة القضاء يجب أن تكون متحقّقةً في المحكّم من وقت التّحكيم إلى وقت الحكم . ومن ذلك : أنّه يشترط في المحكّم : الإسلام ، إن كان حكماً بين مسلمين ، وكان أحدهما مسلماً ، أمّا إذا كانا غير مسلمين يشترط إسلام المحكّم . وعلّة ذلك أنّ غير المسلم أهل للشّهادة بين غير المسلمين ، فيكون تراضي الخصمين عليه كتولية السّلطان إيّاه . ومعلوم أنّ ولاية غير المسلم الحكم بين غير المسلمين صحيحة . وكذلك التّحكيم .
ولو كانا غير مسلمين ، وحكّما غير مسلم جاز . فإن أسلم أحد الخصمين قبل الحكم لم ينفذ حكم الحكم على المسلم ، وينفذ له . وقيل : لا ينفذ له أيضاً .
12 - أمّا المرتدّ فتحكيمه عند أبي حنيفة رضي الله عنه موقوف ، فإن عاد إلى الإسلام صحّ ، وإلاّ بطل . وعند أبي يوسف ومحمّد جائز في كلّ حال . وعلى ذلك فلو حكّم مسلم ومرتدّ رجلاً ، فحكم بينهما ، ثمّ قتل المرتدّ ، أو لحق بدار الحرب ، لم يجز حكمه عليهما .
13 - ورتّبوا على ذلك آثاراً تظهر في بعض الصّور التّفريعيّة ... من ذلك أنّ الخصمين لو حكّما صبيّاً فبلغ ، أو غير مسلم فأسلم ، ثمّ حكم ، لم ينفذ حكمه .
ولو حكّما مسلماً ، ثمّ ارتدّ لم ينفذ حكمه أيضاً ، وكان في ردّته عزله . فإذا عاد إلى الإسلام فلا بدّ من تحكيم جديد . ولو عمي المحكّم ، ثمّ ذهب العمى ، وحكم لم يجز حكمه .
أمّا إن سافر أو مرض أو أغمي عليه ، ثمّ قدم من سفره أو برئ وحكم جاز ، لأنّ ذلك لا يقدح بأهليّة القضاء . ولو أنّ حكماً غير مسلم ، حكّمه غير المسلمين ، ثمّ أسلم قبل الحكم ، فهو على حكومته ، لأنّ تحكيم غير المسلمين للمسلم جائز ونافذ . ولو أنّ أحد الخصمين وكّل الحكم بالخصومة فقبل ، خرج عن الحكومة على قول أبي يوسف ، ولم يخرج عنها على قول الإمام ومحمّد . وقد قال بعض العلماء : إنّه يخرج عنها في قول الكلّ .
14 - ج - أن لا يكون بين المحكّم وأحد الخصمين قرابة تمنع من الشّهادة . وإذا اشترى المحكّم الشّيء الّذي اختصما إليه فيه ، أو اشتراه ابنه أو أحد ممّن لا تجوز شهادته له ، فقد خرج من الحكومة . وإن حكَّم الخصم خصمه ، فحكم لنفسه ، أو عليها جاز تحكيمه ابتداءً ، ومضى حكمه إن لم يكن جَوْراً بيّناً ، وهو مذهب الحنفيّة والحنابلة .
أمّا المالكيّة فلهم في ذلك ثلاثة أقوال :
القول الأوّل : أنّه يجوز مطلقاً ، سواء أكان الخصم الحكم قاضياً أم غيره .
الثّاني : أنّه لا يجوز مطلقاً للتّهمة .
الثّالث : التّفرقة بين أن يكون المحكّم قاضياً أو غيره ، فإن كان الخصم المحكّم قاضياً لم يجز ، إن لم يكن قاضياً جاز . والقول الأوّل هو المعتمد ، وبه أخذ الحنابلة .
محلّ التّحكيم :
اختلف الفقهاء فيما يصلح أن يكون محلّاً للتّحكيم .
15 - فعند الحنفيّة لا يجوز التّحكيم في الحدود الواجبة حقّاً للّه تعالى باتّفاق الرّوايات . وحجّتهم : أنّ استيفاء عقوبتها ممّا يستقلّ به وليّ الأمر . وأنّ حُكْم المحكّم ليس بحجّة في حقّ غير الخصوم ، فكان فيه شبهة . والحدود تدرأ بالشّبهات .
وما اختاره السّرخسيّ من جواز التّحكيم في حدّ القذف فضعيف .
لأنّ الغالب فيه حقّ اللّه تعالى ، فالأصحّ في المذهب عدم جواز التّحكيم في الحدود كلّها .
16 - أمّا القصاص ، فقد روي عن أبي حنيفة أنّه لا يجوز التّحكيم فيه .
واختاره الخصّاف ، وهو الصّحيح من المذهب ، لأنّ التّحكيم بمنزلة الصّلح .
والإنسان لا يملك دمه حتّى يجعله موضعاً للصّلح . وما روي من جوازه في القصاص قياساً على غيره من الحقوق فضعيف روايةً ودرايةً ، لأنّ القصاص ليس حقّاً محضاً للإنسان - وإن كان الغالب فيه حقّه - وله شبه بالحدود في بعض المسائل .
17 - ولا يصحّ التّحكيم في ما يجب من الدّية على العاقلة ، لأنّه لا ولاية للحكمين على العاقلة ، ولا يمكنهما الحكم على القاتل وحده بالدّية ، لمخالفته حكم الشّرع الّذي لم يوجب ديةً على القاتل وحده دون العاقلة ، إلاّ في مواضع محدّدة - كما لو أقرّ بالقتل خطأً - وللتّفصيل انظر مصطلح ( دية ، عاقلة ) .
أمّا في تلك المواضع المحدّدة ، فإنّ التّحكيم جائز ونافذ .
18 - وليس للحَكَم أن يحكم في اللّعان كما ذكر البرجنديّ ، وإن توقّف فيه ابن نجيم .
وعلّة ذلك أنّ اللّعان يقوم مقام الحدّ . وأمّا فيما عدا ما ذكر آنفاً ، فإنّ التّحكيم جائز ونافذ . وليس للمحكّم الحبس ، إلاّ ما نقل عن صدر الشّريعة من جوازه .
19 - وأمّا المالكيّة ، فإنّ التّحكيم عندهم جائز إلاّ في ثلاثة عشر موضعاً هي :
الرّشد ، وضدّه ، والوصيّة ، والحبس ( الوقف ) ، وأمر الغائب ، والنّسب ، والولاء ، والحدّ ، والقصاص ، ومال اليتيم ، والطّلاق ، والعتق ، واللّعان . لأنّ هذه ممّا يختصّ بها القضاء . وسبب ذلك أنّ هذه الأمور إمّا حقوق يتعلّق بها حقّ اللّه تعالى ، كالحدّ والقتل والطّلاق ، أو حقوق لغير المتحاكمين ، كالنّسب ، واللّعان . وقد وضع ابن عرفة حدّاً لما يجوز فيه التّحكيم . فقال : ظاهر الرّوايات أنّه يجوز التّحكيم فيما يصحّ لأحدهما ترك حقّه فيه .
وقال اللّخميّ وغيره : إنّما يصحّ في الأموال ، وما في معناها .
20 - وأمّا الشّافعيّة فإنّ التّحكيم عندهم لا يجوز في حدود اللّه تعالى . إذ ليس فيها طالب معيّن ، وعلى هذا المذهب . ولو حكّم خصمان رجلاً في غير حدّ اللّه تعالى جاز مطلقاً بشرط أهليّة القضاء . وفي قول : لا يجوز . وقيل : بشرط عدم وجود قاض بالبلد .
وقيل : يختصّ التّحكيم بالأموال دون القصاص والنّكاح ونحوهما .
21 - وأمّا الحنابلة : فقد اختلفوا فيما يجوز فيه التّحكيم .
ففي ظاهر كلام أحمد أنّ التّحكيم يجوز في كلّ ما يمكن أن يعرض على القاضي من خصومات ، كما قال أبو الخطّاب ، يستوي في ذلك المال والقصاص والحدّ والنّكاح واللّعان وغيرها ، حتّى مع وجود قاض ، لأنّه كالقاضي ولا فرق . وقال القاضي أبو يعلى بجواز التّحكيم في الأموال خاصّةً . وأمّا النّكاح والقصاص والحدّ فلا يجوز فيها التّحكيم ، لأنّها مبنيّة على الاحتياط ، فلا بدّ من عرضها على القضاء للحكم .
شروط التّحكيم :
يشترط في التّحكيم ما يأتي :
22 - أ - قيام نزاع ، وخصومة حول حقّ من الحقوق .
وهذا الشّرط يستدعي حُكْماً قيام طرفين متشاكسين ، كلّ يدّعي حقّاً له قبل الآخر .
23 - ب - تراضي طرفي الخصومة على قبول حكمه ، أمّا المعيّن من قبل القاضي فلا يشترط رضاهما به ، لأنّه نائب عن القاضي .
ولا يشترط عند الحنفيّة تقدّم رضى الخصمين عن التّحكيم ، بل لو رضيا بحكمه بعد صدوره جاز . وعند الشّافعيّة : لا بدّ من تقدّم التّراضي .
24 - ج - اتّفاق المتخاصمين والحكم على قبول مهمّة التّحكيم ... ومجمل هذين الاتّفاقين يشكل ركن التّحكيم ، الّذي هو : لفظه الدّالّ عليه مع قبول الآخر .
وهذا الرّكن قد يظهر صراحةً . كما لو قال الخصمان : حكّمناك بيننا . أو قال لهما : أحكم بينكما ، فقبلا . وقد يظهر دلالةً ... فلو اصطلح الخصمان على رجل بينهما ، ولم يعلماه بذلك ، ولكنّهما اختصما إليه ، فحكم بينهما ، جاز .
وإن لم يقبل الحكم ، لم يجز حكمه إلاّ بتجديد التّحكيم .
وللخصمين أن يقيّدا التّحكيم بشرط ... فلو حكّماه على أن يحكم بينهما في يومه ، أو في مجلسه وجب ذلك . ولو حكّماه على أن يستفتي فلاناً ، ثمّ يقضي بينهما بما قال جاز .
ولو حكّما رجلين ، فحكم أحدهما ، لم يجز ، ولا بدّ من اتّفاقهما على المحكوم به .
فلو اختلفا لم يجز . وكذلك لو اتّفقا على تحكيم رجل معيّن . فليس له أن يفوّض غيره بالتّحكيم . لأنّ الخصمين لم يرضيا بتحكيم غيره .
ولو فوّض ، وحكم الثّاني بغير رضاهما ، فأجاز الأوّل حكمه ، لم يجز لأنّ الإذن منه في الابتداء لا يصحّ ، فكذا في الانتهاء ، ولا بدّ من إجازة الخصمين بعد الحكم . وقيل : ينبغي أن يجوز ، كالوكيل الأوّل إذا أجاز بيع الوكيل الثّاني .
إلاّ أنّ تعليق التّحكيم على شرط ، كما لو قالا لعبد : إذا أعتقت فاحكم بيننا ، وإضافته إلى وقت ، كما لو قالا لرجل : جعلناك حكماً غداً ، أو قالا : رأس الشّهر ... كلّ ذلك لا يجوز في قول أبي يوسف خلافاً لمحمّد . والفتوى على القول الأوّل .
25 - وليس للخصمين أن يتّفقا على محكّم ليس أهلاً للتّحكيم .
ولو حكم غير المسلم بين مسلمين ، فأجازا حكمه ، لم يجز ، كما لو حكّماه في الابتداء .
26 - ولا يحتاج الاتّفاق على التّحكيم لشهود تشهد على الخصمين بأنّهما قد حكّما الحَكَم . إلاّ أنّه ينبغي الإشهاد خوف الجحود .
ولهذا ثمرة عمليّة : إذ لو أنّ الخصمين حكّما الحكم ، فحكم بينهما ، فأنكر المحكوم عليه منهما أنّه حكّمه ، لم يقبل قول الحكم أنّ الجاحد حكّمه إلاّ ببيّنة .
27 - ويجب أن يستمرّ الاتّفاق على التّحكيم حتّى صدور الحكم ، إذ أنّ رجوع أحد الخصمين عن التّحكيم قبل صدور الحكم يلغي التّحكيم ، كما سنرى .
فلو قال الحكم لأحدهما : أقررت عندي ، أو قامت عندي بيّنة عليك بكذا ، وقد ألزمتك ، وحكمت بهذا ، فأنكر المقضيّ عليه الإقرار أو البيّنة لم يلتفت لقوله ، ومضى القضاء . لأنّ ولاية المحكّم قائمة . وهو في هذه الحالة كالقاضي . أمّا إن قال ذلك بعد أن عزله الخصم ، فإنّ قوله وحكمه لا يعتدّ به ، كالحكم الّذي يصدره القاضي بعد عزله .
28 - د - الإشهاد على الحكم ، وليس هذا شرطاً لصحّة التّحكيم ، وإنّما هو شرط لقبول قول الحكم عند الإنكار ، ولا بدّ من الإشهاد في مجلس الحكم .
طريق الحكم :
29- طريق كل شيء ما يوصل إليه ، حكماً كان أو غيره . وعليه فإن طريق الحكم :مايثبت به الحق موضوع النزاع والخصومة . وهذا لا يكون إلا بالنية ، أو الإقرار ، أو النكول عن حلف اليمين . يستوي في هذا حكم الحكم ، وحكم القاضي .
فإن قام الحكم على ذلك كان حجة موافقة للشرع . وإلا كان باطلاً .
ويبدو أن الحكَم لا يقضي بعلمه . وأما كتاب المحكَّم إلى القاضي ، وكتاب القاضي إليه فغير جائز ، إلا برضى الخصمين ، خلافاً للحنابلة الذين ذهبوا إلى جوازه ونفاذه .
الرّجوع عن التّحكيم :
30 - حقّ الرّجوع عن التّحكيم فرع من صفة التّحكيم الجوازيّة ... ولكنّ هذا الحقّ ليس مطلقاً .
31 - فقد ذهب الحنفيّة ، وسحنون من المالكيّة إلى أنّ لكلّ خصم أن يرجع عن التّحكيم قبل صدور الحكم ، ولا حاجة لاتّفاق الخصمين على ذلك . فإن رجع كان في ذلك عزل للمحكَّم . أمّا بعد صدور الحكم ، فليس لأحد حقّ الرّجوع عن التّحكيم ، ولا عزل المحكّم ، فإن رجع بعد الحكم لم يبطل الحكم ، لأنّه صدر عن ولاية شرعيّة للمحكّم ، كالقاضي الّذي يصدر حكمه ، ثمّ يعزله السّلطان .
وعلى هذا : فإن اتّفق رجلان على حكم يحكم بينهما في عدد من الدّعاوى ، فقضى على أحدهما في بعضهما ، ثمّ رجع المحكوم عليه عن تحكيم هذا الحكم ، فإنّ القضاء الأوّل نافذ ، ليس للحكم أن يحكم فيما بقي ، فإن حكم لا ينفذ .
وإن قال الحكم لأحد الخصمين : قامت عندي الحجّة بصحّة ما ادّعى عليك من الحقّ ، فعزله هذا الخصم ، ثمّ حكم عليه الحكم بعد ذلك لا ينفذ حكمه عليه .
32 - وعند المالكيّة : لا يشترط دوام رضا الخصمين إلى حين صدور الحكم . بل لو أقاما البيّنة عند الحكم ، ثمّ بدا لأحدهما أن يرجع عن التّحكيم قبل الحكم . تعيّن على الحكم أن يقضي ، وجاز حكمه . وقال أصبغ : لكلّ واحد منهما الرّجوع ما لم تبدأ الخصومة أمام الحكم ، فإن بدأت تعيّن عليهما المضيّ فيها حتّى النّهاية .
وقال ابن الماجشون : ليس لأحدهما الرّجوع ولو قبل بدء الخصومة .
33 - وعند الشّافعيّة : يجوز الرّجوع قبل صدور الحكم ، ولو بعد إقامة البيّنة . وعليه المذهب . وقيل بعدم جواز ذلك . أمّا بعد الحكم فلا يشترط رضا الخصم به كحكم القاضي . وقيل : يشترط ، لأنّ رضاهما معتبر في أصل التّحكيم ، فكذا في لزوم الحكم . والأظهر الأوّل. 34 - وعند الحنابلة : لكلّ من الخصمين أن يرجع عن التّحكيم قبل الشّروع في الحكم .
أمّا بعد الشّروع فيه ، وقيل تمامه ، ففي الرّجوع قولان :
أحدهما : له الرّجوع لأنّ الحكم لم يتمّ ، أشبه قبل الشّروع .
والثّاني : ليس له ذلك ، لأنّه يؤدّي إلى أنّ كلّ واحد منهما إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه رجع فبطل مقصوده . فإن صدر الحكم نفذ .
أثر التّحكيم :
35 - يراد بأثر التّحكيم : ما يترتّب عليه من نتائج .
وهذا الأثر يتمثّل في لزوم الحكم ونفاذه ، كما يتمثّل في إمكان نقضه من قبل القضاء .
أوّلاً : لزوم الحكم ونفاذه :
36 - متى أصدر الحكم حكمه ، أصبح هذا الحكم ملزماً للخصمين المتنازعين ، وتعيّن إنفاذه دون أن يتوقّف ذلك على رضا الخصمين ، وعلى ذلك الفقهاء . وحكمه في ذلك كحكم القاضي . وليس للحكم أن يرجع عن حكمه ، فلو رجع عن حكمه ، وقضى للآخر لم يصحّ قضاؤه ، لأنّ الحكومة قد تمّت بالقضاء الأوّل ، فكان القضاء الثّاني باطلاً .
37 - ولكنّ هذا الإلزام الّذي يتّصف به حكم الحكم ينحصر في الخصمين فقط ، ولا يتعدّى إلى غيرهما ، ذلك لأنّه صدر بحقّهما عن ولاية شرعيّة نشأت من اتّفاقهما على اختيار الحَكَم للحكم فيما بينهما من نزاع وخصومة . ولا ولاية لأيّ منهما على غيره ، فلا يسري أثر حكم الحكم على غيرهما .
38 - وتطبيقاً لهذا المبدأ ، فلو حكّم الخصمان رجلاً في عيب البيع فقضى الحكم بردّه ، لم يكن للبائع حقّ بردّه على بائعه ، إلاّ أن يرضى البائع الأوّل والثّاني والمشتري بتحكيمه ، فحينئذ يردّه على البائع الأوّل . وكذلك لو أنّ رجلاً ادّعى على آخر ألف درهم ، ونازعه في ذلك ، فادّعى أنّ فلاناً الغائب قد ضمنها له عن هذا الرّجل ، فحكّما بينهما رجلاً ، والكفيل غائب . فأقام المدّعي بيّنةً على المال ، وعلى الكفالة ، فحكم الحكم بالمال وبالكفالة ، صحّ الحكم في حقّ الدّائن والمدين ولم يصحّ بالكفالة ، ولا على الكفيل .
وإن حضر الكفيل ، والمكفول غائب ، فتراضى الطّالب والكفيل ، فحكم المحكّم بذلك كان الحكم جائزاً ، ونافذاً بحقّ الكفيل دون المكفول .
ولم يشذّ عن هذا المبدأ غير مسألة واحدة نصّ عليها الحنفيّة ، هي : ما لو حكّم أحد الشّريكين وغريمه رجلاً فحكم بينهما ، وألزم الشّريك شيئاً من المال المشترك نفذ هذا الحكم ، وتعدّى إلى الشّريك الغائب ، لأنّ حكمه بمنزلة الصّلح في حقّ الشّريك الغائب . والصّلح من صنيع التّجّار . فكان كلّ واحد من الشّريكين راضياً بالصّلح ، وما في معناه ...
وبعبارة أخرى فإنّ العرف بين التّجّار قد جعل التّحكيم من أحد الشّركاء كأنّه تحكيم من سائر الشّركاء . ولهذا لزم الحكم ، ونفذ في حقّهم جميعاً .
ثانياً : نقض الحكم :
39 - قد يرضى الخصمان بالحكم ، فيعملان على تنفيذه .. وقد يرى أحدهما رفعه إلى القضاء لمصلحة يراها .
أمّا الشّافعيّة ، والحنابلة ، فعندهم أنّ القاضي إذا رفع إليه حكم المحكّم لم ينقضه إلاّ بما ينقض به قضاء غيره من القضاة .
أمّا عند الحنفيّة فإذا رفع حكم المحكّم إلى القاضي نظر فيه ، فإن وجده موافقاً مذهبه أخذ به وأمضاه ، لأنّه لا جدوى من نقضه ، ثمّ إبرامه .
وفائدة هذا الإمضاء : أن لا يكون لقاض آخر يرى خلافه نقضه إذا رفع إليه ، لأنّ إمضاءه بمنزلة قضائه ابتداءً . أمّا إن وجده خلاف مذهبه أبطله ، وأوجب عدم العمل بمقتضاه ، وإن كان ممّا يختلف فيه الفقهاء . وهذا الإبطال ليس على سبيل اللّزوم ، بل هو على سبيل الجواز ، إن شاء القاضي أبطله ، وإن شاء أمضاه وأنفذه .
40 - ويجب أن تكون هذه الإجازة من القاضي بعد حكم المحكّم . وعليه فلو حكّما رجلاً ، فأجاز القاضي حكومته قبل أن يحكم ، ثمّ حكم بخلاف رأي القاضي لم يجز ، لأنّ القاضي أجاز المعدوم . وإجازة الشّيء قبل وجوده باطلة ، فصار كأنّه لم يجز .
ولكنّ السّرخسيّ قال : هذا الجواب صحيح فيما إذا لم يكن القاضي مأذوناً في استخلاف غيره . وأمّا إذا كان مأذوناً في الاستخلاف فيجب أن تجوز إجازته . وتجعل إجازة القاضي بمنزلة استخلافه إيّاه في الحكم بينهما ، فلا يكون له أن يبطل حكمه بعد ذلك .
وإن حكّما رجلاً ، فحكم بينهما ، ثمّ حكّما آخر ، فقضى بحكم آخر ، ثمّ رفع الحكمان إلى القاضي ، فإنّه ينفذ حكم الموافق لرأيه . هذا كلّه عند الحنفيّة . أمّا المالكيّة فعندهم أنّ القاضي لا ينقض حكم المحكّم إلاّ إذا كان جوراً بيّناً . سواء أكان موافقاً لرأي القاضي ، أم مخالفاً له . وقالوا بأنّ هذا لم يختلف فيه أهل العلم ، وبه قال ابن أبي ليلى .
انعزال الحَكَم :
41 - ينعزل الحكم بكلّ سبب من الأسباب الأتيّة :
أ - العزل : لكلّ من الطّرفين عزل المحكّم قبل الحكم ، إلاّ إذا كان المحكّم قد وافق عليه القاضي ، فليس لهما عزله ، لأنّ القاضي استخلفه .
ب - انتهاء الوقت المحدّد للتّحكيم قبل صدور الحكم .
ج - خروجه عن أهليّة التّحكيم .
د - صدور الحكم .

تحلّل *
التّعريف :
1 - التّحلّل ثلاثيّة من حلّ . وأصل معنى ( حلّ ) في اللّغة : فتح الشّيء وفكّ العقدة ، ويكون بفعل الإنسان ما يخرج به من الحرمة ، ويختلف باختلاف موضعه ، فإن كان من إحرام فهو الخروج منه بالطّريق الموضوع له شرعاً ، وإن كان من يمين فيخرج منها بالبرّ أو الكفّارة بشرطها ، وإن كان التّحلّل من الصّلاة فيكون بالسّلام ، وتفصيله في باب الصّلاة .
ولا يخرج استعماله شرعاً عن ذلك .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
التّحلّل من الإحرام :
والمراد به : الخروج من الإحرام . وحلّ ما كان محظوراً على المحرم قسمان :
أ - التّحلّل الأصغر ، ويسمّى أيضاً : التّحلّل الأوّل :
2 - ويكون عند الشّافعيّة والحنابلة بفعل أمرين من ثلاثة : رمي جمرة العقبة ، والنّحر ، والحلق أو التّقصير . ويباح بهذا التّحلّل لبس الثّياب وكلّ شيء ما عدا النّساء ( بالإجماع ) والطّيب عند البعض ، والصّيد عند المالكيّة .
أمّا الحنفيّة فيحصل التّحلّل الأصغر عندهم برمي الجمرة والحلق والتّقصير ، فإذا فعل ذلك حلّ له كلّ شيء إلاّ النّساء . وما ورد في بعض كتب الحنفيّة من استثناء الطّيب والصّيد أيضاً ضعيف . هذا ، ويجب الذّبح بين الرّمي والحلق للمتمتّع والقارن لمن قدر على ذلك ، لأنّ التّرتيب واجب بين هذه النّسك عند الحنفيّة .
والأصل في هذا الخلاف ما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : « كنت أطيّب النّبيَّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ، ويومَ النّحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك » . وقد جاء في بعض الأحاديث أنّه إذا رمى جمرة العقبة فقد حلّ له كلّ شيء إلاّ النّساء والطّيب ، لما أخرجه مالك في الموطّأ عن عمر رضي الله عنه أنّه خطب النّاس بعرفة ، وعلّمهم أمر الحجّ ، وقال لهم فيما قال : « إذا جئتم منًى فمن رمى الجمرة فقد حلّ له ما حرم على الحاجّ إلاّ النّساء والطّيب » .
وأمّا ما ذهب إليه مالك من تحريم الصّيد أيضاً : فإنّه أخذ بعموم قوله تعالى : { لا تَقْتُلوا الصّيدَ وأنتم حُرُمٌ } ووجه الاستدلال بالآية أنّ الحاجّ يعتبر محرماً ما لم يطف طواف الإفاضة . وأمّا دليل إباحة لبس الثّياب وكلّ شيء بعد رمي جمرة العقبة ، فهو حديث : « إذا رميتم الجمرة فقد حلّ كلّ شيء إلاّ النّساء » ، وحديث عائشة السّابق .
ب - التّحلّل الأكبر - ويسمّى أيضاً التّحلّل الثّاني :
3 - هذا التّحلّل هو الّذي يباح به جميع محظورات الإحرام دون استثناء ، ويبدأ الوقت الّذي تصحّ أفعال التّحلّل الأكبر فيه عند الحنفيّة والمالكيّة من طلوع فجر يوم النّحر ، ويحصل عندهما بطواف الإفاضة - بشرط الحلق أو التّقصير - هنا باتّفاقهما ، فلو أفاض ولم يحلق لم يتحلّل حتّى يحلق عند الحنفيّة والمالكيّة .
وزاد المالكيّة أن يكون الطّواف مسبوقاً بالسّعي ، وإلاّ لا يحلّ به حتّى يسعى ، لأنّ السّعي ركن عند المالكيّة ، وقال الحنفيّة : لا مدخل للسّعي في التّحلّل ، لأنّه واجب مستقلّ ، ونهاية وقت التّحلّل الأكبر بحسب ما يتحلّل به عندهما ، وهو الطّواف ، وهو لا يفوت .
وعند الشّافعيّة والحنابلة يبدأ وقت التّحلّل الأكبر من منتصف ليلة النّحر ، ويحصل التّحلّل الأكبر عندهما باستكمال أفعال التّحلّل الّتي ذكرت ، وهي : ثلاثة على القول بأنّ الحلق نسك ، واثنان على القول الآخر غير المشهور أنّه ليس بنسك ، ونهاية التّحلّل الأكبر عند الشّافعيّة والحنابلة بحسب ما يتحلّل به عندهما إن توقّف التّحلّل الأكبر على الطّواف أو الحلق أو السّعي ، أمّا الرّمي فإنّه مؤقّت بغروب شمس آخر أيّام التّشريق ، فإذا توقّف عليه التّحلّل ولم يرم حتّى آخر أيّام التّشريق فات وقت الرّمي بالكلّيّة ، فيحلّ عند الحنابلة بمجرّد فوات الوقت ، وإن بقي عليه الفداء مقابل ذلك ، وهذا قول عند الشّافعيّة ، لكنّ الأصحّ عندهم أنّه بفوات وقت الرّمي ينتقل التّحلّل إلى كفّارته ، فلا يحلّ حتّى يؤدّيها .
وحصول التّحلّل الأكبر باستكمال الأفعال الثّلاثة : رمي جمرة العقبة ، والحلق ، وطواف الإفاضة المسبوق بالسّعي محلّ اتّفاق الفقهاء ، وبه تباح جميع محظورات الإحرام بالإجماع.
التّحلّل من إحرام العمرة :
4 - اتّفق جمهور الفقهاء على أنّ للعمرة بعد أدائها تحلّلاً واحداً تباح به للمحرم جميع محظورات الإحرام ، ويحصل هذا التّحلّل بالحلق أو التّقصير باتّفاق المذاهب ، والتّفصيل في مصطلح ( عمرة ) .
التّحلّل من اليمين :
5 - اتّفق الفقهاء على أنّ اليمين المنعقدة المؤكّدة للحثّ أو المنع تنحلّ بفعل ما يوجب الحنث ، وهو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين ، وذلك إمّا بفعل ما حلف على ألاّ يفعله ، وإمّا بترك ما حلف على فعله ، إذا علم أنّه قد تراخى عن فعل ما حلف على فعله إلى وقت ليس يمكنه فيه فعله ، وذلك في اليمين بالتّرك المطلق ، مثل أن يحلف : لتأكلن هذا الرّغيف ، فيأكله غيره . أو إلى وقت هو غير الوقت الّذي اشترط وجود الفعل فيه ، وذلك في الفعل المشترط فعله في زمان محدّد ، مثل أن يقول : واللّه لأفعلن اليوم كذا ، فإنّه إذا انقضى النّهار ولم يفعل حنث ضرورةً ، واتّفقوا على أنّ الكفّارة في الأيمان هي الأربعة الأنواع الواردة في قوله تعالى : { لا يؤاخذُكم اللّهُ باللَّغوِ في أَيْمانِكم ولكنْ يُؤاخِذكم بما عَقَّدْتُم الأيمانَ فكفَّارتُه إطعامُ عَشَرَةِ مساكينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهليكم أو كِسْوَتُهم أو تحريرُ رَقَبَةٍ فمنْ لم يَجِدْ فَصِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ ذلك كفَّارةُ أيمانِكم إذا حَلَفْتُم } .
وجمهور الفقهاء على أنّ الحالف إذا حنث مخيّر بين الثّلاثة الأول أي : الإطعام أو الكسوة أو العتق ، وأنّه لا يجوز له الصّيام إلاّ إذا عجز عن الثّلاثة ، لقوله تعالى : { فمَنْ لمْ يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ } . والتّفصيل موطنه مصطلح ( أيمان ) .
والتّحلّل في اليمين : الاستثناء منها بقوله : إن شاء اللّه ، واختلف العلماء في الاستثناء أيشترط اتّصاله أو لا يشترط ؟ والتّفصيل موطنه مصطلح ( أيمان ، طلاق ) .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:09 PM

تحلِّي *
انظر : حلية .

تحليف *
انظر : حلف .

تحليق *
التّعريف :
1 - من معاني التّحليق في اللّغة : الاستدارة وجعل الشّيء كالحلقة .
ومن معانيه أيضاً : إزالة الشّعر ، يقال : حلق رأسه يحلقه حلقاً ، وتحلاقاً : أزال شعره ، كحلّقه واحتلقه . ومنه قوله تعالى : { محلِّقينَ رءوسَكم } ، وفي الحديث : « اللّهمّ اغفر للمحلِّقين » والتّحليق خلاف التّقصير ، وهو : الأخذ من الشّعر بالمقصّ . وخلاف النّتف ، وهو : نزع الشّعر من أصوله . ويرد في اصطلاح الفقهاء بالمعنيين المذكورين .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
التّحليق بمعنى الاستدارة في التّشهّد :
2 - يرد التّحليق بمعنى : الاستدارة في التّشهّد في الصّلاة ، سواء التّشهّد الأوّل أو الأخير . وصفته : أن يقبض المصلّي الخنصر والبنصر من يده اليمنى ، ويحلق بإبهامه مع الوسطى ويشير بالسّبّابة - وهي الأصبع الّتي تلي الإبهام - عند لفظ الجلالة رافعاً لها وهذا عند الحنابلة ، وهو القول الثّاني عند الشّافعيّة ، وقول للحنفيّة ، وقالوا : إنّه المفتى به . والتّحليق على الوجه المذكور سنّة .
وذكر عند المالكيّة : أنّ من مندوبات الصّلاة أن يعقد المصلّي في تشهّده من أصابع يده اليمنى الخنصر والبنصر والوسطى وهي موضوعة على فخذها الأيمن ، وأطرافها على اللّحمة الّتي تحت الإبهام على صفة تسعة ، وأن يمدّ السّبّابة والإبهام ، والإبهام بجانبها على الوسطى ممدودة على صورة العشرين ، فتكون الهيئة صفة التّسعة والعشرين ، وهذا هو قول الأكثر ، وندب أن يحرّك السّبّابة يميناً وشمالاً تحرّكاً وسطاً في جميع التّشهّد . ولم يسمّوا ذلك تحليقاً . والتّفصيل موطنه مصطلح : ( تشهّد ) .
التّحليق بمعنى إزالة الشّعر :
3 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحلق من المحظورات المتعلّقة ببدن الحرم ، لقوله تعالى : { ولا تَحْلِقُوا رءوسَكم حتّى يَبْلُغَ الهديُ مَحِلَّه فَمَنْ كان منكم مريضاً أو به أَذَى منْ رأسِه فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ } فيحظر على المحرم حلق رأسه أو رأس محرم غيره ، وقليل الشّعر كذلك يحظر حلقه أو قطعه ، وإن حلق المحرم شعره أثناء إحرامه فعليه الفدية للنّصّ . والحلق للتّحلّل من الإحرام أفضل من التّقصير .
روي عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال :
« اللّهمّ ارحم المحلّقين ، قالوا : والمقصّرين يا رسول اللّه ، قال : اللّهمّ ارحم المحلِّقين ، قالوا : والمقصِّرين يا رسول اللّه ، قال : والمقصّرين » .
وفي دعاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للمحلّقين ثلاثاً ، وللمقصّرين مرّةً دليل على أنّ الحلق في الحجّ والعمرة أفضل من التّقصير ، هذا إذا كان محرماً بالعمرة وحدها من غير إرادة تمتّع ، فإن كان متمتّعاً ، وأراد التّحلّل من عمرته ، فالأفضل له التّقصير ، ليتوفّر الحلق للتّحلّل من الحجّ .
وأجمع أهل العلم على أنّ التّقصير يجزئ عن الرّجال ، وأنّ النّساء سنّتهنّ التّقصير ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ليس على النّساء حَلْق ، إنّما عليهنّ التّقصير » ، ولا خلاف في أنّ حلق الرّأس في الحجّ نسك . والحلق - أو التّقصير - في ذاته واجب إذا كان على الرّأس شعر ، أمّا إذا لم يكن على رأسه شعر - كالأقرع ومن برأسه قروح - فإنّه يجب إمرار الموسى على رأسه عند الحنفيّة والمالكيّة ، واستحبّ ذلك الشّافعيّة والحنابلة . وبعد فراغ الحلق يقول : اللّه أكبر ثلاث مرّات ، اللّهمّ هذه ناصيتي بيدك ، فاجعل لي كلّ شعرة نوراً يوم القيامة ، واغفر لي ذنبي يا واسع المغفرة .
والتّفصيل موطنه مصطلح : ( إحرام ) ( حلق ) .

تحليل *
التّعريف :
1 - التّحليل لغةً ضدّ التّحريم ، وأصل الفعل ( حلّ ) ويتعدّى بالهمزة والتّضعيف ، فيقال : أحللته . ومنه { أحلَّ اللّهُ البيعَ } أي أباحه وخيّر في الفعل والتّرك ، واسم الفاعل : محلّ ومحلّل . والتّحليل في الشّرع هو : حكم اللّه تعالى بأنّ فعلاً ما هو حلال . قال ابن وهب : قال مالك : لم يكن من فتيا النّاس أن يقولوا : هذا حلال وهذا حرام ، ولكن يقولون : إيّاكم كذا وكذا ، ولم أكن لأصنع هذا . قال القرطبيّ : ومعنى هذا : أنّ التّحليل والتّحريم إنّما هو للّه عزّ وجلّ ، وليس لأحد أن يقول أو يصرّح بهذا في عين من الأعيان ، إلاّ أن يكون البارئ تعالى يخبر بذلك عنه . ثمّ قال : وقد يقوى الدّليل على التّحريم عند المجتهد ، فلا بأس عند ذلك أن يقول ذلك ، كما يقول : إنّ الرّبا حرام في غير الأعيان السّتّة .
وقد يطلق التّحليل ويراد منه العفو عن مظلمة ، ويطلق التّحليل ويراد منه : تحليل المطلّقة ثلاثاً لمطلّقها .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإباحة :
2 - الإباحة في اللّغة : الإحلال ، وفي الاصطلاح الأصوليّ : هي خطاب اللّه تعالى لمتعلّق بأفعال المكلّفين تخييراً من غير بدل . وعند الفقهاء : الإذن بإتيان الفعل حسب مشيئة الفاعل في حدود الإذن . وقد تطلق الإباحة على ما قابل الحظر ، شمل الفرض والإيجاب والنّدب . والإباحة فيها تخيير ، أمّا الحلّ فإنّه أعمّ من ذلك شرعاً . ر : ( إباحة ) .
تحليل الحرام :
3 - المراد به : جعل الحرام حلالاً ، كتحليل الرّبا ، فذلك افتراء على اللّه وكذب توعّد اللّه عليه بقوله : { ولا تَقُولوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكم الكَذِبَ هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لِتَفْتَرُوا على اللّهِ الكَذِبَ ، إنَّ الّذين يَفْتَرونَ على اللّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحون } .
التّحليل من الدّيون وغيرها :
4 - التّحليل من الدّين : إخراج الدّين منه . وأمّا التّحلّل فهو : طلب الخروج من المظالم ، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « مَنْ كانتْ له مَظْلَمَةٌ لأخيه من عرضه أو شيء فَلْيَتَحَلَّلْه منه اليومَ قبلَ أنْ لا يكونَ دينارٌ ولا درهمٌ » . والتّحليل قد يكون بمقابل وبغيره :
فالّذي بمقابل : كالزّوجة تريد أن تختلع من زوجها ، فتعطيه مالاً ليخلعها . والأصل في ذلك قوله تعالى : { ولا يَحِلُّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتُموهنّ شيئاً إلاّ أنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حدودَ اللّهِ فإِنْ خِفتم ألاّ يقيما حدودَ اللّهِ فلا جُنَاحَ عليهما فيما افتدتْ به } .
وقد يكون التّحليل بلا مقابل ، وأصل ذلك قوله تعالى : { وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهنَّ نِحْلَةً فإِنْ طِبْنَ لكم عن شيء منه نَفْسَاً فَكُلُوه هنيئاً مَريئاً } .
فقد دلّت الآية على جواز هبة المرأة للمهر ، وهو دين .
التّحليل من التّبعات والحقوق غير الماليّة للحيّ والميّت :
5 - من أخطأ في حقّ أخيه المسلم ، فإنّه يجب عليه أن يتوب إلى اللّه عن ذنبه .
وقال العلماء : إنّ للتّوبة شروطاً منها : أن يَبْرأ التّائبُ من حقّ المعتدى عليه ، فإن كان مالاً ردّه إليه ، إن كان حدّ قذف ونحوه مكّنه منه ، أو طلب عفوه ، وإن كان غيبةً استحلّه منها . ( ر : توبة ) .
نكاح المحلّل :
6 - ذهب الفقهاء إلى أنّ من طلّق زوجته طلقةً رجعيّةً أو طلقتين رجعيّتين جاز له إرجاعها في العدّة . وإذا كان الطّلاق بائناً بينونةً صغرًى ، فحكم ما دون الثّلاث من الواحدة البائنة والثّنتين البائنتين هو نقصان عدد الطّلاق وزوال ملك الاستمتاع ، حتّى لا يجوز وطؤها إلاّ بنكاح جديد ، ويجوز نكاحها من غير أن تتزوّج بزوج آخر ، لأنّ ما دون الثّلاث - وإن كان بائناً - فإنّه يوجب زوال ملك الاستمتاع ، لا زوال حلّ المحلّيّة .
أمّا إذا طلّق زوجته ثلاثاً ، فإنّ الحكم الأصليّ للطّلقات الثّلاث هو زوال ملك الاستمتاع وزوال حلّ المحلّيّة أيضاً ، حتّى لا يجوز له نكاحها قبل التّزوّج بزوج آخر ، لقوله تعالى : { فإِنْ طَلَّقَها فلا تَحِلُّ له مِنْ بَعْدُ حتَّى تَنْكِحَ زوجاً غيرَه } . بعد قوله تعالى : { الطَّلاقُ مرَّتان } . وإنّما تنتهي الحرمة وتحلّ للزّوج الأوّل بشروط :
أ - النّكاح :
7 - أوّل شروط التّحليل : النّكاح ، لقوله تعالى : { حتّى تَنْكِحَ زَوْجَاً غيرَه } فقد نفى حلّ المرأة لمطلّقها ثلاثاً ، وحدّ النّفي إلى غاية التّزوّج بزوج آخر . والحكم المحدود إلى غاية لا ينتهي قبل وجود الغاية ، فلا تنتهي الحرمة قبل التّزوّج ، فلا تحلّ للزّوج الأوّل قبله ضرورةً . وعلى هذا يخرج ما إذا وطئها إنسان بالزّنى أو بشبهة أنّها لا تحلّ لزوجها لعدم النّكاح .
ب - صحّة النّكاح :
8 - يشترط في النّكاح الثّاني لكي تحلّ المرأة للأوّل : أن يكون صحيحاً ، ولا تحلّ للأوّل إذا كان النّكاح فاسداً ، حتّى لو دخل بها ، لأنّ النّكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقةً ، ومطلق النّكاح ينصرف إلى ما هو نكاح حقيقةً . ولو كان النّكاح الثّاني مختلفاً في فساده ، ودخل بها ، لا تحلّ للأوّل عند من يقول بفساده لا قلنا .
ج - الوطء في الفرج :
9 - ذهب الجمهور إلى أنّه يشترط مع صحّة الزّواج : أن يطأها الزّوج الثّاني في الفرج ، فلو وطئها دون الفرج ، أو في الدّبر لم تحلّ للأوّل ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّق الحلّ على ذوق العسيلة منهما . فقال لامرأة رفاعة القرظيّ : « أتريدين أن تَرجعي إلى رفاعة ؟ لا ، حتّى تَذُوقي عُسَيْلَتَه وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك » .
ولا يحصل هذا إلاّ بالوطء في الفرج . وقال سعيد بن المسيّب : تحلّ بنفس العقد ، لحمله النّكاح في الآية على العقد دون الجماع ، وعامّة العلماء حملوا الآية على الجماع .
وأدنى الوطء تغييب الحشفة في الفرج ، لأنّ أحكام الوطء تتعلّق به ، وذلك بشرط الانتشار لأنّ الحكم يتعلّق بذوق العسيلة ، ولا تعقل من غير انتشار .
ولم يشترط الإنزال من الفقهاء إلاّ الحسن البصريّ ، فإنّه قال : لا تحلّ إلاّ بوطء وإنزال . واختلفوا فيما إذا وقع الوطء في وقت غير مباح كحيض أو نفاس ، هل يحلّ المرأة أم لا ؟ ذهب أبو حنيفة والشّافعيّ والثّوريّ والأوزاعيّ إلى أنّ الوطء يحلّ المرأة ، وإن وقع في وقت غير مباح كحيض أو نفاس ، سواء أكان الواطئ بالغاً عاقلاً أم صبيّاً مراهقاً أم مجنوناً ، لأنّ وطء الصّبيّ والمجنون يتعلّق به أحكام النّكاح ، من المهر والتّحريم ، كوطء البالغ العاقل . والحنابلة كالجمهور في أنّ وطء المجنون يحلّ المرأة كالعاقل . وكذلك الصّغيرة الّتي يجامع مثلها ، إذا طلّقها زوجها ثلاثاً ، ودخل بها الزّوج الثّاني ، حلّت للأوّل ، لأنّ وطأها يتعلّق به أحكام الوطء من المهر والتّحريم ، كوطء البالغة .
وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه يشترط أن يكون الوطء حلالاً ( مباحاً ) ، لأنّ الوطء غير المباح حرام لحقّ اللّه تعالى ، فلم يحصل به الإحلال كوطء المرتدّة . وبناءً على هذا : فلا تحلّ المرأة لزوجها الأوّل إذا جامعها زوجها الثّاني في صوم أو حجّ أو حيض أو اعتكاف . كما اشترط المالكيّة أن يكون الواطئ بالغاً ، واشترط الحنابلة أن يكون له اثنتا عشرة سنةً ، لأنّ من دون البلوغ أو من دون الثّانية عشرة لا يمكنه المجامعة .
وأمّا الذّمّيّة ، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ وطء زوجها الذّمّيّ يحلّها للأوّل ، لأنّ النّصرانيّ زوج . ولا يحلّها عند مالك وربيعة وابن القاسم .
الزّواج بشرط التّحليل :
10 - من تزوّج مطلّقةً ثلاثاً بشرط صريح في العقد على أن يحلّها لزوجها الأوّل فهو حرام عند الجمهور ، مكروه تحريماً عند الحنفيّة ، لحديث ابن مسعود : « لَعَنَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له » . ولقوله صلى الله عليه وسلم : « ألا أُخبركم بالتَّيْس المستعار ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : هو المحلِّل . لعن اللّهُ والملِّل المحلَّل له » .
والنّهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه .
وقد صرّح الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة ) بفساد هذا النّكاح للحديثين السّابقين ، ولأنّ النّكاح بشرط الإحلال في معنى النّكاح المؤقّت ، وشرط التّأقيت في النّكاح يفسده ، وما دام النّكاح فاسداً فلا يقع به التّحليل ، ويؤيّد هذا قول عمر رضي الله عنه :" واللّه لا أوتى بمحلّل ومحلّل له إلاّ رجمتهما ".
وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنّ النّكاح صحيح ، وتحلّ للأوّل بعد أن يطلّقها الثّاني وتنتهي عدّتها . ويكره للثّاني والأوّل ، لأنّ عمومات النّكاح تقتضي الجواز من غير فصل بين ما إذا شرط فيه الإحلال أو لا . فكان النّكاح بهذا الشّرط نكاحاً صحيحاً ، فيدخل تحت قوله تعالى : { حتّى تنكح زوجاً غيرَه } فتنتهي الحرمة عند وجوده ، إلاّ أنّه كره النّكاح لهذا الشّرط لغيره ، وهو أنّه شرط ينافي المقصود من النّكاح وهو السّكن والتّوالد والتّعفّف ، لأنّ ذلك يقف على البقاء والدّوام على النّكاح . وقال محمّد : النّكاح الثّاني صحيح ، ولا تحلّ للأوّل ، لأنّ النّكاح عقد مؤبّد ، فكان شرط الإحلال استعجال ما أخّره اللّه تعالى لغرض الحلّ ، فيبطل الشّرط ويبقى النّكاح صحيحاً ، لكن لا يحصل به الغرض .
الزّواج بقصد التّحليل :
11 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ الزّواج بقصد التّحليل - من غير شرط في العقد - صحيح مع الكراهة عند الشّافعيّة ، وتحلّ المرأة بوطء الزّوج الثّاني للأوّل ، لأنّ النّيّة بمجرّدها في المعاملات غير معتبرة ، فوقع الزّواج صحيحاً لتوافر شرائط الصّحّة في العقد ، وتحلّ للأوّل ، كما لو نويا التّأقيت وسائر المعاني الفاسدة .
وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ الزّواج بقصد التّحليل - ولو بدون شرط في العقد - باطل ، وذلك بأن تواطأ العاقدان على شيء ممّا ذكر قبل العقد ، ثمّ عقد الزّواج بذلك القصد ، ولا تحلّ المرأة به لزوجها الأوّل ، عملاً بقاعدة سدّ الذّرائع . ولحديث : « لعن اللّه المحلِّل والمحلَّل له » .
هدم طلقات الأوّل بالزّواج الثّاني :
12 - اتّفق الفقهاء على أنّ الزّوج الثّاني يهدم طلاق الزّوج الأوّل إذا كان ثلاثاً ، واختلفوا في أنّ الزّوج الثّاني هل يهدم ما دون الثّلاث ؟ وذلك كما إذا تزوّجت قبل الطّلقة الثّالثة ، ثمّ طلقت منه ، ثمّ رجعت إلى زوجها الأوّل . فذهب الجمهور ( مالك والشّافعيّ وأحمد ومحمّد بن الحسن ) إلى أنّه لا يهدم ، لأنّ هذا شيء يخصّ الثّالثة بالشّرع ، فلا يهدم ما دونها . وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يهدم ما دون الثّلاث ، لأنّه لمّا هدم الثّلاث فهو أحرى أن يهدم ما دونها ، وبه قال ابن عمر وابن عبّاس وعطاء والنّخعيّ .

تحلية *
التّعريف :
1 - التّحلية لغةً : إلباس المرأة الحليّ ، أو اتّخاذه لها لتلبسه . ويقال : تحلّت المرأة : لبست الحليّ أو اتّخذته . وحلّيتها بالتّشديد : ألبستها الحليّ ، أو اتّخذته لها لتلبسه . والتّحلية لا تخرج في معناها الشّرعيّ عن هذا التّعريف .
الألفاظ ذات الصّلة :
تزيين :
2 - التّزيين من الزّينة ، والزّينة اسم جامع لكلّ شيء يتزيّن به . فالتّزيّن أعمّ من التّحلية ، لتناوله ما ليس حليةً كالاكتحال وتسريح الشّعر والاختضاب .
الحكم التّكليفيّ :
3 - يختلف حكم التّحلية بحسب الأحوال .
فقد تكون التّحلية واجبةً كستر العورة ، وتزيّن الزّوجة لزوجها متى طلب منها ذلك .
وقد تكون مستحبّةً كتحلّي الرّجل للجمعة والعيدين ومجامع النّاس ولقاء الوفود وخضاب الشّيب للرّجل والمرأة بصفرة أو حمرة كما هو عند الحنفيّة .
وقد تكون مكروهةً كلبس المعصفر والمزعفر للرّجال كما هو عند الحنفيّة ، وخضاب الرّجل يديه ورجليه للتّشبّه بالنّساء عندهم أيضاً .
وقد تكون حراماً كتحلّي الرّجال بحلية النّساء ، وتحلّي النّساء بحلية الرّجال ، وكتحلّي الرّجال بالذّهب .
الإسراف في التّحلية :
4 - التّحلية المباحة أو المستحبّة إذا أسرف فيها تصبح محظورةً ، وقد تصل إلى مرتبة التّحريم . والإسراف : هو مجاوزة حدّ الاستواء ، فتارةً يكون بمجاوزة الحلال إلى الحرام ، وتارةً يكون بمجاوزة الحدّ في الإنفاق ، فيكون ممّن قال اللّه تعالى فيهم { إنَّ المبذِّرِين كانوا إِخْوانَ الشَّياطينِ } والإسراف وضدّه من الإقتار مذمومان ، والاستواء هو التّوسّط قال اللّه تعالى : { والّذين إذا أَنفقوا لم يُسْرفوا ولم يَقْتُروا وكان بين ذلك قَوَاماً } .
تحلية المحدَّة :
5 - المحدّة من النّساء هي : المرأة الّتي تترك الزّينة والحليّ والطّيب بعد وفاة زوجها للعدّة ، والحداد تركها ذلك . وإحدادها في اصطلاح الفقهاء : امتناعها عن الزّينة وما في معناها مدّةً مخصوصةً في أحوال مخصوصة حزناً على فراق زوجها ، سواء أكان بالموت - وهو بالإجماع - أم بالطّلاق البائن ، وهو مذهب الحنفيّة على خلاف .
6- وقد أجمع الفقهاء على أنّه يحرم على المحدّة أن تستعمل الذّهب بكلّ صوره ، فيلزمها نزعه حين تعلم بموت زوجها ، لا فرق في ذلك بين الأساور والدّمالج والخواتم ، ومثله الحليّ من الجواهر ، ويلحق به ما يتّخذ للحلية من غير الذّهب والفضّة كالعاج وغيره . وجوّز بعض الفقهاء لبس الحليّ من الفضّة ، ولكنّه قول مردود ، لعموم النّهي عن لبس الحليّ على المحدّة في قوله صلى الله عليه وسلم : « ولا الحليّ » ولأنّ الزّينة تحصل بالفضّة ، فحرم عليها لبسها والتّحلّي بها كالذّهب . وقصر الغزاليّ الإباحة على لبس الخاتم من الفضّة ، لأنّه ليس ممّا تختصّ النّساء بحلّه ، ويحرم عليها أن تتحلّى لتتعرّض للخطاب بأيّ وسيلة من الوسائل تلميحاً أو تصريحاً لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما رواه النّسائيّ وأبو داود : « ولا تلبس المعصفر من الثّياب ولا الحليّ » .
التّحلّي في الإحرام :
7 - وهو إمّا أن يكون ممّن يريده بحجّ أو عمرة أو ممّن أحرم بهما فعلاً .
وتحلّي المرأة المحرمة بالذّهب وغيره من الحليّ مباح ، سواء أكان سواراً أم غيره ، لقول ابن عمر رضي الله عنهما « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم النّساء في إحرامهنّ عن القفّازين والنّقاب ، وما مسّ الورس والزّعفران من الثّياب ، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثّياب ، من معصفر أو خزّ أو حليّ » .
قال ابن قدامة : فأمّا الخلخال وما أشبهه من الحليّ مثل السّوار والدّملوج فظاهر كلام الخرقيّ : أنّه لا يجوز لبسه . وقد قال أحمد : المحرمة والمتوفّى عنها زوجها يتركان الطّيب والزّينة ، ولهما ما سوى ذلك ، وروي عن عطاء : أنّه كان يكره للمحرمة الحرير والحليّ . وكرهه الثّوريّ وأبو ثور . وروي عن قتادة أنّه كان لا يرى بأساً أن تلبس المرأة الخاتم والقرط وهي محرمة ، وكره السّوارين والدّملجين والخلخالين .
وظاهر مذهب أحمد : الرّخصة فيه . وهو قول ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما وأصحاب الرّأي . قال أحمد في رواية حنبل : تلبس المحرمة الحليّ والمعصفر . وقال عن نافع : كان نساء ابن عمر وبناته يلبسن الحليّ والمعصفر وهنّ محرمات لا ينكر ذلك عبد اللّه . وروى أحمد في المناسك عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : تلبس المحرمة ما تلبس وهي حلال من خزّها وقزّها وحليّها .
وقد ذكرنا حديث ابن عمر أنّه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ولْتلبس بعد ذلك ما أَحبّت من ألوانِ الثّيابِ من معصفر أو خزّ أو حليّ » قال ابن المنذر : لا يجوز المنع منه بغير حجّة ، ويحمل كلام أحمد والخرقيّ في المنع على الكراهة لما فيه من الزّينة .
ولبس خاتم الفضّة للرّجال والنّساء جائز عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ولا يجوز عند المالكيّة للرّجل وفيه الفداء ، ويجوز للمرأة .
8- ومن التّحلّي في الإحرام أن يتطيّب في بدنه . وهو وإن كان من محظورات الإحرام ، لكنّه سنّ استعداداً له عند الجمهور ، وكره المالكيّة الإحرام بمطيّب ، وندبوه بغيره . والتّطيّب في ثوب الإحرام قبل الإحرام منعه الجمهور ، وأجازه الشّافعيّة في القول المعتمد عندهم . وأمّا بعد الإحرام فإنّ التّحلية بالطّيب وما في معناه هو من محظورات الإحرام ، وأمّا لبس المرأة حليّها في الإحرام فلا بأس به ما لم يكن فيه إغراء ر : ( إحرام ) .

تحمّل *
التّعريف :
1 - التّحمّل في اللّغة مصدر تحمّل الشّيء أي : حمله ، ولا يطلق إلاّ على ما في حمله كلفة ومشقّة ، يقال : رجل حمّال يحمل الكلّ عن النّاس .
وفي الأثر : « لا تحلّ المسألة إلاّ لثلاث منها : رجل تحمّل حمالةً عن قوم » .
وفي تسمية ما قد يطلب من الشّخص الشّهادة فيه تحمّلاً ، إشارةً إلى أنّ الشّهادة من أعلى الأمانات الّتي يحتاج حملها إلى كلفة ومشقّة . وفي الاصطلاح الشّرعيّ : التّحمّل : التزام أمر وجب على الغير ابتداءً باختياره ، أو قهراً من الشّرع .
حكمه التّكليفيّ :
2 - التّحمّل يختلف حكمه باختلاف مواضعه ، فهو في الشّهادة فرض كفاية ، وهو واجب عينيّ على العاقلة في دية الخطأ وشبه العمد .
أوّلاً - تحمّل الشّهادة :
3 - اتّفق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ تحمّل الشّهادة فرض كفاية في غير الحدود ، كالنّكاح والإقرار بأنواعه ، وذلك للحاجة إلى الشّهادة ، ولتوقّف انعقاد النّكاح عليها ، لقوله تعالى : { ولا يَأْبَ الشّهداءُ إذا ما دُعُوا } وسمّوا شهداء باعتبار ما سيئول إليه أمرهم ، فإن قام بالتّحمّل العدد المعتبر في الشّهادة سقط الحرج عن الباقين ، وإلاّ أثموا جميعاً .
هذا إذا كانوا كثيرين ، فإن لم يكن إلاّ العدد اللّازم للشّهادة تعيّن عليهم .
الامتناع عن تحمّل الشّهادة :
4 - إذا دعي المكلّف إلى تحمّل شهادة في نكاح أو دين أو غيره لزمته الإجابة . وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك . فإن قام بالفرض في التّحمّل أو الأداء اثنان سقط الإثم عن الجميع ، وإن امتنع الكلّ أثموا ، وإنّما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر ، وكانت شهادته تنفع ، فإن كان عليه ضرر في التّحمّل أو الأداء ، أو كان ممّن لا تقبل شهادته ، أو يحتاج إلى التّبذّل في التّزكية ونحوها لم يلزمه ، لقول اللّه تعالى : { ولا يُضَارَّ كاتِبٌ ولا شَهيدٌ } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضِرار » ولأنّه لا يلزمه أن يضرّ بنفسه لنفع غيره ، وإذا كان ممّن لا تقبل شهادته لم يجب عليه ، لأنّ مقصود الشّهادة لا يحصل منه ، وهل يأثم بالامتناع إذا وجد غيره ممّن يقوم مقامه ؟ فيه وجهان للحنابلة : أحدهما : يأثم ، لأنّه قد تعيّن بدعائه ، ولأنّه منهيّ عن الامتناع بقوله : { ولا يَأْبَ الشُّهداءُ إذا ما دُعُوا } .
والثّاني : لا يأثم ، لأنّ غيره يقوم مقامه ، فلم يتعيّن في حقّه ، كما لو لم يدع إليها .
أخذ الأجرة على التّحمّل :
5 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى جواز أخذ الأجرة على التّحمّل قولاً واحداً في المذهبين ، إن كان التّحمّل فرض كفاية وفيه كلفة ، فإن لم يكن فيه كلفة فليس له أخذ الأجرة عليه . وإن تعيّن عليه التّحمّل ، كأن لم يوجد غيره ، فله أخذ الأجرة إن كان في التّحمّل كلفة على الأصحّ في المذهبين .
وقد اختلفت الأقوال عند الحنابلة في أخذ الأجرة على التّحمّل ، فلا يجوز أخذ الأجرة لمن تعيّن عليه ، وهو المذهب مطلقاً ، ولا لمن لم يتعيّن عليه في أصحّ الوجهين عندهم ، والوجه الثّاني : يجوز . وقيل : يجوز أخذ الأجرة للحاجة ، وقيل : يجوز مطلقاً .
أمّا الحنفيّة : فتحمّل الشّهادة - وكذلك أداؤها - يجب على الشّاهد إن لم يوجد غيره ، لأنّ ذلك يعتبر فرض عين ، ولا أجرة للشّاهد .
تحمّل الشّهادة على الشّهادة :
6 - لا خلاف بين الفقهاء في جواز الشّهادة على الشّهادة في الأموال ، وما يقصد به المال ، والأنكحة ، والفسوخ ، والطّلاق ، والرّضاع ، والولادة ، وعيوب النّساء ، وحقوق اللّه عدا الحدود كالزّكاة ، ووقف المساجد والجهات العامّة .
واختلفوا في القصاص وحدّ القذف . فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يجوز التّحمّل في القصاص وحدّ القذف ، لأنّه حقّ آدميّ ، وهو مبنيّ على المنازعة ، ولا يسقط بالرّجوع عن الإقرار به ، ولا يستحبّ السّتر ، فأشبه الأموال .
وعند الحنفيّة والحنابلة لا يجوز التّحمّل في القصاص وحدّ القذف ، لأنّ كلّاً منهما عقوبة بدنيّة تدرأ بالشّبهات ، وتبنى على الإسقاط ، فأشبهت الحدود .
وهناك شروط لتحمّل الشّهادة على الشّهادة تنظر في مصطلح : ( شهادة ) .
ثانياً - تحمّل العاقلة عن الجاني دية الخطأ ، وشبه العمد :
7 - اتّفق الفقهاء على أنّ العاقلة تتحمّل دية الخطأ . ثمّ اختلفوا على من تجب أوّلاً . فذهب الجمهور ، وهو الأصحّ والمعتمد عند الشّافعيّة : إلى أنّ دية الخطأ تلزم الجاني ابتداءً ، ثمّ تتحمّلها عنه العاقلة . والقول الآخر للشّافعيّة : تجب ابتداءً على العاقلة .
وكذلك دية شبه العمد عند الأئمّة الثّلاثة : أبي حنيفة والشّافعيّ وأحمد . أمّا مالك فلا يثبت شبه العمد في القتل أصلاً . واستدلّوا لذلك بقضاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالدّية على العاقلة . في الحديث المتّفق عليه ، وهو : « أنّ امرأتين اقتتلتا ، فحذفت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، فقضى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ دية جنينها غرّة عبد أو أمة ، وقضى بدية المرأة على عاقلتها » . وكان قتلها شبه عمد ، فثبوت ذلك في الخطأ أولى . أمّا جهات العاقلة وترتيبهم في التّحمّل فيرجع فيه إلى مصطلح : ( عاقلة ) .
ثالثاً - تحمّل الإمام عن المأموم :
8 - لا تجب القراءة على المأموم خلف الإمام ، ويتحمّلها عنه الإمام ، سواء أكان مسبوقاً أم غير مسبوق عند الأئمّة : أبي حنيفة ومالك وأحمد ، على خلاف بينهم في حكم قراءته خلف الإمام ، من كراهة القراءة عند الحنفيّة سرّاً وجهراً ، وعند المالكيّة جهراً ، واستحبابها عند الحنابلة .
وعند الشّافعيّة : يتحمّل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة إذا كان مسبوقاً ، فأدرك الإمام في الرّكوع ، أو في القيام بقدر لا يتّسع لقراءة الفاتحة ، كما يتحمّل عنه سهوه في حال اقتدائه. أمّا غير المسبوق فلا يتحمّل عنه الإمام القراءة ، وتجب عليه على تفصيل يعرف في مصطلح : ( قراءة ) . وممّا يتحمّله الإمام عن المأموم أيضاً : سجود السّهو ، وسجود التّلاوة ، والسّترة ، لأنّ سترة الإمام سترة لمن خلفه .
مواطن البحث :
9 - يذكر التّحمّل عند الفقهاء في الشّهادات والدّية ، وتحمّل الإمام خطأ المأمومين ، وتحمّل الحديث .

تحميد *
التّعريف :
1 - التّحميد في اللّغة : كثرة الثّناء بالمحامد الحسنة ، وهو أبلغ من الحمد . والتّحميد في الإطلاق الشّرعيّ يراد به كثرة الثّناء على اللّه تعالى ، لأنّه هو مستحقّ الحمد على الحقيقة . والأحسن التّحميد بسورة الفاتحة ، وبما يثنى عليه في الصّلاة بقوله : سبحانك اللّهمّ وبحمدك .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الشّكر :
2 - الشّكر في اللّغة : الثّناء على المحسن بما قدّم لغيره من معروف .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن ذلك . والشّكر كما يكون باللّسان يكون باليد والقلب . والشّكر مجازاة للمحسن على إحسانه ، وقد يوضع الحمد مكان الشّكر ، تقول : حمدته على شجاعته ، يعني أثنيت على شجاعته ، كما تقول : شكرته على شجاعته ، وهما متقاربان ، إلاّ أنّ الحمد أعمّ ، لأنّك تحمد على الصّفات ولا تشكر ، وذلك يدلّ على الفرق .
ب - المدح :
3 - المدح من معانيه في اللّغة : الثّناء الحسن تقول : مدحته مدحاً من باب نفع : أثنيت عليه بما فيه من الصّفات الجميلة ، خلقيّةً كانت أو اختياريّةً . والمدح في الاصطلاح : هو الثّناء باللّسان على الجميل الاختياريّ قصداً . ولهذا كان المدح أعمّ من الحمد .
الحكم الإجماليّ :
4 - مواطن التّحميد في حياة الإنسان متعدّدة . فهو مطالب به عرفاناً منه بنعم اللّه تعالى وثناءً عليه بما هو أهله ، على ما أولاه من نعم لا حصر لها ، قال تعالى : { وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها } فلا طاقة على عدّها ، ولا قدرة على حصرها لكثرتها ، كالسّمع والبصر وغير ذلك من العافية والرّزق ، وهي نعم منه سبحانه ، ولذا هيّأ للإنسان من الأسباب ما يعينه على القيام بحمده والثّناء عليه بما هو أهله .
والتّحميد تارةً يكون واجباً كما في خطبة الجمعة . وتارةً يكون سنّةً مؤكّدةً كما هو بعد العطاس . وتارةً يكون مندوباً كما في خطبة النّكاح ، وفي ابتداء الدّعاء ، وفي ابتداء كلّ أمر ذي بال ، وبعد كلّ أكل وشرب ونحو ذلك . وتارةً يكون مكروهاً كما في الأماكن المستقذرة . وتارةً يكون حراماً كما في الفرح بالمعصية . وتفصيل ذلك كما يأتي :
التّحميد في خطبتي الجمعة :
5 - التّحميد في خطبتي الجمعة مطلوب شرعاً ، على خلاف بين الفقهاء في فرضيّته أو ندبه . والبداءة به فيهما مستحبّة ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : « كلّ كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم » ، ولما روى جابر رضي الله عنه « أنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب النّاس يحمد اللّه ويثني عليه بما هو أهله » .
والتّفصيل في ( صلاة الجمعة ) .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:09 PM

التّحميد في خطبة النّكاح :
6 - يستحبّ التّحميد في خطبة النّكاح قبل إجراء العقد ، لما ورد فيها من لفظه عليه الصلاة والسلام : « الحمد للّه نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا ، من يهده اللّه فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله { يا أيّها النّاسُ اتَّقُوا ربَّكم الّذي خَلَقَكم منْ نفسٍ واحدةٍ وَخَلَقَ منها زوجَها وَبثَّ منهما رِجَالاً كثيراً ونساءً واتَّقُوا اللّهَ الّذي تَسَاءلُونَ به والأرحامَ إنَّ اللّهَ كان عليكم رَقِيباً } { يا أيّها الّذين آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حقَّ تُقَاتِه ولا تَمُوتُنَّ إلاّ وأَنْتُم مسلمونَ } { يا أيّها الّذين آمنوا اتَّقُوا اللّهَ وقُولُوا قولاً سَديداً يُصْلِحْ لكم أعمالَكم ويَغْفِرْ لكم ذنوبَكم ومن يُطِعِ اللّهَ ورسولَه فقد فازَ فوزاً عظيماً } » .
التّحميد في افتتاح الصّلاة :
7 - التّحميد في افتتاح الصّلاة - وهو المعبّر عنه بدعاء الاستفتاح - سنّة : فقد « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصّلاة كبّر ، ثمّ رفع يديه حتّى يحاذي بإبهاميه أذنيه ، ثمّ يقول : سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدّك ، ولا إله غيرك » وذلك متّفق عليه بين الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
والتّحميد عند استواء الرّفع من الرّكوع في الصّلاة واجب عند الحنابلة ، لما روى الدّارقطنيّ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لبريدة رضي الله عنه : يا بريدة إذا رفعت رأسك من الرّكوع فقل : سمع اللّه لمن حمده ، ربّنا ولك الحمد » وسنّة عند الحنفيّة والشّافعيّة للمأموم والمنفرد ، فإنّهما يجمعان بين التّسميع والتّحميد ، ويكتفي المأموم بالتّحميد اتّفاقاً للأمر به ، لما روى أنس وأبو هريرة رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : إذا قال الإمام : سمع اللّه لمن حمده ، فقولوا : ربّنا ولك الحمد » ولما في صحيح البخاريّ عن رفاعة بن رافع الزّرقيّ رضي الله عنه قال : « كنّا يوماً نصلّي وراء النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلمّا رفع رأسه من الرّكعة قال : سمع اللّه لمن حمده فقال رجل وراءه : ربّنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه . فلمّا انصرف قال : من المتكلّم ؟ قال : أنا . قال : رأيت بضعةً وثلاثين ملكاً يبتدرونها . أيّهم يكتبها أوّل » .
وهذا التّحميد بعد قول الإمام أو قول الفرد : سمع اللّه لمن حمده ، مندوب عند المالكيّة .
التّحميد لمن فرغ من الصّلاة عقيب التّسليم :
8 - هو مستحبّ عند الشّافعيّة . لما روى ابن الزّبير رضي الله عنهما « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يهلّل في إثر كلّ صلاة فيقول : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كلّ شيء قدير ، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه ، ولا نعبد إلاّ إيّاه ، وله النّعمة ، وله الفضل ، وله الثّناء الحسن ، لا إله إلاّ اللّه ، مخلصين له الدّين ولو كره الكافرون » .
وسنّة عند الحنفيّة والحنابلة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من سبّح اللّه في دبر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين ، وحمد اللّه ثلاثاً وثلاثين ، وكبّر اللّه ثلاثاً وثلاثين ، فتلك تسعة وتسعون ، وقال في تمام المائة : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كلّ شيء قدير ، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر » .
ويسنّ عندهم أن يقول بعد ذلك : « اللّهمّ أعِنّي على ذِكْرك وشُكرك وحُسْنِ عبادتِك » ويختم ذلك بقوله : « سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد للّه ربّ العالمين » وزاد الحنابلة على ما استدلّوا به الحديث الّذي استدلّ به الشّافعيّة . والأولى البدء بالتّسبيح لأنّه من باب التّخلية ، ثمّ التّحميد لأنّه من باب التّحلية ، ثمّ التّكبير لأنّه تعظيم .
التّحميد في صلاة العيدين بعد التّحريمة :
9 - هو سنّة عند الحنفيّة للإمام والمؤتمّ ، فيثني ويحمد مستفتحاً " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدّك ، ولا إله غيرك " وذلك مقدّم على تكبيرات الزّوائد .
وهو سنّة بين التّكبيرات عند الحنابلة ، فيقول بينها : اللّه أكبر كبيراً ، والحمد للّه كثيراً ، وسبحان اللّه بكرةً وأصيلاً ، وصلّى اللّه على محمّد النّبيّ وآله وسلّم تسليماً كثيراً .
لما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : « سألت ابن مسعود رضي الله عنه عمّا يقوله بين تكبيرات العيد ؟ قال : يحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ يدعو ويكبّر » .
التّحميد في صلاة الاستسقاء وصلاة الجنازة :
10 - التّحميد في خطبة صلاة الاستسقاء سنّة عند الشّافعيّة والحنابلة ، ومستحبّ عند الحنفيّة والمالكيّة . وهو صلاة الجنازة بعد التّكبيرة الأولى سنّة عند الحنفيّة . فيقول المصلّي : سبحانك اللّهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك .
التّحميد في تكبيرات التّشريق :
11 - التّحميد في تكبيرات التّشريق سنّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، فيقول كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « اللّه أكبر اللّه أكبر ، لا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر وللّه الحمد » . وقد روي أنّه صلى الله عليه وسلم « قال على الصّفا : اللّه أكبر . اللّه أكبر . اللّه أكبر . اللّه أكبر كبيراً والحمد للّه كثيراً ، وسبحان اللّه بكرةً وأصيلاً ، لا إله إلاّ اللّه ولا نعبد إلاّ إيّاه ، مخلصين له الدّين ولو كره الكافرون ، لا إله إلاّ اللّه وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . لا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر » . والجمع بين التّكبير والتّهليل والتّحميد في أيّام التّشريق أفضل وأحسن عند المالكيّة ، فيقول إن أراد الجمع : اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، لا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر . اللّه أكبر ، وللّه الحمد . وقد روي عن مالك هذا .
التّحميد للعاطس في غير صلاة :
12 - اتّفق العلماء على أنّه يسنّ للعاطس إذا عطس أن يحمد اللّه ، فيقول عقبه : الحمد للّه . ولو قال : الحمد للّه ربّ العالمين ، أو الحمد للّه على كلّ حال كان أفضل ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد للّه . وليقل له أخوه أو صاحبه : يرحمك اللّه » وعنه رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد للّه على كلّ حال » وعن أنس رضي الله عنه قال : « عطس رجلان عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشَمَّتَ أحدَهما ، ولم يشمّت الآخر . فقال الّذي لم يشمّته : عطس فلان فشمَّتَّه ، وعطستُ فلم تُشَمِّتْني ؟ فقال : هذا حمد اللّه تعالى ، وإنّك لم تحمد اللّه تعالى » . وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : { إذا عطس أحدكم فحمد اللّه تعالى فشمّتوه ، فإن لم يحمد اللّه فلا تشمّتوه } .
التّحميد للخارج من الخلاء بعد قضاء حاجته :
13 - وهو مندوب عند المالكيّة والشّافعيّة ، وسنّة عند الحنفيّة والحنابلة ، فيقول : « غفرانك » « الحمد للّه الّذي أذهب عنّي الأذى وعافاني » .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما ما قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء يقول : الحمد للّه الّذي أذاقني لذّته ، وأبقى في قوّته ، وأذهب عنّي أذاه » .
التّحميد لمن أكل أو شرب :
14 - هو مستحبّ لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشّربة فيحمده عليها » .
ولما رواه أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال : الحمد للّه الّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين » وروى معاذ بن أنس الجهنيّ رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من أكل طعاماً فقال : الحمد للّه الّذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول منّي ولا قوّة غفر له ما تقدّم من ذنبه » . ولما روى أبو أيّوب خالد بن زيد الأنصاريّ رضي الله عنه قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال : الحمد للّه الّذي أطعم وسقى وسوّغه وجعل له مخرجاً » . ولما روى عبد الرّحمن بن جبير التّابعيّ « أنّه حدّثه رجل خدم النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثماني سنوات أنّه كان يسمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قرّب إليه طعاماً يقول : بسم اللّه . فإذا فرغ من طعامه قال : اللّهمّ أطعمتَ وسقيتَ وأغنيتَ وأقنيتَ وهديتَ وأحسنتَ ، فلك الحمد على ما أعطيت » .
التّحميد لمن سمع بشارةً تسرّه ، أو تجدّدت له نعمة ، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة :
15 - يستحبّ للشّخص أن يحمده سبحانه ، ويثني عليه بما هو أهله ، وفي هذا قول اللّه تبارك وتعالى : { الحمد للّه الّذي أذهب عنّا الحَزَن } وهو ما يقوله أهل الجنّة .
وفي قصّة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام { وقالا الحمد للّه الّذي فَضَّلَنا على كثير من عباده المؤمنين } . وقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : { الحمد للّه الّذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق } . وفي صحيح البخاريّ أنّ عمر رضي الله عنه أرسل ابنه عبد اللّه إلى عائشة رضي الله عنها يستأذنها أن يدفن مع صاحبيه . فلمّا أقبل عبد اللّه قال عمر : ما لديك ؟ قال : الّذي تحبّ يا أمير المؤمنين ، أذنت . قال : الحمد للّه ، ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك . وعن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي ليلة أسري به بقدحين من خمر ولبن ، فنظر إليهما ، فأخذ اللّبن ، فقال له جبريل عليه السلام : الحمد للّه الّذي هداك للفطرة ، لو أخذت الخمر غَوَتْ أمّتك » .
التّحميد للقائم من المجلس :
16 - التّحميد للقائم من المجلس مستحبّ . فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من جلس في مجلس فَكَثُر فيه لَغَطُه فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلاّ أنت ، أستغفرك وأتوب إليك إلاّ غفر له ما كان في مجلسه ذلك » .
التّحميد في أعمال الحجّ :
17 - التّحميد في أعمال الحجّ مستحبّ ، وممّا أثر من صيغه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند الملتَزَم قوله : « اللّهمّ لك الحمد حمداً يوافي نعمك ، ويكافئ مزيدك ، أحمدك بجميع محامدك ، ما علمت منها وما لم أعلم وعلى كلّ حال . اللّهمّ صلّ وسلّم على محمّد وعلى آل محمّد . اللّهمّ أعذني من الشّيطان الرّجيم ، وأعذني من كلّ سوء ، وقنّعني بما رزقتني ، وبارك لي فيه . اللّهمّ اجعلني من أكرم وفدك عليك ، وألزمني سبيل الاستقامة حتّى ألقاك يا ربّ العالمين » .
التّحميد لمن لبس ثوباً جديداً :
18 - التّحميد لمن لبس ثوباً جديداً مستحبّ . فعن معاذ بن أنس أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من لبس ثوباً جديداً فقال : الحمد للّه الّذي كساني هذا ، ورزقنيه من غير حول منّي ولا قوّة غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه » .
التّحميد لمن استيقظ من نومه :
19 - التّحميد لمن استيقظ من نومه مستحبّ . فقد « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول إذا استيقظ : الحمد للّه الّذي أحيانا بعد ما أماتنا ، وإليه النّشور » .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا استيقظ أحدكم فليقل : الحمد للّه الّذي ردّ عليّ روحي ، وعافاني في جسدي ، وأذن لي بذكره » .
وعن عائشة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ما من عبد يقول عند ردّ اللّه تعالى روحه : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كلّ شيء قدير إلاّ غفر اللّه تعالى له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر » .
التّحميد لمن يأوي إلى فراشه :
20 - التّحميد لمن يأوي إلى فراشه للنّوم مستحبّ . « فعن عليّ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال له ولفاطمة رضي الله عنهما : إذا أويتما إلى فراشكما ، أو إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا ثلاثاً وثلاثين ، وسبّحا ثلاثاً وثلاثين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين » وفي رواية التّسبيح « أربعاً وثلاثين » . وفي رواية التّكبير « أربعاً وثلاثين » .
قال عليّ فما تركته منذ سمعته من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
التّحميد لمن يشرع في الوضوء ، ولمن فرغ منه :
21 - التّحميد في الوضوء مستحبّ . فيقول المتوضّئ بعد التّسمية : الحمد للّه الّذي جعل الماء طهوراً . وروي عن السّلف ، وقيل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في لفظها : « باسم اللّه العظيم ، والحمد للّه على دين الإسلام » .
والتّحميد لمن فرغ من الوضوء مستحبّ . فيقول بعد الفراغ منه : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله . اللّهمّ اجعلني من التّوّابين ، واجعلني من المتطهّرين . سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلاّ أنت ، أستغفرك وأتوب إليك . وقال صلى الله عليه وسلم : « من توضّأ فأسبغ الوضوء ثمّ قال عند فراغه من وضوئه : سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلاّ أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش ، فلم يكسر إلى يوم القيامة » .
التّحميد للمسئول عن حاله :
22 - والتّحميد للمسئول عن حاله مستحبّ . ففي صحيح البخاريّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ عليّاً رضي الله عنه خرج من عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في وجعه الّذي توفّي فيه ، فقال النّاس : يا أبا حسن : كيف أصبح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أصبح بحمد اللّه تعالى بارئاً » .
23 - كذلك التّحميد لمن رأى مبتلًى بمرض أو غيره مستحبّ . فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من رأى مبتلًى فقال : الحمد للّه الّذي عافاني ممّا ابتلاك به ، وفضّلني على كثير ممّن خلق تفضيلاً ، لم يصبه ذلك البلاء » .
قال النّوويّ : قال العلماء : ينبغي أن يقول هذا الذّكر سرّاً بحيث يسمع نفسه ، ولا يَسْمعه المبتلى لئلاّ يتألّم قلبه بذلك ، إلاّ أن تكون بليّته معصيةً فلا بأس أن يسمعه ذلك إن لم يخف من ذلك مفسدةً .
24- كذلك التّحميد لمن دخل السّوق مستحبّ . فعن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من دخل السّوق فقال : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت ، بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير ، كتب اللّه له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيّئة ، ورفع له ألف ألف درجة » .
التّحميد لمن عطس في الصّلاة :
25 - التّحميد لمن عطس في الصّلاة مكروه إذا جهر به عند الحنفيّة والحنابلة ، ولا بأس به إن أسرّ به في نفسه من غير تلفّظ . وحرام عند الشّافعيّة ، لما روى معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال : « بينما أنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الصّلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت : يرحمك اللّه ، فحدّقني القوم بأبصارهم . فقلت : واثكل أمّاه ما لكم تنظرون إليّ ؟ فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم ، فلمّا انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دعاني ، بأبي وأمّي هو ، ما رأيت معلّماً أحسن تعليماً منه ، واللّه ما ضربني صلى الله عليه وسلم ولا كهرني ثمّ قال : إنّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميّين ، إنّما هي التّسبيح والتّكبير وقراءة القرآن » . هذا ويكره التّحميد لمن يقضي حاجته في الخلاء وعطس ، إلاّ أن يكون ذلك في نفسه من غير تلفّظ به بلسانه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كرهتُ أن أذكر اللّه تعالى إلاّ على طهر » .

تحنيك *
التّعريف :
1 - من معاني التّحنيك في اللّغة : أن يدلّك بالتّمر حنك الصّبيّ من داخل فيه ، بعد أن يلين . والتّعريف الاصطلاحيّ يشتمل على هذا المعنى وعلى غيره ، كتحنيك الميّت وغيره .
2 - فتحنيك الميّت هو : إدارة الخرقة تحت الحنك وتحت الذّقن . وتفصيله في ( الجنائز ) .
3 - وتحنيك الوضوء هو : مسح ما تحت الحنك والذّقن في الوضوء .
وتفصيله في ( الوضوء ) .
4- وتحنيك العمامة ( ويسمّى التّلحّي ) هو : إدارة العمامة من تحت الحنك كوراً أو كورين .
تحنيك المولود :
حكمه التّكليفيّ :
5 - التّحنيك مستحبّ للمولود ، لما في الصّحيحين من حديث أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنهما قال : « ولد لي غلام فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسمّاه إبراهيم وحنّكه بتمرة » .
6- ويتولّى تحنيك الصّبيّ رجل أو امرأة ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه كان يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم ويحنّكهم » .
وأورد ابن القيّم أنّ أحمد بن حنبل ولد له مولود فأمر امرأةً بتحنيكه .
7- ويحنّك المولود بتمر ، لما ورد « عن أسماء رضي الله عنها أنّها حملت بعبد اللّه بن الزّبير رضي الله عنهما قالت : خرجت وأنا مُتِمّ ، فأتيت المدينة ، فنزلت بقباء ، فولدته بقباء ، ثمّ أتيت به النّبيّ صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره ، ثمّ دعا بتمرة فمضغها ثمّ تفل في فيه ، فكان أوّل شيء دخل جوفه ريق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ حنّكه بتمرة ، ثمّ دعا له وبرّك عليه » . فإن لم يتيسّر تمر فرطب ، وإلاّ فشيء حلو ، وعسل نحل أولى من غيره ، ثمّ ما لم تمسّه النّار كما في نظيره ممّا يفطر الصّائم .
8- ويحنّك الغلام غداة يولد ، قال ابن حجر : وقيّد بالغداة اتّباعاً للفظ الخبر ، والغداة تطلق ويراد بها الوقت هنا . وينبغي عند التّحنيك أن يفتح المحنّك فم الصّبيّ ، حتّى تنزل حلاوة التّمر أو نحوه إلى جوفه .
التّحنيك في العمامة :
9 - تحنيك العمامة أن يدار منها تحت الحنك كور أو كوران ، ويسنّ تحنيكها عند المالكيّة والحنابلة ، ومحصّل الكلام في ذلك عندهم : أنّ العمامة بغير تحنيك ولا عذبة بدعة مكروهة ، فإن وجدا فهو الأكمل وهو السّنّة ، وإن وجد أحدهما فقد خرج من المكروه ، واختلفوا في وجه الكراهة ، فقيل لمخالفة السّنّة .
ولا يسنّ تحنيك العمامة عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وتسنّ العذبة لا غير .

تحوّل *
التّعريف :
1 - التّحوّل في اللّغة مصدر تحوّل ، ومعناه : التّنقّل من موضع إلى آخر ، ومن معانيه أيضاً : الزّوال ، كما يقال : تحوّل عن الشّيء أي : زال عنه إلى غيره .
وكذلك : التّغيّر والتّبدّل . والتّحويل مصدر حوّل ، وهو : النّقل ، فالتّحوّل مطاوع وأثر للتّحويل . ويقصد الفقهاء بالتّحوّل ما يقصد به في اللّغة .
الألفاظ ذات الصّلة :
الاستحالة :
2 - من معاني الاستحالة لغةً : تغيّر الشّيء عن طبعه ووصفه ، أو عدم الإمكان . فالاستحالة قد تكون بمعنى التّحوّل ، كاستحالة الأعيان النّجسة من العذرة والخمر والخنزير وتحوّلها عن أعيانها وتغيّر أوصافها ، وذلك بالاحتراق ، أو بالتّخليل ، أو بالوقوع في شيء ، كما سيأتي تفصيله .
أحكام التّحوّل :
للتّحوّل أحكام تعتريه ، وهي تختلف باختلاف مواطنها ، أهمّها ما يلي :
أ - تحوّل العين وأثره في الطّهارة والحلّ :
3 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو رواية عن أحمد إلى : أنّ نجس العين يطهر بالاستحالة ، فرماد النّجس لا يكون نجساً ، ولا يعتبر نجساً ملح كان حماراً أو خنزيراً أو غيرهما ، ولا نجس وقع في بئر فصار طيناً ، وكذلك الخمر إذا صارت خلّاً سواء بنفسها أو بفعل إنسان أو غيره ، لانقلاب العين ، ولأنّ الشّرع رتّب وصف النّجاسة على تلك الحقيقة ، فينتفي بانتقائها . فإذا صار العظم واللّحم ملحاً أخذا حكم الملح ، لأنّ الملح غير العظم واللّحم .
ونظائر ذلك في الشّرع كثيرة منها : العلقة فإنّها نجسة ، فإذا تحوّلت إلى المضغة تطهر ، والعصير طاهر فإذا تحوّل خمراً ينجس .
فيتبيّن من هذا : أنّ استحالة العين تستتبع زوال الوصف المرتّب عليها .
والأصل عند الشّافعيّة ، والحنابلة في ظاهر المذهب : أنّ نجس العين لا يطهر بالاستحالة ، فالكلب أو غيره يلقى في الملّاحة فيصير ملحاً ، والدّخان المتصاعد من وقود النّجاسة ، وكذلك البخار المتصاعد منها إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل ، ثمّ قطّر ، نجس .
4 - ثمّ استثنوا من ذلك الخمر إذا انقلبت بنفسها خلّاً فتطهر بالتّخلّل ، لأنّ علّة النّجاسة الإسكار وقد زالت ، ولأنّ العصير لا يتخلّل إلاّ بعد التّخمّر غالباً ، فلو لم يحكم بالطّهارة تعذّر الحصول على الخلّ ، وهو حلال بالإجماع .
وأمّا إن خلّلت بطرح شيء فيها بفعل إنسان فلا تطهر عندهم .
وصرّح الشّافعيّة بأنّها لو تخلّلت بإلقاء الرّيح فلا تطهر عندهم أيضاً ، سواء أكان له دخل في التّخليل كبصل وخبز حارّ ، أم لا كحصاة . وكذلك لا فرق بين أن تكون العين الملقاة طاهرةً أو نجسةً . وفي الموضوع تفصيل أكثر يرجع فيه إلى مصطلح : ( تخليل واستحالة ) .
ب - تطهير الجلد بالدّباغ :
5 - لا خلاف بين الفقهاء في نجاسة جلد الميتة قبل الدّباغ ، وإنّما اختلفوا في طهارته بعده على اتّجاهات كثيرة . وفي الموضوع فروع كثيرة وخلاف بين المذاهب ، فصّله الفقهاء عند الكلام عن النّجاسة وكيفيّة تطهيرها ، ويراجع فيه أيضاً مصطلح : ( دباغة ) .
ج - تحوّل الوصف أو الحالة :
تحوّل الماء الرّاكد إلى الماء الجاري :
6 - المختار عند الحنفيّة أنّ الماء النّجس الرّاكد إذا تحوّل إلى جار يطهر بمجرّد جريانه ، والجاري ما يعدّه النّاس جارياً بأن يدخل الماء من جانب ويخرج من جانب آخر حال دخوله ، وإن قلّ الخارج ، لأنّه صار جارياً حقيقةً ، وبخروج بعضه وقع الشّكّ في بقاء النّجاسة ، فلا تبقى مع الشّكّ . وفيه قولان ضعيفان عند الحنفيّة .
الأوّل : لا يطهر بمجرّد التّحوّل ، بل لا بدّ من خروج قدر ما فيه .
والثّاني : لا بدّ من خروج ثلاثة أمثاله .
ويظهر الفرق بين القول المختار والقولين الآخرين في : أنّ الخارج من الحوض يكون طاهراً بمجرّد خروجه ، بناءً على القول المختار . ولا يكون طاهراً قبل الحكم بطهارة الماء الرّاكد على القولين الآخرين . وعلى هذا الخلاف : البئر وحوض الحمّام والأواني .
وأمّا المالكيّة فعندهم يتحوّل الماء الكثير النّجس طهوراً بزوال التّغيّر ، سواء أكان بصبّ ماء مطلق عليه ، قليل أو كثير ، أو ماء مضاف مقيّد انتفت نجاسته ، أم بإلقاء شيء فيه كتراب أو طين ، ولم يظهر فيه أحد أوصاف ما ألقي فيه .
لأنّ تنجّسه إنّما كان لأجل التّغيّر وقد زال ، والحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً ، كالخمر إذا صارت خلّاً ، وفي تغيّره بنفسه ، أو بنزح بعضه قولان .
ومذهب الشّافعيّة : أنّ الماء إذا بلغ قلّتين لا ينجس بملاقاة نجس ، لحديث « إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَثَ » أي لا يقبل النّجس . هذا ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه فينجس لحديث : « إنّ الماء طَهورٌ لا ينجّسه شيء إلاّ ما غيّر لونَه أو طعمَه أو ريحَه » .
فإن تغيّر وصف من هذه الأوصاف تنجّس ، فإن زال تغيّره بنفسه أو بماء انضمّ إليه طهر . وما دون القلّتين ينجس بالملاقاة ، فإن بلغهما بماء ولا تغيّر به فطهور .
ولو كوثر بإيراد طهور فلم يبلغ قلّتين لم يطهر . وقيل : هو طاهر لا طهور .
وعند الحنابلة : يختلف تطهير الماء المتنجّس بالمكاثرة باختلاف أحوال ثلاث للماء : أن يكون دون القلّتين ، أو وفق القلّتين ، أو زائداً عنهما .
- 1 - فإن كان دون القلّتين فتطهيره بالمكاثرة بماء آخر .
فإن اجتمع نجس إلى نجس ، فالكلّ نجس وإن كثر ، لأنّ اجتماع النّجس إلى النّجس لا يتولّد بينهما طاهر ، كالمتولّد بين الكلب والخنزير ، ويتخرّج أن يطهر إذا زال التّغيّر وبلغ القلّتين ، لحديث : « إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث » وحديث : « إنّ الماء طهور لا ينجّسه شيء إلاّ ماء غيّر لونه أو طعمه أو ريحه » . وجميع النّجاسات في هذا سواء ، إلاّ بول الآدميّين وعذرتهم المائعة ، فإنّ أكثر الرّوايات عن أحمد أنّها تنجّس الماء الكثير ، إلاّ أن يبلغ حدّاً لا يمكن نزحه كالغدران ، فذلك الّذي لا ينجّسه شيء .
- 2 - فإن كان وفق القلّتين : وإن كان غير متغيّر فيطهر بالمكاثرة المذكورة .
وإن كان متغيّراً يطهر بالمكاثرة إذا أزالت التّغيّر ، أو بتركه حتّى يزول تغيّره بطول المكث . - 3 - وإن كان أكثر من القلّتين : فإن كان نجساً بغير التّغيّر فلا طريق إلى تطهيره بغير المكاثرة . وإن كان نجساً متغيّراً بالنّجاسة فتطهيره إمّا بالمكاثرة ، أو زوال تغيّره بمكثه ، أو أن ينزح منه ما يزول به التّغيّر ، ويبقى بعد ذلك قلّتان فصاعداً .
وفي الموضوع تفصيل يرجع إليه في مصطلح : ( طهارة ) .
التّحوّل إلى القبلة أو عنها :
7 - اتّفق الفقهاء على أنّ المصلّي إذا كان معايناً للكعبة ، ففرضه الصّلاة إلى عينها بجميع بدنه ، بأن لا يخرج شيء منه عن الكعبة ولو عضواً ، فلو تحوّل بغير عذر إلى جهة أخرى بطلت صلاته . وأمّا في تحويل الوجه : فذهب الحنفيّة إلى أنّه لو انحرف وجهه عن عين الكعبة انحرافاً لا تزول فيه المقابلة بالكلّيّة ، جاز مع الكراهة .
وأمّا تحويل الصّدر عن القبلة بغير عذر فمفسد للصّلاة . وعند المالكيّة والحنابلة : من التفت بجسده كلّه عن القبلة لم تفسد صلاته ، إن بقيت قدماه إلى القبلة .
ويرى الشّافعيّة أنّ التّحوّل إلى جهة أخرى عامداً مبطل للصّلاة ، وإن فعله ناسياً لم تبطل . وفي الموضوع خلاف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح : ( استقبال ) .
التّحوّل من القيام إلى القعود في الصّلاة :
8 - التّحوّل من القيام إلى القعود ، ومنه إلى الاستلقاء أو الاضطجاع من فروع قاعدة :
" المشقّة تجلب التّيسير " والأصل فيها قوله تعالى : { يُريدُ اللّهُ بكم اليُسْرَ ولا يُريدُ بكم العُسْر } وقوله تعالى : { وما جَعَلَ عليكم في الدّينِ من حَرَجٍ } ، ولذلك أجمع أهل العلم على أنّ من لا يطيق القيام ، وتعذّر عليه قبل الصّلاة أو أثناءها حقيقةً أو حكماً ، بأن خاف زيادة مرض ، أو بطء برئه ، أو دوران رأسه ، أو وجد لقيامه ألماً شديداً ونحوه ، له أن يصلّي جالساً ، وإن لم يستطع أومأ مستلقياً ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين : صلّ قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جَنْب » زاد النّسائيّ : « فإن لم تستطع فمستلقياً » . ويزاد في النّافلة : أنّ له التّحوّل من القيام إلى القعود بلا عذر .
وفي الموضوع تفصيل يرجع فيه إلى كتاب الصّلاة عند الكلام في صلاة المريض .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:10 PM

تحوّل المقيم إلى مسافر وعكسه :
أ - تحوّل المقيم إلى مسافر :
9 - يصير المقيم مسافراً بأحد أمرين :
أوّلهما : إذا جاوز بيوت مقامه ، وجاوز ما اتّصل به من توابع البلد بنيّة السّفر ، قاصداً المسافة الّتي يتحقّق بها السّفر الّذي تتغيّر به الأحكام . والمعتبر في النّيّة نيّة المتبوع لا التّابع ، حتّى تصير الزّوجة مسافرةً بنيّة الزّوج ، والجنديّ بنيّة القائد ، وكلّ من لزمه طاعة غيره كالسّلطان وأمير الجيش .
ثانيهما : إذا أنشأ السّير بعد الإقامة . ولتفصيل الموضوع يرجع إلى ( صلاة المسافر ) .
ب - تحوّل المسافر إلى مقيم :
10 - يصير المسافر مقيماً بأحد الأمور التّالية :
الأوّل : العود إلى الوطن الأصليّ ، ولو لم ينو الإقامة فيه .
والضّبط فيه : أن يعود إلى الموضع الّذي شرط الفقهاء مفارقته في إنشاء السّفر منه . الثّاني : الوصول إلى الموضع الّذي يسافر إليه ، إذا عزم على الإقامة فيه القدر المانع من التّرخّص ، وكان صالحاً للإقامة . والمدّة المانعة من التّرخّص خلافيّة يرجع فيها إلى ( صلاة المسافر ) .
الثّالث : إذا تزوّج المسافر ببلد ، وإن لم يتّخذه وطناً ، ولم ينو الإقامة .
الرّابع : نيّة الإقامة في الطّريق : ولا بدّ فيه من أربعة أشياء : نيّة الإقامة ، ونيّة مدّة الإقامة ، واتّحاد المكان ، وصلاحيّته للإقامة .
وأمّا المفازة ونحوها ففي انقطاع السّفر بنيّة الإقامة فيها خلاف وتفصيل ينظر في ( صلاة المسافر ) .
الخامس : الإقامة بطريق التّبعيّة : وهو أن يصير الأصل مقيماً ، فيصير التّبع أيضاً مقيماً ، بإقامة الأصل .
التّحوّل عن الواجب إلى البدل :
الكلام على التّحوّل عن الواجب إلى البدل يكون في مواضع منها :
أ - الزّكاة :
11 - ذهب الحنفيّة إلى جواز التّحوّل عن الواجب إلى البدل في الزّكاة ، وإليه ذهب الأوزاعيّ والثّوريّ ، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصريّ .
فيجوز للمالك أن يدفع العين أو القيمة من النّقدين والعروض وغير ذلك ، ولو مع وجود المنصوص عليه ، لقوله تعالى : { خُذْ من أموالِهم صَدَقَةً } .
نصّ على أنّ المراد بالمأخوذ ( صدقةً ) وكلّ جنس يأخذه فهو صدقة . ولقول معاذ لأهل اليمن حين بعثه النّبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم : « ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصّدقة مكان الشّعير والذّرة ، أهون عليكم وخير لأصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وكان يأتي به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا ينكر عليه » .
والفقه فيه : أنّ المقصود إيصال الرّزق الموعود إلى الفقير ، ودفع حاجة المسكين ، وهو يحصل بالقيمة أيضاً . قال عليه الصلاة والسلام : « إنّ اللّه تعالى فرض على الأغنياء قوت الفقراء ، وسمّاه زكاةً » .
وفي اعتبار القيمة هل تدفع القيمة يوم الأداء أم يوم الوجوب ؟ خلاف يرجع فيه إلى موطنه. وأمّا عند المالكيّة والحنابلة : فيجوز التّحوّل عن الواجب إلى البدل في الدّنانير والدّراهم فقط ، فيجوز للمزكّي أن يخرج في زكاة الدّنانير دراهم بقيمتها ، ويخرج عن الفضّة ذهباً بقيمته ، قلّت القيمة أو كثرت ، لأنّ ذلك معاوضة في حقّه ، فكانت بالقيمة كسائر المعاوضات ، وهما كجنس واحد . ولم يجز ذلك الشّافعيّة .
وأمّا في المواشي : فعند الحنفيّة جائز ، بناءً على قاعدتهم بجواز القيمة في كلّ شيء .
وهو الصّحيح عند الشّافعيّة . ويكره عند المالكيّة التّحوّل عن الواجب إلى البدل ، لما في ذلك من معنى الرّجوع في الصّدقة ، ولئلاّ تكون القيمة أقلّ ممّا عليه ، فيكون قد بخس الفقراء حقّهم ، إلاّ إذا أجبر السّاعي المزكّي على أن يأخذ منه دراهم فيما وجب عليه من صدقته ، فيجزئ عنه ، إذا كان فيه وفاء بقيمة ما وجب عليه ، وكان عند محلّها .
وفي وجه عند الشّافعيّة : لا يجزئ إن نقصت قيمته عن قيمة الشّاة . ووجه ثالث : أنّه إن كانت الإبل مراضاً ، أو قليلة القيمة لعيب أجزأ البعير النّاقص عن قيمة الشّاة ، وإن كانت صحاحاً سليمةً لم يجزئ النّاقص . وفي الموضوع تفصيل يرجع إليه في ( الزّكاة ) .
وأمّا الحنابلة فلا يجوز عندهم التّحوّل في الماشية من جنس إلى آخر ولا إلى القيمة .
ب - زكاة الفطر :
12 - التّحوّل عن العين إلى القيمة في صدقة الفطر لا يجوز عند المالكيّة والشّافعيّة ، وكذلك في ظاهر المذهب عند الحنابلة . ويجوز عند الحنفيّة .
وأمّا التّحوّل من جنس إلى آخر من أجناس الأقوات ، أو التّحوّل من الأدنى إلى الأعلى وعكسه ففيه خلاف وتفصيل ينظر في ( زكاة الفطر ) .
ج - العشور :
13 - ذهب المالكيّة والحنابلة إلى عدم جواز التّحوّل عن الواجب إلى البدل في العشور . وذهب الحنفيّة إلى جواز التّحوّل عن الواجب إلى البدل في العشور ، وذلك للأدلّة الّتي سبق ذكرها ، وكذلك يجوز التّحوّل من الواجب إلى الأعلى فقط عند الشّافعيّة إذا كانت الحبوب والثّمار نوعاً واحداً .
وإن اختلفت الأنواع : أخذ الواجب من كلّ نوع بالحصّة إن لم يتعسّر ، فإن عسر أخذ الواجب من كلّ نوع بأن كثرت ، وقلّ ثمرها ففيه أوجه :
الوجه الأوّل ، وهو الصّحيح : أنّه يخرج من الوسط رعايةً للجانبين .
والثّاني : يؤخذ من كلّ نوع بقسطه .
والثّالث : من الغالب ، وقيل : يؤخذ الوسط قطعاً .
وفي الموضوع تفصيل ينظر في مصطلح : ( عشر ) .
د - الكفّارات :
14 - ذهب الجمهور إلى أنّه لا يجوز التّحوّل عن الواجب المنصوص عليه إلى غيره في الكفّارات ، فإن كان معيّناً تعيّن ، وإن كان مخيّراً تخيّر في الخصال الّتي نصّ عليها الشّارع. ويرى الحنفيّة جواز التّحوّل عن الواجب إن كان ماليّاً إلى البدل في الكفّارات .
وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر إليه في مصطلح : ( كفّارات ) .
هـ - النّذور :
15 - المذهب عند المالكيّة والحنابلة ، وهو الوجه الصّحيح لدى الشّافعيّة : أنّ من نذر نذراً معيّناً وغير مطلق فعليه إخراجه ممّا عيّنه ، ولا يجوز العدول عن المعيّن إلى غيره بدلاً أو قيمةً . وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في ( النّذر ) .
ويرى الحنفيّة جواز ذلك مطلقاً ، كما يجوز عندهم العدول عن الواجب إلى القيمة في النّذور ، واستثنوا نذر العتق والهدي والأضحيّة .
تحوّل فريضة الصّوم إلى فدية :
16 - اتّفق عامّة الفقهاء على أنّ الشّيخ الهرم الّذي لا يطيق الصّوم ، أو تلحقه به مشقّة شديدة لا صوم عليه ، واختلفوا في وجوب الفدية عليه :
فذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، وقول غير مشهور عند المالكيّة : إلى أنّه تجب عليه الفدية .
ويرى المالكيّة في المشهور من المذهب ، وهو غير الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه لا فدية عليه . وفي وجوب الفدية على الحامل والمرضع خافت على نفسها أو ولدها ، والمريض الّذي لا يرجى برؤه خلاف وتفصيل ، يرجع فيه إلى مصطلح : ( صوم وفدية ) .
تحوّل العقد الّذي لم تستكمل شرائطه إلى عقد آخر :
17 - ذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأظهر من المذهب عند الشّافعيّة : إلى أنّ الهبة إذا كانت بشرط العوض يصحّ العقد ويتحوّل إلى بيع ، فيثبت فيه الخيار والشّفعة ، ويلزم قبل القبض ، ويردّ بالعيب وخيار الرّؤية .
وفي قول للشّافعيّة : يبطل العقد ، لأنّه شرط في الهبة ما ينافي مقتضاها .
وذهب المالكيّة إلى : أنّ هبة الثّواب بيع ابتداءً ، ولذا لا تبطل بموت الواهب قبل حيازة الهبة ، ولا يجوز أن يثاب عن الذّهب فضّةً أو العكس ، لما يلزم عليه من الصّرف المؤخّر ، ما لم يحدث التّقابض في المجلس . وفي كون العوض معلوماً أو مجهولاً ، وكذلك في كونها بيعاً ابتداءً أو انتهاءً تفصيل يرجع فيه إلى مصطلح : ( هبة ) .
ولتحوّل العقد الّذي لم تستكمل شرائطه إلى عقد آخر أمثلة أخرى منها : تحوّل المضاربة الصّحيحة إلى وكالة بالنّسبة لتصرّفات المضارب ، ولذلك يرى جمهور الفقهاء في الجملة : أنّ تصرّفات المضارب منوطة بالمصلحة كالوكيل .
وإلى شركة إن ربح المضارب ، وإلى إجارة فاسدة إن فسدت .
ومنها : تحوّل السّلم إلى بيع مطلقاً ، إذا كان المسلم فيه عيناً في قول عند الشّافعيّة . وإلى هبة لو قال : بعت بلا ثمن ، والأظهر البطلان .
ومنها : تحوّل الاستصناع سلماً إذا ضرب فيه الأجل عند بعض الحنفيّة ، حتّى تعتبر فيه شرائط السّلم . وفي كلّ من الأمثلة المتقدّمة خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحات ( عقد ، وسلم ، ومضاربة ، وشركة ، واستصناع ) .
تحوّل العقد الموقوف إلى نافذ :
18 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو قول للشّافعيّة ، ورواية عند الحنابلة : إلى أنّ بيع الفضوليّ ينعقد موقوفاً على إجازة المالك ، فإذا أجازه المالك أصبح نافذاً ، وإلاّ فلا ، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه .
وذهب الشّافعيّة في القول الجديد ، وهو رواية أخرى عند الحنابلة إلى : أنّ هذا البيع باطل ويجب ردّه ، وإليه ذهب أبو ثور وابن المنذر . وقد فصّل القائلون بانعقاد بيع الفضوليّ الكلام حوله ، ويرجع فيه إلى مصطلحات : ( عقد ، وموقوف ، وفضوليّ ) .
تحوّل الدّين الآجل إلى حالّ :
يتحوّل الدّين الآجل إلى حالّ في مواطن منها :
أ - الموت :
19 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنابلة : إلى أنّ الدّين الآجل يتحوّل بالموت إلى حالّ ، لانعدام ذمّة الميّت وتعذّر المطالبة . وبه قال الشّعبيّ والنّخعيّ ، والثّوريّ . وذهب الحنابلة في رواية أخرى : إلى أنّه لا يحلّ إذا وثّقه الورثة ، وهو قول ابن سيرين وعبد اللّه بن الحسن وإسحاق وأبي عبيد أيضاً . وفي لحاق المرتدّ بدار الحرب هل يتقرّر موته ، وتثبت الأحكام المتعلّقة به ؟ خلاف بين الفقهاء ينظر في مواطنه من كتب الفقه ، ومصطلح : ( ردّة ) . ومصطلح أجل ( ف :95 ج 2 ) .
ب - التّفليس :
20 - المتبادر من أقوال أبي يوسف ومحمّد من الحنفيّة القائلين بجواز الحجر للإفلاس ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، والمذهب عند الحنابلة : أنّ الدّين المؤجّل لا يحلّ بالتّفليس ، لأنّ الأجل حقّ للمفلّس فلا يسقط بفلسه ، كسائر حقوقه ، ولأنّه لا يوجب حلول ماله ، فلا يوجب حلول ما عليه .
وأمّا عند أبي حنيفة فلا يتأتّى هذا ، لأنّه لا يجوز عنده الحجر على الحرّ العاقل البالغ بسبب الدّين . وذهب المالكيّة ، وكذلك الشّافعيّة في قول ، وهو رواية عند الحنابلة ذكرها أبو الخطّاب إلى : أنّ من حجر عليه لإفلاسه يتحوّل دينه الآجل إلى حالّ ، لأنّ التّفليس يتعلّق به الدّين بالمال ، فيسقط الأجل كالموت . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( حجر ) .
تحوّل الوقف عند انقطاع الموقوف عليه :
21 - ذهب عامّة الفقهاء إلى أنّ التّأبيد شرط في الوقف ، وأنّ الوقف الّذي لا خلاف في صحّته : ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع ، مثل أن يجعل نهايته إلى جهة لا تنقطع ، كأن يجعل آخره على المساكين ، أو طائفة منهم ، فإنّه يمتنع بحكم العادة انقراضهم . واختلفوا فيما لو انقطع الموقوف عليهم : فذهب أبو يوسف والمالكيّة ، وهو قول عند الشّافعيّة ، ورأي للحنابلة : إلى أنّه يرجع إلى الواقف ، أو إلى ورثته ، إلاّ أن يقول : صدقة موقوفة ينفق منها على فلان ، وعلى فلان فإذا انقرض المسمّى كانت للفقراء والمساكين . والأظهر عند الشّافعيّة ، والمذهب عند الحنابلة : أنّه يبقى وقفاً ، وينصرف إلى أقرب النّاس إلى الواقف . وهناك أقوال أخرى عند الشّافعيّة في مصرف هذا النّوع من الوقف .
ويرجع إلى تفصيل الموضوع في مصطلح : ( وقف ) .
تحوّل الملكيّة العامّة من الإباحة إلى الملكيّة الخاصّة وعكسه :
22 - قد تتحوّل الملكيّة من العامّة إلى الخاصّة بأيّ سبب من أسباب التّملّك ، كالإقطاع من أراضي بيت المال .
فللإمام أن يعطي الأرض من بيت المال على وجه التّمليك ، كما يعطي المال حيث رأى المصلحة ، إذ لا فرق بين الأرض والمال في الدّفع للمستحقّ . وراجع مصطلح : ( إقطاع ) . ويتحوّل الملك الخاصّ إلى العامّ إذا مات عنه أربابه ، ولم يستحقّه وارثه بفرض ولا تعصيب ، فينتقل إلى بيت المال ميراثاً لكافّة المسلمين . وذكر أبو يعلى أنّه ينتقل إلى بيت المال مصروفاً في مصالح المسلمين ، لا على طريق الميراث .
ويتحوّل الملك الخاصّ إلى عامّ ، في نحو البيت المملوك إذا احتيج إليه للمسجد ، أو توسعة الطّريق ، أو للمقبرة ونحوها من مصالح المسلمين ، بشرط التّعويض .
تحوّل الولاية في عقد النّكاح :
23 - تتحوّل الولاية من الوليّ الأقرب إلى الوليّ الأبعد في مواطن منها :
- إذا فقد الوليّ الأقرب ، وكذلك إذا أسر أو حبس .
فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ الولاية تتحوّل من الوليّ الأقرب إلى الأبعد .
وأمّا الشّافعيّة فالولاية عندهم تنتقل إلى الحاكم .
- ومنها غيبة الوليّ ، فإذا غاب الوليّ غيبةً منقطعةً تنتقل الولاية من الأقرب إلى الأبعد عند الحنفيّة والحنابلة . وعند المالكيّة تنتقل إلى الحاكم ، لأنّ الحاكم وليّ الغائب . وكذلك عند الشّافعيّة ، إلاّ إذا حكم القاضي بموت الوليّ الأقرب وقسّم ماله بين ورثته ، فتنتقل عندهم إلى الأبعد . ومنها : العضل ، وهو : منع الوليّ مولّيته من زواج الكفء . فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد : إلى أنّ الوليّ الأقرب إذا عضلها انتقلت الولاية إلى السّلطان ، وهو اختيار أبي بكر رضي الله عنه . وذكر ذلك عن عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه وشريح . وذهب الحنابلة في المنصوص من المذهب إلى أنّها تنتقل إلى الأبعد . وانظر لتفصيل ذلك والخلاف فيه مصطلح : ( ولاية النّكاح ) .
تحوّل حقّ الحضانة :
24 - الأصل في الحضانة أنّ الأمّ أولى النّاس بحضانة الطّفل إذا كملت الشّروط ، لما روى عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما « أنّ امرأةً قالت : يا رسول اللّه ، إنّ ابني هذا كان بطني له وِعاءً ، وثديي له سِقاءً ، وحجري له حِواءً ، وإنّ أباه طلّقني ، وأراد أن ينزعه منّي ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أنت أحقّ به ما لم تَنْكحي » .
فإن لم تكن الأمّ من أهل الحضانة لفقدان جميع الشّروط فيها أو بعضها ، أو امتنعت من الحضانة ، فهي كالمعدومة ، وتنتقل الحضانة إلى من يليها ، وهكذا تتحوّل من الأقرب إلى الأبعد في الاستحقاق . على تفصيل ينظر في مصطلح : ( حضانة ) .
تحوّل المعتدّة من عدّة الطّلاق إلى عدّة الوفاة :
25 - إذا مات الزّوج والمرأة في عدّة طلاقه ، فإن كان الطّلاق رجعيّاً سقطت عنها عدّة الطّلاق ، وانتقلت إلى عدّة الوفاة ، أي أربعة أشهر وعشرة أيّام من حين الوفاة ، بلا خلاف. قال ابن المنذر : أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك ، وذلك لأنّ المطلّقة رجعيّاً زوجة يلحقها طلاقه ، وينالها ميراثه ، فعليها أن تعتدّ عدّة الوفاة .
وإذا مات مطلّق البائن ، وهي في العدّة ، وكان الطّلاق في حال صحّته ، أو طلّقها بطلبها ، بنت على مدّة الطّلاق ، وهذا بالاتّفاق . أمّا إذا طلّقها في مرض موته بغير طلب منها ، فهذه خلافيّة : فذهب أبو حنيفة وأحمد والثّوريّ ومحمّد بن الحسن إلى أنّها تعتدّ بأبعد الأجلين احتياطاً لشبهة قيام الزّوجيّة ، باعتبار إرثها منه . وذهب مالك والشّافعيّ وأبو عبيد وأبو يوسف وابن المنذر إلى أنّها تبني على عدّة الطّلاق لانقطاع الزّوجيّة من كلّ وجه .
تحوّل العدّة من الأشهر إلى الأقراء وعكسه :
أ - تحوّل العدّة من الأشهر إلى الأقراء :
26 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الصّغيرة الّتي لم تحض ، وكذلك البالغة الّتي لم تحض ، إذا اعتدّت ببعض الأشهر ، فحاضت قبل انقضاء عدّتها ، أنّ عدّتها تتحوّل من الأشهر إلى الأقراء ، وذلك لأنّ الشّهور بدل عن الأقراء ، وقد ثبتت القدرة على المبدل ، والقدرة على المبدل ، قبل حصول المقصود بالبدل تبطل حكم البدل كالقدرة على الوضوء في حقّ المتيمّم ، فيبطل حكم الأشهر ، وتنتقل عدّتها إلى الأقراء .
وكذا الآيسة إذا اعتدّت ببعض الأشهر ، ثمّ رأت الدّم ، فتتحوّل عدّتها إلى الأقراء عند بعض الحنفيّة ، وذلك على الرّواية الّتي لم يقدّروا فيها للإياس سنّاً معيّنةً . وكذلك عند الشّافعيّة . وأمّا عند المالكيّة : فإذا رأت الدّم بعد الخمسين وقبل السّبعين - وكذلك عند الحنابلة بعد الخمسين وقبل السّتّين - يكون دماً مشكوكاً فيه يرجع فيه إلى النّساء .
إلاّ أنّ ابن قدامة من الحنابلة قال : إنّ المرأة إن رأت الدّم بعد الخمسين على العادة الّتي كانت تراه فيها ، فهو حيض على الصّحيح . وذهب الحنفيّة على الرّواية الّتي وقّتوا للإياس فيها وقتاً : إلى أنّ ما رأته من الدّم بعدها ليس بحيض في ظاهر المذهب ، إلاّ إذا كان دماً خالصاً فحيض ، حتّى يبطل به الاعتداد بالأشهر .
ولتفصيل الموضوع يرجع إلى مصطلحي : ( إياس ، وعدّة ) .
27 - وأمّا من انقطع حيضها بعد أن رأت الدّم ، وقبل أن تبلغ سنّ اليأس - وهي المرتابة - فذهب جميع الفقهاء إلى أنّه إذا كان انقطاع الدّم بسبب معروف كرضاع ونفاس أو مرض يرجى برؤه ، فإنّها تصبر حتّى تحيض ، فتعتدّ بالأقراء ، أو تبلغ سنّ اليأس ، فتعتدّ بالأشهر بعد سنّ اليأس ، ولا عبرة بطول مدّة الانتظار ، لأنّ الاعتداد بالأشهر جُعل بعد اليأس بالنّصّ ، فلم يجز الاعتداد بالأشهر قبله .
أمّا من انقطع حيضها لا لعلّة تعرف . فذهب المالكيّة ، وهو قول للشّافعيّ في القديم ، وهو المذهب عند الحنابلة : إلى أنّها تتربّص تسعة أشهر ، ثمّ تعتدّ بثلاثة أشهر ، فهذه سنة . وعلّلوه بأنّ الأغلب في مدّة الحمل تسعة أشهر ، فإذا مضت تبيّنت براءة الرّحم ، فتعتدّ بالأشهر ، وهو مرويّ عن الحسن البصريّ أيضاً ، وقضى به عمر بمحضر من الصّحابة رضي الله عنهم أجمعين . وروي عن الشّافعيّ في القديم أيضاً أنّها تتربّص ستّة أشهر ثمّ ثلاثةً ، وروي عنه أيضاً في القديم : أنّها تتربّص أربع سنين ثمّ تعتدّ بثلاثة أشهر .
تحوّل الأرض العشريّة إلى خراجيّة والعكس :
28 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الأرض الخراجيّة لا تصير عشريّةً أصلاً ، وكذلك لا تتحوّل الأرض العشريّة إلى خراجيّة . وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنّ الأرض العشريّة تتحوّل إلى خراجيّة إذا اشتراها ذمّيّ .
وفي كتاب الخراج لأبي يوسف : للإمام أن يصيّر الأرض العشريّة خراجيّةً ، والخراجيّة عشريّةً ، إلاّ ما كان من أرض الحجاز والمدينة ومكّة واليمن ، فإنّ هنالك لا يقع خراج ، فلا يحلّ للإمام أن يغيّر ذلك ، ولا يحوّله عمّا جرى عليه أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وحكمه . ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلحات : ( أرض ، وعشر ، وخراج ) .
تحوّل المستأمن إلى ذمّيّ :
29 - ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّ غير المسلم لا يمكّن من الإقامة سنةً في دار الإسلام ، فإذا أقام فيها سنةً أو أكثر تفرض عليه الجزية ، ويصير بعدها ذمّيّاً . وظاهر المتون في المذهب الحنفيّ أنّ قول الإمام : إن أقمت سنةً أو أقلّ من ذلك وضعنا عليك الجزية ، شرط لصيرورته ذمّيّاً ، فعلى هذا لو أقام سنةً ، أو أكثر من غير أن يقول الإمام له ذلك لا يصير ذمّيّاً .
وكذلك يتحوّل المستأمن إلى ذمّيّ بالتّبعيّة : كما لو دخل مع امرأته ، ومعهما أولاد صغار وكبار ، فصار ذمّيّاً ، فالصّغار تبع له بخلاف الكبار . وتترتّب على صيرورة المستأمن ذمّيّاً أحكام عدّة ، يرجع لتفصيلها إلى مصطلحي : ( أهل الذّمّة ، ومستأمن ) .
تحوّل المستأمن إلى حربيّ :
30 - يرى جمهور الفقهاء أنّ المستأمن يصير حربيّاً بأمور :
- إذا لحق بدار الحرب ، ولو بغير بلده بنيّة الإقامة ، فإن دخل تاجراً أو رسولاً أو متنزّهاً ، أو لحاجة يقضيها ، ثمّ يعود إلى دار الإسلام ، فهو على أمانه في نفسه وماله .
- وإذا نقض الأمان : كأن يقاتل عامّة المسلمين أو يغلب على قرية أو حصن لأجل حربنا ، أو يقدم على عمل مخالف لمقتضى الأمان ، انتقض عهده وصار حربيّاً . وفيما ينتقض به الأمان والعهد خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحي : ( أهل الحرب ومستأمن ) .
تحوّل الذّمّيّ إلى حربيّ :
31 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الذّمّيّ يتحوّل إلى حربيّ باللّحاق بدار الحرب مختاراً طائعاً والإقامة فيها ، أو بنقض عهد ذمّته ، فيحلّ دمه وماله . وفي محاربته جوازاً أو وجوباً - بعد بلوغ مأمنه - خلاف بينهم ، وكذلك فيما ينتقض به عقد الذّمّة تفصيل ينظر في مصطلحي : ( أهل الحرب ، وأهل الذّمّة ) .
تحوّل الحربيّ إلى مستأمن :
32 - يصير الحربيّ مستأمناً بالحصول على أمان ممّن له حقّ إعطاء الأمان ، على خلاف بين الفقهاء ذكر في مواطنه من كتب الفقه ، وانظر أيضاً مصطلحي : ( أمان ، ومستأمن ) .
تحوّل دار الإسلام إلى دار الحرب وعكسه :
33 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه متى ارتدّ أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صارت الدّار دار حرب ، وعلى الإمام قتالهم بعد الإنذار والإعذار ، لأنّ أبا بكر الصّدّيق رضي الله عنه قاتل أهل الرّدّة بجماعة الصّحابة .
34 - وذهب أبو حنيفة إلى أنّ دار الإسلام لا تصير دار حرب إلاّ بأمور ثلاثة :
أ - أن تجري فيها أحكام أهل الشّرك على الاشتهار ، وأن لا يحكم فيها بحكم أهل الإسلام ، أمّا لو أجريت أحكام المسلمين ، وأحكام أهل الشّرك ، فلا تكون دار حرب .
ب - أن تكون متاخمةً ( أي مجاورةً ) لدار الحرب ، بأن لا تتخلّل بينهما بلدة من بلاد الإسلام .
ج - أن لا يبقى فيها مسلم أو ذمّيّ آمناً بالأمان الأوّل الّذي كان ثابتاً قبل استيلاء الكفّار ، للمسلم بإسلامه ، وللذّمّيّ بعقد الذّمّة . وأمّا أبو يوسف ومحمّد فيقولان بشرط واحد لا غير ، وهو : إظهار حكم الكفر ، وهو القياس . وتترتّب على دار الرّدّة أحكام ، اختلف الفقهاء فيها ، تنظر في مظانّها ، وفي مصطلح : ( ردّة ) .
35 - وتتحوّل دار الحرب إلى إسلام بإجراء أحكام أهل الإسلام فيها كجمعة وعيد ، وإن بقي فيها كافر أصليّ ، وإن لم تتّصل بدار الإسلام .
التّحوّل من دين إلى آخر :
36 - التّحوّل من دين إلى آخر ثلاثة أقسام :
القسم الأوّل : التّحوّل من دين باطل إلى دين باطل ، وهو على ثلاثة أضرب : لأنّه إمّا أن يكون مِنْ دين يُقَرُّ أهله عليه إلى ما يقرّ أهله عليه ، كتهوّد نصرانيّ أو عكسه .
وإمّا أن يكون ممّا يقرّ عليه إلى ما لا يقرّ عليه ، كانتقال يهوديّ أو نصرانيّ إلى الوثنيّة . وإمّا أن يكون ممّا لا يقرّ عليه إلى ما يقرّ عليه ، كتهوّد وثنيّ أو تنصّره .
ففي هذه الحالات هل يقرّ على ما انتقل إليه بالجزية أم لا ؟ خلاف وتفصيل ينظر في مواطنه من كتب الفقه ، وانظر أيضاً مصطلحي : ( تبديل ، وردّة ) .
القسم الثّاني : التّحوّل من دين الإسلام إلى باطل ، وهو ردّة المسلم - والعياذ باللّه - فلا يقبل منه إلاّ الإسلام . وتفصيله في مصطلح : ( ردّة ) .
والقسم الثّالث : التّحوّل من دين باطل إلى الإسلام ، فتترتّب عليه أحكام مختلفة تنظر في مظانّها من كتب الفقه ، وفي المصطلحات الخاصّة ، وينظر أيضاً مصطلحي : ( تبديل ، إسلام ) .

تحويل *
التّعريف :
1 - التّحويل لغةً : مصدر حوّل الشّيء ، وتدور معانيه على النّقل والتّغيير والتّبديل .
وحوّلته تحويلاً : نقلته من موضع إلى موضع ، وحوّلت الرّداء : نقلت كلّ طرف إلى موضع الآخر .
والحَوالة : بالفتح مأخوذة من النّقل ، فتقول : أحلته بدينه أي : نقلته إلى ذمّة أخرى .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن معانيه اللّغويّة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - النّقل :
2 - النّقل : تحويل الشّيء من موضع إلى موضع ، والأصل فيه النّقل من مكان إلى مكان . وقد يستعمل في الأمور المعنويّة ، كالنّقل من صفة إلى صفة ، وكنقل اللّفظ من الاستعمال الحقيقيّ إلى الاستعمال المجازيّ .
ب - التّبديل والإبدال والتّغيير :
3 - وهي أن يجعل مكان الشّيء شيء آخر ، أو تحوّل صفته إلى صفة أخرى .
ومن هنا يتبيّن أنّ هذه الألفاظ متقاربة في المعنى ، إلاّ أنّ التّحويل لا يستعمل في تبديل ذات بذات أخرى .
أحكام التّحويل :
أ - تحويل النّيّة في الوضوء :
4 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ النّيّة من فروض الوضوء .
وذهب الحنابلة إلى أنّها شرط في صحّته .
وذهب الحنفيّة إلى أنّها سنّة مؤكّدة ، وليست شرطاً في صحّة الوضوء ، وإنّما هي شرط في وقوعه عبادةً . فمن حيث الجملة إذا حوّل النّيّة في الوضوء من نيّة رفع الحدث إلى نيّة التّبرّد أو التّنظّف ، فلا أثر لذلك في إفساد الوضوء عند الحنفيّة ، لعدم اعتبارهم النّيّة فرضاً . وإنّما يظهر أثر التّحويل في عدم اعتبار الوضوء عبادةً ، وفي هذا يقول ابن عابدين : الصّلاة تصحّ عندنا بالوضوء ، ولو لم يكن منويّاً ، وإنّما تسنّ النّيّة في الوضوء ليكون عبادةً ، فإنّه بدونها لا يسمّى عبادةً مأموراً بها .. وإن صحّت به الصّلاة .
فالوضوء مع النّيّة أو بدونها أو مع تحويلها صحيح باعتباره شرطاً لصحّة الصّلاة ، وإن كان لا يصحّ عبادة بدون النّيّة أو مع تحويلها .
أمّا المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : فيظهر أثر تحويل النّيّة عندهم في إفساد الوضوء وعدم اعتباره شرعاً من حيث الجملة . وفي ذلك تفصيل : فعند المالكيّة : رفض النّيّة في أثناء الوضوء لا يضرّ ، إذا رجع وكمّله بالنّيّة الأولى على الفور ، بأن ينوي رفع الحدث - على الرّاجح عندهم - أمّا إذا لم يكمّله أو كمّله بنيّة أخرى كنيّة التّبرّد أو التّنظيف ، فإنّه يبطل بلا خلاف ، وكذلك لو أكمله بالنّيّة الأولى ، ولكن بعد طول فصل ، فإنّه يبطل .
وعند الشّافعيّة : من نوى نيّةً صحيحةً ثمّ نوى بغسل الرّجل - مثلاً - التّبرّد أو التّنظّف فله حالان :
الحالة الأولى : أن لا تحضره نيّة الوضوء في حال غسل الرّجل ، ففيه وجهان :
الوجه الأوّل ، وهو الصّحيح : أنّه لا يصحّ غسل الرّجلين .
والوجه الثّاني : أنّه يصحّ لبقاء حكم النّيّة الأولى .
الحالة الثّانية : أن تحضره نيّة الوضوء مع نيّة التّبرّد - كما لو نوى أوّل الطّهارة الوضوء مع التّبرّد - ففيه وجهان :
الوجه الأوّل ، وهو الصّحيح : أنّ الوضوء صحيح ، لأنّ نيّة رفع الحدث حاصلة .
الوجه الثّاني : لا يصحّ غسل الرّجلين ، وذلك لتشريكه بين قربة وغيرها .
وأمّا عند الحنابلة : فإنّ من غسل بعض أعضائه بنيّة الوضوء ، وغسل بعضها بنيّة التّبرّد ، فلا يصحّ إلاّ إذا أعاد فعل ما نوى به التّبرّد بنيّة الوضوء ، بشرط أن لا يفصل فصلاً طويلاً فيكون وضوءه صحيحاً ، وذلك لوجود النّيّة مع الموالاة .
فإن طال الفصل بحيث تفوت الموالاة بطل الوضوء لفواتها .
ب - تحويل النّيّة في الصّلاة :
5 - للفقهاء في أثر تحويل النّيّة تفصيل :
ذهب الحنفيّة إلى أنّ الصّلاة لا تبطل بنيّة الانتقال إلى غيرها ولا تتغيّر ، بل تبقى كما نواها قبل التّغيير ، ما لم يكبّر بنيّة مغايرة ، بأن يكبّر ناوياً النّفل بعد الشّروع في الفرض أو عكسه ، أو الاقتداء بعد الانفراد وعكسه ، أو الفائتة بعد الوقتيّة وعكسه .
ولا تفسد حينئذ إلاّ إن وقع تحويل النّيّة قبل الجلوس الأخير بمقدار التّشهّد ، فإن وقع بعده وقبيل السّلام لا تبطل . وعند المالكيّة : نقل النّيّة سهواً من فرض إلى فرض آخر أو إلى نفل سهواً ، دون طول قراءة ولا ركوع ، مغتفر .
قال ابن فرحون من المالكيّة : إنّ المصلّي إن حوّل نيّته من فرض إلى نفل ، فإن قصد بتحويل نيّته رفع الفريضة ورفضها بطلت ، وإن لم يقصد رفضها لم تكن نيّته الثّانية منافيةً للأولى . لأنّ النّفل مطلوب للشّارع ، ومطلق الطّلب موجود في الواجب ، فتصير نيّة النّفل مؤكّدةً لا مخصّصةً .
وعند الشّافعيّة : لو قلب المصلّي صلاته الّتي هو فيها صلاةً أخرى عالماً عامداً بطلت ، فإن كان له عذر صحّت صلاته ، وانقلبت نفلاً .
وذلك كظنّه دخول الوقت ، فأحرم بالفرض ، ثمّ تبيّن له عدم دخول الوقت فقلب صلاته نفلاً ، أو قلب صلاته المنفردة نفلاً ليدرك جماعةً . لكن لو قلبها نفلاً معيّناً كركعتي الضّحى لم تصحّ . أمّا إذا حوّل نيّته بلا سبب أو غرض صحيح فالأظهر عندهم بطلان الصّلاة .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:10 PM

وعند الحنابلة : أنّ بطلان الصّلاة مقيّد بما إذا حوّل نيّته من فرض إلى فرض ، وتنقلب في هذه الحال نفلاً . وإن انتقل من فرض إلى نفل فلا تبطل ، لكن تكره ، إلاّ إن كان الانتفال لغرض صحيح فلا تكره ، وفي رواية : أنّها لا تصحّ ، كمن أدرك جماعةً مشروعةً وهو منفرد ، فسلم من ركعتين ليدركها ، فإنّه يسنّ له أن يقلبها نفلاً ، وأن يسلّم من ركعتين ، لأنّ نيّة الفرض تضمّنت نيّة النّفل ، فإذا قطع نيّة الفرض بقيت نيّة النّفل .
ومن هذا التّفصيل يتبيّن اتّفاق الفقهاء على أنّ تحويل نيّة الصّلاة من نفل إلى فرض لا أثر له في نقلها ، وتظلّ نفلاً ، وذلك لأنّ فيه بناء القويّ على الضّعيف ، وهو غير صحيح .
ج - تحويل النّيّة في الصّوم :
6 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة : إلى أنّ صوم الفرض لا يبطل بنيّة الانتقال إلى النّفل ، ولا ينقلب نفلاً . وهذا عند الشّافعيّة على الأصحّ من وجهين في المذهب .
وعلى الوجه الآخر ، ينقلب نفلاً إذا كان في غير رمضان ، أمّا في رمضان فلا يقبل النّفل ، لأنّ شهر رمضان يتعيّن لصوم فرض رمضان ولا يصحّ فيه غيره .
ونصّ الشّافعيّة على ى أنّ من كان صائماً عن نذر ، فحوّل نيّته إلى كفّارة أو عكسه ، لا يحصل له الّذي انتقل إليه - بلا خلاف عندهم - لأنّ من شرط الكفّارة التّبييت من اللّيل .
أمّا الصّوم الّذي نواه أوّلاً فعلى وجهين : الأوّل : يبقى على ما كان ولا يبطل .
الثّاني : يبطل . ولا ينقلب نفلاً على الأظهر . ويقابله : أنّه ينقلب نفلاً إذا كان في غير رمضان . ولكلّ من المالكيّة والحنابلة تفصيل :
أمّا المالكيّة : فذهبوا إلى أنّ من تحوّلت نيّته إلى نافلة ، وهو في فريضة ، فإن فعل هذا عبثاً عمداً فلا خلاف - عندهم - أنّه يفسد صومه . أمّا إن فعله سهواً فخلاف في المذهب .
أمّا عند الحنابلة : فإن نوى خارج رمضان قضاءً ، ثمّ حوّل نيّة القضاء إلى النّفل بطل القضاء لقطعه نيّته ، ولم يصحّ نفلاً لعدم صحّة نفل من عليه قضاء رمضان قبل القضاء ، كذا في الإقناع ، وأمّا في الفروع والتّنقيح والمنتهى فيصحّ نفلاً ، وإن كان في صوم نذر أو كفّارة فقطع نيّته ثمّ نوى نفلاً صحّ .
ونصّ الحنابلة على أنّ من قلب نيّة القضاء إلى النّفل بطل القضاء ، وذلك لتردّده في نيّته أو قطعها ، ولم يصحّ النّفل لعدم صحّة نفل من عليه قضاء رمضان قبل القضاء .
د - تحويل المحتضر إلى القبلة :
7 - اتّفق الفقهاء على أنّ تحويل المحتضر إلى القبلة مندوب ، وذلك بأن يوجّه إلى القبلة على شقّه الأيمن ، إلاّ إذا تعسّر ذلك لضيق الموضع ، أو لأيّ سبب آخر ، فيلقى على قفاه ، ورجلاه إلى القبلة . ودليل تحويله إلى القبلة : حديث أبي قتادة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور رضي الله عنه فقالوا : توفّي ، وأوصى بثلثه لك يا رسول اللّه ، وأوصى أن يوجّه إلى القبلة لمّا احتضر . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أصاب الفطرة ، وقد رددت ثلثه على ولده ، ثمّ ذهب فصلّى عليه ، وقال : اللّهمّ اغفر له ، وارحمه ، وأدخله جنّتك . وقد فعلت » .
هـ – تحويل الرّداء في الاستسقاء :
8 - ذهب الجمهور - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ومحمّد من الحنفيّة وهو المفتى به عندهم - إلى استحباب تحويل الرّداء في الاستسقاء ، وخالف أبو حنيفة ، فلا يحوّل الرّداء عنده في الاستسقاء . لأنّه دعاء لا صلاة فيه عنده . وعن أبي يوسف روايتان .
ومعنى تحويل الرّداء : أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر ، وبالعكس .
وذهب الشّافعيّة - على القول الجديد الصّحيح عندهم - إلى استحباب التّنكيس كذلك . وهو : أن يجعل أعلى الرّداء أسفله وبالعكس ، خلافاً للمالكيّة والحنابلة فإنّهم لا يقولون بالتّنكيس. ومحلّ تحويل الرّداء عند التّوجّه إلى القبلة للدّعاء ، وهو عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أثناء الخطبة . وعند المالكيّة بعد الفراغ من الخطبتين . ودليل تحويل الرّداء من السّنّة : حديث عبد اللّه بن زيد رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي ، فتوجّه إلى القبلة يدعو وحوّل رداءه ، ثمّ صلّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة » .
وقد قيل : إنّ الحكمة من تحويل الرّداء التّفاؤل بتغيير الحال إلى الخصب والسّعة .
ويستحبّ تحويل الرّداء للإمام والمأمومين عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، خلافاً للحنفيّة فلا يحوّل رداءه إلاّ الإمام في القول المفتى به .
و - تحويل الدّين :
9 - عرّف الفقهاء الحوالة بالدّين تعريفات متقاربةً ، منها : تحوّل الحقّ من ذمّة إلى ذمّة أخرى في المطالبة . ومنها : نقل الدّين وتحويله من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه . ومشروعيّتها ثابتة بالإجماع . ومستندها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مطل الغنيّ ظلم ، وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع » .
ويظهر أثر الحوالة في نقل المال المحال به من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه .
فيبرأ بالحوالة المحيل عن دين المحال ، ويبرأ المحال عليه عن دين المحيل ، ويتحوّل حقّ المحال إلى ذمّة المحال عليه ، هذا في الحوالة المقيّدة ، وهي الأغلب حيث يكون المحيل دائناً للمحال عليه . أمّا في الحوالة المطلقة ، وهي : إذا لم يكن المحيل دائنا للمحال عليه ، فإنّ البراءة تحصل للمحيل فقط . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( حوالة ) .

تحيّز *
التّعريف :
1 - التّحيّز : من معانيه في اللّغة : الميل . ومنه قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمَنوا إذا لَقِيتُم الّذين كَفَروا زَحْفاً فلا تُوَلُّوهمُ الأدبارَ ومن يُوَلِّهم يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتَحرِّفَاً لقتال أو متحيِّزاً إلى فِئَةٍ } معناه أو مائلاً إلى جماعة من المسلمين ، ويقال : انحاز الرّجل إلى القوم بمعنى تحيّز إليهم .
وفي لسان العرب : انحاز القوم : تركوا مركزهم ومعركة قتالهم ومالوا إلى موضع آخر . وفي الاصطلاح : التّحيّز إلى فئة : أن يصير المقاتل إلى فئة من المسلمين ، ليكون معهم فيتقوّى بهم على عدوّهم ، وسواء بعدت المسافة أم قربت . فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أنا فئة المسلمين »
وكانوا بمكان بعيد عنه . وقال عمر رضي الله عنه :" أنا فئة كلّ مسلم " وكان بالمدينة وجيوشه بمصر والشّام والعراق وخراسان . رواهما سعيد بن منصور .
وقال عمر :" رحم اللّه أبا عبيدة ، لو كان تحيّز إليّ لكنت له فئةً ".
الألفاظ ذات الصّلة :
التّحرّف :
2 - التّحرّف من معانيه في اللّغة : الميل والعدول . فإذا مال الإنسان عن شيء يقال : تحرّف وانحرف واحرورف . وقوله تعالى : { إلاّ متحرّفاً لقتال } أي مائلاً لأجل القتال لا مائلاً هزيمةً ، فإنّ ذلك معدود من مكايد الحرب ، لأنّه قد يكون لضيق المجال ، فلا يتمكّن من الجولان ، فينحرف للمكان المتّسع ، ليتمكّن من القتال .
والتّحرّف في الاصطلاح : أن ينتقل المقاتل إلى موضع يكون القتال فيه أمكن ، مثل أن ينتقل من مواجهة الشّمس أو الرّيح إلى استدبارهما ، أو من منخفض إلى علو أو عكسه ، أو من معطشة إلى موضع ماء ، أو ليجد فيهم فرصةً ، أو ليستند إلى جبل ، ونحو ذلك ممّا جرت به عادة أهل الحرب . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( تحرّف ) .
فالتّحيّز والتّحرّف يكونان فيما إذا التقى المسلمون والكفّار في الحرب ، والتحم جيشاهما ، فالمتحيّز إن وجد من نفسه أن لا قدرة له على مواجهة عدوّه والظّفر به لكثرة عدده وعدده ، إلاّ بأن يستنصر ويستنجد بغيره من فئات المسلمين ، فإنّه يباح له أن ينحاز إلى فئة منهم ، ليتقوّى بهم ، ويستطيع بذلك قهر العدوّ والظّفر به والنّصر عليه .
والمتحرّف لقتال إذا رأى أن يكيد لخصمه ويتغلّب عليه ، وأنّ السّبيل إلى النّيل منه والظّفر به والنّصر عليه ، إنّما في تغيير خططه ، سواء أكانت في تغيير المكان ، أم في التّراجع ليسحب العدوّ وراءه ، ويعاوده بالهجوم عليه إلى غير ذلك ، ممّا يطلق عليه ( الخدع الحربيّة ) فإنّه يباح له ذلك ، إذ الحرب خدعة . أمّا لغير ذلك فلا يحلّ لكلّ منهما .
الحكم الإجماليّ :
3 - التّحيّز مباح ، إذا استشعر المتحيّز عجزاً محوجاً إلى الاستنجاد بغيره من المسلمين ، وكان بقصد الانضمام إلى فئة ، أي جماعة من النّاس ، ليتقوّى بهم على محاربة عدوّهم وإيقاع الهزيمة به والنّصر عليه . فإذا انتفى ذلك يكون فراراً ، وهو حرام ، لقوله تعالى :
{ يا أيّها الّذين آمنوا إذا لَقِيتُم الّذين كفروا زَحْفَاً فلا تُوَلُّوهُم الأدبارَ ومَنْ يُوَلِّهم يومئذٍ دُبُرَه إلاّ مُتَحرِّفَاً لِقِتالٍ أو مُتَحيِّزاً إلى فئةٍ فقد باءَ بِغَضَبٍ من اللّهِ ومَأواه جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصيرُ } . فإذا التقى المسلمون والكفّار في الحرب والتحم الجيشان ، وجب على المسلمين كأصل عامّ أن يثبتوا في مواجهة عدوّهم ، وحرم عليهم أن يفرّوا ، لقوله تعالى : { فلا تولّوهم الأدبار } . وقوله سبحانه : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا لقيتُم فِئَةً فاثبتوا واذكروا اللّه كثيراً لعلّكم تفلحون } .
4 - وعدَّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الفرار عند الزّحف من الكبائر في أحاديث كثيرة منها : ما أخرجه الشّيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « اجتنبوا السّبع الموبقات قالوا : يا رسول اللّه وما هنّ ؟ قال : الشّرك باللّه تعالى ، والسّحر ، وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه تعالى إلاّ بالحقّ ، وأكل الرّبا ، وأكل مال اليتيم ، والتّولّي يوم الزّحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » .
فثبات المسلمين في مواجهة أعدائهم الكفرة وحرمة فرارهم من لقائهم واجب ، إذا كانوا في مثل عددهم أو على النّصف منهم أو أقلّ من ذلك ، لقوله تعالى : { فإنْ يَكُنْ منكم مائةٌ صابرةٌ يَغْلِبُوا مائتين وإن يكنْ منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإِذنِ اللّهِ واللّهُ مع الصّابرين } .
إلاّ إن كان ذلك بقصد تحيّزهم إلى فئة من المسلمين تناصرهم وتشدّ من أزرهم ويتقوّون بها على أعدائهم ، وسواء أكانت هذه الفئة قريبةً لهم أم بعيدةً عنهم ، لعموم قوله تعالى : { أو متحيّزاً إلى فئة } قال القاضي أبو يعلى : لو كانت الفئة بخراسان والفئة بالحجاز جاز التّحيّز إليها ، لحديث ابن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّي فئة لكم » وكانوا بمكان بعيد عنه . وقال عمر : " أنا فئة لكلّ مسلم " وكان بالمدينة وجيوشه بالشّام والعراق وخراسان . وقال عمر :" رحم اللّه أبا عبيدة لو كان تحيّز إليّ لكنت له فئةً ".
5- فإن زاد الكفّار على مثلي عدد المسلمين فيباح للمسلمين أن ينسحبوا ، لأنّ اللّه تعالى لمّا أوجب على المائة مصابرة المائتين في قوله : { فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } دلّ على أنّه لا يجب عليهم مصابرة ما زاد على المائتين .
وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال :" من فرّ من اثنين فقد فرّ ، ومن فرّ من ثلاثة فلَمْ يفرّ وفي رواية أخرى : " فما فرّ " إلاّ أنّه إن غلب على ظنّ المسلمين الظّفر بهم والنّصر عليهم ، فيلزمهم الثّبات إعلاءً لكلمة اللّه .
وإن غلب على ظنّهم الهلاك في البقاء والنّجاة في الانصراف فالأولى لهم الانصراف ، لقوله تعالى : { ولا تُلْقُوا بأيدِيْكم إلى التَّهْلُكَةِ } وإن ثبتوا جاز لأنّ لهم غرضاً في الشّهادة ، وحتّى لا ينكسر المسلمون ، ولأنّه يجوز أن يغلبوا الكفّار ، ففضل اللّه واسع ، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء . وقال المالكيّة : إن بلغ المسلمون اثني عشر ألفاً حرم عليهم الفرار ، ولو كثر الكفّار جدّاً ، ما لم تختلف كلمتهم ، وما لم يكن بقصد التّحيّز لقتال .

تحيّة *
التّعريف :
1 - التّحيّة مصدر حيّاه يحيّيه تحيّةً ، أصله في اللّغة : الدّعاء بالحياة ، ومنه " التّحيّات للّه " أي البقاء ، وقيل : الملك ، ثمّ كثر حتّى استعمل في ما يحيّا به من سلام ونحوه ، وتحيّة اللّه الّتي جعلها في الدّنيا والآخرة لمؤمني عباده السّلام ، فقد شرع لهم إذا تلاقوا ودعا بعضهم لبعض بأجمع الدّعاء أن يقولوا : السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته . قال اللّه تعالى : { وإذا حُيِّيتُم بِتحيّةٍ فحيّوا بأحسنَ منها أو رُدُّوها } .
واستعمل الفقهاء عبارة ( التّحيّة ) في غير السّلام لتحيّة المسجد .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - حكم التّحيّة النّدب بلا خلاف بين جمهور الفقهاء ، وهي تختلف في الأداء كما يلي :
أ - التّحيّة بين الأحياء :
3 - أجمع العلماء على أنّ الابتداء بالسّلام سنّة مرغّب فيها ، وردّه فريضة لقوله تعالى :
{ وإذا حُيِّيتُم بتحيّةٍ فَحَيُّوا بأحسنَ منها أو رُدُّوها } . وللتّفصيل ر : ( سلام ) .
ب - تحيّة الأموات :
4 - تحيّة من في القبور السّلام ، فإذا مرّ المسلم بالقبور أو زارها استحبّ أن يقول ما ورد وهو : « السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين ، وإنّا إن شاء اللّه بكم لَلاحقون ، نسأل اللّه لنا ولكم العافية » وفي حديث عائشة : « ويرحم اللّه المستقدمين منّا ، والمستأخرين » .
ج - تحيّة المسجد :
5 - يرى جمهور الفقهاء أنّه يسنّ لكلّ من يدخل مسجداً غير المسجد الحرام - يريد الجلوس به لا المرور فيه ، وكان متوضّئاً - أن يصلّي ركعتين أو أكثر قبل الجلوس . والأصل فيه حديث رواه أبو قتادة رضي الله عنه : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتّى يركع ركعتين » ومن لم يتمكّن منهما لحدث أو غيره يقول ندباً : سبحان اللّه ، والحمد للّه ، ولا إله إلاّ اللّه ، واللّه أكبر ، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم . فإنّها تعدل ركعتين كما في الأذكار ، وهي الباقيات الصّالحات ، والقرض الحسن . ويسنّ لمن جلس قبل الصّلاة أن يقوم فيصلّي ، لما روى جابر رضي الله عنه قال : « جاء سليك الغطفانيّ ، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال : يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوّز فيهما » فإنّها لا تسقط بالجلوس .
كما أنّه لا خلاف بينهم في أنّ تحيّة المسجد تتأدّى بفرض أو نفل .
6- وأمّا إذا تكرّر دخوله ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة - إن قرب رجوعه له عرفاً - والشّافعيّة في قول مقابل الأصحّ عندهم : إلى أنّه تكفيه لكلّ يوم مرّةً .
والأصحّ عند الشّافعيّة تكرّر التّحيّة بتكرّر الدّخول على قرب كالبعد .
وإذا كانت المساجد متلاصقةً ، فتسنّ التّحيّة لكلّ واحد منها .
7 - وكذلك اختلف الفقهاء بالنّسبة لمن دخل المسجد والإمام يخطب : فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه يجلس ويكره له أن يركع ركعتين ، لقوله تعالى : { فاستمِعُوا له وأَنْصِتُوا } ، والصّلاة تفوّت الاستماع والإنصات ، فلا يجوز ترك الفرض لإقامة السّنّة ، وإليه ذهب شريح ، وابن سيرين والنّخعيّ وقتادة والثّوريّ واللّيث .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يركع ركعتين يوجز فيهما ، لحديث سليك الغطفانيّ المتقدّم . وبهذا قال الحسن وابن عيينة ومكحول وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر .
د - تحيّة الكعبة :
8 - إذا وصل المحرم مكّة ودخل المسجد ورأى البيت ، يرفع يديه ويقول : « اللّهمّ زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً ، وزد من شرّفه وعظّمه ممّن حجّه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً » . لحديث رواه الشّافعيّ والبيهقيّ ويقول : « اللّهمّ أنت السّلام ، ومنك السّلام فحيّنا ربّنا بالسّلام » . وعند الحنفيّة يقول ذلك ، ولكن لا يرفع يديه .
هـ – تحيّة المسجد الحرام :
9 – ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تحيّة المسجد الحرام الطّواف للقادم لمكّة ، سواء كان تاجراً أو حاجّاً أو غيرهما ، لقول عائشة رضي الله عنها عنها : « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم مكّة توضّأ ، ثمّ طاف بالبيت » وركعتا تحيّة المسجد الحرام تجزئ عنهما الرّكعتان بعد الطّواف .
إلاّ إذا كان للدّاخل فيه عذر مانع ، أو لم يرد الطّواف ، فيصلّي ركعتين إن لم يكن وقت كراهة . وإذا خاف فوات المكتوبة أو جماعتها ، أو الوتر ، أو سنّةً راتبةً قدّمها على الطّواف ، إلاّ أنّه لا تحصل بها تحيّة المسجد الحرام ، بخلاف سائر المساجد .
10 - وأمّا المكّيّ الّذي لم يؤمر بطواف ، ولم يدخله لأجل الطّواف ، بل للصّلاة أو لقراءة القرآن أو للعلم ، فتحيّة المسجد الحرام في حقّه الصّلاة ، كتحيّة سائر المساجد . ونصّ أحمد على أنّ الطّواف لغريب أفضل من الصّلاة في المسجد الحرام .
وعن ابن عبّاس : أنّ الطّواف لأهل العراق ، والصّلاة لأهل مكّة ، وإليه ذهب عطاء .
وينظر للتّفصيل مصطلح : ( طواف ) .
و - تحيّة المسجد النّبويّ :
11 - اتّفق الفقهاء على أنّ من دخل المسجد النّبويّ يستحبّ له أن يقصد الرّوضة إن تيسّر له - وهي ما بين القبر والمنبر - ويصلّي ركعتين تحيّة المسجد بجنب المنبر ، لحديث جابر قال : « جاء سليك ... » ثمّ يأتي قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم ويقول : السّلام عليك يا رسول اللّه، ثمّ يسلّم على أبي بكر رضي الله عنه ، ثمّ على عمر رضي الله عنه .
حكم التّحيّة بغير السّلام للمسلم :
12 - ذهب عامّة العلماء إلى أنّ التّحيّة بغير السّلام للمسلم ، كنحو : صبّحك اللّه بالخير ، أو السّعادة ، أو طاب حماك ، أو قوّاك اللّه ، من الألفاظ الّتي يستعملها النّاس في العادة لا أصل لها ، ولا يجب الرّدّ على قائلها ، لكن لو دعا له مقابل ذلك كان حسناً .
13 - كما أنّ عامّة أهل العلم يرون أنّ الرّدّ على من حيّا بغير السّلام غير واجب ، سواء أكانت تحيّته بلفظ ، أم بإشارة بالإصبع ، أو الكفّ أو الرّأس ، إلاّ إشارة الأخرس أو الأصمّ ، فيجب الرّدّ بالإشارة مع اللّفظ ، ليحصل به الإفهام ، لأنّ إشارته قائمة مقام العبارة .
14 - وأمّا الرّدّ بغير السّلام على من ألقى السّلام ، فعامّة أهل العلم يرون أنّه لا يجزئ ، ولا يسقط الرّدّ الواجب ، لأنّه يجب أن يكون بالمثل . لقوله تعالى : { وإذا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بأَحْسَنَ منها أو رُدُّوها } .
حكم التّحيّة بالسّلام لغير المسلم :
15 - حكم التّحيّة لغير المسلم بالسّلام عليكم ممنوع على سبيل الحرمة أو الكراهة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا تبدءوا اليهود ولا النّصارى بالسّلام ، وإذا سلّموا هم على مسلم قال في الرّدّ : وعليكم . ولا يزيد على هذا » .
16 - قال ابن القيّم : هذا كلّه إذا تحقّق أنّه قال : السّام عليكم ، أو شكّ فيما قال ، فلو تحقّق السّامع أنّ الذّمّيّ قال له : " سلام عليكم " لا شكّ فيه ، فهل له أن يقول : وعليك السّلام ، أو يقتصر على قوله : وعليك ؟ فالّذي تقتضيه الأدلّة الشّرعيّة وقواعد الشّريعة أن يقال له : وعليك السّلام ، فإنّ هذا من باب العدل ، واللّه يأمر بالعدل والإحسان ، وقد قال تعالى : { وإذا حُيِّيتُم بِتَحيّةٍ فَحَيُّوا بِأَحسنَ منها أو رُدُّوها } .
فندب إلى الفضل ، وأوجب العدل ، ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث الباب بوجه ما ، فإنّه صلى الله عليه وسلم إنّما أمر بالاقتصار على قول الرّادّ " وعليكم " ، بناءً على السّبب المذكور الّذي كانوا يعتمدونه في تحيّتهم ، وأشار إليه في حديث عائشة رضي الله عنها فقال « ألا ترينني قلت : وعليكم ، لمّا قالوا : السّام عليكم . ثمّ قال : إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا : وعليكم »
والاعتبار وإن كان لعموم اللّفظ فإنّما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه . قال تعالى { وإذا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بما لمْ يُحَيِّكَ به اللّهُ ، ويقولونَ في أَنْفُسِهم لولا يُعَذِّبُنا اللّهُ بما نقولُ } فإذا زال هذا السّبب وقال الكتابيّ : سلام عليكم ورحمة اللّه ، فالعدل في التّحيّة يقتضي أن يردّ عليه نظير سلامه . وباللّه التّوفيق .
17 - وأمّا حكم التّحيّة بغير السّلام للكافر ، فيرى الحنفيّة والمالكيّة ، وبعض الشّافعيّة والحنابلة : أنّها مكروهة ما لم تكن لعذر ، أو غرض كحاجة أو جوار أو قرابة ، فإذا كانت لعذر فلا كراهة فيها .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة في الرّاجح عندهم ، إلى حرمة تحيّة الكفّار ولو بغير السّلام .

تحيّات *
انظر : تشهّد .

************************

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:11 PM

الجزء الحادي عشر / الموسوعة الفقهية

تخارج *
التّعريف :
1 - التّخارج في اللّغة : مصدر تخارج ، يقال : تخارج القوم : إذا أخرج كلّ واحد منهم نفقةً على قدر نفقة صاحبه . وتخارج الشّركاء : خرج كلّ واحد من شركته عن ملكه إلى صاحبه بالبيع . وفي الاصطلاح هو : أن يصطلح الورثة على إخراج بعضهم بشيء معلوم .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الصّلح :
2 - الصّلح لغةً : اسم للمصالحة الّتي هي المسالمة خلاف المخاصمة. واصطلاحاً : عقد وضع لرفع المنازعة . وهو أعمّ من التّخارج ، لأنّه يشمل المصالحة في الميراث وغيره .
ب - القسمة أو التّقاسم :
3 - القسمة لغةً ، اسم للاقتسام أو التّقسيم ، وتقاسموا الشّيء : قسموه بينهم ، وهو أن يأخذ كلّ واحد نصيبه . وشرعاً : جمع نصيب شائع في مكان معيّن .
والفرق بينهما أنّه في القسمة يأخذ جزءاً من المال المشترك ، أمّا في التّخارج فإنّ الوارث الّذي يخرج يأخذ شيئاً معلوماً ، سواء أكان من التّركة أم من غيرها .
الحكم التّكليفيّ :
4 - التّخارج جائز عند التّراضي ، والأصل في جوازه ما روي أنّ عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه طلّق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبيّة في مرض موته ، ثمّ مات وهي في العدّة ، فورّثها عثمان رضي الله تعالى عنه مع ثلاث نسوة أخر ، فصالحوها عن ربع ثُمُنها على ثلاثة وثمانين ألفاً . قيل من الدّنانير ، وقيل من الدّراهم .
حقيقة التّخارج :
5 - الأصل في التّخارج أنّه عقد صلح بين الورثة لإخراج أحدهم ، ولكنّه يعتبر عقد بيع إن كان البدل المصالح عليه شيئاً من غير التّركة .
ويعتبر عقد قسمة ومبادلة ، إن كان البدل المصالح عليه من مال التّركة ، وقد يكون هبةً أو إسقاطاً للبعض ، إن كان البدل المصالح عليه أقلّ من النّصيب المستحقّ . وهذا في الجملة . ويشترط في كلّ حالة شروطها الخاصّة .
من يملك التّخارج :
6 - التّخارج عقد صلح ، وهو في أغلب أحواله يعتبر من عقود المعاوضات ، ولذلك يشترط فيمن يملك التّخارج أهليّة التّعاقد ، وذلك بأن يكون عاقلاً غير محجور عليه ، فلا يصحّ التّخارج من الصّبيّ الّذي لا يميّز ، ولا من المجنون وأشباهه .
ويشترط أن يكون ذا إرادة ، لأنّ التّخارج مبناه على الرّضا . ( ر : إكراه ) .
ويشترط فيمن يملك التّخارج كذلك أن يكون مالكاً لما يتصرّف فيه . وفي تصرّف الفضوليّ خلاف بين من يجيزه موقوفاً على إجازة المالك ، وهم الحنفيّة والمالكيّة ، وبين من لا يجيزه ، وهم الشّافعيّة والحنابلة . وفي ذلك تفصيل موضعه مصطلح ( فضوليّ ) .
وقد يكون ملك التّصرّف بالوكالة ، وحينئذ يجب أن يقتصر التّصرّف على المأذون به للوكيل . ( ر : وكالة ) . وقد يكون ملك التّصرّف كذلك بالولاية الشّرعيّة كالوليّ والوصيّ ، وحينئذ يجب أن يقتصر تصرّفهما على ما فيه الحظّ للمولّى عليه . فقد نقل ابن فرحون عن مفيد الحكّام في الأب يصالح عن ابنته البكر ببعض حقّها من ميراث أو غير ذلك ، وحقّها بيّن لا خصام فيه ، أنّ صلحه غير جائز ، إذ لا نظر فيه ، أي لا مصلحة ، وترجع الابنة ببقيّته على من هو عليه . وينظر تفصيل ذلك في : ( وصاية ، ولاية ) .
شروط صحّة التّخارج :
للتّخارج شروط عامّة باعتباره عقد صلح ، وشروط خاصّة بصور التّخارج تختلف باختلاف الصّور ، وستذكر عند بيانها .
أمّا الشّروط العامّة فهي :
7 - أ - يشترط لصحّة التّخارج أن تكون التّركة - محلّ التّخارج - معلومةً ، إذ التّخارج في الغالب بيع في صورة صلح ، وبيع المجهول لا يجوز ، وكذا الصّلح عنه ، وذلك إذا أمكن الوصول إلى معرفة التّركة ، فإذا تعذّر الوصول إلى معرفتها جاز الصّلح عن المجهول ، كما إذا صالحت الزّوجة عن صداقها ، ولا علم لها ولا للورثة بمبلغه ، وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والإمام أحمد ، وبعض الحنابلة الّذين لا يجيزون الصّلح عن المجهول .
والمشهور عند الحنابلة جواز الصّلح عن المجهول مطلقاً ، سواء تعذّر علمه أو لم يتعذّر . ودليل الصّلح عن المجهول عند تعذّر العلم به : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصما في مواريث درست : اقتسما وتوخّيا الحقّ ثمّ استهما ثمّ تحالاّ » .
أمّا عند الحنفيّة فلا يشترط أن تكون أعيان التّركة معلومةً فيما لا يحتاج إلى قبض ، لأنّه لا حاجة فيه إلى التّسليم ، وبيع ما لم يعلم قدره جائز ، كمن أقرّ بغصب شيء ، فباعه المقرّ له من المقرّ جاز وإن لم يعرفا قدره ، ولأنّ الجهالة هنا لا تفضي إلى المنازعة ، ودليل جواز ذلك أثر عثمان في تخارج تماضر امرأة عبد الرّحمن بن عوف .
8- ب - أن يكون البدل مالاً متقوّماً معلوماً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه ، فلا يصحّ أن يكون البدل مجهولاً جنساً أو قدراً أو صفةً ، ولا أن يكون ممّا لا يصلح عوضاً في البيع . وهذا في الجملة ، إذ عند الحنفيّة والحنابلة : إذا كان العوض لا يحتاج إلى تسليم ، وكان لا سبيل إلى معرفته كالمختصمين في مواريث دارسة ، فإنّه يجوز مع الجهالة .
9- ج - التّقابض في المجلس فيما يعتبر صرفاً ، كالتّخارج عن أحد النّقدين بالآخر ، وكذا فيما إذا اتّفق المصالح عنه والمصالح عليه في علّة الرّبا .
وهذا باتّفاق في الأصل ، مع الاختلاف في التّفاصيل الّتي سترد عند ذكر صور التّخارج .
10 - د - توافر شروط بيع الدّين إذا كان للتّركة دين على الغير ، وهذا عند من يجيز بيع الدّين لغير من هو عليه كالمالكيّة والشّافعيّة ، أو يراعى استعمال الحيلة لجواز التّخارج كالإبراء أو الحوالة به كما يقول الحنفيّة ، وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر الصّور .
صور التّخارج :
لم ترد صور مفصّلة للتّخارج عند الشّافعيّة والحنابلة ، وإنّما ورد ذلك مفصّلاً عند الحنفيّة والمالكيّة مع الاختلاف في الاتّجاهات ،ولا تظهر هذه الاتّجاهات إلاّ بذكر كلّ مذهب على حدة.
صور التّخارج عند الحنفيّة :
11 - إذا تخارج الورثة مع أحدهم عن نصيبه في التّركة على شيء من المال يدفعونه له ، فلذلك صور تختلف بحسب نوع البدل الّذي يدفعونه ،وبحسب نوعيّة التّركة ، وذلك كما يلي :
أ - إذا كانت التّركة عقاراً أو عرضاً ، فأخرج الورثة أحدهم منها بمال أعطوه إيّاه ، جاز التّخارج سواء أكان ما أعطوه أقلّ من حصّته أم أكثر ، لأنّه أمكن تصحيحه بيعاً ، والبيع يصحّ بالقليل والكثير من الثّمن . ولا يصحّ جعله إبراءً ، لأنّ الإبراء من الأعيان غير المضمونة لا يصحّ . ولا يشترط معرفة مقدار حصّته من التّركة ، إذ الجهالة هنا لا تفسد البيع ، لأنّها لا تفضي إلى النّزاع ، لأنّ المبيع هنا لا يحتاج إلى تسليم .
ب - إذا كانت التّركة ذهباً فأعطوه فضّةً ، أو كانت فضّةً فأعطوه ذهباً جاز الصّلح أيضاً ، سواء أكان ما أعطوه أقلّ من نصيبه أم أكثر ، لأنّه بيع الجنس بخلاف الجنس ، فلا يعتبر التّساوي . لكن يشترط القبض في المجلس لكونه صَرْفاً .
غير أنّ الوارث الّذي في يده بقيّة التّركة إن كان جاحداً وجودها في يده يكتفي بذلك القبض ، لأنّه قبض ضمان فينوب عن قبض الصّلح .
والأصل في ذلك أنّه متى تجانس القبضان ، بأن يكون قبض أمانة أو قبض ضمان ناب أحدهما مناب الآخر ، أمّا إذا اختلفا فالمضمون ينوب عن غيره .
وإن كان الّذي في يده بقيّة التّركة مقرّاً ، فإنّه لا بدّ من تجديد القبض ، وهو الانتهاء إلى مكان يتمكّن من قبضه ، لأنّه قبض أمانة ، فلا ينوب عن قبض الصّلح .
ج - وإن كانت التّركة دراهم ودنانير ، وبدل الصّلح كذلك دراهم ودنانير ، جاز الصّلح كيفما كان ، صرفاً للجنس إلى خلاف جنسه كما في البيع ، لكن لا بدّ من القبض في المجلس لكونه صَرْفاً .
د - وإن كانت التّركة ذهباً وفضّةً وغير ذلك من العروض والعقار ، فصالحوه على أحد النّقدين فلا يجوز الصّلح ، إلاّ أن يكون ما أعطي له أكثر من حصّته من ذلك الجنس ، ليكون نصيبه بمثله ، والزّيادة تكون في مقابل حقّه من بقيّة التّركة احترازاً عن الرّبا ، ولا بدّ من التّقابض فيما يقابل نصيبه ، لأنّه صرف في هذا القدر .
فإن كان ما أعطوه مساوياً لنصيبه ، أو كان أقلّ من نصيبه بطل الصّلح لوجود الرّبا ، لأنّه إذا كان البدل مساوياً تبقى الزّيادة من غير جنس البدل خاليةً عن العوض ، فيكون رباً .
وإن كان البدل أقلّ من نصيبه تبقى الزّيادة من جنس ذلك ومن غير جنسه خاليةً عن العوض ، فيكون رباً . وتعذّر تجويزه بطريق المعاوضة للزوم الرّبا ، ولا يصحّ تجويزه بطريق الإبراء عن الباقي ، لأنّ الإبراء عن الأعيان باطل .
وكذلك يبطل التّخارج إن كان نصيبه مجهولاً لاحتمال الرّبا ، لأنّ الفساد على تقدير أن يكون البدل مساوياً له أو أقلّ ، فكان أرجح وأولى بالاعتبار .
ونقل عن الحاكم أبي الفضل أنّ الصّلح إنّما يبطل على أقلّ من نصيبه في مال الرّبا في حالة التّصادق ، أمّا في حالة التّناكر بأن أنكروا وراثته فالصّلح جائز ، لأنّه في حالة المناكرة يكون المدفوع لقطع المنازعة ولافتداء اليمين ، أو لحمله على أخذ عين الحقّ في قدر المأخوذ وإسقاط الحقّ في الباقي ، كما قالوا في الصّلح عن الدّين بأقلّ من جنسه .
هـ - ولو كانت التّركة ذهباً وفضّةً وغير ذلك من العروض والعقار فصالحوه على عرض جاز الصّلح مطلقاً ، سواء أكان ما أعطوه أقلّ من نصيبه أو أكثر .
و - إذا كانت أعيان التّركة مجهولةً والصّلح على المكيل أو الموزون ففيه اختلاف . قال المرغينانيّ : لا يجوز الصّلح لما فيه من احتمال الرّبا ، بأن يكون في التّركة مكيل أو موزون من جنسه ، فيكون في حقّه بيع المقدّر بجنسه جزافاً .
وقال الفقيه أبو جعفر : يجوز لاحتمال أن لا يكون في التّركة من ذلك الجنس ، وإن كان فيها فيحتمل أن يكون نصيبه من ذلك الجنس في التّركة أقلّ ممّا وقع عليه الصّلح فلا يلزم الرّبا ، واحتمال أن يكون نصيبه من ذلك أكثر ، أو مثل ما وقع عليه الصّلح هو احتمال الاحتمال ، ففيه شبهة الشّبهة وليست بمعتبرة .
وقول أبي جعفر هو الصّحيح على ما في الزّيلعيّ وفتاوى قاضي خان .
ز - وإن كانت أعيان التّركة مجهولةً ، وهي غير مكيل أو موزون في يد بقيّة الورثة ، وكان الصّلح على المكيل أو الموزون قيل : لا يجوز ، لأنّه بيع المجهول ، لأنّ المصالح باع نصيبه من التّركة وهو مجهول بما أخذ من المكيل والموزون .
والأصحّ أنّه يجوز ، لأنّ الجهالة هنا لا تفضي إلى المنازعة لعدم الحاجة إلى التّسليم ، لقيام التّركة في يدهم ، حتّى لو كانت في يد المصالح أو بعضها لم يجز الصّلح ، ما لم يعلم جميع ما في يده للحاجة إلى التّسليم .
صور التّخارج عند المالكيّة :
يفرّق المالكيّة بين أن يكون بدل التّخارج من نفس التّركة ، وبين أن يكون من غيرها .
أوّلاً : إذا كان بدل التّخارج من نفس التّركة :
12 - إذا كانت التّركة قد اشتملت على عرض وفضّة وذهب ، وصالح الورثة أحدهم عن إرثه . كزوجة مثلاً مات زوجها فصالحها الابن على ما يخصّها من التّركة ، فإنّ الصّلح يجوز في الحالات الآتية :
أ - إذا أخذت ذهباً من التّركة قدر حصّتها من ذهب التّركة أو أقلّ ، أو أخذت دراهم من التّركة قدر حصّتها من دراهم التّركة أو أقلّ ، وذلك كصلحها بعشرة دنانير أو أقلّ والذّهب ثمانون عند الفرع الوارث ، لأنّها أخذت حظّها ( أي : الثُّمُن ) من الدّنانير أو بعضه فيكون الباقي كأنّه هبة للورثة . ولكن يشترط أن يكون الذّهب الّذي أخذت منه حاضراً كلّه ، أو تكون الدّراهم حاضرةً كلّها إن أخذت منها ، وسواء حضر ما عدا ذلك من التّركة أم غاب ، لأنّ النّوع الّذي أخذت منه لو كان بعضه غائباً ترتّب على ذلك صورة ممنوعة ، وهي : اشتراط تعجيل الثّمن في بيع الشّيء الغائب بيعاً لازماً .
ب - إذا أخذت ذهباً من التّركة زائداً على حظّها ديناراً واحداً فقط . كصلحها بأحد عشر من الثّمانين الحاضرة ، لأنّها أخذت نصيبها من الدّنانير ، وباعت لباقي الورثة حظّها من الدّراهم والعرض بالدّينار الزّائد ، فجميع ما فيه من البيع والصّرف دينار ، لأنّه لا يجوز أن يجتمع البيع والصّرف في أكثر من دينار .
ولكن يشترط في هذه الحالة أن تكون التّركة كلّها من عرض ونقد حاضرةً .
ج - إذا صولحت بذهب من ذهب التّركة ، وكان ما أخذته يزيد عمّا يخصّها من الذّهب أكثر من دينار ، جاز هذا الصّلح إن قلّت الدّراهم الّتي تستحقّها عن صرف دينار ، أو قلّت قيمة العروض الّتي تستحقّها عن صرف دينار ، أو قلّت الدّراهم والعروض عن صرف دينار . وإنّما جاز في هذه الحالات لاجتماع البيع والصّرف في دينار واحد فقط ، لأنّه لا يجوز أن يجتمع البيع والصّرف في أكثر من دينار .
ويشترط أن تكون التّركة كلّها معلومةً وحاضرةً . فإن كانت الدّراهم وقيمة العروض أكثر من صرف دينار منع الصّلح حينئذ ، لأنّه يؤدّي إلى اجتماع البيع والصّرف في أكثر من دينار .
د - إذا صولحت بعرض من عروض التّركة جاز الصّلح مطلقاً ، سواء أكان ما أخذته قدر نصيبها أم أقلّ أم أكثر .
ثانياً : إذا كان بدل التّخارج من غير التّركة :
13 - إذا كان بدل التّخارج من غير التّركة فإنّ حكم الصّلح يختلف تبعاً لاختلاف الحالات وهي :
أ - إذا كانت التّركة عروضاً وفضّةً وذهباً ، وصالحها الورثة بذهب من غير ذهب التّركة ، أو بفضّة من غير فضّة التّركة ، فلا يجوز هذا الصّلح ، قلّ ما أخذته عن نصيبها أو كثر ، لأنّه بيع ذهب وفضّة وعرض بذهب أو فضّة ، وهذا ربا فضل ، وفيه ربا النّساء إن غابت التّركة كلّها أو بعضها ، لأنّ حكمه حكم النّقد إذا صاحبه النّقد .
ب - إذا كانت التّركة كما ذكر في الصّورة السّابقة ، وصالح الورثة الزّوجة بعرض من غير عرض التّركة جاز هذا الصّلح بشروط هي :
أن تكون التّركة كلّها معلومةً للمتصالحين ليكون الصّلح على معلوم ، وأن تكون التّركة جميعها حاضرةً حقيقةً في العين أو حكماً في العرض ، بأن كانت قريبة الغيبة بحيث يجوز النّقد فيه فهو في حكم الحاضر ، وأن يكون الصّلح عن إقرار ، وأن يقرّ المدين بما عليه إن كان في التّركة دين ، وأن يحضر وقت الصّلح إذ لو غاب لاحتمل إنكاره ، وأن يكون مكلّفاً .
ج - إذا كانت التّركة دراهم وعرضاً ، أو ذهباً وعرضاً ، جاز الصّلح بذهب من غير ذهب التّركة ، أو بفضّة من غير التّركة بشرط أن لا يجتمع البيع والصّرف في أكثر من دينار .
مذهب الشّافعيّة :
14 - يفرّق الشّافعيّة في تخارج الورثة بين ما إذا كان الصّلح بينهم عن إقرار أو عن إنكار ، فإن كان عن إقرار ، وكان البدل من غير المتصالح عليه كان بيعاً تثبت فيه أحكام البيع ، كاشتراط القبض إن اتّفق المصالح عنه والمصالح عليه في علّة الرّبا ، وكاشتراط التّساوي إذا كان جنساً ربويّاً وغير ذلك .
وإن جرى الصّلح على بعض المتصالح عنه فهو هبة للبعض ، وتثبت فيه أحكام الهبة .
هذا بالنّسبة للصّلح عن إقرار ، أمّا الصّلح عن إنكار فهو باطل عندهم ، لكنّهم يستثنون من بطلان الصّلح على الإنكار صلح الورثة فيما بينهم للضّرورة ، لكن يشترط أن يكون ما يعطى للمتصالح من نفس التّركة لا من غيرها ، ويستوي أن يكون التّصالح على تساو أو تفاوت .
مذهب الحنابلة :
15 - لم يذكر الحنابلة صوراً للتّخارج ، وهو يجري على قواعد الصّلح العامّة الّتي قد تكون بيعاً أو هبةً أو إبراءً .
ويجوز أن يكون البدل من جنس المتصالح عليه ومن غير جنسه ، فإن كان من جنس حقّه بقدره فهو استيفاء له ، وإن كان دونه فهو استيفاء لبعضه وترك للبعض الآخر : إمّا على سبيل الإبراء أو على سبيل الهبة .
وإن كان البدل من غير جنس المتصالح عليه كان بيعاً تجري فيه أحكام البيع ، وتراعى شروط الصّرف إن كان عن نقد بنقد وهكذا . ويشترط - إن كان الصّلح عن إنكار - أن لا يأخذ المتصالح من جنس حقّه أكثر ممّا يستحقّ ، لأنّ الزّائد لا مقابل له ، فيكون ظالماً بأخذه ، بخلاف ما إذا أخذ من غير جنسه ، لأنّه يكون بيعاً في حقّ المدّعي ، لاعتقاده أخذه عوضاً ، ويكون في حقّ المنكر بمنزلة الإبراء ، لأنّه دفع المال افتداءً ليمينه ورفعاً للضّرر عنه .
كون بعض التّركة ديناً قبل التّخارج :
لو كان بعض التّركة ديناً على النّاس وصالح الورثة أحدهم على أن يخرجوه من الدّين ويكون لهم ، فقد اختلف الفقهاء في جواز الصّلح حسب الاتّجاهات الآتية :
16 - فعند الحنفيّة الصّلح باطل في العين والدّين ، أمّا في الدّين فلأنّ فيه تمليك الدّين - وهو حصّة المصالح - من غير من عليه الدّين وهم الورثة ، وأمّا في العين فلأنّ الصّفقة واحدة ، سواء بيّن حصّة الدّين أو لم يبيّن عند أبي حنيفة ، وهو قول صاحبيه على الأصحّ . وقد ذكر الحنفيّة بعض الصّور لتصحيح هذا الصّلح وهي :
أ - أن يشترط الورثة أن يبرئ المصالح الغرماء من حصّته من الدّين ، لأنّه حينئذ يكون إسقاطاً ، أو هو تمليك الدّين ممّن عليه الدّين وهو جائز .
ب - أن يعجّل الورثة قضاء نصيب المصالح من الدّين متبرّعين ويحيلهم بحصّته .
وفي هذين الوجهين ضرر بقيّة الورثة ، لأنّ في الأولى لا يمكنهم الرّجوع على الغرماء بقدر المصالح به . وكذا في الثّانية ، لأنّ النّقد خير من النّسيئة .
17 - والحنابلة كالحنفيّة لا يجوز عندهم بيع الدّين لغير من عليه الدّين ، ولكن يصحّ إبراء الغريم منه أو الحوالة به عليه .
18 - أمّا عند المالكيّة : فإنّه يجوز بيع الدّين لغير من عليه الدّين بشروطه ، وعلى ذلك فإنّه يجوز الصّلح عن الدّين الّذي على الغير ، حيث يجوز بيع الدّين ، ويمتنع الصّلح عنه حيث يمتنع بيعه . فيجوز الصّلح عن الدّين إذا كان الدّين حيواناً أو عرضاً أو طعاماً من قرض ، وبشرط أن يكون المدين حاضراً ، وأن يكون مقرّاً بالدّين ، وأن يكون مكلّفاً ، ويمتنع في غير ما تقدّم .
19 - والأظهر عند الشّافعيّة - على ما جاء في مغني المحتاج - بطلان بيع الدّين لغير من عليه ، والمعتمد جواز بيعه لغير من عليه بشروطه ، بأن يكون المدين مليّاً مقرّاً والدّين حالّاً مستقرّاً . وقال النّوويّ : لو قال أحد الوارثين لصاحبه : صالحتك من نصيبي على هذا الثّوب ، فإن كانت التّركة ديوناً على غيره فهو بيع دين لغير من عليه ، وإن كان فيها عين ودين على الغير - ولم نجوّز بيع الدّين لغير من هو عليه - بطل الصّلح في الدّين ، وفي العين القولان في تفريق الصّفقة .
ولو مات شخص عن ابنين ، والتّركة ألفا درهم ومائة دينار ، وهي دين في ذمّة الغير ، فصالح أحدهما أخاه من الدّين على ألفي درهم جاز ، لأنّه إذا كان في الذّمّة فلا ضرورة إلى تقدير المعاوضة فيه ، فيجعل مستوفياً لأحد الألفين ومعتاضاً عن الدّنانير الألف الآخر .
ظهور دين على التّركة بعد التّخارج :
20 - الأصل أنّ الدّين يتعلّق بالتّركة ، ويقدّم سداده على تقسيم التّركة ، لقوله تعالى :
{ مِنْ بعدِ وَصيّةٍ يُوصَى بها أو دَيْنٍ } .
لكن الفقهاء يختلفون في وقت ابتداء ملكيّة الوارث للتّركة إذا كانت مدينةً . فعند الحنفيّة والمالكيّة لا تنتقل ملكيّة التّركة إلى الورثة إلاّ بعد سداد الدّين .
والصّحيح عند الشّافعيّة ، وإحدى الرّوايات عند الحنابلة . تنتقل ملكيّة التّركة للوارث قبل سداد الدّين مع تعلّق الدّين بها ، وهذا في الجملة .
وفائدة هذا الخلاف أنّ الغلّة الّتي تحدث من وقت الوفاة إلى وقت السّداد يتعلّق بها الدّين عند من يقول : إنّ التّركة لا تدخل في ملك الوارث مع تعلّق الدّين بها .
وتكون للوارث عند من يقول : إنّ التّركة تدخل في ملك الوارث ولو كانت مدينةً .
ومع هذا الاختلاف فإنّه إذا تصالح الورثة فيما بينهم ، وأخرجوا أحدهم ، واقتسموا التّركة ، ثمّ ظهر دين بعد الصّلح محيط بالتّركة ، فإنّه إذا قضى الورثة الدّين ، أو أبرأ الغرماء ، أو ضمن رجل بشرط أن لا يرجع على الورثة مضى الصّلح ولا يبطل .
وإن امتنع الورثة من الأداء ، ولم يضمن أحد ، ولم يبرئ الغرماء بطل الصّلح .
وهذا باتّفاق في الجملة . إذ في قول عند المالكيّة يقيّد البطلان بما إذا كان المقسوم مقوّماً . بخلاف ما لو كان عيناً أو مثليّاً . وينظر تفصيل ذلك في ( صلح - قسمة - دين - تركة ) .
ظهور دين للميّت بعد التّخارج :
21 - لو صالح الورثة أحدهم وخرج من بينهم ، ثمّ ظهر للميّت شيء ، فإمّا أن يكون عيناً وإمّا أن يكون ديناً : فإن كان عيناً فالأشهر أنّها لا تندرج تحت الصّلح الّذي تمّ بين الورثة . وإنّما تقسم بين الكلّ ، أي يكون هذا الّذي ظهر بين الكلّ . وتسمع الدّعوى بها على هذا . وقيل : تدخل في الصّلح فلا تسمع الدّعوى بها .
وكذا الحكم لو صدر بعد الصّلح إبراء عامّ ، ثمّ ظهر للمصالح عين ، فالأصحّ سماع الدّعوى بناءً على القول بعدم دخولها تحت الصّلح ، ولا تسمع بناءً على القول بدخولها .
وهذا إذا اعترف بقيّة الورثة بأنّ العين من التّركة ، وإلاّ فلا تسمع دعواه بعد الإبراء .
وإن كان ما ظهر في التّركة ديناً فعلى القول بعدم دخوله في الصّلح يصحّ الصّلح ويقسم الدّين بين الكلّ ، وعلى القول بالدّخول فالصّلح فاسد كما لو كان الدّين ظاهراً وقت الصّلح ، إلاّ أن يكون مخرجاً من الصّلح ، بأن وقع التّصريح بالصّلح عن غير الدّين من أعيان التّركة فلا يفسد الصّلح . وإن وقع الصّلح على جميع التّركة فسد كما لو كان الدّين ظاهراً وقت الصّلح ، هذا مذهب الحنفيّة وقواعد المذاهب الأخرى تساير ما قاله الحنفيّة في الجملة . وينظر تفصيل ذلك في ( صلح - إبراء - دعوى - قسمة ) .
كيفيّة تقسيم التّركة بعد التّخارج :
22 - إذا تصالح الورثة مع أحدهم على أن يترك حصّته لهم ، ويأخذ بدلها جزءاً معيّناً من التّركة ، فإنّ طريقة التّقسيم أن تصحّح المسألة باعتبار المصالح موجوداً بين الورثة ، ثمّ تطرح سهامه من التّصحيح ، ثمّ يقسم باقي التّركة على سهام الباقين من الورثة .
مثال ذلك : توفّيت امرأة عن زوج وأمّ وعمّ ، فمع وجود الزّوج تكون المسألة من ستّة ، للزّوج منها ثلاثة أسهم ، وللأمّ سهمان ، وللعمّ الباقي وهو سهم واحد . فإن صالح الزّوج عن نصيبه - الّذي هو النّصف - على ما في ذمّته للزّوجة من المهر على أن يخرج من التّركة ، فإنّ سهامه تسقط في نظير ما أخذ ، والباقي من التّركة - وهو ما عدا المهر - يقسم بين الأمّ والعمّ بقدر سهامهما من أصل المسألة فيكون للأمّ سهمان وللعمّ سهم .
ولا يجوز أن يجعل الزّوج كأنّه غير موجود ما دام قد خرج عن نصيبه ، لأنّه لو جعل كذلك وجعلت التّركة ما وراء المهر ، وتمّ التّقسيم على هذا الأساس ، لانقلب فرض الأمّ من ثلث أصل المال إلى ثلث ما بقي ، إذ يقسم الباقي بينهما أثلاثاً ، فيكون للأمّ سهم وللعمّ سهمان ، وهو خلاف الإجماع إذ حقّها ثلث الأصل ، أمّا إذا أدخلنا الزّوج كان للأمّ سهمان من السّتّة وللعمّ سهم واحد ، فيقسم الباقي بينهما على هذه الطّريقة فتكون مستوفيةً حقّها من الميراث . هذا إذا كان التّخارج على شيء من التّركة .
23 - أمّا إذا كان التّخارج على شيء من المال من غير التّركة ، فإنّ المتخارج يكون قد باع نصيبه من التّركة نظير الثّمن الّذي دفعه سائر الورثة من أموالهم الخاصّة ، لتخلص التّركة كلّها لهم .
24 - فإذا كان ما دفعه الورثة هو بنسبة سهام كلّ منهم ، فإنّ التّركة تقسم كما قسمت في الصّورة السّابقة ، وذلك بأن يعرف أصل المسألة والسّهام الّتي تخصّ كلّ وارث قبل التّخارج ، ثمّ تسقط حصّة المتخارج في نظير ما تخارج عليه وتقسم التّركة على باقي الورثة بقدر سهامهم من أصل المسألة ، ثمّ تقسم حصّة المتخارج بينهم بنسبة سهام كلّ منهم ، لأنّهم دفعوا البدل على هذه النّسبة .
وإذا كان ما دفعه الورثة بالتّساوي فإنّ حصّة الخارج تقسم بينهم بالتّساوي ، وذلك بعد أن يأخذ كلّ منهم نصيبه من التّركة بنسبة سهامه فيها على اعتبار أنّه لم يحصل تخارج من أحد . وإن كان ما دفعه الورثة متفاوتاً في القدر فإنّ حصّة الخارج تقسم بينهم على قدر هذا التّفاوت ، بعد أخذ كلّ منهم نصيبه من التّركة بنسبة سهامه .
25 - وإذا تخارج وارث مع وارث آخر على أن يترك له نصيبه ، فإنّ التّركة تقسم بين الورثة جميعاً على اعتبار أنّه لم يحصل تخارج ، ويئول نصيب المتخارج بعد ذلك لمن دفع له البدل .
تخارج الموصى له بشيء من التّركة :
26 - الموصى له بشيء من التّركة . يجوز أن يتخارج معه الورثة عن نصيبه الموصى له به . والحكم في ذلك كالحكم في تخارج الورثة مع أحدهم ، فيراعى فيه الشّروط الّتي سبق ذكرها في صور التّخارج ، من اعتبار كون البدل نقداً أو غيره ، وكونه أقلّ ممّا يستحقّ أو مساوياً أو أكثر ، واعتبار شروط الصّرف والتّحرّز عن الرّبا وغير ذلك من الشّروط .
وفي كيفيّة تخارج الورثة مع الموصى له يقول ابن عابدين : الموصى له بمبلغ من التّركة كوارث . وصورة ذلك : رجل أوصى لرجل بدار وترك ابناً وابنةً فصالح الابن والابنة الموصى له بالدّار على مائة درهم ، قال أبو يوسف : إن كانت المائة من مالهما غير الميراث كانت الدّار بينهما نصفين ، وإن صالحاه من المال الّذي ورثاه عن أبيهما كان المال بينهما أثلاثاً ، لأنّ المائة كانت بينهما أثلاثاً .
وذكر الخصّاف في الحيل : إن كان الصّلح عن إقرار كانت الدّار الموصى بها بينهما نصفين ، وإن كان الصّلح عن إنكار فعلى قدر الميراث . وعلى هذا بعض المشايخ . وكذلك الصّلح عن الميراث . كذا في قاضي خان وللتّفصيل ينظر ( صلح - قسمة - تركة ) .

تخاير *
التّعريف :
1 - التّخاير هو : اختيار المتعاقدين لزوم العقد في المجلس ، سواء أكان صريحاً أم ضمناً . أمّا الصّريح : فكقولهما بهذا اللّفظ : تخايرنا ، أو اخترنا إمضاء العقد ، أو ألزمناه ، أو أجزناه ، وما أشبهها ، لأنّ الخيار حقّهما ، فسقط بإسقاطهما . ومن صيغ ذلك أيضاً قولهما : أبطلنا الخيار . أو أفسدناه ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة . وأمّا الضّمنيّ : فكأن يتبايع العاقدان العوضين بعد قبضهما في المجلس ، لأنّ ذلك يتضمّن الرّضا بلزوم العقد الأوّل .
الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث :
2 - اتّفق الشّافعيّة ، والحنابلة في الأصحّ ، وابن حبيب من المالكيّة على أنّ كلّ عقد ثبت فيه خيار المجلس فإنّ الخيار ينقطع بالتّخاير ، وهذا لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
« المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر » .
وينقطع الخيار بالتّخاير ، بأن يختارا لزوم العقد بهذا اللّفظ أو نحوه : كأمضيناه ، أو ألزمناه ، أو أجزناه . فلو اختار أحدهما لزومه سقط حقّه في الخيار وبقي الحقّ فيه للآخر .
ولو قال أحدهما للآخر : اختر سقط خياره لتضمّنه الرّضا باللّزوم ، ويدلّ عليه الحديث السّابق ، وبقي خيار الآخر ، ولو اختار أحدهما لزوم العقد والآخر فسخه قدّم الفسخ .
3 - ثمّ التّخاير في ابتداء العقد وبعده في المجلس واحد عند الحنابلة ، والتّخاير في ابتداء العقد أن يقول البائع : بعتك ولا خيار بيننا ، ويقبل الآخر على ذلك ، فلا يكون لهما خيار المجلس في هذه الحالة ، وأمّا عند الشّافعيّة فلو تبايعا بشرط نفي خيار المجلس فثلاثة أوجه : أصحّها : البيع باطل ، والثّاني : البيع صحيح ولا خيار ، والثّالث : البيع صحيح ، والخيار ثابت . وطالما أنّ التّخاير يرد على خيار المجلس ، فلا مجال للكلام عنه عند الحنفيّة ، والمالكيّة ما عدا ابن حبيب ، لأنّهم لا يرون جواز خيار المجلس ولا يقولون به .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( خيار المجلس ) وقد تحدّث الفقهاء عنه في كتاب البيوع عند الكلام عن الخيار .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:12 PM

تخبيب *
التّعريف :
1 - التّخبيب : مصدر خبّب ، ومعناه في اللّغة : إفساد الرّجل عبداً أو أمةً لغيره أو صديقاً على صديقه ، يقال : خبّبها فأفسدها . وخبّب فلان غلامي : أي خدعه . وأمّا الخَبّ : فمعناه الفساد والخبث والغشّ ، وهو ضدّ الغِرّ ، إذ الغرّ : هو الّذي لا يفطن للشّرّ بخلاف الخبّ . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإغراء :
2 - الإغراء في اللّغة : مصدر أغرى ، وأغري بالشّيء : أولع به ، يقال : أغريت الكلب بالصّيد ، وأغريت بينهم العداوة .
ولا يخرج الاستعمال الفقهيّ عن هذا المعنى وهو أعمّ من التّخبيب .
ب - إفساد :
3 - الإفساد : مصدر أفسد ، وهو في اللّغة يقابل الإصلاح .
وأمّا في الاصطلاح ، فقد ذكر صاحب الكلّيّات أنّه : جعل الشّيء فاسداً خارجاً عمّا ينبغي أن يكون عليه وعن كونه منتفعاً به ، وفي الحقيقة : هو إخراج الشّيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح .
والإفساد أعمّ ، لأنّه يكون في الأمور المادّيّة والمعنويّة ، بخلاف التّخبيب لأنّه إفساد خاصّ .
ج - التّحريض :
4 - التّحريض : مصدر حرّض ، ومعناه : الحثّ على الشّيء والإحماء عليه ، ومنه قوله تعالى { يا أيّها النّبيّ حَرِّض المؤمنينَ على القتالِ } .
وهو أعمّ ، لأنّه يكون في الخير والشّرّ ، بخلاف التّخبيب فإنّه لا يكون إلاّ في الشّرّ .
الحكم التّكليفيّ :
5 - التّخبيب حرام ، لحديث « لن يدخل الجنّة خبّ ولا بخيل ولا منّان » ، وحديث « الفاجر خبّ لئيم » وحديث « من خبّب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منّا » أي خدعه وأفسده ، ولما يترتّب عليه من الإفساد والإضرار . وتخبيب زوجة الغير خداعها وإفسادها ، أو تحسين الطّلاق إليها ليتزوّجها أو يزوّجها غيره ، ولفظ المملوك الوارد في الحديث يتناول الأمة .
حكم زواج المخَبّب بمن خبّبها :
6 - انفرد المالكيّة بذكرهم الحكم في هذه المسألة ، وصورتها : أن يفسد رجل زوجة رجل آخر ، بحيث يؤدّي ذلك الإفساد إلى طلاقها منه ، ثمّ يتزوّجها ذلك المفسد .
فقد ذكروا أنّ النّكاح يفسخ قبل الدّخول وبعده بلا خلاف عندهم ، وإنّما الخلاف عندهم في تأبيد تحريمها على ذلك المفسد أو عدم تأبيده ، فذكروا فيه قولين :
أحدهما وهو المشهور : أنّه لا يتأبّد ، فإذا عادت لزوجها الأوّل وطلّقها ، أو مات عنها جاز لذلك المفسد نكاحها .
الثّاني : أنّ التّحريم يتأبّد ، وقد ذكر هذا القول يوسف بن عمر كما جاء في شرح الزّرقانيّ ، وأفتى به غير واحد من المتأخّرين في فاس .
هذا ومع أنّ غير المالكيّة من الفقهاء لم يصرّحوا بحكم هذه المسألة ، إلاّ أنّ الحكم فيها وهو التّحريم معلوم ممّا سبق في الحديث المتقدّم .
عقوبة المخبِّب :
7 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المعصية الّتي لا حدّ فيها ولا كفّارة عقوبتها التّعزير بما يراه الإمام مناسباً ، وفعل المخبّب هذا لا يخرج عن كونه معصيةً لا حدّ فيها ولا كفّارةً .
وقد ذكر الحنفيّة أنّ من خدع امرأة رجل أو ابنته وهي صغيرة ، وزوّجها من رجل ، قال محمّد رحمه الله تعالى : أحبسه بهذا أبداً حتّى يردّها أو يموت . وذكر ابن نجيم أنّ هذا المخادع يحبس إلى أن يحدث توبةً أو يموت ، لأنّه ساع في الأرض بالفساد .
وذكر الحنابلة في ( القوّادة ) الّتي تفسد النّساء والرّجال ، أنّ أقلّ ما يجب عليها الضّرب البليغ ، وينبغي شهرة ذلك بحيث يستفيض في النّساء والرّجال لتُجْتَنَب .
وإذا أركبت القوّادة دابّةً وضمّت عليها ثيابها ، ليؤمن كشف عورتها ، ونودي عليها هذا جزاء من يفعل كذا وكذا ( أي يفسد النّساء والرّجال ) كان من أعظم المصالح ، قاله الشّيخ ( أي ابن قدامة ) ليشتهر ذلك ويظهر . وقال : لوليّ الأمر كصاحب الشّرطة أن يعرّف ضررها ، إمّا بحبسها أو بنقلها عن الجيران أو غير ذلك .

تختّم *
التّعريف :
1 - التّختّم مصدر تختّم ، يقال : تختّم بالخاتم أي لبسه ، وأصله الثّلاثيّ ختم .
ومن معاني الختم أيضاً : الأثر الحاصل عن النّقش ، ويتجوّز به في الاستيثاق من الشّيء والمنع منه ، اعتباراً لما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب .
وختم الشّيء : إنهاؤه ، ومنه : ختم القرآن وخاتم الرّسل ، ومنه قوله تعالى : { ما كانَ محمّدٌ أبا أحدٍ من رجالِكم ولكنْ رسولَ اللّهِ وخاتَمَ النّبيّين } أي : آخرهم ، لأنّه ختمت به النّبوّة والرّسالات . ومن المجاز : لبس الخاتم ، وهو حليّ للأصبع ، كالخاتم - بكسر التّاء - ويطلق على الخاتم أيضاً والخاتم والختم والخاتام والخيتام ، وثمّة ألفاظ أخرى مشتقّة من هذه المادّة بالمعنى نفسه ، وصل بعضهم بها إلى عشرة ألفاظ .
والخاتم من الحليّ كأنّه أوّل وهلة ختم به ، فدخل بذلك في باب الطّابع ، ثمّ كثر استعماله لذلك ، وإن أعدّ الخاتم لغير الطّبع . ولا يخرج استعمال الفقهاء للتّختّم عن معناه اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّزيّن :
2 - التّزيّن : مصدر تزيّن ، يقال : تزيّنت المرأة : أي لبست الزّينة أو اتّخذتها ، وتزيّنت الأرض بالنّبات : أي حسنت وبهجت ، والزّينة اسم جامع لما يتزيّن به ، ومعنى الزّينة عند الرّاغب : ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله لا في الدّنيا ولا في الآخرة ، وهي نفسيّة وبدنيّة وخارجيّة . والتّزيّن أعمّ من التّختّم ، لأنّه يكون بالتّختّم وبغيره .
ب - الفَتْخَة :
3 - الفتخة قريبة في المعنى والاستعمال من الخاتم ، فهي مثله من الحليّ ، وقد تعدّدت الأقوال في معناها . فقيل : هي خاتم كبير يكون في اليد والرّجل ، وقيل : هي كالخاتم أيّاً كان ، وقيل : هي خاتم يكون في اليد والرّجل بفصّ وبغير فصّ ، وقيل . هي حلقة تلبس في الأصبع كالخاتم ، وقيل : هي حلقة من فضّة لا فصّ فيها ، فإذا كان فيها فصّ فهي الخاتم ، وروي عن عائشة رضي الله عنها في تفسير قول اللّه تعالى : { ولا يُبْدِيْنَ زِينَتَهنَّ إلاّ ما ظَهَرَ منها } أنّها قالت : المراد بالزّينة في الآية القلب والفتخة ، وقالت : الفتخ : حلق من فضّة يكون في أصابع الرّجلين ، قال ابن برّيّ : حقيقة الفتخة أن تكون في أصابع الرّجلين . فيتّفق الخاتم والفتخة في أنّه يتزيّن بكلّ منهما ، ويختلفان في موضع لبس كلّ منهما ، وفي المادّة الّتي يصنع منها ، وفي شكله .
ج - التّسوّر :
4 - التّسوّر مصدر تسوّر ، ويأتي في اللّغة بمعنى العلوّ والتّسلّق ، يقال : تسوّرت الحائط إذا علوته وتسلّقته ، وبمعنى التّزيّن بالسّوار والتّحلّي به ، يقال : سوّرته أي ألبسته السّوار من الحليّ فتسوّر ، وفي الحديث : « أَيَسُرُّكَ أنْ يُسَوِّرَكَ اللّهُ بهما يومَ القيامةِ سوارين من نار » . فيتّفق التّختّم مع التّسوّر في أنّهما من الزّينة ، ويختلفان في الشّكل والصّنعة وموضع اللّبس .
د - التّدملج :
5 - التّدملج مصدر تدملج ، يقال : تدملج أي لبس الدّملج - بفتح اللام وضمّها - أو الدّملوج وهو المعضّد من الحليّ ، وهو ما يلبس في العضد ، ويقال أيضاً : ألقى عليه دماليجه . فالتّدملج كالتّختّم في أنّه يتزيّن بكلّ منهما ، غير أنّهما يختلفان في الشّكل والصّنعة وموضع اللّبس .
هـ - التّطوّق :
6 - التّطوّق مصدر تطوّق ، يقال : تطوّق أي لبس الطّوق ، وهو حليّ للعنق ، وكلّ شيء استدار فهو طوق ، كطوق الرّحى الّذي يدير القطب ونحو ذلك .
فالتّطوّق كالتّختّم في أنّه يتحلّى ويتزيّن بكلّ منهما ، لكنّهما يختلفان في الشّكل والصّنعة والموضع الّذي يلبس فيه كلّ منهما .
و - التّنطّق :
7 - التّنطّق مصدر تنطّق ، يقال : تنطّق الرّجل وانتطق أي لبس المنطق ، والمنطق والنّطاق والمنطقة : كلّ ما شددت به وسطك ، وقيل لأسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما ذات النّطاقين : لأنّها كانت تطارق ( أي تطابق ) نطاقاً على نطاق ، أو لأنّها شقّت نطاقها ليلة خروج النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الغار ، فجعلت واحدةً لزاد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والأخرى حمّالةً له فالنّطاق كالخاتم في الإحاطة ، لكنّهما يختلفان مادّةً وشكلاً وحجماً وموضعاً .
الحكم التّكليفيّ :
يختلف الحكم التّكليفيّ للتّختّم باختلاف موضعه :
أوّلاً : التّختّم بالذّهب :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للنّساء التّختّم بالذّهب ، ويحرم على الرّجال ذلك ، لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال « أُحِلَّ الذَّهبُ والحريرُ لإِناثِ أُمّتي ، وحُرِّمَ على ذكورِها » . واختلفوا في تختّم الصّبيّ بالذّهب :
فذهب المالكيّة - في الرّاجح عندهم - إلى أنّ تختّم الصّبيّ بالذّهب مكروه ، والكراهة على من ألبسه أو على وليّه ، ومقابل الرّاجح عند المالكيّة الحرمة .
ونصّ الحنابلة - وهو قول مرجوح للمالكيّة - على حرمة إلباس الصّبيّ الذّهب ، ومنه الخاتم . وأطلق الحنفيّة هنا الكراهة في التّحريم ، واستدلّوا بحديث جابر رضي الله عنه قال : « كنّا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري » وذهب الشّافعيّة في المعتمد عندهم - وعبّر بعضهم بالأصحّ - إلى أنّ الصّبيّ غير البالغ مثل المرأة في جواز التّختّم بالذّهب ، وأنّ للوليّ تزيينه بالحليّ من الذّهب أو الفضّة ، ولو في غير يوم عيد .
ثانياً : التّختّم بالفضّة :
9 - اتّفق الفقهاء على جواز تختّم المرأة بالفضّة . وأمّا تختّم الرّجل بالفضّة فعلى التّفصيل الآتي : ذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز للرّجل التّختّم بالفضّة ، لما روي أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم اتّخذ خاتماً من ورق ، وكان في يده ، ثمّ كان في يد أبي بكر رضي الله عنه ، ثمّ كان في يد عمر رضي الله عنه ، ثمّ كان في يد عثمان رضي الله عنه ، حتّى وقع في بئر أريس . نقشه : محمّد رسول اللّه » . وقالوا : إنّ التّختّم سنّة لمن يحتاج إليه ، كالسّلطان والقاضي ومن في معناهما ، وتركه لغير السّلطان والقاضي وذي حاجة إليه أفضل .
وذهب المالكيّة إلى أنّه لا بأس بالخاتم من الفضّة ، فيجوز اتّخاذه ، بل يندب بشرط قصد الاقتداء برسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لبسه عجباً .
وقال الشّافعيّة : يحلّ للرّجل الخاتم من الفضّة ، سواء من له ولاية وغيره ، فيجوز لكلّ لبسه ، بل يسنّ . وقال الحنابلة : يباح للذّكر الخاتم من الفضّة ، لأنّه صلى الله عليه وسلم « اتّخذ خاتماً من ورق » ، قال أحمد في خاتم الفضّة للرّجل : ليس به بأس ، واحتجّ بأنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان له خاتم ، وظاهر ما نقل عن أحمد أنّه لا فضل فيه . وجزم به في التّلخيص وغيره ، وقيل : يستحبّ ، قدّمه في الرّعاية . وقيل : يكره لقصد الزّينة . جزم به ابن تميم . وأمّا تختّم الصّبيّ بالفضّة فجائز عند الفقهاء .
ثالثاً : التّختّم بغير الذّهب والفضّة :
10 - ذهب المالكيّة - في المعتمد عندهم - والحنابلة إلى أنّ التّختّم بالحديد والنّحاس والرّصاص مكروه للرّجال والنّساء ، لما روي « أنّ رجلاً جاء إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عليه خاتم شبه - نحاس أصفر - فقال له : إنّي أجد منك ريح الأصنام فطرحه . ثمّ جاء وعليه خاتم حديد فقال : ما لي أرى عليك حلية أهل النّار فطرحه . فقال : يا رسول اللّه : من أيّ شيء أتّخذه ؟ قال : اتّخذه من ورق ولا تتمّه مثقالاً » .
وقال المالكيّة : إنّ التّختّم بالجلد والعقيق والقصدير والخشب جائز للرّجال والنّساء .
وقال الحنابلة : إنّه يباح للرّجل والمرأة التّحلّي بالجوهر والزّمرّد والزّبرجد والياقوت والفيروز واللّؤلؤ ، أمّا العقيق فقيل : يستحبّ تختّمهما به ، وقيل : يباح التّختّم بالعقيق لما في رواية مهنّا ، وقد سئل الإمام أحمد : ما السّنّة ؟ يعني في التّختّم ، فأجاب بقوله : لم تكن خواتيم القوم إلاّ من الفضّة . قال صاحب كشّاف القناع : الدّملج في معنى الخاتم .
واختلف الحنفيّة في التّختّم بغير الذّهب والفضّة .
والحاصل كما قال ابن عابدين : أنّ التّختّم بالفضّة حلال للرّجال بالحديث ، وبالذّهب والحديد والصّفر حرام عليهم بالحديث ، وبالحجر حلال على اختيار شمس الأئمّة وقاضي خان أخذاً من قول الرّسول وفعله صلى الله عليه وسلم ، لأنّ حلّ العقيق لمّا ثبت بهما ثبت حلّ سائر الأحجار لعدم الفرق بين حجر وحجر ، وحرام على اختيار صاحب الهداية والكافي أخذاً من عبارة الجامع الصّغير : ولا يتختّم إلاّ بالفضّة . فإنّها يحتمل أن يكون القصر فيها بالإضافة إلى الذّهب ، ولا يخفى ما بين المأخذين من التّفاوت .
واختلف الشّافعيّة أيضاً في التّختّم بغير الذّهب والفضّة ، وقد ورد في المجموع طرف من هذا الخلاف ، وهو : قال صاحب الإبانة : يكره الخاتم من حديد أو شبه - نوع من النّحاس - وتابعه صاحب البيان ، وأضاف إليهما الخاتم من رصاص ، وقال صاحب التّتمّة : لا يكره الخاتم من حديد أو رصاص لحديث الواهبة نفسها ، ففيه قوله للّذي أراد تزوّجها : « انظر ولو خاتماً من حديد » .
وفي حاشية القليوبيّ : ولا بأس بلبس غير الفضّة من نحاس أو غيره .
رابعاً : موضع التّختّم :
11 - لم يختلف الفقهاء في موضع التّختّم بالنّسبة للمرأة ، لأنّه تزيّن في حقّها ، ولها أن تضع خاتمها في أصابع يديها أو رجليها أو حيث شاءت .
ولكنّ الفقهاء اختلفوا في موضع التّختّم للرّجل ، بل إنّ فقهاء بعض المذاهب اختلفوا فيما بينهم في ذلك : فذهب بعض الحنفيّة إلى أنّه ينبغي أن يكون تختّم الرّجل في خنصر يده اليسرى ، دون سائر أصابعه ، ودون اليمنى .
وذهب بعضهم إلى أنّه يجوز أن يجعل خاتمه في يده اليمنى ، وسوّى الفقيه أبو اللّيث في شرح الجامع الصّغير بين اليمين واليسار ، لأنّه قد اختلفت الرّوايات عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وقول بعضهم : إنّه في اليمين من علامات أهل البغي ليس بشيء ، لأنّ النّقل الصّحيح عن « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينفي ذلك » .
والمختار عند مالك رحمه الله التّختّم في اليسار على جهة النّدب ، وجعل الخاتم في الخنصر ، وكان مالك يلبسه في يساره ، قال أبو بكر بن العربيّ في القبس شرح الموطّأ : صحّ عن
« رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه تختّم في يمينه وفي يساره ، واستقرّ الأكثر على أنّه كان يتختّم في يساره » ، فالتّختّم في اليمين مكروه ، ويتختّم في الخنصر ، لأنّه بذلك أتت السّنّة عنه صلى الله عليه وسلم والاقتداء به حسن . ولأنّ كونه في اليسار أبعد عن الإعجاب . وقال الشّافعيّة : يجوز للرّجل لبس خاتم الفضّة في خنصر يمينه ، وإن شاء في خنصر يساره ، كلاهما صحّ فعله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكنّ الصّحيح المشهور أنّه في اليمين أفضل لأنّه زينة ، واليمين أشرف .
وقال بعضهم : في اليسار أفضل . وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يتختّم في يساره ، وبإسناد حسن أنّ ابن عبّاس رضي الله عنهما تختّم في يمينه. وعند الشّافعيّة أنّ التّختّم في الوسطى والسّبّابة منهيّ عنه لما ورد عن عليّ رضي الله تعالى عنه قال : « نهاني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن أتختّم في أصبعي هذه أو هذه قال : فأومأ إلى الوسطى والّتي تليها » .
وقال الحنابلة : لبس الخاتم في خنصر اليسار أفضل من لبسه في خنصر اليمين ، نصّ عليه في رواية صالح ، وضعّف في رواية الأثرم وغيره التّختّم في اليمنى ، قال الدّارقطنيّ وغيره : المحفوظ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتختّم في يساره ، وأنّه إنّما كان في الخنصر لكونه طرفاً ، فهو أبعد عن الامتهان فيما تتناوله اليد ، ولأنّه لا يشغل اليد عمّا تتناوله . وعند الحنابلة أنّه يكره لبس الخاتم في سبّابة ووسطى للنّهي الصّحيح عن ذلك .
وظاهره لا يكره لبسه في الإبهام والبنصر ، وإن كان الخنصر أفضل اقتصاراً على النّصّ .
خامساً : وزن خاتم الرّجل :
12 - اختلف الفقهاء في الوزن المباح لخاتم الرّجل : فعند الحنفيّة ، قال الحصكفيّ : لا يزيد الرّجل خاتمه على مثقال . ورجّح ابن عابدين قول صاحب الذّخيرة أنّه لا يبلغ به المثقال ، واستدلّ بما روي أنّ « رجلاً سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم قائلاً : من أيّ شيء أتّخذه ؟ - يعني الخاتم - فقال صلى الله عليه وسلم : اتّخذه من ورق ، ولا تتمّه مثقالاً » .
وقال المالكيّة : يجوز للذّكر لبس خاتم الفضّة إن كان وزن درهمين شرعيّين أو أقلّ ، فإن زاد عن درهمين حرم .
ولم يحدّد الشّافعيّة وزناً للخاتم المباح ، قال الخطيب الشّربينيّ : لم يتعرّض الأصحاب لمقدار الخاتم المباح ، ولعلّهم اكتفوا فيه بالعرف ، أي عرف البلد وعادة أمثاله فيها ، فما خرج عن ذلك كان إسرافاً ... هذا هو المعتمد ، وإن قال الأذرعيّ : الصّواب ضبطه بدون مثقال ، لما في صحيح ابن حبّان وسنن أبي داود عن أبي هريرة « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال للابس الخاتم الحديد : ما لي أرى عليك حلية أهل النّار فطرحه وقال : يا رسول اللّه من أيّ شيء أتّخذه ؟ قال : اتّخذه من ورق ولا تتمّه مثقالاً » قال : وليس في كلامهم ما يخالفه . وهذا لا ينافي ما ذكر لاحتمال أنّ ذلك كان عرف بلده وعادة أمثاله .
وقال الحنابلة : لا بأس بجعله مثقالاً فأكثر ، لأنّه لم يرد فيه تحديد ، ما لم يخرج عن العادة ، وإلاّ حرم ( قالوا ) لأنّ الأصل التّحريم ، وإنّما خرج المعتاد لفعله صلى الله عليه وسلم وفعل الصّحابة .
سادساً : عدد خواتم الرّجل :
13 - اختلف الفقهاء في حكم تعدّد خواتم الرّجل :
فنصّ المالكيّة على أنّه لا يباح للرّجل أكثر من خاتم واحد ، فإن تعدّد الخاتم حرم ولو كان في حدود الوزن المباح شرعاً .
واختلف فقهاء الشّافعيّة في تعدّد الخاتم ، ونقل صاحب مغني المحتاج جانباً من هذا الخلاف في قوله : وفي الرّوضة وأصلها : ولو اتّخذ الرّجل خواتيم كثيرةً ليلبس الواحد منها بعد الواحد جاز ، فظاهره الجواز في الاتّخاذ دون اللّبس ، وفيه خلاف مشهور ، والّذي ينبغي اعتماده فيه أنّه جائز ما لم يؤدّ إلى سرف .
وقال الحنابلة : لو اتّخذ الرّجل لنفسه عدّة خواتيم ، فالأظهر جوازه إن لم يخرج عن العادة ، والأظهر جواز لبس الرّجل خاتمين فأكثر جميعاً إن لم يخرج عن العادة .
ولم نجد كلاماً للحنفيّة في هذه المسألة .
سابعاً : النّقش على الخاتم :
14 - اتّفق الفقهاء على جواز النّقش على الخاتم ، وعلى أنّه يجوز نقش اسم صاحب الخاتم عليه ، واختلفوا في نقش لفظ الجلالة أو الذِّكْر :
فقال الحنفيّة والشّافعيّة : يجوز أن ينقش لفظ الجلالة أو ألفاظ الذّكر على الخاتم ، ولكنّه يجعله في كمّه إن دخل الخلاء ، وفي يمينه إذا استنجى .
وقال الحنابلة : يكره أن يكتب على الخاتم ذكر اللّه تعالى من القرآن أو غيره نصّاً ، قال إسحاق بن راهويه : لا يدخل الخلاء به ، وقال في الفروع : ولعلّ أحمد كرهه لذلك ، قال : ولم أجد للكراهة دليلاً سوى هذا ، وهي تفتقر إلى دليل والأصل عدمه . وقال الحنابلة أيضاً : يحرم أن ينقش عليه صورة حيوان ، ويحرم لبسه والصّورة عليه كالثّوب المصوّر ، ولم ير بعض الحنفيّة بأساً في نقش ذلك إذا كان صغيراً بحيث لا يبصر عن بعد .
ثامناً : فصّ الخاتم :
15 - ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّه يجوز أن يكون لخاتم الرّجل المباح فصّ من مادّته الفضّيّة أو من مادّة أخرى على التّفصيل الآتي :
قال الحنفيّة : يجوز للرّجل أن يجعل فصّ خاتمه عقيقاً أو فيروزجاً أو ياقوتاً أو نحوه ، ولا بأس بسدّ ثقب الفصّ بمسمار الذّهب ليحفظ به الفصّ ، لأنّه قليل ، فأشبه العلم في الثّوب فلا يعدّ لابساً له ، ويجعل الرّجل فصّ خاتمه إلى بطن كفّه بخلاف النّساء ، لأنّه للزّينة في حقّهنّ دون الرّجال . وقال المالكيّة : لا بأس بالفضّة في حلية الخاتم ... ثمّ اختلفوا في الشّرح ، فقال بعضهم : تكون الحلية من الفضّة في خاتم من شيء جائز غير الحديد والنّحاس والرّصاص ، كالجلد والعود أو غير ذلك ممّا يجوز ، فيجعل الفصّ فيه .
وقال بعضهم : يكون الخاتم كلّه من الفضّة لما في صحيح مسلم : « كان خاتم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من ورق ، وكان فصّه حبشيّاً » أي كان صانعه حبشيّاً ، أو كان مصنوعاً كما يصنعه أهل الحبشة فلا ينافي رواية : أنّ فصّه منه .
وقال المالكيّة : لا يجوز للذّكر خاتم بعضه ذهب ولو قلّ .
وقالوا : يجعل فصّ الخاتم ممّا يلي الكفّ ، لأنّه بذلك أتت السّنّة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم والاقتداء به حسن ، فإذا أراد الاستنجاء خلعه كما يخلعه عند إرادة الخلاء .
وقال الشّافعيّة : يجوز الخاتم بفصّ وبغير فصّ ، وأضاف النّوويّ : ويجعل الفصّ من باطن كفّه أو ظاهرها ، وباطنها أفضل للأحاديث الصّحيحة فيه . وقال القليوبيّ : ويسنّ جعل فصّ الخاتم داخل الكفّ . وقال الحنابلة : للرّجل جعل فصّ خاتمه منه أو من غيره ، لأنّ في البخاريّ من حديث أنس رضي الله عنه « كان فصّه منه » ولمسلم « كان فصّه حبشيّاً » . وقالوا : يباح للذّكر من الذّهب فصّ خاتم إذا كان يسيراً ... اختاره أبو بكر عبد العزيز ومجد الدّين ابن تيميّة وتقيّ الدّين ابن تيميّة ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ، وإليه ميل ابن رجب ، قال في الإنصاف : وهو الصّواب وهو المذهب ، وفي الفتاوى المصريّة : يسير الذّهب التّابع لغيره كالطّراز ونحوه جائز في الأصحّ من مذهب الإمام أحمد .
واختار القاضي وأبو الخطّاب التّحريم ، وقطع به في شرح المنتهى في باب الآنية .
وقال الحنابلة : الأفضل أن يجعل الرّجل فصّ الخاتم ممّا يلي ظهر كفّه لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كان يفعل ذلك » وكان ابن عبّاس رضي الله عنهما وغيره يجعله ممّا يلي ظهر كفّه .
تاسعاً : تحريك الخاتم في الوضوء :
16 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجب في الوضوء تحريك الخاتم أثناء غسل اليد ، إن كان ضيّقاً ولا يعلم وصول ماء الوضوء إلى ما تحته ، فإن كان الخاتم واسعاً ، أو كان ضيّقاً وعلم وصول الماء إلى ما تحته فإنّ تحريكه لا يجب ، بل يكون مستحبّاً .
وذهب المالكيّة إلى أنّه لا يجب تحويل خاتم المتوضّئ من موضعه ولو كان ضيّقاً إن كان مأذوناً فيه ، وعلى المتوضّئ إزالة غير المأذون فيه إن كان يمنع وصول الماء للبشرة وإلاّ فلا ، وليس الحكم بإزالة ما يمنع وصول الماء للبشرة خاصّاً بالخاتم غير المأذون فيه ، بل هو عامّ في كلّ حائل كشمع وزفت ووسخ .
عاشراً : تحريك الخاتم في الغسل :
17 - قال جمهور الفقهاء : ممّا يتحقّق به الغسل المجزئ أن يعمّم بدنه بالغسل ، حتّى ما تحت خاتم ونحوه ، فيحرّكه ليتحقّق وصول الماء إلى ما تحته ، ولو كان الخاتم ضيّقاً لا يصل الماء إلى ما تحته نزعه وجوباً .
وقال المالكيّة : يجب غسل ظاهر الجسد في الغسل ، وأمّا الخاتم فلا يلزم تحريكه ، كالوضوء . كما نصّ عليه ابن الموّاز خلافاً لابن رشد .
حادي عشر : نزع الخاتم في التّيمّم :
18 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجب على من يريد التّيمّم نزع خاتمه ليصل التّراب إلى ما تحته عند المسح ، ولا يكفي تحريك الخاتم ، لأنّ التّراب كثيف لا يسري إلى ما تحت الخاتم بخلاف الماء في الوضوء . وقال الحنفيّة : يجب على المتيمّم أن يستوعب بالمسح وجهه ويديه فينزع الخاتم أو يحرّكه .
ثاني عشر : العبث بالخاتم في الصّلاة :
19 - ذهب الفقهاء إلى أنّ العبث في الصّلاة مكروه ، والعبث : هو كلّ فعل ليس بمفيد للمصلّي ، ومنه كفّه لثوبه وعبثه به وبجسده وبالحصى وبالخاتم ، وتفصيله والخلاف فيه ينظر في الصّلاة عند الكلام عن المكروهات والمبطلات .
ثالث عشر : التّختّم في الإحرام :
20 - اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ للمحرم التّختّم بخاتمه حال إحرامه ، لأنّ التّختّم ليس لبساً ولا تغطيةً ، وقد روي عن عبد اللّه بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه قال : أوثقوا عليكم نفقاتكم - أي بشدّ الهميان في الوسط وفيه كيس النّفقة - ورخّص في الخاتم والهميان للمحرم . وقال المالكيّة : يحرم على الرّجل المحرم لبس الخاتم في الإحرام ولو فضّةً زنته درهمان ، وفيه الفدية إن طال .
رابع عشر : زكاة الخاتم :
21 - اتّفق المالكيّة والشّافعيّة - في الأظهر عندهم - والحنابلة على أنّ الحلية المباحة - ومنها خاتم الذّهب أو الفضّة للمرأة ، وخاتم الفضّة المباح للرّجل - لا زكاة فيه ، لأنّه مصروف عن جهة النّماء إلى استعمال مباح ، فأشبه ثياب البذلة وعوامل الماشية .
وقال الحنفيّة ، وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة : في خاتم الفضّة المباح للرّجل الزّكاة - بشرط النّصاب - لأنّ الفضّة خلقت ثمناً ، فيزكّيها كيف كانت . وتفصيله في الزّكاة .
خامس عشر : دفن الخاتم مع الشّهيد وغيره :
22 - ينزع عن الميّت قبل دفنه ما عليه من الحلية من خاتم وغيره لأنّ دفنه مع الميّت إضاعة للمال ، وهو منهيّ عنه . أمّا الشّهيد فقد اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه ينزع عنه عند دفنه الجلد والسّلاح والفرو والحشو والخفّ والمنطقة والقلنسوة وكلّ ما لا يعتاد لبسه غالباً ، والخاتم مثل هذه بل أولى ، لحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما :
« أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود ، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم » ولأنّ ما يترك على الشّهيد يترك ليكون كفناً ، والكفن ما يلبس للسّتر ، والخاتم لا يلبس للسّتر فينزع . وقال المالكيّة : ندب دفن الشّهيد بخفّ وقلنسوة ومنطقة قلّ ثمنها ، وبخاتم قلّ فصّه أي قيمته ، فلا ينزع إلاّ أن يكون نفيس الفصّ .

تخدير *
التّعريف :
1 - الخدر - بالتّحريك - استرخاء يغشى بعض الأعضاء أو الجسد كلّه . والخدر : الكسل والفتور . وخدّر العضو تخديراً : جعله خدراً ، وحقنه بمخدّر لإزالة إحساسه .
ويقال : خدّره الشّراب وخدّره المرض .
والمخدّر : مادّة تسبّب في الإنسان والحيوان فقدان الوعي بدرجات متفاوتة ، كالبنج والحشيش والأفيون ، والجمع مخدّرات ، وهي محدثة .
ولا يخرج استعمال الفقهاء للتّخدير عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّفتير :
2 - فتر عن العمل فتوراً : انكسرت حدّته ولان بعد شدّته ، ومنه : فتر الحرّ إذا انكسر ، فيكون التّفتير تكسيراً للحدة ، وتلييناً بعد الشّدّة .
وعلى هذا فالتّفتير أعمّ من التّخدير ، إذ التّخدير نوع من التّفتير .
ب - الإغماء :
3 - أغمي عليه : عرض له ما أفقده الحسّ والحركة . والإغماء : فتور غير أصليّ يزيل عمل القوى لا بمخدّر . فالتّخدير مباين للإغماء .
ج - الإسكار :
4 - أسكره الشّراب أزال عقله ، فالإسكار : إزالة الشّراب للعقل دون الحسّ والحركة ، فيكون التّخدير أعمّ من الإسكار . وهناك ألفاظ أخرى لها صلة بالتّخدير كالمفسد والمرقِّد . قال الحطّاب : فائدة تنفع الفقيه ، يعرف بها الفرق بين المسكر والمفسد والمرقد ، فالمسكر : ما غيّب العقل دون الحواسّ مع نشوة وفرح ، والمفسد : ما غيّب العقل دون الحواسّ لا مع نشوة وفرح كعسل البلادر ، والمرقد : ما غيّب العقل والحواسّ كالسيكران .
الحكم التّكليفيّ :
5 - المخدّرات أنواع متعدّدة تختلف لاختلاف أصولها المستخرجة منها .
وتناول المخدّرات كالحشيشة والأفيون والقاتّ والكوكايين والبنج والكفتة وجوزة الطّيب والبرش وغيرها بالمضغ أو التّدخين أو غيرهما ينتج عنه تغييب العقل ، وقد يؤدّي إلى الإدمان ، ممّا يسبّب تدهوراً في عقليّة المدمنين وصحّتهم ، وتغيّر الحال المعتدلة في الخلق والخلق . قال ابن تيميّة : كلّ ما يغيّب العقل فإنّه حرام ، وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب ، فإنّ تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين ، أي إلاّ لغرض معتبر شرعاً .
6- وذهب جمهور الفقهاء إلى حرمة تناول المخدّرات الّتي تغشى العقل ، ولو كانت لا تحدث الشّدّة المطربة الّتي لا ينفكّ عنها المسكر المائع .
وكما أنّ ما أسكر كثيره حرم قليله من المائعات ، كذلك يحرم مطلقاً ما يخدّر من الأشياء الجامدة المضرّة بالعقل أو غيره من أعضاء الجسد . وذلك إذا تناول قدراً مضرّاً منها . دون ما يؤخذ منها من أجل المداواة ، لأنّ حرمتها ليست لعينها ، بل لضررها .
7- وعلى هذا يحرم تناول البنج والحشيشة والأفيون في غير حالة التّداوي ، لأنّ ذلك كلّه مفسد للعقل ، فيحدث لمتناوله فساداً ، ويصدّ عن ذكر اللّه وعن الصّلاة . لكن تحريم ذلك ليس لعينه بل لنتائجه .
8- ويحرم القدر المسكر المؤذي من جوزة الطّيب ، فإنّها مخدّرة ، لكن حرمتها دون حرمة الحشيشة .
9- وذهب الفقيه أبو بكر بن إبراهيم المقري الحرازيّ الشّافعيّ إلى تحريم القاتّ في مؤلّفه في تحريم القاتّ . حيث يقول : إنّي رأيت من أكلها الضّرر في بدني وديني فتركت لها ، فقد ذكر العلماء : أنّ المضرّات من أشهر المحرّمات ، فمن ضررها أنّ آكلها يرتاح ويطرب وتطيب نفسه ويذهب حزنه ، ثمّ يعتريه بعد ساعتين من أكله هموم متراكمة وغموم متزاحمة وسوء أخلاق . وكذلك ذهب الفقيه حمزة النّاشريّ إلى تحريمه واحتجّ بحديث أمّ سلمة رضي الله عنها « أنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن كلّ مسكر ومفتر » .
أدلّة تحريم المخدّرات :
10 - الأصل في تحريمها ما رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه بسند صحيح عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت :« نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن كلّ مسكر ومفتر» . قال العلماء : المفتر : كلّ ما يورث الفتور والخدر في الأطراف . قال ابن حجر : وهذا الحديث فيه دليل على تحريم الحشيش بخصوصه ، فإنّها تسكر وتخدّر وتفتر .
وحكى القرافيّ وابن تيميّة الإجماع على تحريم الحشيشة ، قال ابن تيميّة : ومن استحلّها فقد كفر ، وإنّما لم تتكلّم فيها الأئمّة الأربعة رضي الله عنهم ، لأنّها لم تكن في زمنهم ، وإنّما ظهرت في آخر المائة السّادسة وأوّل المائة السّابعة حين ظهرت دولة التّتار .
طهارة المخدّرات ونجاستها :
11 - المخدّرات الجامدة كلّها عند جمهور الفقهاء طاهرة غير نجسة وإن حرم تعاطيها ، ولا تصير نجسةً بمجرّد إذابتها في الماء ولو قصد شربها ، لأنّ الحكم الفقهيّ أنّ نجاسة المسكرات مخصوصة بالمائعات منها ، وهي الخمر الّتي سمّيت رجساً في القرآن الكريم ، وما يلحق بها من سائر المسكرات المائعة .
بل قد حكى ابن دقيق العيد الإجماع على طهارة المخدّرات . على أنّ بعض الحنابلة رجّح الحكم بنجاسة هذه المخدّرات الجامدة . وتفصيل ذلك في موضوع النّجاسات .
علاج مدمني المخدّرات :
12 - سئل ابن حجر المكّيّ الشّافعيّ عمّن ابتلي بأكل الأفيون والحشيش ونحوهما ، وصار إن لم يأكل منه هلك . فأجاب : إن علم أنّه يهلك قطعاً حلّ له ، بل وجب ، لاضطراره إلى إبقاء روحه ، كالميتة للمضطرّ ، ويجب عليه التّدرّج في تقليل الكميّة الّتي يتناولها شيئاً فشيئاً ، حتّى يزول تولّع المعدة به من غير أن تشعر ، قال الرّمليّ من الحنفيّة : وقواعدنا لا تخالفه في ذلك .
بيع المخدّرات وضمان إتلافها :
13 - لمّا كانت المخدّرات طاهرةً - كما سبق تفصيل ذلك - وأنّها قد تنفع في التّداوي بها جاز بيعها للتّداوي عند جمهور الفقهاء ، وضمن متلفها ، واستثنى بعض الفقهاء الحشيشة ، فقالوا بحرمة بيعها كابن نجيم الحنفيّ ، وذلك لقيام المعصية بذاتها ، وذكر ابن الشّحنة أنّه يعاقب بائعها ، وصحّح ابن تيميّة نجاستها وأنّها كالخمر ، وبيع الخمر لا يصحّ فكذا الحشيشة عند الحنابلة ، وذهب بعض المالكيّة إلى ما ذهب إليه ابن تيميّة .
أمّا إذا كان بيعها لا لغرض شرعيّ كالتّداوي ، فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى تحريم بيع المخدّرات لمن يعلم أو يظنّ تناوله لها على الوجه المحرّم ، ولا يضمن متلفها ، خلافاً للشّيخ أبي حامد - أي الإسفرايينيّ - ويفهم من كلام ابن عابدين في حاشيته أنّ البيع مكروه ويضمن متلفها .
تصرّفات متناول المخدّرات :
14 - إنّ متناول القدر المزيل للعقل من المخدّرات ، إمّا أن يكون للتّداوي أو لا ، فإن كان للتّداوي فإنّ تصرّفاته لا تصحّ عند جماهير الفقهاء .
أمّا إذا كان زوال العقل بتناول المخدّرات لا للتّداوي ، فإنّ الفقهاء مختلفون فيما يصحّ من تصرّفاته وما لا يصحّ . فذهب الحنفيّة إلى أنّ تصرّفاته صحيحة إذا استعمل الأفيون للّهو ، لكونه معصيةً ، واستثنى الحنفيّة الرّدّة والإقرار بالحدود والإشهاد على شهادة نفسه فإنّها لا تصحّ ، ومحلّ ذلك إذا كان لا يعرف الأرض من السّماء ، أمّا إذا كان يعرف ذلك فهو كالصّاحي ، فكفره صحيح ، وكذلك طلاقه وعتاقه وخلعه .
قال ابن عابدين في الحشيشة والسّكر بها : فلمّا ظهر من أمرها - أي الحشيشة - من الفساد كثير وفشا ، عاد مشايخ المذهبين - الحنفيّة والشّافعيّة - إلى تحريمها وأفتوا بوقوع الطّلاق بها . وزاد بعض الحنفيّة على ما تقدّم أنّ زوال العقل إذا كان بالبنج والأفيون ، وكان للتّداوي - أي على سبيل الجواز - أنّ الطّلاق يقع زجراً وعليه الفتوى .
وذهب المالكيّة إلى صحّة طلاقه وعتقه وتلزمه الحدود والجنايات على نفس ومال ، بخلاف عقوده من بيع وشراء وإجارة ونكاح وإقرارات فلا تصحّ ولا تلزم على المشهور . وذهب الشّافعيّة إلى صحّة جميع تصرّفاته ، لعصيانه بسبب زوال عقله ، فجعل كأنّه لم يزل . والصّحيح من مذهب الحنابلة أنّ تناول البنج ونحوه لغير حاجة - إذا زال العقل به كالمجنون - لا يقع طلاق من تناوله ، لأنّه لا لذّة فيه ، وفرّق الإمام أحمد بينه وبين السّكران فألحقه بالمجنون ، وقدّمه في " النّظم " " والفروع " وهو الظّاهر من كلام الخرقيّ فإنّه قال : وطلاق الزّائل العقل بلا سكر لا يقع . قال الزّركشيّ - من الحنابلة - وممّا يلحق بالبنج الحشيشة الخبيثة ، وأبو العبّاس ابن تيميّة يرى أنّ حكمها حكم الشّراب المسكر حتّى في إيجاب الحدّ ، وهو الصّحيح إن أسكرت ، أو أسكر كثيرها وإلاّ حرمت ، وعزّر فقط فيها .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:12 PM

عقوبة متناول المخدّرات :
15 - اتّفق الفقهاء على أنّ متناول المخدّرات للتّداوي ولو زال عقله لا عقوبة عليه ، من حدّ أو تعزير . أمّا إذا تناول القدر المزيل للعقل بدون عذر فإنّه لا حدّ عليه أيضاً عند جماهير العلماء - إلاّ ما ذهب إليه ابن تيميّة في إيجاب الحدّ على من سكر من الحشيشة ، مفرّقاً بينها وبين سائر المخدّرات . بأنّ الحشيشة تشتهى وتطلب بخلاف البنج ، فالحكم عنده منوط باشتهاء النّفس . واتّفق الفقهاء أيضاً على تعزير متناول المخدّرات بدون عذر ، لكن ذهب الشّافعيّة إلى أنّ الأفيون وغيره إذا أذيب واشتدّ وقذف بالزّبد ، فإنّه يلحق بالخمر في النّجاسة والحدّ ، كالخبز إذا أذيب وصار كذلك ، بل أولى . وقيّد الشّافعيّة عقوبة متناول المخدّرات بما إذا لم يصل إلى حالة تلجئه إلى ذلك كما سبق ، فإن وصل إلى تلك الحالة لا يعزّر ، بل يجب عليه الإقلاع عنه إمّا باستعمال ضدّه أو تقليله تدريجيّاً .

تخذيل *
التّعريف :
1 - التّخذيل لغةً : حمل الرّجل على خذلان صاحبه ، وتثبيطه عن نصرته ، يقال : خذلته تخذيلاً : حملته على الفشل وترك القتال .
واصطلاحاً : صدّ النّاس عن الغزو وتزهيدهم في الخروج إليه .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - يحرم تخذيل المجاهدين عن الجهاد بأيّ وسيلة حصل من قول أو فعل . قال اللّه تعالى في ذمّ المخذّلين : { قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ المُعَوِّقين منكم والقائلينَ لإِخوانِهم هَلُمَّ إلينا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلاّ قَلِيلاً } . وقال أيضاً في شأن المنافقين : { فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهم خِلافَ رسولِ اللّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجَاهِدُوا بأموالِهم وأَنفسِهم في سبيلِ اللّهِ وقالوا لا تَنْفِروا في الحَرِّ قلْ نارُ جهنَّمَ أشدُّ حَرَّاً لو كانوا يَفْقَهُون } .
استصحاب المخذّل والمرجف :
3 - لا يستصحب الأمير معه مخذّلاً ، وهو الّذي يثبّط النّاس عن الغزو ويزهّدهم في الخروج إلى القتال والجهاد ، مثل أن يقول : الحرّ أو البرد شديد ، والمشقّة شديدة ، ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش وأشباه هذا . ولا مرجفاً وهو الّذي يقول : قد هلكت سريّة المسلمين ، وما لهم مدد ولا طاقة لهم بالكفّار ، والكفّار لهم قوّة ومدد وصبر ، ولا يثبت لهم أحد ونحو هذا ، ولا من يعين على المسلمين بالتّجسّس للكفّار وإطلاعهم على عورات المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم ودلالتهم على عوراتهم أو إيواء جواسيسهم ، ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد ، لقوله تعالى : { ولو أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعدُّوا له عُدَّةً ولكن كَرِهَ اللّهُ انْبِعَاثَهم فَثَبَّطَهم وقيل اقعُدُوا مع القَاعِدين لو خَرَجُوا فيكم ما زَادُوكم إلاّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكم الفِتْنَةَ } ولأنّ هؤلاء مضرّة على المسلمين فيلزمه منعهم ، وإن خرج معه أحد هؤلاء لم يسهم له ولم يرضخ وإن أظهر عون المسلمين ، لأنّه يحتمل أن يكون أظهره نفاقاً وقد ظهر دليله ، فيكون مجرّد ضرر فلا يستحقّ ممّا غنموا شيئاً .
وإن كان الأمير أحد هؤلاء لم يستحبّ الخروج معه ، لأنّه إذا منع خروج المخذّل ومن في حكمه تبعاً فمتبوعاً أولى ، ولأنّه لا تؤمن المضرّة على من صحبه .

تخريب *
انظر : جهاد .

تخريج المناط *
التّعريف :
1 - التّخريج والاستخراج بمعنًى واحد كالاستنباط والمناط : موضع التّعليق .
ومناط الحكم عند الأصوليّين : علّته .
وتخريج المناط هو : النّظر والاجتهاد في إثبات علّة الحكم ، إذا دلّ النّصّ أو الإجماع على الحكم دون علّته ، وذلك أن يستخرج المجتهد العلّة برأيه . كالاجتهاد في إثبات كون الشّدّة المطربة علّةً لتحريم شرب الخمر ، وكون القتل العمد العدوان علّةً لوجوب القصاص في المحدّد ، وكون الطّعم علّة ربا الفضل في البرّ ونحوه حتّى يقاس عليه كلّ ما سواه في علّته
الألفاظ ذات الصّلة :
المناسبة :
2 - وهي : تعيين العلّة بإبداء وجود العلاقة بين الوصف والحكم ، بحيث يدركه العقل السّليم مع السّلامة من القوادح . ويسمّى استخراج المناسبة : تخريج المناط .
وبذلك يكون تخريج المناط أعمّ من المناسبة ، إذ قد يكون باستخراج المناسبة أو بغيرها .
الحكم الإجماليّ :
3 - عدّ بعض الأصوليّين تخريج المناط مسلكاً من مسالك العلّة ، إذ هو اجتهاد في استخراجها ، لكنّه يعتبر في الرّتبة دون تحقيق المناط وتنقيحه .
ولذلك اختلف الأصوليّون في الأخذ به ، فأنكره أهل الظّاهر والشّيعة وطائفة من المعتزلة البغداديّين ، وقال الغزاليّ عنه : العلّة المستنبطة عندنا لا يجوز التّحكّم بها ، بل قد تعلم بالإيماء وإشارة النّصّ فتلحق بالمنصوص ، وقد تعلم بالسّبر .. إلخ ثمّ قال : وكلّ ذلك قريب من القسمين الأوّلين ( تحقيق المناط وتنقيحه ) والقسم الأوّل ( تحقيق المناط ) متّفق عليه ، والثّاني ( تنقيح المناط ) مسلّم من الأكثرين . وتفصيل ذلك ينظر في الملحق الأصوليّ .

تخصّر *
التّعريف :
1 - للتّخصّر في اللّغة معان ، منها : أنّه وضع اليد على الخصر ، ومثله الاختصار . والخصر من الإنسان : وسطه وهو المستدقّ فوق الوركين ، والجمع خصور ، مثل فلس وفلوس . والخصران والخاصرتان : معروفان .
والاختصار والتّخصّر : أن يضع الرّجل يده على خصره في الصّلاة أو غيرها من الاتّكاء على المخصرة ، وهي : ما يتوكّأ عليه من عصاً ونحوها . وفي رواية عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه نهى أن يصلّي الرّجل مختصراً ومتخصّراً » .
قيل : هو من المخصرة ، وقيل : معناه أن يصلّي الرّجل وهو واضع يده على خاصرته ، وجاء في الحديث : « الاختصار في الصّلاة راحة أهل النّار » أي أنّه فعل اليهود في صلاتهم . وهم أهل النّار قال ابن منظور : ليس الرّاحة المنسوبة لأهل النّار هي راحتهم في النّار ، إذ لا راحة لهم فيها ، وإنّما هي راحتهم في صلاتهم في الدّنيا . يعني أنّه إذا وضع يده على خصره كأنّه استراح بذلك ، وسمّاهم أهل النّار لمصيرهم إليها ، لا لأنّ ذلك راحتهم في النّار . وهو : أي التّخصّر في الاصطلاح لا يخرج عن ذلك .
الحكم الإجماليّ :
2 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ التّخصّر في الصّلاة مكروه ، أي تنزيهاً .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه مكروه تحريماً ، لمنافاته هيئة الصّلاة المأثورة ، والتّشبّه بالجبابرة ، وقد نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك . روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى أن يصلّي الرّجل مختصراً » وعنه رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن الخصر في الصّلاة » والمراد وضع اليد على الخاصرة . وفي رواية : « نهى أن يصلّي الرّجل متخصّراً » - بتشديد الصّاد - وهو أن يضع يده على خاصرته - وهو يصلّي - ما لم تكن به حاجة تدعو إلى وضعها . فإن كان به عذر كمن وضع يده على خاصرته لوجع في جنبه أو تعب في قيام اللّيل ، فتخصّر ، جاز له ذلك في حدود ما تقتضي به الحاجة ، ويقدّر ذلك بقدرها .
وفيه ورد حديث : « المتخصّرون يوم القيامة على وجوههم النّور » . وقال ثعلب : أي المصلّون باللّيل ، فإذا تعبوا وضعوا أيديهم على خواصرهم . وتابعه صاحب القاموس ففسّر الحديث بغير ذلك . وروى أبو داود والنّسائيّ من طريق سعيد بن زياد قال : « صلّيت إلى جنب ابن عمر فوضعت يديّ على خاصرتيّ . فلمّا صلّى قال : هذا . الصّلب في الصّلاة ، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينهى عنه » .
وأمّا التّخصّر خارج الصّلاة فقد جاء في تنوير الأبصار وشرحه : أنّه مكروه تنزيهاً .
لأنّه فعل المتكبّرين ( ر : الصّلاة : مكروهات الصّلاة ) .
وأمّا الاختصار بمعنى الاتّكاء في الصّلاة على المخصرة أو غيرها فقد سبق تفصيل حكمه في مصطلح ( استناد ) .
الاتّكاء على المخصرة ونحوها في خطبة الجمعة :
3 - توكّؤ الخطيب على المخصرة في حال خطبة الجمعة مندوب عند المالكيّة ، وهو أيضاً من سنن الخطبة عند الشّافعيّة والحنابلة . ويجعلها بيمينه عند المالكيّة ، ويستحبّ عند الشّافعيّة أن يجعلها في يده اليسرى كعادة من يريد الضّرب بالسّيف والرّمي بالقوس ، ويشغل يده اليمنى بحرف المنبر .
وجاء في كشّاف القناع من كتب الحنابلة : أن يجعلها بإحدى يديه ، إلاّ أنّ صاحب الفروع ذكر أنّه يتوجّه باليسرى ويعتمد بالأخرى على حرف المنبر ، فإن لم يجد شيئاً يعتمد عليه ، فقد ذكر الشّافعيّة أنّه يجعل اليمنى على اليسرى أو يرسلهما ولا يعبث بهما .
وذهب الحنفيّة - كما جاء في الفتاوى الهنديّة - إلى كراهة اتّكاء الخطيب على قوس أو عصاً في أثناء الخطبة من يوم الجمعة ، وإنّما يتقلّد الخطيب السّيف في كلّ بلدة فتحت به . ومثل العصا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : القوس والسّيف ، والعصا أولى من القوس والسّيف عند المالكيّة ، والمراد بالقوس كما جاء في الدّسوقيّ قوس النّشاب ، وهي القوس العربيّة لطولها واستقامتها ، لا العجميّة لقصرها وعدم استقامتها .
واستدلّ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على ما ذهبوا إليه من اتّكاء الخطيب على المخصرة في حال الخطبة من يوم الجمعة بما رواه أبو داود عن الحكم بن حزن : قال : « وفدت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة ، فقام متوكّئاً على سيف أو قوس أو عصا مختصراً » . قال مالك : وذلك ممّا يستحبّ للأئمّة أصحاب المنابر أن يخطبوا يوم الجمعة ومعهم العصا ، يتوكّئون عليها في قيامهم ، وهو الّذي رأينا وسمعنا .

تخصيص *
التّعريف :
1 - تخصيص الإنسان بالشّيء : تفضيله به على غيره .
وفي اصطلاح جمهور الأصوليّين يطلق على : قصر العامّ على بعض ما يتناوله بدليل يدلّ على ذلك ، سواء أكان هذا الدّليل مستقلاً أم غير مستقلّ ، مقارناً أم غير مقارن .
وعند الحنفيّة : قصر العامّ على بعض أفراده بدليل مستقلّ مقارن ، فخرج الاستثناء والصّفة ونحوهما ، لأنّ القصر حصل فيما ذكر بدليل غير مستقلّ . وخرج النّسخ ، لأنّه قصر بدليل غير مقارن .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - النّسخ :
2 - النّسخ هو : الرّفع والإزالة .
وفي اصطلاح الأصوليّين : رفع الشّارع الحكم المتقدّم بحكم متأخّر بدليل يدلّ على ذلك . فالفرق بين النّسخ وبين التّخصيص : أنّ التّخصيص ليس فيه رفع للحكم ، وأمّا النّسخ فهو رفع الحكم بعد ثبوته . والتّخصيص قصر بدليل مقارن عند الحنفيّة ، والنّسخ فيه تراخ .
ب - التّقييد :
3 - التّقييد : تقليل شيوع اللّفظ المطلق باقترانه بلفظ آخر يدلّ على تقييده بشرط أو صفة أو حال أو نحو ذلك . ومثاله لفظ " رجل " إذا اقترن بلفظ " مؤمن " مثلاً ، وقيل : رجل مؤمن ، فإنّ لفظ " رجل " مطلق وهو شائع ومنتشر في كلّ ما يصدق عليه معناه ، وهو أي ذكر بالغ من نوع الإنسان ، مؤمناً كان أو غير مؤمن ، ولمّا اقترن به لفظ " مؤمن " قلّل من شيوعه وانتشاره ، وجعله مقصوراً على من كان مؤمناً دون غيره .
فالتّقييد إنّما يكون للألفاظ المطلقة ، ليقلّل من شيوعها وانتشارها فيما يصدق عليه معناها ، ويجعلها مقصورةً على ما يوجد فيه القيد دون ما عداه .
أمّا التّخصيص : فإنّه يكون في الألفاظ العامّة ، ليقلّل من شمولها ويقصرها على بعض ما يصدق عليه معناها دون بعضها الآخر .
ج - الاستثناء :
4 - الاستثناء : إخراج من متعدّد بإلاّ أو إحدى أخواتها . أو هو المنع من دخول بعض ما يتناوله صدر الكلام في حكمه بإلاّ أو إحدى أخواتها .
والاستثناء نوع من المخصّصات للعامّ عند جمهور الأصوليّين ، وليس مخصّصاً للعامّ عند الحنفيّة ، وإنّما هو قاصر للعامّ على بعض أفراده .
الحكم الإجماليّ :
5 - التّخصيص جائز عقلاً وواقع استقراءً ، ويجوز التّخصيص إلى واحد ، إذا لم يكن لفظ العامّ جمعاً ، وإلى أقلّ الجمع إذا كان جمعاً .
ويجوز التّخصيص بالعقل عند الحنفيّة كما يجوز باللّفظ .
واختلف الأصوليّون في أنّ العامّ بعد التّخصيص يبقى عامّاً في الباقي بطريق الحقيقة أم يصير مجازاً ؟ والأشبه أنّه حقيقة في البعض الباقي ، وهذا رأي الحنابلة وكثير من الحنفيّة والشّافعيّة ، وقيّده بعضهم بأن كان الباقي غير منحصر ، وبعضهم بقيود أخرى .
قال البزدويّ : من شرط في العامّ الاجتماع دون الاستغراق قال : إنّه يبقى حقيقةً في العموم بعد التّخصيص ، ومن قال : شرطه الاستيعاب والاستغراق قال : يصير مجازاً بعد التّخصيص ، وإن خصّ منه فرد واحد .
وهل يبقى العامّ حجّةً بعد التّخصيص أم لا ؟ قال أكثر الأصوليّين ، وهو الصّحيح في مذهب الحنفيّة : إنّ العامّ يبقى حجّةً بعد التّخصيص ، معلوماً كان المخصوص أو مجهولاً . وبعضهم قيّد حجّيّته بما إذا كان المخصوص معلوماً لا مجهولاً . وقال الكرخيّ : لا يبقى حجّةً أصلاً ، وهو قول أبي ثور من الشّافعيّة . وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .

تخطّي الرّقاب*
التّعريف :
1 - يقال في اللّغة : تخطّى النّاس واختطاهم أي : جاوزهم . ويقال : تخطّيت رقاب النّاس إذا تجاوزتهم . قال ابن المنير : التّفرقة بين اثنين المنهيّ عنها بقوله صلى الله عليه وسلم : « فلم يفرِّق بين اثنين » تتناول القعود بينهما وإخراج أحدهما والقعود مكانه .
وقد يطلق على مجرّد التّخطّي . وفي التّخطّي زيادة رفع رجليه على رءوسهما أو أكتافهما ، وربّما تعلّق بثيابهما شيء ممّا في رجليه . ولا يخرج في معناه الاصطلاحيّ عن هذا .
حكمه الإجماليّ :
2 - لتخطّي الرّقاب أحكام تختلف باختلاف حالاته .
ففي الجمعة إمّا أن يكون المتخطّي هو الإمام أو غيره .
فإن كان المتخطّي هو الإمام ، ولم يكن له طريق إلاّ أن يتخطّى رقاب النّاس ليصل إلى مكانه ، جاز له ذلك بغير كراهة ، لأنّه موضع حاجة .
وإن كان غير الإمام : فعند الحنفيّة : إمّا أن يكون دخوله المسجد قبل أن يشرع الإمام في الخطبة أو بعد الشّروع فيها .
فإن كان قبله : فإنّه لا بأس بالتّخطّي إن كان لا يجد إلاّ فرجةً أمامه ، فيتخطّى إليها للضّرورة ، ما لم يؤذ بذلك أحداً ، لأنّه يندب للمسلم أن يتقدّم ويدنو من المحراب إذا لم يكن أثناء الخطبة ، ليتّسع المكان لمن يجيء بعده ، وينال فضل القرب من الإمام .
فإذا لم يفعل الأوّل ذلك فقد ضيّع المكان من غير عذر ، فكان للّذي جاء بعده أن يأخذ ذلك المكان وإن كان دخوله المسجد والإمام يخطب : فإنّ عليه أن يستقرّ في أوّل مكان يجده ، لأنّ مشيه في المسجد وتقدّمه في حالة الخطبة منهيّ عنه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « فلم يفرّق بين اثنين » وقوله : « ولم يتخطّ رَقَبَةَ مسلم ، ولم يؤذ أحداً » وقوله « للّذي جاء يتخطّى رقاب النّاس : اجلس : فقد آذيت وآنيت » .
وعند المالكيّة يجوز لداخل المسجد أن يتخطّى الصّفوف لفرجة قبل جلوس الخطيب على المنبر ، ولا يجوز التّخطّي بعده ولو لفرجة .
وقد نصّ الحنفيّة والشّافعيّة على أنّه إن لم يكن للدّاخل موضع وبين يديه فرجة لا يصل إليها إلاّ بتخطّي رجل أو رجلين لم يكره له ذلك ، لأنّه يسير . وإن كان بين يديه خلق كثير ، فإن رجا إذا قاموا إلى الصّلاة أن يتقدّموا جلس حتّى يقوموا ، وإن لم يرج أن يتقدّموا جاز أن يتخطّى ليصل إلى الفرجة ، لأنّه موضع حاجة ، وهذه إحدى الرّوايتين عن أحمد ، وفي رواية أخرى أنّ للدّاخل إذا رأى فرجةً لا يصل إليها إلاّ بالتّخطّي جاز له ذلك .
3 - وإذا جلس في مكان ، ثمّ بدت له حاجة أو احتاج الوضوء فله الخروج ولو بالتّخطّي . « قال عقبة : صلّيت وراء النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلّم ، ثمّ قام مسرعاً فتخطّى رقاب النّاس إلى بعض حجر نسائه ، فقال : ذكرت شيئاً من تِبْرٍ عندنا ، فكرهت أن يحبسني ، فأمرت بقسمته » فإذا قام من مجلسه ثمّ رجع إليه فهو أحقّ به ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من قام من مجلسه ثمّ رجع إليه فهو أحقّ به » وحكمه في التّخطّي إلى موضعه حكم من رأى بين يديه فرجةً على نحو ما مرّ .
4 - ويجوز التّخطّي بعد الخطبة وقبل الصّلاة ، ولو لغير فرجة ، كمشي بين الصّفوف ولو حال الخطبة . قال به المالكيّة . والتّخطّي للسّؤال كرهه الحنفيّة ، فلا يمرّ السّائل بين يدي المصلّي ، ولا يتخطّى رقاب النّاس ، ولا يسأل النّاس إلحافاً إلاّ إذا كان لأمر لا بدّ منه .
ويجوز تخطّي رقاب الّذين يجلسون على أبواب المساجد حيث لا حرمة لهم ، على ما هو المشهور عند الحنابلة .
5 - ويكره التّخطّي في غير الصّلاة من مجامع النّاس بلا أذًى ، فإن كان فيه أذًى حرم .
6 - ويحرم إقامة شخص ، ولو في غير المسجد ، ليجلس مكانه ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يقيم الرّجل الرّجل من مجلسه ، ثمّ يجلس فيه ولكن يقول تفسّحوا وتوسّعوا » وقال صلى الله عليه وسلم : « من سَبَق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له » وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرّجل من مجلسه ، ثمّ يجلس مكانه . فإن قعد واحد من النّاس في موضع من المسجد ، لا يجوز لغيره أن يقيمه حتّى يقعد مكانه ، لما روى مسلم عن أبي الزّبير عن جابر رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يقيمنّ أحدكم أخاه يوم الجمعة ، ثمّ ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ، ولكن يقول : افسحوا » قال تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا قيل لكم تَفَسَّحُوا في المجالسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللّهُ لكم } فإن قام رجل وأجلسه مكانه باختياره جاز له أن يجلس .
وأمّا صاحب الموضع فإنّه إن كان الموضع الّذي ينتقل إليه مثل الأوّل في سماع كلام الإمام لم يكره له ذلك ، وإن كان الموضع الّذي انتقل إليه دون الّذي كان فيه في القرب من الإمام كره له ذلك ، لأنّه آثر غيره في القربة ، وفيه تفويت حظّه .
7 - وإذا أمر إنسان إنساناً أن يبكّر إلى الجامع فيأخذ له مكاناً يقعد فيه لا يكره ، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع ، لما روي أنّ ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة ، فيجلس له فيه ، فإذا جاء قام له منه .

تخفيف *
انظر : تيسير .

تخلّل *
انظر : تخليل .

تخلّي *
انظر : قضاء الحاجة .

تخليل *
التّعريف :
1 - التّخليل لغةً يأتي بمعان ، منها : تفريق شعر اللّحية وأصابع اليدين والرّجلين ، يقال : خلّل الرّجل لحيته : إذا أوصل الماء إلى خلالها ، وهو البشرة الّتي بين الشّعر .
وأصله من إدخال الشّيء في خلال الشّيء ، وهو وسطه . ويقال : خلّل الشّخص أسنانه تخليلاً : إذا أخرج ما يبقى من المأكول بينها . وخلّلت النّبيذ تخليلاً : جعلته خلاً .
ويستعمل الفقهاء كلمة التّخليل بهذه المعاني اللّغويّة .
أحكام التّخليل بأنواعه :
أوّلاً : التّخليل في الطّهارة :
أ - تخليل الأصابع في الوضوء والغسل :
2 - إيصال الماء بين أصابع اليدين والرّجلين بالتّخليل أو غيره من متمّمات الغسل ، فهو فرض في الوضوء والغسل عند جميع الفقهاء ، لقوله تعالى : { فاغْسِلُوا وجوهَكم وأَيدِيَكم إلى المَرَافِقِ وامْسَحُوا برءوسِكم وأرجلَكم إلى الكعبينِ } .
أمّا التّخليل بعد دخول الماء خلال الأصابع ، فعند جمهور الفقهاء " الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة " أنّ تخليل الأصابع في الوضوء سنّة ، « لقوله صلى الله عليه وسلم لِلَقِيط بن صبرة : أسبغ الوضوء ، وخلّل بين الأصابع » ، وقد صرّح الحنفيّة بأنّه سنّة مؤكّدة ، والحنابلة يرون أنّ التّخليل في أصابع الرّجلين آكد ، وعلّلوا استحباب التّخليل بأنّه أبلغ في إزالة الدّرن والوسخ من بين الأصابع .
وذهب المالكيّة في المشهور عندهم إلى وجوب التّخليل في أصابع اليدين واستحبابه في أصابع الرّجلين ، وقالوا : إنّما وجب تخليل أصابع اليدين دون أصابع الرّجلين لعدم شدّة التصاقها ، فأشبهت الأعضاء المستقلّة ، بخلاف أصابع الرّجلين لشدّة التصاقها ، فأشبه ما بينها الباطن . وفي القول الآخر عندهم : يجب التّخليل في الرّجلين كاليدين .
ومراد المالكيّة بوجوب التّخليل إيصال الماء للبشرة بالدّلك .
3 - وكذلك يسنّ تخليل أصابع اليدين والرّجلين في الغسل عند الحنفيّة ، وهو المفهوم من كلام الشّافعيّة والحنابلة ، حيث ذكروا في بيان الغسل الكامل المشتمل على الواجبات والسّنن أن يتوضّأ كاملاً قبل أن يحثو على رأسه ثلاثاً ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « ثمّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصّلاة » وقد سبق أنّ تخليل الأصابع سنّة عندهم في الوضوء ،فكذلك في الغسل. وذهب المالكيّة في المعتمد عندهم إلى وجوب تخليل أصابع الرّجلين كأصابع اليدين في الغسل ،لأنّه يتأكّد فيه المبالغة على خلاف ما قالوا في الوضوء من استحباب تخليل أصابع الرّجلين.
ب - تخليل الأصابع في التّيمّم :
4 - لا خلاف بين فقهاء المذاهب في أنّ مسح الوجه واليدين فرض في التّيمّم ، لقوله تعالى : { فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُم وأَيْدِيْكُم منه } .
كذلك يجب تعميم واستيعاب محلّ الفرض بغير خلاف بين المذاهب الأربعة ، ولهذا صرّحوا بوجوب نزع الخاتم والسّوار إذا كانا ضيّقين يخشى عدم وصول الغبار إلى ما تحتهما ، حتّى إنّ المالكيّة قالوا بوجوب نزع الخاتم ، ولو كان واسعاً ، وإلاّ كان حائلاً . وعلى ذلك يجب تخليل أصابع اليدين في التّيمّم إن لم يدخل بينها غبار ، أو لم تمسح باتّفاق الفقهاء .
أمّا تخليل أصابع اليدين بعد مسحهما ، فقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة باستحبابه احتياطاً ، وهو عند الشّافعيّة إن فرّق أصابعه في الضّربتين ، فإن لم يفرّقها فيهما ، أو فرّقها في الأولى دون الثّانية وجب التّخليل . ويفهم من كلام الحنفيّة ما يوافق ما صرّح به الشّافعيّة والحنابلة ، حيث قيّد الحنفيّة وجوب التّخليل بعدم وصول الغبار إلى الأصابع .
وذهب المالكيّة في الرّاجح عندهم إلى أنّه يلزم تعميم يديه لكوعيه مع تخليل أصابعه مطلقاً .
كيفيّة تخليل الأصابع :
5 - صرّح الحنفيّة والشّافعيّة بأنّ تخليل أصابع اليدين يكون بالتّشبيك بينهما .
وقال المالكيّة والحنابلة : يدخل أصابع إحداهما بين أصابع الأخرى ، سواء أدخل من الظّاهر أو الباطن ، ولا يكرهون التّشبيك في الوضوء .
وقال بعض المالكيّة بكراهة التّشبيك ، مستدلّين بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا توضّأ أحدكم في بيته ، ثمّ أتى المسجد ، كان في صلاة حتّى يرجع ، فلا يفعل هكذا ، وشبّك بين أصابعه » .
أمّا تخليل أصابع الرّجل ، فيستحبّ فيه أن يبدأ بخنصر الرّجل اليمنى ، ويختم بخنصر الرّجل اليسرى ليحصل التّيامن ، وهو محلّ اتّفاق بين الفقهاء ، لحديث المستورد بن شدّاد قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم توضّأ فخلّل أصابع رجليه بخنصره » ولما ورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحبّ التّيامن في وضوئه » إلاّ أنّ الحنفيّة والحنابلة قالوا : التّخليل يكون بخنصر يده اليسرى ، لأنّها معدّة لإزالة الوسخ والدّرن من باطن رجليه ، لأنّه أبلغ . وقال الشّافعيّة : يكون بخنصر يده اليمنى أو اليسرى . وعند المالكيّة يكون بسبّابتيه .
ج - تخليل الشّعر :
- 1 - تخليل اللّحية :
6 - اللّحية الخفيفة - وهي الّتي تظهر البشرة تحتها ولا تسترها عن المخاطب - يجب غسل ظاهرها وإيصال الماء إلى ما تحتها في الوضوء والغسل ، ولا يكفي مجرّد تخليلها بغير خلاف ، وذلك لفرضيّة غسل الوجه بعموم الآية في قوله تعالى : { فَاغْسِلُوا وجُوهَكم
... الآية } . أمّا اللّحية الكثيفة - وهي الّتي لا تظهر البشرة تحتها - فيجب غسل ظاهرها ، ولو كانت مسترسلةً عند المالكيّة ، وهو المشهور عند الشّافعيّة ، وظاهر مذهب الحنابلة . وعند الحنفيّة - وهو قول آخر للشّافعيّة ، ورواية عند الحنابلة - أنّه لا يجب غسل ما استرسل من اللّحية ، لأنّه خارج عن دائرة الوجه ، فأشبه ما نزل من شعر الرّأس .
ولأنّ اللّه تعالى أمر بغسل الوجه ، وهو ما تحصل به المواجهة ، وفي اللّحية الكثيفة تحصل المواجهة بالشّعر الظّاهر .
أمّا باطنها فلا يجب غسله اتّفاقاً بين فقهاء المذاهب ، لما روى البخاريّ « أنّه صلى الله عليه وسلم توضّأ فغسل وجهه ، أخذ غرفةً من ماء فمضمض بها واستنشق ، ثمّ أخذ غرفةً من ماء فجعل بها هكذا : أضافها إلى يده الأخرى ، فغسل بها وجهه » وكانت لحيته الكريمة كثيفةً ، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى باطنها غالباً ، ويعسر إيصال الماء إليه .
7- ويسنّ تخليل اللّحية الكثيفة عند الحنفيّة ، والشّافعيّة والحنابلة ، لما روي عن أنس رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا توضّأ أخذ كفّاً من ماءٍ تحتَ حنكِه فخلَّلَ به لحيتَه ، وقال : هكذا أمرني ربِّي » .
وعند المالكيّة في تخليل شعر اللّحية الكثيفة ثلاثة أقوال : الوجوب ، والكراهة والاستحباب ، أظهرها الكراهة لما في ذلك من التّعمّق .
8- أمّا في الغسل فلا يكفي مجرّد التّخليل ، بل يجب إيصال الماء إلى أصول شعر اللّحية ولو كثيفةً اتّفاقاً بين المذاهب ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « تحت كلّ شعرة جنابة ، فاغسلوا الشّعر وأنقوا البشرة » .
ولكي يتأكّد من وصول الماء إلى أصول الشّعر ويتجنّب الإسراف قالوا : يدخل المغتسل أصابعه العشر يروي بها أصول الشّعر ، ثمّ يفيض الماء ليكون أبعد عن الإسراف في الماء . ومن عبّر بوجوب تخليل اللّحية كالمالكيّة ، أراد بذلك أيضاً إيصال الماء إلى أصول الشّعر .
- 2 - تخليل شعر الرّأس :
9 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجب إرواء أصول شعر الرّأس في الغسل ، سواء كان الشّعر خفيفاً أو كثيفاً ، لما روت « أسماء رضي الله عنها أنّها سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن غسل الجنابة فقال : تأخذ إحداكنّ ماءَها وسدرتَها فتطهِّر فتحسن الطّهور ، ثمّ تصبّ على رأسها فتدلكه ، حتّى تبلغ شؤون رأسها ، ثمّ تفيض عليها الماء » ، وعن عليّ رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به من النّار كذا وكذا » ، قال عليّ : فمن ثَمَّ عاديت شعري " وعلى ذلك فلا يجزي مجرّد تخليل الشّعر في الغسل عند الفقهاء .
وقد صرّح فقهاء المالكيّة بوجوب تخليل شعر الرّأس ولو كثيفاً ، للتّأكّد من وصول الماء إلى أصوله ، حيث قالوا : ويجب تخليل شعر ولو كثيفاً وضغث مضفوره - أي جمعه وتحريكه - ليعمّه بالماء ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة .
ولا يختلف حكم الشّعر بالنّسبة للمحرم وغير المحرم عند جمهور الفقهاء ، لكنّ المحرم يخلّل برفق لئلاّ يتساقط الشّعر . وقال الحنفيّة : يكره التّخليل للمحرم .
ثانياً : تخليل الأسنان :
10 - تنظيف الأسنان بالسّواك سنّة من سنن الفطرة ، وينظر تفصيله في مصطلح : ( استياك ) .
11 - أمّا تخليلها بعد الأكل بالخلال لإخراج ما بينها من الطّعام ، فقد ذكره الفقهاء في آداب الأكل . قال البهوتيّ الحنبليّ : يستحبّ أن يخلّل أسنانه إن علق بها شيء من الطّعام ، قال في المستوعب : روي عن ابن عمر رضي الله عنهما : ترك الخلال يوهن الأسنان . وروي : « تخلّلوا من الطّعام ، فإنّه ليس شيء أشدّ على الملكين أن يريا بين أسنان صاحبهما طعاماً وهو يصلّي » . قال الأطبّاء : وهو نافع أيضاً للّثة ومن تغيّر النّكهة .
ولا يخلّل أسنانه في أثناء الطّعام ، بل إذا فرغ . ومثله ما ذكر في كتب سائر المذاهب .
ما تخلّل به الأسنان :
12 - يسنّ التّخليل قبل السّواك وبعده ، ومن أثر الطّعام ، وكون الخلال من عود ، ويكره بالحديد ونحوه ، وبعود يضرّه كرمّان وآس ، ولا يخلّل بما يجهله لئلاّ يكون ممّا يضرّه ، وكذا ما يجرحه كما صرّح به الفقهاء .
ولا يجوز تخليل الأسنان أو الشّعر بآلة من الذّهب أو الفضّة ، وهذا باتّفاق المذاهب الأربعة ، وتفصيله في مصطلح : ( آنية ) .
واختلفت عبارات الفقهاء في جواز بلع ما يخرج من خلال الأسنان : فقال الشّافعيّة والحنابلة ، يلقي ما أخرجه الخلال ، ويكره أن يبتلعه ، وإن قلعه بلسانه لم يكره ابتلاعه كسائر ما بفمه . وقال المالكيّة : يجوز بلع ما بين الأسنان إلاّ لخلطه بدم ، فليس مجرّد التّغيّر يصيّره نجساً خلافاً لما قيل .
ثالثاً : تخليل الخمر :
13 - اتّفق الفقهاء على أنّ الخمر إذا تخلّلت بغير علاج ، بأن تغيّرت من المرارة إلى الحموضة وزالت أوصافها ، فإنّ ذلك الخلّ حلال طاهر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « نِعْمَ الأُدْمُ أو الإِدَامُ الخَلُّ » ، ولأنّ علّة النّجاسة والتّحريم الإسكار ، وقد زالت ، والحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً .
وكذلك إذا تخلّلت بنقلها من شمس إلى ظلّ وعكسه عند جمهور الفقهاء: الحنفيّة والمالكيّة وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، وبه قال الحنابلة إذا كان النّقل لغير قصد التّخليل .
14 - واختلفوا في جواز تخليل الخمر بإلقاء شيء فيها ، كالخلّ والبصل والملح ونحوه . فقال الشّافعيّة والحنابلة ، وهو رواية ابن القاسم عن مالك : إنّه لا يحلّ تخليل الخمر بالعلاج ، ولا تطهر بذلك ، لحديث مسلم عن أنس رضي الله عنه قال : « سُئِلَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الخمرِ تُتَّخذُ خلاً ، قال : لا » .
« ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بإهراقها ». ولأنّ الخمر نجسة أمر اللّه تعالى باجتنابها ، وما يلقى في الخمر يتنجّس بأوّل الملاقاة ، وما يكون نجساً لا يفيد الطّهارة .
وصرّح الحنفيّة - وهو الرّاجح عند المالكيّة بجواز تخليل الخمر ، فتصير بعد التّخليل طاهرةً حلالاً عندهم ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ » فيتناول جميع أنواعها ، ولأنّ بالتّخليل إزالة الوصف المفسد وإثبات الصّلاح ، والإصلاح مباح كما في دبغ الجلد ، فإنّ الدّباغ يطهّره ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أَيُّمَا إِهَاب دُبِغَ فقد طَهُرَ » .
وتفصيله في مصطلح : ( خمر ) .

تخلية *
التّعريف :
1 - التّخلية لغةً : مصدر خلّى ، ومن معانيها في اللّغة : التّرك والإعراض .
وفي اصطلاح الفقهاء : تمكين الشّخص من التّصرّف في الشّيء دون مانع . ففي البيع مثلاً إذا أذن البائع للمشتري في قبض المبيع مع عدم وجود المانع حصلت التّخلية ، ويعتبر المشتري قابضاً للمبيع مطلقاً .
وتستعمل التّخلية أحياناً بمعنى الإفراج ، كما يقولون : يحبس القاتل ولا يخلّى بكفيل .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:13 PM

الألفاظ ذات الصّلة :
أ - القبض :
2 - قبض الشّيء : أخذه . واستعمله الفقهاء بمعنى حيازة الشّيء والتّمكّن من التّصرّف فيه ، فالفرق بين التّخلية والقبض من وجهين :
الأوّل : أنّ التّخلية نوع من القبض ، ويحصل القبض بأمور أخرى أيضاً ، كالتّناول باليد والنّقل ، وكذلك الإتلاف ، فإذا أتلف المشتري المبيع في يد البائع مثلاً صار قابضاً له . الثّاني : أنّ التّخلية تكون من قبل المعطي ، والقبض من قبل الآخذ ، فإذا خلّى البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما ، حصلت التّخلية من البائع والقبض من المشتري.
ب - التّسليم :
3 - تسليم الشّيء : إعطاؤه وجعله سالماً خالصاً ، يقال : سلّم الشّيء له أخلصه وأعطاه إيّاه ، فهو قريب من التّخلية في المعنى ، حتّى إنّ الأحناف قالوا : التّسليم عندنا هو التّخلية . والجمهور على أنّ التّخلية تسليم إذا كان المبيع عقاراً ، أمّا في المنقول فبحسبه أو بالعرف ، كما سيأتي . والأصل أنّ التّخلية نوع من أنواع التّسليم ، والقبض أثر لهما ، فالتّسليم قد يكون بالنّقل والتّحويل ، وقد يكون بالتّخلية ، فإذا باع داراً مثلاً ، وخلّى البائع بين المبيع وبين المشتري ، برفع الحائل بينهما على وجه يتمكّن من التّصرّف فيه ، أصبح البائع مسلّماً للمبيع والمشتري قابضاً له .
الأحكام الإجمالية للتخلية :
4 - التخلية القبض في العقار اتفاقاً ، وكذلك في بيع الثمر على الشجر عند الحنفية والشافعية ، خلافاً للمالكية والحنابلة .
أما تخلية ما يمكن نقله من الأعيان فاختلفوا فيها :
قال الحنفية ، وهو قول عند الشافعية ، ورواية عند الحنابلة : إن التخلية قبض حكماً مع القدرة عليه بلا كلفة ، وذلك يختلف بحسب اختلاف المبيع ، ففي نحو حنطة في بيت مثلاً دفع المفتاح إذا أمكنه الفتح بلا كلفة قبض ، وفي نحو بقر في مرعى بحيث يرى ويشار إليه قبض ، وفي نحو ثوب بحيث لو مدّ يده فتصل إليه قبض ، وفي نحو فرس أو طير في بيت يمكن أخذه منه بلا معين قبض .
واشترط الحنفية لا عتبار التخلية قبضاً أن يقول البائع : خليت بينك وبين المبيع ، فلو لم يقله ، أو كان بعيداً لم يصر قابضاً ، والمراد به الإذن بالقبض ، لا خصوص لفظ التخلية .
وقال الشافعية في المعتمد : إن ما ينقل في العادة ، كالأخشاب والحبوب ونحوها ، فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به ، وما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب والكتاب فقبضه بالتناول . وهو ما ذهب إليه الحنابلة . فلا تكفي التخلية في المنقول عندهم .
وصرح المالكية بأن قبض العقار يكون بالتخلية للمشتري وتمكينه من التصرف فيه ، بتسليم مفاتيحه إن كانت ، وقبض غيره يكون حسب المتعارف بين الناس كحيازة الثوب واستلام مقود الدابة .
5 - وفي المواضع التي تعتبر التخلية فيها تسليماً وقبضاً ينتقل الضمان من ذمة المخلي إلى ذمة القابض ، وهو يتحمل الخسارة ، ففي عقد البيع مثلاً إذا حصل القبض بالتخلية بين المبيع والمشتري فالضمان على المشتري ، لأن ضمان المبيع بعد القبض على المشتري بالاتفاق . انظر مصطلح : ( ضمان ) .
وزاد المالكية أن الضمان يحصل في البيع الصحيح بمجرد العقد ، ولا يحتاج إلى القبض إلا في مواضع منها : بيع الغائب والبيع الفاسد والبيع بالخيار ، وبيع مافيه حق التوفية بالكيل أو الوزن أو العدد . وهناك عقود لا تتم إلا بالقبض ، كعقد الرهن والقرض والعارية والهبة ونحوها ، مع تفصيل في بعضها ، ففي هذه العقود إذا حصلت التخلية بشروطها ، واعتبرت قبضاً ، تم العقد وترتبت عليه آثاره .
وتفصيل هذه المسائل وما يتعلق بآثار القبض والتخلية ينظر في مصطلح : ( قبض ) .
مواطن البحث :
6 - بحث الفقهاء التخلية في عقد البيع في بحث كيفية تسليم المبيع ، وفي السلم والرهن والهبة وغيرها من العقود والتصرفات التي يذكر فيها حكم القبض فيما إذا كان موضوعها عقاراً أو منقولاً ، كما ذكرها بعضهم بمعنى الإفراج في بحث الجنايات وتخلية المحبوس بالكفالة . وبحث بعض الفقهاء تخلية الطريق بمعنى كون الطريق خالياً من مانع ، كعدو ونحوه ، في كتاب الحج .

تخميس *
التعريف :
1- التخميس في اللغة : جعل الشيء خمسة أخماس ، واشتهر استعمال هذا اللفظ عند الفقهاء في أخذ خمس الغنائم .
الحكم الإجمالي :
أ - تخميس الغنيمة :
2 - يجب على الإمام تخميس الغنيمة وتوزيع الأربعة الأخماس على الغانمين ، بعد إخراج الخمس ، لقوله تعالى : { واعْلَمُوا أَنّما غَنِمْتُم منْ شَيءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَه ولِلرَسُولِ ولِذِيْ القُرْبَى واليَتَامَى والمَسَاكِينِ وابنِ السَبِيْل } ، ولا يعلم خلاف بين الفقهاء في أن ما يعتبر غنيمة يخمس . وأما ما حكاه ابن كج وجهاً عند الشافعية من عدم تخميس الغنيمة إذا شرطه الإمام لضرورة ، فقد قال عنه النووي : شاذ وباطل .
وللفقهاء فيما يعتبر غنيمة وما لا يعتبر ، ومصرف خمس الغنيمة ، وكيفية قسمة الأربعة أخماس ، وشروط من يستحقها خلاف وتفصيل ينظر في : ( غنيمة ) .
ب - تخميس الفيء :
3 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة - وهو ظاهر مذهب الحنابلة - إلى أنّ الفيء لا يخمّس ، لقوله تعالى : { وَما أَفَاءَ اللّهُ على رَسُولِه منهم فَمَا أَوجَفْتُم عليه مِنْ خَيْلٍ ولا رِكَابٍ } فجعله كلّه لجميع المسلمين . قال عمر رضي الله عنه لمّا قرأ هذه الآية :" استوعبت المسلمين ، ولئن عشت ليأتينّ الرّاعي - وهو بسرو حمير - نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه ".
ويرى الشّافعيّة والخرقيّ من الحنابلة - وهو إحدى الرّوايتين عن الإمام أحمد - تخميس الفيء ، وصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة .
وقال القاضي من الحنابلة : إنّ الفيء لأهل الجهاد خاصّةً دون غيرهم من الأعراب ومن لا يعدّ نفسه للجهاد ، لأنّ ذلك كان للنّبيّ صلى الله عليه وسلم لحصول النّصرة به ، فلمّا مات أعطي لمن يقوم مقامه في ذلك ، وهم المقاتلة دون غيرهم .
وللفقهاء في تعريف الفيء ومصرفه تفاصيل تنظر في ( فيء ) .
ج - تخميس الأرض المغنومة عنوةً :
4 - يرى الشّافعيّة - وهو قول للمالكيّة ، ورواية للحنابلة ذكرها أبو الخطّاب - تخميس الأرض الّتي فتحت عنوةً ، لأنّ الأرض غنيمة كسائر ما ظهر عليه الإمام من قليل أموال المشركين أو كثيره ، وحكم اللّه عزّ وجلّ في الغنيمة أن تخمّس .
وذهب الحنفيّة - وهو قول للمالكيّة - إلى أنّ الإمام مخيّر بين تخميس الأرض الّتي فتحت عنوةً وتقسيمها بين الغانمين ، كسائر المغنم بعد إخراج الخمس لجهاته ، « كما فعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بخيبر » ، وبين إقرار أهلها عليها ووضع الجزية عليهم وضرب الخراج على أراضيهم ، كما فعل عمر رضي الله عنه بسواد العراق بموافقة من الصّحابة ، وقال صاحب الدّرّ المختار : الأوّل أولى عند حاجة الغانمين .
قال ابن عابدين : إنّ ما فعله عمر إنّما فعله لأنّه كان هو الأصلح إذ ذاك ، كما يعلم من القصّة ، لا لكونه هو اللازم . كيف وقد « قسّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أرض خيبر بين الغانمين » ، فعلم أنّ الإمام مخيّر في فعل ما هو الأصلح فيفعله .
وذهب المالكيّة على المشهور - وهو رواية عن الإمام أحمد - إلى أنّ الأرض المفتوحة عنوةً لا تخمّس ولا تقسم ، بل توقف ويصرف خراجها في مصالح المسلمين ، لأنّ الأئمّة بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقسموا أرضاً افتتحوها .
والمذهب عند الحنابلة أنّ الإمام يخيّر في الأرض المغنومة عنوةً ، بين قسمتها كمنقول ، وبين وقفها على المسلمين . قال ابن تيميّة : إذا قسّم الإمام الأرض بين الغانمين ، فمقتضى كلام المجد وغيره : أنّه يخمّسها حيث قالوا " كالمنقول " قال : وعموم كلام أحمد والقاضي وقصّة خيبر ، تدلّ على أنّها لا تخمّس ، لأنّها فيء وليست بغنيمة .
د - تخميس السَّلَب :
5 - إنّ السّلب لا يخمّس ، سواء أقال الإمام : من قتل قتيلاً فله سلبه ، أم لم يقله . لما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى في السّلب للقاتل ، ولم يخمّس السّلب » . وبهذا قال الشّافعيّة على المشهور ، والحنابلة ، وهو قول الأوزاعيّ واللّيث وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ للإمام تنفيل السّلب قبل حصول الغنيمة في يد الغانمين ، ولا خمس فيما ينفّل ، لأنّ الخمس إنّما يجب في غنيمة مشتركة بين الغانمين ، والنّفل ما أخلصه الإمام لصاحبه وقطع شركة الأغيار عنه ، فلا يجب فيه الخمس .
ويرى المالكيّة أنّ السّلب من جملة النّفل ، يستحقّه كلّ من قتل قتيلاً بعد قول الإمام : من قتل قتيلاً فله سلبه ، ولا يعطيه الإمام إلاّ من الخمس على حسب اجتهاده ، لأنّ النّفل لا يكون إلاّ من الخمس ، أي لا من الأربعة الأخماس ، فكذا السّلب . أمّا إذا لم يجعل الإمام السّلب للقاتل ، فيرى الحنفيّة والمالكيّة - وهو قول الثّوريّ ، ورواية عن أحمد - أنّ القاتل لا يستحقّ سلب المقتول في هذه الحالة ، فهو من جملة الغنيمة ، بمعنى أنّ السّلب يخمّس ، فيدفع خمسه لأهل الخمس ، ثمّ يقسم باقيه كسائر المغنم ، القاتل وغيره في ذلك سواء .
وهناك قول آخر للشّافعيّة يقابل المشهور ، بتخميس السّلب ودفع خمسه لأهل الخمس باقيه للقاتل ، ثمّ تقسيم باقي الغنيمة . وللفقهاء في تعريف السّلب وشروط استحقاقه تفاصيل يرجع إليها في ( تنفيل ، وسلب ، وغنيمة ) .
هـ – تخميس الرّكاز :
6 - لا خلاف بين الفقهاء في تخميس الرّكاز بشروط ذكروها ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « العجماء جبار ، والبئر جبار ، والمعدن جبار ، وفي الرِّكاز الخمس » ولأنّه مال كافر مظهور عليه بالإسلام فوجب فيه الخمس كالغنيمة . وفي تعريف الرِّكاز وأنواعه وحكم كلّ نوع وشروط إخراج الخمس منه ومصرفه خلاف وتفصيل موطنه ( ركاز ، وزكاة ) .

تَخْمين *
انظر : خَرْص .

تخنّث *
التّعريف :
1 - التّخنّث في اللّغة بمعنى : التّثنّي والتّكسّر ، وتَخَنَّث الرّجل إذا فعل فعل المُخَنَّث .
وخنّث الرّجل كلامه : إذا شبّهه بكلام النّساء ليناً ورخامةً .
والتّخنّث اصطلاحاً كما يؤخذ من تعريف ابن عابدين للمخنّث : هو التّزيّي بزيّ النّساء والتّشبّه بهنّ في تليين الكلام عن اختيار ، أو الفعل المنكر . وقال صاحب الدّرّ : المخنّث بالفتح من يفعل الرّديء . وأمّا بالكسر فالمتكسّر المتليّن في أعضائه وكلامه وخلقه . ويفهم من القليوبيّ أنّه لا فرق بين الفتح والكسر في المعنى ، فهو عنده المتشبّه بحركات النّساء .
الحكم الإجماليّ :
2 - يحرم على الرّجال التّخنّث والتّشبّه بالنّساء في اللّباس والزّينة الّتي تختصّ بالنّساء ، وكذلك في الكلام والمشي ، لما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال : « لعن النّبيّ صلى الله عليه وسلم المخنّثين من الرّجال والمترجِّلات من النّساء » وفي رواية أخرى :
« لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المتشبّهين من الرّجال بالنّساء ، والمتشبّهات من النّساء بالرّجال » قال ابن حجر في الفتح : والنّهي مختصّ بمن تعمّد ذلك ، وأمّا من كان أصل خلقته ، فإنّما يؤمر بتكلّف تركه والإدمان على ذلك بالتّدريج ، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذّمّ ، ولا سيّما إذا بدا منه ما يدلّ على الرّضا به ، وأمّا إطلاق من قال : إنّ المخنّث خلقةً لا يتّجه عليه الذّمّ ، فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التّثنّي والتّكسّر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك .
إمامة المخنّث :
3 - المخنّث بالخلقة ، وهو من يكون في كلامه لين وفي أعضائه تكسّر خلقةً ، ولم يشتهر بشيء من الأفعال الرّديئة لا يعتبر فاسقاً ، ولا يدخله الذّمّ واللّعنة الواردة في الأحاديث ، فتصحّ إمامته ، لكنّه يؤمر بتكلّف تركه والإدمان على ذلك بالتّدريج ، فإذا لم يقدر على تركه فليس عليه لوم . أمّا المتخلّق بخلق النّساء حركةً وهيئةً ، والّذي يتشبّه بهنّ في تليين الكلام وتكسّر الأعضاء عمداً ، فإنّ ذلك عادة قبيحة ومعصية ويعتبر فاعلها آثماً وفاسقاً .
والفاسق تكره إمامته عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عند المالكيّة .
وقال الحنابلة ، والمالكيّة في رواية أخرى ، ببطلان إمامة الفاسق ، كما هو مبيّن في مصطلح : ( إمامة ) . ونقل البخاريّ عن الزّهريّ قوله : لا نرى أن يصلّى خلف المخنّث إلاّ من ضرورة لا بدّ منها .
شهادة المخنّث :
4 - صرّح الحنفيّة أنّ المخنّث الّذي لا تقبل شهادته هو الّذي في كلامه لين وتكسّر ، إذا كان يتعمّد ذلك تشبّهاً بالنّساء . وأمّا إذا كان في كلامه لين ، وفي أعضائه تكسّر خلقةً ، ولم يشتهر بشيء من الأفعال الرّديئة ، فهو عدل مقبول الشّهادة .
واعتبر الشّافعيّة والحنابلة التّشبّه بالنّساء محرّماً تردّ به الشّهادة ، ولا يخفى أنّ المراد بالتّشبّه التّعمّد ، لا المشابهة الّتي تأتي طبعاً .
واعتبر المالكيّة المجون ممّا تردّ به الشّهادة ، ومن المجون التّخنّث .
وعليه تكون المذاهب متّفقةً في التّفصيل الّذي أورده الحنفيّة ، وتفصيله في ( شهادة ) .
نظر المخنّث للنّساء :
5 - المخنّث بالمعنى المتقدّم ، والّذي له أرب في النّساء ، لا خلاف في حرمة اطّلاعه على النّساء ونظره إليهنّ ، لأنّه فحل فاسق - كما قال ابن عابدين .
أمّا إذا كان مخنّثاً بالخلقة ، ولا إرب له في النّساء ، فقد صرّح المالكيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة بأنّه يرخّص بترك مثله مع النّساء ، ولا بأس بنظره إليهنّ ، استدلالاً بقوله تعالى فيمن يحلّ لهم النّظر إلى النّساء ، ويحلّ للنّساء الظّهور أمامهم متزيّنات ، حيث عدّ منهم أمثال هؤلاء ، وهو { أو التَّابِعينَ غَيْرِ أُولي الإِرْبَةِ من الرِّجَالِ ...} .
وذهب الشّافعيّة وأكثر الحنفيّة إلى أنّ المخنّث - ولو كان لا إرب له في النّساء - لا يجوز نظره إلى النّساء ، وحكمه في هذا كالفحل : استدلالاً بحديث « لا يَدخلنَّ هؤلاءِ عليكنَّ » .
عقوبة المخنّث :
6 - المخنّث بالاختيار من غير ارتكاب الفعل القبيح معصية لا حدّ فيها ولا كفّارةً ، فعقوبته عقوبة تعزيريّة تناسب حالة المجرم وشدّة الجرم . وقد ورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عزّر المخنّثين بالنّفي ، فأمر بإخراجهم من المدينة ، وقال : أخرجوهم من بيوتكم » وكذلك فعل الصّحابة من بعده . أمّا إن صدر منه مع تخنّثه تمكين الغير من فعل الفاحشة به ، فقد اختلف في عقوبته ، فذهب كثير من الفقهاء إلى أنّه تطبّق عليه عقوبة الزّنى .
وذهب أبو حنيفة إلى أنّ عقوبته تعزيريّة قد تصل إلى القتل أو الإحراق أو الرّمي من شاهق جبل مع التّنكيس ، لأنّ المنقول عن الصّحابة اختلافهم في هذه العقوبة ، ويراجع في هذا مصطلح http://www.qoranona.net/vbq/images/smilies/frown.gif حدّ عقوبة ، تعزير ، ولواط ) .
مواطن البحث :
7 - يذكر الفقهاء أحكام التّخنّث في مباحث خيار العيب إذا كان العبد المبيع مخنّثاً ، ويذكرونها في بحث الشّهادة ، والنّكاح ، والنّظر إلى المرأة الأجنبيّة ، وفي مسائل اللّباس والزّينة وأبواب الحظر والإباحة ونحوها .

تخويف *
التّعريف :
1 - التّخويف مصدر من باب التّفعيل ، ومعناه في اللّغة : جعل الشّخص يخاف ، أو جعله بحالة يخاف النّاس . يقال : خوّفه تخويفاً : أي جعله يخاف ، أو صيّره بحال يخافه النّاس . وفي التّنزيل العزيز : { إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَانُ يُخوِّفُ أَوْلِياءَه } أي يجعلكم تخافون أولياءه ، وقال ثعلب : معناه يخوّفكم بأوليائه .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
الإنذار :
2 - الإنذار هو : التّخويف مع إعلام موضع المخافة . فإذا خوّف الإنسان غيره وأعلمه حال ما يخوّفه به ، فقد أنذره . فالإنذار أخصّ من التّخويف .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
ما يكون التّخويف به إكراهاً :
أ - التّخويف بالقتل والضّرب والحبس :
3 - يرى الحنفيّة والمالكيّة - وهو رواية عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة - أنّ الإكراه يحصل بتخويف بقتل أو ضرب شديد أو حبس طويل .
أمّا التّخويف بالضّرب والحبس اليسيرين فيختلف باختلاف طبقات النّاس وأحوالهم ، فالتّخويف بضرب سوط أو حبس يوم في حقّ من لا يبالي ليس بإكراه ، إلاّ أنّ التّخويف بهما يعتبر إكراهاً في حقّ ذي جاه يعلم أنّه يستضرّ بهما ، كما يتضرّر واحد من أوساط النّاس بالضّرب الشّديد ، وذلك كالقاضي وعظيم البلد ، فإنّ مطلق القيد والحبس إكراه في حقّه . وقال القاضي من الحنابلة ، وهو وجه عند الشّافعيّة - حكاه الحنّاطيّ - أنّ الإكراه يحصل بالتّخويف بالقتل فقط .وهناك وجه آخر عند الشّافعيّة : أنّ التّخويف بالحبس لا يكون إكراهاً.
ب - التّخويف بأخذ المال وإتلافه :
4 - يرى الحنفيّة - وهو قول عند المالكيّة - حصول الإكراه بالتّخويف بأخذ المال ، إذا قال متغلّب لرجل : إمّا أن تبيعني هذه الدّار أو أدفعها إلى خصمك ، فباعها منه ، فهو بيع مكره . ويشترط القهستانيّ من الحنفيّة لحصول الإكراه - كما يفهم من سياق عبارة ردّ المحتار - كون التّخويف بإتلاف كلّ المال .
وقال الشّافعيّة في وجه - وهو المذهب عند الحنابلة ، وقول عند المالكيّة - إنّ الإكراه يحصل بأخذ المال الكثير بإتلافه . وهناك وجه عند الشّافعيّة - وهو أحد الأقوال الثّلاثة للمالكيّة - أنّ التّخويف بأخذ المال ليس إكراهاً .
وللفقهاء تفاصيل في معنى الإكراه وأنواعه وشروطه وأثره وما يكون التّخويف به إكراهاً تنظر في مواطنها من كتب الفقه ، وفي مصطلح ( إكراه ) .
القتل تخويفاً :
5 - لا خلاف بين الفقهاء في إمكان حصول القتل بالتّخويف . كمن شهر سيفاً في وجه إنسان ، أو دلاه من مكان شاهق فمات من روعته ، وكمن صاح في وجه إنسان فجأةً فمات منها ، وكمن رمى على شخص حيّةً فمات رعباً وما إلى ذلك .
وتنظر التّفاصيل المتعلّقة بأنواع القتل ، وصفة كلّ نوع ، وحكم القتل بالتّخويف في مختلف صوره في مصطلح ( قتل ) .
الإجهاض بسبب التّخويف :
6 - يرى الفقهاء وجوب الضّمان على من خوّف امرأةً فأجهضت بسبب التّخويف ، على خلاف وتفصيل في الإجهاض المعاقب عليه ، وعقوبة الإجهاض يرجع إليه في مصطلح ( إجهاض ) .

تخيير *
التّعريف :
1 - التّخيير لغةً : مصدر خيّر ، يقال خيّرته بين الشّيئين ، أي : فوّضت إليه الخيار ، وتخيّر الشّيء : اختاره ، والاختيار : الاصطفاء وطلب خير الأمرين ، وكذلك التّخيّر . والاستخارة : طلب الخيرة في الشّيء ، وخار اللّه لك أي : أعطاك ما هو خير لك .
والخيرة - بسكون الياء - الاسم منه .
وفي الاصطلاح : لا يخرج استعمال الفقهاء لمصطلح ( تخيير ) عن معناه اللّغويّ .
فهو عندهم : تفويض الأمر إلى اختيار المكلّف في انتقاء خصلة من خصال معيّنة شرعاً ، ويوكل إليه تعيين أحدها ، بشروط معلومة ، كتخييره بين خصال الكفّارة ، وتخييره بين القصاص والعفو ، وتخييره في جنس ما يخرج في الزّكاة ، وتخييره في فدية الحجّ ، وتخييره في التّصرّف في الأسرى ، وتخييره في حدّ المحارب ، وغيرها من الأحكام . والتّخيير بهذا دليل على سماحة الشّريعة ويسرها ومراعاتها لمصالح العباد فيما فوّضت إليهم اختياره ، ممّا يجلب النّفع لهم ويدفع الضّرّ عنهم .
التّخيير عند الأصوليّين :
2 - يتكلّم الأصوليّون على التّخيير في المباح ، والمندوب ، والواجب المخيّر ، والواجب الموسّع ، والنّهي على جهة التّخيير ، والرّخصة . وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإباحة :
3 - الإباحة في اللّغة : الإحلال ، يقال : أبحتك الشّيء أي : أحللته لك ، والمباح خلاف المحظور .
وفي اصطلاح الفقهاء : الإذن بالإتيان بالفعل حسب مشيئة الفاعل في حدود الإذن .
ب - التّفويض :
4 - التّفويض مصدر فوّض ، يقال : فوّض إليه الاختيار بين الشّيئين ، فاختار أحدهما ، ومنه تفويض الزّوج إلى زوجته طلاق نفسها أو بقاءها في عصمته .
أحكام التّخيير :
للتّخيير أحكام خاصّة في الشّريعة الإسلاميّة نبيّنها فيما يلي :
أوّلاً : تخيير المصلّي في أداء الصّلاة في الوقت الموسّع :
5 - اتّفق الفقهاء على القول بتخيير المصلّي في أداء الصّلاة في الوقت الموسّع ، وهو الوقت الّذي وكّل إيقاع الصّلاة فيه لاختيار المصلّي ، فإن شاء أوقعها في أوّله ، أو في وسطه ، أو في آخره ، ولا إثم عليه فيما يختار . وذهب بعض الفقهاء إلى القول بالإثم إن أخّر إلى وقت الكراهة في بعض الأوقات . وتفصيل ذلك في ( أوقات الصّلاة ) .
6- وتجب الصّلاة عند الجمهور بأوّل الوقت وجوباً موسّعاً ، بمعنى أنّه لا يأثم بتأخيرها . فلو أخّرها عازماً على فعلها من غير عذر ، فمات في أثناء الوقت لم يأثم ، لأنّه فعل ما يجوز له فعله ، إذ هو بالخيار في أداء الصّلاة في أيّ جزء من وقتها ، والموت ليس من فعله ، فلا يأثم بالتّخيّر . إلاّ أن يظنّ الموت ، ولم يؤدّ حتّى مات ، فإنّه يموت عاصياً .
وكذا إذا تخلّف ظنّه فلم يمت ، لأنّ الموسّع صار في حقّه مضيّقاً ، وانتفى بذلك اختياره .
فإن أخّرها غير عازم على الفعل أثم بالتّأخير ، وإن أخّرها بحيث لم يبق من الوقت ما يتّسع لجميع الصّلاة أثم أيضاً . وعند الحنفيّة أنّ الصّلاة لا تجب في أوّل الوقت على التّعيين ، وإنّما تجب في جزء من الوقت غير معيّن ، والتّعيين للمصلّي باختياره من حيث الفعل .
فإذا شرع في أوّل الوقت يجب في ذلك الوقت ، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره .
ومتى لم يعيّن بالفعل حتّى بقي من الوقت مقدار ما يسع الصّلاة يجب عليه تعيين ذلك الوقت للأداء فعلاً ، حتّى يأثم بترك التّعيين ، لأنّه لا خيار له في غيره .
7- ودليل التّخيير في أداء الصّلاة في الوقت الموسّع حديث جبريل - عليه السلام - الّذي يرويه ابن عبّاس - رضي الله عنهما - « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : أَمَّنِي جبريل عند البيت مرّتين ، فصلّى الظّهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشّراك ، ثمّ صلّى العصر حين كان كلّ شيء مثل ظلّه ، ثمّ صلّى المغرب حين وجبت الشّمس وأفطر الصّائم ، ثمّ صلّى العشاء حين غاب الشّفق ، ثمّ صلّى الفجر حين برق الفجر وحرم الطّعام على الصّائم ، وصلّى المرّة الثّانية الظّهر حين كان ظلّ كلّ شيء مثله ، لوقت العصر بالأمس ، ثمّ صلّى العصر حين كان ظلّ كلّ شيء مثليه ، ثمّ صلّى المغرب لوقته الأوّل ، ثمّ صلّى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث اللّيل ، ثمّ صلّى الصّبح حين أسفرت الأرض ، ثمّ التفت إليّ جبريل وقال : يا محمّد هذا وقت الأنبياء من قبلك ، والوقت فيما بين هذين الوقتين » .
وفي حديث بريدة عن مسلم : « وقت صلاتكم بين ما رأيتم » .
ثانياً : التّخيير في نوع ما يجب إخراجه في الزّكاة
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ البقر إذا بلغت مائةً وعشرين يخيّر في أخذ زكاتها بين ثلاث مسنّات أو أربع تبيعات . والخيار في ذلك للسّاعي عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وللمالك عند الحنفيّة ، وهكذا كلّما أمكن أداء الواجب من الأتبعة أو المسنّات .
أمّا الإبل فإذا بلغت مائةً وإحدى وعشرين ، فعند المالكيّة زكاتها حقّتان أو ثلاث بنات لبون ، والخيار فيه للسّاعي .
فإن اختار السّاعي أحد الصّنفين ، وكان عند ربّ المال من الصّنف الآخر أفضل أجزأه ما أخذه السّاعي ، ولا يستحبّ له إخراج شيء زائد . وعند الشّافعيّة والحنابلة زكاتها ثلاث بنات لبون بلا تخيير . وعند الحنفيّة تستأنف الفريضة ، وتفصيل ذلك في مصطلح ( زكاة ) .
9- أمّا إذا ضمّت أنواعاً مختلفةً من جنس واحد لتكميل نصاب السّائمة ، كأن تضمّ العراب إلى البخاتيّ من الإبل ، والجواميس إلى البقر ، والضّأن إلى المعز من الغنم : فعند المالكيّة يخيّر السّاعي في الأخذ من أيّها شاء إذا تساوى النّوعان المضمومان ، وإذا لم يتساويا أخذ من الأكثر إذ الحكم للأغلب . وعند الشّافعيّة ثلاثة أقوال في المذهب :
أحدها : أنّه يؤخذ من الأغلب ، فإن استويا يؤخذ من الأغبط للمساكين على المذهب ، وذلك باعتبار القيمة ، كاجتماع الحقاق وبنات اللّبون .
والقول الثّاني : أنّه يؤخذ من الأعلى ، كما لو انقسمت إلى صحاح ومراض .
والقول الثّالث : أنّه يؤخذ من الوسط كما في الثّمار ، وهو مذهب الحنفيّة .
وعند الحنابلة أنّه يؤخذ من أحدهما على قدر قيمة المالين المزكّيين ، فإذا كان النّوعان سواءً ، وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر ، والمخرج من الآخر خمسة عشر ، أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف .
10 - فإن اتّفق في نصاب فرضان ، كالمائتين من الإبل ، وهي نصاب خمس بنات لبون ونصاب أربع حقاق ، فيخيّر بينهما ، فإن شاء أخرج أربع حقاق ، وإن شاء أخرج خمس بنات لبون ، لحديث : « فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون » ، ولأنّه وجد ما يقتضي إخراج كلّ نوع منهما .
والخيار في هذا للمالك ، وهذا باتّفاق الفقهاء ، وللشّافعيّ في القديم أنّه تجب أربع حقاق ، لأنّه إذا أمكن تغيّر الفرض بالسّنّ ، لم يغيّر بالعدد .
ثالثاً : التّخيير في فدية الجناية على الإحرام في الحجّ
11 - اتّفق الفقهاء على أنّ المحرم إذا جنى على إحرامه بأن حلق شعره ، أو قلّم أظفاره ، أو تطيّب ، أو لبس مخيطاً ، أنّه تجب عليه الفدية وهي على التّخيير بين خصال ثلاث : فإمّا أن يهدي شاةً ، أو يطعم ستّة مساكين ، أو يصوم ثلاثة أيّام .
وتفصيل موجب الفدية تقدّم في مصطلح : ( إحرام ) .
12 - ودليل ذلك قوله تعالى : { فَمَنْ كانَ مِنْكم مَرِيْضَاً أو به أَذًى منْ رَأْسِه فَفِدْيَةٌ منْ صِيَامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُك } . ولحديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه - « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له : لعلّك آذاك هوامّ رأسك ، قال : نعم يا رسول اللّه ، فقال صلى الله عليه وسلم : احلق رأسك وصم ثلاثةً ، أو أطعم ستّة مساكين ، أو انسك شاةً » .
وقصر الحنفيّة التّخيير في الفدية على أصحاب الأعذار ، أمّا غير المعذور فيفدي بذبح شاة ، ولا خيار له في غيرها . ولم يفرّق الجمهور بينهما .
ودليل الحنفيّة على ما ذهبوا إليه ، أنّ الآية واردة في المعذور بدليل حديث كعب بن عجرة المفسّرة للآية ، فجاء في رواية : « قال : حملت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي ، فقال : ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى ، أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى . أتجد شاةً ؟ فقلت : لا ، فقال : صم ثلاثة أيّام ، أو أطعم ستّة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع » . فدلّ على أنّه كان معذوراً وحملت الآية عليه .
ودليل الجمهور ما تقدّم في الآية والحديث من التّخيير بلفظ " أو " .
13 - والحكم ثابت في غير المعذور بطريق التّنبيه تبعاً للمعذور ، لأنّ كلّ كفّارة ثبت التّخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه .
14 - كما يثبت التّخيير في كفّارة قتل الصّيد في الحرم .
ويخيّر فيه قاتله بين ثلاث خصال : فإمّا أن يهدي مثل ما قتله من النَّعَم لفقراء الحرم ، إن كان الصّيد له مثل من الإبل أو البقر أو الغنم . أو أن يقوّمه بالمال ، ويقوّم المال طعاماً ، ويتصدّق بالطّعام على الفقراء . وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، أمّا المالكيّة فذهبوا إلى أنّ الصّيد يقوّم ابتداءً بالطّعام ، ولو قوّمه بالمال ثمّ اشترى به طعاماً أجزأه . والخصلة الثّالثة الّتي يخيّر فيها قاتل الصّيد أن يصوم عن كلّ مدّ من الطّعام يوماً . ودليل الاتّفاق على التّخيير في كفّارة صيد الحرم قوله تعالى : { هَدْيَاً بَالِغَ الكعبَةِ أو كفّارةٌ طعامُ مساكين أو عَدْلُ ذلك صيامَاً } و" أو " تفيد التّخيير .
رابعاً : من أسلم على أكثر من أربع نسوة :
15 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة ومحمّد بن الحسن إلى تخيير من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة ، أو أختان ، أو من لا يحلّ له الجمع بينهنّ بنسب أو رضاع ، فيخيّر في إمساك من أراد منهنّ ، بأن يمسك أربعاً أو أقلّ ، أو أن يمسك إحدى الأختين ، وهكذا . ويفسخ نكاحه ممّن سوى من اختارهنّ . وذلك لحديث قيس بن الحارث قال : « أسلمتُ وتحتي ثمان نسوة ، فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك ، فقال : اختر منهنّ أربعاً » . ولحديث محمّد بن سويد الثّقفيّ : « أنّ غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة ، فأسلمن معه ، فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يختار منهنّ أربعاً » .
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّ الكافر إذا أسلم وتحته خمس نسوة فصاعداً أو أختان بطل نكاحهنّ ، إن كان قد تزوّجهنّ بعقد واحد ، فإن كان قد رتّب فالآخر هو الّذي يبطل . ودليلهم على ما ذهبوا إليه أنّ هذه العقود فاسدة ، ولكنّا لا نتعرّض لهم ، لأنّا أمرنا بتركهم وما يدينون ، فإذا أسلموا بطلت الأنكحة الفاسدة .
16 - ومن أحكام التّخيير في هذا الباب وآثاره : أنّ الاختيار يحصل باللّفظ الصّريح كأن يقول : اخترت نكاح هؤلاء ، أو اخترت إمساكهنّ ، كما يحصل بأن يطلّق بعضهنّ ، لأنّ الطّلاق لا يكون إلاّ لزوجة . كما يحصل إذا وطئها ، وإذا وطئ الكلّ يتعيّن الأربع الأول للإمساك ، وما عداهنّ يتعيّن للتّرك .
وخالف الشّافعيّة في اعتبار الوطء اختياراً ، لأنّ الاختيار رهناً كالابتداء ، ولا يصحّ ابتداء النّكاح واستدامته إلاّ بالقول . وإذا لم يختر أجبر على الاختيار بالحبس أو بالتّعزير بالضّرب وغيره ، لأنّ الاختيار حقّ عليه ، فألزم بالخروج منه إن امتنع كسائر الحقوق .
وعن ابن أبي هريرة من الشّافعيّة أنّه لا يضرب مع الحبس ، بل يشدّد عليه الحبس ، فإن أصرّ عزّر ثانياً وثالثاً إلى أن يختار . وإذا حبس لا يعزّر على الفور . فلعلّه يؤخّر ليفكّر فيتخيّر بعد رويّة وإمعان نظر . ومدّة الإمهال ثلاثة أيّام . وليس للحاكم أن يختار على الممتنع ، لأنّ الحقّ لغير معيّن ، وهو اختيار رغبة ، فكان من حقّ الزّوج .
ومن الأحكام كذلك : أنّه إذا أسلم بعض زوجاته ، وليس البواقي كتابيّات ، فينحصر تخييره في المسلمات فقط ، وليس له أن يختار من لم يسلمن ، لعدم حلّهنّ له .
ومن الأحكام أنّه يلزم الزّوج النّفقة لجميعهنّ في مدّة التّخيير إلى أن يختار ، لأنّهنّ محبوسات لأجله ، وهنّ في حكم الزّوجات .
خامساً : تخيير الطّفل في الحضانة :
17 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى تخيير المحضون بين أبيه وأمّه إذا تنازعا فيه على ما يأتي من التّفصيل ، فيلحق بأيّهما اختار . فإن اتّفقا على أن يكون المحضون عند أحدهما جاز ، وعند الشّافعيّة يبقى التّخيير وإن أسقط أحدهما حقّه قبل التّخيير - خلافاً للماورديّ والرّويانيّ - ولا فرق في التّخيير بين الذّكر والأنثى .
وعند الحنابلة : يخيّر الغلام إذا بلغ سبع سنين عاقلاً ، لأنّها السّنّ الّتي أمر الشّرع فيها بمخاطبته بالصّلاة . وحدّه الشّافعيّة بالتّمييز بأن يأكل وحده ، ويشرب وحده ، ولم يعتبروا بلوغه السّابعة حدّاً ، فلو جاوز السّبع بلا تمييز بقي عند أمّه ، ولا فرق في هذا بين الذّكر والأنثى . وهذا يخالف في ظاهره ما ورد من أمره بالصّلاة إذا بلغ سبع سنين ، وعدم أمره بها قبل أن يبلغها وإن ميّز . والفرق بينهما أنّ في أمره بالصّلاة قبل السّبع مشقّةً ، فخفّف عنه ذلك . بخلاف الحضانة ، لأنّ المدار في التّخيير على معرفة ما فيه صلاح نفسه وعدمه ، فيقيّد بالتّمييز ، وإن لم يجاوز السّبع .
وفرّق الحنابلة بين الذّكر والأنثى ، فيخيّر الصّبيّ إذا بلغ سبع سنين ، أمّا البنت فتكون في حضانة والدها إذا تمّ لها سبع سنين ، حتّى سنّ البلوغ ، وبعد البلوغ تكون عند الأب أيضاً إلى الزّفاف وجوباً ، ولو تبرّعت الأمّ بحضانتها ، لأنّ الغرض من الحضانة الحفظ ، والأب أحفظ لها . ولأنّها تخطب منه ، فوجب أن تكون تحت نظره .
18 - والتّخيير في الحضانة مشروط بالسّلامة من الفساد ، فإذا علم أنّه يختار أحدهما ليمكّنه من الفساد ، ويكره الآخر لما سيلزمه به من أدب ، لم يعمل بمقتضى اختياره ، لأنّه مبنيّ على الشّهوة ، فيكون فيه إضاعة له .
كما أنّه مشروط بأن يظهر للحاكم معرفته بأسباب الاختيار .
19 - ودليل التّخيير ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال : « جاءت امرأة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت : إنّ زوجي يريد أن يذهب بابني ، وقد سقاني من بئر أبي عنبة ونفعني ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : هذا أبوك وهذه أمّك ، فخذ بيد أيّهما شئت ، فأخذ بيد أمّه ، فانطلقت به » وما ورد من قضاء عمر بذلك .
20 - ومن أحكام التّخيير : أنّه لو امتنع المختار من كفالة المحضون كفله الآخر ، فإن رجع الممتنع منها أعيد التّخيير . وإن امتنعا أي الأب والأمّ ، خيّر بين الجدّ والجدّة ، وإلاّ أجبر عليها من تلزمه نفقته ، لأنّها من جملة الكفالة .
21 - ومن أحكامه كذلك أنّ المميّز الّذي لا أب له يخيّر بين أمّ وإن علت وجدّ وإن علا ، عند فقد من هو أقرب منه ، أو قيام مانع به لوجود الولادة في الكلّ .
22 - ومن أحكامه كذلك أنّ المميّز إن اختار أحد الأبوين ، ثمّ اختار الآخر حوّل إليه ، لأنّه قد يظهر الأمر على خلاف ما ظنّه ، أو يتغيّر حال من اختاره أوّلاً .
إلاّ إذا ظهر أنّ سبب اختياره للآخر قلّة عقله ، فيجعل عند أمّه وإن بلغ ، كما قبل التّمييز .
23 - ومن الأحكام كذلك : أنّ المحضون إذا اختار أبويه معاً أقرع بينهما لانتفاء المرجّح . أمّا إذا لم يختر واحداً منهما ، فعند الشّافعيّة الأمّ أولى ، لأنّها أشفق واستصحاباً لما كان عليه . وعند الحنابلة : يقرع بينهما ، لأنّه لا أولويّة حينئذ لأحدهما ، وهو قول للشّافعيّة . فإذا اختار المحضون غير من قدّم بالقرعة ردّ إليه ، كما لو اختاره ابتداءً .
ولا يخيّر الغلام إذا كان أحد أبويه ليس من أهل الحضانة ، لأنّه غير أهل فيكون وجوده كعدمه ، ويتعيّن أن يكون الغلام عند الآخر . وإن اختار ابن سبع أباه ثمّ زال عقله ردّ إلى الأمّ ، لحاجته إلى من يتعهّده كالصّغير ، وبطل اختياره لأنّه لا حكم لكلامه .
أمّا الحنفيّة والمالكيّة فذهبوا إلى أنّه لا خيار للصّغير ذكراً كان أو أنثى ، وأنّ الأمّ أحقّ بهما. وعند الحنفيّة يبقى الصّبيّ عند أمّه إلى أن يستغني بنفسه ، بأن يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده ويلبس وحده . وعند المالكيّة إلى البلوغ في المشهور من المذهب ، ويقابل المشهور ما قاله ابن شعبان : إنّ أمد الحضانة في الذّكر حتّى يبلغ عاقلاً غير زمن .
أمّا البنت فعند الحنفيّة تبقى حضانة أمّها إلى أن تحيض . وبعد البلوغ تحتاج إلى التّحصين والحفظ والأب فيه أقوى . وعن محمّد بن الحسن أنّ البنت تدفع إلى الأب إذا بلغت حدّ الشّهوة ، لتحقّق الحاجة إلى الصّيانة . أمّا عند المالكيّة فتبقى عند أمّها إلى أن يدخل بها زوجها ، لأنّها تحتاج إلى معرفة آداب النّساء ، والمرأة على ذلك أقدر .
24 - والعلّة في عدم تخيير المحضون عند الحنفيّة والمالكيّة هي : قصور عقله الدّاعي إلى قصور اختياره . فقد يختار من عنده الدّعة والتّخلية بينه وبين اللّعب ، فلا يتحقّق المقصود من الحضانة وهو النّظر في مصالح المحضون .
وما ورد من أحاديث تفيد تخيير الطّفل ، جاء فيها أنّ اختياره كان لدعاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يهديه إلى الأصلح . كما جاء في حديث « رافع بن سنان أنّه أسلم ، وأبت امرأته أن تسلم فقالت : ابنتي وهي فطيم ، وقال رافع : ابنتي . فأقعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم الأمّ ناحيةً ، والأب ناحيةً ، وأقعد الصّبيّة ناحيةً وقال لهما : ادعواها فمالت الصّبيّة إلى أمّها ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم :" اللّهمّ اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها » .
وجاء في رواية أنّه ابنهما وليست بنتهما ، ولعلّهما قضيّتان مختلفتان .
كما يحمل ما ورد في تخيير الغلام على أنّه كان بالغاً ، بدليل أنّه كان يستسقي من بئر أبي عنبة ، ومن يكون دون البلوغ لا يرسل إلى الآبار للخوف عليه من السّقوط .
سادساً : تخيير الإمام في الأسرى :
25 - اتّفق الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة على تخيير إمام المسلمين في أسرى الحرب بين خمس خصال : فإمّا أن يسترقّهم ، وإمّا أن يقتلهم ، وإمّا أن يأخذ الجزية منهم ، وإمّا أن يطلب الفدية مقابل إعتاقهم سواء بالمال ، أو بمفاداتهم بأسرى المسلمين الّذين في أيدي الكفّار ، وإمّا أن يمنّ عليهم فيعتقهم . واستثنى الحنفيّة الخصلتين الأخيرتين ، وهما الفداء والمنّ ، فقالوا بعدم جواز المنّ ، وعدم جواز المفاداة بالمال في المشهور من المذهب ، أمّا المفاداة بأسرى المسلمين فلا يجوز في قول لأبي حنيفة ، وجائز في قول الصّاحبين ، وهو قول لأبي حنيفة كذلك . وفي المسألة تفصيلات يرجع إليها في بحث ( أسرى ) .
ودليل جواز أخذ الجزية قوله تعالى : { حتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صَاغِرُون } .
وكذلك ما جاء أنّ عمر رضي الله عنه فعل ذلك في أهل السّواد .
26 - وما تقدّم من تخيير الإمام في الأسرى محلّه في الرّجال البالغين ، أمّا النّساء والصّبيان فلا خيار فيهم ، ولا يحكم فيهم إلاّ بالاسترقاق ، وحكمهم حكم سائر أموال الغنيمة . كما في سبايا هوازن وخيبر وبني المصطلق . وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنّه « نهى عن قتل النّساء والولدان » . وعند المالكيّة : للإمام الخيرة فيهم بين الاسترقاق والفداء . 27 - وتخيير الإمام بين هذه الخصال مقيّد بما يظهر له من المصلحة الرّاجحة في أحدها ، فيختار الأصلح للمسلمين من بينها . فإن كان الأسير ذا قوّة وشوكة فقتله هو المصلحة ، وإن كان ضعيفاً صاحب مال كانت المصلحة في أخذ الفدية منه ، وإن كان ممّن يرجى إسلامه فيمنّ عليه تقريباً وتأليفاً لقلبه على الإسلام . وإن تردّد نظر الإمام ورأيه في اختيار الأصلح ، فعند الحنابلة القتل أولى لما فيه من كفاية شرّهم .
وعند الشّافعيّة يحبسهم حتّى يظهر له الأصلح .
فالتّخيير في تصرّف الإمام في الأسرى مقيّد بالمصلحة بخلاف التّخيير في خصال الكفّارة ، إذ هو تخيير مطلق أبيح للحانث بموجبه أن يختار أيّ خصلة دون النّظر إلى المصلحة .
28 - أمّا إذا اختار الإمام خصلةً بعد الاجتهاد وتقليب وجوه المصالح ، ثمّ ظهر له بالاجتهاد أنّ المصلحة في غيرها ، فقد قال ابن حجر في تحفة المحتاج : الّذي يظهر لي في ذلك تفصيل لا بدّ منه أوّلاً : فإن كانت رقّاً لم يجز له الرّجوع عنها مطلقاً ، سواء استرقّهم لسبب أم لغير سبب ، وذلك لأنّ أهل الخمس ملكوهم بمجرّد ضرب الرّقّ ، فلم يملك إبطاله عليهم إلاّ برضا من دخلوا في ملكهم . وإن اختار القتل جاز له الرّجوع عنه تغليباً لحقن الدّماء ، كما في جواز رجوع المقرّ بالزّنى وسقوط القتل عنه ، بل إنّ الرّجوع عن قتل الأسير أولى ، لأنّه محض حقّ للّه تعالى ، أمّا حدّ الزّنا ففيه شائبة حقّ آدميّ .
أمّا إذا كان ما اختاره الإمام أوّلاً هو المنّ أو الفداء فلا يرجع عنه باجتهاد آخر ، لأنّه من قبيل نقض الاجتهاد بالاجتهاد من غير موجب ، كما أنّ الحاكم إذا اجتهد في قضيّة فلا ينقض اجتهاده باجتهاد آخر . أمّا إذا اختار أحدهما لسبب ، ثمّ زال ذلك السّبب ، وظهرت المصلحة في اختيار الثّاني لزمه العمل بما أدّاه إليه اجتهاده ثانياً ، وليس هذا من قبيل نقض الاجتهاد بالاجتهاد ، لأنّه انتقال إلى الاختيار الثّاني لزوال موجب الاختيار الأوّل . ويشترط في الاسترقاق والفداء اللّفظ الدّالّ على اختيارهما ، ولا يكفي مجرّد الفعل ، لأنّه لا يدلّ عليه دلالةً صريحةً . أمّا في غيرهما من الخصال ، فيكفي الفعل لدلالته الصّريحة على اختيارها .
سابعاً : تخيير الإمام في حدّ المحارب :
29 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ حدّ المحارب يختلف باختلاف الجناية ، فلكلّ جناية عقوبتها ، كما في قوله تعالى : { إنَّمَا جَزَاءُ الّذينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ ورَسُولَه وَيَسْعَونَ في الأرضِ فَسَادَاً أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِم وأَرْجُلُهم منْ خِلافٍ أو يُنْفَوا منْ الأرضِ ذلك لهم خِزْيٌ في الدّنيا ولهم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ } .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ الإمام مخيّر في بعض جنايات المحارب دون بعضها على تفصيل عندهم . وذهب المالكيّة إلى أنّ الإمام بالخيار في المحارب بين أربعة أمور :
أن يقتله بلا صلب ، أو أن يصلبه مع القتل ، أو أن ينفي الذّكر الحرّ البالغ العاقل في مكان بعيد ويسجن حتّى تظهر توبته أو يموت ، أو أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى .
وهذه الأربعة في حقّ الرّجال ، أمّا النّساء فلا يصلبن ولا ينفين ، وحدّهنّ القتل أو القطع . وتخيير الإمام بين هذه الأمور يكون على أساس المصلحة .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:14 PM

ثامناً : تخيير ملتقط اللّقطة بعد التّعريف بها :
30 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الملتقط مخيّر بين أن يتملّك ما التقطه وينتفع به ، أو يتصدّق به ، أو يحفظه أمانةً إلى أن يظهر صاحب اللّقطة فيدفعها إليه ، وهذا بعد التّعريف بها . وذهب الحنابلة والشّافعيّة في قول إلى أنّ الملتقط يملك ما التقطه حتماً - كالميراث - بمجرّد تمام التّعريف بها ، على التّفصيل المذكور في مصطلح : ( لقطة ) .
وفي الأصحّ عند الشّافعيّة ، وهو قول أبي الخطّاب من الحنابلة : أنّه لا يملك اللّقطة حتّى يختار التّملّك بلفظ صريح أو كناية مع النّيّة ، وفي وجه آخر عند الشّافعيّة : أنّه يملك بمجرّد النّيّة بعد التّعريف . ودليل التّملّك والانتفاع بمجرّد التّعريف ما جاء في روايات الحديث عن زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله عنه قال : « جاء أعرابيّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله عمّا يلتقطه فقال : عرّفها سنةً ، ثمّ اعرف عفاصها ووكاءها ، فإن جاء أحد يخبرك بها ، وإلاّ فاستنفقها » وفي أخرى : « وإلاّ فهي كسبيل مالك » وفي لفظ : « ثمّ كلها » وفي لفظ :
« فانتفع بها » وفي لفظ : « فشأنك بها »
31 - أمّا دليل أنّه لا يتملّك حتّى يختار فما ورد في حديث زيد بن خالد الجهنيّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « فإن جاء صاحبها وإلاّ فشأنك بها » فجعله إلى اختياره ، ولأنّه تملّك ببدل فاعتبر فيه اختيار التّملّك كالملك بالبيع . وإنّما جاز للملتقط اختيار التّصدّق ، لأنّ فيه إيصالاً للحقّ إلى المستحقّ ، وهو واجب بقدر الإمكان ، فإمّا أن يكون بإيصال العين لصاحبها ، وإمّا أن يكون بإيصال العوض عند تعذّره ، وهو الثّواب على اعتبار إجازة صاحب اللّقطة التّصدّق بها . ولهذا كان له الخيار عند ظهوره بين إمضاء الصّدقة أو الرّجوع بالضّمان على الملتقط . وفي المسألة تفصيلات أخرى تنظر في ( لقطة ) .
تاسعاً : التّخيير في كفّارة اليمين :
32 - اتّفق الفقهاء على التّخيير في كفّارة اليمين بين أربع خصال : إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو عتق رقبة ، فإن لم يجد ما يكفّر به من هذه الثّلاثة - بأن عجز عن الإطعام والكسوة والعتق - صام ثلاثة أيّام .
فهي كفّارة على التّخيير في الثّلاثة الأولى ، وعلى التّرتيب بينها وبين الخصلة الرّابعة . والأصل في التّخيير في كفّارة اليمين قوله تعالى : { لا يُؤَاخِذُكُم اللّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُم ولكنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدْتُم الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُه إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِين مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُم أو كِسْوَتُهم أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ . فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُم إذا حَلَفْتُم واحْفَظُوا أَيْمَانِكُم كذلك يُبَيِّنُ اللّهُ لكم آياتِه لعلَّكُم تَشْكُرُون } .
والمقصود بالتّخيير في كفّارة اليمين أنّ للمكفّر أن يأتي بأيّ خصلة شاء ، وأن ينتقل عنها إلى غيرها بحسب ما يراه ويميل إليه وما يراه الأسهل في حقّه ، فإنّ اللّه سبحانه وتعالى ما خيّره إلاّ لطفاً به . وهذا ما يفترق به التّخيير في كفّارة اليمين عن التّخيير في حدّ المحارب والتّصرّف بالأسرى حيث قيّدا بالمصلحة .
عاشراً : التّخيير بين القصاص والدّية والعفو :
33 - أجمع الفقهاء على أنّ وليّ الدّم مخيّر في الجناية على النّفس بين ثلاث خصال : فإمّا أن يقتصّ من القاتل ، أو يعفو عنه إلى الدّية أو بعضها ، أو أن يصالحه على مال مقابل العفو ، أو يعفو عنه مطلقاً .
ودليل ذلك قوله تعالى : { يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عليكم القِصَاصُ في القَتْلَى الحُرُّ بالحُرِّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ له منْ أَخِيه شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إليه بِإِحْسَانٍ ذلك تَخْفِيْفٌ منْ رَبِّكُم وَرَحْمَة } الآية ، وقوله تعالى : { وكَتَبْنَا عليهم فيها أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ } إلى قوله { والجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ به فهو كَفَّارَةٌ له } الآية : أي كفّارة للعافي بصدقته على الجاني . وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النَّظَرَين : إمّا أن يودي ، وإمّا أن يقاد »
وعن أنس - رضي الله عنه - قال : « ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلاّ أمر فيه بالعفو » . وفي الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال :
« إنّكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا الرّجل من هذيل ، وإنّي عاقله ، فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين : إمّا أن يقتلوا ، أو يأخذوا العقل » .
واختلف الفقهاء في توقّف تخيير وليّ الدّم في أخذ الدّية على رضا الجاني .
فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه لا يجوز أن يعفو وليّ الدّم إلى الدّية إلاّ برضا الجاني ، وأنّه ليس لوليّ الدّم جبر الجاني على دفع الدّية إذا سلّم نفسه للقصاص . وذهب الشّافعيّة في الأظهر ، والحنابلة في المعتمد إلى أنّ موجب القتل العمد هو القود ، وأنّ الدّية بدل عنه عند سقوطه . فإذا عفا عن القصاص واختار الدّية وجبت دون توقّف على رضا الجاني . وهو قول أشهب من المالكيّة . وفي قول آخر للشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنابلة أنّ موجب القتل العمد هو القصاص أو الدّية أحدهما لا بعينه ، ويتخيّر وليّ الدّم في تعيين أحدهما .
34 - أمّا دليل الحنفيّة والمالكيّة فيما ذهبوا إليه فهو ما ورد من نصوص توجب القصاص ، كقوله تعالى : { يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عليكم القِصَاصُ في القَتْلى } ممّا يعيّن القصاص. فهو إخبار عن كون القصاص هو الواجب ، وهذا يبطل القول بأنّ الدّية واجبة كذلك . ولمّا كان القتل لا يقابل بالجمع بين القصاص والدّية ، كان القصاص هو عين حقّ الوليّ ، والدّية بدل حقّه ، وليس لصاحب الحقّ أن يعدل من عين الحقّ إلى بدله من غير رضا من عليه الحقّ ، ولهذا لا يجوز اختيار الدّية من غير رضا القاتل .
وأمّا دليل الشّافعيّة والحنابلة فهو ما تقدّم من أدلّة جواز العفو إلى الدّية ، وقوله تعالى :
{ فَمَنْ عُفِيَ له منْ أخِيه شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إليه بِإِحْسَانٍ } فأوجب سبحانه على القاتل أداء الدّية إلى الوليّ مطلقاً عن شرط الرّضا ، دفعاً للهلاك عن نفسه .
ولمّا كان المقصود من تشريع القصاص والدّية هو الزّجر ، فكان ينبغي الجمع بينهما ، كما في شرب خمر الذّمّيّ ، إلاّ أنّه تعذّر الجمع ، لأنّ الدّية بدل النّفس ، وفي القصاص معنى البدليّة كما في قوله تعالى : { أنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ } والباء تفيد البدليّة ، فيؤدّي إلى الجمع بين البدلين ، وهو غير جائز ، فخيّر وليّ الدّم بينهما .

تداخل *
التّعريف :
1 - التّداخل في اللّغة : تشابه الأمور والتباسها ودخول بعضها في بعض .
وفي الاصطلاح : دخول شيء في شيء آخر بلا زيادة حجم ومقدار . وتداخل العددين أن يعدّ أقلّهما الأكثر ، أي يفنيه ، مثل ثلاثة وتسعة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاندراج :
2 - الاندراج مصدر اندرج ، ومن معانيه في اللّغة : الانقراض . ويستعمله الفقهاء بمعنى دخول أمر في أمر آخر أعمّ منه ، كالحدث الأصغر مع الجنابة في الطّهارة .
ب - التّباين :
3 - معنى التّباين في اللّغة : التّهاجر والتّباعد . وفي الاصطلاح : عبارة عمّا إذا نسب أحد الشّيئين إلى الآخر لم يصدق أحدهما على شيء ممّا صدق عليه الآخر ، فإن لم يتصادقا على شيء أصلاً فبينهما التّباين الكلّيّ ، وإن صدقا في الجملة فبينهما التّباين الجزئيّ . كالحيوان والأبيض وبينهما العموم من وجه . والفرق بينه وبين التّداخل واضح ، إذ التّداخل إنّما يكون في الأمور المتشابهة والمتقاربة ، أمّا التّباين فيكون في الأمور المتفاوتة كلّيّاً أو جزئيّاً .
ج - التّماثل :
4 - التّماثل : مصدر تماثل ، ومادّة مثل في اللّغة تأتي بمعنى الشّبه ، وبمعنى نفس الشّيء وذاته. والفقهاء يستعملون التّماثل بمعنى التّساوي ، كما في تماثل العددين في مسائل الإرث.
د - التّوافق :
5 - معنى التّوافق في اللّغة : الاتّفاق والتّظاهر .
وتوافق العددين : ألاّ يعدّ أقلّهما الأكثر ، ولكن يعدّهما عدد ثالث ، كالثّمانية مع العشرين ، يعدّهما أربعة ، فهما متوافقان بالرّبع ، لأنّ العدد العادّ مخرج لجزء الوفق .
محلّ التّداخل :
6 - ذكر الحنفيّة أنّ التّداخل : إمّا أن يكون في الأسباب : وإمّا أن يكون في الأحكام . والأليق بالعبادات الأوّل ، وبالعقوبات الثّاني ، وذلك ما جاء في العناية : أنّ التّداخل في العبادات إذا كان في الحكم دون السّبب كانت الأسباب باقيةً على تعدّدها ، فيلزم وجود السّبب الموجب للعبادة بدون العبادة ، وفي ذلك ترك الاحتياط فيما يجب فيه الاحتياط ، فقلنا بتداخل الأسباب فيها ليكون جميعها بمنزلة سبب واحد ترتّب عليه حكمه إذا وجد دليل الجمع وهو اتّحاد المجلس ، وأمّا العقوبات فليس ممّا يحتاط فيها ، بل في درئها احتياط فيجعل التّداخل في الحكم ، ليكون عدم الحكم مع وجود الموجب مضافاً إلى عفو اللّه وكرمه ، فإنّه هو الموصوف بسبوغ العفو وكمال الكرم .
وفائدة ذلك تظهر فيما لو تلا آية سجدة في مكان فسجدها ، ثمّ تلاها فيه مرّات فإنّه يكفيه تلك الواقعة أوّلاً ، إذ لو لم يكن التّداخل في السّبب لكانت التّلاوة الّتي بعد السّجدة سبباً ، وحكمه قد تقدّم ، وذلك لا يجوز . وأمّا في العقوبات : فإنّه لو زنى ، ثمّ زنى ثانيةً قبل أن يحدّ الأولى ، فإنّ عليه حدّاً واحداً ، بخلاف ما لو زنى فحدّ ، ثمّ زنى فإنّه يحدّ ثانياً .
وذكر صاحب الفروق من المالكيّة أنّ التّداخل محلّه الأسباب لا الأحكام ، ولم يفرّق في ذلك بين الطّهارات والعبادات ، كالصّلاة والصّيام والكفّارات والحدود والأموال .
بل ذكر أنّ الحدود المتماثلة إن اختلفت أسبابها كالقذف وشرب الخمر ، أو تماثلت كالزّنى مراراً والسّرقة مراراً والشّرب مراراً قبل إقامة الحدّ عليه ، فإنّها من أولى الأسباب بالتّداخل ، لأنّ تكرّرها مهلك . ويظهر ممّا ذكره الحنابلة في الطّهارات وكفّارة الصّيام ، فيما لو تكرّر منه الجماع في يوم واحد قبل التّكفير ، وفي الحدود إن كانت من جنس واحد أو أجناس أنّ التّداخل عندهم أيضاً إنّما يكون في الأسباب دون الأحكام .
هذا ويظهر ممّا ذكره الزّركشيّ في المنثور أنّ التّداخل إنّما يكون في الأحكام دون الأسباب ، ولا فرق في ذلك بين العبادات والعقوبات والإتلافات .
آثار التّداخل الفقهيّة ومواطنه :
7 - ذكر القرافيّ في الفروق أنّ التّداخل وقع في الشّريعة في ستّة أبواب ، وهي الطّهارات والصّلوات والصّيام والكفّارات والحدود والأموال .
وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّه يدخل في ضروب ، وهي : العبادات والعقوبات والإتلافات . وذكر السّيوطيّ وابن نجيم أنّه إذا اجتمع أمران من جنس واحد ، ولم يختلف مقصودهما ، دخل أحدهما في الآخر غالباً ، كالحدث مع الجنابة . هذا والتّداخل يذكره الفقهاء في الطّهارة والصّلاة والصّوم والحجّ ، والفدية والكفّارة والعدد ، والجناية على النّفس والأطراف والدّيات ، والحدود والجزية ، وفي حساب المواريث . وبيان ذلك فيما يلي :
أوّلاً - الطّهارات :
8 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من سنن الغسل : الوضوء قبله ، لأنّه صفة غسل النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة وميمونة رضي الله عنهما ونصّ حديث عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ، ثمّ يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ، ثمّ يتوضّأ وضوءه للصّلاة ، ثمّ يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشّعر ، حتّى إذا رأى أن قد استبرأ ، حفن على رأسه ثلاث حثيات ، ثمّ أفاض على سائر جسده ، ثمّ غسل رجليه » .
هذا عن تحصيل السّنّة . أمّا الأجزاء فيرى الحنفيّة والمالكيّة أنّ الطّهارات كالوضوء والغسل إذا تكرّرت أسبابهما المختلفة كالحيض والجنابة ، أو المتماثلة كالجنابتين ، والملامستين ، فإنّ تلك الأسباب تتداخل ، فيكفي في الجنابتين ، أو في الحيض والجنابة ، أو في الجنابة والملامسة غسل واحد ، لا يحتاج بعده إلى وضوء ،لاندراج سببه في السّبب الموجب للغسل. وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّ الفعلين في العبادات ، إن كانا في واجب ولم يختلفا في القصد ، تداخلا ، كغسل الحيض مع الجنابة ، فإذا أجنبت ثمّ حاضت ، كفى لهما غسل واحد .
هذا وقد ذكر الشّافعيّة والحنابلة في تداخل الوضوء والغسل إذا وجبا عليه - كما لو أحدث ثمّ أجنب أو عكسه - أربعة أوجه ، انفرد الشّافعيّة بأوّلها ، واتّفقوا مع الحنابلة في الباقي . أحدهما ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، وقد انفردوا فيه عن الحنابلة ، لكنّ ابن تيميّة اختاره : أنّه يكفيه الغسل ، نوى الوضوء معه أو لم ينوه ، غسل الأعضاء مرتّبةً أم لا ، لأنّهما طهارتان ، فتداخلتا .
والثّاني ، وذهب إليه أيضاً الحنابلة في إحدى الرّوايات عن أحمد ، وهو من مفردات المذهب عندهم : أنّه يجب عليه الوضوء والغسل ، لأنّهما حقّان مختلفان يجبان بسببين مختلفين ، فلم يدخل أحدهما في الآخر كحدّ الزّنى والسّرقة ، فإن نوى الوضوء دون الغسل أو عكسه ، فليس له غير ما نوى .
الثّالث ، واختاره أيضاً أبو بكر من الحنابلة ، وقطع به في المبهج : أنّه يأتي بخصائص الوضوء ، بأن يتوضّأ مرتّباً ، ثمّ يغسل سائر البدن ، لأنّهما متّفقان في الغسل ومختلفان في التّرتيب ، فما اتّفقا فيه تداخلا ، وما اختلفا فيه لم يتداخلا .
الرّابع ، وهو ما حكاه أبو حاتم القزوينيّ من الشّافعيّة ، وهو المذهب مطلقاً عند الحنابلة ، وعليه جماهير أصحابهم ، وقطع به كثير منهم : أنّهما يتداخلان في الأفعال دون النّيّة ، لأنّهما عبادتان متجانستان صغرى وكبرى ، فدخلت الصّغرى في الكبرى في الأفعال دون النّيّة ، كالحجّ والعمرة . هذا ، وجاء في الإنصاف عن الدّينوريّ في وجه حكاه : أنّه إن أحدث ثمّ أجنب فلا تداخل ، وجاء فيه أيضاً أنّ من أحدث ثمّ أجنب ، أو أجنب ثمّ أحدث يكفيه الغسل على الأصحّ ، وهو مماثل لما حكاه الشّافعيّة في الوجه الأوّل .
ثانياً : التّداخل في الصّلاة وله أمثلة :
أ - تداخل تحيّة المسجد وصلاة الفرض :
9 - ذكر ابن نجيم في الأشباه ، والقرافيّ في الفروق : أنّ تحيّة المسجد تدخل في صلاة الفرض مع تعدّد سببهما ، فإنّ سبب التّحيّة هو دخول المسجد ، وسبب الظّهر مثلاً هو الزّوال ، فيقوم سبب الزّوال مقام سبب الدّخول ، فيكتفي به .
وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّ التّداخل في العبادات إن كان في مسنون ، وكان ذلك المسنون من جنس المفعول ، دخل تحته ، كتحيّة المسجد مع صلاة الفرض .
وذهب الحنابلة إلى أنّ تحيّة المسجد تدخل في الفرض والسّنّة الرّاتبة .
ب - تداخل سجود السّهو :
10 - جاء صريحاً في حاشية ابن عابدين - من كتب الحنفيّة - فيمن تكرّر سهوه بحيث أدّى ذلك إلى ترك جميع واجبات الصّلاة ، فإنّه لا يلزمه إلاّ سجدتان .
وقريب من ذلك ما جاء في المدوّنة من كتب المالكيّة فيمن نسي تكبيرةً أو تكبيرتين ، أو نسي " سمع اللّه لمن حمده " مرّةً أو مرّتين ، أو نسي التّشهّد أو التّشهّدين .
وجاء في المنثور والأشباه من كتب الشّافعيّة أنّ جبرانات الصّلاة تتداخل لاتّحاد الجنس ، فسجود السّهو وإن تعدّد سجدتان ، لأنّ القصد بسجود السّهو إرغام أنف الشّيطان ، وقد حصل بالسّجدتين آخر الصّلاة ، بخلاف جبرانات الإحرام فلا تتداخل ، لأنّ القصد جبر النّسك وهو لا يحصل إلاّ بالتّعدّد . وقال صاحب المغني : إذا سها سهوين أو أكثر من جنس كفاه سجدتان للجميع ، لا نعلم أحداً خالف فيه . وإن كان السّهو من جنسين ، فكذلك ، حكاه ابن المنذر قولاً لأحمد ، وهو قول أكثر أهل العلم ، منهم : النّخعيّ والثّوريّ ومالك واللّيث والشّافعيّ وأصحاب الرّأي . وذكر أبو بكر من الحنابلة فيه وجهين : أحدهما : ما ذكرنا . والثّاني : يسجد سجودين ، قال الأوزاعيّ وابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة : إذا كان عليه سجودان ، أحدهما قبل السّلام ، والآخر بعده سجدهما في محلّيهما ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لكلّ سهو سجدتان » . وهذان سهوان ، فلكلّ واحد منهما سجدتان ،ولأنّ كلّ سهو يقتضي سجوداً ، وإنّما تداخلا في الجنس الواحد لاتّفاقهما ، وهذان مختلفان.
ج - التّداخل في سجود التّلاوة :
11 - ذكر الحنفيّة أنّ سجدة التّلاوة مبناها على التّداخل دفعاً للحرج .
والتّداخل فيها تداخل في السّبب دون الحكم ، لأنّها عبادة ، فتنوب الواحدة عمّا قبلها وعمّا بعدها ، ولا يتكرّر وجوبها إلاّ باختلاف المجلس أو اختلاف التّلاوة ( أي الآية ) أو السّماع ، فمن تلا آيةً واحدةً في مجلس واحد مراراً تكفيه سجدة واحدة وأداء السّجدة بعد القراءة الأولى أولى . والأصل في ذلك ما روي « أنّ جبريل عليه السلام كان ينزل بالوحي فيقرأ آية السّجدة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يسمع ويتلقّن ، ثمّ يقرأ على أصحابه ، وكان لا يسجد إلاّ مرّةً واحدةً » .
وإن تلاها في غير الصّلاة فسجد ، ثمّ دخل في الصّلاة فتلاها فيها ، سجد أخرى . ولو لم يسجد أوّلاً كفته واحدة ، لأنّ الصّلاتيّة أقوى من غيرها ، فتستتبع غيرها وإن اختلف المجلس . ولو لم يسجد في الصّلاة سقطتا في الأصحّ .
وأمّا المالكيّة فقاعدة المذهب عندهم تكرير سجدة التّلاوة ، إن كرّر حزباً فيه سجدةً ، ولا تكفيه السّجدة الأولى ، لوجود المقتضي للسّجود ، باستثناء المعلّم والمتعلّم فقط عند الإمام مالك وابن القاسم ، واختاره المازريّ ، خلافاً لأصبغ وابن عبد الحكم القائلين بعدم السّجود عليهما ولا في أوّل مرّة .
ومحلّ الخلاف كما في حاشية الدّسوقيّ إذا حصل التّكرير لحزب فيه سجدة ، وأمّا قارئ القرآن بتمامه فإنّه يسجد جميع سجداته في غير الصّلاة وفي الصّلاة ، حتّى لو قرأه كلّه في ركعة واحدة ، سواء أكان معلّماً أم متعلّماً اتّفاقاً . وجاء في الرّوضة وغيرها من كتب الشّافعيّة : أنّه إذا قرأ آيات السّجدات في مكان واحد ، سجد لكلّ واحدة ، ومثل ذلك قراءته الآية الواحدة في مجلسين . فلو كرّر الآية الواحدة في المجلس الواحد نظر ، إن لم يسجد للمرّة الأولى كفاه سجود واحد ، وإن سجد للأولى فثلاثة أوجه : أصحّها يسجد مرّةً أخرى لتجدّد السّبب ، والثّاني تكفيه الأولى ، والثّالث إن طال الفصل سجد أخرى ، وإلاّ فتكفيه الأولى . ولو كرّر الآية الواحدة في الصّلاة ، فإن كان في ركعة فكالمجلس الواحد ، وإن كان في ركعتين فكالمجلسين . ولو قرأ مرّةً في الصّلاة ، ومرّةً خارجها في المجلس الواحد وسجد للأولى ، فلم ير النّوويّ فيه نصّاً للأصحاب ، وإطلاقهم يقتضي طرد الخلاف فيه .
وتذكر كتب الحنابلة أيضاً أنّ سجود التّلاوة يتكرّر بتكرّر التّلاوة ، حتّى في طواف مع قصر فصل . وذكر صاحب الإنصاف وجهين في إعادة سجود من قرأ بعد سجوده ، وكذا يتوجّه في تحيّة المسجد إن تكرّر دخوله .
وقال ابن تميم : وإن قرأ سجدةً فسجد ، ثمّ قرأها في الحال مرّةً أخرى ، لا لأجل السّجود ، فهل يعيد السّجود ؟ على وجهين . وقال القاضي في تخريجه : إن سجد في غير الصّلاة ثمّ صلّى فقرأها فيها أعاد السّجود ، وإن سجد في صلاة ثمّ قرأها في غير صلاة لم يسجد . وقال : إذا قرأ سجدةً في ركعة فسجد ، ثمّ قرأها في الثّانية ، فقيل يعيد السّجود ، وقيل لا .
ثالثاً : تداخل صوم رمضان وصوم الاعتكاف :
12 - من المقرّر عند المالكيّة والحنفيّة ، وفي رواية عن أحمد اشتراط الصّوم لصحّة الاعتكاف مطلقاً ، وبناءً على ذلك ذكر القرافيّ أنّ صوم الاعتكاف يدخل في صوم رمضان ، وذلك لأنّ الاعتكاف سبب لتوجّه الأمر بالصّوم ، ورؤية هلال رمضان هي سبب توجّه الأمر بصوم رمضان ، فيدخل السّبب الّذي هو الاعتكاف في السّبب الآخر وهو رؤية الهلال فيكتفي به ويتداخل الاعتكاف ورؤية الهلال .
رابعاً : تداخل الطّواف والسّعي للقارن :
13 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والإمام أحمد فيما اشتهر عنه إلى أنّ من قرن بين الحجّ والعمرة في إحرام واحد ، فإنّه يطوف لهما طوافاً واحداً ، ويسعى لهما سعياً واحداً ، وهو قول ابن عمر وجابر بن عبد اللّه رضي الله عنهم ، وبه قال عطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد وطاوس وإسحاق وأبو ثور ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : « خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع فأهللنا بعمرة ... » . الحديث . وفيه :
« وأمّا الّذين جمعوا بين الحجّ والعمرة فإنّما طافوا طوافاً واحداً » . ولأنّ الحجّ والعمرة عبادتان من جنس واحد ، فإذا اجتمعتا دخلت أفعال الصّغرى في الكبرى كالطّهارتين .
وأيضاً فإنّ الجامع بينهما ناسك يكفيه حلق واحد ورمي واحد ، فكفاه طواف واحد وسعي واحد كالفرد . وذهب الحنفيّة والإمام أحمد في رواية أخرى لم تشتهر إلى أنّ عليه طوافين وسعيين ، وقد روي هذا القول عن عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما ، وبه قال الشّعبيّ وابن أبي ليلى مستدلّين بقوله تعالى : { وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ للّه } وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال بلا فرق بين القارن وغيره .
وبما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من جمع بين الحجّ والعمرة فعليه طوافان » ولأنّهما نسكان ، فكان لهما طوافان ، كما لو كانا منفردين . وأثر هذا الخلاف يظهر في القارن إذا قتل صيداً فإنّه يلزمه جزاء واحد عند القائلين بالتّداخل .
خامساً : تداخل الفدية :
14 - ذكر الحنفيّة والشّافعيّة أنّ الفدية تتداخل . وقد صرّح الحنفيّة بأنّ من قلّم أظافر يديه ورجليه في مجلس واحد ، وهو محرم ، فإنّ عليه دماً واحداً ، لأنّها من المحظورات ، لما فيه من قضاء التّفث ، وهي من نوع واحد ، فلا يزاد على دم واحد .
وإن كان قلّمها في مجالس ، فكذلك عند محمّد ، لأنّ مبناها على التّداخل ككفّارة الفطر . وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يجب لكلّ يد دم ، ولكلّ رجل دم إذا تعدّد المجلس ، لأنّ الغالب في الفدية معنى العبادة فيتقيّد التّداخل باتّحاد المجلس كما في آية السّجدة ، ولأنّ هذه الأعضاء متباينة حقيقةً ، وإنّما جعلت الجناية - وهي تقليم الأظافر في مجلس واحد - جنايةً واحدةً في المعنى لاتّحاد المقصود وهو الرّفق .
وصرّح الشّافعيّة بمثل ذلك فيمن فعل شيئاً من مقدّمات الجماع ، وجامع بعده ، فقد ذكروا أنّ فدية المقدّمة تدخل في البدنة الواجبة جزاءً عن الجماع .
وقريب من ذلك ما ذكره الحنابلة فيمن حلق شعر رأسه وبدنه ، بأنّ عليه فديةً واحدةً في أصحّ الرّوايتين عن أحمد ، وهو الصّحيح من المذهب أيضاً ، لأنّ شعر الرّأس والبدن واحد ، وفي رواية أخرى عنه : إنّ لكلّ منهما حكماً منفرداً . وكذا لو لبس أو تطيّب في ثوبه وبدنه ففيه الرّوايتان والمنصوص عن أحمد أنّ عليه فديةً واحدةً .
وأمّا المالكيّة فإنّهم وإن لم يصرّحوا بتداخل الفدية ، إلاّ أنّهم أوردوا أربع صور تتّحد فيها الفدية وهي أن يظنّ الفاعل الإباحة :
أ - بأن يعتقد أنّه خرج من إحرامه فيفعل أموراً كلّ منها يوجب الفدية .
ب - أو يتعدّد موجبها من لبس وتطيّب وقلم أظفار وقتل دوابّ بفور .
ج - أو يتراخى ما بين الفعلين ، لكنّه عند الفعل الأوّل أو إرادته نوى تكرار الفعل الموجب لها .
د - أو يتراخى ما بين الفعلين ، إلاّ أنّه لم ينو التّكرار عند الفعل الأوّل منهما ، لكنّه قدّم ما نفعه أعمّ ، كتقديمه لبس الثّوب على لبس السّراويل .
وتفصيله في محظورات الحجّ من كتب الفقه .
سادساً : تداخل الكفّارات :
أ - تداخلها في إفساد صوم رمضان بالجماع :
15 - لا خلاف بين الفقهاء في وجوب كفّارة واحدة على من تكرّر منه الجماع في يوم واحد من أيّام رمضان ، لأنّ الفعل الثّاني لم يصادف صوماً ، وإنّما الخلاف بينهم فيمن تكرّر منه ذلك الفعل في يومين ، أو في رمضانين ، ولم يكفّر للأوّل ، فذهب محمّد من الحنفيّة ، والحنابلة في وجه ، والزّهريّ والأوزاعيّ إلى أنّه تكفيه كفّارة واحدة ، لأنّها جزاء عن جناية تكرّر سببها قبل استيفائها ، فتتداخل كالحدّ . وذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية الّذي اختاره بعضهم للفتوى وهو الصّحيح ، والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو أيضاً المذهب عند الحنابلة : إلى أنّ الكفّارة الواحدة لا تجزئه ، بل عليه كفّارتان ، لأنّ كلّ يوم عبادة منفردة ، فإذا وجبت الكفّارة بإفساده لم تتداخل كالعمرتين والحجّتين ، والتّفصيل في مصطلح : ( كفّارة ) .
ب - تداخل الكفّارات في الأيمان :
16 - لا خلاف في أنّ من حلف يميناً فحنث فيها وأدّى ما وجب عليه من الكفّارة ، أنّه لو حلف يميناً أخرى وحنث فيها تجب عليه كفّارة أخرى ، ولا تغني الكفّارة الأولى عن كفّارة الحنث في هذه اليمين الثّانية ، وإنّما الخلاف فيمن حلف أيماناً وحنث فيها . ثمّ أراد التّكفير ، هل تتداخل الكفّارات فتجزئه كفّارة واحدة ؟ أو لا تتداخل فيجب عليه لكلّ يمين كفّارة ؟ تتداخل الكفّارات على أحد القولين عند الحنفيّة ، وأحد الأقوال عند الحنابلة ، ولا تتداخل عند المالكيّة ولا الشّافعيّة ، وتفصيل ذلك في الكفّارات .
سابعاً : تداخل العدّتين :
17 - معنى التّداخل في العدد : أن تبتدئ المرأة عدّةً جديدةً وتندرج بقيّة العدّة الأولى في العدّة الثّانية ، والعدّتان إمّا أن تكونا من جنس واحد لرجل واحد أو رجلين ، وإمّا أن تكونا من جنسين كذلك أي لرجل واحد أو رجلين ، وعلى هذا فإنّ المرأة إذا لزمها عدّتان من جنس واحد ، وكانتا لرجل واحد ، فإنّهما تتداخلان عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة لاتّحادهما في الجنس والقصد . مثال ذلك : ما لو طلّق زوجته ثلاثاً ، ثمّ تزوّجها في العدّة ووطئها ، وقال : ظننت أنّها تحلّ لي . أو طلّقها بألفاظ الكناية ، فوطئها في العدّة ، فإنّ العدّتين تتداخلان ، فتعتدّ ثلاثة أقراء ابتداءً من الوطء الواقع في العدّة ، ويندرج ما بقي من العدّة الأولى في العدّة الثّانية . أمّا إذا كانتا لرجلين فإنّهما تتداخلان عند الحنفيّة ، لأنّ المقصود التّعرّف على فراغ الرّحم ، وقد حصل بالواحدة فتتداخلان .
ومثاله : المتوفّى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة ، فهاتان عدّتان من رجلين ومن جنسين . ومثال العدّتين من جنس واحد ومن رجلين : المطلّقة إذا تزوّجت في عدّتها فوطئها الثّاني ، وفرّق بينهما ، تتداخلان وتعتدّ من بدء التّفريق ، ويندرج ما بقي من العدّة الأولى في العدّة الثّانية . وأمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فلا تتداخلان ، لأنّهما حقّان مقصودان لآدميّين ، فلم يتداخلا كالدّينين ، ولأنّ العدّة احتباس يستحقّه الرّجال على النّساء ، فلم يجز أن تكون المرأة المعتدّة في احتباس رجلين كاحتباس الزّوجة .
وأمّا إذا اختلفت العدّتان في الجنس ، وكانتا لرجلين ، فإنّهما تتداخلان أيضاً عند الحنفيّة ، لأنّ كلاً منهما أجل ، والآجال تتداخل .
ولا تداخل بينهما عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّ كلاً منهما حقّ مقصود للآدميّ ، فعليها أن تعتدّ للأوّل لسبقه ، ثمّ تعتدّ للثّاني ، ولا تتقدّم عدّة الثّاني على عدّة الأوّل إلاّ بالحمل .
وإن كانتا من جنسين لشخص واحد تداخلتا أيضاً عند الحنفيّة ، وفي أصحّ الوجهين عند الشّافعيّة ، وفي أحد الوجهين عند الحنابلة ، لأنّهما لرجل واحد . ولا تداخل بينهما على مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة ، وعلى الوجه الثّاني عند الحنابلة لاختلافهما في الجنس .
وأمّا المالكيّة فقد لخصّ ابن جزيّ مذهبهم في تداخل العدد بقوله : فروع في تداخل العدّتين : الفرع الأوّل : من طلقت طلاقاً رجعيّاً ، ثمّ مات زوجها في العدّة انتقلت إلى عدّة الوفاة ، لأنّ الموت يهدم عدّة الرّجعيّ بخلاف البائن .
الفرع الثّاني : إن طلّقها رجعيّاً ثمّ ارتجعها في العدّة ، ثمّ طلّقها ، استأنفت العدّة من الطّلاق الثّاني ، سواء كان قد وطئها أم لا ، لأنّ الرّجعة تهدم العدّة ، ولو طلّقها ثانيةً في العدّة من غير رجعة بَنَتْ اتّفاقاً ، ولو طلّقها طلقةً ثانيةً ثمّ راجعها في العدّة أو بعدها ، ثمّ طلّقها قبل المسيس بَنَتْ على عدّتها الأولى ، ولو طلّقها بعد الدّخول استأنفت من الطّلاق الثّاني .
الفرع الثّالث : إذا تزوّجت في عدّتها من الطّلاق ، فدخل بها الثّاني ، ثمّ فرّق بينهما ، اعتدّت بقيّة عدّتها من الأوّل ، ثمّ اعتدّت من الثّاني ، وقيل : تعتدّ من الثّاني وتجزيها عنهما ، وإن كانت حاملاً فالوضع يجزي عن العدّتين اتّفاقاً . والتّفصيل في مصطلح : ( عدّة ) .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:14 PM

ثامناً : تداخل الجنايات على النّفس والأطراف :
18 - ذكر الحنفيّة أنّ الجنايات على النّفس والأطراف إذا تعدّدت ، كما لو قطع عضواً من أعضائه ، ثمّ قتله ، فإنّها لا تتداخل إلاّ في حالة اجتماع جنايتين على واحد ، ولم يتخلّلهما برء ، وصورها ستّ عشرة ، كما ذكر ابن نجيم في الأشباه ، لأنّه إذا قطع ثمّ قتل ، فإمّا أن يكونا عمدين أو خطأين ، أو أحدهما عمداً والآخر خطأً ، وكلّ من الأربعة إمّا على واحد أو اثنين ، وكلّ من الثّمانية . إمّا أن يكون الثّاني قبل البرء أو بعده .
وذكر المالكيّة أنّ الجناية على الطّرف تندرج في الجناية على النّفس ، أي في القصاص ، إن تعمّدها الجاني ، سواء أكان الطّرف للمقتول أم لغيره بأن قطع يد شخص عمداً ، وفقأ عين آخر عمداً ، فيقتل فقط ولا يقطع شيء من أطرافه ولا تفقأ عينه ، إن لم يقصد الجاني بجنايته على الطّرف مثلةً - أي تمثيلاً وتشويهاً - فإن قصدها فلا يندرج الطّرف في القتل ، فيقتصّ من الطّرف ، ثمّ يقتل .
أمّا إذا لم يتعمّد الجاني الجناية على الطّرف ، فإنّها لا تندرج في الجناية على النّفس ، كما لو قطع يد شخص خطأً ، ثمّ قتله عمداً عدواناً ، فإنّه يقتل به ، ودية اليد على عاقلته .
وذكر الشّافعيّة أنّ الجناية على النّفس والأطراف إذا اتّفقتا في العمد أو الخطأ ، وكانت الجناية على النّفس بعد اندمال الجناية على الطّرف وجبت دية الطّرف بلا خلاف . أمّا إذا كانت الجناية على النّفس قبل اندمال الجناية على الطّرف فوجهان ، أصحّهما : دخول الجناية على الطّرف في الجناية على النّفس ، بحيث لا يجب إلاّ ما يجب في النّفس كالسّراية . وثانيهما : عدم التّداخل بين الجنايتين ، خرّجه ابن سريج ، وبه قال الإصطخريّ ، واختاره إمام الحرمين . أمّا إذا كانت إحداهما عمداً والأخرى خطأً ، وقلنا بالتّداخل عند الاتّفاق ، فهنا وجهان : أحدهما التّداخل أيضاً . وأصحّهما : لا ، لاختلافهما .
والحنابلة يقولون : التّداخل في القصاص في إحدى الرّوايتين عن أحمد فيما لو جرح رجل رجلاً ، ثمّ قتله قبل اندمال جرحه ، واختار الوليّ القصاص ، فعلى هذه الرّواية ليس للوليّ إلاّ ضرب عنقه بالسّيف . لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا قَوَدَ إلاّ بالسّيفِ » ، وليس له جرحه أو قطع طرفه ، لأنّ القصاص أحد بدلي النّفس ، فدخل الطّرف في حكم الجملة كالدّية. والرّواية الثّانية : أنّ للوليّ أن يفعل بالجاني مثلما فعل ، لقوله تعالى : { وإنْ عَاقَبْتُم فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُم به } . أمّا إذا عفا الوليّ عن القصاص ، أو صار الأمر إلى الدّية لكون الفعل خطأً أو شبه عمد ، فالواجب حينئذ دية واحدة ، لأنّه قتل قبل استقرار الجرح ، فدخل أرش الجراحة في أرش النّفس والتّفصيل في مصطلح : ( جناية ) .
تاسعاً : تداخل الدّيات :
19 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الدّيات قد تتداخل ، فيدخل الأدنى منها في الأعلى ، ومن ذلك دخول دية الأعضاء والمنافع في دية النّفس ، ودخول أرش الموضحة المذهبة للعقل في دية العقل ، ودخول حكومة الثّدي في دية الحلمة إلى غير ذلك من الفروع .
والتّفصيل في مصطلح : ( دية ) .
عاشراً : تداخل الحدود :
20 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحدود - كحدّ الزّنى والسّرقة والشّرب - إذا اتّفقت في الجنس والموجب أي الحدّ فإنّها تتداخل ، فمن زنى مراراً ، أو سرق مراراً ، أو شرب مراراً ، أقيم عليه حدّ واحد للزّنى المتكرّر ، وآخر للسّرقة المتكرّرة . وآخر للشّرب المتكرّر ، لأنّ ما تكرّر من هذه الأفعال هو من جنس ما سبقه ، فدخل تحته . ومثل ذلك حدّ القذف إذا قذف شخصاً واحداً مراراً ، أو قذف جماعةً بكلمة واحدة ، فإنّه يكتفي فيه بحدّ واحد اتّفاقاً ، بخلاف ما لو قذف جماعةً بكلمات ، أو خصّ كلّ واحد منهم بقذف .
واتّفق الفقهاء أيضاً على أنّ من زنى أو سرق أو شرب ، فأقيم عليه الحدّ ، ثمّ صدر منه أحد هذه الأفعال مرّةً أخرى ، فإنّه يحدّ ثانياً ، ولا يدخل تحت الفعل الّذي سبقه ، واتّفقوا أيضاً على عدم التّداخل بين هذه الأفعال عند اختلافها في الجنس والقدر الواجب فيها ، فمن زنى وسرق وشرب حدّ لكلّ فعل من هذه الأفعال ، لاختلافها في الجنس والقدر الواجب فيها ، فلا تتداخل . أمّا إذا اتّحدت في القدر الواجب واختلفت في الجنس ، كالقذف والشّرب مثلاً ، فلا تداخل بينها عند غير المالكيّة ، وأمّا عند المالكيّة فتتداخل ، لاتّفاقها في القدر الواجب فيها ، وهو الحدّ ، فإنّ الواجب في القذف ثمانون جلدةً وفي الشّرب أيضاً مثله ، فإذا أقيم عليه أحدهما سقط عنه الآخر . ولو لم يقصد عند إقامة الحدّ إلاّ واحداً فقط ، ثمّ ثبت أنّه شرب أو قذف ، فإنّه يكتفي بما ضرب له عمّا ثبت .
ومثل ذلك عندهم - أي المالكيّة - ما لو سرق وقطع يمين آخر ، فإنّه يكتفي فيه بحدّ واحد . وهذا كلّه إذا لم يكن في تلك الحدود القتل ، فإن كان فيها القتل ، فإنّه يكتفي به عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لقول ابن مسعود : ما كانت حدود فيها قتل إلاّ أحاط القتل بذلك كلّه ، ولأنّ المقصود الزّجر وقد حصل . واستثنى المالكيّة من ذلك حدّ القذف ، فقد ذكروا أنّه لا يدخل في القتل ، بل لا بدّ من استيفائه قبله .
وأمّا الشّافعيّة فإنّهم لا يكتفون بالقتل ، ولم يقولوا بالتّداخل في هذه المسألة ، بل يقدّمون الأخفّ ثمّ الأخفّ ، فمن سرق وزنى وهو بكر ، وشرب ولزمه قتل بردّة ، أقيمت عليه الحدود الواجبة فيها بتقديم الأخفّ ثمّ الأخفّ .
الحادي عشر : تداخل الجزية :
21 - ذهب أبو حنيفة إلى أنّ الجزية تتداخل كما إذا اجتمع على الذّمّيّ جزية عامين ، فلا يؤخذ منه إلاّ جزية عام واحد ، لأنّ الجزية وجبت عقوبةً للّه تعالى تؤخذ من الذّمّيّ على وجه الإذلال . والعقوبات الواجبة للّه تعالى إذا اجتمعت ، وكانت من جنس واحد ، تداخلت كالحدود ، ولأنّها وجبت بدلاً عن القتل في حقّهم وعن النّصرة في حقّنا ، لكن في المستقبل لا في الماضي ، لأنّ القتل إنّما يستوفى لحراب قائم في الحال ، لا لحراب ماض ، وكذا النّصرة في المستقبل لأنّ الماضي وقعت الغُنْية عنه .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد إلى أنّها لا تتداخل ، ولا تسقط بمضيّ المدّة ، لأنّ مضيّ المدّة لا تأثير له في إسقاط الواجب كالدّيون .
وأمّا خراج الأرض فقيل على هذا الخلاف ، وقيل لا تداخل فيه بالاتّفاق .
وأمّا المالكيّة فإنّهم لم يصرّحوا بتداخل الجزية ، ولكن يفهم التّداخل من قول أبي الوليد ابن رشد : ومن اجتمعت عليه جزية سنين ، فإن كان ذلك لفراره بها أخذت منه لما مضى ، وإن كان لعسره لم تؤخذ منه ، ولا يطالب بها بعد غناه . والتّفصيل في مصطلح : ( جزية ) .
الثّاني عشر : تداخل العددين في حساب المواريث :
22 - العددان في حساب المواريث إمّا أن يكونا متماثلين ، وإمّا أن يكونا مختلفين .
وفي حال اختلافهما إمّا أن يفنى الأكثر بالأقلّ ، وإمّا أن يفنيهما عدد ثالث ، وإمّا أن لا يفنيهما إلاّ واحد ليس بعدد ، بل هو مبدؤه ، فهذه أربعة أقسام .
وقد وقع التّداخل في القسم الثّاني منها ، وهو ما إذا اختلفا وفني الأكثر بالأقلّ عند إسقاطه من الأكثر مرّتين فأكثر منهما ، فيقال حينئذ : إنّهما متداخلان ، كثلاثة مع ستّة أو تسعة أو خمسة عشر ، فإنّ السّتّة تفنى بإسقاط الثّلاثة مرّتين ، والتّسعة بإسقاطها ثلاث مرّات ، والخمسة عشر بإسقاطها خمس مرّات ، لأنّها خمسها ، وسمّيا متداخلين لدخول الأقلّ في الأكثر . وحكم الأعداد المتداخلة : أنّه يكتفى فيها بالأكبر ويجعل أصل المسألة .
أمّا في الأقسام الأخرى ، وهي الأوّل والثّالث والرّابع ، فلا تداخل بين العددين فيها ، لأنّ العددين إن كانا متماثلين - كما في القسم الأوّل - فإنّه يكتفى بأحدهما ، فيجعل أصلاً للمسألة كالثّلاثة والثّلاثة مخرجي الثّلث والثّلثين ، لأنّ حقيقة المتماثلين إذا سلّط أحدهما على الآخر أفناه مرّةً واحدةً . وإن كانا مختلفين ، ولا يفنيهما إلاّ عدد ثالث - وهو القسم الثّالث - فهما متوافقان ، ولا تداخل بينهما أيضاً ، لأنّ الإفناء حصل بغيرهما ، كأربعة وستّة بينهما موافقة بالنّصف ، لأنّك إذا سلّطت الأربعة على السّتّة يبقى منهما اثنان ، سلّطهما على الأربعة مرّتين تفنى بهما ، فقد حصل الإفناء باثنين وهو عدد غير الأربعة والسّتّة ، فهما متوافقان بجزء الاثنين وهو النّصف .
وحكم المتوافقين : أن تضرب وفق أحدهما في كامل الآخر ، والحاصل أصل المسألة .
وإن كانا مختلفين لا يفنى أكثرهما بأقلّهما ولا بعدد ثالث ، بأن لم يفنهما إلاّ الواحد كما في القسم الرّابع فهما متباينان ، ولا تداخل بينهما أيضاً كثلاثة وأربعة ، لأنّك إذا أسقطت الثّلاثة من الأربعة يبقى واحد ، فإذا سلّطته على الثّلاثة فنيت به . وحكم المتباينين أنّك تضرب أحد العددين في الآخر . والتّفصيل في باب حساب الفرائض ، وينظر مصطلح : ( إرث ) .

تدارك *
التّعريف :
1 - التّدارك : مصدر تدارك ، وثلاثيّه : درك ، ومصدره الدّرك بمعنى : اللّحاق والبلوغ . ومنه الاستدراك وللاستدراك في اللّغة استعمالان :
الأوّل : أن يتستدرك الشّيء بالشّيء .
الثّاني : أن يتلافى ما فرّط في الرّأي أو الأمر من الخطأ أو النّقص .
وللاستدراك في الاصطلاح معنيان أيضاً :
الأوّل ، للأصوليّين والنّحويّين : وهو رفع ما يتوهّم ثبوته ، أو إثبات ما يتوهّم نفيه .
والثّاني : يرد في كلام الفقهاء : وهو إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خلل أو قصور أو فوات . وقد ورد في كلام الفقهاء التّعبير بالتّدارك في موضع الاستدراك ، الّذي هو بمعنى فعل الشّيء المتروك بعد محلّه ، سواء أترك سهواً أم عمداً ، ومن ذلك قول الرّمليّ : إذا سلّم الإمام من صلاة الجنازة ، تدارك المسبوق باقي التّكبيرات بأذكارها .
وقوله : لو نسي تكبيرات صلاة العيد فتذكّرها قبل ركوعه ، أو تعمّد تركها بالأولى - وشرع في القراءة وإن لم يتمّ فاتحته - فاتت في الجديد فلا يتداركها .
ومن ذلك أيضاً ما ذكره البهوتيّ ، من أنّه لو دفن الميّت قبل الغسل ، وقد أمكن غسله ، لزم نبشه ، وأن يخرج ويغسّل ، تداركاً لواجب غسله .
وعلى هذا يمكن تعريف التّدارك في الاصطلاح الفقهيّ بأنّه : فعل العبادة ، أو فعل جزئها إذا ترك المكلّف فعل ذلك في محلّه المقرّر شرعاً ما لم يفت .
وبالتّتبّع وجدنا الفقهاء لا يطلقون التّدارك إلاّ على ما كان استدراكاً في العبادة .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - منها القضاء والإعادة والاستدراك ، وكذلك الإصلاح في اصطلاح المالكيّة وقد سبق بيان معانيها ، والتّفريق بينها وبين التّدارك في مصطلح ( استدراك ) .
الحكم التّكليفيّ :
3 - الأصل أنّ تدارك ركن العبادة المفروضة فرض ، وذلك إن فات الرّكن لعذر - كنسيان أو جهل - مع القدرة عليه ، أو فعل على وجه غير مجزئ .
ولا يحصل الثّواب المرتّب على الرّكن مع تركه ، لعدم الامتثال .
ولا تصحّ العبادة إلاّ بالتّدارك . فإن لم يتدارك الرّكن في الوقت الّذي يمكن تداركه فيه فسدت العبادة ، ووجب الاستدراك باستئناف العبادة أو قضائها ، بحسب اختلاف الأحوال . وأمّا تدارك الواجبات والسّنن ففيه تفصيل . ويتّضح ذلك من الأمثلة المختلفة ،وبها يتبيّن الحكم .
التّدارك في الوضوء :
أ - التّدارك في أركان الوضوء :
4 - أركان الوضوء يتحتّم الإتيان بها ، فإن ترك غسل عضو من الثّلاثة أو جزءاً منه ، أو ترك مسح الرّأس ، فإنّه لا بدّ من تداركه ، بالإتيان بالفائت من غسل أو مسح ثمّ الإتيان بما بعده ، فمن نسي غسل اليدين ، وتذكّره بعد غسل الرّجلين ، لم يصحّ وضوءه حتّى يعيد غسل اليدين ويمسح برأسه ويغسل رجليه .
وهذا على قول من يجعل التّرتيب فرضاً في الوضوء ، وهم الشّافعيّة ، وعلى القول المقدّم عند الحنابلة . أمّا من أجازوا الوضوء دون ترتيب ، وهم الحنفيّة والمالكيّة ، فيجزئ عندهم التّدارك بغسل المتروك وحده . وإعادة ما بعده مستحبّ ، وليس واجباً .
ولو ترك غسل اليمنى من اليدين أو الرّجلين ، وتذكّره بعد غسل اليسرى ، أجزأه غسل اليمنى فقط ، ولا يلزمه غسل اليسرى اتّفاقاً ، لأنّهما بمنزلة عضو واحد .
وإنّما يجزئ التّدارك بالإتيان بالفائت وما بعده ، أو بالفائت وحده - على القولين المذكورين - إن لم تفت الموالاة عند من أوجبها ، فإن طال الفصل ، وفاتت الموالاة ، فلا بدّ من إعادة الوضوء كلّه . أمّا من لم يوجب الموالاة - وذلك مذهب الحنفيّة والشّافعيّة - فإنّه يجزئ عندهم التّدارك بغسل الفائت وحده . وفي المسألة تفصيلات يرجع إليها في ( وضوء ) .
ب - التّدارك في واجبات الوضوء :
5 - ليس للوضوء ولا للغسل واجبات عند بعض الفقهاء .
ومن واجبات الوضوء عند الحنابلة مثلاً التّسمية في أوّله - وليست ركناً في الوضوء عندهم - قالوا : وتسقط لو تركها سهواً . وإن ذكرها في أثناء الوضوء سمّى وبنى ، أي فلا يلزمه الاستئناف . قالوا : لأنّه لمّا عفي عنها مع السّهو في جملة الطّهارة ، ففي بعضها أولى . وهو المذهب خلافاً لما صحّحه في الإنصاف .
ج - التّدارك في سنن الوضوء :
6 - أمّا سنن الوضوء فقد صرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بعدم مشروعيّة تداركها إذا فات محلّها . فيرى المالكيّة أنّ سنّة الوضوء يطالب بإعادتها لو نكّسها سهواً أو عمداً ، طال الوقت أو قصر . أمّا لو تركها بالكلّيّة عمداً أو سهواً - وذلك منحصر عندهم في المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين - قال الدّردير : يفعلها استناناً دون ما بعدها طال التّرك أو لا . وإنّما لم تجب إعادة ما بعده لندب ترتيب السّنن في نفسها ، أو مع الفرائض .
والمندوب - كما قال الدّسوقيّ - إذا فات لا يؤمر بفعله لعدم التّشديد فيه ، وإنّما يتداركها لما يستقبل من الصّلوات ، لا إن أراد مجرّد البقاء على طهارة ، إلاّ أن يكون بالقرب ، أي بحضرة الماء وقبل فراغه من الوضوء .
وكذلك عند الشّافعيّة : لو قدّم مؤخّراً ، كأن استنشق قبل المضمضة - وهما عندهم سنّتان - قال الرّمليّ : يحتسب ما بدأ به ، وفات ما كان محلّه قبله على الأصحّ في الرّوضة ، خلافاً لما في المجموع ، أي فلا يتداركه بعد ذلك ، وهذا قولهم في سنن الوضوء بصفة عامّة ، فيحسب منها ما أوقعه أوّلاً ، فكأنّه ترك غيره ، فلا يعتدّ بفعله بعد ذلك .
لكن في التّسمية في أوّل الوضوء - وهي سنّة عندهم - قالوا : إن تركها عمداً أو سهواً - أو في أوّل طعام أو شراب كذلك - يأتي بها في أثنائه تداركاً لما فاته ، فيقول : بسم اللّه أوّله وآخره ، ولا يأتي بها بعد فراغه من الوضوء ، بخلاف الأكل ، فإنّه يأتي بها بعده . وشبيه بهذا ما عند الحنفيّة . حيث قالوا : لو نسيها ، فسمّى في خلال الوضوء لا تحصل السّنّة ، بل المندوب ، فيأتي بها لئلاّ يخلو وضوءه منها . وأمّا في الطّعام فتحصل السّنّة في باقيه . وهل تكون التّسمية أثناءه استدراكاً لما فات ، فتحصل فيه ، أم لا تحصل ؟ .
قال شارح المنية : الأولى أنّها استدراك ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا أكل أحدكم فلْيذكر اسم اللّه تعالى ، فإن نسي أن يذكرَ اسمَ اللّه في أوّله فليقل : بسم اللّه أوّله وآخره » .وقال ابن عابدين : إذا قال في الوضوء بسم اللّه أوّله وآخره ، حصل استدراك السّنّة أيضاً، بدلالة النّصّ .
7- أمّا المضمضة والاستنشاق في الوضوء عند الحنابلة ففعلهما فرض ، لأنّ الفم والأنف من أجزاء الوجه ، وليسا من سنن الوضوء ، ولذا فلا يجب التّرتيب فيما بينهما .
ويجب أن يتدارك المضمضة بعد الاستنشاق ، أو بعد غسل الوجه ، وحتّى بعد غسل سائر الأعضاء ، إلاّ أنّه إن تذكّرهما بعد غسل اليدين تداركهما وغسل ما بعدهما كما تقدّم .
التّدارك في الغسل :
8 - التّرتيب والموالاة في الغسل غير واجبين عند جمهور الفقهاء .
وقال اللّيث : لا بدّ من الموالاة . واختلف فيه عن الإمام مالك ، والمقدّم عند أصحابه : وجوب الموالاة ، وفيه وجه لأصحاب الإمام الشّافعيّ . فعلى قول الجمهور : إذا توضّأ مع الغسل لم يلزم التّرتيب بين أعضاء الوضوء . من أجل ذلك فإنّه لو ترك غسل عضو أو لمعة من عضو ، سواء أكان في أعضاء الوضوء أم في غيرها ، تدارك المتروك وحده بعد ، طال الوقت أو قصر ، ولو غسل بدنه إلاّ أعضاء الوضوء تداركها ، ولم يجب التّرتيب بينها . ومن أجل ذلك قال الشّافعيّة : لو ترك الوضوء في الغسل ، أو المضمضة أو الاستنشاق كره له ، ويستحبّ له أن يأتي به ولو طال الفصل دون إعادة للغسل .
ويجب تداركهما عند الحنفيّة والحنابلة ، إذ هما واجبان في الغسل عندهم ، بخلافهما في الوضوء ، فهما فيه سنّة عند الحنفيّة ، وليسا بواجبين .
تدارك غسل الميّت :
9 - عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لو دفن الميّت دون غسل ، وقد أمكن غسله ، لزم نبشه وأن يخرج ويغسّل ، تداركاً لواجب غسله . أي ما لم يخش تغيّره ، كما صرّح به المالكيّة والشّافعيّة . وكذلك تكفينه والصّلاة عليه يجب تداركهما بنبشه . قال الدّردير : وتدورك ندباً بالحضرة - وهي ما قبل تسوية التّراب عليه - ومثال المخالفة الّتي تتدارك : تنكيس رجليه موضع رأسه ، أو وضعه غير مستقبل القبلة ، أو على ظهره ، وكترك الغسل ، أو الصّلاة عليه ، ودفن من أسلم بمقبرة الكفّار ، فيتدارك إن لم يخف عليه التّغيّر .
أمّا عند الحنفيّة : فلا ينبش الميّت إذا أهيل عليه التّراب لحقّ اللّه تعالى ، كما لو دفن دون غسل أو صلاة ، ويصلّى على قبره دون غسل .
التّدارك في الصّلاة :
10 - إذا ترك المصلّي شيئاً من صلاته ، أو فعله على وجه غير مجزئ ، فإنّ في مشروعيّة تداركه تفصيلاً :
أ - تدارك الأركان :
11 - إن كان المتروك ركناً ، وكان تركه عمداً ، بطلت صلاته حالاً لتلاعبه . وإن تركه سهواً أو شكّ في تركه وجب تداركه بفعله ، وإلاّ لم تصحّ الرّكعة الّتي ترك ركناً منها ، فإنّ الرّكن لا يسقط عمداً ولا سهواً ولا جهلاً ولا غلطاً ، ويعيد ما بعد المتروك لوجوب التّرتيب . وفي كيفيّة تداركه اختلاف وتفصيل بين أصحاب المذاهب يرجع إليه في ( أركان الصّلاة وسجود السّهو ) . وقد يشرع سجود السّهو مع تداركه ، على ما في سجود السّهو من الخلاف ، في كونه واجباً أو مستحبّاً على ما هو مفصّل في سجود السّهو .
ب - تدارك الواجبات :
12 - ليس عند المالكيّة والشّافعيّة واجبات للصّلاة غير الأركان .
وعند الحنفيّة واجبات الصّلاة لا تفسد الصّلاة بتركها ، بل يجب سجود السّهو إن كان تركه سهواً ، وتجب إعادتها إن كان عمداً مع الحكم بإجزاء الأولى .
أمّا عند الحنابلة : فواجبات الصّلاة - كالتّشهّد الأوّل ، والتّكبير للانتقال ، وتسبيح الرّكوع والسّجود - فإن ترك شيئاً من ذلك عمداً بطلت صلاته . وإن تركه سهواً ثمّ تذكّره ، فإنّه يجب تداركه ما لم يفت محلّه ، بانتقاله بعده إلى ركن مقصود ، إذ لا يعود بعده لواجب . فيرجع إلى تسبيح ركوع قبل اعتدال لا بعده ، ويرجع إلى التّشهّد الأوّل ما لم يشرع في قراءة الرّكعة الثّالثة . ثمّ إن فات محلّ الواجب - كما لو شرع في القراءة من ترك التّشهّد الأوّل - لم يجز الرّجوع إليه . وفي كلا الحالين يجب سجود السّهو .
ت - تدارك سنن الصّلاة :
13 - السّنن لا تبطل الصّلاة بتركها ولو عمداً ، ولا تجب الإعادة ، وإنّما حكم تركها : كراهة التّنزيه ، كما صرّح به الحنفيّة .
وعند المالكيّة : إن نسي سنّةً من سنن الصّلاة يستدركها ما لم يفت محلّها ، فلو ترك التّشهّد الأوسط ، وتذكّر قبل مفارقته الأرض بيديه وركبتيه ، يرجع للإتيان به ، وإلاّ فقد فات .
وأمّا السّجود للسّهو بترك سنّة ، فعندهم في ذلك تفصيلات يرجع إليها في( سجود السّهو ). والسّنن عند الشّافعيّة نوعان : نوع هو أبعاض يشرع سجود السّهو لتركها عمداً أو سهواً ، كالقنوت ، وقيامه ، والتّشهّد الأوّل ، وقعوده ،والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه. ونوع لا يشرع السّجود لتركه ، كأذكار الرّكوع والسّجود ، فإن سجد لشيء منها عامداً بطلت صلاته ، لأنّه زاد على الصّلاة من جنس أفعالها ما ليس منها ، إلاّ أن يعذر بجهله .
وعلى كلّ حال فلا يتدارك شيء من ذلك عندهم إذا فات محلّه ، كالاستفتاح إذا شرع في القراءة . وكذا عند الحنابلة لا تتدارك السّنن إذا فات محلّها ، كما إذا ترك الاستفتاح حتّى تعوّذ ، أو ترك التّعوّذ حتّى بسمل ، أو ترك البسملة حتّى شرع في القراءة ، أو ترك التّأمين حتّى شرع في السّورة . لكن إن لم يكن استعاذ في الأولى عمداً أو نسياناً يستعيذ في الرّكعة الثّانية . وليس ذلك من باب تدارك التّعوّذ الفائت ، ولكن إنّما يستعيذ للقراءة الثّانية .
وكما لا تتدارك السّنن إذا فات محلّها ، فكذلك لا يشرع السّجود لترك شيء منها سهواً أو عمداً ، قوليّةً كانت أو فعليّةً ، وإن سجد لذلك فلا بأس .
ث - تدارك المسبوق ما فاته من الصّلاة مع الجماعة :
14 - من جاء متأخّراً عن تكبيرة الإحرام ، فدخل مع الإمام ، لا يتدارك ما فاته من الرّكعة معه إن أدركه قبل الرّفع من الرّكوع ، فإن أدركه في الرّفع من الرّكوع أو بعد ذلك فاتته الرّكعة ووجب عليه تداركها .
وفي ذلك تفصيل وأحكام مختلفة تنظر في صلاة الجماعة ( صلاة المسبوق ) .
ج - تدارك سجود السّهو :
15 - لو نسي من سها في صلاته ، ثمّ انصرف من غير أن يسجد للسّهو حتّى سلّم ، ثمّ تذكّره عن قرب ، يتداركه . وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في باب ( سجود السّهو ) .
ح - تدارك النّاسي للتّكبير في صلاة العيد :
16 - إذا نسي تكبيرات صلاة العيد حتّى شرع في القراءة ، فاتت فلا يتداركها في الرّكعة نفسها ، لأنّها سنّة فات محلّها ، كما لو نسي الاستفتاح أو التّعوّذ ، وهذا قول الشّافعيّة والحنابلة . ولأنّه إن أتى بالتّكبيرات ثمّ عاد إلى القراءة ، فقد ألغى القراءة الأولى ، وهي فرض يصحّ أن يعتدّ به ، وإن لم يعد إلى القراءة فقد حصلت التّكبيرات في غير محلّها .
لكن عند الشّافعيّة - كما قال الشبراملسي - يسنّ إذا نسي تكبيرات الرّكعة الأولى أن يتداركها في الرّكعة الثّانية مع تكبيراتها ، كما في قراءة سورة ( الجمعة ) في الرّكعة الأولى من صلاة الجمعة ، فإنّه إذا تركها فيها سنّ له أن يقرأها مع سورة ( المنافقون ) في الرّكعة الثّانية . وعند الحنفيّة : يتدارك التّكبيرات إذا نسيها ، سواء أذكرها أثناء القراءة أم بعد القراءة أثناء الرّكوع . فإن نسيها حتّى رفع رأسه من الرّكوع فاتت فلا يكبّر .
غير أنّه إن ذكر أثناء قراءة الفاتحة وبعدها ، قبل أن يضمّ إليها السّورة ، يعيد بعد التّكبير قراءة الفاتحة وجوباً ، وإن ذكر بعد ضمّ السّورة كبّر ولم يعد القراءة ، لأنّ القراءة تمّت فلا يحتمل النّقض . وقول المالكيّة في هذه المسألة قريب من قول الحنفيّة ، فإنّهم يقولون : إنّ ناسي التّكبير كلّاً أو بعضاً يكبّر حيث تذكّر في أثناء القراءة أو بعدها ما لم يركع . ويعيد القراءة استحباباً ، ويسجد للسّهو ، لأنّ القراءة الأولى وقعت في غير محلّها . فإن ركع قبل أن يتذكّر التّكبير تمادى لفوات محلّ التّدارك ، ولا يرجع للتّكبير ، فإن رجع فالظّاهر البطلان.
خ - تدارك المسبوق تكبيرات صلاة العيد :
17 - عند الحنفيّة يتدارك المسبوق ما فاته من تكبيرات صلاة العيد ، فيكبّر للافتتاح قائماً ، فإن أمكنه أن يأتي بالتّكبيرات ويدرك الرّكوع فعل ، وإن لم يمكنه ركع ، واشتغل بالتّكبيرات وهو راكع عند أبي حنيفة ومحمّد ، خلافاً لأبي يوسف ، وإن رفع الإمام رأسه سقط عنه ما بقي من التّكبير ، وإن أدركه بعد رفع رأسه قائماً لا يأتي بالتّكبير ، لأنّه يقضي الرّكعة مع تكبيراتها . وعند المالكيّة : يتداركها إن أدرك القراءة مع الإمام ، لا إذا أدركه راكعاً . ثمّ إن أدركه في أثناء التّكبيرات يتابع الإمام فيما أدركه معه ، ثمّ يأتي بما فاته .
ولا يكبّر ما فاته خلال تكبير الإمام . وإن أدركه في القراءة كبّر أثناء قراءة الإمام .
وعند الشّافعيّة في الجديد ، والحنابلة : إن حضر المأموم ، وقد سبقه الإمام بالتّكبيرات أو ببعضها ، لم يتدارك شيئاً ممّا فاته ، لأنّه ذكر مسنون فات محلّه .
وفي القديم عند الشّافعيّة يقضي ،لأنّ محلّه القيام وقد أدركه . قال الشّيرازيّ : وليس بشيء.
التّدارك في الحجّ :
أ - التّدارك في الإحرام :
18 - إن تجاوز الّذي يريد الحجّ الميقات دون أن يحرم ، فعليه دم إن أحرم من مكانه .
لكن إن تدارك ما فاته بالرّجوع إلى الميقات والإحرام منه فلا دم عليه .
وهذا باتّفاق إن رجع قبل أن يحرم ، أمّا إن أحرم من مكانه دون الميقات ، ثمّ رجع إليه ، فقد قيل : يستقرّ الدّم عليه ولا ينفعه التّدارك . وقيل : ينفعه .
وفي ذلك تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلح ( إحرام ) .
ب - التّدارك في الطّواف :
19 - إن ترك جزءاً من الطّواف المشروع ، كما لو طاف داخل الحِجْر بعض طوافه ، لم يصحّ حتّى يأتي بما تركه ، قال الحنابلة وبعض الشّافعيّة : في وقت قريب ، لاشتراط الموالاة بين الطّوافات .
ولم يشترط البعض الموالاة ، وممّن قال ذلك : سائر الشّافعيّة ، بل هو عندهم مستحبّ . ونصّ الشّافعيّة على أنّه إن شكّ في شيء من شروط حجّه يجب التّدارك ما لم يتحلّل ، ولا يؤثّر الشّكّ بعد الفراغ .
وعند الحنفيّة غير ابن الهمام : الفرض في الطّواف أكثره - وهو أربع طوفات - وما زاد واجب ، أمّا عند ابن الهمام فالسّبع كلّها فرض ، كقول جمهور الفقهاء . وعلى قول جمهور الحنفيّة إن ترك ثلاث طوفات من طواف الزّيارة أو أقلّ صحّ طوافه لفرضه ، وعليه دم لما نقص من الواجب . لكن إن تدارك فطاف الأشواط الباقية صحّ وسقط عنه الدّم ، ولو كان طوافه بعد فترة ، بشرط أن يكون إيقاع الطّوفات المتمّمة قبل آخر أيّام التّشريق .
وإن ترك الحاجّ طواف القدوم ، أو تبيّن أنّه طاف للقدوم على غير طهارة ، فلا يلزمه التّدارك عند الجمهور ، لأنّه مستحبّ غير واجب بالنّسبة للمفرد ، قال الشّافعيّة : وفي فواته بالتّأخير - أي عن قدوم مكّة - وجهان ، أصحّهما : لا يفوت إلاّ بالوقوف بعرفة ، وإذا فات فلا يقضى . على أنّه ينبغي ملاحظة أنّ من ترك طواف القدوم ، أو طافه ولم يصحّ له ، كأن طافه محدثاً ولم يتداركه ، فعليه إعادة السّعي عند كلّ من شرط لصحّة السّعي أن يتقدّمه الطّواف ، وقد صرّح بذلك المالكيّة ( ر : سعي ) .
وقال الحنفيّة : إن طاف للقدوم ، أو تطوّعاً على غير طهارة ، فعليه دم إن كان جنباً ، لوجوب الطّواف بالشّروع فيه ، وإن كان محدثاً فعليه صدقة لا غير . ويمكنه التّدارك بإعادة الطّواف ، فيسقط عنه الدّم أو الصّدقة . والحكم عند الحنفيّة كذلك في طواف الوداع . أمّا الرّمل والاضطباع في الطّواف فهما سنّتان في حقّ الرّجال ، في الأشواط الثّلاثة الأولى من طواف القدوم خاصّةً ، فلو تركهما فلا شيء عليه ، ولا يشرع له تداركهما ، ومثلهما ترك الرّمل بين الميلين ( الأخضرين ) في السّعي بين الصّفا والمروة . وهذا مذهب الحنابلة ، وهو الأصحّ أو الأظهر عند الشّافعيّة ، وهو ظاهر كلام الحنفيّة ، قال ابن الهمام : إن ترك الرّمل في أشواط الطّواف الأولى لا يرمل بعد ذلك . وقال المالكيّة ، وهو قول خلاف الأظهر عند الشّافعيّة ، وقول القاضي من الحنابلة : أنّه يقضي الاضطباع في طواف الإفاضة .
ت - التّدارك في السّعي :
20 - الحاجّ المفرد إن لم يسع بعد طواف القدوم وجب عليه تدارك السّعي ، فيسعى بعد طواف الإفاضة ولا بدّ ، وإلاّ لم يصحّ حجّه عند الجمهور ، لأنّ السّعي عندهم ركن .
وهو عند الحنفيّة ، وفي قول القاضي من الحنابلة : واجب فقط ، فإن لم يتداركه يجبر بدم وحجّه تامّ . وهذا إن كان المتروك السّعي كلّه أو أكثره ، فإن كان المتروك ثلاثة أشواط أو أقلّ فليس عليه عند الحنفيّة إلاّ التّصدّق بنصف صاع عن كلّ شوط ، وكلّ هذا عندهم إن كان التّرك بلا عذر ، فإن كان بعذر فلا شيء عليه ، وهذا في جميع واجبات الحجّ .
ولو سعى بين الصّفا والمروة فترك بعض الأشواط عمداً أو نسياناً ، أو ترك في بعضها أن يصل إلى الصّفا أو إلى المروة لم يصحّ سعيه ، ولو كان ما تركه ذراعاً واحداً ، وعليه أن يتدارك ما فاته ، ويمكن التّدارك بالإتيان بالبعض الّذي تركه ولو بعد أيّام .
ولا يلزمه إعادة السّعي كلّه ، لأنّ الموالاة غير مشترطة فيه بخلاف الطّواف بالبيت .
وقيل : هي مشترطة في السّعي أيضاً ، وهو أحد قولي الشّافعيّة .
ومثل ذلك : ما لو سعى مبتدئاً بالمروة ، فإنّ الشّوط الأوّل لا يعتبر ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ قول اللّه تعالى : { إنَّ الصَّفَا والمروةَ منْ شعائرِ اللّهِ } الآية ثمّ قال : نبدأ بما بدأ اللّه به » وفي رواية « ابدءوا بما بدأ اللّه به » .
ث - الخطأ في الوقوف :
21 - إذا وقف الحجيج يوم العاشر من شهر ذي الحجّة ، وتبيّن خطؤهم ، فالحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة أنّه أجزأهم الوقوف ولا يعيدون ، دفعاً للحرج الشّديد ، وقال الشّافعيّة : إنّه يجزئهم الوقوف إلاّ أن يقلّوا على خلاف العادة في الحجيج ، فيقضون هذا الحجّ في الأصحّ ، لأنّه ليس في قضائهم مشقّة عامّة .
أمّا إذا وقفوا في اليوم الثّامن ، ثمّ علموا بخطئهم ، وأمكنهم التّدارك قبل الفوات ، أعادوا عند الجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رواية أيضاً عند الحنابلة ) والرّواية الأخرى عند الحنابلة أنّه يجزئهم الوقوف دون تدارك ، لأنّهم لو أعادوا الوقوف لتعدّد ، وهو بدعة ، كما قال الشّيخ ابن تيميّة .
أمّا لو علموا بخطئهم ، بحيث لا يمكنهم التّدارك ، للفوات ، فالحكم في المعتمد عند المالكيّة ، والأصحّ عند الشّافعيّة : أنّه لا يجزئهم هذا الوقوف ، ويجب عليهم القضاء لهذا الحجّ . وفرّقوا بين تأخير العبادة عن وقتها وتقديمها عليه بأنّ التّأخير أقرب إلى الاحتساب من التّقديم ، وبأنّ اللّفظ في التّقديم يمكن الاحتراز عنه ، لأنّه يقع الغلط في الحساب ، أو الخلل في الشّهود الّذين شهدوا بتقديم الهلال ، والغلط بالتّأخير قد يكون بالغيم المانع من رؤية الهلال ، ومثل ذلك لا يمكن الاحتراز عنه . وهذا أحد التّخريجين عن الحنفيّة .
وعند الحنابلة ، وهو التّخريج الآخر عند الحنفيّة : أنّه يجزئهم ، ولا قضاء عليهم ، لأنّ الوقوف مرّتين في عام واحد بدعة - كما يقول الحنابلة - ولأنّ القول بعدم الإجزاء فيه حرج بيّن - كما يقول الحنفيّة - .
ج - التّدارك في وقوف عرفة :
22 - لو ترك الحاجّ الوقوف بعرفة عمداً أو نسياناً أو جهلاً حتّى طلع فجر يوم النّحر لم يصحّ حجّه ، فلا يمكن التّدارك بعد ذلك ، وعليه أن يحلّ بعمرة .
ولو وقف نهاراً ، ثمّ دفع قبل الغروب ، فقد أتى بالرّكن ، وترك واجب الوقوف في جزء من اللّيل ، فيكون عليه دم وجوباً عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو قول عند الشّافعيّة .
لكنّ الرّاجح عند الشّافعيّة استحباب إراقة الدّم ، لأنّ أخذ جزء من اللّيل على هذا القول سنّة لا غير ، وإنّما يستحبّ الدّم خروجاً من خلاف من أوجبه .
ولو تدارك ما فاته بالرّجوع إلى عرفة قبل غروب الشّمس ، وبقي إلى ما بعد الغروب سقط عنه الدّم اتّفاقاً . ولو رجع بعد الغروب وقبل طلوع الفجر سقط عنه الدّم عند الجمهور ، خلافاً للحنفيّة ، لأنّ الدّم عندهم لزمه بالدّفع من عرفة ، فلا يسقط بالرّجوع إليها .
أمّا عند المالكيّة فلا يدفع الحاجّ من عرفة إلاّ بعد غروب الشّمس ، فإن دفع قبل الغروب فعليه العود ليلاً ( تداركاً ) وإلاّ بطل حجّه .
ح - تدارك الوقوف بالمزدلفة :
23 - عند الشّافعيّة والحنابلة الوجود بمزدلفة واجب ولو لحظةً ، بشرط أن يكون ذلك في النّصف الثّاني من اللّيل بعد الوقوف بعرفة ، ولا يشترط المكث ، بل يكفي مجرّد المرور بها. ومن دفع من مزدلفة قبل منتصف اللّيل ، وعاد إليها قبل الفجر فلا شيء عليه ، لأنّه أتى بالواجب ، فإن لم يعد بعد نصف اللّيل حتّى طلع الفجر فعليه دم على الأرجح .
أمّا عند الحنفيّة : فيجب الوقوف بمزدلفة بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس ، وعليه أن يقف في ذلك الوقت ولو لحظةً ، فإن ترك الوقوف لعذر فلا شيء عليه ، والعذر كأن يكون به ضعف أو علّة أو كانت امرأة تخاف الزّحام ، وإن أفاض من مزدلفة قبل ذلك لا لعذر فعليه دم . وظاهر أنّه إن تدارك الوقوف بالرّجوع إلى مزدلفة قبل طلوع الشّمس سقط عنه الدّم . وعند المالكيّة : النّزول بمزدلفة بقدر حطّ الرّحال - وإن لم تحطّ بالفعل - واجب ، فإن لم ينزل بها بقدر حطّ الرّحال حتّى طلع الفجر فالدّم واجب عليه إلاّ لعذر ، فإن ترك النّزول لعذر فلا شيء عليه .
خ - تدارك رمي الجمار :
24 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من ترك رمي يوم أو يومين - عمداً أو سهواً - تداركه في باقي أيّام التّشريق على الأظهر ، ويكون ذلك أداءً ، وفي قول قضاءً ، ولا دم مع التّدارك . ومذهب الحنفيّة : أنّ من أخّر الرّمي في اليوم الأوّل والثّاني من أيّام التّشريق إلى اللّيل ، فرمى قبل طلوع الفجر جاز ولا شيء عليه ، لأنّ اللّيل وقت للرّمي في أيّام الرّمي . وأمّا رمي جمرة العقبة ، فمذهب أبي حنيفة أنّه يمتدّ إلى غروب الشّمس ، فإن لم يرم حتّى غربت الشّمس ، فرمى قبل طلوع الفجر من اليوم الثّاني أجزأه ، ولا شيء عليه .
ومذهب المالكيّة : أنّ تأخير الرّمي إلى اللّيل يكون تداركه قضاءً ، وعليه دم واحد .
د - تدارك طواف الإفاضة :
25 - مذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة : أنّ من طاف بعد عرفة طوافاً صحيحاً - سواء أكان واجباً أم نفلاً - وقع عن طواف الإفاضة وإن لم ينوه .
أمّا من ترك الطّواف بعد عرفة ، وخرج إلى بلده ، فعليه أن يرجع محرماً ليطوف طواف الإفاضة ، ويبقى محرماً بالنّسبة إلى النّساء حتّى يطوف طوافاً صحيحاً .
وهناك تفصيلات في بعض المذاهب يرجع إليها في الحجّ . ومذهب الحنابلة : أنّه من ترك طواف الإفاضة ، لكنّه طاف طواف الصّدر ( الوداع ) أو طواف نفل ، وقع الطّواف عمّا نواه ، ولا يقع عن طواف الإفاضة ، حتّى لو رجع إلى بلده بعد هذا الطّواف عليه أن يرجع محرماً ، ليطوف طواف الإفاضة لأنّه ركن ، ويبقى محرماً أيضاً بالنّسبة إلى النّساء .
ذ - تدارك طواف الوداع :
26 - طواف الوداع واجب على غير الحائض يجبر تركه بدم ، ولو كان تركه لنسيان أو جهل ، وهذا قول الحنابلة ، وهو أحد قولي الشّافعيّة .
والثّاني عندهم : هو سنّة لا يجب جبره ، فعلى قول الوجوب قال الشّافعيّة والحنابلة : إن خرج بلا وداع وجب عليه الرّجوع لتداركه إن كان قريباً ، أي دون مسافة القصر ، فإن عاد قبل مسافة القصر فطاف للوداع سقط عنه الإثم والدّم ، وإن تجاوز مسافة القصر استقرّ عليه الدّم ، فلو تداركه بعدها لم يسقط الدّم ، وقيل : يسقط .
وعند الحنفيّة : طواف الوداع واجب ، ويجزئ عنه ما لو طاف نفلاً بعد إرادة السّفر ، فإن سافر ولم يكن فعل ذلك وجب عليه الرّجوع لتداركه ما لم يجاوز الميقات ، فيخيّر بين إراقة الدّم وبين الرّجوع بإحرام جديد بعمرة ، فيبتدئ بطوافها ثمّ بطواف الوداع ، فإن فعل ذلك فلا شيء عليه لتأخيره .
وعند المالكيّة : طواف الوداع مندوب ، فلو تركه وخرج ، أو طافه طوافاً باطلاً يرجع لتداركه ما لم يخف فوت رفقته الّذين يسير بسيرهم ، أو خاف منعاً من الكراء أو نحو ذلك .
تدارك المجنون والمغمى عليه للعبادات :
أوّلاً - بالنّسبة للصّلاة :
27 - لا تدارك لما فات من صلاة حال الجنون أو الإغماء عند المالكيّة والشّافعيّة لعدم الأهليّة وقت الوجوب ، لقول النّبيّ . صلى الله عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاثة : عن النّائمِ حتّى يستيقظَ ، وعن الصّبيّ حتّى يشبّ ، وعن المعتوه حتّى يَعْقِل » .
وعند الحنفيّة إن جنّ أو أغمي عليه خمس صلوات - أو ستّاً على قول محمّد - قضاها ، وإن جنّ أو أغمي عليه أكثر من ذلك فلا قضاء عليه نفياً للحرج ، وقال بشر : الإغماء ليس بمسقط ، ويلزمه القضاء وإن طالت مدّة الإغماء .
وفرّق الحنابلة بين الجنون والإغماء ، فلم يوجبوا القضاء على ما فات حال الجنون ، وأوجبوه فيما فات حال الإغماء ، لأنّ الإغماء لا تطول مدّته غالباً ، ولما روي أنّ عمّاراً رضي الله عنه أغمي عليه ثلاثاً ، ثمّ أفاق فقال : هل صلّيتُ ؟ قالوا : ما صلّيتَ منذ ثلاث ، ثمّ توضّأ وصلّى تلك الثّلاث . وعن عمران بن حصين وسمرة بن جندب رضي الله عنهما نحوه ، ولم يعرف لهم مخالف ، فكان كالإجماع .
28 - ومن أدرك جزءاً من الوقت وهو أهل ثمّ جنّ أو أغمي عليه ، فإن كان ما أدركه لا يسع الفرض فلا يجب عليه القضاء عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة . وعند الحنابلة يجب عليه القضاء . وإن كان ما أدركه يسع الفرض فعند الحنفيّة لا يجب القضاء ، لأنّ الوجوب يتعيّن في آخر الوقت إذا لم يوجد الأداء قبله ، فيستدعي الأهليّة فيه لاستحالة الإيجاب على غير الأهل ، ولم يوجد ، فلم يكن عليه القضاء ، وهو أيضاً رأي المالكيّة خلافاً لبعض أهل المدينة وابن عبد البرّ ، حيث القضاء عندهم أحوط .
وعند الشّافعيّة والحنابلة يجب عليه القضاء ،لأنّ الوجوب يثبت في أوّل الوقت فلزم القضاء. 29 - وإن أفاق المجنون أو المغمى عليه في آخر الوقت فللحنفيّة قولان :
أحدهما ، وهو قول زفر : لا يصبح مدركاً للفرض إلاّ إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكن فيه أداء الفرض .
والثّاني ، للكرخيّ وأكثر المحقّقين ، وهو المختار : أنّه يجب الفرض ويصير مدركاً إذا أدرك من الوقت ما يسع التّحريمة فقط ، وهو قول الحنابلة وبعض الشّافعيّة .
وعند المالكيّة : يجب الفرض إذا بقي من الوقت مقدار ركعة من زمن يسع الطّهر ، وهو قول بعض الشّافعيّة . وفي قول آخر للشّافعيّة : إذا بقي مقدار ركعة فقط .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:15 PM

ثانياً : بالنّسبة للصّوم :
30 - إذا استوعب الجنون شهر رمضان بأكمله فلا قضاء على المجنون سواء ، أكان الجنون أصليّاً أم عارضاً عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لحديث : « رفع القلم عن ثلاث ... » وإذا استوعب الإغماء الشّهر كلّه وجب القضاء على المغمى عليه إلاّ عند الحسن البصريّ ، ودليل وجوب القضاء قوله تعالى : { فمنْ كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فَعِدَّةٌ من أيَّامٍ أُخَر } والإغماء مرض . وعند المالكيّة : يجب القضاء على المجنون بعد إفاقته للآية السّابقة ، والجنون مرض ، وعن الإمام أحمد مثل ذلك بالنّسبة للمجنون .
وإن أفاق المجنون في أيّ يوم من أيّام الشّهر كان عليه قضاء ما مضى من الشّهر استحساناً عند الحنفيّة ، والقياس أنّه لا يلزمه ، وهو قول زفر .
وفرّق محمّد فقال : لا قضاء لما فات في الجنون الأصليّ ، ويجب القضاء إذا كان الجنون عارضاً . وعند الشّافعيّة والحنابلة لا قضاء لما فات زمن الجنون للحديث المتقدّم - ويجب القضاء عند المالكيّة . ويجب القضاء على المغمى عليه لما فات عند الجميع .
31 - أمّا اليوم الّذي جنّ أو أغمي عليه فيه ، فإنّه يعتبر مدركاً لصيام هذا اليوم إن كان نوى الصّيام من اللّيل ، ولا قضاء عليه ، وهذا عند الحنفيّة .
وعند المالكيّة : إن جنّ أو أغمي عليه بعد الفجر ، واستمرّ الجنون أو الإغماء أكثر اليوم فعليه القضاء ، وإن كان بعد الفجر ولم يستمرّ نصف يوم فأقلّ أجزأه ، ولا قضاء عليه . وإن كان الإغماء أو الجنون مع الفجر أو قبله فالقضاء مطلقاً ، لزوال العقل وقت النّيّة . وعند الشّافعيّة في الأظهر ، وهو قول الحنابلة : أنّ الإغماء لا يضرّ صومه إذا أفاق لحظةً من نهار ، أيّ لحظة كانت ، اكتفاءً بالنّيّة مع الإفاقة في جزء .
والثّاني للشّافعيّة : يضرّ مطلقاً ، والثّالث : لا يضرّ إذا أفاق أوّل النّهار .
وإن نوى الصّوم ثمّ جنّ ففيه قولان : في الجديد يبطل الصّوم ، لأنّه عارض يسقط فرض الصّلاة فأبطل الصّوم ، وقال في القديم : هو كالإغماء . وعند الحنابلة : الجنون كالإغماء يجزئ صومه إذا كان مفيقاً في أيّ لحظة منه مع تبييت النّيّة .
32 - أمّا اليوم الّذي تحدث فيه الإفاقة من الجنون أو الإغماء ، فعند الحنفيّة : أن المجنون جنوناً عارضاً لو أفاق في النّهار قبل الزّوال ، فنوى الصّوم أجزأه . وفي الجنون الأصليّ خلاف ، ويجزئ في الإغماء بلا خلاف .
وعند المالكيّة : إن أفاق قبل الفجر أجزأ ذلك اليوم عن الصّيام بالنّسبة للمجنون والمغمى عليه ، وإن كانت الإفاقة بعد الفجر فهو على التّفصيل السّابق .
وعند الشّافعيّة : إن أفاق المجنون في النّهار فعلى الأصحّ لا قضاء عليه ، ويستحبّ له الإمساك ، وهذا في وجه . وفي الوجه الثّاني : يجب القضاء ، أمّا المغمى عليه فإذا أفاق أجزأه . وعند الحنابلة في قضاء اليوم الّذي أفاق فيه المجنون وإمساكه روايتان ، أمّا المغمى عليه فيصحّ صومه إن أفاق في جزء من النّهار .
ثالثاً : بالنّسبة للحجّ :
33 - من أحرم بالحجّ ، وطرأ عليه جنون أو إغماء ثمّ أفاق منه قبل الوقوف بعرفة ، ووقف ، أجزأه الحجّ باتّفاق . وكذلك من لم يحرم بالحجّ لجنون أو إغماء ، ولكنّه أفاق من قبل الوقوف ، وأحرم ووقف بعرفة أجزأه ، على تفصيل في وجوب الجزاء عليه .
ومثل ذلك أيضاً المجنون الّذي أحرم عنه وليّه ، أو المغمى عليه - عند من يقول بجواز الإحرام عنه كالحنفيّة وبعض الشّافعيّة - إذا أفاقا قبل الوقوف ووقفا أجزأهما الحجّ ، ومن وقف بعرفة وهو مجنون أو مغمًى عليه بعد أن أحرم وهو مفيق ، أو أحرم وليّه عنه فعند المالكيّة وبعض الشّافعيّة : كان حجّهما صحيحاً ، مع الاختلاف بين وقوعه فرضاً أو نفلاً . وعند الحنفيّة كان حجّ المغمى عليه صحيحاً ، وفي المجنون خلاف .
وينظر تفصيل جميع ما مرّ في العبادات في : ( صلاة ، صوم ، حجّ ، جنون ، إغماء ) .
تدارك المريض العاجز عن الإيماء :
34 - من عجز عن الإيماء في الصّلاة برأسه لركوعه وسجوده أومأ بطرفه ( عينه ) ونوى بقلبه ، لحديث عليّ رضي الله عنه : « يصلّي المريض قائماً ، فإن لم يستطع صلّى جالساً ، فإن لم يستطع صلّى على جنبه مستقبل القبلة ، فإن لم يستطع صلّى مستلقياً على قفاه ، ورجلاه إلى القبلة ، وأومأ بطرفه » . وهذا متّفق عليه بين الفقهاء . فإن عجز عن الإيماء بطرفه أومأ بأصبعه ، فإن لم يستطع أتى بالصّلاة بقدر ما يطيق ولو بنيّة أفعالها ، ولا تسقط عنه أبداً ما دام معه شيء من عقل ، ويأتي بالصّلاة بأن يقصد الصّلاة بقلبه مستحضراً الأفعال والأقوال إن عجز عن النّطق ، لقوله تعالى : { لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسَاً إلاّ وسْعَها } .
وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة .
وعند الحنفيّة غير زفر : الإيماء يكون بالرّأس فقط ولا يكون بعينيه أو جبينه أو قلبه ، لأنّ فرض السّجود لا يتأتّى بهذه الأشياء ، بخلاف الرّأس لأنّه يتأدّى به فرض السّجود ، فمن عجز عن الإيماء برأسه أخّر الصّلاة ، وإن مات على ذلك الحال لا شيء عليه ، وإن برأ فالصّحيح أنّه يلزمه قضاء يوم وليلة لا غير نفياً للحرج .
تدارك النّاسي والسّاهي :
35 - النّسيان أو السّهو إن وقع في ترك مأمور لم يسقط ، بل يجب تداركه . فمن نسي صلاةً أو صوماً أو زكاةً أو كفّارةً أو نذراً وجب عليه الأداء إن أمكن ، أو أن يتداركه بالقضاء بلا خلاف ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مَنْ نسي صلاةً أو نام عنها ، فكفّارتُها أن يصلّيها إذا ذَكَرَها » .
وتكون الصّلاة أداءً إذا أدّى منها ركعةً في الوقت ، أو التّحريمة على الخلاف في ذلك .
وإذا فات الوقت تداركها بالقضاء . وينظر تفصيل ذلك في : ( صلاة ، صوم ، زكاة ) .
تدارك من أفسد عبادةً شرع فيها من صلاةٍ أو صومٍ أو حجٍ :
36 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من أفسد عبادة مفروضة وجب عليه أداؤها إن كان وقتها يسعها كالصّلاة ، أو القضاء إن خرج الوقت أو كان لا يسعها كالصّلاة إن خرج الوقت ، وكالصِّيام والحجّ لعدم اتساع الوقت .
أما التطوع بالعبادة فإنها تلزم بالشّروع فيه عند الحنفية والمالكية ، ويجب إتمامها ، وعند الشافعية والحنابلة : لا تجب بالشّروع ، ويستحب الإتمام فيما عدا الحجّ والعمرة فيلزمان بالشّروع ، ويجب إتمامهما ، وعلى ذلك فمن دخل في عبادة تطوّع وأفسدها وجب عليه قضاؤها عند الحنفية والمالكية لقوله تعالى : { ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم } .
ولا يجب القضاء عند الشافعية والحنابلة في غير الحجّ والعمرة لما روت « عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل عندك شيء ؟ فقلت : لا ، فقال : إنّي إذاً أصوم ، ثم دخل عليَّ يوماً آخر فقال : هل عندك شيء ؟ فقلت : نعم ، فقال : إذاً أفطر ، وإن كنت قد فرضت الصوم » .
أما الحجّ والعمرة فيجب قضاؤهما إذا أفسدهما ، لأن الوصول إليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة ، ولهذا يجبان بالشّروع .
تدارك المرتدّ لما فاته :
37 - ما فات المرتدّ من العبادات أيّام الرّدّة لا يجب عليه قضاؤه ، إذا تاب ورجع إلى الإسلام ، لأنّه غير مخاطب بفروع الشّريعة ، ولقوله تعالى : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَد سَلَف } ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الإسلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَه » . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وعند الشّافعيّة يجب عليه قضاء ما فاته أيّام ردّته من عبادات ، لأنّ المرتدّ كان مقرّاً بإسلامه ولأنّه لا يستحقّ التّخفيف .
38 - وما فاته أيّام إسلامه من عبادات قبل ردّته وحال إسلامه ، يجب عليه قضاؤه بعد توبته من الرّدّة ، لاستقرار هذه العبادات عليه حال إسلامه ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وعند المالكيّة : لا يطالب بما فاته قبل ردّته ، فالرّدّة تسقط ما كان عليه من صلاة وصيام إلاّ الحجّ الّذي تقدّم منه ، فإنّه لا يبطل ، ويجب عليه إعادته إذا أسلم ، لبقاء وقته وهو العمر .
39 - وإذا رجع المرتدّ إلى الإسلام وأدرك وقت صلاة ، أو أدرك جزءاً من رمضان وجب عليه أداؤه .

تداوي *
التّعريف :
1 - التّداوي لغةً : مصدر تداوى أي : تعاطى الدّواء ، وأصله دوي يدوي دوى أي مرض ، وأدوى فلاناً يدويه بمعنى : أمرضه ، وبمعنى : عالجه أيضاً ، فهي من الأضداد ، ويداوي : أي يعالج ، ويداوي بالشّيء أي : يعالج به ، وتداوى بالشّيء : تعالج به ، والدِّواء والدَّواء والدُّواء : ما داويته به .
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن هذا المعنى ، كما تدلّ على ذلك عباراتهم .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّطبيب :
2 - التّطبيب لغةً : المداواة والعلاج ، يقال : طبّ فلان فلاناً أي : داواه ، وجاء يستطبّ لوجعه : أي يستوصف الأدوية أيّها يصلح لدائه .
والطّبّ : علاج الجسم والنّفس ، فالتّطبيب مرادف للمداواة .
ب - التّمريض :
3 - التّمريض مصدر مرّض ، وهو التّكفّل بالمداواة . يقال : مرّضه تمريضاً : إذا قام عليه ووليه في مرضه وداواه ليزول مرضه ،وقال بعضهم : التّمريض حسن القيام على المريض.
ج - الإسعاف :
4 - الإسعاف في اللّغة : الإعانة والمعالجة بالمداواة ، ويكون الإسعاف في حال المرض وغيره ، فهو أعمّ من التّداوي ، لأنّه لا يكون إلاّ في حال المرض .
حكمه التّكليفيّ :
5 - التّداوي مشروع من حيث الجملة ، لما روى أبو الدّرداء رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه أنزل الدّاءَ والدّواءَ ، وجعل لكلّ داءٍ دواءً ، فتداووا ، ولا تتداووا بالحرام » ، ولحديث أسامة بن شريك رضي الله عنه قال : « قالت الأعراب يا رسول اللّه ألا نتداوى ؟ قال : نعم عباد اللّه تداووا ، فإنّ اللّه لم يضع داءً إلاّ وضع له شفاءً إلاّ داءً واحداً . قالوا : يا رسول اللّه وما هو ؟ قال : الهرم » .
وعن جابر رضي الله عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الرّقى ، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا : يا رسول اللّه إنّه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب : فإنّك نهيت عن الرّقى فعرضوها عليه ، فقال : ما أرى بها بأساً ، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلْيفعل » . وقال صلى الله عليه وسلم : « لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك » ولما ثبت من فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه تداوى ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أنّ « عروة كان يقول لعائشة : يا أمَّتاه ، لا أعجب من فقهك ، أقول : زوجة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وابنة أبي بكر ، ولا أعجب من علمك بالشّعر وأيّام النّاس ، أقول : ابنة أبي بكر ، وكان أعلم النّاس أو من أعلم النّاس ، ولكن أعجب من علمك بالطّبّ ، كيف هو ؟ ومن أين هو ؟ قال : فضربت على منكبيه ، وقالت : أيْ عريّة ؟ إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره ، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كلّ وجه ، فكانت تنعت له الأنعات ، وكنت أعالجها له ، فمن ثَمَّ عَلِمْتُ » . وفي رواية : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كثرت أسقامه ، فكان يقدم عليه أطبّاء العرب والعجم ، فيصفون له فنعالجه » . وقال الرّبيع : سمعت الشّافعيّ يقول :" العلم علمان : علم الأديان وعلم الأبدان ".
6- وقد ذهب جمهور العلماء - الحنفيّة والمالكيّة - إلى أنّ التّداوي مباح ، غير أنّ عبارة المالكيّة : لا بأس بالتّداوي .
وذهب الشّافعيّة ، والقاضي وابن عقيل وابن الجوزيّ من الحنابلة إلى استحبابه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه أنزل الدّاء والدّواء ، وجعل لكلّ داء دواءً فتداووا ، ولا تتداووا بالحرام » . وغير ذلك من الأحاديث الواردة ، والّتي فيها الأمر بالتّداوي . قالوا : واحتجام النّبيّ صلى الله عليه وسلم وتداويه دليل على مشروعيّة التّداوي . ومحلّ الاستحباب عند الشّافعيّة عند عدم القطع بإفادته . أمّا لو قطع بإفادته كعصب محلّ الفصد فإنّه واجب . ومذهب جمهور الحنابلة : أنّ تركه أفضل ، ونصّ عليه أحمد ، قالوا : لأنّه أقرب إلى التّوكّل . قال ابن القيّم : في الأحاديث الصّحيحة الأمر بالتّداوي ، وأنّه لا ينافي التّوكّل ، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحرّ والبرد بأضدادها ، بل لا تتمّ حقيقة التّوحيد إلاّ بمباشرة الأسباب الّتي نصبها اللّه مقتضيات لمسبّباتها قدراً وشرعاً ، وأنّ تعطيلها يقدح في نفس التّوكّل ، كما يقدح في الأمر والحكمة ، ويضعفه من حيث يظنّ معطّلها أنّ تركها أقوى في التّوكّل ، فإنّ تركها عجز ينافي التّوكّل الّذي حقيقته اعتماد القلب على اللّه في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ، ودفع ما يضرّه في دينه ودنياه ، ولا بدّ مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ، وإلاّ كان معطّلاً للحكمة والشّرع ، فلا يجعل العبد عجزه توكّلاً ، ولا توكّله عجزاً .
أنواع التّداوي :
7 - التّداوي قد يكون بالفعل أو بالتّرك ، فالتّداوي بالفعل : يكون بتناول الأغذية الملائمة لحال المريض ، وتعاطي الأدوية والعقاقير ، ويكون بالفصد والكيّ والحجامة وغيرها من العمليّات الجراحيّة . فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً « الشّفاء في ثلاثة : في شَرْطَةِ مِحْجَم ، أو شَرْبةِ عسل ، أو كَيَّةٍ بنار ، وأنهى أُمّتي عن الكيّ » وفي رواية « وما أحبّ أن أكتوي » . وعن ابن عبّاس مرفوعاً « خير ما تداويتم به السّعوط ، واللّدود ، والحجامة ، والمشي » وإنّما كره الرّسول صلى الله عليه وسلم الكيّ لما فيه من الألم الشّديد والخطر العظيم ، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها " آخر الدّواء الكيّ " وقد « كوى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وغيره » ، واكتوى غير واحد من الصّحابة ، فدلّ على أنّ المراد بالنّهي ليس المنع ، وإنّما المراد منه التّنفير عن الكيّ إذا قام غيره مقامه . قال ابن حجر في الفتح : ولم يرد النّبيّ صلى الله عليه وسلم الحصر في الثّلاثة ، فإنّ الشّفاء قد يكون في غيرها ، وإنّما نبّه بها على أصول العلاج . وأمّا التّداوي بالتّرك : فيكون بالحمية ، وذلك بالامتناع عن كلّ ما يزيد المرض أو يجلبه إليه ، سواء كان بالامتناع عن أطعمة وأشربة معيّنة ، أو الامتناع عن الدّواء نفسه إذا كان يزيد من حدّة المرض . « لقوله صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه حين أراد أن يأكل من الدّوالي إنّك ناقه » .
التّداوي بالنّجس والمحرّم :
8 - اتّفق الفقهاء على عدم جواز التّداوي بالمحرّم والنّجس من حيث الجملة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » ولقوله صلى الله عليه وسلم :« إنّ اللّه أنزل الدّاء والدّواء ، وجعل لكلّ داء دواءً ، فتداووا ، ولا تتداووا بالحرام» وعن عمر رضي الله عنه أنّه كتب إلى خالد بن الوليد " إنّه بلغني أنّك تدلّك بالخمر ، وإنّ اللّه قد حرّم ظاهر الخمر وباطنها ، وقد حرّم مسّ الخمر كما حرّم شربها ، فلا تمسّوها أجسادكم ، فإنّها نجس " .
وقد عمّم المالكيّة هذا الحكم في كلّ نجس ومحرّم ، سواء أكان خمراً ، أم ميتةً ، أم أيّ شيء حرّمه اللّه تعالى ، وسواء كان التّداوي به عن طريق الشّرب أو طلاء الجسد به ، وسواء كان صرفاً أو مخلوطاً مع دواء جائز ، واستثنوا من ذلك حالةً واحدةً أجازوا التّداوي بهما ، وهي أن يكون التّداوي بالطّلاء ، ويخاف بتركه الموت ، سواء كان الطّلاء نجساً أو محرّماً ، صرفاً أو مختلطاً بدواء جائز .
وأضاف الحنابلة إلى المحرّم والنّجس كلّ مستخبث ، كبول مأكول اللّحم أو غيره ، إلاّ أبوال الإبل فيجوز التّداوي بها ، وذكر غير واحد من الحنابلة أنّ الدّواء المسموم إن غلبت منه السّلامة ، ورجي نفعه ، أبيح شربه لدفع ما هو أعظم منه ، كغيره من الأدوية ، كما أنّه يجوز عندهم التّداوي بالمحرّم والنّجس ، بغير أكل وشرب .
وذهب الحنابلة أيضاً إلى حرمة التّداوي بصوت ملهاة ، كسماع الغناء المحرّم ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : « ولا تتداووا بالحرام » .
وشرط الحنفيّة لجواز التّداوي بالنّجس والمحرّم أن يعلم أنّ فيه شفاءً ، ولا يجد دواءً غيره ، قالوا : وما قيل إنّ الاستشفاء بالحرام حرام غير مجرى على إطلاقه ، وإنّ الاستشفاء بالحرام إنّما لا يجوز إذا لم يعلم أنّ فيه شفاءً ، أمّا إذا علم ، وليس له دواء غيره ، فيجوز . ومعنى قول ابن مسعود رضي الله عنه " لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم يحتمل أن يكون قاله في داء عرف له دواء غير المحرّم ، لأنّه حينئذ يستغني بالحلال عن الحرام ، ويجوز أن يقال تنكشف الحرمة عند الحاجة ، فلا يكون الشّفاء بالحرام ، وإنّما يكون بالحلال .
وقصر الشّافعيّة الحكم على النّجس والمحرّم الصّرف ، فلا يجوز التّداوي بهما ، أمّا إذا كانا مستهلكين مع دواء آخر ، فيجوز التّداوي بهما بشرطين : أن يكون عارفاً بالطّبّ ، حتّى ولو كان فاسقاً في نفسه ، أو إخبار طبيب مسلم عدل ،وأن يتعيّن هذا الدّواء فلا يغني عنه طاهر. وإذا كان التّداوي بالنّجس والمحرّم لتعجيل الشّفاء به ، فقد ذهب الشّافعيّة إلى جوازه بالشّروط المذكورة عندهم ، وللحنفيّة فيه قولان .
التّداوي بلبس الحرير والذّهب :
9 - اتّفق الفقهاء على جواز لبس الحرير للرّجال لحكّة ، لما روى أنس رضي الله عنه
« أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : رخّص لعبد الرّحمن بن عوف والزّبير في القميص الحرير في السّفر من حكّة كانت بهما » . وروى أنس أيضاً : « أنّ عبد الرّحمن بن عوف والزّبير شكيا إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم القمل فأرخص لهما في الحرير ، فرأيته عليهما في غزاة » وجاز للمريض قياساً على الحكّة والقمل . والمشهور عند المالكيّة الحرمة مطلقاً .
ونصّ الحنابلة على جواز لبسه في الثّلاث المذكورة ، ولو لم يؤثّر لبسه في زوالها ، ولكن لا بدّ أن يكون نافعاً في لبسه . وأجاز الحنفيّة عصب الجراحة بالحرير مع الكراهة .
10 - كما اتّفق الفقهاء على جواز اتّخاذ الأنف من الذّهب ، وزاد المالكيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة : السّنّ ، وزاد الشّافعيّة : الأنملة .
كما نصّ المالكيّة والحنابلة : على جواز ربط السّنّ أو الأسنان بالذّهب .
والأصل في ذلك أنّ « عرفجة بن أسعد رضي الله عنه قطع أنفه يوم الكلاب ، فاتّخذ أنفاً من ورق ، فأنتن عليه ، فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاتّخذ أنفاً من ذهب » .
ولما روى الأثرم عن موسى بن طلحة ، وأبي جمرة الضّبعيّ ، وأبي رافع بن ثابت البنانيّ وإسماعيل بن زيد بن ثابت ، والمغيرة بن عبد اللّه ، أنّهم شدّوا أسنانهم بالذّهب .
والسّنّ مقيس على الأنف ، وزاد الشّافعيّة في القياس الأنملة دون الأصبع واليد ، قالوا : والفرق بين الأنملة والأصبع أو اليد أنّها تعمل بخلافهما ، وعندهم وجه أنّه يجوز ، وإنّما قصر الحنفيّة الجواز على الأنف فقط لضرورة نتن الفضّة ، لأنّ المحرّم لا يباح إلاّ لضرورة . قالوا : وقد اندفعت في السّنّ بالفضّة ، فلا حاجة إلى الأعلى ، وهو الذّهب .
تداوي المُحْرِم :
11 - الأصل أنّ المحرم ممنوع من الطّيب ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المحرم الّذي وقصته راحلته فمات : لا تمسّوه طيباً » وفي رواية « لا تحنّطوه » فلمّا منع الميّت من الطّيب لإحرامه فالحيّ أولى ، ومتى تطيّب المحرم فعليه الفدية ، لأنّه استعمل ما حظر عليه بالإحرام ، فوجبت عليه الفدية كاللّباس .
ولم يستثن الفقهاء من هذا الأصل ما لو تداوى المحرم بالطّيب ، أو بما له رائحة طيّبة ، وأوجبوا عليه الفدية ، غير أنّ الحنفيّة خصّوا الحكم بالطّيب بنفسه كالمسك والعنبر والكافور ونحوها ، وأمّا الزّيت والخلّ ممّا فيهما رائحة طيّبة بسبب ما يلقى فيهما من الأنوار كالورد والبنفسج فلا يجب عليه شيء إن تداوى بها .
قال ابن الهمام : وإن داوى قرحةً بدواء فيه طيب ، ثمّ خرجت قرحة أخرى فداواها مع الأولى ، فليس عليه إلاّ كفّارة واحدة ما لم تبرأ الأولى ، ولا فرق بين قصده وعدمه .
وعن أبي يوسف رحمه الله أنّه إذا خضّب ( أي المحرم ) رأسه بالوسمة لأجل المعالجة من الصّداع ، فعليه الجزاء باعتبار أنّه يغلّف رأسه ، قال ابن الهمام : هذا صحيح أي فينبغي أن لا يكون فيه خلاف ، لأنّ التّغطية موجبة بالاتّفاق ، غير أنّها للعلاج ، فلهذا ذكر الجزاء ولم يذكر الدّم . وعن أبي حنيفة : فيه صدقة ، لأنّه يليّن الشّعر ويقتل الهوامّ ، فإن استعمل زيتاً مطيّباً كالبنفسج والزّنبق وما أشبههما كدهن البان والورد ، فيجب باستعماله الدّم بالاتّفاق ، لأنّه طيب ، وهذا إذا استعمله على وجه التّطيّب ، ولو داوى به جرحه أو شقوق رجليه فلا كفّارة عليه ، لأنّه ليس بطيب في نفسه ، إنّما هو أصل الطّيب ، أو طيب من وجه ، فيشترط استعماله على وجه التّطيّب ، بخلاف ما إذا تداوى بالمسك وما أشبهه ، لأنّه طيب بنفسه ، فيجب الدّم باستعماله وإن كان على وجه التّداوي .
وفي حاشية الدّسوقيّ : أنّ الجسد وباطن الكفّ والرّجل يحرم دهن كلّ واحد منها كلاً أو بعضاً ، إن كان لغير علّة ، وإلاّ فلا حرمة . وأمّا الفدية فإن كان الدّهن مطيّباً افتدى مطلقاً كان الإدهان لعلّة أو لا . وإن كان غير مطيّب ، فإن كان لغير علّة افتدى أيضاً ، وإن كان لعلّة فقولان . وفي الكحل إذا كان فيه طيب حرم استعماله على المحرم رجلاً كان أو امرأةً إذا كان استعماله لغير ضرورة كالزّينة ، ولا حرمة إذا استعمله لضرورة حرّ ونحوه ، والفدية لازمة لمستعمله مطلقاً استعمله لضرورة أو لغيرها .
وإن كان الكحل لا طيب فيه فلا فدية مع الضّرورة ، وافتدى في غيرها .
وفي الإقناع للشّربينيّ الشّافعيّ : أنّ استعمال الطّيب حرام على المحرم سواء أكان ذكراً أم غيره ، ولو أخشم بما يقصد منه رائحته غالباً ولو مع غيره كالمسك والعود والكافور والورس والزّعفران ، وإن كان يطلب للصّبغ والتّداوي أيضاً ، سواء أكان ذلك في ملبوسه كثوبه أم في بدنه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « ولا تلبسوا من الثّياب ما مسّه وَرْس أو زعفران » سواء كان ذلك بأكل أم استعاط أم احتقان ، فيجب مع التّحريم في ذلك الفدية .
ولو استهلك الطّيب في المخالط له بأن لم يبق ريح ولا طعم ولا لون ، كأن استعمل في دواء ، جاز استعماله وأكله ولا فدية . وما يقصد به الأكل أو التّداوي لا يحرم ولا فدية فيه وإن كان له ريح طيّبة ، كالتّفّاح والسّنبل وسائر الأبازير الطّيّبة كالمصطكى ، لأنّ ما يقصد منه الأكل أو التّداوي لا فدية فيه . وفي المغني لابن قدامة حرمة التّداوي بما له ريح طيّبة للمحرم . أمّا ما لا طيب فيه كالزّيت والشّيرج والسّمن والشّحم ودهن البان فنقل الأثرم عن أحمد أنّه سئل عن المحرم يدهن بالزّيت والشّيرج فقال : نعم يدهن به إذا احتاج إليه ، ويتداوى المحرم بما يأكل . وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه صدع وهو محرم فقالوا : ألا ندهنك بالسّمن ؟ فقال : لا . قالوا : أليس تأكله ؟ قال : ليس أكله كالإدهان به . وعن مجاهد قال : إن تداوى به فعليه الكفّارة .
أثر التّداوي في الضّمان :
12 - ذهب الحنابلة إلى أنّ المجنيّ عليه إذا لم يداو جرحه ومات كان على الجاني الضّمان ، لأنّ التّداوي ليس بواجب ولا مستحبّ ، فتركه ليس بقاتل .
وفرّق الشّافعيّة بين علاج الجرح المهلك وغيره ، فإن ترك المجنيّ عليه علاج الجرح المهلك ومات ، فعلى الجاني الضّمان ، لأنّ البرء لا يوثق به وإن عالج ، وأمّا إذا كان الجرح غير مهلك فلا ضمان على الجاني .
التّداوي بالرّقى والتّمائم :
13 - أجمع الفقهاء على جواز التّداوي بالرّقى عند اجتماع ثلاثة شروط : أن يكون بكلام اللّه تعالى أو بأسمائه وصفاته ، وباللّسان العربيّ أو بما يعرف معناه من غيره ، وأن يعتقد أنّ الرّقية لا تؤثّر بذاتها بل بإذن اللّه تعالى . فعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال : « كنّا نرقي في الجاهليّة فقلنا : يا رسول اللّه كيف ترى في ذلك ؟ فقال : اعرضوا عليّ رقاكم ، لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك » وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدّي إلى الشّرك فيمنع احتياطاً . وقال قوم : لا تجوز الرّقية إلاّ من العين واللّدغة لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه « لا رقية إلاّ من عين أو حمّة » وأجيب بأنّ معنى الحصر فيه أنّهما أصل كلّ ما يحتاج إلى الرّقية ، وقيل : المراد بالحصر معنى الأفضل ، أو لا رقية أنفع ، كما قيل لا سيف إلاّ ذو الفقار . وقال قوم : المنهيّ عنه من الرّقى ما يكون قبل وقوع البلاء ، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه ، ذكره ابن عبد البرّ والبيهقيّ وغيرهما ، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً « إنّ الرّقى والتّمائم والتّولة شرك »
وأجيب بأنّه إنّما كان ذلك من الشّرك لأنّهم أرادوا دفع المضارّ وجلب المنافع من عند غير اللّه ، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء اللّه وكلامه ، وقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه كحديث عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفّيه ب قل هو اللّه أحد وبالمعوّذتين ثمّ يمسح بهما وجهه » . وحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ الحسن والحسين بكلمات اللّه التّامّة ، من كلّ شيطان وهامّة » . قال الرّبيع : سألت الشّافعيّ عن الرّقية فقال : لا بأس أن يرقي بكتاب اللّه وما يعرف من ذكر اللّه . قلت : أيرقي أهل الكتاب المسلمين ؟ قال : نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب اللّه وبذكر اللّه ، وقال ابن التّين : الرّقية بالمعوّذات وغيرها من أسماء اللّه هو الطّبّ الرّوحانيّ ، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشّفاء بإذن اللّه تعالى ، فلمّا عزّ هذا النّوع فزع النّاس إلى الطّبّ الجسمانيّ .

تدبير *
التّعريف :
1 - دبّر الرّجل عبده تدبيراً : إذا أعتقه بعد موته ، والتّدبير في الأمر : النّظر إلى ما تئول إليه عاقبة الأمر ، والتّدبير أيضاً : عتق العبد عن دبر وهو ما بعد الموت .
ولا يخرج المعنى الشّرعيّ عن هذا المعنى الأخير .
حكمه التّكليفيّ :
2 - التّدبير نوع من العتق ، والعتق مطلوب شرعاً ، وهو من أعظم القرب ، ويكون كفّارةً للجنايات ، إمّا وجوباً أي في قتل الخطأ ، والحنث في اليمين ونحو ذلك ، أو ندباً أي في قتل العمد عند المالكيّة ، وسائر الذّنوب ، لأنّ العتق من أكبر الحسنات ، وقد قال اللّه تعالى :
{ إنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السّيّئاتِ } . ويعتق المدبّر بعد الموت من ثلث المال في قول أكثر أهل العلم ، ويعتق من جميع مال الميّت في قول بعض العلماء كابن مسعود وغيره .
حكمة مشروعيّته :
3 - يؤدّي التّدبير إلى حرّيّة المدبّر بعد موت من دبّره ، والشّارع يحرص على تحرير الرّقاب ، والتّدبير طريقة ميسّرة لذلك ، لأنّه تدوم معه منفعة الرّقيق مدّة حياته ، ثمّ يكون قربةً له بعد وفاته .
صيغته :
4 - يثبت التّدبير بكلّ لفظ يفيد إثبات العتق للمملوك بعد موت سيّده ، كأن يقول ، معلّقاً : إذا متّ فأنت حرّ ، أو يقول مضيفاً لمستقبل : أنت حرّ بعد موتي .
ولا تفيد الصّيغة حكمها إلاّ إذا صدرت ممّن له أهليّة التّبرّع على سبيل الوصيّة .
آثاره :
5 - الفقهاء مختلفون في الآثار الّتي تترتّب على التّدبير . فذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو ظاهر كلام الخرقيّ ، وأومأ إليه أحمد إلى : أنّه لا يباع ، ولا يوهب ، ولا يرهن ، ولا يخرج من الملك إلاّ بالإعتاق والكتابة ، ويستخدم ويستأجر ، ومولاه أحقّ بكسبه وأرشه .
وذهب الشّافعيّة ، وهو إحدى الرّوايات عن الإمام أحمد : أنّه يباع مطلقاً في الدّين وغيره ، وعند حاجة السّيّد إلى بيعه وعدمها . لحديث : « أنّ رجلاً أعتق مملوكاً له عن دبر ، فاحتاج ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : من يشتريه منّي . فباعه من نعيم بن عبد اللّه بثمانمائة درهم ، فدفعها إليه وقال : أنت أحوج منه » متّفق عليه .
وفسّر الشّافعيّة الحاجة هنا بالدّين ، ولكنّه ليس قيداً احترازيّاً ، بل هو اتّفاقيّ لما ورد أنّ عائشة رضي الله عنها باعت مدبّرةً لها ولم ينكر عليها أحد من الصّحابة .
من مبطلاته :
6 - من مبطلات التّدبير : قتل المدبّر سيّده ، واستغراق تركة السّيّد بالدّين .
وهناك تفصيلات كثيرة وأحكام في المذاهب مختلفة لا حاجة لإيرادها لعدم وجود الرّقّ الآن .

تدخين *
انظر : تبغ .

تدريس *
انظر : تعليم .

تدليس *
التّعريف :
1 - التّدليس : مصدر دلّس ، يقال : دلّس في البيع وفي كلّ شيء : إذا لم يبيّن عيبه . والتّدليس في البيع : كتمان عيب السّلعة عن المشتري . قال الأزهريّ : ومن هذا أخذ التّدليس في الإسناد . وهو في اصطلاح الفقهاء لا يخرج عن المعنى اللّغويّ ، وهو كتمان العيب . قال صاحب المغرب : كتمان عيب السّلعة عن المشتري .
وعند المحدّثين هو قسمان: أحدهما : تدليس الإسناد . وهو : أن يروي عمّن لقيه ما لم يسمعه منه ، موهماً أنّه سمعه منه ،أو عمّن عاصره ولم يلقه موهماً أنّه لقيه أو سمعه منه.
والآخر : تدليس الشّيوخ . وهو أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه فيسمّيه أو يكنّيه ، ويصفه بما لم يعرف به كيلا يعرف .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الخلابة :
2 - الخلابة هي : المخادعة . وقيل : هي الخديعة باللّسان .
والخلابة أعمّ من التّدليس ، لأنّها كما تكون بستر العيب ، قد تكون بالكذب وغيره .
ب - التّلبيس :
3 - التّلبيس من اللّبس ، وهو : اختلاط الأمر . يقال : لبّس عليه الأمر يلبّسه لبساً فالتبس . إذا خلطه عليه حتّى لا يعرف جهته ، والتّلبيس كالتّدليس والتّخليط ، شدّد للمبالغة . والتّلبيس بهذا المعنى أعمّ من التّدليس ، لأنّ التّدليس يكون بإخفاء العيب ، والتّلبيس يكون بإخفاء العيب ، كما يكون بإخفاء صفات أو وقائع أو غيرها ليست صحيحةً .
ج - التّغرير :
4 - وهو من الغرر ، يقال : غرّر بنفسه وماله تغريراً وتغرّةً : عرّضهما للهلكة من غير أن يعرف . ويقال : غرّه يغرّه غرّاً وغروراً وغرّةً : خدعه وأطمعه بالباطل .
والتّغرير في الاصطلاح : إيقاع الشّخص في الغرر ، والغرر : ما انطوت عنك عاقبته .
وعلى هذا يكون التّغرير أعمّ من التّدليس ، لأنّ الغرر قد يكون بإخفاء عيب ، وقد يكون بغير ذلك ممّا تجهل عاقبته .
د - الغِش :
5 - وهو اسم من الغشّ ، مصدر غشَّه : إذا لم يمحّضه النّصح ، وزيّن له غير المصلحة ، أو أظهر له خلاف ما أضمره . وهو أعمّ من التّدليس ، إذ التّدليس خاصّ بكتمان العيب .
الحكم التّكليفيّ :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّدليس حرام بالنّصّ في أحاديث كثيرة . فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « البيّعَان بالخيار ما لم يتفرّقا ، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما ، وإن كَذَبا وكَتَما مُحقت بركةُ بيعهما » وقال عليه أفضل الصّلاة والسّلام : « من باع عَيْباً لم يبيّنه لم يزل في مقتِ اللّه ، ولم تزل الملائكة تلعنْهُ » . وقال صلى الله عليه وسلم : « من غشّنا فليس منّا » ولهذا يؤدّب الحاكم المدلّس ، لحقّ اللّه ولحقّ العباد .
التّدليس في المعاملات :
7 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ كلّ تدليس يختلف الثّمن لأجله في المعاملات يثبت به الخيار : كتصرية الشّياه ونحوها قبل بيعها ليظنّ المشتري كثرة اللّبن ، وصبغ المبيع بلون مرغوب فيه ، على اختلاف بين الفقهاء في بعض الصّور .
واستدلّوا لثبوت الخيار بالتّصرية بحديث : « من اشترى شاةً مصرّاةً فهو بخير النّظرين : إن شاء أمسكها ، وإن شاء ردّها وصاعاً من تمر » .
وقيس عليها غيرها ، وهو كلّ فعل من البائع بالمبيع يظنّ المشتري به كمالاً فلا يوجد ، لأنّ الخيار غير منوط بالتّصرية لذاتها ، بل لما فيها من التّلبيس والإيهام .
شرط الرّدّ بالتّدليس :
8 - لا يثبت الخيار بمجرّد التّدليس ، بل يشترط ألاّ يعلم المدلّس عليه بالعيب قبل العقد ، فإن علم فلا خيار له لرضاه به ، كما يشترط ألاّ يكون العيب ظاهراً ، أو ممّا يسهل معرفته . ويثبت خيار التّدليس في كلّ معاوضة ، كما في البيع والإجارة ، وبدل الصّلح عن إقرار ، وبدل الصّلح عن دم العمد .
التّدليس القوليّ :
9 - التّدليس القوليّ كالتّدليس الفعليّ في العقود ، كالكذب في السّعر في بيوع الأمانات ( وهي المرابحة والتّولية والحطيطة ) فيثبت فيها خيار التّدليس .
التّدليس في عقد النّكاح :
10 - ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّه إذا دلّس أحد الزّوجين على الآخر ، بأن كتم عيباً فيه ، يثبت به الخيار ، لم يعلمه المدلّس عليه وقت العقد ، ولا قبله . أو شرط أحدهما في صلب العقد وصفاً من صفات الكمال كإسلام ، وبكارة ، وشباب ، فتخلّف الشّرط : يثبت للمدلَّس عليه والمغرور بخلف المشروط خيار فسخ النّكاح . وقال : أبو حنيفة وأبو يوسف : ليس لواحد من الزّوجين خيار الفسخ لعيب ، فالنّكاح عندهم لا يقبل الفسخ . وقالوا : إنّ فوتَ الاستيفاءِ أصلاً بالموت لا يوجب الفسخ ، فاختلاله بهذه العيوب أولى بألاّ يوجب الفسخ ، ولأنّ الاستيفاء من ثمرات العقد ، والمستحقّ هو التّمكّن ، وهو حاصل . وقال محمّد بن الحسن : لا خيار للزّوج بعيب في المرأة ، ولها هي الخيار بعيب في الزّوج من العيوب الثّلاثة : الجنون ، والجذام ، والبرص فللمرأة الخيار في طلب التّفريق أو البقاء معه ، لأنّه تعذّر عليها الوصول إلى حقّها بمعنًى فيه ، فكان ذلك بمنزلة ما لو وجدته مجبوباً ، أو عنّيناً بخلاف الرّجل ، لأنّه يتمكّن من دفع الضّرر عن نفسه بالطّلاق. والكلام عن العيوب المثبتة للخيار في النّكاح موطنه باب النّكاح .
سقوط المهر بالفسخ :
11 - لا خلاف بين من يقول بالفسخ بالعيوب من الفقهاء في أنّ الفسخ قبل الدّخول ، أو الخلوة الصّحيحة يسقط المهر .
وقالوا : إن كان العيب بالزّوج فهي الفاسخة - أي طالبة الفسخ - فلا شيء لها ، وإن كان العيب بها فسبب الفسخ معنًى وجد فيها ، فكأنّها هي الفاسخة ، لأنّها غارّة ومدلّسة .
وإن كان الفسخ بعد الدّخول ، بأن لم يعلم إلاّ بعده فلها المهر ، لأنّ المهر يجب بالعقد ، ويستقرّ بالدّخول ، فلا يسقط بحادث بعده .
رجوع المغرور على من غرّه :
12 - إن فسخ الزّوج النّكاح بعيب في المرأة بعد الدّخول ، يرجع بالمهر على من غرّه من زوجة أو وكيل أو وليّ ، وإلى هذا ذهب المالكيّة ، والحنابلة ، وقاله الشّافعيّ في القديم للتّدليس عليه بإخفاء العيب المقارن ، وقال الشّافعيّ في الجديد : إنّه لا يرجع بالمهر على من غرّه ، لاستيفائه منفعة البضع المتقوّم عليه بالعقد . أمّا العيب الحادث بعد العقد فلا يرجع جزماً . أمّا هل خيار العيب على التّراخي ؟ وهل يحتاج إلى حكم حاكم ؟ وحكم ولد المغرور ، والتّفصيل في ذلك فيرجع فيه إلى مصطلح : ( تغرير ) ( وفسخ ) .
المغرور بخلف الشّرط :
13 - لو شرط أحد الزّوجين في صلب العقد صفةً من صفات الكمال ، ممّا لا يمنع عدمه صحّة النّكاح كبكارة وشباب وإسلام ، أو نفي عيب لا يثبت به الخيار كألاّ تكون عوراء أو خرساء ، أو شرط ما ليس من صفات الكمال ولا النّقص كطول وبياض وسمرة ، فتخلّف الشّرط ، صحّ النّكاح ، وثبت للمغرور خيار الفسخ . عند الجمهور على خلاف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح : ( تغرير ، وشرط ) . وقال الحنفيّة : لا يثبت الخيار بخلف الشّرط .
وجاء في فتح القدير : فلو شرط وصفاً مرغوباً فيه كالعذرة ( البكارة ) والجمال ، والرّشاقة ، وصغر السّنّ : فظهرت ثيّباً عجوزاً شوهاء ، ذات شقّ مائل ، ولعاب سائل ، وأنف هائل ، وعقل زائل ، فلا خيار له عند أبي حنيفة وأبي يوسف .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:15 PM

تأديب المدلّس :
14 - يؤدّب المدلّس بالتّعزير بما يراه الحاكم زاجراً ومؤدّباً .
جاء في مواهب الجليل : قال مالك : من باع شيئاً وبه عيب غرّ به أو دلّسه يعاقب عليه . قال ابن رشد : ممّا لا خلاف فيه أنّ الواجب على من غشّ أخاه المسلم ، أو غرّه ، أو دلّس بعيب : أن يؤدّب على ذلك ، مع الحكم عليه بالرّدّ ، لأنّهما حقّان مختلفان : أحدهما للّه ، ليتناهى النّاس عن حرمات اللّه ، والآخر للمدلّس عليه بالعيب فلا يتداخلان ، وتعزير المدلّس محلّ اتّفاق بين الفقهاء ، ككلّ معصية لا حدّ فيها ولا كفّارة .

تدمية *
التّعريف :
1 - التّدمية لغةً : من دمّيته تدميةً : إذا حزبته حتّى خرج منه دم ، ومثله أدميته. واصطلاحاً : قول المقتول قبل موته : دمي عند فلان ، أو قتلني فلان . وهو اصطلاح المالكيّة وإن كان غيرهم قد تناول هذه المسألة في باب القسامة ولم يسمّها بالتّدمية .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الدّامية :
2 -الدّامية هي : جراحة تضعف الجلد حتّى يرشح منه شيء كالدّم من غير انشقاق الرّأس. وهي من الجراحات العشر الّتي لها أسماء خاصّة ، فهي غير التّدمية الاصطلاحيّة عند المالكيّة ، لكنّها والتّدمية لغةً من باب واحدة .
3 - الإشعار : هو إدماء الهدي من الإبل والبقر بطعن أو رمي أو وجء بحديدة ، ليعلم أنّه هدي فلا يتعرّض له . فالإشعار تدمية لغةً ، وليس كما اصطلح عليه المالكيّة .
الحكم الإجماليّ :
4 - اعتبر المالكيّة ( التّدمية ) من اللّوث الّذي تثبت به القسامة ، إن صدر من حرّ مسلم بالغ عاقل ، إن شهد على قوله عدلان ، واستمرّ على إقراره ، وكان به جرح .
وتسمّى حينئذ التّدمية الحمراء ، وهي إن كان بالمقتول جرح .
وأثر الضّرب أو السّمّ منزّل منزلة الجرح ، والعمل بالتّدمية قول اللّيث .
أمّا غيرهم فقد رأوا أنّ قول المقتول : دمي عند فلان ، دعوى من المقتول والنّاس لا يعطون بدعواهم ، والأيمان لا تثبت الدّعوى ، وإنّما تردّها من المنكر .
ورأى المالكيّة أنّ الشّخص عند موته لا يتجاسر على الكذب في سفك الدّم ، كيف وهو الوقت الّذي يندم فيه النّادم ويقلع فيه الظّالم .
ومدار الأحكام على غلبة الظّنّ ، وأيّدوا ذلك بكون القسامة خمسين يميناً مغلّظةً احتياطاً في الدّماء ، ولأنّ الغالب على القاتل إخفاء القتل على البيّنات ، فاقتضى الاستحسان ذلك .
أمّا التّدمية البيضاء ، فهي الّتي ليس معها جرح ، ولا أثر ضرب ، فالمشهور عند المالكيّة عدم قبولها . فإذا قال الميّت في حال مرضه ، وليس به جرح ، ولا أثر ضرب : قتلني فلان ، أو دمي عند فلان ، فلا يقبل قوله إلاّ بالبيّنة على ذلك .
وتفصيل القول في ذلك في الجنايات ، وفي القسامة .

تديين *
انظر : ديانة .

تذفيف *
التّعريف :
1 - التّذفيف بالذّال وبالدّال في اللّغة : الإجهاز على الجريح ، وهو قتله ، وقال بعضهم : هو الإسراع بقتله ، يقال : ذففت على القتيل : إذا أسرعت في قتله ، ويقال : ذففت على الجريح إذا عجّلت قتله . ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ .
الحكم الإجماليّ :
يختلف حكم التّذفيف باختلاف مواضعه :
أ - التّذفيف في الجهاد :
2 - يجوز التّذفيف على جرحى الكفّار في المعركة ، لأنّ تركهم أحياءً ضرر على المسلمين وتقوية للكفّار ، والتّفصيل في مصطلح : ( جهاد ) .
ب - الإجهاز على جريح البغاة :
3 - اختلف الفقهاء في حكم جرحى البغاة بعد انهزامهم أمام المسلمين وتولّيهم . فقد نصّ الحنفيّة على أنّه إذا كانت لهم فئة فإنّه يجوز قتل مدبرهم والإجهاز على جريحهم ، لئلاّ ينحازوا إلى هذه الفئة ، لاحتمال أن يتجمّعوا ويثيروا الفتنة تارةً أخرى ، فيكرّوا على أهل الإسلام ، وقتلهم إذا كان لهم فئة لا يخرج عن كونه دفعاً ، لأنّه لو لم يذفّف عليهم يتحيّزون إلى الفئة ، ويعود شرّهم كما كان ، وإن لم تكن لهم فئة قائمة يحرم قتل جرحى البغاة . والأصل في ذلك قول عليّ رضي الله عنه يوم الجمل :" لا تتبعوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيراً ، وإيّاكم والنّساء وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم ". وقد حمله الحنفيّة على ما إذا لم تكن للبغاة فئة . ونقل ابن عابدين عن بعض الحنفيّة أنّ جريح البغاة ومدبرهم يختار الإمام ما فيه المصلحة ، تاركاً هوى النّفس والتّشفّي ، وإن وجدت الفئة . ومذهب المالكيّة في جرحى البغاة يعتمد على مدى تيقّن الإمام من التحاقهم بالبغاة ، أو رجوعهم إلى الطّاعة ، فإن أمن الإمام بغيهم لا يجوز له اتّباع منهزمهم ، ولا التّذفيف على جريحهم ، وإن لم يأمن الإمام بغيهم اتّبع منهزمهم ، وذفّف على جريحهم ، حسب مقتضيات مصلحة الحرب لحصول المقصود .
ولم يشترط المالكيّة وجود الفئة الّتي يحتمل التّحيّز إليها ، لأنّ المصلحة هي الأساس عندهم. والتّفصيل في مصطلح : ( بغاة ) .
والشّافعيّة قالوا : إذا كانت لهم فئة بعيدة ينحازون إليها ، ولا يتوقّع في العادة مجيئها إليهم والحرب قائمة ، أو غلب على الظّنّ عدم وصولها إليهم ، لا يجهز على جريحهم لأمن غائلته ، إلاّ إذا كان متحرّفاً لقتال . وأمّا إذا كانت لهم فئة قريبة تسعفهم عادةً ، والحرب قائمة ، فإنّه يجوز اتّباعهم والتّذفيف على جريحهم .
ونصّ الحنابلة على أنّ أهل البغي إذا تركوا القتال بالرّجوع إلى الطّاعة ، أو بإلقاء السّلاح ، أو بالهزيمة إلى فئة ، أو إلى غير فئة ، أو بالعجز لجراح أو مرض ، فلا يجهز على جريحهم ، وبهذا قال بعض الشّافعيّة .
وساق ابن قدامة ، وبعض الشّافعيّة الآثار الواردة في النّهي عن قتل المدبر والإجهاز على الجريح ، ومنها ما روي عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال يوم الجمل : لا يذفّف على جريح . كما روي عن عبد اللّه بن مسعود « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : يا ابن مسعود أتدري ما حكم اللّه فيمن بغى من هذه الأمّة ؟ قال ابن مسعود : اللّه ورسوله أعلم . قال : فإنّ حكم اللّه فيهم أن لا يتبع مدبرهم ، ولا يقتل أسيرهم ، ولا يذفّف على جريحهم » .
ولأنّ قتالهم للدّفع والرّدّ إلى الطّاعة دون القتل ، فلا يجوز فيه القصد إلى القتل من غير حاجة ( ر : بغاة ) .
ج - التّذفيف في الذّبائح :
4 - من صور الذّكاة ما إذا رمى الصّيد ، ثمّ أدركه وبه حياة مستقرّة ، فلا يحلّ إلاّ بتذكيته . أمّا إن أدركه ولم يبق به إلاّ حركة المذبوح ، فذهب الجمهور إلى أنّه يحلّ ولو لم يذفّف عليه ، لأنّ حركة المذبوح لا تعتبر حياةً عندهم ، وذهب أبو حنيفة - فيما نقل عنه الجصّاص - إلى أنّه لا يحلّ ما لم يذفّف عليه بالتّذكية ، لأنّه يعتبر حركة المذبوح حياةً . والنّقل الرّاجح عن أبي حنيفة أنّه يوافق الجمهور . وينظر التّفصيل في مصطلح : ( صيد ) ( وذبائح ) .

تذكّر *
التّعريف :
1 - التّذكير والتّذكّر : من مادّة ذَكَرَ ، ضدّ نَسِيَ ، يقال : ذكرت الشّيء بعد نسيان ، وذكرته بلساني ، وقلبي ، وتذكّرته ، وأذكرته غيري ، وذكّرته تذكيراً .
وهو في الاصطلاح الشّرعيّ لا يخرج عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - السّهو :
2 - السّهو في اللّغة : نسيان الشّيء والغفلة عنه وذهاب القلب إلى غيره ، فالسّهو عن الصّلاة : الغفلة عن شيء منها ، قال ابن الأثير : السّهو من الشّيء : تركه عن غير علم ، والسّهو عنه : تركه مع العلم ، ومنه قوله تعالى : { الّذينَ هم عن صَلاتِهم سَاهُون } . واصطلاحاً ، قال صاحب المواقف : السّهو زوال الصّورة عن المدركة مع بقائها في الحافظة ، وقيل : هو الذّهول عن الشّيء ، بحيث لو نبّه له أدنى تنبيه لتنبّه .
وفي المصباح : إنّ السّهو لو نبّه صاحبه لم يتنبّه .
ب - النّسيان :
3 - النّسيان : ضدّ الذّكر والحفظ ، يقال : نسيه نسياً ، ونسياناً ، وهو ترك الشّيء عن ذهول وغفلة ، ويطلق مجازاً على التّرك عن عمد ، ومنه قوله تعالى :{ نسوا اللّه فنسيهم } أي تركوا أمر اللّه فحرمهم رحمته . ويقال : رجل نسيان أي : كثير النّسيان والغفلة . واصطلاحاً : هو الذّهول عن الشّيء ، لكن لا يتنبّه له بأدنى تنبيه ، لكون الشّيء قد زال من المدركة والحافظة معاً ، فيحتاج إلى سبب جديد .
الحكم الإجماليّ :
تذكّر المصلّي لصلاته بعد الأكل فيها :
4 - قال الحنابلة والمالكيّة : لا تبطل صلاة من أكل ناسياً وإن كثر ، واستدلّوا بحديث : « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ ، والنّسيان ، وما استكرهوا عليه » . وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا أكل في الصّلاة ناسياً بطلت صلاته ، وإن قلّ . وفرّق الشّافعيّة بين القليل والكثير ، فإن كان ناسياً فلا تبطل صلاته إذا كان قليلاً . وينظر تفصيل ذلك في : ( صلاة ) ( ونسيان ) .
سهو الإمام :
5 - قال الحنفيّة : إذا أخبره عدلان بعدم الإتمام لا يعتبر شكّه ، وعليه الأخذ بقولهم . أمّا إذا أخبره عدل في صلاة رباعيّة مثلاً أنّه ما صلّى أربعاً ، وشكّ في صدقه وكذبه أعاد احتياطاً . أمّا إذا كذّبه ، فلا يعيد . وإن اختلف الإمام والقوم فإن كان على يقين لم يعد ، وإلاّ أعاد بقولهم . وقال المالكيّة : إذا أخبرته جماعة مستفيضة ، يفيد خبرهم العلم الضّروريّ بتمام صلاته أو نقصها ، فإنّه يجب عليه الرّجوع لخبرهم ، سواء كانوا من مأموميه أو من غيرهم ، وإن تيقّن كذبهم . وإن أخبره عدلان فأكثر فإنّه يعمل بالخبر إن لم يتيقّن خلاف ذلك ، وكانا من مأموميه . فإن لم يكونا من مأموميه فلا يرجع لخبرهما ، بل يعمل على يقينه .
أمّا المنفرد والمأموم فلا يرجعان لخبر العدلين ، وإن أخبر الإمام واحد ، فإن أخبر بالتّمام فلا يرجع لخبره ، بل يبني على يقين نفسه ، أمّا إذا أخبره بالنّقص رجع لخبره .
وقال الشّافعيّة : إنّ الإمام إذا شكّ هل صلّى ثلاثاً أو أربعاً ؟ أخذ بالأقلّ ، ولا يعمل بتذكير غيره ، ولو كانوا جمعاً غفيراً كانوا يرقبون صلاته . ولا فرق عندهم بين أن يكون التّذكير من المأمومين أو من غيرهم . واستدلّوا بخبر : « إذا شكّ أحدُكم في صلاته فلم يَدْرِ أصلّى ثلاثاً أم أربعاً ؟ فليطرح الشّكّ ، ولْيَبنِ على ما استيقن » . وقد أجابوا عن المراجعة بين الرّسول صلى الله عليه وسلم والصّحابة ، وعوده للصّلاة في خبر ذي اليدين ، بأنّه لم يكن من باب الرّجوع إلى قول الغير ، وإنّما هو محمول على تذكّره بعد مراجعته لهم ، أو لأنّهم بلغوا حدّ التّواتر الّذي يفيد اليقين ، أي العلم الضّروريّ ، فرجع إليهم .
وذهب الحنابلة إلى أنّه : إذا سبّح اثنان يثق بقولهما لتذكيره ، لزمه القبول والرّجوع لخبرهما ، سواء غلب على ظنّه صوابهما أو خلافه . وقالوا : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : رجع إلى قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حديث « ذي اليدين لمّا سألهما : أحقّ ما قال ذو اليدين ؟ فقالا : نعم » مع أنّه كان شاكّاً فيما قاله ذو اليدين بدليل أنّه أنكره ، وسألهما عن صحّة قوله ، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالتّسبيح ليذكّروا الإمام ، ويعمل بقولهم . ولحديث ابن مسعود رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : صلّى فزاد أو نقص ... » الحديث ، وفيه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكّروني » .
وإن سبّح واحد لتذكيره لم يرجع إلى قوله ، إلاّ أن يغلب على ظنّه صدقه ، فيعمل بغالب ظنّه ، لا بتسبيح الغير ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقبل قول ذي اليدين وحده .
وإن ذكّره فَسَقَةٌ بالتّسبيح لم يرجع إلى قولهم ، لأنّ قولهم غير مقبول في أحكام الشّرع .
تذكّر الصّائم لصومه وهو يأكل :
6 - يرى جمهور الفقهاء أنّ من أكل أو شرب وهو صائم ، ثمّ تذكّر وأمسك لم يفطر ، لما روى أبو هريرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من أكل ناسياً وهو صائم ، فليتمّ صومه ، فإنّما أطعمه اللّه وسقاه » . وفي رواية أخرى : « من أكل أو شرب ناسياً فلا يفطر ، فإنّما هو رزق رزقه اللّه » .
وقال عليّ رضي الله عنه : لا شيء على من أكل ناسياً وهو صائم .
ولأنّ الصّوم عبادة ذات تحريم وتحليل ، فكان من محظوراته ما يخالف عمده سهوه كالصّلاة ، وهو قول أبي هريرة وابن عمر ، وطاووس والأوزاعيّ والثّوريّ وإسحاق .
وقال بعض الفقهاء : يشترط أن يكون الأكل أو الشّرب قليلاً ، فإن كان كثيراً أفطر .
وعند المالكيّة : إن أكل أو شرب ناسياً فقد أفطر ، وينظر التّفصيل في مصطلح : ( صوم ) .
تذكّر القاضي لحكم قضاه :
7 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ القاضي إذا رأى خطأً في حكمه ، لم يعتمد عليه في إمضاء الحكم حتّى يتذكّر ، لأنّه حكم حاكم لم يعلمه ، ولأنّه يجوز فيه التّزوير عليه وعلى ختمه ، فلم يجز إنفاذه إلاّ ببيّنة كحكم غيره .
وإلى هذا ذهب الإمام : أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد في إحدى روايتين عنه .
وفي رواية عن أحمد : إذا كان الحكم عنده ، وتحت يده جاز الاعتماد عليه ، لأنّه في هذه الحالة لا يحتمل التّغيير فيه ، وأجاز أبو يوسف ومحمّد بن الحسن العمل بالخطّ إذا عرف أنّه خطّه ، ولو لم يتذكّر الحادثة ، وإن لم يكن الخطّ بيده ، لأنّ الغلط نادر في مثل ذلك ، وأثر التّغيير يمكن الاطّلاع عليه ، وقلّما يتشابه الخطّ من كلّ وجه ، فإذا تيقّن أنّه خطّه جاز الاعتماد عليه ، توسعةً على النّاس .
أمّا إذا شهد عدلان عند القاضي : بأنّ هذا حكمه ولم يتذكّر ، فقد اختلف الفقهاء في العمل بقولهما : فقال المالكيّة وأحمد ومحمّد بن الحسن : يلزمه العمل بذلك وإمضاء الحكم .
وقالوا : إنّه لو شهدا عنده بحكم غيره قبل ، فكذلك يقبل إذا شهدا عنده بحكم نفسه . ولأنّهما شهدا بحكم حاكم ، فيجب قبول شهادتهما .وقال الشّافعيّة : إنّه لا يعمل بقولهما حتّى يتذكّر.
تذكّر الشّاهد الشّهادة وعدمه :
8 - إذا رأى الشّاهد بخطّه شهادةً أدّاها عند حاكم ، ولم يتذكّر الحادثة ، فعند المالكيّة والشّافعيّة ، وهي إحدى روايتين عن أحمد : لم يشهد على مضمونها حتّى يتذكّر ، وإن كان الكتاب محفوظاً عنده لإمكان التّزوير .
وفي رواية أخرى عن أحمد : أنّه إذا عرف خطّه شهد به ،وهو رأي أبي يوسف من الحنفيّة.
تذكّر الرّاوي للحديث وعدمه :
9 - أمّا رواية الحديث ، فإنّه يجوز للشّخص أن يروي مضمون خطّه اعتماداً على الخطّ المحفوظ عنده ، لعمل العلماء به سلفاً وخلفاً . وقد يتساهل في الرّواية ، لأنّها تقبل من المرأة والعبد ، بخلاف الشّهادة . هذا عند الشّافعيّة .
وقال الإمام أبو حنيفة : لا يعمل بها لمشابهة الخطّ بالخطّ ، وخالفه صاحباه .

تذكير *
انظر : تذكّر .

تذكية *
التّعريف :
1 - التّذكية في اللّغة : مصدر ذكّى ، والاسم ( الذّكاة ) ومعناها : إتمام الشّيء والذّبح . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « ذكاة الجنين ذكاة أمّه » .
وفي الاصطلاح : هي السّبب الموصّل لحلّ أكل الحيوان البرّيّ اختياراً .
هذا تعريف الجمهور ، ويعرف عند الحنفيّة : بأنّه السّبيل الشّرعيّة لبقاء طهارة الحيوان ، وحلّ أكله إن كان مأكولاً ، وحلّ الانتفاع بجلده وشعره إن كان غير مأكول .
أنواع التّذكية :
التّذكية لفظ عامّ ، يشمل : الذّبح ، والنّحر ، والعقر ، والصّيد ، ولكلّ موطنه على النّحو التّالي :
أ - الذّبح :
2 - الذّبح لغةً : الشّقّ . وعند الفقهاء : قطع الحلقوم من باطن عن المفصل بين العنق والرّأس . ويستعمل في ذكاة الاختيار ، فهو أخصّ من التّذكية ، حيث إنّها تشمل ذكاة الاختيار والاضطرار .
ب - النّحر :
3 - نحر البعير : طعنه في منحره حيث يبدأ الحلقوم من أعلى الصّدر ، قال في المغني : معنى النّحر أن يضرب البعير بالحربة أو نحوها في الوهدة الّتي بين أصل عنقها وصدرها . فهو قطع العروق في أسفل العنق عند الصّدر ، وبهذا يفترق عن الذّبح ، لأنّ القطع في أعلى العنق . والنّحر نوع آخر من أنواع التّذكية الاختياريّة .
ج - العقر :
4 - العقر : هو الجرح .
ويستعمله الفقهاء في : تذكية حيوان غير مقدورعليه بالطّعن في أيّ موضع وقع من البدن. وبهذا يختلف عن الذّبح والنّحر ، لأنّهما تذكية اختياراً ، والعقر تذكية ضرورةً .
د - الصّيد :
5 - الصّيد : هو إزهاق روح الحيوان البرّيّ المتوحّش، بإرسال نحو سهم أو كلب أو صقر.
الحكم الإجماليّ :
6 - التّذكية سبب لإباحة أكل لحم الحيوان غير المحرّم والّذي من شأنه الذّبح ، سواء أكانت بالذّبح أم النّحر أم العقر . أمّا ما ليس من شأنه الذّبح كالسّمك والجراد فيحلّان بلا ذكاة . ويشترط في المذكّي عند الفقهاء : أن يكون مسلماً أو كتابيّاً ، كما يشترط عند الجمهور : -الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو رواية عند الشّافعيّة - : أن يكون المذكّي مميّزاً ، ليعقل التّسمية والذّبح . وفي الأظهر عند الشّافعيّة : لا يشترط التّمييز .
7- وجمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - على أنّه تشترط التّسمية وقت التّذكية إلاّ إذا نسيها . وقال الشّافعيّة باستحباب التّسمية وقت التّذكية .
ويحلّ الذّبح بكلّ محدّد يجرح ، كحديد ونحاس وذهب وخشب وحجر وزجاج ، ولا يجوز بالسّنّ والظّفر القائمين اتّفاقاً .
أمّا إذا كانا منفصلين ففيه خلاف ، وتفصيله في مصطلح : ( ذبائح ) .
مواطن البحث :
8 - ذكر الفقهاء أحكام التّذكية في أبواب الصّيد والذّبائح والأضحيّة ، وذكر المالكيّة أحكامها في باب الذّكاة .

تراب *
التّعريف :
1 - التّراب : ما نعم من أديم الأرض . بهذا عرّفه المعجم الوسيط ، وهو اسم جنس ، وقال المبرّد : هو جمع واحده ترابة ، وجمعه أتربة وتربان ، وتربة الأرض : ظاهرها .
وأتربت الشّيء : وضعت عليه التّراب ، وترّبته تتريباً فتترّب : أي تلطّخ بالتّراب . ويقال : تَرِب الرّجل : إذا افتقر ، كأنّه لصق بالتّراب ، وفي الحديث : « فاظْفَرْ بذاتِ الدّينِ تَرِبَتْ يَداك » وليس المراد به الدّعاء ، بل الحثّ والتّحريض . ويقال : أترب الرّجل : أي استغنى ، كأنّه صار له من المال بقدر التّراب .
وفي المصطلحات العلميّة والفنّيّة : أنّه جزء الأرض السّطحيّ المتجانس التّركيب ، أو الّذي تتناوله آلات الحراثة .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ . ويفهم من كلام الفقهاء في باب التّيمّم أنّ الرّمل ونحاتة الصّخر ليسا من التّراب ، وإن أعطيا حكمه في بعض المذاهب .
الألفاظ ذات الصّلة :
الصّعيد :
2 - الصّعيد : وجه الأرض تراباً كان أو غيره ، قال الزّجّاج : ولا أعلم اختلافاً بين أهل اللّغة في ذلك . وعلى هذا يكون الصّعيد أعمّ من التّراب .
الحكم التّكليفيّ :
أ - في التّيمّم :
3 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّيمّم يصحّ بكلّ تراب طاهر فيه غبار يعلق باليد ، لقوله تعالى : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّبَاً فَامْسَحُوا بِوجُوهِكم وأَيدِيْكم منه } ولقوله صلى الله عليه وسلم :
« أُعطيتُ خَمْسَاً لم يُعْطَهنّ أحدٌ قبلي : كان كلّ نبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً ، وبُعثتُ إلى كلّ أحمرَ وأسودَ ، وأُحلَّتْ لي الغنائمُ ولم تَحِلَّ لأحد قَبْلي ، وجُعلتْ لي الأرضُ طيّبةً طهوراً ومسجداً ، فأيّما رجلٍ أدركته الصّلاة صلّى حيث كان ، ونُصرتُ بالرُّعْب بين يديّ مسيرة شهر ، وأعطيتُ الشّفاعةَ » . واختلفوا في صحّة التّيمّم بما عدا التّراب ، كالنّورة والحجارة والرّمل والحصى والطّين الرّطب والحائط المجصّص ، وغير ذلك ممّا هو من جنس الأرض : فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى صحّة التّيمّم بهذه الأشياء المذكورة . ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّ التّيمّم لا يصحّ إلاّ بالتّراب الطّاهر ذي الغبار العالق . وكذا يصحّ برمل فيه غبار عند الشّافعيّة ، وفي قول القاضي من الحنابلة . والتّفاصيل يرجع إليها في مصطلح ( تيمّم ) .
ب - في إزالة النّجاسة :
4 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ ما نجس بملاقاة شيء ، من كلب أو خنزير أو ما تولّد منهما أو من أحدهما ، يغسل سبع مرّات : إحداهنّ بالتّراب . سواء كان ذلك لعابه أو بوله أو سائر رطوباته أو أجزاءه الجافّة إذا لاقت رطباً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
« طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات ، أولاهنّ بالتّراب » وفي رواية : « أُخراهنّ بالتّراب » وفي أخرى { وعفّروه الثّامنةَ بالتّراب } وألحق الخنزير بالكلب لأنّه أسوأ حالاً . ولهذا قال اللّه تعالى في حقّه : { أو لحمَ خنزيرٍ فإنَّه رِجْسٌ } .
وروي عن الإمام أحمد روايةً أخرى بوجوب غسل نجاسة الكلب والخنزير ثماني مرّات إحداهنّ بالتّراب ، وإلى هذا ذهب الحسن البصريّ ، لقوله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات الحديث : « وعفّروه الثّامنةَ بالتّراب » ويشترط أن يعمّ التّراب المحلّ ، وأن يكون طاهراً ، وأن يكون قدراً يكدّر الماء ، ويكتفي بوجود التّراب في واحدة من الغسلات السّبع ، ولكن يستحبّ أن يكون في غير الأخيرة ، وجعله في الأولى أولى .
والأظهر تعيّن التّراب جمعاً بين نوعي الطّهور . فلا يكفي غيره ، كأشنان وصابون .
ومقابله أنّه لا يتعيّن التّراب . ويقوم ما ذكر ونحوه مقامه .
وهناك رأي ثالث : بأنّه يقوم مقام التّراب عند فقده للضّرورة ، ولا يقوم عند وجوده .
وفي قول رابع : أنّه يقوم مقامه فيما يفسده التّراب ، كالثّياب دون ما لا يفسده .
ويرى بعض الشّافعيّة : أنّ الخنزير ليس كالكلب ، بل يكفي لإزالة نجاسته غسلة واحدة من دون تراب ، كغيره من النّجاسات الأخرى ، لأنّ الوارد في التّتريب إنّما هو في الكلب فقط . أمّا الحنفيّة والمالكيّة : فيرون الاكتفاء بغسل ما ولغ الكلب فيه من الأواني من غير تتريب ، وحجّتهم في ذلك أنّ روايات التّتريب في الحديث مضطربة حيث وردت بلفظ : « إحداهنّ » ، في رواية ، وفي أخرى بلفظ : « أولاهنّ » ، وفي ثالثة بلفظ : « أخراهنّ » ، وفي رابعة :
« السّابعة بالتّراب » ، وفي خامسة « وعفّروه الثّامنة بالتّراب » ، والاضطراب قادح فيجب طرحها . ثمّ إنّ ذكر التّراب لم يثبت في كلّ الرّوايات .
والتّفاصيل يرجع إليها في مصطلح : ( نجاسة ، وطهارة ، وصيد ، وكلب ) .
5- ويرى جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة ، وهو رواية عن الإمام أحمد أنّ الخفّ والنّعل إذا أصابتهما نجاسة لها جرم كالرّوث فمسحهما بالتّراب يطهّرهما .
واستدلّوا لذلك بما رواه أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه : { أنّه صلى الله عليه وسلم صلّى يوماً ، فخلع نعليه في الصّلاة ، فخلع القوم نعالهم ، فلمّا فرغ سألهم عن ذلك ، فقالوا : رأيناك خلعت نعليك ، فقال عليه الصلاة والسلام : أتاني جبريل عليه السلام وأخبرني أنّ بهما أذًى فخلعتهما ، ثمّ قال : إذا أتى أحدكم المسجد فليقلّب نعليه ، فإن كان بهما أذًى فليمسحهما بالأرض ، فإنّ الأرض لهما طهور } .
وأمّا ما لا جرم له من النّجاسة كالبول ففيه تفصيل ينظر في مصطلح : ( نجاسة ) ،( وقضاء الحاجة ) . أمّا الشّافعيّة ، وهو الرّاجح عند الحنابلة ، فيرون أنّ التّراب لا يطهّر الخفّ أو النّعل ، وأنّه يجب غسلهما إذا أريد تطهيرهما .
ج - في الصّوم :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ أكل التّراب والحصاة ونحوهما عمداً يبطل الصّوم ، وكذلك إذا وصل إلى الجوف عن طريق الأنف أو الأذن أو نحوهما عمداً ، لأنّ الصّوم هو الإمساك عن كلّ ما يصل إلى الجوف ، وفي وجوب الكفّارة في هذه الحالة عند الحنفيّة والمالكيّة خلاف وتفصيل ينظر في مبحث ( كفّارة ) .
أمّا الغبار الّذي يصل إلى الجوف عن طريق الأنف أو نحوه بصورة غير مقصودة فلا يفطر باتّفاق العلماء لمشقّة الاحتراز عنه . ويرى بعض الشّافعيّة : أنّ الصّائم لو فتح فاه عمداً حتّى دخل التّراب جوفه لم يفطر لأنّه معفوّ عن جنسه . والتّفاصيل في مصطلح : ( صوم ) .
د - في البيع :
7 - يرى جمهور الفقهاء من المالكيّة والحنابلة وهو الأظهر عند الشّافعيّة - أنّ بيع التّراب ممّن حازه جائز لظهور المنفعة فيه .
ويرى الحنفيّة ، وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة : أنّه لا يجوز بيع التّراب لأنّه ليس بمال ولا مرغوب فيه ، ولأنّه يمكن تحصيل مثله بلا تعب ولا مؤنة . لكنّ الحنفيّة قيّدوه بأن لا يعرض له ما يصير به مالاً معتبراً كالنّقل والخلط بغيره . والتّفاصيل في مصطلح : ( بيع ) .
هـ - في الأكل :
8 - ذهب الشّافعيّة إلى حرمة أكل التّراب لمن يضرّه ، وإلى هذا ذهب المالكيّة في الرّاجح عندهم .
ويرى الحنفيّة والحنابلة وبعض المالكيّة كراهة أكله . والتّفاصيل في مصطلح : ( أطعمة ) .

تراب الصّاغة *
التّعريف :
1 - تراب الصّاغة : مركّب إضافيّ يتكوّن من كلمتين ، وهما ، تراب : والصّاغة . أمّا التّراب : فهو اسم جنس ، ويجمع على أتربة وتربان ، وتربة الأرض ظاهرها .
وأمّا الصّاغة : فهي جمع صائغ ، وهو الّذي حرفته الصّياغة ، وهي جعل الذّهب حليّاً .
يقال : صاغ الذّهب : إذا جعله حليّاً ، وصاغ اللّه فلاناً صيغةً حسنةً : خلقه .
وصاغ الشّيء : هيّأه على مثال مستقيم .
وتراب الصّاغة - كما عرفه المالكيّة - هو الرّماد الّذي يوجد في حوانيتهم ولا يدرى ما فيه.
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّبر :
2 - من معاني التّبر في اللّغة : ما كان من الذّهب غير مضروب ، فإذا ضرب دنانير فهو عين . ولا يقال تبر إلاّ للذّهب ، وبعضهم يقوله للفضّة أيضاً ، وقد يطلق التّبر على غير الذّهب والفضّة من المعدنيّات .
وفي اصطلاح الفقهاء ، عرّفه المالكيّة بأنّه : الذّهب غير المضروب .
وعرّفه الشّافعيّة بأنّه : اسم للذّهب والفضّة قبل ضربهما ، أو للذّهب فقط ، والمراد الأعمّ .
ب - تراب المعادن :
3 - أمّا التّراب فقد سبق بيان معناه ، وأمّا المعادن فهي : جمع معدن بكسر الدّال ، والمعدن - كما قال اللّيث : مكان كلّ شيء يكون فيه أصله ومبدؤه كمعدن الذّهب والفضّة .
وأمّا عند الفقهاء ، فهو كما عرّفه الزّيلعيّ : اسم لما يكون في الأرض خلقةً ، بخلاف الرّكاز والكنز ، إذ الكنز اسم لمدفون العباد ، والرّكاز اسم لما يكون في الأرض خلقةً ، أو بدفن العباد . وقال الرّمليّ الشّافعيّ : إنّ المعدن له إطلاقان : أحدهما على المستخرج ، والآخر على المخرج منه . هذا ، والفرق بين تراب المعدن وتراب الصّاغة - كما يفهم من كلام المالكيّة - أنّ تراب المعدن : هو ما يتساقط من جوهر المعدن نفسه ، دون اختلاط بجوهر آخر . أمّا تراب الصّاغة فهو المتساقط من المعدن مختلطاً بالتّراب أو الرّمل أو نحوهما .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:16 PM

الحكم الإجماليّ :
4 - تراب الصّاغة : إمّا أن يكون ما فيه من الذّهب أو الفضّة مجهولاً أو معلوماً ، وإمّا أن يكون من جنس واحد أو أكثر من جنس ، وإمّا أن يصفّى ويميّز ما فيه من الذّهب أو الفضّة أو لا . قال الحنفيّة : إن اشترى تراب الفضّة بفضّة لا يجوز ، لأنّه إن لم يظهر في التّراب شيء فظاهر ، وإن ظهر فهو بيع الفضّة بالفضّة مجازفةً ، ولهذا لو اشتراه بتراب فضّة لا يجوز ، لأنّ البدلين هما الفضّة لا التّراب . ولو اشتراه بتراب ذهب أو بذهب جاز ، لعدم لزوم العلم بالمماثلة ، لاختلاف الجنس ، فلو ظهر أن لا شيء في التّراب لا يجوز .
وكلّ ما جاز فمشتري التّراب بالخيار إذا رأى ، لأنّه اشترى ما لم يره .
وهو أيضاً قول الحنابلة في تراب الصّاغة ، إذ لا يجوز عندهم بيعه بشيء من جنسه ، لأنّه مال رباً بيع بجنسه على وجه لا تعلم فيه المماثلة .
ولا يجوز عند المالكيّة بيع تراب الصّاغة لشدّة الغرر فيه ، وإن وقع فسخ .
وأمّا الشّافعيّة فلا يجوز عندهم بيع تراب الصّاغة قبل تصفيته وتمييز الذّهب أو الفضّة منه ، سواء أباعه بذهب أم بفضّة أم بغيرهما ، لأنّ المقصود مجهول أو مستور بما لا مصلحة له فيه في العادة ، فلم يصحّ بيعه فيه كبيع اللّحم في الجلد بعد الذّبح وقبل السّلخ .

تراب المعادن *
التّعريف :
1 - تراب المعادن : مركّب إضافيّ ، أمّا التّراب : فهو ظاهر الأرض ، وهو اسم جنس . وأمّا المعادن : فهي جمع معدن - بكسر الدّال - وهو كما قال اللّيث : مكان كلّ شيء يكون فيه أصله ومبدؤه كمعدن الذّهب والفضّة .
وأمّا عند الفقهاء فهو ، كما عرّفه الزّيلعيّ وابن عابدين : اسم لما يكون في الأرض خلقةً . وقال الرّمليّ الشّافعيّ : إنّ المعدن له إطلاقان : أحدهما على المستخرج ، والآخر على المخرج منه .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - تراب الصّاغة :
2 - وهو - كما عرّفه المالكيّة - الرّماد الّذي يوجد في حوانيت الصّاغة ،ولا يدرى ما فيه. والفرق بين تراب الصّاغة وتراب المعدن ، هو أنّ تراب الصّاغة هو المتساقط من المعدن مختلطاً بتراب أو رمل أو نحوهما ، أمّا تراب المعدن فهو ما يتساقط من جوهر المعدن نفسه دون أن يختلط بجوهر آخر .
ب - الكنز :
3 - هو في الأصل مصدر كنز ، ومعناه في اللّغة : جمع المال وادّخاره ، وجمع التّمر في وعائه ، والكنز أيضاً : المال المدفون تسميةً بالمصدر ، والجمع كنوز كفلس وفلوس .
وأمّا عند الفقهاء فهو : اسم لمدفون العباد .
ج - الرِّكاز :
4 - الرّكاز معناه في اللّغة : المال المدفون في الجاهليّة ، وهو على وزن فعال ، بمعنى مفعول كالبساط بمعنى المبسوط ، ويقال هو المعدن .
وأمّا عند الفقهاء فهو : اسم لما يكون تحت الأرض خلقةً أو بدفن العباد . فالرّكاز بهذا المعنى أعمّ من المعدن والكنز ، فكان حقيقةً فيهما مشتركاً معنويّاً ، وليس خاصّاً بالدّفين . وقيّده الشّافعيّة بكونه دفين الجاهليّة .
أنواع المعادن :
5 - للمعادن أنواع ثلاثة :
- أ - جامد يذوب وينطبع ، كالذّهب والفضّة والحديد والرّصاص والصّفر .
- ب - جامد لا يذوب ، كالجصّ والنّورة ، والكحل والزّرنيخ .
- ج - مائع لا يتجمّد ، كالماء والقير والنّفط .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
ذكر الفقهاء الأحكام الخاصّة بتراب المعادن في مواطن نجملها فيما يلي :
أ - تغيّر الماء بتراب المعادن :
6 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ تغيّر الماء المطلق بتراب المعدن لا يضرّ ، ويجوز التّطهّر به ، لأنّه تغيّر بما هو من أجزاء الأرض . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّ الماء المتغيّر بما لا يمكن صونه عنه من تراب المعادن ، بأن يكون في مقرّه أو ممرّه لا يمنع التّطهّر به ، ولا يكره استعماله فيه . والتّفصيل في مصطلح : ( مياه ) .
ب - حكم التّيمّم بتراب المعادن :
7 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّه لا يصحّ التّيمّم إلاّ بتراب طاهر ، أو برمل فيه غبار يعلق باليد ، وأمّا ما لا غبار له كالصّخر وسائر المعادن فلا يصحّ التّيمّم بها ، لأنّها ليست في معنى التّراب . ويجوز عند أبي حنيفة التّيمّم بكلّ ما لا ينطبع ولا يلين من المعادن ، كالجصّ والنّورة والكحل والزّرنيخ ، سواء التصق على يده شيء منها أو لم يلتصق .
وأمّا المعادن الّتي تلين وتنطبع ، كالحديد والنّحاس والذّهب والفضّة ، فلا يجوز التّيمّم بها إلاّ في محالّها ، بشرط أن يغلب عليها التّراب ، لأنّ التّيمّم حينئذ يكون بالتّراب لا بها ، ولأنّها ليست من جنس الأرض .
وأمّا عند أبي يوسف : فلا يجوز التّيمّم إلاّ بالتّراب والرّمل في رواية ، أو بالتّراب فقط في رواية أخرى . ويجوز عند المالكيّة التّيمّم بالمعادن المنطبعة وغير المنطبعة ما لم تنقل من محالّها ، لأنّها من أجزاء الأرض باستثناء معدن النّقدين ، وهما : تبر الذّهب ونقار الفضّة . والجواهر النّفيسة كالياقوت واللّؤلؤ والزّمرّد والمرجان ممّا لا يقع به التّواضع للّه . والتّفصيل في مصطلح : ( تيمّم ) .
ج - زكاة تراب المعادن :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ الزّكاة تجب في معدني : الذّهب والفضّة . أمّا غيرهما من المعادن ، ففي وجوب الزّكاة فيه ووقت وجوبها ، تفصيل ينظر في مصطلح : ( زكاة ) .
د - بيع بعضه ببعض :
9 - تراب المعادن : إمّا أن يكون من صنف واحد ، وإمّا أن يكون من أصناف متعدّدة ، وإمّا أن يصفّى ويميّز ما فيه أو لا . فإن كان من صنف واحد ، فلا يجوز بيع بعضه ببعض ، كتراب ذهب بتراب ذهب عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة للجهل بالمماثلة .
وإن كان من أصناف كتراب ذهب بتراب فضّة ، فإنّه يجوز بيعه عند الحنفيّة والمالكيّة لخفّة الغرر فيه ، ولعدم لزوم العلم بالمماثلة ، ويكره بيعه عند الحنابلة لأنّه مجهول .
وأمّا الشّافعيّة : فلا يجوز عندهم بيع تراب المعدن قبل تصفيته وتمييز الذّهب والفضّة منه ، سواء أباعه بذهب أم بفضّة أم بغيرهما ، لأنّ المقصود النّقد وهو مجهول أو مستور بما لا مصلحة له فيه في العادة ، فلم يصحّ بيعه فيه ، كبيع اللّحم في الجلد بعد الذّبح وقبل السّلخ . والتّفصيل في مصطلح : ( بيع ) ( ورباً ) ( وصرف ) .

تراخي *
التّعريف :
1- التّراخي : مصدر تراخى ، ومعناه في اللّغة : التّقاعد عن الشّيء والتّقاعس عنه . وتراخى الأمر تراخياً : امتدّ زمانه ، وفي الأمر تراخ أي : فسحة .
ومعنى التّراخي في الاصطلاح : كون الأداء متأخّراً عن أوّل وقت الإمكان إلى مظنّة الفوت . وعلى ذلك لا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
الفور :
2 - يطلق الفور في اللّغة على : الوقت الحاضر الّذي لا تأخير فيه ، وهو مأخوذ من قولهم : فار الماء يفور فوراً أي : نبع وجرى ، ثمّ استعمل في الحالة الّتي لا بطء فيها .
يقال : جاء فلان في حاجته ، ثمّ رجع من فوره أي : من حركته الّتي وصل فيها ولم يسكن بعدها ، وحقيقته : أن يصل ما بعد المجيء بما قبله من غير لُبْث .
ومعنى الفور في الاصطلاح : كون الأداء في أوّل أوقات الإمكان .
والفرق بينه وبين التّراخي : أنّ الفور ضدّ التّراخي .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
تبحث الأحكام الخاصّة بالتّراخي في عدد من المواضع عند الأصوليّين والفقهاء توجز فيما يلي :
أوّلاً : مواضعه عند الأصوليّين :
ذكر الأصوليّون التّراخي في مواضع وهي :
أ - الأمر :
3 - اختلف الأصوليّون في الأمر المطلق الّذي لم يقيّد بوقت محدّد أو معيّن ، سواء أكان موسّعاً أو مضيّقاً ، والخالي عن قرينة تدلّ على أنّه للتّكرار أو للمرّة : هل يفيد الفور ، أو التّراخي ، أو غيرهما ؟ فالقائلون بأنّ الأمر المطلق يقتضي التّكرار يقولون : بأنّه يقتضي الفور ، لأنّه يلزم من القول بالتّكرار استغراق الأوقات بالفعل المأمور به .
وأمّا القائلون بأنّه للمرّة ، فقد اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال :
الأوّل : إنّه يكون لمجرّد الطّلب ، وهو القدر المشترك بين الفور والتّراخي ، فيجوز التّأخير على وجه لا يفوت المأمور به ، وهذا هو الصّحيح عند الحنفيّة ، وهو مذهب الشّافعيّ وأصحابه ، واختاره الرّازيّ والآمديّ وابن الحاجب والبيضاويّ .
الثّاني : أنّه يوجب الفور ، فيأثم بالتّأخير ، وهو مذهب المالكيّة والحنابلة ، والكرخيّ من الحنفيّة ، وبعض الشّافعيّة .
الثّالث : أنّه يفيد التّراخي جوازاً ، فلا يثبت حكم وجوب الأداء على الفور بمطلق الأمر ، وقد ذكر هذا القول البيضاويّ ونسبه لقوم ، واختاره السّرخسيّ في أصوله .
الرّابع : أنّه مشترك بين الفور والتّراخي ، وهو رأي القائلين بالتّوقّف في دلالته ، فإنّهم لم يحملوه على الفور ولا على التّراخي ، وإنّما توقّفوا فيه . وتوقّف فيه أيضاً الجوينيّ ، كما جاء في إرشاد الفحول ، فقد ذكر أنّ الأمر باعتبار اللّغة لا يفيد الفور ولا التّراخي ، فيمتثل المأمور بكلّ من الفور والتّراخي لعدم رجحان أحدهما على الآخر ، مع التّوقّف في إثمه بالتّراخي لا بالفور ، لعدم احتمال وجوب التّراخي ، وقيل بالتّوقّف في الامتثال ، أي لا يدري هل يأثم إن بادر ، أو إن أخّر ؟ لاحتمال وجوب التّراخي . ومن أمثلة الخلاف بين العلماء في هذه المسألة اختلافهم في الحجّ ، أهو على الفور ، أم على التّراخي ؟ .
ومن أمثلته أيضاً : الأمر بالكفّارات ، والأمر بقضاء الصّوم وبقضاء الصّلاة . ومحلّ تفصيل ما قالوه في ذلك ، مع ما استدلّوا به ، هو الملحق الأصوليّ ، ومصطلح : ( أمر ) .
الفور في النّهي :
4 - النّهي يقتضي الدّوام والعموم عند الأكثر من أهل الأصول وأهل العربيّة ، فهو للفور . وقيل : هو كالأمر في عدم اقتضائه الدّوام .
ب - الرّخصة :
5 - ذكر صاحب مسلّم الثّبوت أربعة أقسام لما يطلق عليه اسم الرّخصة ، من حيث كونها رخصةً . وذكر أنّ ثاني تلك الأقسام ، ما تراخى حكم سببه مع بقائه على السّببيّة إلى زوال العذر الموجب للرّخصة ، كفطر المسافر والمريض ، فإنّ سببيّة الشّهر باقية في حقّهما ، حتّى لو صاما بنيّة الفرض أجزأ ، لما روى البخاريّ ومسلم ، « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لحمزة بن عمرو الأسلميّ إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر » .
وتأخّر الخطاب عنهما في قوله تعالى : { فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مريضَاً أو على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَر } والتّفصيل في مصطلح : ( رخصة ) .
ج - معنى ( ثمّ ) :
6 - أورد السّرخسيّ في أصوله : أنّ المعنى الّذي اختصّت به ( ثمّ ) في أصل الوضع هو : العطف على وجه التّعقيب مع التّراخي . وحكم هذا التّراخي فيه اختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه ، وتفصيله في الملحق الأصوليّ ومصطلح ( طلاق ) .
وأثر هذا الخلاف يظهر في قول الزّوج لغير المدخول بها ، أو للمدخول بها ، إن دخلت الدّار فأنت طالق ثمّ طالق ثمّ طالق ، أو أنت طالق ثمّ طالق ثمّ طالق إن دخلت الدّار ، أي مع تقديم الشّرط أو تأخيره . وتفصيله في الملحق الأصوليّ ومصطلح : ( طلاق ) .
ثانياً : مواضعه عند الفقهاء :
ذكر الفقهاء التّراخي وما يترتّب عليه في عدد من العقود والتّصرّفات ، توجز فيما يلي :
أ - التّراخي في ردّ المغصوب :
7 - صرّح الشّافعيّة والحنابلة بوجوب ردّ المغصوب فوراً من غير تراخ ، إن لم يكن للغاصب عذر في التّراخي ، كخوفه على نفسه ، أو ما بيده من مغصوب وغيره ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « على اليدِ ما أخذتْ حتّى تُؤَدِّيه » ولأنّه يأثم باستدامته تحت يده لحيلولته بينه وبين صاحبه ، فيجب عليه ردّه على الفور بنفسه أو وليّه أو وكيله ، وإن تكلّف عليه أضعاف قيمته ، إذ لا تقبل توبته ما دام في يده .
ولم نجد للحنفيّة والمالكيّة نصّاً في ذلك ، ولكنّ قواعدهم العامّة في وجوب رفع الظّلم تقتضي موافقة الشّافعيّة والحنابلة فيما ذهبوا إليه .
ب - تراخي الإيجاب عن القبول في الهبة :
8 - لا يجوز عند الشّافعيّة تراخي القبول عن الإيجاب في الهبة ، بل يشترط الاتّصال المعتاد كالبيع . وأجاز الحنابلة التّراخي في المجلس إذا لم يتشاغلا بما يقطع الاتّصال .
ولم يصرّح الحنفيّة والمالكيّة بذلك . والتّفصيل في مصطلح : ( هبة ) .
ج - التّراخي في طلب الشّفعة :
9 - ذهب الحنفيّة ، والشّافعيّة على القول الأظهر ، والحنابلة إلى أنّ طلب الشّفعة بعد العلم بها يكون على الفور ، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه عن عمر رضي الله عنه : « الشّفعة كحلّ العقال » .
وأجاز المالكيّة طلبها إلى سنة وما قاربها وتسقط بعدها .والتّفصيل في مصطلح : ( شفعة ).
د - التّراخي في قبول الوصيّة :
10 - اتّفق الفقهاء على اشتراط القبول في الوصيّة إن كانت لمعيّن ، ومحلّ القبول بعد موت الموصي . ولا يشترط فيه الفور عند الشّافعيّة والحنابلة ، فله القبول على الفور أو على التّراخي بعد موت الموصي . والتّفصيل في مصطلح : ( وصيّة ) .
هـ - حكم تراخي القبول عن الإيجاب في عقد النّكاح :
11 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى اشتراط ارتباط القبول بالإيجاب في عقد النّكاح ، حتّى إنّ النّوويّ ذكر أنّ القبول في المجلس لا يكفي ، بل يشترط الفور .
إلاّ أنّه يغتفر عند المالكيّة التّأخير اليسير . وأمّا الحنفيّة والحنابلة ، فيصحّ عندهم تراخي القبول عن الإيجاب في عقد النّكاح ، وإن طال الفصل بينهما ما لم يتفرّقا عن المجلس أو يتشاغلا بما يقطعه عرفاً ، لأنّ المجلس له حكم حالة العقد ، بدليل صحّة القبض فيما يشترط لصحّته قبضه في المجلس . والتّفصيل في مصطلح : ( نكاح ) .
و - التّراخي في خيار العيوب والشّروط في النّكاح :
12 - نصّ الحنابلة على أنّ خيار العيوب والشّروط في النّكاح على التّراخي ، لأنّه لدفع ضرر متحقّق ، فيكون على التّراخي ، كخيار أولياء الدّم بين القصاص أو الدّية أو العفو ، فلا يسقط إلاّ أن يوجد ممّن له الخيار دلالة على الرّضا ، من قول أو فعل ، من الزّوج إن كان الخيار له ، أو من الزّوجة إن كان الخيار لها ، أو يأتي بصريح الرّضا كأن يقول : رضيت بالعيب . وأمّا عند الشّافعيّة ، فقد نصّ النّوويّ في الرّوضة على : أنّ خيار العيب في النّكاح يكون على الفور ، كخيار العيب في البيع ، وقال : إنّ هذا هو المذهب ، وهو الّذي قطع به الجمهور . ورُوي قولان آخران : أحدهما : يمتدّ ثلاثة أيّام . والثّاني : يبقى إلى أن يوجد صريح الرّضا بالمقام معه أو ما يدلّ عليه . حكاهما الشّيخ أبو عليّ ، وهما ضعيفان .
ولا يثبت خيار العيب في النّكاح عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، فقد جاء في الفتاوى الهنديّة : خيار الرّؤية والعيب والشّرط - سواء جعل الخيار للزّوج أو للزّوجة أو لهما - ثلاثة أيّام أو أقلّ أو أكثر ، حتّى أنّه إذا شرط ذلك فالنّكاح جائز والشّرط باطل ، إلاّ إذا كان العيب هو الجبّ والخصاء والعنّة ، فإنّ المرأة بالخيار . وأمّا المالكيّة فقد ذكروا أنّ لكلّ واحد من الزّوجين الخيار بشروطه إذا وجد بصاحبه عيباً ، إلاّ أنّهم لم يصرّحوا بكون ذلك على الفور أو على التّراخي . والتّفصيل في مصطلح : ( نكاح ) .
ز - التّراخي في تطليق المرأة نفسها بعد تفويض الطّلاق إليها :
13 - إذا فوّض الزّوج الطّلاق إلى زوجته ، فإنّ تطليقها نفسها لا يتقيّد بالمجلس عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة . غير أنّ المالكيّة لا فرق عندهم بين كون التّفويض تخييراً أو تمليكاً ، فإن قيّده بوقت كسنة فليس للزّوجة الخروج عنه ، ويفرّق بينهما بعد التّفويض إلى أن تختار البقاء أو الفراق عند المالكيّة .
وأمّا عند الشّافعيّة فإنّ التّفويض يقتضي الفور في الجديد على أنّه تمليك ما لم يعلّقه بشرط . ( ر : طلاق ) . وتفصيل ما لم يذكر هنا من مسائل التّراخي موطنه الملحق الأصوليّ .

تراضي *
التّعريف :
1 - التّراضي في اللّغة : تفاعل من الرّضا ضدّ السّخط ، والرّضا : هو الرّغبة في الفعل أو القول والارتياح إليه ، والتّفاعل يدلّ على الاشتراك .
ويستعمله الفقهاء في نفس المعنى ، حينما يتّفق العاقدان على إنشاء العقد دون إكراه أو نحوه ، فيقولون مثلاً : البيع مبادلة المال بالمال بالتّراضي .
وفي الآية الكريمة : { لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بينكُمْ بالبَاطِلِ إلاّ أنْ تكونَ تِجَارَةً عن تَرَاضٍ منكُم }. قال القرطبيّ : عن رضاً منكم ، وجاءت من المفاعلة ، إذ التّجارة تكون بين طرفين .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإرادة :
2 - الإرادة في اللّغة : الطّلب والمشيئة . ويستعملها الفقهاء بمعنى : القصد والاتّجاه إلى الشّيء ، فهي أعمّ من الرّضا ، فقد يريد المرء شيئاً ويرتاح إليه ، فيجتمع الرّضا مع الإرادة ، وقد لا يرتاح إليه ولا يحبّه ، فتنفرد الإرادة عن الرّضا .
ب - الاختيار :
3 - الاختيار : إرادة الشّيء بدلاً من غيره ، وأصله من الخير ، فالمختار هو المريد لخير الشّيئين في الحقيقة ، أو خير الشّيئين عند نفسه ، وقد يتوجّه القصد إلى أمر واحد دون النّظر إلى أمر آخر ، وفي هذه الحالة تنفرد الإرادة عن الاختيار .
وقد يختار المرء أمراً لا يحبّه ولا يرتاح إليه ، فيأتي الاختيار بدون الرّضا ، كما يقول الفقهاء : " يختار أهون الشّرّين " ، والمكره قد يختار الشّيء ولا يرضاه كما يقول الحنفيّة .
الحكم الإجماليّ :
4 - الأصل أنّ التّراضي بين الطّرفين يكون قولاً بالإيجاب والقبول ، وقد يكون قولاً من أحدهما وفعلاً من الطّرف الآخر ، أو فعلاً من الجانبين كما في المعاطاة ، وتفصيله في مصطلح : ( عقد ) . وإذا حصل التّراضي بالقول يتمّ بمجرّد الإيجاب والقبول عند الحنفيّة والمالكيّة ، فيلزم العقد بذلك ، ويرتفع الخيار .
وقال الشّافعيّة والحنابلة : تمّام التّراضي ولزومه بافتراق الأبدان ، فهما على خيارهما أبداً ما لم يتفرّقا بأبدانهما ، كما ورد في الحديث : « البَيِّعانِ بالخِيَارِ ما لم يتفرّقا » .
وقد فسّره الحنفيّة والمالكيّة بافتراق الأقوال بالإيجاب والقبول .
وتفصيله في مصطلح : ( افتراق ، وخيار المجلس ) .
5- هذا ، وحيث إنّ التّراضي أساس انعقاد العقود ، والإيجاب والقبول أو التّعاطي ونحوهما وسيلة للتّعبير عنه ، ينبغي أن يكون الرّضا الّذي دلّ عليه التّعبير خالياً عن العيوب ، وإلاّ اختلّ التّراضي ، فيختلّ العقد .
ويختلّ التّراضي بأسباب نذكر منها ما يلي :
أ - الإكراه :
6 - وهو حمل الإنسان على أمر يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه .
وبما أنّ الإكراه يعدم الرّضا ، فإنّ العقد يفسد به عند أكثر الفقهاء ، ويصير قابلاً للفسخ عند المالكيّة ، وقال بعض الحنفيّة : يتوقّف حكمه على إجازة المكره بعد زوال الإكراه ، وتفصيله في مصطلح : ( إكراه ) .
ب - الهزل :
7 - وهو ضدّ الجدّ ، بأن يراد بالشّيء ما لم يوضع له ، ولا ما صحّ له اللّفظ استعارةً . والهازل يتكلّم بصيغة العقد باختياره ، لكن لا يختار ثبوت الحكم ولا يرضاه ، ولهذا لا تنعقد به العقود الماليّة عند أكثر الفقهاء ، وله آثاره في بعض التّصرّفات كالزّواج والطّلاق والرّجعة ( ر : هزل ) .
ج - المواضعة أو التّلجئة :
8 - وهي أن يتظاهر العاقدان بإنشاء عقد صوريّ للخوف من ظالم ونحوه ، ولا يريدانه في الواقع ، والعقد بهذه الصّورة : فاسد ، أو باطل ، أو جائز ، على خلاف وتفصيل موضعه مصطلح : ( مواضعة وتلجئة ) .
د - التّغرير :
9 - هو إيقاع الشّخص في الغرر ، أي : الخطر ، كأن يوصف المبيع للمشتري بغير صفته الحقيقيّة لترغيبه في العقد . فإذا غرّ أحد العاقدين الآخر ، وتحقّق أنّ في البيع غبناً فاحشاً فللمغبون أن يفسخ العقد على تفصيل ينظر في مصطلح : ( غبن وتغرير ) .
وهناك أسباب أخرى يختلّ بها التّراضي كالغلط والتّدليس والجهل والنّسيان ونحوها ، وتفصيل القول في كلّ منها في مصطلحاتها .
مواطن البحث :
10 - يتكلّم الفقهاء عن التّراضي في : إنشاء العقود ، ولا سيّما في تعريف البيع ، وفي الإقالة ، وفي موافقة الزّوجين على مقدار الصّداق بعد العقد ، أو الزّيادة أو النّقصان فيه في بحث المهر ، وفي الخلع ، والصّلح ، واتّفاق الأبوين على فطام المولود لأقلّ من سنتين في بحث الرّضاع .
وتفصيل ما يتّصل بالتّراضي من طرفين أو طرف واحد موطنه مصطلح : ( رضاً ) .

تراويح *
انظر : صلاة التّراويح .

تربّص *
انظر : عدّة .

تربّع *
التّعريف :
1 - التّربّع في اللّغة : ضرب من الجلوس ، وهو خلاف الجثوّ والإقعاء .
وكيفيّته : أن يقعد الشّخص على وركيه ، ويمدّ ركبته اليمنى إلى جانب يمينه ، وقدمه اليمنى إلى جانب يساره . واليسرى بعكس ذلك . واستعمله الفقهاء بهذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - التّربّع : غير الاحتباء : والافتراش ، والإِفضاء ، والإِقعاء ، والتّورّك .
فالاحتباء : أن يجلس على أليتيه ، رافعاً ركبتيه محتوياً عليهما بيديه أو غيرهما . والافتراش : أن يثني رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها ، وينصب قدمه اليمنى ويخرجها من تحته ، ويجعل بطون أصابعه على الأرض معتمداً عليها لتكون أطراف أصابعها إلى القبلة .
والإفضاء في الجلوس في الصّلاة هو : أن يلصق أليته بالأرض ، وينصب رجله اليمنى وظاهر إبهامها ممّا يلي الأرض ، ويثني رجله اليسرى .
والإقعاء : أن يلصق أليتيه بالأرض ، وينصب ساقيه ، ويضع يديه على الأرض .
أو أن يجعل أليتيه على عقبيه ، ويضع يديه على الأرض .
وفي نصّ الشّافعيّة : الإقعاء المكروه : أن يجلس الشّخص على وركيه ناصباً ركبتيه . والتّورّك : أن ينصب اليمنى ويثني رجله اليسرى ، ويقعد على الأرض .
ولتمام الفائدة تنظر هذه الألفاظ في مصطلحاتها .
حكم التّربّع :
أوّلاً - التّربّع في الصّلاة :
أ - التّربّع في الفريضة لعذر :
3 - أجمع أهل العلم على أنّ من لا يطيق القيام ، له أن يصلّي جالساً ، وقد « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه : صلّ قائماً ، فإِن لم تستطع فقاعداً ، فإِن لم تستطع فعلى جَنْب » وفي رواية : « فإن لم تستطع فمستلقياً » .
ولأنّ الطّاعة بحسب القدرة لقول اللّه تعالى : { لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسَاً إلاّ وُسْعَها } .
4 - واختلفوا في هيئة الجلوس إذا عجز المصلّي عن القيام كيف يقعد ؟
فذهب المالكيّة في المشهور عندهم ، والشّافعيّة في قول ، والحنابلة إلى : أنّه إذا قعد المعذور يندب له أن يجلس متربّعاً ، وهو رواية عن أبي يوسف .
ويرى أبو حنيفة - في رواية محمّد عنه وهي ما صحّحها العينيّ - أنّ المعذور إذا افتتح الصّلاة يجلس كيفما شاء ، لأنّ عذر المرض يسقط الأركان عنه ، فلأن يسقط عنه الهيئات أولى .
وروى الحسن عن أبي حنيفة : أنّه يتربّع ، وإذا ركع يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها . ويرى الشّافعيّة في الأظهر من القولين - وهو قول زفر من الحنفيّة - أنّه يقعد مفترشاً . وذهب المالكيّة في قول - وهو ما اختاره المتأخّرون - أنّ المعذور يجلس كما يجلس للتّشهّد . وهناك تفاصيل فيمن له أن يصلّي جالساً ، وفي هيئة الّذي لا يقدر على الجلوس ولا على القيام تنظر في مصطلحات : ( صلاة المريض ، عذر ، وقيام ) .
ب - التّربّع في الفريضة بغير عذر :
5 - التّربّع مخالف للهيئة المشروعة في الفريضة في التّشهّدين جميعاً .
وقد صرّح الحنفيّة بكراهة التّربّع من غير عذر ، لما روي أنّ عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما رأى ابنه يتربّع في صلاته ، فنهاه عن ذلك ، فقال : رأيتك تفعله يا أبت ، فقال : إنّ رجليّ لا تحملاني . ولأنّ الجلوس على الرّكبتين أقرب إلى الخشوع ، فكان أولى .
وهذا ما يفهم من عبارات المالكيّة أيضاً ، لأنّهم يعدّون الإفضاء في الجلوس من مندوبات الصّلاة ، ويعتبرون ترك سنّة خفيفة عمداً من سنن الصّلاة مكروهاً .
ويسنّ عند الشّافعيّة في قعود آخر الصّلاة التّورّك ، وفي أثنائها الافتراش .
ويقول الحنابلة بسنّيّة الافتراش في التّشهّد الأوّل ، والتّورّك في التّشهّد الثّاني .
ونقل ابن عبد البرّ إجماع العلماء على عدم جواز التّربّع للصّحيح في الفريضة .
وقال ابن حجر العسقلانيّ : لعلّ المراد بكلام ابن عبد البرّ بنفي الجواز إثبات الكراهة .
ج - التّربّع في صلاة التّطوّع :
6 - لا خلاف في جواز التّطوّع قاعداً مع القدرة على القيام ، ولا في أنّ القيام أفضل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من صلّى قائماً فهو أفضل ، ومن صلّى قاعداً فله نصف أجر القائم » وقالت عائشة رضي الله عنها : « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يمت حتّى كان كثير من صلاته وهو جالس » .
7- أمّا كيفيّة القعود في التّطوّع فقد اختلف فيها :
فذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في قول - وهو رواية عن أبي يوسف ومحمّد - إلى أنّه يستحبّ للمتطوّع جالساً أن يكبّر للإحرام متربّعاً ويقرأ ، ثمّ يغيّر هيئته للرّكوع أو السّجود على اختلاف بينهم ، وروي ذلك عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهم . كما روي عن ابن سيرين ومجاهد وسعيد بن جبير والثّوريّ وإسحاق رحمهم الله .
ويرى أبو حنيفة ومحمّد - فيما نقله الكرخيّ عنه - تخيير المتطوّع في حالة القراءة بين القعود والتّربّع والاحتباء .
وعن أبي يوسف أنّه يحتبي ، هذا ما اختاره الإمام خواهر زاده ، لأنّ عامّة صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في آخر العمر كان محتبياً ،ولأنّه يكون أكثر توجّهاً بأعضائه إلى القبلة. وقال زفر : يقعد في جميع الصّلاة كما في التّشهّد ، هذا ما اختاره السّرخسيّ .
وقال الفقيه أبو اللّيث : وعليه الفتوى لأنّه المعهود شرعاً في الصّلاة .
وقال الشّافعيّة في أصحّ الأقوال : إنّ المتطوّع يقعد مفترشاً .
ثانياً - التّربّع عند تلاوة القرآن :
8 - لا بأس بقراءة القرآن في كلّ حال : قائماً أو جالساً ، متربّعاً أو غير متربّع ، أو مضطجعاً أو راكباً أو ماشياً ، لحديث « عائشة قالت : كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يتّكئ في حجري وأنا حائض ثمّ يقرأ القرآن » وعنها قالت : " إنّي لأقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري " .

ترتيب *
التّعريف :
1 - التّرتيب في اللّغة : جعل كلّ شيء في مرتبته . واصطلاحاً : هو جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد ، ويكون لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتّقدّم والتّأخّر .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّتابع والموالاة :
2 - التّتابع : مصدر تتابع ، يقال : تتابعت الأشياء والأمطار والأمور ، إذا جاء واحد منها خلف واحد على أثره بشرط عدم القطع .
وفسّر الفقهاء التّتابع في الصّيام : بأن لا يفطر المرء في أيّام الصّيام . وعلى ذلك ، فالتّتابع والموالاة متقاربان في المعنى ، إلاّ أنّ الفقهاء يستعملون التّتابع غالباً في الاعتكاف وكفّارة الصّيام ونحوهما ، ويستعملون الموالاة غالباً في الطّهارة من الوضوء والتّيمّم والغسل .
ويختلف التّرتيب عن التّتابع والموالاة في أنّ التّرتيب يكون لبعض الأجزاء نسبة إلى البعض بالتّقدّم والتّأخّر ، بخلاف التّتابع والموالاة ، ومن جهة أخرى فإنّ التّتابع والموالاة يشترط فيهما عدم القطع والتّفريق ، فيضرّهما التّراخي ، بخلاف التّرتيب .
الحكم الإجماليّ :
3 - التّرتيب إنّما يكون بين أشياء مختلفة كالأعضاء في الوضوء ، والجمرات الثّلاث ، فإن اتّحد المحلّ ولم يتعدّد فلا معنى للتّرتيب كما يقول الزّركشيّ ، ومن ثمّ لم يجب التّرتيب في الغسل ، لأنّه فرض يتعلّق بجميع البدن ، تستوي فيه الأعضاء كلّها . وكذلك الرّكوع الواحد والسّجود الواحد لا يظهر فيه أثر التّرتيب ، فإذا اجتمع الرّكوع والسّجود ظهر أثره .
هذا ، وقد بيّن الفقهاء حكم وأهمّيّة التّرتيب في مباحث العبادات من : الطّهارة ، وأركان الصّلاة ، ونسك الحجّ ، والكفّارات في النّذور والأيمان ونحوها .
واتّفقوا على فرضيّة التّرتيب في بعض العبادات ، كالتّرتيب في أركان الصّلاة من القيام والرّكوع والسّجود ، واختلفوا في بعضها ، نذكر منها ما يلي :
أ - التّرتيب في الوضوء :
4 - التّرتيب في أعمال الوضوء فرض عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّها وردت في الآية مرتّبةً ، قال اللّه تعالى : { إذا قُمْتم إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وجُوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وامسَحُوا برءوسِكم وأرجلَكم إلى الكَعْبَين } لأنّ إدخال الممسوح " أي الرّأس " بين المغسولات " أي الأيدي والأرجل " قرينة على أنّه أريد به التّرتيب ، فالعرب لا تقطع النّظير عن النّظير إلاّ لفائدة ، والفائدة هاهنا التّرتيب .
وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم وجوب التّرتيب في الوضوء ، بل هو سنّة عندهم ، لأنّ اللّه تعالى أمر بغسل الأعضاء ، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع ، وهي لا تقتضي التّرتيب . وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّه قال :" ما أبالي بأيّ أعضائي بدأت ". والتّرتيب إنّما يكون في عضوين مختلفين ، فإن كانا في حكم العضو الواحد لم يجب ، ولهذا لا يجب التّرتيب بين اليمنى واليسرى في الوضوء اتّفاقاً .
ولكن يسنّ ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحبّ التّيامن » .
ب - التّرتيب في قضاء الفوائت :
5 - جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة قالوا بوجوب التّرتيب بين الصّلوات الفائتة ، وبينها وبين الصّلاة الوقتيّة إذا اتّسع الوقت . فمن فاتته صلاة أو صلوات وهو في وقت أخرى ، فعليه أن يبدأ بقضاء الفوائت مرتّبةً ، ثمّ يؤدّي الصّلاة الوقتيّة ، إلاّ إذا كان الوقت ضيّقاً لا يتّسع لأكثر من الحاضرة فيقدّمها ، ثمّ يقضي الفوائت على التّرتيب .
على أنّ المالكيّة يقولون بوجوب التّرتيب في قضاء يسير الفوائت مع صلاة حاضرة ، وإن خرج وقتها . وقال الشّافعيّة : لا يجب ذلك ، بل يسنّ ترتيب الفوائت ، كأن يقضي الصّبح قبل الظّهر ، والظّهر قبل العصر . وكذلك يسنّ تقديم الفوائت على الحاضرة محاكاةً للأداء ، فإن خاف فوت الحاضرة بدأ بها وجوباً لئلاّ تصير فائتةً .
هذا ، ويسقط التّرتيب عند الحنفيّة والحنابلة بالنّسيان ، وخوف فوت الوقتيّة ، وزاد الحنفيّة مسقطاً آخر هو زيادة الفوائت على خمس .
وفي المسألة خلاف وتفصيل يرجع إليه في ( قضاء الفوائت ) .
ج - التّرتيب في صفوف الصّلاة :
6 - صرّح الفقهاء بأنّه : لو اجتمع الرّجال والنّساء والصّبيان ، فأرادوا أن يصطفّوا لصلاة الجماعة ، يقوم الرّجال صفّاً ممّا يلي الإمام ، ثمّ الصّبيان بعدهم ثمّ الإناث .
وإذا تقدّمت النّساء على الرّجال فسدت صلاة من وراءهنّ من صفوف الرّجال عند الحنفيّة ، خلافاً لجمهور الفقهاء حيث صرّحوا بكراهة الصّلاة حينئذ دون الفساد ، كما هو مفصّل في مصطلح : ( اقتداء ، صلاة الجماعة ) .
مواطن البحث :
يرد ذكر التّرتيب عند الفقهاء - إضافةً إلى ما سبق - في مواضع مختلفة منها :
أ - التّرتيب في الجنائز :
7 - إذا كانت أكثر من واحدة ، فإذا اجتمعت جنائز الرّجال والنّساء والصّبيان حين الصّلاة عليها ، فإنّه يصفّ الرّجال ممّا يلي الإمام ، ثمّ صفّ الصّبيان ، ثمّ صفّ النّساء ، وكذلك التّرتيب في وضع الأموات في قبر واحد ، ويفصّل الفقهاء هذه المسائل في أبواب الجنائز .
ب - التّرتيب في الحجّ :
8 - التّرتيب في أعمال الحجّ وما يترتّب على الإخلال به ، فصّله الفقهاء في كتاب الحجّ .
( ر : إحرام ) .
ج - الدّيون :
9 - التّرتيب في قضاء الدّيون ، وما يجب تقديمه منها على غيره ، وما يتعلّق بحقوق العباد ، فصّله الفقهاء في باب الرّهن والنّفقة والكفّارة وغيرها ( ر : دين ) .
د - أدلّة الإثبات :
10 - التّرتيب في أدلّة الإثبات من الإقرار والشّهادة والقرائن ونحوها يذكره الفقهاء في كتاب الدّعوى .
هـ - النّكاح :
11 - ترتيب الأولياء في النّكاح وحقّ القصاص وسائر الحقوق كالإرث والحضانة وغيرهما مذكور في أبوابها من كتب الفقه ، وتفصيله في مصطلحاتها .
و - الكفّارات :
12 - التّرتيب بين أنواع الكفّارات في الأيمان والنّذور وغيرها أورده الفقهاء في باب الكفّارة . وتفصيل هذه المسائل يرجع إليه في مصطلحاتها .

ترتيل *
انظر : تلاوة .

ترجمة *
التّعريف :
1 - التّرجمة : مصدر ترجم ، يقال : ترجم كلامه : إذا بيّنه ، ويقال : ترجم كلام غيره : إذا عبّر عنه بلسانٍ آخر . ومنه التَّرجِمان ، والتَّرجُمان ، والتُرجُمان .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة التّرجمة عن المعنى الثّاني .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:16 PM

الألفاظ ذات الصّلة :
التّفسير :
2 - التّفسير مصدر فسّر ، وهو في اللّغة بمعنى : البيان والكشف والإظهار .
وفي الشّرع : توضيح معنى الآية ( أي ونحوها ) وشأنها ، وقصّتها ، والسّبب الّذي نزلت فيه بلفظ يدلّ عليه دلالة ظاهرة . فالتّرجمة تكون بلغة مغايرة ، وعلى قدر الكلام المترجم ، دون زيادة أو نقص ، بخلاف التّفسير فقد يطول ويتناول الدّلالات التّابعة للّفظ .
ترجمة القرآن الكريم وأنواعها :
3 - قال الشّاطبيّ : للّغة العربيّة - من حيث هي ألفاظ دالّة على معان - نظران : أحدهما : من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مطلقةً دالّةً على معان مطلّقة ، وهي الدّلالة الأصليّة . والثّاني : من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مقيّدةً ، دالّةً على معان خادمة ، وهي الدّلالة التّابعة . فالجهة الأولى : هي الّتي يشترك فيها جميع الألسنة ، وإليها تنتهي مقاصد المتكلّمين ، ولا تختصّ بأمّة دون أخرى ، فإنّه إذا حصل في الوجود فعل لزيد مثلاً كالقيام ، ثمّ أراد كلّ صاحب لسان الإخبار عن زيد بالقيام ، تأتّى له ما أراد من غير كلفة .
ومن هذه الجهة يمكن في لسان العرب الإخبار عن أقوال الأوّلين - ممّن ليسوا من أهل اللّغة العربيّة - وحكاية كلامهم . ويتأتّى في لسان العجم حكاية أقوال العرب والإخبار عنها ، وهذا لا إشكال فيه .
وأمّا الجهة الثّانية : فهي الّتي يختصّ بها لسان العرب في تلك الحكاية وذلك الإخبار ، فإنّ كلّ خبر يقتضي في هذه الجهة أموراً خادمةً لذلك الإخبار ، بحسب المخبر ، والمخبر عنه ، والمخبر به ، ونفس الإخبار ، في الحال والمساق ، ونوع الأسلوب : من الإيضاح والإخفاء ، والإيجاز ، والإطناب ، وغير ذلك .
وذلك أنّك تقول في ابتداء الإخبار : قام زيد إن لم تكن ثمّ عناية بالمخبر عنه ، بل بالخبر . فإن كانت العناية بالمخبر عنه قلت : زيد قام . وفي جواب السّؤال أو ما هو منزّل تلك المنزلة : إنّ زيداً قام . وفي جواب المنكر لقيامه : واللّه إنّ زيداً قام . وفي إخبار من يتوقّع قيامه ، أو الإخبار بقيامه : قد قام زيد ، أو زيد قد قام . وفي التّنكيت على من ينكر : إنّما قام زيد . ثمّ يتنوّع أيضاً بحسب تعظيمه أو تحقيره - أعني المخبر عنه - وبحسب الكناية عنه والتّصريح به ، وبحسب ما يقصد في مساق الإخبار ، وما يعطيه مقتضى الحال ، إلى غير ذلك من الأمور الّتي لا يمكن حصرها ، وجميع ذلك دائر حول الإخبار بالقيام عن زيد . فمثل هذه التّصرّفات الّتي يختلف معنى الكلام الواحد بحسبها ، ليست هي المقصود الأصليّ ، ولكنّها من مكمّلاته ومتمّماته . وبطول الباع في هذا النّوع يحسن مساق الكلام إذا لم يكن فيه منكر . وبهذا النّوع الثّاني اختلفت العبارات وكثير من أقاصيص القرآن ، لأنّه يأتي مساق القصّة في بعض السّور على وجه ، وفي بعضها على وجه آخر ، وفي ثالثة على وجه ثالث ، وهكذا ما تقرّر فيه من الإخبارات لا بحسب النّوع الأوّل ، إلاّ إذا سكت عن بعض التّفاصيل في بعض ، ونصّ عليه في بعض . وذلك أيضاً لوجه اقتضاه الحال والوقت . { وما كان ربُّك نَسِيَّاً } وإذا ثبت هذا فلا يمكن لمن اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلاماً من الكلام العربيّ بكلام العجم على حال ، فضلاً عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان غير عربيّ ، إلاّ مع فرض استواء اللّسانين في اعتباره عيناً ، كما إذا استوى اللّسان في استعمال ما تقدّم تمثيله ونحوه .
فإذا ثبت ذلك في اللّسان المنقول إليه مع لسان العرب ، أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر . وإثبات مثل هذا بوجه بيّن عسير جدّاً . وربّما أشار إلى شيء من ذلك أهل المنطق من القدماء ، ومن حذا حذوهم من المتأخّرين ، ولكنّه غير كاف ولا مغن في هذا المقام .
وقد نفى ابن قتيبة إمكان التّرجمة في القرآن يعني على هذا الوجه الثّاني ، فأمّا على الوجه الأوّل فهو ممكن ، ومن جهته صحّ تفسير القرآن وبيان معناه للعامّة ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه ، وكان ذلك جائزاً باتّفاق أهل الإسلام ، فصار هذا الاتّفاق حجّةً في صحّة التّرجمة على المعنى الأصليّ .
4 - هذا وتنقسم التّرجمة إلى نوعين :
أ - التّرجمة الحرفيّة : وهي النّقل من لغة إلى أخرى ، مع التزام الصّورة اللّفظيّة للكلمة ، أو ترتيب العبارة .
ب - التّرجمة لمعاني الكلام : وهي تعبير بألفاظ تبيّن معاني الكلام وأغراضه ، وتكون بمنزلة التّفسير .
ما يتعلّق بالتّرجمة من أحكام :
أ - كتابة القرآن بغير العربيّة وهل تسمّى قرآناً ؟
5 - ذهب بعض الحنفيّة إلى جواز كتابة آية أو آيتين بحروف غير عربيّة ، لا كتابته كلّه ، لكن كتابة القرآن بالعربيّة وتفسير كلّ حرف وترجمته جائز عندهم .
لما روي عن سلمان الفارسيّ رضي الله عنه أنّ قوماً من الفرس سألوه أن يكتب لهم شيئاً من القرآن ، فكتب لهم فاتحة الكتاب بالفارسيّة .
ب - قراءة القرآن بغير العربيّة :
ونظر الفقهاء في ذلك على اختلاف آرائهم متوجّه إلى عدم الإخلال بحفظ القرآن ، وأن لا تكون مؤدّيةً إلى التّهاون بأمره ، ولكنّها لا تسمّى قرآناً على أيّ وجه كانت .
6 - واختلف الفقهاء في جواز القراءة في الصّلاة بغير العربيّة .
فيرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه لا يجوز القراءة بغير العربيّة ، سواء أحسن قراءتها بالعربيّة أم لم يحسن ، لقوله تعالى : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّر مِنَ القرآنِ } أمر بقراءة القرآن في الصّلاة ، والقرآن هو المنزّل بلغة العرب ، كما قال سبحانه وتعالى : { إِنَّا أنْزَلْنَاه قًرآنَاً عَرَبيّاً } وقال أيضاً : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } ولأنّ ترجمة القرآن من قبيل التّفسير ، وليست قرآناً ، لأنّ القرآن هو اللّفظ العربيّ المنزّل على سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم ، فالقرآن دليل النّبوّة وعلامة الرّسالة ، وهو المعجز بلفظه ومعناه ، والإعجاز من حيث اللّفظ يزول بزوال النّظم العربيّ ، فلا تكون التّرجمة قرآناً لانعدام الإعجاز ، ولذا لم تحرم قراءة التّرجمة على الجنب والحائض ، ولا يحنث بها من حلف لا يقرأ القرآن .
وذهب أبو يوسف ومحمّد إلى أنّ المصلّي إن كان يحسن العربيّة لا يجوز أن يقرأ القرآن بغيرها ، وإن كان لا يحسن يجوز . وقد ثبت رجوع أبي حنيفة إلى قولهما لقوّة دليلهما وهو : أنّ المأمور به قراءة القرآن ، وهو اسم للمنزّل باللّفظ العربيّ المنظوم هذا النّظم الخاصّ المكتوب في المصاحف ، المنقول إلينا نقلاً متواتراً .
والأعجميّة إنّما تسمّى قرآناً مجازاً ، ولذا يصحّ نفي اسم القرآن على المترجم إليها .
وذهب أبو حنيفة في المشهور من قوله إلى جواز القراءة بالفارسيّة - فيما يمكن ترجمته حرفيّاً - كما يجوز بالعربيّة ، سواء أكان يحسن العربيّة أم لا يحسن ، فتجب لأنّها اعتبرت خلفاً عن النّظم العربيّ ، وليس لكونها قرآناً ، فهي حينئذ رخصة عنده .
غير أنّه إن كان يحسن العربيّة يصير مسيئاً لمخالفته السّنّة المتوارثة .
وقد رجع أبو حنيفة إلى رأي صاحبيه كما سبق . ثمّ الجواز على قول أبي حنيفة - المرجوع عنه - مقصور على قراءة من لا يكون متّهماً بالعبث بالقرآن ، وأن لا يكون معتاداً لقراءة القرآن بالعجميّة ، أمّا اعتياد القراءة بالأعجميّة فممنوع مطلقاً .
ت - مسّ المحْدِث التّرجمة وحملها وقراءتها :
7 - ذهب الحنفيّة في الأصحّ عندهم إلى أنّه لا يجوز للحائض قراءة القرآن بقصد القراءة ولا مسّه ، ولو مكتوباً بغير العربيّة ، وقال بعضهم : يجوز ، وقال ابن عابدين نقلاً عن البحر : وهذا أقرب إلى القياس ، والمنع أقرب إلى التّعظيم ، والصّحيح المنع .
والمتبادر من أقوال المالكيّة ، وهو ما صرّح به الحنابلة : جواز مسّ كتب التّفسير مطلقاً ، قلّ التّفسير أو كثر ، لأنّه لا يقع عليها اسم المصحف ، ولا تثبت لها حرمته .
ويرى الشّافعيّة حرمة حمل التّفسير ومسّه ، إذا كان القرآن أكثر من التّفسير ، وكذلك إن تساويا على الأصحّ ، ويحلّ إذا كان التّفسير أكثر على الأصحّ ، وفي رواية : يحرم لإخلاله بالتّعظيم . والتّرجمة من قبيل التّفسير .
ث - ترجمة الأذان :
8 - لو أذّن بالفارسيّة أو بلغة أخرى غير العربيّة ، فالصّحيح عند الحنفيّة والحنابلة : أنّه لا يصحّ ، ولو علم أنّه أذان .
وهو المتبادر من كلام المالكيّة ، لأنّهم يشترطون في الأذان : أن يكون بالألفاظ المشروعة . وأمّا الشّافعيّة فقد فصّلوا الكلام فيه ، وقالوا : إن كان يؤذّن لجماعة ، وفيهم من يحسن العربيّة ، لم يجزئ الأذان بغيرها ، ويجزئ إن لم يوجد من يحسنها . وإن كان يؤذّن لنفسه ، فإن كان يحسن العربيّة لا يجزئه الأذان بغيرها ، وإن كان لا يحسنها أجزأه .
ج - ترجمة التّكبير والتّشهّد وخطبة الجمعة وأذكار الصّلاة :
9 - لو كبّر المصلّي بغير العربيّة ، فذهب أبو حنيفة إلى جوازه مطلقاً ، عجز عن العربيّة أم لم يعجز ، واحتجّ في ذلك بقوله تعالى : { وَذَكَرَ اسمَ رَبِّه فَصَلَّى } ، وقياساً على إسلام الكافر . وشرط أبو يوسف ومحمّد عجز الشّخص عن العربيّة .
وعلى هذا الخلاف : الخطبة وأذكار الصّلاة ، كما لو سبّح بالفارسيّة في الصّلاة ، أو أثنى على اللّه تعالى ، أو تعوّذ ، أو هلّل ، أو تشهّد ، أو صلّى على النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصحّ عنده ، وأمّا أبو يوسف ومحمّد فشرطا العجز .
وذكر ابن عابدين نقلاً عن شرح الطّحاويّ : أنّه لو كبّر الشّخص بالفارسيّة ، أو سمّى عند الذّبح ، أو لبّى عند الإحرام بالفارسيّة أو بأيّ لسان ، سواء أكان يحسن العربيّة أم لا ، جاز بالاتّفاق بين الإمام وصاحبيه ، وهذا يعني أنّ الصّاحبين رجعا إلى قول الإمام في جواز التّكبير والأذكار مطلقاً ، كما أنّ أبا حنيفة رجع إلى قولهما في عدم جواز القراءة بالعجميّة إلاّ عند العجز . ويرى المالكيّة أنّه إن عجز عن التّكبير بالعربيّة سقط ، ولا يجوز بغيرها ، ويكفيه نيّته كالأخرس ، فإن أتى العاجز عنه بمرادفه من لغة أخرى لم تبطل ، قياساً على الدّعاء بالعجميّة ولو للقادر على العربيّة .
وعند بعض شيوخ القاضي عياض : يجوز الإتيان بالتّكبير بغير العربيّة ، وأمّا الخطبة فلا تجوز عندهم بغير العربيّة ولو كان الجماعة عجماً لا يعرفون العربيّة ، فلو لم يكن منهم من يحسن الإتيان بالخطبة عربيّةً لم تلزمهم جمعة .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز التّكبير بالعجميّة إذا أحسن العربيّة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « صلّوا كما رأيتموني أُصلّي » وكان عليه الصلاة والسلام يكبّر بالعربيّة ، وأيضاً قال للمسيء في صلاته : « إذا قمت للصّلاة فكبّر .. » ولأنّه لم ينقل عنه العدول عن ذلك حتّى فارق الدّنيا . هذا إذا أحسن العربيّة ، أمّا إن لم يحسن العربيّة لزمه تعلّم التّكبير بها إن كان في الوقت متّسع ، وإلاّ كبّر بلغته . وكذلك التّشهّد الأخير والصّلاة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يجوزان بغير العربيّة عندهم للعاجز عنها ، ولا يجوز للقادر .
وأمّا خطبة الجمعة ، فذهب الشّافعيّة في الأصحّ من المذهب إلى : أنّه يشترط أن تكون بالعربيّة ، فإن لم يكن ثمّ من يحسن العربيّة ، ولم يمكن تعلّمها ، خطب بغيرها ، فإن انقضت مدّة إمكان التّعلّم - ولم يتعلّموا - عصوا كلّهم ولا جمعة لهم .
وفي السّلام بالعجميّة ثلاثة أوجه : أحدهما : إن قدر على العربيّة لم يجز ، وقال النّوويّ : الصّواب صحّة سلامه بالعجميّة إن كان المخاطب يفهمها .
والضّابط عند الشّافعيّة في مسألة التّرجمة هو : أنّ ما كان المقصود منه لفظه ومعناه ، فإن كان لإعجازه امتنع قطعاً ، وإن لم يكن كذلك امتنع للقادر ، كالأذان وتكبير الإحرام والتّشهّد والأذكار المندوبة ، والأدعية المأثورة في الصّلاة ، والسّلام والخطبة .
وما كان المقصود منه معناه دون لفظه ، فجائز ، كالبيع والخلع والطّلاق ونحوها .
والقول الآخر عند الشّافعيّة أنّ كون الخطبة بالعربيّة مستحبّ فقط ، قال النّوويّ : لأنّ المقصود الوعظ ، وهو حاصل بكلّ اللّغات .
ح - الدّعاء بغير العربيّة في الصّلاة :
10 - المنقول عن الحنفيّة في الدّعاء بغير العربيّة الكراهة ، لأنّ عمر رضي الله تعالى عنه نهى عن رطانة الأعاجم ، والرّطانة كما في القاموس : الكلام بالأعجميّة .
وظاهر التّعليل : أنّ الدّعاء بغير العربيّة خلاف الأولى ، وأنّ الكراهة فيه تنزيهيّة ، ولا يبعد أن يكون الدّعاء بالعجميّة مكروهاً تحريماً في الصّلاة ، وتنزيهاً خارجها .
وذهب المالكيّة إلى أنّه يحرم الدّعاء بغير العربيّة - على ما نقل ابن عابدين عن القرافيّ - معلّلاً باشتماله على ما ينافي التّعظيم ، وقيّد اللّقانيّ كلام القرافيّ بالأعجميّة المجهولة المدلول ، أخذاً من تعليله ، وهو اشتمالها على ما ينافي جلال الرّبوبيّة .
وأمّا إذا علم مدلولها فيجوز استعمالها مطلقاً في الصّلاة وغيرها ، لقوله تعالى : { وَعَلَّمَ آدمَ الأَسْمَاءَ كُلَّها } وقوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا منْ رَسُولٍ إلاّ بِلِسَانِ قَومِه } وهذا ما صرّح به الدّسوقيّ أيضاً .
وقد فصّل الشّافعيّة الكلام فقالوا : الدّعاء في الصّلاة إمّا أن يكون مأثوراً أو غير مأثور .
أمّا الدّعاء المأثور ففيه ثلاثة أوجه : أصحّها ، ويوافقه ما ذهب إليه الحنابلة : أنّه يجوز بغير العربيّة للعاجز عنها ، ولا يجوز للقادر ، فإن فعل بطلت صلاته .
والثّاني : يجوز لمن يحسن العربيّة وغيره .
والثّالث : لا يجوز لواحد منهما لعدم الضّرورة إليه .
وأمّا الدّعاء غير المأثور في الصّلاة ، فلا يجوز اختراعه والإتيان به بالعجميّة قولاً واحداً . وأمّا سائر الأذكار كالتّشهّد الأوّل والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه ، والقنوت ، والتّسبيح في الرّكوع والسّجود ، وتكبيرات الانتقالات ، فعلى القول بجواز الدّعاء بالأعجميّة تجوز بالأولى ، وإلاّ ففي جوازها للعاجز أوجه : أصحّها : الجواز . والثّاني : لا . والثّالث : يجوز فيما يجبر بسجود السّهو . وذكر صاحب الحاوي : أنّه إذا لم يحسن العربيّة أتى بكلّ الأذكار بالعجميّة ، وإن كان يحسنها أتى بالعربيّة ، فإن خالف وقالها بالفارسيّة : فما كان واجباً كالتّشهّد والسّلام لم يجزه ، وما كان سنّةً كالتّسبيح والافتتاح أجزأه وقد أساء .
خ - الإِتيان بالشّهادتين بغير العربيّة لمن أراد الإِسلام :
11 - يرى جمهور الفقهاء أنّ الكافر إذا أراد الإسلام ، فإن لم يحسن العربيّة جاز أن يأتي بالشّهادتين بلسانه ، وأمّا إن كان يحسنها : فيرى الحنفيّة ، وهو الصّحيح عند عامّة الشّافعيّة أنّه جائز ، لأنّ المراد من الشّهادتين الإخبار عن اعتقاده ، وذلك يحصل بكلّ لسان . وأمّا المالكيّة فالأصل عندهم أنّ النّطق بالشّهادتين بالعربيّة شرط في صحّة الإسلام إلاّ لعجز - بخرس ونحوه - مع قيام القرينة على تصديقه بقلبه ، فيحكم له بالإسلام ، وتجري عليه أحكامه . وذهب الحنابلة إلى أنّه يثبت إسلام الكافر الأصليّ بالنّطق بالشّهادتين . وأمّا إن قال : أنا مؤمن أو أنا مسلم ،قال القاضي أبو يعلى : يحكم بإسلامه بهذا وإن لم يلفظ الشّهادتين.
د - الأمان بغير العربيّة :
12 - الأمان بغير العربيّة لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يجوز ، لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنّه قال : إذا قلتم : لا بأس أو : لا تذهل أو : مترس ، فقد آمنتموهم ، فإنّ اللّه تعالى يعلم الألسنة . وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مثل ذلك .
ذ - انعقاد النّكاح ووقوع الطّلاق ، بغير العربيّة :
أوّلاً - ترجمة صيغة النّكاح :
13 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ من لا يحسن العربيّة يصحّ منه عقد النّكاح بلسانه ، لأنّه عاجز عمّا سواه ، فسقط عنه كالأخرس ، ويحتاج أن يأتي بالمعنى الخاصّ بحيث يشتمل على معنى اللّفظ العربيّ ، وقال أبو الخطّاب من الحنابلة : عليه أن يتعلّم ما كانت العربيّة شرطاً فيه كالتّكبير . واختلفوا فيمن يقدر على لفظ النّكاح بالعربيّة :
فذهب الحنفيّة والشّافعيّة في الأصحّ ، والشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة وابن قدامة من الحنابلة إلى : أنّه ينعقد بغيرها ، لأنّه أتى بلفظه الخاصّ ، فانعقد به ، كما ينعقد بلفظ العربيّة .
ولأنّ اللّغة العجميّة تصدر عمّن تكلّم بها عن قصد صحيح .
ويرى الشّافعيّة في وجه آخر أنّه لا يصحّ بغير العربيّة ، حتّى وإن كان لا يحسنها . وللشّافعيّة قول ثالث : وهو أنّه ينعقد إن لم يحسن العربيّة وإلاّ فلا . وقال في كشّاف القناع : فإن كان أحد المتعاقدين في النّكاح يحسن العربيّة دون الآخر أتى الّذي يحسن العربيّة بما هو من قبله - من إيجاب أو قبول - بالعربيّة لقدرته عليه ، والعاقد الآخر يأتي بما هو من قبله بلغته ، وإن كان كلّ منهما لا يحسن لسان الآخر ترجم بينهما ثقة يعرف اللّسانين .
ثانياً - التّطليق بغير العربيّة :
14 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّ العجميّ إذا أتى بصريح الطّلاق بالعجميّة كان طلاقاً ، وإذا أتى بالكناية لا يقع إلاّ بنيّته . ولكنّهم اختلفوا في الألفاظ الّتي تعتبر صريح الطّلاق وكنايته بالعجميّة ، وبيّن الفقهاء بعضها في كتاب الطّلاق .
ويرى المالكيّة أنّ من طلّق بالعجميّة لزمه إن شهد بذلك عدلان يعرفان العجميّة .
قال ابن ناجي : قال أبو إبراهيم : يؤخذ منها أنّ التّرجمان لا يكون أقلّ من عدلين .
وينظر مصطلح : ( طلاق ) .
ر - التّرجمة في القضاء :
15 - جمهور الفقهاء على أنّ القاضي يجوز له أن يتّخذ مترجماً .
وأمّا تعدّده ، فذهب الحنفيّة وهو رواية عن أحمد إلى : أنّه يكفي واحد عدل ، وهو اختيار أبي بكر وقاله ابن المنذر أيضاً . قال ابن المنذر في حديث زيد بن ثابت : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلّم كتاب يهود ، قال : فكنت أكتب له إذا كتب إليهم ، وأقرأ له إذا كتبوا » . ولأنّه ممّا لا يفتقر إلى لفظ الشّهادة فأجزأ فيه الواحد كأخبار الدّيانات . ويرى المالكيّة أنّه يكفي الواحد العدل إن رتّبه القاضي .
أمّا غير المرتّب بأن أتى به أحد الخصمين ، أو طلبه القاضي للتّبليغ ، فلا بدّ فيه من التّعدّد ، لأنّه صار كالشّاهد . وفي قول : لا بدّ من تعدّده ، ولو رتّب .
وذهب الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة إلى : أنّ التّرجمة شهادة ، لأنّ المترجم ينقل إلى القاضي قولاً لا يعرفه القاضي ، وما خفي عليه فيما يتعلّق بالمتخاصمين ، ولذا فإنّها تفتقر إلى العدد والعدالة ، ويعتبر فيه من الشّروط ما يعتبر في الشّهادة .
فإن كان الحقّ ممّا يثبت برجل أو امرأتين قبلت التّرجمة من رجل وامرأتين ، وما لا يثبت إلاّ برجلين يشترط في ترجمته رجلان ، وفي حدّ الزّنا قولان عند الشّافعيّة .
أحدهما : أنّه لا يكفي فيه أقلّ من أربعة رجال أحرار عدول . والثّاني : يكفي فيه اثنان . وقيل عند الشّافعيّة : يكفي رجلان قطعاً .

ترجيح *
انظر : تعارض .

ترجيع *
التّعريف :
1 - التّرجيع في اللّغة هو : ترديد الصّوت في قراءة أو أذان أو غناء أو غير ذلك ممّا يُتَرنّم به . وفي الاصطلاح هو : أن يخفض المؤذّن صوته بالشّهادتين مع إسماعه الحاضرين ، ثمّ يعود فيرفع صوته بهما .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّثويب :
2 - التّثويب لغةً : العود إلى الإعلام بعد الإعلام .
واصطلاحاً : قول المؤذّن في أذان الصّبح بعد الحيعلتين ، أو بعد الأذان وقبل الإقامة - كما يقول بعض الفقهاء - الصّلاة خير من النّوم ، مرّتين .
ويختلف التّثويب عن التّرجيع - بالمعنى الأوّل - في أنّ التّثويب يكون في أذان الفجر بعد الحيعلتين أو بعد الأذان ، وأمّا التّرجيع فيكون في الإتيان بالشّهادتين في كلّ أذان .
الحكم الإجماليّ :
3 - يرى الحنفيّة والحنابلة على الصّحيح من المذهب - وهو قول الثّوريّ وإسحاق - أنّه لا ترجيع في الأذان ، « لحديث عبد اللّه بن زيد من غير ترجيع . فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إنّها حقّ إن شاء اللّه ، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت ، فليؤذّن به ، فإنّه أندى صوتاً منك . فقمت مع بلال ، فجعلت ألقيه عليه ويؤذّن به » .
فإذا رجع المؤذّن ، فقد نصّ الإمام أحمد على أنّه لا بأس به ، واعتبر الاختلاف في التّرجيع من الاختلافات المباحة ، وقال ابن نجيم : الظّاهر من عبارات مشايخ الحنفيّة أنّ التّرجيع مباح ليس بسنّة ولا مكروه ، لأنّ كلا الأمرين صحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ونقل الحصكفيّ عن ملتقى الأبحر كراهة التّرجيع في الأذان ، وحملها ابن عابدين على الكراهة التّنزيهيّة . ويرى المالكيّة ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة : أنّه يسنّ التّرجيع في الأذان ، لما روي عن أبي محذورة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ألقى عليه التّأذين هو بنفسه ، فقال له : قل : اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ، ثمّ قال : ارجع فامدد صوتك ، ثمّ قال : قل : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه .. إلخ » .
وهناك وجه للشّافعيّة حكاه الخراسانيّون : أنّ التّرجيع ركن لا يصحّ الأذان إلاّ به . قال القاضي حسين : نقل البيهقيّ عن الإمام الشّافعيّ : أنّه إن ترك التّرجيع لا يصحّ أذانه .
محلّ التّرجيع :
4 - التّرجيع يكون كما تقدّم في حديث أبي محذورة بعد الإتيان بالشّهادتين معاً ، فلا يرجّع الشّهادة الأولى قبل الإتيان بالشّهادة الثّانية .
حكمة التّرجيع :
5 - حكمة التّرجيع هي تدبّر كلمتي الإخلاص ، لكونهما المنجّيتين من الكفر ، المدخلتين في الإسلام ، وتذكّر خفائهما في أوّل الإسلام ثمّ ظهورهما .

ترجيل *
التّعريف :
1 - التّرجيل لغةً : تسريح الشّعر وتنظيفه وتحسينه . يقال : رجّلته ترجيلاً : إذا سرّحته ومشّطته . وقد يكون التّرجيل أخصّ من التّمشيط ،لأنّه يراعى فيه الزّيادة في تحسين الشّعر. أمّا التّسريح فهو : إرسال الشّعر وحلّه قبل المشط ، وعلى هذا فيكون التّسريح مغايراً للتّرجيل ، ومضادّاً للتّمشيط . وقال الأزهريّ : تسريح الشّعر ترجيله ، وتخليص بعضه من بعض بالمشط . فعلى المعنى الأوّل يكون مغايراً للتّرجيل ، وعلى الثّاني يكون مرادفاً .
ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ التّرجيل عن معناه اللّغويّ .
الحكم التّكليفيّ :
2 - الأصل في ترجيل الشّعر الاستحباب ، لما روى أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : « من كان له شعر فَلْيُكْرمْه » ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحبّ التّرجيل ، وكان يرجّل نفسه تارةً ، وترجّله عائشة رضي الله عنها تارةً أخرى فقد روت
« أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصغي إليّ رأسَه وهو مجاور في المسجد ، فأرجِّله وأنا حائض » .
وهناك حالات يختلف فيها حكم التّرجيل باختلاف الأشخاص والأوقات منها :
أ - ترجيل المعتكف :
3 - يرى جمهور الفقهاء : أنّه لا يكره للمعتكف إلاّ ما يكره فعله في المسجد ، فيجوز له ترجيل شعره ، لما روي عن « عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصغي إليّ رأسَه ، وهو مجاور في المسجد ، فأرجّله وأنا حائض » .
وقال المالكيّة : لا بأس بأن يدني المعتكف رأسه لمن هو خارج المسجد لترجيل شعره ، كأنّهم يرون كراهة التّرجيل في المسجد ، لأنّ التّرجيل لا يخلو من سقوط شيء من الشّعر ، والأخذ من الشّعر في المسجد مكروه عندهم . وللتّفصيل يرجع إلى مصطلح : ( اعتكاف ) .
ب - ترجيل المحرم :
4 - ذهب الحنفيّة إلى عدم جواز التّرجيل للمحرم - وهو قول المالكيّة إذا كان التّرجيل بالدّهن - لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الحاجّ الشَّعثُ التَّفِل » . والمراد بالشّعث انتشار شعر الحاجّ فلا يجمعه بالتّسريح والدّهن والتّغطية ونحوه .
وقال الشّافعيّة بكراهية التّرجيل للمحرم لأنّه أقرب إلى نتف الشّعر .
ويرى الحنابلة أنّ التّرجيل في حالة الإحرام لا بأس به ، ما لم يؤدّ إلى إبانة شعره .
أمّا إذا تيقّن المحرم سقوط الشّعر بالتّرجيل فلا خلاف بين الفقهاء في حرمته حينئذ . وتفصيل ذلك في : ( إحرام ) .
ج - ترجيل المحدَّة :
5 - لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز التّرجيل للمحدّة بشيء من الطّيب أو بما فيه زينة . أمّا التّرجيل بغير موادّ الزّينة والطّيب - كالسّدر وشبهه ممّا لا يختمر في الرّأس - فقد أجازه المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لما روت أمّ سلمة رضي الله عنها « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : لا تمتشطي بالطّيب ولا بالحنّاء فإنّه خضاب ، قالت : قلت : بأيّ شيء أمتشط ؟ قال : بالسّدر تغلّفين به رأسك » ولأنّه يراد للتّنظيف لا للتّطيّب .
وقال الحنفيّة بعدم جواز ترجيل المحدّة - وإن كان بغير طيب - لأنّه زينة ، فإن كان فبمشط ذي أسنان منفرجة دون المضمومة . وقيّد صاحب الجوهرة جواز ترجيل المحدّة بأسنان المشط الواسعة بالعذر . وينظر التّفصيل في ( إحداد ، وامتشاط ) .
كيفيّة التّرجيل :
6 - يستحبّ التّيامن في التّرجيل ، لحديث عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التّيامن في تنعّله وترجّله وطهوره ، وفي شأنه كلّه » .
الإغباب في التّرجيل :
يسنّ ترجيل الشّعر ودهنه غبّاً ، فالاستكثار من التّرجيل والمداومة عليه مكروه إلاّ لحاجة ، لحديث عبد اللّه بن مغفّل رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن التّرجّل إلاّ غبّاً » . ولما روى حميد بن عبد الرّحمن الحميريّ عن بعض أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كلّ يوم » .

ترحّم *
التّعريف :
1 - التّرحّم : من الرّحمة ، ومن معانيها : الرّقة ، والعطف ، والمغفرة .
والتّرحّم : طلب الرّحمة ، وهو أيضاً الدّعاء بالرّحمة ، كقولك : رحمه اللّه . وترحّمتُ عليه : أي قلت له : رحمة اللّه عليك ، ورحَّم عليه : قال له : رحمة اللّه عليك .
وتراحم القوم : رحم بعضهم بعضاً . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التَّرَضِّي :
2 - التّرضّي من الرّضا ، وهو ضدّ السّخط ، والتّرضّي : طلب الرّضا ، والتّرضّي أيضاً : أن تقول : رضي اللّه عنه . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى ، فالتّرضّي دعاء بالرّضوان ، والتّرحّم دعاء بالرّحمة . وللتّفصيل ر : ( ترضّي ) .
ب - التّبريك :
3 - التّبريك : الدّعاء بالبركة ، وهي بمعنى الزّيادة والنّماء ، يقال : بارك اللّه فيك وعليك ولك وباركك ، كلّها بمعنى : زادك خيراً ، ومنه قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ في النَّارِ ومَنْ حَوْلَها } وتبرّك به : أي تيمّن .
فالتّبريك بمعنى : الدّعاء بالبركة ، يتّفق مع التّرحّم في نفس هذا المعنى ، أي الدّعاء .
الحكم التّكليفيّ :
4 - لا خلاف بين الفقهاء في استحباب التّرحّم على الوالدين أحياءً وأمواتاً ، وعلى التّابعين من العلماء والعبّاد الصّالحين ، وعلى سائر الأخيار ، أحياءً وأمواتاً .
وأمّا التّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلاة وخارجها ، ففيه خلاف وتفصيل على النّحو الآتي :
أ - التّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى آله في الصّلاة :
5 - وهو إمّا أن يكون في التّشهّد أو خارجه .
وقد ورد التّرحّم على الرّسول صلى الله عليه وسلم في التّشهّد ، وهو عبارة : " السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته " وتفصيل أحكام التّشهّد في مصطلحه .
أمّا التّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم خارج التّشهّد ، فقد ذهب الحنفيّة ، وبعض المالكيّة ، وبعض الشّافعيّة إلى استحباب زيادة : " وارحم محمّداً وآل محمّد " في الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلاة .
وعبارة الرّسالة لابن أبي زيد القيروانيّ : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد ، كما صلّيت ورحمت وباركت على إبراهيم .
واستدلّوا بحديث أبي هريرة : قال : قلنا : « يا رسول اللّه : قد علمنا كيف نسلّم عليك ، فكيف نصلّي عليك ؟ قال : قولوا : اللّهمّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد ، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد » . قال الحافظ ابن حجر : فهذه الأحاديث - وإن كانت ضعيفة الأسانيد - إلاّ أنّها يشدّ بعضها بعضاً ، أقواها أوّلها ،ويدلّ مجموعها على أنّ للزّيادة أصلاً . وأيضاً الضّعيف يعمل به في فضائل الأعمال. وما عليه جمهور الفقهاء الاقتصار على صيغة الصّلاة دون إضافة ( التّرحّم ) كما ورد في الرّوايات المشهورة في الصّحيحين وغيرهما ، بل ذهب بعض الحنفيّة وأبو بكر بن العربيّ المالكيّ والنّوويّ وغيرهم إلى أنّ زيادة " وارحم محمّداً ... إلخ " بدعة لا أصل لها ، وقد بالغ ابن العربيّ في إنكار ذلك وتخطئة ابن أبي زيد ، وتجهيل فاعله ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّمنا كيفيّة الصّلاة . فالزّيادة على ذلك استقصار لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم واستدراك عليه . وانتصر لهم بعض المتأخّرين ممّن جمع بين الفقه والحديث ، فقال : ولا يحتجّ بالأحاديث الواردة ، فإنّها كلّها واهية جدّاً . إذ لا يخلو سندها من كذّاب أو متّهم بالكذب . ويؤيّده ما ذكره السّبكيّ : أنّ محلّ العمل بالحديث الضّعيف ما لم يشتدّ ضعفه .
ب - التّرحّم في التّسليم من الصّلاة :
6 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الأكمل في التّسليم في الصّلاة أن يقول :
« السّلام عليكم ورحمة اللّه ، عن يمينه ويساره ، لحديث ابن مسعود وجابر بن سمرة وغيرهما رضي الله تعالى عنهم » . فإن قال : السّلام عليكم - ولم يزد - يجزئه ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « تحليلها التّسليم » .
والتّحليل يحصل بهذا القول ، ولأنّ ذكر الرّحمة تكرير للثّناء فلم يجب ، كقوله : وبركاته .
وقال ابن عقيل من الحنابلة - وهو المعتمد في المذهب - الأصحّ أنّه لا يجزئه الاقتصار على : السّلام عليكم ، لأنّ الصّحيح « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كان يقول : السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته » ، ولأنّ السّلام في الصّلاة ورد مقروناً بالرّحمة ، فلم يجز بدونها ، كالتّسليم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في التّشهّد .
قال الشّافعيّة والحنابلة : والأولى ترك " وبركاته " كما في أكثر الأحاديث . وصرّح المالكيّة : بأنّ زيادة " ورحمة اللّه " لا يضرّ ، لأنّها خارجة عن الصّلاة ، وظاهر كلام أهل المذهب أنّها غير سنّة ، وإن ثبت بها الحديث ، لأنّها لم يصحبها عمل أهل المدينة ، وذكر بعض المالكيّة أنّ الأولى الاقتصار على : السّلام عليكم ،وأنّ زيادة : ورحمة اللّه وبركاته هنا خلاف الأولى.
ج - التّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم خارج الصّلاة :
7 - اختلف الفقهاء في جواز التّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم خارج الصّلاة ، فذهب بعضهم إلى المنع مطلقاً ووجّهه بعض الحنفيّة : بأنّ الرّحمة إنّما تكون غالباً عن فعل يلام عليه ، ونحن أمرنا بتعظيمه ، وليس في التّرحّم ما يدلّ على التّعظيم ، مثل الصّلاة ، ولهذا يجوز أن يدعى بها لغير الأنبياء والملائكة عليهم السلام .
أمّا هو صلى الله عليه وسلم فمرحوم قطعاً ، فيكون من باب تحصيل الحاصل ، وقد استغنينا عن هذه بالصّلاة ، فلا حاجة إليها ، ولأنّه يجلّ مقامه عن الدّعاء بها .
قال ابن دحية : ينبغي لمن ذكره صلى الله عليه وسلم أن يصلّي عليه ، ولا يجوز أن يترحّم عليه ، لقوله تعالى : { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَاً } .
ونقل مثله عن ابن عبد البرّ ، والصّيدلانيّ ، كما حكاه عنه الرّافعيّ ولم يتعقّبه .
وصرّح أبو زرعة ابن الحافظ العراقيّ في فتاواه ، بأنّ المنع أرجح لضعف الأحاديث الّتي استند إليها ، فيفهم من قوله : حرمته مطلقاً .
وذهب بعض الفقهاء إلى الجواز مطلقاً : أي ولو بدون انضمام صلاة أو سلام .
واستدلّوا بقول الأعرابيّ فيما رواه البخاريّ وهو قوله : « اللّهمّ ارحمني ، وارحم محمّداً ، ولا ترحم معنا أحداً لتقريره صلى الله عليه وسلم على قوله : اللّهمّ ارحمني وارحم محمّداً ، ولم ينكر عليه سوى قوله : ولا ترحم معنا أحداً » .
وقال السّرخسيّ : لا بأس بالتّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، لأنّ الأثر ورد به من طريق أبي هريرة وابن عبّاس رضي الله عنهم ، ولأنّ أحداً وإن جلّ قدره لا يستغني عن رحمة اللّه . كما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لن يدخل أحداً عمله الجنّة ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني اللّه برحمته » .
ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان من أشوق العبّاد إلى مزيد رحمة اللّه تعالى ، ومعناها معنى الصّلاة ، فلم يوجد ما يمنع ذلك . ولا ينافي الدّعاء له بالرّحمة أنّه عليه الصلاة والسلام عَيْنُ الرّحمة بنصّ : { ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاّ رَحْمَةً لِلعَالَمِين } لأنّ حصول ذلك لا يمنع طلب الزّيادة له ، إذ فضل اللّه لا يتناهى ، والكامل يقبل الكمال .
وفصّل بعض المتأخّرين ، فقال بالحرمة إنّ ذكرها استقلالاً : كأن يقول المتكلّم : قال النّبيّ رحمه الله . وبالجواز إن ذكرها تبعاً : أي مضمومةً إلى الصّلاة والسّلام ، فيجوز : اللّهمّ صلّ على محمّد وارحم محمّداً . ولا يجوز : ارحم محمّداً ، بدون الصّلاة ، لأنّها وردت في الأحاديث الّتي وردت فيها على سبيل التّبعيّة للصّلاة والبركة ، ولم يرد ما يدلّ على وقوعها مفردةً ، وربّ شيء يجوز تبعاً ، لا استقلالاً .
وبه أخذ جمع من العلماء ، بل نقله القاضي عن الجمهور ، وقال القرطبيّ : وهو الصّحيح .
د - التّرحّم على الصّحابة رضي الله عنهم والتّابعين ومن بعدهم من الأخيار :
8 - اختلف الفقهاء في جواز التّرحّم على الصّحابة ، فذهب بعضهم إلى أنّه عند ذكر الصّحابة الأولى أن يقال : رضي اللّه عنهم .
وأمّا عند ذكر التّابعين ومن بعدهم من العلماء ، والعبّاد ،وسائر الأخيار فيقال : رحمهم اللّه. قال الزّيلعيّ : الأولى أن يدعو للصّحابة بالرّضى ، وللتّابعين بالرّحمة ، ولمن بعدهم بالمغفرة والتّجاوز ، لأنّ الصّحابة كانوا يبالغون في طلب الرّضى من اللّه تعالى ، ويجتهدون في فعل ما يرضيه ، ويرضون بما يلحقهم من الابتلاء من جهته أشدّ الرّضى ، فهؤلاء أحقّ بالرّضى ، وغيرهم لا يلحق أدناهم ولو أنفق ملء الأرض ذهباً .
وذكر ابن عابدين نقلاً عن القرمانيّ على الرّاجح عنده : أنّه يجوز عكسه أيضاً ، وهو التّرحّم للصّحابة ، والتّرضّي للتّابعين ومن بعدهم . وإليه مال النّوويّ في الأذكار ، وقال : يستحبّ التّرضّي والتّرحّم على الصّحابة والتّابعين فمن بعدهم من العلماء والعبّاد وسائر الأخيار . فيقال : رضي اللّه عنه ، أو رحمه اللّه ونحو ذلك .
وأمّا ما قاله بعض العلماء : إنّ قوله : رضي اللّه عنه مخصوص بالصّحابة ، ويقال في غيرهم : رحمه اللّه فقط فليس كما قال ، ولا يوافق عليه ، بل الصّحيح الّذي عليه الجمهور استحبابه ، ودلائله أكثر من أن تحصر . وذكر في النّهاية نقلاً عن المجموع : أنّ اختصاص التّرضّي بالصّحابة والتّرحّم بغيرهم ضعيف .
هـ - التّرحّم على الوالدين :
9 - الأصل في وجوب التّرحّم على الوالدين قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لهما جَنَاحَ الذُّلِّ من الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما } حيث أمر اللّه سبحانه وتعالى عباده بالتّرحّم على آبائهم والدّعاء لهم . ومحلّ طلب الدّعاء والتّرحّم لهما إن كانا مؤمنين ، أمّا إن كانا كافرين فيحرم ذلك لقوله تعالى : { مَا كانَ لِلنَّبيِّ والّذينَ آمنُوا أنْ يَسْتَغفِرُوا للمُشْرِكِينَ ولو كانوا أُولِي قُرْبَى } .
و - التّرحّم في التّحيّة بين المسلمين :
10 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الأفضل أن يقول المسلم للمسلم في التّحيّة : السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، ويقول المجيب أيضاً : وعليكم السّلام ورحمة اللّه وبركاته ، لما روى عمران بن الحصين أنّه قال : « جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : السّلام عليكم ، فردّ عليه ، ثمّ جلس ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : عشر . ثمّ جاء آخر ، فقال : السّلام عليكم ورحمة اللّه ، فردّ عليه ، ثمّ جلس ، فقال : عشرون . ثمّ جاء آخر ، فقال : السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، فردّ عليه ، فجلس ، فقال : ثلاثون » قال التّرمذيّ : حديث حسن . وهذا التّعميم مخصوص بالمسلمين ، فلا ترحّم على كافر لمنع بدئه بالسّلام عند الأكثرين تحريماً ، لحديث : « لا تبدءوا اليهود ولا النّصارى بالسّلام » .
ولو سلّم اليهوديّ والنّصرانيّ ، فلا بأس بالرّدّ ، ولكن لا يزيد على قوله : " وعليك " .
والّذين جوّزوا ابتداءهم بالسّلام ، صرّحوا بالاقتصار على : " السّلام عليك " دون الجمع ، ودون أن يقول : " ورحمة اللّه " لما روي عن أنس رضي الله عنه ، قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إذا سلّم عليكم أهل الكتاب ، فقولوا : وعليكم أو عليكم » بغير واو .
ز - التّرحّم على الكفّار :
11 - صرّح النّوويّ في كتابه الأذكار بأنّه لا يجوز أن يدعى للذّمّيّ بالمغفرة وما أشبهها في حال حياته ممّا لا يقال للكفّار ، لكن يجوز أن يدعى له بالهداية ، وصحّة البدن والعافية وشبه ذلك . لحديث أنس رضي الله عنه قال : « استسقى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسقاه يهوديّ ، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم : جمّلك اللّه » فما رأى الشّيب حتّى مات .
وأمّا بعد وفاته فيحرم الدّعاء للكافر بالمغفرة ونحوها ، لقول اللّه تعالى : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِينَ ولو كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحَابُ الجَحِيمِ } وقد جاء الحديث بمعناه ، وأجمع المسلمون عليه .
ح - التزام التّرحّم كتابةً ونطقاً عند القراءة :
ينبغي لكاتب الحديث وراويه أن يحافظ على كتابة التّرضّي والتّرحّم على الصّحابة والعلماء وسائر الأخيار ، والنّطق به ، ولا يسأم من تكراره ، ولا يتقيّد فيه بما في الأصل إن كان ناقصاً .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:17 PM

ترخيص *
انظر : رخصة .

تردّي *
التّعريف :
1 - للتّردّي في اللّغة معان ، منها : السّقوط من علوّ إلى سفل يقال : تردّى في مهواة : إذا سقط فيها ، ورديته ترديةً : أسقطته .
وهو في الاصطلاح لا يخرج عن هذا المعنى فقد عرّفه المالكيّة بأنّه : السّقوط من عال إلى سافل . ومنه المتردّية : وهي الّتي وقعت في بئر أو من جبل .
وفي النّظم المستعذب : هي الّتي تتردّى من الجبل فتسقط .
وفي مطالب أولي النّهى : هي الواقعة من علوّ كجبل وحائط ، وساقطة في نحو بئر .
الحكم الإجماليّ :
2 - يقول اللّه تبارك وتعالى : { حُرِّمَتْ عليكُم المَيْتَةُ والدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ ومَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللّهِ بِه والمُنْخَنِقَةُ والمَوقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحةُ وما أَكَلَ السَّبُعُ إلاّ ما ذَكَّيْتُم وما ذُبِحَ على النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بالأزْلامِ ذلكم فِسْقٌ ... } فقد حرّم سبحانه في هذه الآية أنواعاً منها : المتردّية إلاّ إذا ذكّيت ذكاةً شرعيّةً ، اختياريّةً كانت بالذّبح أو النّحر في محلّه . أو اضطراريّةً بالجرح بالطّعن وإنهار الدّم في أيّ موضع تيسّر من البدن . ولا ينتقل إلى الثّانية إلاّ عند العجز عن الأولى . ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ الذّكاة : إمّا اختياريّة في المقدور عليه ، وتكون بالذّبح فيما يذبح ، كالبقر والغنم ، أو النّحر فيما ينحر كالإبل ، ولا تحلّ بغير الذّكاة في محلّها . وإمّا اضطراريّة في غير المقدور عليه ، كالحيوان المتوحّش الشّارد والمتردّي في بئر مثلاً ، وتعذّرت ذكاته في محلّها ، وهي - أي الاضطراريّة - تكون بالعقر ، وهو الجرح في أيّ موضع كان من البدن . واستثنى الحنفيّة الشّاة إذا ندّت في المصر ، فقالوا بعدم جواز عقرها ، حيث يمكن القدرة عليها وإمساكها .
3 - فما تردّى من النّعم في بئر مثلاً ، ووقع العجز عن تذكيته الذّكاة الاختياريّة ، فذكاته العقر والجرح في أيّ موضع من جسمه تيسّر للعاقر فعله ، كالنّادّ غير المقدور عليه . وبذلك يحلّ أكله إلاّ أن تكون رأسه في الماء ، فلا يحلّ أكله ، لأنّ الماء يعين على قتله ، ويحتمل أن يكون قتله بالماء - في قول أكثر الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وفي قول لابن حبيب من المالكيّة ) - لما روى رافع بن خديج رضي الله عنه قال : « كنّا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم فندّ بعير ، وكان في القوم خيل يسيرة ، فطلبوه فأعياهم ، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه اللّه ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إنّ لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش ، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا » ، وفي لفظ « فما ندّ عليكم فاصنعوا به هكذا » . ومن حديث أبي العشراء الدّارميّ عن أبيه أنّه « قال : يا رسول اللّه . أما تكون الذّكاة إلاّ في الحلق واللّبّة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : لو طعنت في فخذها لأجزأك » قال أبو داود : هذا لا يصحّ إلاّ في المتردّية والمتوحّش . وقال المجد : هذا فيما لا يقدر عليه .
والمشهور عند المالكيّة - سوى ابن حبيب - أنّ المتردّية لا يحلّها العقر ، وإنّما تحلّها الذّكاة بالذّبح إن كانت ممّا يذبح ، أو النّحر إن كانت ممّا ينحر .
4 - وقال الحنفيّة : لو رمى صيداً فوقع في ماء فيحرم ، لاحتمال قتله بالماء ، أو وقع على سطح أو جبل فتردّى منه إلى الأرض حرم ، لأنّ الاحتراز عن مثل هذا ممكن .
5- وفي المغني ومطالب أولي النّهى للحنابلة : لو رمى حيواناً فوقع في ماء يقتله مثله ، أو تردّى تردّياً يقتله مثله لم يؤكل ، لأنّه يحتمل أنّ الماء أعان على خروج روحه . أمّا لو وقع الحيوان في الماء على وجه لا يقتله ، مثل أن يكون رأسه خارجاً من الماء ، أو يكون من طير الماء الّذي لا يقتله الماء ، أو كان التّردّي لا يقتل مثل ذلك الحيوان فلا خلاف في إباحته ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ... فإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكله »
ولأنّ الوقوع في الماء والتّردّي إنّما حرم خشية أن يكون قاتلاً أو معيناً على القتل .
فإن رمى طائراً في الهواء أو على شجرة أو جبل فوقع إلى الأرض فمات حلّ ، لأنّ الاحتراز منه غير ممكن .
6- ولو تردّى بعيران - مثلاً - أحدهما فوق الآخر في نحو بئر .
فإن مات الأسفل بثقل الأعلى مثلاً لم يحلّ ، بخلاف ما لو طعن الأعلى بنحو سهم أو رمح ، فوصل إلى الأسفل وأثّر فيه يقيناً ، فهما حلال وإن لم يعلم بالأسفل .

ترسّل *
التّعريف :
1 - للتّرسّل في اللّغة معان ، منها : التّمهّل والتّأنّي . يقال : ترسّل في قراءته بمعنى : تمهّل واتّأد فيها . وترسّل الرّجل في كلامه ومشيه : إذا لم يعجل . وفي حديث عمر رضي الله عنه « إذا أذّنت فترسّل » : أي تأنّ ولا تعجل . ولا يخرج معناه اصطلاحاً عن هذا ، فقالوا : إنّه في الأذان : التّمهّل والتّأنّي وترك العجلة ، ويكون بسكتة بين كلّ جملتين من جمل الأذان تسع الإجابة ، وذلك من غير تمطيط ولا مدّ مفرط .
2 - والحدر يقابل التّرسّل ، وله في اللّغة معان منها : الإسراع في القراءة . يقال : حدر الرّجل الأذان والإقامة والقراءة وحدر فيها كلّها حدراً من باب قتل : إذا أسرع .
وفي حديث الأذان : « إذا أذّنت فترسّل ، وإذا أقمت فاحدر » أي أسرع ولا يخرج معناه في الاصطلاح عن ذلك .
والحدر سنّة في الإقامة ، مكروه في الأذان . لما روى جابر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لبلال رضي الله عنه : يا بلال إذا أذّنت فترسّل ، وإذا أقمت فاحدر » .
الحكم الإجماليّ للتّرسّل :
3 - للتّرسّل أحكام تعتريه . فهو في الأذان مسنون .
وصفته : أن يتمهّل المؤذّن فيه بسكتة بين كلّ جملتين منه تسع إجابة السّامع له ، وذلك من غير تمطيط ولا مدّ مفرط ولا تطريب ، لما روى جابر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لبلال : يا بلال إذا أذّنت فترسّل » ، وما روي عن أبي الزّبير مؤذّن بيت المقدس أنّ عمر رضي الله عنه قال : « إذا أذّنت فترسّل » وما روي أنّ رجلاً قال لابن عمر : إنّي لأحبّك في اللّه . قال : "وأنا أبغضك في اللّه .إنّك تغنّي في أذانك ".
هذا ما عليه الفقهاء . والتّرسّل في الإقامة مكروه ، وذلك أنّه يسنّ لمن يقيم الصّلاة أن يسرع فيها ولا يترسّل ، للأحاديث السّابقة .
هذا ، والأذان قد شرع للإعلام بدخول الوقت وتنبيه الغائبين إليه ودعوتهم إلى الحضور للصّلاة . أمّا الإقامة فقد شرعت لإعلام الحاضرين بالتّأهّب للصّلاة والقيام لها ، ولذا كان التّرسّل في الأذان أبلغ في الإعلام ، أمّا الإقامة فلا حاجة فيها إلى التّرسّل .
ولذا ثُنّي الأذان وأفردت الإقامة ، لما روي عن أنس رضي الله عنه قال : « أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة » . زاد حمّاد في حديثه " إلاّ الإقامة " ، واستحبّ أن يكون الأذان في مكان عال بخلاف الإقامة ، وأن يكون الصّوت في الأذان أرفع منه في الإقامة ، وأن يكون الأذان مرتّلاً والإقامة مسرعةً ، وسنّ تكرار قد قامت الصّلاة مرّتين في الإقامة ، لأنّها المقصودة من الإقامة بالذّات . ( ر : أذان ، إقامة ) .

ترسيم *
التّعريف :
1 - التّرسيم لغةً مصدر رسم . جاء في المعجم الوسيط : رسم الثّوب : خطّطه خطوطاً خفيَّةً . والاسم : الرّسم . وللرّسم معان منها الأثر يقال : رَسَمَتِ النّاقة : إذا أثّرت في الأرض من شدّة الوطء . ورسم الغيث الدّيار يرسمها رسماً : إذا عفاها وأبقى أثرها لاصقاً بالأرض . ويطلق مجازاً على الأمر بالشّيء يقال : رسم له كذا إذا أمره به فارتسم : أي امتثل به . والتّرسيم في اصطلاح الفقهاء - كما يفهم من كتب الفقه - هو : التّضييق على الشّخص ، وتحديد حركته ، بحيث لا يستطيع أن يذهب من مكان إلى آخر .
حكمه التّكليفيّ :
الشّهادة على إقرار ذي التّرسيم :
2 - جاء في حاشية القليوبيّ على شرح المنهاج : لا تجوز الشّهادة على إقرار نحو محبوس وذي ترسيم ، لوجود أمارة الإكراه . كما لا يصحّ من المحبوس وذي التّرسيم إقراره بحقّ أو ما يوجب العقوبة . قال في شرح مطالب أولي النّهى : تقبل من مقرّ ونحوه دعوى إكراه على إقرار بقرينة دالّة على إكراه ، كتهديد قادر على ما هدّد به من ضرب أو حبس ، وترسيم عليه أو سجنه أو أخذ ماله ونحوه ، لدلالة الحال عليه .

ترشيد *
التّعريف :
1 - التّرشيد لغةً : مأخوذ من الرّشد ، وهو الصّلاح وإصابة الصّواب .
ورشّده القاضي ترشيداً : جعله رشيداً . والتّرشيد في اصطلاح الفقهاء هو : رفع الحجر عن الصّغير بعد اختباره . وعند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة : يكون الرّشد بالصّلاح في المال .
وهو عند الشّافعيّة : الصّلاح في الدّين والمال .
الحكم التّكليفيّ :
2 - يجوز لوليّ الصّبيّ العاقل أن يدفع إليه شيئاً من أمواله ، ويأذن له بالتّجارة للاختبار ، لقوله تعالى : { وَابْتَلُوا اليَتَامَى حتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فإَنْ آنَسْتُم منهُم رُشْدَاً فَادْفَعُوا إليهِمْ أَمْوَالَهم } أذن اللّه سبحانه وتعالى في ابتلاء اليتامى ، والابتلاء : الاختبار ، وذلك بالتّجارة ، فكان الإذن بالابتلاء إذناً بالتّجارة ، وإذا اختبره : فإن آنس منه رشداً وقد بلغ دفع الباقي إليه للآية المذكورة ، وإن لم يأنس منه رشداً منعه منه إلى أن يبلغ ، فإن بلغ رشيداً دفع إليه ، وإن بلغ سفيهاً مفسداً مبذّراً فإنّه يمنع عنه ماله . عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمّد ولو صار شيخاً ، حتّى يؤنس رشده بالاختبار .
لكنّ الحنابلة قالوا : إنّ الاختبار يكون بتفويض التّصرّفات الّتي يتصرّف فيها أمثاله ، فأولاد التّجّار غير أولاد الدّهاقين والكبراء ، وكذا أبناء المزارعين ، وأصحاب الحرف ، وكلّ واحد ممّا ذكر يختبر فيما هو أهل له ، والأنثى يفوّض إليها ما يفوّض إلى ربّة البيت ، فإن وجدت ضابطةً لما في يدها مستوفيةً من وكيلها فهي رشيدة .
ووقت الاختبار عندهم قبل البلوغ في إحدى الرّوايتين ، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشّافعيّ ، لأنّ اللّه تعالى قال : { وَابْتَلُوا اليَتَامَى } فظاهر الآية أنّ ابتلاءهم قبل البلوغ لوجهين : أحدهما : أنّه سمّاهم يتامى ، وإنّما يكونون يتامى قبل البلوغ .
والثّاني : أنّه مدّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظ : حتّى ، فدلّ على أنّ الاختبار قبله .
والرّواية الأخرى عن أحمد ، وهو الوجه الآخر لأصحاب الشّافعيّ : أنّ الاختبار بعد البلوغ . والاختبار واجب عند الحنابلة والشّافعيّة .
وقال الشّافعيّة : يختبر الوليّ وجوباً رشد الصّبيّ في الدّين والمال للآية السّابقة ، أمّا في الدّين : فبمشاهدة حاله في العبادات ، والمعاملات ، وتجنّب المحظورات ، وتوقّي الشّبهات ، ومخالطة أهل الخير ، وأمّا في المال : فكما قال الأئمّة الثّلاثة .
وقال الحنفيّة : إن بلغ سفيهاً مفسداً مبذّراً يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنةً ما لم يؤنس رشده قبلها ، فإذا بلغ السّنّ المذكورة يسلّم إليه ماله وجوباً وإن لم يكن رشيداً ، لأنّه بلغ سنّاً يتصوّر أن يصير جدّاً ، ولأنّ المنع للتّأديب فإذا بلغ هذه السّنّ انقطع رجاء التّأديب ، وهذا عند أبي حنيفة .
من يتولّى التّرشيد :
3 - ذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة إلى : أنّ ترشيد الصّبيّ إذا بلغ وأونس منه الرّشد ، أو المجنون إذا عقل يصحّ أن يكون من الوليّ ، ولا يحتاج إلى حكم حاكم ، ويصحّ أن يكون من الحاكم أيضاً عند الاختلاف .
والأنثى عندهم في ذلك كالذّكر ، فيدفع إليها مالها إذا بلغت وأونس رشدها ، سواء تزوّجت أم لم تتزوّج . وهناك رواية عن الإمام أحمد أنّ الحجر لا يزول عن الأنثى حتّى تتزوّج وتلد ، أو تمضي عليها سنة في بيت الزّوج . وأمّا المالكيّة فقد فرّقوا بين ترشيد الصّبيّ وترشيد الصّبيّة ، وفكّ الحجر عنهما ، وكذلك بين التّرشيد للأنثى إذا كانت معلومة الرّشد وبين غيرها ، وفرّقوا أيضاً بين التّرشيد في الأب والوصيّ والمقدّم .
أمّا الصّبيّ فإن كان في ولاية الأب ينفكّ الحجر عنه بمجرّد البلوغ مع حفظه لماله ، ولا يحتاج إلى أن يفكّ الأب الحجر عنه ، وإن كان في وصاية الوصيّ أو المقدّم فلا بدّ من الفكّ منهما ، ولا يحتاج إلى إذن القاضي .
وفي الأنثى يكون الحجر عليها لحين بلوغها مع حفظ المال ، ودخول الزّوج بها وشهادة عدلين على حسن تصرّفها . فإن كانت في ولاية الأب ، فإنّ الحجر ينفكّ عنها بذلك ، ولا يحتاج لفكّ من الأب ، ويجوز للأب ترشيدها قبل الدّخول إذا بلغت ، وإن كانت في وصاية الوصيّ أو المقدّم ، فلا بدّ من الفكّ منهما بعد الدّخول .
ثمّ إن كانت الأنثى معلومة الرّشد فإنّه يجوز ترشيدها مطلقاً : أي قبل الدّخول وبعده لكلّ من الأب والوصيّ والمقدّم . وأمّا مجهولة الرّشد فإنّه يجوز للأب ترشيدها قبل الدّخول وبعده ، وللوصيّ ترشيدها بعد الدّخول لا قبله ، ولا يجوز للمقدّم ترشيدها لا قبل الدّخول ولا بعده .
ما يكون به التّرشيد :
4 - ليس للتّرشيد لفظ معيّن عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، فكما يكون صراحةً يكون دلالةً أيضاً . وأمّا المالكيّة فقد نصّوا على أنّ ترشيد الصّبيّ يكون بقول الوليّ للعدول : اشهدوا أنّي فككت الحجر عن فلان محجوري ، وأطلقت له التّصرّف ، وملّكت له أمره . وترشيد الأنثى يكون بقوله لها : رشّدتك ، أو أطلقت يدك ، أو رفعت الحجر عنك ، أو نحو ذلك .
ضمان المال إذا أخطأ الوليّ في التّرشيد :
5 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ وصيّ الصّغير إذا دفع إليه ماله قبل ثبوت رشده ، فضاع المال في يده أو أتلفه الصّغير ، يصير الوصيّ ضامناً . وأمّا إذا بلغ ولم يعلم رشده وسفهه ، فأعطى الوصيّ له ماله ، وثبت كونه مفسداً وغير رشيد ، فيلزم الوصيّ الضّمان على ما في الولوالجيّة والشّلبيّ ، وفي قول آخر : لا يلزم الوصيّ ضمان على ما أفاده صاحب تنقيح الفتاوى الحامديّة . ويرى المالكيّة والحنابلة أنّ الوليّ لا يضمن شيئاً ممّا أتلفه بعد ترشيده ، لأنّ الوليّ فعله باجتهاده . وأمّا الشّافعيّة فلم ينصّوا على مسألة الضّمان .

ترضّي *
التّعريف :
1 - التّرضّي : طلب الرّضا . والرّضا : خلاف السّخط . والتّرضّي عن فلان قول : رضي اللّه عنه . ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة التّرضّي عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّرحّم :
2 - التّرحّم : من الرّحمة ، ولها في اللّغة معان متعدّدة منها : الرّقة ، والخير ، والنّعمة ، والنّبوّة . ومنه الآية الكريمة : { واللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِه مَنْ يَشَاءُ } أي بنبوّته .
والتّرحّم قول : رحمه اللّه ، وترحّمت عليه : أي قلت له : رحمة اللّه عليك ، ورحّم عليه قال : رحمة اللّه عليه ، وتراحم القوم : رحم بعضهم بعضاً .
فالتّرضّي دعاء بالرّضا ، والتّرحّم دعاء بالرّحمة .
حكمه التّكليفيّ :
3 - يختلف حكم التّرضّي باختلاف المترضّى عنه على النّحو التّالي :
أ - التّرضّي عمّن اختلف في نبوّته :
4 - يستحبّ التّرضّي عمّن اختلف في نبوّته : كذي القرنين ،ولقمان ، وذي الكفل وغيرهم . وذكر ابن عابدين نقلاً عن النّوويّ : أنّ الدّعاء بالصّلاة عليهم لا بأس به ، ولكنّ الأرجح أن يقال : رضي اللّه عنهم ، لأنّ مرتبتهم غير مرتبة الأنبياء ، ولم يثبت كونهم أنبياء .
ب - التّرضّي عن الصّحابة :
5 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يستحبّ التّرضّي عن الصّحابة رضي الله عنهم ، لأنّهم كانوا يبالغون في طلب الرّضا من اللّه سبحانه وتعالى ، ويجتهدون في فعل ما يرضيه ، ويرضون بما يلحقهم من الابتلاء من عنده أشدّ الرّضا ، فهؤلاء أحقّ بالرّضا .
وإن كان صحابيّاً ابن صحابيّ كابن عمر وابن عبّاس قال : رضي الله عنهما ،لتشمله وأباه . وإذا كان هو وأبوه وجدّه من الصّحابة قال : رضي اللّه عنهم كعبد الرّحمن بن أبي بكر الصّدّيق بن أبي قحافة رضي الله عنهم .
ج - التّرضّي عن غير الصّحابة :
6 - قال صاحب عمدة الأبرار : يجوز التّرضّي عن السّلف من المشايخ والعلماء وذلك لقوله تعالى : { إنَّ الّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَاً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُم وَرَضُوا عَنْهُ } .
ففي الآية الكريمة ذكر عامّة المؤمنين بهذا ، من الصّحابة وغيرهم .
وكما ذكر في كثير من الكتب مثل : التّقويم ، والبزدويّ ، والسّرخسيّ ، والهداية وغيرها بعد ذكر الأساتذة أو بعد ذكر نفسه " رضي اللّه "
فلو لم يجز الدّعاء بهذا اللّفظ ما ذكروه في كتبهم ، وهكذا جرت العادة بين أهل العلم بالابتداء بهذا الدّعاء ، حيث يقولون : رضي اللّه عنك وعن والديك إلى آخره . ولم ينكر أحد منهم ، بل استحسنوا الدّعاء بهذا اللّفظ ، وكانوا يعلّمون ذلك لتلامذتهم ، فعليه عمل الأمّة .
د - المحافظة على كتابة التّرضّي :
7 - ينبغي أن يحافظ على كتابة التّرضّي عن الصّحابة والتّابعين من العلماء وسائر الأخيار ، ولا يسأم من تكراره ، ومن أغفله حرم حظّاً عظيماً ، وإذا جاءت الرّواية بالتّرضّي كانت العناية به أشدّ .
هـ - ما يجب على سامع التّرضّي :
8 - ينبغي لسامع التّرضّي عن الصّحابة ولو حال الخطبة أن يترضّى عنهم ، كما ينبغي لسامع الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، لأنّه أفضل من الإنصات .
وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في ( خطبة ) .

ترك *
التّعريف :
1 - التَّرْك لغةً : وَدْعُك الشّيء ، ويقال : تركت الشّيء : إذا خلّيته ، وتركت المنزل : إذا رحلت عنه ، وتركت الرّجل : إذا فارقته . ثمّ استعير للإسقاط في المعاني ، فقيل : ترك حقّه : إذا أسقطه ، وترك ركعةً من الصّلاة : إذا لم يأت بها ، فإنّه إسقاط لما ثبت شرعاً .
والتّرك في اصطلاح أكثر الأصوليّين والفقهاء : كفّ النّفس عن الإيقاع ، فهو فعل نفسيّ ، وقيل : إنّه ليس بفعل .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإهمال :
2 - الإهمال : التّرك عن عمد أو نسيان ، ويقال : أهمله إهمالاً إذا خلّى بينه وبين نفسه ، ويأتي عند الفقهاء بمعنى التّرك .
ب - التّخلية :
3 - التّخلية : التّرك ويستعمله الفقهاء في : تمكين الشّخص من التّصرّف في الشّيء دون حائل . فالتّرك أعمّ من التّخلية .
ج - الإسقاط والإبراء :
4 - الإسقاط : إزالة الملك أو الحقّ لا إلى مالك أو مستحقّ .
والإبراء : إسقاط الشّخص حقّاً له في ذمّة آخر أو قبله . وكلاهما يستعمل في موطن التّرك إلاّ أنّ التّرك أعمّ في استعمالاته .
الحكم الإجماليّ :
أوّلاً - التّرك عند الأصوليّين :
أ - التّرك والحكم الشّرعيّ :
5 - اقتضاء التّرك في خطاب اللّه تعالى المتعلّق بفعل المكلّف هو أحد أقسام الحكم الشّرعيّ. واقتضاء التّرك لشيء إن كان جازماً فهو للتّحريم ، وإن كان غير جازم فهو للكراهة ، وإن كان مساوياً لاقتضاء الفعل في الخطاب فهو للإباحة . وانظر الملحق الأصوليّ .
ب - التّرك فعل يتعلّق به التّكليف :
6 - يتعلّق التّكليف بالتّرك بناءً على أنّه فعل ، إذ المكلّف به في النّهي المقتضي للتّرك هو الكفّ ، أي كفّ النّفس عن الفعل إذا أقبلت عليه ، وذلك فعل ، ومن ثمّ كانت القاعدة الأصوليّة ( لا تكليف إلاّ بفعل ) وذلك متحقّق في الأمر ، وفي النّهي على اعتبار أنّ مقتضاه وهو التّرك فعل ، وهذا ما ذهب إليه أكثر الأصوليّين .
واستدلّوا على ذلك بأنّ التّرك من مقتضى النّهي ، والنّهي تكليف ، والتّكليف إنّما يرد بما كان مقدوراً للمكلّف ، والعدم الأصليّ يمتنع أن يكون مقدوراً ، لأنّ القدرة لا بدّ لها من أثر وجوديّ ، والعدم نفي محض ، فيمتنع إسناده إليها . ولأنّ العدم الأصليّ - أي المستمرّ - حاصل ، والحاصل لا يمكن تحصيله ثانياً ، وإذا ثبت أنّ مقتضى النّهي ليس هو العدم ثبت أنّه أمر وجوديّ . كذلك قالوا : إنّ ممتثل التّكليف مطيع والطّاعة حسنة ، والحسنة مستلزمة للثّواب ، ولا يثاب إلاّ على شيء ( وألاّ يفعل ) عدم محض وليس بشيء ، وإذا لم يصدر منه شيء فكيف يثاب على لا شيء ؟ .
وقال قوم ، منهم أبو هاشم : إنّ التّرك غير فعل ، وهو انتفاء المنهيّ عنه ، وذلك مقدور للمكلّف بأن لا يشاء فعله الّذي يوجد بمشيئته . وانظر : الملحق الأصوليّ .
هذا ، والخروج عن العهدة لا يشترط له قصد التّرك امتثالاً ، بل يكفي مجرّد التّرك . إنّما يشترط قصد التّرك امتثالاً لحصول الثّواب . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّما الأعمال بالنّيّات » . وفي تقريرات الشّربينيّ على جمع الجوامع : في التّكليف بالنّهي ثلاثة أمور : الأوّل : المكلّف به ، وهو مطلق التّرك ، ولا يتوقّف على قصد الامتثال ، بل مداره على إقبال النّفس على الفعل ، ثمّ كفّها عنه .
الثّاني : المكلّف به المثاب عليه ، وهو التّرك بقصد الامتثال .
الثّالث : عدم المنهيّ عنه ، وهو المقصود ، لكنّه ليس مكلّفاً به ، لعدم قدرة المكلّف عليه . وانظر الملحق الأصوليّ .
ج - التّرك وسيلة لبيان الأحكام :
7 - قد يكون التّرك وسيلةً لبيان الحكم الشّرعيّ ، يقول القرافيّ : البيان إمّا بالقول أو بالفعل كالكتابة والإشارة ، أو بالدّليل العقليّ ، أو بالتّرك . والتّرك يبيّن به حكم المحرّم والمكروه والمندوب . وينظر تفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .
ثانياً - التّرك عند الفقهاء :
أ - ترك المحرّمات :
8 - المحرّمات الّتي نهى الشّرع عنها ، سواء أكانت من عمل الجوارح كالزّنى والسّرقة والقتل والكذب والغيبة والنّميمة ، أم كانت من عمل القلب كالحقد والحسد .
هذه المحرّمات يجب تركها امتثالاً للنّهي الوارد من الشّرع ، كما في قوله تعالى : { ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى } ، وقوله تعالى : { ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الّتي حَرَّمَ اللّهُ إلاّ بِالحَقِّ } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « اجتنبوا السّبع الموبقات ، قيل : وما هنّ يا رسول اللّه ؟ قال : الشّرك باللّه ، والسّحر ، وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ ، وأكل مال اليتيم ، والتّولّي يوم الزّحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ، وأكل الرّبا ، وشهادة الزّور » .
يقول الفقهاء : يجب على المكلّف كفّ الجوارح عن الحرام ، وكفّ القلب عن الفواحش ، وهو معنى قوله تعالى : { وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وبَاطِنَه } وفعل المحرّمات معصية يترتّب عليها العقوبة المقرّرة لكلّ معصية ، سواء أكانت حدّاً كما في الزّنا والسّرقة ، أم كانت قصاصاً كما في الجنايات ، أم كانت تعزيراً كما في المعاصي الّتي لا حدّ فيها .
ومن المقرّر أنّ بعض المحرّمات تباح عند الاضطرار ، وقد تجب ، كأكل الميتة في المخمصة إحياءً للنّفس ، وكشرب الخمر لإزالة الغصّة ، وذلك بالشّروط المنصوص عليها في الحالتين . وهكذا وينظر كلّ ما سبق في أبوابه .
ب - ترك الحقوق :
الحقّ إمّا أن يكون للّه سبحانه وتعالى ، وإمّا أن يكون للعباد .
9- أمّا حقّ اللّه سبحانه وتعالى كالعبادات مثلاً ، فتركها حرام بالإجماع ، ويعصي تاركها ، ويكون آثماً ، ويترتّب عليها الكفر إن كان تركها جحداً لها مع كونها فرضاً معلوماً من الدّين بالضّرورة ، أو الإثم والعقوبة إن كان تركها كسلاً .
يقول الزّركشيّ : إذا امتنع المكلّف من الواجب ، فإن لم تدخل النّيابة نظر : فإن كان حقّاً للّه تعالى نظر : إن كانت صلاةً طولب بها فإن لم يفعل قتل ، وإن كان صوماً حبس ومنع الطّعام والشّراب ... وإن دخلته النّيابة قام القاضي مقامه ، كما في عضل الوليّ المجبر في النّكاح ، على تفصيل في ذلك وفيما تدخله النّيابة . وهذا بالنّسبة للمجمع عليه . أمّا المختلف فيه ، فإن كان تاركه معتقداً جواز ذلك فلا شيء فيه ، وإن كان معتقداً تحريمه فهو آثم .
وكذلك يأثم المسلم المكلّف بترك السّنن المؤكّدة الّتي تعتبر من شعائر الإسلام عند الحنفيّة ، وفي وجه عند الشّافعيّة ، كالجماعة والأذان وصلاة العيدين إذ في تركها تهاون بالشّرع ، ولذلك لو اتّفق أهل بلدة على تركها وجب قتالهم ، بخلاف سائر المندوبات ، لأنّها تفعل فرادى . هذا ويباح ترك الواجب للضّرورة ، إذ المعهود في الشّريعة دفع الضّرر بترك الواجب إذا تعيّن طريقاً لدفع الضّرر .
ومن ثمّ كانت المسامحة في ترك الواجب أوسع من المسامحة في فعل المحرّم ، واعتناء الشّرع بالمنهيّات فوق اعتنائه بالمأمورات ، ولهذا قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتُكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم » .
10 - والحدود الّتي تكون حقّاً للّه تعالى ، كحدّ الزّنى والسّرقة يجب إقامتها متى بلغت الإمام . قال الفقهاء : الحدّ لا يقبل الإسقاط بعد ثبوت سببه عند الحاكم .
وعليه بني عدم جواز الشّفاعة فيه ، فإنّها طلب ترك الواجب ، ولذا « أنكر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين شفع في المخزوميّة الّتي سرقت فقال : أتشفع في حدّ من حدود اللّه ؟ ... » ولأنّ الحدّ بعد بلوغ الإمام يصير حقّاً للّه تعالى ، فلا يجوز للإمام تركه ولا يجوز لأحد الشّفاعة في إسقاطه .
11 - أمّا بالنّسبة للتّعزير فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى : أنّه إن كان الحقّ للّه تعالى وجب إقامته كالحدود ، إن رأى الإمام أنّه لا ينزجر إلاّ به ،أو أنّ المصلحة في إقامته . وقال الشّافعيّ : هو غير واجب على الإمام ، إن شاء أقامه وإن شاء تركه .
وينظر تفصيل ذلك في ( حدّ - تعزير ) .
12 - وأمّا حقّ العبد ، فإن كان حقّاً له فتركه جائز ، إذ الأصل أنّ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من ترك حقّه ، ما لم يكن هناك مانع من ذلك كتعلّق حقّ الغير به ، بل قد يكون التّرك مندوباً إذا كان قربةً ، كإبراء المعسر والعفو عن القصاص . هذا إذا كان الحقّ قبل الغير ، أمّا إذا كان قبل نفسه فقد يكون التّرك حراماً كما إذا ترك الأكل والشّرب حتّى هلك ، وكما إذا ألقي في ماء يمكنه الخلاص منه عادةً ، فمكث فيه مختاراً حتّى هلك . وقيل في التّمتّع بأنواع الطّيّبات : إنّ التّرك من البدع المذمومة . قال تعالى : { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ما رَزَقْنَاكُم } وقيل : إنّ التّرك أفضل لقوله تعالى : { أَذْهَبْتُم طَيِّبَاتِكُم في حَيَاتِكُم الدّنيا } .
13 - وإن كان الحقّ للغير ، وترتّب في ذمّة شخص ، وأصبح ملتزماً به حفظاً أو أداءً ، فإنّ ترك الحفظ أو الأداء يعتبر معصيةً تستوجب التّعزير حتّى يؤدّي الحقّ لأهله ، مع الضّمان فيما ضاع أو تلف .
وإن كان الحقّ يتعلّق بنفع الغير ، لكن لم يلتزم به شخص ، وكان في ترك القيام بما يحقّق النّفع ضياع المال أو تلفه ، كمن ترك التقاط لقطة تضيع لو تركها ، أو ترك قبول وديعة تضيع لو لم يقبلها ، فتلف المال أو ضاع ، فإنّه يأثم بالتّرك عند جمهور الفقهاء لحرمة مال الغير ، خلافاً للحنابلة إذ الأخذ ليس بواجب عندهم ، بل هو مستحبّ ، وهو قول عند الشّافعيّة . لكنّ الفقهاء يختلفون في ترتّب الضّمان بناءً على اختلافهم ، هل يعدّ التّرك فعلاً يكلّف الإنسان بموجبه ، إذ لا تكليف إلاّ بفعل ، أم لا يعتبر فعلاً ؟ . فعند الشّافعيّة والحنابلة وجمهور الحنفيّة ، وفي قول عند المالكيّة : لا ضمان بالتّرك عند الضّياع أو التّلف ، إذ التّرك في نظرهم ليس سبباً ولا تضييعاً ، بل هو امتناع من حفظ غير ملزم ، ولأنّ المال إنّما يضمن باليد أو الإتلاف ، ولم يوجد شيء من ذلك ، وهذا بخلاف ما إذا التقط أو قبل الوديعة وترك الحفظ حتّى ضاع المال أو تلف ، فإنّه يضمن حينئذ لتركه ما التزم به .
والمشهور عند المالكيّة ، وهو قول عند الحنفيّة : ترتّب الضّمان على التّرك في مثل ذلك . بناءً على أنّ التّرك فعل في المشهور من المذهب ، بل إنّ المالكيّة يضمّنون الصّبيّ في ترك ما يجوز له فعله ، فلو مرّ صبيّ مميّز على صيد مجروح لم ينفذ مقتله ، وأمكنته ذكاته ، فترك تذكيته حتّى مات فعليه قيمته مجروحاً لصاحبه ، لأنّ الضّمان من خطاب الوضع ، ولأنّ الشّارع جعل التّرك سبباً في الضّمان ، فيتناول البالغ وغيره .
14 - هذا بالنّسبة للمال ، أمّا بالنّسبة لترك إنقاذ نفس من الهلاك ، فالمتتبّع لأقوال الفقهاء يرى أنّ ذلك يكون في حالتين :
إحداهما : أن يقوم شخص بعمل ضار نحو شخص آخر يمكن أن يؤدّي إلى هلاكه غالباً ، ثمّ يترك ما يمكن به إنقاذ هذا الشّخص فيهلك .
ومثال ذلك : أن يحبس غيره في مكان ، ويمنعه الطّعام أو الشّراب ، فيموت جوعاً وعطشاً لزمن يموت فيه غالباً ، وكان قد تعذّر عليه الطّلب . فعند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : يكون فيه القود لظهور قصد الإهلاك بذلك . وعند الصّاحبين - أبي يوسف ومحمّد - يكون في ذلك الدّية على عاقلته . لأنّ حبسه هو الّذي تسبّب في هلاكه ، وعند أبي حنيفة : لا ضمان عليه ، لأنّ الهلاك حصل بالجوع والعطش لا بالحبس ، ولا صنع لأحد في الجوع والعطش . فإن لم يمنعه الطّعام أو الشّراب ، بأن كان معه فلم يتناول خوفاً أو حزناً ، أو كان يمكنه الطّلب فلم يفعل ، فمات ، فلا قصاص ولا دية ، لأنّه قتل نفسه .
الحال الثّانية : من أمكنه إنقاذ إنسان من الهلاك ، فلم يفعل حتّى مات .
ومثال ذلك : من رأى إنساناً اشتدّ جوعه . وعجز عن الطّلب ، فامتنع من رآه من إعطائه فضل طعامه حتّى مات ، أو رأى إنساناً في مهلكة فلم ينجه منها ، مع قدرته على ذلك - فعند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - عدا أبي الخطّاب لا ضمان على الممتنع ، لأنّه لم يهلكه ولم يحدث فيه فعلاً مهلكاً ، لكنّه يأثم .
وهذا الحكم عند الحنابلة إذا كان المضطرّ لم يطلب الطّعام ، أمّا إذا طلبه فمنعه ربّ الطّعام حتّى مات ، فإنّه يضمن في هذه الحالة ، لأنّ منعه منه كان سبباً في هلاكه ، فضمنه بفعله الّذي تعدّى به . وعند المالكيّة وأبي الخطّاب يضمن ، لأنّه لم ينجه من الهلاك مع إمكانه . هذا ويلاحظ أنّه يجوز للمضطرّ قتال من منع منه فضل طعامه ، فإن قتل ربّ الطّعام فدمه هدر ، وإن قتل المضطرّ ففيه القصاص ، لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:18 PM

عقوبة ترك الواجب :
15 - يقول ابن فرحون : التّعزير يكون على ترك الواجب ، ومن ذلك ترك قضاء الدّين وأداء الأمانات : مثل الودائع وأموال الأيتام وغلّات الوقوف وما تحت أيدي الوكلاء والمقارضين ، والامتناع من ردّ المغصوب والمظالم مع القدرة على الأداء ، ويجبر على ذلك إن أباه ولو بالحبس والضّرب . ويقول الزّركشيّ : إذا امتنع المكلّف من الواجب ، فإن كان حقّاً لآدميّ لا تدخله النّيابة حبس حتّى يفعله .
كما إذا امتنع المشتري من تسليم الثّمن ، فإنّ القاضي يخيّر بين حبسه وبين النّيابة عنه في التّسليم ، كالمقرّ بمبهم يحبس حتّى يبيّن . وإن كانت تدخله النّيابة قام القاضي مقامه .
النّيّة في التّرك :
16 - ترك المنهيّ عنه لا يحتاج إلى نيّة للخروج عن عهدة النّهي .
وأمّا لحصول الثّواب ، بأن كان التّرك كفّاً - وهو : أن تدعوه النّفس إليه قادراً على فعله ، فكفّ نفسه عنه خوفاً من ربّه - فهو مثاب ، وإلاّ فلا ثواب على تركه ، فلا يثاب العنّين على ترك الزّنا ، ولا الأعمى على ترك النّظر .
آثار التّرك :
17 - تتعدّد آثار التّرك وتختلف باختلاف متعلّقه ، وباختلاف ما إذا كان التّرك عمداً أو نسياناً أو جهلاً وهكذا . وفيما يأتي بعض آثار التّرك .
أ - يسقط الحقّ في الشّفعة بترك طلبها بلا عذر .
ويختلف الفقهاء في المدّة الّتي يسقط بها هذا الحقّ . ( ر : شفعة ) .
ب - لا تؤكل الذّبيحة إذا ترك الذّابح التّسمية عمداً عند جمهور الفقهاء ، وأمّا إن ترك نسياناً فتؤكل اتّفاقاً ، وفي المسألة خلاف ينظر ( ذبائح - أضحيّة ) .
والأجير إن ترك التّسمية عمداً ضمن قيمة الذّبيحة .
ج - ترك القيام بالدّعوى بلا عذر ، وبعد مضيّ المدّة المحدّدة يمنع سماعها ، وهذا عند متأخّري الحنفيّة بناءً على أمر سلطانيّ ، وكما لا تسمع في حياة المدّعي للتّرك لا تسمع من الورثة . وإذا ترك المورّث الدّعوى مدّةً وتركها الوارث مدّةً ، وبلغ مجموع المدّتين حدّ مرور الزّمان فلا تسمع . ( ر : دعوى ) .
د - يلزم الحنث والكفّارة في الحلف على ترك الواجب . ( ر : أيمان ) .
هـ - ترك العبادات أو بعض أجزائها يستلزم الجبران . والمتروكات منها ما يجبر بالعمل البدنيّ كسجود السّهو في الصّلاة ، والقضاء أو الإعادة لمن ترك فرضاً .
ومنها ما يجبر بالمال كجبر الصّوم بالإطعام في حقّ الشّيخ العاجز ، والدّم لترك واجب من واجبات الحجّ . وينظر تفصيل ذلك في مواضعه . هذا وقد ورد في ثنايا البحث آثار التّرك ، كترتّب الحدّ أو التّعزير في ترك واجب أو عدم ترك محرّم ، وكالضّمان في التّلف بالتّرك .

تركة *
التّعريف :
1 - التّركة لغةً : اسم مأخوذ من ترك الشّيء يتركه تركاً . يقال : تركت الشّيء تركاً : خلّفته ، وتركة الميّت : ما يتركه من الميراث ، والجمع تركات .
وفي الاصطلاح ، اختلف الفقهاء في تعريفها . فذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ التّركة : هي كلّ ما يخلّفه الميّت من الأموال والحقوق الثّابتة مطلقاً . وذهب الحنفيّة إلى أنّ التّركة : هي ما يتركه الميّت من الأموال صافياً عن تعلّق حقّ الغير بعينه . ويتبيّن من خلال التّعريفين أنّ التّركة تشمل الحقوق مطلقاً عند الجمهور ، ومنها المنافع . في حين أنّ المنافع لا تدخل في التّركة عند الحنفيّة .
فإنّ الحنفيّة يحصرون التّركة في المال أو الحقّ الّذي له صلة بالمال فقط على تفصيل يأتي . الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإرث :
2 - الإرث لغةً : الأصل والأمر القديم توارثه الآخر عن الأوّل . والبقيّة من كلّ شيء . ويطلق الإرث ويراد به : الموروث ، ويساويه على هذا الإطلاق في المعنى : التّركة واصطلاحاً : هو حقّ قابل للتّجزّؤ يثبت لمستحقّه بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها . ما تشمله التّركة وما يورث منها :
3 - ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ التّركة تشمل جميع ما تركه المتوفّى من أموال وحقوق . وقد استدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم : « من مات وترك مالاً فماله لموالي العصبة ، ومن ترك كَلّاً أو ضَياعاً فأنا وليّه » .
فقد جمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم بين المال والحقّ وجعلهما تركةً لورثة الميّت ، إلاّ أنّ هذه الحقوق أنواع مختلفة ، ولكلّ منها حكمه من ناحية إرثه ، أو عدم إرثه وذلك تبعاً لطبيعته وهي :
أ - حقوق غير ماليّة : وهي حقوق شخصيّة لا تتعدّى إلى غير صاحبها بحال ما ، فهي لا تورث عنه مطلقاً ، كحقّ الأمّ في الحضانة ، وحقّ الأب في الولاية على المال ، وحقّ الوصيّ في الإشراف على مال من تحت وصايته .
ب - حقوق ماليّة ، ولكنّها تتعلّق بشخص المورّث نفسه ، وهذه لا تورث عنه أيضاً ، كرجوع الواهب في هبته ، وحقّ الانتفاع بشيء معيّن يملكه الغير ، كدار يسكنها أو أرض يزرعها ، أو سيّارة يركبها ، فهذا ونحوه لا يورث عن صاحبه .
ومن هذا النّوع الأجل في الدّين ، فالدّائن يمنح هذا الأجل للمدين لاعتبارات خاصّة يقدّرها الدّائن وحده ، وذلك من الأمور الشّخصيّة الّتي لا تورث عنه . ولذلك يحلّ الدّين بموت المدين ، ولا يرث الورثة حقّ الأجل .
ج - حقوق ماليّة أخرى تتعلّق بمشيئة المورّث وإرادته ، وهي تورث عند الجمهور .
وذهب الحنفيّة إلى أنّها لا تورث . وأهمّ هذه الحقوق حقّ الشّفعة ، وحقّ الخيارات المعروفة في عقود البيع ، كخيار الشّرط ، وخيار الرّؤية ، وخيار التّعيين .
وللتّفصيل تنظر أحكام ( الخيار ، والشّفعة ) .
د - حقوق ماليّة تتعلّق بمال المورّث ، لا بشخصه ولا بإرادته ومشيئته ، وهذه حقوق تورث عنه بلا خلاف بين الفقهاء ، وذلك كحقّ الرّهن ، وحقوق الارتفاق المعروفة ، كحقّ المرور وحقّ الشّرب وحقّ المجرى وحقّ التّعلّي .
4 - فيدخل في التّركة ما كان للإنسان حال حياته ، وخلّفه بعد مماته ، من مال أو حقوق أو اختصاص ، كالرّدّ بالعيب والقصاص والولاء وحدّ القذف .
وكذا من أوصى له بمنفعة شيء من الأشياء كدار مثلاً ، كانت المنفعة له حال حياته ولورثته بعد موته ، إلاّ إذا كانت المنفعة مؤقّتةً بمدّة حياته في الوصيّة .
وصرّح الشّافعيّة بأنّ من التّركة أيضاً ما دخل في ملكه بعد موته ، بسبب كان منه في حياته ، كصيد وقع في شبكة نصبها في حياته ، فإنّ نصبه للشّبكة للاصطياد هو سبب الملك ، وكما لو مات عن خمر فتخلّلت بعد موته . قال القرافيّ : اعلم أنّه يروى عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من مات عن حقّ فلورثته » وهذا اللّفظ ليس على عمومه ، بل من الحقوق ما ينقل إلى الوارث ، ومنها ما لا ينتقل . فمن حقّ الإنسان أن يلاعن عند سبب اللّعان ، وأن يفيء بعد الإيلاء ، وأن يعود بعد الظّهار ، وأن يختار من نسوة إذا أسلم عليهنّ وهنّ أكثر من أربع ، وأن يختار إحدى الأختين إذا أسلم عليهما ، وإذا جعل المتبايعان الخيار لأجنبيّ عن العقد فمن حقّه أن يملك إمضاء البيع عليهما أو فسخه ، ومن حقّه ما فوّض إليه من الولايات والمناصب كالقصاص والإمامة والخطابة وغيرهما ، وكالأمانة والوكالة . فجميع هذه الحقوق لا ينتقل للوارث منها شيء وإن كانت ثابتةً للمورّث .
والضّابط : أنّه ينتقل إليه كلّ ما كان متعلّقاً بالمال ، أو يدفع ضرراً عن الوارث في عرضه بتخفيف ألمه . أمّا ما كان متعلّقاً بنفس المورّث وعقله وشهواته فلا ينتقل للوارث .
والسّرّ في الفرق : أنّ الورثة يرثون المال ، فيرثون ما يتعلّق به تبعاً له ، ولا يرثون عقله ولا شهوته ولا نفسه ، فلا يرثون ما يتعلّق بذلك ، وما لا يورث لا يرثون ما يتعلّق به ، فاللّعان يرجع إلى أمر يعتقده لا يشاركه فيه غيره غالباً ، والاعتقادات ليست من باب المال ، والفيئة شهوته ، والعود إرادته ، واختيار الأختين والنّسوة إربه وميله ، وقضاؤه على المتبايعين عقله وفكرته ، ورأيه ومناصبه وولاياته وآراؤه واجتهاداته ، وأفعاله الدّينيّة فهو دينه ، ولا ينتقل شيء من ذلك للوارث ، لأنّه لم يرث مستنده وأصله ، وانتقل للوارث خيار الشّرط في البياعات ، وقاله الشّافعيّ رحمه الله تعالى . ثمّ قال القرافيّ : إنّه لم يخرج عن حقوق الأموال - فيما يورث - إلاّ صورتان فيما علمت : حدّ القذف وقصاص الأطراف والجرح والمنافع في الأعضاء . فإنّ هاتين الصّورتين تنتقلان للوارث ، وهما ليستا بمال ، لأجل شفاء غليل الوارث بما دخل على عرضه من قذف مورّثه والجناية عليه .
وأمّا قصاص النّفس فإنّه لا يورث ، فإنّه لم يثبت للمجنيّ عليه قبل موته ، وإنّما يثبت للوارث ابتداءً ، لأنّ استحقاقه فرع زهوق النّفس ، فلا يقع إلاّ للوارث بعد موت الموروث .
5- وعند الحنابلة أنّ ما كان من حقوق المورّث ، ويجب له بموته ، كالدّية والقصاص في النّفس فللورثة استيفاؤه . وما كان واجباً للمورّث في حياته إن كان قد طالب به ، أو هو في يده ثبت للورثة إرثه ، وذلك على تفصيل في المذهب .
6- وذهب الحنفيّة إلى أنّ التّركة هي المال فقط ، ويدخل فيها الدّية الواجبة بالقتل الخطأ ، أو بالصّلح عن عمد ، أو بانقلاب القصاص بعفو بعض الأولياء ، فتعتبر كسائر أمواله ، حتّى تقضى منها ديونه وتخرج وصاياه ، ويرث الباقي ورثته .
ولا تدخل الحقوق في التّركة ، لأنّها ليست ثابتةً بالحديث ، وما لم يثبت لا يكون دليلاً .
ولأنّ الحقوق ليست أموالاً ، ولا يورث منها إلاّ ما كان تابعاً للمال أو في معنى المال ، مثل حقوق الارتفاق والتّعلّي وحقّ البقاء في الأرض المحتكرة للبناء والغراس ، أمّا غير ذلك من الحقوق فلا يعتبر تركةً ، كحقّ الخيار في السّلعة الّتي اشتراها المورّث وكان له فيها حقّ الخيار - كما سبق - وحقّ الانتفاع بما أوصي له به ، ومات قبل مضيّ المدّة الّتي حدّدها الموصي . قال ابن رشد : وعمدة المالكيّة والشّافعيّة ( والحنابلة أيضاً ) أنّ الأصل هو أن تورث الحقوق والأموال ، إلاّ ما قام دليل على مفارقة الحقّ في هذا المعنى للمال . وعمدة الحنفيّة أنّ الأصل هو أن يورث المال دون الحقوق ، إلاّ ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال . فموضع الخلاف : هل الأصل أن تورث الحقوق كالأموال أو لا ؟ وكلّ واحد من الفريقين يشبه من هذا ما لم يسلّم له خصمه منها بما يسلّمه منها له ، ويحتجّ على خصمه .
الحقوق المتعلّقة بالتّركة :
7 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الحقوق المتعلّقة بالتّركة أربعة :
وهي تجهيز الميّت للدّفن ، وقضاء ديونه إن مات مديناً ، وتنفيذ ما يكون أوصى به قبل موته من وصايا ، ثمّ حقوق الورثة .
وصرّح المالكيّة ، وصاحب الدّرّ المختار من الحنفيّة بأنّها خمسة بالاستقراء .
قال الدّردير : وغايتها - أي الحقوق المتعلّقة بالتّركة - خمسة : حقّ تعلّق بعين ، وحقّ تعلّق بالميّت ، وحقّ تعلّق بالذّمّة ، وحقّ تعلّق بالغير ، وحقّ تعلّق بالوارث .
والحصر في هذه استقرائيّ ، فإنّ الفقهاء تتبّعوا ذلك فلم يجدوا ما يزيد على هذه الأمور الخمسة ، لا عقليّ كما قيل . وقال صاحب الدّرّ المختار : والحقوق هاهنا خمسة بالاستقراء ، لأنّ الحقّ إمّا للميّت ، أو عليه ، أو لا .
الأوّل : التّجهيز ، والثّاني : إمّا أن يتعلّق بالذّمّة وهو الدّين المطلق أو لا ، وهو المتعلّق بالعين ، والثّالث : إمّا اختياريّ وهو الوصيّة ، أو اضطراريّ وهو الميراث .
أحكام التّركة :
للتّركة أحكام خاصّة بيانها فيما يلي :
ملكيّة التّركة :
تنتقل ملكيّة التّركة جبراً إلى الورثة ، ولهذا الانتقال شروط :
الشّرط الأوّل - موت المورّث :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ انتقال التّركة من المورّث إلى الوارث يكون بعد وفاة المورّث حقيقةً أو حكماً أو تقديراً .
فالموت الحقيقيّ : هو انعدام الحياة إمّا بالمعاينة ، كما إذا شوهد ميّتاً ،أو بالبيّنة أو السّماع. والموت الحكميّ : هو أن يكون بحكم القاضي إمّا مع احتمال الحياة أو تيقّنها .
مثال الأوّل : الحكم بموت المفقود .
ومثال الثّاني : حكم القاضي على المرتدّ باعتباره في حكم الأموات إذا لحق بدار الحرب . وتقسّم التّركة في هاتين الحالتين من وقت صدور الحكم بالموت .
والموت التّقديريّ : هو إلحاق الشّخص بالموتى تقديراً ، كما في الجنين الّذي انفصل عن أمّه بجناية ، بأن يضرب شخص امرأةً حاملاً ، فتلقي جنيناً ميّتاً ، فتجب الغرّة ، وتقدّر بنصف عشر الدّية . وقد اختلف الفقهاء في إرث هذا الجنين : فذهب الجمهور إلى أنّه لا يرث ، لأنّه لم تتحقّق حياته ، ومن ثمّ فلم تتحقّق أهليّته للتّملّك بالإرث ، ولا يورث عنه إلاّ الدّية فقط . وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يرث ويورث ، لأنّه يقدر أنّه كان حيّاً وقت الجناية ، وأنّه مات بسببها . وللتّفصيل انظر ( إرث ، جنين ، جناية ، موت ) .
الشّرط الثّاني - حياة الوارث :
9 - تحقّق حياة الوارث بعد موت المورّث ، أو إلحاقه بالأحياء تقديراً ، فالحياة الحقيقيّة هي المستقرّة الثّابتة للإنسان المشاهدة له بعد موت المورّث .
والحياة التّقديريّة هي الثّابتة تقديراً للجنين عند موت المورّث ، فإذا انفصل حيّاً حياةً مستقرّةً لوقت يظهر منه وجوده عند الموت - ولو نطفةً - فيقدّر وجوده حيّاً حين موت المورّث بولادته حيّاً . وللتّفصيل انظر مصطلح : ( إرث ) .
الشّرط الثّالث - العلم بجهة الميراث :
10 - يشترط العلم بالجهة المقتضية للإرث من زوجيّة أو قرابة أو ولاء ، وذلك لأنّ الأحكام تختلف في ذلك ، ويجب أيضاً أن تعيّن جهة القرابة ، مع العلم بالدّرجة الّتي يجتمع الوارث فيها مع المورّث . وللتّفصيل انظر مصطلح : ( إرث ) .
أسباب انتقال التّركة :
11 - أسباب انتقال التّركة أربعة ، اتّفق الفقهاء على ثلاثة منها وهي : النّكاح والولاء والقرابة .
وزاد المالكيّة والشّافعيّة جهة الإسلام وهي : بيت المال ، على تفصيل ينظر في موضعه . وكلّ سبب من هذه الأسباب يفيد الإرث على الاستقلال . وللتّفصيل انظر مصطلح : ( إرث ) .
موانع انتقال التّركة بالإرث :
12 - موانع انتقال التّركة عن طريق الإرث ثلاثة : الرّقّ ، والقتل ، واختلاف الدّين . واختلفوا في ثلاثة : وهي الرّدّة ، واختلاف الدّارين ، والدّور الحكميّ .
وهناك موانع أخرى لبعض الفقهاء ، مع خلاف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح ( إرث ) .
انتقال التّركة :
13 - لا يشترط لانتقال التّركة إلى الوارث قبول الوراثة ، ولا إلى أن يتروّى قبل أن يقبلها ، بل إنّها تئول إليه جبراً بحكم الشّرع من غير قبول منه . وقد تكون التّركة خاليةً من الدّيون ، وقد تكون مدينةً . والدّين إمّا أن يكون مستغرقاً أو لا ، ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ التّركة تنتقل إلى الوارث ، إذا لم يتعلّق بها دين من حين وفاة الميّت .
واختلفوا في انتقال التّركة الّتي يتعلّق بها الدّين على ثلاثة أقوال :
أ - فذهب الشّافعيّة ، وهو أشهر الرّوايتين عند الحنابلة إلى : أنّ أموال التّركة تنتقل إلى ملك الورثة بمجرّد موت المورّث ، مع تعلّق الدّين بها ، سواء أكان الدّين مستغرقاً للتّركة أم غير مستغرق لها .
ب - وذهب المالكيّة إلى : أنّ أموال التّركة تبقى على ملك الميّت بعد موته إلى أن يسدّد الدّين ، سواء أكان الدّين مستغرقاً لها أم غير مستغرق ، لقوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أو دَينٍ } .
ج - وذهب الحنفيّة إلى أنّه يميّز بين ما إذا كانت التّركة مستغرقةً بالدّين ، أو كانت غير مستغرقة به . فإن استغرق الدّين أموال التّركة تبقى أموال التّركة على ملك الميّت ، ولا تنتقل إلى ملك الورثة . وإن كان الدّين غير مستغرق ، فالرّأي الرّاجح أنّ أموال التّركة تنتقل إلى الورثة بمجرّد موت المورّث ، مع تعلّق الدّين بهذه الأموال على تفصيل سيأتي .
قال السّرخسيّ : الدّين إذا كان محيطاً بالتّركة يمنع ملك الوارث في التّركة ، وإن لم يكن محيطاً فكذلك في قول أبي حنيفة الأوّل .
وفي قوله الآخر : لا يمنع ملك الوارث بحال ، لأنّ الوارث يخلف المورّث في المال ، والمال كان مملوكاً للميّت في حال حياته مع اشتغاله بالدّين كالمرهون ، فكذلك يكون ملكاً للوارث ، قال : وحجّتنا في ذلك قوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أو دَينٍ } .
فقد جعل اللّه تعالى أوان الميراث ما بعد قضاء الدّين ، والحكم لا يسبق أوانه فيكون حال الدّين كحال حياة المورّث في المعنى .
ثمّ الوارث يخلفه فيما يفضل من حاجته ، فأمّا المشغول بحاجته فلا يخلفه وارثه فيه .
وإذا كان الدّين محيطاً بتركته فالمال مشغول بحاجته ، وقيام الأصل يمنع ظهور حكم الخلف . ولا نقول : يبقى مملوكاً بغير مالك ، ولكن تبقى مالكيّة المديون في ماله حكماً لبقاء حاجته . وخلافة الوارث في التّركة ناقصة في حال تعلّق الدّين بها من غير استغراق ، وهي صوريّة إذا كانت مستغرقةً بالدّين ، وذلك لا يعني أنّه لا قيمة لهذه الخلافة ، بل لها شأنها ، ويعلم ذلك من أقوال الفقهاء . قال ابن قاضي سماوة من الحنفيّة : للورثة أخذ التّركة لأنفسهم ودفع الدّين والوصيّة من مالهم .
ولو كانت التّركة مستغرقةً بدين أو غير مستغرقة ، فأدّاه الورثة لاستخلاص التّركة يجبر ربّ الدّين على قبوله ، إذ لهم الاستخلاص وإن لم يملكوها ، بخلاف الأجنبيّ .
ولو كانت التّركة مستغرقةً بالدّين فالخصم في إثبات الدّين إنّما هو وارثه ، لأنّه خلفه ، فتسمع البيّنة الّتي يتقدّم بها الدّائن عليه .
أثر الخلاف السّابق في انتقال التّركة :
14 - أ - نماء التّركة أو نتاجها إذا حصل بين الوفاة وأداء الدّين ، هل تضمّ إلى التّركة لمصلحة الدّائنين أم هي للورثة ؟
وذلك كأجرة دار للسّكنى ، أو أرض زراعيّة استحقّت بعد وفاته ، وكدابّة ولدت أو سمنت فزادت قيمتها ، وكشجر صار له ثمر . كلّ ذلك نماء أو زيادة في التّركة ، وفيه خلاف بين الفقهاء مبنيّ على أنّ التّركة قبل وفاء الدّين المتعلّق بها هل تنتقل إلى الورثة أم لا ؟ فمن قال : تنتقل إلى الورثة قال : إنّ الزّيادة للوارث وليست للدّائن ، ومن قال بعدم انتقالها ضمّت الزّيادة إلى التّركة لوفاء الدّين ، فإن فضل شيء انتقل إلى الورثة .
ب - صيد وقع في شبكة أعدّها المورّث حال حياته ، ووقوع الصّيد كان بعد وفاته ، فعلى الخلاف السّابق . وللتّفصيل ينظر في مصطلح : ( دين ، وصيد ، وإرث ) .
وقت انتقال التّركة :
يختلف وقت وراثة الوارث لمورّثه بناءً على ما يسبق الوفاة . وهنا يفرّق بين حالات ثلاث :
أ - الحالة الأولى :
15 - من مات دون سابق مرض ظاهر ، وذلك كأن مات فجأةً بالسّكتة القلبيّة ، أو في حادث مثلاً . ففي هذه الحالة يكون وقت خلافة الوارث لمورّثه هو نفس وقت الموت ، وبلا خلاف يعتدّ به بين الفقهاء . قال الفناريّ : فعند أبي يوسف ومحمّد يخلف الوارث مورّثه في التّركة بعد موته ، وعليه مشايخ بلخ ، لأنّه ما دام حيّاً مالك لجميع أمواله ، فلو ملكها الوارث في هذه الحالة أدّى إلى أن يصير الشّيء الواحد مملوكاً لشخصين في حالة واحدة ، وهذا غير معهود في الشّرع ، لكن عند محمّد ملك الوارث يتعقّب الموت ، وعند أبي يوسف لا يتعقّب ، بل يتحقّق إذا استغنى الميّت عن ماله بتجهيزه وأداء دينه ، لأنّ كلّ جزء يجوز أن يكون محتاجاً إليه بتقدير هلاك الباقي . وعن محمّد ينتقل الملك إلى الوارث قبل موته في آخر أجزاء الحياة ، وعليه مشايخ العراق ، لأنّ الإرث يجري بين الزّوج والزّوجة ، والزّوجيّة ترتفع بالموت أو تنتهي على حسب ما اختلفوا ، فبأيّ سبب يجري الإرث بينهما . وعند البعض يجري الإرث مع موت المورّث لا قبله ولا بعده - كما ذكره شارح الفرائض العثمانيّة واختاره - لأنّ انتقال الشّيء إلى ملك الوارث مقارن لزوال ملك المورّث عن ذلك الشّيء ، فحين يتمّ يحصل الانتقال والإرث .
ب - الحالة الثّانية :
16 - هي حالة من مات بعد أن كان مريضاً مرض الموت واتّصلت الوفاة به .
وقد عرّفت مجلّة الأحكام العدليّة مرض الموت بأنّه : المرض الّذي يخاف فيه الموت في الأكثر ، الّذي يعجز المريض عن رويّة مصالحه الخارجيّة عن داره إن كان من الذّكور ، ويعجزه عن رؤية المصالح الدّاخليّة في داره إن كان من الإناث ، ويموت على ذلك الحال قبل مرور سنة ، كان صاحب فراش أو لم يكن . وإن امتدّ مرضه دائماً على حال ، ومضى عليه سنة يكون في حكم الصّحيح ، وتكون تصرّفاته كتصرّفات الصّحيح ، ما لم يشتدّ مرضه ويتغيّر حاله ، ولكن لو اشتدّ مرضه وتغيّر حاله ومات ، يعدّ حاله اعتباراً من وقت التّغيّر إلى الوفاة مرض موت . ويلحق بالمريض مرض الموت : الحامل إذا أتمّت ستّة أشهر ودخلت في السّابع ، والمحبوس للقتل ، وحاضر صفّ القتال وإن لم يصب بجرح كما صرّح بذلك المالكيّة . ونحوه تصريح الحنابلة في الحامل إذا ضربها المخاض .
17 - وذهب الجمهور إلى أنّ وقت انتقال تركة المريض مرض الموت إلى ورثته ، يكون عقب الموت بلا تراخ ، وهو قول أكثر الحنفيّة أيضاً . وقال بعض متقدّمي الحنفيّة : إنّ انتقال الملكيّة في ثلثي تركة المريض مرض الموت يكون من حين ابتداء مرض الموت ، وتفصيل ذلك ودليله ينظر في المطوّلات . قالوا : ولأجل هذا منع المريض مرض الموت من التّصرّف في ثلثي التّركة ، وترث زوجته منه لو طلّقها بائناً فيه .
الحجر على المريض مرض الموت صوناً للتّركة لحقّ الورثة :
18 - إذا شعر المريض بدنوّ أجله ربّما تنطلق يده في التّبرّعات رجاء استدراك ما فاته في حال صحّته ، وقد يؤدّي ذلك إلى تبديد ماله وحرمان الورثة ، فشرع الحجر عليه .
وقد اتّفق الفقهاء على أنّ المريض مرض الموت محجور عليه بحكم الشّرع لحقّ الورثة ، والّذي يحجر فيه على المريض هو تبرّعاته فقط فيما زاد عن ثلث تركته حيث لا دين . وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ هذا الحجر على المريض مرض الموت هو في التّبرّع ، كالهبة والصّدقة والوصيّة والوقف وبيع المحاباة فيما يزيد عن ثلث ماله ، أي أنّ حكم تبرّعاته حكم وصيّته : تنفذ من الثّلث ، وتكون موقوفةً على إجازة الورثة فيما زاد عن الثّلث ، فإن برئ من مرضه صحّ تبرّعه . وقال المالكيّة : لا ينفذ من الثّلث تبرّع المريض ، إلاّ إذا كان المال الباقي بعد التّبرّع مأموناً ، أي لا يخشى تغيّره ، وهو العقار كدار وأرض وشجر ، فإن كان غير مأمون فلا ينفذ ، وإنّما يوقف ولو بدون الثّلث حتّى يظهر حاله من موت أو حياة ، كما يمنع من الزّواج بما زاد على الثّلث . قال الدّسوقيّ : والمريض لا يحجر عليه في تداويه ومؤنته ، ولا في المعاوضة الماليّة ولو بكلّ ماله . وأمّا التّبرّعات فيحجر عليه فيها بما زاد عن الثّلث . وللتّفصيل انظر مصطلح : ( مرض الموت ) .
ج - الحالة الثّالثة :
19 - وهي حالة التّركة المدينة بدين مستغرق أو غير مستغرق لها ، وقد تقدّم الكلام على هذه الحالة في " انتقال التّركة " .
زوائد التّركة :
20 - المراد بزوائد التّركة نماء أعيانها بعد وفاة المورّث .
وقد فصّل الفقهاء حكم هذه الزّوائد ، آخذين بعين الاعتبار ما إذا كانت التّركة خاليةً من الدّيون أو مدينةً بدين مستغرق أو غير مستغرق . فإذا كانت التّركة غير مدينة ، فلا خلاف بين الفقهاء في أنّ التّركة بزوائدها للورثة ، كلّ حسب حصّته في الميراث .
أمّا إذا كانت التّركة مدينةً بدين مستغرق أو غير مستغرق ، فقد اختلف الفقهاء في زوائدها هل تبقى على ملك الميّت ، ومن ثمّ تصرف للدّائنين ؟ أم تنتقل للورثة ؟
فذهب الحنفيّة - في الدّين المستغرق - والمالكيّة إلى : أنّ نماء أعيان التّركة بزيادتها المتولّدة ملك للميّت ، كما أنّ نفقات أعيان التّركة ، من حفظ وصيانة ومصروفات حمل ونقل وطعام حيوان تكون في التّركة .
وذهب الحنفيّة في الدّين غير المستغرق والشّافعيّة والحنابلة - في أشهر الرّوايتين - إلى أنّ زوائد التّركة الّتي تعلّق بها دين ملك للورثة ، وعليهم ما تحتاجه من نفقات .
ترتيب الحقوق المتعلّقة بالتّركة :
21 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحقوق المتعلّقة بالتّركة ليست على مرتبة واحدة ، وأنّ بعضها مقدّم على بعض ، فيقدّم من حيث الجملة تجهيز الميّت وتكفينه ، ثمّ أداء الدّين ، ثمّ تنفيذ وصاياه ، والباقي للورثة .
أوّلاً : تجهيز الميّت وتكفينه :
22 - إذا كانت التّركة خاليةً من تعلّق دين بعينها قبل الوفاة ، فقد اتّفق الفقهاء على أنّ أوّل الحقوق مرتبةً وأقواها هو : تجهيزه للدّفن والقيام بتكفينه وبما لا بدّ له منه ، « لقوله صلى الله عليه وسلم في الّذي وَقَصَته ناقتُه : كَفِّنوه في ثوبين » ولم يسأل هل عليه دين أم لا ؟ لأنّه محتاج إلى ذلك ، وإنّما يدفع إلى الوارث ما يستغني عنه المورّث ، لأنّه إذا ترك للمفلس الحيّ ثياب تليق به فالميّت أولى أن يستر ويوارى ، لأنّ الحيّ يعالج لنفسه ، وقد « كفّن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد مصعباً رضي الله عنه في بردة له ، ولم يكن له غيرها ، وكفّن حمزة رضي الله عنه أيضاً » ولم يسأل عن دين قد يكون على أحدهما قبل التّكفين . أمّا إذا لم تكن التّركة خاليةً من تعلّق حقّ الغير بأعيانها قبل الوفاة ، كأن كان فيها شيء من الأعيان المرهونة ، أو شيء اشتراه ولم يقبضه ولم يدفع ثمنه ، كان حقّ المرتهن متعلّقاً بعين الشّيء المرهون ، وكان حقّ البائع متعلّقاً بالمبيع نفسه الّذي لا يزال تحت يده ، ففي هذه الحالة يكون الدّين متقدّماً في الدّفع على تكفين الميّت وتجهيزه عند المالكيّة والشّافعيّة ، وهي الرّواية المشهورة عند الحنفيّة .
وعند الحنابلة ، وغير المشهور عند الحنفيّة : أنّه إذا مات الإنسان بدئ بتكفينه وتجهيزه مقدّماً على غيره ، كما تقدّم نفقة المفلس على ديون غرمائه ، ثمّ تقضى ديونه بعد تجهيزه ودفنه . والتّفصيل في ( جنائز ، ودين ) .
ثانياً : أداء الدّين :
23 - يأتي في المرتبة الثّانية أداء الدّيون المتعلّقة بالتّركة بعد تجهيز الميّت - على التّفصيل السّابق - لقوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أو دينٍ } . ويقدّم الدّين على الوصيّة باتّفاق الفقهاء ، لأنّ الدّين واجب من أوّل الأمر ، لكنّ الوصيّة تبرّع ابتداءً ، والواجب يؤدّى قبل التّبرّع . « وعن الإمام عليّ رضي الله عنه أنّه قال : إنّكم تقرءون الوصيّة قبل الدّين ، وقد شهدت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدّين قبل الوصيّة » . وهذه الدّيون أو الحقوق أنواع :
منها : ما يكون للّه تعالى ، كالزّكاة والكفّارات والحجّ الواجب .
ومنها : ما يكون للعباد ، كدين الصّحّة ودين المرض .
وهذه الدّيون بشطريها ، إمّا أن تتعلّق بعين التّركة أو بجزء منها .
ومنها : ديون مطلقة متعلّقة بالذّمّة وحدها .
24 - وذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والثّوريّ والشّعبيّ والنّخعيّ وسوّار ، وهو الرّواية المرجوحة للحنابلة إلى : أنّ الدّيون الّتي على الميّت تحلّ بموته . قال ابن قدامة : لأنّه لا يخلو إمّا أن يبقى الدّين في ذمّة الميّت ، أو الورثة ، أو يتعلّق بالمال .
لا يجوز بقاؤه في ذمّة الميّت لخرابها وتعذّر مطالبته بها ، ولا ذمّة الورثة لأنّهم لم يلتزموها ، ولا رضي صاحب الدّين بذممهم ، وهي مختلفة متباينة ، ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله ، لأنّه ضرر بالميّت وصاحب الدّين ولا نفع للورثة فيه أمّا الميّت فلأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « نفس المؤمن معلّقة ما كان عليه دين » ، وأمّا صاحبه فيتأخّر حقّه ، وقد تتلف العين فيسقط حقّه ، وأمّا الورثة فإنّهم لا ينتفعون بالأعيان ولا يتصرّفون فيها ، وإن حصلت لهم منفعة فلا يسقط حظّ الميّت وصاحب الدّين لمنفعة لهم .
والمذهب عند الحنابلة ، وهو قول ابن سيرين وعبيد اللّه بن الحسن العنبريّ وأبي عبيد : أنّ الدّيون على الميّت لا تحلّ بموته ، إذا وثق الورثة أو غيرهم برهن أو كفيل مليء على أقلّ الأمرين من قيمة التّركة أو الدّين . قال ابن قدامة : لأنّ الموت ما جعل مبطلاً للحقوق ، وإنّما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ترك حقّاً أو مالاً فلورثته » ، فعلى هذا يبقى الدّين في ذمّة الميّت كما كان ، ويتعلّق بعين ماله كتعلّق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه ، فإن أحبّ الورثة أداء الدّين والتزامه للغريم ويتصرّفون في المال لم يكن لهم ذلك إلاّ أن يرضى الغريم ، أو يوثّقوا الحقّ بضمين مليء أو رهن يثق به لوفاء حقّه ، فأنّهم قد لا يكونون أملياء ولم يرض بهم الغريم ، فيؤدّي إلى فوات الحقّ ، وذكر القاضي أبو يعلى : أنّ الحقّ ينتقل إلى ذمم الورثة بموت مورّثهم من غير أن يشترط التزامهم له . قال ابن قدامة : ولا ينبغي أن يلزم الإنسان دين لم يلتزمه ولم يتعاط سببه ، ولو لزمهم ذلك لموت مورّثهم للزمهم وإن لم يخلّف وفاءً .
25 - وقد اختلف الفقهاء في أيّ الدّينين يؤدّى أوّلاً إذا ضاقت التّركة عنهما .
فذهب الحنفيّة إلى : أنّ ديون اللّه تعالى تسقط بالموت إلاّ إذا أوصى بها كما سيأتي .
وذهب المالكيّة إلى أنّ حقّ العبد يقدّم على حقّ اللّه تعالى ، لأنّ حقوق اللّه تعالى مبنيّة على المسامحة ، وحقوق العباد مبنيّة على المشاحّة ، أو لاستغناء اللّه وحاجة النّاس .
وذهب الشّافعيّة إلى تقديم حقوق اللّه تعالى أو ديونه على حقوق الآدميّ إذا ضاقت التّركة عنهما ، واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم : « دين اللّه أحقّ أن يقضى » .
وقوله : « اقضوا اللّه ، فاللّه أحقّ بالوفاء » .
وأمّا الحنابلة فإنّهم يقدّمون وفاء الدّين المتعلّق بعين التّركة أو ببعضها ، كالدّين المرهون به شيء منها ، ثمّ بعدها الدّين المطلقة المتعلّقة بذمّة المتوفّى ، ولا فرق في التّقديم بين حقّ اللّه أو حقّ العبد . وللتّفصيل انظر مصطلح : ( إرث ، ودين ) .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:19 PM

تعلّق دين اللّه سبحانه بالتّركة :
26 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ دين اللّه سبحانه وتعالى يجب أداؤه من التّركة ، سواء أوصى به أم لا ، على خلاف سبق في تقديمه على دين الآدميّ .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ دين اللّه تعالى لا يجب أداؤه من التّركة إلاّ إذا أوصى به الميّت ، فإن أوصى به فيخرج من ثلث التّركة . قال الفناريّ في توجيه ذلك : إنّ أداء دين اللّه عبادة ، ومعنى العبادة لا يتحقّق إلاّ بنيّة وفعل ممّن يجب عليه حقيقةً أو حكماً ، كما في الإيصاء لتحقّق أدائها مختاراً ، فيظهر اختياره الطّاعة من اختياره المعصية الّذي هو المقصود من التّكليف ، وفعل الوارث من غير أمر المبتلى بالأمر والنّهي لا يحقّق اختياره ، فإذا مات من غير فعل ولا أمر به فقد تحقّق عصيانه ، لخروجه من دار التّكليف ولم يمتثل ، وذلك تقرير عليه موجب العصيان ، فليس فعل الوارث الفعل المأمور به ، فلا يسقط به الواجب ، كما لو تبرّع به في حال حياته ، بخلاف حقوق العباد ، فإنّ الواجب فيها وصولها إلى مستحقّيها لا غير ، ولهذا لو ظفر به الغريم يأخذه ، ويبرأ من عليه بذلك .
ثمّ الإيصاء بحقوق اللّه تعالى تبرّع ، لأنّ الواجب في ذمّة من عليه الحقّ فعل لا مال ، والأفعال تسقط بالموت ، ولا يتعلّق استيفاؤها بالتّركة ، لأنّ التّركة مال يصلح لاستيفاء المال منها لا لاستيفاء الفعل . ألا يرى أنّه إذا مات وعليه القصاص لا يستوفى من تركته ، فصارت الحقوق المذكورة كالسّاقط في حقّ الدّنيا ، لأنّها لو لم يوص بها لم يجب على الورثة أداؤها ، فكان الإيصاء بأدائها تبرّعاً ، فيعتبر كسائر التّبرّعات من الثّلث بخلاف ديون العباد ، فإنّها لا تسقط بالموت ، لأنّ المقصود ثمّة المال لا الفعل ، لحاجة العباد إلى الأموال . وفيه بحث وهو أنّ الإيصاء بأداء حقوق اللّه تعالى واجب كما صرّح به في الهداية ، والإيصاء بسائر التّبرّعات ليس بلازم ، فلا وجه لقياس الإيصاء بأداء حقوق اللّه على الإيصاء بسائر التّبرّعات ، فتأمّل .
هذا وقد اختلف الجمهور في بعض التّفصيلات : فذهب المالكيّة إلى أنّه بعد وفاء دين العبد يبدأ بوفاء حقّ اللّه تعالى ، فيقدّم هدي التّمتّع إن مات الحاجّ بعد رمي جمرة العقبة ، أوصى به أم لا ، ثمّ زكاة فطر فرّط فيها ، وكفّارات فرّط فيها أيضاً ، ككفّارة يمين وصوم وظهار وقتل إذا أشهد في صحّته أنّها بذمّته ، كلّ ذلك يخرج من رأس المال ، أوصى بإخراجها أم لم يوص ، لأنّ المقرّر في مذهب المالكيّة : أنّ حقوق اللّه متى أشهد في صحّته بها خرجت من رأس المال ، فإن أوصى بها ولم يشهد فتخرج من الثّلث .
ومثل ما تقدّم : زكاة النّقدين الّتي حلّت وأوصى بها ، وزكاة ماشية وجبت ولا ساعي لأخذها ولم توجد السّنّ الّتي تجب فيها ، فإن وجدت فهو كالدّين المتعلّق بعين ، فيجب إخراجه قبل الكفن والتّجهيز .
وذهب الشّافعيّة إلى : أنّه بعد تجهيز الميّت وتكفينه تقضى ديونه المتعلّقة بذمّته من رأس المال ، سواء أكانت للّه تعالى أم لآدميّ ، أوصى بها أم لم يوص ، لأنّها حقّ واجب عليه . هذا وإنّ محلّ تأخير الدّين عن مؤن التّجهيز إذا لم يتعلّق بعين التّركة حقّ ، فإن تعلّق بعين التّركة حقّ قدّم على التّجهيز ، وذلك كالزّكاة الواجبة فيما قبل موته ، ولو من غير الجنس ، فيقدّم على مؤن التّجهيز ، بل على كلّ حقّ تعلّق بها فكانت كالمرهون بها .
وذهب الحنابلة إلى : أنّه بعد التّجهيز والتّكفين يوفّى حقّ مرتهن بقدر الرّهن ، ثمّ إن فضل للمرتهن شيء من دينه شارك الغرماء . ثمّ بعد ما سبق من تسديد الدّيون المتعلّقة بأعيان التّركة ، تسدّد الدّيون غير المتعلّقة بالأعيان ، وهي الّتي تثبت في الذّمّة ، ويتعلّق حقّ الغرماء بالتّركة كلّها ، سواء استغرقها الدّين أم لم يستغرقها ، وسواء أكان الدّين للّه تعالى كالزّكاة والكفّارات والحجّ الواجب ، أم كان لآدميّ كالقرض والثّمن والأجرة .
فإن زادت الدّيون عن التّركة ، ولم تف بدين اللّه تعالى ودين الآدميّ ، يتحاصّون بنسبة ديونهم كمال المفلس .
والتّفصيل في الزّكاة والكفّارات والحجّ وينظر مصطلح : ( حجّ ، ودين ، وإرث ) .
دين الآدميّ :
27 - دين الآدميّ هو الدّين الّذي له مطالب من جهة العباد ، فإنّ إخراج هذا الدّين من التّركة والوفاء به واجب شرعاً على الورثة قبل توزيع التّركة بينهم ، لقوله تعالى . { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أو دَيْنٍ } وعلى ذلك الإجماع ، وذلك حتّى تبرأ ذمّته من حقوق النّاس ، أو حتّى تبرد جلدته كما جاء في الحديث الشّريف .
وللفقهاء تفصيل في نوع تعلّق دين الآدميّ بين كونه متعلّقاً بعين التّركة أو بذمّة المتوفّى ، وفي دين الصّحّة والمرض ، وفي ضيق التّركة عن تسديد الدّين وغير ذلك ممّا سيأتي .
نوع التّعلّق :
الدّين الّذي له مطالب من جهة العباد إمّا أن يتعلّق بعين التّركة أو لا .
أ - الدّين المتعلّق بعين التّركة :
28 - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة في الرّواية المشهورة عندهم ، والمالكيّة والشّافعيّة- إلى أنّه يبدأ من الدّيون بما تعلّق بعين التّركة ، كالدّين الموثق برهن ، ومن ثمّ يجب تقديم هذه الدّيون على تجهيز الميّت وتكفينه ، لأنّ المورّث في حال حياته لا يملك التّصرّف في الأعيان الّتي تعلّق بها حقّ الغير ، فأولى ألاّ يكون له فيها حقّ بعد وفاته .
فإن فضل شيء من التّركة بعد سداد هذا الدّين جهّز منه الميّت ، وإن لم يفضل شيء بعد سداد الدّين ، كان تجهيز الميّت على من كانت تجب عليه نفقته في حياته .
وذهب الحنابلة ، والحنفيّة في غير المشهور إلى أنّه إذا مات الإنسان بدئ بتكفينه وتجهيزه مقدّماً على غيره ، كما تقدّم نفقة المفلس على ديون غرمائه ، ثمّ بعد التّجهيز والتّكفين تقضى ديونه ممّا بقي من ماله .
ب - الدّيون المطلقة :
29 - اتّفق الفقهاء على أنّ الدّيون المطلقة ، وهي الّتي لا تتعلّق بعين من أعيان التّركة تؤخّر عن تجهيز الميّت وتكفينه ، فإن فضل شيء بعد التّجهيز والتّكفين دفع للدّائن واحداً كان أو أكثر بقدر حصصهم . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( دين وإرث )
ج - دين الصّحّة ودين المرض :
30 - دين الصّحّة : هو ما كان ثابتاً بالبيّنة مطلقاً ، أي في حال الصّحّة أو المرض على السّواء .
وما كان ثابتاً بالإقرار في حال الصّحّة وكذا الدّين الثّابت بنكول المتوفّى في زمان صحّته .
ودين المرض : هو ما كان ثابتاً بإقراره في مرضه ، أو ما هو في حكم المرض ، كإقرار من خرج للمبارزة ، أو خرج للقتل قصاصاً ، أو ليرجم .
ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن أبي ليلى إلى : أنّ دين الصّحّة ودين المرض سواء في الأداء ، ولهذا إن لم يكن في التّركة وفاء بهما يكون لكلّ دائن حصّة منهما ، بنسبة مقدار دينه ، بلا تمييز بين ما كان منها من ديون الصّحّة أو ديون المرض ، فهي في مرتبة واحدة ، لأنّه إن عرّف سببها للنّاس فهي ديون الصّحّة - ووافقهم على ذلك الحنفيّة - وإن لم يعرّف سببها فيكفي الإقرار في إثباتها ، لأنّ الإقرار حجّة ، إلاّ إذا قام دليل أو قرينة على كذبه . والإنسان وهو مريض يكون أبعد عن هواه ، وأقرب إلى اللّه ، وإلى ما يؤمر به من الصّدق في حال الصّحّة ، لأنّ المرض مظنّة التّوبة . يصدق فيه الكاذب ، ويبرّ فيه الفاجر ، وتنتفي تهمة الكذب عن إقراره ، فيكون الثّابت بالإقرار كالثّابت بالبيّنة .
وذهب الحنفيّة إلى تقديم دين الصّحّة على دين المرض الّذي ثبت بطريق الإقرار ، ولم يعلم النّاس به ، لأنّ الإقرار في مرض الموت مظنّة التّبرّع أو المحاباة ، فيكون في حكم الوصايا الّتي تنفذ من الثّلث ، والوصايا مؤخّرة عن الدّيون .
تزاحم الدّيون :
31 - إذا كانت التّركة متّسعةً للدّيون كلّها على اختلاف أنواعها ، فلا إشكال في ذلك حينئذ ، إذ يمكن الوفاء بها جميعاً من التّركة .
أمّا إذا ضاقت التّركة ولم تتّسع لجميع الدّيون ، فقد اختلف الفقهاء في تقديم بعضها على بعض . وقد تقدّم بيان أقوال الفقهاء في تقديم الدّيون المتعلّقة بعين التّركة على غيرها ، وتقديم دين الصّحّة على دين المرض أو عدم تقديمه .
وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( دين ، ورهن ، وقسمة ) .
ثالثاً : الوصيّة :
32 - يأتي في المرتبة الثّالثة تنفيذ الوصيّة . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ تنفيذ ما يوصي به الميّت يجيء بعد الدّين وقبل أخذ الورثة أنصباءهم من التّركة ، لقوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أو دَيْنٍ } ولا يكون تنفيذ ما يوصى به من أصل المال ، لأنّ ما تقدّم من التّكفين وقضاء الدّين قد صار مصروفاً في ضروراته الّتي لا بدّ منها ، والباقي هو ماله الّذي كان له أن يتصرّف في ثلثه . وأيضاً ربّما استغرق ثلث الأصل جميع الباقي ، فيؤدّي إلى حرمان الورثة بسبب الوصيّة ، وهذا سواء أكانت الوصيّة مطلقةً أم معيّنةً .
وتقديم الوصيّة على الدّين في الآية الكريمة لا يفيد التّقديم فعلاً كما تبيّن من قبل ( ف 23 ) وإنّما يفيد العناية بأمر وصيّة الميّت ، وإن كانت تبرّعاً منه ، كي لا تشحّ نفوس الورثة بإخراجها من التّركة قبل توزيعها بينهم .
ومن هنا تقدّم ذكرها على الدّين تنبيهاً على أنّها مثله في وجوب الأداء أو المسارعة إليه ، ولذلك جيء بينهما بأو الّتي هي هنا للتّسوية .
وتقديم الوصيّة على حقوق الورثة ليس على إطلاقه ، لأنّ تنفيذ الوصيّة مقيّد بحدود الثّلث ، فإن كان الموصى به شيئاً معيّناً أخذه ، وإن كان بثلث أو ربع مثلاً كان الموصى له شريكاً للورثة في التّركة بنسبة نصيبه الموصى له به ، لا مقدّماً عليهم . فإذا نقص المال لحقه النّقص ، وهذا بخلاف التّجهيز والدّين ، فإنّهما متقدّمان حقّاً على الوصيّة وحقوق الورثة .
ولمّا كانت الوصيّة بنسبة شائعة على سبيل المشاركة مع حقوق الورثة - فلو هلك شيء من التّركة قبل القسمة فإنّه يهلك على الموصى له والورثة جميعاً ، ولا يعطى الموصى له كلّ الثّلث من الباقي ، بل الهالك يهلك على الحقّين ، والباقي يبقى على الحقّين ، بخلاف الدّين - فإنّه إذا هلك بعض التّركة يستوفى كلّ الدّين من الباقي .
ثمّ إنّ طريقة حساب الوصيّة : أن يحسب قدر الوصيّة من جملة التّركة لتظهر سهام الورثة ، كما تحسب سهام أصحاب الفرائض أوّلاً ليظهر الفاضل للعصبة .
وللفقهاء تفصيل ينظر في ( وصيّة ، وإرث ) .
رابعاً : قسمة التّركة بين الورثة :
33 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ التّركة تقسم بين الوارثين بعد أداء الحقوق المتعلّقة بها انظر مصطلح : ( إرث ) . إلاّ أنّ الفقهاء اختلفوا فيما إذا قسّمت التّركة بين الورثة قبل أداء الحقوق المتعلّقة بها ، هل تنقض هذه القسمة أم تلزم ؟
فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ التّركة المستغرقة بالدّين تبقى على ملك المورّث ، أو هي في حكم ملكه ، لأنّ الدّين يشغلها جميعاً . أمّا غير المستغرقة فإنّها تنتقل إلى ملك الوارث من حين وفاة المورّث أو ينتقل الجزء الفارغ من الدّين .
ومن ثمّ لا يجوز للورثة اقتسام التّركة ما دامت مشغولةً بالدّين ، وذلك لأنّ ملكهم لا يظهر إلاّ بعد قضاء الدّين ، لقوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أو دَينٍ } فإذا قسموها نقضت قسمتهم حفظاً لحقّ الدّائنين ، لأنّهم قسموا ما لا يملكون . قال الكاسانيّ : الّذي يوجب نقض القسمة بعد وجودها أنواع : منها ظهور دين على الميّت ، إذا طلب الغرماء ديونهم ولا مال للميّت سواه ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم .
وإذا لم يكن الدّين محيطاً بالتّركة فملك الميّت وحقّ الغرماء ثابت في قدر الدّين من التّركة على الشّيوع ، فيمنع جواز القسمة .
وذهب بعض الحنفيّة إلى : جواز القسمة استحساناً ، إذا كان الدّين غير مستغرق للتّركة ، لأنّه قلّما تخلو تركة من دين يسير . ولا تنقض القسمة أيضاً إذا أبرأ الدّائن الميّت من الدّين ، أو ضمن الدّين بعض الورثة برضى الدّائن نفسه ، أو كان في التّركة من غير المقسوم ما يكفي لأداء الدّين . وقد جاء في مجلّة الأحكام العدليّة ما نصّه : إذا ظهر دين على الميّت بعد تقسيم التّركة تفسخ القسمة ، إلاّ إذا أدّى الورثة الدّين ، أو أبرأهم الدّائنون منه ، أو ترك الميّت مالاً سوى المقسوم يفي بالدّين ، فعند ذلك لا تفسخ القسمة .
وذهب الشّافعيّة إلى : أنّ ملك الورثة للتّركة يبدأ من حين موت المورّث ، سواء أحاط الدّين بالتّركة أم لا . وقسمة التّركة ما هي إلاّ تمييز وإفراز لحقوق كلّ من الورثة ، ومن ثمّ فلا وجه لنقض القسمة عندهم . وإن قيل : إنّها بيع ففي نقضها وجهان .
وعند الحنابلة : لا تبطل القسمة بظهور دين على الميّت ، لأنّ تعلّق الدّين بالتّركة لا يمنع صحّة التّصرّف فيها ،لأنّه تعلّق بها بغير رضا الورثة . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( قسمة ).
نقض قسمة التّركة :
34 - المقصود بنقض القسمة : إبطالها بعد تمامها ، وتنقض قسمة التّركة في الحالات التّالية : - أ - الإقالة أو التّراضي على فسخ القسمة .
ب - ظهور دين على الميّت وقد تقدّم .
ج - ظهور وارث أو موصًى له في قسمة التّراضي ، لأنّ الوارث والموصى له شريكان للورثة في التّركة .
د - ظهور غبن فاحش لحق ببعض الورثة ، وهو الّذي لا يدخل تحت تقويم المقوّمين ، كأن قوّم المال بألف ، وهو يساوي خمسمائة .
وتنقض هنا قسمة القاضي ، لأنّ تصرّف القاضي مقيّد بالعدل ولم يوجد .
وتنقض أيضاً قسمة التّراضي ، لأنّ شرط جوازها المعادلة ولم توجد ، فجاز نقضها .
هـ - وقوع غلط في المال المقسوم . وفي جميع هذه الصّورة تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح : ( قسمة ) .
التّصرّف في التّركة :
35 - تقدّم خلاف الفقهاء في نفاذ أو عدم نفاذ قسمة التّركة إذا كانت مستغرقةً بالدّين كلّاً أو بعضاً . وإذا تصرّف الورثة في التّركة المدينة بالبيع أو الهبة أو بغير ذلك من التّصرّفات الّتي من شأنها أن تنقل الملكيّة أو ترتّب عليها حقوقاً عينيّةً كالرّهن ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على الوجه التّالي : ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، والحنابلة في إحدى الرّوايتين - وهم الّذين قالوا بمنع ملكيّة الوارث إلاّ بعد سداد الدّين - إلى : أنّه لا يجوز أيّ تصرّف من الورثة في التّركة إلاّ في الأحوال التّالية :
أ - أن تبرأ ذمّة الميّت من الدّين قبل تصرّف الورثة ، إمّا بالأداء أو الكفالة .
ب - أن يرضى الدّائنون بقيام الورثة ببيع التّركة لسداد ديونهم ، لأنّ منع تصرّف الورثة بالتّركة كان ضماناً لحقّ الدّائنين المتعلّق بالتّركة .
ج - أن يأذن القاضي بالتّصرّف ، وذلك لأنّ القاضي بما له من الولاية العامّة يملك الإذن للورثة بالبيع لجميع التّركة أو بعضها .
وأمّا الشّافعيّة والحنفيّة في الرّواية الأخرى - وهم الّذين ذهبوا إلى أنّ ملك الوارث يبدأ من وقت وفاة المورّث ، سواء كانت التّركة مدينةً أم لا - فإنّهم ذهبوا إلى أنّ تصرّف الوارث بالبيع أو الهبة مع استغراق التّركة بالدّين لا ينفذ مراعاةً لحقّ الميّت ، أذن الدّائن أم لا ، إلاّ إذا كان التّصرّف لقضاء الدّين فإنّه ينفذ .
وفي المسألة تفصيل يرجع فيه إلى الهبة ، وإلى بيع منهيّ عنه ، ومصطلح : ( دين ) .
تصفية التّركة :
36 - تقدّم الكلام حول تصرّف الوارثين البالغين في التّركة قسمةً أو بيعاً ، أمّا إذا كان الورثة أو بعضهم قصّراً : فإنّ التّصرّف فيها يكون راجعاً للوصيّ إن كان ، أو للقاضي إن لم يكن وصيّ ، وذلك لضمان الحقوق المتعلّقة بالتّركة من جهة ، ولحفظ أموال الورثة الضّعفاء كيلا يظلموا من غيرهم . ولتفصيل هذه الأحكام ينظر ( الوصيّة ) ومصطلح : ( إيصاء ) .
التّركة الّتي لا وارث لها :
37 - اختلف الفقهاء في التّركة الّتي لا وارث لها ، أو لها وارث لا يرثها جميعها ، فمن قال من الفقهاء بالرّدّ قال : لا تئول التّركة إلى بيت المال ما دام لها وارث . ومن لا يرى الرّدّ من الفقهاء قال : إنّ بيت المال يرث جميع التّركة ، أو ما بقي بعد أصحاب الفروض . وإذا آلت التّركة إلى بيت المال كانت على سبيل الفيء لا الإرث عند الحنفيّة والحنابلة . وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ حقّ بيت المال هنا هو على سبيل الميراث ، أي على سبيل العصوبة . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( إرث ، وبيت المال ) .

ترميم *
التّعريف :
1 - للتّرميم في اللّغة معان . منها : الإصلاح .
يقال : رمَّمت الحائط وغيره ترميماً : أصلحته . ورمَّمت الشّيء أرُمّه وأرِمّه رمّاً ومَرَمّةً : إذا أصلحته . ويقال : قد رَمّ شأنُه . واسترمّ الحائط : أي حان له أن يُرَمّ ، وذلك إذا بعد عهده بالتّطيين ونحوه . والرِّم : إصلاح الشّيء الّذي فسد بعضه من نحو حبل يبلى فيرمّه ، أو دار ترمّ مرمّةً . ولا يخرج في معناه الاصطلاحيّ عن هذا . والتّرميم قد يكون بقصد التّقوية ، إذا كان الشّيء معرّضاً للتّلف ، وقد يكون بقصد التّحسين .
الحكم الإجماليّ :
أوّلاً : ترميم الوقف :
2 - إذا احتاجت عين الوقف إلى ترميم ، فإنّه يبدأ به من غلّته قبل الصّرف إلى المستحقّين ، لأنّ قصد الواقف صرف الغلّة مؤبّداً ، ولا تبقى دائمةً إلاّ بعمارته ، وما بقي بعد العمارة يصرف للمستحقّين ، هذا ما عليه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة .
وفي هذا يقول الحنفيّة : لو شرط الواقف تقديم العمارة ، ثمّ الفاضل للفقراء أو للمستحقّين ، لزم النّاظر إمساك قدر ما تحتاجه العمارة كلّ سنة ، وإن لم يحتجه وقت الإمساك ، لجواز أن يحدث في الوقف بعد التّوزيع حدث يحتاج إلى ترميم ولا يجد غلّةً يرمّم بها ، بخلاف ما إذا لم يشترطه . والفرق بين الشّرط وعدمه : أنّه مع السّكوت تقدّم العمارة عند الحاجة إليها ، ولا يدّخر لها عند عدم الحاجة إليها ، ومع الاشتراط تقدّم عند الحاجة ، ويدّخر لها عند عدمها ، ثمّ يفرّق الباقي ، لأنّ الواقف إنّما جعل الفاضل عنها للفقراء .
ولو كان الموقوف داراً ، فعمارتها على من له السّكنى ، أي على من يستحقّها من ماله لا من الغلّة ، إذ الغرم بالغنم . ومفاده : أنّه لو كان بعض المستحقّين للسّكنى غير ساكن فيها يلزمه التّعمير مع السّاكنين ، لأنّ تركه لحقّه لا يسقط حقّ الوقف ، فيعمّر معهم ، وإلاّ تؤجّر حصّته . ولو أبى من له السّكنى ، أو عجز لفقره ، آجرها الحاكم منه أو من غيره ، وعمّرها بأجرتها كعمارة الوقف ، ثمّ يردّها بعد التّعمير إلى من له السّكنى رعايةً للحقّين .
3 - فإذا امتنع عن العمارة من ماله يؤجّرها المتولّي ويعمّرها من غلّتها ، لأنّها موقوفة للغلّة . ولو كان هو المتولّي وامتنع من عمارتها ينصب غيره ليعمّرها ، أو يعمّرها الحاكم . ولو احتاج الخان الموقوف إلى المرمّة آجر بيتاً أو بيتين منه وأنفق عليه ، أو يؤذن للنّاس بالنّزول فيه سنةً ، ويؤجّر سنةً أخرى ، ويرمّ من أجرته .
ويقول المالكيّة : إنّ إصلاح الوقف من غلّته . فإن شرط على المستحقّ إصلاحه يلغى الشّرط ، والوقف صحيح ، ويصلح من غلّته .
فإن أصلح من شرط عليه الإصلاح رجع بما أنفق لا بقيمته منقوضاً .
فلو شرط الواقف أن يبدأ من غلّته بمنافع أهله ، ويترك إصلاح ما تهدّم منه ، أو يترك الإنفاق عليه إذا كان حيواناً بطل شرطه ، وتجب البداءة بمرمّته والنّفقة عليه من غلّته لبقاء عينه . ولمّا كانت رقبة الوقف عند المالكيّة للواقف والغلّة للموقوف عليه ، يترتّب على هذا أنّه إذا خرب الوقف فللواقف إن كان حيّاً - ولوارثه إن مات - منع من يريد إصلاحه إذا خرب أو احتاج للإصلاح ، لأنّه ليس لأحد أن يتصرّف في ملك غيره إلاّ بإذنه ، ولأنّ إصلاح الغير مظنّة لتغيير معالمه ، وهذا إذا أصلحه الواقف أو ورثته ، وإلاّ فليس لهم المنع ، بل الأولى لهم تمكين من أراد بناءه إذا خرب ، لأنّه من التّعاون على الخير .
وهذا في غير المساجد ، وأمّا هي فقد ارتفع ملكه عنها قطعاً .
ويقول الشّافعيّة : لو خربت الدّار الموقوفة ، ولم يعمّرها الموقوف عليه ، فإن كان للوقف مال كانت عمارته في مال الوقف ، وإن لم يكن له مال أوجر وعمّر من أجرته . فإذا تعطّلت منافع الوقف وكان حيواناً كخيل الجهاد ، فالنّفقة من بيت المال .
أمّا عمارة الدّار الموقوفة فلا تجب على أحد كالملك المطلق بخلاف الحيوان فإنّ نفقته تجب لصيانة روحه . وريع الأعيان الموقوفة على المسجد إذا انهدم وتوقّع عوده حفظ له ، وإلاّ فإن أمكن صرفه إلى مسجد آخر صرف إليه ، وإلاّ فمنقطع الآخر فيصرف لأقرب النّاس إلى الواقف ، فإن لم يكونوا صرف إلى الفقراء والمساكين أو مصالح المسلمين .
4- أمّا غير المنهدم فما فضل من غلّة الموقوف على مصالحه يشترى بها عقار ويوقف عليه ، بخلاف الموقوف على عمارته يجب ادّخاره لأجلها ، وإلاّ لم يعد منه شيء لأجلها ، لأنّه يعرّض للضّياع أو لظالم يأخذ .
5- وأمّا الحنابلة فيرجع عندهم إلى شرط الواقف في الإنفاق على الوقف وفي سائر أحواله ، لأنّه ثبت بوقفه ، فوجب أن يتبع فيه شرطه .
فإن عيّن الواقف الإنفاق عليه من غلّته أو من غيرها عمل به رجوعاً إلى شرطه ، وإن لم يعيّنه - وكان الموقوف ذا روح كالخيل - فإنّه ينفق عليه من غلّته ، لأنّ الوقف يقتضي تحبيس الأصل وتسبيل منفعته ، ولا يحصل ذلك إلاّ بالإنفاق عليه فكان ذلك من ضرورته .
فإن لم يكن للموقوف غلّة لضعف به ونحوه فنفقته على الموقوف عليه المعيّن ، لأنّ الوقف عندهم يخرج من ملك الواقف إلى ملك الموقوف عليه إن كان آدميّاً معيّناً ، مع منعه من التّصرّف فيه . فإن تعذّر الإنفاق من الموقوف عليه لعجزه أو غيبته ونحوهما بيع الوقف ، وصرف ثمنه في عين أخرى تكون وقفاً لمحلّ الضّرورة .
ولو احتاج خان مسبّل إلى مرمّة ، أو احتاجت دار موقوفة لسكنى الحاجّ أو الغزاة أو أبناء السّبيل ونحوهم إلى مرمّة ، يؤجّر منه بقدر ما يحتاج إليه في مرمّته .
6- وإن كان الوقف على غير معيّن كالمساكين ونحوهم كالفقهاء فنفقته في بيت المال ، لانتفاء المالك المعيّن فيه .
فإن تعذّر الإنفاق عليه من بيت المال بيع وصرف ثمنه في عين أخرى تكون وقفاً .
وإن كان الوقف ممّا لا روح فيه كالعقار ونحوه من سلاح ومتاع وكتب ، لم تجب عمارته على أحد إلاّ بشرط الواقف .
فإن شرط عمارته عمل بشرطه ، سواء شرط البداءة بالعمارة أو تأخيرها ،فيعمل بما شرط . لكن إن شرط تقديم الجهة عمل به ما لم يؤدّ إلى التّعطيل ، فإذا أدّى إليه قدّمت العمارة حفظاً لأصل الوقف . فإن لم يذكر البداءة بالعمارة أو تأخيرها ، فتقدّم على أرباب الوظائف ، ما لم يفض ذلك إلى تعطيل مصالحه ، فيجمع بينهما حسب الإمكان .
ويصحّ بيع بعضه لإصلاح باقيه ، لأنّه إذا جاز بيع الكلّ عند الحاجة فبيع البعض مع بقاء البعض أولى ، إن اتّحد الواقف . وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح : ( وقف ) .
ثانياً : التّرميم في الإجارة :
7 - إذا احتاجت الدّار المستأجرة للتّرميم . فإنّ عمارتها وإصلاح ما تلف منها وكلّ ما يخلّ بالسّكنى على المؤجّر عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
ويقول الحنفيّة : إن أبى صاحبها أن يفعل كان للمستأجر أن يخرج منها ، إلاّ أن يكون المستأجر استأجرها وهي كذلك وقد رآها لرضاه بالعيب ، وأنّه لا يجبر المؤجّر على إصلاح بئر الماء والبالوعة والمخرج إن أبى إصلاح ذلك ، لأنّه لا يجبر على إصلاح ملكه ، فإن فعله المستأجر فهو متبرّع ، وله أن يخرج إن أبى المؤجّر .
وعلى المستأجر إصلاح ما تلف من العين بسبب استعماله .
ويقول الشّافعيّة : إن بادر المؤجّر إلى إصلاح ما تلف فلا خيار للمكتري ، وإلاّ فله الخيار لتضرّره بنقص المنفعة .
والحنابلة كالشّافعيّة في هذا ، إلاّ أنّهم قالوا : لو شرط المؤجّر على المكتري النّفقة الواجبة لعمارة المأجور لم يصحّ ، لأنّه يؤدّي إلى جهالة الإجارة ، فلو عمّر المستأجر بهذا الشّرط أو عمّر بإذن المؤجّر رجع عليه .
وإن أنفق المستأجر من غير إذنه لم يرجع بشيء ، لأنّه متبرّع ، لكن له أخذ أعيان آلاته .
وأجاز المالكيّة شرط المرمّة للدّار وتطيينها إن احتاجت على المكتري ، بشرط أن يكون من كراء وجب على المكتري ، إمّا في مقابلة سكنى مضت ، أو باشتراط تعجيل الكراء ، أو يجري العرف بتعجيله ، لا إن لم يجب فلا يجوز . أو وقع العقد على أنّ ما تحتاج إليه الدّار من المرمّة والتّطيين من عند المكتري ، فلا يجوز للجهالة .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:19 PM

ترميم المستأجر من شريكين :
8 - إذا استأجر شخص ما داراً مشتركةً بين اثنين مثلاً من صاحبيها ، ثمّ احتاجت إلى مرمّة ، فاستأذن فيها واحداً منهما فحسب ، فأذن له دون رجوع إلى شريكه فليس للمستأجر حقّ الرّجوع على الشّريك الآخر بما أنفقه في المرمّة .
فإن كان للآذن حقّ الرّجوع على شريكه كان للمستأجر الرّجوع على آذنه بالنّفقة كلّاً ، ثمّ يرجع هذا على شريكه بحصّته من النّفقة . وإن لم يكن له حقّ الرّجوع فإذنه لغو في حصّة شريكه ، وليس للمستأجر إلاّ الرّجوع على الآذن وحده بنسبة حصّته .
ثالثاً : ترميم الرّهن :
9 - كلّ ما يحتاج إليه لبقاء الرّهن ومصلحته فهو على الرّاهن ، لأنّه باق على ملكه ، وذلك مؤنة الملك . وكلّ ما كان لحفظه فعلى المرتهن ، لأنّ حبسه له ، فلو شرط منه شيء على الرّاهن لا يلزمه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال :
« الظّهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ، ولبن الدّرّ يشرب بنفقته ، وعلى الّذي يركب ويشرب النّفقة » والّذي يركب هو الرّاهن ، فوجب أن تكون النّفقة عليه ، ولأنّ الرّقبة والمنفعة على ملكه ، فكانت النّفقة عليه .
ويقول الحنابلة : إنّ مؤنة الرّهن على راهنه ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يُغْلَقُ الرَّهنُ من صاحبه الّذي رهنه ، له غُنْمه وعليه غُرْمه » ولأنّه ملك للرّاهن فكان عليه نفقته وما يحتاج إليه .
فإن امتنع الرّاهن من بذل ما وجب عليه أجبره الحاكم عليه ، فإن لم يفعل أخذ الحاكم من ماله وفعله ، فإن تعذّر أَخْذُ ذلك من الرّهنِ بيع منه فيما يجب على الرّاهن فعله بقدر الحاجة ، لأنّ حفظ البعض أولى من إضاعة الكلّ ، فإن خيف استغراق البيع للرّهن في الإنفاق عليه بيع كلّه وجعل ثمنه رهناً مكانه لأنّه أحظّ لهما .
وإن أنفق المرتهن على الرّهن بلا إذن الرّاهن ، مع قدرته على استئذانه ، فمتبرّع حكماً لتصدّقه به ، فلا يرجع بعوضه ولو نوى الرّجوع ، كالصّدقة على مسكين ، ولتفريطه بعدم الاستئذان . وإن تعذّر استئذانه وأنفق بنيّة الرّجوع رجع ولو لم يستأذن الحاكم ، لاحتياجه لحراسة حقّه . وتفصيل ذلك ينظر في ( رهن ) .

تروية *
انظر : يوم التّروية .

ترياق *
التّعريف :
1 - التِّرْياق بكسر فسكون ، وجُوِّز ضمّه وفتحه ، ولكنّ المشهور الأوّل وهو معرّب ، ويقال بالدّال والطّاء أيضاً : دواء يستعمل لدفع السّمّ وهو أنواع .
الحكم الإجماليّ :
2 - قال الحنابلة : التّرياق دواء يتعالج به من السّمّ ، ويجعل فيه من لحوم الحيّات ، ولذلك لم يبيحوا أكله ولا شربه ، لأنّ لحم الحيّة حرام ، ولا يجوز التّداوي بمحرّم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » وعن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما قال : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : ما أبالي ما أتيت إنْ أنا شربت ترياقاً ، أو تعلّقت بتميمة ، أو قلت الشّعر من قبل نفسي » والمعنى : أنّي إن فعلت هذه الأشياء كنت ممّن لا يبالي بما فعله من الأفعال ، ولا ينزجر عمّا لا يجوز فعله شرعاً . وقال الخطّابيّ : ليس شرب التّرياق مكروهاً من أجل التّداوي .
وقد أباح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم التّداوي والعلاج في عدّة أحاديث ، ولكن من أجل ما يقع فيه من لحوم الأفاعي ، وهي محرّمة . والتّرياق أنواع ، فإذا لم يكن فيه من لحوم الأفاعي فلا بأس بتناوله .
وممّا ورد من أحاديث في التّداوي والعلاج ما روي « عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال : كنت عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا : يا رسول اللّه أنتداوى ؟ فقال : نعم يا عباد اللّه تداووا فإنّ اللّه عزّ وجلّ لم يضع داءً إلاّ وضع له شفاءً ، غير داء واحد قالوا : ما هو ؟ قال : الهرم » وفي لفظ « إنّ اللّه لم ينزل داءً إلاّ أنزل له شفاءً ، علمه من علمه ، وجهله من جهله » .
وفي مرقاة المفاتيح : إذا لم يكن في التّرياق محرّم شرعاً من لحوم الأفاعي والخمر ونحوه ، فإنّه لا يكون حراماً . وبتحريم لحوم الحيّات يقول الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وللحنفيّة فيما إذا جعل لحم الحيّات في التّرياق للتّداوي - أسوةً بالتّداوي بالمحرّم - رأيان : ظاهر المذهب : المنع . وقيل : يرخّص إذا علم فيه الشّفاء ولم يعلم دواء آخر ، وعليه الفتوى . فإنّ اللّه تعالى قد أذن بالتّداوي ، وجعل لكلّ داء دواءً ، فإذا كان في ذلك الدّواء ما هو محرّم وعلم فيه الشّفاء فقد زالت حرمة استعماله ، وحلّ تناوله للتّداوي به . وحديث :
« إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » معناه : نفي الحرمة عند العلم بالشّفاء .
دلّ عليه جواز إساغة اللّقمة بالخمر ، وجواز شربها لإزالة العطش ، ما لم يوجد ما يقوم مقامها . وللشّافعيّة في التّداوي به أسوةً بالمحرّم المخالط للدّواء المنع عند البعض ، والجواز عند البعض الآخر متى علم فيه الشّفاء ولم يوجد غيره .
أمّا المالكيّة فقد أباحوا أكل الحيّة متى ذكّيت في موضع ذكاتها ، وأمن سمّها ، واحتيج لأكلها بسمّها لمن ينفعه ذلك لمرضه ، فإنّه يجوز أكلها . ومفهوم هذا أنّ لحمها متى دخل في التّرياق وخالطه فإنّه يجوز التّداوي به . وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح : ( تداوي ) .

تزاحم *
التّعريف :
1 - التّزاحم في اللّغة مصدر تزاحم ، يقال : تزاحم القوم : إذا زحم بعضهم بعضاً ، أي تضايقوا في المجلس ، أو تدافعوا في المكان الضّيّق .
والاصطلاح الشّرعيّ لا يختلف عن هذا .
الحكم التّكليفيّ :
2 - تحرم المزاحمة إن ترتّب عليها أذًى لأحد ، كمزاحمة الأقوياء للضّعفاء عند استلام الحجر الأسود ، أو ترتّب عليها أمر محظور شرعاً ، كمزاحمة المرأة للرّجال في الطّواف وعند استلام الحجر الأسود وغيره من الأماكن العامّة . وقد ورد التّزاحم في أمور منها :
أوّلاً : زحم المأموم :
3 - إذا زحم المأموم وتعذّر عليه السّجود على الأرض متابعةً للإمام ، وقدر على السّجود على ظهر إنسان أو دابّة ، فهل يلزمه السّجود على ذلك ؟ اختلف فيه الأئمّة .
فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّه يلزمه أن يسجد على ما يمكنه السّجود عليه ، وإن كان على ظهر إنسان أو قدمه ، لتمكّنه من المتابعة ، ولخبر « إذا اشتدّ الزّحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه » فإن لم يسجد فمتخلّف عن المتابعة بغير عذر عند الأئمّة المذكورين. وعند المالكيّة : لا يجوز السّجود على ظهر الإنسان ، فإن سجد أعاد الصّلاة . ويستدلّون لذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مكِّن جبهتك من الأرض » ولا يحصل التّمكين من الأرض في حالة السّجود على ظهر إنسان . أمّا إذا لم يتمكّن من السّجود مطلقاً ، فهل يخرج عن المتابعة أو ينتظر ؟ فيه خلاف وتفصيل ينظر في ( صلاة الجماعة )و( وصلاة الجمعة ).
ثانياً : التّزاحم في الطّواف :
4 - إذا منعت الزّحمة الطّائف من تقبيل الحجر الأسود أو استلامه اقتصر على الإشارة إليه وهذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء . لما روي « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال لعمر : رضي الله عنه يا عمر إنّك رجل قويّ ، لا تؤذ الضّعيف ، إذا أردتَ استلام الحجر ، فإن خلا لك فاستلمه ، وإلاّ فاستقبله وكبّر » ، . والتّفصيل في مصطلح ( إشارة وطواف ) .
ثالثاً : تزاحم الغرماء في مال المفلس :
5 - إذا أقرّ المدين المفلس - بعد الحجر عليه لحقّ الغرماء - بدين قد لزمه قبل الحجر عليه ، فهل يقبل في حقّ الغرماء الّذين حجر عليه لحقّهم ويزاحمهم المقرّ له في المال ، أم يبقى الدّين في ذمّة المحجور عليه ، لئلاّ يتضرّر الغرماء بالمزاحمة ؟
ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى : أنّه لا يقبل إقراره في حقّ الغرماء ، إن أقرّ في حال الحجر ، لأنّ هذا الحقّ تعلّق به حقّ الأوّلين . وعند المالكيّة : لا يقبل إقراره إلاّ ببيّنة .
وأظهر القولين عند الشّافعيّة أنّه يقبل أيضاً في حقّهم ويزاحمهم في المال ، كإقرار المريض في مرضه بدين يزاحم غرماء دين الصّحّة . هذا إذا أقرّ أنّه لزم الدّين قبل الحجر .
أمّا إذا لزمه بعد الحجر ففي ذلك خلاف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح : ( تفليس ) .
تزاحم الوصايا :
6 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا تزاحمت الوصايا نظر فإن كانت كلّها للّه تعالى : فإن كانت كلّها فرائض كالحجّ والزّكاة ، أو كانت كلّها واجبات كالكفّارات والنّذر ، وصدقة الفطر ، أو كانت كلّها تطوّعات : كحجّ التّطوّع والصّدقة على الفقراء يبدأ بما بدأ به الموصي .
وإن جمعت ما ذكر كحجّة الإسلام والكفّارات والنّذر وصدقة التّطوّع على الفقراء فيبدأ بالفرض ، ثمّ بالواجب ، ثمّ بالتّطوّع أمّا إذا جمعت بين حقّ اللّه وحقّ العباد فإنّه يقسم الثّلث على جميعها ، لأنّها وإن كانت كلّها للّه في واقع الأمر فكلّ واحدة منها مقصودة في نفسها فتنفرد . فلو قال : ثلث مالي في الحجّ والزّكاة ولزيد والكفّارات . قسم على أربعة أسهم ، ولا يقدّم الفرض على حقّ الآدميّ لحاجته .
هذا إذا كان الآدميّ معيّناً ، أمّا إذا كان غير معيّن فلا يقسم بل يقدّم الأقوى فالأقوى ، لأنّ الكلّ يبقى حقّاً للّه تعالى ، إذا لم يكن هناك مستحقّ معيّن .
وقال الشّافعيّة : لا يقدّم الواجب على غير الواجب سواء كان تطوّعاً للّه أو لآدميّ . بل تتزاحم الوصايا فيوزّع عليه وعلى غيره ، ثمّ يكمّل الواجب من صلب المال ، إن لم يف الثّلث ، وبهذا قال : أبو الخطّاب من الحنابلة .
وعند الحنابلة : إن أوصى بأداء الواجب من الثّلث تصحّ الوصيّة ، فإن لم تكن له وصيّة غير هذه لم تفد الوصيّة شيئاً ويؤدّي من ماله كلّه كما لو لم يوص . وإن أوصى لجهة أخرى قدّم الواجب ، وإن فضل شيء من الثّلث بعد الواجب فهو للتّبرّع . ( ر : الوصيّة ) .
7- وإن أوصى بشيء معيّن لشخص ، ثمّ أوصى به لآخر ، فالموصى به بين الموصى له به أوّلاً والموصى له به ثانياً ، لتعلّق حقّ كلّ واحد منهما على السّواء ، فوجب أن يشتركا كما لو جمع بينهما في الوصيّة . وإن أوصى لشخص بثلث ماله ثمّ أوصى بثلثه لآخر فالثّلث بينهما إن لم يجز الورثة الثّلثين ، وإن أجاز الورثة أخذ كلّ واحد منهما ثلثه ، لتغايرهما . وكذا إن أوصى بكلّ ماله لشخص ثمّ أوصى به لآخر فهو بينهما للتّزاحم .
وإن مات أحدهما قبل موت الموصي فكلّ المال للآخر ، وكذا إن تأخّر موتهما عن موت الموصي وردّ أحدهما الوصيّة بعد موت الموصي لأنّه اشتراك تزاحم ، وقد زال بموت المزاحم وردّه . هذا إذا لم يوجد ما يدلّ على رجوع الموصي عن الوصيّة ، فإن وجد ما يدلّ على الرّجوع عن الوصيّة الأولى ، كأن يقول : أوصيت لفلان بما أوصيت به لفلان ، فهو رجوع عن الوصيّة لظهوره فيه . والتّفصيل في مصطلح : ( وصيّة ) .
خامساً : القتل بالزّحام :
8 - ذهب الأئمّة الثّلاثة : أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنّه إذا تزاحم قوم على بئر ، أو باب الكعبة ، أو في الطّواف ، أو في مضيق ، ثمّ تفرّقوا على قتيل لم يعرف قاتله لا يكون ذلك لوثاً ، وهو قول إسحاق ، وروي ذلك عن عمر وعليّ رضي الله عنهما .
ثمّ اختلفوا في ديته ، فقال الحنفيّة والحنابلة : إنّ ديته في بيت المال ، واستدلّوا بما روى سعيد بن منصور في سننه عن إبراهيم قال : قتل رجل في زحام النّاس بعرفة ، فجاء أهله لعمر فقال : بيّنتكم على من قتله . فقال عليّ يا أمير المؤمنين : لا يطلّ دم امرئ مسلم ، إن علمت قاتله ، وإلاّ فأعط ديته من بيت المال .
وقال المالكيّة : دمه هدر ، لأنّه لا يعلم له قاتل ، ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة ، لأنّ أسباب القسامة عندهم خمسة . وليس فيها التّفرّق في الزّحام عن قتيل .
وقال الشّافعيّة : إنّ ذلك يكون لوثاً ، ولا يشترط أن تكون بينهم وبينه عداوة . وقال الحسن والزّهريّ فيمن مات في الزّحام : ديته على من حضر لأنّ قتله حصل منهم ، وكذا لو تزاحم قوم لا يتصوّر اجتماعهم على القتل في مضيق ، وتفرّقوا عن قتيل ، فادّعى الوليّ القتل على عدد منهم يتصوّر اجتماعهم فيقبل ، ويمكّن من القسامة .
مواطن البحث :
9 - يذكر الفقهاء التّزاحم في صلاة الجمعة والجماعة : في حال تعذّر متابعة المأموم للإمام في انتقالاته للزّحمة . وفي باب التّفليس : إذا ظهر دين بعد حجر المفلس للغرماء أو طرأ التزام ماليّ جديد . وفي الطّواف : إذا عسر عليه استلام الحجر أو تقبيله .

تزكية *
التّعريف :
1 - التّزكية لغةً : مصدر زكّى . يقال : زكّى فلان فلاناً : إذا نسبه إلى الزّكاء ، وهو الصّلاح . وزكا الرّجل يزكو : إذا صلح ، فهو زكيّ والجمع أزكياء .
قال الرّاغب : أصل الزّكاة النّموّ الحاصل عن بركة اللّه تعالى ، ويعتبر ذلك بالأمور الدّنيويّة والأخرويّة . يقال : زكا الزّرع يزكو : إذا حصل منه نموّ وبركة . وقال تعالى : { أيُّها أَزْكَى طَعَامَاً } إشارةً إلى ما يكون حلالاً لما لا يستوخم عقباه ، ومنه الزّكاة لما يخرج الإنسان من حقّ اللّه تعالى إلى الفقراء ، وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة ، أو لتزكية النّفس أي تنميتها بالخيرات والبركات ، أو لهما جميعاً ، فإنّ الخيرين موجودان فيها . وبزكاة النّفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحقّ في الدّنيا الأوصاف المحمودة ، وفي الآخرة الأجر والمثوبة ، وهو أن يتحرّى الإنسان ما فيه تطهيره ، وذلك ينسب تارةً إلى العبد ، لكونه مكتسباً لذلك ، نحو { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } وتارةً ينسب إلى اللّه تعالى لكونه فاعلاً لذلك في الحقيقة نحو { بَل اللّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } وتارةً إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكونه واسطةً في وصول ذلك إليهم نحو { تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } وقوله تعالى : { يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا ويُزَكِّيكُم } وتارةً إلى العبادة الّتي هي آلة في ذلك نحو { وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً } ونحو { لأَهَبَ لَكِ غُلامَاً زَكِيَّاً } أي مزكًّى بالخلقة ، وذلك على طريق ما ذكرنا من الاجتباء ، وهو أن يجعل بعض عباده عالماً وطاهر الخلق لا بالتّعلّم والممارسة ، بل بتوفيق إلهيّ .
وتزكية الإنسان نفسه ضربان : أحدهما : بالفعل وهو محمود ، وإليه قصد بقوله : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } وقوله { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } .
والثّاني : بالقول كتزكية العدل غيره ، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه ، وقد نهى اللّه تعالى عنه فقال : { فَلا تُزَكُّوا أَنْفَسَكُمْ } ونهيه عن ذلك تأديب ، لقبح مدح الإنسان نفسه عقلاً وشرعاً ، ولهذا قيل لحكيم : ما الّذي لا يحسن وإن كان حقّاً ؟ فقال : مدح الرّجل نفسه . والفقهاء يعبّرون عن النّسبة إلى الصّلاح بالتّزكية أو التّعديل فهما مترادفان .
ويعرّفون التّزكية في باب القضاء بأنّها : تعديل الشّهود .
وتزكية الرّجل ماله : أن يخرج القدر الواجب عليه من الزّكاة فيه .
والجَرْحُ ضدّ التّزكية ، وهو في اللّغة : القطع في الجسم ، ومنه قولهم : جرحه بلسانه جرحاً : إذا عابه وتنقّصه ، ومنه : جرحت الشّاهد أو الرّاوي : إذا أظهرت فيه ما تردّ به شهادته أو روايته . وقد أطلق الفقهاء على من يبعث إليه للتّحرّي عن الشّهود ( المزكّي ) وهو في الحقيقة يزكّي ويجرح ، ولكن وصف بأحسن الوصفين .
حكم التّزكية :
2 - ذهب الإمام أبو حنيفة ، وإحدى الرّوايتين عن الإمام أحمد : أنّه يقضي بظاهر العدالة ، إلاّ إذا طعن الخصم في عدالة من شهد ، واستثنى أبو حنيفة الحدود والقصاص ، فأوجب فيهما التّزكية وإن لم يطعن الخصم .
وعند الإمام أحمد في الرّواية المذكورة : يستوي في ذلك الحدّ والمال . وقال الإمام مالك وأبو يوسف ومحمّد والشّافعيّة ، والإمام أحمد في الرّواية الأخرى عنه : إنّ التّزكية واجبة في كلّ الأمور ، لكنّ ذلك مشروط بما إذا لم يعرف القاضي حال الشّهود ، فإن عرف عدالتهم فلا حاجة إلى التّزكية . وإن عرف أنّهم مجروحون ردّ شهادتهم ، وذلك عند جميع الفقهاء .
3 - واستدلّ أصحاب القول الأوّل على جواز الحكم بظاهر العدالة بقول عمر : المسلمون عدول بعضهم على بعض . « وبأنّ أعرابيّاً جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشهد برؤية الهلال ، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتشهد ألاّ إله إلاّ اللّه ؟ فقال : نعم . فقال : أتشهد أنّي رسول اللّه ؟ فقال : نعم . فصام وأمر النّاس بالصّيام » .
ولأنّ العدالة أمر خفيّ سببها الخوف من اللّه تعالى ، ودليل ذلك الإسلام ، فإذا وجد فليكتف به ، ما لم يقم على خلافه دليل .
واستدلّ لأبي حنيفة في استثناء الحدود والقصاص ولزوم التّحرّي فيها وإن لم يطعن الخصم : بأنّ الحدود والقصاص ممّا يحتاط فيها وتندرئ بالشّبهات بخلاف غيرها .
واستدلّ القائلون بوجوب التّزكية في كلّ الأمور بقوله تعالى : { مِمَّنْ تَرْضَونَ مِن الشّهَدَاء } ولا يعلم أنّه مرضيّ حتّى نعرفه . وبأنّ العدالة شرط ، فوجب العلم بها كالإسلام ، كما لو طعن الخصم في الشّهود . أمّا الأعرابيّ المسلم ، فإنّه كان من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد ثبتت عدالتهم بثناء اللّه تعالى عليهم ، فإنّ من ترك دينه في زمن رسول اللّه إيثاراً لدين الإسلام وصحبة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثبتت عدالته ." وللأثر عن عمر رضي الله عنه أنّه أتي بشاهدين ، فقال لهما عمر : لست أعرفكما ولا يضرّكما إن لم أعرفكما ، جيئا بمن يعرفكما ، فأتيا برجل ، فقال له عمر : تعرفهما ؟ فقال : نعم . فقال عمر : صحبتَهما في السّفر الّذي يتبيّن فيه جواهر النّاس ؟ قال : لا . قال : عاملتَهما بالدّنانير والدّراهم الّتي تقطع فيها الرّحم ؟ قال : لا . قال : كنت جاراً لهما تعرف صباحهما ومساءهما ؟ قال : لا . قال : يا ابن أخي لست تعرفهما . جيئا بمن يعرفكما ".
قال ابن قدامة : وهذا بحث يدلّ على أنّه لا يكتفى بدونه .
4 - هذا ، وقد قال علماء الحنفيّة : إنّ الخلاف بين الإمام وصاحبيه ليس اختلافاً حقيقيّاً ، بل هو اختلاف عصر وزمان ، فإنّ النّاس في عهده كانوا أهل خير وصلاح ، لأنّه زمن التّابعين ، وقد شهد لهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالخيريّة بقوله : « خير النّاسُ قَرْني ، ثمّ الّذين يلونهم ، ثمّ الّذين يلونهم ، ثمّ يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتُهم أيمانَهم ، وأيمانُهم شهادتَهم » فكان الغالب في أهل زمانه الصّلاح والسّداد ، فوقعت الغنية عن السّؤال عن حالهم في السّرّ ، ثمّ تغيّر الزّمان وظهر الفساد في قرنهما ، فوقعت الحاجة إلى السّؤال عن العدالة . ومن العلماء من حقّق الاختلاف .
متى تسقط التّزكية :
5 - قال إسماعيل بن حمّاد ناقلاً عن أبي حنيفة : أربعة شهود لا يسأل عن عدالتهم : شاهدا ردّ الظّنّة ، وشاهدا تعديل العلانية ، وشاهدا الغربة ، وشاهدا الأشخاص .
وقال المالكيّة : إنّ الشّاهد المبرز في العدالة - أي الفائق أقرانه فيها - لا يعذر فيه لغير العداوة ، ويعذر فيه فيها . ومثلها القرابة . ومنها أنّ المحكوم عليه إذا كان يخشى منه على من شهد عليه ، فإنّه لا يعذر إليه فيمن شهد عليه .
ونقل صاحب المغني عن مالك : أنّه يقبل شهادة المتوسّمين ، وذلك إذا حضر مسافران ، فشهدا عند حاكم لا يعرفهما ، يقبل شهادتهما إذا رأى فيهما سيما الخير ، لأنّه لا سبيل إلى معرفة عدالتهما ، ففي التّوقّف عن قبولها تضييع الحقوق ، فوجب الرّجوع فيهما إلى السّيما الجميلة . ومعنى هذا أنّ الشّهود المذكورين لا يسمّون لمن شهدوا عليه ليزكّيهم أو يطعن فيهم ، بل يحكم بشهادتهم من غير تزكية ، للأسباب الّتي أوردوها .
أقسام التّزكية :
6 - التّزكية نوعان : تزكية السّرّ ، وتزكية العلانية .
أمّا تزكية السّرّ ، فينبغي للقاضي أن يختار للمسألة عن الشّهود من هو أوثق النّاس وأورعهم ديانةً وأعظمهم درايةً وأكثرهم خبرةً وأعلمهم بالتّمييز فطنةً ، فيولّيه البحث عن أحوال الشّهود ، لأنّ القاضي مأمور بالتّفحّص عن العدالة ، فيجب عليه المبالغة في الاحتياط فيه . وبعد أن يختار ، يكتب في رقعة أسماء الشّهود جملةً بأنسابهم وقبائلهم ومحالّهم ومصلاهم ، وعلى الجملة كلّ ما يميّزهم عن غيرهم تمييزاً لا تتمكّن معه الشّبهة ، فقد يتّفق أن تتّحد الأسماء وتتّفق الأوصاف وغير ذلك .
فإذا كتب القاضي دفع المكتوب إلى من يستأمنه على ذلك ، وأخفاه عن كلّ من سواه ، لئلاّ يعلم أحد فيخدع الأمين ، وعلى المرسل أمين القاضي أن يتعرّف أحوال الشّهود ممّن يعرف حالهم ، فيسأل عنهم أهل الثّقة من جيرانهم وأهل محلاتهم ، وأن يسأل أهل أسواقهم .
أمّا تزكية العلانية ، فتكون بعد تزكية السّرّ .
وكيفيّتها : أن يحضر القاضي المزكّي بعدما زكّى ، ليزكّي الشّهود أمامه .
وهل يلزم أن يجمع بين التّزكية في السّرّ والتّزكية في العلانية ؟ اختلف الفقهاء في ذلك .
قال الحنفيّة : اليوم وقع الاكتفاء بتزكية السّرّ ، لما في تزكية العلانية من بلاء وفتنة .
وقال المالكيّة : يندب للقاضي تزكية السّرّ مع تزكية العلانية . فإن اقتصر على تزكية السّرّ أجزأه قطعاً كالعلانية على الرّاجح . وقال الشّافعيّة : بعد تزكية السّرّ يشافه المبعوث الحاكم بما سمعه من المبعوث إليه . وقيل : يشافه المبعوث إليه بما يعلمه المبعوث من جهة الحاكم . وقيل : تكفي كتابته . والظّاهر من كلام الحنابلة أنّه يكتفى بتزكية السّرّ .
7- ثمّ هل المعتبر قول المرسل إليه ( المزكّي ) أو قول المرسلين ، ويسمّون أصحاب المسائل ؟ قال بعض الشّافعيّة : المعوّل عليه شهادة المزكّي .
ونقل الشّيخان من الشّافعيّة : أنّهما نقلا عن جمع من الأصحاب أنّ المعوّل على قول أصحاب المسائل ، خلافاً لأبي إسحاق ، وأنّ ابن الصّبّاغ اعتذر عن قبولها ، وهي شهادة على شهادة - والأصل حاضر - لمكان الضّرورة .
التّعارض بين التّزكية والجرح :
اختلف فقهاء الحنفيّة في التّعارض بين التّزكية والجرح ، فقد نقل معين الحكّام عن المبسوط أنّه لو عدّله واحد ، وجرّحه آخر ، أعاد المسألة . وهذا قول محمّد .
لأنّ العدالة والجرح لا يثبت عنده بقول الواحد فصارا متساويين .
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف : الجرح أولى ، لأنّ الجرح والتّعديل يثبت بقول الواحد عندهما ، وترجّح الجرح على التّعديل ، لأنّ الجارح في الجرح اعتمد على الدّليل ، وهو العيان والمشاهدة ، فإنّ سبب الجرح ارتكاب الكبيرة .
ولو جرّحه واحد وعدّله اثنان ، فالتّعديل أولى . ولو عدّله جماعة وجرّحه اثنان فالجرح أولى ، لأنّه لا يثبت التّرجيح بزيادة العدد على الاثنين .
8- وعند المالكيّة لو عدّل شاهدان رجلاً وجرّحه آخران ، ففي ذلك قولان .
قيل : يقضى بأعدلهما ، لاستحالة الجمع بينهما . وقيل : يقضى بشهود الجرح ، لأنّهم زادوا على شهود التّعديل ، إذ الجرح ممّا يبطن فلا يطّلع عليه كلّ النّاس ، بخلاف العدالة . وللّخميّ تفصيل ، قال : إن كان اختلاف البيّنتين في فعل شيء في مجلس واحد ، كدعوى إحدى البيّنتين أنّه فعل كذا في وقت كذا ، وقالت البيّنة الأخرى : لم يكن ذلك ، فإنّه يقضى بأعدلهما . وإن كان ذلك في مجلسين متقاربين قضي بشهادة الجرح ، لأنّها زادت علماً في الباطن . وإن تباعد ما بين المجلسين قضي بآخرهما تاريخاً ، ويحمل على أنّه كان عدلاً ففسق ، أو كان فاسقاً فتزكّى ، إلاّ أن يكون في وقت تقييد الجرح ظاهر العدالة فبيّنة الجرح مقدّمة ، لأنّها زادت . وعند الشّافعيّة : أنّه يقدّم الجرح على التّعديل لما فيه من زيادة العلم . فإن قال المعدّل : عرفت سبب الجرح وتاب منه وأصلح ، قدّم قوله على قول الجارح .
أمّا الحنابلة فقد قال في المغني : فإذا رجع أصحاب مسألة فأخبر اثنان بالعدالة ، قبل القاضي شهادته . وإن أخبرا بالجرح ردّ شهادته وإن أخبر أحدهما بالعدالة والآخر بالجرح بعث آخرين ، فإن عادا فأخبرا بالتّعديل تمّت بيّنة التّعديل ، وسقط الجرح لأنّ بيّنته لم تتمّ ، وإن أخبرا بالجرح ثبت وردّ الشّهادة .
وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالتّعديل تمّت البيّنتان ويقدّم الجرح .
وقت التّزكية :
9 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّزكية تكون بعد الشّهادة لا قبلها .
عدد من يقبل في التّزكية :
10 - تقدّم أنّ التّزكية نوعان : تزكية السّرّ ، وتزكية العلانية .
فبالنّسبة لتزكية السّرّ ، قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك في أحد قوليه : إنّ القاضي يجتزئ بواحد في تزكية السّرّ ، لأنّها ليست شهادةً بل هي إخبار .
والقول الآخر لمالك ، وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة : أنّه لا بدّ من اثنين .
أمّا بالنّسبة لتزكية العلانية ، فالأئمّة الثّلاثة ، وهو المشهور عند المالكيّة : أنّه لا يقبل فيها إلاّ اثنان ، لأنّها شهادة . وقال ابن كنانة من المالكيّة : لا بدّ من ثلاثة . وعن ابن الماجشون : أنّ أقلّ ما يزكّي الرّجل أربعة شهود . وقال ابن حبيب في الواضحة : والتّزكية تختلف ، فتكون بالواحد والاثنين والجماعة ، بقدر ما يظهر للحاكم ويتأكّد عنده .
قال المتيطيّ : وما كثر من الشّهود فهو أحسن ، إلاّ أن تكون التّزكية في شاهد شهد بزناً ، فإنّ مطرّفاً روى عن مالك : أنّه لا يزكّيه إلاّ أربعة .
من تقبل تزكيته :
11 - فقهاء المذاهب - عدا الحنفيّة - قالوا : يشترط في شاهد التّزكية أن يكون مبرزاً ناقداً فطناً ، لا يخدع في عقله ، ولا تخفى عليه شروط التّعديل .
ولا تقبل التّزكية من الأبله والجاهل بشروط العدالة ، وإن كان في نفسه عدلاً مقبولاً في غير ذلك . ولا يقبل قول من يرى تعديل كلّ مسلم .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : تعديل السّرّ يقبل فيه تعديل الوالد لولده وكلّ ذي رحم محرم لرحمه ، لأنّ تعديل السّرّ ليس بشهادة . وقال محمّد : هو شهادة فلا بدّ من شهادة اثنين .
12 - وقال الحنفيّة : يقبل تعديل المرأة لزوجها وغيره ، إذا كانت امرأةً برزةً تخالط النّاس وتعاملهم ، لأنّ لها خبرةً بأمورهم فيفيد السّؤال . قالوا : وتجوز تزكية السّرّ من الأعمى والصّبيّ والمحدود في قذف . وهذا خلافاً لمحمّد .
وقال المالكيّة : لا تقبل تزكية النّساء ، لا في حقّ الرّجال ولا في حقّ النّساء .
قال ابن رشد : إنّ التّزكية يشترط فيها التّبريز في العدالة ، وهي صفة تختصّ بالرّجال .
قال : وقد قيل : إنّهنّ يزكّين الرّجال إذا شهدوا فيما تجوز شهادتهنّ فيه ، وهو قول ابن نافع وابن الماجشون في المبسوطة . والقياس جواز تزكيتهنّ للنّساء .
تزكية المشهود عليه للشّاهد :
13 - قال الحنفيّة : إذا عدّل المدّعى عليه شهود المدّعي ، بأن قال : صدقوا في شهادتهم ، أو قال : هم عدول في شهادتهم ، يقضى عليه بالمال بإقراره لا بالشّهادة ، لأنّ ذلك إقرار منه بالمال . وإن قال : هم عدول ، ولم يزد عليه ، ذكر في الجامع الصّغير : أنّه لا يصحّ هذا التّعديل ، لأنّ من زعم المدّعي وشهوده أنّ المدّعى عليه في الجحود ظالم وكاذب ، فلا تصحّ تزكيته . وقال في كتاب التّزكية : ويجوز تعديل المشهود عليه إذا كان من أهله ، لأنّ تعديل المشهود عليه بمنزلة تعديل المزكّي ، وإقراره بكون الشّاهد عدلاً لا يكون إقراراً بوجوب الحقّ على نفسه لا محالة .
وعند المالكيّة : لو أقرّ الخصم المشهود عليه بالعدالة لمن شهد عليه يحكم القاضي بهذا الإقرار ، ولو علم خلاف ذلك ، لأنّ إقراره بعدالته كإقراره بالحقّ ، حتّى لو شهدت بيّنة بخلاف عدالة الشّاهد . أمّا الشّافعيّة والحنابلة : فإذا شهد عند القاضي مجهول الحال ، فقال المشهود عليه : هو عدل ، فعند الشّافعيّة : فيه قولان ، وهما وجهان عند الحنابلة .
أوّلاً - لا يكفي في الأصحّ في التّعديل قول المدّعى عليه : هو عدل ، وقد غلط في شهادته عليّ . وقيل : يكفي في حقّه ، لأنّه اعترف بما لو ثبت بالبيّنة يقضى عليه .
والقولان هما الوجهان عند الحنابلة .
الأوّل : أنّه يلزم الحاكم الحكم بشهادته ، لأنّ البحث عن عدالته لحقّ المشهود عليه ، وقد اعترف بها ، ولأنّه إذا أقرّ بعدالته فقد أقرّ بما يوجب الحكم لخصمه عليه ، فيؤخذ بإقراره كسائر أقاريره .
والوجه الثّاني : أنّه لا يجوز الحكم بشهادته ، لأنّ في الحكم بها تعديلاً له ، فلا يثبت بقول واحد ، ولأنّ اعتبار العدالة في الشّاهد حقّ للّه تعالى ، ولهذا لو رضي الخصم أن يحكم عليه بقول فاسق لم يجز الحكم به ، لأنّه لا يخلو إمّا أن يحكم عليه مع تعديله أو مع انتفائه : لا يجوز أن يقال مع تعديله ، لأنّ التّعديل لا يثبت بقول الواحد .
ولا يجوز مع انتفاء تعديله ، لأنّ الحكم بشهادة غير العدل غير جائز ، بدليل شهادة من ظهر فسقه . فإن قلنا بالأوّل فلا يثبت تعديله في حقّ غير المشهود عليه ، لأنّه لم توجد بيّنة التّعديل ، وإنّما يحكم عليه لإقراره بوجود شروط الحكم ، وإقراره يثبت في حقّه دون غيره كما لو أقرّ بحقّ عليه وعلى غيره ثبت في حقّه دون غيره .
تجديد التّزكية :
14 - قال الإمام أحمد : ينبغي للقاضي أن يسأل عن شهوده كلّ قليل ، لأنّ الرّجل ينتقل من حال إلى حال . قال ابن قدامة : هل هذا مستحبّ أو واجب ؟ فيه وجهان :
أحدهما : أنّه مستحبّ ، لأنّ الأصل بقاء ما كان ، فلا يزول حتّى يثبت الجرح .
والثّاني : يجب البحث كلّما مضت مدّة يتغيّر الحال فيها ، لأنّ العيب يحدث ، وذلك على ما يراه الحاكم . ولأصحاب الشّافعيّ فيه وجهان مثل هذين .
ويرى الحنفيّة : أنّه متى ثبتت العدالة عند القاضي ، ثمّ شهد الشّهود في حادثة أخرى ، فلا يشتغل بتعديلهم إن كان العهد قريباً ، وإلاّ سأل عنهم . وفي الحدّ الفاصل بينهما قولان ، أحدهما : أنّ القريب مقدّر بستّه أشهر .
والثّاني : أنّه مفوّض إلى رأي القاضي .
وعند المالكيّة : أنّه لو شهد المزكّي ثانياً قبل عام من تاريخ شهادته السّابقة ، وجهل حاله ، ولم يكثر معدّلوه ، ووجد من يعدّله عند شهادته ثانياً ، فقد اختلفوا فيه على قولين :
الأوّل : ما قاله أشهب عن مالك أنّه لا يحتاج إلى تزكية .
والقول الثّاني لسحنون : أنّه يحتاج إلى تزكية . فإن فقد قيد من الثّلاثة الأخيرة : بأن لم يجهل حاله ، أو كثر معدّلوه ، أو لم يوجد من يعدّله ثانياً لم يحتج إلى تزكية أخرى اكتفاءً بالتّزكية السّابقة اتّفاقاً بين المالكيّة . أمّا لو فقد القيد الأوّل ، كما لو شهد مجهول الحال بعد تمام سنة ، ولم يكن زكّاه قبله كثيرون احتاج لإعادة التّزكية اتّفاقاً .
بيان سبب الجرح والتّعديل :
15 - قال أبو حنيفة والمالكيّة : يقبل الجرح المطلق ، وهو : أن يشهد أنّه فاسق ، أو أنّه ليس بعدل . وعن أحمد مثله ، لأنّ التّعديل يسمع مطلقاً فكذلك الجرح ، لأنّ التّصريح بالسّبب يجعل المجرّح فاسقاً ، ويوجب عليه الحدّ في بعض الحالات . وهو أن يشهد عليه بالزّنى ، فيفضي الجرح إلى جرح الجارح ، وتبطل شهادته ، ولا يتجرّح بها المجروح .
وقال الشّافعيّة : يجب ذكر سبب الجرح للاختلاف فيه ، بخلاف سبب التّعديل .
واستدلّ من قالوا باشتراط بيان سبب الجرح بأنّ النّاس يختلفون في أسباب الجرح ، كاختلافهم في شارب النّبيذ ، فوجب ألاّ يقبل مجرّد الجرح ، لئلاّ يجرّحه بما لا يراه القاضي جرحاً ، ولأنّ الجرح ينقل عن الأصل ، فإنّ الأصل في المسلمين العدالة والجرح ينقل عنها ، فلا بدّ أن يعرف النّاقل ، لئلاّ يعتقد نقله عن أصل العدالة بما لا يراه الحاكم ناقلاً .
الفرق بين شهود الدّعوى وشهود التّزكية :
16 - يختلف شهود التّزكية عن شهود الدّعوى في أمور ، ويتّفقان في أمور :
فيتّفقان في الجملة في اشتراط العقل الكامل والضّبط والولاية والعدالة والبصر والنّطق ، وألاّ يكون الشّاهد محدوداً في قذف ، وعدم القرابة المانعة من قبول الشّهادة ، وألاّ تجرّ الشّهادة على الشّاهد نفعاً . وهذه الشّرائط هي في الجملة ، إذ في كلّ مذهب تفصيل . وهذا في تزكية العلانية . أمّا في تزكية السّرّ ، فقد تقدّم الكلام عمّن تقبل شهادتهم فيها ، ومن ذلك يعلم الفرق بين شهود تزكية السّرّ والشّهادة أمام القاضي . ويختلفان في أنّ شاهد التّزكية في العلانية يشترط أن يكون : مبرزاً في العدالة فطناً حذراً لا يخدع ولا يستغفل .
قال محمّد بن الحسن في النّوادر : كم من رجل أقبل شهادته ولا أقبل تعديله ، لأنّه يحسن أن يؤدّي ما سمع ولا يحسن التّعديل .
وفي كتاب ( المتيطيّة ) من كتب المالكيّة : شهود التّزكية بخلاف شهود الحقوق .
قال مالك : قد تجوز شهادة الرّجل ولا يجوز تعديله ، ولا يجوز إلاّ تعديل العارف .
وقال سحنون : لا يجوز في التّعديل إلاّ العدل المبرز الفطن الّذي لا يخدع في عقله ولا يستزلّ في رأيه . وعلى هذا أكثر أصحاب مالك ، وبه جرى العمل .
وروي عنه أيضاً : شهود التّزكية كشهود سائر الحقوق .
17 - ومثل ما تقدّم ما قاله الشّافعيّة : أنّه يشترط في المزكّي ما يشترط في الشّاهد ويزيد عليه أمران : أحدهما : معرفة أسباب الجرح والتّعديل ، لأنّه يشهد بهما .
والأمر الثّاني : خبرة باطن من يعدّله أو يجرّحه ، بصحبة أو جوار أو معاملة ، ليتأتّى له بها التّعديل أو الجرح . ولا يخرج كلام الحنابلة عن ذلك . فقد قالوا : لا يقبل التّعديل إلاّ من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة ، ولأنّ عادة النّاس إظهار الصّالحات وإسرار المعاصي ، فإذا لم يكن ذا خبرة باطنة ربّما اغترّ بحسن ظاهره ، وهو في باطنه فاسق .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:20 PM

تزكية الشّهود الذّمّيّين لمثلهم :
18 - إذا ترافع الذّمّيّون أمام قاض مسلم ، وطلبوا منه الفصل فيما شجر بينهم ، وأحضر المدّعي شهوده الذّمّيّين على المدّعى عليهم الذّمّيّين ، فقد قال الحنفيّة : التّزكية للذّمّيّ تكون بالأمانة في دينه ولسانه ويده ، وأنّه صاحب يقظة . فإن لم يعرفه المسلمون سألوا عنه عدول الذّمّيّين . ولم يعثر على حكم تزكية الذّمّيّين في المذاهب الأخرى .
رجوع المزكّي عن التّزكية :
19 - يرى أبو حنيفة أنّه لو رجع المزكّون عن تزكيتهم للشّهود ، بأن قالوا مثلاً : إنّ الشّهود عبيد أو مجوس ، وقد زكّيناهم ونحن نعلم ذلك ، فالدّية على المزكّين عند أبي حنيفة ، ولا يقتصّ منهم لو رجم المشهود عليه بالزّنا وهو محصن .
وقال الصّاحبان : بل يقتصّ منهم وأمّا إذا قالوا : أخطأنا في التّزكية فلا شيء عليهم .
وقيل : الخلاف بين الإمام وصاحبيه فيما إذا أخبر المزكّون أنّ الشّهود أحرار ، فإذا هم عبيد أمّا إذا قالوا : هم عدول ، فبانوا عبيداً لا يضمنون إجماعاً ، لأنّ العبد قد يكون عدلاً . ومذهب المالكيّة : أنّه لو رجع المزكّي لشهود الزّنا أو قتل العمد عن تزكيتهم ، بعد رجم المشهود عليه ، أو قتله قصاصاً ، فلا يغرم المزكّي شيئاً من الدّية ، سواء رجع الشّهود الأصول أم لا . وقال الشّافعيّة في الوجه الأصحّ عندهم : إنّه يتعلّق بالمزكّي الرّاجع القصاص والضّمان ، لأنّه ألجأ القاضي إلى الحكم المفضي إلى القتل . وفي وجه آخر : لا ، لأنّه لم يتعرّض للمشهود عليه ، وإنّما أثنى على الشّاهد ، والحكم يقع بالشّاهد ، فكان كالممسك مع القاتل . وفي وجه ثالث : يتعلّق به الضّمان دون القصاص .
قال القفّال : الخلاف فيما إذا قال المزكّيان : علمنا كذب الشّاهدين . فإن قالا : علمنا فسقهما فلا شيء عليهما ، لأنّهما قد يكونان صادقين مع الفسق ، وطرد الإمام الخلاف في الحالين .
وعند الحنابلة أنّ المزكّيين إذا رجعا عن التّزكية ضمنا ، لأنّهما تسبّبا في الحكم غير الحقّ ، فيضمنان كرجوع شهود الإحصان .
تزكية الشّهود بعضهم لبعض :
20 - يكفي عند الحنفيّة تزكية أحد الشّاهدين صاحبه في الأصحّ ، لأنّ العدل لا يتّهم بمثله . وغاية ما فيه أنّ فيه منفعةً من حيث القضاء بشهادته ، ولكنّ العدل لا يتّهم بمثله كما لا يتّهم في شهادة نفسه . وفي الفتح أنّ بعضهم قال : لا يجوز ، لأنّه متّهم ، حيث كان بتعديله رفيقه يثبت القضاء بشهادته .
ولكنّ الصّحيح ما ذكر ، لأنّ شهادته تتضمّن مثل هذه المنفعة وهي القضاء بها ، فكما أنّه لم يعتبر الشّرع مع عدالته ذلك مانعاً ، كذلك تعديله لمن شهد معه .
وعند المالكيّة : أنّ الشّاهد لا يزكّي من شهد معه ، ولا تقبل معه شهادته في ذلك الحقّ . وأجاز سحنون إذا شهدت طائفة بعد ذلك أن تزكّي كلّ طائفة صاحبتها ، وهو عنده بمنزلة ما لو شهدتا في حقّين مختلفين . وروي عنه أنّ ذلك لا يجوز ولو شهدتا في حقّين مختلفين . وعند الشّافعيّة : أنّه لا يجوز أن يزكّي أحد الشّاهدين الآخر ، وفيه وجه ضعيف أنّه يجوز .
التّزكية تكون على عين المزكّي :
21 - التّزكية الّتي تشترط وتقبل تكون على عين المزكّي ، وذلك في تزكية العلانية . وصفتها : أن يحضر القاضي المزكّي - بعدما زكّى الشّهود في السّرّ - ليزكّيهم علانيةً بين يديه ، ويشير إليهم فيقول : هؤلاء عدول عندي ، إزالةً للالتباس ، واحترازاً عن التّبديل والتّزوير . قال ابن فرحون : لا يزكّى الشّاهد إذا لم يعرفه القاضي إلاّ على عينه ، وليس على القاضي أن يسأل المزكّي عن تفسير العدالة إذا كان المزكّي عالماً بوجوهها ، ولا عن الجرحة إذا كان عالماً بها .
ولم يصرّح الحنابلة بتكرار سؤال المزكّي أمام الشّهود وإشارته إلى عين من يزكّيهم .
الإعذار إلى المدّعى عليه في تزكية المزكّين :
22 - هل على القاضي أن يعذر إلى المدّعى عليه فيمن زكّى من شهد عليه من تلقاء نفسه ؟ أو يطلب من المدّعى عليه أو لا يعذر أصلاً .
الّذي يفيده كلام الحنفيّة : أنّه لا يعذر إلى المدّعى عليه فيمن زكّى شهود المدّعي . إذ قالوا : اليوم وقع الاكتفاء بتزكية السّرّ ، لما في تزكية العلانية من بلاء وفتنة .
وقال المالكيّة : ممّا لا يعذر فيه مزكّي السّرّ ، وهو من يخبر القاضي في السّرّ بحال الشّهود من عدالة أو جرح . ولو سأل الطّالب المقيم للبيّنة عمّن جرّحها لا يلتفت إلى سؤاله .
وكذلك لو سأل المطلوب عمّن زكّى بيّنة الطّالب ، فإنّه لا يلتفت إليه ، لأنّه لا يقيم لذلك إلاّ من يثق به ، فهو قائم مقام القاضي فلا يعذر في نفسه .
وكذلك الشّاهد المبرز في العدالة الفائق أقرانه فيها لا يعذر فيه لغير العداوة ، ويعذر فيه فيها ، ومثلها القرابة . وكذلك المحكوم عليه إذا كان يخشى منه على من شهد عليه ، فإنّه لا يعذر إليه فيمن شهد عليه ، ومعناه أنّ الشّاهد على من يخشى منه لا يسمّى له .
ومؤدّى ذلك أنّ غير المذكورين يعذر فيهم إلى المشهود عليه .
وقال الشّافعيّة : بعد السّؤال والبحث ومشافهة المزكّي بما عنده ، فإن كان جرحاً ستره ، وقال للمدّعي : زدني في شهودك ، أو تعديلاً عمل بمقتضاه .
وظاهر ذلك أنّه يعمل بمقتضى الجرح والتّعديل ، من غير أن يقول للمدّعي الّذي أحضر الشّهود : إنّ شهودك قد جرّحهم فلان وفلان ، ولا يقول للمدّعى عليه : إنّ من شهدوا عليك قد عدّلهم فلان وفلان . هذا ولم نطّلع على حكم ذلك عند الحنابلة .
تزكية رواة الأحاديث :
23 - الأحكام الّتي تقدّمت هي في شهود الدّعاوى . أمّا بالنّسبة لرواة الأحاديث فقد أجمع جماهير أئمّة الحديث والفقه على أنّه يشترط فيمن يحتجّ بروايته : أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه ، بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً ، سالماً من أسباب الفسق وما يخلّ بالمروءة متيقّظاً غير مغفّل ، حافظاً إن حدّث من حفظه ، ضابطاً لكتابه إن حدّث من كتابه . وإن كان يحدّث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك : أن يكون عالماً بما يحيل المعاني .
وعدالة الرّاوي تارةً تثبت بتنصيص معدّلين على عدالته ، وتارةً تثبت بالاستفاضة ، فيمن اشتهرت عدالته من أهل النّقل أو نحوهم من أهل العلم ، ومن شاع الثّناء عليه بالثّقة والأمانة استغني فيه بذلك عن بيّنة شاهدة بعدالته تنصيصاً ، وهذا هو الصّحيح في مذهب الشّافعيّ ، وعليه الاعتماد في فنّ أصول الفقه .
وذلك مثل الإمام مالك وأبي بكر الخطيب الحافظ .
والتّعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصّحيح المشهور ، لأنّ أسبابه كثيرة يصعب حصرها ، بخلاف الجرح ، فإنّه لا يقبل إلاّ مفسّراً مبيّن السّبب ، لأنّ النّاس يختلفون فيما يجرّح ولا يجرّح .
وهناك تفصيلات وأحكام أخرى يرجع إليها في الملحق الأصوليّ ،وفي علم مصطلح الحديث .
تزكية الإنسان نفسه :
24 - نهى اللّه عزّ وجلّ عن تزكية الإنسان نفسه بقوله تعالى : { فلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم هوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } وقال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إلى الّذينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُم بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } . وليس من التّزكية المذمومة بيان الإنسان لبعض صفاته على سبيل التّعريف ، حيث يحتاج إلى ذلك في توليته ، كما حصل لنبيّ اللّه يوسف عليه السلام حيث قال : { اجْعَلْنِي على خَزَائنِ الأرضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } . والتّفصيل في مصطلح : ( مدح ) .

تزويج *
التّعريف :
1 - التّزويج لغةً : مصدر زوّج . يقال : تزوّجت امرأةً ، وزوَّجه امرأةً أي : قرنه بها .
وفي التّنزيل : { وَزَوَّجْنَاهم بِحُورٍ عِينٍ } أي قرنّاهم بهنّ ، وكلّ شيئين اقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان ، والاسم من التّزويج : الزّواج .
وهو في الاصطلاح كما عرّفه الحنفيّة : عقد يفيد ملك استمتاع الرّجل بالمرأة ، وحلّ استمتاع المرأة بالرّجل على وجه مشروع .
الحكم التّكليفيّ :
2 - التّزويج ليس له حكم واحد ينطبق عليه في جميع الحالات بل يختلف حكمه باختلاف النّاس من ناحية قدرتهم على مطالب الزّواج واستعدادهم للقيام بالحقوق الزّوجيّة .
فيكون فرضاً أو واجباً أو حراماً أو مكروهاً أو مندوباً أو مباحاً .
فيكون فرضاً أو واجباً : إذا كان الشّخص في حالة يتيقّن فيها الوقوع في الزّنى إن لم يتزوّج ، وكان قادراً على النّفقة والمهر وحقوق الزّواج الشّرعيّة ، ولا يستطيع الاحتراز عن الوقوع في الزّنى ونحوه .
ويكون حراماً : إذا كان المرء في حالة يتيقّن فيها عدم القيام بأمور الزّوجيّة والإضرار بالمرأة إذا هو تزوّج .
ويكون مكروهاً : إذا خاف الشّخص الوقوع في الجور والضّرر إن تزوّج ، لعجزه عن الإنفاق أو عدم القيام بالواجبات الزّوجيّة .
ويكون مندوباً : في حالة الاعتدال ، وهي أن يكون الشّخص معتدل الطّبيعة ، بحيث لا يخشى الوقوع في الزّنى إن لم يتزوّج ، ولا يخشى أن يظلم زوجته إن تزوّج ، وهذا عند جمهور الفقهاء . وقال الشّافعيّة : إنّ الزّواج في هذه الحالة مباح ، يجوز فعله وتركه .
مَنْ له ولاية التّزويج :
3 - اتّفق الفقهاء على أنّ الرّجل الحرّ البالغ العاقل الرّشيد له أن يزوّج نفسه ، وأن يباشر عقد النّكاح دون إذن من أحد ، لما له من حرّيّة التّصرّف في خالص حقّه . كما أنّ له أن يوكّل غيره في تزويجه ، وأن يزوّج غيره بالولاية أو الوكالة .
أمّا الصّغير والمجنون فلا ولاية لهما على أنفسهما ، وإنّما يزوّجهما الوليّ أباً أو جدّاً ، أو الوصيّ عليهما . ولا يجوز للصّغير والمجنون مباشرة عقد النّكاح ، لعدم أهليّتهما .
والسّفيه لا يصحّ له الزّواج بدون إذن القيّم عليه عند المالكيّة والشّافعيّة ، خلافاً للحنفيّة والحنابلة فيجوز له أن يتزوّج بلا إذن وليّه ، وأن يباشر العقد عند الحنفيّة ، لأنّه عقد غير ماليّ فصحّ منه ، وإن لزم منه المال ، فحصوله بطريق الضّمن ، فلا يمنع الحجر عليه من العقد . وقال ابن قدامة في تزويج القيّم للسّفيه : إن تزوّج صحّ النّكاح بإذن وليّه وبغير إذنه وقال أبو الخطّاب : لا يصحّ بغير إذن وليّه .
والولاية على الصّغير والمجنون ولاية إجبار ، فيجوز للوليّ تزويجهما ، بدون إذنهما ، إذا كان في ذلك مصلحة . وهذا بلا خلاف .
لكن الاختلاف فيمن له ولاية الإجبار ، هل الأب فقط أو الأب والجدّ ، أو الأب والجدّ والوصيّ أو غيرهما . وينظر تفصيل ذلك في ( ولاية ) .
تزويج المرأة نفسها :
4 - المرأة البالغة العاقلة الحرّة الرّشيدة لا يجوز لها تزويج نفسها ، بمعنى أنّها لا تباشر العقد بنفسها ، وإنّما يباشره الوليّ عند جمهور الفقهاء ، لحديث « لا نِكاح إلاّ بوليّ » وروي عن عائشة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فإن دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها ، فإن تشاجروا فالسّلطان وليّ من لا وليّ له » ولقوله صلى الله عليه وسلم « لا تنكح المرأة المرأة ، ولا تنكح المرأة نفسها » .
ولا يجوز لها أن تزوّج غيرها ، سواء أكانت المرأة بكراً أم ثيّباً . وقالوا : البكر يجبرها الوليّ على النّكاح ، لكن يستحبّ إذنها . أمّا الثّيّب إن كانت صغيرةً فلا يجوز تزويجها حتّى تبلغ ، وتستأذن . وذلك عند الشّافعيّة .
وفي وجه عند الحنابلة ، وهو ظاهر قول الخرقيّ ، واختاره ابن حامد وابن بطّة والقاضي . وعند المالكيّة ، وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة : أنّ لأبيها تزويجها ، ولا يجب أن يستأمرها ، وهو أيضاً قول للحنفيّة . والعلّة عندهم هي الصّغر ، ولذلك له ولاية إجبارها .
أمّا الثّيّب الكبيرة - فإنّها وإن كانت لا تلي عقد نكاحها بنفسها عند الجمهور - إلاّ أنّه لا يجوز تزويجها بدون إذنها ورضاها لما « روت الخنساء بنت خذام الأنصاريّة أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب ، فكرهت ذلك ، فأتت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فردّ نكاحه » . ولحديث « الثّيّب أحقّ بنفسها من وليّها » .
أمّا الحنفيّة : فإنّه لا يجوز عندهم إجبار البالغة على النّكاح بكراً كانت أم ثيّباً ، ولها أن تعقد النّكاح بنفسها . ففي الهداية : ينعقد نكاح الحرّة العاقلة البالغة برضاها ، وإن لم يعقد عليها وليّ ، بكراً كانت أو ثيّباً عند أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرّواية .
وعن أبي يوسف أنّه لا ينعقد إلاّ بوليّ . وعند محمّد ينعقد موقوفاً .
ووجه الجواز : أنّها تصرّفت في خالص حقّها وهي من أهله ، لكونها عاقلةً بالغةً مميّزةً ، وإنّما يطالب الوليّ بالتّزويج كي لا تنسب إلى الوقاحة . والثّيّب من باب أولى إذا كانت كبيرةً ، فإنّها تعقد على نفسها . أمّا الصّغيرة سواء أكانت بكراً أم ثيّباً فلوليّها إجبارها على النّكاح ، لأنّ ولاية الإجبار تدور مع الصّغر وجوداً وعدماً . وأمّا المجنونة فللوليّ إجبارها على النّكاح مطلقاً ، وهذا باتّفاق . وفي كلّ ما مرّ تفصيل ينظر في ( نكاح - ولاية ) .

تزوير *
التّعريف :
1 - التّزوير في اللّغة : مصدر زوّر ، وهو من الزّور ، والزّور : الكذب ، قال تعالى : { والّذين لا يَشْهَدُونَ الزّورَ } وزوّر كلامه : أي زخرفه ، وهو أيضاً : تزيين الكذب .
وزوّرت الكلام في نفسي : هيّأته ، ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه : ما زوّرت كلاماً لأقوله إلاّ سبقني إليه أبو بكر . أي : هيّأته وأتقنته . وله في اللّغة معان أخرى .
وفي الاصطلاح : تحسين الشّيء ووصفه بخلاف صفته ، حتّى يخيّل إلى من سمعه أو رآه أنّه بخلاف ما هو عليه في الحقيقة . فهو تمويه الباطل بما يوهم أنّه حقّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الكذب :
2 - الكذب هو : الإِخبار بما ليس مطابقاً للواقع . وبينه وبين التّزوير عموم وخصوص وجهيّ ، فالتّزوير يكون في القول والفعل ، والكذب لا يكون إلاّ في القول .
والكذب قد يكون مزيّناً أو غير مزيّن ، والتّزوير لا يكون إلاّ في الكذب المموّه .
ب - الخلابة :
3 - الخلابة هي : المخادعة ، وتكون بستر العيب ، وتكون بالكذب وغيره .
ت - التّلبيس :
4 - التّلبيس من اللَبْس ، وهو اختلاط الأمر ، وهو ستر الحقيقة وإظهارها بخلاف ما هي عليها .
ث - التّغرير :
5 - التّغرير هو : الخديعة والإيقاع في الباطل وفيما انطوت عاقبته .
ج – الغشّ :
6 - الغشّ مصدر غشّه إذا لم يمحّضه النّصح ، بل خدعه .
والغشّ يكون بالقول والفعل ، فالتّزوير والغشّ لفظان متقاربان .
ح - التّدليس :
7 - التّدليس : كتمان العيب ، وهو في البيع كتمان عيب السّلعة عن المشتري .
والتّدليس أخصّ من التّزوير ، لأنّه خاصّ بكتمان العيب في السّلعة المبيعة ، أمّا التّزوير فهو أعمّ ، لأنّه يكون بالقول والفعل وفي السّلعة المبيعة وغيرها .
خ - التّحريف :
8 - التّحريف : تغيير الكلام عن مواضعه والعدول به عن حقيقته .
د - التّصحيف :
9 - والتّصحيف : هو تغيير اللّفظ حتّى يتغيّر المعنى المراد .
وقد تقدّمت الألفاظ ذات الصّلة وما يتعلّق بها من أحكام في مصطلح ( تدليس ) ( وتحريف ).
الحكم التّكليفيّ :
10 - الأصل في التّزوير أنّه محرّم شرعاً في الشّهادة لإبطال حقّ أو إثبات باطل .
والدّليل على حرمته قوله تعالى : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِن الأوثَانِ واجْتَنِبُوا قَولَ الزّورِ } ومن السّنّة قوله صلى الله عليه وسلم : « ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال الإشراك باللّه وعقوق الوالدين ، وجلس وكان متّكئاً ، ثمّ قال : ألا وقول الزّور . فما يزال يكرّرها حتّى قلنا : ليته سكت » .
11 - وقد استثني من حرمة التّزوير أمور : منها الكذب في الحرب ، وتطييب خاطر زوجته ليرضيها ، والإصلاح بين النّاس .
واستدلّوا بحديث : أسماء بنت يزيد مرفوعاً : « لا يحلّ الكذب إلاّ في ثلاث : يحدّث الرّجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، والكذب ليصلح بين النّاس » ومنه : الكذب لدفع ظالم على مال له أو لغيره أو عرض ، وفي ستر معصية منه أو من غيره . وقد نقل عن النّوويّ : الظّاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثّلاثة ، ولكنّ التّعريض أولى .
وقال ابن العربيّ : الكذب في الحرب هو من المستثنى الجائز بالنّصّ .
قال صلى الله عليه وسلم : « الحرب خدعة » ، وفيه : الأمر باستعمال الحيلة في الحرب مهما أمكن ذلك . وفيه : التّحريض على أخذ الحذر في الحرب ، والنّدب إلى خداع الكفّار . وقال النّوويّ : اتّفقوا على جواز خداع الكفّار في الحرب كيفما أمكن ، إلاّ أن يكون فيه نقض عهد أو أمان ، فلا يجوز . وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلافه .
وجاء في حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : مَنْ لكعب بن الأشرف ؟ فإنّه قد آذى اللّه ورسوله ؟ قال محمّد بن مسلمة : أتحبّ أن أقتله يا رسول اللّه ؟ قال : نعم . قال : فأتاه ، فقال : هذا - يعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم - قد عنّانا وسألنا الصّدقة . قال : وأيضاً واللّه لتمُلُنَّه قال : فإنّا اتّبعناه فنكره أن ندعه حتّى ننظر إلى ما يصير أمره . قال : فلمْ يزل يكلّمه حتّى استمكن منه فقتله » .
فقوله : عنّانا أي : كلّفنا بالأوامر والنّواهي ، وقوله : سألنا الصّدقة أي : طلبها منّا ليضعها مواضعها ، وقوله : نكره أن ندعه أي نكره فراقه .
فقوله له من قبيل التّعريض والتّمويه والتّزوير ، حتّى يأمنه فيتمكّن من قتله .
وجاء في رواية : « ائذن لي أن أقول . قال : قل » فيدخل فيه الكذب تصريحاً وتلويحاً .
وفي سيرة ابن هشام : « أتى نُعَيمُ بن مسعود رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، إنّي قد أسلمت ، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّما أنت فينا رجل واحد ، فخذّل عنّا إن استطعت ، فإنّ الحرب خدعةٌ . فخرج نعيم بن مسعود حتّى أتى بني قريظة ، فقال لهم : لا تقاتلوا مع القوم - الأحزاب - حتّى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم ، يكونون بأيديكم ثقةً لكم على أن تقاتلوا معهم محمّداً ، حتّى تناجزوه ، فقالوا له : لقد أشرت بالرّأي . ثمّ خرج حتّى أتى قريشاً فقال لهم : قد عرفتم ودّي لكم وفراقي محمّداً ، وأنّه قد بلغني أمر قد رأيت عليّ حقّاً أن أُبلِغكموه ، نصحاً لكم . تعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد ، وقد أرسلوا إليه : إنّا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين ، من قريش وغطفان ، رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم ، فتضرب أعناقهم ، ثمّ نكون معك على من بقي منهم حتّى نستأصلهم ؟ فأرسل إليهم : أن نعم . فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رُهُناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً . ثمّ خرج حتّى أتى غطفان ، فقال لهم مثل ما قال لقريش ، وحذّرهم ما حذّرهم وأرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بني قريظة : فاغدوا للقتال حتّى نناجز محمّداً ونفرغ ممّا بيننا وبينه ، فأرسلوا إليهم : ولسنا بالّذين نقاتل معكم محمّداً حتّى تعطونا رُهُناً من رجالكم ، يكونون بأيدينا ثقةً لنا ، حتّى نناجز محمّداً ، فإنّا نخشى إن ضرّستكم الحرب واشتدّ عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا ، والرّجل في بلدنا ، ولا طاقة لنا بذلك منه . فلمّا رجعت إليهم الرّسل بما قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان : واللّه إنّ الّذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحقّ . فأرسلوا إلى بني قريظة : إنّا واللّه لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا . فقالت بنو قريظة ، حين انتهت الرّسل إليهم بهذا : إنّ الّذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ ما يريد القوم إلاّ أن يقاتلوا ، فإن رأوا فرصةً انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم ، وخلّوا بينكم وبين الرّجل في بلدكم ، فأرسلوا إلى قريش وغطفان : إنّا واللّه لا نقاتل معكم محمّداً حتّى تعطونا رُهُناً . فأبوا عليهم ، وخذل اللّه بينهم ، وبعث اللّه عليهم الرّيح في ليال شاتية باردة شديدة البرد ، فجعلت تكفأ قدورهم ، وتطرح أبنيتهم » .
القضاء بشهادة الزّور :
12 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد وزفر ، وهو المفتى به عند الحنفيّة ، إلى أنّ قضاء الحاكم بشهادة الزّور ينفذ ظاهراً لا باطناً ، ولا يزيل الشّيء عن صفته الشّرعيّة سواء العقود من النّكاح وغيره والفسوخ ، ويستوي في ذلك الأملاك المرسلة ( أي الّتي لم يبيّن سبب ملكها من إرث أو شراء ) وغير المرسلة .
واستدلّوا : بخبر : « إنّما أنا بشر ، وإنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئاً فلا يأخذ منه شيئاً ، فإنّما أقطع له قطعةً من النّار » .
وذهب أبو حنيفة إلى أنّ القضاء بشهادة الزّور ينفذ ظاهراً وباطناً في الفسوخ والعقود ، حيث كان المحلّ قابلاً ، والقاضي غير عالم ." لقول عليّ رضي الله عنه لامرأة أقام عليها رجل بيّنةً على أنّه تزوّجها ، فأنكرت ، فقضى له عليّ . فقالت له : لم يتزوّجني ، فأمّا وقد قضيت عليّ فجدّد نكاحي ، فقال : لا أجدّد نكاحك ، الشّاهدان زوّجاك ". ومحلّ تفصيل هذا في مصطلح : ( قضاء ) ( وشهادة ) .
التّزوير في الأيمان :
13 - الأصل أنّ التّزوير في اليمين حرام ، وهي اليمين الغموس : وهي الّتي يكذب فيها الحالف عامداً عالماً عند الجمهور . وعند المالكيّة الّتي يكذب فيها الحالف عمداً ، أو يشكّ في المحلوف عليه ، أو يظنّ منه ظنّاً غير قويّ .
وقد يكون تزوير اليمين جائزاً أو واجباً - على الخلاف بين الفقهاء - فيما إذا تعيّن تزوير اليمين عند الإكراه عليها أو الاضطرار إليها ، لدفع الأذى عن نفسه أو عن مظلوم .
وقد تقدّم تفصيل أحكام اليمين الغموس في مصطلح : ( أيمان ) .
تضمين شهود الزّور :
14 - يضمن شهود الزّور ما ترتّب على شهادتهم من ضمان ، فإن كان المحكوم به مالاً ردّ إلى صاحبه ، وإن كان إتلافاً فعلى الشّهود ضمانه ، لأنّهم سبب إتلافه .
وذهب الشّافعيّة ، والحنابلة إلى وجوب القصاص على شهود الزّور ، إذا شهدوا على رجل بما يوجب قتله ، كأن شهدوا عليه بقتل عمد عدوان ، أو بردّة ، أو بزنًى وهو محصن ، فقتل بشهادتهما ، ثمّ رجعا ، وأقرّا بتعمّد قتله بتلك الشّهادة ، لعلمهما أنّه يقتل بشهادتهما .
فيجب القصاص عليهما لتعمّد القتل بتزوير الشّهادة ، لأنّ شهادتهما سبب القتل ، ولا يجب القصاص بنفس التّزوير والكذب .
وتجب عليهما الدّية المغلّظة إذا آل الأمر إليها بدل القصاص .
وكذلك الحكم إذا شهدا زوراً بما يوجب القطع قصاصاً فقطع ، أو في سرقة لزمهما القطع ، وإذا سرى أثر القطع إلى النّفس فعليهما القصاص في النّفس .
كما يجب القصاص على القاضي إذا قضى زوراً بالقصاص ، وكان يعلم بكذب الشّهود .
وذهب المالكيّة والحنفيّة : إلى أنّ الواجب هو الدّية لا القصاص .
لأنّ القتل بشهادة الزّور قتل بالسّبب ، والقتل تسبّباً لا يساوي القتل مباشرةً ، ولذا قصر أثره فوجبت به الدّية لا القصاص . ومحلّ وجوب القصاص أو الدّية إذا تبيّن كذب الشّهود ، أو رجعوا عن شهادتهم بعد استيفاء القصاص .
أمّا إذا رجعوا قبله وبعد الحكم فينقض الحكم ، ولا غرم على الشّهود ، بل يعزّرون .
ويجب حدّ القذف على شهود الزّور إذا شهدوا بالزّنى ، ويقام عليهم الحدّ سواء تبيّن كذبهم قبل الاستيفاء أو بعده ، إلاّ أنّه يجب عليهم القصاص مع حدّ القذف إذا شهدوا بالزّنى على محصن ، فرجم بسبب شهادتهم . وللتّفصيل في أحكام القصاص والقذف ينظر مصطلح ( جناية ، حدود ، قصاص ) وكذلك ( شهادة ) ( وقضاء ) .
التّزوير بالأفعال :
15 - يقع التّزوير في البيوع بإخفاء عيوب السّلعة وتزيينها وتحسينها ، لإظهارها بشكل مقبول ترغيباً فيها ، كتصرية الحيوان ليظنّ المشتري كثرة اللّبن ، أو صبغ المبيع بلون مرغوب فيه ، وكالكذب في سعر السّلعة في بيوع الأمانات وهي : المرابحة والتّولية والحطيطة . ويقع التّزوير كذلك بمحاكاة خطّ القاضي أو تزوير توقيعه أو شهادة الشّهود في سجلّات القضاء بما يسلب الحقوق من أصحابها .
كما يقع التّزوير في النّكاح بأن يكتم أحد الزّوجين عيباً فيه عن الآخر . وقد يقع التّزوير بتسويد الشّعر بقصد التّغرير والكذب . وهذه الأنواع من التّزوير هي من التّزوير المحرّم ، وهي داخلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : « من غشّنا فليس منّا » .
وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( تدليس ، تسويد ، بيع ، نكاح ، شهادة ، قضاء وعيب ) .
التّزوير في النّقود والموازين والمكاييل :
16 - التّزوير فيها يكون بالنّقص من مقاديرها ، بغشّها أو تغيير أوزانها أو أحجامها ، كأن تخلط دنانير الذّهب أو دراهم الفضّة بمعادن أخرى كالنّحاس والرّصاص ، رغبةً في نقص مقدار الذّهب أو الفضّة الخالصين ، أو بالنّقص من حجم الدّينار أو الدّرهم .
أو أن ينقص من وزن الصّنج الّتي يستعملها في الموازين ، أو حجم المكيال ، رغبةً في زيادة الرّبح وتقليل المبيع الموزون أو المكيل .
والتّزوير في النّقود والموازين والمكاييل محرّم داخل في قوله تعالى : { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إذا اكْتَالُوا على النّاسِ يَسْتَوفُونَ وَإذَا كَالُوهُمْ أو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } .
وداخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : « من غشّنا فليس منّا » كما أنّ فيه إفساداً للنّقود ، وإضراراً بذوي الحقوق ، وإغلاء الأسعار ، والنّقص من الصّدقات ، وانقطاع ما يجلب إلى البلاد من حوائج النّاس . ولذلك كان من وظيفة المحتسب أن يتفقّد عيار المثاقيل والصّنج ، وعليه أن يعيّر أوزانها ويختمها بختمه ، حتّى يأمن تزويرها وتغيير مقاديرها . كما تدخل في وظيفته مراقبة مقادير دنانير الذّهب ودراهم الفضّة وزناً وحجماً .
ولا يجوز للإمام ضرب الدّراهم المغشوشة ، وحرمته في حقّ غير الإمام أشدّ ، لأنّ الغشّ فيها يخفى على النّاس فيكون الغرر بها أكبر . بخلاف الإمام ، لأنّ ما يضربه من دنانير ودراهم يشهر ويعرف مقداره .
كما لا يجوز لغير الإمام ضرب الدّنانير والدّراهم الخالصة غير المغشوشة ، لأنّه لا يؤمن فيها الغشّ والفساد .
صور التّزوير في المستندات وطرق التّحرّز منها :
17 - جاء في تبصرة الحكّام : ومثله في معين الحكّام : ينبغي للموثّق أن يتأمّل الأسماء الّتي تنقلب بإصلاح يسير ، فيتحفّظ في تغييرها ، نحو مظفر فإنّه ينقلب إلى مظهر ، ونحو بكر فإنّه ينقلب إلى بكير ، ونحو عائشة فإنّه يصلح عاتكة . وقد يكون آخرَ السّطر بياضاً يمكن أن يزاد فيه شيء آخر . وكذلك ينبغي أن يحذر من أن يتمّم عليه زيادة حرف من الكتاب مثل أن يكتب في الوثيقة : أقرّ أنّ له عنده ألف درهم ، فإن لم يذكر عقب العدد بيان نصفه بأن يقول : ( الّذي نصفه خمسمائة مثلاً ) أمكن زيادة ألف فتصير ( ألفا درهم ) . وفي التّنبيه لابن المناصف : ولا ينبغي أن ينصب لكتابة الوثائق إلاّ العلماء العدول ، كما قال مالك رضي الله تعالى عنه : لا يكتب الكتب بين النّاس إلاّ عارف بها ، عدل في نفسه ، مأمون على ما يكتبه لقوله تعالى : { وَلْيَكْتُبْ بينَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ } وأمّا من لا يحسن وجوه الكتابة ، ولا يقف على فقه الوثيقة ، فلا ينبغي أن يمكّن من الانتصاب لذلك ، لئلاّ يفسد على النّاس كثيراً من معاملاتهم . وكذلك إن كان عالماً بوجوه الكتابة إلاّ أنّه متّهم في دينه ، فلا ينبغي تمكينه من ذلك وإن كان لا يضع اسمه بشهادة فيما يكتب ، لأنّ مثل هذا يعلّم النّاس وجوه الشّرّ والفساد ، ويلهمهم تحريف المسائل لتوجّه الإشهاد ، فكثيراً ما يأتي النّاس اليوم يستفتون في نوازل من المعاملات الرّبويّة والمشاركة الفاسدة والأنكحة المفسوخة ونحو ذلك ممّا لا يجوز ، فإذا صرفهم عن ذلك أهل الدّيانة أتوا إلى مثل هؤلاء ، فحرّفوا ألفاظها ، وتحيّلوا لها بالعبارة الّتي ظاهرها الجواز ، وهي مشتملة على صريح الفساد ، فضلّوا وأضلّوا . وتمالأ كثير من النّاس على التّهاون بحدود الإسلام ، والتّلاعب في طريق الحرام ، { وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } .
وجاء في " تبصرة الحكّام " أيضاً ، وفي " العالي الرّتبة في أحكام الحسبة " لأحمد بن موسى بن النّحويّ الدّمشقيّ الشّافعيّ فيما يتعلّق بالموثّق ممّا لا يخالف قواعد مذهب مالك رضي الله تعالى عنه ، قال : فإذا فرغ الكاتب من كتابته استوعبه ( أي كتابته ) وقرأه وتميّز ألفاظه ، وينبغي أن يميّز في خطّه بين السّبعة والتّسعة وإن كان فيه مائة درهم كتب بعدها ( واحدةً ) وينبغي أن يذكر نصفها ، فإن كانت ( أي الدّراهم ) ألفاً كتب واحداً وذكر نصفه رفعاً للّبس ، وإن كانت خمسة آلاف زاد فيها لا ما تصيّرها ( آلاف ) لئلاّ تصلّح الخمسة فتصير خمسين ألفاً ويحترز بذكر التّنصيف ممّا يمكن الزّيادة فيه كالخمسة عشر تصير خمسةً وعشرين ، والسّبعين تسعين ، فإن لم يذكر الكاتب النّصف من المبلغ فينبغي للشّهود أن يذكروا المبلغ في شهادتهم لئلاّ يدخل عليهم الشّكّ لو طرأ في الكتاب تغيير وتبديل ، وإن وقع في الكتاب إصلاح وإلحاق نبّه عليه وعلى محلّه في الكتاب ، وينبغي له أن يكمل أسطر المكتوب جميعها لئلاّ يلحق في آخر السّطر ما يفسد بعض أحكام المكتوب أو يفسده كلّه ، فلو كان آخر سطر مثلاً . ( وجعل النّظر في الوقف المذكور ) وفي أوّل السّطر الّذي يليه ( لزيد ) وكان في آخر السّطر فرجة أمكن أن يلحق فيها ( لنفسه ) ثمّ لزيد ، فيبطل الوقف وما أشبه ذلك ، فإن اتّفق أنّه بقي في آخر السّطر فرجة لا تسع الكلمة الّتي يريد كتابتها لطولها وكثرة حروفها ، فإنّه يسدّ تلك الفرجة بتكراره تلك الكلمة الّتي وقف عليها أو كتب فيها صحّ ، أو صادّاً ممدودةً ، أو دائرةً مفتوحةً ، ونحو ذلك ممّا يشغل به تلك الفرجة ، ولا يمكن إصلاحها بما يخالف المكتوب . وإن ترك فرجةً في السّطر الأخير كتب فيها حسبي اللّه أو الحمد للّه ، مستحضراً لذكر اللّه ناوياً له ، أو يأمر أوّل شاهد يضع خطّه في المكتوب أن يكتب في تلك الفرجة . وإن كتب في ورقة ذات أوصال كتب علامته على كلّ وصل ، وكتب عدد الأوصال في آخر المكتوب ، وبعضهم يكتب عدد أسطر المكتوب ، وإن كان للمكتوب نسخ ذكرها وذكر عدّتها ، وأنّها متّفقة ، وهذا نبّه عليه ابن سهل وابن الهنديّ وغيرهما .
ومثله في معين الحكّام أيضاً وقال : إنّ ذلك ممّا لا يخالف قواعد أبي حنيفة رضي الله عنه . وجاء في مجلّة الأحكام العدليّة ( المادّة 1814 ) ونصّها :
يضع القاضي في المحكمة دفتراً للسّجلّات ، ويقيّد ويحرّر في ذلك الدّفتر الإعلامات والسّندات الّتي يعطيها بصورة منتظمة سالمة عن الحيلة والفساد ، ويعتني بالدّقّة بحفظ ذلك الدّفتر ، وإذا عزل سلّم السّجلّات المذكورة إلى خلفه ، إمّا بنفسه أو بواسطة أمينه .
إثبات التّزوير :
18 - يثبت التّزوير بإقرار المزوّر على نفسه ، أو ظهور الكذب يقيناً ، كأن يشهد بقتل رجل وهو حيّ ، أو شهد على رجل أنّه فعل شيئاً في وقت ، وقد مات قبل ذلك الوقت ، أو لم يولد إلاّ بعده ، وأشباه ذلك .
19 - أمّا التّزوير في الوثائق ، فذهب اللّخميّ من المالكيّة ، وأبو اللّيث من الحنفيّة : إلى أنّه إذا ادّعى رجل على رجل بمال فجحده ، فأخرج المدّعي صحيفةً مكتوبةً بخطّ المدّعى عليه ، فأنكر المدّعى عليه ذلك ، وليس بينهما بيّنة ، فطلب المدّعي أن يجبر على أن يكتب بحضرة العدول ، ويقابل ما كتبه بما أظهره المدّعي ، فإنّه يجبر على الكتابة ، وعلى أن يطوّل فيما يكتب تطويلاً لا يمكن معه أن يستعمل خطّاً غير خطّه ، فإن ظهر بين الخطّين تشابه ظاهر دالّ على أنّهما خطّ كاتب واحد ، فإنّه حجّة يقضي بها .
وقال أبو اللّيث : وبه قال أئمّة بخارى . وقال عبد الحميد الصّائغ من المالكيّة : إنّه لا يجبر عليه ، كما لا يجبر على إحضار بيّنة تشهد عليه .
وفرّق اللّخميّ بين إلزامه بالكتابة وعدم إلزامه بإحضار الشّهادة عليه بأنّ المدّعى عليه يقطع بتكذيب البيّنة الّتي تشهد عليه ، فلا ينبغي أن يسعى في أمر يقطع ببطلانه ، أمّا خطّه فإنّه صادر منه بإقراره ، والعدول يقابلون بما يكتبه الآن بما أحضره المدّعي ، ويشهدون بموافقته أو مخالفته . كما نقل صاحب المحيط عن محمّد بن الحسن أنّه نصّ أنّ ذلك لا يكون حجّةً ، لأنّها لا تكون أعلى حالاً ممّا لو أقرّ فقال : هذا خطّي ، وأنا كتبته ، غير أنّه ليس له عليّ هذا المال ، كان القول قوله ولا شيء عليه .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:20 PM

عقوبة التّزوير :
20 - عقوبة التّزوير : التّعزير بما يراه الحاكم . كأيّ جريمة ليس لها عقوبة مقدّرة ، إن علم أنّه تعمّد التّزوير ، فيعزّر بما يراه الحاكم من تشهير أو ضرب أو حبس ، أو كشف رأسه وإهانته ، إلى غير ذلك . وينظر تفصيل ذلك في : ( شهادة ، تعزير ، تشهير ) .

تزيين *
انظر : تزيّن .

تزيّن *
التّعريف :
1 - التّزيّن هو : اتّخاذ الزّينة ، وهي في اللّغة : اسم جامع لكلّ شيء يتزيّن به ، من باب إطلاق اسم المصدر وإرادة المفعول .
وفي قوله عزّ وجلّ : { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها } معناه لا يبدين الزّينة الباطنة كالقلادة والخلخال والدّملج والسّوار ، والّذي يظهر هو الثّياب وزينة الوجه .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّحسّن ، والتّحلّي :
2 - التّحسّن من الحسن ، نقيض القبح . ومعناه في اللّغة : التّزيّن . يقال : حسّن الشّيء تحسيناً زيّنه ، قال الرّاغب الأصفهانيّ : الحسن أكثر ما يقال في تعارف العامّة في المستحسن بالبصر ، وأكثر ما جاء في القرآن الكريم في المستحسن من جهة البصيرة .
3 - والتّحلية في اللّغة : لبس الحليّ ، يقال : تحلّت المرأة : لبست الحليّ أو اتّخذته ، وحلّيتها - بالتّشديد - ألبستها الحليّ أو اتّخذته لها لتلبسه .
4 - والتّزيّن والتّجمّل والتّحسّن تكاد تكون متقاربة المعاني ، وكلّها أعمّ من التّحلية لتناولها ما ليس حليةً ، كالاكتحال وتسريح الشّعر والاختضاب ونحوها .
وقد فرّق بعضهم بين التّحسّن والتّجمّل ، بأنّ التّحسّن من الحسن ، وهو في الأصل الصّورة ، ثمّ استعمل في الأخلاق والأفعال . والتّجمّل من الجمال ، وهو في الأصل للأفعال والأخلاق والأحوال الظّاهرة ، ثمّ استعمل في الصّور .
أمّا الفرق بين كلّ من التّحسّن والتّجمّل ، وبين التّزيّن ، فقيل : إنّ التّزيّن يكون بالزّيادة المنفصلة عن الأصل ، قال تعالى : { وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيا بِمَصَابِيحَ } .
وقال القرطبيّ : الزّينة المكتسبة ما تحاول المرأة أن تحسّن نفسها به ، كالثّياب والحليّ والكحل والخضاب ، ومنه قوله تعالى : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } .
أمّا كلّ من التّحسّن والتّجمّل فيكون بزيادة متّصلة بالأصل أو نقصان فيه ، كما تفيده الآية الكريمة : { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } .
الحكم التّكليفيّ :
5 - الأصل في التّزيّن : الاستحباب ، لقوله تعالى : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِه وَالطَّيِّبَاتِ مِن الرِّزقِ } وقوله صلى الله عليه وسلم « مَنْ أنعمَ اللّه عليه نعمةً ، فإنَّ اللّه يحبّ أن يَرَى أَثَرَ نعمته عليه » .
ففي هذه الآية دلالة على استحباب لبس الرّفيع من الثّياب ، والتّجمّل بها في الجمع والأعياد وعند لقاء النّاس وزيارة الإخوان . قال أبو العالية : كان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا . وقد روى مكحول عن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان نفر من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب ، فخرج يريدهم ، وفي الدّار ركوة فيها ماء ، فجعل ينظر في الماء ويسوّي لحيته وشعره . فقلت : يا رسول اللّه . وأنت تفعل هذا ؟ قال : نعم ، إذا خرج الرّجل إلى إخوانه فليهيّئ من نفسه ، فإنّ اللّه جميل يحبّ الجمال » .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة تدلّ كلّها على مشروعيّة التّزيّن وتحسين الهيئة .
6- وينبغي ألاّ يقصد بالتّزيّن التّكبّر ولا الخيلاء ، لأنّ قصد ذلك حرام .
قال ابن عابدين في حاشيته ما نصّه : اعلم أنّه لا تلازم بين قصد الجمال وقصد الزّينة ، فالقصد الأوّل : لدفع الشّين وإقامة ما به الوقار وإظهار النّعمة ، شكراً لا فخراً ، وهو أثر أدب النّفس وشهامتها .
وأمّا الثّاني : وهو قصد الزّينة أثر ضعفها ، وقالوا بالخضاب وردت السّنّة ولم يكن لقصد الزّينة . ثمّ بعد ذلك إن حصلت زينة فقد حصلت في ضمن قصد مطلوب فلا يضرّه إذا لم يكن ملتفتاً إليه . ولهذا قال في الولوالجيّة : لبس الثّياب الجميلة مباح إذا كان لا يتكبّر ، لأنّ التّكبّر حرام ، وتفسيره أن يكون معها كما كان قبلها .
7- هذا ، وقد تعرض للتّزيّن أحكام تكليفيّة أخرى ، فمنه ما هو واجب ، وما هو مكروه ، وما هو حرام .
ومن أمثلة ما هو واجب : ستر العورة ، وتزيّن الزّوجة لزوجها متى طلب منها ذلك .
ومن أمثلة ما هو مستحبّ : تزيّن الرّجل للجمعة والعيدين ، وخضاب الشّيب للرّجل والمرأة . ( ر : اختضاب ) . ومن أمثلة ما هو مكروه : لبس المعصفر والمزعفر للرّجال .
ومن أمثلة ما هو حرام : تشبّه الرّجال بالنّساء والعكس في التّزيّن ، وتزيّن الرّجل بالذّهب ولبسه الحرير إلاّ لعارض . وتزيّن معتدّة الوفاة . وتزيّن المحرم بما أمر باجتنابه كالطّيب . وتزيّن المرأة لغير زوجها ، وهذا في الجملة وتفصيلها في مواضعها .
ما يكون به التّزيّن :
8 - لكلّ شخص زينته الّتي يتزيّن بها ، فمثلاً زينة الزّوجة لزوجها في ملبسها وحليّها وطيبها ، وزينة الرّجل يوم الجمعة والعيدين أن يلبس أحسن ثيابه ، ويفضّل البياض منها ، ويتطيّب .
9 - ويحرم على الرّجل التّزيّن بالحرير ، والتّحلّي بالذّهب ، لما روي « أنّه صلى الله عليه وسلم أخذ في يمينه قطعة حرير وفي شماله قطعة ذهب ، وقال : هذان حرام على ذكور أمّتي » ولما روي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا تَلْبِسُوا الحرير ، فإنّ من لَبِسه في الدّنيا لم يلبسه في الآخرة » ولما في ذلك بالنّسبة للرّجل من معنى الخيلاء والرّفاهية ممّا لا يليق بالرّجال ، وهذا ما قاله الفقهاء . وذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى : أنّه يكره للرّجل لبس المعصفر والمزعفر ، وقال عبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما : « رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال : إنّ هذا من ثياب الكفّار فلا تلبسهما » ويحرم عند بعض الشّافعيّة المزعفر دون المعصفر . وفي قول آخر : عندهم يحرم المعصفر كذلك .
وعند الحنفيّة والمالكيّة : يكره لوليّ الصّغير إلباسه الذّهب والحرير ، وأجازوا إلباسه الفضّة على المعتمد . وللشّافعيّة والحنابلة في ذلك قولان :
أحدهما : الجواز . والثّاني : المنع ، لعموم قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الحرير والذّهب حرام على ذكور أمّتي ، وحِلٌّ لإناثهم » .
وجاز للمرأة التّزيّن بالملبوس ، ذهباً أو فضّةً أو محلًّى بهما أو حريراً ، أو ما يجري مجرى اللّباس من زرّ وفرش ومساند ، ولو نعلاً وقبقاباً ، وتفصيله في بحث : ( ألبسة ) .
10 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يحرم على الرّجال أن يتشبّهوا بالنّساء في الحركات ولين الكلام والزّينة واللّباس وغير ذلك من الأمور الخاصّة بهنّ عادةً أو طبعاً . وأنّه يحرم على النّساء أيضاً أن يتشبّهن بالرّجال في مثل ذلك ، لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما :
« لعن رسول اللّه المتشبّهين من الرّجال بالنّساء ، والمتشبّهات من النّساء بالرّجال » .
وضبط ابن دقيق العيد ما يحرم التّشبّه بهنّ فيه : بأنّه ما كان مخصوصاً بهنّ في جنسه وهيئته أو غالباً في زيّهنّ ، وكذا يقال عكسه . ( ر : تشبّه ) .
التّزيّن في المناسبات :
11 - يستحبّ التّزيّن عند الفقهاء للجمع والأعياد ، وعند لقاء النّاس وتزاور الإخوان . وذلك بلبس أحسن الثّياب والتّطيّب ، وكذلك التّنظيف بحلق الشّعر وقلم الظّفر والسّواك والاغتسال أيّام العيد والجمعة ، لما روي { أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر والأضحى } وروي أيضاً { أنّه صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع إنّ هذا يوم جعله اللّه عيداً للمسلمين ، فاغتسلوا ، ومن كان عنده طيب فلا يضرّه أن يمسّ منه ، وعليكم بالسّواك } وروى جابر رضي الله عنه { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعتمّ ، ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة } . وقد روى مكحول « عن عائشة قالت : كان نفر من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم وفي الدّار ركوة فيها ماء فجعل ينظر في الماء ويسوّي لحيته وشعره ، فقلت يا رسول اللّه وأنت تفعل هذا ؟ قال نعم ، إذا خرج الرّجل إلى إخوانه فليهيّئ من نفسه فإنّ اللّه جميل يحبّ الجمال » ( ر : تحسين ف 7 - 10 ) . وهذا كلّه بالنّسبة للرّجال ، والإمام بذلك أحقّ لأنّه المنظور إليه من بينهم . والتّفصيل ينظر في بحثي : ( جمعة وعيد ) .
التّزيّن للصّلاة :
12 - يستحبّ التّزيّن للصّلاة خشوعاً للّه واستحضاراً لعظمته ، لا تكبّراً وخيلاء ، فإنّه حرام . والمستحبّ للرّجل أن يصلّي في ثوبين أو أكثر ، فإن لم يجد إلاّ واحداً يتوشّح به جاز ، لحديث : « إذا صلّى أحدكم فليلبس ثوبيه فإنّ اللّه أحقّ من تزيّن له » .
قال ابن قدامة في بيان الفضيلة في لباس الصّلاة : وهو أن يصلّي في ثوبين أو أكثر ، فإنّه إذاً أبلغ في السّتر ، يروى عن عمر رضي الله عنه أنّه قال : إذا أوسع اللّه فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، وصلّى رجل في إزار وبرد ، أو في إزار وقميص . في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تبّان وقميص . وروى أبو داود عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أو قال عمر : « إذا كان لأحدكم ثوبان فليصلّ فيهما ، فإن لم يكن إلاّ ثوب واحد فَلْيَتَّزر به ، ولا يشتمل اشتمال اليهود » . قال التّميميّ : الثّوب الواحد يجزئ ، والثّوبان أحسن ، والأربع أكمل : قميص وسراويل وعمامة وإزار . وروى ابن عبد البرّ عن عمر رضي الله عنه :" أنّه رأى نافعاً يصلّي في ثوب واحد ، قال : ألم تكتس ثوبين : قلت : بلى . قال : فلو أُرسلتَ في الدّار ، أكنتَ تذهب في ثوب واحد ؟ قلت لا .قال : فاللّه أحقّ أن يُزَّيَّنَ له أو النّاس ؟ قلت : بل اللّه". وقال القاضي : ذلك في الإمام آكد منه في غيره ، لأنّه بين يدي المأمومين ، وتتعلّق صلاتهم بصلاته . فإن لم يكن إلاّ ثوب واحد فالقميص ، لأنّه أعمّ في السّتر ، فإنّه يستر جميع الجسد إلاّ الرّأس والرّجلين ، ثمّ الرّداء ، لأنّه يليه في السّتر ، ثمّ المئزر ، ثمّ السّراويل . ولا يجزئ من ذلك كلّه إلاّ ما ستر العورة عن غيره وعن نفسه . والتّفصيل في بحث ( ألبسة ) .
التّزيّن في الإحرام :
13 - يجوز للمرأة المحْرِمة أن تلبس ما أحبّت من ألوان الثّياب والحليّ ، إلاّ أنّ في لبسها القفّازين والخلخال خلافاً بين الفقهاء . فرخّص فيه عليّ وعائشة رضي الله عنهما ، وبه قال الثّوريّ وأبو حنيفة ، وهو أحد قولي الشّافعيّ . ومنعه ابن عمر رضي الله عنهما ، وبه قال طاوس ومجاهد والنّخعيّ ومالك وأحمد ، وهو القول الآخر للشّافعيّ .
وحمل بعضهم كلام أحمد في منع الخلخال على الكراهة . ويحرم لبس المخيط اتّفاقاً للرّجال .
ولا يجوز التّزيّن بالتّطيّب والحلق أو التّقصير وتقليم الأظفار ونحوها أثناء الإحرام مطلقاً ، سواء أكان المحرم رجلاً أم امرأةً . ويسنّ التّطيّب في البدن استعداداً للإحرام عند جمهور الفقهاء . أمّا التّطيّب في الثّوب قبل الإحرام فمنعه الجمهور ، وأجازه الشّافعيّة في المعتمد عندهم . وتفصيله في مصطلح : ( إحرام ، وتحلية ) .
التّزيّن في الاعتكاف :
14 - يجوز للمعتكف عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة التّزيّن بالتّطيّب ولبس الثّياب الحسنة وأخذ الظّفر والشّارب ونحوه ، لكنّ المالكيّة صرّحوا بكراهة قلم الأظفار وقصّ الشّارب داخل المسجد ، كما قالوا بكراهة حلق رأسه مطلقاً إلاّ أن يتضرّر .
ويستحبّ عند الحنابلة أن يترك المعتكف لبس رفيع الثّياب ، والتّلذّذ بما يباح له قبل الاعتكاف . ويكره له أن يتطيّب ، لكن لا بأس بأخذ شعره وأظفاره عندهم . ( ر : اعتكاف ).
تزيّن كلّ من الزّوجين للآخر :
15 - يستحبّ لكلّ من الزّوجين أن يتزيّن للآخر ، لقوله تعالى : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ } وقوله تعالى : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الّذِيْ عَلَيهِنَّ بِالمَعْرُوفِ } فالمعاشرة بالمعروف حقّ لكلّ منهما على الآخر ، ومن المعروف أن يتزيّن كلّ منهما للآخر ، فكما يحبّ الزّوج أن تتزيّن له زوجته ، كذلك الحال بالنّسبة لها تحبّ أن يتزيّن لها .
قال أبو زيد : تتّقون اللّه فيهنّ ، كما عليهنّ أن يتّقين اللّه فيكم .
وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما : إنّي لأحبّ أن أتزيّن للمرأة ، كما أحبّ أن تتزيّن لي ، لأنّ اللّه تعالى يقول : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الّذي عَليهِنَّ بِالمَعْرُوفِ } ، وحقّ الزّوج عليها أعظم درجةً من حقّها ، لقوله تعالى : { وللرجالِ عليهنّ درجةٌ } .
وكان محمّد بن الحسن يلبس الثّياب النّفيسة ، ويقول : إنّ لي نساءً وجواري ، فأزيّن نفسي كي لا ينظرن إلى غيري .
وقال أبو يوسف : يعجبني أن تتزيّن لي امرأتي ، كما يعجبها أن أتزيّن لها .
ومن الزّينة في هذا المقام : أنّه إن نبت شعر غليظ للمرأة في وجهها ، كشعر الشّارب واللّحية ، فيجب عليها نتفه لئلاّ تتشبّه بالرّجال ، فقد روت امرأة بن أبي الصّقر - وهي العالية بنت أيفع - رضي الله عنها ، أنّها كانت عند عائشة رضي الله عنها فسألتها امرأة فقالت : يا أمّ المؤمنين إنّ في وجهي شعرات أفأنتفهنّ : أتزيّن بذلك لزوجي ؟ فقالت عائشة :" أميطي عنك الأذى ، وتصنّعي لزوجك كما تصنعين للزّيارة ، وإن أمرك فأطيعيه ، وإن أقسم عليك فأبرّيه ، ولا تأذني في بيته لمن يكره ".
وإن نبت في غير أماكنه في وجه الرّجل فله إزالته ، حتّى أجاز الحنفيّة للرّجل الأخذ من الحاجبين إذا فحشا . فإذا أمر الزّوج زوجته بالتّزيّن له كان التّزيّن واجباً عليها ، لأنّه حقّه ، ولأنّ طاعة الزّوج في المعروف واجبة على الزّوجة .
تأديب الرّجل زوجته لترك الزّينة :
16 - من حقوق الزّوج على زوجته أن تتزيّن له بالملبس والطّيب ، وأن تحسّن هيئتها وغير ذلك ، ممّا يرغّبه فيها ويدعوه إليها ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « خير النّساء الّتي تسرّه إذا نظر ، وتطيعه إذا أمر ، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله » فإن أمر الزّوج زوجته بالتّزيّن فلم تتزيّن له كان له حقّ تأديبها ، لأنّ الزّينة حقّه . قال تعالى : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهمْ ، فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلغَيبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيهنَّ سَبِيلاً إنَّ اللّهَ كانَ عَلِيَّاً كَبِيراً } .
تزيّن المعتدّة :
17 - المعتدّة للوفاة لا يجوز لها التّزيّن اتّفاقاً لوجوب الإحداد عليها لقوله تعالى : { وَالّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجَاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفسِهنَّ أَرْبَعةَ أَشْهرٍ وَعشرَاً } ولقوله صلى الله عليه وسلم : « لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ باللّه واليوم الآخر أنْ تُحِدَّ على ميّتٍ فوقَ ثلاثٍ ، إلاّ على زوجِها فإنّها تحدّ عليه أربعةَ أشهر وعشراً » .
وكذلك المعتدّة للطّلاق البائن عند الحنفيّة ، وهو القول القديم للشّافعيّ : لا يجوز لها التّزيّن ، حداداً وأسفاً على فوت نعمة النّكاح الّذي هو سبب لصونها وكفاية مؤنتها ، ولحرمة خطبتها ، وعدم مشروعيّة الرّجعة .
ويستحبّ لها الحداد وترك الزّينة عند المالكيّة ، وهو الأظهر في الجديد عند الشّافعيّة ، ويباح لها الزّينة عند الحنابلة .
وأمّا المطلّقة الرّجعيّة فلها أن تتزيّن ، لأنّها حلال للزّوج لقيام نكاحها ، والرّجعة مستحبّة والتّزيّن حامل عليها ، فيكون مشروعاً ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة .
أمّا الشّافعيّة : فقد روى أبو ثور عن الشّافعيّ رحمهما الله أنّه يستحبّ لها الإحداد ، وحيث كان كذلك فلا يستحبّ لها التّزيّن . ومنهم من قال : الأولى أن تتزيّن ممّا يدعو الزّوج إلى رجعتها . وتفصيله في مصطلح : ( إحداد ، عدّة ) .
الجراحة لأجل التّزيّن :
أوّلاً - تثقيب الأذن :
18 - جمهور الفقهاء على أنّ تثقيب أذن الصّغيرة لتعليق القرط جائز ، فقد كان النّاس يفعلونه في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من غير إنكار ، فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى يوم العيد ركعتين ، لم يُصَلِّ قبلهما ولا بعدهما ، ثمّ أتى النّساء - ومعه بلال - فأمرهنّ بالصّدقة ، فجعلت المرأة تُلْقي قرطها » .
ونقل عميرة عن الغزاليّ الحرمة ، لأنّه جرح لم تدع إليه ضرورة إلاّ أن يثبت فيه شيء من جهة الشّرع ، ولم يبلغنا ذلك . قال عميرة : واعترض بحديث أمّ زرع الّذي فيه : « وأناس من حليّ أذنيّ » لقوله صلى الله عليه وسلم : « كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع » .
واتّفقوا على كراهة ذلك في الصّبيّ .
ثانياً - الوشم والوشر :
19 - ومن أنواع الجراحة أيضاً من أجل التّزيّن : ما اعتاده بعض النّاس من الوشم والوشر الواردين في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :
« لعن اللّه الواشمات ، والمستوشمات والنّامصات والمتنمّصات ، والمتفلّجات للحسن المغيّرات خلق اللّه » ، وفي رواية : « نهى عن الواشرة » .
قال القرطبيّ : هذه الأمور محرّمة ، نصّت الأحاديث على لعن فاعلها ، ولأنّها من باب التّدليس ، وقيل : من باب تغيير خلق اللّه تعالى .
ففي الآية : { وَلآَمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ } .
قال ابن عابدين : النّهي عن النّمص أي نتف الشّعر محمول على ما إذا فعلته لتتزيّن للأجانب ، وإلاّ فلو كان في وجهها شعر ينفر زوجها بسببه ، ففي تحريم إزالته بُعد ، لأنّ الزّينة للنّساء مطلوبة ، ثمّ قال : إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالته ، بل تستحبّ .
ولا بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنّث .
وصرّح المالكيّة بأنّه لا بأس بإزالة شعر الجسد في حقّ الرّجال ، أمّا النّساء فيجب عليهنّ إزالة ما في إزالته جمال لها - ولو شعر اللّحية إن لها لحية - وإبقاء ما في بقائه جمال . والوجوب قول الشّافعيّة أيضاً إذا أمرها الزّوج .
قال ابن قدامة : وأمّا حفّ الوجه فقال مهنّا : سألت أبا عبد اللّه عن الحفّ ؟ فقال : ليس به بأس للنّساء ، وأكرهه للرّجال . وللتّفصيل : ( ر : تحسين ) .
ثالثاً - قطع الأعضاء الزّائدة :
20 - يجوز قطع أصبع زائدة ، أو شيء آخر كسنّ زائدة إن لم يكن الغالب منه الهلاك عند الحنفيّة . ونقل القرطبيّ عن عياض : أنّ من خلق بإصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه ، لأنّه من تغيير خلق اللّه .
وقال ابن حجر في الفتح نقلاً عن الطّبريّ : لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها الّتي خلقها اللّه عليها بزيادة أو نقص التماساً للحسن ، لا للزّوج ولا لغيره ، كمن تكون مقرونة الحاجبين ، فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه ، ومن تكون لها سنّ زائدة فتقلعها ، أو طويلة فتقطع منها ، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنّتف ، ومن يكون شعرها قصيراً أو حقيراً فتطوّله أو تغزره بشعر غيرها ، فكلّ ذلك داخل في النّهي وهو من تغيير خلق اللّه تعالى .
ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضّرر والأذيّة ، كمن يكون لها سنّ زائدة أو طويلة تعيقها عن الأكل ، أو أصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها ، فيجوز ذلك ، والرّجل في هذا الأخير كالمرأة .
تزيين البيوت والأفنية :
21 - تزيين البيوت والأفنية - بتنظيفها وترتيبها - مطلوب شرعاً ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ اللّه طيّب يحبّ الطّيّب نظيف يحبّ النّظافة »
ويجوز تزيين البيوت بالدّيباج ، وتجميلها بأواني الذّهب والفضّة بلا تفاخر عند الحنفيّة .
كما أجاز المالكيّة تزويق حيطان البيوت وسقفها وخشبها وساترها بالذّهب والفضّة .
وفصّل الشّافعيّة ، فقالوا : يحلّ الإِناء المموّه بالذّهب والفضّة ، وكالإناء السّقوف والجدران ولو للكعبة والمصحف والكرسيّ والصّندوق وغير ذلك ، إن لم يحصل بالعرض على النّار شيء منه ، فإن كثر المموّه به بأن كان يحصل منه شيء بالعرض على النّار حرم .
ومحلّ الحلّ الاستدامة ، أمّا الفعل فحرام مطلقاً .
وصرّحوا بكراهة تزيين البيوت للرّجال وغيرهم حتّى مشاهد الصّلحاء والعلماء بالثّياب ، وحرمة تزيينها بالحرير والصّور لعموم الأخبار .
ويكره تزويق البيوت عند الحنابلة بالسّتور ما لم يكن لحاجة ، ويحرم عندهم تزيينها بالدّيباج والحرير وآنية الذّهب والفضّة والمموّه بها - قليلاً كان أو كثيراً - وبصور الحيوانات ، فإن كانت مزيّنةً بالنّقوش وصور شجر فلا بأس بذلك . وانظر : ( تصوير ) .
تزيين المساجد :
22 - يحرم تزيين المساجد بنقشها وتزويقها بمال الوقف عند الحنفيّة والحنابلة ، وصرّح الحنابلة بوجوب ضمان الوقف الّذي صرف فيه ، لأنّه لا مصلحة فيه .
وظاهر كلام الشّافعيّة منع صرف مال الوقف في ذلك .
ولو وقف الواقف ذلك عليهما - النّقش والتّزويق - لم يصحّ في القول الأصحّ عندهم ، أمّا إذا كان النّقش والتّزويق من مال النّاقش فيكره اتّفاقاً في الجملة إذا كان يلهي المصلّي ، كما إذا كان في المحراب وجدار القبلة ، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا ساء عملُ قوم زخرفوا مساجدَهم » .
وفيما عدا جدار الكعبة تفصيل وخلاف ينظر في بحث : ( مسجد ) .
تزيين الأضرحة :
23 - يكره تجصيص القبور والبناء عليها اتّفاقاً بين الفقهاء ، لقول جابر رضي الله عنه : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجصّص القبر ، وأن يبنى عليه » ولأنّ ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدّنيا ، وتلك منازل الآخرة ، وليست بموضع للمباهاة . وكذا يكره تطيينها عند جمهور الفقهاء ، وفي قول عند الحنفيّة جوازه . وتفصيله في بحث : ( قبر ) .
حكم بيع ما يتزيّن به :
24 - يجوز بيع ما تتزيّن به المرأة لزوجها من طيب وحنّاء وخضاب وكحل وغير ذلك ممّا أبيح استعماله ممّا يباع ويشترى ، ولا يجب على الزّوج شراؤه لها من ماله ، فإذا أراد أن تتزيّن له بذلك هيّأه لها ، لأنّه هو المريد لذلك ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، فيما عدا الطّيب ، فقد قالوا : إنّه يجب عليه من الطّيب ما تقطع به الرّائحة الكريهة لا غير . أمّا المالكيّة فقد قالوا : يفرض لها ذلك على الزّوج إن تضرّرت بتركه وكان معتاداً لها .
الاستئجار للتّزيّن :
25 - الأصل إباحة إجارة كلّ عين يمكن أن ينتفع بها منفعةً مباحةً مع بقائها ، ولهذا صرّح الشّافعيّة والحنابلة بجواز الثّياب والحليّ للتّزيّن ، فإنّ النّفقة بهما مباحة مقصودة مع بقاء عينها ، والزّينة من المقاصد المشروعة ، قال اللّه تعالى : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِه } . وجواز إجارة حليّ الذّهب والفضّة بغير جنسه محلّ اتّفاق بينهم ، وتردّد أحمد فيما إذا كانت الأجرة من جنسها ، وروي عنه جوازه مطلقاً .
أمّا الحنفيّة فقد صرّحوا بفساد إجارة مثل الثّياب والأواني للتّزيّن حيث قالوا : لو استأجر ثياباً أو أواني ليتجمّل بها أو دابّةً ليجنيها بين يديه أو داراً لا ليسكنها ... فالإجارة فاسدة في الكلّ ولا أجر له ، لأنّها منفعة غير مقصودة من العين .
ويجوز إجارة الألبسة للّبس ، والأسلحة للجهاد ، والخيام للسّكن وأمثالها إلى مدّة معيّنة مقابل بدل معلوم ، والحليّ كاللّباس عندهم .
وكره المالكيّة إجارة الحليّ ، لأنّه ليس من شأن النّاس ، وقالوا : الأولى إعارته لأنّها من المعروف . هذا ، وصرّح الحنفيّة والشّافعيّة بجواز استئجار الماشطة لتزيّن العروس وغيرها إن ذكر العمل أو المدّة ، والجواز مفهوم من قواعد المذاهب الأخرى أيضاً ، لأنّ أصل التّزيّن مشروع ، والإجارة على المنافع المشروعة صحيحة .
حكم إعارة ما يتزيّن به :
26 - يجوز عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إعارة كلّ عين ينتفع بها منفعةً مباحةً - مع بقائها على الدّوام من غير استهلاك بالتّجمّل والتّزيّن - كالنّقدين والحليّ ومنه القلائد وغيرها . فعن عائشة رضي الله عنها قالت : « هلكت قِلادة لأسماء ، فبعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالاً ، فحضرت الصّلاة وليسوا على وضوء ، ولم يجدوا ماءً فصلّوا وهم على غير وضوء ، فذكروا ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل اللّه آية التّيمّم » .
زاد ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها « استعارت من أسماء » يعني أنّها استعارت من أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها القلادة المذكورة .

تساقط *
انظر : تهاتر .

تسامع *
التّعريف :
1 - التّسامع : مصدر تسامع النّاس ، وهو ما حصل من العلم بالتّواتر أو بالشّهرة أو غير ذلك ، يقال : تسامع به النّاس أي اشتهر عندهم ، وسمعه بعضهم من بعض ، وتسامع النّاس بفلان : شاع بينهم عيبه . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ الأوّل .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإفشاء :
2 - الإفشاء : نشر الخبر ، سرّاً كان أو جهراً ، ببثّه بين النّاس .
ب - الإعلام :
3 - الإعلام : إيصال الخبر إلى شخص أو طائفة من النّاس ، سواء أكان ذلك بالإعلان ، أم بالتّحديث من غير إعلان .
ج - الإعلان :
4 - الإعلان : المجاهرة بالقول أو الفعل ، ويلاحظ فيه قصد الشّيوع والانتشار .
د - الإشهار :
5 - الإشهار : مصدر أشهر ، والشّهر مصدر شهر الشّيء ، وكلاهما في اللّغة والاصطلاح بمعنى الإعلان والإظهار .
هـ – السّمع :
6 - السّمع : قوّة في الأذن بها تدرك الأصوات ، ويستعمل أيضاً بمعنى المسموع ، وبمعنى الذِّكر .
الحكم الإجماليّ :
7 - اتّفق الفقهاء على جواز الشّهادة بالتّسامع في ستّة أشياء هي : العتق ، والنّسب ، والموت ، والنّكاح ، والولاء ، والوقف .
8- وزاد الحنفيّة على السّتّة : المهر - على الأصحّ - والدّخول بزوجته ، وولاية القاضي ، ومن في يده شيء - سوى رقيق لم يعلم رقّه ويعبّر عن نفسه . وفي عدّ الأخير منها نظر ذكره في الفتح والبحر .
9- وزاد المالكيّة على السّتّة : الشّهادة بملك الشّيء من عقار أو غيره لحائز له - وتقدّم بيّنة البتّ بالملك على بيّنة السّماع ، إلاّ أن تشهد بيّنة السّماع بنقل الملك - وعزل قاض ، وتعديل وتجريح لبيّنة ، وإسلام وكفر لشخص معيّن ، ورشد ، وسفه لمعيّن ، وفي النّكاح اشترطوا : ادّعاء الحيّ منهما على الميّت ليرثه ، أو ادّعاء أحد الزّوجين الحيّين ولم ينكر الآخر ، وكانت الزّوجة في عصمته . وأمّا لو ادّعاه أحدهما وأنكره الآخر فلا يثبت به النّكاح ، وفي الطّلاق - وإن بخلع - يثبت بالسّماع الطّلاق لا دفع العوض ، وبضرر زوج لزوجته - نحو : لم نزل نسمع عن الثّقات وغيرهم أنّه يضارّها فيطلّقها عليه الحاكم - وبالولادة لإثبات أنّها أمّ ولد ، أو لخروج من عدّة ، وبالرّضاع ، والحرابة ، والإباق ، والأسر ، والفقد ، والصّدقة ، والهبة ، واللّوث - نحو : لم نزل نسمع بأنّ فلاناً قتل فلاناً ، فتكون الشّهادة لوثاً تسوّغ للوليّ القسامة - والبيع ، والقسمة ، والوصيّة ، والعسر واليسر .
قال الدّسوقيّ : فجملة المسائل الّتي تقبل فيها شهادة السّماع ثلاثون مسألةً .
10 - وزاد الشّافعيّة على السّتّة : الملك في الأصحّ عندهم ، وتنبني الشّهادة فيه على ثلاثة أمور : اليد والتّصرّف والتّسامع .
11 - وأمّا الحنابلة فقد زادوا على السّتّة : الملك المطلق ، والولادة ، والطّلاق ، والخلع ، وأصل الوقف وشرطه ، ومصرفه ، والعزل ، وهذه الأنواع عند الحنابلة على سبيل الحصر كما في المغني والفروع .
أمّا صاحب الإقناع وشرح المنتهى بعد أن ذكرها فقد قالا : وما أشبه ذلك .
12 - واشترط الحنفيّة لجواز الشّهادة بما ذكر أن يحصل علم الشّاهد بهذه الأشياء عن خبر جماعة لا يتصوّر تواطؤهم على الكذب ، ولو بلا شرط عدالة ، أو شهادة عدلين . أمّا في الموت فيكفي العدل ولو أنثى وهو المختار ، وقيّده شارح الوهبانيّة بأن لا يكون المخبر متّهماً كوارث وموصًى له ، ولو فسّر الشّاهد للقاضي أنّ شهادته بالتّسامع ردّت على الصّحيح إلاّ في الوقف والموت إذا فسّرا ، وقالا فيه بأخبرنا من نثق به فتقبل على الأصحّ . وقال في الهداية بعد أن ذكر ما يجوز الشّهادة فيه بالتّسامع : يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به - وهذا استحسان - ووجهه أنّ هذه أمور تختصّ بالمعاينة ، وتتعلّق بها أحكام تبقى على انقضاء القرون ، فلو لم تقبل فيها الشّهادة بالتّسامع أدّى إلى الحرج وتعطيل الأحكام ، وإنّما يجوز للشّاهد أن يشهد بالاشتهار ، وذلك بالتّواتر ، أو بإخبار من يثق به ، ويشترط أن يخبره رجلان عدلان ، أو رجل وامرأتان ليحصل له نوع علم ، وقيل : في الموت يكتفى بإخبار واحد أو واحدة .
13 - والشّافعيّة قالوا : إنّ شرط التّسامع ليستند إليه في الشّهادة هو سماع المشهود به من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب ، ويحصل الظّنّ القويّ بصدقهم ، بشرط أن يكونوا مكلّفين ، ولا يشترط فيهم حرّيّة ولا ذكورة ولا عدالة ، وقيل : يكفي التّسامع من عدلين إذا سكن القلب لخبرهما .
14 - وعند الحنابلة : تجوز الشّهادة بالتّسامع فيما تظاهرت به الأخبار ، واستقرّت معرفته في قلب الشّاهد ، وهو ما يعلم بالاستفاضة . والتّفصيل لما سبق في مصطلح ( شهادة ) .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:21 PM

تسبّب *
انظر : سبب .

تسبيح *
التّعريف :
1 - من معاني التّسبيح في اللّغة : التّنزيه . تقول : سبّحت اللّه تسبيحاً : أي نزّهته تنزيهاً. ويكون بمعنى الذّكر والصّلاة . يقال : فلان يسبّح اللّه : أي يذكره بأسمائه نحو سبحان اللّه . وهو يسبّح أي يصلّي السّبحة وهي النّافلة . وسمّيت الصّلاة ذِكْراً لاشتمالها عليه ، ومنه قوله تعالى : { فَسُبحَانَ اللّهِ حينَ تُمْسُونَ وحينَ تُصْبِحون } أي اذكروا اللّه . ويكون بمعنى التّحميد نحو { سُبْحَانَ الّذي سَخَّرَ لنا هذا } وسبحان ربّي العظيم . أي الحمد للّه .
ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن هذه المعاني ، فقد عرّفه الجرجانيّ بأنّه : تنزيه الحقّ عن نقائص الإِمكان والحدوث .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الذِّكْر :
2 - الذّكر من معانيه في اللّغة : الصّلاة للّه والدّعاء إليه والثّناء عليه .
ففي الحديث : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَه أمر صلّى » .
وفي اصطلاح الفقهاء قول سيق لثناء أو دعاء وقد يستعمل شرعاً لكلّ قول يثاب قائله ، فالذّكر شامل للدّعاء فهو أعمّ من التّسبيح .
ب - التّهليل :
3 - هو قول لا إله إلاّ اللّه : يقال : هلّل الرّجل أي من الهيللة ، من قول لا إله إلاّ اللّه .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن هذا . فالتّسبيح أعمّ من التّهليل ، لأنّ التّسبيح تنزيه اللّه عزّ وجلّ عن كلّ نقص . أمّا التّهليل فهو تنزيهه عن الشّريك .
ج - التّقديس :
4 - من معانيه في اللّغة تنزيه اللّه عزّ وجلّ عن كلّ ما لا يليق به .
والتّقديس : التّطهير والتّبريك . وتقدّس أي تطهّر ، وفي التّنزيل { ونحنُ نُسبِّحُ بِحَمْدك وَنُقدِّسُ لك } قال الزّجّاج : معنى نقدّس لك : أي نطهّر أنفسنا لك ، وكذلك نفعل بمن أطاعك ، والأرض المقدّسة أي المطهّرة . ومعناه الاصطلاحيّ لا يخرج عن هذا .
والتّقديس أخصّ من التّسبيح ، لأنّه تنزيه مع تبريك وتطهير .
حكمة مشروعيّة التّسبيح :
5 - حكمة التّسبيح استحضار العبد عظمة الخالق ، ليمتلئ قلبه هيبةً فيخشع ولا يغيب ، فينبغي أن يكون ذلك هو مقصود الذّاكر ، سواء أكان في الصّلاة أم في غيرها ، فيحرص على تحصيله ، ويتدبّر ما يذكر ، ويتعقّل معناه ، فالتّدبّر في الذّكر مطلوب ، كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود ، ولأنّه يوقظ القلب ، فيجمع همّه إلى الفكر ، ويصرف سمعه إليه ، ويطرد النّوم ، ويزيد النّشاط .
آداب التّسبيح :
6 - آدابه كثيرة : منها أنّه ينبغي أن يكون الذّاكر المسبّح على أكمل الصّفات ، فإن كان جالساً في موضع استقبل القبلة ، وجلس متذلّلاً متخشّعاً بسكينة ووقار مطرقاً رأسه ، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقّه . لكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل ، والدّليل على عدم الكراهة قول اللّه تبارك وتعالى : { إنَّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأرضِ واخْتِلافِ اللّيلِ والنّهارِ لآياتٍ لأولي الألبابِ الّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِيَامَاً وَقُعُودَاً وعلى جُنُوبهم وَيَتَفَكَّرونَ في خَلْقِ السَّمواتِ والأرضِ } .
وجاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : إنّي لأقرأ حزبي ، وأنا مضطجعة على السّرير . وصيغه كثيرة ، منها ما ينبغي أن يكون كما وردت به السّنّة ، كما هو الحال في تسبيحات الرّكوع والسّجود ودبر الصّلوات .
ومنها ما هو مستحبّ ، وهو ما كان في غير ذلك كالتّسبيحات ليلاً ونهارًا .
حكمه التّكليفيّ :
7 - يختلف الحكم التّكليفيّ للتّسبيح بحسب موضعه وسببه على التّفصيل الآتي :
التّسبيح على طهر :
8 - أجمع العلماء على جواز الذّكر بالقلب واللّسان للمحدث والجنب والحائض والنّفساء ، وذلك في التّسبيح والتّهليل والتّحميد والتّكبير والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم والدّعاء وغير ذلك . فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يذكر اللّه على كلّ أحيانه » . على أنّ ذكر اللّه على طهارة سواء أكان تسبيحاً أم غيره ، أولى وأفضل لحديث : « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سلّم عليه أحد الصّحابة فلم يردّ عليه ، حتّى تيمّم فردّ السّلام ، ثمّ قال : كرهت أن أذكر اللّه إلاّ على طهر » .
التّوسّط في رفع الصّوت في التّسبيح :
9- التّوسّط في رفع الصّوت في التّسبيح وغيره مستحبّ عند عامّة الفقهاء ، لقوله تعالى : { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بها وابْتَغ بينَ ذلك سَبِيلاً } وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يفعله . فعن أبي قتادة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج ليلةً فإذا هو بأبي بكر رضي الله عنه يصلّي يخفض من صوته . قال : ومرّ بعمر رضي الله عنه وهو يصلّي رافعاً صوته قال : فلمّا اجتمعا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تحفض صوتك ؟ قال : قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول اللّه . قال : فارفع قليلاً وقال لعمر : مررت بك وأنت تصلّي رافعاً صوتك ؟ فقال : يا رسول اللّه : أوقظ الوسنان وأطرد الشّيطان . قال : اخفض من صوتك شيئاً » .
وقال أبو سعيد رضي الله عنه « اعتكف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فسمعهم يجهرون بالقراءة ، فكشف السّتر وقال : ألا إنّ كلّكم مناج ربّه ، فلا يؤذينّ بعضكم بعضاً ، ولا يرفعْ بعضكم على بعض في القراءة ، أو قال في الصّلاة » . والمراد بالتّوسّط أن يزيد على أدنى ما يسمع نفسه من غير أن تبلغ تلك الزّيادة سماع من يليه .
ما يجوز به التّسبيح :
10 - أجاز الفقهاء التّسبيح باليد والحصى والمسابح خارج الصّلاة ، كعدّه بقلبه أو بغمزه أنامله . أمّا في الصّلاة ، فإنّه يكره لأنّه ليس من أعمالها . وعن أبي يوسف ومحمّد : أنّه لا بأس بذلك في الفرائض والنّوافل جميعاً مراعاةً لسنّة القراءة والعمل بما جاءت به السّنّة . فعن « سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه أنّه دخل مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على امرأة ، وبين يديها نوًى أو حصًى تسبّح به ، فقال : أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل . فقال : سبحان اللّه عدد ما خلق في السّماء ، وسبحان اللّه عدد ما خلق في الأرض ، وسبحان اللّه عدد ما بين ذلك ، وسبحان اللّه عدد ما هو خالق ، والحمد للّه مثل ذلك ، واللّه أكبر مثل ذلك ، ولا إله إلاّ اللّه مثل ذلك ، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه مثل ذلك » فلم ينهها عن ذلك ، وإنّما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل ، ولو كان مكروهاً لبيّن لها ذلك . وعن بسيرة الصّحابيّة المهاجرة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمرهنّ أن يراعين بالتّكبير والتّقديس والتّهليل ، وأن يعقدن بالأنامل فإنّهنّ مسئولات مستنطقات » . وعن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعقد التّسبيح » وفي رواية « بيمينه » .
ونقل الطّحطاويّ عن ابن حجر قوله : الرّوايات بالتّسبيح بالنّوى والحصى كثيرة عن الصّحابة في بعض أمّهات المؤمنين ، بل رأى ذلك صلى الله عليه وسلم وأقرّ عليه . وعقد التّسبيح بالأنامل أفضل من السّبحة ، وقيل : إن أمن الغلط فهو أولى ، وإلاّ فهي أولى .
أوقاته وما يستحبّ منها :
11 - ليس للذّكر - ومنه التّسبيح - وقت معيّن ، بل هو مشروع في كلّ الأوقات . روي عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يذكر اللّه على كلّ أحيانه » . وفي قوله تعالى : { الّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِيَامَاً وَقُعُودَاً وعلى جُنُوبِهمْ } ما يدلّ على استحباب الذّكر في جميع الأحوال الّتي يكون عليها الإنسان من يومه وليله .
إلاّ أنّ أحوالاً منها ورد الشّرع باستثنائها : كالخلاء عند قضاء الحاجة ، وفي حالة الجماع ، وفي حالة الخطبة لمن يسمع صوت الخطيب ، وفي الأماكن المستقذرة والدّنسة ، وما أشبه ذلك ممّا يكره الذّكر معه . ولكن ورد في بعض الأخبار استحباب التّسبيح في أوقات خاصّة ، من ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال :
« من سبّح اللّه في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين ، وحمد اللّه ثلاثاً وثلاثين ، وكبّر اللّه ثلاثاً وثلاثين ، فتلك تسعة وتسعون ، وقال تمام المائة : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كلّ شيء قدير ، غفرت خطاياه ، وإن كانت مثل زبد البحر » ويستحبّ التّسبيح في الإصباح والإمساء ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من قال حين يصبح وحين يمسي : سبحان اللّه وبحمده مائة مرّة ، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل ممّا جاء به ، إلاّ أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه » وفي رواية أبي داود « سبحان اللّه العظيم وبحمده » . ويستحبّ التّسبيح ونحوه عند الكسوف والخسوف ، لما روي عن عبد الرّحمن بن سمرة رضي الله عنه قال : « أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد كسفت الشّمس وهو قائم في الصّلاة رافع يديه ، فجعل يسبّح ويهلّل ويكبّر ويحمد ويدعو حتّى حسر عنها . فلمّا حسر عنها قرأ سورتين وصلّى ركعتين » .
التّسبيح في افتتاح الصّلاة :
12 - هو سنّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
أمّا المالكيّة فإنّهم لا يرونه ، بل كرهوه في افتتاحها .
واستدلّ الجمهور بما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا قمتم إلى الصّلاة فارفعوا أيديكم ، ولا تخالف آذانكم ، ثمّ قولوا : اللّه أكبر ، سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالى جدّك ، ولا إله غيرك » .
وبما روت عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصّلاة قال : سبحانك اللّهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك » .
واستدلّ المالكيّة بما روي عن « أنس رضي الله عنه قال : صلّيت خلف النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، وكانوا يستفتحون بالحمد للّه ربّ العالمين » .
ولم يذكروا التّسبيح في افتتاح الصّلاة لا من الفرائض ولا من السّنن .
التّسبيح في الرّكوع :
13 - التّسبيح في الرّكوع سنّة عند الحنفيّة في المشهور ، وقيل واجب . ومستحبّ عند الشّافعيّة ، ومندوب عند المالكيّة . وواجب عند الحنابلة بتسبيحة واحدة ، والسّنّة الثّلاث . وأقلّ المسنون عند الحنفيّة والحنابلة . والمستحبّ عند الشّافعيّة : ثلاث تسبيحات . لما رواه ابن مسعود رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : إذا ركع أحدكم فقال : سبحان ربّي العظيم ثلاثاً ، فقد تمّ ركوعه ، وذلك أدناه »
وأمّا المالكيّة فقد نصّوا على أنّه يندب التّسبيح بأيّ لفظ كان بركوع وسجود .
ونصّ ابن جزيّ على أنّه يستحبّ في الرّكوع سبحان ربّي العظيم ثلاث مرّات .
ودليله ما ورد أنّه « لمّا نزل قول اللّه تبارك وتعالى : { فسبّحْ باسْمِ ربِّكَ العظيم } قال صلى الله عليه وسلم : اجعلوها في ركوعكم » والتّسبيح فيه لا يتحدّد بعدد ، بحيث إذا نقص عنه يفوته الثّواب ، بل إذا سبّح مرّةً يحصل له الثّواب ، وإن كان يزاد الثّواب بزيادته .
والزّيادة على هذه التّسبيحات أفضل إلى خمس أو سبع أو تسع بطريق الاستحباب عند الحنفيّة . وفي منية المصلّي : أدناه ثلاث ، وأوسطه خمس ، وأكمله سبع .
وأدنى الكمال عند الشّافعيّة في التّسبيح ثلاث ثمّ خمس ثمّ سبع ثمّ تسع ثمّ إحدى عشرة وهو الأكمل . وهذا للمنفرد ولإمام قوم محصورين رضوا بالتّطويل .
أمّا غيره فيقتصر على الثّلاث ، ولا يزيد عليها للتّخفيف على المقتدين .
ويزيد المنفرد وإمام قوم محصورين على ذلك : اللّهمّ لك ركعت ، وبك آمنت إلخ .
قال في الرّوضة : وهذا مع الثّلاث أفضل من مجرّد أكمل التّسبيح .
والزّيادة على التّسبيحة الواحدة مستحبّة عند الحنابلة ، فأعلى الكمال في حقّ الإمام يزاد إلى عشر تسبيحات ، لما روي عن « أنس رضي الله عنه أنّه قال : ما رأيت أحداً أشبه صلاةً بصلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات » . وقال أحمد : جاء عن الحسن أنّ التّسبيح التّامّ سبع ، والوسط خمس ، وأدناه ثلاث . وأعلى التّسبيح في حقّ المنفرد العرف ، وقيل : ما لم يخف سهواً ، وقيل : بقدر قيامه ، وقيل : سبع .
التّسبيح في السّجود :
14 - يقال في السّجود ما قيل في الرّكوع ، من حيث الصّفة والعدد والاختلاف في ذلك . فالتّسبيح في السّجود سنّة عند الحنفيّة في المشهور ، وقيل واجب . ومندوب عند المالكيّة . ومستحبّ عند الشّافعيّة . وواجب عند الحنابلة في أقلّه ، وهو الواحدة ، وسنّة في الثّلاث ، كما في الرّكوع . ولا خلاف إلاّ في أنّ تسبيح السّجود أن يقول : سبحان ربّي الأعلى ، أمّا في الرّكوع فيقول : سبحان ربّي العظيم .
تسبيح المقتدي تنبيهاً للإمام :
15 - لو عرض للإمام شيء في صلاته سهواً منه كان للمأموم تنبيهه بالتّسبيح استحباباً ، إن كان رجلاً ، وبالتّصفيق إن كانت أنثى عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
لحديث : « إنّما التّصفيقُ للنّساء ، ومن نَابَه شيء في صلاته فلْيقُلْ سبحان اللّه » .
وأمّا المالكيّة فكرهوا للمرأة التّصفيق في الصّلاة مطلقاً ، وقالوا : إنّها تسبّح لعموم حديث : « من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان اللّه » ووجه الاستدلال أنّ ( من ) من ألفاظ العموم فيشمل النّساء .
تنبيه المصلّي غيره بالتّسبيح :
16 - إذا أتى المصلّي بذكر مشروع يقصد به تنبيه غيره إلى أنّه في صلاة ، كأن يستأذن عليه إنسان يريد الدّخول وهو في الصّلاة ، أو يخشى المصلّي على إنسان الوقوع في بئر أو هلكة ، أو يخشى أن يتلف شيئاً ، كان للمصلّي استحباباً أن يسبّح تنبيهاً له ، وتصفّق المرأة على الخلاف السّابق بيانه . للحديث المذكور آنفاً ، ولقوله عليه الصلاة والسلام « من نابه شيء في صلاته فليقل : سبحان اللّه ، فإنّه لا يسمعه أحد يقول سبحان اللّه إلاّ التفت »
وفي المسند عن عليّ رضي الله عنه : « كان لي من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ساعة آتيه فيها فإذا أتيته استأذنته إن وجدته يصلّي فسبّح دخلت ، وإن وجدته فارغاً أذن لي » .
وعند الحنيفة تبطل الصّلاة إذا محّض التّسبيح للإعلام ، أو قصد به التّعجّب أو نحو ذلك .. ومذهب الشّافعيّة أنّ التّسبيحات في الصّلاة " لا تضرّ إلاّ ما كان فيه خطاب لمخلوق غير رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
ومذهب المالكيّة والحنابلة أنّ كلّ ذلك لا يؤثّر في صحّة الصّلاة .
التّسبيح أثناء الخطبة :
17 - قال الحنفيّة بكراهة التّسبيح لمستمع الخطبة ، لأنّه يشغله عن سماعها .
فإن كان بعيداً عن الخطيب ولا يسمعه فلا بأس به سرّاً عند بعض الحنفيّة ، والمعتمد في المذهب المنع مطلقاً للقريب والبعيد السّامع وغيره .
وعند المالكيّة يجوز الذّكر - على أنّه خلاف الأولى على المعتمد عندهم - من تسبيح وتهليل وغير ذلك ، إن كان قليلاً وبالسّرّ ، ويحرم الكثير مطلقاً ، كما يحرم القليل إذا كان جهراً . والشّافعيّة والحنابلة لم يتعرّضوا للتّسبيح بخصوصه ، لكن تعرّضوا للذّكر أثناء الخطبة ، فقالوا : الأولى لغير السّامع للخطبة أن يشتغل بالتّلاوة والذّكر . وأمّا السّامع فلا يشتغل بشيء من ذلك إلاّ بالصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا سمع ذكره .
التّسبيح في افتتاح صلاة العيدين وبين تكبيرات الزّوائد فيها :
18 - الثّناء عقب تكبيرة الافتتاح في صلاة العيدين سنّة عند الحنفيّة والحنابلة ، مستحبّ عند الشّافعيّة ، وهو كما في افتتاح الصّلاة على نحو ما سبق بيانه .
والتّسبيح بين التّكبيرات الزّوائد في صلاة العيدين سنّة كذلك عند الحنفيّة والحنابلة ومستحبّ عند الشّافعيّة ، ولا يقول به المالكيّة ، بل كرهوه ، أو أنّه خلاف الأولى عندهم ، فلا يفصل الإمام بين آحاده إلاّ بقدر تكبير المؤتمّ ، بلا قول من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير .
وليس فيه عند الحنفيّة ذكر مسنون بين هذه التّكبيرات ، ولا بأس بأن يقول : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر . وهو أولى من السّكوت ، كما في القهستانيّ .
وعند الشّافعيّة : يذكر اللّه بين كلّ تكبيرتين بالمأثور ، وهو عند الأكثرين منهم : سبحان اللّه ، والحمد للّه ، ولا إله إلاّ اللّه ، واللّه أكبر . ويجوز عند الحنابلة أن يقول بين كلّ تكبيرتين من هذه التّكبيرات : اللّه أكبر كبيراً ، والحمد للّه كثيراً ، وسبحان اللّه بكرةً وأصيلاً ، وصلّى اللّه على محمّد النّبيّ وآله وسلّم تسليماً كثيراً ، لقول عقبة بن عامر سألت ابن مسعود رضي الله عنه ممّا يقوله بين تكبيرات العيد فقال : يحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم رواه الأثرم وحرب واحتجّ به أحمد .
التّسبيح للإعلام بالصّلاة :
19 - اختلف في تسبيح المؤذّنين للإعلام بالصّلاة بين كونه بدعةً حسنةً ، أو مكروهةً على خلاف سبق في مصطلح : ( أذان ) .
صلاة التّسبيح :
20 - ورد في صلاة التّسبيح حديث اختلف في صحّته .
وللفقهاء خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح ( صلاة التّسبيح ) .
أماكن ينهى عن التّسبيح فيها :
21 - لمّا كان التّسبيح نوعاً من الذّكر ، وهو مكروه في الأماكن التّالية ، كان التّسبيح مكروهاً كذلك فيها ، لأنّ النّهي عن العامّ نهي عن الخاصّ ، وذلك تنزيهاً لاسم اللّه عن الذّكر في هذه الأماكن المستقذرة طبعاً . فيكره التّسبيح وغيره من الذّكر في الخلاء عند قضاء الحاجة ، وفي مواضع النّجاسات والقاذورات ، والمواضع الدّنسة بنجاسة أو قذارة ، وعند الجماع ، وفي الحمّام والمغتسل ، وما أشبه ذلك متى كان باللّسان . أمّا بالقلب فقط فإنّه لا يكره . وما لم تكن هناك ضرورة له كإنقاذ أعمى من الوقوع في بئر أو غيره ، أو تحذير معصوم من هلكة كغافل أو ما أشبه ذلك . والأولى التّحذير بغير التّسبيح والذّكر في مثل هذه الحالات . كما يكره الذّكر - ومنه التّسبيح - لمن يسمع صوت الخطيب في الجمعة لما تقدّم.
التّعجّب بلفظ التّسبيح :
22 - يجوز التّعجّب بلفظ التّسبيح . ففي الصّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لقي أبا هريرة ، وأبو هريرة جنب ، فانسلّ ، فذهب فاغتسل ، فتفقّده النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلمّا جاء قال : أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال : يا رسول اللّه لقيتني وأنا جنب ، فكرهت أن أجالسك حتّى أغتسل . فقال : سبحان اللّه ! ، إنّ المؤمن لا ينجس » . وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه « أنّ أخت الرّبيّع أمّ حارثة جرحت إنساناً ، فاختصموا إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : القصاص القصاص فقالت أمّ الرّبيّع : يا رسول اللّه أتقتصّ من فلانة ؟ واللّه لا يُقْتَصُّ منها . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : القصاص كتاب اللّه . سبحان اللّه يا أمّ الرّبيّع ! » .
التّسبيح أمام الجنازة :
23 - يكره عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لمشيّع الجنازة رفع صوته بالذّكر والتّسبيح ، لأنّه من البدع المنكرات ، ولا كراهة في ذلك لو كان في نفسه سرّاً ، بحيث يسمع نفسه ، ويستحبّ له أن يشغل نفسه بذكر اللّه والتّفكير فيما يلقاه الميّت ، وأنّ هذا عاقبة أهل الدّنيا . ويتجنّب ذكر ما لا فائدة فيه من الكلام ، فعن قيس بن عبادة رضي الله عنه أنّه قال : « كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصّوت عند الجنائز ، وعند القتال ، وعند الذّكر » ، ولأنّه تشبّه بأهل الكتاب فكان مكروهاً .
التّسبيح عند الرّعد :
24 - التّسبيح عند الرّعد مستحبّ عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، فيقول سامعه عند سماعه : سبحان من يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته ، اللّهمّ لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا من قبل ذلك . فقد روى مالك في الموطّأ عن عبد اللّه بن الزّبير رضي الله عنهما « أنّه كان إذا سمع الرّعد ترك الحديث وقال : سبحان الّذي يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته » ، وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : « كنّا مع عمر رضي الله عنه في سفر ، فأصابنا رعد وبرق وبرد ، فقال لنا كعب رضي الله عنه : من قال حين يسمع الرّعد : سبحان من يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته - ثلاثاً - عوفي من ذلك الرّعد ، فقلنا فعوفينا » .
قطع التّسبيح :
25 - الفقهاء متّفقون على أنّ المسبِّح وغيره من الذّاكرين ، أو التّالين لكتاب اللّه ، إذا سمعوا المؤذّن - وهو يؤذّن أذاناً مسنوناً - يقطعون تسبيحهم ، وذكرهم وتلاوتهم ، ويجيبون المؤذّن . وهو مندوب عند الجمهور . وهناك قول عند الحنفيّة بالوجوب .
ثواب التّسبيح :
26 - ثواب التّسبيح عظيم ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من قال سبحان اللّه وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّتْ خطاياه ، ولو كانت مثل زبد البحر » وفي الباب أحاديث كثيرة .

تسبيل *
التّعريف :
1 - من معاني التّسبيل لغةً واصطلاحاً جعل الشّيء في سبيل اللّه . يقال : سبّل فلان ضيعته تسبيلاً : أي جعلها في سبيل اللّه ، وسبّلتُ الثّمرة : حملتها في سبيل الخير وأنواع البرّ . وفي حديث وقْفِ عمر رضي الله عنه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إن شئتَ حبستَ أصلها وتصدّقت بها » أي : اجعلها وقفاً وأَبِحْ ثمرتها لمن وقفتها عليه . وسبّلتَ الشّيء : إذا أبحته ، كأنّك جعلت إليه طريقاً مطروقةً . وسبيل اللّه عامّ يقع على كلّ عمل خالص سلك به طريق التّقرّب إلى اللّه تعالى بأداء الفرائص والنّوافل وأنواع التّطوّعات ، وقد يطلق السّبيل على حوض الماء المباح للواردين .
وفي النّظم المستعذب في شرح غريب المهذّب تسبيل الثّمرة : أن يجعل الواقف لها سبيلاً : أي طريقاً لمصرفها . وفي كشّاف القناع : تسبيل المنفعة : أي إطلاق فوائد العين الموقوفة من غلّة وثمرة وغيرها للجهة المعيّنة تقرّباً إلى اللّه تعالى .
ويطلق التّسبيل أيضاً - اصطلاحاً - على الوقف ، يقال : سبّلت الدّار أي وقفتها .
فالتّسبيل من ألفاظ الوقف الصّريحة عند الشّافعيّة والحنابلة ، بأن يقول الواقف : سبّلت داري لسكنى فقراء بلدة كذا وساكنيها .
فلفظ التّسبيل صريح في الوقف ، لأنّه موضوع له ومعروف فيه ، وثبت له عرف الشّرع ، فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه : « إن شئت حبست أصلها وسبّلت ثمرتها » فصار هذا اللّفظ في الوقف كلفظ التّطليق في الطّلاق . وإضافة التّحبيس إلى الأصل والتّسبيل إلى الثّمرة لا يقتضي المغايرة في المعنى ، فإنّ الثّمرة محبّسة أيضاً على ما شرط صرفها إليه . وأمّا عند الحنفيّة ، لو قال الواقف : أرضي هذه للسّبيل إن تعارفوا وقفاً مؤبّداً ، كان كذلك . وإلاّ سئل فإن قال : أردت الوقف صار وقفاً ، لأنّ لفظه يحتمل ذلك ، أو قال : أردت معنى الصّدقة فهو نذر ، فيتصدّق بها أو بثمنها . وإن لم ينو كانت ميراثاً .
وأمّا المالكيّة فالّذي يظهر من كلامهم أنّ جعل الشّيء في السّبيل يقتضي التّصدّق بعينه ما لم توجد قرينة تصرفه إلى معنى وقف العين والتّصدّق بثمرتها أو منفعتها .
الحكم الإجماليّ :
2 - التّسبيل قربة مندوب إليها بالاتّفاق ، لحديث « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاثة : إلاّ من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » وقوله تعالى : { وافْعَلُوا الخَيرَ } وفعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، روى عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ « عمر رضي الله عنه أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكان قد ملك مائة سهم من خيبر فقال : قد أصبتُ مالاً لم أُصِبْ مثله ، وقد أردت أن أتقرّب به إلى اللّه تعالى ، فقال إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها » ، وقال جابر : لم يكن أحد من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلاّ وقف وتفصيله في مصطلح ( صدقة - وقف ) .

تسجيل *
انظر : توثيق .

تسرّي *
التّعريف :
1 - التّسرّي في اللّغة : اتّخاذ السّرّيّة . يقال : تسرّى الرّجل جاريته وتسرّى بها واستسرّها : إذا اتّخذها سرّيّةً ، وهي الأمة المملوكة يتّخذها سيّدها للجماع .
وهي في الأصل منسوبة إلى السّرّ بمعنى : الجماع ، غير أنّهم ضمّوا السّين تجنّباً لحصول اللّبس ، فرقاً بينها وبين السّرّيّة وهي الحرّة الّتي يتزوّجها الرّجل سرّاً . وقيل هي من السُّرّ بمعنى الإخفاء ، لأنّ الرّجال كثيراً ما كانوا يتّخذون السّراري سرّاً ، ويخفونهنّ عن زوجاتهم الحرائر . وقيل : هي من السّرّ بالضّمّ بمعنى السّرور ، وسمّيت الجارية سرّيّةً ، لأنّها موضع سرور الرّجل ، ولأنّه يجعلها في حال تَسُرّها من دون سائر جواريه .
وفي الاصطلاح : إعداد الأمة لأن تكون موطوءةً .
2 - ويتمّ التّسرّي عند الحنفيّة بأمرين : الأوّل : أن يحصن الرّجل أمته ، والثّاني : أن يجامعها . وتحصينها : بأن يبوّئها منزلاً ويمنعها من الخروج ، فلو وطئ دون تحصين لم يثبت بذلك التّسرّي ، ولو حملت منه . والجماع بأن يجامعها فعلاً ، فلو حصّنها وأعدّها للوطء لم يثبت التّسرّي بذلك ما لم يطأ فعلاً . فإذا وطئ المحصنة ثبت التّسرّي سواء أفضى بمائه إليها أم لا ، بأن لم ينزل أصلاً ، أو أنزل وعزل . وهذا قول أبي حنيفة ومحمّد . وقال أبو يوسف ، ونقل عن الشّافعيّ : لا يتمّ التّسرّي إلاّ بأن يفضي إليها بمائه ، فلو وطئ فلم ينزل ، أو أنزل وعزل ، لم يثبت التّسرّي بذلك ، ولو حلف لا يتسرّى لم يحنث بذلك .
والمقدّم عند الحنابلة أنّ التّسرّي يثبت بوطء الأمة المملوكة غير المحرّمة على واطئها ، سواء حصّنها أم لا ، أنزل أم لا . وفي قول القاضي أبي يعلى : لا يتمّ التّسرّي إلاّ بالوطء والإنزال . ولم نجد للمالكيّة نصّاً في هذه المسألة .
وسوف يكون هذا البحث على أنّ التّسرّي هو وطء الرّجل مملوكته مطلقاً ، سواء كان مع الوطء تحصين أم لم يكن ، ليكون شاملاً لكلّ ما يتعلّق بوطء الإماء بالملك ، ولأنّ ما ذكر من الخلاف عند الحنفيّة لا يظهر أثره ، إلاّ في نحو الحنث في الحلف على التّسرّي .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - النّكاح :
3 - النّكاح : هو التّزوّج بعقد . وقد يتزوّج الرّجل أمةً لغيره ينكحه إيّاها سيّدها ، ولا يسمّى ذلك تسرّياً . ولا ينكح الحرّ الأمة إلاّ إذا خاف العنت .
ب - الحَظِيّة :
4 - الحظيّة : المرأة تنال حظوةً لدى الرّجل من بين نسائه ، سواء أكانت زوجةً أم سرّيّةً .
ج - ملك اليمين :
5 - ملك اليمين أعمّ من التّسرّي ، لأنّه قد يطأ بملك اليمين بدون تسرّ ، أمّا السّرّيّة فلا بدّ أن تكون معدّةً للوطء .
حكم التّسرّي :
6 - التّسرّي جائز بالكتاب والسّنّة والإجماع إذا تمّت شروطه كما يأتي .
أمّا الكتاب ففي مواضع منها قوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتَامَى فَانْكِحُوا ما طَابَ لكم مِن النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُم ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو ما مَلَكَتْ أيمَانُكمْ ذلكَ أَدْنَى أَلاّ تَعُولُوا } وقوله { حُرِّمَتْ عليكم أُمَّهَاتُكم وبَنَاتُكم ... } إلى قوله : { وَالمُحْصَنَاتُ مِن النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أَيمانُكُم } وقوله : { والّذينَ هم لِفُروجِهم حَافِظُونَ إلاّ على أَزْوَاجِهم أو ما مَلَكَتْ أَيمَانُهم فَإِنَّهم غَيرُ مَلُومِين } قال ابن عابدين : فمن لام المتسرّي على أصل الفعل ، بمعنى : أنّك فعلت أمراً قبيحاً فهو كافر لهذه الآية ، لكن لا يكفر إن لامه على تسرّيه ، لأنّه يشقّ على زوجته أو نحو ذلك .
وأمّا السّنّة فقد { قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس لا تُوطَأُ حاملٌ حتّى تَضَعَ ، ولا غيرَ ذاتِ حَمْلٍ حتّى تحيضَ حَيْضَةً » « وأعطى حسّان بن ثابت رضي الله عنه إحدى الجواري الّتي أهداها له المقوقس ، وقال لحسّان دونَك هذه بَيِّضْ بها ولدك » .
والسّنّة الفعليّة أيضاً دالّة على جواز التّسرّي ، فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانت له سرار : قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى : { يَا أَيُّها النَّبيُّ إنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ ومَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللّهُ عَلَيكَ } قال : أي وأباح لك التّسرّي ممّا أخذت من الغنائم ، وقد ملك صفيّة وجويرية رضي الله عنهما ، فأعتقهما وتزوّجهما ، وملك ريحانة بنت شمعون النّصرانيّة ومارية القبطيّة رضي الله عنهما ، وكانتا من السّراري . أي فكان يطؤهما بملك اليمين . وكذلك الصّحابة رضي الله عنهم اتّخذوا السّراري ، فكان لعمر رضي الله عنه أمّهات أولاد أوصى لكلّ واحدة منهنّ بأربعمائة درهم ، وكان لعليّ رضي الله عنه أمّهات أولاد ، وكان عليّ بن الحسين ، والقاسم بن محمّد ، وسالم بن عبد اللّه بن عمر من أمّهات الأولاد . وروي أنّ النّاس لم يكونوا يرغبون في أمّهات الأولاد حتّى ولد هؤلاء الثّلاثة ، فرغب النّاس فيهنّ .
وأجمعت الأمّة على ذلك ، واستمرّ ذلك عند المسلمين دون نكير من أحد إلى حين انتهاء الرّقّ في العصر الحديث . وقد كثر التّسرّي في العصر الأمويّ والعصر العبّاسيّ لكثرة السّبي في الفتوح ، حتّى إنّ كثيراً من نساء الخلفاء العبّاسيّين كُنّ من السّراريّ . وكثيراً منهنّ ولدن الخلفاء . هذا وليس التّسرّي خاصّاً بالأمّة الإسلاميّة ، فقد ورد « أنّ إبراهيم عليه السلام تسرّى بهاجر الّتي وهبه إيّاها ملك مصر » ، فولدت له إسماعيل عليه السلام ، وقيل : كان لسليمان عليه السلام ثلاثمائة سرّيّة ، وكان التّسرّي في الجاهليّة أيضاً .
ملك السّيّد لأمته يبيح له وطأها دون عقد :
7 - لا يحتاج وطء السّيّد لأمته إلى إنشاء عقد زواج ، ولو عقد النّكاح لنفسه على مملوكته لم يصحّ النّكاح ، ولم تكن بذلك زوجةً . قال ابن قدامة : لأنّ ملك الرّقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع ، فلا يجتمع معه عقد أضعف منه . ولو كان الحرّ متزوّجاً بأمة ، ثمّ ملك زوجته الأمة انفسخ نكاحها منه . ولا يجوز أن يتزوّج أمةً له فيها شرك .
حكمة إباحة التّسرّي :
8 - الحكمة في ذلك - بالإضافة إلى استعفاف مالك الأمة بها - أنّ في التّسرّي تحصين الإماء لكيلا يَمِلْنَ إلى الفجور ، وثبوت نسب أولادهنّ إلى السّيّد ، وكون الأولاد أحراراً . وإذا ولدت الأمة من سيّدها تكون أمّ ولد ، فتصير حرّةً عند موته كما يأتي .
حكم السّرّيّة إذا ولدت من سيّدها :
9 - إذا ولدت السّرّيّة لسيّدها استحقّت العتق بموت سيّدها بحكم الشّرع ، وتسمّى حينئذ ( أمّ ولد ) ولا يمنع ذلك من استمرار تسرّي سيّدها بها إلى أن يموت أحدهما ، ولا تباع ، ولها أحكام خاصّة ( ر : أمّ ولد ) .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:22 PM

شروط إباحة التّسرّي :
10 - يشترط لجواز التّسرّي ما يلي :
الشّرط الأوّل : الملك . فلا يحلّ لرجل أن يطأ امرأةً في غير زواج إلاّ بأن يكون مالكاً لها ، لقوله تعالى : { والّذينَ هُمْ لِفُرُوجِهم حَافِظُونَ إلاّ على أَزْوَاجِهم أو ما مَلَكَتْ أيمانُهم فإنَّهم غيرُ مَلُومين ، فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذلكَ فأولئك هُمْ العَادُون } .
وهذا الشّرط لا يحلّ لامرأة مالكة لعبد أن يطأها عبدها بملك اليمين ، ولا يعلم في ذلك خلاف. وسواء ملك السّيّد أمته بالشّراء أو الميراث أو الهبة أو بغير ذلك من وسائل كسب الملكيّة المشروعة . أمّا إن علم أنّ الأمة مسروقة أو مغصوبة فلا تحلّ له .
هذا ، ولا يحلّ للرّجل أن يطأ جاريةً له فيها شريك ، مهما قلّت نسبة ملك ذلك الشّريك فيها . قال ابن قدامة : ولا نعلم في ذلك خلافاً . وكذا لا يحلّ وطء الأمة المبعّضة ، وهي الّتي بعضها معتق وبعضها رقيق ، لأنّ الملك في الحالين غير تامّ . ومع ذلك فإذا وطئ جاريةً له فيها شرك ، فإنّه لا يحدّ للشّبهة ، لكن يعزّر ، وإن ولدت منه لحقه النّسب .
الشّرط الثّاني : أن تكون الجارية مسلمةً أو كتابيّةً إذا كان المتسرّي مسلماً . فإن كانت مجوسيّةً أو وثنيّةً لم تحلّ لسيّدها المسلم بملك اليمين ، كما لا تحلّ له بالزّواج لو كانت حرّةً ، وهذا قول جمهور الفقهاء ، واحتجّوا بقوله تعالى : { وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حتّى يُؤْمِنَّ } .
الشّرط الثّالث : أن لا تكون ممّن يحرمن مؤبّداً أو موقّتاً ، وألاّ تكون زوجة غيره ، أو معتدّته أو مستبرأته ، ما عدا التّحريم من حيث العدد . ولمعرفة المحرّمات من غيرهنّ على التّفصيل ينظر مصطلح : ( نكاح ) . وبهذا الشّرط يعلم أنّه لا يحلّ للرّجل بملك اليمين عمّته أو خالته أو غيرهنّ من محرّمات النّسب ، ويعتقن عليه بمجرّد الشّراء . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فهو حُرٌّ » ولا تحلّ له بملك اليمين أمّه أو أخته أو خالته من الرّضاع لو ملكهنّ - وإن لم يعتقن عليه لكونهنّ من غير ذوي الأرحام - وكذا سائر من يحرم نكاحهنّ بالرّضاعة .
وإذا وطئ الرّجل امرأةً بنكاح أو ملك يمين ، حرمت عليه أمّهاتها وبناتها .
وحرمت المرأة على أبيه وابنه ، وهو تحريم الصّهر . ويشمل ذلك التّحريم النّكاح والتّسرّي.
أمّا سائر ذوي الأرحام من بنت عمّ أو بنت خال ، وسائر من يحلّ للرّجل نكاحهنّ من غير المحارم ، فيجوز إذا كنّ في ملكه أن يطأ منهنّ على سبيل التّسرّي .
التّسرّي بأختين ونحوهما :
11 - يجوز الجمع بين الأختين أو نحوهما - كالمرأة وعمّتها أو خالتها - في ملك اليمين ، لكن إن وطئ إحداهما حرمت عليه الأخرى تحريماً موقّتاً ، فلو وطئ الثّانية أثم ، وهذا قول الجمهور ، واستدلّوا بأنّ تحريم الأختين المنصوص عليه في قوله تعالى : { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الأُخْتَين } مطلق ، فيدخل فيه التّحريم بالزّواج وبملك اليمين . وعلى قول الجمهور : تحلّ له الأخرى إن حرّم الّتي وطئها بإعتاقها وبإخراجها عن ملكه ببيع أو نحوه ، أو بتزويجها ، ولا يكفي أن يستبرئها مع بقائها في ملكه . ونقل عن قتادة : يكفيه استبراؤها .
وقالوا جميعاً : فإن كانت حاملاً لم تحلّ له الأخرى حتّى تضع الحامل حملها .
الاستبراء للأمة المتملّكة :
12 - من تملّك جاريةً غير محرّمة عليه مؤقّتاً أو مؤبّداً ، لم يحلّ له وطؤها قبل استبرائها . فلا يطؤها إن كانت حاملاً حتّى تضع حملها ، وإن كانت حائلاً فحتّى تحيض عنده حيضةً كاملةً ، ليعلم براءة رحمها من الحمل . ( ر : استبراء ) .
وإن كانت آيسةً لم يلزمه استبراؤها . ويرى المالكيّة أنّه لا حاجة إلى الاستبراء إن غلب على ظنّه براءة رحمها من الحمل . ويكفي قول مالكها أنّه قد استبرأها .
عدد السّراري والقسم لهنّ :
13 - لا يتحدّد ما يحلّ للرّجل من السّراري بأربع ولا بعدد معيّن .
ولو كان عنده من الزّوجات واحدة فأكثر إلى أربع أو لم يكن جاز له أن يتسرّى بما شاء من الجواري ، لقوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُم أَلاّ تُقْسِطُوا في اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لكمْ مِن النِّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ فإنْ خِفْتُم ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ذَلك أَدْنَى ألاّ تَعُولُوا } وإذا كان عنده أكثر من سرّيّة لم يلزمه القسم بينهنّ في المبيت .
تخيّر السّراري وتحصينهنّ :
14 - يستحسن للرّجل إن أراد التّسرّي أن يتخيّر السّرّيّة ذات دين غير مائلة للفجور ، وذلك لتصون عرضه ، وأن تكون ذات جمال لأنّها أسكن لنفسه وأغضّ لبصره ، وأن تكون ذات عقل ، فيجتنب الحمقاء لأنّها لا تصلح للعشرة ، ولأنّها قد تحمل منه فينتقل ذلك إلى ولده منها . وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم « تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُم » وكلّ هذا مأخوذ من فحوى ما يذكره العلماء في تخيّر الزّوجات .
وإذا اختار السّرّيّة وجب عليه قبل وطئها - إن كان قد تملّكها في الحال - استبراؤها ، وعليه أن يحصنها بعد ذلك ، لئلاّ تلحق به ولداً ليس له .
قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه :" حصّنوا هذه الولائد ".
آثار التّسرّي :
15 - إذا ثبت التّسرّي تبعه التّحريم بالصّهر ، والمحرميّة ، ولحوق النّسب المولود ، على التّفصيل التّالي :
أوّلاً : التّحريم :
16 - إذا وطئ الرّجل امرأةً بملك اليمين حرمت عليه إلى الأبد أمّهاتها وبناتها ، وحرمت هي على آبائه وأبنائه ، لأنّ الوطء في ملك اليمين ينزل منزلة عقد النّكاح .
وحرمت عليه أختها وعمّتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها مؤقّتاً كما تقدّم .
ثانياً : المحرميّة :
17 - تثبت المحرميّة بالوطء المذكور بين الواطئ وبين أمّهات الموطوءة وبناتها ، وبين الموطوءة وآبائه وأبنائه .
نسب ولد السّرّيّة :
18 - إذا وطئ الرّجل سرّيّته فأتت بولد فللفقهاء أقوال في لحوق نسب ولدها به :
القول الأوّل : أنّه يلحقه إن أمكن أن يكون منه ، بأن أتت به تامّاً لأكثر من ستّة أشهر ولأقلّ من أكثر مدّة الحمل من يوم وطئها . وهذا قول الحنابلة والمالكيّة .
فإن أتت به لأقلّ من ستّة أشهر لم يلحقه ، لأنّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر . واستدلّوا لذلك بأنّ أمته صارت فراشاً له بالوطء ، فلحقه ولدها كولد الزّوجة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « الولد للفراش » وروي عن عمر رضي الله عنه أنّه قال : حصّنوا هذه الولائد ، فلا يطأ رجل وليدته ثمّ ينكر ولدها إلاّ ألزمته إيّاه . رواه سعيد بن منصور . وروى سعيد أيضاً أنّ عمر رضي الله عنه قال : أيّما رجل غشي أمته ثمّ ضيّعها فالضّيعة عليه والولد ولده .
ثمّ قال أصحاب هذا القول : إن نفى الولد عن نفسه مع ثبوت الوطء لم ينتف عنه ، إلاّ أن يدّعي أنّه استبرأها بعد الوطء ، وأتت بالولد بعد استبرائها ، بستّة أشهر فأكثر ، فينتفي الولد بذلك . وفي تحليفه على ذلك وجهان .
القول الثّاني : أنّه لا يلحقه ولو أقرّ بالوطء إلاّ أن يستلحقه ، ولا تصير الأمة فراشاً بالوطء إلاّ بالدّعوة ، أي استلحاق نسب المولود . ثمّ إذا استلحق أحد أولاد الأمة لحقه من تلدهم بعده ، لكن إن انتفى من نسب أحدهم لم يلحقه .
ولا يحرم عليه الانتفاء من نسب ولدها إن كان عزل عنها ، وهذا قول الحنفيّة .
القول الثّالث : أنّه يلحقه ، لكن لو نفاه لم يلحقه وهو قول الحسن والشّعبيّ .
وتفصيل ذلك في مصطلح : ( نسب ) .

تسعير *
التّعريف :
1 - التّسعير في اللّغة : هو تقدير السّعر . يقال : سعّرت الشّيء تسعيراً : أي جعلت له سعراً معلوماً ينتهي إليه . وسعّروا تسعيراً : أي : اتّفقوا على سعر .
والسّعر مأخوذ من سَعَرَ النّار إذا رفعها ، لأنّ السّعر يوصف بالارتفاع . ذكره الزّمخشريّ .
والتّسعير في الاصطلاح : تقدير السّلطان أو نائبه للنّاس سعراً ، وإجبارهم على التّبايع بما قدّره . وقال ابن عرفة : حدّ التّسعير : تحديد حاكم السّوق لبائع المأكول فيه قدراً للمبيع بدرهم معلوم .
وقال الشّوكانيّ : التّسعير أن يأمر السّلطان أو نوّابه أو كلّ من ولي من أمور المسلمين أمراً أهل السّوق ألاّ يبيعوا أمتعتهم إلاّ بسعر كذا ،فيمنع من الزّيادة عليه أو النّقصان إلاّ لمصلحة.
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاحتكار :
2 - الاحتكار لغةً : من الحكر ، وهو الظّلم والالتواء والعسر وسوء المعاشرة ، واحتكار الطّعام : حبسه تربّصاً لغلائه ، والحكرة : اسم من الاحتكار .
وفي الاصطلاح : اختلفت تعريفات الفقهاء فيه ، بناءً على القيود الّتي وضعها كلّ مذهب وترجع كلّها إلى حبس السّلع انتظاراً لارتفاع أثمانها . ويرجع فيه إلى مصطلح ( احتكار ) فالاحتكار مباين للتّسعير . إلاّ أنّ وجود الاحتكار ممّا يستدعي التّسعير لمقاومة الغلاء .
ب - التّثمين :
3 - التّثمين : مصدر ثمّنت الشّيء أي : جعلت له ثمناً بالحدس والتّخمين .
ج - التّقويم :
4 - تقويم الشّيء : أن يجعل له قيمةً معلومةً .
الحكم التّكليفيّ للتّسعير :
5 - اتّفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنّ الأصل في التّسعير هو الحرمة .
أمّا جواز التّسعير فمقيّد عندهم بشروط معيّنة يأتي بيانها .
6- واستدلّ صاحب البدائع لإثبات الحرمة بالمنقول من الكتاب والسّنّة :
أمّا الكتاب : فقوله تعالى : { يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَينَكُم بِالبَاطِلِ إلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عنْ تَرَاضٍ مِنْكُم } . فاشترطت الآية التّراضي ، والتّسعير لا يتحقّق به التّراضي . وأمّا السّنّة : فقوله عليه الصلاة والسلام : « لا يَحِلُّ مالُ امْرئٍ مسلم إلاّ بطيب نفس منه » . واستدلّ صاحب المغني بما روى أنس رضي الله عنه قال : « غلا السّعر في المدينة على عهد رسول اللّه صلّى صلى الله عليه وسلم فقال النّاس : يا رسول اللّه : غلا السّعر فسعّر لنا ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّ اللّه هو المسعّر القابض الباسط الرّازق ، إنّي لأرجو أن ألقى اللّه وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال » .
قال ابن قدامة والدّلالة من وجهين :
1 - أنّه صلى الله عليه وسلم لم يسعّر ، وقد سألوه ذلك ، ولو جاز لأجابهم إليه .
2 - أنّه علّل بكونه مظلمةً والظّلم حرام . وبما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه" أنّه مرّ بحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وهو يبيع زبيباً له في السّوق ، فقال له : إمّا أن تزيد في السّعر ، وإمّا أن ترفع من سوقنا ، فلمّا رجع عمر حاسب نفسه ، ثمّ أتى حاطباً في داره ، فقال له : إنّ الّذي قلت لك ليس بعزيمة منّي ولا قضاء ، إنّما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد ، فحيث شئت فبع ، وكيف شئت فبع ".
7- واستدلّوا بالمعقول : وهو أنّ للنّاس حرّيّة التّصرّف في أموالهم ، والتّسعير حجر عليهم ، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين ، وليس نظره لمصلحة المشتري برخص الثّمن أولى من نظره لمصلحة البائع بتوفير الثّمن . والثّمن حقّ العاقد فإليه تقديره .
ثمّ إنّ التّسعير سبب الغلاء والتّضييق على النّاس في أموالهم ، لأنّ الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلداً يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون ، ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها ، ويطلبها أهل الحاجة إليها ، فلا يجدونها إلاّ قليلاً ، فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها ، فتغلو الأسعار ويحصل الإضرار بالجانبين ، جانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه ، وجانب الملّاك في منعهم من بيع أملاكهم ، فيكون حراماً .
شروط جواز التّسعير :
8 - تقدّم أنّ الأصل منع التّسعير ، ومنع تدخّل وليّ الأمر في أسعار السّلع ، إلاّ أنّ هناك حالات يكون للحاكم بمقتضاها حقّ التّدخّل بالتّسعير ، أو يجب عليه التّدخّل على اختلاف الأقوال . وهذه الحالات هي :
أ - تعدّي أرباب الطّعام عن القيمة تعدّياً فاحشاً :
9 - وفي هذه الحالة صرّح فقهاء الحنفيّة بأنّه يجوز للحاكم أن يسعّر على النّاس إن تعدّى أرباب الطّعام عن القيمة تعدّياً فاحشاً ، وعجز عن صيانة حقوق المسلمين إلاّ بالتّسعير ، وذلك بعد مشورة أهل الرّأي والبصيرة ، وهو المختار ، وبه يفتى ، لأنّ فيه صيانة حقوق المسلمين عن الضّياع ، ودفع الضّرر عن العامّة .
والتّعدّي الفاحش كما عرّفه الزّيلعيّ وغيره هو البيع بضعف القيمة .
ب - حاجة النّاس إلى السّلعة :
10 - وفي هذا المعنى قال الحنفيّة : لا ينبغي للسّلطان أن يسعّر على النّاس ، إلاّ إذا تعلّق به دفع ضرر العامّة ، كما اشترط المالكيّة وجود مصلحة فيه ، ونسب إلى الشّافعيّ مثل هذا المعنى . وكذا إذا احتاج النّاس إلى سلاح للجهاد ، فعلى أهل السّلاح بيعه بعوض المثل ، ولا يمكّنون من أن يحبسوا السّلاح حتّى يتسلّط العدوّ ، أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون . ويقول ابن تيميّة : إنّ لوليّ الأمر أن يكره النّاس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة النّاس إليه ، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه ، والنّاس في مَخْمَصة ، فإنّه يجبر على بيعه للنّاس بقيمة المثل . ولهذا قال الفقهاء : من اضطرّ إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله ، ولو امتنع من بيعه إلاّ بأكثر من سعره لم يستحقّ إلاّ سعره .
والأصل في ذلك حديث العتق ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « من أعتق شركاً له في عبد ، فكان له من المال يبلغ ثمن العبد ، قوّم عليه قيمة العدل ، فأعطى شركاءه حصصهم ، وعتق عليه العبد وإلاّ فقد عتق منه ما عتق » ويقول ابن القيّم : إنّ هذا الّذي أمر به النّبيّ " صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع ( أي جميع العبد ) قيمة المثل هو حقيقة التّسعير ، فإذا كان الشّارع يوجب إخراج الشّيء عن ملك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق ، ولم يمكّن المالك من المطالبة بالزّيادة على القيمة ، فكيف إذا كانت الحاجة بالنّاس إلى التّملّك أعظم ، مثل حاجة المضطرّ إلى الطّعام والشّراب واللّباس وغيره .
ج - احتكار المنتجين أو التّجّار :
11 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الاحتكار حرام في الأقوات ، كما أنّه لا خلاف بينهم في أنّ جزاء الاحتكار هو بيع السّلع المحتكرة جبراً على صاحبها بالثّمن المعقول مع تعزيره ومعاقبته ، على التّفصيل المتقدّم بيانه في مصطلح ( احتكار ) .
وما تحديد الثّمن المعقول من جانب وليّ الأمر إلاّ حقيقة التّسعير ، وهذا توجيه صرّح به ابن تيميّة . في حين اعتبر بعض الفقهاء المحتكر ممّن لا يسعّر عليه كما سيأتي .
د - حصر البيع لأناس معيّنين :
12 - صرّح ابن تيميّة بأنّه لا تردّد عند أحد من العلماء في وجوب ردّ التّسعير في حالة إلزام النّاس أن لا يبيع الطّعام أو غيره إلاّ أناس معروفون ، فهنا يجب التّسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلاّ بقيمة المثل ، ولا يشترون إلاّ بقيمة المثل . لأنّه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النّوع أو يشتريه ، فلو سوّغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا ، أو يشتروا بما اختاروا لكان ذلك ظلماً للبائعين الّذين يريدون بيع تلك الأموال ، وظلماً للمشترين منهم . فالتّسعير في مثل هذه الحالة واجب بلا نزاع ، وحقيقة إلزامهم أن لا يبيعوا أو لا يشتروا إلاّ بثمن المثل .
هـ – تواطؤ البائعين ضدّ المشترين أو العكس :
13 - إذا تواطأ التّجّار أو أرباب السّلع على سعر يحقّق لهم ربحاً فاحشاً ، أو تواطأ مشترون على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتّى يهضموا سلع النّاس يجب التّسعير ، وهذا ما اختاره ابن تيميّة ، وأضاف قائلاً : ولهذا منع غير واحد من العلماء - كأبي حنيفة وأصحاب- القسّام الّذين يقسمون بالأجر أن يشتركوا ، فإنّهم إذا اشتركوا ، والنّاس محتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجر ، فمنع البائعين - الّذين تواطئوا على أن لا يبيعوا إلاّ بثمن قدّروه - أولى ، وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم ، حتّى يهضموا سلع النّاس أولى . لأنّ إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظّلم والعدوان . وقد قال تعالى : { وَتَعَاوَنُوا على البِرِّ والتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا على الإِثْمِ والعُدْوَانِ } .
و - احتياج النّاس إلى صناعة طائفة :
14 - وهذا ما يقال له التّسعير في الأعمال : وهو أن يحتاج النّاس إلى صناعة طائفة كالفلاحة والنّساجة والبناء وغير ذلك ، فلوليّ الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة المثل إذا امتنعوا عنه ، ولا يمكّنهم من مطالبة النّاس بزيادة عن عوض المثل ، ولا يمكّن النّاس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقّهم .
15 - وخلاصة رأي ابن تيميّة وابن القيّم أنّه إذا لم تتمّ مصلحة إلاّ بالتّسعير سعّر عليهم السّلطان تسعير عدل بلا وكس ولا شطط ، وإذا اندفعت حاجتهم ، وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل . وهذا يدلّ على أنّ الحالات المذكورة ليست حصراً للحالات الّتي يجب فيها التّسعير ، بل كلّما كانت حاجة النّاس لا تندفع إلاّ بالتّسعير ، ولا تتحقّق مصلحتهم إلاّ به كان واجباً على الحاكم حقّاً للعامّة ، مثل وجوب التّسعير على الوالي عام الغلاء كما قال به مالك ، وهو وجه للشّافعيّة أيضاً .
الصّفة الواجب توافرها في التّسعير :
16 - إنّ المتتبّع للنّصوص الفقهيّة وآراء الفقهاء يجد أنّه لا بدّ لفرض التّسعير من تحقّق صفة العدل ، إذ لا يكون التّسعير محقّقاً للمصلحة إلاّ إذا كانت فيه المصلحة للبائع والمبتاع ، ولا يمنع البائع ربحاً ، ولا يسوّغ له منه ما يضرّ بالنّاس .
ولهذا اشترط مالك عندما رأى التّسعير على الجزّارين أن يكون التّسعير منسوباً إلى قدر شرائهم ، أي أن تراعى فيه ظروف شراء الذّبائح ، ونفقة الجزارة ، وإلاّ فإنّه يخشى أن يقلعوا عن تجارتهم ، ويقوموا من السّوق .
وهذا ما أعرب عنه القاضي أبو الوليد الباجيّ من أنّ التّسعير بما لا ربح فيه للتّجّار يؤدّي إلى فساد الأسعار ، وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال النّاس .
كيفيّة التّسعير :
17 - تعرّض جمهور الفقهاء القائلون بجواز التّسعير لبيان كيفيّة تعيين الأسعار ، وقالوا : ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشّيء ، ويحضر غيرهم استظهاراً على صدقهم ، وأن يسعّر بمشورة أهل الرّأي والبصيرة ، فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون ؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامّة سداد حتّى يرضوا به .
قال أبو الوليد الباجيّ : ووجه ذلك أنّه بهذا يتوصّل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين ، ويجعل للباعة في ذلك من الرّبح ما يقوم بهم ، ولا يكون فيه إجحاف بالنّاس .
ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم : لا تبيعوا إلاّ بكذا ربحتم أو خسرتم من غير أن ينظر إلى ما يشترون به . وكذلك لا يقول لهم : لا تبيعوا إلاّ بمثل الثّمن الّذي اشتريتم به .
ما يدخله التّسعير :
18 - اختلف الفقهاء في تحديد الأشياء الّتي يجري فيها التّسعير على الأصل المشار إليه في حكمه التّكليفيّ .
فذهب الشّافعيّة في الأظهر عندهم - وهو قول القهستانيّ الحنفيّ - إلى أنّ التّسعير يجري في القوتين ( قوت البشر ، وقوت البهائم ) وغيرهما ، ولا يختصّ بالأطعمة وعلف الدّوابّ .
واستظهر ابن عابدين - بناءً على قول أبي حنيفة في الحجر للضّرر ، وقول أبي يوسف في الاحتكار - جواز تسعير ما عدا القوتين أيضاً كاللّحم والسّمن رعايةً لمصلحة النّاس .
وهناك قول آخر للحنفيّة صرّح به العتّابيّ والحسّاس وغيرهما ، وهو أنّ التّسعير يكون في القوتين فقط . وعليه اختيار ابن تيميّة ، فلم يقصر التّسعير على الطّعام ، بل ذكره كمثال كما سبق . وانتهج ابن القيّم منهج ابن تيميّة في هذا الباب ، وأطلق جواز التّسعير للسّلع أيّاً كانت ، ما دامت لا تباع على الوجه المعروف وبقيمة المثل .
وأوجب الشّيخ تقيّ الدّين إلزام أهل السّوق المعاوضة بثمن المثل ، وقال : إنّه لا نزاع فيه ، لأنّه مصلحة عامّة لحقّ اللّه تعالى ، ولا تتمّ مصلحة النّاس إلاّ بها كالجهاد . ثمّ يقول صاحب مطالب أولي النّهى : وهو إلزام حسن في مبيع ثمنه معلوم بين النّاس لا يتفاوت كموزون ونحوه . وعند المالكيّة قولان كذلك :
القول الأوّل : يكون التّسعير في المكيل والموزون فقط طعاماً كان أو غيره ، وأمّا غير المكيل والموزون فلا يمكن تسعيره لعدم التّماثل فيه ، وهو قول ابن حبيب .
قال أبو الوليد الباجيّ : هذا إذا كان المكيل والموزون متساويين ، أمّا إذا اختلفا لم يؤمر صاحب الجيّد أن يبيعه بمثل سعر ما هو أدون ، لأنّ الجودة لها حصّة من الثّمن كالمقدار .
القول الثّاني : يكون التّسعير في المأكول فقط وهو قول ابن عرفة .
من يسعّر عليه ومن لا يسعّر عليه :
19 - من يسعّر عليهم هم أهل الأسواق . وأمّا من لا يسعّر عليهم فهم :
أوّلاً : الجالب :
20 - ذهب الحنفيّة والحنابلة وأكثر المالكيّة ، وهو قول لدى الشّافعيّة أيضاً إلى : أنّ الجالب لا يسعّر عليه إلاّ إذا خيف الهلاك على النّاس ، فيؤمر الجالب أن يبيع طعامه من غير رضاه ، وروي أيضاً عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما ، والقاسم بن محمّد ، وسالم بن عبد اللّه عدم جواز التّسعير على الجالب . وقال ابن حبيب من المالكيّة يسعّر عليه فيما عدا القمح والشّعير ، وأمّا جالبهما فيبيع كيف شاء .
وكذلك جالب الزّيت والسّمن واللّحم والبقل والفواكه وما أشبه ذلك ممّا يشتريه أهل السّوق من الجالبين ، فهذا أيضاً لا يسعّر على الجالب ولا يقصد بالتّسعير ، ولكنّه إذا استقرّ أمر أهل السّوق على سعر قيل له : إمّا أن تلحق به ، وإلاّ فاخرج .
ثانياً : المحتكر :
21 - مذهب الحنفيّة أنّه لا يسعّر على المحتكر بل يؤمر بإخراج طعامه إلى السّوق ، ويبيع ما فضل عن قوت سنة لعياله كيف شاء ، لا يسعّر عليه ، سواء أكانوا تجّاراً ، أم زرّاعاً لأنفسهم . وقال محمّد بن الحسن : يجبر المحتكر على بيع ما احتكر ولا يسعّر عليه ، ويقال له : بع كما يبيع النّاس ، وبزيادة يتغابن في مثلها ، ولا أتركه يبيع بأكثر .
ثالثاً : من يبيع في غير دكّان :
22 - قال صاحب التّيسير : لا يسعّر على من يبيع في غير دكّان ولا حانوت يعرض للخاصّ والعامّ ، ولا على بائع الفواكه والذّبائح وجميع أهل الحرف والصّنائع ، والمتسبّبين من حمّال ودلال وسمسار وغيرهم ، ولكنّه ينبغي للوالي أن يقبض من أهل كلّ صنعة ضامناً أميناً ، وثقةً ، وعارفاً بصنعته خبيراً بالجيّد والرّديء من حرفته يحفظ لجماعته ما يجب أن يحفظ من أمورهم ، ويجري أمورهم على ما يجب أن تجري ، ولا يخرجون عن العادة فيما جرت فيه العادة في صنعتهم .
أمر الحاكم بخفض السّعر ورفعه مجاراةً لأغلب التّجّار :
23 - قال الباجيّ : السّعر الّذي يؤمر من حطّ عنه أن يلحق به هو السّعر الّذي عليه جمهور النّاس ، فإذا انفرد عنهم الواحد أو العدد اليسير بحطّ السّعر ، أمر من حطّه باللّحاق بسعر النّاس أو ترك البيع ، وإن زاد في السّعر واحد أو عدد يسير لم يؤمر الجمهور باللّحاق بسعره ، أو الامتناع من البيع ، لأنّ من باع به من الزّيادة ليس بالسّعر المتّفق عليه ، ولا بما تقام به المبيعات ، وإنّما يراعي في ذلك حال الجمهور ومعظم النّاس .
مخالفة التّسعير
أ - حكم البيع مع مخالفة التّسعير :
24 - ذهب الحنفيّة والحنابلة ، والشّافعيّة - في الأصحّ - إلى أنّ من خالف التّسعير صحّ بيعه ، إذ لم يعهد الحجر على الشّخص في ملكه أن يبيع بثمن معيّن . ولكن إذا سعّر الإمام وخاف البائع أن يعزّره الإمام لو نقص عمّا سعّره ، فصرّح الحنفيّة أنّه لا يحلّ للمشتري الشّراء بما سعّره الإمام ، لأنّه في معنى المكره ، وينبغي أن يقول : بعني بما تحبّ ، ليصحّ البيع . وصحّة البيع مع مخالفة التّسعير متبادر من كلام المالكيّة أيضاً ، لأنّهم يقولون : ومن زاد في سعر أو نقص منه أمر بإلحاقه بسعر النّاس ، فإن أبي أخرج من السّوق .
ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة بطلان البيع . لكن عند الحنابلة إن هدّد المشتري البائع المخالف للتّسعير بطل البيع ، لأنّه صار محجوراً عليه لنوع مصلحة ، ولأنّ الوعيد إكراه .
ب - عقوبة المخالف :
25 - صرّح الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة بأنّ الإمام له أن يعزّر من خالف التّسعير الّذي رسمه ، لما فيه مجاهرة الإمام بالمخالفة .
وسئل أبو حنيفة عن متولّي الحسبة إذا سعّر البضائع بالقيمة ، وتعدّى بعض السّوقيّة ، فباع بأكثر من القيمة ، هل له أن يعزّره على ذلك ؟ فأجاب : إذا تعدّى السّوقيّ وباع بأكثر من القيمة يعزّره على ذلك .
وأمّا قدر التّعزير ، وكيفيّته ، فمفوّض إلى الإمام أو نائبه ، وقد يكون الحبس أو الضّرب ، أو العقوبة الماليّة ، أو الطّرد من السّوق وغير ذلك . هذا كلّه في الحالات الّتي يجوز فيها التّسعير . أمّا حيث لا يجوز التّسعير عند من لا يراه فلا عقوبة على مخالف التّسعير .

تسلّم *
انظر : تسليم .

تسليف *
التّعريف :
1 - من معاني التّسليف في اللّغة : التّقديم ، وهو مصدر سلّف . يقال : سلّفت إليه وتسلّف منه كذا واستسلف : اقترض أو أخذ السّلف ، والسّلف : القرض والسّلم .
وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من أسلف فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، إلى أجل معلوم » . والسّلف في المعاملات : القرض الّذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشّكر ، وعلى المقترض ردّه كما أخذه .
والسّلف : نوع من البيوع يعجّل فيه الثّمن وتضبط السّلعة بالوصف إلى أجل معلوم .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ المتقدّم . فقد ورد أنّ السّلف أو السّلم : بيع شيء موصوف في الذّمّة ، يتقدّم فيه رأس المال ، ويتأخّر المثمّن لأجل .
الحكم الإجماليّ :
2 - السّلف جائز بالكتاب والسّنّة والإجماع . أمّا الكتاب ، فقوله تعالى { يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إذا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوه } قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : أشهد أنّ السّلف المضمون إلى أجل مسمًّى قد أحلّه اللّه تعالى في كتابه وأذن فيه ، ثمّ قرأ الآية .
وأمّا السّلف الّذي بمعنى السّلم فقد ثبت بالسّنّة والإجماع ، ففي حديث ابن عبّاس « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ، وهم يسلفون في الثّمار ، السّنة والسّنتين والثّلاث ، فقال : من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ».
وأمّا الإجماع ، فقال ابن المنذر : أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ السّلم جائز ، ولأنّ المثمّن في البيع أحد عوضي العقد فجاز أن يثبت في الذّمّة كالثّمن ، ولأنّ بالنّاس حاجةً إليه - لأنّ أرباب الزّروع والثّمار والتّجارات يحتاجون إلى النّفقة على أنفسهم أو على الزّروع ونحوها حتّى تنضج - فجوّز لهم السّلم دفعاً للحاجة .
وقد استثني عقد السّلم من قاعدة عدم جواز بيع المعدوم لما فيه من مصلحة للنّاس ، رخصةً لهم وتيسيراً عليهم . وينظر التّفصيل في مصطلح : ( سلم ) .
3 - والسّلف - بمعنى القرض - ثابت بالكتاب في آية المداينة السّابقة ، وبالسّنّة فيما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من أقرض مرّتين كان له مثل أجر أحدهما لو تصدّق به » .
وأجمع المسلمون على جواز القرض ، وهو قربة مندوب إليها ، مباح للمقترض ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من نَفَّسَ عن مؤمن كُرْبةً من كُرَبِ الدّينا نفّس اللّه عنه كربةً من كرب يوم القيامة ، ومن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يسّر اللّه عليه في الدّنيا والآخرة .. واللّه في عونِ العبدِ ما كان العبد في عونِ أخيه » .
والتّفصيل موطنه مصطلح ( قرض ) .

تسليم *
التّعريف :
1 - من معاني التّسليم في اللّغة : التّوصيل ، يقال سلّم الوديعة لصاحبها : إذا أوصلها فتسلّم ذلك ، وأسلم إليه الشّيء : دفعه . ومنه السَّلَم ، وتسلّم الشّيء : قبضه وتناوله . وسلّمت إليه الشّيء فتسلَّمه : أي أخذه . وسلّم الشّيء لفلان : أي خلّصه . وسلّمه إليه : أعطاه إيّاه . وسلّم الأجير نفسه للمستأجر : مكّنه من منفعة نفسه حيث لا مانع .
والتّسليم بذل الرّضى بالحكم .
والتّسليم : السّلام ، وسلّم المصلّي : خرج من الصّلاة بقوله : السّلام عليكم . وسلّم على القوم : حيّاهم بالسّلام ، وسلّم : ألقى التّحيّة ، وسلّم عليه : قال له : سلام عليك .
ولا يخرج معنى التّسليم في اصطلاح الفقهاء عن المعاني المذكورة .
حكمه التّكليفيّ :
يختلف حكم التّسليم باختلاف أنواعه .
أ - التّسليم بمعنى التّحيّة :
2 - ابتداء السّلام سنّة مؤكّدة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أَفْشُوا السَّلامَ بينكم » ويستحبّ مراعاة صيغة الجمع ، وإن كان المسلّم عليه واحداً ، أخذاً بالنّصّ الوارد في ذلك ، ولأنّه يقصد مع الواحد الملائكة . ويجب الرّدّ إن كان السّلام على واحد .
وإن سلّم على جماعة فالرّدّ في حقّهم فرض كفاية ، فإن ردّ أحدهم سقط الحرج عن الباقين ، وإن ردّ الجميع كانوا مؤدّين للفرض ، سواء ردّوا معاً أو متعاقبين ، فإن امتنعوا كلّهم أَثِمُوا لخبر ، « حقُّ المسلم على المسلم خمس : ردّ السّلام ... »
ويشترط في ابتداء السّلام رفع الصّوت بقدر ما يحصل به الإسماع ، ويجب أن يكون الرّدّ متّصلاً بالسّلام ، والزّيادة على صيغة ابتداء السّلام في الرّدّ أفضل ، ويسنّ ابتداء السّلام عند الإقبال والانصراف ، لخبر : « إنّ أولى النّاس باللّه من بدأهم بالسّلام » ولقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا لقي أحدكم أخاه فليسلّم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ، ثمّ لقيه ، فليسلّم عليه » ( ر : سلام وتحيّة ) .
ب - التّسليم للخروج من الصّلاة :
3 - التّسليمة الأولى للخروج من الصّلاة حال القعود فرض عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . وزاد الحنابلة فرضيّة الثّانية أيضاً إلاّ في صلاة جنازة ونافلة ، لأنّ الجزء الأخير من الجلوس الّذي يوقع فيه السّلام فرض .
ولا بدّ من نطق : " السّلام عليكم " بالعربيّة بتقديم " السّلام " وتأخير " عليكم " وهذا للقادر على العربيّة ، ولا يكفي الخروج بالنّيّة ولا بمرادفها من لغة أخرى ، وأمّا العاجز عن العربيّة فيجب عليه الخروج بالنّيّة قطعاً ، وإن أتى بمرادفها بالعجميّة صحّ على الأظهر ، قياساً على الدّعاء بالعجميّة للقادر على العربيّة . والأفضل كون السّلام معرّفاً بأل .
لخبر « تحريمها التّكبير وتحليلها التّسليم » فقوله : « تحليلها التّسليم » أي لا يخرج من الصّلاة إلاّ به ، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كان يسلّم من صلاته عن يمينه : السّلام عليكم ورحمة اللّه حتّى يُرى بياضُ خدّه الأيمن ، وعن يساره : السّلام عليكم ورحمة اللّه حتّى يُرى بياضُ خدّه الأيسر » . ولحديث عامر بن سعد عن أبيه قال : « كنت أرى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسلّم عن يمينه وعن يساره حتّى أرى بياض خدّه » ولأنّه صلى الله عليه وسلم كان يديم ذلك ولا يخلّ به وقال : « صَلُّوا كما رأيتموني أصلّي » .
وأقلّ ما يجزئ في التّسليم عند الشّافعيّة والحنابلة قوله : " السّلام عليكم " مرّةً عند الشّافعيّة ، ومرّتين عند الحنابلة كما سبق ، وأكمله " السّلام عليكم ورحمة اللّه " يميناً وشمالاً ملتفتاً في الأولى حتّى يرى خدّه الأيمن ، وفي الثّانية حتّى يرى خدّه الأيسر ، ناوياً السّلام عمّن عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وصالح الجنّ .
وينوي الإمام أيضاً - زيادةً على ما سبق - السّلام على المقتدين ، وهم ينوون الرّدّ عليه وعلى من سلّم عليهم من المؤمنين ، فينويه المقتدون عن يمين الإمام عند الشّافعيّة بالتّسليمة الثّانية ، وعن يساره بالتّسليمة الأولى . ولحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : « أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نردّ على الإمام ، وأن نتحابّ ، وأن يسلّم بعضنا على بعض » وقال الحنفيّة : الخروج من الصّلاة بلفظ السّلام ليس فرضاً ، بل هو واجب . لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا علّم ابن مسعود رضي الله عنه التّشهّد قال له : إذا قلتَ هذا فقد قضيت صلاتك ، إن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد » فلم يأمره بالخروج من الصّلاة بالسّلام ، وأيضاً فإنّ الفرض في آخر الصّلاة هو القعود بمقدار التّشهّد عندهم . لخبر أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أحدث - يعني الرّجل - وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلّم فقد جازت صلاته » .
والواجب عندهم تسليمتان : الأولى عن يمينه ، فيقول : " السّلام عليكم ورحمة اللّه " ويسلّم عن يساره كذلك ، لما روى ابن مسعود رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسلّم عن يمينه حتّى يبدو بياض خدّه وعن يساره حتّى يبدو بياض خدّه » . وينوي في التّسليمة الأولى التّسليم على من على يمينه من الرّجال والنّساء والحفظة ،وكذلك في الثّانية.
وأقلّ ما يجزئ في لفظ السّلام مرّتين عند الحنفيّة " السّلام " دون قوله " عليكم " .
وأكمله وهو السّنّة أن يقول : " السّلام عليكم ورحمة اللّه " مرّتين .
وتنقضي الصّلاة بالسّلام الأوّل عند الحنفيّة . والتّفصيل في مصطلح : ( صلاة ) .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:22 PM

ج - التّسليم بمعنى التّمكين من القبض :
4 - التّسليم ، أو القبض معناه عند الحنفيّة : التّخلية أو التّخلّي ، وهو أن يخلّي البائع بين المبيع والمشتري برفع الحائل بينهما على وجه يتمكّن والمشتري من التّصرّف فيه ، بحيث لا ينازعه فيه غيره ، وهذا يحصل بالتّخلية ، فيجعل البائع مسلّماً للمبيع والمشتري قابضاً له ، فكانت التّخلية تسليماً من البائع ، والتّخلّي قبضاً من المشتري .
وكذا هذا في تسليم الثّمن إلى البائع ، لأنّ التّسليم واجب ، ومن عليه الواجب لا بدّ أن يكون له سبيل الخروج من عهدة ما وجب عليه ، والّذي في وسعه هو التّخلية ورفع الموانع .
والقبض يتمّ بطريق التّخلية ، وهي أن يتمكّن المشتري من المبيع بلا مانع - أي بأن يكون مفرزاً ولا حائل - في حضرة البائع مع الإذن له بالقبض .
فقبض العقار عند الجميع - كالأرض وما فيها من بناء ونخل ونحوهما - يكون بالتّخلية بين المبيع وبين المشتري وتمكينه من التّصرّف فيه ، وذلك بتسليم المفاتيح إن وجدت بشرط الفراغ من الأمتعة ، إن كان شراء العقار للسّكن - عند الحنفيّة والمالكيّة - وقبض المنقول كالأمتعة ، والأنعام والدّوابّ بحسب العرف الجاري بين النّاس عند الإطلاق ، فالثّوب قبضه باحتيازه ، والحيوان بتمشيته من مكانه ، وقبض الموزون بوزنه ، وقبض المكيل بكيله ، إذا بيعا كيلاً ووزناً . وزاد المالكيّة : تفريغه في أوعية المشتري ، حتّى لو هلك قبل التّفريغ في أوعية المشتري كان الضّمان على البائع عندهم .
وهذا : لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا بِعْتَ فَكِلْ ، وإذا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ » وعن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه « نهى عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان : صاع البائع وصاع المشتري » .
وإن بيع جزافاً فقبضه نقله عند الحنابلة ، وعند الحنفيّة قبضه بالتّخلية . ( ر : قبض ) .
التّسليم في العقود يشمل ما يلي :
أ - التّسليم في البيع :
5 - التّسليم في البيع يكون بتسليم المبيع والثّمن ،لأنّ المقصود من البيع لا يتحقّق إلاّ بذلك. ومن يجب عليه التّسليم أوّلاً ، يختلف بحسب نوع البدلين ، وهو كالآتي : إن كان البيع بيع عين بعين ، واختلفا فيمن يسلّم أوّلاً ، يجب على العاقدين التّسليم معاً تحقيقاً للمساواة في المعاوضة المقتضية للمساواة عادةً المطلوبة بين العاقدين ، إذ ليس أحدهما بالتّقديم أولى من الآخر ، فيجعل بينهما عدل يقبض من كلّ منهما ويسلّم الآخر .
والحكم كذلك إن تبايعا ديناً بدين ، كما في عقد الصّرف ، وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وأحد قولي الشّافعيّة . وإن كان بيع عين بدين ، فيجب على المشتري عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو القول الثّاني عند الشّافعيّة تسليم الثّمن - أي الدّين أوّلاً -
والمذهب عند الشّافعيّة والحنابلة : وجوب تسليم المبيع أوّلاً ، واستثنى الجميع من ذلك أمرين : أوّلهما : السّلم فيه لأنّه دين مؤجّل .
والثّاني : الثّمن المؤجّل ، فإن كان عيناً أو عرضاً بعرض جعل بينهما عدل - عند الجمهور - ، فيقبض منهما ، ثمّ يسلّم إليهما ، وهذا قول الثّوريّ وأحد قولي الشّافعيّ ، لأنّ تسليم المبيع يتعلّق به استقرار البيع ، وتمامه فكان تقديمه أولى ، سيّما مع تعلّق الحكم بعينه ، وتعلّق حقّ البائع بالذّمّة ، وتقديم ما يتعلّق بالعين أولى لتأكّده .
ومذهب الحنفيّة أنّهما يسلّمان معاً .
ب - تسليم المعقود عليه في الرّبويّات :
6 - تسليم المعقود عليه في الرّبويّات حرام ، لأنّ عقد الرّبا حرام .
والتّفصيل في مصطلح : ( رباً ) .
ت - التّسليم في السّلم :
7 - اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ الثّمن في السّلم إن كان ديناً في الذّمّة - سواء أكان عيناً ( سلعةً معيّنةً ) أم نقوداً - فلا بدّ من تسليمه في مجلس العقد قبل التّفرّق ، ولو طال المجلس . وإذا قاما من المجلس يمشيان ، ثمّ قبض المسلم إليه رأس السّلم بعد مسافة ، فإنّه يصحّ إن لم يتفرّقا . وكذا إذا تعاقدا ثمّ قام ربّ السّلم - المشتري - ليحضر الثّمن من داره ، فإن لم يغب شخصه عن المسلم إليه - البائع - يصحّ وإلاّ فلا ، لأنّ المسلم فيه دين في الذّمّة ، فلو أخّر تسليم رأس مال السّلم عن مجلس العقد لكان التّسليم في معنى مبادلة الدّين بالدّين ، وقد « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ » ولأنّ تسمية هذا العقد دليل على هذا الشّرط ، فإنّه يسمّى سلماً وسلفاً ، والسّلم ينبئ عن التّسليم ، والسّلف ينبئ عن التّقدّم ، فيقتضي لزوم تقديم رأس المال ، ويقدّم قبضه على قبض المسلم فيه ، ولأنّ في السّلم غرراً - أي تعريضاً للهلاك أو على خطر الوجود - فلا يضمّ إليه غرر تأخير رأس المال .
وقال الحنابلة : يقوم مقام القبض ما كان في معناه ، كما إذا كان عند المسلم إليه أمانة أو عين مغصوبة ، فإنّه يصحّ أن يجعلها صاحب السّلم رأس مال ما دامت ملكاً له ، لأنّ ذلك في معنى القبض .
واشترط الشّافعيّة أن يكون قبض رأس المال في المجلس قبضاً حقيقيّاً ، فلا تنفع فيه الحوالة ، ولو قبضه من المحال عليه في المجلس ، لأنّ المحال عليه ما دفعه عن نفسه إلاّ إذا قبضه ربّ السّلم وسلّمه بنفسه للمسلم إليه .
ومذهب المالكيّة اشتراط قبض رأس المال كلّه ، ويجوز تأخير قبضه إلى ثلاثة أيّام فأقلّ ، ولو بشرط في العقد سواء أكان رأس المال عيناً أو ديناً ، لأنّ السّلم معاوضة لا يخرج بتأخير قبض رأس المال عن أن يكون سلماً ، فأشبه ما لو تأخّر إلى آخر المجلس ، وكلّ ما قارب الشّيء يعطى حكمه ، ولا يكون له بذلك حكم الكالئ ، فإن أخّر رأس المال عن ثلاثة أيّام : فإن كان التّأخير بشرط فسد السّلم اتّفاقاً ، سواء أكان التّأخير كثيراً جدّاً ، بأن حلّ أجل المسلم فيه ، أو لم يكثر جدّاً بأن لم يحلّ أجله . وإن كان التّأخير بلا شرط فقولان في المدوّنة الكبرى لمالك بفساد السّلم وعدم فساده ، سواء أكان التّأخير كثيراً جدّاً أم لا . والمعتمد الفساد بالزّيادة عن الثّلاثة الأيّام ولو قلّت مدّة الزّيادة بغير شرط . ( ر : سلم ) .
ث - قبض المرهون :
8 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّ القبض شرط في الرّهن ، واختلفوا في تحديد نوع الشّرط . هل هو شرط لزوم أو شرط تمام ؟ فقال جمهور الفقهاء : القبض ليس شرط صحّة ، وإنّما هو شرط لزوم الرّهن ، فلا يتمّ الرّهن إلاّ بالقبض لقوله تعالى : { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } فقد علّقه سبحانه وتعالى بالقبض ، فلا يتمّ إلاّ به .
وقال المالكيّة : لا يتمّ الرّهن إلاّ بالقبض ، أو الحوز ، وهو شرط تمام وليس شرط صحّة أو لزوم ، فإذا عقد الرّهن بالقول ( الإيجاب والقبول ) لزم العقد ، وأجبر الرّاهن على إقباضه للمرتهن بالمطالبة به ، فإن تراضى المرتهن في المطالبة به ، أو رضي بتركه في يد الرّاهن بطل الرّهن . ودليلهم قياس الرّهن على سائر العقود الماليّة اللازمة بالقول .
لقوله تعالى : { أَوْفُوا بِالعُقُودِ } ، والرّهن عقد فيجب الوفاء به . ( ر : رهن ) .
ج - تسليم المرهون :
9 - للمرتهن عند جمهور الفقهاء - ما عدا الشّافعيّة - حقّ الحبس الدّائم للمرهون حتّى يستوفي دينه ، ليضطرّ المدين إلى تسليم دينه ، ليتمكّن من استرداد المرهون لحاجته إليه والانتفاع به ، وللمرتهن أيضاً عند حلول أجل الدّين المطالبة بدينه مع بقاء الرّهن تحت يده ، وعلى المرتهن تسليم المرهون لصاحبه ، إمّا بانتهاء أجل الدّين ، أو بانتهاء عقد الرّهن . وانتهاء الدّين يكون بأسباب كالإبراء من الدّين أو هبته ، أو وفاء الدّين ، أو شراء سلعة من الرّاهن بالدّين ، أو إحالة الرّاهن المرتهن على غيره .
وانقضاء عقد الرّهن أو انتهاؤه يكون بأسباب كالإبراء والهبة ووفاء الدّين ونحو ذلك ، كالبيع الجبريّ الصّادر من الرّاهن بأمر القاضي ، أو من القاضي إذا أبى الرّاهن البيع . والتّفصيل في ( رهن ) . والشّافعيّة مع الجمهور في اشتراط استدامة القبض ، لكنّهم قالوا : قد يتخلّف هذا الشّرط لمانع ، كما لو كان المرهون مصحفاً والمرتهن كافر ونحو ذلك .
ح - ما يتمّ به تسليم المرهون :
10 - يسلّم الرّاهن الدّين أوّلاً ، ثمّ يسلّم المرتهن المرهون ، لأنّ حقّ المرتهن يتعيّن بتسليم الدّين ، وحقّ الرّاهن متعيّن في تسلّم المرهون ، فيتمّ التّسليم على هذا التّرتيب تحقيقاً للتّسوية بين الرّاهن والمرتهن .
وإذا سلّم الرّاهن بعض الدّين يظلّ المرهون كلّه رهناً بحاله على ما بقي من الدّين بلا خلاف ، لأنّ الرّهن كلّه وثيقة بالدّين كلّه ، وهو محبوس بكلّ الحقّ ، والحبس بالدّين الّذي هو موجب الرّهن لا يتجزّأ ، فيكون محبوساً بكلّ جزء من الدّين لا ينفكّ منه شيء حتّى يقضي جميع الدّين ، سواء أكان الرّهن ممّا يمكن قسمته أم لا يمكن . ر : ( رهن ) .
خ - تسليم ثمن المرهون عند البيع :
11 - اتّفق الفقهاء على أنّ المرهون يظلّ ملكاً للرّاهن بعد تسليمه للمرتهن ، كما دلّت السّنّة « لا يغلق الرّهن من صاحبه » ولكن تعلّق دين المرتهن بعين الرّهن ، فاستحقّ المرتهن حبسه وثيقةً بالدّين إلى أن يوفّي الدّين ، ولا يجوز للرّاهن أن يتصرّف في الرّهن لتعلّق حقّه به إلاّ بإذن المرتهن ، فيعتبر متنازلاً عن حقّه في حبس الرّهن .
واتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للرّاهن أن يبيع الرّهن بإذن المرتهن ، وهذا يسمّى البيع الاختياريّ بعد الإذن ، وحينئذ فالمرتهن أولى وأحقّ بثمن المرهون من سائر الغرماء الدّائنين ، حتّى يستوفي حقّه ، حيّاً كان أو ميّتاً . ويثبت هذا الحقّ للمرتهن باتّفاق الفقهاء . وإذا لم يتمّ البيع للمرهون اختياريّاً ، وحلّ أجل الدّين طالب المرتهن الرّاهن بوفاء الدّين ، فإن استجاب ووفّى سلّم المرهون ، وإن لم يستجب لمطل أو إعسار ، رفع أمره إلى القاضي . ويطلب القاضي أوّلاً من الرّاهن الحاضر بيع المرهون ، فإن امتثل تمّ المقصود ، وإن امتنع باعه القاضي عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة ، بدون حاجة إلى إجباره بحبس أو ضرب أو تهديد ، ويسلّم ما يستحقّه المرتهن من دينه .
وقال أبو حنيفة : ليس للقاضي أن يبيع الرّهن بيد المرتهن من غير رضا الرّاهن ، لكنّه يحبس الرّاهن حتّى يبيعه بنفسه . وإذا وجد في مال المدين الرّاهن مال من جنس الدّين ، وفّى الدّين منه ، ولا حاجة حينئذ إلى البيع جبراً . والتّفصيل موطنه مصطلح : ( رهن ) .
د - تسليم المال للمحجور عليه :
12 - اتّفق الفقهاء على أنّ الصّغير لا يسلّم إليه ماله إلاّ بعد معرفة رشده ، وذلك باختبار الصّغير المميّز في التّصرّفات ، لقوله تعالى : { وَابْتَلُوا اليَتَامَى } أي اختبروهم ، واختبار الصّغير المميّز يحصل بتفويض التّصرّفات الّتي يتصرّف فيها أمثاله إليه ، ليتبيّن مدى إدراكه وحسن تصرّفه . وتفصيل ذلك في ( حجر ) .
واتّفق الفقهاء على أنّ أموال الصّغير لا تسلّم إليه حتّى يبلغ راشداً ، لأنّ اللّه تعالى علّق دفع المال إليه على شرطين هما البلوغ والرّشد في قوله تعالى : { وَابْتَلُوا اليَتَامَى حتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فإِنْ آنَسْتُم منهم رُشْدَاً فَادْفَعُوا إليهم أَمْوَالَهمْ } ، والحكم المعلّق على شرطين لا يثبت بدونهما ، فإذا بلغ الصّغير رشيداً مصلحاً للمال ، وجب دفع ماله إليه وفكّ الحجر عنه .
وإذا دفع إليه ماله أشهد عند الدّفع . لقوله تعالى : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِليهمْ أَمْوَالَهمْ فَأَشْهِدُوا عَليهمْ } وفي هذه المسائل تفصيلات موطنها باب الحجر .
ذ - التّسليم في الكفالة بالنّفس :
13 - الكفالة تكون بالنّفس ، وتكون بالفعل ، والمراد بالفعل المكفول به فعل التّسليم ، وعلى هذا تصحّ الكفالة بنفس من عليه الحقّ ، وتسمّى الكفالة بالنّفس كما تسمّى الكفالة بالوجه : وهي التزام إحضار المكفول إلى المكفول له للحاجة إليها ، ذلك لأنّ الكفالة بالنّفس كفالة بالفعل ، وهو تسليم النّفس ، وفعل التّسليم مضمون على الأصيل فجازت الكفالة به . ويرى جمهور الفقهاء جواز الكفالة بالنّفس إذا كانت بسبب المال ، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام : « الزَّعيمُ غَارِم » وهذا يشمل الكفالة بنوعيها ، ولأنّ ما وجب تسليمه بعقد وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال ، ولأنّ الكفيل يقدر على تسليم الأصيل ، بأن يعلم من يطلبه مكانه فيخلّي بينه وبينه ، أو يستعين بأعوان القاضي في التّسليم .
وإذا اشترط الأصيل في الكفالة تسليم المكفول به في وقت بعينه لزم الكفيل إحضار المكفول به إذا طالبه به في الوقت ، وفاءً بما التزمه كالدّين المؤجّل ، فإن أحضره فبها ، وإن لم يحضره حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء حقّ مستحقّ عليه .
وإن أحضره وسلّمه إلى المطالب به في موضع يقدر على إحضاره مجلس القضاء ، مثل أن يكون في مصر من الأمصار برئ من الكفالة ، لأنّ التّسليم يتحقّق بالتّخلية بين المكفول بنفسه والمكفول له ، ولأنّه أتى بما التزمه وحصل المقصود من الكفالة بالنّفس ، وهو إمكان المحاكمة عند القاضي . ويتعيّن محلّ التّسليم بالتّعيين ، وإن أطلق ولم يعيّن ، وجب التّسليم في مكان الكفالة ، لأنّ العرف يقتضي ذلك .
ر - التّسليم في الوكالة :
14 - الوكالة بأجر ( بجعل ) حكمها حكم الإجارات ، فيستحقّ الوكيل الجعل بتسليم ما وكّل فيه إلى الموكّل - إن كان ممّا يمكن تسليمه - كثوب يخيطه فمتى سلّمه مخيطاً فله الأجر . وإن وكّله في بيع ، وقال : إذا بعت الثّوب وقبضت ثمنه وسلّمته إليّ فلك الأجر ، لم يستحقّ من الأجرة شيئاً حتّى يسلّمه إليه . فإن فات التّسليم لم يستحقّ شيئاً لفوات الشّرط . والوكيل في بيع شيء يملك تسليمه للمشتري ، لأنّ إطلاق الوكالة في البيع يقتضي التّسليم ، ويتعيّن على الوكيل في البيع طلب الثّمن من المشتري وقبضه ، لأنّه من توابع البيع ، وكذا الوكيل بالشّراء ، له قبض المبيع من البائع وتسليمه لمن وكّله بالشّراء ، وهذا بلا خلاف . ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ المقبوض في يد الوكيل يعتبر أمانةً ، لأنّ يده يد نيابة عن الموكّل ، ويجب عليه ردّ المقبوض عند طلب الموكّل مع الإمكان ، ويضمن بالتّعدّي أو التّقصير كما يضمن في الودائع ، ويبرأ بما يبرأ فيها . ( ر : وكالة ) .
ز - التّسليم في الإجارة :
15 - إذا كان العمل يجري في عين تسلّم للأجير المشترك ، كان عليه تسليم العين بعد قيامه بالعمل فيها . وإن كان العمل لا يجري في عين تسلّم للأجير ، فإنّ مجرّد قيامه بالعمل المطلوب يعتبر تسليماً كالطّبيب أو السّمسار . وإن كان الأجير خاصّاً كان تسليم نفسه للعمل في محلّ العمل تسليماً معتبراً ، والتّفصيل في مصطلح : ( إجارة ) .
س - تسليم اللّقطة :
16 - للإمام ، أو من ينوب عنه ، أن يتسلّم اللّقطة من الملتقط إن رأى المصلحة في ذلك ، وهذا عند الحنفيّة .
وقال المالكيّة : يباح للملتقط أن يدفع اللّقطة للإمام إن كان عدلاً ، وهو مخيّر في ذلك . ويرى الشّافعيّة : أنّ الملتقط إن دفع اللّقطة إلى القاضي لزم القاضي القبول حفظاً لها على صاحبها . والتّفصيل في ( لقطة ) .
ش - تسليم اللّقيط للقاضي :
17 - يجوز للقاضي أن يتسلّم اللّقيط من ملتقطه إذا علم عجزه عن حفظه بنفسه وأتى به إليه ، والأولى للقاضي أن يقبله . وتفصيله في بحث ( لقيط ) .
ص - تسليم الصّداق للزّوجة :
18 - إذا طالبت الزّوجة بالمهر يجب على الزّوج تسليمه أوّلاً ، لأنّ حقّ الزّوج في المرأة متعيّن ، وحقّ المرأة في المهر لم يتعيّن بالعقد ، وإنّما يتعيّن بالقبض ، فوجب على الزّوج التّسليم عند المطالبة ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة .
وقال المالكيّة : والبعض الآخر من الشّافعيّة : يجب على الزّوج تسليم الصّداق لزوجته ، أو لوليّها المجبر ، لأنّه لمّا كان له إجبارها على النّكاح كان له تسلّم صداقها بغير إذنها كالصّغيرة .
ض - تسليم الزّوجة نفسها :
19 - يجوز للزّوجة قبل دخول الزّوج بها أن لا تسلّم نفسها إلى زوجها ، حتّى تقبض جميع مهرها المعيّن الحالّ ، سواء أكان بعضه أم كلّه .
وإن انتقلت إلى بيت زوجها فالحكم كذلك لتعيّن حقّها في البدل ، كما يتعيّن حقّه في المبدل .
ولا يتعيّن حقّها إلاّ بالتّسليم والانتقال إلى حيث يريد زوجها إن أراد ، وهذا بلا خلاف .
فإن سلّمت نفسها بالدّخول ، أو بالخلوة الصّحيحة ، فمذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمّد : أنّه لا يجوز لها أن تمنع نفسها ، لأنّها بالدّخول أو بالخلوة الصّحيحة سلّمت جميع المعقود عليه برضاها ، وهي من أهل التّسليم ، فبطل حقّها في المنع .
ويرى أبو حنيفة : أنّ للزّوجة أن تمتنع من زوجها حتّى تأخذ المعجّل لها من المهر ، ولو دخل بها برضاها وهي مكلّفة ، لأنّ المهر مقابل بجميع ما يستوفى من منافع البضع في جميع أنواع الاستمتاع الّتي توجد في هذا الملك ، ويكون رضاها بالدّخول أو الخلوة قبل قبض معجّل مهرها إسقاطاً لحقّها في منع نفسها في الماضي ، وليس لحقّها في المستقبل ، على الرّاجح عند الحنفيّة .
ويرى الشّافعيّة في قول أنّ لها الامتناع حتّى تستوفي مهرها ، كما لو كان حالاً ابتداءً .
20 - والتّسليم الواجب على المرأة يحصل في المكان الّذي يتمكّن فيه زوجها من استمتاعه بها ، سواء أكان المكان بيت أبيها إن رضيا معاً بالإقامة فيه ، أم كان مسكناً شرعيّاً أعدّه لها زوجها . ويترتّب على تسليم نفسها لزوجها وجوب نفقتها عليه ، لأنّها محبوسة لحقّه ، وهذا بلا خلاف .
ط - تسليم النّفقة :
21 - اتّفق الفقهاء على أنّ نفقة الزّوجة حقّ أصيل من حقوقها الواجبة على زوجها ، وأنّها تجب على الزّوج الحاضر ، إذا سلّمت الزّوجة نفسها إلى الزّوج وقت وجوب التّسليم . وإذا امتنع الزّوج عن الإنفاق على زوجته بعدما فرضه على نفسه ، أو بعد فرض القاضي باع القاضي من ماله ، إن كان موسراً وله مال ظاهر ، وأعطى لزوجته ما يكفي النّفقة . وللتّفصيل : ( ر : نفقة ) .

تسمّع *
انظر : استماع .

تسمية *
التّعريف :
1 - التّسمية : مصدر سمّى بتشديد الميم ، ومادّة : ( سما ) لها في اللّغة عدّة معان :
فمنها : سما يسمو سموّاً أي علا . يقال : سَمَتْ همّته إلى معالي الأمور : إذا طلب العزّ والشّرف ، وكلّ عال : سماء .
والاسم : من السّموّ وهو العلوّ ، وقيل : الاسم من الوسم ، وهو العلامة .
وقال في الصّحاح : وسمّيت فلاناً زيداً وسمّيته بزيد بمعنًى وأسميته مثله ، فتسمّى به . وتقول : هذا سميّ فلان ، إذا وافق اسمه اسمه ، كما تقول : هو كنيّه ، وقوله تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَه سَمِيَّاً } أي : نظيراً يستحقّ مثل اسمه ، ويقال : مسامياً يساميه . وتستعمل التّسمية عند الفقهاء بمعنى قول : بسم اللّه ، وبمعنى : وضع الاسم العلم للمولود وغيره ، وبمعنى : تحديد العوض في العقود ، كالمهر والأجرة والثّمن ، وبمعنى : التّعيين بالاسم مقابل الإبهام .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّكنية :
2 - التّكنية مصدر : كنّى بتشديد النّون ، أي : جعل له كُنْيةً ، كأبي فلان وأمّ فلان .
وتفصيل الأحكام المتعلّقة بالتّكنية ينظر في مصطلح ( كنية ) .
ب - التّلقيب :
3 - التّلقيب : مصدر لقّب بتشديد القاف . واللّقب واحد الألقاب ، وهو ما كان مشعراً بمدح أو ذمّ . ومعناه : النّبز بالتّمييز .
والنّبز بالألقاب المكروهة منهيّ عنه في قوله تعالى : { وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ } .
فإن قصد به التّعريف فلا يدخل تحت النّهي ، ومن ذلك تعريف بعض الأئمّة المتقدّمين ، كالأعمش والأخفش والأعرج . هذا والنّحاة في كتبهم يفرّقون بين الكنية واللّقب والاسم .
فالكنية عندهم : كلّ مركّب إضافيّ في صدره أب أو أمّ ، كأبي بكر رضي الله عنه ، وأمّ كلثوم رضي الله عنها بنت النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
وفرّق الأبهريّ في حواشي العضد بين الاسم واللّقب ، فقال : الاسم يقصد بدلالته الذّات المعيّنة ، واللّقب يقصد به الذّات مع الوصف ، ولذلك يختار اللّقب عند إرادة التّعظيم أو الإهانة .
هذا وسيأتي حكم الكنية واللّقب عند الكلام على التّسمية بمعنى وضع الاسم العلم للمولود .
أحكام التّسمية :
أوّلاً : التّسمية أو البسملة : قول : ( بسم اللّه ) :
4 - أكملها : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، ويتعلّق بها عدد من الأحكام ، كالتّسمية في ابتداء الوضوء ، وعند الغسل ، وفي الصّلاة ، وعند الذّبح ، وفي الصّيد عند إرسال الكلب أو السّهم ، وعند الطّعام أو الجماع أو دخول الخلاء . وينظر التّفصيل في : ( بسملة ) .
ثانياً : التّسمية بمعنى وضع الاسم العلم للمولود وغيره :
5 - الفقهاء يذكرون التّسمية ويريدون بها وضع الاسم العلم للمولود وغيره ، وهي بهذا المعنى تعريف الشّيء المسمّى ، لأنّه إذا وجد وهو مجهول الاسم لم يكن له ما يقع تعريفه به . ويتعلّق بها عدد من الأحكام :
أ - تسمية المولود :
6 - ذكر ابن عرفة أنّ مقتضى القواعد وجوب التّسمية ، وممّا لا نزاع فيه أنّ الأب أولى بها من الأمّ ، فإن اختلف الأبوان في التّسمية فيقدّم الأب .
ب - وقت التّسمية :
7 - يرى المالكيّة أنّ وقت تسمية المولود هو اليوم السّابع من ولادته بعد ذبح العقيقة ، هذا إذا كان المولود ممّن يعقّ عنه ، فإن كان ممّن لا يعقّ عنه لفقر وليّه فيجوز أن يسمّوه متى شاءوا . قال الحطّاب : قال في المدخل في فصل ذكر النّفاس : وينبغي إذا كان المولود ممّن يعقّ عنه فلا يوقع عليه الاسم الآن حتّى تذبح العقيقة ، ويتخيّر له في الاسم مدّة السّابع ، وإذا ذبح العقيقة أوقع عليه الاسم .
وإن كان المولود لا يعقّ عنه لفقر وليّه فيسمّونه متى شاءوا . انتهى .
ثمّ قال : ونقله بعض شرّاح الرّسالة عن التّادليّ ، وأصله للنّوادر في باب العقيقة .
قال ابن عرفة : ومقتضى القواعد وجوب التّسمية ، سمع ابن القاسم يسمّى يوم سابعه .
قال ابن رشد : لحديث : « يذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمّى » وفيه سعة لحديث « ولد لي اللّيلة غلام ، فسمّيته باسم أبي إبراهيم » « وأتي النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعبد اللّه بن أبي طلحة صبيحة ولد فحنّكه ودعا له وسمّاه » .
ويحتمل حمل الأوّل على منع تأخير التّسمية عن سابعه فتتّفق الأخبار ، وعلى قول مالك قال ابن حبيب : لا بأس أن تتخيّر له الأسماء قبل سابعه ، ولا يسمّى إلاّ فيه .
ويرى الشّافعيّة أنّه يستحبّ تسمية المولود في اليوم السّابع كما ذكر النّوويّ في الرّوضة ، ولا بأس أن يسمّى قبله ، واستحبّ بعضهم أن لا يفعله . ولا يترك تسمية السّقط ، ولا من مات قبل تمام السّبعة .
هذا وأمّا الأخبار الصّحيحة الواردة في تسمية يوم الولادة ، فقد حملها البخاريّ على من لم يرد العقّ ، والأخبار الواردة في تسميته في اليوم السّابع على من أراده .
وأمّا الحنابلة فلهم في وقت التّسمية روايتان : إحداهما : أنّه يسمّى في اليوم السّابع . والثّانية : أنّه يسمّى في يوم الولادة . قال صاحب كشّاف القناع : ويسمّى المولود فيه أي : في اليوم السّابع ، لحديث سمرة رضي الله عنه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : « كلّ غلام رهينة بعقيقته ، تذبح عنه يوم سابعه ، ويسمّى فيه ، ويحلق رأسه » .
والتّسمية للأب فلا يسمّيه غيره مع وجوده . وفي الرّعاية : يسمّى يوم الولادة ، لحديث مسلم في قصّة ولادة إبراهيم ابنه صلى الله عليه وسلم : « ولد لي اللّيلة مولود فسمّيته إبراهيم باسم أبي إبراهيم » هذا ولم يذكر ابن عابدين ولا صاحب الفتاوى الهنديّة من الحنفيّة عند الكلام على التّسمية الوقت الّذي تكون فيه .
قال ابن القيّم : إنّ التّسمية لمّا كانت حقيقتها تعريف الشّيء المسمّى ، لأنّه إذا وجد وهو مجهول الاسم لم يكن له ما يقع تعريفه به ، فجاز تعريفه يوم وجوده ، وجاز تأخير التّعريف إلى ثلاثة أيّام ، وجاز إلى يوم العقيقة عنه ، ويجوز قبل ذلك وبعده ، والأمر فيه واسع .
ج - تسمية السّقط :
8 - المراد بالسّقط هنا الولد ذكراً كان أو أنثى يخرج ميّتاً من بطن أمّه قبل تمامه وهو مستبين الخَلْق . يقال : سقط الولد من بطن أمّه سقوطاً فهو سقط بالكسر ، والتّثليث لغة ، ولا يقال : وقع ، وأسقطت الحامل بالألف : ألقت سقطاً .
هذا ، وقد اختلف الفقهاء في تسمية السّقط . قال صاحب الفتاوى الهنديّة : من ولد ميّتاً لا يسمّى عند أبي حنيفة خلافاً لمحمّد رحمهما اللّه تعالى .
والمشهور عند المالكيّة أنّ السّقط لا يسمّى .
ويرى الشّافعيّة ، كما قال النّوويّ في الرّوضة : أنّ تسمية السّقط لا تترك .
وفي النّهاية : يندب تسمية سقط نفخت فيه الرّوح .
وأمّا الحنابلة ، فقد قال ابن قدامة : فإن لم يتبيّن ذكر هو أم أنثى ؟ سمّي اسماً يصلح للذّكر والأنثى ، هذا على سبيل الاستحباب ، لأنّه يروى عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال :
« سمّوا أسقاطكم ، فإنّهم أسلافكم »
قيل : إنّهم إنّما يسمّون ليدعوا يوم القيامة بأسمائهم ، فإذا لم يعلم هل السّقط ذكر أو أنثى ، سمّي اسماً يصلح لهما جميعاً ، كسلمة وقتادة وسعاد وهند . ونحو ذلك .
د - تسمية من مات بعد الولادة :
9 - يرى الفقهاء أنّ من مات بعد الولادة ، وقبل أن يسمّى ، فإنّه يسمّى .
وبيان ذلك أنّ الحنفيّة قالوا : إذا استهلّ صارخاً فإنّه يعطى حكم الكبير ، وتثبت له كافّة الحقوق . وتسمية من مات بعد الولادة جائزة عند المالكيّة .
والشّافعيّة يرون أنّه يسمّى إذا مات قبل تمام السّبع ، كما قال النّوويّ في الرّوضة .
وقال صاحب مغني المحتاج : لو مات قبل التّسمية استحبّ تسميته . ومقتضى مذهب الحنابلة أنّهم يجيزون تسمية من مات بعد الولادة ، لأنّهم يجيزون تسمية السّقط ، ويقولون : إنّها مستحبّة ، فعلى هذا تسمية من مات بعد الولادة جائزة عندهم ، بل أولى .
ما تستحبّ التّسمية به من الأسماء :
10 - الأصل جواز التّسمية بأيّ اسم إلاّ ما ورد النّهي عنه ممّا سيأتي .
وتستحبّ التّسمية بكلّ اسم معبّد مضاف إلى اللّه سبحانه وتعالى ، أو إلى أيّ اسم من الأسماء الخاصّة به سبحانه تعالى ، لأنّ الفقهاء اتّفقوا على استحسان التّسمية به .
وأحبّ الأسماء إلى اللّه عبد اللّه وعبد الرّحمن . وقال سعيد بن المسيّب : أحبّها إلى اللّه أسماء الأنبياء . والحديث الصّحيح يدلّ على أنّ أحبّ الأسماء إليه سبحانه وتعالى : عبد اللّه وعبد الرّحمن . ويدلّ لذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ أحبّ أسمائكم إلى اللّه عبد اللّه وعبد الرّحمن ». ولما أخرجه أبو داود في سننه عن أبي الجشميّ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « تسمّوا بأسماء الأنبياء ، وأحبّ الأسماء إلى اللّه : عبد اللّه وعبد الرّحمن ، وأصدقها : حارث وهمّام ، وأقبحها : حرب ومرّة .
وقال ابن عابدين في حاشيته نقلاً عن المناويّ : إنّ عبد اللّه أفضل مطلقاً حتّى من عبد الرّحمن ، وأفضل الأسماء بعدهما محمّد ثمّ أحمد ثمّ إبراهيم .
والجمهور على استحباب التّسمية بكلّ معبّد مضاف إلى اللّه سبحانه وتعالى كعبد اللّه ، أو مضاف إلى اسم خاصّ به سبحانه وتعالى كعبد الرّحمن وعبد الغفور .
وأمّا الحنفيّة فهم مع الجمهور في أنّ أحبّ الأسماء إلى اللّه : عبد اللّه وعبد الرّحمن ، إلاّ أنّ صاحب الفتاوى الهنديّة قال : ولكنّ التّسمية بغير هذه الأسماء في هذا الزّمان أولى ، لأنّ العوامّ يصغّرونها للنّداء . وذكر ابن عابدين في حاشيته على الدّرّ المختار أنّ أفضليّة التّسمية بعبد اللّه وعبد الرّحمن ليست مطلقةً فإنّ ذلك محمول على من أراد التّسمية بالعبوديّة ، لأنّهم كانوا يسمّون عبد شمس وعبد الدّار ، فجاءت الأفضليّة ، فهذا لا ينافي أنّ اسم محمّد وأحمد أحبّ إلى اللّه تعالى من جميع الأسماء ، فإنّه لم يختر لنبيّه صلى الله عليه وسلم إلاّ ما هو أحبّ إليه ، هذا هو الصّواب .
ولا يجوز تغيير اسم اللّه بالتّصغير فيما هو مضاف . قال ابن عابدين : وهذا مشتهر في زماننا حيث ينادون من اسمه عبد الرّحيم وعبد الكريم أو عبد العزيز مثلاً ، فيقولون : رحيّم وكريّم وعزيّز بتشديد ياء التّصغير ، ومن اسمه عبد القادر قويدر وهذا مع قصده كفر .
ففي المنية : من ألحق التّصغير في آخر اسم عبد العزيز أو نحوه - ممّا أضيف إلى واحد من الأسماء الحسنى - إن قال ذلك عمداً قاصداً التّحقير كفر ، وإن لم يدر ما يقول ولا قصد له لم يحكم بكفره ، ومن سمع منه ذلك يحقّ عليه أن يعلّمه ، وبعضهم يقول : رحمون لمن اسمه عبد الرّحمن .
11 - وأمّا التّسمية بأسماء الأنبياء فقد اختلف الفقهاء في حكمها ، فذهب الأكثرون إلى عدم الكراهة ، وهو الصّواب . قال صاحب تحفة المحتاج : ولا تكره التّسمية باسم نبيّ أو ملك ، بل جاء في التّسمية باسم نبيّنا عليه الصلاة والسلام فضائل . ومن ذلك ما رواه العتبيّ أنّ أهل مكّة يتحدّثون : ما من بيت فيه اسم محمّد إلاّ رأوا خيراً ورزقوا .
وذكر صاحب كشّاف القناع من الحنابلة : أنّه يحسن التّسمية بأسماء الأنبياء .
بل قال سعيد بن المسيّب ، كما تقدّم النّقل عنه : إنّها أحبّ الأسماء إلى اللّه .
وذهب آخرون إلى كراهة التّسمية بأسماء الأنبياء ، وقد نسب هذا القول إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه . قال صاحب تحفة المودود : ولعلّ صاحب هذا القول قصد صيانة أسمائهم عن الابتذال وما يعرض لها من سوء الخطاب ، عند الغضب وغيره .
وقال سعيد بن المسيّب : أحبّ الأسماء إلى اللّه أسماء الأنبياء . وفي تاريخ ابن خيثمة : أنّ طلحة كان له عشرة من الولد ، كلّ منهم اسمه اسم نبيّ ، وكان للزّبير عشرة كلّهم تسمّى باسم شهيد ، فقال له طلحة : أنا سمّيتهم بأسماء الأنبياء ، وأنت تسمّيهم بأسماء الشّهداء ، فقال له الزّبير : فإنّي أطمع أن يكون بَنيّ شهداء ، ولا تطمع أن يكون بنوك أنبياء .
ويدلّ على جواز التّسمية بأسماء الأنبياء ما أخرجه أبو داود في سننه عن أبي الجشميّ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « تسمّوا بأسماء الأنبياء » .
ويدلّ على جواز التّسمية باسم نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخاريّ في صحيحه عن جابر رضي الله عنه « قال : ولد لرجل منّا غلام فسمّاه القاسم ، فقالوا : لا نكنّيه حتّى نسأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : سمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي » .
ما تكره التّسمية به من الأسماء :
12 - تكره تنزيهاً التّسمية بكلّ اسم يتطيّر بنفيه ، كرباح وأفلح ونجاح ويسار وما أشبه ذلك ، فإنّ هذه الأسماء وما أشبهها يتطيّر بنفيها ، فيما لو سئل شخص سمّى ابنه رباحاً : أعندك رباح ؟ فيقول : ليس في البيت رباح ، فإنّ ذلك يكون طريقاً للتّشاؤم .
هذا وقد أخرج مسلم في صحيحه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا تسمّين غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح ، فإنّك تقول : أثمّ هو ؟ فلا يكون ، فيقول : لا » إلاّ أنّ ذلك لا يحرم لحديث عمر رضي الله عنه « إنّ الآذن على مشربة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عبد يقال له : رباح » وعن جابر رضي الله عنه « أراد صلى الله عليه وسلم أن ينهى عن أن يسمّى بيعلى وببركة وبأفلح وبيسار وبنافع وبنحو ذلك ، ثمّ رأيته بعد سكت عنها ، فلم يقل شيئاً ، ثمّ قبض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولم ينه عن ذلك ، ثمّ أراد عمر رضي الله عنه أن ينهى عن ذلك ثمّ تركه » . وتكره التّسمية أيضاً بالأسماء الّتي تكرهها النّفوس وتشمئزّ منها كحرب ومرّة وكلب وحيّة . وقد صرّح المالكيّة بمنع التّسمية بكلّ اسم قبيح .
قال صاحب مواهب الجليل : يمنع بما قبح كحرب وحزن وضرار . وقال صاحب مغني المحتاج : تكره الأسماء القبيحة ، كشيطان وظالم وشهاب وحمار وكلب . إلخ .
وذكر الحنابلة أنّه تكره تسميته بأسماء الجبابرة كفرعون وأسماء الشّياطين . وجاء في مطالب أولي النّهى كراهية التّسمية بحرب . هذا ، وقد « كان النّبيّ عليه الصلاة والسلام يكره الاسم القبيح للأشخاص والأماكن والقبائل والجبال » . أخرج مالك في الموطّأ عن يحيى بن سعيد « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال للقحة تحلب : من يحلب هذه ؟ فقام رجل ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ما اسمك ، فقال له الرّجل : مُرَّة . فقال له رسول صلى الله عليه وسلم : اجلس . ثمّ قال : من يحلب هذه ؟ فقام رجل ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ما اسمك ؟ ، فقال : حرب . فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : اجلس . ثمّ قال : من يحلب هذه ؟ فقام رجل فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما اسمك ؟ فقال : يعيش ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : احلب » .
التّسمية بأسماء الملائكة :
13 - ذهب أكثر العلماء إلى أنّ التّسمية بأسماء الملائكة كجبريل وميكائيل لا تكره .
وذهب مالك إلى كراهة التّسمية بذلك ، قال أشهب : سئل مالك عن التّسمّي بجبريل ، فكره ذلك ولم يعجبه . وقال القاضي عياض : قد استظهر بعض العلماء التّسمّي بأسماء الملائكة ، وهو قول الحارث بن مسكين ، وأباح ذلك غيره .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:23 PM

ما تحرم التّسمية به من الأسماء :
14 - تحرم التّسمية بكلّ اسم خاصّ باللّه سبحانه وتعالى ، كالخالق والقدّوس ، أو بما لا يليق إلاّ به سبحانه وتعالى كملك الملوك وسلطان السّلاطين وحاكم الحكّام ، وهذا كلّه محلّ اتّفاق بين الفقهاء . وأورد ابن القيّم فيما هو خاصّ باللّه تعالى : الأحد ، والصّمد ، والخالق ، والرّازق ، والجبّار والمتكبّر ، والأوّل ، والآخر ، والباطن ، وعلّام الغيوب .
هذا ، وممّا يدلّ على حرمة التّسمية بالأسماء الخاصّة به سبحانه وتعالى كملك الملوك مثلاً : ما أخرجه البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه - ولفظه في البخاريّ - قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « أخنى الأسماء يوم القيامة عند اللّه رجل تسمّى ملك الأملاك » ولفظه في صحيح مسلم « أغيظ رجل على اللّه يوم القيامة ، أخبثه وأغيظه عليه : رجل كان يسمّى ملك الأملاك ، لا ملك إلاّ اللّه » .
وأمّا التّسمية بالأسماء المشتركة الّتي تطلق عليه سبحانه وتعالى وعلى غيره فيجوز التّسمّي بها كعليّ ورشيد وبديع . قال ابن عابدين : وظاهره الجواز ولو معرّفاً بأل .
قال الحصكفيّ : ويراد في حقّنا غير ما يراد في حقّ اللّه تعالى .
وقال الحنابلة : تحرم التّسمية بالأسماء الّتي لا تليق إلاّ بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم كسيّد ولد آدم ، وسيّد النّاس ، وسيّد الكلّ ، لأنّ هذه الأسماء كما ذكر الحنابلة لا تليق إلاّ به صلى الله عليه وسلم . وتحرم التّسمية بكلّ اسم معبّد مضاف إلى غير اللّه سبحانه وتعالى كعبد العزّى ، وعبد الكعبة ، وعبد الدّار ، وعبد عليّ ، وعبد الحسين ، أو عبد فلان . إلخ .
كما صرّح به الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . فقد جاء في حاشية ابن عابدين : بأنّه لا يسمّيه عبد فلان . وجاء في مغني المحتاج : أنّه لا يجوز التّسمّي بعبد الكعبة وعبد العزّى .
وجاء في تحفة المحتاج حرمة التّسمية بعبد النّبيّ أو عبد الكعبة أو عبد الدّار أو عبد عليّ أو عبد الحسين لإيهام التّشريك .
ومنه يؤخذ حرمة التّسمية بجار اللّه ورفيق اللّه ونحوهما لإيهامه المحذور .
وجاء في كشّاف القناع ما نصّه : اتّفقوا على تحريم كلّ اسم معبّد لغير اللّه تعالى كعبد العزّى ، وعبد عمرو ، وعبد عليّ ، وعبد الكعبة ، وما أشبه ذلك ، ومثله عبد النّبيّ ، وعبد الحسين ، وعبد المسيح .
هذا ، والدّليل على تحريم التّسمية بكلّ معبّد مضاف إلى غير اللّه سبحانه وتعالى ما رواه ابن أبي شيبة عن يزيد بن المقدام بن شريح عن أبيه عن جدّه هانئ بن يزيد رضي الله عنه قال : « وفد على النّبيّ صلى الله عليه وسلم قوم ، فسمعهم يسمّون : عبد الحجر ، فقال له : ما اسمك ؟ فقال : عبد الحجر ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّما أنت عبد اللّه ». قال ابن القيّم : فإن قيل : كيف يتّفقون على تحريم الاسم المعبّد لغير اللّه ، وقد صرّح عنه عليه السلام أنّه قال : « تعس عبد الدّينار وعبد الدّرهم ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد القطيفة » وصحّ عنه أنّه قال : « أنا النّبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب » .
فالجواب : أمّا قوله : « تعس عبد الدّينار » ، فلم يرد به الاسم ، وإنّما أراد به الوصف والدّعاء على من تعبّد قلبه للدّينار والدّرهم ، فرضي بعبوديّتهما عن عبوديّة ربّه تعالى ، وذكر الأثمان والملابس وهما جمال الباطن والظّاهر .
وأمّا قوله : « أنا ابن عبد المطّلب » ، فهذا ليس من باب إنشاء التّسمية بذلك ، وإنّما هو من باب الإخبار بالاسم الّذي عرف به المسمّى دون غيره ، والإخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمّى لا يحرم فباب الإخبار أوسع من باب الإنشاء .
تغيير الاسم وتحسينه :
15 - يجوز تغيير الاسم عموماً ويسنّ تحسينه ، ويسنّ تغيير الاسم القبيح إلى الحسن ، فقد أخرج أبو داود في سننه عن أبي الدّرداء رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم » .
وأخرج مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهم : « أنّ ابنةً لعمر رضي الله عنه كانت يقال لها : عاصية ، فسمّاها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جميلةً » .
وأخرج البخاريّ في صحيحه عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة قال : « جلست إلى سعيد بن المسيّب فحدّثني أنّ جدّه" حزناً "قدم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : ما اسمك ؟ قال : اسمي حَزَن ، قال : بل أنت سهل ، قال : ما أنا بمغيّر اسماً سمّانيه أبي . قال ابن المسيّب : فما زالت فينا الحزونة بعد » وقد « غيّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم الاسم الّذي يدلّ على التّزكية إلى غيره ، فقد غيّر اسم برّة إلى جويرية أو زينب » .
وقال أبو داود : « وغيّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحبّاب وشهاب فسمّاه : هشاماً ، وسمّى حرباً : سلماً ، وسمّى المضطجع : المنبعث ، وأرضاً تسمّى عفرةً سمّاها : خضرةً ، وشعب الضّلالة سمّاه : شعب الهدى ، وبنو الزّنية سمّاهم : بني الرّشدة ، وسمّى بني مغويّة : بني رشدة » .
هذا والفقهاء لا يختلفون في جواز تغيير الاسم إلى اسم آخر ، وفي أنّ تغيير الاسم القبيح إلى الحسن هو من الأمور المطلوبة الّتي حثّ عليها الشّرع .
وأجاز الحنابلة التّسمية بأكثر من اسم .
نداء الزّوج والأب ونحوهما بالاسم المجرّد :
16 - ذكر الحنفيّة أنّه يكره أن يدعو الرّجل أباه ، وأن تدعو المرأة زوجها باسمه ، بل لا بدّ من لفظ يفيد التّعظيم لمزيد حقّهما على الولد والزّوجة . وليس هذا من التّزكية ، لأنّها راجعة إلى المدعوّ بأن يصف نفسه بما يفيدها ، لا إلى الدّاعي المطلوب منه التّأدّب مع من هو فوقه . وذكر الشّافعيّة كما جاء في مغني المحتاج وغيره من كتبهم : أنّه يسنّ لولد الشّخص وتلميذه وغلامه أن لا يسمّيه باسمه . وذهب الحنابلة - كما جاء في مطالب أولي النّهى - إلى أنّه لا يقول السّيّد لرقيقه : يا عبدي ، ولأمته يا أمتي ، لإشعاره بالتّكبّر والافتخار المنهيّ عنه . وكذلك لا يقول العبد لسيّده : يا ربّي ، ولا يا مولاي لما فيه من الإيهام .
تسمية الأشياء بأسماء الحيوان :
17 - قال الرّحيبانيّ : ولا بأس بتسمية النّجوم بالأسماء العربيّة نحو : حمل وثور وجدي ، لأنّها أسماء أعلام ، واللّغة وضع لفظ دليلاً على معنًى ، وليس معناه أنّها هذه الحيوانات حتّى يكون ذلك كذباً ، بل وضع هذه الألفاظ لتلك المعاني توسّع ومجاز ، كما سمّوا في اللّغة الكريم بحراً ، لكن استعمال البحر للكريم مجاز ، بخلاف استعمال تلك الأسماء في النّجوم ، فإنّها حقيقة ، والتّوسّع في التّسمية فقط . ولا يخفى أنّ مثل تسمية النّجوم في الحكم تسمية النّاس بأسماء الحيوان ، ما لم يكن قبيحاً فقد تقدّم حكمه .
تسمية الأدوات والدّوابّ والملابس :
18 - ذكر ابن القيّم أنّه يجوز تسمية الأدوات والدّوابّ والملابس بأسماء خاصّة بها تميّزها عن مثيلاتها أسوةً برسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقد كان لسيوفه ودروعه ورماحه وقسيّه وحرابه وبعض أدواته ودوابّه وملابسه أسماء خاصّة : فمن أسماء سيوفه صلى الله عليه وسلم " مأثور " وهو أوّل سيف ملكه ، ورثه من أبيه ، و " ذو الفِقار " بكسر الفاء وفتحها وهو سيف تنفّله يوم بدر .
ومن أسماء دروعه صلى الله عليه وسلم " ذات الفضول " وهي الّتي رهنها عند أبي الشّحم اليهوديّ على شعير لعياله " وذات الوشاح ، وذات الحواشي " . إلخ .
ومن أسماء قِسِيّه صلى الله عليه وسلم " الزّوراء ، والرّوحاء " .
ومن أسماء تروسه صلى الله عليه وسلم " الزّلوق ، والفتق " .
ومن أسماء رماحه صلى الله عليه وسلم " المثوى ، و المثنّى " .
ومن أسماء حرابه صلى الله عليه وسلم " النّبعة ، والبيضاء " .
وكانت له راية سوداء يقال لها : " العقاب " وفسطاط يسمّى " الكنّ " ومخصرة تسمّى " العرجون " وقضيب من الشّوحط يسمّى " الممشوق " قيل : وهو الّذي كان يتداوله الخلفاء . ومن أسماء أدواته صلى الله عليه وسلم الّتي كان يستعملها في بيته : " الرّيّان " وهو اسم لقدح " والصّادر " وهو اسم لركوة " وتور " وهو إناء يشرب فيه " والسّعة " وهو اسم لقعب " والغرّاء " وهو اسم لقصعة . ومن أسماء دوابّه صلى الله عليه وسلم من الخيل " السّكب "
" والمرتجز ، واللّحيف " ومن البغال " دلدل ، وفضّة " ومن الحمير " عفير "
ومن الإبل " القصواء ، والعضباء " . ومن أسماء ملابسه " السحاب " وهو اسم لعمامة .
تسمية اللّه تعالى بغير ما ورد :
19 - يقول اللّه تعالى : { وَلِلّه الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوه بِها وَذَرُوا الّذينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمَائِه سَيُجْزَونَ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ }
فهذه الآية تدلّ على أنّ للّه سبحانه وتعالى أسماءً خاصّةً يسمّى بها ، لأنّ معنى قوله تعالى : { فَادْعُوه بها } أي سمّوه بها أو نادوه بتلك الأسماء ، فالدّعاء المذكور في هذه الآية كما قال صاحب روح المعاني : إمّا من الدّعوة بمعنى التّسمية ، كقولهم : دعوته زيداً أو بزيد أي : سمّيته . أو من الدّعاء بمعنى النّداء كقولهم : دعوت زيداً أي : ناديته . قال الألوسيّ : الإلحاد في أسمائه سبحانه وتعالى أن يسمّى بما لا توقيف فيه ، أو بما يوهم معنًى فاسداً ، كما في قول أهل البدو في دعاء اللّه : يا أبا المكارم ، يا أبيض الوجه يا سخيّ ونحو ذلك .
ونقل عن بعضهم أنّ الأسماء توقيفيّة يراعى فيها ما ورد في الكتاب والسّنّة والإجماع ، وأنّ كلّ اسم ورد في هذه الأصول جاز إطلاقه عليه جلّ شأنه ، وما لم يرد فيها لم يجز وإن صحّ معناه . ونقل ذلك عن أبي القاسم القشيريّ والآمديّ .
وقال القرطبيّ : إنّ الإلحاد في أسمائه سبحانه وتعالى يكون بثلاثة أوجه :
أحدها : بالتّغيير فيها كما فعله المشركون ، وذلك أنّهم عدلوا بها عمّا هي عليه ، فسمّوا بها أَوْثَانَهُمْ ، فاشتقّوا اللّات من اللّه ، والعزّى من العزيز ، ومناة من المنّان ، قاله ابن عبّاس وقتادة .
الثّاني : بالزّيادة فيها .
الثّالث : بالنّقصان منها ، كما يفعله الجهّال الّذين يخترعون أدعيةً يسمّون فيها اللّه تعالى بغير أسمائه ، ويذكرونه بغير ما يذكر من أفعاله ، إلى غير ذلك ممّا لا يليق به .
ونقل عن ابن العربيّ : أنّه لا يدعى اللّه إلاّ بما ورد في الكتاب والسّنّة .
وقال صاحب روح المعاني : اتّفق علماء الإسلام على جواز إطلاق الأسماء والصّفات على الباري تعالى إذا ورد بهما الإذن من الشّارع ، وعلى امتناعه إذا ورد المنع عنه .
واختلفوا حيث لا إذن ولا منع في جواز إطلاق ما كان سبحانه وتعالى متّصفاً بمعناه ، ولم يكن من الأسماء الأعلام الموضوعة في سائر اللّغات ، إذ ليس جواز إطلاقها عليه تعالى محلّ نزاع لأحد ، ولم يكن إطلاقه موهماً نقصاً ، بل كان مشعراً بالمدح ، فمنعه جمهور أهل الحقّ مطلقاً للخطر ، وجوّزه المعتزلة مطلقاً .
تسمية المحرّمات بغير أسمائها :
20 - إذا سمّيت المحرّمات بغير أسمائها المعروفة ، وهي الّتي اقترن بها التّحريم ، بأن سمّيت بأسماء أخرى لم يقترن التّحريم بها : فإنّ هذه التّسمية لا تزيل عن المحرّمات صفة الحرمة . مثال ذلك : الخمر ، فإنّ اللّه سبحانه وتعالى حرّمها بنفس هذا الاسم حيث قال سبحانه : { يَا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأَنْصَابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَملِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فلو سمّيت باسم آخر من أسماء الأشربة المباحة ، فإنّ تلك التّسمية لا تزيل عنها صفة الحرمة ، لأنّ العلّة - وهي الإسكار - لا تزول بتلك التّسمية ، وهذا تلاعب بالدّين واحتيال يزيد في إثم مرتكب الحرام .
وقد أخرج أبو داود في سننه عن مالك بن أبي مريم قال : دخل علينا عبد الرّحمن بن غنم فتذاكرنا الطّلاء فقال : حدّثني أبو مالك الأشعريّ رضي الله عنه أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ من أمّتي الخمرَ ، يسمّونها بغير اسمها » .
والطّلاء بالكسر والمدّ : هو الشّراب الّذي يطبخ حتّى يذهب ثلثاه ، وكان البعض يسمّي الخمر طلاءً . والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم « يسمّونها بغير اسمها » أي : يتستّرون بشربها بأسماء الأنبذة المباحة كماء العسل وماء الذّرة ونحو ذلك ، ويزعمون أنّه غير محرّم ، لأنّه ليس من العنب والتّمر وهم فيه كاذبون ، لأنّ كلّ مسكر حرام ، فإنّ المدار على حرمة المسكر ، ولهذا لا يضرّ شرب القهوة المأخوذة من البنّ حيث لا سكر فيها مع الإكثار منها ، وإن كانت القهوة من أسماء الخمر فالاعتبار بالمسمّى .
ثالثاً : التّسمية بمعنى تحديد العوض في العقود :
21 - من أمثلة هذا المعنى عندهم : المهر ، فإنّه لا تشترط تسميته في عقد النّكاح فيصحّ النّكاح ويثبت مهر المثل بالدّخول أو الموت .
ومن أمثلته أيضاً : الأجرة ، فإنّ الجمهور يشترطون فيها ما يشترط في الثّمن في البيع ، فيجب العلم بالأجر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من استأجر أجيراً فَلْيعلمه أجره » فإن كان الأجر ديناً ثابتاً في الذّمّة ممّا يصحّ ثبوته فيها فلا بدّ من بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره ، فإن كان في الأجر جهالة مفضية للنّزاع فسد العقد ، ويجب أجر المثل عند استيفاء المنفعة . ومن أمثلته أيضاً : الثّمن ، فإنّ الفقهاء متّفقون على وجوب تسميته في العقد بجواز البيع . على تفصيل يذكر في مصطلح : ( ثمن ، وبيع ) .
رابعاً : التّسمية بمعنى التّعيّن بالاسم مقابل الإبهام :
22 - من أمثلته : تسمية الشّهود ، أو ترك تسميتهم لإثبات عدالتهم .
فالحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة يرون أنّه لا بدّ من تسمية الشّهود وبيان أنسابهم وحلاهم وقبائلهم ومحالّهم وأسواقهم ، إلى غير ذلك من الأمور ، وذلك لإثبات عدالتهم .
وأمّا عند المالكيّة : فإنّه يجوز للرّجل أن يعدّل آخر وإن لم يعرف اسمه ولا كنيته المشهور بها ولا اللّقب ، وإن لم يذكر سبب عدالته ، لأنّ أسباب العدالة كثيرة بخلاف الجرح .

تسنيم *
التّعريف :
1- التسنيم في اللغة : رفع الشيء ، يقال سنم الإناء : إذا ملأه حتى صار الحب فوقه كالسنام ، وكل شيء علا شيئاً فقد تسنمه . وسنام البعير والناقة : أعلى ظهرها ، والجمع أسنمة ، وفي الحديث : « نساء على رؤوسهن كأَسْنِمَة البُخْت » . وقوله تعالى { ومِزَاجُه مِنْ تَسْنِيم } قالوا : هو ماء في الجنة ، سمي بذلك لأنه يجري فوق الغرف والقصور .
والتسنيم في اصطلاح الفقهاء : رفع القبر عن الأرض مقدار شبر أو أكثر قليلاً .
وفي النظم المستعذب : التنسيم أن يجعل أعلى القبر مرتفعاً ، ويجعل جانباه ممسوحين مسنَدين ، مأخوذ من سنام البعير . ويقابله تسطيح القبر ، وهو : أن يجعل منبسطاً متساوي
الأجزاء ، لا ارتفاع فيه ولا انخفاض كسطح البيت .
الحكم الإجمالي :
2- لا خلاف بين الفقهاء في استحباب رفع التراب فوق القبر قدر شبر ، ولا بأس بزيادته عن ذلك قليلاً على ما عليه بعض فقهاء الحنفية ، ليعرف أنه قبر ، فيتوقى ويترحم على صاحبه . فعن جابر رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره عن الأرض قدر شبر » وعن القاسم بن محمد قال لعائشة رضي الله عنها : « اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، فكشفت عن ثلاثة قبور ، لا مشرفة ولا لاطئة ، مبطوحة
ببطحاء العرصة الحمراء »
واختلفوا هل يسنم القبر أو يسطح ؟ فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه : يندب تسنيمه كسنام البعير ، لما روى البخاري عن سفيان التمار أنه « رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً » وعن الحسن مثله .
وما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال : « أخبرني من رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنها مسنمة عليها فلق مدر بيض »
وما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن جبريل عليه السلام صلى بالملائكة على آدم وجعل قبره مسنماً »
وكرهوا تسطيح القبر ، لأن التسطيح يشبه أبنية أهل الدنيا ، وهو أشبه بشعار أهل البدع ،
فكان مكروهاً لذلك عندهم ، ولما روي أن « النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تربيع القبور » وذهب الشافعية إلى أنه يندب تسطيحه ( أي تربيعه ) وأنه أفضل من تسنيمه ، لما روي « أن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم قبره مسطحاً » ولا يخالف ذلك قول علي رضي الله عنه : « أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته » لأنه لم يرد تسويته بالأرض ، وإنما أراد تسطيحه جمعاً بين الأخبار . هذا إذا دفن المسلم في دار الإسلام .
3- أما إن دفن المسلم في غير دار الإسلام ، بأن دفن في بلد الكفار أو دار حرب ، وتعذر نقله إلى دار الإسلام ، فالأولى تسوية قبره بالأرض ، وإخفاؤه أولى من إظهاره وتسنيمه خوفاً من أن ينبش فيمثل به ، وفي ذلك صيانة له عنهم .
وألحق به الأذرعي : الأمكنة التي يخاف نبشها لسرقة كفنه أو لعداوة ونحوهما .
وانظر باقي الأحكام المتعلقة بالقبر في مصطلح ( قبر ) .

تسوّك *
انظر : استياك .

تسوّل *
انظر شحاذة .

تسويد *
التّعريف :
1- التّسويد مصدر سوّد ، يقال : سوّد تسويداً . والتّسويد يأتي بمعنى التّلوين بالسّواد - وهو ضدّ البياض - يقال : سوّد الشّيء أي : جعله أسود .
ويأتي التّسويد من السّيادة ، فيكون بمعنى : التّشريف ، يقال : سوّده قومه تسويداً أي : جعلوه سيّداً عليهم . وفي المصباح : ساد يسود سيادةً ، والاسم السّؤدد ، وهو : المجد والشّرف ، فهو سيّد والأنثى سيّدة .
والسّيّد : المتولّي للسّواد أي الجماعة ، وينسب إلى ذلك فيقال : سيّد القوم . ولمّا كان من شرط المتولّي للجماعة أن يكون مهذّب النّفس ، قيل لكلّ من كان فاضلاً في نفسه : سيّد . ويطلق السّيّد على الرّبّ ، والمالك ، والحليم ، ومحتمل أذى قومه ، والزّوج ، والرّئيس ، والمقدّم . ويأتي التّسويد - أيضاً - لنوع من المداواة ، قال في اللّسان نقلاً عن أبي عبيد : ويقال : سوّد الإِبل تسويداً : إذا دقّ المِسح البالي من شعر فداوى به أدبارها .
والتّسويد في الاصطلاح يريد به الفقهاء المعنيين الأوّلين غالباً .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:23 PM

الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّبييض :
2 - التّبييض : مصدر بيّض ، يقال : بيّض الشّيء أي جعله أبيض ، ضدّ سوّده .
والبياض ضدّ السّواد ، والبيّاض : الرّجل الّذي يبيّض الثّياب . والمبيِّضة : أصحاب البياض ، وهم فرقة من الثّنويّة سمّوا كذلك لتبييضهم الثّياب ، مخالفةً للمسوّدة من العبّاسيّين .
ب - التّعظيم :
3 - التّعظيم : مصدر عظّم ، يقال : عظّمه تعظيماً أي : كبّره وفخّمه .
والتّعظيم يكون باعتبار الوصف والكيفيّة ، ويقابله التّحقير فيهما بحسب المنزلة والرّتبة .
ج - التّفضيل :
4 - التّفضيل : مصدر فضّل ، يقال : فضّلته على غيره تفضيلاً أي : صيّرته أفضل منه ، وفضّله أي مزّاه . والتّفضيل دون التّسويد - بمعنى السّيادة - لكنّه سبب له وطريق إليه .
د - التّكريم :
5 - التّكريم : أن يوصل إلى الإنسان نفع لا يلحقه فيه غضاضة ، أو أن يجعل ما يوصل إلى الإنسان شيئاً كريماً أي شريفاً . وهو مصدر كرّم ، يقال : كرّمه تكريماً أي عظّمه ونزّهه . والإكرام والتّكريم بمعنًى ، والكرم ضدّ اللّؤم .
الحكم التّكليفيّ :
6 - يختلف حكم التّسويد باختلاف معناه ومبحثه الفقهيّ .
فالتّسويد يأتي بمعنى : السّيادة ، ويبحث حكمه في مواطن منها : تسويد النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلاة وفي غيرها ، وتسويد غيره صلى الله عليه وسلم وتسويد المنافق . ويأتي التّسويد بمعنى : التّلوين بالسّواد ، ويبحث حكمه في مواطن منها : التّعزير ، والخضاب ، والحداد ، والتّعزية ، واللّباس والعمامة ، وشعر المبيع .
أوّلاً
التّسويد من السّيادة
تسويد النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
اختلف الفقهاء في حكم تسويد النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلاة ، وحكم تسويده صلى الله عليه وسلم في غير الصّلاة .
أ - في الصّلاة :
7 - ورد لفظ الصّلوات الإبراهيميّة في كتب الحديث والفقه مأثوراً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من غير ذكر " سيّدنا " قبل اسمه عليه الصلاة والسلام .
وأمّا إضافة لفظ " سيّدنا " فرأى من لم يقل بزيادتها الالتزام بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم لأنّ فيه امتثالاً لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من غير زيادة في الأذكار والألفاظ المأثورة عنه ، كالأذان والإقامة والتّشهّد والصّلاة الإبراهيميّة .
وأمّا بخصوص زيادة " سيّدنا " في الصّلاة الإبراهيميّة بعد التّشهّد ، فقد ذهب إلى استحباب ذلك بعض الفقهاء المتأخّرين كالعزّ بن عبد السّلام والرّمليّ والقليوبيّ والشّرقاويّ من الشّافعيّة ، والحصكفيّ وابن عابدين من الحنفيّة متابعةً للرّمليّ الشّافعيّ ، كما صرّح باستحبابه النّفراويّ من المالكيّة . وقالوا : إنّ ذلك من قبيل الأدب ، ورعاية الأدب خير من الامتثال ، كما قال العزّ بن عبد السّلام .
ب - في غير الصّلاة :
8 - أجمع المسلمون على ثبوت السّيادة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى عَلَمِيَّتِه في السّيادة . قال الشّرقاويّ : فلفظ " سيّدنا " علم عليه صلى الله عليه وسلم .
ومع ذلك خالف بعضهم وقالوا : إنّ لفظ السّيّد لا يطلق إلاّ على اللّه تعالى ، لما روي عن أبي نضرة عن مطرّف قال : قال أبي : « انطلقت في وفد بني عامر إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقلنا : أنت سيّدنا ، فقال : السّيّد اللّه تبارك وتعالى . قلنا : وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً ، قال : قولوا بقولكم أو بعض قولكم ، ولا يسخر بكم الشّيطان » . وفي حديث آخر
« أنّه جاءه رجل فقال : أنت سيّد قريش ، فقال صلى الله عليه وسلم : السّيّد اللّه » .
قال ابن الأثير في النّهاية : أي هو الّذي يحقّ له السّيادة ، كأنّه كره أن يحمد في وجهه ، وأحبّ التّواضع . ومنه الحديث لما قالوا : أنت سيّدنا ، قال : « قولوا بقولكم » أي ادعوني نبيّاً ورسولاً كما سمّاني اللّه ، ولا تسمّوني سيّداً كما تسمّون رؤساءكم ، فإنّي لست كأحدهم ممّن يسودكم في أسباب الدّنيا .
وأضاف ابن مفلح إلى ما سبق : والسّيّد يطلق على الرّبّ ، والمالك ، والشّريف ، والفاضل ، والحكيم ، ومتحمّل أذى قومه ، والزّوج ، والرّئيس ، والمقدّم .
وقال أبو منصور : كره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يمدح في وجهه وأحبّ التّواضع للّه تعالى ، وجعل السّيادة للّذي ساد الخلق أجمعين . وليس هذا بمخالف لقوله لسعد بن معاذ رضي الله عنه حين قال لقومه الأنصار : « قوموا إلى سيّدكم » أراد أنّه أفضلكم رجلاً وأكرمكم . وأمّا صفة اللّه جلّ ذِكْره بالسّيّد فمعناه : أنّه مالك الخلق والخلق كلّهم عبيده - أي فلا يطلق لفظ السّيّد بهذا المعنى على غير اللّه تعالى - وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر » أراد أنّه أوّل شفيع ، وأوّل من يفتح له باب الجنّة ، قال ذلك إخباراً عمّا أكرمه اللّه به من الفضل والسّودد ، وتحدّثاً بنعمة اللّه عنده ، وإعلاماً منه ، ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه ، ولهذا أتبعه بقوله : « ولا فخر » أي أنّ هذه الفضيلة الّتي نلتها كرامةً من اللّه تعالى ، لم أنلها من قبل نفسي ، ولا بلغتها بقوّتي ، فليس لي أن أفتخر بها .
وقال السّخاويّ : إنكاره صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون تواضعاً منه صلى الله عليه وسلم وكراهةً منه أن يحمد ويمدح مشافهةً ، أو لأنّ ذلك كان من تحيّة الجاهليّة ، أو لمبالغتهم في المدح ، وقد صحّ قوله صلى الله عليه وسلم : « أنا سيّد ولد آدم » وقوله للحسن رضي الله عنه : « إنّ ابني هذا سيّد » وورد قول سهل بن حنيف رضي الله عنه للنّبيّ صلى الله عليه وسلم : « يا سيّدي » في حديث عند النّسائيّ في عمل اليوم واللّيلة ، وقول ابن مسعود : " اللّهمّ صلّ على سيّد المرسلين ".
وفي كلّ هذا دلالة واضحة وبراهين لائحة على جواز ذلك ، والمانع يحتاج إلى إقامة دليل ، سوى ما تقدّم ، لأنّه لا ينهض دليلاً مع الاحتمالات السّابقة .
تسويد غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
9 - اختلف الفقهاء في جواز إطلاق لفظ السّيّد على غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
فذهب جمهورهم إلى جواز إطلاق لفظ السّيّد على غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم واستدلّوا بقول اللّه تعالى في يحيى عليه السلام : { وَسَيِّدَاً وَحَصُورَاً وَنَبِيَّاً مِنَ الصَّالِحِينَ } أي أنّه فاق غيره عفّةً ونزاهةً عن الذّنوب . وقوله عزّ وجلّ في امرأة العزيز : { وَأَلْفَيَا سَيِّدَها لَدَى الباب } أي زوجها وبما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل : من السّيّد ؟ قال : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قالوا : فما في أمّتك من سيّد ؟ قال : بلى ، من آتاه اللّه مالاً ، ورزق سماحةً ، فأدّى شكره ، وقلّت شكايته في النّاس » وبقوله صلى الله عليه وسلم للأنصار وبني قريظة : « قوموا إلى سيّدكم » يعني سعد بن معاذ . وقوله صلى الله عليه وسلم في الحسن بن عليّ رضي الله عنهما - كما ورد في الصّحيحين - « إنّ ابني هذا سيّد ، ولعلّ اللّه يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » وكذلك كان. وقوله صلى الله عليه وسلم للأنصار : « من سيّدكم ؟ قالوا : الجدّ بن قيس على أنّا نبخّله ، قال صلى الله عليه وسلم : وأيّ داء أدوى من البخل » .
وبقوله صلى الله عليه وسلم :« كلّ بني آدم سيّد ، فالرّجل سيّد أهله ،والمرأة سيّدة بيتها ».
ومنه حديث أمّ الدّرداء رضي الله عنها : حدّثني سيّدي أبو الدّرداء .
وبقول عمر رضي الله عنه لمّا سئل : من الّذي إلى جانبك ، فأجاب : هذا سيّد المسلمين أبيّ بن كعب رضي الله عنه .
وقالوا : إنّه لم يرد في القرآن الكريم ولا في حديث متواتر أنّ السّيّد من أسماء اللّه تعالى ، ولأنّ إطلاق لفظ السّيّد على اللّه عزّ وجلّ لكونه سبحانه مالك الخلق أجمعين ، ولا مالك لهم سواه ، وإطلاق هذا اللّفظ على غير اللّه تعالى لا يكون بهذا المعنى الجامع الكامل ، بل بمعان قاصرة عن ذلك .
وقال بعضهم : إنّ لفظ السّيّد لا يطلق إلاّ على اللّه سبحانه وتعالى ، لما ورد في حديث مطرّف الّذي سبق ذكره . وقال الخطّابيّ : لا يقال السّيّد ولا المولى على الإطلاق من غير إضافة إلاّ في صفة اللّه تعالى .
وقال بعضهم : إنّ لفظ السّيّد يجوز إطلاقه على مالك العبد أو مالكته ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : لا يقولنّ أحدكم : عبدي وأمتي ، ولا يقولنّ المملوك : ربّي وربّتي ، وليقل المالك : فتاي وفتاتي . وليقل المملوك : سيّدي وسيّدتي ، فإنّهم المملوكون ، والرّبّ : اللّه تعالى » قال صاحب عون المعبود : كان بعض أكابر العلماء يأخذ بهذا ، ويكره أن يخاطب أحداً بلفظه أو كتابته بالسّيّد ، ويتأكّد هذا إذا كان المخاطب غير تقيّ .
من يستحقّ التّسويد :
10 - لفظ السّيّد مشتقّ من السّؤدد ، وهو : المجد والشّرف ،ويطلق على المتولّي للجماعة. ومن شرطه وشأنه أن يكون مهذّب النّفس شريفاً . وعلى من قام به بعض خصال الخير من الفضل والشّرف والعبادة والورع والحلم والعقل والنّزاهة والعفّة والكرم ونحو ذلك .
إطلاق لفظ السّيّد على المنافق :
11 - المنافق ليس من هذه الخصال في شيء ، لأنّه كاذب مدلّس خائن ، لا توافق سريرته علانيته . وفي العقيدة : يبطن الكفر ويظهر الإسلام . وقد ورد النّهي عن إطلاق لفظ السّيّد على المنافق فيما روي عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا للمنافق سيّد ، فإنّه إن يك سيّدكم فقد أسخطتم ربّكم عزّ وجلّ »
وذلك لأنّ السّيّد هو المستحقّ للسّؤدد ، أي للأسباب العالية الّتي تؤهّله لذلك ، فأمّا المنافق فإنّه موصوف بالنّقائص ، فوصفه بذلك وضع له في مكان لم يضعه اللّه فيه ، فلا يبعد أن يستحقّ واضعه بذلك سخط اللّه . وقيل معناه : إن يك سيّداً لكم فتجب عليكم طاعته ، فإذا أطعتموه في نفاق فقد أسخطتم ربّكم . وقال ابن الأثير : لا تقولوا للمنافق سيّد ، فإنّه إن كان سيّدكم وهو منافق فحالكم دون حاله ، واللّه لا يرضى لكم ذلك .
ثانياً
التّسويد من السّواد
أ - التّسويد بالخضاب :
12 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ خضاب الرّجل بالسّواد مكروه في غير الجهاد في الجملة . وللحنفيّة والمالكيّة في ذلك تفصيل :
قال ابن عابدين : يكره الخضاب بالسّواد أي لغير الحرب ، قال في الذّخيرة : أمّا الخضاب بالسّواد للغزو - ليكون أهيب في عين العدوّ - فهو محمود بالاتّفاق .
وإن كان ليزيّن نفسه للنّساء فمكروه ، وعليه عامّة المشايخ . وبعضهم جوّزه بلا كراهة . روي عن أبي يوسف أنّه قال : كما يعجبني أن تتزيّن لي يعجبها أن أتزيّن لها .
وقال المالكيّة : الخضاب بالسّواد إذا كان للتّغرير فهو حرام . كمن أراد نكاح امرأة فصبغ شعر لحيته الأبيض ، بالسّواد . وإن كان للجهاد حتّى يوهم العدوّ الشّباب ندب .
وإن كان للتّشابّ كره . وإن كان مطلقاً فقولان : بالكراهة والجواز .
وقال الشّافعيّة : إنّ الخضاب بالسّواد حرام في الجملة ، ولهم في ذلك تفصيل وخلاف .
قال النّوويّ في المجموع : اتّفقوا على ذمّ خضاب الرّأس واللّحية بالسّواد ، ثمّ قال : قال : الغزاليّ في الإحياء ، والبغويّ في التّهذيب ، وآخرون من الأصحاب : هو مكروه .
وظاهر عبارتهم أنّه مكروه كراهة تنزيه ، والصّحيح - بل الصّواب - أنّه حرام .
وممّن صرّح بتحريمه صاحب الحاوي في باب الصّلاة بالنّجاسة ، قال : إلاّ أن يكون في الجهاد ، وقال في آخر كتاب الأحكام السّلطانيّة يمنع المحتسب النّاس من خضاب الشّيب بالسّواد إلاّ المجاهد ، ودليل تحريمه حديث جابر رضي الله عنه قال : « أتي بأبي قحافة والد أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنهما يوم فتح مكّة ورأسه ولحيته كالثّغامة بياضاً فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : غيّروا هذا ، واجتنبوا السّواد » ، وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : يكون قوم يخضّبون في آخر الزّمان بالسّواد كحواصل الحمام ، لا يريحون رائحة الجنّة » ، ولا فرق في المنع من الخضاب بالسّواد بين الرّجل والمرأة .. هذا مذهبنا ، وحكي عن إسحاق بن راهويه أنّه رخّص فيه للمرأة تتزيّن به لزوجها .
وقال النّوويّ في روضة الطّالبين : خضاب المرأة بالسّواد إن كانت خليّةً من الزّوج وفعلته فهو حرام ، وإن كانت زوجةً وفعلته بإذنه فجائز على المذهب ،وقيل : وجهان كوصل الشّعر. وقال الرّمليّ : يحرم على المرأة الخضاب بالسّواد ، فإن أذن لها زوجها في ذلك جاز ، لأنّ له غرضاً في تزيّنها له ، كما في الرّوضة وأصلها ، وهو الأوجه .
هذا في خضب الرّجل والمرأة الشّعر بالسّواد ، أمّا خضبهما الشّعر بغير السّواد ، كالحمرة والصّفرة مثلاً ، وخضبهما غير الشّعر كاليدين والرّجلين ففيه تفصيل يذكر في موطنه .
وقال الحافظ في الفتح : إنّ من العلماء من رخّص في الاختضاب بالسّواد مطلقاً ، ومنهم من رخّص فيه للرّجال دون النّساء . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( اختضاب ) .
ب - لبس السّواد في الحداد :
13 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للمتوفّى عنها زوجها لبس السّواد من الثّياب ... ولا يجب عليها ذلك ، بل لها أن تلبس غيره .
واختلف فقهاء الحنفيّة في المدّة الّتي يجوز لها أن تلبس فيها السّواد ، فقال بعضهم : لا تجاوز ثلاثة أيّام . ولكنّ فقهاء المذهب - ومنهم ابن عابدين - حملوا ذلك على ما تصبغه الزّوجة بالسّواد وتلبسه تأسّفاً على زوجها ، أمّا ما كان مصبوغاً بالسّواد قبل موت زوجها ، فيجوز لها أن تلبسه مدّة الحداد كلّها .ومنع الحنفيّة لبس السّواد في الحداد على غير الزّوج.
وقال المالكيّة : إنّ المحدّ يجوز لها أن تلبس الأسود ، إلاّ إذا كانت ناصعة البياض ، أو كان الأسود زينة قومها .
وقال القليوبيّ من الشّافعيّة : إذا كان الأسود عادة قومها في التّزيّن به حرم لبسه ، ونقل النّوويّ عن الماورديّ أنّه أورد في " الحاوي " وجهاً يلزمها السّواد في الحداد .
ج - لبس السّواد في التّعزية :
14 - اتّفق الفقهاء على أنّ تسويد الوجه حزناً على الميّت - من أهله أو من المعزّين لا يجوز - لما فيه من إظهار للجزع وعدم الرّضا بقضاء اللّه وعلى السّخط من فعله ، ممّا ورد النّهي عنه في الأحاديث . وتسويد الثّياب للتّعزية مكروه للرّجال ، ولا بأس به للنّساء ، أمّا صبغ الثّياب أسود أو أكهب تأسّفاً على الميّت فلا يجوز على التّفصيل السّابق .
د - السّواد في اللّباس والعمامة :
15 - يندب لبس السّواد عند الحنفيّة ، قال ابن عابدين : ندب لبس السّواد ، لأنّ محمّداً ذكر في السّير الكبير في باب الغنائم حديثاً يدلّ على أنّ لبس السّواد مستحبّ .
أمّا الصّبغ بالأسود ، ولبس المصبوغ به فنقل عن أبي حنيفة : أنّه لا بأس به .
وقال الشّافعيّة : يندب لإمام الجمعة أن يزيد في حسن الهيئة والعمّة والارتداء ، وترك لبس السّواد له أولى من لبسه ، إلاّ إن خشي مفسدةً تترتّب على تركه من سلطان أو غيره ،
وقال ابن عبد السّلام في فتاويه : المواظبة على لبسه بدعة ، فإن منع الخطيب أن يخطب إلاّ به فليفعل وقالوا : نقل أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم لبس العمامة البيضاء والعمامة السّوداء » ، ولكنّ الأفضل في لونها البياض لعموم الخبر الصّحيح الآمر بلبس البياض ، وأنّه خير الألوان في الحياة والموت .
وقال الحنابلة : يباح السّواد ولو للجند ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « دخل مكّة عام الفتح وعليه عمامة سوداء » .
هـ - تسويد الوجه في التّعزير :
16 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه لا يجوز في التّعزير تسخيم الوجه ، أي دهن وجه المعزّر بالسّخام ، وهو السّواد الّذي يتعلّق بأسفل القدر ومحيطه من كثرة الدّخان .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز تسويد الوجه في التّعزير ، لأنّ الإمام يجتهد في جنس ما يعزّر به وفي قدره ، ويفعل بكلّ معزّر ما يليق به وبجنايته ، مع مراعاة التّرتيب والتّدريج ، فلا يرقى لمرتبة وهو يرى ما دونها كافياً .

تسوية *
التّعريف :
1 - التّسوية لغةً : العدل والنّصفة ، والجور أو الظّلم ضدّ العدل ، واستوى القوم في المال مثلاً : إذا لم يفضل أحد منهم غيره في المال . وسواء الشّيء : غيره ومثله - من الأضداد - وتساوت الأمور : تماثلت ، واستوى الشّيئان وتساويا : تماثلا .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
القسم :
2 - وهو مصدر قسم الشّيء يقسمه قسماً : جَزّأه ، والقسم : نصيب الإنسان من الشّيء ويقال : قسمت الشّيء بين الشّركاء ، وأعطيت كلّ شريك قسمه .
ومنه التّقسيم والقسمة قد تكون بالتّساوي ، وقد تكون بالتّفاضل .
الحكم التّكليفيّ :
يختلف حكم التّسوية باعتبار ما يتعلّق به على الوجه الآتي :
تسوية الصّفوف في الصّلاة :
3 - اتّفق العلماء على أنّ من السّنن المؤكّدة تسوية الصّفوف في صلاة الجماعة ، بحيث لا يتقدّم بعض المصلّين على البعض الآخر ، والتّراصّ في الصّفوف ، بحيث لا يكون فيها فرجة ، للأحاديث الكثيرة الّتي وردت في الحثّ عليها : منها قوله صلى الله عليه وسلم : « سوّوا صفوفكم ، فإنّ تسوية الصّفّ من تَمام الصّلاة » وفي رواية « فإنّ تسوية الصّفوف من إقامة الصّلاة » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « أقيموا صفوفكم وتراصّوا ، فإنّي أراكم من وراء ظهري » وقوله صلى الله عليه وسلم : « لَتُسَوُّنَّ صفوفَكم أو ليخالفَنَّ اللّه بين وجوهكم » . وبيان ما تتحقّق به التّسوية في الصّفوف ينظر في مصطلح ( صلاة الجماعة ) .
تسوية الظّهر في الرّكوع :
4 - اتّفق الفقهاء على أنّ أكمل الرّكوع هو أن ينحني المصلّي ، بحيث يستوي ظهره وعنقه ، بأن يمدّهما حتّى يصيرا كالصّحيفة الواحدة ، وينصب ساقيه وفخذيه إلى الحقو ، ولا يثني ركبتيه حتّى لا يفوت استواء الظّهر به . لأنّ ذلك ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، فعن أبي حميد السّاعديّ رضي الله عنه قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا كبّر جعل يديه حَذْوَ منكبيه ، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ، ثمّ هصر ظهره » وفي رواية « ثمّ حنى غير مقنّع رأسه ولا مصوّبه » وعن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يفتتح الصّلاة بالتّكبير إلى أن قالت : وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوّبه ، ولكن بين ذلك » . وفي حديث المسيء صلاته قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم له : « فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك ، وامدد ظهرك ، ومكّن ركوعك » .
قال الإمام البغويّ رحمه الله : السّنّة في الرّكوع عند عامّة العلماء : أن يضع راحتيه على ركبتيه ، ويفرّج بين أصابعه ، ويجافي مرفقيه عن جنبيه ، ويسوّي ظهره وعنقه ورأسه .
التّسوية في إعطاء الزّكاة بين الأصناف الثّمانية :
5 - اختلف العلماء في وجوب التّسوية في الزّكاة بين الأصناف الثّمانية ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى جواز الاقتصار على صنف واحد من الأصناف الثّمانية ، وإلى جواز أن يعطيها شخصاً واحداً من الصّنف الواحد ، فلا يجب على الإمام - إن كان هو الّذي يوزّع - ولا على المالك أن يستوعب جميع الأصناف ، ولا آحاد كلّ صنف .
واستدلّوا لذلك بأدلّة منها : « قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه : أعلمهم أنّ عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم » ففيه الأمر بردّ جملتها في الفقراء ، وهم صنف واحد ، ولم يذكر سواهم .
ثمّ أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف ثان غير الفقراء ، وهم المؤلّفة قلوبهم : الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، وعلقمة بن علاقة ، وزيد الخير .
حيث قسم فيهم الذّهيبة الّتي بعث بها إليه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه من اليمن .
قال ابن قدامة : وإنّما يؤخذ من أهل اليمن الصّدقة . وفي حديث سلمة بن صخر البياضيّ رضي الله عنه « أنّه صلى الله عليه وسلم أمر له بصدقة قومه بقوله عليه الصلاة والسلام : فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك » .
لكنّهم مع ذلك يرون أنّه من الأفضل في القسمة أن يقدّم الأكثر حاجةً ، فالّذي يليه .
فعن عمر رضي الله عنه أنّه كان إذا جمع صدقات المواشي من البقر والغنم ، نظر منها ما كان منيحة اللّبن ، فيعطيها لأهل بيت واحد على قدر ما يكفيهم ، وكان يعطي العشرة للبيت الواحد ثمّ يقول : عطيّة تكفي خير من عطيّة لا تكفي .
وذهب الإمام النّخعيّ رحمه الله إلى أنّه إن كان المال كثيراً يحتمل الأصناف قسمه عليهم ، وإن كان قليلاً جاز وضعه في صنف واحد .
وذهب الشّافعيّة ، وهو قول عكرمة إلى وجوب استيعاب الأصناف الثّمانية إن كان الإمام أو نائبه هو الّذي يقسم ، فإن فقد بعض الأصناف فعلى الموجودين . وكذا يجب على المالك إن تولّى بنفسه القسمة أن يستوعب الأصناف السّبعة غير العامل إن انحصر المستحقّون في البلد ، بأن سهل عادةً ضبطهم ومعرفة عددهم . وإن لم ينحصروا فيجب إعطاء ثلاثة فأكثر من كلّ صنف ، لأنّ اللّه تعالى أضاف إليهم الزّكوات بلفظ الجمع ، وأقلّه ثلاثة .
6- وتجب التّسوية بين الأصناف الثّمانية سواء قسّم الإمام أو المالك ، وإن كانت حاجة بعضهم أشدّ ،لأنّ اللّه سبحانه وتعالى جمع بينهم بواو التّشريك ، فاقتضى أن يكونوا سواءً . « ولقوله صلى الله عليه وسلم لرجل سأله من الزّكاة إنّ اللّه لم يرض بحكم نبيّ ولا غيره في الصّدقات ،حتّى حكم هو فيها ،فجزّأها ثمانية أجزاء ،فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك »
7- كما يجب على الإمام أن يسوّي بين آحاد الصّنف الواحد ، إذا كانت حاجاتهم متساويةً ، لأنّ عليه التّعميم فتلزمه التّسوية ، ولأنّه نائبهم فيحرم عليه التّفضيل .
أمّا إذا اختلفت حاجاتهم فعليه أن يراعيها .
ولا يجب على المالك التّسوية بين آحاد الصّنف الواحد لعدم انضباط الحاجات الّتي من شأنها التّفاوت ، لكن يسنّ له التّسوية إن تساوت حاجاتهم ، فإن تفاوتت استحبّ التّفاوت بقدرها .
التّسوية بين الزّوجات في القسم :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ القسم بين الزّوجات واجب على الرّجل وإن كان مريضاً أو مجبوباً أو عنّيناً ، لأنّ من مقاصد القسم الأنس ، وهو حاصل ممّن لا يطأ . فقد روت عائشة رضي الله عنها « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمّا كان في مرضه جعل يدور على نسائه ، ويقول : أين أنا غداً ؟ أين أنا غداً ؟ » .
ويقسم للمريضة ، والحائض ، والنّفساء ، والرّتقاء ، والقرناء ، والمحرمة ، ومن آلى منها أو ظاهر ، والشّابّة ، والعجوز ، والقديمة ، والحديثة . لقوله تعالى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً } الآية . وروي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعدل بين نسائه في القسم ويقول : اللّهمّ هذا قَسْمي فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما تملك أنتَ ولا أَملك » .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من كان له امرأتان ، فمال إلى إحداهما دون الأخرى ، جاء يوم القيامة وشقّه مائل » .
ويسوّي في القسم بين المسلمة والكتابيّة لما ذكرنا من الدّلائل من غير فضل ، ولأنّهما يستويان في سبب وجوب القسم وهو النّكاح ، فيستويان في القسم .
وتفصيل القسم بين الزّوجات في الحضر والسّفر ، وفي بدء القسم ، وما يختصّ به العروس عند الدّخول وغير ذلك ، يرجع فيه إلى مصطلح ( القسم بين الزّوجات ) .
التّسوية بين المتخاصمين في التّقاضي :
9 - اتّفق الفقهاء أنّ على القاضي العدل بين الخصمين في كلّ شيء من المجلس ، والخطاب ، واللّحظ ، واللّفظ ، والإشارة ، والإقبال ، والدّخول عليه ، والإنصات إليهما ، والاستماع منهما ، والقيام لهما ، وردّ التّحيّة عليهما ، وطلاقة الوجه لهما ، للأحاديث الكثيرة الّتي ثبتت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك منها :
قوله صلى الله عليه وسلم : « من ابتلي بالقضاء بين المسلمين ، فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده ، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر » وفي رواية : « فَلْيُسَوِّ بينهم في النّظر والمجلس والإشارة » .
وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه" أن آسِ بين النّاس في وجهك وعدلك ومجلسك ، حتّى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا ييأس ضعيف من عدلك ".
ولأنّ مخالفة ذلك يوهم الخصم الآخر ميل القاضي إلى خصمه ، فيضعفه ذلك عن القيام بحجّته ، ولا يسارّ أحدهما دون الآخر ، ولا يلقّنه حجّته ، ولا يضحك في وجهه ، لأنّ في ذلك كلّه مخالفةً للمساواة المطلوبة .
ويشمل هذا الشّريف والوضيع والأب والابن ، والصّغير والكبير والرّجل والمرأة . كما اتّفقوا على تقديم الأوّل فالأوّل ، إذا حضر القاضي خصوم وازدحموا ، لأنّ الحقّ للسّابق ، فإن جهل الأسبق منهم ، أو جاءوا معاً أقرع بينهم ، وقدّم من خرجت قرعته ، إذ لا مرجّح إلاّ بها . فإن حضر مسافرون ومقيمون : فإن كان المسافرون قليلاً ، بحيث لا يضرّ تقديمهم على المقيمين قدّمهم ، لأنّهم على جناح السّفر ، ولئلاّ يتضرّروا بالتّخلّف .
وكذلك النّسوة يقدّمن على الرّجال طلباً لسترهنّ ما لم يكثر عددهنّ أيضاً .
10 - ولكنّهم اختلفوا في حكم تسوية المسلم مع خصمه الكافر .
فذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو قول مرجوح عند الشّافعيّة : إلى وجوب المساواة بينهما في كلّ الأمور المذكورة آنفاً ، لأنّ تفضيل المسلم على الكافر ورفعه عليه في مجلس القضاء كسر لقلبه ، وترك للعدل الواجب التّطبيق بين النّاس جميعاً .
وذهب الشّافعيّة في الرّاجح عندهم ، والحنابلة : إلى جواز رفع المسلم على خصمه الكافر ، لما روي عن عليّ رضي الله عنه من أنّه« خرج إلى السّوق ، فوجد درعه مع يهوديّ ، فعرفها فقال : درعي سقطت وقت كذا فقال اليهوديّ : درعي وفي يدي بيني وبينك قاضي المسلمين . فارتفعا إلى شريح رضي الله عنه ، فلمّا رآه شريح قام من مجلسه ، وأجلسه في موضعه ، وجلس مع اليهوديّ بين يديه ، فقال عليّ : إنّ خصمي لو كان مسلماً لجلست معه بين يديك ، ولكنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « لا تساووهم في المجالس » اقض بينيّ وبينه يا شريح . والحديث : « الإسلام يعلو ولا يعلى » .
التّسوية بين الأولاد في العطيّة :
11 - اختلف العلماء في وجوب التّسوية بين الأولاد في العطيّة .
فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ التّسوية بينهم في العطايا مستحبّة ، وليست واجبةً . لأنّ الصّدّيق رضي الله عنه فضّل عائشة رضي الله عنها على غيرها من أولاده في هبة ، وفضّل عمر رضي الله عنه ابنه عاصماً بشيء من العطيّة على غيره من أولاده .
ولأنّ في قوله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات حديث النّعمان بن بشير رضي الله عنهما : « فأشهد على هذا غيري » ما يدلّ على الجواز .
وذهب الحنابلة ، وأبو يوسف من الحنفيّة ، وهو قول ابن المبارك ، وطاووس ، وهو رواية عن الإمام مالك رحمه الله : إلى وجوب التّسوية بين الأولاد في الهبة .
فإن خصّ بعضهم بعطيّة ، أو فاضل بينهم فيها أثم ، ووجبت عليه التّسوية بأحد أمرين : إمّا ردّ ما فضّل به البعض ، وإمّا إتمام نصيب الآخر ، لخبر الصّحيحين عن النّعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : « وهبني أبي هبةً . فقالت أمّي عمرة بنت رواحة رضي الله عنها : لا أرضى حتّى تشهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه : إنّ أمّ هذا أعجبها أن أشهدك على الّذي وهبت لابنها ، فقال صلى الله عليه وسلم يا بشير ألك ولد سوى هذا ؟ قال : نعم . قال : كلّهم وهبت له مثل هذا ؟ قال : لا . قال : فأرجعه » . وفي رواية قال : « اتّقوا اللّه ، واعدلوا بين أولادكم » وفي رواية أخرى « لا تشهدني على جور . إنّ لبنيك من الحقّ أن تعدل بينهم » وفي رواية : « فأشهد على هذا غيري » . وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « سوّوا بين أولادكم في العطيّة ، ولو كنت مؤثراً أحداً لآثرت النّساء على الرّجال » .
12 - واختلفوا كذلك في معنى التّسوية بين الذّكر والأنثى من الأولاد .
فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ معنى التّسوية بين الذّكر والأنثى من الأولاد : العدل بينهم في العطيّة بدون تفضيل ، لأنّ الأحاديث الواردة في ذلك لم تفرّق بين الذّكر والأنثى .
وذهب الحنابلة ، والإمام محمّد بن الحسن من الحنفيّة ، وهو قول مرجوح عند الشّافعيّة إلى أنّ المشروع في عطيّة الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم : أي للذّكر مثل حظّ الأنثيين ، لأنّ اللّه سبحانه وتعالى قسم لهم في الإرث هكذا ، وهو خير الحاكمين ، وهو العدل المطلوب بين الأولاد في الهبات والعطايا .
وإن سوّى بين الذّكر والأنثى ، أو فضّلها عليه ، أو فضّل بعض البنين أو بعض البنات على بعض ، أو خصّ بعضهم بالوقف دون بعض ، فقال أحمد في رواية محمّد بن الحكم : إن كان على طريق الأثرة فأكرهه ، وإن كان على أنّ بعضهم له عيال وبه حاجة يعني فلا بأس به .
وعلى قياس قول الإمام أحمد : لو خصّ المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه تحريضاً لهم على طلب العلم ، أو ذا الدّين دون الفسّاق ، أو المريض ، أو من له فضل من أجل فضيلته فلا بأس .
التّسوية في الشّفعة بين المستحقّين :
13 - اختلف الفقهاء في التّسوية في الشّفعة بين المستحقّين لها .
فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إلى أنّهم يأخذون بالشّفعة على قدر حصصهم من الملك ، لأنّه حقّ مستحقّ بالملك على قدره ، فلو كانت أرض بين ثلاثة من الشّركاء مثلاً : لواحد نصفها ، ولآخر ثلثها ، ولثالث سدسها ، فباع الأوّل - وهو صاحب النّصف - حصّته أخذ الثّاني سهمين ، والثّالث سهماً واحداً .
وذهب الحنفيّة ، وهو قول مرجوح عند الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة ، واختاره جمع من المتأخّرين : إلى أنّ الشّركاء يقتسمون الشّقص على قدر رءوسهم ، وعلى هذا يقسم النّصف في المثال السّابق بين الشّريكين سواءً بسواء ، لأنّ سبب الشّفعة هو أصل الشّركة ، وهم مستوون فيها ، فيجب التّسوية بينهم في اقتسام المشفوع فيه .
التّسوية بين النّاس في المرافق العامّة :
14 - اتّفق الفقهاء على أنّ المرافق العامّة - من الشّوارع والطّرق ، وأفنية الأملاك ، والرّحاب بين العمران ، وحريم الأمصار ، ومنازل الأسفار ، ومقاعد الأسواق ، والجوامع والمساجد ، والأنهار الّتي أجراها اللّه سبحانه وتعالى ، والعيون الّتي أنبع اللّه ماءها ، والمعادن الظّاهرة وهي الّتي خرجت بدون عمل النّاس كالملح والماء والكبريت والكحل وغيرها والكلأ - اتّفقوا على أنّ هذه الأشياء من المنافع المشتركة بين النّاس ، فهم فيها سواسية ، فيجوز الانتفاع بها للمرور والاستراحة والجلوس والمعاملة والقراءة والدّراسة والشّرب والسّقاية ، وغير ذلك من وجوه الانتفاع .
ولكن لا يجوز اقتطاعها لأحد من النّاس ، ولا احتجازها دون المسلمين ، لأنّ فيه ضرراً بالمسلمين وتضييقاً عليهم . ويكون الحقّ فيها للسّابق حتّى يرتحل عنها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « مِنًى مُنَاخ من سبق إليها » . ويشترط عدم الإضرار ، فإذا تضرّر به النّاس لم يجز ذلك بأيّ حال ، لقوله صلى الله عليه وسلم « لا ضرر ولا ضرار » .
تسوية القبر :
15 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى استحباب رفع القبر مقدار شبر من الأرض ، أو أكثر منه بقليل إن لم يخش نبشه من كافر أو نحوه ، وذلك ليعلم أنّه قبر فيزار ، ويترحّم على صاحبه ، ويحترم .
واستدلّوا بما صحّ من أنّ قبر الرّسول صلى الله عليه وسلم رفع نحو شبر فعن جابر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رفع قبره عن الأرض قدر شبر » .
وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر رضي الله عنهم قال : « قلت لعائشة رضي الله عنها : يا أمّه اكشفي لي عن قبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور ، لا مشرفةً ولا لاطئةً مبطوحةً ببطحاء العرصة الحمراء » .
وعن إبراهيم النّخعيّ رحمه الله أنّه قال : أخبرني من رأى قبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنّها مسنّمة .
وروي أيضاً أنّ عبد اللّه بن عبّاس رضي الله عنهما لمّا مات بالطّائف ، صلّى عليه محمّد بن الحنفيّة رحمه الله ، وكبّر عليه أربعاً ، وجعل له لحداً ، وأدخله القبر من قبل القبلة ، وجعل قبره مسنّماً ، وضرب عليه فسطاطاً .
ولكنّ الصّحيح عند الشّافعيّة أنّ تسطيح القبر وتسويته بالأرض أولى من تسنيمه ، لما صحّ عن القاسم بن محمّد من « أنّ عمّته عائشة رضي الله عنها كشفت له عن قبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه فإذا هي مسطّحة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء » .
16 - ويكره عند الجمهور ما زاد عن مقدار الشّبر زيادةً كبيرةً ، إن لم يكن لحاجة كخوف نبش قبر المؤمن من نحو كافر ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه « لا تدع تمثالاً إلاّ طمسته ، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته » . والمشرف ما رفع كثيراً بدليل « قول القاسم في صفة قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وصاحبيه : لا مشرفة ولا لاطئة » .
***************************************
نهاية الجزء الحادي عشر / الموسوعة الفقهية

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:24 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الثاني عشر / الموسوعة الفقهية :


تشبّه *
التّعريف :
1 - التّشبّه لغة : مصدر تشبّه ، يقال : تشبّه فلان : بفلان إذا تكلّف أن يكون مثله والمشابهة بين الشّيئين : الاشتراك بينهما في معنى من المعاني ، ومنه : أشبه الولد أباه : إذا شاركه في صفة من صفاته . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - منها : الاتّباع والتّأسّي والتّقليد وقد تقدّم الكلام فيها تحت عنوان : ( اتّباع ) .
3 - ومنها : الموافقة ، وهي : مشاركة أحد الشّخصين للآخر في صورة قول أو فعل أو ترك أو اعتقاد أو غير ذلك ، سواء أكان ذلك من أجل ذلك الآخر أم لا لأجله .
فالموافقة أعمّ من التّشبّه .
الأحكام المتعلّقة بالتّشبّه :
أوّلاً - التّشبّه بالكفّار في اللّباس :
4 - ذهب الحنفيّة على الصّحيح عندهم ، والمِالكيّة على المذهب ، وجمهور الشّافعيّة إلى : أنّ التّشبّه بالكفّار في اللّباس - الّذي هو شعار لهم به يتميّزون عن المسلمين - يحكم بكفر فاعله ظاهرا ، أي في أحكام الدّنيا ، فمن وضع قلنسوة المجوس على رأسه يكفر ، إلا إذا فعله لضرورة الإكراه أو لدفع الحرّ أو البرد . وكذا إذا لبس زنّار النّصارى إلّا إذا فعل ذلك خديعة في الحرب وطليعة للمسلمين . أو نحو ذلك لحديث : « من تَشَبَّه بقوم فهو منهم » لأنّ اللّباس الخاصّ بالكفّار علامة الكفر ، ولا يلبسه إلّا من التزم الكفر ، والاستدلال بالعلامة والحكم بما دلّت عليه مقرّر في العقل والشّرع . فلو علم أنّه شدّ الزّنّار لا لاعتقاد حقيقة الكفر ، بل لدخول دار الحرب لتخليص الأسارى مثلا لم يحكم بكفره .
ويرى الحنفيّة في قول - وهو ما يؤخذ ممّا ذكره ابن الشّاطّ من المالكيّة - أنّ من يتشبّه بالكافر في الملبوس الخاصّ به لا يعتبر كافراً ، إلا أن يعتقد معتقدهم ، لأنّه موحّد بلسانه مصدّق بجنانه . وقد قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله : لا يخرج أحد من الإيمان إلّا من الباب الّذي دخل فيه ، والدّخول بالإقرار والتّصديق ، وهما قائمان .
وذهب الحنابلة إلى حرمة التّشبّه بالكفّار في اللّباس الّذي هو شعار لهم . قال البهوتيّ : إن تزيّا مسلم بما صار شعارا لأهل ذمّة ، أو علّق صليبا بصدره حرم ، ولم يكفر بذلك كسائر المعاصي . ويرى النّوويّ من الشّافعيّة أنّ من لبس الزّنّار ونحوه لا يكفر إذا لم تكن نيّة .
أحوال تحريم التّشبّه :
وبتتبع عبارات الفقهاء يتبين أنهم يقيدون كفر من يتشبه بالكفار في اللباس الخاص بهم بقيود منها :
5 - أن يفعله في بلاد الإسلام ، قال أحمد الرّمليّ : كون التّزيّي بزيّ الكفّار ردّة محلّه إذا كان في دار الإسلام . أمّا في دار الحرب فلا يمكن القول بكونه ردّة ، لاحتمال أنّه لم يجد غيره كما هو الغالب ، أو أن يكره على ذلك .
قال ابن تيميّة : لو أنّ المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم ( للكفّار ) في الهدي الظّاهر ، لما عليه في ذلك من الضّرر بل قد يستحبّ للرّجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظّاهر ، إذا كان في ذلك مصلحة دينيّة ، من دعوتهم إلى الدّين والاطّلاع على باطن أمورهم لإخبار المسلمين بذلك ، أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الحسنة . فأمّا في دار الإسلام والهجرة الّتي أعزّ اللّه فيها دينه ، وجعل على الكافرين فيها الصّغار والجزية ففيها شرعت المخالفة .
6 - أن يكون التّشبّه لغير ضرورة ، فمن فعل ذلك للضّرورة لا يكفر ، فمن شدّ على وسطه زنّاراً ودخل دار الحرب لتخليص الأسرى ، أو فعل ذلك خديعة في الحرب وطليعة للمسلمين لا يكفر . وكذلك إن وضع قلنسوة المجوس على رأسه لضرورة دفع الحرّ والبرد لا يكفر . 7 - أن يكون التّشبّه فيما يختصّ بالكافر ، كبرنيطة النّصرانيّ وطرطور اليهوديّ .
ويشترط المالكيّة لتحقّق الرّدّة بجانب ذلك :أن يكون المتشبّه قد سعى بذلك للكنيسة ونحوها.
8 - أن يكون التّشبّه في الوقت الّذي يكون اللّباس المعيّن شعارا للكفّار ، وقد أورد ابن حجر حديث أنس رضي الله عنه أنّه رأى قوماً عليهم الطّيالسة ، فقال :" كأنّهم يهود خيبر" ثمّ قال ابن حجر : وإنّما يصلح الاستدلال بقصّة اليهود في الوقت الّذي تكون الطّيالسة من شعارهم ، وقد ارتفع ذلك فيما بعد ، فصار داخلا في عموم المباح .
9 - أن يكون التّشبّه ميلا للكفر ، فمن تشبّه على وجه اللّعب والسّخرية لم يرتدّ ، بل يكون فاسقا يستحقّ العقوبة ، وهذا عند المالكيّة .
10 - هذا ، والتّشبّه في غير المذموم وفيما لم يقصد به التّشبّه لا بأس به .
قال صاحب الدّرّ المختار : إنّ التّشبّه بأهل الكتاب لا يكره في كلّ شيء ، بل في المذموم وفيما يقصد به التّشبّه . قال هشام : رأيت أبا يوسف لابساً نعلين مخصوفين بمسامير فقلت أترى بهذا الحديد بأسا ؟ قال : لا ، قلت : سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك لأنّ فيه تشبّها بالرّهبان ، فقال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يلبس النّعال الّتي لها شعر وإنّها من لباس الرّهبان » .
فقد أشار إلى أنّ صورة المشابهة فيما تعلّق به صلاح العباد لا يضرّ ، فإنّ الأرض ممّا لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلّا بهذا النّوع . وللتّفصيل ر : ( ردّة ، كفر ) .
ثانياً - التّشبّه بالكفّار في أعيادهم :
11 - لا يجوز التّشبّه بالكفّار في أعيادهم ، لما ورد في الحديث « من تشبّه بقوم فهو منهم » ، ومعنى ذلك تنفير المسلمين عن موافقة الكفّار في كلّ ما اختصّوا به . قال اللّه تعالى : { وَلَنْ تَرْضَى عنكَ اليهودُ وَلا النَّصَارى حتّى تَتَّبِعَ مِلّتَهم قلْ إنَّ هُدى اللّهِ هو الهُدَى وَلئنْ اتَّبعتَ أَهواءَهم بَعْدَ الّذي جَاءَكَ مِنَ العلمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وليٍّ ولا نَصِيرٍ }
وروى البيهقيّ عن عمر رضي الله عنه أنّه قال : لا تعلّموا رطانة الأعاجم ، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم ، فإنّ السّخطة تنزل عليهم .
وروي عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّه قال : من مرّ ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبّه بهم حتّى يموت وهو كذلك ، حشر معهم يوم القيامة .
ولأنّ الأعياد من جملة الشّرع والمناهج والمناسك الّتي قال اللّه سبحانه وتعالى : { لِكلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً همْ نَاسِكُوه } كالقبلة والصّلاة ، والصّيام فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المباهج ، فإنّ الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر ، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر ، بل الأعياد من أخصّ ما تتميّز به الشّرائع ومن أظهر ما لها من الشّعائر ، فالموافقة فيها موافقة في أخصّ شرائع الكفر وأظهر شعائره . قال قاضيخان : رجل اشترى يوم النّيروز شيئاً لم يشتره في غير ذلك اليوم : إن أراد به تعظيم ذلك اليوم كما يعظّمه الكفرة يكون كفراً ، وإن فعل ذلك لأجل السّرف والتّنعّم لا لتعظيم اليوم لا يكون كفراً . وإن أهدى يوم النّيروز إلى إنسان شيئا ولم يرد به تعظيم اليوم ، إنّما فعل ذلك على عادة النّاس لا يكون كفراً . وينبغي أن لا يفعل في هذا اليوم ما لا يفعله قبل ذلك اليوم ولا بعده ، وأن يحترز عن التّشبّه بالكفرة .
وكره ابن القاسم - من المالكيّة - للمسلم أن يهدي إلى النّصرانيّ في عيده مكافأة ، ورآه من تعظيم عيده وعونا له على كفره . وكما لا يجوز التّشبّه بالكفّار في الأعياد لا يُعَانُ المسلم المتشبّه بهم في ذلك بل ينهى عن ذلك ، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته ، ومن أهدى من المسلمين هديّة في هذه الأعياد ، مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تقبل هديّته ، خصوصا إن كانت الهديّة ممّا يستعان بها على التّشبّه بهم ، مثل إهداء الشّمع ونحوه في عيد الميلاد .
هذا وتجب عقوبة من يتشبّه بالكفّار في أعيادهم .
وأمّا ما يبيعه الكفّار في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره ، نصّ عليه أحمد في رواية مهنّا . وقال : إنّما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم ، فأمّا ما يباع في الأسواق من المأكل فلا ، وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم . وللتّفصيل ( ر : عيد ) .
ثالثاً - التّشبّه بالكفّار في العبادات :
يكره التّشبّه بالكفّار في العبادات في الجملة ، ومن أمثلة التّشبّه بهم في هذا المجال :
أ - الصّلاة في أوقات الكراهة :
12 - نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الصّلاة في أوقات الكراهة منها للتّشبّه بعبادة الكفّار . فقد أخرج مسلم من حديث عمرو بن عنبسة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « صلّ صلاة الصّبح ، ثمّ أقصر عن الصّلاة حتّى تطلع الشّمس حتّى ترتفع ، فإنّها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفّار . ثمّ صلّ فإنّ الصّلاة مشهودة محضورة حتّى يستقلّ الظّلّ بالرّمح . ثمّ أقصر عن الصّلاة فإنّ حينئذ تسجر جهنّم ، فإذا أقبل الفيء فصلّ فإنّ الصّلاة مشهودة محضورة حتّى تصلّي العصر . ثمّ أقصر عن الصّلاة حتّى تغرب الشّمس فإنّها تغرب بين قَرْنَيْ شيطان وحينئذ يسجد لها الكفّار » . وللتّفصيل في الأحكام المتعلّقة بأوقات الكراهة ( ر : الموسوعة الفقهيّة 7 180 أوقات الصّلاة ف 23 )
ب - الاختصار في الصّلاة :
13 - لا خلاف بين الفقهاء في كراهة الاختصار في الصّلاة لأنّ اليهود تكثر من فعله ، فنهي عنه كراهة للتّشبّه بهم ، فقد أخرج البخاريّ ومسلم واللّفظ له عن أبي هريرة رضي الله عنه « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يصلّي الرّجل مختصراً » وأخرج البخاريّ أيضاً في ذكر بني إسرائيل من رواية أبي الضّحى عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنّها كانت تكره أن يضع يده على خاصرته ، تقول :" إنّ اليهود تفعله "
زاد ابن أبي شيبة في رواية له : « في الصّلاة »
وفي رواية أخرى « لا تشبّهوا باليهود » وللتّفصيل ( ر : صلاة ) .
ج - وِصال الصّوم :
14 - ذهب الحنفيّة ، وجمهور المالكيّة ، والشّافعيّة في أحد الوجهين ، والحنابلة إلى كراهة وصال الصّوم ، لما روى البخاريّ من حديث أنس رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال « لا تواصلوا ، قالوا : إنّك تواصل ، قال لستُ كأحد منكم ، إنّي أطعم وأسقى أو إنّي أبيت أطعم وأسقى » . وقوله صلى الله عليه وسلم « لا تواصلوا » نهي وأدناه يقتضي الكراهة . وعلّة النّهي التّشبّه بالنّصارى كما صرّح به في حديث بشير بن الخصاصية رضي الله عنه الّذي أخرجه أحمد والطّبرانيّ وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في تفسيرهما بإسناد صحيح إلى « ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت : أردت أن أصوم يومين مواصلة ، فمنعني بشير وقال : إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا ، وقال : يفعل ذلك النّصارى ، ولكن صوموا كما أمركم اللّه ، أتمّوا الصّيام إلى اللّيل ، فإذا كان اللّيل فأفطروا »
وذهب أحمد وجماعة من المالكيّة إلى جواز الوصال إلى السّحر ، وبهذا قال إسحاق وابن المنذر وابن خزيمة . ويرى الشّافعيّة في الوجه الآخر ، وهو ما صحّحه ابن العربيّ من المالكيّة : تحريم وصال الصّوم . وللتّفصيل ( ر : صوم ) .
د - إفراد يوم عاشوراء بالصّوم :
15 - ذهب الحنفيّة - وهو مقتضى كلام أحمد كما يقول ابن تيميّة - إلى كراهة إفراد يوم عاشوراء بالصّوم للتّشبّه باليهود . فقد روى مسلم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال : « حين صام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا : يا رسول اللّه ، إنّه يوم تعظّمه اليهود والنّصارى . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : فإذا كان العام المقبل إن شاء اللّه صمنا اليوم التّاسع » قال : فلم يأت العام المقبل حتّى توفّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
قال النّوويّ ، نقلا عن بعض العلماء في تعليقه على الحديث : لعلّ السّبب في صوم التّاسع مع العاشر أن لا يتشبّه باليهود في إفراد العاشر ، وفي الحديث إشارة إلى هذا .
هذا ، واستحبّ الشّافعيّة والحنابلة صوم عاشوراء - وهو العاشر من المحرّم - وتاسوعاء - وهو التّاسع منه - ويرى الحنفيّة أنّه يستحبّ أن يصوم قبل عاشوراء يوماً وبعده يوماً . وقال المالكيّة : ندب صوم عاشوراء وتاسوعاء والثّمانية قبله .
وتفصيل ر : ( صوم ، وعاشوراء ) .
رابعاً : التّشبّه بالفَسَقَة :
16 - قال القرطبيّ : لو خصّ أهل الفسوق والمجون بلباس منع لبسه لغيرهم ، فقد يظنّ به من لا يعرفه أنّه منهم ، فيظنّ به ظنّ السّوء فيأثم الظّانّ والمظنون فيه بسبب العون عليه . وللتّفصيل ر : ( شهادة ، فسق ) .
خامساً - تشبّه الرّجال بالنّساء وعكسه :
17 - ذهب جمهور العلماء إلى تحريم تشبّه النّساء بالرّجال والرّجال بالنّساء .
فقد روي البخاريّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال : « لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المتشبّهين من الرّجال بالنّساء ، والمتشبّهات من النّساء بالرّجال » .
وذهب الشّافعيّة في قول ، وجماعة من الحنابلة إلى كراهة تشبّه الرّجال بالنّساء وعكسه . والتّشبّه يكون في اللّباس والحركات والسّكنات والتّصنّع بالأعضاء والأصوات .
ومثال ذلك : تشبّه الرّجال بالنّساء في اللّباس والزّينة الّتي تختصّ بالنّساء ، مثل لبس المقانع والقلائد والمخانق والأسورة والخلاخل والقرط ونحو ذلك ممّا ليس للرّجال لبسه . وكذلك التّشبّه بهنّ في الأفعال الّتي هي مخصوصة بها كالانخناث في الأجسام والتّأنّث في الكلام والمشي. كذلك تشبّه النّساء بالرّجال في زيّهم أو مشيهم أو رفع صوتهم أو غير ذلك.
وهيئة اللّباس قد تختلف باختلاف عادة كلّ بلد ، فقد لا يفترق زيّ نسائهم عن زيّ رجالهم لكن تمتاز النّساء بالاحتجاب والاستتار . قال الإسنويّ : إنّ العبرة في لباس وزيّ كلّ من النّوعين - حتّى يحرم التّشبّه به فيه - بعرف كلّ ناحية .
وأمّا ذمّ التّشبّه بالكلام والمشي فمختصّ بمن تعمّد ذلك ، وأمّا من كان ذلك من أصل خلقته فإنّما يؤمر بتكلّف تركه والإدمان على ذلك بالتّدريج ، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذّمّ ، ولا سيّما إن بدا منه ما يدلّ على الرّضا به .
هذا ويجب إنكار التّشبّه باليد ، فإن عجز فباللّسان مع أمن العاقبة ، فإن عجز فبقلبه كسائر المنكرات . ويترتّب على هذا أنّه يجب على الزّوج أن يمنع زوجته ممّا تقع فيه من التّشبّه بالرّجال في لبسة أو مشية أو غيرهما ، امتثالاً لقوله تعالى : { قُوا أَنْفسَكم وَأَهليكمْ نَاراً } أي بتعليمهم وتأديبهم وأمرهم بطاعة ربّهم ونهيهم عن معصيته .
سادساً : تشبّه أهل الذّمّة بالمسلمين :
18 - يؤخذ أهل الذّمّة بإظهار علامات يعرفون بها ، ولا يتركون يتشبّهون بالمسلمين في لباسهم ومراكبهم وهيئاتهم . والأصل فيه ما روي" أنّ عمر بن عبد العزيز رحمه الله مرّ على رجال ركوب ذوي هيئة ، فظنّهم مسلمين فسلّم عليهم ، فقال له رجل من أصحابه : أصلحك اللّه تدري من هؤلاء ؟ فقال : من هم ؟ فقال : نصارى بني تغلب . فلمّا أتى منزله أمر أن ينادى في النّاس أن لا يبقى نصرانيّ إلا عقد ناصيته وركب الإكاف ". ولم ينقل أنّه أنكر عليه أحد ، فيكون كالإجماع . ولأنّ السّلام من شعائر الإسلام فيحتاج المسلمون إلى إظهار هذه الشّعائر عند الالتقاء ، ولا يمكنهم ذلك إلّا بتمييز أهل الذّمّة بالعلامة .
هذا ، وإذا وجب التّمييز وجب أن يكون فيه صغار لا إعزاز ، لأنّ إذلالهم واجب بغير أذى من ضرب أو صفع بلا سبب يكون منه ، بل المراد اتّصافه بهيئة خاصّة .
وكذا يجب أن يتميّز نساء أهل الذّمّة عن نساء المسلمين في حال المشي في الطّريق ، وتجعل على دورهم علامة كي لا يعاملوا بما يختصّ به المسلمون ، ولا يمنعون من أن يسكنوا في أمصار المسلمين في غير جزيرة العرب يبيعون ويشترون ، لأنّ عقد الذّمّة شرع ليكون وسيلة لهم إلى الإسلام . وتمكينهم من المقام أبلغ إلى هذا المقصود .
وللتّفصيل في الأمور الّتي يمنع تشبّه أهل الذّمّة فيه بالمسلمين تنظر أبواب الجزية وعقد الذّمّة من كتب الفقه .

تشبيب *
التّعريف :
1 - التّشبيب مصدر شبّب . ومن معانيه : ترقيق أوّل الشّعر بذكر النّساء ، وشبّب بالمرأة : قال فيها الغزل أو النّسيب . والاصطلاح الفقهيّ لا يخرج عن هذا المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّشبيب ، والنّسيب ، والغزل ألفاظ مترادفة ، المراد منها : ذكر محاسن النّساء .
حكمه التّكليفيّ :
2 - يحرم التّشبيب بامرأة معيّنة محرّمة على المشبّب أو بغلام أمرد .
ولا يعرف خلاف بين الفقهاء في حرمة ذكر المثير على الفحش من الصّفات الحسّيّة والمعنويّة لامرأة أجنبيّة محرّمة عليه ، ويستوي في ذلك ذكر الصّفات الظّاهرة والباطنة لما في ذلك من الإيذاء لها ولذويها ، وهتك السّتر والتّشهير بمسلمة .
أمّا التّشبّب بزوجته أو جاريته فهو جائز ما لم يصف أعضاءها الباطنة ، أو يذكر ما من حقّه الإخفاء فإنّه يسقط مروءته ، ويكون حراما أو مكروها ، على خلاف في ذلك .
وكذا يجوز التّشبيب بامرأة غير معيّنة ، ما لم يقل فحشا أو ينصب قرينة تدلّ على التّعيين ، لأنّ الغرض من ذلك هو تحسين الكلام وترقيقه لا تحقيق المذكور ، فإن نصب قرينة تدلّ على التّعيين فهو في حكم التّعيين . وليس ذكر اسم امرأة مجهولة كليلى وسعاد تعيينا ، لحديث : كعب بن زهير : وإنشاده قصيدته المشهورة « بانت سعاد . . بين يدي الرّسول صلى الله عليه وسلم » .
التّشبّب بغلام :
3 - يحرم التّشبيب بغلام - إن ذكر أنّه يعشقه وإن لم يكن معيّنا ، لأنّه لا يحلّ بحال . وقيل : إن لم يكن معيّنا فهو كالمرأة غير المعيّنة . هذا في إنشاء القول من شعر أو نثر . أمّا رواية ذلك أو إنشاده فإنّه إذا لم يقصد به الحضّ على المحرّم فهو مباح لنحو الاستشهاد أو تعلّم الفصاحة والبلاغة .
وقيّد الحنفيّة تحريم التّشبيب بالمرأة بكونها معيّنة حيّة. فلو شبّب بامرأة غير حيّة لم يحرم .

تشبيك *
التّعريف :
1 - التّشبيك في اللّغة : المداخلة ، فيقال لكلّ متداخلين أنّهما مشتبكان . ومنه : شبّاك الحديد ، وتشبيك الأصابع - وهو المراد هنا - لدخول بعضها في بعض . والشّبك : الخلط والتّداخل ، فيقال : شبك الشّيء يشبكه شبكا : إذا خلطه وأنشب بعضه في بعض .
وتشبيك الأصابع لا يخرج في معناه الاصطلاحيّ عن هذا ، قال ابن عابدين : تشبيك الأصابع : أن يدخل الشّخص أصابع إحدى يديه بين أصابع الأخرى .
الحكم الإجماليّ :
2 - أجمع الفقهاء على أنّ تشبيك الأصابع في الصّلاة مكروه ، لما روي عن كعب بن عجرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد شبّك أصابعه في الصّلاة ، ففرّج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين أصابعه » . وقال ابن عمر رضي الله عنهما في الّذي يصلّي وهو يشبّك أصابعه « تلك صلاة المغضوب عليهم »
وأمّا تشبيكها في المسجد في غير صلاة ، وفي انتظارها أي حيث جلس ينتظرها ، أو ماشيا إليها ، فقد قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بكراهة التّشبيك حينئذ ، لأنّ انتظار الصّلاة هو في حكم الصّلاة لحديث الصّحيحين « لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصّلاةُ تَحْبِسُه » ولما روى أحمد وأبو داود وغيرهما مرفوعا « إذا توضّأ أحدكم فأحسن وضوءه ثمّ خرج عامداً إلى المسجد ، فلا يشبّك بين يديه فإنّه في صلاة » وما روى أبو سعيد الخدريّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبّكنّ ، فإنّ التّشبيك من الشّيطان ، وإنّ أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتّى يخرج منه »
وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول
« إذا توضّأ أحدكم ثمّ خرج عامدا إلى الصّلاة ، فلا يشبّكنّ بين يديه ، فإنّه في صلاة » .
3 - وقد اختلف في الحكمة في النّهي عن التّشبيك في المسجد ، فقيل : إنّ النّهي عنه لما فيه من العبث . وقيل : لما فيه من التّشبّه بالشّيطان . وقيل : لدلالة الشّيطان على ذلك . وفي حاشية الطّحاويّ على مراقي الفلاح : حكمة النّهي عن التّشبيك : أنّه من الشّيطان ، وأنّه يجلب النّوم ، والنّوم من مظانّ الحدث ، ولما نبّه عليه في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الّذي يصلّي وهو يشبّك أصابعه تلك صلاة المغضوب عليهم فكره ذلك لما هو في حكم الصّلاة ، حتّى لا يقع في المنهيّ عنه . وكراهته في الصّلاة أشدّ .
ولا يكره عند الجمهور التّشبيك بعد الفراغ ولو كان في المسجد ، لحديث ذي اليدين رضي الله عنه الّذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه - قال « صلّى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العَشِيّ - قال ابن سيرين : سمّاها أبو هريرة ، ولكن نسيت أنا - قال : فصلّى بنا ركعتين ، ثمّ سلّم ، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتّكأ عليها كأنّه غضبان ، ووضع يده اليمنى على اليسرى ، وشبّك بين أصابعه ، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفّه اليسرى ، وخَرَجَتِ السُّرْعانُ من أبواب المسجد ، فقالوا : قُصِرت الصّلاة ، وفي القوم
أبو بكر وعمر فهابا أن يكلّماه ، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين قال : يا رسول اللّه أنسيتَ أم قصرت الصّلاة ؟ قال لم أنس ولم تقصر فقال : أكما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا : نعم . فتقدّم فصلّى ما ترك ، ثمّ سلّم ، ثمّ كبّر وسجد مثل سجوده أو أطول ثمّ رفع رأسه وكبّر ، ثمّ كبّر وسجد مثل سجوده - أو أطول ، ثمّ رفع رأسه وكبّر . فربّما سألوه : ثمّ سلّم ؟ فيقول : نبّئت أنّ عمران بن حصين قال : ثمّ سلّم » .
ولا بأس به عند المالكيّة في غير صلاة حتّى ولو في المسجد ، لأنّ كراهته عندهم إنّما هي في الصّلاة فقط ، إلّا أنّه خلاف الأولى على نحو ما ورد بالشّرح الكبير وجواهر الإكليل . وفي مواهب الجليل ما نصّه : وأمّا بالنّسبة لغير الصّلاة فالتّشبيك لا بأس به حتّى في المسجد . قال ابن عرفة : وسمع ابن القاسم - أي من مالك - : لا بأس بتشبيك الأصابع يعني في المسجد في غير صلاة . وأومأ داود بن قيس ليد مالك مشبّكاً أصابعه به - أي بالمسجد - ليطلقه وقال : ما هذا ؟ فقال مالك : إنّما يكره في الصّلاة . وقال ابن رشد : صحّ في حديث ذي اليدين تشبيكه صلى الله عليه وسلم بين أصابعه في المسجد .
4 - وأمّا تشبيكها خارج الصّلاة فيما ليس من توابعها : بأن لم يكن في حال سعي إليها ، أو جلوس في المسجد لأجلها ، فإن كان لحاجة نحو إراحة الأصابع - وليس لعبثٍ بل لغرض صحيح - فإنّه في هذه الحالة لا يكره عند الحنفيّة ، فقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً » وشبّك بين أصابعه . فإنّه لإفادة تمثيل المعنى ، وهو التّعاضد والتّناصر بهذه الصّورة الحسّيّة .
فلو شبّك لغير حاجة على سبيل العبث كره تنزيها . وفي حاشية الشبراملسي من الشّافعيّة : أنّه إذا جلس في المسجد لا للصّلاة بل لغيرها ، كحضور درس أو كتابة ، فلا يكره ذلك في حقّه لأنّه لم يصدق عليه أنّه ينتظر الصّلاة . وأمّا إذا انتظرهما معا فينبغي الكراهة ، لأنّه يصدق عليه أنّه ينتظر الصّلاة . وأمّا المالكيّة فقد رأوا كراهة التّشبيك للمصلّي خاصّة ولو في غير مسجد ، ولا بأس به عندهم في غير الصّلاة ولو في المسجد ، لقول مالك : يكره في الصّلاة حين أومأ داود بن قيس ليده مشبّكاً أصابعه ليطلقه وقال : ما هذا ؟ .
5 - والتّشبيك حال خطبة الجمعة يكره عند غير المالكيّة من الأئمّة ، لأنّ مستمع الخطبة في انتظار الصّلاة ، فهو كمن في الصّلاة لما سبق .
وعند المالكيّة : غير مكروه ، لأنّ الكراهة عندهم في الصّلاة فقط ولو كان في المسجد ، وإن كان هذا هو خلاف الأولى كما تقدّم .

تشبيه *
التّعريف :
1 - التّشبيه في اللّغة : مصدر شبّهت الشّيء بالشّيء : إذا أقمته مقامه بصفة جامعة بينهما . وتكون الصّفة ذاتيّة ومعنويّة : فالذّاتيّة نحو هذا الدّرهم كهذا الدّرهم أي في القدر ، والمعنويّة نحو زيد كالأسد . وفي اصطلاح علماء البيان : هو الدّلالة على اشتراك شيئين في وصف من أوصاف الشّيء في نفسه ، كالشّجاعة في الأسد والنّور في الشّمس .
وهو إمّا تشبيه مفرد كقوله تعالى : { إنَّ اللّهَ يُحِبُّ الّذينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِه صَفَّاً كَأنَّهمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } أو تشبيه مفردات بمفردات ، كقوله صلى الله عليه وسلم « إنّما مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً ، فكان منها نقيّة قَبِلت الماءَ فأنبتت الكلأَ والعشبَ الكثير ، وكان منها أجادبُ أمسكت الماءَ - فنفع اللّه بها النّاس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصابت منها طائفة أخرى إنّما هي قِيعانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ . فذلك مَثَلُ من فَقُه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فَعَلِم وعلَّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى اللّه الّذي أُرسلتُ به » . فقد شبّه العلم بالغيث ، وشبّه من ينتفع به بالأرض الطّيّبة ، ومن لا ينتفع به بالقيعان . فهي تشبيهات مجتمعة ، أو تشبيه مركّب ، كقوله صلى الله عليه وسلم : « إنَّ مَثَلي مثل الأنبياء من قبلي : كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله ، إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل النّاس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وُضِعَتْ ، هذه اللَّبِنَةُ ؟ قال : فأنا اللَّبِنَةُ ، وأنا خاتَمُ النّبيّين » .
فهذا تشبيه المجموع بالمجموع ، لأنّ وجه الشّبه عقليّ منتزع من عدّة أمور .
الألفاظ ذات الصّلة :
القياس :
2 - القياس هو : إلحاق فرع بأصل في الحكم لعلّة جامعة بينهما .
حكم التّشبيه :
يختلف حكم التّشبيه بحسب موقعه والمراد منه على ما سيأتي .
أ - التّشبيه في الظّهار :
3 - الظّهار شرعا : تشبيه المسلم زوجته أو جزءا شائعا منها بمحرّم عليه تأبيداً ، كقوله : أنت عليّ كظهر أمّي أو نحوه ، أو كبطنها أو كفخذها ، ونحو ذلك .
وهذا النّوع من التّشبيه حرام نصّا لقوله تعالى : { الّذينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكمْ مِنْ نِسَائِهمْ ما هنَّ أُمَّهَاتِهم إنْ أُمَّهاتُهمْ إلا اللائي وَلَدْنَهم ، وَإِنَّهمْ ليقولونَ مُنْكَراً مِن القولِ وزوراً } .
وإذا وقع من الزّوج التّشبيه ، ممّا يعتبر ظهارا ، يحرم عليه وطء امرأته قبل أن يكفّر باتّفاق الفقهاء . وكذلك يحرم التّلذّذ بما دون الجماع عن جمهور الفقهاء : الحنفيّة والمالكيّة ، وهو قول عند الشّافعيّة ، ورواية عند الحنابلة ، لقوله تعالى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلكمْ تُوعَظُونَ به واللّهُ بِمَا تَعْمَلونَ خَبيرٌ فَمَنْ لمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرين مُتَتَابعين مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } والتّماسّ شامل للوطء ودواعيه . وفي قول عند الشّافعيّة ، وهو رواية أخرى عند الحنابلة : لا يحرم إلّا الوطء . وهذا في صريح ألفاظ الظّهار .
أمّا في كناياته ، كقوله : أنت عليّ مثل أمّي صحّت نيّته برّا أو ظهارا أو طلاقا .
وفي الموضوع فروع كثيرة ينظر تفصيلها مع اختلاف الفقهاء في مصطلح ( ظهار ) .
ب - التّشبيه في القذف :
4 - أجمع العلماء على أنّه إذا صرّح القاذف بالزّنى كان قذفا ورميا موجبا للحدّ ، فإن عرّض ولم يصرّح ، فقال مالك : هو قذف ، وقال أبو حنيفة والشّافعيّ : لا يكون قذفا حتّى يقول : أردت به القذف . والدّليل لما قاله مالك هو أنّ موضوع الحدّ في القذف إنّما هو لإزالة المعرّة الّتي أوقعها القاذف بالمقذوف ، فإذا حصلت المعرّة بالتّعريض وجب أن يكون قذفا كالتّصريح ، وذلك راجع إلى الفهم ، وقد قال تعالى على لسان قوم شعيب أنّهم قالوا له { إِنَّكَ لأَنتَ الحَليمُ الرَّشِيد } أي السّفيه الضّالّ ، فعرّضوا له بالسّبّ بكلام ظاهره المدح في أحد التّأويلات . وقد حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة لمّا قال لأحدهم :
دَعِ المَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها وَاقْعدْ فَإِنَّكَ أنتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي
لأنّه شبّهه بالنّساء في أنّهنّ يُطعَمْن ويسقين ويكسين . وعلى ذلك فإذا فهم من تشبيه المرأة أو الرّجل بالعفيفة أو العفيف استهزاء ، كان كالرّمي الصّريح في مذهب مالك .
ج - تشبيه الرّجل غيره بما يكره :
5 - لا يجوز للمسلم أن يشبّه أخاه المسلم بما يكرهه ، قال تعالى : { وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بئسَ الاسمُ الفُسُوقُ بعدَ الإِيمانِ } وسواء أكان التّشبيه بذكر أداة التّشبيه أو بحذفها كقوله : يا مخنّث ، يا أعمى .
واتّفق الفقهاء على أنّه يعزّر بقوله : يا كافر يا منافق يا أعور يا نمّام يا كذّاب يا خبيث يا مخنّث يا ابن الفاسقة ، ونحو ذلك من كلّ ما فيه إيذاء بغير حقّ ، ولو بغمز العين أو إشارة اليد ، لارتكابه معصية لا حدّ فيها ، وكلّ معصية لا حدّ فيها فيها التّعزير .
وكذلك يعزّر إذا شبّهه بالحيوانات الدّنيئة كقوله : يا حمار ، يا كلب ، يا قرد ، يا بقر ونحو ذلك عند جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو المختار عند متأخّري الحنفيّة - لأنّ كلّ من ارتكب منكرا أو آذى مسلما بغير حقّ بقول أو فعل أو إشارة يستحقّ التّعزير . وفي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة : لا يعزّر بقوله : يا حمار، يا كلب ونحو ذلك لظهور كذبه. وفرّق بعض الحنفيّة بين ما إذا كان المسبوب من الأشراف فيعزّر ، أو من العامّة فلا يعزّر ، كما استحسنه في الهداية والزّيلعيّ .
وهذا كلّه إذا لم يصل الشّتم والسّبّ إلى حدّ القذف ، أمّا إذا كان من أنواع القذف : كالرّمي بالزّنا من غير بيّنة ، فإنّه يحدّ على تفصيل ينظر في مصطلح : ( قذف ) .

تشريق *
انظر : أيّام التّشريق .

تشريك *
التّعريف :
1 - التّشريك في اللّغة : مصدر شرّك . يقال : شرّك فلان فلانا . إذا أدخله في الأمر وجعله شريكاً له فيه . ويقال : شرّك غيره في ما اشتراه ليدفع الغير بعض الثّمن ، ويصير شريكاً له في المبيع . ويقال أيضا : شرّك نعله تشريكا : إذا حمل له شراكا ، والشّراك : سير النّعل الّذي على ظهرها . والتّشريك في الاصطلاح الشّرعيّ : إدخال الغير في الاسم كالشّراء ونحوه ، ليكون شريكا له فيه .
الألفاظ ذات الصّلة :
الإشراك :
2 - الإشراك بمعنى التّشريك . وإذا قيل : أشرك الكافر باللّه ، فالمراد أنّه جعل غير اللّه شريكا له ، تعالى اللّه عن ذلك . ( ر : إشراك ) .
حكم التّشريك :
3 - التّشريك في الشّراء ونحوه جائز ، وتشريك غير عبادة في نيّة العبادة أو تشريك عبادتين في نيّة واحدة جائز على التّفصيل الآتي :
أ - تشريك ما لا يحتاج إلى نيّة في نيّة العبادة :
4 - لا نعلم خلافا بين الفقهاء في جواز تشريك ما لا يحتاج إلى نيّة في نيّة العبادة ، كالتّجارة مع الحجّ لقوله تعالى : { وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وعَلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق لِيشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهم وَيَذْكُروا اسمَ اللّهِ في أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ . . . } وقوله في شأن الحجّ أيضا : { لَيسَ عَليكمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكمْ } نزلت في التّجارة مع الحجّ . والصّوم مع قصد الصّحّة ، والوضوء مع نيّة التّبرّد ، والصّلاة مع نيّة دفع الغريم ، لأنّ هذه الأشياء تحصل بغير نيّة فلم يؤثّر تشريكها في نيّة العبادة ، وكالجهاد مع قصد حصول الغنيمة . جاء في مواهب الجليل نقلا عن الفروق للقرافيّ :
من يجاهد لتحصيل طاعة اللّه بالجهاد ، وليحصل له المال من الغنيمة ، فهذا لا يضرّه ولا يحرم عليه بالإجماع ، لأنّ اللّه تعالى جعل له هذا في هذه العبادة . ففرّق بين جهاده ليقول النّاس : هذا شجاع ، أو ليعظّمه الإمام ، فيكثر عطاءه من بيت المال . فهذا ونحوه رياء حرام . وبين أن يجاهد لتحصيل الغنائم من جهة أموال العدوّ مع أنّه قد شرّك .
ولا يقال لهذا رياء ، بسبب أنّ الرّياء أن يعمل ليراه غير اللّه من خلقه . ومن ذلك أن يجدّد وضوءا ليحصل له التّبرّد أو التّنظّف ، وجميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق ، بل هي لتشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك ، ولا تصلح للإدراك ولا للتّعظيم ، ذلك لا يقدح في العبادات ، فظهر الفرق بين قاعدة الرّياء في العبادات وبين قاعدة التّشريك فيها . وجاء في مغني المحتاج : من نوى بوضوئه تبرّدا أو شيئا يحصل بدون قصد كتنظّف ، ولو في أثناء وضوئه ( مع نيّة معتبرة ) أي مستحضرا عند نيّة التّبرّد أو نحوه نيّة الوضوء أجزأه ذلك على الصّحيح ، لحصول ذلك من غير نيّة ، كمصلّ نوى الصّلاة ودفع الغريم فإنّها تجزئه ، لأنّ اشتغاله عن الغريم لا يفتقر إلى نيّة . والقول الثّاني يضرّ ، لما في ذلك من التّشريك بين قربة وغيرها ، فإن فقد النّيّة المعتبرة ، كأن نوى التّبرّد أو نحوه وقد غفل عنها ، لم يصحّ غسل ما غسله بنيّة التّبرّد ونحوه ، ويلزمه إعادته دون استئناف الطّهارة . قال الزّركشيّ : وهذا الخلاف في الصّحّة . أمّا الثّواب فالظّاهر عدم حصوله ، وقد اختار الغزاليّ فيما إذا شرّك في العبادة غيرها من أمر دنيويّ اعتبار الباعث على العمل ، فإن كان القصد الدّنيويّ هو الأغلب لم يكن فيه أجر ، إن كان القصد الدّينيّ أغلب فله بقدره ، وإن تساويا تساقطا . واختار ابن عبد السّلام أنّه لا أجر فيه مطلقا ، سواء أتساوى القصدان أم اختلفا . وانظر أيضا مصطلح : ( نيّة ) .

اِبن الصالحين 05-19-2012 07:24 PM

ب - تشريك عبادتين في نيّة :
5 - إن أشرك عبادتين في النّيّة ، فإن كان مبناهما على التّداخل كغسلي الجمعة والجنابة ، أو الجنابة والحيض ، أو غسل الجمعة والعيد ، أو كانت إحداهما غير مقصودة كتحيّة المسجد مع فرض أو سنّة أخرى ، فلا يقدح ذلك في العبادة ، لأنّ مبنى الطّهارة على التّداخل ، والتّحيّة وأمثالها غير مقصودة بذاتها ، بل المقصود شغل المكان بالصّلاة ، فيندرج في غيره . أمّا التّشريك بين عبادتين مقصودتين بذاتها كالظّهر وراتبته ، فلا يصحّ تشريكهما في نيّة واحدة ، لأنّهما عبادتان مستقلّتان لا تندرج إحداهما في الأخرى .
وانظر أيضا مصطلح : ( نيّة ) .
ج - التّشريك في المبيع :
6 - يجوز التّشريك في العقد ، كأن يقول المشتري لعالم بالثّمن : أشركتك في هذا المبيع ويقبل الآخر ، وهذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء فإن أشركه في قدر معلوم كالنّصف والرّبع فله ذلك في المبيع ، وإن أطلق فله النّصف ، لأنّ الشّركة المطلقة تقتضي المساواة ، وهو كالبيع والتّولية في أحكامه وشروطه .
د - التّشريك بين نسوة في طَلْقة :
7 - إذا قال لنسائه الأربع : أوقعت عليكنّ طلقة وقع على كلّ واحدة طلقة ، لأنّ الطّلقة لا تتجزّأ .
ولو قال : طلقتين أو ثلاثاً أو أربعاً ، وقع على كلّ واحدة طلقة فقط ، إلا أن يريد توزيع كلّ طلقة عليهنّ ، فيقع في " طلقتين " على كلّ واحدة طلقتان ، وفي " ثلاث وأربع " ، ثلاث .

تشميت *
1 - من معاني التّشميت لغة : الدّعاء بالخير والبركة . وكلّ داع لأحد بخير فهو مُشَمِّت ومسمّت بالشّين والسّين ، والشّين أعلى وأفشى في كلامهم . وكلّ دعاء بخير فهو تشميت . وفي حديث« تزويج عليّ بفاطمة رضي الله عنهما : شمّت عليهما » : أي دعا لهما بالبركة. وفي حديث العطاس : « فشمّت أحدهما ولم يشمّت الآخر » . فالتّشميت والتّسميت : الدّعاء بالخير والبركة . وتشميت العاطس أو تَسْمِيته : أن يقول له متى كان مسلما : يرحمك اللّه . وهو لا يخرج في الاصطلاح الفقهيّ عن هذا المعنى .
الحكم التّكليفيّ :
2 - اتّفق العلماء على أنّه يشرع للعاطس عقب عطاسه أن يحمد اللّه ، فيقول : الحمد للّه ، ولو زاد : ربّ العالمين كان أحسن كفعل ابن مسعود . ولو قال : الحمد للّه على كلّ حال كان أفضل كفعل ابن عمر . وقيل يقول : الحمد للّه حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه ، كفعل غيرهما . وروى أحمد والنّسائيّ من حديث سالم بن عبيد مرفوعا « إذا عَطَس أحدكم فليقل : الحمد للّه على كلّ حال أو الحمد للّه ربّ العالمين » وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد للّه على كلّ حال » ومتى حمد اللّه بعد عطسته كان حقّا على من سمعه من إخوانه المسلمين غير المصلّين أن يشمّته " يرحمك اللّه " فقد روى البخاريّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه « إذا عطس أحدكم فحمد اللّه فحقّ على كلّ مسلم سمعه أن يقول : يرحمك اللّه » .
وفي صحيح البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد للّه . وليقل له أخوه أو صاحبه : يرحمك اللّه . فإذا قال له : يرحمك اللّه فليقل : يهديكم اللّه ويصلح بالكم » .
وعن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « حقّ المسلم على المسلم خمس : ردّ السّلام ، وعيادة المريض واتّباع الجنائز ، وإجابة الدّعوة ، وتشميت العاطس » وفي رواية لمسلم « حقّ المسلم على المسلم ستّ : إذا لقيته فسلّم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصح له ، وإذا عطس فحمد اللّه تعالى فشمّته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتّبعه » . وإن لم يحمد اللّه بعد عطسته فلا يشمّت . فعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه مرفوعاً « إذا عطس أحدكم فحمد اللّه فشمّتوه ، فإن لم يحمد اللّه فلا تشمّتوه » .
وعن أنس رضي الله عنه قال : « عطس رجلان عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشمّت أحدهما ولم يشمّت الآخر . فقال الّذي لم يشمّته : عطس فلان فَشَمّتَّه ، وعطست فلم تشمّتني فقال : إنّ هذا حمد اللّه تعالى ، وإنّك لم تحمد اللّه تعالى » وهذا الحكم عامّ وليس مخصوصا بالرّجل الّذي وقع له ذلك . يؤيّد العموم ما جاء في حديث أبي موسى
« إذا عطس أحدكم فحمد اللّه فشمّتوه ، وإن لم يحمد اللّه فلا تشمّتوه » .
فالتّشميت قد شرع لمن حمد اللّه دون من لم يحمده ، فإذا عرف السّامع أنّ العاطس حمد اللّه بعد عطسته شمّته ، كأن سمعه يحمد اللّه ، وإن سمع العطسة ولم يسمعه يحمد اللّه ، بل سمع من شمّت ذلك العاطس ، فإنّه يشرع له التّشميت لعموم الأمر به لمن عطس فحمد ، وقال النّوويّ المختار أنّه يشمّته من سمعه دون غيره .
وهذا التّشميت سنّة عند الشّافعيّة . وفي قول للحنابلة وعند الحنفيّة هو واجب .
وقال المالكيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة بوجوبه على الكفاية . ونقل عن البيان أنّ الأشهر أنّه فرض عين ، لحديث « كان حقّا على كلّ مسلم سمعه أن يقول له : يرحمك اللّه » .
فإن عطس ولم يحمد اللّه نسيانا استحبّ لمن حضره أن يذكّره الحمد ليحمد فيشمّته .
وقد ثبت ذلك عن إبراهيم النّخعيّ .
3 - ويندب للعاطس أن يردّ على من شمّته : فيقول له : يغفر اللّه لنا ولكم ، أو يهديكم اللّه ويصلح بالكم ، وقيل : يجمع بينهما ، فيقول : يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر لنا ولكم . فقد روي عن ابن عمر أنّه كان إذا عطس فقيل له : يرحمك اللّه . قال :" يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر اللّه لنا ولكم ". قال ابن أبي جمرة : في الحديث دليل على عظيم نعمة اللّه على العاطس . يؤخذ ذلك ممّا رتّب عليه من الخير . وفيه إشارة إلى عظيم فضل اللّه على عبده . فإنّه أذهب عنه الضّرر بنعمة العطس ، ثمّ شرع له الحمد الّذي يثاب عليه ، ثمّ الدّعاء بالخير بعد الدّعاء بالخير وشرع هذه النّعم المتواليات في زمن يسير فضلا منه وإحساناً .
فإذا قيل للعاطس : يرحمك اللّه ، فمعناه : جعل اللّه لك ذلك لتدوم لك السّلامة ، وفيه إشارة إلى تنبيه العاطس على طلب الرّحمة والتّوبة من الذّنب ، ومن ثَمَّ شرع به الجواب بقوله : غفر اللّه لنا ولكم وقوله : ويصلح بالكم أي شأنكم . وقوله تعالى : { سَيَهْدِيهمْ وَيُصْلِحُ بَالَهمْ } أي شأنهم . وهذا ما لم يكن في صلاته أو خلائه .
ما ينبغي للعاطس مراعاته :
4 - من آداب العاطس : أن يخفض بالعطس صوته ويرفعه بالحمد . وأن يغطّي وجهه لئلّا يبدو من فيه أو أنفه ما يؤذي جليسه . ولا يلوي عنقه يميناً ولا شمالاً لئلا يتضرّر بذلك . قال ابن العربيّ : الحكمة في خفض الصّوت بالعطاس : أنّ رفعه إزعاجاً للأعضاء .
وفي تغطية الوجه : أنّه لو بدر منه شيء آذى جليسه . ولو لوى عنقه صيانة لجليسه لم يأمن من الالتواء ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه ، وخفض أو غضّ بها صوته » .
حكمة مشروعيّة التّشميت :
5 - قال ابن دقيق العيد : من فوائد التّشميت تحصيل المودّة ، والتّأليف بين المسلمين ، وتأديب العاطس بكسر النّفس عن الكبر ، والحمل على التّواضع لما في ذكر الرّحمة من الإشعار بالذّنب الّذي لا يعرى عنه أكثر المكلّفين .
التّشميت أثناء الخطبة :
6 - كره الحنفيّة والمالكيّة التّشميت أثناء الخطبة ، وعند الشّافعيّة في الجديد : أنّ الكلام عند الخطبة لا يحرم ، ويسنّ الإنصات ، ولا فرق في ذلك بين التّشميت وغيره ، واستدلّ بما روى أنس رضي الله عنه قال : « دخل رجل والنّبيّ صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يوم الجمعة فقال : متى السّاعة ؟ فأشار النّاس إليه أن اسكت فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند الثّالثة : ما أعددت لها ؟ قال : حبَّ اللّه ورسوله قال : إنّك مع من أحببتَ » وإذ جاز هذا في الخطبة جاز تشميت العاطس أثناءها .
وعند المالكيّة ، وهو القديم عند الشّافعيّة : أنّ الإنصات لسماع الخطبة واجب . لما روى جابر رضي الله عنه قال : « دخل ابن مسعود رضي الله عنه والنّبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس إلى أبيّ رضي الله عنه فسأله عن شيء فلم يردّ عليه ، فسكت حتّى صلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له : ما منعك أن تردّ عليّ ؟ فقال : إنّك لم تشهد معنا الجمعة . قال : ولم ؟ قال : لأنّك تكلّمت والنّبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقام ابن مسعود فدخل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر له ، فقال : صدق أبيّ » وإذا كان الإنصات واجباً كان ما خالفه من تشميت العاطس أثناء الخطبة حراما . وللحنابلة روايتان : إحداهما : الجواز مطلقا أخذاً من قول الأثرم : سمعت أبا عبد اللّه أي الإمام أحمد - سئل : يردّ الرّجل السّلام يوم الجمعة ؟ فقال : نعم . قال : ويشمّت العاطس ؟ فقال : نعم . والإمام يخطب . وقال أبو عبد اللّه قد فعله غير واحد . قال ذلك غير مرّة ، وممّن رخّص في ذلك الحسن والشّعبيّ والنّخعيّ وقتادة والثّوريّ وإسحاق .
والثّانية : إن كان لا يسمع الخطبة شمّت العاطس ، وإن كان يسمع لم يفعل ، قال أبو طالب : قال أحمد : إذا سمعت الخطبة فاستمع وأنصت ولا تقرأ ولا تشمّت ، وإذا لم تسمع الخطبة فاقرأ وشمّت وردّ السّلام . وقال أبو داود : قلت لأحمد : يردّ السّلام والإمام يخطب ويشمّت العاطس ؟ قال : إذا كان ليس يسمع الخطبة فيردّ ، وإذا كان يسمع فلا لقول اللّه تعالى :
{ فَاسْتَمِعُوا لَه وأَنْصِتُوا } وروي نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما .
تشميت مَنْ في الخلاء لقضاء حاجته :
7 - يكره لمن في الخلاء لقضاء حاجته أن يشمّت عاطساً سمع عطسته .
بذلك قال فقهاء المذاهب الأربعة . كما كرهوا له إن عطس في خلائه أن يحمد اللّه بلسانه ، وأجازوا له ذلك في نفسه دون أن يحرّك به لسانه . وعن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه قال : « أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلّمت عليه ، فلم يردّ حتّى توضّأ ، ثمّ اعتذر إليّ وقال : إنّي كرهت أن أذكر اللّه تعالى إلا على طهر أو قال : على طهارة »
تشميت المرأة الأجنبيّة للرّجل والعكس :
8 - إن كانت المرأة شابّة يخشى الافتنان بها كره لها أن تشمّت الرّجل إذا عطس ، كما يكره لها أن تردّ على مشمّت لها لو عطست هي . بخلاف لو كانت عجوزاً ولا تميل إليها النّفوس فإنّها تشمّت وتشمّت متى حمدت اللّه ، بذلك قال المالكيّة ومثلهم في ذلك الحنابلة . جاء في الآداب الشّرعيّة لابن مفلح عن ابن تميم : لا يشمّت الرّجل الشّابّة ولا تشمّته .
وقال السّامريّ : يكره أن يشمّت الرّجل المرأة إذا عطست ولا يكره ذلك للعجوز .
وقال ابن الجوزيّ : وقد روينا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنّه كان عنده رجل من العبّاد فعطست امرأة أحمد ، فقال لها العابد : يرحمك اللّه . فقال أحمد رحمه الله . عابد جاهل . وقال حرب : قلت لأحمد : الرّجل يشمّت المرأة إذا عطست ؟ فقال : إن أراد أن يستنطقها ليسمع كلامها فلا ، لأنّ الكلام فتنة ، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمّتهنّ .
وقال أبو طالب : إنّه سأل أبا عبد اللّه : يشمّت الرّجل المرأة إذا عطست ؟ قال : نعم قد شمّت أبو موسى امرأته. قلت : فإن كانت امرأة تمرّ أو جالسة فعطست أشمّتها ؟ قال : نعم. وقال القاضي : ويشمّت الرّجل المرأة البرزة ويكره للشّابّة . وقال ابن عقيل : يشمّت المرأة البرزة وتشمّته ولا يشمّت الشّابّة ولا تشمّته ، وقال الشّيخ عبد القادر : يجوز للرّجل تشميت المرأة البرزة والعجوز ، ويكره للشّابّة ، وفي هذا تفريق بين الشّابّة وغيرها .
وعند الحنفيّة ذكر صاحب الذّخيرة : أنّه إذا عطس الرّجل فشمّتته المرأة ، فإن عجوزاً ردّ عليها وإلا ردّ في نفسه . قال ابن عابدين : وكذا لو عطست هي كما في الخلاصة .
تشميت المسلم للكافر :
9 - لو عطس كافر وحمد اللّه عقيب عطاسه وسمعه مسلم كان عليه أن يشمّته بقوله : هداك اللّه أو عافاك اللّه ، فقد أخرج أبو داود من حديث أبي موسى الأشعريّ قال : « كانت اليهود يتعاطسون عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول يرحمكم اللّه ، فكان يقول : يهديكم اللّه ويصلح بالكم » . وفي قوله : يهديكم اللّه ويصلح بالكم . تعريض لهم بالإسلام : أي اهتدوا وآمنوا يصلح اللّه بالكم . فلهم تشميت مخصوص ، وهو الدّعاء لهم بالهداية وإصلاح البال . بخلاف تشميت المسلمين ، فإنّهم أهل للدّعاء بالرّحمة بخلاف الكفّار . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « اجتمع اليهود والمسلمون فعطس النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشمّته الفريقان جميعاً ، فقال للمسلمين يغفر اللّه لكم ويرحمنا وإيّاكم . وقال لليهود : يهديكم اللّه ويصلح بالكم »
تشميت المصلّي غيره :
10 - من كان في الصّلاة وسمع عاطسا حمد اللّه عقب عطاسه فشمّته بطلت صلاته ، لأنّ تشميته له بقوله : يرحمك اللّه يجري في مخاطبات النّاس ، فكان من كلامهم ، فقد روي عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال « : بينا أنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الصّلاة إذ عطس رجل من القوم ، فقلت : يرحمك اللّه ، فحدّقني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثكل أُمّاه ، ما لكم تنظرون إليّ ؟ فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم ، فلمّا انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دعاني بأبي وأمّي هو ، ما رأيتُ معلّماً أحسن تعليماً منه ، واللّه ما ضربني صلى الله عليه وسلم ولا كهرني ثمّ قال : إنّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميّين ، إنّما هي التّسبيح والتّكبير وقراءة القرآن » .
هذا قول الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والمشهور عند الشّافعيّة ، وإن كان تعبير الحنفيّة بالفساد وتعبير غيرهم بالبطلان ، إلّا أنّ البطلان والفساد في ذلك بمعنى .
فإن عطس هو في صلاته فحمد اللّه وشمّت نفسه في نفسه دون أن يحرّك بذلك لسانه بأن قال : يرحمك اللّه يا نفسي لا تفسد صلاته ، لأنّه لمّا لم يكن خطابا لغيره لم يعتبر من كلام النّاس كما إذا قال : يرحمني اللّه . قال به الحنفيّة والحنابلة المالكيّة .
تشميت العاطس فوق ثلاث :
11 - من تكرّر عطاسه فزاد على الثّلاث فإنّه لا يشمّت فيما زاد عنها ، إذ هو بما زاد عنها مزكوم . فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه : « شمّت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رجلاً عطس مرّتين بقوله : يرحمك اللّه ثمّ قال عنه في الثّالثة : هذا رجل مزكوم » .
وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشّافعيّة أنّه قال : يكرّر التّشميت إذا تكرّر العطاس ، إلا أن يعرف أنّه مزكوم فيدعو له بالشّفاء . وعند هذا سقط الأمر بالتّشميت عند العلم بالزّكام ، لأنّ التّعليل به يقتضي أن لا يشمّت من علم أنّ به زكاماً أصلاً ، لكونه مرضاً ، وليس عطاساً محموداً ناشئاً عن خفّة البدن وانفتاح المسامّ وعدم الغاية في الشّبع .

تشمير *
التّعريف :
1 - للتّشمير في اللّغة معان : منها : الرّفع يقال : شمّر الإزار والثّوب تشميراً : إذا رفعه ، ويقال : شمّر عن ساقه ، وشمّر في أمره : أي خفّ فيه وأسرع ، وشمّر الشّيء فتشمّر : قلّصه فتقلّص ، وتشمّر أي : تهيّأ . وفي الاصطلاح لا يخرج عن معنى رفع الثّوب .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - السّدل :
2 - من معاني السّدل في اللّغة : إرخاء الثّوب . يقال : سدلت الثّوب سدلاً : إذا أرخيته وأرسلته من غير ضمّ جانبيه .
وسدل الثّوب يسدله ويسدله سدلاً ، وأسدله : أرخاه وأرسله . وعن عليّ رضي الله عنه :" أنّه خرج فرأى قوما يصلّون قد سدلوا ثيابهم ، فقال : كأنّهم اليهود خرجوا من فهورهم "
واصطلاحا : أن يجعل الشّخص ثوبه على رأسه ، أو على كتفيه ، ويرسل أطرافه من جوانبه من غير أن يضمّها ، أو يردّ أحد طرفيه على الكتف الأخرى .
وهو في الصّلاة مكروه بالاتّفاق . لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن السّدل في الصّلاة . . » .
ب - الإسبال :
3 - الإسبال في اللّغة : الإرخاء والإطالة . يقال : أسبل إزاره : إذا أرخاه . وأسبل فلان ثيابه : إذا طوّلها وأرسلها إلى الأرض ، وفي الحديث : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم . قال : قلت : ومن هم ؟ خابوا وخسروا . فأعادها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرّات : المسبل ، والمنّان ، والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب » قال ابن الأعرابيّ وغيره : المسبل : الّذي يطوّل ثوبه ويرسله إلى الأرض إذا مشى ، وإنّما يفعل ذلك كبرا واختيالا .
وهو في الاصطلاح لا يخرج عن هذا المعنى .
وحكمه الكراهة ، لما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من جرّ ثوبه من الخيلاء لم ينظر اللّه إليه » وعن ابن مسعود قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من اللّه جلّ ذكره في حلّ ولا حرام » .
وحديث أبي سعيد الخدريّ يرفعه « لا ينظر اللّه يوم القيامة إلى من جرّ إزاره بطراً » . وللتّفصيل ر : ( صلاة - عورة - إسبال ) .
الحكم الإجماليّ :
4 - التّشمير في الصّلاة مكروه اتّفاقاً ، لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن كفّ الثّياب والشّعر » . إلا أنّ المالكيّة قالوا بكراهته فيها إذا كان فعله لأجلها .
وأمّا فعله خارجها ، أو فيها لا لأجلها ، فلا كراهة فيه . ومثل ذلك عندهم تشمير الذّيل عن السّاق : فإن فعله لأجل شغل ، فحضرت الصّلاة ، فصلّى وهو كذلك فلا كراهة .
وظاهر المدوّنة أنّه سواء عاد لشغله ، أم لا . وحملها الشّبيبيّ على ما إذا عاد لشغله ، وصوّبه ابن ناجي . وللتّفصيل ر : ( صلاة ، عورة ، لباس ) .

تشهّد *
التّعريف :
1 - التّشهّد في اللّغة : مصدر تشهّد ، أي : تكلّم بالشّهادتين .
ويطلق في اصطلاح الفقهاء على قول كلمة التّوحيد ، وعلى التّشهّد في الصّلاة ، وهي قراءة : التّحيّات للّه . . إلى آخره في الصّلاة . وصرّح ابن عابدين نقلا عن الحلية : أنّ التّشهّد اسم لمجموع الكلمات المرويّة عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره . سمّي به لاشتماله على الشّهادتين . من باب تسمية الشّيء باسم جزئه .
الحكم الإجماليّ :
2 - ذهب الحنفيّة في الأصحّ ، والمالكيّة في قول ، وهو المذهب عند الحنابلة إلى : أنّ التّشهّد واجب في القعدة الّتي لا يعقبها السّلام ، لأنّه يجب بتركه سجود السّهو .
ويرى الحنفيّة في قول ، والمالكيّة في المذهب ، والشّافعيّة ، والحنابلة في رواية : سنّيّة التّشهّد في هذه القعدة ، لأنّه يسقط بالسّهو فأشبه السّنن .
وأمّا التّشهّد في القعدة الأخيرة في الصّلاة فواجب عند الحنفيّة ، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابيّ : « إذا رفعت رأسك من آخر سجدة ، وقعدت قدر التّشهّد ، فقد تَمَّتْ صلاتُك » علّق التّمام بالقعدة دون التّشهّد ، فالفرض عند الحنفيّة في هذه القعدة هو الجلوس فقط ، أمّا التّشهّد فواجب ، يجبر بسجود السّهو إن ترك سهوا ، وتكره الصّلاة بتركه تحريما ، فتجب إعادتها . والمذهب عند المالكيّة أنّه سنّة ، وفي قول واجب .
ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه ركن من أركان الصّلاة ، وهذا ما يسمّيه بعضهم فرضاً أو واجباً وبعضهم ركناً ، تشبيها له بركن البيت الّذي لا يقوم إلا به .
وفي الفرق بين الفرض والواجب عند الحنفيّة ، ومعنى الوجوب عند غيرهم تفصيل يرجع فيه إلى مظانّه في كتب الفقه والأصول . وانظر أيضا : ( فرض ، وواجب ) .
ألفاظ التّشهّد :
3 - يرى الحنفيّة والحنابلة أنّ أفضل التّشهّد ، التّشهّد الّذي علّمه النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن مسعود رضي الله عنهما ، وهو : « التّحيّات للّه ، والصّلوات والطّيّبات ، السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصّالحين ، أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله » .
ووجه اختيارهم لهذه الرّواية ما روي : أنّ حمّاداً أخذ بيد أبي حنيفة وعلّمه التّشهّد ، وقال أخذ إبراهيم النّخعيّ بيديّ وعلّمني ، وأخذ علقمة بيد إبراهيم وعلّمه ، وأخذ عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه بيد علقمة وعلّمه ، « وأخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيد عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه وعلّمه التّشهّد فقال : قل : التّحيّات للّه . . . » إلى آخره . ويؤيّده ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : « علّمني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم التّشهّد - كفّي بين كفّيه - كما يعلّمني سورة من القرآن ، التّحيّات للّه . . . » .
لأنّ فيه زيادة واو العطف ، وإنّه يوجب تعدّد الثّناء ، لأنّ المعطوف غير المعطوف عليه ، وبه يقول : الثّوريّ ، وإسحاق ، وأبو ثور .
ويرى المالكيّة أنّ أفضل التّشهّد تشهّد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه وهو : التّحيّات للّه ، الزّاكيات للّه ، الطّيّبات الصّلوات للّه ، السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصّالحين ، أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله . وهذا لأنّ عمر رضي الله عنه قاله على المنبر ، فلم ينكروه ، فجرى مجرى الخبر المتواتر ، وكان أيضاً إجماعاً .
وأمّا الشّافعيّة فأفضل التّشهّد عندهم ما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعلّمنا التّشهّد ، كما يعلّمنا السّورة من القرآن ، فيقول : قولوا : التّحيّات المباركات ، الصّلوات الطّيّبات للّه ، السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصّالحين ، أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأشهد أنّ محمّدا رسول اللّه » . أخرجه مسلم والتّرمذيّ ، إلا أنّه في رواية مسلم « وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله » . والخلاف بين الأئمّة هنا خلاف في الأولويّة ، فبأيّ تشهّد تشهّد ممّا صحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم جاز . ومن النّاس من اختار تشهّد أبي موسى الأشعريّ ، وهو أن يقول : التّحيّات للّه ، الطّيّبات ، والصّلوات للّه . . . والباقي كتشهّد ابن مسعود وذكر ابن عابدين أنّ المصلّي يقصد بألفاظ التّشهّد معانيها ، مرادة له على وجه الإنشاء ، كأنّه يحيّي اللّه تعالى ويسلّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى نفسه والأولياء ، ولا يقصد الإخبار والحكاية عمّا وقع في المعراج منه صلى الله عليه وسلم ومن ربّه سبحانه وتعالى ومن الملائكة .
الزّيادة والنّقصان في ألفاظ التّشهّد والتّرتيب بينها :
4 - اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة على النّحو الآتي :
ذهب الحنفيّة إلى أنّه يكره تحريما أن يزيد في التّشهّد حرفا ، أو يبتدئ بحرف قبل حرف . قال أبو حنيفة : ولو نقص من تشهّده أو زاد فيه . كان مكروها ، لأنّ أذكار الصّلاة محصورة ، فلا يزاد عليها . ثمّ أضاف ابن عابدين قائلا : والكراهة عند الإطلاق للتّحريم . ويكره كذلك عند المالكيّة الزّيادة على التّشهّد ، واختلفوا في ترك بعض التّشهّد ، فالظّاهر من كلام بعض شيوخهم عدم حصول السّنّة ببعض التّشهّد ، خلافا لابن ناجي في كفاية بعضه ، قياسا على السّورة .
وأمّا الشّافعيّة فقد فصّلوا الكلام ، وقالوا : إنّ لفظ المباركات والصّلوات ، والطّيّبات والزّاكيات سنّة ليس بشرط في التّشهّد ، فلو حذف كلّها واقتصر على الباقي أجزأه من غير خلاف عندهم . وأمّا لفظ : السّلام عليك . . . إلخ فواجب لا يجوز حذف شيء منه ، إلّا لفظ ورحمة اللّه وبركاته . وفي هذين اللّفظين ثلاثة أوجه : أصحّها عدم جواز حذفهما .
والثّاني : جواز حذفهما . والثّالث : يجوز حذف وبركاته ، دون رحمة اللّه " .
وكذلك التّرتيب بين ألفاظها مستحبّ عندهم على الصّحيح من المذهب ، فلو قدّم بعضه على بعض جاز ، وفي وجه لا يجوز كألفاظ الفاتحة .
والحنابلة يرون أنّه إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بضع التّشهّدات المرويّة صحّ تشهّده في الأصحّ . وفي رواية أخرى : لو ترك واوا أو حرفا أعاد الصّلاة ، لقول الأسود : فكنّا نتحفّظه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كما نتحفّظ حروف القرآن .
الجلوس في التّشهّد :
5 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو قول الطّحاويّ والكرخيّ من الحنفيّة إلى : أنّ الجلوس في التّشهّد الأوّل سنّة .
والأصحّ عند الحنفيّة - وهو وجه عند الحنابلة - أنّه واجب .
وأمّا في التّشهّد الثّاني فالجلوس بقدر التّشهّد ركن عند الأربعة ، وهو ما عبّر عنه الحنفيّة بالفرضيّة ، وغيرهم تارة بالوجوب وتارة بالفرضيّة .
وأمّا هيئة الجلوس في التّشهّد ، فتفصيله في مصطلح : ( جلوس ) .
التّشهّد بغير العربيّة :
6 - لا خلاف بين الفقهاء في جواز التّشهّد بغير العربيّة للعاجز ، واختلفوا فيه للقادر عليها . والتّفصيل في مصطلح : ( ترجمة ) .
الإسرار في التّشهّد :
7 - السّنّة في التّشهّد الإسرار ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر به ، إذ لو جهر به لنقل كما نقلت القراءة ، وقال عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه « من السّنّة إخفاء التّشهّد » . قال صاحب المغني : ولا نعلم في هذا خلافاً .
ما يترتّب على ترك التّشهّد :
8 - لا خلاف بين الفقهاء في مشروعيّة سجدة السّهو بترك التّشهّد في القعدة الأولى ( قبل الأخيرة ) إن كان تركه سهوا ، على خلاف بينهم في الحكم .
واختلفوا في تركه عمدا : فذهب الحنفيّة ، والحنابلة في قول إلى : وجوب إعادة الصّلاة . ويرى المالكيّة والشّافعيّة ، والحنابلة في رواية أخرى ، أنّ على المصلّي أن يسجد للسّهو في هذه الحالة أيضا . وأمّا ترك التّشهّد في القعدة الأخيرة إن كان عمدا : فذهب الحنفيّة والمالكيّة في وجه ، والشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب الإعادة . وكذلك إن كان سهوا عند الشّافعيّة والحنابلة . ويرى الحنفيّة والمالكيّة أنّ عليه سجدة السّهو في هذه الحالة .
وأمّا حكم الرّجوع إلى التّشهّد لمن قام إلى الثّالثة في ثنائيّة أو إلى الرّابعة في ثلاثيّة ، أو إلى خامسة في رباعيّة ، فقد فصّله الفقهاء في كتاب الصّلاة عند الكلام عن سجدة السّهو .
الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في التّشهّد :
9 - يرى جمهور الفقهاء أنّ المصلّي لا يزيد على التّشهّد في القعدة الأولى بالصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبهذا قال النّخعيّ والثّوريّ وإسحاق .
وذهب الشّافعيّة في الأظهر من الأقوال إلى استحباب الصّلاة فيها ، وبه قال الشّعبيّ .
وأمّا إذا جلس في آخر صلاته فلا خلاف بين الفقهاء في مشروعيّة الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد التّشهّد . وأمّا صيغة الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في القعدة الأخيرة ، وما روي في ذلك من الأدلّة ، فقد فصّل الفقهاء الكلام عليه في موطنه من كتب الفقه . وانظر أيضا : " الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم " .

تشهير *
التّعريف :
1 - التّشهير في اللّغة مأخوذ من شهّره ، بمعنى : أعلنه وأذاعه ، وشهّر به : أذاع عنه السّوء ، وشهّره تشهيرا فاشتهر . والشّهرة : وضوح الأمر . ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّعزير :
2 - التّعزير : التّأديب والإهانة دون الحدّ . وهو أعمّ من التّشهير ، إذ يكون بالتّشهير وبغيره . فالتّشهير نوع من أنواع التّعزير .
ب - السّتر :
3 - السّتر : المنع والتّغطية . وهو ضدّ التّشهير .
الحكم الإجماليّ :
3 - يختلف حكم التّشهير باعتبار من يصدر منه ، وباعتبار المشهّر به . فالتّشهير قد يكون من النّاس بعضهم ببعض ، على جهة العداوة أو الغيبة ، أو على جهة النّصيحة والتّحذير . وقد يكون من الحاكم في الحدود أو في التّعازير . وبيان ذلك فيما يأتي :
أوّلا : تشهير النّاس بعضهم ببعض :
الأصل أنّ تشهير النّاس بعضهم ببعض بذكر عيوبهم والتّنقّص منهم حرام .
وقد يكون مباحاً أو واجباً . وذلك راجع إلى ما يتّصف به المشهّر به .
4 - فيكون حراماً في الأحوال الآتية :
أ - إذا كان المشهّر به بريئا ممّا يشاع عنه ويقال فيه . والأصل في ذلك قوله تعالى : { إنَّ الّذينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الّذينَ آمَنُوا لهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدّنيا والآخِرةِ واللّهُ يَعْلمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُون } . وقول النّبيّ : « أيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء ، يرى أن يشينه بها في الدّنيا ، كان حقّا على اللّه تعالى أن يرميه بها في النّار . ثمّ تلا مصداقه من كتاب اللّه تعالى : { إنَّ الّذينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ } » .
وقد ذمّ اللّه سبحانه وتعالى الّذين فعلوا ذلك ، وتوعّدهم بالعذاب العظيم ، وذلك في الآيات الّتي نزلت في شأن السّيّدة عائشة رضي الله عنها حين رماها أهل الإفك والبهتان بما قالوه من الكذب والافتراء ، وهي قوله تعالى : { إنَّ الّذينَ جَاءوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ . . . } .
وقال ابن كثير في قوله تعالى : { وَالّذينَ يُؤْذُونَ المُؤمنينَ والمؤمنَاتِ بِغَيرِ ما اكْتَسَبُوا فقد احْتَمَلُوا بُهتَاناً وإِثماً مُبِينَاً } أي ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه ، يحكون على المؤمنين والمؤمنات ذلك على سبيل العيب والتّنقّص منهم ، وقد قال رسول اللّه فيه : « أربى الرّبا عند اللّه استحلالُ عِرض امرئ مسلم ثمّ قرأ : { وَالّذينَ يُؤْذُونَ المُؤْمنينَ وَالمُؤْمناتِ } » وقد قيل في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : « مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللّهُ به » أي من سمّع بعيوب النّاس وأذاعها أظهر اللّه عيوبه .
ومن ذلك : الهجو بالشّعر . قال ابن قدامة : ما كان من الشّعر يتضمّن هجو المسلمين والقدح في أعراضهم فهو محرّم على قائله .
ب - إذا كان المشهّر به يتّصف بما يقال عنه ، ولكنّه لا يجاهر به ، ولا يقع به ضرر على غيره . فالتّشهير به حرام أيضا ، لأنّه يعتبر من الغيبة الّتي نهى اللّه سبحانه وتعالى عنها في قوله : { ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضَاً } . وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْره . قيل : أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ ؟ قال : إن كان فيه ما تقولُ فقد اغْتَبْتَه ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه » .
ومن ذلك : قول العالم : قال فلان كذا مريدا التّشنيع عليه . أو قول الإنسان : فعل كذا بعض النّاس ، أو بعض من يدّعي العلم ، أو بعض من ينسب إلى الصّلاح والزّهد ، أو نحو ذلك إذا كان المخاطب يفهمه بعينه ، ونحو ذلك .
ومن المقرّر شرعاً : أنّ السّتر على المسلم واجب لمن ليس معروفاً بالأذى والفساد .
فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مَنْ سَتَرَ مُسْلماً سَتَرَه اللّه عزّ وجلّ يومَ القيامة » قال في شرح مسلم : وهذا السّتر في غير المشتهرين .
وقال ابن العربيّ : إذا رأيت إنساناً على معصية فعظه فيما بينك وبينه ، ولا تفضحه .
ج - ويحرم كذلك تشهير الإنسان بنفسه ، إذ المسلم مطالب بالسّتر على نفسه .
ففي الصّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « كلُّ أمّتي مُعَافى إلا المجاهرين ، وإنّ من الإجهار أن يعمل العبد باللّيل عملاً ، ثمّ يصبح وقد ستره عليه اللّه ، فيقول : يا فلان ، عملتُ البارحة كذا وكذا . وقد بات يستره اللّه عزّ وجلّ ويصبح يكشف ستر اللّه عزّ وجلّ عنه »
والسّتر واجب على المسلم في خاصّة نفسه إذا أتى فاحشة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر اللّه » .
5 - ويكون التّشهير جائزاً لمن يجاهر بالمعصية في الأحوال الآتية :
أ - بالنّسبة لمن يجاهر بالمعصية ، فيجوز ذكر من يتجاهر بفسقه ، لأنّ المجاهر بالفسق لا يستنكف أن يذكر به ، ولا يعتبر هذا غيبة في حقّه ، لأنّ من ألقى جلباب الحياء لا غيبة له. قال القرافيّ : المعلن بالفسوق - كقول امرئ القيس :" فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع "
فإنّه يفتخر بالزّنا في شعره - فلا يضرّ أن يحكى ذلك عنه ، لأنّه لا يتألّم إذا سمعه ، بل قد يسرّ بتلك المخازي ، وكثير من اللّصوص تفتخر بالسّرقة والاقتدار على التّسوّر على الدّور العظام والحصون الكبار ، فذكر مثل هذا عن هذه الطّوائف لا يحرم .
وفي الإكمال في شرح حديث مسلم : « مَنْ سَترَ مسلماً ستره اللّه » قال : وهذا السّتر في غير المشتهرين . وقال الخلال : أخبرني حرب : سمعت أحمد يقول : إذا كان الرّجل معلناً بفسقه فليست له غيبة .
وذكر ابن عبد البرّ في كتاب بهجة المجالس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ثلاثةٌ لا غِيبة فيهم : الفاسقُ المعلن بفسقه ، وشارب الخمر ، والسّلطان الجائر » .
6 - ب - إذا كان التّشهير على سبيل نصيحة المسلمين وتحذيرهم ، وذلك كجرح الرّواة والشّهود والأمناء على الصّدقات والأوقاف والأيتام ، والتّشهير بالمصنّفين والمتصدّين لإفتاء أو إقراء مع عدم أهليّة ، أو مع نحو فسق أو بدعة يدعون إليها ، وأصحاب الحديث وحملة العلم المقلّدين ، هؤلاء يجب تجريحهم وكشف أحوالهم السّيّئة لمن عرفها ممّن يقلّد في ذلك ويلتفت إلى قوله ، لئلا يغترّ بهم ويقلّد في دين اللّه من لا يجوز تقليده ، وليس السّتر هنا بمرغّب فيه ولا مباح . على هذا اجتمع رأي الأمّة قديماً وحديثاً .
يقول القرافيّ : أرباب البدع والتّصانيف المضلّة ينبغي أن يشهّر النّاس فسادها وعيبها . وأنّهم على غير الصّواب ، ليحذرها النّاس الضّعفاء فلا يقعوا فيها ، وينفر عن تلك المفاسد ما أمكن ، بشرط أن لا يتعدّى فيها الصّدق ، ولا يفتري على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه ، بل يقتصر على ما فيهم من المنفّرات خاصّة ، فلا يقال في المبتدع : إنّه يشرب الخمر ، ولا أنّه يزني ، ولا غير ذلك ممّا ليس فيه .
ويجوز وضع الكتب في جرح المجروحين من رواة الحديث والأخبار بذلك لطلبة العلم الحاملين لذلك لمن ينتفع به وينقله ، بشرط أن تكون النّيّة خالصة للّه تعالى في نصيحة المسلمين في ضبط الشّريعة .
أمّا إذا كان لأجل عداوة أو تَفَكُّهٍ بالأعراض وجرياً مع الهوى فذلك حرام ، وإن حصلت به المصلحة عند الرّواة .
ويقول الخطيب الشّربينيّ : لو قال العالم لجماعة من النّاس : لا تسمعوا الحديث من فلان فإنّه يخلط أو لا تستفتوا منه فإنّه لا يحسن الفتوى فهذا نصح للنّاس . نصّ عليه في الأمّ . قال : وليس هذا بغيبة إن كان يقوله لمن يخاف أن يتبعه ويخطئ باتّباعه . ومثله في الفواكه الدّواني . ويقول النّوويّ : يجوز تحذير المسلمين من الشّرّ ونصيحتهم ، وذلك من وجوه منها : جرح المجروحين من الرّواة للحديث والشّهود ، وذلك جائز بإجماع المسلمين ، بل واجب للحاجة . ومنها : إذا استشارك إنسان في مصاهرته أو مشاركته أو إيداعه أو الإيداع عنده أو معاملته بغير ذلك ،وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه منه على جهة النّصيحة. وفي مغني المحتاج : ينكر على من تصدّى للتّدريس والفتوى والوعظ وليس هو من أهله ، ويشهّر أمره لئلّا يغترّ به .


الساعة الآن 06:06 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009