الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد

الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد (http://www.quran-university.com/vb/index.php)
-   ركن الفقة وأصوله (http://www.quran-university.com/vb/forumdisplay.php?f=148)
-   -   الموسوعة الفقهية (http://www.quran-university.com/vb/showthread.php?t=13996)

اِبن الصالحين 05-11-2012 09:47 AM

قيام التّصديق بكلمة نعم مقام اليمين
46 - الصّحيح من مذهب الحنفيّة أنّ من عرض عليه اليمين فقال : نعم كان حالفاً ، ولو قال رجل لآخر عليك : عهد اللّه إن فعلت كذا فقال : نعم . فالحالف المجيب ، ولا يمين على المبتدئ ولو نواه ، لأنّ قوله : عليك صريح في التزام اليمين على المخاطب ، فلا يمكن أن يكون يميناً على المبتدئ ، بخلاف ما إذا قال : واللّه لتفعلنّ ، وقال الآخر : نعم ، فإنّه إذا نوى المبتدئ التّحليف والمجيب الحلف ، كان الحالف هو المجيب وحده ، وإذا نوى كلّ منهما الحلف يصير كلّ منها حالفاً .
وقال الشّافعيّة : لو قيل لرجلٍ : طلّقت زوجتك ، أو أطلّقت زوجتك ؟ استخباراً – فقال : نعم ، كان إقراراً ، وإن كان الالتماس الإنشاء كان تطليقاً صريحاً ، وإن جهل الحال حمل على الاستخبار . هذا ما قالوه في الطّلاق ، ويقاس عليه ما لو قال إنسان لآخر : حلفت ، أو أحلفت باللّه لا تكلّم زيداً ؟ فقال : نعم . ففي ذلك تفصيل : فإن كان للاستخبار كان إقراراً محتملاً للصّدق والكذب ، فيحنث بالتّكليم إن كان صادقاً ، ولا يحنث به إن كان كاذباً .
وإن كان الالتماس الإنشاء كان حلفاً صريحاً . وإن جهل حال السّؤال حمل على الاستخبار ، فيكون الجواب إقراراً واللّه أعلم ، ولم يعثر للمذاهب الأخرى على نصٍّ في هذا .
الحلف بغير اللّه تعالى بحرف القسم وما يقوم مقامه :
47 - علم ممّا تقدّم أنّ صيغة اليمين بحرف القسم وما يقوم مقامه تنحصر شرعاً في اليمين باللّه تعالى . فالحلف بغيره بحرف القسم وما يقوم مقامه لا يعتبر يميناً شرعيّةً ، ولا يجب بالحنث فيه كفّارة .
ومن أمثلته : أن يحلف الإنسان بأبيه أو بابنه أو بالأنبياء أو بالملائكة عليهم السلام أو بالعبادات : كالصّوم والصّلاة ، أو بالكعبة أو بالحرم أو بزمزم أو بالقبر والمنبر أو غير ذلك من المخلوقات . سواء أتى الحالف بهذه الألفاظ عقب حرف القسم أم أضاف إليها كلمة : " حقٍّ " أو " حرمةٍ " أو " حياةٍ " أو نحو ذلك . وسواء أكان الحلف بحرفٍ من حروف القسم أم بصيغةٍ ملحقةٍ بما فيه هذه الحروف ، مثل لعمرك ولعمري وعمرك اللّه وعليّ عهد رسول اللّه لأفعلنّ كذا .
48 - وقد ورد النّهي عنه في عدّة أحاديث
منها : قوله صلى الله عليه وسلم : « من كان حالفاً فلا يحلف إلاّ باللّه » .
ومنها : قوله عليه الصلاة والسلام : « من حلف بغير اللّه فقد أشرك » . وفي روايةٍ « فقد كفر » ، ومنها : قوله صلوات الله وسلامه عليه « من حلف بالأمانة فليس منّا » .
ومنها : ما أخرجه النّسائيّ عن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه قال : « حلفت باللّاتي والعزّى ، فأتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : قل لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كلّ شيءٍ قدير ، وانفث عن شمالك ثلاثاً ، وتعوّذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ، ثمّ لا تعدّ » . وفي روايةٍ أخرى رواها النّسائيّ عنه أيضاً قال : « حلفت باللّاتي والعزّى ، فقال لي أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : بئسما قلت ، ائت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فإنّا لا نراك إلاّ قد كفرت ، فلقيته فأخبرته فقال لي : قل لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ثلاث مرّاتٍ ، وتعوّذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ثلاث مرّاتٍ ، وانفث عن شمالك ثلاث مرّاتٍ ، ولا تعد له » .
ومنها : ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من حلف منكم فقال في حلفه : باللّاتي ، فليقل : لا إله إلاّ اللّه ، ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدّق » .
49 - وورد عن الصّحابة رضي الله عنهم استنكار الحلف بغير اللّه تعالى .
فمن ذلك ما رواه الحجّاج بن المنهال بسنده عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه أنّه قال : لأن أحلف باللّه كاذباً أحبّ إليّ من أن أحلف بغير اللّه صادقاً وما رواه عبد الرّزّاق بسنده عن وبرة قال : قال ابن مسعودٍ أو ابن عمر : « لأن أحلف باللّه كاذباً أحبّ إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً » ، وما رواه عبد الرّزّاق بسنده عن ابن الزّبير رضي الله عنه : أنّ عمر قال له - وقد سمعه يحلف بالكعبة - : لو أعلم أنّك فكّرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك ، احلف باللّه فأثم أو ابرر .
أثر الحلف بغير اللّه :
50 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحلف بغير اللّه تعالى لا تجب بالحنث فيه كفّارة ، إلاّ ما روي عن أكثر الحنابلة من وجوب الكفّارة على من حنث في الحلف برسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، لأنّه أحد شطري الشّهادتين اللّتين يصير بهما الكافر مسلماً ، وعن بعضهم : أنّ الحلف بسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تجب بالحنث فيه الكفّارة أيضاً ، لكن الأشهر في مذهبهم أنّه لا كفّارة بالحنث في الحلف بنبيّنا وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
ولا خلاف بين الفقهاء أيضاً في أنّ الحلف بغير اللّه منهيّ عنه ، لكن في مرتبة هذا النّهي اختلاف ، والحنابلة قالوا : إنّه حرام إلاّ الحلف بالأمانة ، فإنّ بعضهم قال بالكراهة ، والحنفيّة قالوا مكروه تحريماً ، والمعتمد عند المالكيّة والشّافعيّة أنّه تنزيهاً .
وصرّح الشّافعيّة أنّه إن كان بسبق اللّسان من غير قصدٍ فلا كراهة ، وعليه يحمل حديث الصّحيحين في قصّة الأعرابيّ - الّذي قال لا أزيد على هذا ولا أنقص - أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « أفلح وأبيه إن صدق » .
شرائط القسم :
يشترط في انعقاد القسم وبقائه شرائط ، وهي ثلاثة أنواعٍ :
أوّلاً :
الشّرائط الّتي ترجع إلى الحالف
يشترط في انعقاد اليمين وبقائها شرائط في الحالف .
51 - الأولى : البلوغ . والثّانية : العقل .
وهاتان شريطتان في أصل الانعقاد ، فلا تنعقد يمين الصّبيّ - ولو مميّزاً - ولا المجنون والمعتوه والسّكران - غير المتعدّي بسكره - والنّائم والمغمى عليه ، لأنّها تصرّف إيجابٍ ، وهؤلاء ليسوا من أهل الإيجاب . ولا خلاف في هاتين الشّريطتين إجمالاً .
وإنّما الخلاف في السّكران المتعدّي بسكره والصّبيّ إذا حنث بعد بلوغه .
أمّا السّكران المتعدّي ، فالجمهور يرون صحّة يمينه إن كانت صريحةً تغليظاً عليه .
وأبو ثورٍ والمزنيّ وزفر والطّحاويّ والكرخيّ ومحمّد بن سلمة وغيرهم يرون عدم انعقاد يمينه كالسّكران غير المتعدّي ، وتفصيل ذلك في ( الحجر ) .
وأمّا الصّبيّ فالجمهور يرون أنّ يمينه لا تنعقد ، وأنّه لو حنث - ولو بعد البلوغ - لم تلزمه كفّارة ، وعن طاوسٍ أنّ يمينه معلّقة ، فإن حنث بعد بلوغه لزمته الكفّارة .
وحجّة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاثةٍ : عن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن المجنون حتّى يفيق ، وعن الصّبيّ حتّى يبلغ » .
52 - الشّريطة الثّالثة : الإسلام ، وإلى هذا ذهب الحنفيّة والمالكيّة .
فلا تنعقد اليمين باللّه تعالى من الكافر ولو ذمّيّاً ، وإذا انعقدت يمين المسلم بطلت بالكفر ، سواء أكان الكفر قبل الحنث أم بعده ، ولا ترجع بالإسلام بعد ذلك .
وقال الشّافعيّة والحنابلة : لا يشترط الإسلام في انعقاد اليمين ولا بقائها ، فالكافر الملتزم للأحكام - وهو الذّمّيّ والمرتدّ - لو حلف باللّه تعالى على أمرٍ ، ثمّ حنث وهو كافر ، تلزمه الكفّارة عند الشّافعيّة والحنابلة ، لكن إذا عجز عن الكفّارة الماليّة لم يكفر بالصّوم إلاّ إن أسلم . وهذا الحكم إنّما هو في الذّمّيّ ، وأمّا المرتدّ فلا يكفر في حال ردّته ، لا بالمال ولا بالصّوم ، بل ينتظر ، فإذا أسلم كفّر ، لأنّ ماله في حال الرّدّة موقوف ، فلا يمكن من التّصرّف فيه . ومن حلف حال كفره ثمّ أسلم وحنث ، فلا كفّارة عليه عند الحنفيّة والمالكيّة . وعليه الكفّارة عند الشّافعيّة والحنابلة إن كان حين الحلف ملتزماً للأحكام .
53 - الشّريطة الرّابعة : التّلفّظ باليمين ، فلا يكفي كلام النّفس عند الجمهور خلافاً لبعض المالكيّة . ولا بدّ من إظهار الصّوت بحيث يسمع نفسه إن كان صحيح السّمع ، ولم يكن هناك مانع من السّماع كلغطٍ وسدّ أذنٍ .
واشتراط الإسماع ولو تقديراً هو رأي الجمهور ، الّذي يرون أنّ قراءة الفاتحة في الصّلاة يشترط في صحّتها ذلك .
وقال المالكيّة والكرخيّ من الحنفيّة : لا يشترط الإسماع ، وإنّما يشترط أن يأتي بالحروف مع تحريك اللّسان ولو لم يسمعها هو ولا من يضع أذنه بقرب فمه مع اعتدال السّمع وعدم الموانع . هذا وإنّ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة قد صرّحوا بأنّ إشارة الأخرس باليمين تقوم مقام النّطق .
وقال الشّافعيّة : إنّ الكتابة لو كانت بالصّريح تعتبر كنايةً ، لأنّها تحتمل النّسخ ، وتجربة القلم والمداد وغيرها ، وبأنّ إشارة الأخرس إن اختصّ بفهمها الفطن فهي كناية تحتاج إلى النّيّة ، وإن فهمها كلّ إنسانٍ فهي صريحة .
الطّواعية والعمد في الحالف :
54 - لا تشترط عند الحنفيّة الطّواعية - أي الاختيار - في الحالف ، ولا العمد - أي القصد - فتصحّ عندهم يمين المكره والمخطئ ، وهو من أراد غير الحلف فسبق لسانه إلى الحلف ، كأن أراد أن يقول : اسقني الماء ، فقال : واللّه لا أشرب الماء ، لأنّها من التّصرّفات الّتي لا تحتمل الفسخ فلا يؤثّر فيها الإكراه والخطأ ، كالطّلاق والعتاق والنّذر وسائر التّصرّفات الّتي لا تحتمل الفسخ .
وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : تشترط الطّواعية والعمد ، فلا تنعقد يمين المكره ولا المخطئ ، غير أنّ الشّافعيّة يقولون في المكره على اليمين : إذا نوى الحلف صحّت يمينه . لأنّ الإكراه لا يلغي اللّفظ ، وإنّما يصير به الصّريح كنايةً ، وهذا الّذي قالوه لا يستبعد أن يكون متّفقاً عليه ، فإنّ إلغاء كلام المكره لا وجه له ، إلاّ أنّه إنّما قصد دفع الأذى عن نفسه ، ولم يقصد استعمال اللّفظ في معناه ، فإذا قصد استعماله في معناه كان هذا أمراً زائداً لا تدعو إليه الضّرورة .
وقال الشّافعيّة أيضاً : لا يلزم المكره التّورية وإن قدر عليها .
والتّورية هي : أن يطلق الإنسان لفظاً هو ظاهر في معنًى ويريد به معنًى آخر يتناوله ذلك اللّفظ ، ولكنّه خلاف ظاهره .
عدم اشتراط الجدّ في الحالف :
55 - الجدّ - بكسر الجيم - في التّصرّفات القوليّة معناه : أن ينطق الإنسان باللّفظ راضياً بأثره ، سواء أكان مستحضراً لهذا الرّضى أم غافلاً عنه ، فمن نطق باللّفظ الصّريح ناوياً معناه ، أو غافلاً عن هذه النّيّة ، مريداً أثره أو غافلاً عن هذه الإرادة يقال له جادّ ، فإن أراد تجريد اللّفظ عن أثره من غير تأويلٍ ولا إكراهٍ ، فنطق به لعباً أو مزاحاً كان هازلاً ، والهزل لا أثر له في التّصرّفات القوليّة الصّريحة الّتي لا تحتمل الفسخ ، فمن حلف بصيغةٍ صريحةٍ لاعباً أو مازحاً انعقدت يمينه لقوله صلى الله عليه وسلم : « ثلاث جدّهنّ جدّ ، وهزلهنّ جدّ : النّكاح والطّلاق والرّجعة » .
ويقاس على ما في الحديث سائر التّصرّفات الصّريحة الّتي لا تحتمل الفسخ ، ومنها صيغة اليمين الصّريحة ، وأمّا الكناية فمعلوم أنّه يشترط فيها النّيّة ، ومعلوم أنّ الهازل لا نيّة له .
قصد المعنى والعلم به :
56 - صرّح الشّافعيّة بأنّ الألفاظ الصّريحة يشترط فيها : العلم بالمعنى ، والكناية يشترط فيها : قصد المعنى ، ذكروا هذا في الطّلاق وليس خاصّاً به كما هو ظاهر ، فيؤخذ منه أنّه يشترط في اليمين إذا كانت بلفظٍ صريحٍ : أن يعلم المتكلّم بمعناها ، فلو حلف أعجميّ بلفظٍ عربيٍّ صريحٍ كواللّه لأصومنّ غداً ، بناءً على تلقين إنسانٍ له ، من غير أن يعلم معناه لم ينعقد . ولو قال إنسان : أشهد باللّه لأفعلنّ كذا لم ينعقد إلاّ إذا قصد معنى اليمين ، لأنّه كناية عند الشّافعيّة كما سبق .
واشتراط النّيّة في الكناية لا يختلف فيه أحد . وأمّا العلم بالمعنى فقد صرّح الحنفيّة بعدم اشتراطه في الطّلاق بالنّسبة للقضاء ، ومقتضاه أنّهم يشترطونه في اليمين الصّريحة ديانةً ، لأنّه مصدّق فيما بينه وبين اللّه تعالى .
أثر التّأويل في اليمين :
57 - صرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّ التّأويل الّذي تنقطع به جملة اليمين عن جملة المحلوف عليه يقبل ، وعبارة المالكيّة : لو قال أردت بقولي : ( باللّه ) وثقت أو اعتصمت باللّه ، ثمّ ابتدأت قولي : لأفعلنّ ، ولم أقصد اليمين صدّق ديانةً بلا يمينٍ .
وعبارة الشّافعيّة : إذا قال : واللّه لأفعلنّ كذا ، ثمّ قال : أردت واللّه المستعان ، أو قال : باللّه وقال : أردت وثقت أو استعنت باللّه ، ثمّ استأنفت فقلت : لأفعلنّ كذا من غير قسمٍ يقبل ظاهراً وباطناً . وإذا تأوّل نحو هذا التّأويل في الطّلاق والإيلاء لا يقبل ظاهراً لتعلّق حقّ الغير به . وممّا ينبغي التّنبّه له أنّ التّأويل لا يختصّ بهذه المذاهب ، فالمتصفّح لكتب المذاهب الأخرى يجد تأويلاتٍ مقبولةً عندهم ، ولا شكّ أنّ التّأويل إنّما يقبل إذا لم يكن هناك مستحلف ذو حقٍّ ، وكان التّأويل غير خارجٍ عمّا يحتمله اللّفظ .
ثانياً :
الشّرائط الّتي ترجع إلى المحلوف عليه
يشترط في انعقاد اليمين باللّه وبقائها منعقدةً أربع شرائط ترجع إلى المحلوف عليه ، وهو مضمون الجملة الثّانية الّتي تسمّى جواب القسم .
58 - الشّريطة الأولى : أن يكون المحلوف عليه أمراً مستقبلاً .
وهذه شريطة لانعقاد اليمين باللّه تعالى عند الحنفيّة والحنابلة ، خلافاً للشّافعيّة الّذين يقولون بانعقاد اليمين الغموس على ماضٍ وحاضرٍ ، كقوله : واللّه لا أموت ، ومستقبلٍ كقوله : واللّه لأصعدنّ السّماء . وللمالكيّة الّذين يقولون بانعقاد الغموس على حاضرٍ ومستقبلٍ . وممّا ينبغي التّنبّه له أنّ الحنابلة يشترطون الاستقبال في كلّ ما فيه كفّارة ، كالحلف بتعليق الكفر أو القربة أو الظّهار بخلاف الطّلاق والعتاق .
59 - الشّريطة الثّانية : أن يكون المحلوف عليه متصوّر الوجود حقيقةً عند الحلف - أي ليس مستحيلاً عقلاً - وهذه شريطة لانعقاد اليمين باللّه عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وزفر . ووجه اشتراطها : أنّ اليمين إنّما تنعقد لتحقيق البرّ ، فإنّ من أخبر بخبرٍ أو وعد بوعدٍ يؤكّده باليمين لتحقيق الصّدق ، فكان المقصود هو البرّ ، ثمّ تجب الكفّارة ونحوها خلفاً عنه ، فإذا لم يتصوّر الأصل - وهو البرّ - لم يوجد الخلف - وهو الكفّارة - فلا تنعقد اليمين . ولم يشترط أبو يوسف هذه الشّريطة لأنّه لا يلزم من استحالة الأصل عقلاً عدم الخلف . ومفهوم هذه الشّريطة : أنّ المحلوف عليه إذا كان يستحيل وجوده عقلاً عند الحلف ، لم تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وزفر .
لكنّ هذا المفهوم ليس على إطلاقه ، بل فيه تفصيل يعلم من الكلام على المثال الآتي :
إذا قال إنسان : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز ، أو قال : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز اليوم ، وكان الكوز خالياً من الماء عند الحلف ، فالشّرب الّذي هو المحلوف عليه مستحيل وجوده عند الحلف عقلاً ، فلا تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وزفر إن كان الحالف عند حلفه لا يعلم خلوّ الكوز من الماء ، وأمّا إن كان يعلم ذلك فاليمين منعقدة عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وأبي يوسف وغير منعقدةٍ عند زفر ، وهي رواية عن أبي حنيفة .
هذا ما أفاده صاحب البدائع . وقال الحنابلة في هذه المسألة : تنعقد وعليه الكفّارة في الحال. 60 - الشّريطة الثّالثة : أن يكون المحلوف عليه متصوّر الوجود حقيقةً بعد الحلف ، إن كانت اليمين مقيّدةً بوقتٍ مخصوصٍ .
وهذه الشّريطة إنّما تشترط لبقاء اليمين باللّه منعقدةً عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وزفر ، فلو لم توجد هذه الشّريطة بطلت اليمين بعد انعقادها ، وخالف أبو يوسف في هذه الشّريطة أيضاً . وتوجيه الاشتراط وعدمه كما في الشّريطة الثّانية ، ومفهوم هذه الشّريطة يتّضح بالمثال الآتي : إذا قال إنسان واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز اليوم أو قال واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز ، ولم يقيّده بوقتٍ ، وكان في الكوز ماء وقت الحلف ، فصبّه الحالف أو صبّه غيره أو انصبّ بنفسه في النّهار . ففي صورة التّقييد باليوم تبطل بعد انعقادها ، لأنّ الشّرب المحلوف عليه صار مستحيلاً بعد الحلف في الوقت الّذي قيّد به ، وفي صورة الإطلاق تبقى منعقدةً ، فيحنث بالصّبّ أو الانصباب ، وتجب عليه الكفّارة .
61 - الشّريطة الرّابعة : أن يكون المحلوف عليه متصوّر الوجود عادةً عند الحلف - أي ليس مستحيلاً عادةً - وهذه شريطة لانعقاد اليمين باللّه عند زفر ، خلافاً لأبي حنيفة ومحمّدٍ وأبي يوسف . فلو قال واللّه لأصعدنّ السّماء ، أو : واللّه لأمسّنّ السّماء ، أو : واللّه لأحوّلنّ هذا الحجر ذهباً ، لم تنعقد اليمين عند زفر ، سواء أقيّدها بوقتٍ مخصوصٍ كأن قال : اليوم أو غداً ، أو لم يقيّدها ، وقال أبو حنيفة ومحمّد : إنّها تنعقد ، لأنّ المحلوف عليه جائز عقلاً ، وقال أبو يوسف : إنّها تنعقد أيضاً ، لأنّ المحلوف عليه أمر مستقبل .
وتوجيه قول زفر : أنّ المستحيل عادةً يلحق بالمستحيل حقيقةً ، فإذا لم تنعقد اليمين في الثّاني لم تنعقد في الأوّل .
وتوجيه قول أبي حنيفة ومحمّدٍ : أنّ الحكم بالانعقاد في هذه الصّورة فيه اعتبار الحقيقة ، والحكم بعدم الانعقاد فيه اعتبار العادة ، ولا شكّ أنّ اعتبار الحقيقة أولى .
وتوجيه قول أبي يوسف : أنّ الحالف جعل الفعل شرطاً للبرّ ، فيكون عدمه موجباً للحنث ، سواء أكان ذلك الفعل ممكناً عقلاً وعادةً ، كقوله : واللّه لأقرأنّ هذا الكتاب ، أم مستحيلاً عقلاً وعادةً كقوله : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز ، ولا ماء فيه أم مستحيلاً عادةً لا عقلاً كقوله : واللّه لأحوّلنّ هذا الحجر ذهباً .
الحلف على فعل غير الحالف :
62 - المذهب عند الحنابلة أنّ من حلف على غيره وهو غائب : واللّه ليفعلنّ كذا ، أو على حاضرٍ : واللّه لتفعلنّ كذا ، فلم يطعه ، حنث الحالف والكفّارة عليه ، لا على من أحنثه .
وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيميّة بين الحلف على من يظنّ أنّه يطيعه ، والحلف على من لا يظنّه كذلك . فقال : من حلف على غيره يظنّ أنّه يطيعه فلم يفعل ، فلا كفّارة لأنّه لغو ، بخلاف من حلف على غيره في غير هذه الحالة ، فإنّه إذا لم يطعه حنث الحالف ووجبت الكفّارة عليه .
ثالثاً :
شرائط ترجع إلى الصّيغة
63 - يشترط لانعقاد اليمين باللّه تعالى شريطتان ترجعان إلى صيغتها .
الأولى : عدم الفصل بين المحلوف به والمحلوف عليه بسكوتٍ ونحوه ، فلو أخذه الوالي وقال : قل : باللّه ، فقال مثله ، ثمّ قال : لآتينّ يوم الجمعة فقال الرّجل مثله ، لا يحنث بعدم إتيانه ، للفصل بانتظار ما يقول ، ولو قال : عليّ عهد اللّه ورسوله لا أفعل كذا ، لا يصحّ ، للفصل بما ليس يميناً ، وهو قوله : وعهد رسوله .
الثّانية : خلوّها عن الاستثناء ، والمقصود به التّعليق بمشيئة اللّه أو استثناؤها ، أو نحو ذلك ممّا لا يتصوّر معه الحنث ، نحو أن يقول الحالف : إن شاء اللّه تعالى ، أو إلاّ أن يشاء اللّه ، أو ما شاء اللّه ، أو إلاّ أن يبدو لي غير هذا ، إلى غير ذلك من الأمثلة الّتي سيأتي بيانها ، فإن أتى بشيءٍ من ذلك بشرائطه لم تنعقد اليمين .
صيغة اليمين التّعليقيّة :
64 - التّعليق في اللّغة : مصدر علّق الشّيء بالشّيء وعليه : أنشبه فيه ووضعه عليه وجعله مستمسكاً .
وفي الاصطلاح : ربط حصول مضمون جملةٍ بحصول مضمون جملةٍ أخرى ، والجملة الّتي ربط مضمونها هي جملة الجزاء ، والّتي ربط هذا المضمون بمضمونها هي جملة الشّرط . ففي مثل : إن دخلت الدّار فأنت طالق ، ربط المتكلّم حصول مضمون الجزاء - وهو الطّلاق - بحصول مضمون الشّرط - وهو دخولها الدّار - ووقفه عليه ، فلا يقع إلاّ بوقوعه . وليس كلّ تعليقٍ يميناً ، وإنّما اليمين حقيقةً أو مجازاً تعليقات مخصوصة تذكر فيما يأتي .
أ - أجزاء الصّيغة :
65 - معلوم أنّه لو قال إنسان : إن فعلت كذا فامرأتي طالق مثلاً ، فهذه صيغة تعليقٍ تحتوي على : أداة شرطٍ ، فجملةٍ شرطيّةٍ ، فجملةٍ جزائيّةٍ .
والحديث عن هذه الثّلاثة كما يلي :
أداة الشّرط :
66 - ذكر أهل النّحو واللّغة أدواتٍ كثيرةً للشّرط منها " إن " - بكسر الهمزة - وقد تزاد بعدها : ما ، كما في قوله تعالى : { فَإمّا نُريَنَّكَ بعضَ الّذي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فإلينا يُرْجعون } ومنها " إذا " وقد تزاد بعدها : ما ، ومنها " من " " وما " " ومهما " " وحيثما " " وكيفما " . " ومتى " وقد تزاد بعدها : ما ، وأين وقد تزاد بعدها : ما أيضاً .
67 - وقد يقوم مقام هذه الأدوات أدوات أخرى وإن لم تعدّ في اللّغة من أدوات التّعليق ، ومنها : كلّ وكلّما وباء الجرّ .
جملة الشّرط :
68 - جملة الشّرط هي الّتي تدخل عليها أداة الشّرط ، وهي جملة فعليّة ماضويّة أو مضارعيّة ، وهي للاستقبال في الحالتين ، فإن أراد المتكلّم التّعليق على أمرٍ مضى أدخل على الفعل جملة الكون . وإيضاح ذلك أنّ قول القائل : إن خرجت ، أو : إن تخرجي يفيد التّعليق على خروجٍ في المستقبل . فإذا اختلف الرّجل مع امرأته ، فادّعى أنّها خرجت بالأمس ، فقالت : لم أخرج ، فأراد تعليق طلاقها على هذا الخروج الماضي ، فإنّه يأتي بفعل الكون فيقول : إن كنت خرجت بالأمس فأنت طالق .
جملة الجزاء :
69 - هي الجملة الّتي يأتي بها المتكلّم عقب جملة الشّرط ، جاعلاً مضمونها متوقّفاً على مضمون جملة الشّرط ، وقد يأتي الجزاء قبل جملة الشّرط والأداة ، وفي هذه الحالة تكون جزاءً مقدّماً عند بعض النّحاة ، ودليل الجزاء عند بعضهم ، والجزاء عند هؤلاء يكون مقدّراً بعد الشّرط .
ب - أقسام اليمين التّعليقيّة :
70 - قسّم صاحب البدائع اليمين إلى يمينٍ باللّه ويمينٍ بغيره . وفي أثناء كلامه على اليمين باللّه ألحق بها تعليق الكفر ، ثمّ قسّم اليمين بغير اللّه إلى ما كانت بحرف القسم كالحلف بالأنبياء وغيرهم ، وما كان بالتّعليق ، وحصر التّعليق في الطّلاق والعتاق والتزام القربة . وبهذا تبيّن أنّ التّعليقات الّتي تعتبر أيماناً عند الحنفيّة محصورة في أربعةٍ ، وهي : تعليق الطّلاق ، وتعليق العتاق ، وتعليق التزام القربة ، وتعليق الكفر ، وإنّما أفرد تعليق الكفر . عن التّعليقات الثّلاثة لمخالفته إيّاها في الحكم ، فإنّ حكمها عند الحنفيّة تحقّق الجزاء ، إن كانت طلاقاً أو عتقاً ، والتّخيير بين الجزاء وكفّارة اليمين إن كان الجزاء التزام قربةٍ ، بخلاف تعليق الكفر ، فليس حكمه تحقّق الجزاء وهو الكفر عند تحقّق الشّرط ، بل حكمه عندهم هو الكفّارة كاليمين باللّه تعالى . وفي مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميّة وإعلام الموقّعين لابن القيّم ما يفيد : أنّ تعليق الظّهار وتعليق الحرام كلاهما يمين .
وبهذا تكون التّعليقات الّتي تسمّى عند بعض الفقهاء أيماناً منحصرة في هذه السّتّة .
تعليق الطّلاق :
71 - قال الحنفيّة : تعليق الطّلاق يعتبر يميناً ، سواء أكان المقصود به الحثّ ، نحو : إن لم تدخلي الدّار فأنت طالق ، أو المنع نحو : إن دخلت الدّار فأنت طالق ، أو تحقيق الخبر نحو : إن لم يكن الأمر كما قلته ففلانة طالق : أو غير ذلك نحو : إذا جاء الغد فأنت طالق . وهذه الصّورة الأخيرة محلّ نزاعٍ بين هؤلاء وبين من يوافقهم في تسمية تعليق الطّلاق يميناً كالمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، فهم لا يسمّونه يميناً ، لأنّه لا يقصد به ما يقصد باليمين من تأكيد الحثّ والمنع والخبر ، فإنّ مجيء الغد ليس داخلاً في مقدوره ، ولا مقدورها فهما لا يستطيعان منعه .
72 - وقد اختلف الفقهاء في تعليق الطّلاق عند تحقّق شرائط الطّلاق الشّرعيّة من ناحيتين أولاهما : أنّه يقع عند وقوع ما علّق عليه أو لا يقع .
ثانيتهما : أنّه يسمّى يميناً أو لا يسمّى .
أمّا النّاحية الأولى فخلاصتها أنّ للفقهاء في وقوع الطّلاق المعلّق وعدم وقوعه قولين : القول الأوّل : أنّه يقع إذا تحقّق ما علّق عليه ، سواء أكان جارياً مجرى اليمين أم لا ، وإلى هذا ذهب الجمهور من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
القول الثّاني : التّفرقة بين ما جرى مجرى اليمين وما لم يجر مجراه .
فالأوّل لا يقع وإن وقع ما علّق عليه ، والثّاني يقع عند وقوع ما علّق عليه ، وهذا رأي ابن تيميّة وابن القيّم جمعاً بين ما روي عن الصّحابة من الوقوع وعدمه .
وهل تجب كفّارة اليمين فيما جرى مجرى اليمين أو لا تجب ؟
اختار ابن تيميّة وابن القيّم وجوب الكفّارة ، لأنّها يمين منعقدة يشملها قوله تعالى : { ولكنْ يؤاخذُكم بما عَقَّدْتُم الأيمانَ } ولتفصيل ذلك ( ر : طلاق ) .
وأمّا النّاحية الثّانية فخلاصتها : أنّ من قال بالوقوع - وهم الجمهور - اختلفوا في تسميته يميناً ، فالحنفيّة يجعلونه يميناً متى كان تعليقاً محضاً ، وإن لم يقصد به ما يقصد باليمين كما تقدّم ، وكذا يقولون في تعليق العتق والتزام القربة .
والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يقولون جميعاً : إنّ تعليق الطّلاق يسمّى يميناً على الرّاجح عند أكثرهم ، ومن لم يسمّه يميناً منهم لا يخالف من يسمّيه يميناً إلاّ في التّسمية ، ولهذا لو حلف إنسان ألاّ يحلف ، ثمّ علّق طلاقاً على وجه اليمين ، حنث عند من يسمّي هذا التّعليق يميناً ، ولم يحنث عند من لا يسمّيه يميناً .
تعليق التزام القربة :
73 - قال الحنفيّة : تعليق التزام القربة يسمّى يميناً ، سواء أقصد به ما يقصد بالأيمان أم لا . فلو قال : إن كلّمت فلاناً ، أو : إن لم أكلّم فلاناً ، أو : إن لم يكن الأمر كما قلته فعليّ حجّة أو عمرة أو صيام أو صلاة ، فهذا كلّه يسمّى نذراً ، ويسمّى أيضاً يميناً ، وهو جارٍ مجرى اليمين ، فإنّه في المثال الأوّل : يؤكّد منع نفسه من تكليم فلانٍ .
وفي المثال الثّاني : يؤكّد حثّ نفسه على تكليمه .
وفي المثال الثّالث : يؤكّد الخبر الّذي يناقض مضمون الشّرط المعلّق عليه .
ولو قال : إذا جاء رمضان فعليّ عمرة فهو نذر أيضاً ، ويسمّى يميناً عند الحنفيّة .
74 - وقد اختلف الفقهاء في تعليق التزام القربة من ناحيتين :
أمّا النّاحية الأولى : فخلاصتها أنّ النّذر إمّا أن يكون جارياً مجرى اليمين أو لا .
فإن كان جارياً مجرى اليمين - ويسمّى نذر اللّجاج والغضب - ففيه ثلاثة أقوالٍ للفقهاء :
الأوّل : أنّ القائل يخيّر عند وقوع الشّرط بين الإتيان بما التزمه وبين كفّارة اليمين ، وهذا القول هو آخر القولين عند الإمام أبي حنيفة ، وهو الرّاجح عند الحنفيّة .
وهو أيضاً أرجح الأقوال عند الشّافعيّ . وبه قال أحمد .
وهو قول أكثر أهل العلم من أهل مكّة والمدينة والبصرة والكوفة وفقهاء الحديث .
الثّاني : أنّ القائل يلزمه عند وقوع الشّرط ما التزمه ، وهو قول مالكٍ وأحد أقوال الشّافعيّ. الثّالث : أنّ القائل يلزمه عند وقوع الشّرط كفّارة يمينٍ ، ويلغي ما التزمه ، وهذا أحد الأقوال للشّافعيّ . وإن لم يكن جارياً مجرى اليمين لزم الوفاء به بشرائط مخصوصةٍ فيها خلاف الفقهاء . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( نذر ) .
75 - أمّا النّاحية الثّانية : فخلاصتها أنّ النّذر المعلّق الّذي لا يجري مجرى اليمين يسمّيه الحنفيّة يميناً ، كما سمّوا الطّلاق المعلّق يميناً وإن لم يقصد به ما قصد بالأيمان ، وأمّا غير الحنفيّة فلم نعثر على أنّ أحداً منهم سمّى ما لم يجر مجرى الأيمان يميناً ، وما جرى مجرى الأيمان - وهو اللّجاج يسمّى - يميناً عند من قال بوجوب الكفّارة أو بالتّخيير بين ما التزمه وبين ، الكفّارة . والقائلون بوجوب ما التزمه مختلفون : فمنهم من يسمّيه يميناً كابن عرفة من المالكيّة ، ومنهم من لا يسمّيه يميناً .
تعليق الكفر :
76 - قال الحنفيّة : إنّ تعليق الكفر على ما لا يريده الإنسان بقصد تأكيد المنع منه أو الحثّ على نقيضه أو الإخبار بنقيضه يعتبر يميناً شرعيّةً ملحقةً باليمين باللّه تعالى .
وهذا الّذي قاله الحنفيّة يروى عن عطاءٍ وطاوسٍ والحسن والشّعبيّ والثّوريّ والأوزاعيّ وإسحاق ، ويروى أيضاً عن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه . حكى ذلك كلّه ابن قدامة في المغني ، وحكاه ابن تيميّة في فتاويه عن أكثر أهل العلم ، وهو إحدى روايتين عن أحمد ، وهي الرّواية الرّاجحة عند أكثر الحنابلة .
وقال المالكيّة والشّافعيّة : إنّه ليس بيمينٍ . ووافقهم أحمد في إحدى الرّوايتين .
وهو أيضاً قول اللّيث وأبي ثورٍ وابن المنذر ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما وأبي هريرة رضي الله عنه وعطاءٍ وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار .
وهذه الحكاية تخالف حكاية صاحب المغني عن عطاءٍ فلعلّ له قولين ، وكذا حكايته عن جمهور فقهاء الأمصار تختلف عن حكاية ابن تيميّة القول الأوّل عن أكثر أهل العلم .

اِبن الصالحين 05-11-2012 09:48 AM

أحكام الأيمان القسميّة :
حكم اليمين الغموس :
اليمين الغموس لها حكمان : حكم الإتيان بها ، والحكم المترتّب على تمامها .
وبيان ذلك فيما يلي :
حكم الإتيان بها :
108 - الإتيان باليمين الغموس حرام ، ومن الكبائر بلا خلافٍ ، لما فيه من الجرأة العظيمة على اللّه تعالى ، حتّى قال الشّيخ أبو منصورٍ الماتريديّ ، كان القياس عندي أنّ متعمّد الحلف باللّه تعالى على الكذب يكفر ، لأنّ اليمين به عزّ وجلّ جعلت لتعظيمه ، والمتعمّد لليمين به على الكذب مستخفّ به ، لكنّه لا يكفر ، لأنّه ليس غرضه الجرأة على اللّه والاستخفاف به ، وإنّما غرضه الوصول إلى ما يريده من تصديق السّامع له .
ونظير هذا ما يروى أنّ رجلاً سأل أبا حنيفة قائلاً : إنّ العاصي يطيع الشّيطان ، ومن أطاع الشّيطان فقد كفر ، فكيف لا يكفر العاصي ؟ فقال : إنّ ما يفعله العاصي هو في ظاهره طاعة للشّيطان ، ولكنّه لا يقصد هذه الطّاعة فلا يكفر ، لأنّ الكفر عمل القلب ، وإنّما يعدّ مؤمناً عاصياً فقط .
ثمّ إنّه لا يلزم من كونها من الكبائر أن تكون جميعها مستويةً في الإثم ، فالكبائر تتفاوت درجاتها حسب تفاوت آثارها السّيّئة ، فالحلف الّذي يترتّب عليه سفك دم البريء ، أو أكل المال بغير حقٍّ أو نحوهما ، أشدّ حرمةً من الحلف الّذي لا يترتّب عليه شيء من ذلك .
109 - وقد ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في ذمّ اليمين الغموس وبيان أنّها من الكبائر والتّرهيب من الإقدام عليها .
منها : ما روي عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من حلفَ على مالِ امرئٍ مسلمٍ بغير حقّهِ لَقِيَ اللّهَ وهو عليه غضبان ، قال عبد اللّه : ثمّ قرأ علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب اللّه عزّ وجلّ : { إنَّ الّذين يَشْتَرون بِعَهْدِ اللّهِ وأَيْمانهم ثَمَناً قَلِيلاً } إلى آخر الآية » .
وعن وائل بن حجرٍ رضي الله عنه قال : « جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال الحضرميّ : يا رسول اللّه إنّ هذا قد غلبني على أرضٍ كانت لأبي ، فقال الكنديّ : هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حقّ ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم للحضرميّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قال : لا ، قال : فَلَكَ يمينُه . قال : يا رسول اللّه : إنّ الرّجلَ فاجر ، لا يبالي على ما حلف عليه ، وليس يتورّع عن شيءٍ فقال : ليس لَكَ منه إلاّ يمينه . فانطلق ليحلف ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمّا أدبر : لئن حلف على مالٍ لِيأكله ظلماً لَيَلْقَيَنّ اللّه وهو عنه مُعرض » .
وقال الرّسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عبد اللّه بن أنيسٍ رضي الله عنه : « من أكبر الكبائر : الإشراكُ باللّه ، وعقوقُ الوالدين ، واليمين الغموس والّذي نفسي بيده لا يحلفُ رجلٌ على مثلِ جناحِ بعوضةٍ إلاّ كانت كَيّاً في قلبه يوم القيامة » .
وعن جابر بن عتيكٍ رضي الله عنه أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من اقتطعَ حقّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه فقد أوجبَ اللّه له النّارَ وحرَّم عليه الجنّةَ ، فقال رجل : وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول اللّه ، قال : وإن كان قضيباً من أراكٍ » .
التّرخيص في اليمين الغموس للضّرورة :
110 - إنّ حرمة اليمين الغموس هي الأصل ، فإذا عرض ما يخرجها عن الحرمة لم تكن حراماً ، ويدلّ على هذا .
أوّلاً : قوله تعالى : { مَنْ كَفَرَ باللّه مِنْ بعد إيمانه إلاّ من أُكْرِه وقَلْبُه مُطْمَئِنّ بالِإيمانِ ولكنْ مَنْ شَرَحَ بالكفرِ صَدْراً فعليهم غَضَبٌ من اللّه ولهم عذابٌ عظيمٌ } .
فإذا كان الإكراه يبيح كلمة الكفر فإباحته لليمين الغموس أولى .
ثانياً : آيات الاضطرار إلى أكل الميتة وما شاكلها ، كقول تعالى : { فَمَنْ اضْطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه إنَّ اللّهَ غفورٌ رحيمٌ } .
فإذا أباحت الضّرورة تناول المحرّمات أباحت النّطق بما هو محرّم .
111 - وإليك نصوص بعض المذاهب في بيان ما تخرج به اليمين الغموس عن الحرمة .
أ - قال الدّردير في أقرب المسالك وشرحه ، والصّاويّ في حاشيته ما خلاصته : لا يقع الطّلاق على من أكره على الطّلاق ولو ترك التّورية مع معرفته بها ، ولا على من أكره على فعل ما علّق عليه الطّلاق . وندب أو وجب الحلف ليسلم الغير من القتل بحلفه وإن حنث هو ، وذلك فيما إذا قال ظالم : إن لم تطلّق زوجتك ، أو إن لم تحلف بالطّلاق قتلت فلاناً ، قال ابن رشدٍ : إن لم يحلف لم يكن عليه حرج ، أي لا إثم عليه ولا ضمان ، ومثل الطّلاق : النّكاح والإقرار واليمين .
ب - قال النّوويّ : الكذب واجب إن كان المقصود واجباً ، فإذا اختفى مسلم من ظالمٍ ، وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه ، وكذا لو كان عنده أو عند غيره وديعة ، وسأل عنها ظالم يريد أخذها وجب عليه الكذب بإخفائها ، حتّى لو أخبره بوديعةٍ عنده فأخذها الظّالم قهراً وجب ضمانها على المودع المخبر ، ولو استحلفه عليها لزمه أن يحلف ، ويورّي في يمينه ، فإن حلف ولم يورّ حنث على الأصل وقيل : لا يحنث .
ج - وقال موفّق الدّين بن قدامة : من الأيمان ما هي واجبة ، وهي الّتي ينجّي بها إنساناً معصوماً من هلكةٍ ، كما روي عن سويد بن حنظلة قال : « خرجنا نريد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجرٍ ، فأخذه عدوّ له ، فتحرّج القوم أن يحلفوا ، فحلفت أنا : أنّه أخي ، فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم صدقت ، المسلم أخو المسلم » فهذا ومثله واجب ، لأنّ إنجاء المعصوم واجب ، وقد تعيّن في اليمين فيجب ، وكذلك إنجاء نفسه ، مثل : أن تتوجّه عليه أيمان القسامة في دعوى القتل عليه وهو بريء
الحكم المترتّب على تمامها :
112 - في الحكم المترتّب على تمام الغموس ثلاثة آراءٍ .
الرّأي الأوّل : أنّها لا كفّارة عليها سواء أكانت على ماضٍ أم حاضرٍ ، وكلّ ما يجب إنّما هو التّوبة ، وردّ الحقوق إلى أهلها إن كان هناك حقوق ، وهذا مذهب الحنفيّة .
الرّأي الثّاني : أنّ فيها الكفّارة ، وهذا مذهب الشّافعيّة ، ويلاحظ أنّهم في تعريف الغموس خصّوها بالماضي ، لكن من المعلوم أنّ إيجاب الكفّارة في الحلف على الماضي يستلزم إيجابها في الحلف على الحاضر والمستقبل ، لأنّهم قالوا : إنّ كلّ ما عدا اللّغو معقود . الرّأي الثّالث : التّفصيل ، وقد أوضحه المالكيّة بناءً على توسّعهم في معناها ، فقالوا : من حلف على ما هو متردّد فيه أو معتقد خلافه فلا كفّارة عليه إن كان ماضياً ، سواء أكان موافقاً للواقع أم مخالفاً ، وعليه الكفّارة إن كان حاضراً أو مستقبلاً وكان في الحالين مخالفاً للواقع . وإلى التّفصيل ذهب الحنابلة أيضاً ، حيث اقتصروا في تعريف الغموس على ما كانت على الماضي ، وشرطوا في كفّارة اليمين أن تكون على مستقبلٍ .
فيؤخذ من مجموع كلامهم أنّ الحلف على الكذب عمداً لا كفّارة فيه إن كان على ماضٍ أو حاضرٍ ، وفيه الكفّارة إن كان على مستقبلٍ .
113 - احتجّ القائلون بوجوب الكفّارة في الغموس بأنّها مكسوبة معقودة ، إذ الكسب فعل القلب ، والعقد : العزم ، ولا شكّ أنّ من أقدم على الحلف باللّه تعالى كاذباً متعمّداً فهو فاعل بقلبه وعازم ومصمّم ، فهو مؤاخذ .
وقد أجمل اللّه عزّ وجلّ المؤاخذة في سورة البقرة فقال : { لا يؤاخذُكم اللّه باللّغو في أيمانِكم ولكنْ يؤاخذُكم بما كسبتْ قلوبُكم } وفصّلها في سورة المائدة ، فقال : { لا يؤاخذُكم اللّه باللّغو في أيمانِكم ولكن يؤاخذُكم بما عقّدْتُم الأيمانَ ، فكفّارته إطعامُ عشرةِ مساكين ... } على أنّ اليمين الغموس أحقّ بالتّكفير من سائر الأيمان المعقودة ، لأنّ ظاهر الآيتين ، ينطبق عليها من غير تقديرٍ ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل المؤاخذة في سورة البقرة على الكسب بالقلب ، وفي سورة المائدة على تعقيد الأيمان وإرادتها ، وهذا منطبق أعظم انطباقٍ على اليمين الغموس ، لأنّها حانثة من حين إرادتها والنّطق بها ، فالمؤاخذة مقارنة لها ، بخلاف سائر الأيمان المعقودة ، فإنّه لا مؤاخذة عليها إلاّ عند الحنث فيها ، فهي محتاجة في تطبيق الآيتين عليها إلى تقديرٍ ، بأن يقال : إنّ المعنى : ولكن يؤاخذكم بالحنث فيما كسبت قلوبكم ، وبالحنث في إيمانكم المعقودة ، وكذلك قوله تعالى : { ذلك كفّارةُ أيمانِكم إذا حلفْتُم } معناه : إذا حلفتم وحنثتم .
114- واستدلّ الحنفيّة ومن وافقهم على عدم وجوب الكفّارة في اليمين الغموس بما يأتي : أوّلاً : قال اللّه تعالى : { إنّ الّذين يشترون بعَهْدِ اللّه وأيمانِهم ثمناً قليلاً أولئك لا خَلاقَ لهم في الآخرةِ ولا يكلّمُهُمُ اللّه ولا ينظرُ إليهم يومَ القيامةِ ولا يزكّيهم ولهم عذابٌ أليم } .
ثانياً : ما رواه الأشعث بن قيسٍ وعبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنهما كلّ منهما عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من حلف على يمين صَبْرٍ يقتطع بها مالَ امرئٍ مسلمٍ هو فيها فاجرٌ لقيَ اللّه وهو عليه غضبان » .
ووجه الاستدلال بالآية والحديثين وما معناهما : أنّ هذه النّصوص أثبتت أنّ حكم الغموس العذاب في الآخرة ، فمن أوجب الكفّارة فقد زاد على النّصوص .
ثالثاً : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « خمسٌ ليس لهنّ كفّارةٌ : الشّركُ باللّه عزّ وجلّ ، وقتلُ النّفسِ بغيرِ حقٍّ ، وبهتُ مؤمنٍ ، والفرارُ من الزّحفِ ، ويمينٌ صابرة يقتطع بها مالاً بغير حقٍّ » .
حكم اليمين اللّغو :
115 - سبق بيان اختلاف المذاهب في تفسير يمين اللّغو ، فمن فسّروها باليمين على الاعتقاد أو باليمين غير المقصودة ذهبوا إلى أنّها لا إثم فيها من حيث ذاتها ولا كفّارة لها . لكن لمّا فسّرها المالكيّة بمعنًى شاملٍ للمستقبل قالوا : إنّها تكفّر إذا كانت على مستقبلٍ وحنث فيها ، كما لو حلف : أن يفعل كذا ، أو ألاّ يفعل كذا غداً ، وهو معتقد أنّ ما حلف على فعله سيحصل ، وما حلف على عدم فعله لن يحصل ، فوقع خلاف ما اعتقده وهم لا يخالفون الحنفيّة في ذلك ، غير أنّ الحنفيّة لا يسمّون الحلف على المستقبل لغواً كما تقدّم .
ومن فسّروها باليمين على المعاصي اختلفوا ، هل تكفّر بالحنث أو لا تكفّر ؟ فمنهم من قال : لا كفّارة لها ، لقوله تعالى : { لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم } لأنّ المراد أنّ اللّه عزّ وجلّ لا يؤاخذ من حلف على المعصية إذا لم ينفّذ ما حلف عليه ، وذلك أنّ التّنفيذ حرام ، واجتنابه واجب ، فإذا اجتنبه فقد أدّى ما عليه ، فلا يطالب بكفّارةٍ .
ومنهم من قال : يجب على الحالف الحنث ، وإذا حنث وجبت عليه الكفّارة ، لأنّ قوله تعالى : { لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم } يراد به أنّ اللّه عزّ وجلّ لا يؤاخذ من حلف على المعصية إذا حنث ولم ينفّذ ، فلا يعاقبه على هذا الحنث ، بل يوجبه عليه ، ويأمره به ، فإذا حنث وجب عليه التّكفير ، عملاً بقوله تعالى : { ذلك كفّارةُ أيمانِكم إذا حلفتم } فإنّ المراد به : أنّ ما ذكر هو كفّارة الأيمان مطلقاً لغواً ومعقودةً .
وهذا كلّه في اليمين باللّه تعالى ، وأمّا اليمين بغيره فسيأتي الكلام على اللّغو فيها .
أحكام اليمين المعقودة :
اليمين المعقودة لها ثلاثة أحكامٍ : حكم الإتيان بها ، وحكم البرّ والحنث فيها ، والحكم المترتّب على البرّ والحنث . وبيانها كما يلي :
أ - حكم الإتيان بها :
116 - قال الحنفيّة والمالكيّة : إنّ الأصل في اليمين باللّه تعالى الإباحة ، والإكثار منها مذموم . وهذا هو الحكم الأصليّ لليمين ، فلا ينافي أنّه قد تعرض لليمين أمور تخرجها عن هذا الحكم ، كما في المذاهب الآتية الّتي ذكرت الأحكام تفصيلاً .
وقال الشّافعيّة : الأصل في اليمين الكراهة إلاّ في طاعةٍ ، أو لحاجةٍ دينيّةٍ ، أو في دعوى عند حاكمٍ ، أو في ترك واجبٍ على التّعيين أو فعل حرامٍ وهذا إجمال توضيحه فيما يلي : الأصل في اليمين الكراهة ، لقوله تعالى : { ولا تَجْعَلوا اللّهَ عُرْضَةً لأيمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتتّقوا وتُصْلِحُوا بين النّاس } وقوله عزّ وجلّ : { واحْفَظُوا أيمانَكم } ولحديث : « إنّما الحلف حِنْثُ أو ندم » .
وقد يقال : إنّ الآية الأولى يحتمل أن يكون معناها : لا تجعلوا الحلف باللّه حاجزاً لما حلفتم على تركه من أنواع الخير ، بناءً على أنّ العرضة معناها : الحاجز والمانع ، والأيمان معناها : الأمور الّتي حلفتم على تركها . ويحتمل أن يكون معناها : لا تجعلوا اللّه نصباً لأيمانكم ، فتبذلوه بكثرة الحلف به في كلّ حقٍّ وباطلٍ ، لأنّ في ذلك نوع جرأةٍ على اللّه تعالى .
فالآية الأولى لا تدلّ على حكم الحلف ، وعلى الاحتمال الثّاني تدلّ على كراهة الإكثار ، لا كراهة أصل الحلف .
والآية الثّانية : يحتمل أن يكون معناها طلب حفظ الأيمان المحلوفة عن الحنث ، إذا كان الوفاء بها لا مانع منه ، فتدلّ على كراهة الحنث أو حرمته ، ولا شأن لها بالإقدام على الحلف ، ويحتمل أن يكون معناها طلب حفظ الأيمان الّتي في القلوب عن الإظهار ، فيكون المطلوب ترك الأيمان حذراً ممّا يترتّب عليها من الحنث والكفّارة ، وعلى هذا يكون الإقدام على اليمين مكروهاً إلاّ لعارضٍ يخرجه عن الكراهة إلى حكمٍ آخر .
والحديث المتقدّم بعد الآيتين السّابقتين ضعيف الإسناد كما يؤخذ من فيض القدير ، وعلى فرض صحّته فالحصر فيه إنّما يصحّ فيمن يكثر الحلف من غير مبالاةٍ ، فيقع في بعض الأحيان في الحنث ، وفي بعضها يأتي بما حلف عليه كارهاً له مستثقلاً إيّاه ، نادماً على ما كان منه من الحلف .
117 - ومذهب الحنابلة شبيه بمذهب الحنفيّة ، إذ الأصل عندهم الإباحة ، إلاّ أنّهم فصّلوا ، فقالوا : تنقسم اليمين إلى واجبةٍ ، ومندوبةٍ ، ومباحةٍ ، ومكروهةٍ ، وحرامٍ .
فتجب لإنجاء معصومٍ من مهلكةٍ ، ولو نفسه ، كأيمان قسامةٍ توجّهت على بريءٍ من دعوى قتلٍ . وتندب لمصلحةٍ ، كإزالة حقدٍ وإصلاحٍ بين متخاصمين ودفع شرٍّ وهو صادق فيها . وتباح على فعلٍ مباحٍ أو تركه ، كمن حلف لا يأكل سمكاً مثلاً أو ليأكلنّه ، وكالحلف على الخبر بشيءٍ هو صادق فيه ، أو يظنّ أنّه صادق .
وتكره على فعل مكروهٍ ، كمن حلف ليصلينّ وهو حاقن أو ليأكلنّ بصلاً نيئاً ومنه الحلف في البيع والشّراء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « الحلف منفّقة للسّلعة ممحقة للبركة » أو على ترك مندوبٍ كحلفه لا يصلّي الضّحى .
وتحرم على فعل محرّمٍ ، كشرب خمرٍ ، أو على ترك واجبٍ ، كمن حلف لا يصوم رمضان وهو صحيح مقيم .
ثمّ إنّ إباحتها على فعل مباحٍ أو تركه ما لم تتكرّر ، فالتّكرار خلاف السّنّة ، فإن أفرط فيه كره ، لقوله تعالى : { ولا تُطِعْ كلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ } وهو ذمّ له يقتضي كراهة الإكثار .
وهذا التّقسيم لا تأباه المذاهب الأخرى .
ب - حكم البرّ والحنث فيها :
118 - اليمين المعقودة إمّا أن تكون على فعلٍ واجبٍ أو ترك معصيةٍ أو عكسهما ، أو فعل ما هو أولى أو ترك ما تركه أولى أو عكسهما ، أو فعل ما استوى طرفاه أو تركه .
فاليمين على فعل واجبٍ أو ترك معصيةٍ ، كواللّه لأصلينّ الظّهر اليوم ، أو لا أسرق اللّيلة ، يجب البرّ فيها ويحرم الحنث ، ولا خلاف في ذلك كما لا يخفى .
واليمين على فعل معصيةٍ أو ترك واجبٍ ، كواللّه لأسرقنّ اللّيلة أو لا أصلّي الظّهر اليوم يحرم البرّ فيها ويجب الحنث ، وظاهر أنّه لا خلاف في ذلك أيضاً .
لكن ينبغي التّنبّه إلى أنّ الحلف على المعصية المطلقة عن التّوقيت يلزمه فيها العزم على الحنث ، لأنّ الحنث فيها إنّما يكون بالموت ونحوه .
واليمين على فعل ما فعله أولى أو على ترك ما تركه أولى - كواللّه لأصلينّ سنّة الصّبح أو لا ألتفت في الصّلاة - يطلب البرّ فيها وهو أولى من الحنث .
هكذا عبّر الحنفيّة القدامى بالأولويّة ، وبحث الكمال بن الهمام في ذلك بأنّ قوله تعالى : { واحفظوا أيمانكم } يدلّ على وجوب البرّ وعدم جواز الحنث ، ورجّح ذلك ابن عابدين وغيره . وقال الشّافعيّة والحنابلة : يسنّ البرّ ويكره الحنث في هذه الحالة .
واليمين على ترك ما فعله أولى ، أو فعل ما تركه أولى - كواللّه لا أصلّي سنّة الصّبح أو لألتفتنّ في الصّلاة - يطلب الحنث فيها وهو أولى من البرّ . هذا مذهب الحنفيّة .
وقال الشّافعيّة والحنابلة : يسنّ الحنث في هذه الحالة ويكره البرّ .
واليمين على فعل ما استوى طرفاه أو على تركه - كواللّه لأتغدّينّ هذا اليوم أو لا أتغدّى هذا اليوم - يطلب البرّ فيها ، وهو أولى من الحنث .
هكذا قال الحنفيّة القدامى ، ومقتضى بحث الكمال وجوب البرّ وعدم جواز الحنث .
وقال الشّافعيّة : البرّ أفضل ، ما لم يتأذّ بذلك صديقه ، كمن حلف لا يأكل كذا ، وكان صديقه يتأذّى من ترك أكله إيّاه ، فينعكس الحكم ويكون الحنث أفضل .
ومقصود الشّافعيّة بالأفضليّة الأولويّة ، وهي الاستحباب غير المؤكّد ، ويقال لمقابلها خلاف الأولى أو خلاف الأفضل ، وهو أقلّ من المكروه .
وقال الحنابلة : يخيّر بين البرّ والحنث ، والبرّ أولى ، فمذهبهم كمذهب الشّافعيّة .
الحلف على الغير واستحباب إبرار القسم :
119 - قد يحلف الإنسان على فعلٍ أو تركٍ منسوبين إليه ، نحو : واللّه لأفعلنّ أو لا أفعل ، وهذا هو الغالب . وقد يحلف على فعلٍ أو تركٍ منسوبين إلى غيره ، كقوله : واللّه لتفعلنّ أو لا تفعل ، وقوله : واللّه ليفعلنّ فلان كذا أو لا يفعله .
وأحكام البرّ والحنث السّابق ذكرها إنّما هي فيمن حلف على فعل نفسه أو تركها .
وأمّا من حلف على فعل غيره أو تركه ، مخاطباً كان أو غائباً ، فإنّه يتّفق حكم التّحنيث والإبرار فيه مع حكم الحنث والبرّ السّابقين في بعض الصّور ويختلف في بعضها .
أ - فمن حلف على غيره أن يفعل واجباً أو يترك معصيةً وجب إبراره ، لأنّ الإبرار في هذه الحالة إنّما هو قيام بما أوجبه اللّه أو انتهاء عمّا حرّمه اللّه عليه .
ب - ومن حلف على غيره أن يفعل معصيةً أو يترك واجباً لم يجز إبراره ، بل يجب تحنيثه ، لحديث : « لا طاعة لأحدٍ في معصية اللّه تبارك وتعالى » .
ج - ومن حلف على غيره أن يفعل مكروهاً أو يترك مندوباً فلا يبرّه ، بل يحنّثه ندباً ، لأنّ طاعة اللّه مقدّمة على طاعة المخلوق .
د - ومن حلف على غيره أن يفعل مندوباً أو مباحاً ، أو يترك مكروهاً أو مباحاً فهذا يطلب إبراره على سبيل الاستحباب ، وهو المقصود بحديث الأمر بإبرار القسم الّذي رواه الشّيخان عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه قال : « أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بسبعٍ : أمرنا بعيادة المريض ، واتّباع الجنائز ، وتشميت العاطس ، وإبرار القسم ، أو المقسم ، ونصر المظلوم ، وإجابة الدّاعي ، وإفشاء السّلام » .
وظاهر الأمر الوجوب ، لكن اقترانه بما هو متّفق على عدم وجوبه - كإفشاء السّلام - قرينة صارفة عن الوجوب .
وممّا يدلّ على عدم الوجوب أيضاً أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يبرّ قسم أبي بكرٍ رضي الله عنه ، فقد روى الشّيخان عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما حديثاً طويلاً يشتمل على رؤيا قصّها أبو بكرٍ رضي الله عنه وجاء في هذا الحديث « أنّه قال لرسول اللّه بأبي أنت وأمّي : أصبت أم أخطأت ؟ فقال : أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً . قال : فواللّه لتحدّثني بالّذي أخطأت ، قال : لا تقسم » فقوله صلى الله عليه وسلم " لا تقسم " معناه لا تكرّر القسم الّذي أتيت به ، لأنّي لن أجيبك ، ولعلّ هذا الصّنيع من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز ، فإنّه عليه الصلاة والسلام لا يفعل خلاف المستحسن إلاّ بقصد بيان الجواز ، وهو يدلّ على أنّ الأمر في الحديث السّابق ليس للوجوب ، بل للاستحباب .
ج - الحكم المترتّب على البرّ والحنث :
120 - اليمين المعقودة إذا برّ فيها الحالف لم تلزمه كفّارة كما لا يخفى ، وإذا حنث - بأن انتفى ما أثبته أو ثبت ما نفاه - لزمته الكفّارة ، سواء أكان حالفاً على فعل معصيةٍ أو ترك واجبٍ أم لا ، وسواء أكان كاذباً عمداً أو خطأً أم لا ، وسواء أكان قاصداً للحلف أم لا .
هذا مذهب الحنفيّة ومن وافقهم ، فهم يوجبون الكفّارة على من حنث في اليمين باللّه تعالى على أمرٍ مستقبلٍ ليس مستحيلاً عقلاً عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وليس مستحيلاً عادةً أيضاً عند زفر ، سواء أكان الحالف قاصداً أم غير قاصدٍ ، وكذا من حلف بتعليق الكفر .
121 - والمالكيّة يخالفون الحنفيّة في أمورٍ :
أحدها : أنّهم يوجبون الكفّارة في الغموس إذا كانت على أمرٍ حاضرٍ أو مستقبلٍ ، والحنفيّة لا يوجبون الكفّارة فيها إلاّ إذا كانت على أمرٍ مستقبلٍ ممكنٍ عقلاً .
ثانيها : أنّهم يوجبون الكفّارة في الحلف على المستقبل المستحيل عقلاً إن كان عالماً باستحالته أو متردّداً فيها ، والحنفيّة لا يوجبونها مطلقاً .
ثالثها : أنّهم يفصّلون في اليمين غير المقصودة ، فيقولون : من أراد النّطق بكلمةٍ فنطق باليمين بدلها لخطأ لسانه لم تنعقد ، ومن أراد النّطق بشيءٍ فنطق معه باليمين زيادةً بغير قصدٍ كانت كاليمين المقصودة ، فيكفّرها إن كانت مستقبليّةً مطلقاً ، وكذا إن كانت غموساً حاضرةً ، والحنفيّة لم نر لهم تفصيلاً في غير المقصودة ، فقد أطلقوا القول بعدم اشتراط القصد .
رابعها : أنّهم لا يقولون بالكفّارة في تعليق الكفر ، والحنفيّة يجعلونه كنايةً عن اليمين باللّه تعالى ، فيوجبون الكفّارة فيه إن كان على أمرٍ مستقبلٍ غير مستحيلٍ عقلاً .
وليس المقصود بالكناية أنّها تحتاج إلى النّيّة ، وإنّما المقصود أنّها لفظ أطلق وأريد لازم معناه ، كما يقول علماء البلاغة .
122 - والشّافعيّة يخالفون في أمورٍ :
أحدها : أنّهم يوجبون الكفّارة في الغموس على ماضٍ ، ويلزم من ذلك إيجابها في الغموس على حاضرٍ ومستقبلٍ ، فإنّ الغموس عندهم منعقدة مطلقاً .
ثانيها : أنّهم يوجبون الكفّارة في الحلف على المستحيل عقلاً ، ماضياً كان أو حاضراً أو مستقبلاً ، إلاّ إن كانت اليمين غير مقصودةٍ ، أو كان جاهلاً بالاستحالة .
ثالثها : أنّهم يقولون : إنّ اليمين غير المقصودة تعدّ لغواً مطلقاً ، سواء أكان معنى عدم القصد خطأ اللّسان ، أم كان معناه سبق اللّسان إلى النّطق بها ، فلا كفّارة فيها ولو على مستقبلٍ . ويقولون فيمن حلف على غير الواقع ، جاهلاً بمخالفته للواقع : لا تنعقد يمينه . سواء أكان المحلوف عليه ماضياً أم حاضراً أم مستقبلاً ، إلاّ إذا قصد أنّ المحلوف عليه هو كما حلف عليه في الواقع ونفس الأمر ، فتجب فيه الكفّارة حينئذٍ .
رابعها : أنّهم لا يوجبون الكفّارة في تعليق الكفر مطلقاً .
ونقل ابن قدامة عن قومٍ من فقهاء السّلف أنّ من حلف على معصيةٍ فالكفّارة ترك المعصية ، ومعنى هذا : أنّ اليمين على المعصية تنعقد ويجب الحنث ، وليس فيها الكفّارة المعهودة .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:44 AM

الحنث في اليمين : معناه وما يتحقّق به :
123 - أمّا معناه فهو : مخالفة المحلوف عليه ، وذلك بثبوت ما حلف على عدمه ، أو عدم ما حلف على ثبوته . وأمّا ما يتحقّق به فيختلف باختلاف المحلوف عليه ، وإليك البيان . المحلوف عليه إمّا ماضٍ أو حاضرٍ أو مستقبلٍ .
124 - أمّا الماضي : فالحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ومن وافقهم لا يعتبرون اليمين عليه معقودةً أصلاً ، فلا حنث فيها بالكذب عمداً أو خطأً .
وأمّا الشّافعيّة ومن وافقهم فيعتبرون اليمين عليه معقودةً إذا كان الحالف كاذباً عمداً ، وحينئذٍ يكون الحنث مقارناً للانعقاد ، وتجب الكفّارة من حين تمام الإتيان بها .
125 - وأمّا الحاضر : فهو كالماضي ، إلاّ أنّ المالكيّة متّفقون مع الفريق الثّاني القائل بانعقاد اليمين عليه إن كان الحالف كاذباً عمداً ، ثمّ إنّهم توسّعوا فضمّوا إلى الكذب العمد ما تردّد فيه المتكلّم ، بأن حلف على ما يظنّه ظنّاً ضعيفاً ، أو يشكّ فيه ، أو يظنّ نقيضه ظنّاً ضعيفاً ، وسبق ذلك في تعريف الغموس وحكمها .
126 - وأمّا المستقبل : فاليمين عليه إن وجدت فيها شرائط الانعقاد ، فأمّا أن تكون على نفيٍ أو إثباتٍ ، وكلّ منهما إمّا مطلق وإمّا مقيّد بوقتٍ .
أمّا اليمين على النّفي المطلق : فالحنث فيها يتحقّق بثبوت ما حلف على نفيه ، سواء أكان ذلك عقب اليمين أم بعده بزمانٍ قصيرٍ أو طويلٍ ، وهل يمنع الحنث نسيان أو خطأ في الاعتقاد ، أو خطأ لسانيّ أو جنون أو إغماء أو إكراه ؟ وهل يحنث بالبعض إذا كان المحلوف عليه ذا أجزاءٍ أو لا يحنث إلاّ بالجميع ؟ كلّ ذلك محلّ خلافٍ يعلم ممّا يأتي في شرائط الحنث .
127 - وأمّا اليمين على النّفي المؤقّت : فالحنث فيها يتحقّق بحصول الضّدّ في الوقت ، لا بحصوله قبله أو بعد تمامه . وفي النّسيان ونحوه الخلاف الّذي سبقت الإشارة إليه .
128 - وأمّا اليمين على الإثبات المطلق : فالحنث فيها يتحقّق باليأس من البرّ ، إمّا بموت الحالف قبل أن يفعل ما حلف على فعله ، وإمّا بفوت محلّ المحلوف عليه ، كما لو قال : واللّه لألبسنّ هذا الثّوب ، فأحرقه هو أو غيره .
هذا مذهب الحنفيّة ، وفصّل غيرهم في فوت المحلّ بين ما كان باختيار الحالف وما كان بغير اختياره ، فما كان باختياره يحنث به ، وما كان بغير اختياره ففيه تفصيل يعلم من شرائط الحنث .
وذهب المالكيّة إلى أنّ الحنث في هذه الحالة - وهي الحلف على الإثبات المطلق - يحصل أيضاً بالعزم على الضّدّ ، وذلك بأن ينوي عدم الإتيان بالمحلوف ما دام حيّاً ، وهذا الحنث محتّم لا يزول بالرّجوع عن العزم على قول ابن الموّاز وابن شاسٍ وابن الحاجب والقرافيّ ، وهو ظاهر كلام خليلٍ في مختصره والدّردير في أقرب المسالك واعتمده البنانيّ ، خلافاً للقائلين بالتّفصيل بين الطّلاق وغيره ، حيث ذهبوا إلى أنّ الحلف بالطّلاق على الإثبات المطلق يحنث فيه بالعزم على الفوات ، والحلف بالعتق وبالقربة وباللّه تعالى لا يحنث الحالف بها بالعزم المذكور إلاّ إذا استمرّ عليه ، فإن رجع عن عزمه رجعت اليمين كما كانت ، ولم يحنث إلاّ بالفوات .
وهذا الّذي ذهب إليه المالكيّة لم يوافقهم عليه أحد من أهل المذاهب الأخرى .
129 - وأمّا اليمين على الإثبات المؤقّت : فالحنث فيها يتحقّق باليأس من البرّ في الوقت ، إن كان الحالف والمحلوف عليه قائمين ، كأن قال : واللّه لآكلنّ هذا الرّغيف اليوم ، فغربت الشّمس وهو حيّ والرّغيف موجود ولم يأكله .
وإن مات الحالف في الوقت ولم يفت محلّ المحلوف عليه لم يعتبر حانثاً بالموت ولا بمضيّ الوقت بعده عند الحنفيّة جميعاً ، لأنّهم يرون أنّ الحنث إنّما يقع في آخر أجزاء الوقت في اليمين المؤقّتة ، والحالف ميّت في هذا الجزء الأخير ، ولا يوصف الميّت بالحنث ، ويحنث عند غيرهم على تفصيلٍ يعلم من شرائط الحنث . وإن فات محلّ المحلوف عليه في الوقت ، كأن أكل الرّغيف إنسان آخر ، ولم يمت الحالف ، لم يحنث في قول أبي حنيفة ومحمّدٍ وزفر لأنّهم يشترطون إمكان البرّ ، خلافاً لأبي يوسف ، حيث قال بالحنث في هذه الحالة ، لأنّه لا يشترط هذه الشّريطة . واختلفت الرّواية عنه في وقت الحنث : فروي عنه أنّه لا يحنث إلاّ آخر الوقت ، وروي عنه أنّه يحنث في الحال - أي حال فوت محلّ المحلوف عليه - وهذه الرّواية الثّانية هي الصّحيحة عنه . وفي المذاهب الأخرى تفصيل بين فوت المحلّ باختيار الحالف ، وفوته بغير اختياره ، وبين حصول الفوت أوّل الوقت ، أو بعد أوّله ، مع التّفريط أو عدمه ، وكلّ ذا يعلم من الشّرائط الآتية .
130 - وممّا ينبغي التّنبّه إليه أنّ المؤقّتة إذا لم يبدأ وقتها من حين الحلف فمات الحالف ، أو فات المحلّ قبل بدء الوقت فلا حنث في الصّورتين ، وخالف الحنابلة في الثّانية ، فقالوا بالحنث فيها ، وذلك كما لو قال : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوب غداً ، فمات هو أو شرب الماء إنسان آخر قبل فجر الغد ، فإنّه لا يعدّ حانثاً في الحالين عند الأكثرين .
وممّا ينبغي التّنبّه له أيضاً : أنّ التّوقيت في اليمين المؤقّتة يشمل التّوقيت نصّاً ، والتّوقيت دلالةً ، كما لو قيل لإنسانٍ : أتدخل دار فلانٍ اليوم ؟ فقال : واللّه لأدخلنّها ، أو واللّه لا أدخلها ، فالمحلوف عليه مؤقّت باليوم دلالةً ، لوقوعه جواباً عن السّؤال المحتوي على قيد التّوقيت باليوم ، وهذا من يمين الفور ، وسيأتي بيانها والخلاف فيها .
شرائط الحنث :
131 - الجمهور القائلون بأنّ الحنث هو السّبب الوحيد ، أو ثاني السّببين للكفّارة ، أو شريطة لها ، لم يصرّحوا بشرائط للحنث ، وإنّما ذكروا أموراً يختلف الرّأي فيها ، إذا كان الحنث فعلاً أو تركاً ، ومن هذه الأمور : العمد والطّواعية والتّذكّر والعقل .
وقد سبق أنّ الحنفيّة لا يشترطون في الحلف الطّواعية ولا العمد ، وهم لا يشترطونهما في الحنث أيضاً ، وكذلك لا يشترطون فيه التّذكّر ولا العقل ، فمن حلف أو حنث مخطئاً أو مكرهاً وجبت عليه الكفّارة . وكذا من حلف ألاّ يفعل شيئاً ففعله وهو ذاهل أو ساهٍ أو ناسٍ أو مجنون أو مغمًى عليه فعليه الكفّارة .
فإن لم يفعل المحلوف عليه ، بل فعله به غيره قهراً عنه لم يحنث ، كما لو حلف ألاّ يشرب هذا الماء ، فصبّه إنسان في حلقه قهراً ، لأنّه في هذه الحالة ليس شارباً ، فلم يفعل ما حلف على الامتناع منه .
ومن أمثلة النّسيان في الحنث : ما لو قال إنسان : واللّه لا أحلف ، ثمّ حلف ناسياً لهذه اليمين ، فإنّه يجب عليه كفّارة بهذا الحلف الثّاني من حيث كونه حنثاً في اليمين الأولى ، ثمّ إذا حنث في هذه اليمين الثّانية وجبت عليه كفّارة أخرى على القول بعدم تداخل الكفّارات وسيأتي الخلاف في ذلك . وقال المالكيّة : إنّ اليمين إمّا يمين برٍّ ، نحو واللّه لا أفعل كذا ، وإمّا يمين حنثٍ ، نحو واللّه لأفعلنّ كذا .
132 - أمّا يمين البرّ : فيحنث فيها بفعل ما حلف على تركه - وكذا بفعل بعضه إن كان ذا أجزاءٍ - عمداً أو نسياناً أو خطأً قلبيّاً ، بمعنى اعتقاد أنّه غير المحلوف عليه ، وإنّما يحنث بها إذا لم يقيّد يمينه بالعمد أو العلم ، فإن قيّدها بالعمد ، بأن قال : لا أفعله عمداً ، لم يحنث بالخطأ ، وإن قيّد بالعلم ، بأن قال : لا أفعله عالماً ، أو لا أفعله ما لم أنس لم يحنث بالنّسيان . ولا يحنث في يمين البرّ بالخطأ اللّسانيّ ، كما لو حلف : لا يذكر فلاناً ، ثمّ سبق لسانه بذكر اسمه ، وكذا لا يحنث فيها بالإكراه على فعل ما حلف على الامتناع منه ، وذلك بقيودٍ ستّةٍ :
أ - ألاّ يعلم أنّه يكره على الفعل .
ب - ألاّ يأمر غيره بإكراهه له
ج - ألاّ يكون الإكراه شرعيّاً .
د - ألاّ يفعل ثانياً طوعاً بعد زوال الإكراه .
هـ - ألاّ يكون الحلف على شخصٍ بأنّه لا يفعل كذا ، والحالف هو المكره له على فعله .
و - ألاّ يقول في يمينه : لا أفعله طائعاً ولا مكرهاً .
فإن وجد واحد من هذه السّتّة حنث بالإكراه ووجبت الكفّارة .
133 - وأمّا يمين الحنث : فيحنث فيها بالإكراه على ترك المحلوف عليه حتّى يفوت ، كما لو قال : واللّه لأدخلنّ دار زيدٍ غداً ، فمنع من دخولها بالإكراه حتّى غربت شمس الغد ، فإنّه يحنث .
ويؤخذ من هذا : أنّه يحنث أيضاً بالتّرك ناسياً ومخطئاً ، بأن لم يتذكّر الحلف من الغد ، أو تذكّره ودخل داراً أخرى يعتقد أنّها الدّار المحلوف عليها ، ولم يتبيّن له الحال حتّى مضى الغد . وإذا فات المحلوف عليه في يمين الحنث بمانعٍ ، فإمّا أن يكون المانع شرعيّاً أو عاديّاً أو عقليّاً .
134 - فإن كان المانع شرعيّاً حنث بالفوات مطلقاً ، سواء أتقدّم المانع على الحلف ولم يعلم به أم تأخّر ، وسواء أفرّط فيه حتّى فات أم لا ، وسواء أكانت اليمين مؤقّتةً أم لا .
مثال ذلك : ما لو حلف أن يباشر زوجته غداً فطرأ الحيض ، أو تبيّن أنّه كان موجوداً قبل الحلف ولم يعلم به ، فيحنث عند مالكٍ وأصبغ خلافاً لابن القاسم ، فإن لم يقيّد بالغد لم يحنث ، بل ينتظر حتّى تطهر فيباشرها .
135 - وإن كان المانع عاديّاً ، فإن تقدّم على اليمين ولم يعلم به فحلف لم يحنث مطلقاً ، أقّت أم لا ، فرّط أم لا ، وإن تأخّر حنث مطلقاً ، خلافاً لأشهب حيث قال بعدم الحنث .
مثال ذلك : أن يحلف ليذبحنّ هذا الكبش ، أو ليلبسنّ هذا الثّوب ، أو ليأكلنّ هذا الطّعام ، فسرق المحلوف عليه أو غصب ، أو منع الحالف من الفعل بالإكراه ، أو تبيّن أنّه سرق قبل اليمين أو غصب ولم يكن يعلم بذلك عند الحلف .
ومحلّ الحنث من المانع الشّرعيّ والمانع العاديّ ، إذا أطلق الحالف اليمين فلم يقيّد بإمكان الفعل ولا بعدمه ، أو قيّد بالإطلاق ، كأن قال : لأفعلنّ كذا وسكت ، أو لأفعلنّ كذا قدرت عليه أم لا ، فإن قيّد بالإمكان فلا حنث ، بأن قال : لأفعلنّه إن أمكن ، أو ما لم يمنع مانع .
136 - وإن كان المانع عقليّاً ، فإن تقدّم ولم يكن قد علم به لم يحنث مطلقاً كما في المانع العاديّ ، وإن تأخّر فإمّا إن تكون اليمين مؤقّتةً أو غير مؤقّتةٍ . فإن كانت مؤقّتةً ، وفات المحلوف عليه قبل ضيق الوقت ، لم يحنث إن حصل المانع عقب اليمين ، وكذا إن تأخّر ولم يكن قد فرّط ، فإن تأخّر مع التّفريط حنث .
مثال ذلك : ما لو حلف ليذبحنّ هذا الحمام أو ليلبسنّ هذا الثّوب ، فمات الحمام أو أحرق الثّوب وكان قد أطلق اليمين ، أو أقّت بقوله : هذا اليوم ، أو هذا الشّهر مثلاً .
وصورة تقدّم المانع : أن يكون غائباً عن المنزل مثلاً ، فيقول : واللّه لأذبحنّ الحمام الّذي بالمنزل ، أو لألبسنّ الثّوب الّذي في الخزانة ، ثمّ يتبيّن له بعد الحلف موت الحمام أو احتراق الثّوب قبل أن يحلف .
وقال الشّافعيّة : لا يحنث من خالف المحلوف عليه جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً أو مقهوراً ، ولا تنحلّ اليمين في جميع هذه الصّور ، ولا يحنث أيضاً إن تعذّر البرّ بغير اختياره .
ومن أمثلة الجهل : ما لو حلف لا يسلّم على زيدٍ ، فسلّم عليه في ظلمةٍ وهو لا يعرف أنّه زيد ، وما لو حلف لا يدخل على بكرٍ ، فدخل داراً هو فيها ولم يعلم أنّه فيها .
وأمثلة النّسيان والإكراه ظاهرة .
ومثال القهر : ما لو حلف : لا يدخل دار خالدٍ ، فحمل وأدخل قهراً ، ويلحق به من حمل بغير أمره ولم يمتنع ، لأنّه لا يسمّى داخلاً ، بخلاف من حمل بأمره فإنّه يحنث لأنّه يسمّى داخلاً ، كما لو ركب دابّةً ودخل بها .
ومن صور تعذّر البرّ بغير اختياره ، ما لو قال : واللّه لآكلنّ هذا الطّعام غداً ، فتلف الطّعام بغير اختيار الحالف ، أو مات الحالف قبل فجر الغد ، فإنّه لا يحنث ، بخلاف ما لو تلف باختياره ، فإنّه يحنث ، وفي وقت حنثه خلاف ، فقيل : هو وقت التّلف ، وقيل : هو غروب شمس الغد ، والرّاجح أنّ الحنث يتحقّق بمضيّ زمن إمكان الأكل من فجر الغد .
ومن صور الفوت بغير اختياره : ما لو تلف في الغد بغير اختياره ، أو مات في الغد قبل التّمكّن من أكله . وقالوا أيضاً : لو حلف لا يأكل هذين الرّغيفين ، أو لا يلبس هذين الثّوبين ، أو ليفعلنّ ذلك ، تعلّق الحنث والبرّ بالمجموع ولو متفرّقاً ، وكذا لو عطف بالواو نحو : لا أكلّم زيداً وعمراً ، أو لا آكل اللّحم والعنب ، أو لأكلّمنّ زيداً وعمراً ، أو لآكلنّ اللّحم والعنب ، فإنّ الحنث والبرّ يتعلّق بهما ، فلا يحنث في المثالين الأوّلين ، ولا يبرّ في المثالين الأخيرين إلاّ بفعل المجموع ولو متفرّقاً .
137 - ويستثنى في حالة النّفي ما لو كرّر حرف النّفي ، كأن قال : واللّه لا أكلّم زيداً ولا عمراً . فإنّه يحنث بتكليم أحدهما ، وتبقى اليمين ، فيحنث حنثاً ثانياً بتكليم الثّاني .
وإن قال : لا أكلّم أحدهما أو واحداً منهما وأطلق ، حنث بكلام واحدٍ وانحلّت اليمين .
وإن قال : لا آكل هذه الرّمّانة فأكلها إلاّ حبّةً لم يحنث ، أو قال : لآكلنّ هذه الرّمّانة ، فأكلها إلاّ حبّةً لم يبرّ . وخرج بالحبّة : القشر ونحوه ممّا لا يؤكل من الرّمّانة عادةً .
والحنابلة يوافقون الشّافعيّة في كلّ ما سبق ، ما عدا تفويت البرّ ، فقد قالوا : لو حلف إنسان ليشربنّ هذا الماء غداً ، فتلف قبل الغد أو فيه حنث ، ولا يحنث بجنونه أو إكراهه قبل الغد مع استمرار ذلك إلى خروج الغد ، ولا يحنث أيضاً بموته قبل الغد .
ولو حلف ليشربنّ هذا الماء اليوم أو أطلق ، فتلف قبل مضيّ وقتٍ يسع الشّرب لم يحنث ، بخلاف ما لو تلف بعد مضيّ ذلك الوقت فإنّه يحنث ، وقيل : يحنث في الحالين .
بيان الكفّارة :
138 - كفّارة اليمين باللّه تعالى إذا حنث فيها وهي منعقدة قد ذكرها اللّه عزّ وجلّ في كتابه العزيز حيث ، قال : { لا يؤاخذُكم اللّهُ باللّغو في أيمانِكمْ ولكنْ يؤاخذُكم بما عقّدْتُم الأيمانَ فكفَّارتُه إطعامُ عَشَرةِ مساكين من أوسطِ ما تُطْعمون أهليكم أو كِسوتُهم أو تحريرُ رقبةٍ فمن لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيّامٍ ذلك كفّارةُ أيمانِكم إذا حَلَفْتم واحفظوا أيمانَكم كذلك يُبَيِّنُ اللّه لكم آياتِه لعلّكم تشكرون } فقد بيّنت الآية الكريمة أنّ كفّارة اليمين المعقودة واجبة على التّخيير ابتداءً ، والتّرتيب انتهاءً ، فالحالف إذا حنث وجب عليه إحدى خصالٍ ثلاثٍ : إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو تحرير رقبةٍ ، فإذا عجز عن الثّلاث وجب عليه صيام ثلاثة أيّامٍ . ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك ، لأنّه نصّ قرآنيّ قاطع ، غير أنّ في التّفاصيل اختلافاتٍ منشؤها الاجتهاد ، وموضع بسطها ( الكفّارات ) .
هل تتعدّد الكفّارة بتعدّد اليمين ؟
139- لا خلاف في أنّ من حلف يميناً فحنث فيها وأدّى ما وجب عليه من الكفّارة أنّه لو حلف يميناً أخرى وحنث فيها تجب عليه كفّارة أخرى ، ولا تغني الكفّارة الأولى عن كفّارة الحنث في هذه اليمين الثّانية .
وإنّما الخلاف فيمن حلف أيماناً وحنث فيها ، ثمّ أراد التّكفير ، هل تتداخل الكفّارات فتجزئه كفّارة واحدة ؟ أو لا تتداخل فيجب عليه لكلّ يمينٍ كفّارة ؟ فإنّ الكفّارات تتداخل على أحد القولين عند الحنفيّة وأحد الأقوال عند الحنابلة ، ولا تتداخل عند المالكيّة ولا الشّافعيّة . وتفصيل ذلك في ( الكفّارات ) .
ومثل الحلف باللّه الحلف بالنّذور ، ومثله أيضاً الحلف بالطّلاق عند ابن تيميّة ، كما لو قال : إن فعلت كذا فأنت طالق ، قاصداً المنع ، أو يلزمني الطّلاق إن فعلت كذا .
أحكام اليمين التّعليقيّة :
حكم تعليق الكفر :
140- سبق بيان الخلاف في أنّ تعليق الكفر على ما لا يريده الإنسان يعتبر يميناً أولا يعتبر فالقائلون بعدم اعتباره يميناً لا يرتّبون على الحنث فيه كفّارةً ، فيستوي عندهم أن يبرّ فيه وأن يحنث ، لكنّهم يذكرون حكم الإقدام عليه .
والقائلون باعتباره يميناً يجعلونه في معنى اليمين باللّه تعالى .
وفي البدائع ما خلاصته : أنّ الحلف بألفاظ الكفر يمين استحساناً ، لأنّه متعارف بين النّاس ، فإنّهم يحلفون بهذه الألفاظ من عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكيرٍ . ولو لم يكن ذلك حلفاً شرعيّاً لما تعارفوه ، لأنّ الحلف بغير اللّه تعالى معصية ، فدلّ تعارفهم على أنّهم جعلوا ذلك كنايةً عن الحلف باللّه عزّ وجلّ وإن لم يعقل وجه الكناية . وقال إبراهيم الحلبيّ ما خلاصته : يمكن تقرير وجه الكناية ، بأن يقال مقصود الحالف بهذه الصّيغة الامتناع عن الشّرط ، وهو يستلزم النّفرة عن الكفر باللّه تعالى ، وهي تستلزم تعظيم اللّه ، كأن قال : واللّه العظيم لا أفعل كذا .
وبناءً على ذلك يكون كاليمين باللّه تعالى في شرائط انعقاده وبقائه ، وفي تقسيمه إلى غموسٍ ولغوٍ ومنعقدٍ ، وفي أحكام الإقدام عليه والبرّ والحنث فيه وما يترتّب على الحنث . غير أنّه لمّا كان فيه نسبة الكفر إلى المتكلّم معلّقةً على شرطٍ أمكن القول بأنّه تارةً يحكم عليه بالكفر ، وتارةً لا ، وإذا حكم عليه بالكفر عند النّطق لم يكن منعقداً عند الحنفيّة ، لأنّهم يشترطون الإسلام في انعقاد اليمين باللّه تعالى فكذلك يشترطونه في انعقاد تعليق الكفر ، وإذا حكم عليه بالكفر بمباشرة الشّرط بعد الحلف بطل عندهم بعد انعقاده ، كما تبطل اليمين باللّه بعد انعقادها إذا كفّر قائلها ، وقد تقدّم ذلك .
حكم الإقدام عليه :
141 - معلوم أنّ من نطق بكلمة الكفر منجّزةً يكون كافراً حالاً متى توفّرت شرائط الرّدّة ، ومن علّقها على أمرٍ بغير قصد اليمين يكون كافراً في الحال أيضاً وإن كان ما علّقها عليه مستقبلاً ، لأنّ الرّضى بالكفر ولو في المستقبل ارتداد عن الإسلام في الحال ، وذلك كأن يقول إنسان : إذا كان الغد فهو يهوديّ ، أو إذا شفاه اللّه على يد هذا النّصرانيّ فهو نصرانيّ .
وأمّا من علّق الكفر بقصد اليمين فالأصل فيه أنّه لا يكفر ، سواء أعلّقه على ماضٍ أم حاضرٍ أم مستقبلٍ ، وسواء أكان كاذباً أم لم يكن ، لأنّه إنّما يقصد المنع من الشّرط أو الحثّ على نقيضه أو الإخبار بنقيضه - وإن لم يكن حقّاً - ترويجاً لكذبه . فمن قال : إن كلّمت فلانة ، أو إن لم أكلّمها فهو بريء من الإسلام ، فمقصوده منع نفسه من التّكليم في الصّورة الأولى أو حثّ نفسه عليه في الصّورة الثّانية حذراً من الكفر ، فلا يكون راضياً بالكفر ، ومن قال : إن لم أكن اشتريت هذا بدينارٍ فهو يهوديّ ، وأراد بهذا حمل المخاطب على تصديق ما ادّعاه وكان كاذباً عمداً لا يكون راضياً بالكفر ، لأنّه إنّما أراد ترويج كذبه بتعليق الكفر على نقيضه . هذا هو الأصل ، ولكن قد يكون المتكلّم جاهلاً ، فيعتقد أنّ الحلف بصيغة الكفر كفر ، أو يعتقد أنّه يكفر بإقدامه على ما حلف على تركه أو إحجامه عمّا حلف على فعله . ففي الصّورة الأولى يعتبر كافراً بمجرّد الحلف لأنّه تكلّم بما يعتقده كفراً ، فكان راضياً بالكفر حالاً . وفي الصّورتين الثّانية والثّالثة يكفر بالإقدام على ما حلف على تركه والإحجام عمّا حلف على فعله ، لأنّه عمل عملاً يعتقده كفراً ، فكان راضياً بالكفر ، ولا يكفر بمجرّد النّطق باليمين في هاتين الصّورتين إلاّ إذا كان حين النّطق عازماً على الحنث ، لأنّ العزم على الكفر كفر .
142 - وصفوة القول أنّ الحلف بالكفر لا يعدّ كفراً ، إلاّ إذا كان قائله راضياً بالكفر ، وهذا هو الأصحّ عند الحنفيّة في الغموس وغيرها ، ويقابله رأيان في الغموس - أي الحلف على الكذب العمد .
أحدهما : أنّه لا يكفر وإن اعتقد الكفر .
ثانيهما : أنّه يكفر وإن لم يعتقد الكفر .
ووجه الأوّل : أنّه لا يلزم من اعتقاد الكفر الرّضى به ، فكم من إنسانٍ يقدم على ما يعتقده كفراً لغرضٍ دنيويٍّ ، وقلبه مطمئنّ بالإيمان . والحالف غرضه ترويج كذبه أو إظهار امتناعه ، فهو حينما ينطق بما يعتقده كفراً إنّما يأتي به صورةً محضةً خاليةً من الرّضي بالكفر . ووجه الثّاني : أنّ الحالف لمّا علّق الكفر بأمرٍ محقّقٍ كان تنجيزاً في المعنى ، كأنّه قال ابتداءً : هو كافر ، ويؤيّد ذلك ما ثبت في الصّحيحين أنّه صلى الله عليه وسلم قال : « مَنْ حلفَ على يمينٍ بملّة غير الإسلام كاذباً متعمّداً فهو كما قال » .
حكم الإقدام على تعليق الكفر في بقيّة المذاهب :
143 - قال المالكيّة : يحرم تعليق الكفر بقصد الحلف ، ولا يرتدّ إن فعل المحلوف عليه ، وليتب إلى اللّه مطلقاً ، سواء أفعله أم لم يفعله ، لأنّه ارتكب ذنباً .
فإن قصد الإخبار عن نفسه بالكفر كان ردّةً ، ولو كان ذلك هزلاً وقال الشّافعيّة : يحرم تعليق الكفر الّذي يقصد به اليمين عادةً ، ولا يكفر به إذا قصد تبعيد نفسه عن المحلوف عليه أو أطلق ، فإن قصد حقيقة التّعليق ، أو قصد الرّضى بالكفر كفر من فوره ، دون توقّفٍ على حصول المعلّق عليه ، إذ الرّضى بالكفر كفر ، ثمّ إن كفر وجبت عليه التّوبة والعودة إلى الإسلام بالنّطق بالشّهادتين ، وإن لم يكفر وجبت عليه التّوبة أيضاً ، وندب له أن يستغفر اللّه عزّ وجلّ كأن يقول : أستغفر اللّه العظيم الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه . وندب له أن ينطق بالشّهادتين .
ومن مات أو غاب وتعذّرت مخاطبته ، وكان قد علّق الكفر ولم يعرف قصده ، فمقتضى كلام الأذكار للنّوويّ أنّه لا يحكم بكفره ، وهذا هو الرّاجح ، خلافاً لما اعتمده الإسنويّ من الحكم بكفره إذا لم تكن هناك قرينة تصرفه عن الكفر .
وعند الحنابلة : يحرم الإقدام على اليمين بالكفر ، سواء أكان بصورة التّعليق نحو : إن فعل كذا فهو يهوديّ ، أم بصورة القسم نحو : هو يهوديّ ليفعلنّ كذا . وإن قصد أنّه يكفر عند وجود الشّرط كفر منجّزاً .
حكم البرّ والحنث فيه :
144 - إذا قصد بتعليق الكفر تأكيد خبرٍ ، فإن كان صادقاً كان الحالف بارّاً ، وإن كان كاذباً كان الحالف حانثاً ، والبرّ في الصّورة الأولى ، والحنث في الصّورة الثّانية مقارنان لتمام اليمين ، فلا حكم لهما سوى حكم الإقدام .
وإنّما يكون للبرّ والحنث حكم مستقلّ إذا كان المقصود تأكيد الحثّ أو المنع ، فإنّهما حينئذٍ يكونان متأخّرين .
والخلاصة : أنّ تعليق الكفر بقصد اليمين إن كان صادقاً أو غموساً أو لغواً فليس للبرّ في الأوّل والحنث في الأخيرين حكم سوى حكم الإقدام على التّعليق .
وإن كان منعقداً ، فحكم البرّ والحنث فيه هو حكم البرّ والحنث في اليمين باللّه تعالى المنعقدة ، وقد سبق بيانه واختلاف الفقهاء فيه تفصيلاً .
ما يترتّب على الحنث فيه :
145 - سبق أنّ الفقهاء اختلفوا في تعليق الكفر بقصد اليمين ، أهو يمين شرعيّة أم لا ؟ فمن قال : إنّه ليس بيمينٍ قال : لا تجب الكفّارة بالحنث فيه ، ومن قال : إنّه يمين قال : إنّما تجب الكفّارة بالحنث فيه إن كان منعقداً ، فإن كان لغواً لم تجب فيه كفّارة ، وإن كان غموساً ففيه الخلاف الّذي في اليمين الغموس باللّه تعالى .
أحكام تعليق الطّلاق والظّهار والحرام والتزام القربة :
مقارنة بينها وبين اليمين باللّه تعالى :
146 - سبق أنّ تعليق الكفر في معنى اليمين باللّه تعالى ، وأنّه بناءً على ذلك يعتبر فيه ما يعتبر فيها من شرائط وأقسامٍ وأحكامٍ .
وليس لبقيّة التّعليقات هذه الصّفة ، فهي تخالف اليمين باللّه تعالى في أمورٍ :
الأمر الأوّل : أنّها تعتبر من قبيل الحلف بغير اللّه ، فينطبق عليه حديث النّهي عن الحلف بغير اللّه ، بخلاف تعليق الكفر فقد قرّر الحنفيّة أنّه كناية عن اليمين باللّه تعالى ، فلا يكون منهيّاً عنه لذاته ، لكنّهم قرّروا أيضاً أنّ يمين الطّلاق والعتاق إذا كانت للاستيثاق جازت على الأصحّ كما تقدّم .
الأمر الثّاني : أنّها لا تنقسم عند الحنفيّة والمالكيّة إلى غموسٍ ولغوٍ ومنعقدةٍ ، بل تعتبر كلّها منعقدةً ، سواء أقصد بها تأكيد خبرٍ أم تأكيد حثٍّ أو منعٍ ، فمن حلف بالطّلاق ونحوه كاذباً متعمّداً وقع طلاقه ، وكذا من كان معتقداً أنّه صادق وكان مخطئاً في اعتقاده لأنّ الطّلاق والعتق والتزام القربة يستوي فيها الهزل والجدّ ، لحديث : « ثلاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ : النّكاح والطّلاق والرّجعة » .
ويقاس بالطّلاق العتاق والتزام القربة ، فإذا كان هزل هذه الثّلاثة جدّاً ، فالكذب في الحلف بها يكون جدّاً أيضاً ، وكان القياس أن تكون اليمين باللّه تعالى كذلك ، لأنّ هزلها جدّ أيضاً كما سبق ، لكن لم يلحق فيها الغموس واللّغو بالهزل لأدلّةٍ أخرجتهما .
الأمر الثّالث : أنّ هذه التّعليقات يقع جزاؤها عند الجمهور بوقوع الشّرط ، فتعليق الطّلاق يقع به الطّلاق عند تحقّق ما علّق عليه ، وكذا تعليق العتاق ، وأمّا تعليق التزام القربة فيخيّر الحالف به بين ما التزمه وبين كفّارة اليمين ، وهناك أقوال غير ذلك سبق بيانها .
حكم الإقدام عليه :
147 - يرى الحنفيّة أنّ الحلف بغير اللّه تعالى لا يجوز ويدخل في ذلك عندهم الإقسام بغير اللّه تعالى ، نحو " وأبي " ، كما يدخل الحلف بالطّلاق ونحوه من التّعليقات ، لكنّهم استثنوا من ذلك تعليق الكفر ، فقد جعلوه كنايةً عن اليمين باللّه تعالى كما تقدّم ، واستثنوا أيضاً تعليق الطّلاق والعتاق بقصد الاستيثاق ، فأجازوه لشدّة الحاجة إليه خصوصاً في زماننا هذا ، كما تقدّم . وصرّح الحنابلة بكراهة الحلف بالطّلاق والعتاق ، ولمعرفة باقي المذاهب في ذلك يرجع إليها في مواضع هذه التّصرّفات من كتب الفقه .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:46 AM

حكم البرّ والحنث فيه :
148 - إذا قصد بشيءٍ من هذه التّعليقات تأكيد خبرٍ ، وكان صادقاً في الواقع ، لم يتصوّر فيها حنث ، لأنّها مبرورة حين النّطق بها ، وليس للبرّ فيها حكم سوى حكم الإقدام عليها . وإن كان كاذباً في الواقع لم يتصوّر فيها برّ ، لأنّ الحنث مقارن لتمام الإتيان بها ، وليس له حكم سوى حكم الإقدام عليها .
وإن قصد بشيءٍ منها تأكيد الحثّ أو المنع ، فحكم البرّ والحنث فيها هو حكم الحنث والبرّ في اليمين باللّه تعالى المنعقدة ، فيختلف باختلاف المحلوف عليه وما يؤدّي إليه ، وقد سبق بيانه وبيان الاختلاف فيه ، كما سبق حكم الإبرار إن كان حلفاً على الغير .
ما يترتّب على الحنث فيه :
149 - يرى الجمهور أنّ الحنث في هذه التّعليقات يترتّب عليه حصول الجزاء ، إلاّ تعليق التزام القربة ، فإنّه عند الحنث بتحقّق الشّرط يتخيّر الحالف بين ما التزمه وبين كفّارة اليمين .
انحلال اليمين :
اليمين إمّا مؤكّدة للخبر الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، وإمّا مؤكّدة للحثّ أو المنع .
150 - فالمؤكّدة للخبر : إن كان ماضياً أو حاضراً فهي منحلّة من حين النّطق بها ، سواء أكانت صادقةً أم غموساً أم لغواً ، لأنّ البرّ والحنث والإلغاء يقتضي كلّ منها انحلال اليمين . وإن كان مستقبلاً صدّقا يقيناً فهي منحلّة أيضاً من حين النّطق بها ، نحو : واللّه لأموتنّ ، أو ليبعثنّ اللّه الخلائق ، لأنّها بارّة من حين النّطق بها ، ولا يتوقّف برّها على حصول الموت والبعث . وإن كان مستقبلاً كذباً عمداً ، كقول القائل : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز ، وهو يعلم أنّه لا ماء فيه ، فهي غموس ، وقد سبق الخلاف في انعقادها : فمن قال بانعقادها يقول : إنّ الحنث قارن الانعقاد فوجبت الكفّارة وانحلّت ، ومن قال بعدم انعقادها قال : إنّها لا حاجة بها إلى الانحلال كما لا يخفى .
وإن كان مستقبلاً كذباً خطأً ، بأن كان الحالف يعتقده صدقاً ، فحكمها عند الشّافعيّة وابن تيميّة حكم اللّغو ، فهي منحلّة من حين انعقادها ، أو غير منعقدةٍ أصلاً ، وعند غيرهم حكمها حكم اليمين على الحثّ والمنع وسيأتي قريباً .
151 - والمؤكّدة للحثّ أو المنع تنحلّ بأمورٍ :
الأوّل : الرّدّة - والعياذ باللّه تعالى - وهي تحلّ اليمين باللّه تعالى وما في معناها من تحريم الحلال وتعليق الكفر بقصد اليمين ، وإنّما ذلك عند الحنفيّة والمالكيّة ، فإنّهم يشترطون في بقاء انعقاد اليمين الإسلام ، كما يشترطونه في أصل الانعقاد ، فالرّدّة عندهم تبطل الانعقاد ، سواء أكانت قبل الحنث أم بعده ، ولا يرجع الانعقاد بالرّجوع إلى الإسلام .
الثّاني : ذكر الاستثناء بالمشيئة بشرائطه المتقدّمة . فمن حلف ولم يخطر بباله الاستثناء انعقدت يمينه ، فإذا وصل بها الاستثناء انحلّت ، وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وخالف الشّافعيّة والحنابلة فقالوا : لا بدّ من قصد الاستثناء قبل فراغ اليمين ، ثمّ وصل الاستثناء به ، ففي هذه الحالة يكون الاستثناء مانعاً من انعقاد اليمين .
الثّالث : فوات المحلّ في اليمين على الإثبات المؤقّت ، نحو : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز اليوم ، فإذا صبّه الحالف أو غيره انحلّت اليمين عند الحنفيّة ، لأنّ البرّ لا يجب إلاّ آخر اليوم - أي الوقت المتّصل بغروب الشّمس - وفي هذا الوقت لا يمكنه البرّ ، لحصول الفراغ من الماء قبله ، فلا يحنث ، وبهذا يعلم انحلال يمينه من حين فراغ الكوز . وغير الحنفيّة يرون أنّ فوات المحلّ إذا كان بغير اختيار الحالف وقبل تمكّنه من البرّ يحلّ يمينه ، كما لو انصبّ الكوز عقب اليمين من غير اختياره ، أو أخذه إنسان فشربه ولم يتمكّن من أخذه منه . الرّابع : البرّ في اليمين ، بأن يفعل كلّ ما حلف على فعله ، أو يستمرّ على ترك كلّ ما حلف على تركه .
الخامس : الحنث ، فإنّ اليمين إذا انعقدت ، ثمّ حصل الحنث بوقوع ما حلف على نفيه ، أو باليأس من وقوع ما حلف على ثبوته ، فهذا الحنث تنحلّ به اليمين .
السّادس : العزم على الحنث في اليمين على الإثبات المطلق ، وهذا عند المالكيّة ، فلو قال : واللّه لأتزوّجنّ ، ثمّ عزم على عدم الزّواج طول حياته ، فمن حين العزم تنحلّ اليمين ، ويعتبر حانثاً ، وتجب عليه الكفّارة ، ولو رجع عن عزمه لم ترجع اليمين .
السّابع : البينونة في الحلف بالطّلاق ، فمن قال لامرأته : إن فعلت كذا فأنت طالق ، ثمّ بانت منه بخلعٍ أو بانقضاء العدّة في طلاقٍ رجعيٍّ ، أو بإكمال الطّلاق ثلاثاً ، أو بغير ذلك ، ثمّ عادت إليه بنكاحٍ جديدٍ لم يعد التّعليق لانحلاله بالبينونة .
جامع الأيمان
الأمور الّتي تراعى في ألفاظ الأيمان :
152 - معلوم أنّ اللّفظ الّذي يأتي به الحالف يشتمل على أفعالٍ وأسماءٍ وحروفٍ لها معانٍ لغويّة أو عرفيّة ، وأنّها تارةً تكون مقيّدةً بقيودٍ لفظيّةٍ ، وتارةً تقوم القرائن على تقييدها ، وقد يقصد الحالف معنًى يحتمله لفظه أو لا يحتمله ، وكلّ هذا يختلف البرّ والحنث تبعاً لاختلافه . وقد اختلف الفقهاء فيما تجب مراعاته عند اختلاف اللّغة والعرف والنّيّة والسّياق وغير ذلك . وفيما يلي بيان القواعد الّتي تتبع مرتّبةً مع بيان اختلاف المذاهب فيها . القاعدة الأولى : مراعاة نيّة المستحلف :
153 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « يمينُك على ما يصدّقك عليه صاحبُك » والمعنى يمينك الّتي تحلفها ، محمولة على المعنى الّذي لو نويته ، وكنت صادقاً ، لاعتقد خصمك أنّك صادق فيها ، وهو المعنى الّذي يخطر بباله حين استحلافه إيّاك ، وهو في الغالب يكون متّفقاً مع ظاهر اللّفظ ، ومقتضى هذا أنّ التّورية بين يدي المستحلف لا تنفع الحالف ، بل تكون يمينه غموساً تغمسه في الإثم .
وهذا متّفق عليه بين أكثر الفقهاء ، غير أنّ لهم تفصيلاتٍ وشرائط بيانها فيما يلي :
154 - مذهب الحنفيّة : حكى الكرخيّ أنّ المذهب كون اليمين باللّه تعالى على نيّة الحالف إن كان مظلوماً ، فإن كان ظالماً فعلى نيّة المستحلف ، لكن فرّق القدوريّ بين اليمين على الماضي وعلى المستقبل ، فقال : إذا كانت اليمين على ماضٍ ففيها التّفصيل السّابق ، لأنّ المؤاخذة عليها إن كانت كاذبةً إنّما هي بالإثم ، كالمظلوم إذا نوى بها ما يخرجها عن الكذب ، صحّت نيّته فلم يأثم ، لأنّه لم يظلم بها أحداً ، بخلاف الظّالم إذا نوى بيمينه ما يخرجها عن الكذب فإنّ نيّته باطلة ، وتكون يمينه على نيّة المستحلف فتكون كاذبةً ظاهراً وباطناً ، ويأثم لأنّه ظلم بها غيره .
وإذا كانت على مستقبلٍ فهي على نيّة الحالف من غير تفصيلٍ ، لأنّها حينئذٍ عقد ، والعقد على نيّة العاقد .
واليمين بالطّلاق ونحوه تعتبر فيها نيّة الحالف ، ظالماً كان أو مظلوماً ، إذا لم ينو خلاف الظّاهر ، فلا تطلق زوجته لا قضاءً ولا ديانةً ، لكنّه يأثم - إن كان ظالماً - إثم الغموس ، فلو نوى خلاف الظّاهر - كما لو نوى الطّلاق عن وثاقٍ - اعتبرت نيّته ديانةً لا قضاءً ، فيحكم القاضي عليه بوقوع الطّلاق سواء أكان ظالماً أم مظلوماً .
وقال الخصّاف : تعتبر نيّته قضاءً إن كان مظلوماً .
155 - مذهب المالكيّة : اختلف المالكيّة في هذه المسألة ، فقال سحنون وأصبغ وابن الموّاز : إنّ اليمين على نيّة المستحلف .
وقال ابن القاسم إنّها على ، نيّة الحالف ، فينفعه الاستثناء ، فلا تلزمه كفّارة ، ولكن يحرم ذلك عليه من حيث إنّه منع حقّ غيره ، وهذا الّذي قاله ابن القاسم خلاف المشهور .
ثمّ إنّ القائلين بأنّها على نيّة المستحلف اختلفوا في كونها على نيّة المحلوف له عند عدم استحلافه ، فذهب خليل إلى أنّها لا تكون على نيّته ، وذهب الصّاويّ في حاشيته على الشّرح الصّغير إلى أنّها تكون على نيّته ، وسبق في شرائط صحّة الاستثناء بيان موضّح تكون فيه اليمين على نيّة المستحلف أو المحلوف له عندهم .
156 - مذهب الشّافعيّة : اليمين تكون على نيّة المستحلف بشرائط :
الشّريطة الأولى : أن يكون المستحلف ممّن يصحّ أداء الشّهادة عنده كالقاضي والمحكّم والإمام ، فإن لم يكن كذلك كانت على نيّة الحالف ، وألحق ابن عبد السّلام الخصم بالقاضي ، عملاً بحديث : « يمينُك على ما يُصَدِّقُك عليه صاحبُك » أي خصمك .
الشّريطة الثّانية : أن يستحلفه القاضي ونحوه بطلبٍ من الخصم ، فإن استحلفه بلا طلبٍ منه كانت اليمين على نيّة الحالف .
الشّريطة الثّالثة : ألاّ يكون الحالف محقّاً فيما نواه على خلاف نيّة المستحلف ، فإن ادّعى زيد أنّ عمراً أخذ من ماله كذا بغير إذنه وسأل ردّه ، وكان عمر وقد أخذه من دينٍ له عليه ، فأجاب بنفي الاستحقاق ، فقال زيد للقاضي : حلّفه أنّه لم يأخذ من مالي شيئاً بغير إذني ، وكان القاضي يرى إجابته لذلك ، فيجوز لعمرٍو أن يحلف أنّه لم يأخذ شيئاً من ماله بغير إذنه ، وينوي أنّه لم يأخذه بغير استحقاقٍ ، فيمينه في هذه الحالة تكون على نيّته المقيّدة ، لا على نيّة القاضي المطلقة ، ولا يأثم بذلك .
الشّريطة الرّابعة : أن يكون الاستحلاف باللّه تعالى لا بالطّلاق ونحوه ، لكن إذا كان المستحلف يرى جواز التّحليف بالطّلاق كالحنفيّ ، كانت اليمين على نيّته لا على نيّة الحالف.
157 - مذهب الحنابلة : يرجع في اليمين إلى نيّة الحالف فهي مبناها ابتداءً ، إلاّ إذا كان الحالف ظالماً ، ويستحلفه لحقّ عليه ، فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللّفظ الّذي عناه المستحلف .
القاعدة الثّانية : مراعاة نيّة الحالف :
إذا لم يكن مستحلف أصلاً ، أو كان مستحلف ولكن عدمت شريطة من الشّرائط الّتي يتوقّف عليها الرّجوع إلى نيّة المستحلف ، روعيت نيّة الحالف الّتي يحتملها اللّفظ ، وفيما يلي بيان أقوال الفقهاء في ذلك :
158 - مذهب الحنفيّة : الأصل عندهم أنّ الكلام ينصرف إلى العرف إذا لم يكن للحالف نيّة ، فإن كانت له نيّة شيءٍ واللّفظ يحتمله انعقدت اليمين باعتباره ، فمن حلف لا يدخل بيتاً فدخل المسجد لا يحنث إذا لم ينوه ، لأنّ المسجد لا يعتبر في العرف بيتاً ، وإن كان اللّه في كتابه قد سمّاه بيتاً .
159 - مذهب المالكيّة : إن لم تجب مراعاة نيّة المستحلف وجبت مراعاة نيّة الحالف ، فهي تخصّص العامّ وتقيّد المطلق وتبيّن المجمل ثمّ إنّ النّيّة المخصّصة والمقيّدة لها ثلاثة أحوالٍ :
الحالة الأولى : أن تكون مساويةً لظاهر اللّفظ ، بأن يحتمل اللّفظ إرادتها وعدم إرادتها على السّواء بلا ترجيحٍ لأحدهما على الآخر ، كحلفه لزوجته : إن تزوّج في حياتها فالّتي يتزوّجها طالق أو فعليه المشي إلى مكّة ، فتزوّج بعد طلاقها ، وقال : كنت نويت أنّي إن تزوّجت عليها في حياتها وهي في عصمتي ، وهي الآن ليست في عصمتي .
ففي هذه الحالة يصدق في اليمين باللّه تعالى أو الطّلاق أو التزام قربةٍ في كلٍّ من الفتوى والقضاء . ومن ذلك ما لو حلف : لا يأكل لحماً ، فأكل لحم طيرٍ ، وقال : كنت أردت لحم غير الطّير ، فإنّه يصدق مطلقاً أيضاً .
الحالة الثّانية : أن تكون نيّته مقاربةً لظاهر اللّفظ ، وإن كان أرجح منها ، كحلفه لا يأكل لحماً أو سمناً إذا ادّعى أنّه نوى لحم البقر وسمن الضّأن ، فأكل لحم الضّأن وسمن البقر ، ففي هذه الحالة يصدق في حلفه باللّه ، وبتعليق القربة ما عدا الطّلاق ، إذا رفع أمره للقاضي وأقيمت عليه البيّنة ، فإنّه يحكم بالطّلاق ، ومثل البيّنة الإقرار . ويقبل منه ما ادّعاه في الفتوى مطلقاً ، فلا يعدّ حانثاً في جميع أيمانه . ومن ذلك ما لو حلف : لا يكلّم فلاناً فكلّمه ، وقال : إنّي كنت نويت ألاّ أكلّمه شهراً أو ألا أكلّمه في المسجد ، وقد كلّمته بعد شهرٍ أو في غير المسجد ، فيقبل في الفتوى مطلقاً ، ويقبل في القضاء في غير الحلف بالطّلاق . وكذلك لو حلف : ألاّ يبيعه أو ألاّ يضربه ، ثمّ وكّل إنساناً في بيعه أو أمره بضربه ، وقال : إنّي كنت أردت الامتناع عن تكليمه وضربه بنفسي .
الحالة الثّالثة : أن تكون نيّته بعيدةً عن ظاهر اللّفظ ، كقوله : إن دخلت دار فلانٍ فزوجتي طالق ، إذا ادّعى أنّه أراد زوجته الميّتة ، ثمّ دخل الدّار استناداً إلى هذه النّيّة لم يقبل منه ما ادّعاه لا في القضاء ولا في الفتوى ، إلاّ إذا كانت هناك قرينة دالّة على هذه الدّعوى .
160- مذهب الشّافعيّة : في أسنى المطالب : من حلف على شيءٍ ولم يتعلّق به حقّ آدميٍّ ، فقال : أردت مدّة شهرٍ فقط ونحوه ممّا يخصّص اليمين قبل منه ظاهراً وباطناً ، لأنّه أمين في حقوق اللّه تعالى لا في حقّ آدميٍّ كطلاقٍ وإيلاءٍ ، فلا يقبل قوله ظاهراً ويدين فيما بينه وبين اللّه تعالى ، أو حلف : لا يكلّم أحداً ، وقال : أردت زيداً مثلاً لم يحنث بغيره عملاً بنيّته . ثمّ اللّفظ الخاصّ لا يعمّم بالنّيّة ، مثل أن يمنّ عليه رجل بما نال منه ، فحلف لا يشرب له ماءً من عطشٍ لم يحنث بغيره ، من طعامٍ وثيابٍ وماءٍ من غير عطشٍ وغيرها ، وإن نواه وكانت المنازعة بينهما تقتضي ما نواه ، لانعقاد اليمين على الماء من عطشٍ خاصّةً ، وإنّما تؤثّر النّيّة إذا احتمل اللّفظ ما نوى بجهةٍ يتجوّز بها .
وقد يصرف اللّفظ إلى المجاز بالنّيّة ، كلا أدخل دار زيدٍ ، ونوى مسكنه دون ملكه ، فيقبل في غير حقّ آدميٍّ - كأن حلف باللّه - لا في حقّ آدميٍّ ، كأن حلف بطلاقٍ .
161 - مذهب الحنابلة : إن لم يكن مستحلف ، أو كان مستحلف ولم يكن الحالف ظالماً رجع إلى نيّته هو - سواء أكان مظلوماً أم لا - وإنّما يرجع إلى نيّته إن احتملها لفظه ، كأن ينوي السّقف والبناء السّماء ، وبالفراش والبساط الأرض ، وباللّباس اللّيل ، وبالأخوّة أخوّة الإسلام . ثمّ إن كان الاحتمال بعيداً لم يقبل قضاءً ، وإنّما يقبل ديانةً ، وإن كان قريباً أو متوسّطاً قبل قضاءً وديانةً . فإن لم يحتمل أصلاً لم تنصرف يمينه إليه ، بل تنصرف إلى ظاهر اللّفظ ، وذلك كأن يقول : واللّه لا آكل ، وينوي عدم القيام دون عدم الأكل .
ومن أمثلة النّيّة المحتملة احتمالاً قريباً : ما لو نوى التّخصيص ، كأن يحلف : لا يدخل دار زيدٍ ، وينوي تخصيص ذلك باليوم ، فيقبل منه حكماً ، فلا يحنث بالدّخول في يومٍ آخر ، ولو كان حلفه بالطّلاق .
القاعدة الثّالثة : مراعاة قرينة الفور أو البساط ، أو السّبب :
إذا عدمت نيّة المستحلف المحقّ ونيّة الحالف ، وكانت اليمين عامّةً أو مطلقةً في الظّاهر ، لكن كان سببها الّذي أثارها خاصّاً أو مقيّداً كان ذلك مقتضياً تخصيص اليمين أو تقييدها . وهذا السّبب يسمّى عند المالكيّة بساط اليمين ، وعند الحنابلة السّبب المهيّج لليمين ، ويعبّر الحنفيّة عن هذه اليمين بيمين الفور . وفيما يلي أقوال الفقهاء في ذلك :
162 - فمذهب الحنفيّة : إذا لم يكن المحلوف عليه مقيّداً نصّاً ، ولكن دلّت الحال على تقييده بشيءٍ ، فإنّ ذلك القيد يراعى في اليمين استحساناً عند أبي حنيفة ، وهو الرّاجح . مثال ذلك : أن تخرج اليمين جواباً لكلامٍ مقيّدٍ ، أو بناءً على أمرٍ مقيّدٍ ، ولكنّ الحالف لا يذكر في يمينه هذا القيد نصّاً ، كما لو قال إنسان : تعال تغدّ معي ، فقال : واللّه لا أتغدّى ، فلم يتغدّ معه ، ثمّ رجع إلى منزله فتغدّى ، فإنّه لا يحنث لأنّ كلامه خرج جواباً للطّلب ، فينصرف إلى المطلوب ، وهو الغداء المدعوّ إليه ، فكأنّه قال : واللّه لا أتغدّى الغداء الّذي دعوتني إليه . وقال زفر : يحنث ، لأنّه منع نفسه عن التّغدّي عامّاً ، فلو صرف لبعضٍ دون بعضٍ كان ذلك تخصيصاً بغير مخصّصٍ ، وذا هو القياس .
163 - مذهب المالكيّة : إن لم يوجد مستحلف ذو حقٍّ ، ولم يكن للحالف نيّة صريحة ، أو كان له نيّة صريحة ولكنّه لم يضبطها ، روعي بساط يمينه في التّعميم والتّخصيص والتّقييد ، والبساط هو السّبب الحامل على اليمين ، ومثله كلّ سياقٍ وإن لم يكن سبباً ، ويعتبر البساط قرينةً على النّيّة وإن لم تكن صريحةً ولا منضبطةً ، وعلامته صحّة تقييد اليمين بقوله ما دام هذا الشّيء موجوداً .
ومن أمثلته : ما لو حلف لا يشتري لحماً ، أو لا يبيع في السّوق ، إذا كان الحامل على الحلف زحمة أو وجود ظالمٍ ، فيمينه تقيّد بذلك ، فلا يحنث بشراء اللّحم ولا بالبيع في السّوق إذا انتفت الزّحمة والظّالم ، سواء أكان حلفه باللّه أم بتعليق الطّلاق ونحوه ، ويستوي في ذلك القضاء والفتيا ، لكن لا بدّ في القضاء من إقامة بيّنةٍ على وجود البساط . ومن الأمثلة أيضاً : ما لو كان خادم المسجد يؤذيه ، فحلف لا يدخله ، فإنّ معناه أنّه لا يدخله ما دام هذا الخادم فيه ، وكذا لو كان فاسق بمكانٍ فقال إنسان لزوجته : إن دخلت هذا المكان فأنت طالق ، وكان وجود هذا الفاسق الحامل على الحلف ، فإنّ الحلف يقيّد بوجوده ، فإن زال فدخلت امرأته المكان لم تطلق .
ومن ذلك : ما لو منّ إنسان على آخر ، فحلف لا يأكل له طعاماً ، فإنّه يقتضي ألاّ ينتفع منه بشيءٍ فيه المنّة ، سواء أكان طعاماً أم كسوةً أو غيرهما ، فهذا تعميم لليمين بالبساط .
فإن لم يكن السّبب الحامل على اليمين داعياً إلى مخالفة الظّاهر لم يكن بساطاً ، كما لو حلف إنسان : لا يكلّم فلاناً أو لا يدخل داره ، وكان السّبب في ذلك أنّه شتمه أو تشاجر معه ، فهذا السّبب لا يدعو إلى مخالفة الظّاهر ، وهو الامتناع من التّكليم ومن دخول الدّار أبداً .
164 - مذهب الشّافعيّة : يتّضح من الاطّلاع على كتب المذهب الشّافعيّ أنّ المعتبر - بعد نيّة المستحلف ونيّة الحالف - هو ظاهر اللّفظ ، بقطع النّظر عن السّبب الحامل على اليمين ، فلو كانت اليمين عامّةً أو مطلقةً في الظّاهر - لكن كان سببها الّذي أثارها خاصّاً أو مقيّداً - لم يكن ذلك مقتضياً تخصيص اليمين أو تقييدها عندهم .
165 - مذهب الحنابلة : إن لم يوجد مستحلف ذو حقٍّ ، ولم ينو الحالف ما يوافق ظاهر اللّفظ أو يخصّصه ، أو يكون اللّفظ مجازاً فيه ، رجع إلى السّبب المهيّج لليمين لأنّه يدلّ على النّيّة ، وإن كان القائل غافلاً عنها ، فمن حلف : ليقضينّ زيداً حقّه غداً فقضاه قبله لم يحنث ، إذا كان سبب يمينه أمراً يدعو إلى التّعجيل وقطع المطل ، وإنّما يحنث بالتّأخير عن غدٍ ، فإن كان السّبب مانعاً من التّعجيل حاملاً على التّأخير إلى غدٍ فقضاه قبل حنث ، وفي هذه الصّورة لا يحنث بالتّأخير عن غدٍ ، فإن لم يكن سبب يدعو إلى التّعجيل أو التّأخير حنث بهما عند الإطلاق عن النّيّة ، وأمّا إذا نوى التّعجيل أو التّأخير فإنّه يعمل بنيّته كما تقدّم ، فعند نيّة التّعجيل يحنث بالتّأخير دون التّقديم ، وعند التّأخير يكون الحكم عكس ذلك .
ومن حلف على شيءٍ لا يبيعه إلاّ بمائةٍ ، وكان الحامل له على الحلف عدم رضاه بأقلّ من مائةٍ ، حنث ببيعه بأقلّ منها ، ولم تحنث ببيعه بأكثر إلاّ إذا كان قد نوى المائة بعينها لا أكثر ولا أقلّ . ومن حلف لا يبيعه بمائةٍ ، وكان الحامل له على الحلف أنّه يستقلّ المائة ، حنث ببيعه بها ، وكذا يحنث ببيعه بأقلّ منها ما لم ينو تعيّن المائة ، ولا يحنث ببيعه بأكثر من المائة ما لم ينو تعيّنها .
ومن دعي لغداءٍ ، فحلف لا يتغدّى ، لم يحنث بغداءٍ آخر عند الإطلاق ، لأنّ السّبب الحامل على الحلف هو عدم إرادته لهذا الغداء المعيّن ، وإنّما يحنث بالغداء الآخر إذا نوى العموم ، فإنّ النّيّة الموافقة للظّاهر تقدّم على السّبب المخصّص كما علم ممّا مرّ .
ومن حلف لا يشرب لفلانٍ ماءً من عطشٍ ، وكان السّبب عدم رضاه بمنّته ، حنث بأكل خبزه واستعارة دابّته ، وما ماثل ذلك من كلّ ما فيه منّة تزيد على شرب الماء من العطش ، بخلاف ما هو أقلّ منّةً من شرب الماء كقعوده في ضوء ناره ، وهذا كلّه عند الإطلاق عن النّيّة ، فإن نوى ظاهر اللّفظ عمل به .
ومن حلف لا يدخل بلداً ، وكان السّبب ظلماً رآه فيها ، أو حلف لا رأى منكراً إلاّ رفعه إلى الوالي ، وكان السّبب طلب الوالي ذلك منه ، ثمّ زال الظّلم في المثال الأوّل ، وعزل الوالي في المثال الثّاني ، لم يحنث بدخول البلد بعد زوال الظّلم ، ولا بترك رفع المنكر إلى الوالي بعد عزله ، فإن عاد الظّلم أو عاد الوالي للحكم حنث بمخالفة ما حلف عليه ، ويستوي في هذا الحكم ما لو أطلق الحالف لفظه عن النّيّة ، وما لو نوى التّقييد بدوام الوصف الحامل على اليمين .
166 - هذا وإذا تعارضت النّيّة والسّبب ، وكان أحدهما موافقاً لظاهر اللّفظ ، والثّاني أعمّ منه عمل بالموافق ، فمن حلف لا يأوي مع امرأته بدار فلانٍ ناوياً جفاءها ، وكان السّبب الحامل على اليمين هو عدم ملاءمة الدّار عمل بالسّبب ، فلا يحنث باجتماعه معها في دارٍ أخرى ، وإن كان ذلك مخالفاً لنيّته . فإن كان ناوياً عدم الاجتماع معها في الدّار بخصوصها ، وكان السّبب الحامل على اليمين يدعو إلى الجفاء العامّ فالحكم كما سبق ، عملاً بالنّيّة الموافقة للظّاهر ، وإن كان ذلك مخالفاً للسّبب .
فإن وجدت نيّة ولا سبب ، أو كان السّبب يدعو إلى الجفاء ولا نيّة ، أو اتّفقا معاً في الجفاء حنث بالاجتماع معها مطلقاً ، وإن اتّفقا في تخصيص الدّار لم يحنث بغيرها .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:47 AM

شعب الإيمان :
8 - الإيمان أصل تنشأ عنه الأعمال الصّالحة وتنبني عليه ، كما تنبني فروع الشّجرة على أصلها وتتغذّى منه ، وقد جاء في الحديث الصّحيح « الإيمانُ بِضْعٌ وستّون ، أو بضع وسبعون شعبةً ، أعلاها لا إله إلاّ اللّه ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطّريق . والحياءُ شعبة من الإيمان » . وقد ذكر اللّه تعالى منها جملةً في أوّل سورة ( المؤمنون ) . وتتبّع بعض العلماء باقي العدد من الكتاب والسّنّة . وإتماماً لهذا المصطلح تراجع كتب العقائد والتّوحيد .

إيهام *
التّعريف :
1 - الإيهام لغةً : إيقاع الغير في الظّنّ .
واصطلاحاً : الإيقاع في الوهم . إلاّ أنّ الفقهاء والأصوليّين يختلفون في معنى الوهم ، فهو عند أغلب الفقهاء مرادف للشّكّ ، فالشّكّ عندهم هو التّردّد بين وجود الشّيء وعدمه ، سواء أكان الطّرفان في التّردّد سواءً ، أم كان أحدهما راجحاً .
وعند أصحاب الأصول وبعض الفقهاء : الوهم هو إدراك الطّرف المرجوح .
والبعض يطلق الإيهام ويريد به الظّنّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
الغشّ :
2 - الغشّ : أن يكتم البائع عن المشتري عيباً في المبيع لو اطّلع عليه لما اشتراه بذلك الثّمن .
التّدليس :
3 - التّدليس : العلم بالعيب وكتمانه .
الغرر :
4 - الغرر : ما يكون مجهول العاقبة ، ولا يدرى أيكون أم لا .
الحكم الإجماليّ :
5 - إيهام اللّقيّ والرّحلة من تدليس الإسناد عند المحدّثين ، وهو مكروه ، لكن لا يعتبر سبباً لتجريح الرّاوي .
فإيهام اللّقيّ : كقول من عاصر الزّهريّ مثلاً ولم يلقه : قال الزّهريّ ، موهماً أي موقعاً في الوهم - أي الذّهن - أنّه سمعه .
وإيهام الرّحلة نحو أن يقال : حدّثنا وراء النّهر ، موهماً جيحون ، والمراد نهر مصر ، كأن يكون بالجيزة ، لأنّ ذلك من المعاريض لا كذب فيه .
وعند الفقهاء : إيهام البائع المشتري سلامة المبيع المعيب منهيٍّ عنه ، وموجب الخيار للمشتري في الجملة على خلافٍ وتفصيلٍ موطنه خيار العيب .

إيواء *
التّعريف :
1- الإيواء لغةً : مصدر آوى - وهو متعدٍّ - ضمّ الإنسان غيره إلى مكان يقيم ومأمنٍ فيه ، كقوله تعالى : { فلمّا دَخَلوا على يوسفَ آوى إليه أَبَوَيْهِ } ومجرّده أوى ، وهو لازم . وقد يستعمل متعدّياً ، يقال : أوى إلى فلانٍ إذا التجأ وانضمّ إليه . والمأوى لكلّ حيوانٍ سكنه . وهو في الشّريعة كذلك ، فقد قال عليه الصلاة والسلام للأنصار : « أسألكم لربّي عزّ وجلّ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا .. » أي تضمّونا إليكم ، وقال صلوات الله وسلامه عليه : « لا يأوي الضّالّة إلاّ ضالّ » أي يأخذها ويضمّها إليه وهكذا .
الحكم العامّ ومواطن البحث :
2 - حيثما كان الإيواء لغايةٍ مشروعةٍ كان الإيواء مشروعاً ، ما لم يقم على منعه دليل ، كإيواء اليتيم ، وإيواء المشرّد ، وإيواء الضّيف ، وإيواء الفارّ من الظّالم ، وإيواء اللّقطة الّتي لا تستطيع أن تمتنع بنفسها .
وحيثما كان الإيواء لغايةٍ غير مشروعةٍ ، فهو غير مشروعٍ كإيواء الجاسوس والجاني لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المدينة « من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين » .
3 - وإيواء العين المسروقة من قبل مالكها شرط لقطع سارقها ، وهو الّذي يسمّيه الفقهاء بالحرز . لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تقطع اليد في ثمرٍ معلّقٍ ، فإذا ضمّه الجرين قطعت في ثمن المجنّ ، ولا تقطع في حريسة الجبل ، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجنّ » كما فصّل ذلك الفقهاء في كتاب السّرقة . ( ر : سرقة ) .
4 - وإيواء المبيع إلى المشتري - بمعنى نقله وضمّه إلى المشتري - في المنقولات شرط عند البعض ، لجواز بيع المشتري له ، لقول ابن عمر : « لقد رأيت النّاس في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يبتاعون جزافاً - يعني الطّعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتّى يؤووه إلى رحالهم » .

الأيّام البيض *
التّعريف :
1 - الأيّام البيض هي : اليوم الثّالث عشر والرّابع عشر والخامس عشر من كلّ شهرٍ عربيٍّ . وسمّيت بيضاً لابيضاض لياليها بالقمر ، لأنّه يطلع فيها من أوّلها إلى آخرها . ولذلك قال ابن برّيٍّ : الصّواب أن يقال : أيّام البيض ، بالإضافة لأنّ البيض من صفة اللّيالي - أي أيّام اللّيالي البيضاء . وقال المطرّزيّ : من فسّرها بالأيّام فقد أبعد .
الألفاظ ذات الصّلة :
الأيّام السّود :
2 - الأيّام السّود أو أيّام اللّيالي السّود : هي الثّامن والعشرون وتالياه ، باعتبار أنّ القمر في هذه اللّيالي يكون في تمام المحاق .
الحكم الإجماليّ :
3 - يستحبّ صوم الأيّام البيض من كلّ شهرٍ ، لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك ، ومنها ما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من صام من كلّ شهرٍ ثلاثةَ أيّامٍ فذاك صيام الدّهر » وعن ملحان القيسيّ قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض : ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ، وقال : هو كهيئة الدّهر » وهذا ينطبق على كلّ شهور العام عدا شهر ذي الحجّة ، فلا يصام فيه اليوم الثّالث عشر ، لأنّه من أيّام التّشريق الّتي ورد النّهي عن صومها .
والأوجه كما يقول الشّافعيّة أن يصام السّادس عشر من ذي الحجّة .
وصوم هذه الأيّام مستحبّ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وكان مالك يصوم أوّل يومه ، وحادي عشره ، وحادي عشرينه .
وكره المالكيّة كونها الثّلاثة الأيّام البيض ، مخافة اعتقاد وجوبها وفراراً من التّحديد .
وهذا إذا قصد صومها بعينها ، وأمّا إن كان على سبيل الاتّفاق فلا كراهة

أيّام التّشريق *
التّعريف :
1 - أيّام التّشريق - عند اللّغويّين والفقهاء - ثلاثة أيّامٍ بعد يوم النّحر ، قيل : سمّيت بذلك لأنّ لحوم الأضاحيّ تشرق فيها ، أي تقدّد في الشّمس .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الأيّام المعدودات :
2 - الأيّام المعدودات هي الواردة في قوله تعالى : { واذْكروا اللّه في أيّامٍ مَعْدوداتٍ } وهي أيّام التّشريق الثّلاثة كما ذكر اللّغويّون والفقهاء .
ب - الأيّام المعلومات :
3 - الأيّام المعلومات الواردة في قوله تعالى : { ويذكروا اسمَ اللّه في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ } هي العشر الأوائل من ذي الحجّة ، على ما ذهب إليه الشّافعيّة والحنابلة ، وفي قولٍ عند الحنفيّة . وقيل : هي أيّام التّشريق ، وقيل : هي يوم النّحر ويومان بعده ، وهو رأي المالكيّة .
وقد روى نافع عن ابن عمر : أنّ الأيّام المعدودات والأيّام المعلومات يجمعها أربعة أيّامٍ : يوم النّحر وثلاثة بعده ، فيوم النّحر معلوم غير معدودٍ ، واليومان بعده معلومان معدودان ، واليوم الرّابع معدود لا معلوم . وقيل : هي يوم عرفة والنّحر والحادي عشر .
ج - أيّام النّحر :
4 - أيّام النّحر ثلاثة : العاشر والحادي عشر والثّاني عشر من ذي الحجّة ، وذلك هو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لما روي عن عمر وعليٍّ وابن عبّاسٍ وابن عمر وأنسٍ وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أنّهم قالوا : أيّام النّحر ثلاثة .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ أيّام النّحر أربعة : يوم النّحر وأيّام التّشريق لما روى جبير بن مطعمٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « كلّ أيّام التّشريق ذبح » .
وقد روي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه ، وبه قال عطاء والحسن والأوزاعيّ وابن المنذر .
د - أيّام منًى :
5 - أيّام منًى هي أيّام التّشريق الثّلاثة ، وهي الحادي عشر والثّاني عشر والثّالث عشر من ذي الحجّة ، وتسمّى أيّام منًى وأيّام التّشريق وأيّام رمي الجمار والأيّام المعدودات ، كلّ هذه الأسماء واقعة عليها . والفقهاء يعبّرون بأيّام منًى تارةً ، وبأيّام التّشريق تارةً أخرى .
ما يتعلّق بأيّام التّشريق :
أ - رمي الجمار في أيّام التّشريق :
6 - أيّام رمي الجمار أربعة : يوم النّحر ، وثلاثة أيّام التّشريق ، فأيّام التّشريق هي وقت لرمي باقي الجمار بعد يوم النّحر ، يرمي الحاجّ كلّ يومٍ بعد الزّوال إحدى وعشرين حصاةً لثلاث جمراتٍ ، كلّ جمرةٍ سبع حصياتٍ ، والأصل في هذا ما روته السّيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « أفاض رسول اللّه من آخر يومه حين صلّى الظّهر ، ثمّ رجع إلى منًى ، فمكث بها ليالي أيّام التّشريق ، يرمي الجمرة إذا زالت الشّمس ، كلّ جمرةٍ بسبع حصياتٍ ، يكبّر مع كلّ حصاةٍ ، ويقف عند الأولى والثّانية ، فيطيل القيام ويتضرّع ، ويرمي الثّالثة ولا يقف عندها » . ورمي الجمار في أيّام التّشريق واجب ، ويفوت وقت الرّمي بغروب شمس آخر أيّام التّشريق ، فمن ترك الرّمي في هذه الأيّام سقط عنه الرّمي لفوات وقته ، ووجب عليه دم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ترك نُسُكاً فعليه دم » . وهذا باتّفاقٍ . وباقي تفصيل أحكام الرّمي في مصطلح ( رميٍ ، وحجٍّ ) .
ب - ذبح الهدي والأضحيّة في أيّام التّشريق :
7 - وقت ذبح الأضحيّة والهدي ثلاثة أيّامٍ : يوم الأضحى ، وهو اليوم العاشر من ذي الحجّة والحادي عشر والثّاني عشر ، فيدخل اليوم الأوّل والثّاني من أيّام التّشريق ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة وهو المعتمد عند المالكيّة ، وقد روي ذلك عن غير واحدٍ من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عبّاسٍ ، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن الأكل من النّسك فوق ثلاثٍ » وغير جائزٍ أن يكون الذّبح مشروعاً في وقتٍ يحرم فيه الأكل ، ثمّ نسخ تحريم الأكل وبقي وقت الذّبح بحاله .
وقد ورد عن بعض أهل المدينة إجازة الأضحيّة في اليوم الرّابع .
وعند الشّافعيّة يبقى وقت ذبح الأضحيّة والهدي إلى آخر أيّام التّشريق ، وهو الأصحّ ، كما قطع به العراقيّون ، وقد روي عن جبير بن مطعمٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « كلّ أيّام التّشريق ذبح » وروي عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه أنّه قال : النّحر يوم الأضحى وثلاثة أيّامٍ بعده وبه قال الحسن وعطاء والأوزاعيّ وابن المنذر .
ت - الإحرام بالعمرة في أيّام التّشريق :
8 - يكره الإحرام بالعمرة في أيّام التّشريق ، لما روت السّيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « وقت العمرة السّنة كلّها ، إلاّ يوم عرفة ويوم النّحر وأيّام التّشريق » ومثل هذا لا يعرف إلاّ بالتّوقيف . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى جواز الإحرام بالعمرة في أيّام التّشريق ، ولا يكره ذلك لعدم النّهي عنه .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ المحرم بالحجّ إذا أهلّ بعمرةٍ في أيّام التّشريق لزمته ، ويقطعها ، لأنّه قد أدّى ركن الحجّ من كلّ وجهٍ ، والعمرة مكروهة في هذه الأيّام ، فلهذا يلزمه قطعها ، فإن رفضها فعليه دم لقطعها ، وعمرة مكانها ، وإن مضى عليها أجزأه ، لأنّ الكراهة لمعنًى في غيرها ، وهو كونه مشغولاً في هذه الأيّام بأداء بقيّة أعمال الحجّ ، فيجب تخليص الوقت له تعظيماً ، وعليه دم لجمعه بينهما .
وعند المالكيّة يجوز الإحرام بالعمرة في أيّ وقتٍ من السّنة ، إلاّ لمحرمٍ بحجٍّ مفرداً ، فيمنع إحرامه بالعمرة - ولا ينعقد ، ولا يجب قضاؤها - إلى أن يتحلّل من جميع أفعال الحجّ ، وذلك برمي اليوم الرّابع لغير المتعجّل ، ومضيّ قدره لمن تعجّل ، وهو قدر زمنه عقب زوال الرّابع ، فإن أحرم بالعمرة قبل غروب اليوم الرّابع صحّ إحرامه ، لكن لا يفعل شيئاً من أفعال العمرة إلاّ بعد غروب الشّمس ، فإن فعل قبله شيئاً فلا يعتدّ به على المذهب .
ث - صلاة عيد الأضحى أيّام التّشريق :
9 - صلاة عيد الأضحى تكون في اليوم الأوّل من أيّام النّحر ، فإذا تركت في اليوم الأوّل ، فإنّه يجوز أن تصلّى في اليوم الأوّل والثّاني من أيّام التّشريق ، وهما الثّاني والثّالث من أيّام النّحر ، وسواء أتركت بعذرٍ أم بغير عذرٍ ، إلاّ أنّها إذا تركت بغير عذرٍ فإنّ ذلك مكروه ، وتلحقهم الإساءة ، وتكون أداءً في هذه الأيّام ، وإنّما جاز الأداء في هذه الأيّام استدلالاً بالأضحيّة ، فإنّها جائزة في اليوم الثّاني والثّالث ، فكذا صلاة العيد ، لأنّها معروفة بوقت الأضحيّة فتتقيّد بأيّامها .
وهذا بالنّسبة للجماعة ، أمّا المنفرد إذا فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه ، هذا مذهب الحنفيّة . ومثله الشّافعيّة والحنابلة ، إلاّ أنّهم يجيزون صلاتها في كلّ أيّام التّشريق وفيما بعد أيّام التّشريق ، ويعتبرونها قضاءً لا أداءً . وعند المالكيّة قال في المدوّنة : من فاتته صلاة العيد مع الإمام يستحبّ له أن يصلّيها من غير إيجابٍ ، وقال ابن حبيبٍ : إن فاتت صلاة العيد جماعةً ، فأرادوا أن يصلّوا بجماعتهم فلا بأس أن يجمعها مع نفرٍ من أهله ، قال سحنون : لا أرى أن يجمعوا ، وإن أحبّوا صلّوا أفذاذاً .
ج - الصّوم في أيّام التّشريق :
10- من الأيّام الّتي نهى عن الصّيام فيها أيّام التّشريق ، ففي صحيح مسلمٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أيّامُ منًى أيّامُ أكلٍ وشربٍ وذكر للّه » إلاّ أنّه يجوز للمتمتّع أو القارن الّذي لم يجد الهدي أن يصوم هذه الأيّام ، لما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم أنّهما قالا : « لم يرخّص في أيّام التّشريق أن يُصَمْن إلاّ لمن لم يجد الهدي » .
وهذا عند الحنابلة والمالكيّة ، وفي القديم عند الشّافعيّة ، وروي عن الإمام أحمد أنّه لا يجوز صيام أيّام التّشريق عن الهدي .
وعند الحنفيّة ، وفي الجديد عند الشّافعيّة : لا يجوز صومها للنّهي الوارد في ذلك .
ومن نذر صوم سنةٍ لم يدخل في نذره أيّام التّشريق ، وأفطر ولا قضاء عليه ، لأنّه مستحقّ للفطر ولا يتناولها النّذر .
وهذا عند الحنابلة والشّافعيّة والمالكيّة ، وهو قول زفر ورواية أبي يوسف وابن المبارك عن أبي حنيفة ، وروى محمّد عن أبي حنيفة أنّه يصحّ نذره في هذه الأيّام ، لكن الأفضل أن يفطر فيها ويصوم في أيّامٍ أخر ، ولو صام في هذه الأيّام يكون مسيئاً لكنّه يخرج عن النّذر .
وروي عن الإمام مالكٍ أنّه يجوز صوم اليوم الثّالث من أيّام التّشريق لمن نذره .
ح - الخطبة في الحجّ في أيّام التّشريق :
11- يستحبّ أن يخطب الإمام في اليوم الثّاني من أيّام التّشريق خطبةً يعلّم النّاس فيها حكم التّعجيل والتّأخير وتوديعهم ، لما روي عن « رجلين من بني بكرٍ قالا : رأينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيّام التّشريق ونحن عند راحلته » .
وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة . وعند المالكيّة والحنفيّة - غير زفر - تكون الخطبة في اليوم الأوّل من أيّام التّشريق ، وهو ثاني أيّام النّحر .
خ - المبيت بمنًى ليالي أيّام التّشريق :
12 - المبيت بمنًى ليالي أيّام التّشريق واجب عند جمهور الفقهاء ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، قالت السّيّدة عائشة رضي الله عنها : « أفاض رسول اللّه من آخر يومه حين صلّى الظّهر ، ثمّ رجع إلى منًى فمكث بها ليالي أيّام التّشريق » وقال ابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهما : « لم يرخّص النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأحدٍ أن يبيت بمكّة إلاّ للعبّاس من أجل سقايته » ، وروى الأثرم عن ابن عمر قال :" لا يبيتنّ أحد من الحاجّ إلاّ بمنًى ، وكان يبعث رجالاً لا يَدَعُون أحداً يبيت وراء العقبة ".
وعند الحنفيّة ، وفي قولٍ للشّافعيّة ، وروايةً عن الإمام أحمد : أنّ المبيت بمنًى ليالي أيّام التّشريق سنّة وليس بواجبٍ ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « رخّص للعبّاس أن يبيت بمكّة من أجل سقايته » ولو كان ذلك واجباً لم يكن للعبّاس أن يترك الواجب لأجل السّقاية ، ولا كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يرخّص له في ذلك ، وفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم محمول على السّنّة توفيقاً بين الدّليلين .
ومن ترك المبيت بمنًى ليلةً أو أكثر من ليالي أيّام التّشريق فعند الجمهور عليه دم لتركه الواجب ، وعند القائلين بأنّ المبيت سنّة فقد أساء لتركه السّنّة ولا شيء عليه .
والمبيت بمنًى ليالي أيّام التّشريق كلّها إنّما هو بالنّسبة لغير المتعجّل ، أمّا من تعجّل فليس عليه سوى مبيت ليلتين فقط ، ولا إثم عليه في ترك مبيت اللّيلة الثّالثة للآية الكريمة . ويرخّص في ترك المبيت بمنًى للسّقاة والرّعاة ، لحديث ابن عمر « أنّ العبّاس استأذن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكّة ليالي منًى من أجل سقايته فأذن له » ولحديث مالكٍ : « رخّص النّبيّ صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النّحر ، ثمّ يجمعوا رمي يومين بعد يوم النّحر ، فيرمونه في أحدهما » قال مالك : ظننت أنّه قال : في يومٍ منهما ، ثمّ يرمون يوم النّفر . والمريض ، ومن له مال يخاف عليه ونحوه ، كغيره من السّقاة والرّعاة ، وفي رواية ابن نافعٍ عن الإمام مالكٍ : أنّ من ترك المبيت بمنًى لضرورةٍ ، كخوفه على متاعه عليه هدي ، وإن لم يأثم . وتفصيل ذلك في مصطلح ( حجٍّ ، ورميٍ ) .
د - التّكبير في أيّام التّشريق :
13 - التّكبير في أيّام التّشريق مشروع لقوله تعالى : { واذكروا اللّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ } ، والمراد أيّام التّشريق ، وهذا باتّفاق الفقهاء ، عدا أبا حنيفة فإنّه لا تكبير عنده في أيّام التّشريق .
ومع اتّفاق الفقهاء على مشروعيّة التّكبير في أيّام التّشريق ، فإنّهم يختلفون في حكمه ، فعند الحنابلة والشّافعيّة وبعض الحنفيّة هو سنّة لمواظبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك . وهو مندوب عند المالكيّة ، والصّحيح عند الحنفيّة أنّه واجب ، للأمر به في قوله تعالى : { واذْكروا اللّهَ في أيّامٍ معدوداتٍ } .
كذلك اختلف الفقهاء في وقت التّكبير ، فبالنّسبة للبدء فإنّه باتّفاق الفقهاء يكون قبل بداية أيّام التّشريق ، مع اختلافهم في كونه من ظهر يوم النّحر كما يقول المالكيّة وبعض الشّافعيّة ، أو من فجر يوم عرفة كما يقول الحنابلة وعلماء الحنفيّة في ظاهر الرّواية وفي قولٍ للشّافعيّة . وأمّا بالنّسبة للختم فعند الحنابلة وأبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ، وفي قولٍ للشّافعيّة والمالكيّة يكون إلى عصر آخر أيّام التّشريق .
والمعتمد عند المالكيّة ، وفي قولٍ للشّافعيّة يكون إلى صبح آخر أيّام التّشريق . وقال ابن بشيرٍ من المالكيّة : يكون إلى ظهر آخر أيّام التّشريق . والتّكبير في هذه الأيّام يكون عقيب الصّلوات المفروضة ، ولا يكون بعد النّافلة ، إلاّ في قولٍ للشّافعيّة .
وما فات من الصّلوات في أيّام التّشريق فقضي فيها فإنّه يكبّر خلفها ، وهذا عند الحنابلة والحنفيّة وفي وجهٍ عند الشّافعيّة .
أمّا إن قضى في غيرها فلا يكبّر خلفها باتّفاقٍ .
وما فات من الصّلوات في غير أيّام التّشريق فقضي فيها ، فعند الحنابلة يكبّر خلفها .
ولا تكبير خلف مقضيّةٍ مطلقاً عند المالكيّة .
وصفة التّكبير هو أن يقول : اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، لا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر ، اللّه أكبر ، وللّه الحمد . وهذا عند الحنفيّة والحنابلة . وعند المالكيّة والشّافعيّة يكبّر ثلاثاً في الأوّل . وفي موضوع التّكبير تفصيلات أخرى تنظر في : ( تكبيرٍ - عيدٍ ) .
أيّام منًى *
التّعريف :
1 - أيّام منًى أربعة هي : يوم النّحر وثلاثة أيّامٍ بعده ، وهي الحادي عشر ، والثّاني عشر ، والثّالث عشر من ذي الحجّة . وقد أطلق عليها هذا الاسم لعودة الحجّاج إلى منًى بعد طواف الإفاضة في اليوم العاشر من ذي الحجّة ، والمبيت بها ليالي هذا الأيّام الثّلاثة . كما أنّه يطلق على هذه الأيّام أيّام منًى ، فإنّه يطلق عليها كذلك أيّام الرّمي ، وأيّام التّشريق ، وأيّام رمي الجمار ، والأيّام المعدودات . كلّ هذه الأسماء واقعة عليها ، ويعبّر بها الفقهاء ، إلاّ أنّه اشتهر التّعبير عندهم بأيّام التّشريق أكثر من غيره .
الحكم الإجماليّ :
2 - لأيّام منًى أحكام تتعلّق بها ، كالمبيت بمنًى في هذه الأيّام ، ورمي الجمار فيها .
وقد ذكر تفصيل هذه الأحكام في مصطلح أيّام التّشريق ، نظراً لشهرة هذه الأيّام بها .
( ر : أيّام ، التّشريق ) .
نهاية الجزء السابع / الموسوعة الفقهية

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:48 AM

الموسوعة الفقهية / الجزء الثامن


بئر *
انظر : آبار .
بئر بضاعة *
انظر : آبار .

باءة *
التّعريف :
1- الباءة لغةً : النّكاح ، كنّي به عن الجماع . إمّا لأنّه لا يكون إلاّ في المنزل غالباً ، أو لأنّ الرّجل يتبوّأ من أهله - أي يستمكن منها - كما يتبوّأ من داره .
وفي الحديث : « يا معشرَ الشّباب ، من استطاعَ منكم البَاءَةَ فَلْيَتَزوّجْ ، فإنّه أَغَضُّ للبصرِ وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ . ومن لم يستطعْ فعليه بالصّومِ ، فإنّه له وِجاءٌ » .
وقال شارح المنهاج : الباءة : مؤن النّكاح .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - أ - الباءة : هو الوطء .
ب - أهبة النّكاح : القدرة على مؤنه من مهرٍ وغيره ، فهي بمعنى الباءة على قول من فسّر الحديث بذلك .
الحكم الإجماليّ :
3 - الباءة بمعنى الوطء تنظر أحكامها في موضوعها ( ر : وطء ) .
أمّا بمعنى مؤن النّكاح فإنّ من وجدها ، وكانت نفسه تتوق إلى الوطء ، ولا يخشى الوقوع في المحرّم ، استحبّ له النّكاح . لقوله صلى الله عليه وسلم : « يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّجْ ... » الحديث . فإن كان يتحقّق الوقوع في المحظور ، فيفترض عليه النّكاح ، لأنّه يلزمه إعفاف نفسه ، وصونها عن الحرام .
قال ابن عابدين : ولأنّ ما لا يتوصّل إلى ترك الحرام إلاّ به يكون فرضاً .
أمّا إن وجد الأهبة ، وكان به مرض كهرمٍ ونحوه ، فإنّ من الفقهاء من كره له النّكاح ، ومنهم من قال بحرمته لإضراره بالمرأة . ويختلف الفقهاء في حكم النّكاح بالنّسبة لمن وجد الباءة ، ولم تتق نفسه للوطء ، منهم من يرى أنّ النّكاح أفضل . ومنهم من يرى أنّ التّخلّي للعبادة أفضل ، وتفصيل ذلك كلّه يذكره الفقهاء في أوّل كتاب النّكاح .

بادي *
انظر : بدو .

بازلة *
التّعريف :
1 - من معاني البزل في اللّغة : الشّقّ . يقال : بزل الرّجل الشّيء يبزله بزلاً : شقّه . والبازلة من الشّجاج : هي الّتي تبزل الجلد ، أي تشقّه ، يقال انبزل الطّلع : أي تشقّق .
أمّا في استعمال الفقهاء : فهي الّتي تشقّ الجلد ويرشح منها الدّم .
وسمّاها بعضهم - ومنهم الحنفيّة - الدّامعة ، لقلّة ما يخرج منها من الدّم ، تشبيهاً بدمع العين ، وسمّيت أيضاً : الدّامية .
الحكم الإجماليّ :
2 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ في البازلة حكومة عدلٍ في العمد وغيره ، وقال المالكيّة : فيها القصاص في العمد . ولمّا كانت البازلة من أنواع الجراح في الجنايات تكلّم الفقهاء عنها في القصاص والدّيات . وتفصيل ذلك في أبواب الجنايات ، والدّيات .

باسور *
انظر : أعذار .

باضعة *
التّعريف :
1- من معاني البضع في اللّغة . الشّقّ . يقال : بضع الرّجل الشّيء يبضعه : إذا شقّه . ومنه الباضعة : وهي الشّجّة الّتي تشقّ اللّحم بعد الجلد ، ولا تبلغ العظم ،ولا يسيل بها الدّم.
الحكم الإجماليّ :
2 - الباضعة من أنواع الجراح في الرّأس ، وقد تكلّم الفقهاء عن حكمها في الجنايات والدّيات ، وتفصيلها فيهما . فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ فيها حكومة عدلٍ في العمد وغيره ، وهي ما يقدّره أهل الخبرة تعويضاً عن الجناية ، بما لا يزيد عن دية أصل العضو المصاب . وقال المالكيّة : فيها القصاص في العمد .

باطل *
انظر : بطلان .

باغي *
انظر : بغاةً .

بتات *
التّعريف :
1 - البتات في اللّغة : القطع المستأصل . يقال : بتتّ الحبل : أي قطعته قطعاً مستأصلاً . ويقال : طلّقها ثلاثاً بتّةً وبتاتاً : أي بتلةً بائنةً ، يعني قطعاً لا عود فيها . ويقال : الطّلقة الواحدة تبتّ وتبتّ : أي تقطع عصمة النّكاح إذا انقضت العدّة ، كما يقال : حلف على ذلك يميناً بتّاً وبتّةً وبتاتاً : أي يميناً قد أمضاها . ومثل البتات : البتّ ، وهو مصدر بتّ : إذا قطع . يقال : بتّ الرّجل طلاق امرأته ، وبتّ امرأته : إذا قطعها عن الرّجعة . وأبتّ طلاقها كذلك . ويستعمل الفعلان : بتّ وأبتّ لازمين كذلك ، فيقال : بتّ طلاقها ، وأبتّ ، وطلاق باتّ ومبتّ ، كما يستعمل البتّ بمعنى الإلزام فيقال : بتّ القاضي الحكم عليه : إذا قطعه ، أي ألزمه ، وبتّ النّيّة : جزمها .
ولا تختلف معاني هذه الألفاظ في الفقه عنها في اللّغة ، إلاّ أنّ الشّافعيّة يوقعون الطّلاق بلفظ " ألبتّة " رجعيّاً إن كانت المطلّقة مدخولاً بها ، ونوى بها أقلّ من الثّلاث .
كما أنّهم يعبّرون عن خلوّ العقد عن الخيار بالبتّ فيقال : البيع على البتّ .
وهو راجع إلى المعنى اللّغويّ كما لا يخفى . وكذا يعبّرون عن المعتدّة الّتي طلقت ثلاثاً ، أو فرّق بينها وبين زوجها بخيار الجبّ والعنّة ونحوهما بمعتدّة البتّ ، وهي خلاف الرّجعيّة .
الحكم الإجماليّ :
2 - ذهب المالكيّة والحنابلة إلى وقوع الطّلاق ثلاثاً ، فيمن طلّق زوجته بقوله : هي بتّة ، لأنّه طلّق امرأته بلفظٍ يقتضي البينونة . والبتّ : هو القطع ، فكأنّه قطع النّكاح له ، واحتجّوا على ذلك بعمل الصّحابة .
وعند الحنفيّة يقع واحدةً بائنةً ، لأنّه وصف الطّلاق بما يحتمل البينونة .
وقال الشّافعيّ : يرجع إلى ما نواه . وهي رواية عند الحنابلة اختارها أبو الخطّاب منهم . وتمام الكلام على ذلك محلّه كتاب الطّلاق .
مواطن البحث :
3 - تعرّض الفقهاء للبتات - ومثله بقيّة المصادر والمشتقّات - في كتاب الطّلاق ، في الكلام على ألفاظ الطّلاق كما سبق . كما تعرّضوا في كتاب العدّة لمعتدّة البتّ ، وهل عليها الإحداد ؟ . وفي الظّهار يذكرون أنّ البتات يلزم الزّوجة إن ظاهر منها زوجها بلفظٍ كنائيٍّ ، ونوى به الطّلاق ، على تفصيلٍ في ذلك . وفي الأيمان ذكروا معنى الحلف على البتّ ، ومقابله الحلف على العلم ، أو على نفي العلم ، ومتى يحلف الحالف على البتّ . وفي الشّهادة ذكروا بيّنة البتّ ، ومقابلها بيّنة السّماع ، ومتى تقدّم الأولى على الثّانية . وفي البيع تعرّضوا لذكر البيع على البتّ ، باعتباره مقابلاً للخيار فيه .

بتر *
التّعريف :
1 - البتر لغةً : استئصال الشّيء بالقطع ، يقال : بتر الذّنب أو العضو : إذا قطعه واستأصله ، كما يطلق على قطع الشّيء دون تمامٍ ، بأن يبقى من العضو شيء .
وقد استعمل اصطلاحاً بهذين المعنيين عند الفقهاء . وقد يطلق على كلّ قطعٍ ، ومنه قولهم : سيف بتّار أي قاطع .
الحكم الإجماليّ :
2 - البتر إمّا أن يكون عدواناً بجنايةٍ ، عمداً أو خطأً ، وذلك محرّم .
وإمّا أن يكون بحقٍّ ، كقطع اليد حدّاً أو قصاصاً .
وإمّا أن يكون من وسائل العلاج بقطع اليد المصابة بالآكلة لمنع السّراية للبدن .
تطهير موضع البتر :
3 - من قُطعتْ يده من دون المرفق غسل ما بقي من محلّ الفرض ، وإن قطعت من المرفق غسل العظم الّذي هو طرف العضد ، لأنّ غسل العظمين المتلاقيين من الذّراع والعضد واجب ، فإذا زال أحدهما غسل الآخر . وإن كان من فوق المرفقين سقط الغسل لعدم محلّه . وللتّفصيل ينظر ( الوضوء ، والغسل ) .
بتر الأعضاء لضرورةٍ :
4 - يجوز بتر عضوٍ فاسدٍ من أعضاء الإنسان ، خوفاً على سلامة الجسم من انتشار العلّة في الجميع . والتّفصيل في ( طبّ ، وتداوٍ ) .
بتر الأعضاء في الجنايات :
5 - بتر أعضاء الغير عمداً عدواناً يجب فيه القصاص ، بشروطه المبيّنة في مباحث القصاص فيما دون النّفس ، وقد يعدل عن القصاص لأسبابٍ معيّنةٍ تذكر في موضعها . ( ر : قصاص - جنايات ) . أمّا بتر العضو خطأً فتجب فيه الدّية المقدّرة لذلك العضو شرعاً أو الأرش بالاتّفاق . ويختلف مقدارها باختلاف العضو المبتور . ( ر : ديات ) .
أعضاء الحيوان المبتورة :
6 - ما بتر من أعضاء الحيوان الحيّ المأكول اللّحم حكمه حكم ميتته ، في حلّ أكله وفي نجاسته أو طهارته . فلو قطع طرف شاةٍ أو فخذها لم يحلّ ، ولو ضرب سمكةً فقطع جزءاً منها حلّ أكله ، لأنّ ميتتها حلال ، وذلك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ما قُطِعَ من البَهِيمَةِ - وهي حيّة - فهو كَمَيْتٍ » .
وهذا على خلافٍ وتفصيلٍ يذكر في موضعه . ( ر : صيد : ذبائح ) .
وما بتر من أعضاء الإنسان حكمه حكم الإنسان الميّت في الجملة ، في وجوب تغسيله وتكفينه ودفنه وفي النّظر إليه ( ر : جنائز ) .

بتراء *
التّعريف :
1 - البتر لغةً : القطع ، والبتراء من الشّياه : مقطوعة الذّنب على غير تمامٍ ، يقال للأنثى : بتراء ، وللذّكر : أبتر . واصطلاحاً : لا يختلف معناه عن المعنى اللّغويّ .
الحكم الإجماليّ :
2 - استعمل العلماء لفظة " بتراء " في الشّاة المقطوعة الألية ، حيث تكلّموا عنها في الهدي والأضحيّة . فعند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة البتر من العيوب الّتي تمنع الإجزاء في الأضحيّة والهدي . وأمّا الحنابلة فلم يعدّوا ذلك عيباً يمنع الإجزاء ( ر : أضحيّة ، هدي ) .

بتع *
التّعريف :
1 - البتع : نبيذ يتّخذ من العسل في اليمن .
الحكم الإجماليّ :
2 - ذهب الجمهور من الفقهاء إلى أنّ كلّ مسكرٍ هو خمر ، يحرم شربه ، ويحرم بيعه ، واحتجّوا لذلك بعموم الحديث : « كلُّ شرابٍ أَسْكر فهو حرامٌ » وبقوله صلى الله عليه وسلم : « ما أَسكر كثيرُه فقليلُه حرام » وبناءً على ذلك فالبتع عندهم حرام ، لأنّه ممّا يسكر كثيره . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الخمر هي : النّيء من ماء العنب إذا غلا واشتدّ وقذف بالزّبد ، وأنّها هي المحرّمة لعينها ، لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « حرّمت الخمر لعينها » دون غيرها من سائر الأشربة .
قالوا : لا يحرم شرب البتع ما دام شاربه لا يسكر منه ، فإذا وصل إلى حدّ الإسكار حرم ، ولذلك فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمّا سئل عن البتع قال : « كلّ شرابٍ أسكر فهو حرام » يعني شرب منه حتّى السّكر ، ولكنّهم كرهوا شربه لدخوله في جملة ما يكره من الأشربة ، ولذلك قال عنه أبو حنيفة : البتع خمر يمانيّة . يقصد أنّ أهل اليمن يشربون منه حتّى السّكر ، وما حلّ شربه حلّ بيعه . وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في كتاب الأشربة .

بتعة *
انظر : بتلة .

بتلة *
التعريف :
1- بتل في اللغة : بمعنى قطع ، والمتبتل : المنقطع لعبادة الله تعالى . والبتلة : المنقطعة .
ولما كان الطلاق قطعاً لحبل الزواج ، حيث تصبح المرأة به منقطعة عن زوجها ، فإنه قد يكنى به عن الطلاق ، فيقال أنت بتلة أي طالق . ولذلك اعتبر الفقهاء لفظ " بتلة " من كنايات الطلاق الظاهرة ، ولم يكن صريحاً ، لأنه قد يقصد به الانقطاع في غير النكاح .
الحكم الإجمالي :
2- اتفق الفقهاء على أن لفظ " بتلة " من كنايات الطلاق ، وأنه لا يقع بها الطلاق إلا بالنية -كما هي القاعدة في الكنايات - وأنه إن نوى بها واحدة وقعت واحدة ، وإن نوى بها ثلاثاً وقع ثلاث ، وإن أطلق فلم ينو عدداً ، فمنهم من قال : يقع واحدة ، ومنهم من قال : يقع ثلاث ، وتفصيل ذلك في مصطلح ( طلاق ) .

بحح *
انظر : كلام .

بحر *
التّعريف :
1 - البحر : الماء الكثير ، ملحاً كان أو عذباً ، وهو خلاف البرّ ، وإنّما سمّي البحر بحراً لسعته وانبساطه ، وقد غلب استعماله في الماء الملح حتّى قلّ في العذب .
الألفاظ ذات الصّلة
أ - النّهر :
2 - النّهر : الماء الجاري ، يقال : نهر الماء إذا جرى في الأرض ، وكلّ كثيرٍ جرى فقد نهر ، واستنهر ولا يستعمل النّهر غالباً إلاّ في الماء العذب ، خلافاً للبحر .
ب - العين :
3 - العين : ينبوع الماء الّذي ينبع من الأرض ويجري . وهي من الألفاظ المشتركة ، لأنّها تطلق على معانٍ أخرى : كالجاسوس ، والذّهب ، والعين الباصرة .
الأحكام المتعلّقة بالبحر :
يتعلّق بالبحر أحكام منها :
أ - ماء البحر :
4 - اتّفق جمهور العلماء على طهوريّة ماء البحر وجواز التّطهّر به ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : « سأل رجل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إنّا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضّأنا به عطشنا . أفنتوضّأ بماء البحر ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : هو الطَّهُورُ مَاؤُه ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ » .
وروي عن عمر رضي الله عنه أنّه قال " من لم يطهّره ماء البحر فلا طهّره اللّه "ولأنّه ماء باقٍ على أصل خلقته ، فجاز الوضوء به كالعذب . وحكي عن عبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عمرٍو أنّهما قالا في البحر :" التّيمّم أعجب إلينا منه "، وحكاه الماورديّ عن سعيد بن المسيّب : أي كانوا لا يرون جواز الوضوء به . ( ر : طهارة ، ماء ) .
ب - صيد البحر :
5 - ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة صيد جميع حيوانات البحر ، سواء كانت سمكاً أو غيره . لقول اللّه تعالى : { أُحِلَّ لكم صَيدُ البحرِ وَطَعامُه } أي مصيده ومطعومه .
وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا سئل عن ماء البحر :« هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته ». واستثنى الشّافعيّة والحنابلة : التّمساح والضّفدع ، للنّهي عن قتل الضّفدع ، فقد ثبت أنّ
« النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن قتله » وروي عن ابن عمرٍو أنّه قال :" لا تقتلوا الضّفادع ، فإنّ نقيقها تسبيح ". وللاستخباث في التّمساح ، ولأنّه يتقوّى بنابه ويأكل النّاس . وزاد الحنابلة : الحيّة ، وصرّح الماورديّ من الشّافعيّة بتحريمها وغيرها من ذوات السّموم البحريّة ، وقصر الشّافعيّة التّحريم على الحيّة الّتي تعيش في البحر والبرّ ، وأمّا الحيّة الّتي لا تعيش إلاّ في الماء فحلال . وذهب الحنفيّة إلى إباحة السّمك من صيد البحر فقط دون غيره من الحيوانات البحريّة . وللتّفصيل انظر مصطلح ( أطعمة ) .
ج - ميتة البحر :
6 - ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة ميتة البحر ، سواء كانت سمكاً أو غيره من حيوانات البحر ، لقول اللّه تعالى : { أُحِلَّ لكم صيدُ البحرِ وطعامُه } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته » ، وعن أبي بكرٍ رضي الله عنه أنّه قال :" كلّ دابّةٍ تموت في البحر فقد ذكّاها اللّه لكم ".
ولم يبح الحنفيّة إلاّ ميتة السّمك الّذي مات بآفةٍ ، وأمّا الّذي مات حتف أنفه ، وكان غير طافٍ ، فليس بمباحٍ . وحدّ الطّافي عندهم : ما كان بطنه من فوق ، فلو كان ظهره من فوق ، فليس بطافٍ فيؤكل . وللتّفصيل انظر مصطلح ( أطعمة ) .
د - الصّلاة في السّفينة :
7 - اتّفق الفقهاء على جواز الصّلاة في السّفينة من حيث الجملة ، شريطة أن يكون المصلّي مستقبلاً للقبلة عند افتتاح الصّلاة ، وأن يدور إلى جهة القبلة إن دارت السّفينة لغيرها إن أمكنه ذلك ، لوجوب الاستقبال . ولا فرق في ذلك بين الفريضة والنّافلة لتيسّر استقباله . وخالف الحنابلة في النّافلة ، وقصروا وجوب الدّوران إلى القبلة على الفريضة فقط ، ولا يلزمه أن يدور في النّفل للحرج والمشقّة ، وأجازوا كذلك للملّاح : ألاّ يدور في الفرض أيضاً لحاجته لتسيير السّفينة . وللتّفصيل انظر مصطلح ( قبلة ) .
هـ – حكم من مات في السّفينة :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ من مات في سفينة في البحر ، وأمكن دفنه لقرب البرّ ، ولا مانع ، لزمهم التّأخير ليدفنوه فيه ، ما لم يخافوا عليه الفساد ، وإلاّ غسّل وكفّن وصلّي عليه وألقي في البحر .
وزاد الشّافعيّة : أنّه يوضع بعد الصّلاة عليه بين لوحين لئلاّ ينتفخ ، ويلقى لينبذه البحر إلى السّاحل ، لعلّه يقع إلى قومٍ يدفنونه . فإن كان أهل السّاحل كفّاراً ثقّل بشيءٍ ليرسب .
فإن لم يوضع بين لوحين ثقّل بشيءٍ لينزل إلى القرار ، وإلى تثقيله ذهب الحنابلة أيضاً .
و - الموت غرقاً في البحر :
9 - ذهب العلماء إلى أنّه من مات في البحر غرقاً ، فإنّه شهيد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الشّهداء خمسة : المطعون ، والمبطون ، والغريق ، وصاحب الهدم ، والشّهيد في سبيل اللّه » .
وإذا وجد الغريق فإنّه يغسّل ويكفّن ويصلّى عليه كأيّ ميّتٍ آخر ، وإذا لم يعثر عليه فيصلّى عليه صلاة الغائب عند الشّافعيّة والحنابلة ، وكرهها المالكيّة ، ومنعها الحنفيّة لاشتراطهم لصلاة الجنازة حضور الميّت أو حضور أكثر بدنه أو نصفه مع رأسه . ( ر : غسل )

بخار *
التّعريف :
1 - البخار لغةً واصطلاحاً : ما يتصاعد من الماء أو النّدى أو أيّ مادّةٍ رطبةٍ تتعرّض للحرارة . ويطلق البخار أيضاً على : دخان العود ونحوه . وعلى : كلّ رائحةٍ ساطعةٍ من نتنٍ أو غيره .
الألفاظ ذات الصّلة :
البخر :
2 - البخر هو : الرّائحة المتغيّرة من الفم . قال أبو حنيفة : البخر : النّتن يكون في الفم وغيره ، وهو أبخر ، وهي بخراء .
واستعمال الفقهاء للبخر مخصوص بالرّائحة الكريهة في الفم فقط .
الأحكام المتعلّقة بالبخار :
للبخار أحكام خاصّة ، فقد يكون طاهراً ، وقد يكون نجساً ، وينبني عليه جواز أو عدم جواز التّطهّر بما تقاطر من البخار .
أ - رفع الحدث بما جمع من النّدى :
3 - ذهب الفقهاء إلى جواز التّطهّر بالنّدى ، وهو المتجمّع على أوراق الشّجر إذا جمع ، لأنّه ماء مطلق . أمّا ما ورد عن بعض الفقهاء من أنّ النّدى : نفس دابّةٍ في البحر ، ومن ثمّ فهل هو طاهر أو نجس ؟ فلا يعوّل عليه .
ب - رفع الحدث بما جمع من البخار :
4 - ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التّطهّر من الحدث وتطهير النّجس بما جمع من بخار الماء الطّاهر المغليّ بوقودٍ طاهرٍ ، لأنّه ماء مطلق ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة ، خلافاً لما ذهب إليه الرّافعيّ منهم إلى أنّه لا يرفع الحدث ، لأنّه لا يسمّى ماءً ، بل هو بخار .
أمّا البخار المتأثّر بدخان النّجاسة فهو مختلف في طهارته ، بناءً على اختلاف الفقهاء في دخان النّجاسة ، هل هو طاهر أم نجس ؟ .
فذهب الحنفيّة على المفتى به ، والمالكيّة في المعتمد ، وبعض الحنابلة إلى : أنّ دخان النّجاسة وبخارها طاهران ، قال الحنفيّة : إنّ ذلك على سبيل الاستحسان دفعاً للحرج . وبناءً على هذا فإنّ البخار المتصاعد من الماء النّجس طهور يزيل الحدث والنّجس .
وذهب الشّافعيّة ، وأبو يوسف من الحنفيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة إلى : أنّ دخان النّجاسة نجس كأصلها ، وعلى هذا فالبخار المتأثّر بدخان النّجاسة نجس لا تصحّ الطّهارة به ، لكن ذهب الشّافعيّة إلى أنّه يعفى عن قليله .
وأمّا البخار المتصاعد من الحمّامات وغيرها - كالغازات الكريهة المتصاعدة من النّجاسة - إذا علقت بالثّوب ، فإنّه لا ينجس على الصّحيح من مذهب الحنفيّة ، تخريجاً على الرّيح الخارجة من الإنسان ، فإنّها لا تنجس ، سواء أكانت سراويله مبتلّةً أم لا ، والظّاهر أنّ بقيّة المذاهب لا تخالف مذهب الحنفيّة في هذا .

بخر *
التّعريف :
1 - البخر : الرّائحة المتغيّرة من الفم من نتنٍ وغيره . يقال : بخر الفم بخراً من باب تعب ، إذا أنتن وتغيّر ريحه ، ولم يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى .
الحكم الإجماليّ :
2 - لمّا كان البخر في الإنسان يؤدّي إلى النّفرة والتّأذّي اعتبره الفقهاء عيباً ، واتّفقوا على أنّه من العيوب الّتي يثبت بها الخيار في بيع الإماء .
وأمّا في النّكاح : فقد اختلفوا في ثبوت الخيار والفسخ به .
فقال الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو القول الآخر للحنابلة : لا يثبت به الخيار ولا يفرّق به بين الزّوجين . وقال المالكيّة ، وهو رأي للحنابلة : يثبت بالبخر الخيار والفسخ في النّكاح . وينظر تفصيل القول في ذلك في باب خيار العيب في البيوع ، وباب العيب في النّكاح .
وأمّا في التّرخيص لمن به بخر في حضور الجماعات والجمع وعدمه - فيرجع في ذلك إلى باب صلاة الجماعة .

بخس *
انظر : غبن .

البخيلة *
التّعريف :
1 - البخيلة من مسائل العَوْل في الميراث ، سمّيت بخيلةً ، لأنّها أقلّ الأصول عولاً . وتسمّى ( المنبريّة ) لأنّ عليّاً رضي الله عنه سئل عنها على المنبر . وهي من سهام الفرائض الّتي تعول ، وتأتي في المسألتين اللّتين يعول فيهما أصل أربعةٍ وعشرين إلى سبعةٍ وعشرين .
2 - المسألة الأولى : هي الّتي يكون فيها نصف وثمن وثلاثة أسداسٍ ، كزوجةٍ وبنتٍ وأبوين وبنت ابنٍ ، فللزّوجة الثّمن ، وللبنت النّصف ، ولبنت الابن السّدس ، وللأبوين السّدسان .
3 - المسألة الثّانية : هي الّتي يكون فيها مع الثّمن ثلثان وسدسان ، كزوجةٍ وبنتين وأبوين ، فللزّوجة الثّمن ، وللبنتين الثّلثان ، وللأبوين السّدسان ، ومجموعها من الأربعة والعشرين سبعة وعشرون . وكلّ من هاتين المسألتين تسمّى البخيلة لقلّة عولها ، لأنّها تعول مرّةً واحدةً . والمسألة الثّانية تسمّى أيضاً ( المنبريّة ) لأنّ عليّاً سئل عنها وهو على المنبر فأجاب . وللتّفصيل ينظر ( الإرث ) عند الكلام عن العول .

بدعة *
التّعريف :
1 - البدعة لغةً : من بدع الشّيء يبدعه بدعاً ، وابتدعه : إذا أنشأه وبدأه .
والبدع : الشّيء الّذي يكون أوّلاً ، ومنه قوله تعالى : { قُلْ : ما كنتُ بِدْعاً من الرُّسُلِ } أي لست بأوّل رسولٍ بعث إلى النّاس ، بل قد جاءت الرّسل من قبل ، فما أنا بالأمر الّذي لا نظير له حتّى تستنكروني .
والبدعة : الحدث ، وما ابتدع في الدّين بعد الإكمال . وفي لسان العرب : المبتدع الّذي يأتي أمراً على شبهٍ لم يكن ، بل ابتدأه هو . وأبدع وابتدع وتبدّع : أتى ببدعةٍ ، ومنه قوله تعالى : { وَرَهْبَانِيّةً ابْتَدَعوها ما كَتَبْنَاها عليهم إلاّ ابْتِغَاءَ رِضْوانِ اللّه } وبدّعه : نسبه إلى البدعة ، والبديع : المحدث العجيب ، وأبدعت الشّيء : اخترعته لا على مثالٍ ، والبديع من أسماء اللّه تعالى ، ومعناه : المبدع ، لإبداعه الأشياء وإحداثه إيّاها .
أمّا في الاصطلاح ، فقد تعدّدت تعريفات البدعة وتنوّعت ، لاختلاف أنظار العلماء في مفهومها ومدلولها .
فمنهم من وسّع مدلولها ، حتّى أطلقها على كلّ مستحدثٍ من الأشياء ، ومنهم من ضيّق ما تدلّ عليه ، فتقلّص بذلك ما يندرج تحتها من الأحكام . وسنوجز هذا في اتّجاهين .
الاتّجاه الأوّل :
2 - أطلق أصحاب الاتّجاه الأوّل البدعة على كلّ حادثٍ لم يوجد في الكتاب والسّنّة ، سواء أكان في العبادات أم العادات ، وسواء أكان مذموماً أم غير مذمومٍ .
ومن القائلين بهذا الإمام الشّافعيّ ، ومن أتباعه العزّ بن عبد السّلام ، والنّوويّ ، وأبو شامة . ومن المالكيّة : القرافيّ ، والزّرقانيّ . ومن الحنفيّة : ابن عابدين . ومن الحنابلة : ابن الجوزيّ . ومن الظّاهريّة : ابن حزمٍ . ويتمثّل هذا الاتّجاه في تعريف العزّ بن عبد السّلام للبدعة وهو : أنّها فعلُ ما لم يُعْهد في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وهي منقسمة إلى بدعةٍ واجبةٍ ، وبدعةٍ محرّمةٍ ، وبدعةٍ مندوبةٍ ، وبدعةٍ مكروهةٍ ، وبدعةٍ مباحةٍ . وضربوا لذلك أمثلةً :
فالبدعة الواجبة : كالاشتغال بعلم النّحو الّذي يفهم به كلام اللّه ورسوله ، وذلك واجب ، لأنّه لا بدّ منه لحفظ الشّريعة ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب .
والبدعة المحرّمة من أمثلتها : مذهب القدريّة ، والجبريّة ، والمرجئة ، والخوارج .
والبدعة المندوبة : مثل إحداث المدارس ، وبناء القناطر ، ومنها صلاة التّراويح جماعةً في المسجد بإمامٍ واحدٍ .
والبدعة المكروهة : مثل زخرفة المساجد ، وتزويق المصاحف .
والبدعة المباحة : مثل المصافحة عقب الصّلوات ، ومنها التّوسّع في اللّذيذ من المآكل والمشارب والملابس . واستدلّوا لرأيهم في تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة بأدلّةٍ منها :
أ - قول عمر رضي الله عنه في صلاة التّراويح جماعةً في المسجد في رمضان" نِعْمَتِ البدعةُ هذه ". فقد روي عن عبد الرّحمن بن عبد القاريّ أنّه قال :" خرجت مع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ليلةً في رمضان إلى المسجد ، فإذا النّاس أوزاعٌ متفرّقون ، يصلّي الرّجل لنفسه ، ويصلّي الرّجل فيصلّي بصلاته الرّهْطُ . فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئٍ واحدٍ لكان أمثل ، ثمّ عزم ، فجمعهم على أبيّ بن كعبٍ ، ثمّ خرجت معه ليلةً أخرى ، والنّاس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعة هذه ، والّتي ينامون عنها أفضل من الّتي يقومون . يريد آخر اللّيل . وكان النّاس يقومون أوّله ".
ب - تسمية ابن عمر صلاة الضّحى جماعةً في المسجد بدعةً ، وهي من الأمور الحسنة . روي عن مجاهدٍ قال :" دخلت أنا وعروة بن الزّبير المسجد ، فإذا عبد اللّه بن عمر جالس إلى حجرة عائشة ، وإذا ناس يصلّون في المسجد صلاة الضّحى ، فسألناه عن صلاتهم ، فقال : بدعة ".
ج - الأحاديث الّتي تفيد انقسام البدعة إلى الحسنة والسّيّئة ، ومنها ما روي مرفوعاً : « من سنَّ سُنَّةً حَسَنةً ، فله أجرُها وأجرُ من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سنَّ سُنّةً سيّئةً ، فعليه وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوم القيامة » .
الاتّجاه الثّاني :
3 - اتّجه فريق من العلماء إلى ذمّ البدعة ، وقرّروا أنّ البدعة كلّها ضلالة ، سواء في العادات أو العبادات . ومن القائلين بهذا الإمام مالك والشّاطبيّ والطّرطوشيّ . ومن الحنفيّة : الإمام الشّمنّيّ ، والعينيّ . ومن الشّافعيّة : البيهقيّ ، وابن حجرٍ العسقلانيّ ، وابن حجرٍ الهيتميّ . ومن الحنابلة : ابن رجبٍ ، وابن تيميّة .
وأوضح تعريفٍ يمثّل هذا الاتّجاه هو تعريف الشّاطبيّ ، حيث عرّف البدعة بتعريفين :
الأوّل أنّها : طريقة في الدّين مخترعة ، تضاهي الشّرعيّة ، يقصد بالسّلوك عليها المبالغة في التّعبّد للّه سبحانه . وهذا التّعريف لم يدخل العادات في البدعة ، بل خصّها بالعبادات ، بخلاف الاختراع في أمور الدّنيا .
الثّاني أنّها : طريقة في الدّين مخترعة تضاهي الشّريعة يقصد بالسّلوك عليها ما يقصد بالطّريقة الشّرعيّة . وبهذا التّعريف تدخل العادات في البدع إذا ضاهت الطّريقة الشّرعيّة ، كالنّاذر للصّيام قائماً لا يقعد متعرّضاً للشّمس لا يستظلّ ، والاقتصار في المأكل والملبس على صنفٍ دون صنفٍ من غير علّةٍ . واستدلّ القائلون بذمّ البدعة مطلقاً بأدلّةٍ منها :
أ - أخبر اللّه أنّ الشّريعة قد كملت قبل وفاة الرّسول صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه :
{ اليومَ أَكْملتُ لكم دينَكم وأَتممتُ عليكم نِعْمتي ورضيتُ لكم الِإسلامَ دِيناً } فلا يتصوّر أن يجيء إنسان ويخترع فيها شيئاً ، لأنّ الزّيادة عليها تعتبر استدراكاً على اللّه سبحانه وتعالى . وتوحي بأنّ الشّريعة ناقصة ، وهذا يخالف ما جاء في كتاب اللّه .
ب - وردت آيات قرآنيّة تذمّ المبتدعة في الجملة ، من ذلك قوله تعالى : { وأَنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبِعوه ولا تَتَّبِعُوا السُّبلَ فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيلِهِ } .
ج - كلّ ما ورد من أحاديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في البدعة جاء بذمّها ، من ذلك حديث العرباض بن سارية : « وَعَظَنَا رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً ، ذَرَفتْ منها العيونُ ، وَوَجلَتْ منها القلوبُ . فقال قائل : يا رسولَ اللّه كأنّها موعظةُ مودِّعٍ فما تَعْهَد إلينا . فقال : أوصيكم بتقوى اللّه والسّمعِ والطّاعةِ لولاة الأمرِ ، وإن كان عبداً حبشيّاً ، فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين ، تمسّكوا بها ، وعضّوا عليها بالنّواجذ ، وإيّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ . فإنَّ كلّ مُحْدَثَةٍ بِدعةٌ ، وكلّ بدعةٍ ضلالة » .
( د ) أقوال الصّحابة في ذلك ، من هذا ما روي عن مجاهدٍ قال :" دخلت مع عبد اللّه بن عمر مسجداً ، وقد أذّن فيه ، ونحن نريد أن نصلّي فيه ، فثوّب المؤذّن ، فخرج عبد اللّه بن عمر من المسجد ، وقال : " اخرج بنا من عند هذا المبتدع " ولم يصلّ فيه .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:50 AM

الألفاظ ذات الصّلة :
أ - المحدثات :
4 - الحديث نقيض القديم ، والحدوث : كون شيءٍ بعد أن لم يكن . ومحدثات الأمور : ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء الّتي كان السّلف الصّالح على غيرها . وفي الحديث :
« إيّاكم ومحدثات الأمور » والمحدثات جمع محدثةٍ بالفتح ، وهي : ما لم يكن معروفاً في كتابٍ ولا سنّةٍ ولا إجماعٍ . وعلى هذا المعنى تلتقي المحدثات مع البدعة على المعنى الثّاني .
ب - الفطرة :
5 - الفطرة : الابتداء والاختراع . وفطر اللّه الخلق : خلقهم وبدأهم ، ويقال : أنا فطرت الشّيء أي : أوّل من ابتدأه . وعلى هذا الوجه يلتقي مع البدعة في بعض معانيها اللّغويّة .
ج - السّنّة :
6 - السّنّة في اللّغة : الطّريقة ، حسنةً كانت أو سيّئةً . قال عليه الصلاة والسلام : « من سَنَّ سُنّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عَمِل بها إلى يوم القيامة ، ومن سَنّ سنّةً سيّئةً فعليه وِزْرها وَوِزْرُ من عَمِل بها إلى يوم القيامة » .
وفي الاصطلاح : هي الطّريقة المسلوكة الجارية في الدّين المأثورة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أو صحبه . لقوله صلى الله عليه وسلم : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي » وهي بهذا المعنى مقابلة للبدعة ومضادّة لها تماماً .
وللسّنّة إطلاقات أخرى شرعيّة اشتهرت بها ، منها : أنّها تطلق على الشّريعة كلّها ، كقولهم : الأولى بالإمامة الأعلم بالسّنّة . ومنها : ما هو أحد الأدلّة الأربعة الشّرعيّة ، وهو ما صدر عن رسول اللّه - غير القرآن - من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ . ومنها : ما يعمّ النّفل ، وهو ما فعله خير من تركه من غير افتراضٍ ولا وجوبٍ .
د - المعصية :
7 - العصيان : خلاف الطّاعة يقال : عصى العبد ربّه إذا خالف أمره ، وعصى فلان أميره : إذا خالف أمره . وشرعاً : عصيان أمر الشّارع قصداً ، وهي ليست بمنزلةٍ واحدةٍ .
فهي إمّا كبائر وهي : ما يترتّب عليها حدّ ، أو وعيد بالنّار أو اللّعنة أو الغضب ، أو ما اتّفقت الشّرائع على تحريمه ، على اختلافٍ بين العلماء في تحديدها .
وإمّا صغائر وهي : ما لم يترتّب عليها شيء ممّا ذكر إذا اجتنب الإصرار عليها ، لقوله تعالى : { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تُنْهَونَ عنه نُكَفِّرْ عنكم سيّئاتِكم } وعلى هذا تكون البدعة أعمّ من المعصية ، حيث تشمل المعصية ، كالبدعة المحرّمة والمكروهة كراهة تحريمٍ ، وغير المعصية كالواجبة والمستحبّة والمباحة .
هـ – المصلحة المرسلة :
8 – المصلحة لغةً كالمنفعة وزناً ومعنًى ، فهي مصدر بمعنى الصّلاح ، أو هي اسم للواحد من المصالح . والمصلحة المرسلة اصطلاحاً هي : المحافظة على مقصود الشّرع المنحصر في الضّروريّات . الخمس ، كما قال الإمام الغزاليّ رحمه الله ، أو هي اعتبار المناسب الّذي لا يشهد له أصل معيّن عند الشّاطبيّ ، أو هي أن يرى المجتهد أنّ هذا الفعل فيه منفعة راجحة وليس في الشّرع ما ينفيه عند ابن تيميّة . أو هي أن يناط الأمر باعتبارٍ مناسبٍ لم يدلّ الشّرع على اعتباره ولا إلغائه إلاّ أنّه ملائم لتصرّفات الشّرع ، إلى غير ذلك من التّعريفات الأخرى الّتي يرجع لتفاصيلها إلى مصطلح ( مصلحة مرسلة ) .
حكم البدعة التّكليفيّ :
9 - ذهب الإمام الشّافعيّ والعزّ بن عبد السّلام وأبو شامة ، والنّوويّ من الشّافعيّة ، والإمام القرافيّ والزّرقانيّ من المالكيّة ، وابن الجوزيّ من الحنابلة ، وابن عابدين من الحنيفة إلى تقسيم البدعة تبعاً للأحكام الخمسة إلى : واجبةٍ أو محرّمةٍ أو مندوبةٍ أو مكروهةٍ أو مباحةٍ . وضربوا لكلٍّ من هذه الأقسام أمثلةً :
فمن أمثلة البدعة الواجبة : الاشتغال بعلم النّحو ، الّذي يفهم به كلام اللّه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لأنّ حفظ الشّريعة واجب ، ولا يتأتّى حفظها إلاّ بمعرفة ذلك ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب . وتدوين الكلام في الجرح والتّعديل لتمييز الصّحيح من السّقيم ، لأنّ قواعد الشّريعة دلّت على أنّ حفظ الشّريعة فرض كفايةٍ فيما زاد على القدر المتعيّن ، ولا يتأتّى حفظها إلاّ بما ذكرناه .
ومن أمثلة البدعة المحرّمة : مذهب القدريّة والخوارج والمجسّمة .
ومن أمثلة البدعة المندوبة : إحداث المدارس وبناء القناطر وصلاة التّراويح في المسجد جماعةً .
ومن أمثلة المكروهة : زخرفة المساجد وتزويق المصاحف .
وأمّا أمثلة البدعة المباحة فمنها : المصافحة عقيب صلاة الصّبح والعصر ، ومنها التّوسّع في اللّذيذ من المآكل والمشارب والملابس . هذا وقد قسّم العلماء البدعة المحرّمة إلى بدعةٍ مكفّرةٍ وغير مكفّرةٍ ، وصغيرةٍ وكبيرةٍ على ما سيأتي .
البدعة في العقيدة :
10 - اتّفق العلماء على أنّ البدعة في العقيدة محرّمة ، وقد تتدرّج إلى أن تصل إلى الكفر . فأمّا الّتي تصل إلى الكفر فهي أن تخالف معلوماً من الدّين بالضّرورة ، كبدعة الجاهليّين الّتي نبّه عليها القرآن الكريم في قوله تعالى : { ما جَعَل اللّهُ من بَحِيرَةٍ ولا سَائِبَةٍ ولا وَصِيلَةٍ ولا حَامٍ } وقوله تعالى : { وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لِذُكورنا ومُحَرَّمٌ على أزواجنا وإنْ يكن مَيْتَةً فهم فيه شركاءُ } وحدّدوا كذلك ضابطاً للبدعة المكفّرة ، وهي : أن يتّفق الكلّ على أنّ هذه البدعة كفر صراح لا شبهة فيه .
البدعة في العبادات :
اتّفق العلماء على أنّ البدعة في العبادات منها ما يكون حراماً ومعصيةً ، ومنها ما يكون مكروهاً .
أ - البدعة المحرّمة :
11 - ومن أمثلتها : بدعة التّبتّل والصّيام قائماً في الشّمس ، والخصاء لقطع الشّهوة في الجماع والتّفرّغ للعبادة . لما جاء عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حديث الرّهط الّذين فعلوا ذلك : « جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتِ أزواج رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته ، فلمّا أُخبِروا كأنّهم تَقَالّوها ، فقالوا : وأينَ نحنُ من النّبيّ صلى الله عليه وسلم قد غفرَ اللّه له ما تَقَدّمَ من ذنبه وما تَأَخّرَ . قال أحدُهم : أمّا أنا فإنّي أصلّي اللّيلَ أبداً ، وقال الآخر : أنا أصومُ الدّهرَ ولا أفطرُ ، وقال الآخر : أنا أعتزلُ النّساءَ فلا أتزوّجُ أبداً ، فجاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الّذين قلتم كذا وكذا ، أمَا واللّه إنّي لَأَخْشَاكم لِلّه وأتقاكُم له . لكنّي أصومُ وأفطرُ ، وأصلّي وأرقدُ ، وأتزوّجُ النّساء ، فَمَنْ رغِبَ عن سنّتي فليس منّي » .
ب - البدعة المكروهة :
12 - قد تكون البدعة في العبادات من المكروهات ، مثل الاجتماع عشيّة عرفة للدّعاء لغير الحجّاج فيها ، وذكر السّلاطين في خطبة الجمعة للتّعظيم ، أمّا للدّعاء فسائغ ، وكزخرفة المساجد . جاء عن محمّد بن أبي القاسم عن أبي البحتريّ قال :" أخبر رجل عبد اللّه بن مسعودٍ أنّ قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول : كبّروا اللّه كذا وكذا ، وسبّحوا اللّه كذا وكذا ، واحمدوا اللّه كذا وكذا ، قال عبد اللّه : فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم ، فأتاهم فجلس ، فلمّا سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعودٍ فجاء - وكان رجلاً حديداً - فقال أنا عبد اللّه بن مسعودٍ ، واللّه الّذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعةٍ ظلماً ، ولقد فضلتم أصحاب محمّدٍ صلى الله عليه وسلم علماً . فقال عمرو بن عتبة : أستغفر اللّه . فقال عليكم بالطّريق فالزموه ، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلّنّ ضلالاً بعيداً ".
البدعة في العادات :
13 - البدعة في العادات منها المكروه ، كالإسراف في المآكل والمشارب ونحوها .
ومنها المباح ، مثل التّوسّع في اللّذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن ، ولبس الطّيالسة ، وتوسيع الأكمام ، من غير سرفٍ ولا اختيالٍ .
وذهب قوم إلى أنّ الابتداع في العادات الّتي ليس لها تعلّق بالعبادات جائز ، لأنّه لو جازت المؤاخذة في الابتداع في العادات لوجب أن تعدّ كلّ العادات الّتي حدثت بعد الصّدر الأوّل - من المآكل والمشارب والملابس والمسائل النّازلة - بدعاً مكروهاتٍ ، والتّالي باطل ، لأنّه لم يقل أحد بأنّ تلك العادات الّتي برزت بعد الصّدر الأوّل مخالفةً لهم ، ولأنّ العادات من الأشياء الّتي تدور مع الزّمان والمكان .
دواعي البدعة وأسبابها :
14 - دواعي البدعة وأسبابها وبواعثها كثيرة ومتعدّدة ، يصعب حصرها ، لأنّها تتجدّد وتتنوّع حسب الأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص ، وأحكام الدّين وفروعه كثيرة ، والانحراف عنها واتّباع سبل الشّيطان في كلّ حكمٍ متعدّد الوجوه .
وكلّ خروجٍ إلى وسيلةٍ من وسائل الباطل لا بدّ له من باعثٍ .
ومع ذلك فمن الممكن إرجاع الدّواعي والأسباب إلى ما يأتي :
أ - الجهل بوسائل المقاصد :
15 - أنزل اللّه سبحانه وتعالى القرآن عربيّاً لا عجمة فيه ، بمعنى أنّه جارٍ في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب ، وقد أخبر اللّه تعالى بذلك فقال : { إنّا أنزلناه قرآناً عربيّاً } . وقال : { قرآناً عربيّاً غير ذي عوجٍ } ومن هذا يعلم أنّ الشّريعة لا تفهم إلاّ إذا فهم اللّسان العربيّ ، لقوله تعالى : { وكذلك أنزلناه حكماً عربيّاً } والإخلال في ذلك قد يؤدّي إلى البدعة .
ب - الجهل بالمقاصد :
16 - ما ينبغي للإنسان أن يعلمه ولا يجهله من المقاصد أمران :
- 1 - أنّ الشّريعة جاءت كاملةً تامّةً لا نقص فيها ولا زيادة ، ويجب أن ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النّقص ، وأن يرتبط بها ارتباط ثقةٍ وإذعانٍ ، في عاداتها وعباداتها ومعاملاتها ، وألاّ يخرج عنها ألبتّة . وهذا الأمر أغفله المبتدعة فاستدركوا على الشّرع ، وكذبوا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وقيل لهم في ذلك فقالوا : نحن لم نكذب على رسول اللّه وإنّما كذبنا له . وحكي عن محمّد بن سعيدٍ ، المعروف بالأردنّيّ ، أنّه قال :" إذا كان الكلام حسناً لم أر فيه بأساً ، أجعل له إسناداً إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ".
- 2 - أن يوقن إيقاناً جازماً أنّه لا تضادّ بين آيات القرآن الكريم وبين الأحاديث النّبويّة بعضها مع بعضٍ ، أو بينها وبين القرآن الكريم ، لأنّ النّبع واحد ، وما كان الرّسول صلى الله عليه وسلم ينطق عن الهوى ، إن هو إلاّ وحيّ يوحى ، وإنّ قوماً اختلف عليهم الأمر لجهلهم ، هم الّذين عناهم الرّسول بقوله : « يقرءون القرآنَ لا يجاوِزُ حناجرَهم » .
فيتحصّل ممّا قدّمنا كمال الشّريعة وعدم التّضادّ بين نصوصها .
أمّا كمال الشّريعة فقد أخبرنا اللّه تعالى بذلك : { اليوم أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً } . وأمّا عدم التّضادّ في اللّفظ أو المعنى فقد بيّن اللّه أنّ المتدبّر لا يجد في القرآن اختلافاً ، لأنّ الاختلاف منافٍ للعلم والقدرة والحكمة { أفلا يَتَدَبَّرُونَ القرآنَ ولو كانَ من عندِ غيرِ اللّه لَوَجدوا فيه اختلافاً كثيراً } .
ج - الجهل بالسّنّة :
17 - من الأمور المؤدّية إلى البدعة الجهل بالسّنّة . والجهل بالسّنّة يعني أمرين :
الأوّل : جهل النّاس بأصل السّنّة .
والثّاني : جهلهم بالصّحيح من غيره ، فيختلط عليهم الأمر .
أمّا جهلهم بالسّنّة الصّحيحة ، فيجعلهم يأخذون بالأحاديث المكذوبة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وقد وردت الآثار من القرآن والسّنّة تنهي عن ذلك ، كقوله تعالى : { ولا تَقْفُ ما ليس لَكَ بهِ عِلْمٌ إنَّ السّمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مَسْئولاً } وقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبوّأ مَقْعَدَه من النّارِ » .
ومن جهلهم بالسّنّة ، جهلهم بدورها في التّشريع ، وقد بيّن اللّه سبحانه وتعالى مكانة السّنّة في التّشريع : { وَمَا آتاكم الرّسولُ فَخُذُوه وما نَهَاكم عنه فانتهوا } .
د - تحسين الظّنّ بالعقل :
18 - عدّ العلماء من دواعي البدعة تحسين الظّنّ بالعقل ، ويتأتّى هذا من جهة أنّ المبتدع يعتمد على عقله ، ولا يعتمد على الوحي وإخبار المعصوم صلى الله عليه وسلم فيجرّه عقله القاصر إلى أشياء بعيدةٍ عن الطّريق المستقيم ، فيقع بذلك في الخطأ والابتداع ، ويظنّ أنّ عقله موصّله ، فإذا هو مهلكه . وهذا لأنّ اللّه جعل للعقول في إدراكها حدّاً تنتهي إليه لا تتعدّاه ، من ناحية الكمّ ومن ناحية الكيف .
أمّا علم اللّه سبحانه فلا يتناهى ، والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهى . ويتخلّص من ذلك :
- 1 - أنّ العقل ما دام على هذه الصّورة لا يجعل حاكماً بإطلاقٍ ، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاقٍ ، وهو الشّرع ، والواجب عليه أن يقدّم ما حقّه التّقديم ، ويؤخّر ما حقّه التّأخير .
- 2 - إذا وجد الإنسان في الشّرع أخباراً يقتضي ظاهرها خرق العادة المألوفة - الّتي لم يسبق له أن رآها أو علم بها علماً صحيحاً - لا يجوز له أن يقدّم بين يديه لأوّل وهلةٍ الإنكار بإطلاقٍ ، بل أمامه أحد أمرين :
الأوّل : إمّا أن يصدّق به ويكل العلم فيه للرّاسخين في العلم والمتخصّصين فيه متمثّلاً بقوله تعالى : { والرّاسخونَ في العلمِ يقولون آمَنّا به كُلٌّ من عند ربّنا }
الثّاني : يتأوّل على ما يمكن حمله عليه من الآراء بمقتضى الظّاهر . ويحكم هذا كلّه قوله تعالى : { ثمّ جَعَلْناك على شَرِيعةٍ من الأَمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهواءَ الّذينَ لا يعلمون } وقوله : { يَا أيّها الّذينَ آمنوا أطيعُوا اللّه وأطيعُوا الرّسولَ وأُولي الأمرِ منكم فإنْ تَنَازَعْتُمْ في شيءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللّه والرّسولِ إنْ كنتم تُؤْمنونَ باللّه واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً } .
هـ – اتّباع المتشابه :
19 – قال بعض العلماء : المتشابه هو ما اختلف فيه من أحكام القرآن ، وقال آخرون : هو ما تقابلت فيه الأدلّة . وقد نهى الرّسول صلى الله عليه وسلم عن اتّباع المتشابه بقوله : « إذا رأيتم الّذينَ يَتَّبِعُون ما تَشَابَهَ منه فأولئك الّذين سمّى اللّه فاحذَرُوهم » وقد ذكرهم القرآن في قوله تعالى : { هو الّذي أنزل عليك الكتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ فَأَمّا الّذينَ في قُلوبِهم زَيْغٌ فَيَتَّبِعُون ما تَشَابه مِنه } .
فليس نظرهم في الدّليل نظر المستبصر حتّى يكون هواه تحت حكمه ، بل نظر من حكم بالهوى . ثمّ أتى بالدّليل كالشّاهد له .
و - اتّباع الهوى :
20 - يطلق الهوى على ميل النّفس وانحرافها نحو الشّيء ، ثمّ غلب استعماله في الميل المذموم والانحراف السّيّئ . ونسبت البدع إلى الأهواء ، وسمّي أصحابها بأهل الأهواء ، لأنّهم اتّبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلّة مأخذ الافتقار إليها والتّعويل عليها ، بل قدّموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ، ثمّ جعلوا الأدلّة الشّرعيّة منظوراً فيها من وراء ذلك .
21 - مداخل هذه الأهواء :
أ - اتّباع العادات والآباء وجعلها ديناً . قال تعالى في شأن هؤلاء : { إنّا وَجَدنا آباءنا على أُمَّةٍ وإنّا على آثارِهم مُهْتَدون } فقال الحقّ على لسان رسوله { قال أَوَلَوْ جِئْتُكم بأَهْدَى ممّا وَجَدْتُم عليه آباءَكم } .
ب - رأي بعض المقلّدين في أئمّتهم والتّعصّب لهم ، فقد يؤدّي هذا التّغالي في التّقليد إلى إنكار بعض النّصوص والأدلّة أو تأويلها ، وعدّ من يخالفهم مفارقاً للجماعة .
ج - التّصوّف الفاسد وأخذ ما نقل عن المتصوّفة من الأحوال الجارية عليهم ، أو الأقوال الصّادرة عنهم ديناً وشريعةً ، وإن كانت مخالفةً للنّصوص الشّرعيّة من الكتاب والسّنّة .
د - التّحسين والتّقبيح العقليّان . فإنّ محصول هذا المذهب تحكيم عقول الرّجال دون الشّرع ، وهو أصل من الأصول الّتي بنى عليها أهل الابتداع في الدّين ، بحيث إنّ الشّرع إن وافق آراءهم قبلوه وإلاّ ردّ .
هـ - العمل بالأحلام . فإنّ الرّؤيا قد تكون من الشّيطان ، وقد تكون من حديث النّفس ، وقد تكون من أخلاطٍ مهتاجةٍ . فمتى تتعيّن الرّؤيا الصّالحة النّقيّة حتّى يحكم بها ؟ ، .
أنواع البدعة :
تنقسم البدعة من حيث قربها من الأدلّة أو بعدها عنها إلى حقيقيّةٍ وإضافيّةٍ .
البدعة الحقيقيّة :
22 - هي الّتي لم يدلّ عليها دليل شرعيّ ، لا من كتابٍ ولا سنّةٍ ولا إجماعٍ ولا استدلالٍ معتبرٍ عند أهل العلم ، لا في الجملة ولا في التّفصيل ، ولهذا سمّيت بدعة حقيقيّة ، لأنّها شيء مخترع على غير مثالٍ سابقٍ ، وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشّرع ، إذ هو مدّعٍ أنّه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلّة ، ولكن ثبت أنّ هذه الدّعوى غير صحيحةٍ ، لا في نفس الأمر ولا بحسب الظّاهر ، أمّا بحسب نفس الأمر فبالعرض ، وأمّا بحسب الظّاهر فإنّ أدلّته شبه وليست بأدلّةٍ ، ومن أمثلتها : التّقرّب إلى اللّه تعالى بالرّهبانيّة وترك الزّواج مع وجود الدّاعي إليه وفقد المانع الشّرعيّ ، كرهبانيّة النّصارى المذكورة في قوله تعالى : { وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوها ما كتَبْنَاها عليهم إلاّ ابتغاءَ رِضْوانِ اللّه } فهذه كانت قبل الإسلام ، أمّا في الإسلام فقد نسخت في شريعتنا بمثل قوله صلى الله عليه وسلم « فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » .
ومنها : أن يفعل المسلم مثل ما يفعل أهل الهند في تعذيب النّفس بأنواع العذاب الشّنيع والقتل بالأصناف الّتي تفزع منها القلوب وتقشعرّ منها الجلود ، مثل الإحراق بالنّار على جهة استعجال الموت لنيل الدّرجات العليا والقربى من اللّه سبحانه في زعمهم .
البدعة الإضافيّة :
23 - وهي الّتي لها شائبتان : إحداهما لها من الأدلّة متعلّق ، فلا تكون من تلك الجهة بدعةً ، والثّانية ليس لها متعلّق إلاّ مثل ما للبدعة الحقيقيّة . ولمّا كان العمل له شائبتان ، ولم يتخلّص لأحدٍ الطّرفين ، وضعت له هذه التّسمية ، لأنّها بالنّسبة إلى إحدى الجهتين سنّة لاستنادها إلى دليلٍ ، وبالنّسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لاستنادها إلى شبهةٍ لا إلى دليلٍ ، أو لأنّها غير مستندةٍ إلى شيءٍ ، وهذا النّوع من البدع هو مثار الخلاف بين المتكلّمين في البدع والسّنن . وله أمثلة كثيرة ، منها : صلاة الرّغائب ، وهي : اثنتا عشرة ركعةً في ليلة الجمعة الأولى من رجبٍ بكيفيّةٍ مخصوصةٍ ، وقد قال العلماء : إنّها بدعة قبيحة منكرة . وكذا صلاة ليلة النّصف من شعبان ، وهي : مائة ركعةٍ بكيفيّةٍ خاصّةٍ . وصلاة برّ الوالدين . ووجه كونها بدعةً إضافيّةً : أنّها مشروعة ، باعتبار النّظر إلى أصل الصّلاة ، لحديثٍ رواه الطّبرانيّ في الأوسط « الصّلاة خير موضوعٍ » وغير مشروعةٍ باعتبار ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص والكيفيّة المخصوصة .
فهي مشروعة باعتبار ذاتها ، مبتدعة باعتبار ما عرض لها .
البدع المكفّرة وغير المكفّرة :
24 - البدع متفاوتة ، فلا يصحّ أن يقال : إنّها على حكمٍ واحدٍ هو الكراهة فقط ، أو التّحريم فقط . فقد وجد أنّها تختلف في أحكامها ، فمنها ما هو كفر صراح ، كبدعة الجاهليّة الّتي نبّه القرآن عليها كقوله تعالى : { وَجَعَلوا للّه ممّا ذَرَأَ من الحَرْثِ والأنعامِ نَصيباً فقالوا : هذا للّه بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنا } الآية ، وقوله تعالى : { وقالوا ما في بُطونِ هذه الأنْعامِ خالصةٌ لذكورِنا ومحرّمٌ على أزواجِنا وإنْ يكنْ مَيْتةً فهم فيه شُرَكَاء } وقوله تعالى : { ما جَعَل اللّهُ من بَحِيرَةٍ ولا سَائِبَةٍ ولا وَصِيلةٍ ولا حَامٍ } . وكذلك بدعة المنافقين الّذين اتّخذوا الدّين ذريعةً لحفظ النّفس والمال وما أشبه ذلك { يقولونَ بِأَفْواهِهِمْ ما ليسَ في قُلوبِهم } فهذا وأضرابه لا يشكّ أحد في أنّه كفر صراح ، لابتداعه أشياء أنكرتها النّصوص وتوعّدت عليها .
ومنها ما هو كبيرة وليس بكفرٍ ، أو يختلف فيه هل هو كفر أم لا ؟ كبدع الفرق الضّالّة . ومنها ما هو معصية وليس بكفرٍ اتّفاقاً ، كبدعة التّبتّل والصّيام قائماً في الشّمس ، والخصاء بقطع شهوة الجماع ، للأحاديث الواردة في النّهي عن ذلك ، وقد سبق بعض منها ولقوله تعالى : { ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكم إنّ اللّه كانَ بِكم رَحيماً } .
تقسيم البدع غير المكفّرة إلى كبيرةٍ وصغيرةٍ :
25 - إنّ المعاصي منها صغائر ومنها كبائر ، ويعرف ذلك بكونها واقعةً في الضّروريّات أو الحاجيّات أو التّحسينات ، فإن كانت في الضّروريّات فهي أعظم الكبائر ، وإن وقعت في التّحسينات فهي أدنى رتبةً بلا إشكالٍ ، وإن وقعت في الحاجيّات فمتوسّطة بين الرّتبتين ، لقوله تعالى : { الّذين يَجْتَنِبُون كَبَائِرَ الِإثمِ والفَوَاحِشَ إلاّ اللّمَمَ } وقوله : { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تُنْهَوْنَ عنه نُكَفِّرْ عنكم سيّئاتِكم وَنُدْخِلْكم مُدْخَلاً كَرِيماً } ، وإذا كانت ليست رتبةً واحدةً فالبدع من جملة المعاصي ، وقد ثبت التّفاوت في المعاصي ، فكذلك يتصوّر مثله في البدع ، فمنها ما يقع في الضّروريّات ، ومنها ما يقع في رتبة الحاجيّات ، ومنها ما يقع في رتبة التّحسينات . وما يقع في رتبة الضّروريّات ، منه ما يقع في الدّين ، أو النّفس ، أو النّسل ، أو العقل ، أو المال . فمثال وقوعه في الدّين : اختراع الكفّار وتغييرهم ملّة إبراهيم عليه السلام في نحو قوله : { ما جَعَل اللّهُ من بَحِيرةٍ ولا سَائبةٍ ولا وَصِيلةٍ ولا حامٍ } وحاصل ما في الآية تحريم ما أحلّ اللّه على نيّة التّقرّب به إليه ، مع كونه حلالاً بحكم الشّريعة المتقدّمة . ومثال ما يقع في النّفس : ما عليه بعض نحل الهند ، من تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب واستعجال الموت ، لنيل الدّرجات العلى على زعمهم .
ومثال ما يقع في النّسل : ما كان من أنكحة الجاهليّة الّتي كانت معهودةً ومعمولاً بها ومتّخذةً كالدّين ، وهي لا عهد بها في شريعة إبراهيم عليه السلام ولا غيره ، بل كانت من جملة ما اخترعوه . من ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها في حديث أنكحة الجاهليّة .
ومثال ما يقع في العقل : ما يتناول من المسكرات والمخدّرات بدعوى تحصيل النّفع والتّقوّي على القيام ببعض الواجبات المشروعة في ذاتها . ومثال ما يقع في المال : قولهم { إنّما البَيْعُ مِثْلُ الرّبا } فإنّهم احتجّوا بقياسٍ فاسدٍ . وكذلك سائر ما يحدث النّاس بينهم من البيوع المبنيّة على المخاطرة والغرر .
26 - هذا التّقسيم من حيث اعتبار البدعة كبيرةً أو صغيرةً مشروط بشروطٍ :
الأوّل : ألاّ يداوم عليها ، فإنّ الصّغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنّسبة إليه ، لأنّ ذلك ناشئ عن الإصرار عليها ، والإصرار على الصّغيرة يصيّرها كبيرةً ، ولذلك قالوا : لا صغيرة مع إصرارٍ ، ولا كبيرة مع استغفارٍ ، فكذلك البدعة من غير فرقٍ .
الثّاني : ألاّ يدعو إليها . فإذا ابتلي إنسان ببدعةٍ فدعا إليها تحمّل وزرها وأوزار الآخرين معه ، مصداقاً لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من سنّ سنّةً سيّئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » .
الثّالث : ألاّ تفعل في الأماكن العامّة الّتي يجتمع فيها النّاس ، أو المواضع الّتي تقام فيها السّنن ، وتظهر فيها أعلام الشّريعة ، وألاّ يكون ممّن يقتدى به أو يحسن به الظّنّ ، فإنّ العوّام يقتدون - بغير نظرٍ - بالموثوق بهم أو بمن يحسنون الظّنّ به ، فتعمّ البلوى ويسهل على النّاس ارتكابها .
تقسيم المبتدع إلى داعيةٍ لبدعته وغير داعيةٍ :
27 - المنسوب إلى البدعة في العرف لا يخلو أن يكون مجتهداً فيها أو مقلّداً ، والمقلّد إمّا أن يكون مقلّداً مع الإقرار بالدّليل الّذي زعمه المجتهد المبتدع ، وإمّا أن يكون مقلّداً من غير نظرٍ ، كالعامّيّ الصّرف الّذي حسّن الظّنّ بصاحب البدعة ، ولم يكن له دليل على التّفصيل يتعلّق به ، إلاّ تحسين الظّنّ بالمبتدع خاصّةً . وهذا القسم كثير في العوّام ، فإذا تبيّن أنّ المبتدع آثم ، فليس الإثم الواقع عليه على رتبةٍ واحدةٍ . بل هو على مراتب مختلفةٍ ، من جهة كون صاحب البدعة داعياً إليها أم لا ، لأنّ الزّيغ في قلب الدّاعي أمكن منه في قلب المقلّد ، ولأنّه أوّل من سنّ تلك السّنّة ، ولأنّه يتحمّل وزر من تبعه ، مصداقاً لحديث : « من سنّ سنّةً سيّئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » .
كما يختلف الإثم بالنّسبة إلى الإسرار والإعلان ، لأنّ المسرّ ضرره مقصور عليه لا يتعدّاه ، بخلاف المعلن . كما يختلف كذلك من جهة الإصرار عليها أو عدمه ، ومن جهة كونها حقيقيّةً أو إضافيّةً ، ومن جهة كونها كفراً أو غير كفرٍ .س
رواية المبتدع للحديث :
28 - ردّ العلماء رواية من كفر ببدعته ، ولم يحتجّوا به في صحّة الرّواية .
ولكنّهم شرطوا للكفر بالبدعة ، أن ينكر المبتدع أمراً متواتراً من الشّرع معلوماً من الدّين بالضّرورة . أمّا من لم يكفر ببدعته ، فللعلماء في روايته ثلاثة أقوالٍ :
الأوّل : لا يحتجّ بروايته مطلقاً ، وهو رأي الإمام مالكٍ ، لأنّ في الرّواية عن المبتدع ترويجاً لأمره وتنويهاً بذكره ، ولأنّه أصبح فاسقاً ببدعته .
الثّاني : يحتجّ به إن لم يكن ممّن يستحلّ الكذب في نصرة مذهبه ، سواء أكان داعيةً أم لا ، وهو قول الشّافعيّ وأبي يوسف والثّوريّ .
الثّالث : قيل يحتجّ به إن لم يكن داعياً إلى بدعته ، ولا يحتجّ به إن كان داعيةً إليها .
قال النّوويّ والسّيوطيّ : هذا القول هو الأعدل والأظهر ، وهو قول الكثير أو الأكثر ، ويؤيّده احتجاج البخاريّ ومسلمٍ في الصّحيحين بكثيرٍ من المبتدعة غير الدّعاة .
شهادة المبتدع :
29 - ردّ المالكيّة والحنابلة شهادة المبتدع ، سواء أكفر ببدعته أم لا ، وسواء أكان داعياً لها أم لا . وهو رأي شريكٍ وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثورٍ ، وعلّلوا ذلك بأنّ المبتدع فاسق تردّ شهادته للآية : { وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكم } ولقوله تعالى : { إنْ جَاءَكُمْ فاسقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } وقال الحنفيّة والشّافعيّة في الرّاجح عندهم : تقبل شهادة المبتدع ما لم يكفر ببدعته ، كمنكر صفات اللّه وخلقه لأفعال العباد ، لأنّهم يعتقدون أنّهم مصيبون في ذلك لما قام عندهم من الأدلّة .
وقال الشّافعيّة في المرجوح عندهم : لا تقبل شهادة المبتدع الدّاعي إلى البدعة .
الصّلاة خلف المبتدع
30 - اختلف العلماء في حكم الصّلاة خلف المبتدع . فذهب الحنفيّة ، والشّافعيّة ، وهو رأي للمالكيّة إلى جواز الصّلاة خلف المبتدع مع الكراهة ما لم يكفر ببدعته ، فإن كفر ببدعته فلا تجوز الصّلاة خلفه . واستدلّوا لذلك بأدلّةٍ منها : قوله صلى الله عليه وسلم « صَلُّوا خلْفَ مَنْ قال لا إِلهَ إلاّ اللّه » وقوله : « صَلُّوا خلفَ كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ » .
وما روي من أنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلّي مع الخوارج وغيرهم زمن عبد اللّه بن الزّبير وهم يقتتلون ، فقيل له : أتصلّي مع هؤلاء ومع هؤلاء ، وبعضهم يقتل بعضاً ؟ فقال :" من قال حيّ على الصّلاة أجبته ، ومن قال : حيّ على الفلاح أجبته . ومن قال : حيّ على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت : لا ".
ولأنّ المبتدع المذكور تصحّ صلاته ، فصحّ الائتمام به كغيره .
وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ من صلّى خلف المبتدع الّذي يعلن بدعته ويدعو إليها أعاد صلاته ندباً ، وأمّا من صلّى خلف مبتدعٍ يستتر ببدعته فلا إعادة عليه .
واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلاً ، ولا فاجرٌ مؤمناً إلاّ أن يَقْهَرَه بسلطانٍ ، أو يخافَ سوطَه أو سيفه » .
ولاية المبتدع :
31 - اتّفق العلماء على أنّ من شروط أصحاب الولايات العامّة - كالإمام الأعظم الخليفة وأمراء الولايات والقضاة وغيرهم - العدالة ، وألاّ يكونوا من أصحاب الأهواء والبدع ، وذلك لتكون العدالة وازعةً عن التّقصير في جلب المصالح ودرء المفاسد ، وحتّى لا يخرجه الهوى من الحقّ إلى الباطل ، وقد ورد : " حبّك الشّيء يعمي ويصمّ " .
ولكنّ ولاية المتغلّب على الإمامة أو غيرها من الولايات تنعقد ، وتجب طاعته فيما يجوز من أمره ونهيه وقضائه باتّفاق الفقهاء ، وإن كان من أهل البدع . والأهواء ، ما لم يكفر ببدعته ، درءاً للفتنة ، وصوناً لشمل المسلمين ، واحتفاظاً بوحدة الكلمة .
الصّلاة على المبتدع :
32 - اختلف الفقهاء في الصّلاة على المبتدع الميّت ، فذهب جمهور العلماء إلى وجوب الصّلاة على المبتدع الّذي لم يكفر ببدعته ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « صلّوا على من قال لا إله إلاّ اللّه » .
إلاّ أنّ المالكيّة يرون كراهية صلاة أصحاب الفضل على المبتدع ، ليكون ذلك ردعاً وزجراً لغيرهم عن مثل حالهم ، ولأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي برجلٍ قتل نفسه لم يصلّ عليه » . وذهب الحنابلة إلى منع الصّلاة على المبتدع ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم
« ترك الصّلاة على صاحب الدّين وقاتل نفسه » وهما أقلّ جرماً من المبتدع .
توبة المبتدع :
33 - اختلف العلماء في قبول توبة المبتدع المكفّر ببدعته ، فقال جمهور كلٍّ من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بقبول توبته ، لقوله تعالى : { قُلْ لِلّذين كَفَروا إنْ يِنْتهُوا يُغْفَرْ لهم ما قَدْ سَلَفَ } ولقوله صلى الله عليه وسلم : « أُمِرْتُ أنْ أُقاتلَ النّاسَ حتّى يقولُوا : لا إلهَ إلاّ اللّه ، فإذا قالوها فقد عَصَمُوا منّي دماءَهم وأموالَهم إلاّ بِحَقِّها ، وحسابُهم على اللّه » ومن الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة من يرى أنّ توبة المبتدع لا تقبل إذا كان ممّن يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، كالمنافق والزّنديق والباطنيّ ، لأنّ توبته صدرت عن خوفٍ ، ولأنّه لا تظهر منه علامة تبيّن صدق توبته ، حيث كان مظهراً للإسلام مسرّاً للكفر ، فإذا أظهر التّوبة لم يزد على ما كان منه قبلها ، واستدلّوا لذلك ببعض الأحاديث ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : « سيخرجُ في أمّتي أقوامٌ تجاري بهم تلك الأهواءُ ، كما يتجارى الكلبُ بصاحبه ، لا يبقى منه عرقٌ ولا مفصلٌ إلاّ دَخَلَه » . وهذا الخلاف بين العلماء في قبول توبة المبتدع ينحصر فيما يتعلّق بأحكام الدّنيا في حقّه ، أمّا ما يتعلّق بقبول اللّه تعالى لتوبته وغفرانه لذنبه إذا أخلص وصدق في توبته فلا خلاف فيه .
ما يجب على المسلمين تجاه البدعة :
34 - ينبغي على المسلمين تجاه البدعة أشياء لمنع الوقوع فيها - منها :
أ - تعهّد القرآن وحفظه وتعليمه وبيان أحكامه ، لقوله تعالى : { وأَنْزَلْنا إليك الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ للنّاسِ ما نُزِّلَ إليهم } ولقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « خيرُكم من تعلَّمَ القُرآنَ وعلَّمَه » وفي روايةٍ « أَفْضَلُكم من تعلّمَ القُرآنَ وعلّمَه » وقوله صلى الله عليه وسلم :
« تَعَاهَدُوا القرآنَ فوالّذي نفسي بيده لَهُوَ أشدُّ تَفَصِّياً من الإبِلِ في عُقُلِها » لأنّ في تعليم القرآن وبيان أحكامه قطع الطّريق على المبتدعين بإظهار الأحكام الشّرعيّة .
ب - إظهار السّنّة والتّعريف بها : لقوله تعالى : { وما آتاكم الرّسولُ فَخُذُوه وما نَهَاكم عنه فانْتَهُوا } وقوله تعالى : { وما كان لِمُؤْمنٍ ولا مُؤْمنةٍ إذا قَضَى اللّهُ ورسولُه أمراً أن يكونَ لهم الخِيَرَةُ من أمرِهم ومن يعص اللّهَ ورسولَه فقد ضلَّ ضَلالاً مُبيناً } . وعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « نَضَّرَ اللّهُ امْرأً سَمِع منّا حديثاً فَحَفِظَهُ حتّى يُبَلِّغَهُ غيرَه » .
وعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ما أحدثَ قومٌ بِدْعَةً إلاّ رُفِعَ مِثْلُها من السُّنّةِ » .
ج - عدم قبول الاجتهاد ممّن لا يتأهّل له ، وردّ الاجتهاد في الدّين من المصادر غير المقبولة ، لقوله تعالى : { فاسْألوا أهل الذِّكْرِ إنْ كُنْتم لا تَعْلَمون } وقوله : { فإنْ تَنَازَعْتُم في شيءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ والرَّسولِ } وقوله : { وما يَعْلمُ تَأْويلَه إلاّ اللّهُ والرّاسخونَ في العلمِ } .
د - نبذ التّعصّب لرأيٍ من الآراء أو اجتهادٍ من الاجتهادات ، ما لم يكن مؤيّداً بالحقّ من الأدلّة الشّرعيّة لقوله تعالى : { وَمَنْ أضلُّ مِمَّن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغيرِ هُدىً من اللّهِ } .
هـ – منع العامّة من القول في الدّين ، وعدم الاعتداد بآرائهم مهما كانت مناصبهم وتقواهم إلاّ بالدّليل . يقول أبو يزيد البسطاميّ : لو نظرتم إلى رجلٍ أعطي من الكرامات حتّى يرتقي في الهواء ، فلا تغترّوا به حتّى تنظروا كيف تجدونه عن الأمر والنّهي وحفظ الحدود وأداء الشّريعة . وقال أبو عثمان الحيريّ : من أمّر السّنّة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ، ومن أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة . قال تعالى : { وَإِنْ تُطِيعوهُ تَهْتَدُوا } .
و- صدّ التّيّارات الفكريّة المضلّلة الّتي تشكّك النّاس في الدّين ، وتحمل بعضهم على التّأويل بغير دليلٍ لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إن تُطِيعُوا فَريقاً مِنَ الّذينَ أُوتوا الكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بعدَ إِيمانِكُم كافرين } .
ما يجب على المسلمين تجاه أهل البدعة :
35 - يجب على المسلمين من أولي الأمر وغيرهم أن يأمروا أهل البدع بالمعروف وينهوهم عن المنكر ، ويحضّوهم على اتّباع السّنّة والإقلاع عن البدعة والبعد عنها . لقوله تعالى : { ولْتَكُنْ منكم أُمّةٌ يَدْعون إلى الخيرِ وَيَأْمرون بالمعروفِ ويَنْهَونَ عن المنكَرِ وأولئكَ هُمُ المفلحون } ولقوله تعالى : { والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهمْ أَوْلياءُ بعضٍ يَأْمُرونَ بِالمَعْروفِ ويَنْهَوْن عن المنكَرِ } .
36 - مراحل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لمنع البدعة :
أ - التّعريف ببيان الصّواب من الخطأ بالدّليل .
ب - الوعظ بالكلام الحسن مصداقاً لقوله تعالى : { اُدْعُ إلى سبيلِ ربّك بالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ } .
ج - التّعنيف والتّخويف من العقاب الدّنيويّ والأخرويّ ، بيان أحكام ذلك في أمر بدعته .
د - المنع بالقهر ، مثل كسر الملاهي وتمزيق الأوراق وفضّ المجالس .
هـ - التّخويف والتّهديد بالضّرب الّذي يصل إلى التّعزير ، وهذه المرتبة لا تنبغي إلاّ للإمام أو بإذنه ، لئلاّ يترتّب عليها ضرر أكبر منها .
وللتّفصيل يرجع إلى مصطلح ( الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ) .
معاملة المبتدع ومخالطته :
37 - إذا كان المبتدع غير مجاهرٍ ببدعته ينصح ، ولا يجتنب ولا يشهّر به ، لحديث الرّسول صلى الله عليه وسلم : « مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللّهُ في الدّنيا والآخرة » .
وأمّا إذا كان مجاهراً بشيءٍ منهيٍّ عنه من البدع الاعتقاديّة أو القوليّة أو العمليّة - وهو يعلم ذلك - فإنّه يسنّ هجره ، وقد اشتهر هذا عند العلماء . وروي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تُجَالِسُوا أهلَ القَدَر ، ولا تُفَاتِحُوهم » وقال ابن مسعودٍ :" من أحبّ أن يكرم دينه فليعتزل مخالطة الشّيطان ومجالسة أصحاب الأهواء ، فإنّ مجالسهم ألصق من الحرب ".
وعن ابن عمر مرفوعاً : « لا تُجَالسوا أهلَ القدرِ ولا تُناكِحُوهم » . وعن أبي قلابة " لا تجالسوا أهل الأهواء ، فإنّي لا آمن أن يغمسوكم في ضلالاتهم ، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون " وقد هجر أحمد من قالوا بخلق القرآن . قال ابن تيميّة : ينبغي لأهل الخير والدّين أن يهجروا المبتدع حيّاً وميّتاً ، إذا كان في ذلك كفّ للمجرمين ، فيتركوا تشييع جنازته .
إهانة المبتدع :
38 - صرّح العلماء بجواز إهانة المبتدع بعدم الصّلاة خلفه ، أو الصّلاة على جنازته ، وكذلك لا يعاد إذا مرض ، على خلافٍ في ذلك .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:51 AM

الحكم الإجماليّ :
2 - تظاهرت نصوص الشّريعة على الأمر بالبرّ والحضّ عليه ، فهو خلق جامع للخير ، حاضّ على التزام الطّاعة واجتناب المعصية .
قال اللّه تعالى : { ليس البِرَّ أن تُوَلُّوا وجوهَكم قِبَلَ المشْرِقِ والمغْرِبِ ولكنَّ البِرَّ مَنْ آمن باللّه واليومِ الآخِرِ والملائكةِ والكتابِ والنّبيّينَ وآتى المالَ على حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليتامَى والمساكينَ وابنَ السّبيلِ والسّائلين وفي الرّقابِ وأَقَامَ الصّلاةَ وآتى الزّكاةَ والموفُونَ بِعَهْدِهِم إذا عَاهَدُوا والصَّابرينَ في البَأْساءِ والضّرّاءِ وحين البَأْسِ أولئك الّذين صَدَقوا وأولئك هُمُ المتّقون } . جاء في تفسير القرطبيّ : أنّ البرّ هنا اسم جامع للخير ، وقال : تقدير الكلام : ولكنّ البرّ برّ من آمن . أو التّقدير : ولكنّ ذا البرِّ مَنْ آمن ، وذلك أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا هاجر إلى المدينة ، وفرضت الفرائض ، وصرفت القبلة إلى الكعبة ، وحدّت الحدود ، أنزل اللّه هذه الآية . فأفادت أنّ البرّ ليس كلّه بالصّلاة ، ولكنّ البرّ بالإيمان باللّه إلى آخرها من صفات الخير الجامعة .
وقال تعالى : { وَتَعاوَنُوا على البِرِّ والتّقوى ولا تَعَاوَنُوا على الإثمِ والعدوانِ } .
قال الماورديّ : ندب اللّه سبحانه إلى التّعاون بالبرّ ، وقرنه بالتّقوى له ، لأنّ في التّقوى رضى اللّه تعالى وفي البرّ رضى النّاس ، ومن جمع بين رضى اللّه تعالى ورضى النّاس فقد تمّت سعادته وعمّت نعمته .
وقال ابن خويز مندادٍ : والتّعاون على البرّ والتّقوى يكون بوجوهٍ ، فواجب على العالم أن يعين النّاس بعلمه فيعلّمهم ، ويعينهم الغنيّ بماله ، والشّجاع بشجاعته في سبيل اللّه ، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة .
وفي حديث النّوّاس بن سمعان قال : سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن البرّ والإثم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « البِرُّ حُسْنُ الخلُق ، والإثمُ ما حاك في نفسِك ، وكَرِهْتَ أن يَطّلعَ عليه النّاس » .
قال النّوويّ في شرحه على مسلمٍ : قال العلماء : البرّ يكون بمعنى الصّلة ، وبمعنى اللّطف والمبرّة وحسن الصّحبة والعشرة ، وبمعنى الطّاعة ، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق . ومعنى حاك في صدرك : أي تحرّك فيه وتردّد ، ولم ينشرح له الصّدر ، وحصل في القلب منه الشّكّ وخوف كونه ذنباً ".
ويتعلّق بالبرّ أحكام كثيرة منها :
برّ الوالدين :
3 - برّ الوالدين بمعنى : طاعتهما وصلتهما وعدم عقوقهما ، والإحسان إليهما مع إرضائهما بفعل ما يريدانه ما لم يكن إثماً . قال اللّه تعالى : { وَقَضى رَبُّك أَلاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاه وبالوالدين إحْسَاناً } .
وفي حديث عبد اللّه بن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال : « سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أيُّ العمل أحبّ إلى اللّه ؟ قال : الصّلاةُ على وقتها ، قلت : ثمّ أيّ ؟ قال : برُّ الوالدين ، قلت : ثمّ أيّ ؟ قال : الجهادُ في سبيل اللّه » .
فهذه النّصوص تدلّ على وجوب برّ الوالدين وتعظيم حقّهما .
وللتّفصيل في بيان حقّ الوالدين وبرّهما انظر مصطلح ( برّ الوالدين ) .
برّ الأرحام :
4 - برّ الأرحام وهو بمعنى صلتهم والإحسان إليهم وتفقّد أحوالهم والقيام على حاجاتهم ومواساتهم . قال اللّه تعالى : { واعْبُدُوا اللّهَ ولا تُشْركُوا به شيئاً وبالوالدين إحْسَاناً وبذي القُرْبى واليَتَامى والمساكينِ والجارِ ذي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحبِ بالجَنْبِ وابنِ السّبيلِ وما مَلَكَتْ أيمانُكم }
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه تعالى خَلَقَ الخلق ، حتّى إذا فرغ منهم ، قامت الرّحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى قال : فذلك لك . ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : اقرءوا إن شئتم : { فهل عَسَيْتُم إنْ تَوَلَّيْتُم أنْ تُفْسِدوا في الأرضِ وتُقَطِّعُوا أرحامكم أولئكَ الّذين لَعَنَهُم اللّه فأصَمَّهم وأعمى أَبْصَارَهم } » . فهذه النّصوص تدلّ على أنّ صلة الأرحام وبرّها واجب ، وقطيعتها محرّمة في الجملة ، إلاّ أنّها درجات بعضها أرفع من بعضٍ ، وأدناها ترك الهجر ، والصّلة بالكلام والسّلام . وتختلف هذه الدّرجات باختلاف القدرة والحاجة ، فمنها الواجب ، ومنها المستحبّ . إلاّ أنّه لو وصل بعض الصّلة ، ولم يصل غايتها ، لا يسمّى قاطعاً ، ولو قصّر عمّا يقدر عليه وينبغي له لا يكون واصلاً .
أمّا حدّ الرّحم الّتي تجب صلتها ويحرم قطعها : فهو القرابات من جهة أصل الإنسان ، كأبيه وجدّه وإن علا ، وفروعه كأبنائه وبناته وإن نزلوا . وما يتّصل بهما من حواشٍ كالإخوة والأخوات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات ، وما يتّصل بهم من أولادهم برحمٍ جامعةٍ . وللتّفصيل انظر مصطلح ( أرحام ) .
برّ اليتامى والضّعفة والمساكين :
5 - برّ اليتامى والضّعفة والمساكين يكون بالإحسان إليهم ، والقيام على مصالحهم وحقوقهم ، وعدم تضييعها ، ففي حديث سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا وأشار بالسّبّابة والوسطى وفرّج بينهما » . وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه قال : رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « السّاعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللّه . وأحسبه قال : وكالقائم الّذي لا يفتر ، وكالصّائم الّذي لا يفطر » .
الحجّ المبرور :
6 - الحجّ المبرور هو : الحجّ المقبول الّذي لا يخالطه إثم ولا رياء .
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما ، والحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة » وللتّفصيل انظر مصطلح ( حجّ ) .
البيع المبرور :
7 - البيع المبرور : هو الّذي لا غشّ فيه ولا خيانة . ففي حديث أبي بردة بن نيارٍ عن ابن عمر قال : « سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أيّ الكسب أفضل قال : عمل الرّجل بيده ، وكلّ بيعٍ مبرورٍ » وللتّفصيل انظر مصطلح ( بيع ) .
برّ اليمين :
8 - برّ اليمين معناه : أن يصدق في يمينه ، فيأتي بما حلف عليه . قال اللّه تعالى : { ولا تَنْقُضُوا الأيمانَ بعدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُم اللّهَ عَلَيكم كَفيلاً إنَّ اللّه يَعْلَمُ ما تَفْعَلون } .
وهو واجب في الحلف على فعل الواجب أو ترك الحرام ، فيكون يمين طاعةٍ يجب البرّ به بالتزام ما حلف عليه ، ويحرم عليه الحنث فيه .
أمّا إن حلف على ترك واجبٍ أو فعل محرّمٍ فهو يمين معصيةٍ ، يجب الحنث فيه .
فإن حلف على فعل نفلٍ ، كصلاة تطوّعٍ أو صدقة تطوّعٍ فالتزام اليمين مندوب ، ومخالفته مكروهة .
فإن حلف على ترك نفلٍ فاليمين مكروهة ، والإقامة عليها مكروهة ، والسّنّة أن يحنث فيها . وإن كانت على فعلٍ مباحٍ فالحنث بها مباح قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :
« إذا حلفت على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيراً منها فَأْتِ الّذي هو خير ، وكَفِّرْ عن يَمينِك »
وللتّفصيل انظر مصطلح ( أيمان ) .

برّ الوالدين *
التّعريف :
1 - من معاني البرّ في اللّغة : الخير والفضل والصّدق والطّاعة والصّلاح .
وفي الاصطلاح : يطلق في الأغلب على الإحسان بالقول اللّيّن اللّطيف الدّالّ على الرّفق والمحبّة ، وتجنّب غليظ القول الموجب للنّفرة ، واقتران ذلك بالشّفقة والعطف والتّودّد والإحسان بالمال وغيره من الأفعال الصّالحات . والأبوان : هما الأب والأمّ .
ويشمل لفظ ( الأبوين ) الأجداد والجدّات . قال ابن المنذر : والأجداد آباء ، والجدّات أمّهات ، فلا يغزو المرء إلاّ بإذنهم ، ولا أعلم دلالةً توجب ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات . حكمه التّكليفيّ :
2 - اهتمّ الإسلام بالوالدين اهتماماً بالغاً . وجعل طاعتهما والبرّ بهما من أفضل القربات . ونهى عن عقوقهما وشدّد في ذلك غاية التّشديد . كما ورد في القرآن المجيد في قوله سبحانه وتعالى : { وَقَضَى ربُّك أَلاّ تَعْبُدوا إِلاّ إيّاهُ وبالوالدين إِحساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عندَك الكِبَرَ أحدُهما أو كِلاهما فلا تَقُلْ لَهما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهما قَوْلاً كَريماً . واخْفِضْ لهما جَنَاحَ الذُّلِّ مِن الرَّحمةِ وقلْ ربِّ ارحَمْهُما كَما ربَّيَاني صَغِيراً } ، فقد أمر سبحانه بعبادته وتوحيده وجعل برّ الوالدين مقروناً بذلك ، والقضاء هنا : بمعنى الأمر والإلزام والوجوب .
كما قرن شكرهما بشكره في قوله سبحانه : { أَنِ اشْكُرْ لي ولوَالدَيْك إليَّ المصيرُ } .
فالشّكر للّه على نعمة الإيمان ، وللوالدين على نعمة التّربية . وقال سفيان بن عيينة : من صلّى الصّلوات الخمس فقد شكر اللّه تعالى .
ومن دعا لوالديه في أدبار الصّلوات فقد شكرهما . وفي صحيح البخاريّ عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال : « سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أيّ الأعمال أحبّ إلى اللّه عزّ وجلّ ؟ قال : الصّلاةُ على وَقْتها قال : ثمّ أيّ ؟ قال : بِرُّ الوالدين قال : ثمّ أيّ ؟ قال : الجهادُ في سبيلِ اللّه » . فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ برّ الوالدين أفضل الأعمال بعد الصّلاة الّتي هي أعظم دعائم الإسلام . وقدّم في الحديث برّ الوالدين على الجهاد ، لأنّ برّهما فرض عينٍ يتعيّن عليه القيام به ، ولا ينوب عنه فيه غيره . فقد قال رجل لابن عبّاسٍ رضي الله عنهما :" إنّي نذرت أن أغزو الرّوم ، وإنّ أبويّ منعاني . فقال : أطع أبويك ، فإنّ الرّوم ستجد من يغزوها غيرك ". والجهاد في سبيل اللّه فرض كفايةٍ إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وبرّ الوالدين فرض عينٍ ، وفرض العين أقوى من فرض الكفاية . وفي خصوص ذلك أحاديث كثيرة منها ما في صحيح البخاريّ عن عبد اللّه بن عمرٍو قال : « جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الغزو . فقال : أحَيُّ والداك ؟ قال : نعم . قال فَفِيهما فجاهد » . وفي سنن أبي داود عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص . « جاء رجل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : جئتُ أبايعك على الهجرةِ ، وتركت أبويّ يبكيان فقال : ارْجِعْ إليهما فَأَضْحِكْهُما كما أَبْكَيْتَهُما » . وفيه عن أبي سعيدٍ الخدريّ « أنّ رجلاً هاجر إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من اليمن . فقال : هل لك أحد باليمن ؟ قال : أبواي . قال : أَذِنَا لك ؟ قال : لا . قال : فارجْع فاستأذِنْهما فإِنْ أَذِنَا لك فَجَاهِدْ ، وإلاّ فَبِرَّهما » . هذا إذا لم يكن النّفير عامّاً . وإلاّ أصبح خروجه فرض عينٍ ، إذ يتعيّن على الجميع الدّفع والخروج للعدوّ . وإذا كان برّ الوالدين فرض عينٍ ، فإنّ خلافه يكون حراماً ، ما لم يكن عن أمرٍ بشركٍ أو ارتكاب معصيةٍ ، حيث لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق .
البرّ بالوالدين مع اختلاف الدّين :
3 - البرّ بالوالدين فرض عينٍ كما سبق بيانه ، ولا يختصّ بكونهما مسلمين ، بل حتّى لو كانا كافرين يجب برّهما والإحسان إليهما ما لم يأمرا ابنهما بشركٍ أو ارتكاب معصيةٍ .
قال تعالى : { لا يَنْهاكُم اللّه عن الّذين لَمْ يُقاتِلوكم في الدِّين ولم يُخْرِجُوكم من دياركم أَنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إليهم إنَّ اللّه يحبُّ المقْسِطين } .
فعليه أن يقول لهما قولاً ليّناً لطيفاً دالّاً على الرّفق بهما والمحبّة لهما ، ويجتنب غليظ القول الموجب لنفرتهما ، ويناديهما بأحبّ الألفاظ إليهما ، وليقل لهما ما ينفعهما في أمر دينهما ودنياهما ، ولا يتبرّم بهما بالضّجر والملل والتّأفّف ، ولا ينهرهما ، وليقل لهما قولاً كريماً . وفي صحيح البخاريّ « عن أسماء قالت : قدمتْ أمّي وهي مشركة في عهد قريش ومدّتهم إذ عاهدوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم مع أبيها ، فاستفتيتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت : إنّ أمّي قدمتْ وهي راغبةٌ أَفَأَصِلُها ؟ قال : نعم ، صِلي أَمّكِ » ، وفي روايةٍ أخرى عنها قالت : « أتتني أمّي راغبةً في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَأَصِلها ؟ قال : نعم » قال ابن عيينة : فأنزل اللّه عزّ وجلّ فيها { لا ينهاكم اللّه عن الّذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم } . وفي هذا المقام قال اللّه تعالى : { وَوَصَّيْنَا الإنسانَ بِوَالديهِ حُسْناً وإنْ جَاهداكَ لِتُشْرِكَ بي ما لَيْسَ لك به عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إليَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئكُم بما كُنْتُم تعْمَلون } . قيل : نزلت في سعد بن أبي وقّاصٍ . فقد روي أنّه قال :" كنت بارّاً بأمّي فأسلمت فقالت : لتدعنّ دينك أو لا آكل ولا أشرب شراباً حتّى أموت فتعيّر بي ، ويقال : يا قاتل أمّه .. وبقيت يوماً ويوماً . فقلت : يا أمّاه : لو كانت لك مائة نفسٍ ، فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا ، فإن شئت فكلي ، وإن شئت فلا تأكلي . فلمّا رأت ذلك أكلت ". هذا وفي الدّعاء بالرّحمة الدّنيويّة للوالدين غير المسلمين حال حياتهما خلاف ذكره القرطبيّ .
أمّا الاستغفار لهما فممنوع ، استناداً إلى قوله تعالى : { ما كانَ لِلنَّبِيِّ والّذين آمَنوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلمشركينَ وَلَوْ كانُوا أُولي قُرْبى } فإنّها نزلت في استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمّه أبي طالبٍ واستغفار بعض الصّحابة لأبويه المشركين . وانعقد الإجماع على عدم الاستغفار لهما بعد وفاتهما وحرمته ، وعلى عدم التّصدّق على روحهما .
أمّا الاستغفار للأبوين الكافرين حال الحياة فمختلف فيه ، إذ قد يسلمان .
ولو منعه أبواه الكافران عن الخروج للجهاد الكفائيّ ، مخافةً عليه ، ومشقّةً لهما بخروجه وتركهما ، فعند الحنفيّة : لهما ذلك ، ولا يخرج إلاّ بإذنهما برّاً بهما وطاعةً لهما ، إلاّ إذا كان منعهما له لكراهة قتال أهل دينهما ، فإنّه لا يطيعهما ويخرج له .
وعند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : يجوز له الخروج للجهاد بغير إذنهما ، لأنّهما متّهمان في الدّين ، إلاّ بقرينةٍ تفيد الشّفقة ونحوها عند المالكيّة . وقال الثّوريّ : لا يغزو إلاّ بإذنهما إذا كان الجهاد من فروض الكفاية .
أمّا إذا تعيّن الجهاد لحضور الصّفّ ، أو حصر العدوّ ، أو استنفار الإمام له بإعلان النّفير العامّ فإنّه يسقط الإذن ، ويجب عليه الجهاد بغير إذنهما ، إذ أصبح واجباً عليه القيام به ، لصيرورته فرض عينٍ على الجميع .
التّعارض بين برّ الأب وبرّ الأمّ :
4 - لمّا كان حقّ الوالدين على الأولاد عظيماً ، فقد نزل به القرآن الكريم في مواضع كثيرةٍ ، ووردت به السّنّة المطهّرة ، ويقضي ذلك بلزوم برّهما وطاعتهما ورعاية شئونهما والامتثال لأمرهما ، فيما ليس بمعصيةٍ ، على نحو ما سبق بيانه .
ونظراً لقيام الأمّ بالعبء الأكبر في تربية الولد اختصّها الشّارع بمزيدٍ من البرّ ، بعد أن أوصى ببرّهما ، فقال تعالى : { وَوَصَّيْنَا الإنسانَ بِوالديه حَمَلَتْه أمُّه وَهْنَاً على وَهْنٍ وفِصَالُه في عَامينِ } . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه : من أحقّ بحسن صحابتي ؟ قال : أمّك قال : ثمّ من ؟ قال : أمّك قال : ثمّ من ؟ قال : أمّك قال : ثمّ من ؟ قال : أبوك » .
وقوله صلى الله عليه وسلم « إنّ اللّه يُوصيكم بأمّهاتكم ، ثمّ يُوصيكم بأمّهاتِكم ، ثمّ يُوصيكم بأمّهاتكم ، ثمّ يُوصيكم بآبائِكم ، ثمّ يوصيكم بالأقربِ فالأقربِ » .
ومن حديث عائشة رضي الله عنها : « سألتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أيّ النّاسِ أعظمُ حقّاً على المرأة ؟ قال : زوجها . قلتُ : فعلى الرّجل ؟ قال أمُّه » .
ففيما ذكر - وغيره كثير - ممّا سبق بيانه دليل على منزلة الأبوين ، وتقديم الأمّ في البرّ على الأب في ذلك ، لصعوبة الحمل ، ثمّ الوضع وآلامه ، ثمّ الرّضاع ومتاعبه ، وهذه أمور تنفرد بها الأمّ وتشقى بها ، ثمّ تشارك الأب في التّربية ، فضلاً عن أنّ الأمّ أحوج إلى الرّعاية من الأب ، ولا سيّما حال الكبر .
وفي تقديم هذا الحقّ أيضاً : أنّه لو وجبت النّفقة على الولد لأبويه ، ولم يقدر إلاّ على نفقة أحدهما ، فتقدّم الأمّ على الأب في أصحّ الرّوايات عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رأي عند الحنابلة ، وذلك لما لها من مشقّة الحمل والرّضاع والتّربية وزيادة الشّفقة ، وأنّها أضعف وأعجز . هذا ما لم يتعارضا في برّهما .
5- فإن تعارضا فيه ، بأن كان في طاعة أحدهما معصية الآخر . فإنّه ينظر . إن كان أحدهما يأمر بطاعةٍ والآخر يأمر بمعصيةٍ ، فإنّ عليه أن يطيع الآمر بالطّاعة منهما دون الآمر بالمعصية ، فيما أمر به من معصيةٍ . لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق » وعليه أن يصاحبه بالمعروف للأمر بذلك في قوله تعالى : { وصاحِبْهما في الدّنيا معروفاً } وهي وإن كانت نزلت في الأبوين الكافرين ، إلاّ أنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب .
أمّا إن تعارض برّهما في غير معصيةٍ ، وحيث لا يمكن إيصال البرّ إليهما دفعةً واحدةً ، فقد قال الجمهور : طاعة الأمّ مقدّمة ، لأنّها تفضل الأب في البرّ . وقيل : هما في البرّ سواء ، فقد روي أنّ رجلاً قال لمالكٍ :" والدي في السّودان ، كتب إليّ أن أقدم عليه ، وأمّي تمنعني من ذلك ، فقال له مالك : أطع أباك ولا تعص أمّك ". يعني أنّه يبالغ في رضى أمّه بسفره لوالده ، ولو بأخذها معه ، ليتمكّن من طاعة أبيه وعدم عصيان أمّه .
وروي أنّ اللّيث حين سئل عن المسألة بعينها قال :" أطع أمّك ، فإنّ لها ثلثي البرّ ".
كما حكى الباجيّ أنّ امرأةً كان لها حقّ على زوجها ، فأفتى بعض الفقهاء ابنها : بأن يتوكّل لها على أبيه ، فكان يحاكمه ، ويخاصمه في المجالس تغليباً لجانب الأمّ . ومنعه بعضهم من ذلك ، قال : لأنّه عقوق للأب ، وحديث أبي هريرة إنّما دلّ على أنّ برّه أقلّ من برّ الأمّ ، لا أنّ الأب يعقّ . ونقل المحاسبيّ الإجماع على أنّ الأمّ مقدّمة في البرّ على الأب .
برّ الوالدين والأقارب المقيمين بدار الحرب :
6 - قال ابن جريرٍ : إنّ برّ المؤمن من أهل الحرب ، ممّن بينه وبينه قرابة نسبٍ ، أو من لا قرابة بينه وبينه ولا نسب ، غير محرّمٍ ولا منهيٍّ عنه ، إذا لم يكن في ذلك تقوية للكفّار على المسلمين ، أو دلالة على عورةٍ لأهل الإسلام ، أو تقوية لهم بكراعٍ أو سلاحٍ .
وهو موافق لما نقل عن ابن الجوزيّ الحنبليّ في الآداب الشّرعيّة ، ولا يختلف عمّا ذكر ، واستدلّ له بإهداء عمر الحلّة الحريريّة إلى أخيه المشرك . وبحديث أسماء وفيهما صلة أهل الحرب وبرّهم وصلة القريب المشرك . ومن البرّ للوالدين الكافرين الوصيّة لهما ، لأنّهما لا يرثان ابنهما المسلم . وللتّفصيل ر : ( وصيّة ) .
بم يكون البرّ ؟
7 – يكون برّ الوالدين بالإحسان إليهما بالقول اللّيّن الدّالّ على الرّفق بهما والمحبّة لهما ، وتجنّب غليظ القول الموجب لنفرتهما ، وبمناداتهما بأحبّ الألفاظ إليهما ، كيا أمّي ويا أبي ، وليقل لهما ما ينفعهما في أمر دينهما ، ودنياهما ويعلّمهما ما يحتاجان إليه من أمور دينهما ، وليعاشرهما بالمعروف . أي بكلّ ما عرف من الشّرع جوازه ، فيطيعهما في فعل جميع ما يأمرانه به ، من واجبٍ أو مندوبٍ ، وفي ترك ما لا ضرر عليه في تركه ، ولا يحاذيهما في المشي ، فضلاً عن التّقدّم عليهما ، إلاّ لضرورةٍ نحو ظلامٍ ، وإذا دخل عليهما لا يجلس إلاّ بإذنهما ، وإذا قعد لا يقوم إلاّ بإذنهما ، ولا يستقبح منهما نحو البول عند كبرهما أو مرضهما لما في ذلك من أذيّتهما ، قال تعالى : { واعْبُدُوا اللّه ولا تُشْركوا به شيئاً وبالوالدينِ إحْسَاناً } .
قال ابن عبّاسٍ : يريد البرّ بهما مع اللّطف ولين الجانب ، فلا يغلظ لهما في الجواب ، ولا يحدّ النّظر إليهما ، ولا يرفع صوته عليهما .
ومن البرّ بهما والإحسان إليها : ألاّ يسيء إليهما بسبٍّ أو شتمٍ أو إيذاءٍ بأيّ نوعٍ من أنواعه ، فإنّه من الكبائر بلا خلافٍ . ففي صحيح مسلمٍ عن عبد اللّه بن عمرٍو أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إنَّ مِنَ الكبائرِ شتمُ الرّجلِ والديه ، قالوا . يا رسول اللّه : وهل يشتم الرّجلُ والديه ؟ قال : نعم يَسُبُّ الرّجلُ أبا الرّجل فَيَسُبُّ أباه ، ويسبُّ أُمَّه فيسبُّ أمَّه » وفي روايةٍ أخرى : « إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجلُ والدَيْه . قيل : يا رسول اللّه وكيف يلعن الرّجل والديه ؟ . قال : يسبّ أبا الرّجل فيسبّ الرّجل أباه » .
8- ومن برّهما صلة أهل ودّهما ، ففي الصّحيح عن ابن عمر قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « إنَّ من أَبَرِّ البِرِّ صلةَ الرّجلِ أهلَ ودِّ أبيه بعد أنْ يُوَلّي » فإن غاب أو مات يحفظ أهل ودّه ويحسن إليهم ، فإنّه من تمام الإحسان إليه .
وروى أبو أسيدٍ وكان بدريّاً قال : « كنت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم جالساً ، فجاءه رجل من الأنصار فقال : يا رسول اللّه . هل بقي من برّ والديّ بعد موتهما شيء أبرّهما به ؟ قال : نعم ، الصّلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عَهْدِهما من بعدِهما ، وإِكرامُ صديقِهما ، وصلةُ الرّحِمِ الّتي لا رَحِمَ لك إلاّ من قِبَلِهما ، فهذا الّذي بَقِيَ عليك » . « وكان صلى الله عليه وسلم يهدي لصدائق خديجة برّاً بها ووفاءً لها » ، وهي زوجته ، فما ظنّك بالوالدين .
استئذانهما للسّفر للتّجارة أو لطلب العلم :
9 - وضع فقهاء الحنفيّة لذلك قاعدةً حاصلها : أنّ كلّ سفرٍ لا يؤمن فيه الهلاك ، ويشتدّ فيه الخطر ، فليس للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه ، لأنّهما يشفقان على ولدهما ، فيتضرّران بذلك . وكلّ سفرٍ لا يشتدّ فيه الخطر يحلّ له أن يخرج إليه بغير إذنهما ، إذا لم يضيّعهما ، لانعدام الضّرر . وبذا لا يلزمه إذنهما للسّفر للتّعلّم ، إذا لم يتيسّر له ذلك في بلده ، وكان الطّريق آمناً ، ولم يخف عليهما الضّياع ، لأنّهما لا يتضرّران بذلك ، بل ينتفعان به ، فلا تلحقه سمة العقوق . أمّا إذا كان السّفر للتّجارة ، وكانا مستغنين عن خدمة ابنهما ، ويؤمن عليهما الضّياع ، فإنّه يخرج إليها بغير إذنهما . أمّا إذا كانا محتاجين إليه وإلى خدمته ، فإنّه لا يسافر بغير إذنهما .
وفصّل المالكيّة في السّفر لطلب العلم ، بأنّه إذا كان لتحصيل درجةٍ من العلم لا تتوفّر في بلده ، كالتّفقّه في الكتاب والسّنّة ومعرفة الإجماع ومواضع الخلاف ومراتب القياس ، كان له ذلك بغير إذنهما إن كان فيه أهليّة النّظر ، ولا طاعة لهما في منعه ، لأنّ تحصيل درجة المجتهدين فرض على الكفاية . قال تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكم أمّةٌ يَدْعُون إلى الخيرِ وَيَأْمُرونَ بِالمعروفِ وَيَنْهَوْن عن المنْكَرِ } ، أمّا إن كان للتّفقّه على طريق التّقليد ، وفي بلده ذلك ، لم يجز له السّفر إلاّ بإذنهما .
وإذا أراد سفراً للتّجارة يرجو به ما يحصل له في الإقامة فلا يخرج إلاّ بإذنهما .
حكم طاعتهما في ترك النّوافل أو قطعها :
10 - قال الشّيخ أبو بكرٍ الطّرطوشيّ في كتاب برّ الوالدين : لا طاعة لهما في ترك سنّةٍ راتبةٍ ، كحضور الجماعات ، وترك ركعتي الفجر والوتر ونحو ذلك ، إذا سألاه ترك ذلك على الدّوام ، بخلاف ما لو دعواه لأوّل وقت الصّلاة وجبت طاعتهما ، وإن فاتته فضيلة أوّل الوقت .
حكم طاعتهما في ترك فروض الكفاية :
11 - سبق حديث صحيح مسلمٍ فيمن أراد البيعة وَأَحَدُ والديه حيّ ، وفيه دلالة على تقديم صحبتهما على صحبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وتقديم خدمتهما - الّتي هي واجبة عليه وجوباً عينيّاً - على فروض الكفاية ، وذلك لأنّ طاعتهما وبرّهما فرض عينٍ ، والجهاد فرض كفايةٍ ، وفرض العين أقوى .
حكم طاعتهما في طلبهما تطليق زوجته :
12 - روى التّرمذيّ عن ابن عمر قال : « كانت تحتي امرأة أحبّها ، وكان أبي يكرهها ، فأمرني أن أطلّقها ، فأبيتُ ، فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا عبدَ اللّه بن عمر طلِّقْ امرأتك » .
وسأل رجل الإمام أحمد فقال :" إنّ أبي يأمرني أن أطلّق امرأتي . قال : لا تطلّقها . قال : أليس عمر رضي الله عنه أمر ابنه عبد اللّه أن يطلّق امرأته ؟ قال : حتّى يكون أبوك مثل عمر رضي الله عنه ". يعني لا تطلّقها بأمره حتّى يصير مثل عمر في تحرّيه الحقّ والعدل ، وعدم اتّباع هواه في مثل هذا الأمر . واختار أبو بكرٍ من الحنابلة أنّه يجب ، لأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم لابن عمر . وقال الشّيخ تقيّ الدّين بن تيميّة :" فيمن تأمره أمّه بطلاق امرأته . قال : لا يحلّ له أن يطلّقها . بل عليه أن يبرّها . وليس تطليق امرأته من برّها ".
حكم طاعتهما فيما لو أمراه بمعصيةٍ أو بترك واجبٍ :
13 - قال تعالى : { وَوَصَّينا الإنسانَ بوالديه حُسْناً وإن جاهَدَاك لِتُشْرِك بِي ما ليس لَكَ به عِلْمٌ فلا تُطِعْهما } وقال : { وإنْ جاهداك على أنْ تُشْرك بي ما ليس لك به علم فلا تُطْعهما وصاحِبْهما في الدّنيا معروفاً } ففيهما وجوب برّهما وطاعتهما والإحسان إليهما ، وحرمة عقوقهما ومخالفتهما ، إلاّ فيما يأمرانه به من شركٍ أو ارتكاب معصيةٍ ، فإنّه في هذه الحالة لا يطيعهما ولا يمتثل لأوامرهما ، لوجوب مخالفتهما وحرمة طاعتهما في ذلك ، يؤكّد هذا قوله صلى الله عليه وسلم : « لا طاعة لمخلوقٍ في معصيةٍ الخالق » وللحديث المتقدّم في سعد بن أبي وقّاصٍ مع أمّه فقد عصى أمرها ، حين طلبت إليه ترك دينه ، وبقي على مصاحبتها بالمعروف برّاً بها . وعصيانه لها فيما أمرته به واجب ، فلا تطاع في أمرها له بترك الواجبات .
عقوق الوالدين وجزاؤه في الدّنيا والآخرة :
14 - بالإضافة إلى العقوق السّلبيّ بترك برّهما ، فإنّ هناك صوراً مختلفةً للعقوق بعضها فعليّ وبعضها قوليّ . ومن العقوق ما يبديه الولد لأبويه من مللٍ وضجرٍ وغضبٍ وانتفاخ أوداجه ، واستطالته عليهما بدالّة البنوّة وقلّة الدّيانة خاصّةً في حال كبرهما . وقد أمر أن يقابلهما بالحسنى واللّين والمودّة ، والقول الموصوف بالكرامة ، السّالم من كلّ عيبٍ ، فقال تعالى : { إمّا يَبْلُغَنَّ عندك الكِبَرَ أحدُهما أو كلاهما فلا تَقُلْ لهما أُفٍّ }
فنهي عن أن يقول لهما ما يكون فيه أدنى تبرّمٍ . وضابط عقوقهما - أو أحدهما - هو أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غيرهما كان محرّماً من جملة الصّغائر ، فينتقل بالنّسبة إلى أحد الوالدين إلى الكبائر . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « يُراح ريحُ الجنّة من مسيرة خمسمائةِ عامٍ ، ولا يَجِدُ ريحَها منّانٌ بعمله ، ولا عاقّ ، ولا مُدْمِنُ خمرٍ » وما روي عن عبد الرّحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « ألا أنبّئكم بأكبرِ الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول اللّه . قال : ثلاثاً . الإشراكُ باللّه ، وعقوقُ الوالدين ، وكان مُتّكِئاً فجلس ، فقال : ألا وقولَ الزّورِ وشهادة الزّور . ألا وقولَ الزّورِ وشهادةَ الزّورِ . فما زال يقولها حتّى قلت : لا يسكت » . وقال صلى الله عليه وسلم : « رضى اللّه في رضى الوالدين ، وسخط اللّه في سخط الوالدين » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « كلُّ الذّنوبِ يؤخّرُ اللّه منها ما شاءَ إلى يومِ القيامةِ إلاّ عقوقَ الوالدين ، فإِنَّ اللّه يعجِّلُه لصاحبِه في الحياةِ قبل المماتِ » .
جزاء العقوق :
15 - جزاء عقوق الوالدين أخرويّاً سبق الكلام عنه ، وأمّا جزاؤه في الدّنيا فهو من باب التّعزير ، ويختلف قدره باختلاف حاله وحال فاعله .
فإن تعدّى على أبويه ، أو أحدهما ، بالشّتم أو الضّرب مثلاً عزّراه ، أو عزّره الإمام - بطلبهما - إن كانا مشتومين أو مضروبين معاً ، أو بطلب من كان منهما معتدًى عليه بذلك . فإن عفا المشتوم أو المضروب كان وليّ الأمر بعد عفوه على خياره في فعل الأصلح من التّعزير تقويماً ، والصّفح عنه عفواً ، فإن تعافوا عن الشّتم والضّرب قبل التّرافع إلى الإمام سقط التّعزير . ويكون تعزيره بالحبس على حسب الذّنب والهفوة ، أو بالضّرب أو التّأنيب بالكلام العنيف ، أو بغير ذلك ممّا به ينزجر ويرتدع .

برزة *
التّعريف :
1 - البَرْزة هي : المرأة البارزة المحاسن ، أو المتجاهرة الكهلة الوقورة ، الّتي تبرز للقوم يجلسون إليها ويتحدّثون ، وهي عفيفة . ويقال : امرأة برزة إذا كانت كهلةً لا تحتجب احتجاب الشّوَابّ ، وهي مع هذا عفيفة عاقلة ، تجلس للنّاس وتحدّثهم ، من البروز والخروج . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
المخدّرة :
2 - المخدّرة لغةً : من لزمت الخدر ، والخدر : السّتر .
وفي الاصطلاح : الملازمة للخدر ، بكراً كانت أو ثيّباً ، ولا يراها غير المحارم من الرّجال ، وإن خرجت لحاجةٍ . وعلى هذا : فالمخدّرة ضدّ البرزة .
الحكم الإجماليّ :
3 - يرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وجوب حضور المرأة البرزة لأداء الشّهادة ، إذا تحمّلت شهادةً ممّا يجوز شهادتها به ، وتوقّفت الدّعوى على حضورها ، ولا يقبل في هذه الحالة الشّهادة على شهادتها ، إلاّ إذا وجد مانع من الحضور ، كمرضٍ وسفرٍ ، فيرسل لها القاضي من يسمع شهادتها ، وتفصيله في أبحاث الشّهادة . أمّا المخدّرة فلا يجب إحضارها إلى مجلس القضاء . والمالكيّة لا يفرّقون في أداء شهادة المرأة بين البرزة وغيرها ، والحكم عندهم أنّها تنقل الشّهادة عنها ، لما ينالها من الكشف والمشقّة .
هذا في الشّهادة ، أمّا في التّقاضي فقد صرّح الحنابلة أنّه إن ادّعي على المرأة البرزة أحضرها القاضي ، لعدم العذر ، ولا يعتبر لإحضارها في سفرها هذا محرّم ، لتعيّن السّفر عليها ، ولأنّه حقّ آدميٍّ وهو مبنيّ على الشّحّ والضّيق ، أمّا إن كانت المدّعى عليها مخدّرةً فإنّها تؤمر بالتّوكيل ، ولا يجب إحضارها ، لما فيه من المشقّة والضّرر ، فإن توجّهت عليها اليمين بعث القاضي أميناً - معه شاهدان - يستحلفها بحضرتهما .
مواطن البحث :
4 - تكلّم الفقهاء عن أداء المرأة البرزة للشّهادة ، فيما يجوز لها أن تشهد به على النّحو المبيّن في مواطنه .

برسام *
التّعريف :
1 - البرسام لغةً ، واصطلاحاً : علّة عقليّة ينشأ عنها الهذيان ، شبيهة بالجنون .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - العته :
2 - العته لغةً : نقص في العقل من غير جنونٍ أو وهنٍ .
وهو في الاصطلاح : آفة توجب خللاً في العقل ، فيصير صاحبه مختلط العقل ، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء ، وبعضه كلام المجانين ، وتجري على المعتوه أحكام الصّبيّ المميّز . وأمّا المبرسم فإنّه تجري عليه في حال نوباته أحكام الجنون .
ب - الجنون :
3 - الجنون كما عرّفه الشّرنبلاليّ : مرض يزيل العقل ويزيد القوى .
وهو في الجملة ممّا يسقط التّكليف ويبطل أهليّة الأداء .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
4 - للمبرسم أحكام تتعلّق به ، فعقوده غير معتبرةٍ في حال إصابته بالبرسام ، وإقراره غير صحيحٍ ، وتصرّفاته القوليّة غير معتبرةٍ شرعاً ، مثله في ذلك مثل المجنون .
أمّا تصرّفاته الفعليّة في وقت إصابته فإنّه لا إثم عليه فيها ، ولكن إذا ترتّب على فعله إتلاف مالٍ أو نفسٍ يجب الضّمان في ماله ، وعليه ديته ، أو قيمة التّعويض من ماله . وتفصيل ذلك تناوله الفقهاء عند الكلام عن الإتلاف ونحوه ، والأصوليّون في الأهليّة وعوارضها .

برص *
التّعريف :
1 - البرص لغةً : داء معروف ، وهو بياض يقع في ظاهر الجلد ، يبقّع الجلد ويذهب دمويّته . وبرص برصاً فهو أبرص ، والأنثى برصاء .
ولا يخرج الاستعمال الفقهيّ عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الجذام :
2 - الجذام : مأخوذ من الجذم ، وهو القطع ، سمّي كذلك لأنّه داء تجذم به الأعضاء أي تتقطّع . والجذام علّة يحمرّ منها العضو ، ثمّ يسودّ ، ثمّ ينتن ويتقطّع ويتناثر ، ويتصوّر في كلّ عضوٍ غير أنّه يكون في الوجه أغلب
ب - البهق :
البهق لغةً : بياض دون البرص يعتري الجسد بخلاف لونه ، وليس من البرص .
واصطلاحاً : تغيير في لون الجلد ، والشّعر النّابت عليه أسود . بخلاف النّابت على البرص فإنّه أبيض .
أحكام يختصّ بها الأبرص
ثبوت الخيار في فسخ النّكاح بسبب البرص :
3 - أثبت المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة طلب فسخ الزّواج بوجود البرص المستحكم في الجملة : فأجاز المالكيّة للزّوجة فقط طلب فسخ العقد ببرصٍ مضرٍّ بعد العقد ، سواء كان قبل الدّخول أو بعده ، وذلك بعد التّأجيل سنةً إن رجي برؤه .
وأجاز الشّافعيّة والحنابلة للزّوج أو للزّوجة طلب الفسخ بالبرص قبل الدّخول وبعده . وهذا كلّه مع مراعاة شروط الخيار على الوجه المبيّن في النّكاح .
ومنع الحنفيّة - عدا محمّدٍ - تخيير أحد الزّوجين بعيب الآخر ولو فاحشاً كبرصٍ ، وقال محمّد : يثبت الخيار بالبرص للزّوجة فقط ، بخلاف الزّوج لأنّه يقدر على دفعه بالطّلاق . ويرجع إليه في موطنه .
واستدلّ لثبوت الخيار بسبب البرص بما روي عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال :" أيّما رجل تزوّج امرأةً ، فدخل بها فوجد بها برصاً . أو مجنونةً أو مجذومةً فلها الصّداق بمسيسه إيّاها ، وهو له على من غرّه منها ".
وحديث زيد بن كعب بن عجرة قال : « تزوّج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم امرأةً من بني غفارٍ فرأى بكشحها بياضاً ، فقال لها النّبيّ : خذي عليك ثيابك ولم يأخذ ممّا آتاها شيئاً » .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:52 AM

حكم شهود الأبرص المساجد :
4 - ذهب المالكيّة إلى إباحة ترك صلاة الجمعة والجماعة للأبرص ، إذا كان برصه شديداً ، إذا لم يوجد للبرص موضع يتميّزون فيه ، بحيث لا يلحق ضررهم بالنّاس على الوجه المبيّن في موطنه . وعند الحنابلة يكره حضور المسجد لصلاة الجمعة والجماعة لمن به برص يتأذّى به . ورخّص الشّافعيّة في ترك الجماعة لمريضٍ ببرصٍ للتّأذّي .
مصافحته وملامسته :
5 - يكره عند الشّافعيّة مصافحة أو ملامسة ذي عاهةٍ كالبرص ، لأنّ في ذلك إيذاءً ، ويخشى أن ينتقل ذلك إلى السّليم .
حكم إمامة الأبرص :
6 - أجاز المالكيّة الاقتداء بإمامٍ به برص ، إلاّ إن كان شديداً ، فيؤمر بالبعد عن النّاس بالكلّيّة وجوباً ، فإن امتنع أجبر على ذلك . وعند الحنفيّة تكره إمامة أبرص شاع برصه ، وكذا الصّلاة خلفه للنّفرة ، والاقتداء بغيره أولى .

بَرَكة *
انظر : تشهّد ، تحيّة .

بِرْكة *
انظر : مياه .

برنامج *
التّعريف :
1 - البرنامج : الورقة الجامعة للحساب ، وهو معرّب برنامه ، وقال في المغرب : هي النّسخة المكتوب فيها عدد الثّياب والأمتعة وأنواعها المبعوث بها من إنسانٍ لآخر ، فتلك النّسخة هي البرنامج الّتي فيها مقدار المبعوث ، ومنه قول السّمسار : إنّ وزن الحمولة في البرنامج كذا . ونصّ فقهاء المالكيّة على أنّ البرنامج : هو الدّفتر المكتوب فيه صفة ما في الوعاء من الثّياب المبيعة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الرّقم :
2 - الرّقم لغةً : من رقمت الشّيء : أعلمته بعلامةٍ تميّزه عن غيره كالكتابة ونحوها .
وفي الاصطلاح : علامة يعرف بها مقدار ما يقع به البيع ، كما عرّفه بذلك الحنفيّة .
وعرّفه الحنابلة بأنّه : الثّمن المكتوب على الثّوب .
ب - الأنموذج :
3 - ويقال فيه أيضاً : نموذج ، وهو معرّب ، وقال الصّغانيّ : النّموذج : مثال الشّيء الّذي يعمل عليه .
ومن معانيه لغةً : أنّه ما يدلّ على صفة الشّيء . كأن يريه صاعاً من صبرة قمحٍ ، ويبيعه الصّبرة على أنّها من جنس ذلك الصّاع . وتفصيل أحكامه في مصطلح : ( أنموذج ) .
الحكم الإجماليّ :
4 - أجاز المالكيّة البيع على رؤية البرنامج ، فيجوز شراء ثيابٍ مربوطةٍ في العدل ، معتمداً فيه على الأوصاف المذكورة في الدّفتر . فإن وجدت على الصّفّة لزم ، وإلاّ خيّر المشتري إن كانت أدنى صفةً . فإن وجدها أقلّ عدداً وضع عنه من الثّمن بقدره . فإن كثر النّقص أكثر من النّصف لم يلزمه ، وكان له أن يردّ البيع . وإن وجدها أكثر عدداً كان البائع شريكاً معه بنسبة الزّائد . وقيل : يردّ ما زاد . قال ابن القاسم : والأوّل أحبّ إليّ .
ولو قبضه المشتري وغاب عليه ، وادّعى أنّه أدنى أو أنقص ممّا هو مكتوب في البرنامج . فالقول للبائع بيمينه : أنّ ما في العدل موافق للمكتوب . حيث أنكر ما ادّعاه المشتري .
فإن نكل ولم يحلف حلف المشتري ، وردّ المبيع ، وحلف : أنّه ما بدّل فيه ، وإنّ هذا هو المبتاع بعينه . فإن نكل كالبائع لزمه .

بريد *
التّعريف :
1 - من معاني البريد في اللّغة : الرّسول ، ومنه قول بعض العرب : الحمّى بريد الموت . وأبرد بريداً : أرسله ، وفي الحديث أنّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أَبْردتم إليَّ بريداً فاجْعلوه حَسَنَ الوجهِ ، حسنَ الاسمِ » وإبراده : إرساله .
وقال الزّمخشريّ : البريد : كلمة فارسيّة معرّبة ، كانت تطلق على بغال البريد ، ثمّ سمّي الرّسول الّذي يركبها بريداً ، وسمّيت المسافة الّتي بين السّكّتين بريداً ، والسّكّة : موضع كان يسكنه الأشخاص المعيّنون لهذا الغرض من بيتٍ أو قبّةٍ أو رباطٍ . وكان يرتّب في كلّ سكّةٍ بغال ، وبعد ما بين السّكّتين فرسخان أو أربعة . أ . هـ . والفرسخ ثلاثة أميالٍ ، والميل أربعة آلاف ذراعٍ . وفي كتب الفقه : السّفر الّذي يجوز فيه القصر أربعة بردٍ ، وهي 48 ميلاً بالأميال الهاشميّة .
مواطن البحث :
2 - البريد مصطلح يذكره الفقهاء في تقدير مسافة القصر الّتي يرخّص فيها القصر والفطر في رمضان ونحو ذلك من أحكام السّفر ( ر : قصر ، فطر ، سفر ، صلاة المسافر ) وانظر أيضاً ( مقادير ) .

بَرِيّة *
انظر : طلاق .

بزاق *
انظر : بصاق .

بساط اليمين *
التّعريف :
1 - ركّب هذا المصطلح من لفظين . أوّلهما : لفظ بساطٍ . وثانيهما : لفظ اليمين . وأوّلهما مضاف إلى ثانيهما . وهما يستعملان في الحلف . ولم يستعملهما بهذه الصّورة سوى فقهاء المالكيّة ، ولا بدّ من تعريف المتضايفين للوصول إلى تعريف المركّب الإضافيّ .
من معاني اليمين في اللّغة : القسم والحلف ، وهو المراد هنا .
وفي اصطلاح فقهاء المالكيّة : تحقيق ما لم يجب بذكر اسم اللّه أو صفةً من صفاته .
وهذا أدقّ تعريفٍ وأوجزه ، وهناك تعاريف أخرى لليمين لا تخرج عن هذا المعنى .
2 - أمّا البساط فهو : السّبب الحامل على اليمين إذ هو مظنّتها فليس فيه انتفاع النّيّة ، بل هو متضمّن لها .
وضابطه : صحّة تقييد يمينه بقوله : ما دام هذا الشّيء أي الحامل على اليمين موجوداً .
الحكم الإجماليّ :
3 - بساط اليمين عند المالكيّة الّذين انفردوا بهذا التّعبير : هو الباعث على اليمين ، والحامل عليها . ويمكن أن يكون مقيّداً لمطلق اليمين ، أو مخصّصاً لعمومه ، كما لو كان هناك ظالم في السّوق فقال : واللّه لا أشتري لحماً من هذا السّوق ، فيمكن أن يقيّد يمينه بوجود هذا الظّالم ، فإذا زال هذا الظّالم جاز له شراء اللّحم من هذا السّوق ، ولا يكون حانثاً . وكذلك لو كان خادم المسجد سيّئ الخلق ، فقال : واللّه لا أدخل هذا المسجد ، ثمّ زال هذا الخادم ، فلو دخل هذا المسجد لا يحنث ، فإنّه يصحّ أن يقيّد اليمين بقوله : ما دام هذا الخادم موجوداً . ويشترط في هذا البساط ألاّ تكون للحالف نيّة ، وألاّ يكون له مدخل في هذا الباعث ، والتّقييد به أو التّخصيص به إنّما يكون بعد زوال هذا الباعث . ويقابل بساط اليمين عند الحنفيّة ، ما يسمّى يمين العذر ، كمن قال لزوجته عندما تهيّأت للخروج : واللّه لا تخرجي ، فإذا جلست ساعةً ثمّ خرجت لا يحنث استحساناً عند أئمّة الحنفيّة ، خلافاً لزفر الّذي أخذ بالقياس ، وهو الحنث . وليس هناك دخل عند الشّافعيّة للباعث على اليمين ، إلاّ أن تكون له نيّة ، والمعتبر عندهم ظاهر اللّفظ ، إن عامّاً فعامّ ، أو مطلقاً فمطلق ، أو خاصّاً فخاصّ . وسمّى الحنابلة بساط اليمين : سبب اليمين وما هيّجها ، واعتبروا مطلق اليمين ، إذا لم ينو الحالف شيئاً . ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى مصطلح ( أيمان ) .

بسملة *
التّعريف :
1 - البسملة في اللّغة والاصطلاح : قول : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم . يقال : بَسْمَلَ بَسْمَلَةً : إذا قال ، أو كتب : بسم اللّه . ويقال : أكثرَ من البسملة ، أي أكثر من قول : بسم اللّه .
قال الطّبريّ : إنّ اللّه - تعالى ذكره ، وتقدّست أسماؤه - أدّب نبيّه محمّداً صلى الله عليه وسلم بتعليمه ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله ، وجعل ذلك لجميع خلقه سنّةً يستنّون بها ، وسبيلاً يتّبعونه عليها ، فقول القائل : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم إذا افتتح تالياً سورةً ، ينبئ عن أنّ مراده أقرأ باسم اللّه ، وكذلك سائر الأفعال . البسملة جزء من القرآن الكريم :
2 - اتّفق الفقهاء على أنّ البسملة جزء من آيةٍ في قوله تعالى : { إنّه من سليمانَ وإنّه بسمِ اللّه الرّحمنِ الرّحيمِ } .
واختلفوا في أنّها أيّة من الفاتحة ، ومن كلّ سورةٍ . والمشهور عند الحنفيّة ، والأصحّ عند الحنابلة ، وما قال به أكثر الفقهاء هو : أنّ البسملة ليست آيةً من الفاتحة ومن كلّ سورةٍ ، وأنّها آية واحدة من القرآن كلّه ، أنزلت للفصل بين السّور ، وذكرت في أوّل الفاتحة .
ومن أدلّتهم ما رواه أبو هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « يقول اللّه تعالى : قَسَمْتُ الصّلاةَ بيني وبينَ عَبْدي نِصْفين ، فإذا قال العبد : { الحمدُ للّه ربِّ العالمينَ } ، قال اللّه تعالى : حمدني عبدي ، فإذا قال : { الرّحمن الرّحيم } ، قال اللّه تعالى : مجّدني عبدي ، وإذا قال : { مالك يوم الدّين } ، قال اللّه تعالى : أثنى عليّ عبدي ، وإذا قال : { إيّاك نعبد وإيّاك نستعين } ، قال اللّه تعالى : هذا بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل » فالبداءة بقوله : { الحمد للّه ربّ العالمين } ، دليل على أنّ التّسمية ليست آيةً من أوّل الفاتحة . إذ لو كانت آيةً من الفاتحة لبدأ بها ، وأيضاً : لو كانت البسملة آيةً منها لم تتحقّق المناصفة ، فإنّه يكون في النّصف الأوّل أربع آياتٍ إلاّ نصفاً ، وقد نصّ على المناصفة ، ولأنّ السّلف اتّفقوا على أنّ سورة الكوثر ثلاث آياتٍ . وهي ثلاث آياتٍ بدون البسملة . وورد في كلّ مذهبٍ من المذاهب الثّلاثة غير ما سبق . ففي المذهب الحنفيّ أنّ المعلّى قال : قلت لمحمّدٍ : التّسمية آية من القرآن أم لا ؟ قال : ما بين الدّفّتين كلّه قرآن ، فهذا عن محمّدٍ بيان أنّها آية للفصل بين السّور ، ولهذا كتبت بخطٍّ على حدةٍ . وقال محمّد : يكره للحائض والجنب قراءة التّسمية على وجه قراءة القرآن ، لأنّ من ضرورة كونها قرآناً حرمة قراءتها على الحائض والجنب ، وليس من ضرورة كونها قرآناً الجهر بها كالفاتحة ... وروى ابن عبّاسٍ أنّه قال لعثمان : لم لم تكتب التّسمية بين ، التّوبة والأنفال ، قال : لأنّ التّوبة من آخر ما نزل ، فرسول اللّه صلى الله عليه وسلم توفّي ، ولم يبيّن لنا شأنها ، فرأيت أوّلها يشبه أواخر الأنفال ، فألحقتها بها ، فهذا بيان منهما على أنّها كتبت للفصل بين السّور . والمشهور عند المالكيّة : أنّ البسملة ليست آيةً من القرآن إلاّ في سورة النّمل ، فإنّها جزء من آيةٍ ، ويكره قراءتها بصلاة فرضٍ - للإمام وغيره - قبل فاتحةٍ أو سورةٍ بعدها ، وقيل عند المالكيّة بإباحتها ، وندبها ، ووجوبها في الفاتحة . وروي عن الإمام أحمد أنّ البسملة من الفاتحة ، لما رواه أبو هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { إذا قرأتم : { الحمد للّه ربّ العالمين } ، فاقرءوا : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فإنّها أمّ القرآن والسّبع المثاني وبسم اللّه الرّحمن الرّحيم آية منها } ولأنّ الصّحابة أثبتوها في المصاحف بخطّهم ، ولم يثبتوا بين الدّفّتين سوى القرآن ، وما روي عن نعيمٍ المجمر قال : صلّيت وراء أبي هريرة ، فقرأ : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، ثمّ قرأ بأمّ القرآن . وما رواه ابن المنذر { أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قرأ في الصّلاة : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، ثمّ قرأ بأمّ القرآن ، وعدّها آيةً ، { والحمد للّه ربّ العالمين } آيتين } . وقال ابن المبارك : من ترك بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فقد ترك مائةً وثلاث عشرة آيةٍ وروي عن الإمام أحمد : أنّ البسملة آية مفردة ، كانت تنزل بين كلّ سورتين فصلاً بين السّور . وعنه أيضاً : أنّها بعض آيةٍ من سورة النّمل ، وما أنزلت إلاّ فيها . وعنه أيضاً : البسملة ليست بآيةٍ إلاّ من الفاتحة وحدها .
3 - ومذهب الشّافعيّة : أنّ البسملة آية كاملة من الفاتحة ومن كلّ سورةٍ ، لما روت أمّ سلمة رضي الله عنها : { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ في الصّلاة : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، فعدّها آيةً منها } ، ولما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنّ { رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : الحمد للّه سبع آياتٍ ، إحداهنّ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم } . وعن عليٍّ رضي الله عنه كان إذا افتتح السّورة في الصّلاة يقرأ : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم . وروي عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { إذا قرأتم : { الحمد للّه ربّ العالمين } ، فاقرءوا : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، إنّها أمّ القرآن والسّبع المثاني ، بسم اللّه الرّحمن الرّحيم إحدى آياتها } ، ولأنّ الصّحابة أثبتوها فيما جمعوا من القرآن في أوائل السّور ، وأنّها مكتوبة بخطّ القرآن ، وكلّ ما ليس من القرآن فإنّه غير مكتوبٍ بخطّ القرآن ، وأجمع المسلمون على أنّ ما بين الدّفّتين كلام اللّه تعالى ، والبسملة موجودة بينهما ، فوجب جعلها منه . واتّفق أصحاب المذاهب الأربعة على أنّ من أنكر أنّها آية في أوائل السّور لا يعدّ كافراً . للخلاف السّابق في المذاهب .

حكم قراءة البسملة لغير المتطهّر :
4 - لا خلاف بين العلماء في أنّ البسملة من القرآن ، وذهب الجمهور إلى حرمة قراءتها على الجنب والحائض والنّفساء بقصد التّلاوة ، لحديث التّرمذيّ وغيره : { لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن } . ورويت كراهة ذلك عن عمر وعليٍّ ، وروى أحمد وأبو داود والنّسائيّ من رواية عبد اللّه بن سلمة عن عليٍّ قال : { كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يحجبه - وربّما قال لا يحجزه - من القرآن شيء ليس الجنابة } . وورد عن ابن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن } . فلو قصد الدّعاء أو الثّناء أو افتتاح أمرٍ تبرّكاً ، ولم يقصد القراءة ، فلا بأس . وفي أحد قولين للمالكيّة : لا يحرم قراءة آيةٍ للتّعوّذ أو الرّقية ، ولو آية الكرسيّ . كما ذهب المالكيّة إلى أنّه لا يمنع الحيض والنّفاس قراءة القرآن ، ما دامت المرأة حائضاً أو نفساء بقصد التّعلّم أو التّعليم ، لأنّها غير قادرةٍ على إزالة المانع ، أمّا إذا انقطع ولم تتطهّر ، فلا تحلّ لها قراءته كما لا تحلّ للجنب . والدّليل على استثناء التّسمية من التّحريم : أنّ لهم ذكر اللّه ، ويحتاجون إلى التّسمية عند اغتسالهم ، ولا يمكنهم التّحرّز عنها ، لما روى مسلم عن عائشة قالت : { كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يذكر اللّه في كلّ أحيانه } . وإن قصدوا بها القراءة ، ففيه روايتان : إحداهما لا يجوز ، لما روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّه سئل عن الجنب يقرأ القرآن ؟ فقال : لا ولو حرفاً ، لعموم الخبر في النّهي ، والثّانية : لا يمنع منه ، لأنّه لا يحصل به الإعجاز ، ويجوز إذا لم يقصد به القرآن . ( ر : الجنابة ، والحيض ، والغسل ، والنّفاس ) .

البسملة في الصّلاة :
5 - اختلف الفقهاء في حكم قراءة البسملة بالنّسبة للإمام والمأموم والمنفرد ، في ركعات الصّلاة ، لاختلافهم في أنّها آية من الفاتحة ومن كلّ سورةٍ . وحاصل مذهب الحنفيّة في ذلك : أنّه يسنّ قراءة البسملة سرّاً للإمام والمنفرد في أوّل الفاتحة من كلّ ركعةٍ ، ولا يسنّ قراءتها بين الفاتحة والسّورة مطلقاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، لأنّ البسملة ليست من الفاتحة ، وذكرت في أوّلها للتّبرّك . قال المعلّى : إنّ هذا أقرب إلى الاحتياط لاختلاف العلماء والآثار في كونها آيةً من الفاتحة ، وروى ابن أبي رجاءٍ عن محمّدٍ أنّه قال : يسنّ قراءة البسملة سرّاً بين السّورة والفاتحة في غير الصّلاة الجهريّة ، لأنّ هذا أقرب إلى متابعة المصحف ، وإذا كانت القراءة جهراً فلا يؤتى بالبسملة بين السّورة والفاتحة ، لأنّه لو فعل لأخفى ، فيكون ذلك سكتةً في وسط القراءة ، وليس ذلك مأثوراً . وفي قولٍ آخر في المذهب : تجب بداية القراءة بالبسملة في الصّلاة ، لأنّها آية من الفاتحة . وحكم المقتدي عند الحنفيّة أنّه لا يقرأ لحمل إمامه عنه ، ولا تكره التّسمية اتّفاقاً بين الفاتحة والسّورة المقروءة سرّاً أو جهراً . والمشهور عند المالكيّة : أنّ البسملة ليست من الفاتحة ، فلا تقرأ في المكتوبة سرّاً أو جهراً من الإمام أو المأموم أو المنفرد ، لما ورد عن أنسٍ أنّه قال : { صلّيت خلف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ ، فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد للّه ربّ العالمين ، ولا يذكرون بسم اللّه الرّحمن الرّحيم في أوّل قراءةٍ ولا في آخرها } . ويكره قراءتها بفرضٍ قبل الفاتحة أو السّورة الّتي بعدها ، وفي قولٍ عند المالكيّة : يجب ، وهناك قول بالجواز . وفي روايةٍ في مذهب الإمام مالكٍ أنّه يجوز قراءة البسملة في صلاة النّفل قبل الفاتحة والسّورة في كلّ ركعةٍ سرّاً أو جهراً . وللخروج من الخلاف في حكم قراءة البسملة في الصّلاة ، قال القرافيّ : الورع البسملة أوّل الفاتحة ، وقال : محلّ كراهة الإتيان بالبسملة إذا لم يقصد الخروج من الخلاف الوارد في المذهب ، فإن قصده فلا كراهة . والأظهر عند الشّافعيّة : أنّه يجب على الإمام والمأموم والمنفرد قراءة البسملة في كلّ ركعةٍ من ركعات الصّلاة في قيامها قبل فاتحة الكتاب ، سواء أكانت الصّلاة فرضاً أم نفلاً ، سريّةً أو جهريّةً ، لحديثٍ رواه أبو هريرة : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : { فاتحة الكتاب سبع آياتٍ ، إحداهنّ : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم } وللخبر : { لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب } ويدلّ على دخول المأمومين في العموم ما صحّ عن عبادة : { كنّا نخلف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر ، فثقلت عليه القراءة ، فلمّا فرغ قال : لعلّكم تقرءون خلف إمامكم ، قلنا : نعم ، قال : لا تفعلوا إلاّ بفاتحة الكتاب ، فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها } وتقرأ البسملة عند ابتداء كلّ سورةٍ في ركعات الصّلاة ، ويجهر بها في حالة الجهر بالفاتحة والسّورة ، وكذا يسرّ بها معهما ، على القول بأنّ البسملة آية من سائر السّور . وعلى الأصحّ عند الحنابلة : لا يجب قراءة البسملة مع الفاتحة ومع كلّ سورةٍ في ركعات الصّلاة ، لأنّها ليست آيةً من الفاتحة ومن كلّ سورةٍ ، لحديث { قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين ... } ولأنّ الصّحابة أثبتوها في المصاحف بخطّهم ، ولم يثبتوا بين الدّفّتين سوى القرآن . وعلى الأصحّ : يسنّ قراءة البسملة مع فاتحة الكتاب في الرّكعتين الأوليين من كلّ صلاةٍ ، ويستفتح بها السّورة بعد الفاتحة ، ويسرّ بها ، لما ورد أنّ { النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسرّ ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم في الصّلاة } . وعلى الرّواية الأخرى عن أحمد في قرآنيّة البسملة يجب على الإمام والمنفرد والمأموم قراءة البسملة مع الفاتحة في الصّلاة . هذا ، وتقرأ البسملة بعد التّكبير والاستفتاح والتّعوّذ في الرّكعة الأولى ، أمّا فيما بعدها فإنّه يقرؤها بعد تكبير القيام إلى تلك الرّكعة ، وتقرأ البسملة في حال القيام ، إلاّ إذا صلّى قاعداً لعذرٍ ، فيقرؤها قاعداً وللتّفصيل ر : ( الصّلاة )

مواطن أخرى للبسملة :
أ - التّسمية عند دخول الخلاء :
6 - اتّفق الفقهاء على مشروعيّة التّسمية على سبيل النّدب ، وذلك قبل دخول الخلاء لقضاء الحاجة ، لما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم { أنّه كان يقول إذا دخل الخلاء : بسم اللّه ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث } وانظر للتّفصيل مصطلح : ( قضاء الحاجة ) .

ب - التّسمية عند الوضوء :
7 - ذهب الحنفيّة ، والمالكيّة في المشهور عندهم ، والشّافعيّة إلى أنّ التّسمية سنّة عند ابتداء الوضوء ، وسندهم فيما قالوا : أنّ آية الوضوء مطلقة عن شرط التّسمية ، والمطلوب من المتوضّئ الطّهارة ، وترك التّسمية لا يقدح فيها ، لأنّ الماء خلق طهوراً في الأصل ، فلا تتوقّف طهوريّته على صنع العبد ، وما رواه ابن مسعودٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : { من توضّأ وذكر اسم اللّه عليه كان طهوراً لجميع بدنه ، ومن توضّأ ولم يذكر اسم اللّه كان طهوراً لما أصاب من بدنه } وإن نسي المتوضّئ التّسمية في أوّل الوضوء ، وذكرها في أثنائه ، أتى بها ، حتّى لا يخلو الوضوء من اسم اللّه تعالى . وذهب الحنابلة : إلى أنّ التّسمية في الوضوء واجبة ، وهي قول ( باسم اللّه ) لا يقوم غيرها مقامها ، واستدلّوا لوجوبها بما رواه أبو هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : { لا صلاة لمن لا وضوء له ، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه } وتسقط التّسمية حالة السّهو تجاوزاً ، لحديث : { تجاوز اللّه عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه } . فإن ذكر المتوضّئ التّسمية في أثناء الوضوء سمّى وبنى ، وإن تركها عمداً لم تصحّ طهارته ، لأنّه لم يذكر اسم اللّه على طهارته ، والأخرس والمعتقل لسانه يشير بها .

ج - التّسمية عند الذّبح :
8 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في المشهور عندهم إلى أنّ التّسمية واجبة عند الذّبح . لقوله تعالى : { ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه } ولا تجب التّسمية على ناسٍ ، ولا أخرس ، ولا مكرهٍ ، ويكفي من الأخرس أن يومئ إلى السّماء ، لأنّ إشارته تقوم مقام نطق النّاطق . وذهب الشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد إلى أنّ التّسمية سنّة عند الذّبح ، وصيغتها أن يقول : ( باسم اللّه ) عند الفعل ، لما روى البيهقيّ في صفة ذبح النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأضحيّته : { ضحّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتى بكبشين أملحين أقرنين عظيمين موجوأين ، فأضجع أحدهما فقال : بسم اللّه واللّه أكبر ، اللّهمّ هذا عن محمّدٍ ، ثمّ أضجع الآخر فقال : بسم اللّه واللّه أكبر ، اللّهمّ هذا عن محمّدٍ وأمّته ممّن شهد لك بالتّوحيد ، وشهد لي بالبلاغ } . ويكره عند الشّافعيّة تعمّد ترك التّسمية ، ولكن لو تركها عمداً يحلّ ما ذبحه ويؤكل ، لأنّ اللّه تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى : { وطعام الّذين أوتوا الكتاب حلّ لكم } وهم لا يذكرونها ( التّسمية ) ، وأمّا قوله تعالى : { ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه وإنّه لفسق } فالمراد ما ذكر عليه غير اسم اللّه ، أي ما ذبح للأصنام ، بدليل قوله تعالى : { وما أهلّ لغير اللّه به } وسياق الآية دالّ عليه ، فإنّه قال : { وإنّه لفسق } والحالة الّتي يكون فيها فسقاً هي الإهلال لغير اللّه تعالى .

د - التّسمية على الصّيد :
9 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب التّسمية عند صيد ما يؤكل لحمه ، والمراد بها : ذكر اللّه من حيث هو ، لا خصوص ( باسم اللّه ) والأفضل باسم اللّه واللّه أكبر ، ولا يزيد في البسملة : الرّحمن الرّحيم ولا الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ويشترط عند الرّمي أو الإرسال للمعلّم إن ذكر وقدر ، لأنّه وقت الفعل من الرّامي والمرسل ، فتعتبر عنده . فإن تركها ناسياً أو عجزاً يحلّ ويؤكل ، وإن تركها عمداً مع القدرة عليها فلا ، لقوله تعالى : { ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه } على معنى ولا تأكلوا ممّا تركت التّسمية عليه عمداً مع القدرة ، وخالف ابن رشدٍ من المالكيّة وقال : التّسمية ليست بشرطٍ في صحّة الذّكاة ، لأنّ معنى قوله تعالى : { ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه } لا تأكلوا الميتة الّتي لم تقصد ذكاتها ، لأنّها فسق . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ التّسمية عند الصّيد سنّة ، وصيغتها أن يقول عند الفعل : باسم اللّه والأكمل : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، لما رواه الشّيخان في الذّبح للأضحيّة ، وقيس بما فيه غيره ، ويكره تعمّد ترك التّسمية . فلو تركها - ولو عمداً - يحلّ ويؤكل للدّليل المبيّن في التّسمية عند الذّبح . ولمزيدٍ من التّفصيل ( ر : ذبائح ) . وذهب الحنابلة إلى اشتراط التّسمية في حلّ الصّيد عند إرسال الجارح المعلّم ، وهي : باسم اللّه ، لأنّ إطلاق التّسمية ينصرف إلى ذلك ، ولو قال : باسم اللّه واللّه أكبر ، فلا بأس لوروده ، فإن ترك التّسمية عمداً أو سهواً لم يبح على التّحقيق ، لقوله تعالى : { ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما رواه عديّ بن حاتمٍ : { إذا أرسلت كلبك وسمّيت فكل ، قلت : فإن أخذ معه آخر ؟ قال : لا تأكل ، فإنّك سمّيت على كلبك ، ولم تسمّ على الآخر } ، والفرق بين الذّبح والصّيد في التّسمية عند الحنابلة : أنّ الذّبح وقع في محلّه ، فجاز أن يتسامح فيه بالنّسبة لنسيان التّسمية ، بخلاف الصّيد ، فلا يتسامح في نسيانها فيه ، ونقل عن الإمام أحمد : أنّه إن نسي التّسمية عند الصّيد يباح ويؤكل ، وعنه أيضاً : إن نسيها على السّهم أبيح ، وإن نسيها على الجارحة لم يبح . ولمزيدٍ من التّفصيل ( ر : صيد ) .

هـ - ( التّسمية عند الأكل ) :
10 - ذهب الفقهاء إلى أنّ التّسمية عند البدء في الأكل من السّنن . وصيغتها : بسم اللّه وبسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، فإن نسيها في أوّله سمّى في باقيه ، ويقول : باسم اللّه أوّله وآخره لحديث عائشة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { إذا أكل أحدكم فليذكر اسم اللّه تعالى ، فإن نسي أن يذكر اسم اللّه في أوّله فليقل : باسم اللّه أوّله وآخره } .

و - التّسمية عند التّيمّم :
11 - التّسمية عند التّيمّم مشروعة : سنّة عند الحنفيّة ، ومندوبة عند المالكيّة ، ومستحبّة عند الشّافعيّة ، وصيغتها : بسم اللّه والأكمل عند الشّافعيّة : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، وإن نسي التّسمية في أوّل التّيمّم وذكرها في أثنائه أتى بها ، وإن تركها عمداً لا يبطل التّيمّم ، وإن فعلها يثاب . وذهب الحنابلة إلى أنّ التّسمية عند التّيمّم واجبة وهي : باسم اللّه ، لا يقوم غيرها مقامها ، ووقتها أوّله ، وتسقط سهواً لحديث : { تجاوز اللّه عن أمّتي الخطأ والنّسيان ... } وإن ذكرها في أثنائه سمّى وبنى ، وإن تركها عمداً حتّى مسح بعض أعضائه ، ولم يستأنف ما فعله ، لم تصحّ طهارته ، لأنّه لم يذكر اسم اللّه على طهارته .

ز - التّسمية لكلّ أمرٍ ذي بالٍ :
12 - اتّفق أكثر الفقهاء على أنّ التّسمية مشروعة لكلّ أمرٍ ذي بالٍ ، عبادةٍ أو غيرها ، فتقال عند البدء في تلاوة القرآن الكريم والأذكار ، وركوب سفينةٍ ودابّةٍ ، ودخول المنزل ومسجدٍ ، أو خروجٍ منه ، وعند إيقاد مصباحٍ أو إطفائه ، وقبل وطءٍ مباحٍ ، وصعود خطيبٍ منبراً ، ونومٍ ، والدّخول في صلاة النّفل ، وتغطية الإناء ، وفي أوائل الكتب ، وعند تغميض ميّتٍ ولحده في قبره ، ووضع اليد على موضع ألمٍ بالجسد ، وصيغتها ( باسم اللّه ) والأكمل ( بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ) فإن نسي التّسمية أو تركها عمداً فلا شيء ، ويثاب إن فعل . وممّا ورد : حديث { كلّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه باسم اللّه فهو أبتر } ، وفي روايةٍ { فهو أقطع } وفي أخرى { فهو أجذم } ، وما ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { ضع يدك على الّذي تألّم من جسدك ، وقل : باسم اللّه ثلاثاً ... } الحديث . وحديث : { أغلق بابك واذكر اسم اللّه ، فإنّ الشّيطان لا يفتح باباً مغلقاً ، وأطفئ مصباحك واذكر اسم اللّه ، وخمّر إناءك ... } وحديث : { إذا عثرت بك الدّابّة فلا تقل : تعس الشّيطان ، فإنّه يتعاظم ، حتّى يصير مثل البيت ، ويقول : بقوّتي صرعته ، ولكن قل : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، فإنّه يتصاغر ، حتّى يصير مثل الذّباب } .

بشارة
التّعريف
1 - البشارة - بكسر الباء - : ما يبشّر به الإنسان غيره من أمرٍ ، وبضمّ الباء : ما يعطاه المبشّر بالأمر ، كالعمالة للعامل ، قال ابن الأثير : البشارة بالضّمّ : ما يعطى البشير ، وبكسر الباء : الاسم ، سمّيت بذلك من البشر وهو السّرور ، لأنّها تظهر طلاقة وجه الإنسان . وهم يتباشرون بذلك الأمر أي : يبشّر بعضهم بعضاً ، والبشارة إذا أطلقت فهي للبشارة بالخير ، ويجوز استعمالها مقيّدةً في الشّرّ ، كقوله تعالى : { فبشّرهم بعذابٍ أليمٍ } . ولا يخرج استعمالها في اصطلاح الفقهاء عن ذلك . ( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - الخبر :
2 - الخبر يكون من المخبر الأوّل ومن يليه ، والبشارة لا تكون إلاّ من المخبر الأوّل . والخبر يكون بالصّدق والكذب سارّاً ، كان أو غير سارٍّ ، والبشارة تختصّ بالخبر الصّادق السّارّ غالباً .
ب - الجعل :
3 - الجعل لغةً : اسم لما يجعله الإنسان لغيره على شيءٍ يعمله . والجعل اصطلاحاً : عوض معلوم ملتزم به على عملٍ معيّنٍ معلومٍ فيه كلفة . والبشارة بضمّ الباء : ما يعطاه المبشّر بالأمر ، وهي بهذا المعنى تشبه الجعل ، جاء في نهاية المحتاج : لا بدّ من كون العمل في الجعالة فيه كلفة أو مؤنة ، كردّ آبقٍ ، أو إخبارٍ فيه غرض والمخبر صادق فيه .
الحكم الإجماليّ :
4 - إخبار النّاس بما يسرّهم أمر مستحبّ ، لما ورد في ذلك من الآيات القرآنيّة ، كقوله تعالى : { وبشّر الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات أنّ لهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار كلّما رزقوا منها من ثمرةٍ رزقاً قالوا : هذا الّذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً ولهم فيها أزواج مطهّرة وهم فيها خالدون } وما ورد كذلك من أحاديث ، منها حديث كعب بن مالكٍ رضي الله عنه المخرّج في الصّحيحين { في قصّة توبته قال : وسمعت صوت صارخٍ يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالكٍ . أبشر ، فذهب النّاس يبشّروننا ، وانطلقت أتأمّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتلقّاني النّاس فوجاً فوجاً يهنّئونني بالتّوبة ، ويقولون : لتهنك توبة اللّه تعالى عليك ، حتّى دخلت المسجد ، فإذا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حوله النّاس ، فقام طلحة بن عبيد اللّه يهرول ، حتّى صافحني وهنّأني ، وكان كعب لا ينساها لطلحة ، قال كعب : فلمّا سلّمت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال - وهو يبرق وجهه من السّرور - : أبشر بخير يومٍ مرّ عليك منذ ولدتك أمّك } . وفي قصّة كعبٍ أنّه لمّا جاءه البشير بالتّوبة ، نزع له ثوبيه وكساهما إيّاه نظير بشارته . ونقل الأبيّ عن القاضي عياضٍ أنّه قال : وهذا يدلّ على جواز البشارة والتّهنئة بما يسرّ من أمور الدّنيا والآخرة ، وإعطاء الجعل للمبشّر . وفي حديث كعبٍ مشروعيّة الاستباق إلى البشارة بالخير . ويستحبّ لمن بشّر بخبرٍ سارٍّ أن يحمد اللّه تعالى ويثني عليه ، لما روي في صحيح البخاريّ عن عمرو بن ميمونٍ ، في مقتل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، في حديث الشّورى الطّويل : أنّ عمر رضي الله عنه أرسل ابنه عبد اللّه إلى عائشة رضي الله عنها يستأذنها أن يدفن مع صاحبيه ، فلمّا أقبل عبد اللّه ، قال عمر : ما لديك ؟ قال : الّذي تحبّ يا أمير المؤمنين ، أذنت . فقال : الحمد للّه ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك . وأجمع العلماء على أنّ البشارة تتحقّق من المخبر الأوّل منفرداً أو مع غيره ، فإذا قال رجل : من بشّرني من عبيدي بكذا فهو حرّ ، فبشّره واحد من عبيده فأكثر ، فإنّ أوّلهم يكون حرّاً . وأورد الفقهاء أمثلةً أخرى في مواطن متعدّدةٍ . ويدلّ على ذلك ما روي { أنّه عليه الصلاة والسلام مرّ بابن مسعودٍ وهو يقرأ القرآن ، فقال عليه الصلاة والسلام من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّاً طريّاً كما نزل فليقرأ بقراءة ابن أمّ عبدٍ ، فابتدر إليه أبو بكرٍ وعمر رضي الله عنهما بالبشارة ، فسبق أبو بكرٍ عمر ، فكان ابن مسعودٍ يقول : بشّرني أبو بكرٍ ، وأخبرني عمر } رضي الله عنهم أجمعين . والبشارة مستحبّة كالهبة إذا قصد بها وجه اللّه تعالى .
( مواطن البحث ) :
5 - ورد في الكتاب الكريم ذكر البشارة ، وورد في السّنّة النّبويّة بيان بعض أحكام البشارة وما يستحبّ فعله لمن يبشّر بأمرٍ ، ويرد عند الفقهاء في الأيمان . كما ورد في كتب الآداب الشّرعيّة حكم البشارة ، وما يستحبّ فعله لمن يبشّر بأمرٍ .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:53 AM

بصاق
التّعريف
1 - البصاق : ماء الفم إذا خرج منه . يقال : بصق يبصق بصاقاً . ويقال فيه أيضاً : البزاق ، والبساق . وهو من الإبدال .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - التّفل :
2 - التّفل لغةً : البصق . يقال : تفل يتفل ويتفل تفلاً : بصق . والتّفل بالفم : نفخ معه شيء من الرّيق . فإذا كان نفخاً بلا ريقٍ فهو النّفث . والتّفل شبيه بالبزاق ، وهو أقلّ منه . أوّله البزق ، ثمّ التّفل ، ثمّ النّفخ .
ب - اللّعاب :
3 - اللّعاب : الرّيق الّذي يسيل من الفم .
الحكم الإجماليّ :
4 - الأصل في ماء فم الإنسان طهوريّته ما لم ينجّسه نجس . وللبصاق أحكام تتعلّق به . فهو حرام في المسجد ومكروه على حيطانه . فإذا بصق المصلّي في المسجد كان عليه أن يدفنه ، إذ البصق فيه خطيئة ، وكفّارتها دفنه ، كما جاء في الحديث { البصاق في المسجد خطيئة ، وكفّارتها دفنها } . والمشهور في ذلك أن يدفنه في تراب المسجد ورمله ، إن كان له تراب أو رمل ونحوهما . فإن لم يكن أخذه بعودٍ أو خرقةٍ أو نحوهما أو بيده وأخرجه منه . كما لا يبصق على حيطانه ، ولا بين يديه على الحصى ، ولا فوق البواري ( أي الحصر ) ولا تحتها . ولكن يأخذه بطرف ثوبٍ ويحكّ بعضه ببعضٍ ، ولا تبطل به الصّلاة إلاّ أن يتوالى ويكثر . وإن كان قد بصق في تراب المسجد فعليه أن يدفنه . فإن اضطرّ إلى ذلك ، كان الإلقاء فوق الحصير أهون من الإلقاء تحته . لأنّ البواري ليست بمسجدٍ حقيقةً ، وما تحتها مسجد حقيقةً . وإن لم يكن فيه البواري يدفنه في التّراب ، ولا يتركه على وجه الأرض . وإن كان في غير المسجد لم يبصق تلقاء وجهه ، ولا عن يمينه ، بل يبصق تحت قدمه اليسرى ، أو عن يساره . ومن رأى من يبصق في المسجد لزمه الإنكار عليه ومنعه منه إن قدر . ومن رأى بصاقاً ونحوه في المسجد فالسّنّة أن يزيله بدفنه أو إخراجه ، ويستحبّ له تطييب محلّه . وأمّا ما يفعله كثير من النّاس إذا بصق أو رأى بصاقاً دلكه بأسفل مداسه الّذي داس به النّجاسة والأقذار فحرام ، لأنّه تنجيس للمسجد وتقذير له . وعلى من رآه يفعل ذلك الإنكار عليه بشرطه . ولا يسوغ مسح لوح القرآن أو بعضه بالبصاق . ويتعيّن على معلّم الصّبيان أن يمنعهم من ذلك . ومن أحكامه بالنّسبة للصّائم : أنّ من ابتلع ريق نفسه ، وهو في فيه قبل خروجه منه ، فإنّه لا يفطر ، حتّى لو جمعه في الفم وابتلعه . وإن صار خارج فيه وانفصل عنه ، وأعاده إليه بعد انفصاله وابتلعه ، فسد صومه . كما لو ابتلع بزاق غيره . ومن ترطّبت شفتاه بلعابه عند الكلام أو القراءة أو غير ذلك ، فابتلعه لا يفسد صومه للضّرورة . ولو بقي بلل في فمه بعد المضمضة فابتلعه مع البزاق لم يفطّره . ولو بلّ الخيّاط خيطاً بريقه ثمّ ردّه إلى فيه على عادتهم حال الفتل ، فإن لم تكن على الخيط رطوبة تنفصل لم يفطر بابتلاع ريقه ، بخلاف ما إذا كانت تنفصل .

بصر
التّعريف
1 - البصر : هو القوّة الّتي أودعها اللّه في العين ، فتدرك بها الأضواء والألوان والأشكال . يقال : أبصرته برؤية العين إبصاراً ، وبصرت بالشّيء بالضّمّ ( والكسر لغةً ) بصراً بفتحتين : رأيته . ويطلق مجازاً على : الإدراك للمعنويّات ، كما يطلق على العين نفسها ، لأنّها محلّ الإبصار . والبصر : ضدّ العمى .
الحكم الإجماليّ : الجناية على البصر :
2 - اتّفق فقهاء المذاهب على وجوب القصاص من الجاني عمداً على البصر ، إذا أدّت جنايته إلى إذهاب البصر - وذلك بإذهاب بصر الجاني إن أمكن بوسيلةٍ ما برأي أهل الخبرة - فإن لم يمكن القصاص ، وجبت الدّية اتّفاقاً في مال الجاني . وكذلك تجب الدّية في إذهاب البصر خطأً ، وتكون على العاقلة . وتفصيل ذلك في الجنايات .

توجيه البصر في الصّلاة :
3 - أجمع العلماء على استحباب الخشوع والخضوع وغضّ البصر عمّا يلهي ، وكراهة الالتفات ورفع البصر إلى السّماء ، وأنّه يستحبّ للمصلّي النّظر إلى موضع سجوده إذا كان قائماً ، ويستحبّ نظره في ركوعه إلى قدميه ، وفي حال سجوده إلى أرنبة أنفه ، وفي حال التّشهّد إلى حجره . أمّا في صلاة الخوف - إذا كان العدوّ أمامه - فيوجّه نظره إلى جهته ، وبهذا قال الحنفيّة ، وهو رواية عند الحنابلة ، وفي قولٍ للشّافعيّة أنّه يسنّ . والآخر عندهم ، وعند الحنابلة : النّظر إلى موضع سجوده في جميع صلاته لحديثٍ رواه البخاريّ عن أنسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { ما بال أقوامٍ يرفعون أبصارهم إلى السّماء في صلاتهم ، فاشتدّ قوله في ذلك حتّى قال : لينتهنّ عن ذلك ، أو لتخطفنّ أبصارهم } . وقال المالكيّة : إن كان رفع البصر إلى السّماء للموعظة والاعتبار بآيات السّماء فلا يكره . ويكره أيضاً في الصّلاة تغميض العينين إلاّ لحاجةٍ ، ولا يعلم في ذلك خلاف .

حكم رفع البصر إلى السّماء في الدّعاء خارج الصّلاة :
4 - نصّ الشّافعيّة على أنّ الأولى في الدّعاء خارج الصّلاة رفع البصر إلى السّماء ، وقال الغزاليّ منهم : لا يرفع الدّاعي بصره إليها .

غضّ البصر عن المحرّم :
5 - أمر اللّه سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بأن يغضّوا من أبصارهم عمّا حرّمه عليهم ، دون ما أباح لهم رؤيته - وإذا اتّفق أن وقع البصر على محرّمٍ من غير قصدٍ ، فليصرف البصر عنه سريعاً - لأنّ البصر هو الباب الأوّل إلى القلب ورائده ، وغضّه واجب عن جميع المحرّمات وكلّ ما يخشى منه الفتنة ، لقوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إنّ اللّه خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ } . وانظر للتّفصيل مصطلح : ( نظر . عورة ) .
( مواطن البحث ) :
6 - للبصر أحكام في مواطن متعدّدةٍ ، تتعلّق بالجناية عليه ، والدّية فيه ، واشتراطه في الشّاهد ، وشهادة الأعمى وتحمّله وأدائه ، واشتراطه واستدامته فيمن يتولّى القضاء ، ونفاذ حكم قاضٍ طرأ العمى عليه ، وتوجيه البصر في الصّلاة ، ورفع البصر إلى السّماء في الدّعاء في غير الصّلاة ، وما يجوز النّظر إليه ممّن يراد خطبتها ، وغضّ البصر عمّا حرّمه اللّه . ويفصّل الفقهاء أحكام ذلك في مباحث ( الجنايات ، والدّيات ، والشّهادة ، والقضاء ، والصّلاة ، والنّكاح ) على النّحو المبيّن في الحكم الإجماليّ ومواطنه .

بضاعة انظر : إبضاع .

بضع انظر : فرج .

بطالة
التّعريف
1 - البطالة لغةً : التّعطّل عن العمل . يقال : بطل العامل ، أو الأجير عن العمل فهو بطّال بيّن البطالة ( بفتح الباء ) وحكى بعض شارحي المعلّقات البطالة ( بالكسر ) وقال : هو أفصح ، ويقال : بطل الأجير من العمل ، يبطل بطالةً وبطالةً : تعطّل فهو بطّال . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ . حكمها التّكليفيّ :
2 - يختلف حكم البطالة تبعاً للأحوال الّتي تكون فيها كالآتي : البطالة حتّى لو كانت للتّفرّغ للعبادة ، مع القدرة على العمل ، والحاجة إلى الكسب لقوته وقوت من يعوله تكون حراماً ، لخبر { إنّ اللّه يكره الرّجل البطّال } وعن ابن عمر قال : { إنّ اللّه يحبّ العبد المؤمن المحترف } وعن ابن مسعودٍ أنّه قال : إنّي لأمقت الرّجل فارغاً ليس في شيءٍ من عمل دنيا ولا آخرةٍ وفي الشّعب للبيهقيّ عن عروة بن الزّبير أنّه سئل : ما شرّ شيءٍ في العالم ؟ فقال : البطالة . والبطالة تهاوناً وكسلاً مع عدم الحاجة للكسب مكروهة أيضاً ، وتزري بصاحبها . أمّا البطالة لعذرٍ - كزمانةٍ وعجزٍ لعاهةٍ - فلا إثم فيها ولا كراهة ، لقوله تعالى : { لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها } .

التّوكّل لا يدعو إلى البطالة :
3 - التّوكّل لا يدعو إلى البطالة ، وإنّما هو واجب ، ولكن يجب معه الأخذ بالأسباب . وورد أنّ { أعرابيّاً سأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه : أرسل ناقتي وأتوكّل ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : اعقلها وتوكّل } وقال عليه الصلاة والسلام : { إنّ اللّه يحبّ المؤمن المحترف } . ومرّ عمر رضي الله عنه بقومٍ فقال : ما أنتم ؟ قالوا متوكّلون قال : لا بل أنتم متأكّلون ، إنّما المتوكّل من ألقى حبّةً في الأرض ، وتوكّل على ربّه . فليس في طلب المعاش والمضيّ في الأسباب على تدبير اللّه ترك التّفويض ، والتّوكّل إنّما هو بالقلب ، وترك التّوكّل يكون إذا غفل عن اللّه ، واعتمد على الأسباب ونسي مسبّبها ، وكان عمر رضي الله عنه إذا نظر إلى ذي سيما سأل : أله حرفة ؟ فإن قيل : لا ، سقط من عينه .

العبادة ليست مسوّغاً للبطالة :
4 - يرى الفقهاء : أنّ العبادة ليست مسوّغاً للبطالة ، وأنّ الإسلام لا يقرّ البطالة من أجل الانقطاع للعبادة ، لأنّ في هذا تعطيلاً للدّنيا الّتي أمر اللّه عباده بالسّعي فيها ، قال تعالى { فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه } وقال جلّ شأنه { يا أيّها الّذين آمنوا إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه وذروا البيع } وأعقبها بقوله { فإذا قضيت الصّلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل اللّه } وورد أنّ { النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ على شخصٍ ، قالوا له عنه أنّه كان يقوم اللّيل ويصوم النّهار ، وهو منقطع للعبادة انقطاعاً كلّيّاً ، فسأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عمّن يعوله ؟ فقالوا : كلّنا . فقال : عليه الصلاة والسلام كلّكم أفضل منه } .

أثر البطالة في طلب المتعطّل نفقةً له :
5 - أجمع الفقهاء على أنّ نفقة الابن المتعطّل عن العمل - مع قدرته على الكسب - لا تجب على أبيه ، لأنّ من شروط وجوبها : أن يكون عاجزاً عن الكسب ، والعاجز عن الكسب هو من لا يمكنه اكتساب معيشته بالوسائل المشروعة المعتادة ، والقادر غنيّ بقدرته ، ويستطيع أن يتكسّب بها وينفق على نفسه ، ولا يكون في حالة ضرورةٍ يتعرّض فيها للهلاك .

أثر البطالة في استحقاق الزّكاة :
6 - إنّ القادر على الكسب مكلّف بالعمل ليكفي نفسه بنفسه ، أمّا العاجز عن الكسب لضعفٍ ذاتيٍّ ، كالصّغر والأنوثة والعته والشّيخوخة والمرض إذا لم يكن عنده مال موروث يسدّ حاجته ، كان في كفالة أقاربه الموسرين ، وإذا لم يوجد له شخص يكفله بما يحتاجه فقد حلّ له الأخذ من الزّكاة ، ولا حرج عليه في دين اللّه . وتفصيله في مصطلح : ( زكاة ) .

رعاية الدّولة والمجتمع للمتعطّلين بعدم وجود عملٍ :
7 - صرّح الفقهاء بأنّ على الدّولة القيام بشئون فقراء المسلمين من العجزة واللّقطاء والمساجين الفقراء ، الّذين ليس لهم ما ينفق عليهم منه ولا أقارب تلزمهم نفقتهم ، فيتحمّل بيت المال نفقاتهم وكسوتهم ، وما يصلحهم من دواءٍ وأجرة علاجٍ وتجهيز ميّتٍ ونحوها . وللتّفصيل ( ر : بيت المال ) .

بطانة
التّعريف
1 - البطانة : بطانة الثّوب ، وهي : ما يجعل وقاءً له من الدّاخل ، وهي خلاف الظّهارة . وبطانة الرّجل : خاصّته ، وأبطنت الرّجل : جعلته من خواصّك ، وفي الحديث : { وما بعث اللّه من نبيٍّ ولا استخلف من خليفةٍ إلاّ كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه ، فالمعصوم من عصمه اللّه تعالى } وهو مصدر سمّي به الواحد والجمع . والبطانة اصطلاحاً : خاصّة الرّجل المقرّبون الّذين يفضي إليهم بأسراره .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الحاشية :
2 - الحاشية : هي واحدة حواشي الثّوب . وتطلق على صغار الإبل . وعلى ما يكتب على جوانب صفحات الكتاب . وفي الاصطلاح : أهل الرّجل من غير أصوله وفروعه كالإخوة والأعمام .
ب - ( أهل الشّورى ) :
3 - الشّورى : اسم مصدرٍ من التّشاور . وأهل الشّورى : هم أهل الرّأي الّذين يقدّمون المشورة لمن يستشيرهم ، وقد يكونون من بطانة الرّجل أو غيرهم من ذوي الرّأي . ما يتعلّق بالبطانة من أحكامٍ : أوّلاً : البطانة بمعنى خاصّة الرّجل . اتّخاذ البطانة الصّالحة :
4 - لمّا كانت الشّورى من قواعد الشّريعة ، ومن لوازم الحكم في الإسلام ، وأنّ العادة جارية بأنّ الإنسان يطمئنّ إلى بطانته ، فإنّه يجب على ولاة المسلمين أن يتّخذوا بطانةً صالحةً ، من أهل التّقوى والأمانة ، وممّن يخشى اللّه . قال ابن خويز مندادٍ : واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون ، وما أشكل عليهم من أمور الدّين ، ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب ، ومشاورة وجوه النّاس فيما يتعلّق بالمصالح ، ومشاورة وجوه الكتّاب والوزراء والعمّال فيما يفعلون بمصالح البلاد وعمارتها . وجاء في كتاب " الأحكام السّلطانيّة " للماورديّ في معرض عدّ واجبات الإمام : استكفاء الأمناء ، وتقليد النّصحاء فيما يفوّضه إليهم من الأعمال ، ويكله إليهم من الأموال ، لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطةً ، والأموال بالأمناء محفوظةً . وفي الأثر الصّحيح : { إذا أراد اللّه بالأمير خيراً جعل له وزير صدقٍ ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر أعانه ، وإن أراد غير ذلك جعل له وزير سوءٍ : إن نسي لم يذكّره ، وإن ذكر لم يعنه } . وعن أبي سعيدٍ الخدريّ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : { ما بعث اللّه من نبيٍّ ولا استخلف من خليفةٍ إلاّ كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه ، فالمعصوم من عصمه اللّه تعالى } .

اتّخاذ بطانةٍ من دون المؤمنين :
5 - لا خلاف بين علماء الإسلام في أنّه لا يجوز لأولياء أمور المسلمين أن يتّخذوا بطانةً من الكفّار والمنافقين ، يطلعونهم على سرائرهم ، وما يضمرونه لأعدائهم ، ويستشيرونهم في الأمور ، لأنّ هذا من شأنه أن يضرّ مصلحة المسلمين ، ويعرّض أمنهم للخطر ، وقد ورد التّنزيل بتحذير المؤمنين من موالاة غيرهم ممّن يخالفونهم في العقيدة والدّين ، وقال عزّ من قائلٍ : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتّم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بيّنّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون } . وقال : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحقّ يخرجون الرّسول وإيّاكم أن تؤمنوا باللّه ربّكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي ، تسرّون إليهم بالمودّة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضلّ سواء السّبيل } . ونهى اللّه تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن اتّخاذ بطانةٍ من دون المؤمنين ، يطلعونهم على سرائرهم ، ويكشفون لهم عورات المسلمين . بقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين } وفي معنى ذلك آيات كثيرة . وقد تقدّم الحديث في شأن بطانة السّوء . وقال ابن أبي حاتمٍ : قيل لعمر بن الخطّاب : رضي الله عنه : إنّ هنا غلاماً من أهل الحيرة حافظاً كاتباً ، فلو اتّخذته كاتباً ؟ قال : اتّخذت إذن بطانةً من دون المؤمنين . قال ابن كثيرٍ : في الأثر مع هذه الآية دليل على أنّه لا يجوز استعمال أهل الذّمّة في الكتابة ، الّتي فيها استطالة على المسلمين ، واطّلاع على دخائل أمورهم الّتي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب . وقال السّيوطيّ نقلاً عن إلكيا الهرّاسيّ : في قوله تعالى : { لا تتّخذوا بطانةً من دونكم } فيه دلالة على أنّه لا يجوز الاستعانة بأهل الذّمّة في شيءٍ من أمر المسلمين . وقال القرطبيّ في تفسير هذه الآية : أكّد اللّه سبحانه وتعالى الزّجر عن الرّكون إلى الكفّار وهو متّصل بما سبق من قوله : { يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الّذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين } ، ونهى المؤمنين بهذه الآية أن يتّخذوا من الكفّار وأهل الأهواء دخلاء وولجاء ، يفاوضونهم في الآراء ، ويسندون إليهم أمورهم . ثمّ بيّن اللّه المعنى الّذي من أجله نهى عن المواصلة فقال : { لا يألونكم خبالاً } يعني لا يتركون الجهد في إفسادكم ، أي أنّهم وإن لم يقاتلوكم فإنّهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة . وروي أنّ أبا موسى الأشعريّ استكتب ذمّيّاً ، فعنّفه عمر رضي الله عنهما وتلا عليه هذه الآية . وعن عمر رضي الله عنه أنّه قال أيضاً : لا تستعملوا أهل الكتاب فإنّهم يستحلّون الرّشا ، واستعينوا على أموركم وعلى رعيّتكم بالّذين يخشون اللّه تعالى .

ثانياً : البطانة في الثّوب : الصّلاة على ثوبٍ بطانته نجسة :
6 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة وأبو حنيفة والحنابلة ومحمّد بن الحسن إلى أنّه تصحّ الصّلاة على بساطٍ ظاهره طاهر ، وبطانته نجس ، لأنّه ليس حاملاً ولا لابساً ، ولا مباشراً للنّجاسة ، فأشبه ما لو صلّى على بساطٍ طرفه نجس ، أو مفروشٍ على نجسٍ . وذهب أبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّه لا يصحّ الصّلاة عليه ، نظراً لاتّحاد المحلّ ، فاستوى ظاهره وباطنه .

حكم لبس الرّجل ثوباً بطانته من حريرٍ :
7 - ذهب الفقهاء إلى أنّه يحرم على الرّجل لبس ثوبٍ بطانته من حريرٍ ، لحديث عمر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { لا تلبسوا الحرير ، فإنّه من لبسه في الدّنيا لم يلبسه في الآخرة } . وفي كشّاف القناع ، بعد بيان تحريم الحرير على الرّجال والاستدلال بالحديث ، قال : ولو كان الحرير بطانةً ، لعموم الخبر ، لكن قيّد المالكيّة حرمة المبطّن بالحرير بما إذا كان كثيراً ، كما قال القاضي أبو الوليد . وهو مكروه عند الحنفيّة كما جاء في ابن عابدين نقلاً عن الهنديّة ، وقال في تعليله : لأنّ البطانة مقصودة . والكراهة حيث أطلقت عند الحنفيّة فهي لكراهة التّحريم . وتفصيله في مصطلح ( حرير ) .

بطلان
التّعريف
1 - البطلان لغةً : الضّياع والخسران ، أو سقوط الحكم . يقال : بطل الشّيء يبطل بطلاً وبطلاناً بمعنى : ذهب ضياعاً وخسراناً ، أو سقط حكمه ، ومن معانيه : الحبوط . وهو في الاصطلاح يختلف تبعاً للعبادات والمعاملات . ففي العبادات : البطلان : عدم اعتبار العبادة حتّى كأنّها لم تكن . كما لو صلّى بغير وضوءٍ . والبطلان في المعاملات يختلف فيها تعريف الحنفيّة عن غيرهم ، فهو عند الحنفيّة : أن تقع على وجهٍ غير مشروعٍ بأصله ولا بوصفه ، وينشأ عن البطلان تخلّف الأحكام كلّها عن التّصرّفات ، وخروجها عن كونها أسباباً مفيدةً لتلك الأحكام الّتي تترتّب عليها ، فبطلان المعاملة لا يوصّل إلى المقصود الدّنيويّ أصلاً ، لأنّ آثارها لا تترتّب عليها . وتعريف البطلان عند غير الحنفيّة هو تعريف الفساد بعينه ، وهو : أن تقع المعاملة على وجهٍ غير مشروعٍ بأصله أو بوصفه أو بهما .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - الفساد :
2 - الفساد : مرادف للبطلان عند الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) فكلّ من الباطل والفاسد يطلق على الفعل الّذي يخالف وقوعه الشّرع ، ولا تترتّب عليه الآثار ، ولا يسقط القضاء في العبادات . وهذا في الجملة ، ففي بعض أبواب الفقه يأتي التّفريق بين البطلان والفساد ، كالحجّ والعاريّة والكتابة والخلع وسيأتي بيان ذلك . أمّا عند الحنفيّة ، فالفساد يباين البطلان بالنّسبة للمعاملات ، فالبطلان عندهم : مخالفة الفعل للشّرع لخللٍ في ركنٍ من أركانه أو شرطٍ من شرائط انعقاده . أمّا الفساد فهو : مخالفة الفعل للشّرع في شرطٍ من شروط صحّته ، ولو مع موافقة الشّرع في أركانه وشرائط انعقاده .
ب - الصّحّة :
3 - الصّحّة في اللّغة . بمعنى : السّلامة فالصّحيح ضدّ المريض . وفي الاصطلاح : وقوع الفعل موافقاً للشّرع باستجماع الأركان والشّروط . وأثره في المعاملات : ترتّب ثمرة التّصرّف المطلوبة منه عليه ، كحلّ الانتفاع في البيع ، والاستمتاع في النّكاح . وأثره في العبادات هو سقوط القضاء بفعل العبادة .
ج - الانعقاد :
4 - الانعقاد : يشمل الصّحّة ، ويشمل الفساد عند الحنفيّة ، فهو ارتباط أجزاء التّصرّف شرعاً . أو هو : تعلّق كلٍّ من الإيجاب والقبول بالآخر على وجهٍ مشروعٍ ، يظهر أثره في متعلّقهما . فالعقد الفاسد منعقد بأصله ، ولكنّه فاسد بوصفه ، وهذا عند الحنفيّة . فالانعقاد ضدّ البطلان . عدم التّلازم بين بطلان التّصرّف في الدّنيا وبطلان أثره في الآخرة :
5 - لا تلازم بين صحّة التّصرّف أو بطلانه في أحكام الدّنيا ، وبين بطلان أثره في الآخرة ، فقد يكون محكوماً عليه بالصّحّة في الدّنيا ، لاستكماله الأركان والشّروط المطلوبة شرعاً ، لكن اقترن به من المقاصد والنّيّات ما يبطل ثمرته في الآخرة ، فلا يكون له عليه ثواب ، بل قد يلزمه الإثم ، ودليل ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { إنّما الأعمال بالنّيّات ، وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الدّنيا يصيبها أو إلى امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه } وقد يصحّ العمل ويستحقّ عامله الثّواب ، ولكن يتبعه صاحبه عملاً يبطله ، فالمنّ والأذى يبطل أجر الصّدقة ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى } وقال : { يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول ولا تبطلوا أعمالكم } .
6- ويوضّح الشّاطبيّ ذلك فيقول : يراد بالبطلان إطلاقان : أحدهما : عدم ترتّب آثار العمل عليه في الدّنيا ، كما نقول في العبادات : إنّها غير مجزئةٍ ولا مبرّئةٍ للذّمّة ولا مسقطةٍ للقضاء ، فهي باطلة بهذا المعنى لمخالفتها لما قصد الشّارع فيها . وقد تكون باطلةً لخللٍ في بعض أركانها أو شروطها ، ككونها ناقصةً ركعةً أو سجدةً . ونقول أيضاً في العادات : إنّها باطلة ، بمعنى عدم حصول فوائدها بها شرعاً ، من حصول إملاكٍ واستباحة فروجٍ وانتفاعٍ بالمطلوب . والثّاني : أن يراد بالبطلان عدم ترتّب آثار العمل عليه في الآخرة ، وهو الثّواب . فتكون العبادة باطلةً بالإطلاق الأوّل ، فلا يترتّب عليها جزاء ، لأنّها غير مطابقةٍ لمقتضى الأمر بها ، كالمتعبّد رئاء النّاس ، فهي غير مجزئةٍ ولا يترتّب عليها ثواب ، وقد تكون صحيحةً بالإطلاق الأوّل ، ولا يترتّب عليها ثواب أيضاً ، كالمتصدّق بالصّدقة يتبعها بالمنّ والأذى ، وقد قال اللّه تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كالّذي ينفق ماله رئاء النّاس } .

الحكم التّكليفيّ للإقدام على تصرّفٍ باطلٍ مع العلم وعدمه :
7 - الإقدام على فعلٍ باطلٍ - مع العلم ببطلانه - حرام ، ويأثم فاعله ، لارتكابه المعصية بمخالفته المشروع ، لأنّ البطلان وصف للفعل الّذي يقع مخالفاً للشّرع ، وسواء أكان ذلك في العبادات ، كالصّلاة بدون طهارةٍ ، والأكل في نهار رمضان ، أم كان ذلك في المعاملات ، كبيع الميتة والدّم والملاقيح والمضامين ، وكالاستئجار على النّوح ، وكرهن الخمر عند المسلم ولو كانت لذمّيٍّ ، وما شابه ذلك ، أم كان في النّكاح ، كنكاح الأمّ والبنت . وهذا الحكم يشمل الفاسد أيضاً عند الحنفيّة ، فإنّه وإن كان يفيد بعض الأحكام - كإفادته الملك بالقبض في البيع مثلاً - إلاّ أنّ الإقدام عليه حرام ، ويجب فسخه حقّاً للّه تعالى دفعاً للفساد ، لأنّ فعله معصية ، فعلى العاقد التّوبة منه بفسخه . ويستثنى من حكم الإقدام على التّصرّف الباطل حالة الضّرورة ، كالمضطرّ يشتري الميتة . هذا فيمن يقدم على الباطل مع علمه ببطلانه .

8 - وأمّا الإقدام على التّصرّف الباطل مع عدم العلم ، فهذا يشمل النّاسي والجاهل . والأصل بالنّسبة للجاهل : أنّه لا يجوز له أن يقدم على فعلٍ حتّى يعلم حكم اللّه فيه ، فمن باع وجب عليه أن يتعلّم ما شرعه اللّه في البيع ، ومن آجر وجب عليه أن يتعلّم ما شرعه اللّه في الإجارة ، ومن صلّى وجب عليه أن يتعلّم حكم اللّه تعالى في هذه الصّلاة ، وهكذا في كلّ ما يريد الإقدام عليه ، لقوله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } فلا يجوز الشّروع في شيءٍ حتّى يعلم حكمه ، فيكون طلب العلم واجباً في كلّ مسألةٍ ، وترك التّعلّم معصيةً يؤاخذ بها . أمّا المؤاخذة بالنّسبة للتّصرّف الّذي وقع باطلاً مع الجهل ، فقد ذكر القرافيّ في الفروق : أنّ صاحب الشّرع قد تسامح في جهالاتٍ في الشّريعة ، فعفا عن مرتكبها ، وأخذ بجهالاتٍ ، فلم يعف عن مرتكبها . وانظر للتّفصيل مصطلح ( جهل ، نسيان ) .

الإنكار على من فعل الباطل :
9 - إن كان الفعل متّفقاً على بطلانه ، فإنكاره واجب على مسلمٍ . أمّا إن كان مختلفاً فيه ، فلا إنكار فيه . قال الزّركشيّ : الإنكار من المنكر إنّما يكون فيما اجتمع عليه ، فأمّا المختلف فيه فلا إنكار فيه ، لأنّ كلّ مجتهدٍ مصيب ، أو المصيب واحد ولا نعلمه ، ولم يزل الخلاف بين السّلف في الفروع ، ولا ينكر أحد على غيره أمراً مجتهداً فيه ، وإنّما ينكرون ما خالف نصّاً ، أو إجماعاً قطعيّاً أو قياساً جليّاً ، وهذا إذا كان الفاعل لا يرى تحريمه ، فإن كان يراه فالأصحّ الإنكار . وفي كلّ ذلك خلاف وتفصيل يرجع إليه في ( إنكار ، أمر بالمعروف ، اجتهاد ، تقليد ، اختلاف ، إفتاء ، رخصة ) .

الاختلاف في التّفريق بين البطلان والفساد ، وسبب ذلك :
10 - يرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه لا فرق بين البطلان والفساد في التّصرّفات ، سواء أكان ذلك في العبادات ، كالصّلاة مع ترك ركنٍ من أركانها ، أو شرطٍ من شروطها ، أم كان ذلك في النّكاح ، كالعقد على إحدى المحارم ، أم كان في المعاوضات ، كبيع الميتة والدّم ، والشّراء بالخمر ، والبيع المشتمل على الرّبا ، فكلّ من البطلان والفساد يوصف به الفعل الّذي يقع على خلاف ما طلبه الشّارع ، ومن أجل هذه المخالفة لم يعتبره ، ولم يرتّب عليه أيّ أثرٍ من الآثار الّتي تترتّب على الفعل الصّحيح . فالجمهور يطلقونهما ، ويريدون بهما معنًى واحداً ، وهو : وقوع الفعل على خلاف ما طلبه الشّارع ، سواء أكان هذا الخلاف راجعاً إلى فوات ركنٍ من أركان الفعل ، أم راجعاً إلى فوات شرطٍ من شروطه . أمّا الحنفيّة فإنّهم - على المشهور عندهم ، وهو المعتمد - يوافقون الجمهور في أنّ البطلان والفساد مترادفان بالنّسبة للعبادات . أمّا بالنّسبة للمعاملات ، فإنّهم يخالفون الجمهور ، فيفرّقون بينهما ، ويجعلون للفساد معنًى يخالف معنى البطلان ، ويقوم هذا التّفريق على أساس التّمييز بين أصل العقد ووصفه . فأصل العقد هو أركانه وشرائط انعقاده ، من أهليّة العاقد ومحلّيّة المعقود عليه وغيرهما ، كالإيجاب والقبول ... وهكذا . أمّا وصف العقد ، فهي شروط الصّحّة ، وهي العناصر المكمّلة للعقد ، كخلوّه عن الرّبا ، وعن شرطٍ من الشّروط الفاسدة ، وعن الغرر والضّرر . وعلى هذا الأساس يقول الحنفيّة : إذا حصل خلل في أصل العقد - بأن تخلّف ركن من أركانه ، أو شرط من شروط انعقاده - كان العقد باطلاً ، ولا وجود له ، ولا يترتّب عليه أيّ أثرٍ دنيويٍّ ، لأنّه لا وجود للتّصرّف إلاّ من الأهل في المحلّ ، ويكون العقد فائت المعنى من كلّ وجهٍ مع وجود الصّورة فحسب ، إمّا لانعدام محلّ التّصرّف كبيع الميتة والدّم ، أو لانعدام أهليّة المتصرّف كالبيع الصّادر من المجنون أو الصّبيّ الّذي لا يعقل . أمّا إذا كان أصل العقد سالماً من الخلل ، وحصل خلل في الوصف ، بأن اشتمل العقد على شرطٍ فاسدٍ ، أو رباً ، فإنّ العقد يكون فاسداً لا باطلاً ، وتترتّب عليه بعض الآثار دون بعضٍ .
11 - والسّبب في هذا الاختلاف بين الجمهور والحنفيّة ، يرجع إلى اختلاف هؤلاء الفقهاء في أثر النّهي إذا توجّه إلى وصفٍ من أوصاف العمل اللّازمة له ، كالنّهي عن البيع المشتمل على الرّبا أو شرطٍ فاسدٍ . فالجمهور يقولون : إنّه يقتضي بطلان كلٍّ من الوصف والأصل ، كأثر النّهي المتوجّه إلى ذات الفعل وحقيقته ، ويطلقون على الفعل المنهيّ عنه لوصفٍ لازمٍ له اسم الفاسد أو الباطل ، ولا يرتّبون عليه أيّ أثرٍ من الآثار المقصودة منه ، ولهذا كان البيع المشتمل على الرّبا ، أو على شرطٍ فاسدٍ ، أو نحو هذا من قبيل الباطل عندهم أو الفاسد . والحنفيّة يقولون : إنّه يقتضي بطلان الوصف فقط ، أمّا أصل العمل فهو باقٍ على مشروعيّته بخلاف النّهي المتوجّه إلى ذات الفعل وحقيقته ، ويطلقون على الفعل المنهيّ عنه لوصفٍ لازمٍ له اسم الفاسد لا الباطل ، ويرتّبون عليه بعض الآثار دون بعضٍ ، ولهذا كان البيع المشتمل على الرّبا ، أو على شرطٍ فاسدٍ ونحوهما من قبيل الفاسد عندهم ، لا من قبيل الباطل .
12 - وقد استدلّ كلّ من الفريقين لما ذهب إليه بأدلّةٍ كثيرةٍ ، أهمّها ما يأتي : أمّا الجمهور فقد استدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ } فإنّه يدلّ على أنّ العمل متى خالف أمر الشّارع صار غير معتبرٍ في نظره ، فلا تترتّب عليه الأحكام الّتي يقصدها منه ، سواء أكانت المخالفة راجعةً إلى ذات العمل وحقيقته ، أم إلى وصفٍ من الأوصاف اللّازمة له . وأمّا الحنفيّة فإنّهم استندوا إلى أنّ الشّارع قد وضع العبادات والمعاملات أسباباً لأحكامٍ تترتّب عليها ، فإذا نهى الشّارع عن شيءٍ منها لوصفٍ من الأوصاف اللّازمة له ، كان النّهي مقتضياً بطلان هذا الوصف فقط ، لأنّ النّهي متوجّه إليه ، فيقتصر أثره عليه ، فإذا لم يكن وجود هذا الوصف مخلّاً بحقيقة التّصرّف الموصوف به ، بقيت حقيقته قائمةً ، وحينئذٍ يجب أن يثبت لكلٍّ منهما مقتضاه . فإذا كان المنهيّ عنه بيعاً مثلاً ، ووجدت حقيقته بوجود ركنه ومحلّه ، ثبت الملك به نظراً لوجود حقيقته ، ووجب فسخه نظراً لوجود الوصف المنهيّ عنه ، وبذلك يمكن مراعاة الجانبين ، وإعطاء كلٍّ منها حكمه اللّائق به . إلاّ أنّ العبادات لمّا كان المقصود منها الامتثال والطّاعة ، ولا يتحقّق هذا إلاّ إذا لم تحصل فيها مخالفة ما ، لا في الأصل ولا في الوصف ، كانت مخالفة أمر الشّارع فيها مقتضيةً للفساد والبطلان ، سواء أكانت هذه المخالفة راجعةً إلى ذات العبادة ، أم إلى صفةٍ من صفاتها اللّازمة . بقي بعد ذلك أن نذكر أنّ الجمهور وإن كانوا لا يفرّقون بين الفاسد والباطل - على ما جاء في قواعدهم العامّة - إلاّ أنّه يتبيّن وجود الخلاف في كثيرٍ من أبواب الفقه ، كما يؤخذ من نصوصهم ، غير أنّهم اعتبروا ذلك استثناءً من القاعدة العامّة كما يقول الشّافعيّة ، أو للتّفرقة في مسائل الدّليل كما يقول الحنابلة والمالكيّة ، وتفصيل ذلك في كلّ بابٍ من أبواب الفقه ينظر في مواضعه .

تجزّؤ البطلان :
13 - المراد بتجزّؤ البطلان : أن يشمل التّصرّف على ما يجوز وما لا يجوز ، فيكون في شقٍّ منه صحيحاً ، وفي الشّقّ الآخر باطلاً . ومن هذا النّوع ما يسمّى بتفريق الصّفقة . وهي الجمع بين ما يجوز وما لا يجوز في عقدٍ واحدٍ . وأهمّ الصّور الواردة في ذلك ما جاء في البيع وهي .
14 - عقد البيع إذا كان في شقٍّ منه صحيحاً ، وفي الشّقّ الآخر باطلاً ، كبيع العصير والخمر صفقةً واحدةً ، وكذلك بيع المذكّاة والميتة ، فالصّفقة كلّها باطلة ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة - عدا ابن القصّار منهم - وهو أحد قولي الشّافعيّة ( وادّعى في المهمّات أنّه المذهب ) ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد . وذلك لأنّه متى بطل العقد في البعض بطل في الكلّ ، لأنّ الصّفقة غير متجزّئةٍ ، أو لتغليب الحرام على الحلال عند اجتماعهما ، أو لجهالة الثّمن . والقول الآخر للشّافعيّة - قالوا : وهو الأظهر - والرّواية الثّانية عن الإمام أحمد ، وقول ابن القصّار من المالكيّة : أنّه يجوز تجزئة الصّفقة ، فيصحّ البيع فيما يجوز ، ويبطل فيما لا يجوز ، لأنّ الإبطال في الكلّ لبطلان أحدهما ليس بأولى من تصحيح الكلّ لصحّة أحدهما ، فيبقيان على حكمهما ، ويصحّ فيما يجوز ويبطل فيما لا يجوز . وقال أبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة : إن عيّن ابتداءً لكلّ شقّ حصّته من الثّمن ، فعند ذلك نعتبر الصّفقة صفقتين مستقلّتين ، تجوز فيهما التّجزئة ، فتصحّ واحدة ، وتبطل الأخرى . وإذا كان العقد في شقٍّ منه صحيحاً ، وفي الشّقّ الآخر موقوفاً ، كالجمع بين ما يملكه وما يملكه غيره ، وبيعهما صفقةً واحدةً ، فإنّ البيع يصحّ فيهما ويلزم في ملكه ، ويقف اللّازم في ملك الغير على إجازته ، وهذا عند المالكيّة والحنفيّة عدا زفر ، وهو مبنيّ عند الحنفيّة على قاعدة عدم جواز البيع بالحصّة ابتداءً ، وجواز ذلك بقاءً . وعند زفر : يبطل الجميع ، لأنّ العقد وقع على المجموع ، والمجموع لا يتجزّأ . وعند الشّافعيّة والحنابلة يجري الخلاف السّابق ، لأنّ العقد الموقوف عندهم باطل في الأصحّ .
15 - كذلك تجري التّجزئة في النّكاح ، فلو جمع في عقد النّكاح بين من تحلّ ومن لا تحلّ ، كمسلمةٍ ووثنيّةٍ ، صحّ نكاح الحلال اتّفاقاً ، وبطل في من لا تحلّ . أمّا لو جمع بين خمسٍ ، أو بين أختين في عقدٍ واحدٍ فإنّه يبطل في الكلّ ، لأنّ المحرّم الجمع ، لا إحداهنّ أو إحداهما فقط ، وإنّما يجري خلاف الفقهاء فيما لو جمع بين أمةٍ وحرّةٍ معاً في عقدٍ واحدٍ ، فعند الحنفيّة يبطل فيهما ، وعند المالكيّة صحّ نكاح الحرّة ، وبطل نكاح الأمة على المشهور ، وهو أظهر الرّوايتين عند الحنابلة والأظهر عند الشّافعيّة . والحكم في سائر عقود المعاملات كالإجارة وغيرها كالحكم في البيع في الجملة ، وقد عقد الفقهاء فصلاً لتفريق الصّفقة وما يجرى مجراها من تصرّفاتٍ . انظر ( تفريق الصّفقة ) .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:58 AM

بطلان الشّيء يستلزم بطلان ما في ضمنه وما بني عليه :
16 - من القواعد الفقهيّة الّتي ذكرها ابن نجيمٍ في الأشباه : إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه ، ثمّ قال : وهو معنى قولهم : إذا بطل المتضمّن ( بالكسر ) بطل المتضمّن ( بالفتح ) وأورد لذلك عدّة أمثلةٍ منها :
أ - لو قال : بعتك دمي بألفٍ ، فقتله وجب القصاص ، ولا يعتبر ما في ضمنه من الإذن بقتله .
ب - التّعاطي ضمن عقدٍ فاسدٍ أو باطلٍ لا ينعقد به البيع .
ج - لو أبرأه أو أقرّ له ضمن عقدٍ فاسدٍ فسد الإبراء .
د - لو جدّد النّكاح لمنكوحته بمهرٍ لم يلزمه ، لأنّ النّكاح الثّاني لم يصحّ ، فلم يلزم ما في ضمنه من المهر . إلاّ أنّ أغلب كتب الحنفيّة تجري القاعدة على الفساد لا على البطلان ، لأنّ الباطل معدوم شرعاً أصلاً ووصفاً ، والمعدوم لا يتضمّن شيئاً ، أمّا الفاسد فهو فائت الوصف دون الأصل ، فلم يكن معدوماً بأصله فصحّ أن يكون متضمّناً ، فإن فسد المتضمّن فسد المتضمّن .
17 - هذا والمذاهب الأخرى - وهي الّتي لا تفرّق بين البطلان والفساد - تسير على هذا النّهج ، واستثنوا من ذلك صوراً . ففي كتب الشّافعيّة : الفاسد من العقود المتضمّنة للإذن ، إذا صدرت من المأذون ، صحّت ، كما في الوكالة المعلّقة إذا أفسدناها فتصرّف الوكيل ، صحّ لوجود الإذن ، والوكيل بالبيع مع شرط عوضٍ فاسدٍ للوكيل ، فالإذن صحيح والعوض فاسد . وفي القواعد لابن رجبٍ الحنبليّ : العقود الجائزة كالشّركة والمضاربة والوكالة لا يمنع فسادها نفوذ المتصرّف فيها بالإذن . ثمّ يفرّق بين الإذن في البيع - وهو عقد تمليكٍ - وبين الإذن في العقود الجائزة ، فيقول : البيع وضع لنقل الملك لا للإذن وصحّة التّصرّف فيه تستفاد من الملك لا من الإذن ، بخلاف الوكالة فإنّها موضوعة للإذن . ويقول ابن قدامة : إذا تصرّف العامل في المضاربة الفاسدة نفذ تصرّفه ، لأنّه أذن له فيه ، فإذا بطل العقد بقي الإذن ، فملك به التّصرّف . وقواعد المالكيّة لا تأبى ذلك . هذه هي قاعدة التّضمّن . لكن هناك قاعدة أخرى شبيهة بها ، وهي : إذا سقط الأصل سقط الفرع ، ومنها : التّابع يسقط بسقوط المتبوع ، وقد مثّل الفقهاء لذلك بقولهم : لو أبرأ الدّائن المدين من الدّين ، فكما أنّه يبرأ المدين يبرأ منه الكفيل أيضاً ، لأنّ المدين في الدّين أصل ، والكفيل فرع .

تصحيح العقد الباطل :
18 - تصحيح العقد الباطل يمكن تصويره بصورتين : الأولى : إذا ارتفع ما يبطل العقد فهل ينقلب صحيحاً الثّانية : أن تؤدّي صيغة العقد الباطل إلى معنى عقدٍ آخر صحيحٍ .
19 - أمّا الصّورة الأولى : فإنّ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة لا يصير العقد الباطل صحيحاً عندهم إذا ارتفع ما يبطله . وعلى ذلك : لا يجوز بيع الدّقيق في الحنطة ، والزّيت في الزّيتون ، واللّبن في الضّرع ، والبذر في البطّيخ ، والنّوى في التّمر ، لأنّه لا يعلّم وجوده فهو كالمعدوم ، حتّى لو سلّم اللّبن أو الدّقيق أو العصير لا ينقلب صحيحاً ، لأنّ المعقود عليه كالمعدوم حالة العقد ، ولا يتصوّر انعقاد العقد بدونه ، فلم ينعقد أصلاً ، فلا يحتمل التّصحيح . أمّا الجمهور ( وهم لا يفرّقون في الجملة بين الفاسد والباطل ) فالحكم عند الشّافعيّة والحنابلة كالحنفيّة ، لا ينقلب العقد الباطل صحيحاً برفع المفسد . ففي كتب الشّافعيّة : لو حذف العاقدان المفسد للعقد ، ولو في مجلس الخيار ، لم ينقلب العقد صحيحاً ، إذ لا عبرة بالفاسد . وفي منتهى الإرادات : الفاسد لا ينقلب صحيحاً . أمّا المالكيّة : فإنّهم يوافقون الجمهور في هذا الحكم ، إلاّ في البيع بشرطٍ لا يؤدّي إلى الإخلال بشيءٍ من شروط الصّحّة ، فإنّ العقد ينقلب صحيحاً إذا أسقط الشّرط ، وذلك كبيع الثّنيا ، وهو أن يبتاع السّلعة على أنّ البائع متى ردّ الثّمن فالسّلعة له ، وكالبيع بشرط السّلف ، فإنّ البيع عندهم يكون فاسداً ، لكنّه ينقلب صحيحاً إن حذف الشّرط .

أمّا الصّورة الثّانية : وهي تحوّل العقد الباطل إلى عقدٍ آخر صحيحٍ ، فيكاد الفقهاء يتّفقون على أنّه متى أمكن تحويل العقد الباطل إلى عقدٍ آخر صحيحٍ - لتوفّر أسباب الصّحّة فيه - صحّ ذلك ، سواء أكانت الصّحّة عن طريق المعنى عند بعض الفقهاء ، أم عن طريق اللّفظ عند البعض الآخر ، نظراً لاختلافهم في قاعدة : هل العبرة بصيغ العقود أو معانيها . 21 - ومن أمثلة ذلك ما يأتي : المضاربة ، وهي : أن يدفع شخص إلى آخر ماله ليتّجر فيه ، ويكون الرّبح بينهما بحسب ما يتّفقان ، ويسمّى القائم بالتّجارة مضارباً ، فلو شرط في عقد المضاربة الرّبح كلّه للمضارب لم يكن مضاربةً ، ولكن يكون قرضاً ، تصحيحاً للعقد ، لأنّه لو بقي مضاربةً لكان باطلاً ، لأنّ المضارب لا يملك رأس مال المضاربة حتّى يكون الرّبح كلّه له ، فجعل قرضاً ، نظراً للمعنى ، ليصحّ العقد . وكذلك لو شرط الرّبح كلّه لربّ المال ، اعتبر العقد في هذه الحالة إبضاعاً ، تصحيحاً للعقد ، وفي هذه الحالة يكون المضارب وكيلاً متبرّعاً لصاحب المال . نصّ على ذلك فقهاء الحنفيّة . وبه قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وصحّحوا الوكالة إذا عقدت بلفظ الحوالة ، والحوالة إذا عقدت بلفظ الوكالة ، لاشتراكهما في المعنى ، حيث قالوا : إن أحال من ليس عليه دين رجلاً على رجلٍ آخر مدينٍ له ، لم يكن هذا التّصرّف حوالةً ، بل وكالةً تترتّب عليه أحكامها ، وإن أحال من عليه دين صاحب الدّين على رجلٍ ليس له عليه دين ، لم يجعل هذا التّصرّف حوالةً ، بل اقتراضاً ، وإن كان الّذي أحاله لا دين له عليه اعتبر وكالةً في الاقتراض . وفي الفقه الشّافعيّ : إذا وهب شخص لآخر شيئاً بشرط الثّواب ، اعتبر هذا التّصرّف بيعاً بالثّمن لا هبةً ، في أصحّ الأقوال .

الباطل لا يصير صحيحاً بتقادم الزّمان أو بحكم الحاكم :
22 - التّصرّفات الباطلة لا تنقلب صحيحةً بتقادم الزّمان ، ولو حكم حاكم بنفاذ التّصرّفات الباطلة ، فإنّ ثبوت الحقّ وعودته يعتبر قائماً في نفس الأمر ، ولا يحلّ لأحدٍ الانتفاع بحقّ غيره نتيجة تصرّفٍ باطلٍ ما دام يعلم بذلك . فإنّ حكم الحاكم لا يحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً . هذا هو الأصل ، والقضاة إنّما يقضون بحسب ما يظهر لهم من أدلّةٍ وحججٍ يبنون عليها أحكامهم ، وقد تكون غير صحيحةٍ في نفس الأمر . ولذلك يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما روت أمّ سلمة عنه : { إنّما أنا بشر ، وإنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعضٍ ، فأقضي له بما أسمع ، وأظنّه صادقاً ، فمن قضيت له بشيءٍ من حقّ أخيه فلا يأخذ منه شيئاً ، فإنّما أقطع له قطعةً من النّار } . 23 - ومضيّ فترةٍ من الزّمن على أيّ تصرّفٍ ، مع عدم تقدّم أحدٍ إلى القضاء بدعوى بطلان هذا التّصرّف ، ربّما يعني صحّة هذا التّصرّف أو رضى صاحب الحقّ به . ومن هنا نشأ عدم سماع الدّعوى بعد مضيّ مدّةٍ معيّنةٍ ، يختلف الفقهاء في تحديدها بحسب الأحوال ، وبحسب الشّيء المدّعى به ، وبحسب القرابة وعدمها ، ومدّة الحيازة ، لكنّ مضيّ المدّة الّتي تمنع سماع الدّعوى لا أثر له في صحّة التّصرّف ، إن كان باطلاً . يقول ابن نجيمٍ : الحقّ لا يسقط بتقادم الزّمان ، قذفاً أو قصاصاً أو لعاناً أو حقّاً للعبد . ويقول : ينفذ قضاء القاضي في المسائل المجتهد فيها ، إلاّ في مسائل منها : لو قضى ببطلان الحقّ بمضيّ المدّة ، أو بصحّة نكاح المتعة ، أو بسقوط المهر بالتّقادم . وفي التّكملة لابن عابدين : من القضاء الباطل : القضاء بسقوط الحقّ بمضيّ سنين . ثمّ يقول . عدم سماع الدّعوى بعد مضيّ ثلاثين سنةً ، أو بعد الاطّلاع على التّصرّف ، ليس مبنيّاً على بطلان الحقّ في ذلك ، وإنّما هو مجرّد منعٍ للقضاء عن سماع الدّعوى ، مع بقاء الحقّ لصاحبه ، حتّى لو أقرّ به الخصم يلزمه . وفي منتهى الإرادات : تقبل الشّهادة بحدٍّ قديمٍ على الصّحيح ، لأنّها شهادة بحقٍّ ، فجازت مع تقادم الزّمان . والمالكيّة - وإن كانوا يشترطون لعدم سماع الدّعوى حيازة الشّيء المدّعى به مدّةً تختلف بحسبه من عقارٍ وغيره - إلاّ أنّ ذلك مقيّد بكون المدّعي حاضراً مدّة حيازة الغير ، ويراه يقوم بالهدم والبناء والتّصرّف وهو ساكت . أمّا إذا كان ينازعه فإنّ الحيازة لا تفيد شيئاً مهما طالت المدّة ، وفي فتح العليّ لمالكٍ : رجل استولى على أرضٍ بعد موت أهلها بغير حقٍّ ، مع وجود ورثتهم ، وبناها ونازعه الورثة ، ولم يقدروا على منعه لكونه من رؤساء بلدتهم ، فهل لا تعتبر حيازته ولو طالت مدّتها ؟ أجيب : نعم . لا تعتبر حيازته ولو طالت مدّتها ... سمع يحيى من ابن القاسم : من عرف بغصب أموال النّاس لا ينتفع بحيازته مال غيره في وجهه ، فلا يصدّق فيما يدّعيه من شراءٍ أو عطيّةٍ ، وإن طال بيده أعواماً إن أقرّ بأصل الملك لمدّعيه ، أو قامت له به بيّنة . قال ابن رشدٍ : هذا صحيح لا خلاف فيه ، لأنّ الحيازة لا توجب الملك ، وإنّما هي دليل عليه توجب تصديق غير الغاصب فيما ادّعاه من تصير إليه ، لأنّ الظّاهر أنّه لا يجوز أخذ مال أحدٍ ، وهو حاضر لا يطلبه ولا يدّعيه ، إلاّ وقد صار إلى حائزةٍ إذا حازه عشرة أعوامٍ ونحوها . وتنظر تفصيلات ذلك في ( دعوى . تقادم . حيازة ) . وبالنّسبة للعبادات : فمن المقرّر أنّ من بطلت عبادته ، فإنّ ذمّته تظلّ مشغولةً بها حتّى يقضيها .

آثار البطلان : تختلف آثار البطلان بالنّسبة للتّصرّفات ، وبيان ذلك فيما يلي : أوّلاً - بالنّسبة للعبادات :
24 - بطلان العبادات يترتّب عليه عدّة آثارٍ منها :
أ - استمرار انشغال الذّمّة بالعبادة إلى أن - تؤدّى إن كانت العبادة ليس لها وقت محدّد كالزّكاة ، وعبّر بعض الفقهاء فيها بالإعادة - أو تقضى ، إن كانت العبادة لا يتّسع وقتها لمثلها كرمضان . - أو تعاد ، إن كان وقتها يتّسع لغيرها معها كالصّلاة . فإن خرج الوقت كانت قضاءً أو يؤتى بالبدل ، كالظّهر لمن بطلت جمعته .
ب - العقوبة الدّنيويّة في بعض العبادات كالكفّارة على من تعمّد الإفطار في رمضان . ج - وجوب الانقطاع عن المضيّ في الصّلاة إذا بطلت لا في الصّيام والحجّ ، إذ يجب الإمساك في الصّوم في رمضان ، والمضيّ في الحجّ الفاسد ، مع القضاء فيهما .
د - حقّ استرداد الزّكاة إذا أعطيت لغير مستحقٍّ . وفي كلّ ما سبق تفصيل ينظر في أبوابه .

ثانياً : أثر البطلان في المعاملات :
25 - العقد الباطل في اصطلاح الحنفيّة لا وجود له إلاّ من حيث الصّورة ، فليس له وجود شرعيّ ، ومن ثمّ فهو عدم ، والعدم لا ينتج أثراً . وهو منقوض من أساسه ، ولا يحتاج لحكم حاكمٍ لنقضه . ولا تلحقه الإجازة ، لأنّه غير منعقدٍ أصلاً فهو معدوم ، والإجازة لا تلحق المعدوم ، لأنّه متلاشٍ . ولا يملك بالعقد الباطل ما يملك بغيره ، وإذا حدث فيه تسليم يجب الرّدّ . ففي البيع الباطل لا ينتقل الملك بالقبض ولذا يجب الرّدّ . يقول ابن رشدٍ من المالكيّة : اتّفق العلماء على أنّ البيوع الفاسدة - وهي الباطلة عند الحنفيّة - إذا وقعت ولم تفت ، حكمها الرّدّ ، أي أن يردّ البائع الثّمن ، ويردّ المشتري المثمّن . ولا يملك المصالح ما صالح به في الصّلح الباطل ، ويرجع الدّافع بما دفع . ولا يملك الموهوب له الهبة في الهبة الباطلة . ولا يملك المرتهن حبس المرهون في الرّهن الباطل . ولا يملك المكاتب حرّيّته في الكتابة الباطلة . وفي الإجارة الباطلة الّتي ليست محلّاً للإجارة ، لا تملك الأجرة ويجب ردّها ، لأنّ أخذها حرام ، وتعتبر من أكل الأموال بالباطل . ولا يملك الاستمتاع بالبضع والانتفاع به في النّكاح الباطل . وهكذا الحكم في كلّ العقود الباطلة على وجه الإجمال ، مع تفصيلاتٍ تنظر في مواضعها . لكنّ وجود العقد الباطل كصورةٍ قد ينتج أثراً ، وذلك إذا حدث فيه تسليم وامتنع الرّدّ للفوات ، فهل يكون فيه الضّمان أو لا يكون . وبيان ذلك فيما يلي : الضّمان :
26 - رغم أنّ جمهور الفقهاء لا يفرّقون في قواعدهم العامّة بين الباطل والفاسد إلاّ أنّه بالنّسبة لبعض الأحكام نجد التّفريق بينهما . والضّمان ممّا يفترقان فيه وبيان ذلك فيما يلي : في قاعدةٍ عند الشّافعيّة والحنابلة أنّ كلّ عقدٍ اقتضى صحيحه الضّمان بعد التّسليم كالبيع ففاسده كذلك يقتضي الضّمان ، وإن اقتضى صحيحه عدم الضّمان كالقراض ففاسده كذلك لا يقتضي الضّمان . لكنّ عدم اقتضاء الضّمان مقيّد بما إذا كان القبض صحيحاً ، بأن كان الإذن في قبضه صادراً من أهله ، ويكون وضع اليد عليه في هذه الحالة صحيحاً ، وحينئذٍ فلا ضمان مع فساد القبض . أمّا إذا لم يوجد إذن أصلاً ، أو صدر ولم يكن صحيحاً ، لكونه من غير أهله ، أو في ظلّ الإكراه ، فإنّ القبض يكون باطلاً ، وحينئذٍ يجب الضّمان مطلقاً ، سواء أكان صحيحه لا ضمان فيه ، أم كان فيه الضّمان . جاء في نهاية المحتاج : فاسد كلّ عقدٍ صدر من رشيدٍ كصحيحه ، في الضّمان وعدمه ، لأنّ العقد إن اقتضى صحيحه الضّمان بعد التّسليم كالبيع والإعارة ففاسده أولى . وإن اقتضى صحيحه عدم الضّمان كالرّهن ، والهبة من غير ثوابٍ ، والعين المستأجرة ، ففاسده كذلك لا يقتضي الضّمان . ومثل ذلك في حاشية الجمل وغيرها من كتب الشّافعيّة . 27 - واعتبار عدم الضّمان مع البطلان في عقود التّصرّفات والأمانات لوجود الإذن الصّادر من أهله ، والضّمان إن كان الإذن من غير أهله ، هو أيضاً مذهب الحنفيّة والمالكيّة في الجملة على ما يستفاد من أقوالهم ، مع الاختلاف فيمن يعتبر أهلاً للإذن ، ومن لا يعتبر كالسّفيه ، ومع الاختلاف أيضاً في العقود المضمونة في صحيحها ، أو غير المضمونة كالرّهن والعاريّة . ويعتبر أبو حنيفة المبيع في البيع الباطل إذا قبضه المشتري أمانةً ، ولا ضمان عليه لو هلك ، لأنّ العقد إذا بطل بقي مجرّد القبض بإذن المالك ، وهو لا يوجب الضّمان إلاّ بالتّعدّي ، والقائلون بالضّمان يعلّلون ذلك بأنّه لا يكون أدنى من المقبوض على سوم الشّراء . ويفرّق المالكيّة في العقد الفاسد بين ما قبض على جهة التّملّك فيكون مضموناً ، وما قبض على جهة الأمانة فلا ضمان فيه . جاء في الفواكه الدّواني : كلّ مبيعٍ فاسدٍ قبضه المبتاع قبضاً مستمرّاً بعد بتّ البيع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه ، لأنّه قبضه على جهة التّملّك ، لا على جهة الأمانة . ومثل ذلك في الشّركة : لو اشترك من لا يعتبر إذنه ، كصبيٍّ غير مأذونٍ أو سفيهٍ ، فلا ضمان .

أثر البطلان في النّكاح :
28 - من القواعد العامّة عند الجمهور أنّه لا فرق بين الباطل والفاسد ، ويتابعهم الحنفيّة في ذلك في باب النّكاح على ما عرف من القواعد العامّة عندهم . إلاّ أنّ الفقهاء يعبّرون عن النّكاح غير الصّحيح بالباطل أحياناً ، وبالفاسد أحياناً أخرى . ويريدون بهما ما قابل الصّحيح . لكنّهم يقصدون بالفاسد ما كان مختلفاً في فساده بين المذاهب ، كالنّكاح بدون شهودٍ ، حيث يجيز المالكيّة العقد بدونه ، وإن كانوا يشترطون الإشهاد قبل الدّخول ، ويجيزه أيضاً أبو ثورٍ وجماعة . وكنكاح المحرم بالحجّ ، والنّكاح بدون وليٍّ ، حيث يجيزهما الحنفيّة . وكنكاح الشّغار يصحّحه الحنفيّة ويلغون الشّرط ، ويوجبون مهر المثل لكلٍّ من المرأتين . ويقصدون بالباطل : ما كان مجمعاً على فساده بين المذاهب ، كنكاح الخامسة ، أو المتزوّجة من الغير ، أو المطلّقة ثلاثاً ، أو نكاح المحارم . والنّكاح الباطل أو الفاسد واجب الفسخ عند الجميع بالنّسبة للمتّفق على فساده ، وعند القائلين بالفساد بالنّسبة للمختلف فيه ، إلاّ إذا حكم حاكم بصحّته ، فلا ينقض حكمه . والتّفريق في المتّفق على فساده ليس طلاقاً بالإجماع ، وإنّما هو فسخ أو متاركة ، وأمّا المختلف فيه ، ففي اعتبار التّفريق طلاقاً أم لا اختلاف الفقهاء . ر : ( طلاق - فرقة - فسخ ) . ولا حكم للنّكاح الباطل أو الفاسد قبل الدّخول في الجملة على ما سيعرف ، لأنّه ليس بنكاحٍ حقيقةً ، لانعدام ملك منافع البضع بالعقد الباطل أو الفاسد . أمّا بعد الدّخول فيتعلّق بالفاسد بعض الأحكام ، لاعتباره منعقداً ضرورةً في حقّ المنافع المستوفاة . وفيما يلي بيان أهمّ الأحكام الّتي تتعلّق به : المهر :
29 - لا يستحقّ المهر في النّكاح الفاسد مطلقاً - سواء اتّفق على فساده أم لا - إذا حصل التّفريق قبل الدّخول باتّفاقٍ في الجملة ، أو قبل الخلوة فيما اختلف فيه ، وذلك عند الحنابلة . هذا مع استثناء بعض المسائل الّتي يثبت فيها نصف المهر قبل الدّخول ، ومن ذلك ما يقوله المالكيّة من أنّ سبب الفساد إذا لم يؤثّر خللاً في المهر ، كنكاح المحرم بالحجّ ، ففيه نصف الصّداق بالطّلاق ، وجميعه بالموت . وكذلك النّكاح الفاسد عند المالكيّة لوقوع صداقه أقلّ من الصّداق الشّرعيّ ، وامتنع الزّوج من إتمامه ( وهو ما يسمّى بنكاح الدّرهمين ، لأنّهما أقلّ من الصّداق الشّرعيّ ) ففيه نصف الدّرهمين بفسخه قبل الدّخول . ومن ذلك ما إذا ادّعى الزّوج قبل الدّخول رضاعاً محرّماً بلا بيّنةٍ ، وكذّبته الزّوجة ، فإنّه يفسخ ، وعليه نصف الصّداق كما يقول المالكيّة والحنابلة . ويتّفق الفقهاء على وجوب المهر في النّكاح الفاسد مطلقاً بالدّخول ( أي بالوطء ) لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : { أيّما امرأةٍ أنكحت نفسها بغير إذن وليّها فنكاحها باطل ، فإن دخل بها فلها مهر مثلها } جعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم لها مهر المثل فيما له حكم النّكاح الفاسد ، وعلّقه بالدّخول ، فدلّ أنّ وجوبه متعلّق به . وعند الحنابلة يجب المهر كذلك في النّكاح المختلف فيه بالخلوة . قال في منتهى الإرادات : نصّاً لما في حديث عائشة رضي الله عنها من قوله صلى الله عليه وسلم : { فلها المهر بما استحلّ من فرجها } . إلاّ أنّ ابن قدامة ذكر في المغني أنّ الخلوة في النّكاح الفاسد لا يجب بها شيء من المهر ، وإنّما يوجبه الوطء ولم يوجد ، ثمّ قال : وقد روي عن أحمد ما يدلّ على أنّ الخلوة فيه كالصّحيح ، فيتقرّر به المهر كالصّحيح ، والأوّل أولى . ويرى المالكيّة أنّ المتلذّذ بها من غير وطءٍ تعوّض وجوباً بالاجتهاد ، سواء أكان النّكاح مختلفاً فيه أم متّفقاً على فساده . واختلف الفقهاء في الواجب من المهر ، هل هو المسمّى أو مهر المثل ؟ . فعند الحنفيّة - غير زفر - لها الأقلّ من مهر مثلها ومن المسمّى . وعند المالكيّة لها المسمّى ، وإن لم يكن مسمًّى - كنكاح الشّغار - فلها مهر المثل ، وعند الشّافعيّة وزفر من الحنفيّة لها مهر المثل ، وعند الحنابلة لها المسمّى في الفاسد ومهر المثل في الباطل . وفي الموضوع تفصيلات كثيرة تنظر في ( مهر ، صداق ، نكاح ) .
ب - العدّة والنّسب :
30 - اتّفق الفقهاء على وجوب العدّة وثبوت النّسب بالوطء في النّكاح المختلف فيه بين المذاهب ، كالنّكاح بدون شهودٍ ، أو بدون وليٍّ ، وكنكاح المحرم بالحجّ ، ونكاح الشّغار . ويزيد الحنابلة ثبوتهما بالخلوة ، لأنّه ينفذ بحكم الحاكم أشبه الصّحيح . ويتّفقون كذلك على وجوب العدّة وثبوت النّسب في النّكاح المجمع على فساده بالوطء كنكاح المعتدّة ، وزوجة الغير والمحارم إذا كانت هناك شبهة تسقط الحدّ ، بأن كان لا يعلم بالحرمة ، ولأنّ الأصل عند الفقهاء : أنّ كلّ نكاحٍ يدرأ فيه الحدّ فالولد لاحق بالواطئ . أمّا إذا لم تكن هناك شبهة تسقط الحدّ ، بأن كان عالماً بالحرمة ، فلا يلحق به الولد عند الجمهور ، وكذلك عند بعض مشايخ الحنفيّة ، لأنّه حيث وجب الحدّ فلا يثبت النّسب . وعند أبي حنيفة وبعض مشايخ الحنفيّة يثبت النّسب لأنّ العقد شبهة . وروي عن أبي يوسف ومحمّدٍ أنّ الشّبهة تنتفي إذا كان النّكاح مجمعاً على تحريمه والمنكوحة محرّمة على التّأبيد ، كالأمّ والأخت ، وعلى ذلك فلا يثبت النّسب عندهما في المحرّمة على التّأبيد ، فقد ذكر الخير الرّمليّ في باب المهر عن العينيّ ومجمع الفتاوى أنّه يثبت النّسب عند أبي حنيفة خلافاً لهما ، إلاّ أنّه روي عن محمّدٍ أنّه قال سقوط الحدّ عنه لشبهةٍ حكميّةٍ فيثبت النّسب . هذا بالنّسبة للنّسب في النّكاح المجمع على تحريمه مع العلم بالحرمة . وأمّا بالنّسبة للعدّة ، فعند المالكيّة والحنابلة والقائلين من الحنفيّة بثبوت النّسب فإنّ العدّة تجب وتسمّى استبراءً ، ولا يجب عند الشّافعيّة وبعض الحنفيّة القائلين بعدم ثبوت النّسب . هذا مع اختلافهم في العدّة وهل تعتبر وقت التّفريق أو من آخر الوطآت . وهل تتداخل العدد أو لا تتداخل ، بل تستأنف . وهل يعتبر النّسب من وقت الدّخول أو من وقت العقد . وهل تثبت بالنّكاح الباطل حرمة المصاهرة أو لا تثبت . وهل يثبت به الإرث أو لا يثبت ؟ ففي كلّ ذلك تفصيلات كثيرة تنظر في مواضعها .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:59 AM

بعض انظر : بعضيّة .

بعضيّة
التّعريف
1 - البعضيّة : مصدر صناعيّ من البعض ، وبعض الشّيء : الطّائفة منه ، وبعضهم يقول : الجزء منه ، والجمع : أبعاض . قال ثعلب : أجمع أهل النّحو على أنّ البعض : شيء من شيءٍ ، أو شيء من أشياء ، وهذا يتناول ما فوق النّصف ، كالثّمانية ، فإنّه يصدق عليه أنّه شيء من العشرة ، ويتناول أيضاً ما دون النّصف . وبعّضت الشّيء تبعيضاً : جعلته أبعاضاً متمايزةً . وفي الاصطلاح لا يخرج عن معناه اللّغويّ .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
2 - من الألفاظ ذات الصّلة " الجزئيّة والفرعيّة " وهذه الألفاظ مقاربة ، لأنّ الجزئيّة من الجزء ، والجزء من الشّيء : الطّائفة منه . والفرعيّة من الفرع ، وهو ما يتفرّع من أصله .
( الحكم الإجماليّ ) : ورد استعمال الفقهاء لهذا المصطلح في كتب الفقه في مواطن أهمّها ما يأتي : في الطّهارة :
3 - اختلف الفقهاء في القدر الواجب في مسح الرّأس ، فذهب الأحناف إلى أنّه يجب مسح مقدار النّاصية ، وهو ربع الرّأس . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه يجب مسح جميع الرّأس . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يكفي ما يقع عليه اسم المسح من الرّأس ، وإن قلّ . وتفصيل ذلك في مصطلح ( وضوء ) . واختلف الفقهاء كذلك فيمن لم يجد من الماء إلاّ ما يكفي بعض أعضائه . فذهب الأحناف والمالكيّة وأكثر العلماء إلى أنّه يترك الماء الّذي لا يكفي إلاّ لبعض أعضائه ويتيمّم ، وهذا أحد الوجهين عند الحنابلة ، وذهب الشّافعيّة في الأظهر إلى أنّه يلزمه استعماله ، ثمّ يتيمّم ، وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( تيمّم ) .

في الصّلاة :
4 - اتّفق الفقهاء على أنّ من لم يجد إلاّ ما يستر به بعض عورته لزمه ستره . وأبعاض الصّلاة في اصطلاح الشّافعيّة : هي السّنن الّتي تجبر بسجود السّهو ، وهي القنوت في الصّبح ، أو في وتر نصف رمضان ، والقيام له ، والتّشهّد الأوّل ، وقعوده ، والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم على الأظهر . وسمّيت أبعاضاً ، لأنّها لمّا تأكّدت بالجبر بالسّجود أشبهت الأبعاض الحقيقيّة ، وهي الأركان . وما عداها من السّنن يسمّى هيئاتٍ لا تجبر بسجود السّهو ، ولا يشرع لها . ويتميّز البعض من الهيئة عند الشّافعيّة بعدّة أمورٍ . أوّلها : أنّ البعض يجبر بسجود السّهو بخلاف الهيئة ، فإنّها لا تجبر بسجود السّهو ، لعدم وروده فيها . ثانيها : أنّ البعض سنّة مستقلّة وليست تابعةً لغيرها ، بخلاف الهيئات ، فإنّها ليست مستقلّةً ، بل هي تابعة للأركان ، كالتّكبيرات والتّسبيحات والأدعية الواقعة إمّا في القيام ، أو الرّكوع ، أو الاعتدال منها ، أو السّجود ، أو الجلوس بين السّجدتين . ثالثها : الأبعاض لها محلّ خاصّ بها من الصّلاة لا يشاركها غيرها ، بخلاف الهيئات فليس لها محلّ خاصّ بها ، بل تقع في داخل الأركان ، كما ذكرنا آنفاً . رابعها : أنّ الأبعاض لا يطلب الإتيان بها خارج الصّلاة إلاّ الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بخلاف الهيئات ، فالتّكبيرات والتّسبيحات وغيرها من الأذكار مطلوبة في الصّلاة وخارج الصّلاة . ويكره ترك البعض عمداً عند الشّافعيّة ، ولا تبطل الصّلاة به ، ويسجد للسّهو ندباً بتركه ، كما يسجد كذلك بتركه نسياناً في المعتمد عندهم ، لأنّ الخلل حاصل في الحالتين ، بل خلل العمد أكثر ، فكان للجبر أحوج . والمرجوح لديهم أنّه إن ترك عمداً فلا يسجد لتقصيره بتفويت السّنّة على نفسه ، بخلاف النّاسي فإنّه معذور ، فناسب أن يشرع له الجبر . ويقابل البعض عند الحنفيّة والحنابلة الواجب ، وهو عند الحنفيّة : ما لا تفسد الصّلاة بتركه ، ولكن يجب إعادتها في العمد والسّهو إن لم يسجد للسّهو في حالة النّسيان ، وإن لم يعدها يكون آثماً ، وتصحّ صلاته في الحالتين . وتبطل صلاته إذا ترك الواجب عمداً عند الحنابلة ، ويجب سجود السّهو عند الفريقين إذا ترك الواجب نسياناً . أمّا المالكيّة فيرون أنّ الأبعاض سنّة كالشّافعيّة ، وإن لم يسمّوها بهذا الاسم . كما أنّ سجود السّهو سنّة عندهم كذلك ( ر : صلاة ) .

في الزّكاة :
5 - لا يعطى من تلزم المزكّي نفقته بزوجيّةٍ أو بعضيّةٍ ، كالأبناء والبنت ، من سهم الفقراء والمساكين ، بلا خلافٍ بين الفقهاء في ذلك ، فيما إذا كان المزكّي يجب عليه الإنفاق .

في زكاة الفطر :
6 - لو وجد بعض الصّاع من الفطرة فهل يلزمه إخراجه ؟ ذهب الحنفيّة إلى أنّ الفطرة لا تجب إلاّ على من ملك نصاب الزّكاة ، فاضلاً عن مسكنه وثيابه وأثاثه وما يحتاجه . وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم اشتراط ملك نصاب الزّكاة ، واتّفقوا على أنّ من ملك صاعاً زائداً عن قوت يومٍ وليلةٍ وجب عليه إخراجه . أمّا من ملك بعض صاعٍ ، فذهب المالكيّة إلى أنّه يجب إخراجه ، وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد ، وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يجب إخراج بعض الصّاع في الأصحّ محافظةً على الواجب قدر الإمكان . راجع مصطلح : ( زكاة ) .

في الطّلاق والظّهار والعتق :
7 - أجمع الفقهاء على أنّ الطّلاق أو الظّهار لا يتبعّض ولا يتجزّأ ، فإن قال لزوجته : أنت طالق بعض طلقةٍ أو نصفها أو جزأها تقع طلقة كاملة . كما اتّفقوا على أنّه إذا أضاف الطّلاق أو الظّهار إلى بعض زوجته يلزمه الطّلاق أو الظّهار ، إن كان ذلك البعض جزءاً شائعاً كنصفها أو ثلثها ، أمّا إذا أسند الطّلاق أو الظّهار إلى جزءٍ معيّنٍ ففي ذلك تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلح : ( طلاق وظهار ) . والكلام في تبعيض العتق يرجع إليه في مصطلح : ( عتق ) .

في الشّهادة :
8 - تردّ شهادة الابن لأبيه بعلّة البعضيّة ، وهو قول جماهير العلماء ، أمّا شهادة الابن على أبيه فهي مقبولة عند عامّة أهل العلم ، وإنّما ردّوا شهادة الابن لأبيه لأنّ بينهما بعضيّة ، فكأنّه يشهد لنفسه أو عليها . راجع مصطلح : ( شهادة ) .

العتق بالبعضيّة :
9 - ذهب الشّافعيّة إلى أنّ من ملك أحد أصوله أو فروعه عتق عليه . أمّا الأحناف والحنابلة فقد وسّعوا دائرة العتق وقالوا : إنّ العلّة هنا المحرميّة ، فمن ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه . وذهب المالكيّة إلى أنّه يعتق بنفس الملك الأبوان وإن علوا ، والولد وإن سفل ، وأخ وأخت شقيقان أو لأبٍ أو لأمٍّ . راجع مصطلح : ( عتق ) .

بغاء
التّعريف
1 - البغاء مصدر : بغت المرأة تبغي بغاءً ، بمعنى : فجرت ، فهي بغيّ ، والجمع بغايا ، وهو وصف مختصّ بالمرأة ، ولا يقال للرّجل : بغيّ . ويعرّف الفقهاء البغاء بأنّه : زنى المرأة . أمّا الرّجل فلا يسمّى زناه بغاءً . والمراد من بغاء المرأة هو خروجها تبحث عمّن يفعل بها ذلك الفعل ، سواء أكانت مكرهةً أم غير مكرهةٍ ، ويفهم ذلك من كلام العلماء في تفسير قوله تعالى : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصّناً } وقد ذكرت كتب التّفسير سبب نزول هذه الآية ، وهو أنّه كان لعبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول جوارٍ ، وكان يكرههنّ على ذلك الفعل ، فقد سمّي فعلهنّ وهنّ مكرهات عليه بغاءً ، فإطلاق هذا الاسم عليه مع رضاهنّ يصحّ ، بل أولى ، وبالنّسبة للقيد الّذي في الآية وهو قوله تعالى : { إن أردن تحصّناً } فستأتي الإشارة إليه . حكم أخذ البغيّ مهراً :
2 - نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن مهر البغيّ ، لحديث ابن مسعودٍ قال : { نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، ومهر البغيّ ، وحلوان الكاهن } فإنّ من البغايا من كنّ يأخذن عوضاً عن البغاء ، ومن ذلك ما روى مجاهد في قوله تعالى : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } قال : كانوا يأمرون ولائدهم فيباغين ، فكنّ يفعلن ذلك فيصبن ، فيأتينهم بكسبهنّ . وكانت لعبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول جارية كانت تباغي ، فكرهت ذلك ، وحلفت ألاّ تفعله ، فأكرهها ، فانطلقت فباغت ببردٍ أخضر ، فأتتهم به ، فأنزل اللّه الآية . والمراد بمهر البغيّ : ما تؤجر به المرأة نفسها على الزّنى ، ولا خلاف بين العلماء في تحريمه . وتفصيل بقيّة الأحكام المتعلّقة بالبغاء محلّها مصطلح : ( زنى ) .

بغاة
التّعريف
1 - يقال في اللّغة : بغى على النّاس بغياً : أي ظلم واعتدى ، فهو باغٍ والجمع بغاة ، وبغى : سعى بالفساد ، ومنه الفئة الباغية . والفقهاء لا يخرجون في الجملة عن هذا المعنى إلاّ بوضع بعض قيودٍ في التّعريف فقد عرّفوا البغاة بأنّهم : الخارجون من المسلمين عن طاعة الإمام الحقّ بتأويلٍ ، ولهم شوكة . ويعتبر بمنزلة الخروج : الامتناع من أداء الحقّ الواجب الّذي يطلبه الإمام ، كالزّكاة . ويطلق على من سوى البغاة اسم ( أهل العدل ) وهم الثّابتون على موالاة الإمام .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - الخوارج :
2 - يقول الجرجانيّ : هم الّذي يأخذون العشر من غير إذن السّلطان . وهم في الأصل كانوا في صفّ الإمام عليٍّ رضي الله عنه في القتال ، وخرجوا عليه لمّا قبل التّحكيم . قالوا : لم تحكّم وأنت على حقٍّ . ويقول ابن عابدين : إنّهم يرون عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه على باطلٍ بقبوله التّحكيم ، ويوجبون قتاله ، ويستحلّون دماء أهل العدل ، ويسبون نساءهم وذراريّهم ، لأنّهم في نظرهم كفّار . وأكثر الفقهاء يرون أنّهم بغاة ، ولا يرون تكفيرهم ، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنّهم كفّار مرتدّون . وقال ابن المنذر : لا أعلم أحداً وافق أهل الحديث على تكفيرهم ، وذكر ابن عبد البرّ أنّ الإمام عليّاً رضي الله عنه سئل عنهم : أكفّار هم ؟ قال : من الكفر فرّوا . قيل : فمنافقون ؟ قال : إنّ المنافقين لا يذكرون اللّه إلاّ قليلاً . قيل فما هم ؟ قال : هم قوم أصابتهم فتنة ، فعموا وصمّوا ، وبغوا علينا ، وقاتلوا فقاتلناهم . وقال لهم : لكم علينا ثلاث : لا نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا فيها اسم اللّه ، ولا نبدؤكم بقتالٍ ، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا . ويقول الماورديّ : إن تظاهر الخوارج باعتقادهم ، وهم على اختلاطٍ بأهل العدل ، جاز للإمام أن يعزّرهم . وتفصيل الكلام في مصطلح ( فرق ) .
ب - المحاربون :
3 - المحاربون : لفظ مشتقّ من الحرابة مصدر حرب ، وحرّبه يحرّبه : إذا أخذ ماله ، والحارب : الغاصب النّاهب . وعبّر عنها الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : بقطع الطّريق ، وقالوا : إنّه الخروج على المارّة لأخذ المال على سبيل المغالبة ، على وجهٍ يمنع المارّة من المرور ، فينقطع الطّريق ، سواء أكان القطع من جماعةٍ أم واحدٍ ، بعد أن يكون له قوّة القطع ، وسواء أكان القطع بسلاحٍ أم بغيره من العصا والحجر ونحو ذلك . وتسمّى الحرابة بالسّرقة الكبرى . أمّا كونها سرقةً ، فباعتبار أنّ قاطع الطّريق يأخذ المال خفيةً عن عين الإمام الّذي عليه حفظ الأمن . وأمّا كونها كبرى ، فلأنّ ضرره يعمّ ، حيث يقطع الطّريق على الجماعة بزوال الأمن . فالفرق بين الحرابة والبغي هو أنّ البغي يستلزم وجود تأويلٍ ، أمّا الحرابة فالغرض منها الإفساد في الأرض . الحكم التّكليفيّ للبغي :
4 - البغي حرام ، والبغاة آثمون ، ولكن ليس البغي خروجاً عن الإيمان ، لأنّ اللّه سمّى البغاة مؤمنين في قوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه ... } إلى أن قال : { إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } ، ويحلّ قتالهم ، ويجب على النّاس معونة الإمام في قتالهم . ومن قتل من أهل العدل أثناء قتالهم فهو شهيد . ويسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر اللّه ، ويقول الصّنعانيّ : إذا فارق أحد الجماعة ولم يخرج عليهم ولا قاتلهم يخلّى وشأنه ، إذ مجرّد الخلاف على الإمام لا يوجب قتال المخالف . وفي حديثٍ رواه الحاكم وغيره قال النّبيّ عليه الصلاة والسلام لابن مسعودٍ : { يا ابن مسعودٍ : أتدري ما حكم اللّه فيمن بغى من هذه الأمّة ؟ قال ابن مسعودٍ : اللّه ورسوله أعلم . قال : حكم اللّه فيهم ألاّ يتّبع مدبرهم ، ولا يقتل أسيرهم ، ولا يذفّف على جريحهم } . ويرى الشّافعيّة أنّ البغي ليس اسم ذمٍّ ، لأنّ البغاة خالفوا بتأويلٍ جائزٍ في اعتقادهم ، لكنّهم مخطئون فيه ، فلهم نوع عذرٍ ، لما فيهم من أهليّة الاجتهاد . وقالوا : إنّ ما ورد في ذمّهم ، وما وقع في كلام الفقهاء في بعض المواضع من وصفهم بالعصيان أو الفسق محمول على من لا أهليّة فيه للاجتهاد ، أو لا تأويل له . وكذلك إن كان تأويله قطعيّ البطلان .

5 - وقد بيّن الفقهاء أنواع البغاة من حيث جواز فعلهم ، أو كونه صغيرةً أو كبيرةً كما يلي :
أ - البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين ، وإنّما هم مخطئون في تأويلهم ، كالمجتهدين من الفقهاء ، يقول ابن قدامة : لا أعلم خلافاً في قبول شهادتهم . وسيأتي بيانه . وكذا إن تكلّموا بالخروج لكن لم يعزموا على الخروج بعد ، فليس للإمام أن يتعرّض لهم ، لأنّ العزم على الجناية لم يوجد . ومثال ذلك : ما وقع لبعض الصّحابة ، ممّن عصى الإمام لا على سبيل المغالبة ، من أنّه مكث أشهراً لم يبايع الخليفة ثمّ بايعه . يقول القرطبيّ : ولم يوجب ذلك لعن البغاة والبراءة منهم وتفسيقهم .

ب - إن خالط البغاة أهل العدل ، وتظاهروا باعتقادهم ، دون مقاتلتهم جاز للإمام تعزيرهم ، إذ التّظاهر باعتقادهم ، ونشره بين أهل العدل دون قتالٍ يعتبر من الصّغائر .

ج - إذا اجتمع المسلمون على إمامٍ ، وصاروا آمنين به ، فخرج عليه طائفة من المؤمنين ، ولم يكن ذلك لظلمٍ ظلمهم إيّاه ، ولكن لدعوى الحقّ والولاية . فقالوا : الحقّ معنا ، ويدّعون الولاية ، ولهم تأويل ومنعة ، فهم أهل بغيٍ ، فعلى كلّ من يقوى على القتال مناصرة الإمام عليهم . قال ابن عابدين : ومن البغاة الخوارج . ويقول ابن قدامة : إذا خرجوا على الإمام فهم فسّاق .

شروط تحقّق البغي :
6 - يتحقّق البغي بما يلي :
أ - أن يكون الخارجون على الإمام جماعةً من المسلمين لهم شوكة ، وخرجوا عليه بغير حقٍّ لإرادة خلعه بتأويلٍ فاسدٍ . فلو خرج عليه أهل الذّمّة لكانوا حربيّين لا بغاةً . ولو خرجت عليه طائفة من المسلمين بغير تأويلٍ ولا طلب إمرةٍ لكانوا قطّاع طريقٍ ، وكذا لو لم يكن لهم قوّة ومنعة ، ولا يخشى قتالهم ، ولو كانوا متأوّلين . ولو خرجوا على الإمام بحقٍّ - كدفع ظلمٍ - فليسوا ببغاةٍ ، وعلى الإمام أن يترك الظّلم وينصفهم ، ولا ينبغي للنّاس معونة الإمام عليهم ، لأنّ فيه إعانةً على الظّلم ، ولا أن يعينوا تلك الطّائفة الخارجة ، لأنّ فيه إعانةً على خروجهم ، واتّساع الفتنة ، وقد لعن اللّه من أيقظ الفتنة . وأمّا من خرجوا على الإمام بمنعةٍ ، بتأويلٍ يقطع بفساده ، مستحلّين دماء المسلمين وأموالهم ، ممّا كان قطعيّ التّحريم ، كتأويل المرتدّين ، فليسوا ببغاةٍ ، لأنّ الباغي تأويله محتمل للصّحّة والفساد ، ولكنّ فساده هو الأظهر ، وهو متّبع للشّرع في زعمه ، والفاسد منه ملحق بالصّحيح ، إذا ضمّت إليه المنعة في حقّ الدّفع .
ب - أن يكون النّاس قد اجتمعوا على إمامٍ وصاروا به آمنين ، والطّرقات به آمنة ، لأنّه إذا لم يكن كذلك يكون عاجزاً ، أو جائراً ظالماً يجوز الخروج عليه وعزله ، إن لم يلزم منه فتنة ، وإلاّ فالصّبر أولى من التّعرّض لإفساد ذات البين .
ج - أن يكون الخروج على سبيل المغالبة ، أي بإظهار القهر . وقيل : بالمقاتلة ، وذلك لأنّ من يعصي الإمام لا على سبيل المغالبة لا يكون من البغاة ، فمن خرج عن طاعة الإمام من غير إظهار القهر لا يكون باغياً .
د - وصرّح الشّافعيّة باشتراط أن يكون للخارجين مطاع فيهم ، يصدرون عن رأيه ، وإن لم يكن إماماً منصوباً ، إذ لا شوكة لمن لا مطاع لهم . وقيل : بل يشترط أن يكون لهم إمام منصوب منهم ، هذا ولا يشترط لتحقّق البغي انفرادهم بنحو بلدٍ ولكنّ ذلك شرط لمقاتلتهم .

الإمام الّذي يعتبر الخروج عليه بغياً :
7 - من اتّفق ، المسلمون على إمامته وبيعته ، وثبتت إمامته ، وجبت طاعته ومعونته ، ومثله من تثبت إمامته بعهد إمامٍ قبله إليه ، إذ الإمام يصير إماماً بالمبايعة أو بالاستخلاف ممّن قبله . ولو خرج رجل على الإمام فقهره ، وغلب النّاس بسيفه ، حتّى أذعنوا له وتابعوه ، صار إماماً يحرم قتاله والخروج عليه . وينظر للتّفصيل بحث ( الإمامة الكبرى ) .

أمارات البغي :
8 - إذا تكلّم جماعة في الخروج على الإمام ومخالفة أوامره ، وأظهروا الامتناع ، وكانوا متحيّزين متهيّئين لقصد القتال ، لخلع الإمام وطلب الإمرة لهم ، وكان لهم تأويل يبرّر في نظرهم مسلكهم دون المقاتلة ، فإنّ ذلك يكون أمارة بغيهم . وينبغي إذا ما بلغ الإمام أمرهم ، وأنّهم يشترون السّلاح ويتأهّبون للقتال ، أن يأخذهم ويحبسهم حتّى يقلعوا عن ذلك ، ويحدثوا توبةً ، دفعاً للشّرّ بقدر الإمكان ، لأنّه لو انتظر أن يبدءوه بالقتال ، فربّما لا يمكنه الدّفع ، لتقوّي شوكتهم وتكثّر جمعهم ، خصوصاً والفتنة يسرع إليها أهل الفساد . ويختلف الفقهاء في بدئهم بالقتال على ما سيأتي بيانه . وكذلك فإنّ مخالفتهم للإمام لمنع حقّ اللّه ، أو لآدميٍّ كزكاةٍ ، وكأداء ما عليهم ممّا جبوه لبيت مال المسلمين خراج الأرض ، مع التّحيّز والتّهيّؤ للخروج على الإمام على وجه المغالبة ، وعدم المبالاة به ، فإنّ ذلك يكون أمارة بغيهم . أمّا لو أظهروا رأي الخوارج ، كتكفير فاعل الكبيرة وترك الجماعات واستباحة دماء المسلمين وأموالهم ، ولكن لم يرتكبوا ذلك ، ولم يقصدوا القتال ، ولم يخرجوا عن طاعة الإمام ، فإنّ ذلك لا يكون أمارة البغي ، حتّى لو امتازوا بموضعٍ يتجمّعون فيه ، لكن إن حصل منهم ضرر تعرّضنا لهم إلى زوال الضّرر .

بيع السّلاح لأهل الفتنة 9 - ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم بيع السّلاح للبغاة وأهل الفتنة ، لأنّ هذا سدّ لذريعة الإعانة على المعصية ، وكذا ما كان في معنى البيع من إجارةٍ أو معاوضةٍ ، وقد قال الإمام أحمد : { نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع السّلاح في الفتنة } . وصرّح الحنفيّة بكراهة بيع السّلاح لهم كراهةً تحريميّةً ، لأنّه إعانة على معصيةٍ ، قال اللّه تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ، ولأنّ الواجب أخذ سلاحهم بما أمكن ، حتّى لا يستعملوه في الفتنة ، فمنع بيعه لهم أولى . والّذي يكره هو بيع السّلاح نفسه المعدّ للاستعمال . وإن لم يدر أنّ طالب السّلاح من أهل الفتنة لا يكره البيع له ، لأنّ الغلبة في دار الإسلام لأهل الصّلاح ، والأحكام تبنى على الغالب . وأمّا ما لا يقاتل به إلاّ بصنعةٍ كالحديد ، فلا يكره بيعه ، لأنّ المعصية تقع بعين السّلاح ، بخلاف الحديد ، وقاسوه على الخشب الّذي يتّخذ منه المعازف ، فإنّه لا يكره بيعه ، لأنّ عينه ليس منكراً ، وإنّما المنكر في استعماله المحظور . والحديد وإن كان يكره تحريماً بيعه لأهل الحرب ، فإنّه يجوز بيعه لأهل البغي ، لأنّهم لا يتفرّغون لاستعمال الحديد سلاحاً ، لأنّ فسادهم في الغالب يكون على شرف الزّوال بالتّوبة ، أو بتفريق جمعهم ، بخلاف أهل الحرب . واستظهر ابن عابدين أنّ الكراهة تنزيهيّة ، وقال : ولم أر من تعرّض لهذا .

واجب الإمام نحو البغاة :
أ - قبل القتال :
10 - ينبغي للإمام أن يدعو البغاة الخارجين عليه إلى العودة إلى الجماعة ، والدّخول في طاعته رجاء الإجابة ، وقبول الدّعوة ، لعلّ الشّرّ يندفع بالتّذكرة ، لأنّه ترجى توبتهم ، ويسألهم عن سبب خروجهم ، فإن كان لظلمٍ منه أزاله ، وإن ذكروا علّةً يمكن إزالتها أزالها ، وإن ذكروا شبهةً كشفها ، لأنّ اللّه سبحانه بدأ الأمر بالإصلاح قبل القتال فقال : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ولأنّ المقصود كفّهم ودفع شرّهم ، لا قتلهم . فإذا أمكن بمجرّد القول كان أولى من القتال ، لما فيه من الضّرر بالفريقين . ولا يجوز قتالهم قبل ذلك إلاّ أن يخاف شرّهم . وإن طلبوا الإنظار - وكان الظّاهر من قصدهم الرّجوع إلى الطّاعة - أمهلهم . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم . وقال أبو إسحاق الشّيرازيّ : ينظرهم إلى مدّةٍ قريبةٍ كيومين أو ثلاثةٍ . وإن أصرّوا على بغيهم ، بعد أن بعث إليهم أميناً ناصحاً لدعوتهم ، نصحهم ندباً بوعظٍ ترغيباً وترهيباً ، وحسّن لهم اتّحاد كلمة الدّين وعدم شماتة الكافرين ، فإن أصرّوا آذنهم بالقتال . وإن قاتلهم بلا دعوةٍ جاز ، لأنّ الدّعوة ليست بواجبةٍ . وعند المالكيّة : يجب إنذارهم ودعوتهم ما لم يعاجلوه . وكون المبعوث إليهم عارفاً فطناً واجب ، إن بعث للمناظرة وكشف الشّبهة ، وإلاّ فمستحبّ . وفصّل الكاسانيّ فقال : إن علم الإمام أنّهم يجهّزون السّلاح ويتأهّبون للقتال ، فينبغي له أن يأخذهم ، ويحبسهم حتّى يتوبوا ، وإن لم يعلم بذلك حتّى تعسكروا وتأهّبوا للقتال ، فينبغي له أن يدعوهم إلى الرّجوع إلى رأي الجماعة أوّلاً ، فإنّ الإمام عليّاً رضي الله عنه لمّا خرج عليه أهل حروراء ، ندب إليهم عبد اللّه بن عبّاسٍ رضي الله عنهما ليدعوهم إلى العدل ، فإن أجابوا كفّ عنهم وإن أبوا قاتلهم ... وإن قاتلهم قبل الدّعوة لا بأس بذلك ، لأنّ الدّعوة قد بلغتهم ، فهم مسلمون في دار الإسلام . وقد أسند النّسائيّ في سننه الكبرى إلى ابن عبّاسٍ قال : لمّا خرجت الحروريّة اعتزلوا في دارٍ ، وكانوا ستّة آلافٍ ، فقلت لعليٍّ أمير المؤمنين : لعلّي أكلّم هؤلاء القوم . قال إنّي أخافهم عليك . قلت : كلّاً . فلبست ثيابي ، ومضيت إليهم ، حتّى دخلت عليهم وهم مجتمعون . وقلت : أتيتكم من عند أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم من عند ابن عمّ النّبيّ وصهره وعليهم نزل القرآن ، وهم أعرف بتأويله منكم . وليس فيكم منهم أحد . وقلت : هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول اللّه وختنه . قالوا : ثلاث . أنّه حكّم الرّجال في دين اللّه ، وقد قال اللّه تعالى : { إن الحكم إلاّ للّه } وأنّه قاتل ولم يسب ولم يغنم ، فإن كانوا كفّاراً فقد حلّت لنا نساؤهم وأموالهم ، وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت علينا دماؤهم . وأنّه محا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فإنّه يكون أمير الكافرين . قلت : أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب اللّه ، وحدّثتكم من سنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم ما يردّ قولكم هذا ، ترجعون ؟ قالوا : نعم . قلت : أمّا قولكم : إنّه حكّم الرّجال في دين اللّه ، فأنا أقرأ عليكم أن قد صيّر اللّه حكمه إلى الرّجال في أرنبٍ ثمنها ربع درهمٍ ، قال اللّه تعالى : { لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرم } إلى قوله { يحكم به ذوا عدلٍ منكم } وقال اللّه تعالى في المرأة وزوجها : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها } أنشدكم اللّه أحكم الرّجال في حقن دمائهم وأنفسهم وإصلاح ذات البين أحقّ ، أم في أرنبٍ ثمنها ربع درهمٍ ؟ . وأمّا قولكم : إنّه قاتل ولم يسب ولم يغنم ، أتسبون أمّكم عائشة ، فتستحلّون منها ما تستحلّون من غيرها ، وهي أمّكم ؟ لئن فعلتم لقد كفرتم . فإن قلتم : ليست أمّنا فقد كفرتم ، لأنّ اللّه تعالى يقول : { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } . وأمّا قولكم : إنّه محا نفسه من أمير المؤمنين . فإنّ { رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دعا قريشاً يوم الحديبية ، على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً ، فقال لكاتبه : اكتب : هذا ما قضى عليه محمّد رسول اللّه . فقالوا : واللّه لو كنّا نعلم أنّك رسول اللّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمّد بن عبد اللّه . فقال : واللّه إنّي لرسول اللّه وإن كذّبتموني . يا عليّ اكتب : محمّد بن عبد اللّه } ، فرسول اللّه خير من عليٍّ ، وقد محا نفسه ولم يكن محو ذلك محواً من النّبوّة . فرجع منهم ألفان وبقي سائرهم ، فقوتلوا . ويصرّح الألوسيّ أنّه يجب قبل القتال إزالة الشّبهة بالحجج النّيّرة والبراهين القاطعة ، ودعوة البغاة إلى الرّجوع إلى الجماعة والدّخول في طاعة الإمام .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:59 AM

ب - قتال البغاة :
11 - إذا ما دعا الإمام البغاة إلى الدّخول في طاعته ، وكشف شبهتهم ، فلم يستجيبوا وتحيّزوا مجتمعين ، وكانوا متهيّئين للقتال فإنّه يحلّ قتالهم . ولكن هل نبدؤهم بالقتال ، أم لا نقاتلهم إلاّ إذا أظهروا المغالبة ؟ هناك اتّجاهان : الاتّجاه الأوّل : جواز البدء بالقتال ، لأنّه لو انتظرنا قتالهم ربّما لا يمكن الدّفع ، وهو ما نقله خواهر زاده ، قال الزّيلعيّ : وهو المذهب عند الحنفيّة ، لأنّ النّصّ جاء غير مقيّدٍ بالبداءة منهم في قوله تعالى : { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي ... } وقول عليٍّ رضي الله عنه : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : { سيخرج قوم في آخر الزّمان ، حداث الأسنان سفهاء الأحلام ، يقولون من قول خير البرّيّة ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإنّ في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة } ، ولأنّ الحكم يدار على علامته ، وهي هنا التّحيّز والتّهيّؤ ، فلو انتظرنا حقيقة قتالهم لصار ذريعةً لتقويتهم . فيدار الحكم على الإمارة ضرورة دفع شرّهم ، ولأنّهم بالخروج على الإمام صاروا عصاةً فجاز قتالهم ، إلى أن يقلعوا عن ذلك . وما نقل عن عليٍّ رضي الله عنه من قوله في الخوارج لن نقاتلكم حتّى تقاتلونا معناه : حتّى تعزموا على قتالنا . ولو أمكن دفع شرّهم بالحبس بعدما تأهّبوا فعل ذلك ، ولا نقاتلهم ، لأنّه أمكن دفع شرّهم بأهون منه . وإلى القول بحلّ بدئهم بالقتال اتّجه فقهاء الحنابلة ، جاء في كشّاف القناع : إن أبوا الرّجوع وعظهم وخوّفهم بالقتال ، فإن رجعوا إلى الطّاعة تركهم ، وإلاّ لزمه قتالهم إن كان قادراً ، لإجماع الصّحابة على ذلك . الاتّجاه الثّاني : نقل القدوريّ أنّه لا يبدؤهم بالقتال حتّى يبدءوه ، وهو ما رواه الكاسانيّ والكمال . قال الكاسانيّ : لأنّ قتالهم لدفع شرّهم ، لا لشرّ شركهم ، لأنّهم مسلمون ، فما لم يتوجّه الشّرّ منهم لا يقاتلهم الإمام ، إذ لا يجوز قتال المسلم إلاّ دفعاً ، بخلاف الكافر ، لأنّ نفس الكفر قبيح . وهو ما استظهره بعض المالكيّة ، وهو مذهب الشّافعيّة ، وقول أحمد بن حنبلٍ ، لأنّ عليّاً أمر أصحابه ألاّ يبدءوا من خرجوا عليه بالقتال ، وإن أمكن دفعهم دون القتل لم يجز القتل . ولا يجوز قتالهم قبل ذلك إلاّ أن يخاف شرّهم كالصّائل . وقال ابن تيميّة : « الأفضل تركه حتّى يبدءوه " أي القتال .

المعاونة في مقاتلة البغاة :
12 - من دعاه الإمام إلى مقاتلة البغاة افترض عليه إجابته ، لأنّ طاعة الإمام فيما ليس بمعصيةٍ فرض . قال ابن عابدين : يجب على كلّ من أطاق الدّفع أن يقاتل مع الإمام ، إلاّ إن كان سبب الخروج ظلم الإمام بما لا شبهة فيه ، إذ يجب معونتهم لإنصافهم إن كان ذلك ممكناً . ومن لم يكن قادراً لزم بيته . وعليه يحمل ما روي عن جماعةٍ من الصّحابة أنّهم قعدوا في الفتنة ، وربّما كان بعضهم في تردّدٍ من حلّ القتال . وما روي عن أبي حنيفة من قوله : « إذا وقعت الفتنة بين المسلمين ، فالواجب على كلّ مسلمٍ أن يعتزل الفتنة ، ويقعد في بيته " فإنّه محمول على ما إذا لم يكن إمام . أمّا ما روي من حديث : { إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار } فإنّه محمول على اقتتالهما حميّةً وعصبيّةً ، أو لأجل الدّنيا والملك . ولو كان السّلطان ظالماً ، وبغت عليه طائفة لرفع الظّلم ، وطلب منه ذلك فلم يستجب ، فلا ينبغي للنّاس معاونة السّلطان ولا معاونة البغاة ، إذ غير العدل لا تجب معاونته . قال مالك : دعه وما يراد منه ، ينتقم اللّه من الظّالم بظالمٍ ، ثمّ ينتقم من كليهما . وينصّ الشّافعيّة على من خرجوا على الإمام - ولو جائراً - يجب على المسلمين إعانته ممّن قرب منهم ، حتّى تبطل شوكتهم . ويدلّ على وجوب معونة الإمام لدفع البغاة ما رواه عبد اللّه بن عمرٍو رضي الله عنهما قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : { من أعطى إماماً صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر } ولأنّ كلّ من ثبتت إمامته وجبت طاعته ، للحديث السّابق { يخرج قوم في آخر الزّمان ... } .

شروط قتال البغاة وما يتميّز به :
13 - إذا لم يجد مع البغاة النّصح ، ولم يستجيبوا للرّجوع إلى طاعة الإمام والدّخول في الجماعة ، أو لم يقلبوا الاستتابة - إن كانوا في قبضة الإمام - ورأوا مقاتلتنا وجب قتالهم . بشرط أن يتعرّضوا لحرمات أهل العدل ، أو يتعطّل جهاد المشركين بهم ، أو يأخذوا من حقوق بيت المال ما ليس لهم ، أو يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم ، أو يتظاهروا على خلع الإمام الّذي انعقدت له البيعة . على ما قاله الماورديّ . وقال الرّمليّ : الأوجه وجوب قتالهم مطلقاً ، لأنّ ببقائهم - وإن لم يوجد ما ذكر - تتولّد مفاسد ، قد لا تتدارك ما داموا قد خرجوا عن قبضة الإمام وتهيّئوا للقتال . ولو اندفع شرّهم بما هو أهون وجب بقدر ما يندفع ، إذ يشترط لمقاتلتهم أن يتعيّن القتال لدفع شرّهم ، وإذا أمكن ذلك بمجرّد القول كان أولى من القتال .

كيفيّة قتال البغاة :
14 - الأصل أنّ قتالهم إنّما يكون درءاً لتفريق الكلمة ، مع عدم التّأثيم ، لأنّهم متأوّلون ، ولذا فإنّ قتالهم يفترق عن قتال الكفّار بأحد عشر وجهاً : أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم ، وأن يكفّ عن مدبرهم ، ولا يجهز على جريحهم ، ولا تقتل أسراهم ، ولا تغنم أموالهم ، ولا تسبى ذراريّهم ، ولا يستعان عليهم بمشركٍ ، ولا يوادعهم على مالٍ ، ولا تنصب عليهم العرّادات ( المجانيق ونحوها ) ، ولا تحرّق مساكنهم ، ولا يقطع شجرهم . وإذا تحيّز البغاة إلى جهةٍ مجتمعين ، أو إلى جماعةٍ ولم يمكن دفع شرّهم إلاّ بالقتال ، حلّ قتالهم حتّى يتفرّق جمعهم ، ولو أمكن دفع شرّهم بالحبس بعدما تأهّبوا فعل ذلك ، إذ الجهاد معهم واجب بقدر ما يندفع به شرّهم على ما سبق . وقد قاتل عليّ رضي الله عنه أهل حروراء بالنّهروان بحضرة الصّحابة ، تصديقاً لقوله عليه الصلاة والسلام له { أنا أقاتل على تنزيل القرآن ، وعليّ يقاتل على تأويله } والقتال مع التّأويل هو القتال مع البغاة ، وذلك كقتال أبي بكرٍ رضي الله عنه مانعي الزّكاة . وإذا قاتلهم الإمام فهزمهم ، وولّوا مدبرين ، وأمن جانبهم ، أو تركوا القتال بإلقاء السّلاح أو بالهزيمة أو بالعجز ، لجراحٍ أو أسيرٍ ، فإنّه لا يجوز لأهل العدل أن يتّبعوهم ، ولا يجهزوا على جريحهم ، ولا يقلتوا أسيرهم ، لوقوع الأمن عن شرّهم ، ولا تسبى لهم ذرّيّة ، ولا يقسم له مال ، لقول عليٍّ رضي الله عنه لا يقتل بعد الهزيمة مقبل ولا مدبر ، ولا يفتح باب ، ولا يستحلّ فرج ولا مال بل قال لهم : من اعترف شيئاً فليأخذه ، أي من عرف من البغاة متاعه استردّه ، وقال يوم الجمل : لا تتّبعوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريحٍ ، ولا تقتلوا أسيراً ، وإيّاكم والنّساء ، ولأنّ قتالهم للدّفع والرّدّ إلى الطّاعة دون القتل . ويقول ابن قدامة : أمّا غنيمة أموالهم وسبي ذرّيّتهم فلا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافاً ، لأنّهم معصومون ، وإنّما أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم ، وما عداه يبقى على أصل التّحريم . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا كانت لهم فئة بعيدة ينحازون إليها ، ولا يتوقّع في العادة مجيئها إليهم والحرب قائمة ، وغلب على الظّنّ عدم وصولها لهم ، فإنّه لا يقاتل مدبرهم ، ولا يجهز على جريحهم ، لأمن غائلته إلاّ إذا كان متحرّفاً لقتالٍ . وأمّا إذا كان لهم فئة قريبة تسعفهم عادةً ، والحرب قائمة ، فإنّه يجوز اتّباعهم والإجهاز على جريحهم . أو كانت لهم فئة بعيدة يتوقّع في العادة مجيئها إليهم والحرب قائمة ، وغلب على الظّنّ ذلك فالمتّجه أن يقاتل . وقريب منه ما ذهب إليه المالكيّة ، فقد صرّحوا بأنّه إذا أمن جانبهم بالظّهور عليهم ، لم يتبع منهزمهم ، ولم يذفّف على جريحهم . أمّا الحنابلة فينصّون على أنّ أهل البغي إذا تركوا القتال ، بالرّجوع إلى الطّاعة ، أو بإلقاء السّلاح ، أو بالهزيمة إلى فئةٍ ، أو إلى غير فئةٍ ، أو بالعجز لجراحٍ أو مرضٍ أو أسرٍ فإنّه يحرم قتلهم واتّباع مدبرهم . وساق ابن قدامة الآثار الواردة في النّهي عن قتل المدبر والإجهاز على الجريح وقتل الأسير ، وهي عامّة . ثمّ قال : لأنّ المقصود كفّهم وقد حصل ، فلم يجز قتلهم كالصّائل ، ولا يقتلون لما يخاف في التّالي - إن كان لهم فئة - كما لو لم تكن لهم فئة . أمّا الحنفيّة : فقد نصّوا على أنّه إذا كانت لهم فئة ينحازون إليها - مطلقاً - فإنّه ينبغي لأهل العدل أن يقتلوا مدبرهم ، ويجهزوا على جريحهم ، لئلاّ ينحازوا إلى الفئة ، فيمتنعوا بها ، فيكرّوا على أهل العدل . والمعتبر في جواز القتل أمارة قتالهم لا حقيقته ، ولأنّ قتلهم إذا كان لهم فئة ، لا يخرج عن كونه دفعاً ، لأنّه يتحيّز إلى الفئة ويعود شرّه كما كان . وقالوا : إنّ ما قاله عليّ رضي الله عنه على تأويل إذا لم تكن لهم فئة .

المرأة المقاتلة من أهل البغي :
15 - ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّ المرأة من البغاة - إن كانت تقاتل - فإنّها تحبس ، ولا تقتل إلاّ في حال مقاتلتها ، وإنّما تحبس للمعصية ، ولمنعها من الشّرّ والفتنة . وقال المالكيّة : إن لم يكن قتالهنّ إلاّ بالتّحريض والرّمي بالحجارة ، فإنّهنّ لا يقتلن .

أموالهم بالنّسبة لاغتنامها وإتلافها وضمانها :
16 - اتّفق الفقهاء على أنّ أموال البغاة لا تغنم ، ولا تقسّم ، ولا يجوز إتلافها ، وإنّما يجب أن تردّ إليهم . لكن ينبغي أن يحبس الإمام أموالهم دفعاً لشرّهم بكسر شوكتهم حتّى يتوبوا ، فيردّها إليها لاندفاع الضّرورة ، ولأنّها لا استغنام فيها ، وإذا كان في أموالهم خيل ونحوها - ممّا يحتاج في حفظه إلى إنفاقٍ - كان الأفضل بيعه وحبس ثمنه . وفي ضمان إتلاف مالهم كلام . فإنّ العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله حال القتال بسبب القتال أو ضرورته لا يضمن ، إذ لا يمكن أن يقتلهم إلاّ بإتلاف شيءٍ من أموالهم كالخيل ، فيجوز عقر دوابّهم إذا قاتلوا عليها ، وإذا كانوا لا يضمنون الأنفس فالأموال أولى . أمّا في غير حال القتال وضرورته فلا تحرّق مساكنهم ، ولا يقطع شجرهم ، لأنّ الإمام إذا ظفر لهم بمالٍ حال المقاتلة فإنّه يحبسه حتّى يردّ إليهم ، فلا تؤخذ أموالهم ، لأنّ مواريثهم قائمة ، وإنّما قوتلوا بما أحدثوا من البدع ، فكان ذلك كالحدّ يقام عليهم . وقيّد الماورديّ الضّمان بما إذا كان الإتلاف خارج القتال بقصد التّشفّي والانتقام ، أمّا إذا كان لإضعافهم أو هزيمتهم فلا ضمان . واستظهر الزّيلعيّ وابن عابدين حمل الضّمان على ما قبل تحيّزهم وخروجهم ، أو بعد كسرهم وتفرّق جمعهم .

ما أتلفه أهل العدل للبغاة :
17 - نقل الزّيلعيّ عن المرغينانيّ : أنّ العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن ولا يأثم ، لأنّه مأمور بقتالهم دفعاً لشرّهم . وفي المحيط : إذا أتلف مال الباغي يؤخذ بالضّمان ، لأنّ مال الباغي معصوم في حقّنا ، وأمكن إلزام الضّمان ، فكان في إيجابه فائدة

ما أتلفه البغاة لأهل العدل :
18 - إذا أتلف أهل البغي لأهل العدل مالاً فلا ضمان عليهم ، لأنّهم طائفة متأوّلة فلا تضمن كأهل العدل ، ولأنّه ذو منعةٍ في حقّنا ، وأمّا الإثم فإنّه لا منعة له في حقّ الشّارع ، ولأنّ تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرّجوع إلى الطّاعة ، لما رواه عبد الرّزّاق بإسناده عن الزّهريّ ، أنّ سليمان بن هشامٍ كتب إليه يسأله عن امرأةٍ خرجت من عند زوجها ، وشهدت على قومها بالشّرك ، ولحقت بالحروريّة فتزوّجت ، ثمّ إنّها رجعت إلى أهلها تائبةً ، قال فكتب إليه : أمّا بعد ، فإنّ الفتنة الأولى ثارت ، وأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - ممّن شهد بدراً - كثير ، فاجتمع رأيهم على ألاّ يقيموا على أحدٍ حدّاً في فرجٍ استحلّوه بتأويل القرآن ، ولا قصاصاً في دمٍ استحلّوه بتأويل القرآن ، ولا يردّ مال استحلّوه بتأويل القرآن ، إلاّ أن يوجد شيء بعينه فيردّ على صاحبه ، وإنّي أرى أن تردّ إلى زوجها ، وأن يحدّ من افترى عليها . وفي قولٍ للشّافعيّ : يضمنون ، لقول أبي بكرٍ تدون قتلانا ، ولا ندي - من الدّية - قتلاكم ولأنّها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حقٍّ ولا ضرورة دفع مباحٍ ، فوجب ضمانه ، كالّتي أتلفت في غير حال الحرب . وإذا تاب البغاة ورجعوا أخذ منهم ما وجد بأيديهم من أموال أهل الحقّ ، وما استهلكوه لم يتبعوا به ، ولو كانوا أغنياء ، لأنّهم متأوّلون . وإذا قتل الباغي أحداً من أهل العدل في غير المعركة يقتل به ، لأنّه قتل بإشهار السّلاح والسّعي في الأرض بالفساد كقاطع الطّريق ، وقيل : لا يتحتّم قتله ، وهو الصّحيح عند الحنابلة : لقول عليٍّ رضي الله عنه : إن شئت أن أعفو ، وإن شئت استقدت .

التّمثيل بقتلى البغاة :
19 - التّمثيل بقتلى البغاة مكروه تحريماً عند الحنفيّة ، حرام عند المالكيّة ، أمّا نقل رءوسهم ، فقد قال الحنفيّة : يكره أخذ رءوسهم ، فيطاف بها في الآفاق ، لأنّه مثلة . وجوّزه بعض متأخّري الحنفيّة ، إذا كان فيه طمأنينة قلوب أهل العدل ، أو كسر شوكة البغاة . وجوّز المالكيّة رفع رءوس قتلى البغاة في محلّ قتلهم .

أسرى البغاة :
20 - أسرى البغاة يعاملون معاملةً خاصّةً ، لأنّ قتالهم كان لمجرّد دفع شرّهم ، فلا يستباح دمهم إلاّ بقدر ما يدفع القتال ، ولذا فإنّهم لا يقتلون إذا لم تكن لهم فئة اتّفاقاً ، للتّعليل السّابق ، ولذا لا يسترقّون مطلقاً ، سواء أكانت لهم فئة أم لا اتّفاقاً ، لأنّهم أحرار مسلمون ، ولا تسبى لهم نساء ولا ذرّيّة . أمّا إن كانت لهم فئة ، فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّهم لا يقتلون أيضاً . غير أنّ عبد الملك من المالكيّة قال : إن أسر منهم أسير وقد انقطعت الحرب لا يقتل ، وإن كانت الحرب قائمةً فللإمام قتله ، إذا خاف منه الضّرر . وفي بعض كتب المالكيّة : أنّه إذا أسر بعد انقضاء الحرب يستتاب ، فإن لم يتب قتل ، وقيل : يؤدّب ولا يقتل . وقال الشّافعيّة : إن قتله ضمنه بالدّية ، لأنّه بالأسر صار محقون الدّم ، وقيل : فيه قصاص . وقيل : لا قصاص فيه ، لأنّ أبا حنيفة يجيز قتله فصار ذلك شبهةً . وإن كان أسير بالغاً فدخل في الطّاعة أطلقه ، وإن لم يدخل في الطّاعة حبسه إلى أن تنتهي الحرب . وإن كان عبداً أو صبيّاً لم يحبس ، لأنّه ليس من أهل البيعة ، وقال بعض الشّافعيّة : يحبس لأنّ في حبسه كسراً لقلوبهم . وهذا ما قاله الحنابلة . وقال الحنفيّة : إذا كانت للأسير فئة ، فالإمام بالخيار إن شاء قتله ، وإن شاء حبسه دفعاً لشرّه بقدر الإمكان ، ويحكم الإمام بنظره فيما هو أحسن في كسر الشّوكة .

فداء الأسرى :
21 - نصّ الفقهاء على جواز فداء أسارى أهل العدل بأسارى البغاة ، وقالوا : إن قتل أهل البغي أسرى أهل العدل لم يجز لأهل العدل قتل أسراهم ، لأنّهم لا يقتلون بجناية غيرهم ، وإن أبى البغاة مفاداة الأسرى الّذين معهم وحبسوهم ، قال ابن قدامة : احتمل أن يجوز لأهل العدل حبس من معهم ليتوصّلوا إلى تخليص أسراهم بذلك ، ويحتمل ألاّ يجوز حبسهم ، ويطلقون ، لأنّ الذّنب في حبس أسارى أهل العدل لغيرهم . وتفصيل الكلام عن أسرى البغاة في مصطلح ( أسرى ) .

( موادعة البغاة ) :
22 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز موادعة البغاة على مالٍ . فإن وادعهم الإمام على مالٍ بطلت الموادعة . ولو طلبوا الموادعة - أي الصّلح على ترك المقاتلة بغير مالٍ - أجيبوا إليها إن كان ذلك خيراً . فإن بان له أنّ قصدهم الرّجوع إلى الطّاعة ومعرفة الحقّ أمهلهم . وقال ابن المنذر : أجمع على هذا كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم . فإن كان قصدهم الاجتماع على قتاله وانتظار مددٍ ، أو ليأخذوا الإمام على غرّةٍ عاجلهم ولم ينظرهم . وإذا وقعت الموادعة فأعطى كلّ فريقٍ رهناً على أيّهما غدر يقتل الآخرون الرّهن ، فغدر أهل البغي وقتلوا الرّهن ، لا يحلّ لأهل العدل قتل الرّهن ، بل يحبسونهم حتّى يهلك أهل البغي أو يتوبوا ، لأنّهم صاروا آمنين بالموادعة ، أو بإعطائه الأمان لهم حين أخذناهم رهناً . والغدر من غيرهم لا يؤاخذون به ، لكنّهم يحبسون مخافة أن يرجعوا إلى فئتهم فيكونون لهم قوّةً تغريهم على المقاتلة . 23 - وإن بذل البغاة لأهل العدل رهائن على إنظارهم لم يجز أخذها لذلك ، لأنّ الرّهائن لا يجوز قتلهم لغدر أهلهم ، وإن كان في أيديهم أسرى من أهل العدل ، وأعطوا بذلك رهائن منهم قبلهم الإمام ، واستظهر لأهل العدل . فإن أطلقوا أسرى أهل العدل الّذين عندهم أطلق رهائنهم . وإن قتلوا من عندهم لم يجز قتل رهائنهم ، لأنّهم لا يقتلون بقتل غيرهم ، لأنّهم صاروا آمنين . فإذا انقضت الحرب خلّي الرّهائن كما تخلّى الأسرى منهم .

من لا يجوز قتله من البغاة :
24 - يتّفق الفقهاء على أصل قاعدةٍ : أنّ من لا يجوز قتله من أهل الحرب - كالنّساء والشّيوخ والصّبيان والعميان - لا يجوز قتله من البغاة ما لم يقاتلوا ، لأنّ قتلهم لدفع شرّ قتالهم ، فيختصّ ذلك بأهل القتال . وهؤلاء ليسوا من أهل القتال عادةً ، فلا يقتلون إلاّ إذا قاتلوا ولو بالتّحريض ، لوجود القتال من حيث المعنى ، فيباح قتلهم إلاّ الصّبيّ والمعتوه . فالأصل أنّهما لا يقصدان القتل . فيحلّ قتلهما حال القتال إن قاتلا حقيقةً أو معنًى . أمّا الحنفيّة ، فعلى مذهبهم في تخيير الإمام بين قتل أسرى البغاة أو حبسهم ، يرون جواز قتل من قاتل أو حرّض من الشّيوخ ونحوهم ، فيقتلون حال القتال أو بعد الفراغ منه . لكن لا يقتل الصّبيّ والمعتوه بعد الفراغ من القتال ، لأنّ القتل بعد الفراغ والأسر بطريق العقوبة ، وهما ليسا من أهل العقوبة . وأمّا قتلهما حال الحرب فدفعاً لشرّهم كدفع الصّائل . وقال الحنابلة : إن حضر مع البغاة عبيد ونساء وصبيان قوتلوا مقبلين ، وتركوا مدبرين كغيرهم من الأحرار والذّكور البالغين ، لأنّ قتالهم للدّفع ، ولو أراد أحد هؤلاء قتل إنسانٍ جاز دفعه وقتاله . وقد نصّ المالكيّة على أنّ البغاة لو تترّسوا بذرّيّتهم تركوا ، إلاّ أن يترتّب على تركهم تلف أكثر المسلمين .

حضور من لا يقاتل من القادرين على القتال مع البغاة :
25 - إذا حضر مع البغاة من لا يقاتل - برغم قدرته على القتال - لم يجز أن يقصد بالقتل ، لأنّ القصد من قتالهم كفّهم ، وهذا قد كفّ نفسه لقوله تعالى : { ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم } فإنّه يدلّ على تحريم قتل المؤمن عمداً على وجه العموم ، وإنّما خصّ من ذلك ما حصل ضرورة دفع الباغي والصّائل ، ففيما عداه يبقى على العموم ، فمن لا يقاتل تورّعاً عنه - مع قدرته عليه - ولا يخاف منه القتال بعد ذلك ، وهو مسلم لا يحتاج لدفعٍ فلا يحلّ دمه . وفي وجهٍ عند الشّافعيّة يجوز قتله ، لأنّ عليّاً نهاهم عن قتل محمّدٍ السّجّاد بن طلحة بن عبيد اللّه ولم يكن يقاتل ، وإنّما كان يحمل راية أبيه ، فقتله رجل وأنشد شعراً ، فلم ينكر عليّ قتله ، ولأنّه صار ردءاً لهم .

حكم قتال المحارم من البغاة :
26 - اتّفق الفقهاء في الجملة على عدم جواز قتل العادل لذي رحمه المحرّم من أهل البغي ، وقصر المالكيّة ذلك على الأبوين فقط . بل منهم من قال بجواز قتل أبويه ، وكذا في روايةٍ عند الحنابلة ذكرها القاضي . ومنهم من صرّح بالكراهة ، وهو الأصحّ لقوله تعالى : { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدّنيا معروفاً } ولما روى الشّافعيّ أنّ { النّبيّ صلى الله عليه وسلم كفّ أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه } . وصرّح بعضهم بعدم الحلّ ، لأنّ اللّه أمر بالمصاحبة بالمعروف ، والأمر يقتضي الوجوب . وللفقهاء تفصيل وأدلّة . يقول الحنفيّة : لا يجوز للعادل أن يبتدئ بقتل ذي رحمٍ محرمٍ من أهل البغي مباشرةً ، إذ اجتمع فيه حرمتان : حرمة الإسلام وحرمة القرابة . وإذا أراد الباغي قتل العادل فله أن يدفعه ، وإن كان لا يندفع إلاّ بالقتل فيجوز له أن يتسبّب ليقتله غيره ، لأنّ الإسلام في الأصل عاصم : { فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم ... } والباغي مسلم ، إلاّ أنّه أبيح قتل غير ذي الرّحم المحرّم من أهل البغي لدفع شرّهم ، لا لشركهم ، ودفع الشّرّ يحصل بالدّفع والتّسبّب ليقتله غيره . وقال المالكيّة : كره للرّجل قتل أبيه الباغي ، ومثل أبيه أمّه ، بل هي أولى ، لما جبلت عليه من الحنان والشّفقة ، ولا يكره قتل جدّه وأخيه وابنه . وقال ابن سحنونٍ : ولا بأس أن يقتل الرّجل في قتال البغاة أخاه وقرابته ، فأمّا الأب وحده فلا أحبّ قتله عمداً ، وروى ابن عبد السّلام جواز قتل الابن الباغي ، وهو غير المشهور . وقال الشّافعيّة : يكره أن يقصد قتل ذي رحمٍ محرمٍ ، كما يكره في قتال الكفّار ، فإن قاتله لم يكره . وقال الحنابلة : الأصحّ كراهة قتل ذي الرّحم المحرّم الباغي ، ونقل ابن قدامة عن القاضي أنّه لا يكره ، لأنّه قتل بحقٍّ ، فأشبه إقامة الحدّ عليه .

إرث العادل من الباغي الّذي قتله والعكس :
27 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة - وهو قول لأبي بكرٍ من الحنابلة - إلى أنّ العادل إذا قتل قريبه الباغي ورثه ، لأنّه قتل بحقٍّ ، فلم يمنع الميراث كالقصاص ، ولأنّ قتل الباغي واجب ، ولا إثم على القاتل بقتله ، ولا يجب الضّمان عليه . فكذا لا يحرم من الإرث . وكذا لو قتل الباغي ذا رحمه العادل عند المالكيّة وأبي بكرٍ من الحنابلة ، لقولهم " ومواريثهم قائمة » . أمّا الحنفيّة فقالوا : لو قتل الباغي قريبه العادل وقال : أنا على حقٍّ ورثه عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، خلافاً لأبي يوسف . وإن قال : قتلته وأنا على الباطل لا يرث اتّفاقاً بين الإمام وصاحبيه . واستدلّ - أبو حنيفة - بأنّه أتلف ما أتلف عن تأويلٍ فاسدٍ ، والفاسد منه ملحق بالصّحيح إذا انضمّت إليه منعة ، وهو إن كان فاسداً في نفسه فإنّه يسقط به الضّمان ، فكذا لا يوجب الحرمان ، كما أنّ التّأويل في اعتقاده هو صحيح . وذهب الشّافعيّة ، وهو قول ابن حامدٍ من الحنابلة إلى أنّه لا يرث لعموم حديث : { ليس لقاتلٍ شيء } وكذا بالنّسبة للباغي إذا قتل العادل ، ونصّ الشّافعيّة : لا يرث قاتل من مقتوله مطلقاً .

ما يجوز قتال البغاة به :
28 - يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة قتال البغاة - إذا تحصّنوا - بكلّ ما يقاتل به أهل الحرب ، بالسّيف والرّمي بالنّبل وبالمنجنيق والحريق والتّغريق ، وقطع الميرة ( المؤن ) والماء عنهم ، وكذا إذا فعل البغاة معهم مثل ذلك ، لأنّ قتالهم لدفع شرّهم وكسر شوكتهم ، فيقاتلون بكلّ ما يحصل به ذلك . وقال المالكيّة : إلاّ أن يكون فيهم نسوة أو ذراريّ ، فلا نرميهم بالنّار . وقال الشّافعيّة والحنابلة بعدم جواز قتالهم بالنّار والرّمي بالمنجنيق ، ولا بكلّ عظيمٍ يعمّ ، كالتّغريق وإرسال سيولٍ جارفةٍ ، ولا يجوز محاصرتهم وقطع الطّعام والشّراب عنهم إلاّ لضرورةٍ ، بأن قاتلوا به ، أو أحاطوا بنّا ولم يندفعوا إلاّ به ، ويكون فعل ذلك بقصد الخلاص منهم لا بقصد قتلهم ، لأنّه لا يجوز قتل من لا يقاتل ، وما يعمّ إتلافه يقع على من يقاتل ومن لا يقاتل .

مقاتلة البغاة بسلاحهم الّذي في أيدينا :
29 - يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو وجه عند الحنابلة ، قتالهم بسلاحهم وخيلهم وكلّ أدوات القتال الّتي استولينا عليها منهم ، إن احتاج أهل العدل إلى هذا ، لأنّ عليّاً رضي الله عنه قسّم ما استولى عليه من سلاح البغاة بين أصحابه بالبصرة ، وكانت قسمةً للحاجة لا للتّمليك ، ولأنّ للإمام أن يفعل ذلك في مال أهل العدل عند الحاجة ، ففي مال الباغي أولى . ونقل ابن قدامة عن القاضي أنّ أحمد أومأ إلى جواز الانتفاع به حال التحام الحرب ، ومنعه في غير قتالهم ، لأنّ هذه الحالة يجوز فيها إتلاف نفوسهم ، وحبس سلاحهم وكراعهم ، فجاز الانتفاع به كسلاح أهل الحرب . وقال أبو الخطّاب : في هذه المسألة وجهان . أمّا الشّافعيّة ، وهو الوجه الآخر عند الحنابلة الّذي ذكره أبو الخطّاب ، فيرون أنّه لا يجوز لأحدٍ استعمال شيءٍ ممّا استولينا عليه من سلاح البغاة وخيلهم إلاّ لضرورةٍ ، ويلزم دفع أجرة المثل لهم ، كمضطرٍّ لأكل طعام غيره يلزمه ثمنه ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : { لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلاّ بطيب نفسٍ منه } ولأنّ من لا يجوز أخذ ماله لم يجز الانتفاع بماله من غير إذنه ومن غير ضرورةٍ ، ولأنّ الإسلام عصم أموالهم ، وإنّما أبيح قتالهم لردّهم إلى الطّاعة ، فيبقى المال على عصمته ، ومتى انقضت الحرب وجب ردّه إليهم كسائر أموالهم ، ولا يردّ إليهم قبل ذلك لئلاّ يقاتلونا به .

الاستعانة في قتالهم بالمشركين :
30 - اتّفق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على تحريم الاستعانة بالكفّار في قتال البغاة ، لأنّ القصد كفّهم لا قتلهم ، والكفّار لا يقصدون إلاّ قتلهم ، وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم ، فإن كان من الممكن القدرة على كفّ هؤلاء الكفّار المستعان بهم جاز ، وإن لم يقدر لم يجز . كما نصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه لا يجوز الاستعانة على قتالهم بمن يرى من أهل العدل ( وهم فقهاء الحنفيّة ) قتل البغاة وهم مدبرون ، على ما سبق بيانه . ويتّفق الحنفيّة مع الجمهور في أنّه لا يحلّ الاستعانة بأهل الشّرك إذا كان حكم أهل الشّرك ، هو الظّاهر ، أمّا إذا كان حكم أهل العدل هو الظّاهر فلا بأس بالاستعانة بالذّمّيّين وصنفٍ من البغاة ، ولو لم تكن هناك حاجة ، لأنّ أهل العدل يقاتلون لإعزاز الدّين ، والاستعانة على البغاة بهم كالاستعانة عليهم بأدوات القتال .

قتلى معارك البغاة وحكم الصّلاة عليهم :
31 - من قتل من أهل العدل كان شهيداً ، لأنّه قتل في قتالٍ أمر اللّه به ، وذلك بقوله جلّ شأنه : { فقاتلوا الّتي تبغي } ولا يغسّل ، ولا يصلّى عليه ، لأنّه شهيد معركةٍ أمر بالقتال فيها ، فأشبه شهيد معركة الكفّار . وفي روايةٍ عند الحنابلة : يغسّل ويصلّي عليه ، وهو قول الأوزاعيّ وابن المنذر ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { صلّوا على من قال لا إله إلاّ اللّه } واستثنى قتيل الكفّار في المعركة ، ففيما عداه يبقى على الأصل . أمّا قتلى البغاة ، فمذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّهم يغسّلون ويكفّنون ويصلّى عليهم ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : { صلّوا على من قال : لا إله إلاّ اللّه } ولأنّهم مسلمون لم يثبت لهم حكم الشّهادة ، فيغسّلون ويصلّى عليهم . ومثله الحنفيّة ، سواء أكانت لهم فئة ، أم لم تكن لهم فئة على الرّأي الصّحيح عندهم . وقد روي : أنّ عليّاً رضي الله عنه لم يصلّ على أهل حروراء ، ولكنّهم يغسّلون ويكفّنون ويدفنون . ولم يفرّق الجمهور بين الخوارج وغيرهم من البغاة في حكم التّغسيل والتّكفين والصّلاة .

تقاتل أهل البغي :
32 - إن اقتتل فريقان من أهل البغي ، فإن قدر الإمام على قهرهما ، لم يعاون واحداً منهما ، لأنّ الفريقين على خطأٍ ، وإن لم يقدر على قهرهما ، ولم يأمن أن يجتمعا على قتاله ، ضمّ إلى نفسه أقربهما إلى الحقّ . فإن استويا في ذلك اجتهد رأيه في ضمّ أحدهما ، ولا يقصد بذلك معاونته على الآخر ، بل يقصد الاستعانة به على الآخر ، فإذا انهزم الآخر لم يقاتل الّذي ضمّه إلى نفسه حتّى يدعوه إلى الطّاعة ، لأنّه بالاستعانة به حصل على الأمان ، نصّ على هذا الشّافعيّة والحنابلة . ولم يوجد فيما رجعنا إليه من كتب الحنفيّة والمالكيّة حكم هذه الصّورة . وجاء في كتب الحنفيّة : لو قتل باغٍ مثله عمداً في عسكرهم ، ثمّ ظهر أهل العدل على البغاة ، فلا شيء على القاتل ، لكون المقتول مباح الدّم ، إذ لو قتله العادل لا يجب عليه شيء ، فلا يجب على الباغي القاتل دية ولا قصاص ، ولا إثم عليه أيضاً ، ولأنّه لا ولاية لإمام العدل حين القتل ، فلم ينعقد موجباً للجزاء ، كالقتل في دار الحرب . وقالوا : لو غلب أهل البغي على بلدٍ ، فقاتلهم آخرون من أهل البغي ، فأرادوا أن يسبوا ذراريّ أهل المدينة ، وجب على أهل البلد أن يقاتلوا دفاعاً عن ذراريّهم . وقال الحنفيّة أيضاً : لو قتل تاجر من أهل العدل تاجراً آخر من أهل العدل في عسكر أهل البغي ، أو قتل الأسير من أهل العدل أسيراً آخر ، ثمّ ظهر عليه فلا قصاص عليه ، لأنّ الفعل لم يقع موجباً للجزاء ، لتعذّر الاستيفاء وانعدام الولاية ، كما لو فعل ذلك في دار الحرب ، لأنّ عسكر أهل البغي في حقّ انقطاع الولاية ودار الحرب سواء .

استعانة البغاة بالكفّار :
33 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا استعان البغاة بالحربيّين وأمّنوهم ، أو عقدوا لهم ذمّةً ، لم يعتبر الأمان بالنّسبة لنا إن ظفرنا بهم ، لأنّ الأمان من شرط صحّته إلزام كفّهم عن المسلمين ، وهؤلاء يشترطون عليهم قتال المسلمين ، فلا يصحّ الأمان لهم . ولأهل العدل قتالهم ، وحكم أسرهم في يد أهل العدل حكم الأسير الحربيّ . أمّا ما إذا استعان البغاة بالمستأمنين ، فمتى أعانوهم كانوا ناقضين للعهد ، وصاروا كأهل الحرب ، لأنّهم تركوا الشّرط ، وهو كفّهم عن المسلمين ، وعهدهم مؤقّت بخلاف الذّمّيّين ، فإن فعلوا ذلك مكرهين ، وكانت لهم منعة ، لم ينتقض عهدهم . وإن استعانوا بأهل الذّمّة فأعانوهم ، وقاتلوا معهم ، فعند الشّافعيّة والحنابلة وجهان : أحدهما : ينتقض عهدهم ، لأنّهم قاتلوا أهل الحقّ فينتقض عهدهم ، كما لو انفردوا بقتالهم ، وعلى هذا يكونون كأهل الحرب ، فيقتلون مقبلين ومدبرين ، ويجهز على جريحهم ، ويسترقّون ، وغير ذلك من أحكام قتال الحربيّين . والوجه الثّاني : أنّه لا ينقض عهدهم ، لأنّ أهل الذّمّة لا يعرفون المحقّ من المبطل ، فيكون ذلك شبهةً لهم . وعلى هذا يكونون كأهل البغي في الكفّ عن قتل أسرهم ومدبرهم وجريحهم . والحنفيّة والمالكيّة يتّفقون مع الشّافعيّة والحنابلة في أنّ معونة الذّمّيّين للبغاة استجابة لطلبهم لا تنقض عهد الذّمّة ، كما أنّ هذا الفعل من أهل البغي ليس نقضاً للأمان . فالّذين انضمّوا إليهم من أهل الذّمّة لم يخرجوا من أن يكونوا ملتزمين حكم الإسلام في المعاملات ، وأن يكونوا من أهل الدّار . وإن أكرههم البغاة على معونتهم لم ينقض عهدهم - قولاً واحداً - ويقبل قولهم ، لأنّهم تحت أيديهم وقدرتهم . ونصّ الحنفيّة على أنّهم يأخذون حكم البغاة ، وأطلقوا هذه العبارة ممّا يفيد أنّهم كالبغاة في عدم ضمان ما أتلفوه لأهل العدل أثناء القتال ، وهو ما صرّح به المالكيّة ، إذ قالوا بالنّسبة للذّمّيّ الخارج مع البغاة المتأوّلين استجابةً لطلبهم : لا يضمن نفساً ولا مالاً . لكنّ الشّافعيّة والحنابلة نصّوا على أنّهم يضمنون ما أتلفوا على أهل العدل حال القتال وغيره ، إذ لا تأويل لهم .

إعطاء الأمان للباغي من العادل :
34 - صرّح الحنفيّة أنّه إذا أمّن رجل من أهل العدل رجلاً من أهل البغي جاز أمانه ، لأنّه ليس أعلى شقاقاً من الكافر الّذي يجوز إعطاء الأمان له . فكذا هذا ، بل هو أولى وأحقّ ، لأنّه مسلم ، وقد يحتاج إلى مناظرته ليتوب ، ولا يتأتّى ذلك ما لم يأمن كلّ الآخر . ولو دخل باغٍ بأمانٍ ، فقتله عادل عمداً ، لزمته الدّية .

تصرّفات إمام البغاة إذا استولى البغاة على بلدٍ في دار الإسلام ، ونصّبوا لهم إماماً ، وأحدث الإمام تصرّفاتٍ باعتباره حاكماً ، كالجباية من جمع الزّكاة والعشور والجزية والخراج ، واستيفاء الحدود والتّعازير وإقامة القضاة ، فهل تنفذ هذه التّصرّفات ، وتترتّب عليها آثارها في حقّ أهل العدل ؟ بيان ذلك فيما يأتي :
أ - جباية الزّكاة والجزية والعشور والخراج :
35 - ذهب الفقهاء إلى أنّ ما جباه أهل البغي من البلاد الّتي غلبوا عليها ، من الزّكاة والجزية والعشور والخارج ، يعتدّ به ، لأنّ ما فعلوه أو أخذوه كان بتأويلٍ سائغٍ ، فوجب إمضاؤه ، كالحاكم إذا حكم بما يسوغ الاجتهاد فيه ، ولا حرج على النّاس في دفع ذلك إليهم ، فقد كان ابن عمر إذا أتاه ساعي نجدة الحروريّ دفع إليه زكاته ، وكذلك سلمة بن الأكوع . وليس لإمام أهل العدل إذا ظهر على هذه البلاد أن يطالب بشيءٍ ممّا جبوه ، ولا يرجع به على من أخذ منه ، وقد روي نحو هذا عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع ، ولأنّ ولاية الأخذ كانت له باعتبار الحماية ، ولم يحمهم ، ولأنّ في ترك الاحتساب بها ضرراً عظيماً ومشقّةً كبيرةً ، فإنّهم قد يغلبون على البلاد السّنين الكثيرة ، فلو لم يحتسب ما أخذوه ، أدّى إلى أخذ الصّدقات منهم عن كلّ تلك المدّة . وقال أبو عبيدٍ : على من أخذوا منه الزّكاة الإعادة ، لأنّه أخذها من لا ولاية له صحيحة ، فأشبه ما لو أخذها آحاد الرّعيّة . وذهب فقهاء الحنفيّة إلى أنّه إذا كان إمام أهل البغي صرف ما أخذه في مصرفه أجزأ من أخذ منه ، ولا إعادة عليه ، لوصول الحقّ إلى مستحقّه . وإن لم يكن صرفه في حقّه فعلى من أخذ منهم أن يعيدوا دفعه فيما بينهم وبين اللّه تعالى ، لأنّه لم يصل إلى مستحقّه . وقال الكمال ابن الهمام : قال المشايخ : لا إعادة على الأرباب في الخراج ، لأنّ البغاة مقاتلة ، وهم مصرف الخراج وإن كانوا أغنياء ، وكذلك في العشر إن كانوا فقراء ، أمّا إن كانوا أغنياء فقد أفتوا بالإعادة ، وذلك في زكاة الأموال كلّها . وقال الشّافعيّة والحنابلة : إن عاد بلد البغاة إلى أهل العدل ، فادّعى من عليه الزّكاة أنّه دفعها إلى أهل البغي قبل قوله . وفي استحلافه وجهان عند الشّافعيّة ، وقال أحمد : لا يستحلف النّاس على صدقاتهم . وإن ادّعى من عليه الجزية أنّه دفعها إليهم لم يقبل قوله ، لأنّها عوض ، فلم يقبل قوله في الدّفع ، كالمستأجر إذا ادّعى دفع الأجرة . وعند الحنابلة يحتمل قبول قولهم إذا مضى الحول ، لأنّ الظّاهر أنّ البغاة لا يدّعون الجزية لهم ، فكان القول قولهم ، لأنّ الظّاهر معهم ، ولأنّه إذا مضى لذلك سنون كثيرة شقّ عليهم إقامة البيّنة على مدّعيهم ، فيؤدّي ذلك إلى تغريمهم الجزية مرّتين . وإن ادّعى من عليه الخراج أنّه دفعه إليهم ، ففيه وجهان : أحدهما : يقبل قوله ، لأنّه مسلم ، فقبل قوله في الدّفع لمن عليه الزّكاة . والثّاني : لا يقبل ، لأنّ الخراج ثمن أو أجرة ، فلم يقبل قوله في الدّفع ، كالثّمن في البيع والأجرة في الإجارة . ويصحّ تفريقهم سهم المرتزقة على جنودهم ، لاعتقادهم التّأويل المحتمل ، فأشبه الحكم بالاجتهاد ، ولما في عدم الاعتداد به من الإضرار بالرّعيّة ، ولأنّ جندهم من جند الإسلام ، ورعب الكفّار قائم بهم ، وسواء أكانت الزّكاة معجّلةً أم لا ، واستمرّت شوكتهم على وجوبها أم لا ، وقيل : لا يعتدّ بتفرقتهم لئلاّ يتقوّوا به علينا ، وإن كان من عليه الخراج ذمّيّاً فهو كالجزية ، لأنّه عوض على غير المسلم .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:01 AM

ب - قضاء البغاة وحكم نفاذه :
36 - لو ظهر أهل البغي على بلدٍ فولّوا فيه قاضياً من أهله ، وليس من أهل البغي صحّ اتّفاقاً ، وعليه أن يقيم الحدود . أمّا إن كان منهم ، فإذا ظهر أهل العدل على هذا البلد ، فرفعت أقضيته إلى قاضي أهل العدل نفذ منها ما هو عدل ، وكذا ما قضاه برأي بعض المجتهدين ، لأنّ قضاء القاضي في المجتهدات نافذ ، وإن كان مخالفاً لرأي قاضي أهل العدل . وقال المالكيّة : إذا كان الباغي متأوّلاً ، وأقام قاضياً ، فحكم بشيءٍ فإنّه ينفذ ، ولا تتصفّح أحكامه ، بل تحمل على الصّحّة ، ويرتفع بها الخلاف . قال الموّاق : هذا في ظاهر المذهب . أمّا غير المتأوّل فأحكامه تتعقّب . وقال ابن القاسم : لا يجوز قضاؤهم . وقال الشّافعيّة والحنابلة : إن كان ممّن يستبيح دماء أهل العدل وأموالهم لم تنفذ أحكامه ، لأنّ من شرط القضاء العدالة والاجتهاد ، وهذا ليس بعدلٍ ولا مجتهدٍ ، وإن كان ممّن لا يستبيح ذلك نفذ من حكمه ما ينفذ من حكم أهل العدل ، لأنّ لهم تأويلاً يسوغ فيه الاجتهاد ، فلم ينقض من حكمه ما يسوغ الاجتهاد فيه ، ولأنّه اختلاف في الفروع بتأويلٍ سائغٍ ، فلم يمنع صحّة القضاء ولم يفسق كاختلاف الفقهاء ، وإذا حكم بما لا يخالف إجماعاً نفذ حكمه ، وإن خالف الإجماع نقض ، وإن حكم بسقوط الضّمان عن أهل البغي فيما أتلفوه حال الحرب جاز حكمه ، لأنّه موضع اجتهادٍ ، وإن كان فيما أتلفوه قبل الحرب لم ينفذ ، لأنّه مخالف للإجماع ، وإن حكم على أهل العدل بالضّمان فيما أتلفوه حال الحرب لم ينفذ حكمه لمخالفته للإجماع ، وإن حكم عليهم بوجوب الضّمان فيما أتلفوه في غير حال الحرب نفذ حكمه .

ج - كتاب قاضي البغاة إلى قاضي أهل العدل :
37 - لا يقبل قاضي أهل العدل كتاب قاضي البغاة عند الحنفيّة ، لأنّهم فسقة . وعند الشّافعيّة والحنابلة : يجوز الحكم بكتابهم إلينا بسماع البيّنة في الأصحّ ، ويستحبّ عدم تنفيذه والحكم به ، استخفافاً بهم حيث لا ضرر على المحكوم له . فإن قبله جاز ، لأنّه ينفذ حكمه ، فجاز الحكم بكتابه ، كقاضي أهل العدل ، لأنّه حكم والحاكم من أهله . بل لو كان الحكم لواحدٍ منّا على واحدٍ منهم ، فالمتّجه وجوب التّنفيذ . وقيل : لا يجوز اعتبار كتابه ، لما فيه من إعلاءٍ لمنصبه . ولم نقف على نصٍّ للمالكيّة في هذا ، لكنّهم اشترطوا في القاضي الّذي يقبل كتابه : العدالة ، سواء أكان تولّى القضاء من قبل الوالي المتغلّب أو من قبل الكافر ، رعايةً لمصالح العباد ، ممّا يفيد جواز قبول كتاب قاضي أهل البغي .

د - إقامتهم للحدّ ، ووجوبه عليهم :
38 - الحدّ الّذي يقيمه إمام أهل البغي يقع موقعه ، ويكون مجزئاً ، ولا يعاد ثانياً على المحدود إن كان غير قتلٍ ، ولا دية عليه إن كان قتلاً ، لأنّ عليّاً رضي الله عنه قاتل أهل البصرة ، ولم يلغ ما فعلوه ، لأنّهم فعلوه بتأويلٍ سائغٍ ، فوجب إمضاؤه ، وهذا ما صرّح به كلّ من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . وقال الحنفيّة : إذا كان القاضي الّذي أقامه إمام أهل البغي من أهل البلد الّتي تغلّبوا عليها ، وليس من البغاة ، وجب عليه إقامة الحدّ وأجزأ . وأمّا إذا كان من أهل البغي ، وكانوا امتنعوا بدار الحرب ، فإنّ الحدّ لا يجب ، إذ الفعل لم يقع موجباً أصلاً لوقوعه في غير دار الإسلام ، لعدم الولاية على مكان وقوع الجريمة وقت وقوعها . ولو رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحدّ أيضاً . وعلى هذا لو تغلّبنا عليهم لا يقام . ولو كانوا أقاموه فإنّه لا تجب إعادته ، لعدم وجوبه أصلاً . وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا ارتكبوا حال امتناعهم ما يوجب حدّاً ، ثمّ قدر عليهم - ولم يكن أقيم الحدّ - أقيمت فيهم حدود اللّه ، ولا تسقط الحدود باختلاف الدّار . وهو قول ابن المنذر لعموم الآيات والأخبار ، ولأنّ كلّ موضعٍ تجب فيه العبادة في أوقاتها تجب الحدود فيه عند وجود أسبابها كدار أهل العدل ، ولأنّه زانٍ أو سارق لا شبهة في زناه وسرقته ، فوجب عليه الحدّ كالذّمّيّ في دار العدل .

شهادة البغاة :
39 - الأصل قبول شهادتهم . فقد نصّ الحنفيّة على قبول شهادة أهل الأهواء إن كانوا عدولاً في أهوائهم ، إلاّ بعض الرّافضة كالخطابيّة ، ومن كانت بدعته تكفّر ، أو كان صاحب عصبيّةٍ ، أو فيه مجانة ، فإنّ شهادته لا تقبل لكفره ولفسقه . ويقول المالكيّة : تقبل شهادة البغاة إذا لم يكونوا مبتدعين ، ولا تقبل إذا كانوا مبتدعين والعبرة بوقت الأداء . وقال الشّافعيّة : تقبل شهادة البغاة لتأويلهم ، إلاّ أن يكونوا ممّن يشهدون لموافقيهم بتصديقهم ، فلا تقبل حينئذٍ لبعضهم . وقال الحنابلة : البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين ، وإنّما هم يخطئون في تأويلهم ، فهم كالمجتهدين ، فمن شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلاً . ونقل عن أبي حنيفة أنّهم يفسقون بالبغي وخروجهم على الإمام ، ولكن تقبل شهادتهم ، لأنّ فسقهم من جهة الدّين فلا تردّ به الشّهادة .

بغي انظر : بغاة

بقر
التّعريف
1 - البقر : اسم جنسٍ . قال ابن سيده : ويطلق على الأهليّ والوحشيّ ، وعلى الذّكر والأنثى ، وواحده بقرة ، وقيل : إنّما دخلته الهاء لأنّه واحد من الجنس . والجمع : بقرات ، وقد سوّى الفقهاء الجاموس بالبقر في الأحكام ، وعاملوهما كجنسٍ واحدٍ . زكاة البقر :
2 - زكاة البقر واجبة بالسّنّة والإجماع . أمّا السّنّة فما روى البخاريّ عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : { والّذي نفسي بيده ، أو والّذي لا إله غيره - أو كما حلف - ما من رجلٍ تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدّي حقّها إلاّ أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه ، تطؤه بأخفافها ، وتنطحه بقرونها ، كلّما جازت أخراها ردّت عليه أولاها حتّى يقضى بين النّاس } . وما روى النّسائيّ والتّرمذيّ عن مسروقٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم { بعث معاذاً إلى اليمن ، وأمره أن يأخذ من كلّ حالمٍ ديناراً ، ومن البقر من كلّ ثلاثين تبيعاً أو تبيعةً ، ومن كلّ أربعين مسنّةً } . وقد أجمع الصّحابة ومن بعدهم على وجوب الزّكاة في الأنعام ، ولم يخالف في ذلك أحد ، والبقر صنف من الأنعام ، فوجبت الزّكاة فيها كالإبل والغنم ، وإنّما كان الخلاف في بعض الشّروط كما سيأتي .

شروط وجوب الزّكاة في البقر :
3 - يشترط في وجوب الزّكاة في البقر شروط عامّة تفصيلها في الزّكاة ، وهناك شروط خاصّة بيانها فيما يلي : اشتراط السّوم :
4 - المراد بالسّوم في زكاة الماشية : أن ترعى الماشية أكثر أيّام السّنة في كلأٍ مباحٍ ، سواء أكانت ترعى بنفسها أم براعٍ يرعاها ، هذا وقد ذهب جمهور العلماء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وغيرهم إلى أنّه يشترط السّوم في زكاة الماشية ، ومن بين تلك الماشية البقر ، فيشترط فيها السّوم أيضاً ، وأمّا البقر العوامل والمعلوفة فلا زكاة فيها ، لانتفاء السّوم . وقال الإمام مالك : لا يشترط السّوم في زكاة البقر ، فالبقر العوامل والمعلوفة تجب فيها الزّكاة عنده . استدلّ الإمام مالك لما ذهب إليه بالإطلاق في الأحاديث الموجبة لزكاة البقر ، وهو الّذي استقرّ عليه عمل أهل المدينة ، وعمل أهل المدينة أحد أصول المالكيّة . واستدلّ القائلون باشتراط السّوم في زكاة الماشية بما روي عن عليٍّ رضي الله عنه ، قال الرّاوي أحسبه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في صدقة البقر قال : { وليس في العوامل شيء } ، وأيضاً بما روي عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { ليس في البقر العوامل شيء } وقد حمل الجمهور النّصوص المطلقة في البقر على النّصوص المقيّدة بالسّوم الواردة في الإبل والغنم ، كما استدلّوا بقياس البقر على الإبل والغنم في اشتراط السّوم . وأيضاً فإنّ صفة النّماء معتبرة في الزّكاة ، فلا توجد إلاّ في السّائمة ، أمّا البقر العوامل فصفة النّماء مفقودة فيها ، ومثلها المعلوفة فلا نماء فيها أيضاً ، لأنّ علفها يستغرق نماءها ، إلاّ أن يعدّها للتّجارة ، فيزكّيها زكاة عروض التّجارة .

الزّكاة في بقر الوحش :
5 - ذهب أكثر العلماء إلى عدم وجوب الزّكاة في بقر الوحش ، وعند الحنابلة روايتان ، فالمذهب عندهم وجوب الزّكاة فيها ، لأنّ مطلق الخبر الّذي أوجب الزّكاة في البقر - والّذي سبق ذكره - يتناولها . والرّواية الثّانية عندهم عدم وجوب الزّكاة فيها . قال ابن قدامة : وهي أصحّ ، وهو قول أكثر أهل العلم في عدم وجوب الزّكاة في بقر الوحش ، لأنّ اسم البقر عند الإطلاق لا ينصرف إليها ولا يفهم منه إذ كانت لا تسمّى بقراً بدون الإضافة ، فيقال : بقر الوحش ، ولأنّ العادة تنفي وجود نصابٍ منها موصوفاً بصفة السّوم حولاً كاملاً ، ولأنّها حيوان لا يجزئ نوعه في الأضحيّة والهدي ، فلا تجب فيها الزّكاة كالظّباء ، ولأنّها ليست من بهيمة الأنعام ، فلا تجب فيها الزّكاة كسائر الوحوش ، والسّرّ في ذلك أنّ الزّكاة إنّما وجبت في بهيمة الأنعام دون غيرها لكثرة النّماء فيها ، من درّها ونسلها وكثرة الانتفاع بها لكثرتها وخفّة مئونتها ، وهذا المعنى يختصّ بها ، فاختصّت الزّكاة بها دون غيرها .

زكاة المتولّد بين الوحشيّ والأهليّ :
6 - ذهب الحنابلة إلى وجوب الزّكاة في المتولّد بين الوحشيّ والأهليّ ، سواء أكان الوحشيّ هو الفحل أم الأمّ ، واحتجّوا لذلك بأنّ المتولّد بين الوحشيّ والأهليّ متولّد بين الّذي تجب فيه الزّكاة وبين ما لا تجب فيه ، فيرجّح جانب الوجوب ، قياساً على المتولّد بين السّائمة والمعلوفة ، فتجب فيه الزّكاة ، فكذلك المتولّد بين الوحشيّ والأهليّ . وعلى هذا القول تضمّ إلى جنسها من الأهليّ في وجوب الزّكاة ، ويكمّل بها نصابها ، وتكون كأحد أنواعه . وقال أبو حنيفة ومالك : إن كانت الأمّهات أهليّةً وجبت الزّكاة فيها ، وإلاّ فلا . واستدلّ لهذا القول بأنّ جانب الأمّ في الحيوان هو المعتبر ، لأنّ الأمّ في الحيوان هي الّتي تقوم وحدها برعاية ابنها . وقال الشّافعيّ : لا زكاة فيه مطلقاً ، سواء أكانت الوحشيّة من قبل الفحل أم من قبل الأمّ .



اشتراط تمام النّصاب : أمّا النّصاب فقد اختلف الفقهاء فيه على أقوالٍ ، من أشهرها اتّجاهان :
8 - الاتّجاه الأوّل : وهو قول عليّ بن أبي طالبٍ ومعاذ بن جبلٍ وأبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنهم وقال به الشّعبيّ وشهر بن حوشبٍ وطاووس وعمر بن عبد العزيز والحسن البصريّ ، ونقله الزّهريّ عن أهل الشّام ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبلٍ والشّافعيّ ، قالوا : ليس فيما دون الثّلاثين من البقر شيء ، فإذا بلغتها ففيها تبيع أو تبيعة ، ( والتّبيع هو الّذي له سنتان ، أو الّذي له سنة وطعن في الثّانية ، وقيل : ستّة أشهرٍ ، والتّبيعة مثله ) ، ثمّ لا شيء فيها حتّى تبلغ أربعين ، فإذا بلغتها ففيها بقرة مسنّة . ثمّ لا شيء فيها حتّى تبلغ ستّين ، فإذا بلغتها ففيها تبيعان أو تبيعتان . ثمّ لا شيء فيها حتّى تبلغ عشراً زائدةً ، فإذا بلغتها ففي كلّ ثلاثين من ذلك العدد تبيع أو تبيعة وفي كلّ أربعين مسنّ أو مسنّة ، ففي سبعين تبيع ومسنّة ، وفي ثمانين مسنّتان ، وفي تسعين ثلاثة أتبعةٍ ، وفي مائةٍ مسنّة وتبيعان ، وفي مائةٍ وعشرٍ مسنّتان وتبيع ، وفي مائةٍ وعشرين ثلاث مسنّاتٍ أو أربعة أتبعةٍ ، فالمالك مخيّر بين إخراج الأتبعة أو المسنّات ، وإن كان الأولى النّظر إلى حاجة الفقراء والأصلح لهم . ثمّ يتغيّر الواجب كلّما زاد العدد عشراً . واحتجّ أصحاب هذا القول بما روي عن معاذٍ رضي الله عنه { أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كلّ حالمٍ ديناراً ، ومن البقر من كلّ ثلاثين تبيعاً أو تبيعةً ، ومن كلّ أربعين مسنّةً } . وروى ابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة عن { معاذٍ أنّه سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الأوقاص : ما بين الثّلاثين إلى الأربعين ، وما بين الأربعين إلى الخمسين ؟ قال : ليس فيها شيء } . واحتجّوا أيضاً بما جاء في كتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزمٍ : { فرائض البقر ليس فيما دون الثّلاثين من البقر صدقة ، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل رائع جذع ، إلى أن تبلغ أربعين ، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنّة . إلى أن تبلغ سبعين ، فإنّ فيها بقرةً وعجلاً جذعاً ، فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنّتان ، ثمّ على هذا الحساب } . هذا ، ولتفصيل أحكام ما بين الفريضتين في الزّكاة - وهو المسمّى بالوقص - ينظر مصطلح : ( أوقاص ) .
9- الاتّجاه الثّاني : قول سعيد بن المسيّب والزّهريّ وأبي قلابة وغيرهم : أنّ نصاب البقر هو نصاب الإبل ، وأنّه يؤخذ في زكاة البقر ما يؤخذ من الإبل ، دون اعتبارٍ للأسنان الّتي اشترطت في الإبل ، من بنت مخاضٍ وبنت لبونٍ وحقّةٍ وجذعةٍ ، وروي هذا عن كتاب عمر بن الخطّاب في الزّكاة ، وعن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهم ، وشيوخٍ أدّوا الصّدقات على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم وروى أبو عبيدٍ : أنّ في كتاب عمر بن الخطّاب ( في الزّكاة ) أنّ البقر يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من الإبل ، قال : وقد سئل عنها غيرهم ، فقالوا : فيها ما في الإبل . وقد ذكر ابن حزمٍ بسنده عن الزّهريّ وقتادة كلاهما عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ رضي الله عنهما قال : في كلّ خمسٍ من البقر شاة ، وفي عشرٍ شاتان ، وفي خمس عشرة ثلاث شياهٍ ، وفي عشرين أربع شياهٍ . قال الزّهريّ : فرائض البقر مثل فرائض الإبل غير أسنانٍ فيها : فإذا كانت البقر خمساً وعشرين ففيها بقرة إلى خمسٍ وسبعين ، فإذا زادت على خمسٍ وسبعين ففيها بقرتان إلى مائةٍ وعشرين ، فإذا زادت على مائةٍ وعشرين ففي كلّ أربعين بقرة . قال الزّهريّ : وبلغنا أنّ قولهم : في كلّ ثلاثين تبيع ، وفي كلّ أربعين بقرة ، أنّ ذلك كان تخفيفاً لأهل اليمن ، ثمّ كان بعد ذلك لا يروى . وروي أيضاً عن عكرمة بن خالدٍ قال : استعملت - أي ولّيت - على صدقات ( عكّ ) فلقيت أشياخاً ممّن صدّق ( أخذت منهم الصّدقة ) على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاختلفوا عليّ : فمنهم من قال اجعلها مثل صدقة الإبل ، ومنهم من قال : في ثلاثين تبيع ، ومنهم من قال : في أربعين بقرة مسنّة . وذكر ابن حزمٍ أيضاً بسنده عن ابن المسيّب وأبي قلابة وآخرين مثل ما نقل عن الزّهريّ ، ونقل عن عمر بن عبد الرّحمن بن خلدة الأنصاريّ : أنّ صدقة البقر صدقة الإبل ، غير أنّه لا أسنان فيها .

ما يجزئ في الأضحيّة :
10 - لا يجزئ في الأضحيّة سوى النّعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، خلافاً لمن قال : يجوز التّضحية بأيّ شيءٍ من مأكول اللّحم من النّعم أو من غيرها . وتفصيله في ( الأضحيّة ) . واتّفق العلماء على أنّ الشّخص إذا ضحّى بالبقرة الواحدة عن نفسه فقط فإنّ الأضحيّة تقع له ، وسواء أكانت واجبةً أم متطوّعاً بها .
11 - وأمّا الاشتراك في التّضحية بالبقرة الواحدة ففيه خلاف : فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وأكثر أهل العلم : إلى أنّ البقرة الواحدة تجزئ عن سبعة أشخاصٍ ، فيجوز لهم الاشتراك في البقرة الواحدة ، وسواء أكانوا أهل بيتٍ واحدٍ ، أم أهل بيتين ، أم متفرّقين ، وسواء أكانت أضحيّةً واجبةً أم متطوّعاً بها ، وسواء أراد بعضهم القربة أم أراد اللّحم ، فيقع لكلّ واحدٍ منهم ما قصد . إلاّ أنّه عند الحنفيّة لا بدّ أن يريد كلّهم القربة ، فلو أراد أحدهم اللّحم لم تجزئ عن الكلّ عندهم . وقال مالك : يجزئ الرّأس الواحد من الإبل أو البقر أو الغنم عن واحدٍ ، وعن أهل البيت وإن كثر عددهم وكانوا أكثر من سبعةٍ ، إذا أشركهم فيها تطوّعاً ، ولا تجزئ إذا اشتروها بينهم بالشّركة ، ولا على أجنبيّين فصاعداً . واحتجّ أصحاب القول الأوّل بما رواه جابر قال : { نحرنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعةٍ ، والبقرة عن سبعةٍ } وعنه قال : { خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مهلّين ، فأمرنا أن نشترك في الإبل والبقر ، كلّ سبعةٍ منّا في بدنةٍ } . وأمّا مالك فقد أخذ بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان يقول : البدنة عن واحدٍ والبقرة عن واحدٍ ، والشّاة عن واحدٍ لا أعلم شركاً . وقد روي هذا أيضاً عن غير ابن عمر كمحمّد بن سيرين فإنّه يرى أنّ النّفس الواحدة لا تجزئ إلاّ عن نفسٍ واحدةٍ فقط .

البقر في الهدي :
12 - حكم البقرة في الهدي كحكمها في الأضحيّة ، باستثناء ما يتّصل بالتّضحية عن الرّجل وأهل بيته ، وتفصيله في ( الحجّ ، والهدي ) . أمّا إشعار البقر في الهدي فقد اتّفق العلماء ( سوى أبي حنيفة ) على أنّ الإشعار سنّة ، وأنّه مستحبّ ، وقد فعله النّبيّ صلى الله عليه وسلم والصّحابة من بعده ، واتّفقوا أيضاً على أنّ الإشعار سنّة في الإبل ، سواء أكان لها سنام أم لم يكن لها سنام ، فإن لم يكن لها سنام فإنّها تشعر في موضع السّنام . وأمّا البقر فمذهب الشّافعيّة : الإشعار فيها مطلقاً ، سواء أكان لها سنام أم لم يكن لها سنام ، فهي عندهم كالإبل . وقد ذهب مالك إلى أنّ البقر إذا كان لها سنام فإنّها تشعر ، أمّا إذا لم يكن لها سنام فإنّها لا تشعر .

( حكم التّقليد ) :
13 - التّقليد : جعل القلادة في العنق ، وتقليد الهدي : أن يعلّق في عنقه قطعة من جلدٍ ، ليعرف أنّه هدي فلا يتعرّض له . واتّفق العلماء على أنّ التّقليد مستحبّ في الإبل والبقر . وأمّا الغنم فقد ذهب الشّافعيّة إلى استحباب التّقليد فيها كالإبل والبقر . وذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم استحباب التّقليد فيها . وتقليد الإبل والبقر يكون بالنّعال ونحوها ممّا يشعر أنّها هدي .

ذكاة البقر :
14 - ذكاة البقر كذكاة الغنم ، فإذا أريد تذكية البقرة فإنّها تضجع على جنبها الأيسر ، وتشدّ قوائمها الثّلاث : اليد اليمنى واليسرى والرّجل اليسرى ، وتترك الرّجل اليمنى بلا شدٍّ لتحرّكها عند الذّبح ، ويمسك الذّابح رأسها بيده اليسرى ، ويمسك السّكّين بيده اليمنى ، ثمّ يبدأ الذّبح بعد أن يقول : باسم اللّه واللّه أكبر وبعد أن يتّجه هو وذبيحته نحو القبلة . وأمّا الإبل فإنّها تنحر بطعنها في اللّبّة ، أي أسفل العنق ، وهي قائمة معقولة الرّكبة اليسرى .

استعمال البقر للرّكوب :
15 - اتّفق العلماء على أنّ ما يركب من الأنعام ويحمل عليه هو الإبل . وأمّا البقر فإنّه لم يخلق للرّكوب ، وإنّما خلق لينتفع به في حرث الأرض ، وغير ذلك من المنافع سوى الرّكوب . وأمّا الغنم فهي للدّرّ والنّسل واللّحم لقوله تعالى : { وإنّ لكم في الأنعام لعبرةً نسقيكم ممّا في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ، وعليها وعلى الفلك تحملون } ، وقوله تعالى : { اللّه الّذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون } ، وقوله تعالى : { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون } . وأمّا الآيات الّتي تذكر أنّ الأنعام تركب فهي محمولة عند العلماء على بعض الأنعام ، وهي الإبل ، وهو من العامّ الّذي أريد به الخاصّ . وممّا يدلّ على أنّ استعمال البقر للرّكوب غير لائقٍ ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { بينما رجل يسوق بقرةً له قد حمل عليها ، التفتت إليه البقرة فقالت : إنّي لم أخلق لهذا ، ولكنّي إنّما خلقت للحرث ، فقال النّاس : سبحان اللّه - تعجّباً وفزعاً - أبقرة تكلّم ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : فإنّي أومن به وأبو بكرٍ وعمر } .

بول وروث البقر :
16 - اتّفق الفقهاء على نجاسة بول وروث ما لا يؤكل لحمه ، سواء أكان إنساناً أم غيره . وأمّا بول وروث ما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم ففيه الخلاف فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشّافعيّ إلى نجاسة الأبوال والأرواث كلّها ، من مأكول اللّحم وغيره . وذهب مالك وأحمد وطائفة من السّلف ، ووافقهم من الشّافعيّة ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان والإصطخريّ والرّويانيّ ، ومن الحنفيّة محمّد بن الحسن إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه . وانظر للتّفصيل والاستدلال مصطلح ( نجاسة ) .

حكم البقر في الدّية :
17 - اختلف العلماء في اعتبار البقر أصلاً في الدّية على قولين : فذهب أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ في القديم إلى أنّ الدّية ثلاثة أصولٍ : الإبل ، والذّهب ، والفضّة ، وليس أصلاً . وذهب صاحبا أبي حنيفة ( أبو يوسف ومحمّد بن الحسن ) والثّوريّ وأحمد بن حنبلٍ إلى أنّ الدّية خمسة أصولٍ : الإبل ، والذّهب ، والفضّة ، والبقر ، والغنم . وزاد الصّاحبان : الحلل ، وهو قول عمر وعطاءٍ وطاووسٍ وفقهاء المدينة السّبعة ، فعلى هذا القول تعتبر البقر أصلاً من أصول الدّية ، ويجوز لأصحابها - كما عند الصّاحبين - دفعها ابتداءً ، ولا يكلّفون غيرها . وذهب الشّافعيّ في الجديد إلى أنّ الدّية ليس لها إلاّ أصل واحد ، وهو الإبل ، فإذا فقدت فالواجب قيمتها من نقد البلد بالغةً ما بلغت . فليست البقر أصلاً على هذا القول كذلك . وانظر للتّفصيل مصطلح ( دية ) .

بكاء
التّعريف
1 - البكاء : مصدر بكى يبكي بكًى ، وبكاءً . قال في اللّسان : البكاء يقصر ويمدّ . قال الفرّاء وغيره : إذا مددت أردت الصّوت الّذي يكون مع البكاء ، وإذا قصرت أردت الدّموع وخروجها . قال كعب بن مالكٍ رضي الله عنه في رثاء حمزة بكت عيني وحقّ لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل قال الخليل : من قصر ذهب به إلى معنى الحزن ، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصّوت . والتّباكي : تكلّف البكاء كما في الحديث { فإن لم تبكوا فتباكوا } . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الصّياح والصّراخ :
2 - الصّياح والصّراخ في اللّغة : هو الصّوت بأقصى الطّاقة ، وقد يكون معهما بكاء ، وقد لا يكون ، ويرد الصّراخ أيضاً لرفع الصّوت على سبيل الاستغاثة .
ب - النّياح :
3 - النّياح والنّياحة لغةً : البكاء بصوتٍ على الميّت . وقال في المصباح ، وهو قريب ممّا جاء في القاموس : ناحت المرأة على الميّت نوحاً من باب قال ، والاسم النّواح وزان غرابٍ ، وربّما قيل : النّياح بالكسر ، فهي نائحة ، والنّياحة بالكسر : الاسم منه ، والمناحة بفتح الميم : موضع النّوح . ج النّدب :
4 - النّدب لغةً : الدّعاء إلى الأمر والحثّ عليه . والنّدب : البكاء على الميّت وتعداد محاسنه . والاسم : النّدبة . د - النّحب ، أو النّحيب :
5 - النّحب لغةً : أشدّ البكاء ، كالنّحيب . العويل :
6 - العويل : هو رفع الصّوت بالبكاء ، يقال : أعولت المرأة إعوالاً وعويلاً . هذا ويتّضح ممّا تقدّم أنّ النّحيب والعويل معناهما البكاء الشّديد ، وأنّ الصّراخ والصّياح متقاربان في المعنى ، وأنّ النّواح يأتي بمعنى البكاء على الميّت ، وأنّ النّدب هو تعداد محاسن الميّت ، وأنّ البكاء ما كان مصحوباً بصوتٍ ، والبكى ما كان بلا صوتٍ ، بأن كان قاصراً على خروج الدّمع . أسباب البكاء :
7 - للبكاء أسباب ، منها : خشية اللّه تعالى ، والحزن ، وشدّة الفرح . الحكم التّكليفيّ للبكاء في المصيبة :
8 - البكاء قد يكون قاصراً على خروج الدّمع فقط بلا صوتٍ ، أو بصوتٍ لا يمكن الاحتراز عنه ، وقد يكون مصحوباً بصوتٍ كصراخٍ أو نواحٍ أو ندبٍ وغيرها ، وهذا يختلف باختلاف من يصدر منه البكاء ، فمن النّاس من يقدر على كتمان الحزن ، ويملك السّيطرة على مشاعره ، ومنهم من لا يستطيع ذلك . فإن كان البكاء مجرّداً عن فعل اليد ، كشقّ جيبٍ أو لطمٍ ، وعن فعل اللّسان ، كالصّراخ ودعوى الويل والثّبور ونحو ذلك ، فإنّه مباح لقوله صلى الله عليه وسلم { إنّه مهما كان من العين والقلب فمن اللّه عزّ وجلّ ومن الرّحمة ، وما كان من اليد واللّسان فمن الشّيطان } ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً { إنّ اللّه لا يعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب ، ولكن يعذّب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم } . أمّا حكم البكاء في غير هذه الحالة فسيأتي فيما بعد .

البكاء من خشية اللّه تعالى :
9 - المؤمن يعيش في جهادٍ مع نفسه ، ويراقب اللّه في جميع أفعاله وتصرّفاته ، فهو يخاف اللّه ، ويبكي عند ذكره سبحانه تعالى ، فهذا من المخبتين الّذين بشّرهم اللّه سبحانه وتعالى بقوله : { وبشّر المخبتين الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم والصّابرين على ما أصابهم والمقيمي الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون } وهم الّذين عناهم اللّه بقوله : { إنّما المؤمنون الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربّهم يتوكّلون } . وممّا قاله القرطبيّ في تفسير هذه الآية ، مع الإشارة إلى غيرها من الآيات القريبة منها في المعنى : وصف اللّه تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره ، وذلك لقوّة إيمانهم ومراعاتهم لربّهم ، وكأنّهم بين يديه ، ونظير هذه الآية { وبشّر المخبتين الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم } وقال : { الّذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر اللّه } ، فهذا يرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب ، والوجل : الفزع من عذاب اللّه ، فلا تناقض ، وقد جمع اللّه بين المعنيين في قوله تعالى : { اللّه نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعرّ منه جلود الّذين يخشون ربّهم ثمّ تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللّه } أي تسكن نفوسهم مع اللّه من حيث اليقين ، وإن كانوا يخافون اللّه .
10 - فهذه حالة العارفين باللّه ، الخائفين من سطوته وعقوبته . لا كما يفعله جهّال العوّام والمبتدعة الطّغام ، من الزّعيق والزّئير ومن النّهاق الّذي يشبه نهاق الحمير ، فيقال لمن تعاطى ذلك ، وزعم أنّ ذلك وجد وخشوع : لم تبلغ أن تساوي حال الرّسول ولا حال أصحابه في المعرفة باللّه ، والخوف منه ، والتّعظيم لجلاله ، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن اللّه والبكاء خوفاً من اللّه ، ولذلك وصف اللّه أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنا فاكتبنا مع الشّاهدين } . فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم ، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم ، فمن كان مستنّاً فليستنّ بهم ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسّهم حالاً ، والجنون فنون . روى مسلم عن أنس بن مالكٍ { أنّ النّاس سألوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى أحفّوه في المسألة ، فخرج ذات يومٍ ، فصعد المنبر ، فقال : سلوني ، لا تسألوني عن شيءٍ إلاّ بيّنته لكم ، ما دمت في مقامي هذا . فلمّا سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمرٍ قد حضر ، قال أنس : فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً فإذا كلّ إنسانٍ لافّ رأسه في ثوبه يبكي ... } . وذكر الحديث . وروى التّرمذيّ وصحّحه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : { وعظنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب } . الحديث . ولم يقل : زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا ولا قمنا . وقال صاحب روح المعاني في تفسير قوله تعالى : { الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم } أي خافت قلوبهم منه عزّ وجلّ لإشراق أشعّة الجلال عليها .
11 - والبكاء خشيةً من اللّه له أثره في العمل ، وفي غفران الذّنوب ، ويدلّ لذلك ما رواه التّرمذيّ عن ابن عبّاسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { عينان لا تمسّهما النّار : عين بكت من خشية اللّه ، وعين باتت تحرس في سبيل اللّه } . قال صاحب تحفة الأحوذيّ : قوله : { عينان لا تمسّهما النّار } أي لا تمسّ صاحبهما ، فعبّر بالجزء عن الجملة ، وعبّر بالمسّ إشارةً إلى امتناع ما فوقه بالأولى ، وفي روايةٍ : « أبداً " وفي روايةٍ : { لا يقربان النّار } . وقد ذكر صاحب روح المعاني أخباراً وردت في مدح البكاء خشيةً من اللّه تعالى ، من بينها هذا الحديث المتقدّم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { لا يلج النّار رجل بكى من خشية اللّه تعالى حتّى يعود اللّبن في الضّرع ، ولا يجتمع على عبدٍ غبار في سبيل اللّه تعالى ودخان جهنّم } .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:01 AM

البكاء في الصّلاة :
12 - يرى الحنفيّة أنّ البكاء في الصّلاة إن كان سببه ألماً أو مصيبةً فإنّه يفسد الصّلاة ، لأنّه يعتبر من كلام النّاس ، وإن كان سببه ذكر الجنّة أو النّار فإنّه لا يفسدها ، لأنّه يدلّ على زيادة الخشوع ، وهو المقصود في الصّلاة ، فكان في معنى التّسبيح أو الدّعاء . ويدلّ على هذا حديث الرّسول صلى الله عليه وسلم { أنّه كان يصلّي باللّيل وله أزيز كأزيز المرجل من البكاء } . وعن أبي يوسف أنّ هذا التّفصيل فيما إذا كان على أكثر من حرفين ، أو على حرفين أصليّين ، أمّا إذا كان على حرفين من حروف الزّيادة ، أو أحدها من حروف الزّيادة والآخر أصليّ ، لا تفسد في الوجهين معاً ، وحروف الزّيادة عشرة يجمعها قولك : أمان وتسهيل . وحاصل مذهب المالكيّة في هذا : أنّ البكاء في الصّلاة إمّا أن يكون بصوتٍ ، وإمّا أن يكون بلا صوتٍ ، فإن كان البكاء بلا صوتٍ فإنّه لا يبطل الصّلاة ، سواء أكان بغير اختيارٍ ، بأن غلبه البكاء تخشّعاً أو لمصيبةٍ ، أم كان اختياريّاً ما لم يكثر ذلك في الاختياريّ . وأمّا إذا كان البكاء بصوتٍ ، فإن كان اختياريّاً فإنّه يبطل الصّلاة ، سواء كان لمصيبةٍ أم لتخشّعٍ ، وإن كان بغير اختياره ، بأن غلبه البكاء تخشّعاً لم يبطل ، وإن كثر ، وإن غلبه البكاء بغير تخشّعٍ أبطل . هذا وقد ذكر الدّسوقيّ أنّ البكاء بصوتٍ ، إن كان لمصيبةٍ أو لوجعٍ من غير غلبةٍ أو لخشوعٍ فهو حينئذٍ كالكلام ، يفرّق بين عمده وسهوه ، أي فالعمد مبطل مطلقاً ، قلّ أو كثر ، والسّهو يبطل إن كان كثيراً ، ويسجد له إن قلّ . وأمّا عند الشّافعيّة ، فإنّ البكاء في الصّلاة على الوجه الأصحّ إن ظهر به حرفان فإنّه يبطل الصّلاة ، لوجود ما ينافيها ، حتّى وإن كان البكاء من خوف الآخرة . وعلى مقابل الأصحّ : لا يبطل لأنّه لا يسمّى كلاماً في اللّغة ، ولا يفهم منه شيء ، فكان أشبه بالصّوت المجرّد . وأمّا الحنابلة فإنّهم يرون أنّه إن بان حرفان من بكاءٍ ، أو تأوّهٍ خشيةً ، أو أنينٍ في الصّلاة لم تبطل ، لأنّه يجري مجرى الذّكر ، وقيل : إن غلبه وإلاّ بطلت ، كما لو لم يكن خشيةً ، لأنّه يقع على الهجاء ، ويدلّ بنفسه على المعنى كالكلام ، قال أحمد في الأنين : إذا كان غالباً أكرهه ، أي من وجعٍ ، وإن استدعى البكاء فيها كره كالضّحك وإلاّ فلا .

البكاء عند قراءة القرآن :
13 - البكاء عند قراءة القرآن مستحبّ ، ويفهم ذلك من قوله تعالى في سورة الإسراء { ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً } . قال القرطبيّ : هذا مدح لهم ، وحقّ لكلّ من توسّم بالعلم ، وحصل منه شيئاً أن يجري إلى هذه المرتبة ، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذلّ . وقال الزّمخشريّ في الكشّاف في تفسير قوله تعالى : { ويزيدهم خشوعاً } أي يزيدهم لين قلبٍ ورطوبة عينٍ . وقال الطّبريّ عند الكلام على هذه الآية : يقول تعالى ذكره . ويخرّ هؤلاء الّذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين ، من قبل نزول الفرقان ، إذا يتلى عليه القرآن لأذقانهم يبكون ، ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعاً ، يعني خضوعاً لأمر اللّه وطاعته استكانةً له . ويفهم استحباب البكاء أيضاً عند قراءة القرآن بما أخرجه ابن ماجه وإسحاق بن راهويه والبزّار في مسنديهما من حديث سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه مرفوعاً : { إنّ هذا القرآن نزل بحزنٍ ، فإذا قرأتموه فابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا } .

البكاء عند الموت وبعده :
14 - اتّفق الفقهاء على أنّ البكاء إن كان قاصراً على خروج الدّمع فقط بلا صوتٍ فإنّه جائز ، قبل الموت وبعده ، ومثله غلبة البكاء بصوتٍ إذا لم يقدر على ردّه ، ومثله حزن القلب . واتّفقوا أيضاً على تحريم النّدب بتعداد محاسن الميّت برفع صوتٍ ، إلاّ ما نقل في الفروع عن بعض الحنابلة . واتّفقوا على تحريم النّواح وشقّ الجيب أو الثّوب ولطم الخدّ وما أشبه ذلك ، إلاّ أنّ الحنفيّة عبّروا في ذلك بالكراهة ، ومرادهم الكراهة التّحريميّة ، وبذلك لا يكون بين الفقهاء في ذلك خلاف . وأمّا إذا كان البكاء بصوتٍ وغير مصحوبٍ بنياحةٍ وندبٍ أو شقّ جيبٍ أو نحو ذلك ، فيرى الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة أنّه جائز ، واشترط المالكيّة عدم الاجتماع للبكاء ، وإلاّ كره . وللشّافعيّة تفصيل أتى به القليوبيّ ، فقال : إنّ البكاء على الميّت إن كان لخوفٍ عليه من هول يوم القيامة ونحوه فلا بأس به ، أو لمحبّةٍ ورقّةٍ كطفلٍ فكذلك ، ولكنّ الصّبر أجمل ، أو لصلاحٍ وبركةٍ وشجاعةٍ وفقد نحو علمٍ فمندوب ، أو لفقد صلةٍ وبرٍّ وقيامٍ بمصلحةٍ فمكروه ، أو لعدم تسليمٍ للقضاء وعدم الرّضى به فحرام . وقال الشّافعيّ : يجوز البكاء قبل الموت ، فإذا مات أمسكن . واستدلّ بحديث النّسائيّ عن جابر بن عتيكٍ كما يأتي قريباً . والفقهاء فيما قالوه في ذلك استدلّوا بما ورد في السّنّة ، فقد أخرج التّرمذيّ عن جابرٍ رضي الله عنه قال : { أخذ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بيد عبد الرّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه فانطلق به إلى ابنه إبراهيم ، فوجده يجود بنفسه ، فأخذه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره فبكى ، فقال له عبد الرّحمن : أتبكي ؟ أولم تكن نهيت عن البكاء ؟ قال : لا . ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوتٍ عند مصيبةٍ ، خمش وجوهٍ وشقّ جيوبٍ ورنّة شيطانٍ } . وقد أخرج البخاريّ عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : { ليس منّا من لطم الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهليّة } . فهذا يدلّ على عدم جواز ما ذكر فيه من اللّطم وشقّ الجيب ودعوى الجاهليّة . وأخرج النّسائيّ عن جابر بن عتيكٍ رضي الله عنه : { أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد اللّه بن ثابتٍ فوجده قد غلب ، فصاح النّسوة وبكين ، فجعل ابن عتيكٍ يسكتهنّ ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : دعهنّ ، فإذا وجب فلا تبكين باكية . قالوا : وما الوجوب يا رسول اللّه ؟ قال : الموت } .

البكاء عند زيارة القبر :
15 - البكاء عند زيارة القبر جائز ، والدّليل على ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : { زار النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبر أمّه فبكى ، وأبكى من حوله ... } إلخ الحديث .

اجتماع النّساء للبكاء :
16 - اجتماع النّساء للبكاء عند المالكيّة مكروه إن كان بلا صوتٍ ، وحرام إن كان معه صوت . والشّافعيّة لا يجيزون الاجتماع للبكاء . ولم يتعرّض الحنفيّة ولا الحنابلة لاجتماع النّساء للبكاء . على أنّ الفقهاء متّفقون على جواز البكاء بالدّمع فقط بلا صوتٍ ، وإنّما تأتي الكراهة أو التّحريم على ما إذا قصد الاجتماع له . هذا ، وإذا كان اجتماع النّساء للبكاء مكروهاً أو محرّماً فكراهة أو تحريم اجتماع الرّجال له أولى ، وإنّما خصّ الفقهاء النّساء بالذّكر لأنّ هذا شأنهنّ .

أثر بكاء المولود عند الولادة :
17 - إذا بكى المولود عند ولادته ، بأن استهلّ صارخاً ، فإنّ ذلك يدلّ على تحقّق حياته ، سواء انفصل بالكلّيّة كما عند الشّافعيّة ، أم لم ينفصل كما عند الحنفيّة . فإن لم يبك ، ولم توجد منه علامة تدلّ على الحياة فلا يحكم بحياته . فإن بدا منه ما يدلّ على حياته ، كالبكاء والصّراخ ونحو ذلك ، فإنّه يعطى حكم الأحياء ، فيسمّى ويرث ، ويقتصّ من قاتله عمداً ، ويستحقّ مواليه الدّية في غير العمد فإن مات بعد تحقّق حياته فإنّه يغسّل ويصلّى عليه ويورث . وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح ( استهلال ) .

أثر بكاء البكر عند الاستئذان لتزويجها :
18 - إذا استؤذنت البكر في النّكاح فبكت ، فإنّ للفقهاء في دلالته على الرّضا وعدمه اتّجاهاتٍ ثلاثةً :
أ - فالحنفيّة والشّافعيّة يقولون : إن كان البكاء بلا صوتٍ فيدلّ على الرّضا ، وإن كان بصوتٍ فلا يدلّ على الرّضا .
ب - والمالكيّة يقولون : إنّ بكاء البكر غير المجبرة ، وهي الّتي يزوّجها غير الأب من الأولياء ، يعتبر رضاً ، لاحتمال أنّ هذا البكاء إنّما هو لفقد الأب مثلاً ، فإن علم أنّه للمنع من الزّواج لم يكن رضاً .
ج - والحنابلة يقولون : إنّ البكاء إذن في النّكاح ، لما روى أبو هريرة قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { تستأمر اليتيمة فإذا بكت أو سكتت فهو رضاها ، وإن أبت فلا جواز عليها } ولأنّها غير ناطقةٍ بالامتناع مع سماع الاستئذان ، فكان ذلك إذناً منها كالصّمات . والبكاء يدلّ على فرط الحياء لا الكراهة . ولو كرهت لامتنعت ، فإنّها لا تستحي من الامتناع .

بكاء المرء هل يكون دليلاً على صدق مقاله :
19 - بكاء المرء لا يدلّ على صدق مقاله ، ويدلّ على ذلك قوله تعالى في سورة يوسف { وجاءوا أباهم عشاءً يبكون } . فإنّ إخوة يوسف تصنّعوا البكاء ليصدّقهم أبوهم بما أخبروه به ، مع أنّ الّذي أخبروه به كذب ، هم الّذين دبّروه وفعلوه . قال القرطبيّ قال علماؤنا : هذه الآية دليل على أنّ بكاء المرء لا يدلّ على صدق مقاله ، لاحتمال أن يكون تصنّعاً ، فمن الخلق من يقدر على ذلك ، وفيهم من لا يقدر ، وقد قيل : إنّ الدّمع المصنوع لا يخفى . كما قال حكيم : إذا اشتبكت دموع في خدودٍ تبيّن من بكى ممّن تباكى .

بكارة
التّعريف
1 - البكارة ( بالفتح ) لغةً : عذرة المرأة ، وهي الجلدة الّتي على القبل . والبكر : المرأة الّتي لم تفتضّ ، ويقال للرّجل : بكر ، إذا لم يقرب النّساء ، ومنه حديث { البكر بالبكر جلد مائةٍ ونفي سنةٍ } . والبكر اصطلاحاً عند الحنفيّة : اسم لامرأةٍ لم تجامع بنكاحٍ ولا غيره ، فمن زالت بكارتها بغير جماعٍ كوثبةٍ ، أو درور حيضٍ ، أو حصول جراحةٍ ، أو تعنيسٍ : بأن طال مكثها بعد إدراكها في منزل أهلها حتّى خرجت عن عداد الأبكار فهي بكر حقيقةً وحكماً . وعرّفها المالكيّة : بأنّها الّتي لم توطأ بعقدٍ صحيحٍ ، أو فاسدٍ جرى مجرى الصّحيح . وقيل : إنّها الّتي لم تزل بكارتها أصلاً .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - العذرة :
2 - العذرة لغةً : الجلدة الّتي على المحلّ . ومنه العذراء ، وهي : المرأة الّتي لم تزل بكارتها بمزيلٍ . فالعذراء : ترادف البكر لغةً وعرفاً ، وقد يفرّقون بينهما ، فيطلقون العذراء على من لم تزل بكارتها أصلاً ، وقال الدّردير : إذا جرى العرف بالتّسوية بينهما يعتبر .
ب - الثّيوبة :
3 - الثّيوبة : زوال البكارة بالوطء ولو حراماً . والثّيّب لغةً : ضدّ البكر ، فهي الّتي تزوّجت فثابت ، وفارقت زوجها بأيّ وجهٍ كان بعد أن مسّها ، وعن الأصمعيّ أنّ الثّيّب : هو الرّجل أو المرأة بعد الدّخول . والثّيّب اصطلاحاً : من زالت بكارتها بالوطء ولو حراماً . والثّيّب والبكر ضدّان . ما تثبت به البكارة عند التّنازع :
4 - أجاز جمهور الفقهاء قبول شهادة النّساء في البكارة والثّيوبة . واختلفوا في العدد المشترط : فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ البكارة تثبت بشهادة امرأةٍ ثقةٍ ، والثّنتان أحوط وأوثق . وأجاز أبو الخطّاب من الحنابلة شهادة الرّجل في ذلك . وذهب المالكيّة - على ما صرّح به خليل والدّردير في شرحيه - إلى أنّها تثبت بشهادة امرأتين . لكن قال الدّسوقيّ في باب النّكاح : إن أتى الرّجل بامرأتين ، أو امرأةٍ واحدةٍ تشهد له على ما تصدّق فيه الزّوجة قبلت . وقال الشّافعيّة : تثبت البكارة بشهادة رجلين ، أو رجلٍ وامرأتين ، أو شهادة أربع نسوةٍ . ومناط قول شهادة المرأة في إثبات البكارة أنّ موضعها عورة لا يطّلع عليه الرّجال إلاّ للضّرورة ، وروى مالك عن الزّهريّ : { مضت السّنّة أنّه تجوز شهادة النّساء فيما لا يطّلع عليه غيرهنّ ، من ولادة النّساء وعيوبهنّ } . وقيس على ذلك البكارة والثّيوبة . وتثبت البكارة كذلك باليمين حسب التّفصيل الّذي سيأتي .

أثر البكارة في عقد النّكاح : ما يكون به إذن البكر :
5 - اتّفق الفقهاء على أنّ سكوت البكر البالغة عند استئذانها في النّكاح إذن منها ، لحديث : { البكر تستأذن في نفسها ، وإذنها صماتها } . ولما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها ، والبكر تستأذن في نفسها ، وإذنها صماتها } . ومثل السّكوت : الضّحك بغير استهزاءٍ ، لأنّه أدلّ على الرّضا من السّكوت ، وكذا التّبسّم والبكاء بلا صوتٍ ، لدلالة بكاها على الرّضا ضمناً . والمعوّل عليه اعتبار قرائن الأحوال في البكاء والضّحك ، فإن تعارضت أو أشكل احتيط . واستئمار البكر البالغة العاقلة مندوب عند الجمهور ، لأنّ لوليّها الحقّ في إجبارها على النّكاح . وسنّة عند الحنفيّة ، لأنّه ليس لوليّها حقّ الإجبار . وتفصيل ذلك في مصطلح ( نكاح ) .
6- وقد ذكر المالكيّة أبكاراً لا يكتفى بصمتهنّ ، بل لا بدّ من إذنهنّ بالقول عند استئذانهنّ في النّكاح :
أ - بكر رشّدها أبوها أو وصيّه بعد بلوغها ، لأنّه لا جبر لأبيها عليها ، لما قام بها من حسن التّصرّف على المعروف في المذهب .
ب - بكر مجبرة عضلها أبوها ، أي منعها من النّكاح لا لمصلحتها ، بل للإضرار بها ، فرفعت أمرها للحاكم ، فأراد تزويجها لامتناع أبيها ، وزوّجها .
ج - بكر يتيمة مهملة لا أب لها ولا وصيّ ، خيف فسادها بفقرٍ أو زنًى أو عدم حاضنٍ شرعيٍّ في قولٍ ، والمعتمد أنّها تجبر .
د - بكر غير مجبرةٍ ، افتيت عليها ، زوّجها وليّها غير المجبر - وهو غير الأب ووصيّه - بغير إذنها ، ثمّ أنهى إليها الخبر فرضيت .
هـ - بكر أريد تزويجها لذي عيبٍ موجبٍ لخيارها ، كجنونٍ وجذامٍ وبرصٍ . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ) .

اشتراط الوليّ وعدمه :
7 - البكر إن كانت صغيرةً فالإجماع على أنّها لا تزوّج نفسها ، بل يزوّجها وليّها . وأمّا إن كانت كبيرةً ، فجمهور الفقهاء من السّلف والخلف على أنّها لا تزوّج نفسها ، وإنّما يزوّجها وليّها ، وعند المالكيّة : ولو كانت عانساً بلغت السّتّين في مشهور المذهب . وذهب الحنفيّة إلى أنّه ليس لوليّها حقّ إجبارها ، ولها أن تزوّج نفسها ، فإن زوّجت نفسها بغير كفءٍ ، أو بدون مهر المثل ، فلوليّها حقّ طلب الفسخ ما لم تحمل . وروي عن أبي يوسف أنّ نكاح الحرّة البالغة العاقلة إذا كانت بكراً لا ينعقد إلاّ بوليٍّ ، وعن محمّدٍ ينعقد موقوفاً . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ) .

متى يرتفع الإجبار مع وجود البكارة :
8 - أ - يرى المالكيّة أنّ الأب لا يجبر بكراً رشّدها - إن بلغت - بأن قال لها : رشّدتك ، أو أطلقت يدك ، أو رفعت الحجر عنك ، أو نحو ذلك . وثبت ترشيدها بإقراره ، أو ببيّنةٍ إن أنكر ، وحيث كانت لا تجبر فلا بدّ من نطقها وإذنها ، وهو المعروف في المذهب ، وقال ابن عبد البرّ : له جبرها .
ب - إذا عضل والد البكر المجبرة ، ومنعها من نكاح من ترغب فيه ، ورفعت أمرها للقضاء ، وثبت كفاءة من ترغب في زواجه يأمره الحاكم بتزويجها ، فإن امتنع ارتفع إجباره ، وزوّجها الحاكم ، ولا بدّ من نطقها برضاها بالزّوج وبالصّداق . ولا يختلف مذهب الشّافعيّة والحنابلة عن هذا إلاّ في بعض التّفصيلات ، كتكرار امتناع الوليّ العاضل مراراً .
ج - والبكر اليتيمة الصّغيرة إذا خيف فسادها ، يجبرها وليّها على التّزويج ، وتجب مشاورة القاضي على المعتمد عند المالكيّة . ولا خصوصيّة لهذا الحالة عند الحنفيّة ، لأنّ مطلق الصّغيرة - بكراً كانت أو ثيّباً - لوليّها إجبارها على النّكاح ، ثمّ إذا بلغت وكان الوليّ المجبر غير الأب أو الجدّ ثبت لها خيار البلوغ . وذهب الحنابلة - في روايةٍ - إلى أنّ الوليّ المجبر هو الأب فقط ، ولا يزوّج الصّغيرة غيره ولو كان جدّاً . وفي المذهب رواية أخرى كمذهب الحنفيّة . ويرى الشّافعيّة أنّ ولاية الإجبار في تزويج البكر هي للأب والجدّ وحدهما ، دون بقيّة الأولياء . فالبكر اليتيمة تنحصر ولاية إجبارها في الجدّ .

اشتراط الزّوج بكارة الزّوجة :
9 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ الرّجل لو تزوّج امرأةً على أنّها بكر ، فتبيّن بعد الدّخول أنّها ليست كذلك ، لزمه كلّ المهر ، لأنّ المهر شرع لمجرّد الاستمتاع دون البكارة ، وحملاً لأمرها على الصّلاح ، بأن زالت بوثبةٍ . فإن كان قد تزوّجها بأزيد من مهر مثلها على أنّها بكر ، فإذا هي غير بكرٍ ، لا تجب الزّيادة ، لأنّه قابل الزّيادة بما هو مرغوب فيه ، وقد فات ، فلا يجب ما قوبل به ، ولا يثبت بتخلّف شرط البكارة فسخ العقد . وعند المالكيّة : إذا تزوّج الرّجل امرأةً ظانّاً أنّها بكر ، ثمّ تبيّن أنّها ثيّب ، ولا علم عند أبيها ، فلا ردّ للزّوج بذلك ، إلاّ أن يقول : أتزوّجها بشرط أنّها ( عذراء ) وهي الّتي لم تزل بكارتها بمزيلٍ ، فإذا وجدها ثيّباً فله ردّها ، وسواء أعلم الوليّ أم لا ، وسواء أكانت الثّيوبة بنكاحٍ أم لا . وأمّا إذا شرط أنّها ( بكر ) فوجدها ثيّباً بغير وطء نكاحٍ ، ولم يعلم الأب بذلك ، ففيه تردّد ، قيل : يخيّر ، وقيل : لا ، وهو الأصوب لوقوع اسم البكارة عليها ، ولأنّ البكارة قد تزول بوثبةٍ ونحوها . وإن علم الأب بثيوبتها بلا وطءٍ وكتم ، فللزّوج الرّدّ على الأصحّ ، وأحرى بوطءٍ . ولو شرط البكارة ووجدها قد ثيبت بنكاحٍ ، فله الرّدّ مطلقاً علم الأب أم لا . وعند الشّافعيّة : لو نكح امرأةً بشرط بكارتها ، فتبيّن فوات الشّرط صحّ النّكاح في الأظهر ، لأنّ المعقود عليه معيّن لا يتبدّل بخلف الصّفة المشروطة والقول الثّاني عندهم : بطلانه ، لأنّ النّكاح يعتمد الصّفات والأسماء دون التّعيين والمشاهدة ، فيكون اختلاف الصّفّة فيه كاختلاف العين . وورد عن الحنابلة : إن شرط في التّزويج أن تكون بكراً فوجدها ثيّباً بالزّنى ملك الفسخ . وإن شرط أن تكون بكراً فبانت ثيّباً ، قال ابن قدامة : عن أحمد كلام يحتمل أمرين : أحدهما : لا خيار له ، لأنّ النّكاح لا يردّ فيه بعيبٍ سوى ثمانية عيوبٍ ، فلا يردّ منه بمخالفة الشّرط . والأمر الثّاني : له الخيار نصّاً ، لأنّه شرط وصفاً مرغوباً فيه ، فبانت بخلافه .

البكارة الحكميّة ، وأثرها في الإجبار ومعرفة إذنها :
10 - من زالت بكارتها بلا وطءٍ كوثبةٍ ، أو أصبعٍ ، أو حدة حيضٍ ، ونحو ذلك ، فهي بكر حقيقةً وحكماً ، ولا أثر لزوال بكارتها بما ذكر ونحوه في الإجبار والاستئذان ومعرفة إذنها ، لأنّها لم تمارس الرّجال بالوطء في محلّ البكارة ، ولأنّ الزّائل في هذه المسائل العذرة ، أي الجلدة الّتي على محلّ البكارة . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة . والأصحّ للشّافعيّة ، والثّاني لهؤلاء ، ولأبي يوسف ومحمّدٍ : أنّها كالثّيّب من حيث عدم الاكتفاء بسكوتها ، لزوال العذرة ، لأنّها ثيّب حقيقةً . وقال الحنفيّة : من زالت بكارتها بزنًى - إن لم يتكرّر ، ولم تحدّ به - هي بكر حكماً . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ) .

تعمّد إزالة العذرة بغير جماعٍ وأثر ذلك :
11 - اتّفق الحنفيّة ، والحنابلة ، والشّافعيّة في الأصحّ عندهم على أنّ الزّوج إذا تعمّد إزالة بكارة زوجته بغير جماعٍ ، كأصبعٍ ، لا شيء عليه . ووجهه عند الحنفيّة : أنّه لا فرق بين آلةٍ وآلةٍ في هذه الإزالة . وورد في أحكام الصّغار في الجنايات : أنّ الزّوج لو أزال عذرتها بالأصبع لا يضمن ، ويعزّر ، ومقتضاه أنّه مكروه فقط . وقال الحنابلة : إنّه أتلف ما يستحقّ إتلافه بالعقد ، فلا يضمن بغيره . وأمّا الشّافعيّة فقالوا : إنّ الإزالة من استحقاق الزّوج . والقول الثّاني لهم : إن أزال بغير ذكرٍ فأرش . وقال المالكيّة : إذا أزال الزّوج بكارة زوجته بأصبعه تعمّداً ، يلزمه حكومة عدلٍ ( أرش ) يقدّره القاضي ، وإزالة البكارة بالأصبع حرام ، ويؤدّب الزّوج عليه . والتّفصيل يكون في مصطلح ( نكاح ودية ) .

مقدار الصّداق بإزالة البكارة بالأصبع دون الجماع :
12 - يرى الحنفيّة أنّ الزّوج إذا أزال بكارة زوجته بغير جماعٍ ، ثمّ طلّقها قبل المسيس ، وجب لها جميع مهرها ، إن كان مسمًّى ولم يقبض ، وباقيه إن قبض بعضه ، لأنّ إزالة البكارة بأصبعٍ ونحوه لا يكون إلاّ في خلوةٍ . وقال المالكيّة : لو فعل الزّوج ما ذكر لزمه أرش البكارة الّتي أزالها بأصبعه ، مع نصف صداقها . وقال الشّافعيّة والحنابلة : يحكم لها بنصف صداقها ، لمفهوم قوله تعالى : { وإن طلّقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنّ وقد فرضتم لهنّ فريضةً فنصف ما فرضتم } إذ المراد بالمسّ : الجماع ، ولا يستقرّ المهر باستمتاعٍ وإزالة بكارةٍ بلا آلةٍ ، فإن طلّقها وجب لها الشّطر دون أرش البكارة ، وعلّل الحنابلة زيادةً على الآية بأنّ هذه مطلّقة قبل المسيس والخلوة ، فلم يكن لها سوى نصف الصّداق المسمّى ، ولأنّه أتلف ما يستحقّ إتلافه بالعقد ، فلا يضمنه بغيره .

ادّعاء البكارة ، وأثر ذلك في الاستحلاف :
13 - يرى المالكيّة : أنّ من تزوّج امرأةً ظانّاً أنّها بكر ، وقال : إنّي وجدتها ثيّباً ، وقالت : بل وجدني بكراً ، فالقول قولها مع يمينها إن كانت رشيدةً ، سواء ادّعت أنّها الآن بكر ، أم ادّعى أنّها كانت بكراً ، وهو أزال بكارتها على المشهور في المذهب ، ولا يكشف عن حالها . فإن لم تكن رشيدةً ، وكانت لا تحسن التّصرّف ، أو صغيرةً ، يحلف أبوها ، ولا ينظرها النّساء جبراً عليها ، أو ابتداءً ، وأمّا برضاها فينظرنها ، فإن أتى الزّوج بامرأتين تشهدان له على ما هي مصدّقة فيه فإنّه يعمل بشهادتهما ، وكذا المرأة الواحدة . وحينئذٍ لا تصدّق الزّوجة ، وظاهره ولو حصلت الشّهادة بعد حلفها على ما ادّعت ، وإن كان الأب أو غيره من الأولياء عالماً بثيوبتها بلا وطءٍ من نكاحٍ ، بل بوثبةٍ ونحوها ، أو زنًى وكتم عن الزّوج ، فللزّوج الرّدّ على الأصحّ إن كان قد شرط بكارتها ، ويكون له الرّجوع بالصّداق على الأب ، وعلى غيره إن تولّى العقد . وأمّا إن كانت الثّيوبة من نكاحٍ فتردّ ، وإن لم يعلم الأب . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ، صداق ، عيب ) . وقال الشّافعيّة : تصدّق المرأة في دعوى بكارتها بلا يمينٍ ، وكذا في ثيوبتها ، إلاّ إذا ادّعت بعد العقد أنّها كانت ثيّباً قبله فلا بدّ من يمينها . وقال الخطيب الشّربينيّ : يصدّق الوليّ بيمينه هنا ، لئلاّ يلزم بطلان العقد ، ولا تسأل عن سبب زوال بكارتها . ولو أقام الوليّ بيّنةً ببكارتها قبل العقد لإجبارها قبلت ، ولو أقامت هي بيّنةً بعد العقد بزوال بكارتها قبل العقد لم يبطل العقد . وقال الحنابلة : من تزوّج امرأةً بشرط أنّها عذراء ، فادّعى بعد دخوله بها أنّه وجدها ثيّباً ، وأنكرت ذلك ، لا يقبل قوله بعد وطئه في عدم بكارتها ، لأنّ ذلك ممّا يخفى ، فلا يقبل في قوله بمجرّد دعواه . فإن شهدت امرأة عدل : أنّها كانت ثيّباً قبل الدّخول قبل قولها ويثبت له الخيار ، وإلاّ فلا . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ، صداق ، شرط )

بلاغ انظر : تبليغ .

بلعوم 1 - البلعوم لغةً واصطلاحاً : هو مجرى الطّعام والشّراب ، وموضع الابتلاع من الحلق . أحكام تتعلّق بالبلعوم : البلعوم - باعتباره مجرى الطّعام والشّراب بين آخر الفم ( أي أقصاه ، وهو اللّهاة ) والمعدة - تجري عليه أحكام ، منها ما يتعلّق بما يفطر به الصّائم ، ومنها ما يتعلّق بالتّذكية وقطع البلعوم فيها ، ومنها ما يتعلّق بالجناية عليه والدّية فيه .
أ - ما يتعلّق بالصّوم ومفطراته :
2 - اتّفق الفقهاء على أنّ كلّ ما أدخل في البلعوم من طعامٍ أو شرابٍ أو دواءٍ في فترة الصّوم فإنّه يفطر في الجملة . وفي ذلك تفصيلات تنظر في ( الصّوم ) . وإن استقاء وجاوز القيء البلعوم أفطر عند بعض الفقهاء . وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في ( الصّوم ) أيضاً .

ب - ما يتعلّق بالتّذكية :
3 - اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على ضرورة قطع البلعوم أثناء الذّبح ، ضمن ما يقطع من عروقٍ في المذبوح معلومةٍ . وهي الحلقوم وهو : مجرى النّفس ، والودجان وهما : عرقان في جانبي العنق بينهما الحلقوم والمريء ، ويتّصل بهما أكثر عروق البدن ، ويتّصلان بالدّماغ . هذا بالإضافة إلى المريء ( البلعوم ) . أمّا المالكيّة فلم يشترطوا قطعه ، بل قالوا بقطع جميع الحلقوم ، وقطع جميع الودجين . وفيما يجزئ في الذّبح خلاف ، مجمله فيما يلي : ذهب الحنفيّة إلى أنّ الذّابح إن قطع جميعها حلّ الأكل ، لوجود الذّكاة . وكذلك إن قطع ثلاثة منها ، أيّ ثلاثةٍ كانت . وقال أبو يوسف : لا بدّ من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين . وقال محمّد : إنّه يعتبر الأكثر من كلّ عرقٍ ، وذكر القدوريّ قول محمّدٍ مع أبي يوسف ، وحمل الكرخيّ قول أبي حنيفة " وإن قطع أكثرها حلّ " على ما قاله محمّد ، والصّحيح أنّ قطع أيّ ثلاثةٍ منها يكفي . وعند الشّافعيّة : يستحبّ قطع الحلقوم والمريء والودجين ، لأنّه أسرع وأروح للذّبيحة ، فإن اقتصر على قطع الحلقوم والمريء أجزأه ، لأنّ الحلقوم مجرى النّفس ، والمريء مجرى الطّعام ، والرّوح لا تبقى مع قطعهما . وشرط المالكيّة قطع جميع الحلقوم ، وهو القصبة الّتي يجري فيها النّفس ، وقطع جميع الودجين ، ولم يشترطوا قطع المريء . أمّا الحنابلة فاشترطوا قطع الحلقوم والمريء ، واكتفوا بقطع البعض منهما ، ولم يشترطوا إبانتهما ، لأنّه قطع في محلّ الذّبح ما لا تبقى الحياة معه ، واشترطوا فري الودجين ، وذكر ابن تيميّة وجهاً أنّه يكفي قطع ثلاثةٍ من الأربعة ، وقال : إنّه الأقوى ، وسئل عمّن قطع الحلقوم والودجين لكن فوق الجوزة ؟ فقال : هذا فيه نزاع ، والصّحيح أنّها تحلّ . والتّفصيل يرجع فيه إلى : ( تذكية ) .

ج - ما يتعلّق بالجناية :
4 - الفقهاء متّفقون على أنّ الجروح - فيما عدا الرّأس والوجه - تنقسم إلى جائفةٍ وغير جائفةٍ . قال الشّافعيّة والحنابلة : إنّ الجائفة هي الّتي تصل إلى الجوف من البطن أو الظّهر أو الورك أو الثّغر ( ثغرة النّحر ) أو الحلق أو المثانة ، وقال الحنفيّة : إنّ ما وصل من الرّقبة إلى الموضع الّذي لو وصل إليه من الشّراب قطرة لأفطر يكون جائفةً ، لأنّه لا يفطر إلاّ إذا كان وصل إلى الجوف . وفي الجائفة ثلث الدّية ، فإن نفذت فهي جائفتان قال عليه الصلاة والسلام { في الجائفة ثلث الدّية } وعن أبي بكرٍ رضي الله عنه أنّه حكم في جائفةٍ نفذت بثلث الدّية لأنّها إن نفذت فهي جائفتان ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . أمّا المالكيّة فقد قالوا : إنّ الجائفة مختصّة بالبطن والظّهر ، وفيها ثلث من الدّية المخمّسة ، فإن نفذت فهي جائفتان . والتّفصيل في ( الجنايات ، والدّيات ) .

بلغم انظر : نخامة .

بلوغ
التّعريف
1 - البلوغ لغةً : الوصول ، يقال بلغ الشّيء يبلغ بلوغاً وبلاغاً : وصل وانتهى ، وبلغ الصّبيّ : احتلم وأدرك وقت التّكليف ، وكذلك بلغت الفتاة . واصطلاحاً : انتهاء حدّ الصّغر في الإنسان ، ليكون أهلاً للتّكاليف الشّرعيّة . أو هو : قوّة تحدث في الصّبيّ ، يخرج بها عن حالة الطّفوليّة إلى غيرها .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - الكبر :
2 - الكبر والصّغر معنيان إضافيّان ، فقد يكون الشّيء كبيراً بالنّسبة لآخر ، صغيراً لغيره ، ولكنّ الفقهاء يطلقون الكبر في السّنّ على معنيين . الأوّل : أن يبلغ الإنسان مبلغ الشّيخوخة والضّعف بعد تجاوزه مرحلة الكهولة . الثّاني : أن يراد به الخروج عن حدّ الصّغر بدخول مرحلة الشّباب ، فيكون بمعنى البلوغ المصطلح عليه .
ب - الإدراك :
3 - الإدراك : لغةً مصدر أدرك ، وأدرك الصّبيّ والفتاة : إذا بلغا . ويطلق الإدراك في اللّغة ويراد به : اللّحاق ، يقال : مشيت حتّى أدركته . ويراد به أيضاً : البلوغ في الحيوان والثّمر . كما يستعمل في الرّؤية فيقال : أدركته ببصري : أي رأيته . وقد استعمل الفقهاء الإدراك بمعنى : بلوغ الحلم ، فيكون مساوياً للفظ البلوغ بهذا الإطلاق ، ويطلق بعض الفقهاء الإدراك ويريدون به أوان النّضج . ج الحلم والاحتلام :
4 - الاحتلام : مصدر احتلم ، والحلم : اسم المصدر . وهو لغةً : رؤيا النّائم مطلقاً ، خيراً كان المرئيّ أو شرّاً . وفرّق الشّارع بينهما ، فخصّ الرّؤيا بالخير ، وخصّ الحلم بضدّه . ثمّ استعمل الاحتلام والحلم بمعنًى أخصّ من ذلك ، وهو : أن يرى النّائم أنّه يجامع ، سواء أكان مع ذلك إنزال أم لا ثمّ استعمل هذا اللّفظ بمعنى البلوغ ، وعلى هذا يكون الحلم والاحتلام والبلوغ بهذا المعنى ألفاظاً مترادفةً .
د - المراهقة : د 5 - المراهقة : مقاربة البلوغ ، وراهق الغلام والفتاة مراهقةً : قاربا البلوغ ، ولم يبلغا ، ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ . وبهذا تكون المراهقة والبلوغ لفظين متباينين .
هـ - الأشدّ :
6 - الأشدّ لغةً : بلوغ الرّجل الحنكة والمعرفة . والأشدّ : طور يبتدئ بعد انتهاء حدّ الصّغر ، أي من وقت بلوغ الإنسان مبلغ الرّجال إلى سنّ الأربعين ، وقد يطلق الأشدّ على الإدراك والبلوغ . وقيل : أن يؤنس منه الرّشد مع أن يكون بالغاً . فالأشدّ مساوٍ للبلوغ في بعض إطلاقاته . الرّشد :
7 - الرّشد لغةً : خلاف الضّلال . والرّشد ، والرّشد ، والرّشاد : نقيض الضّلال ، وهو : إصابة وجه الأمر والاهتداء إلى الطّريق . والرّشد في اصطلاح الفقهاء : الصّلاح في المال لا غير عند أكثر العلماء ، منهم : أبو حنيفة ومالك وأحمد . وقال الحسن والشّافعيّ وابن المنذر : الصّلاح في الدّين والمال . والتّفصيل في مصطلح ( رشد ) ( والولاية على المال ) . وليس للرّشد سنّ معيّنة ، وقد يحصل قبل البلوغ ، وهذا نادر لا حكم له ، وقد يحصل مع البلوغ أو بعده ، وفي استعمال الفقهاء : كلّ رشيدٍ بالغ ، وليس كلّ بالغٍ رشيداً . علامات البلوغ الطّبيعيّة في الذّكر ، والأنثى ، والخنثى :
8 - للبلوغ علامات طبيعيّة ظاهرة ، منها ما هو مشترك بين الذّكر والأنثى ، ومنها ما يختصّ بأحدهما . وفيما يلي بيان العلامات المشتركة : الاحتلام :
9 - الاحتلام : خروج المنيّ من الرّجل أو المرأة في يقظةٍ أو منامٍ لوقت إمكانه . لقوله تعالى : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا } ولحديث : { خذ من كلّ حالمٍ ديناراً } . الإنبات :
10 - الإنبات : ظهور شعر العانة ، وهو الّذي يحتاج في إزالته إلى نحو حلقٍ ، دون الزّغب الضّعيف الّذي ينبت للصّغير . ونجد في كلام بعض المالكيّة والحنابلة : أنّ الإنبات إذا جلب واستعمل بوسائل صناعيّةٍ من الأدوية ونحوها فإنّه لا يكون مثبتاً للبلوغ ، قالوا : لأنّه قد يستعجل الإنبات بالدّواء ونحوه لتحصيل الولايات والحقوق الّتي للبالغين . وقد اختلف الفقهاء في اعتبار الإنبات علامةً على البلوغ ، على أقوالٍ ثلاثةٍ :
11 - الأوّل : أنّ الإنبات ليس بعلامةٍ على البلوغ مطلقاً . أي لا في حقّ اللّه ولا في حقّ العباد . وهو قول أبي حنيفة ، ورواية عن مالكٍ على ما في باب القذف من المدوّنة ، ونحوه لابن القاسم في باب القطع في السّرقة ، قال الدّسوقيّ : وظاهره لا فرق بين حقّ اللّه وحقّ الآدميّين .
12 - الثّاني : أنّ الإنبات علامة البلوغ مطلقاً . وهو مذهب المالكيّة والحنابلة ، ورواية عن أبي يوسف ذكرها ابن عابدين وصاحب الجوهرة ، إلاّ أنّ ابن حجرٍ نقل أنّ مالكاً لا يقيم الحدّ على من لم يثبت بلوغه بغير الإنبات ، لأنّ الشّبهة فيه تمنع من إقامة الحدّ ، واحتجّ أصحاب هذا القول بحديثٍ نبويٍّ ، وآثارٍ عن الصّحابة . فأمّا الحديث : فما ورد أنّ { النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا حكّم سعد بن معاذٍ في بني قريظة ، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريّهم ، وأمر أن يكشف عن مؤتزرهم ، فمن أنبت فهو من المقاتلة ، ومن لم ينبت فهو من الذّرّيّة . بلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعةٍ } ومن هنا قال عطيّة بن كعبٍ القرظيّ : كنت معهم يوم قريظة . فأمر أن ينظر إليّ هل أنبتّ ، فكشفوا عانتي ، فوجدوها لم تنبت ، فجعلوني في السّبي . وأمّا ما ورد عن الصّحابة ، فمنه أنّ عمر رضي الله عنه كتب إلى عامله أن لا يقتل إلاّ من جرت عليه المواسي ، ولا يأخذ الجزية إلاّ ممّن جرت عليه المواسي وأنّ غلاماً من الأنصار شبّب بامرأةٍ في شعره ، فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال : لو أنبتّ الشّعر لحددتك .
13 - القول الثّالث : أنّ الإنبات بلوغ في بعض الصّور دون بعضٍ . وهو قول الشّافعيّة ، وبعض المالكيّة . فيرى الشّافعيّة أنّ الإنبات يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر ، ومن جهل إسلامه ، دون المسلم والمسلمة . وهو عندهم أمارة على البلوغ بالسّنّ أو بالإنزال ، وليس بلوغاً حقيقةً . قالوا : ولهذا لو لم يحتلم ، وشهد عدلان بأنّ عمره دون خمسة عشرة سنةً ، لم يحكم ببلوغه بالإنبات . وإنّما فرّقوا بينه وبين المسلم في ذلك لسهولة مراجعة آباء المسلم وأقاربه من المسلمين ، ولأنّ الصّبيّ المسلم متّهم في الإنبات ، فربّما تعجّله بدواءٍ دفعاً للحجر عن نفسه وتشوّفاً للولايات ، بخلاف الكافر فإنّه لا يستعجله .
14 - ويرى بعض المالكيّة أنّ الإنبات يقبل علامةً في أعمّ ممّا ذهب إليه الشّافعيّة ، فقد قال ابن رشدٍ : إنّ الإنبات علامة فيما بين الشّخص وبين غيره من الآدميّين من قذفٍ وقطعٍ وقتلٍ . وأمّا فيما بين الشّخص وبين اللّه تعالى فلا خلاف - يعني عند المالكيّة - أنّه ليس بعلامةٍ . وبنى بعض المالكيّة على هذا القول أنّه ليس على من أنبت ، ولم يحتلم إثم في ترك الواجبات وارتكاب المحرّمات ، ولا يلزمه في الباطن عتق ولا حدّ ، وإن كان الحاكم يلزمه ذلك ، لأنّه ينظر فيه ويحكم بما ظهر له والحجّة للطّرفين الحديث المتقدّم ذكره الوارد في شأن بني قريظة . أمّا الشّافعيّة فقد قصروا حكمه على مخرجه ، فإنّ بني قريظة كانوا كفّاراً ، وابن رشدٍ ومن معه من المالكيّة جعلوه فيما هو أعمّ من ذلك ، أي في الأحكام الظّاهرة ، بنوعٍ من القياس .

ما تختصّ به الأنثى من علامات البلوغ :
15 - تزيد الأنثى وتختصّ بعلامتين : هما الحيض ، إذ هو علم على بلوغها لحديث : { لا يقبل اللّه صلاة حائضٍ إلاّ بخمارٍ } . وخصّ المالكيّة الحيض بالّذي لم يتسبّب في جلبه ، وإلاّ فلا يكون علامةً . والحمل علامة على بلوغ الأنثى ، لأنّ اللّه تعالى أجرى العادة أنّ الولد يخلق من ماء الرّجال وماء المرأة . قال تعالى : { فلينظر الإنسان ممّ خلق خلق من ماءٍ دافقٍ يخرج من بين الصّلب والتّرائب } فإذا وجد واحد من العلامات السّابقة حكم بالبلوغ على الوجه المتقدّم ، وإن لم يوجد كان البلوغ بالسّنّ على النّحو المبيّن في مواطنه من البحث .
16 - واعتبر المالكيّة من علامات البلوغ في الذّكر والأنثى - زيادةً على ما تقدّم - نتن الإبط ، وفرق الأرنبة ، وغلظ الصّوت . واعتبر الشّافعيّة أيضاً من علامات البلوغ في الذّكر - زيادةً على ما سبق - نبات الشّعر الخشن للشّارب ، وثقل الصّوت ، ونتوء طرف الحلقوم ، ونحو ذلك . وفي الأنثى نهود الثّدي .

علامات البلوغ الطّبيعيّة لدى الخنثى :
17 - الخنثى إن كان غير مشكلٍ ، وألحق بالذّكور أو الإناث ، فعلامة بلوغه بحسب النّوع الّذي ألحق به . أمّا الخنثى المشكل فعلامات البلوغ الطّبيعيّة لديه كعلامات البلوغ لدى الذّكور أو الإناث ، فيحكم ببلوغه بالإنزال أو الإنبات أو غيرهما من العلامات المشتركة أو الخاصّة ، على التّفصيل المتقدّم ، وهذا قول المالكيّة والحنابلة ، وهو قول بعض الشّافعيّة . أمّا القول الثّاني ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة : أنّه لا بدّ من وجود العلامة في الفرجين جميعاً ، فلو أمنى الخنثى من ذكره ، وحاضت من فرجها ، أو أمنى منهما جميعاً حكم ببلوغه ، أمّا لو أمنى من ذكره فقط ، أو حاضت من فرجها فقط فلا يحكم بالبلوغ .
18 - واستدلّ ابن قدامة من الحنابلة على الاكتفاء بأيّ العلامتين تظهر أوّلاً ، بأنّ خروج منيّ الرّجل من المرأة مستحيل ، وخروج الحيض من الرّجل مستحيل ، فكان خروج أيٍّ منهما دليلاً على تعيين كون الخنثى أنثى أو ذكراً ، فإذا ثبت التّعيين لزم كونه دليلاً على البلوغ ، كما لو تعيّن قبل خروجه ، ولأنّه منيّ خارج من ذكرٍ ، أو حيض خارج من فرجٍ ، فكان علماً على البلوغ ، كالمنيّ الخارج من الغلام ، والحيض الخارج من الجارية . قال : ولأنّهم سلّموا أنّ خروجهما معاً دليل البلوغ ، فخروج أحدهما أولى ، لأنّ خروجهما معاً يقتضي تعارضهما وإسقاط دلالتهما ، إذ لا يتصوّر حيض صحيح ومنيّ رجلٍ . فيلزم أن يكون أحدهما فضلةً خارجةً من غير محلّها ، وليس أحدهما أولى بذلك من الآخر ، فتبطل دلالتهما ، كالبيّنتين إذا تعارضتا ، أمّا إن وجد الخروج من أحدهما من غير معارضٍ ، وجب أن يثبت حكمه ، ويقضى بثبوت دلالته .
19 - وأمّا الحنفيّة فلم نجد - في ما اطّلعنا عليه - من كلامهم تعرّضاً صريحاً لهذه المسألة ، ولكن يبدو أنّ قول الحنفيّة كقول المالكيّة والحنابلة ، لظاهر ما في شرح الأشباه من قوله في باب أحكام الخنثى : إذا كان الخنثى بالغاً ، بأن بلغ بالسّنّ ، ولم يظهر شيء من علامات الرّجال أو النّساء ، لا تجزيه الصّلاة بغير قناعٍ ، لأنّ الرّأس من الحرّة عورة .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:02 AM

البلوغ بالسّنّ :
20 - جعل الشّارع البلوغ أمارةً على أوّل كمال العقل ، لأنّ الاطّلاع على أوّل كمال العقل متعذّر ، فأقيم البلوغ مقامه . والبلوغ بالسّنّ : يكون عند عدم وجود علامةٍ من علامات البلوغ قبل ذلك ، واختلف الفقهاء في سنّ البلوغ . فيرى الشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة : أنّ البلوغ بالسّنّ يكون بتمام خمس عشرة سنةً قمريّةً للذّكر والأنثى ، كما صرّح الشّافعيّة بأنّها تحديديّة ، لخبر ابن عمر { عرضت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ ، وأنا ابن أربع عشرة سنةً فلم يجزني ، ولم يرني بلغت ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنةً فأجازني ، ورآني بلغت } . قال الشّافعيّ : ردّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سبعة عشر من الصّحابة ، وهم أبناء أربع عشرة سنةً ، لأنّه لم يرهم بلغوا ، ثمّ عرضوا عليه وهم من أبناء خمس عشرة فأجازهم ، منهم : زيد بن ثابتٍ ورافع بن خديجٍ وابن عمر . ويرى المالكيّة أنّ البلوغ يكون بتمام ثماني عشرة سنةً ، وقيل بالدّخول فيها ، وقد أورد الحطّاب خمسة أقوالٍ في المذهب ، ففي روايةٍ : ثمانية عشر ، وقيل : سبعة عشر ، وزاد بعض شرّاح الرّسالة : ستّة عشرة ، وتسعة عشر ، وروي عن ابن وهبٍ خمسة عشر ، لحديث ابن عمر السّابق . ويرى أبو حنيفة : أنّ البلوغ بالسّنّ للغلام هو بلوغه ثماني عشرة سنةً ، والجارية سبع عشرة سنةً لقوله تعالى : { ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالّتي هي أحسن حتّى يبلغ أشدّه } قال ابن عبّاسٍ رضي الله عنه : الأشدّ ثماني عشرة سنةً . وهي أقلّ ما قيل فيه ، فأخذ به احتياطاً ، هذا أشدّ الصّبيّ ، والأنثى أسرع بلوغاً فنقصت سنةً .

السّنّ الأدنى للبلوغ الّذي لا تصحّ دعوى البلوغ قبله :
21 - السّنّ الأدنى للبلوغ في الذّكر : عند المالكيّة والشّافعيّة باستكمال تسع سنين قمريّةٍ بالتّمام ، وفي وجهٍ آخر للشّافعيّة : مضيّ نصف التّاسعة ، ذكره النّوويّ في شرح المهذّب . وعند الحنفيّة : اثنتا عشرة سنةً . وعند الحنابلة : عشر سنين . ويقبل إقرار الوليّ بأنّ الصّبيّ بلغ بالاحتلام ، إذا بلغ عشر سنين . والسّنّ الأدنى للبلوغ في الأنثى : تسع سنين قمريّةٍ عند الحنفيّة ، والشّافعيّة على الأظهر عندهم ، وكذا الحنابلة لأنّه أقلّ سنٍّ تحيض له المرأة ، ولحديث : { إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة } والمراد حكمها حكم المرأة ، وفي روايةٍ للشّافعيّة : نصف التّاسعة ، وقيل : الدّخول في التّاسعة ، ولأنّ هذا أقلّ سنٍّ لحيض الفتاة . والسّنّ الأدنى للبلوغ في الخنثى : تسع سنين قمريّةٍ بالتّمام ، وقيل نصف التّاسعة ، وقيل : الدّخول فيها .

إثبات البلوغ : يثبت البلوغ بالطّرق الآتية : الطّريق الأولى : الإقرار :
22 - تتّفق كلمة الفقهاء في المذاهب الأربعة على أنّ الصّغير إذا كان مراهقاً ، وأقرّ بالبلوغ بشيءٍ من العلامات الطّبيعيّة الّتي تخفى عادةً ، كالإنزال والاحتلام والحيض ، يصحّ إقراره ، وتثبت له أحكام البالغ فيما له وما عليه . قال المالكيّة : يقبل قوله في البلوغ نفياً وإثباتاً ، طالباً أو مطلوباً . فالطّالب كمن ادّعى البلوغ ليأخذ سهمه في الغنيمة ، أو ليؤمّ النّاس ، أو ليكمل العدد في صلاة الجمعة . والمطلوب كجانٍ ادّعى عدم البلوغ ليدرأ عن نفسه الحدّ أو القصاص أو الغرامة في إتلاف الوديعة ، وكمطلّقٍ ادّعى عدم البلوغ عند الطّلاق ، لئلاّ يقع عليه الطّلاق . ويشترط لقبول قوله أن يكون قد جاوز السّنّ الأدنى للبلوغ ، بل لا تقبل البيّنة ببلوغه قبل ذلك . فعند الحنفيّة : لا يقبل إقرار الصّبيّ قبل تمام اثني عشر عاماً ، وعند الحنابلة لا يقبل إقراره بذلك قبل تمام العاشرة ، وعند كليهما : لا يقبل إقرار الصّبيّة به قبل تمام التّاسعة ، ووجه صحّة الإقرار بالبلوغ : أنّه معنًى لا يعرف إلاّ من قبل الشّخص نفسه ، وفي تكليف الاطّلاع عليه عسر شديد ، ولا يكلّف البيّنة على ذلك . ولا يحلف أيضاً حتّى عند الخصومة ، فإن لم يكن في الحقيقة بالغاً فلا قيمة ليمينه ، لعدم الاعتداد بيمين الصّغير ، وإن كان بالغاً فيمينه تحصيل حاصلٍ ، وقد استثنى الشّافعيّة بعض الصّور يحلف فيها احتياطاً ، لكنّه يزاحم غيره في الحقوق ، كما لو طلب في الغنيمة سهم مقاتلٍ 23 - واشترط الفقهاء في المذاهب الأربعة لصحّة إقراره بذلك : أن لا يكون بحالٍ مريبةٍ ، أو كما عبّر الشّافعيّ رحمه الله : يقبل إن أشبه ، فإن لم يشبه لم يقبل ، ولو صدّقه أبوه . وعبّر الحنفيّة بقولهم إن لم يكذّبه الظّاهر ، بل يكون بحالٍ يحتلم مثله . والمراد أن يكون حال جسمه عند الإقرار حال البالغين ، ولا يشكّ في صدقه . هكذا أطلق فقهاء المذاهب - ما عدا المالكيّة - قبول قوله ، وفصّل المالكيّة فقالوا : إن ارتيب فيه يصدّق فيما يتعلّق بالجناية والطّلاق ، فلا يحدّ للشّبهة ، ولا يقع عليه الطّلاق استصحاباً لأصل الصّغر ، ولا يصدّق فيما يتعلّق بالمال ، فلو أقرّ بإتلاف الوديعة ، وأنّه بالغ ، فقال أبوه : إنّه غير بالغٍ ، فلا ضمان . وقد تعرّض بعض المالكيّة لقبول قول المراهقين في البلوغ إن ادّعياه بالإنبات . والفرق بين الإنبات وبين غيره من العلامات الطّبيعيّة الّتي ذكرت سابقاً : أنّه يسهل الاطّلاع عليه . وقد أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالكشف عمّن شكّ في بلوغه من غلمان بني قريظة . إلاّ أنّ كون العورة في الأصل يحرم كشفها ، دعا إلى قول الفقهاء إنّه يقبل قول الشّخص المشكوك فيه في نباتها وعدمه ، إلاّ أنّ ابن العربيّ المالكيّ خالف في ذلك وقال : إنّه ينبغي أن ينظر إليها ، ولكن لا ينظر مباشرةً بل من خلال المرآة . وردّ كلامه ابن القطّان من المالكيّة وقال : لا ينظر إليها مباشرةً ، ولا من خلال المرآة ، ويقبل كلامه إن ادّعى البلوغ بالإنبات .

البلوغ شرط للزوم الأحكام الشّرعيّة عند الفقهاء :
24 - ذهب الفقهاء إلى أنّ الشّارع ربط التّكليف بالواجبات والمحرّمات ولزوم آثار الأحكام في الجملة بشرط البلوغ ، واستدلّوا على ذلك بأدلّةٍ منها :
أ - قول اللّه تعالى : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الّذين من قبلهم } جعل البلوغ موجباً للاستئذان .
ب - ومنها قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } جعل بلوغ النّكاح موجباً لارتفاع الولاية الماليّة عن اليتيم ، بشرط كونه راشداً .
ج - ومنها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمعاذٍ لمّا أرسله إلى اليمن : { خذ من كلّ حالمٍ ديناراً أو عدله معافريّاً } جعل الاحتلام موجباً للجزية .
د - ومنها ما حصل يوم قريظة ، من أنّ من اشتبهوا في بلوغه من الأسرى كان إذا أنبت قتل ، فإن لم يكن أنبت لم يقتل . فجعل الإنبات علامةً لجواز قتل الأسير .
هـ - ومنها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { لا يقبل اللّه صلاة حائضٍ إلاّ بخمارٍ } فجعل الحيض من المرأة موجباً لفساد صلاتها ، إن صلّت بغير خمارٍ .
و - ومنها حديث : { غسل يوم الجمعة واجب على كلّ محتلمٍ } بوّب عليه البخاريّ " باب بلوغ الصّبيان وشهادتهم " قال ابن حجرٍ : ويستفاد مقصود التّرجمة - يعني شهادة الصّبيان - بالقياس على بقيّة الأحكام من حيث تعلّق الوجوب بالاحتلام .
ز - ومنها حديث : { رفع القلم عن ثلاثةٍ : عن الصّغير حتّى يكبر ... } جعل الخروج عن حدّ الصّغير موجباً لكتابة الإثم ، على من فعل ما يوجبه . فهذه الأدلّة وأمثالها - ممّا يأتي في شأن علامات البلوغ - تدلّ على أنّ الشّارع ربط التّكليف ولزوم الأحكام عامّةً بشرط البلوغ ، فمن اعتبر بالغاً بأيّ علامةٍ من علامات البلوغ فهو رجل تامّ أو امرأة تامّة ، مكلّف - إن كان عاقلاً - كغيره من الرّجال والنّساء ، يلزمه ما يلزمهم ، وحقّ له ما يحقّ لهم . وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك ، فقال ابن المنذر : وأجمعوا على أنّ الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل . وقال ابن حجرٍ : أجمع العلماء على أنّ الاحتلام في الرّجال والنّساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام .

ما يشترط له البلوغ من الأحكام :
أ - ما يشترط لوجوبه البلوغ :
25 - التّكليف بالفرائض والواجبات وترك المحرّمات يشترط له البلوغ ، ولا تجب على غير البالغ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { رفع القلم عن ثلاثةٍ : عن الصّغير حتّى يكبر ... } الحديث ، وذلك كالصّلاة والصّوم والحجّ على أنّ في الزّكاة خلافاً . ومع هذا ينبغي لوليّ الصّغير أن يجنّبه المحرّمات ، وأن يأمره بالصّلاة ونحوها ليعتادها ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { مروا أبناءكم بالصّلاة لسبعٍ ، واضربوهم عليها لعشرٍ ، وفرّقوا بينهم في المضاجع } . ومع هذا إذا أدّاها الصّغير ، أو فعل المستحبّات تصحّ منه ، ويؤجر عليها . ولا يجب القصاص والحدود ، كحدّ السّرقة وحدّ القذف ولكن يجوز أن يؤدّب .

ب - ما يشترط لصحّته البلوغ :
26 - البلوغ شرط صحّةٍ في كلّ ما يشترط له تمام الأهليّة ، ومن ذلك : الولايات كلّها ، كالإمارة والقضاء والولاية على النّفس والشّهادة في الجملة . ومن ذلك التّصرّفات المتمحّضة للضّرر كالهبة والعاريّة والوقف والكفالة . ومن ذلك أيضاً : الطّلاق ، وما في معناه كالظّهار والإيلاء والخلع والعتق ، وكذلك النّذر . وينظر تفصيل كلّ ذلك في موطنه ، وفي مصطلح ( صغر ) .

ما يثبت بطروء البلوغ من الأحكام :
27 - من الصّعوبة بمكانٍ حصر جميع الأحكام الّتي تثبت بمجرّد طروء البلوغ ، وفيما يلي بعض الأمثلة للأحكام الّتي تثبت بمجرّد أن يحتلم الصّبيّ أو الصّبيّة ، أو يريا أيّة علامةٍ من علامات البلوغ : أوّلاً في باب الطّهارة : إعادة التّيمّم :
28 - عند الشّافعيّة والحنابلة إذا تيمّم ، وهو غير بالغٍ ، ثمّ بلغ بما لا ينقض الطّهارة كالسّنّ ، لزمه أن يعيد التّيمّم إن أراد أن يصلّي الفرض ، لأنّ تيمّمه قبل بلوغه كان لنافلةٍ ، إذ أنّه لو تيمّم للظّهر مثلاً فقد كانت في حقّه نافلةً ، فلا يستبيح به الفرض ، وهذا بخلاف من توضّأ أو اغتسل ثمّ بلغ ، لا يلزمه إعادتهما ، لأنّ الوضوء والغسل للنّافلة يرفعان الحدث من أصله . أمّا التّيمّم فهو مبيح وليس رافعاً ، والمشهور من مذهب المالكيّة كذلك : أنّه مبيح لا رافع . أمّا مذهب الحنفيّة ، وهو قول عند المالكيّة فهو أنّ التّيمّم رافع للحدث إلى وقت وجود الماء مع القدرة على استعماله ، وهذا يقتضي أن ليس على الصّبيّ إذا تيمّم ، ثمّ بلغ إعادة التّيمّم .

ثانياً - في باب الصّلاة :
29 - تجب على الصّبيّ أو الصّبيّة الصّلاة الّتي بلغ في وقتها إن لم يكن قد صلّاها إجماعاً ، حتّى المالكيّة - الّذين قالوا : يحرم تأخير الصّلاة إلى الوقت الضّروريّ ، أي للعصر في الجزء الآخر من وقتها ، والصّبح كذلك - قالوا : لو بلغ في الوقت الضّروريّ فعليه أن يصلّيها ، ولا حرمة عليه . 30 - ولو أنّه صلّى صلاة الوقت ، ثمّ بلغ قبل خروج وقتها ، لزمه إعادتها ، وذلك لأنّ الصّلاة الّتي صلّاها قبل البلوغ نفل في حقّه ، لعدم وجوبها عليه ، فلم تجزئه عن الواجب ، هذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة . ونصّ المالكيّة أيضاً على أنّه لو صلّى الظّهر ، ثمّ بلغ قبل صلاة الجمعة ، تجب عليه الجمعة مع النّاس . وكذا إن صلّى الجمعة ، ثمّ بلغ ووجد جمعةً أخرى ، وجب عليه الإعادة معهم ، وإن فاتته الجمعة أعادها ظهراً ، لأنّ فعله الأوّل - ولو جمعةً - وقع نفلاً ، فلا يجزئ عن الفرض . أمّا مذهب الشّافعيّة ، فهو أنّه لا يلزم الصّبيّ الإعادة إذا بلغ في الوقت وقد صلّى ، قالوا : لأنّه أدّى وظيفة الوقت . ولو أنّه بلغ في أثناء الصّلاة يلزمه إتمام الصّلاة الّتي هو فيها ، ولا يجب عليه إعادتها ، بل تستحبّ . 31 - تجب عليه الصّلاة الّتي بلغ في وقتها ، كما تقدّم ، ويجب عليه مع ذلك أن يصلّي الصّلاة الّتي تجمع إلى الحاضرة قبلها ، فلو بلغ قبل أن تغرب الشّمس وجب عليه أن يصلّي الظّهر والعصر ، ولو بلغ قبل الفجر وجب عليه أن يصلّي المغرب والعشاء . قال ابن قدامة : روي هذا القول عن عبد الرّحمن بن عوفٍ وابن عبّاسٍ وطاووسٍ ومجاهدٍ والنّخعيّ والزّهريّ وربيعة ، وهو قول مالكٍ والشّافعيّ واللّيث وإسحاق وأبي ثورٍ وعامّة التّابعين ، إلاّ أنّ مالكاً قال : لا تجب الأولى إلاّ بإدراك ما يسع خمس ركعاتٍ أي الصّلاة الأولى منهما كاملةً وركعةً واحدةً على الأقلّ من الثّانية . وعند الحنابلة : لو أدرك ما يسع تكبيرة إحرامٍ فقد لزمته الصّلاتان . وعند الشّافعيّة : بإدراك ركعةٍ واحدةٍ . ووجه هذا القول : أنّ وقت الثّانية هو وقت للأولى حال العذر ، أي لأنّه يمكن في حال السّفر أو نحوه أن يؤخّر الظّهر إلى العصر ، والمغرب إلى العشاء ، فوقت العصر وقت للظّهر من وجهٍ ، وكذلك المغرب والعشاء ، فكأنّه بإدراكه وقت الثّانية مدرك للأولى أيضاً . وخالف في هذه المسألة الحنفيّة والثّوريّ والحسن البصريّ ، فرأوا أنّه يصلّي الصّلاة الّتي بلغ في وقتها فقط .

ثالثاً - الصّوم :
32 - إن بيّت الصّبيّ الصّوم في رمضان ، ثمّ بلغ أثناء النّهار وهو صائم ، فإنّه يجب عليه إتمام صومه بغير خلافٍ ، لأنّه - كما قال الرّمليّ الشّافعيّ - صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة ، فأشبه ما لو دخل البالغ في صوم تطوّعٍ ، ثمّ نذر إتمامه . فإن صام في تلك الحال فلا قضاء عليه إلاّ في وجهٍ عند الحنابلة . أمّا إن بيّت الإفطار ، ثمّ بلغ أثناء النّهار ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك في موضعين : في حكم الإمساك بقيّة النّهار ، وفي حكم قضاء ذلك اليوم . 33 - فأمّا الإمساك فقد اختلفوا فيه : فذهب الحنفيّة والحنابلة - وهو قول لدى الشّافعيّة - إلى أنّه يجب عليه الإمساك بقيّة اليوم ، لإدراكه وقت الإمساك ، وإن لم يدرك وقت الصّوم . واحتجّوا بما ورد في فرض عاشوراء - قبل أن ينسخ بفرض رمضان - فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { من كان منكم أصبح مفطراً فليمسك بقيّة يومه ، ومن كان أصبح صائماً فليتمّ صومه } قالوا : والأمر يقتضي الوجوب ، وذلك لحرمة الشّهر . وذهب الشّافعيّة - في الأصحّ عندهم - إلى أنّ الإمساك في تلك الحال مستحبّ ، وليس واجباً . وإنّما استحبّوه لحرمة الوقت . ولم يجب الإمساك في تلك الحال ، لأنّه أفطر بعذرٍ هو الصّغر ، فأشبه المسافر إذا قدم ، والمريض إذا برأ . وذهب المالكيّة إلى أنّ الإمساك حينئذٍ لا يجب ولا يستحبّ ، ككلّ صاحب عذرٍ يباح لأجله الفطر . 34 - وأمّا القضاء قد اختلفوا فيه كذلك : فذهب الشّافعيّة - في قولٍ - إلى أنّ القضاء واجب ، وفصّل الحنابلة بين من أصبح مفطراً ، ثمّ بلغ في أثناء النّهار ، فالقضاء واجب عليه ، لأنّه أدرك جزءاً من وقت الوجوب ، ولا يمكن فعله إلاّ بصومٍ كاملٍ . وبين من بيّت الصّوم من اللّيل ، وأصبح صائماً ثمّ بلغ ، فلا قضاء عليه ، خلافاً لأبي الخطّاب منهم . وقال الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّة في الأصحّ عندهم : لا يجب القضاء لعدم تمكّنه من زمنٍ يسع الكلّ . وفرّقوا بين ذلك وبين الصّلاة ، إذ يجب فعلها لمن بلغ في الوقت ، لأنّ السّبب فيها الجزء المتّصل بأدائها ، فوجدت الأهليّة عنده ، وأمّا الصّوم فالسّبب فيه الجزء الأوّل والأهليّة منعدمة فيه ، وبهذا علّله الحنفيّة . هذا وقد ورد في المغني أنّ الأوزاعيّ كان يرى أنّ الصّبيّ إذا بلغ أثناء شهر رمضان ، يلزمه قضاء الأيّام الّتي سبقت بلوغه من الشّهر ، إن كان قد أفطرها ، وهو خلاف ما عليه عامّة أهل العلم .

رابعاً : الزّكاة :
35 - اختلف في وجوب الزّكاة على من لم يبلغ . فذهب جمهور الفقهاء إلى وجوبها ، لتعلّق الوجوب بالمال . وذهب الحنفيّة إلى أنّها لا تجب ، لأنّها عبادة تلزم الشّخص المكلّف ، والصّبيّ ليس من أهل التّكليف . فعلى هذا إذا بلغ الصّبيّ : فعند الحنفيّة يبدأ حول زكاته من حين بلوغه ، إن كان يملك نصاباً . أمّا عند غير الحنفيّة : فالحول الّذي بدأ قبل البلوغ ممتدّ بعده . وعند غير الحنفيّة كذلك يلزم الصّبيّ إذا بلغ راشداً أداء الزّكاة ، لما مضى من الأعوام ، منذ دخل المال في ملكه ، إن لم يكن وليّه يخرج عنه الزّكاة . أمّا إن بلغ سفيهاً ، فاستمرّ الحجر عليه ، فإنّه عند الحنفيّة يؤدّيها بنفسه لاشتراط النّيّة ، ولا يقوم عنه وليّه في ذلك . قالوا : غير أنّه يدفع القاضي إليه قدر الزّكاة ليفرّقها ، لكن يبعث معه أميناً ، كي لا يصرفها في غير وجهها ، بخلاف النّفقات الواجبة على السّفيه لأقاربه مثلاً ، فإنّ وليّه يتولّى دفعها لعدم اشتراط النّيّة فيها . أمّا عند الشّافعيّة ، قد قال الرّمليّ : لا يفرّق السّفيه الزّكاة بنفسه ، لكن إن أذن له الوليّ ، وعيّن المدفوع له ، صحّ صرفه ، كما يجوز للأجنبيّ توكيله فيه . وينبغي أن يكون تفريقه الزّكاة بحضرة الوليّ أو نائبه ، لاحتمال تلف المال لو خلا به السّفيه ، أو دعواه صرفها كاذباً . ولم يتعرّض لكون الوليّ يخرجها أو يؤخّرها إلى الرّشد . ولم يتعرّض المالكيّة والحنابلة لهذه المسألة فيما رأيناه من كلامهم .

خامساً : الحجّ :
36 - إذا حجّ الصّغير ثمّ بلغ فعليه حجّة أخرى ، هي حجّة الإسلام بالنّسبة إليه ، ولا تجزئه الحجّة الّتي حجّها قبل البلوغ . نقل الإجماع على ذلك التّرمذيّ وابن المنذر ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { إنّي أريد أن أجدّد في صدور المؤمنين عهداً : أيّما مملوكٍ حجّ به أهله فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجّه ، وإن عتق قبل أن يموت فليحجّ ، وأيّما غلامٍ حجّ به أهله قبل أن يدرك ، فقد قضى حجّته ، وإن بلغ فليحجج } ، ولأنّها عبادة بدنيّة فعلها قبل وقت الوجوب ، فلم يمنع ذلك وجوبها عليه في وقتها . قال الرّمليّ : والمعنى فيه : أنّ الحجّ وظيفة العمر ، لا تكرار فيه ، فاعتبر وقوعه في حالة الكمال . 37 - إذا بلغ المراهق ( أو المراهقة ) وهو محرم بعد أن تجاوز الميقات ، فإن كان بلوغه وهو واقف بعرفة ، أو قبل الوقوف ، أو كان بلوغه بعد الوقوف ، ولكن رجع فوقف بعرفاتٍ قبل الفجر من ليلة يوم النّحر ، وأتمّ المناسك كلّها ، فهل تجزئه ذلك عن حجّة الإسلام ؟ مذهب الشّافعيّ وأحمد : أنّ ذلك يجزئه عن حجّة الإسلام ، ولا دم عليه ، ولا يجدّد لحجّته تلك إحراماً ، لما ورد عن ابن عبّاسٍ أنّه قال : إذا عتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجّته ، فإن عتق بجمعٍ - يعني المزدلفة - لم تجزئ عنه وقياساً على ما لو أحرم غيره من البالغين الأحرار بعرفة ، فإنّ ذلك يجزئه عن حجّة الإسلام إذا أتمّ مناسكه ، فكذلك من بلغ بعرفة . ومذهب الحنفيّة أنّ ذلك يجزئه بشرط أن يجدّد إحراماً بعد بلوغه قبل الوقوف ، فإن لم يجدّد إحراماً لم يجزئه ، لأنّ إحرامه انعقد نفلاً ، فلا ينقلب فرضاً . قالوا : والإحرام وإن كان شرطاً للحجّ إلاّ أنّه شبيه بالرّكن ، فاعتبرنا شبه الرّكن احتياطاً للعبادة . وفي روايةٍ عن الشّافعيّ - كما في مختصر المزنيّ - أنّ عليه في ذلك دماً ، أي لأنّه كمن جاوز الميقات غير محرم . ومذهب مالكٍ أنّ ذلك لا يجزئه عن حجّة الإسلام أصلاً . وليس له أن يجدّد إحرامه بعد بلوغه . ولكن عليه أن يمضي على إحرامه الّذي احتلم فيه ، ولا يجزئه من حجّة الإسلام . 38 - إذا تجاوز الصّبيّ الميقات غير محرمٍ ، ثمّ بلغ ، فأحرم من مكان دون الرّجوع إلى الميقات : يرى الحنفيّة والمالكيّة ، وهو رواية عند الحنابلة أنّه يجزئه ذلك ، وليس عليه دم ، لأنّه كالمكّيّ ومن كان منزله دون الميقات . ويرى الشّافعيّ ، وهو الرّواية الأخرى عن أحمد : أنّ عليه إن لم يرجع إلى الميقات دماً ، لأنّه تجاوز الميقات دون إحرامٍ .

سادساً : خيار البلوغ : تخيير الزّوج والزّوجة في الصّغر :
39 - يرى أكثر الحنفيّة : أنّ الصّغير أو الصّغيرة - ولو ثيّباً - إن زوّجهما غير الأب والجدّ ، كالأخ أو العمّ ، من كفءٍ وبمهر المثل ، صحّ النّكاح ، ولكن لهما خيار الفسخ بالبلوغ ، إذا علما بعقد النّكاح قبل البلوغ أو عنده ، أو علما بالنّكاح بعد البلوغ ، بأن بلغا ولم يعلما به ثمّ علما بعده ، فإن اختار الفسخ لا يتمّ الفسخ إلاّ بالقضاء ، لأنّ في أصله ضعفاً ، فيتوقّف على الرّجوع إلى القضاء . وقال أبو يوسف : لا خيار لهما ، اعتباراً بما لو زوّجهما الأب والجدّ ، ويبطل خيار البكر بالسّكوت لو مختارةً عالمةً بأصل النّكاح ، ولا يمتدّ إلى آخر مجلس بلوغها أو علمها بالنّكاح . أي إذا بلغت وهي عالمة بالنّكاح ، أو علمت به بعد بلوغها ، فلا بدّ من الفسخ في حال البلوغ أو العلم ، فلو سكتت - ولو قليلاً - بطل خيارها ، ولو قبل تبدّل المجلس . وكذا لا يمتدّ إلى آخر مجلس بلوغها أو علمها بالنّكاح ، بأن جهلت بأنّ لها خيار البلوغ ، أو بأنّه لا يمتدّ إلى آخر مجلس بلوغها ، فلا تعذر بدعوى جهلها أنّ لها الخيار ، لأنّ الدّار دار إسلامٍ ، فلا تعذر بالجهل ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمّد : إنّ خيارها يمتدّ إلى أن تعلم أنّ لها خياراً ، وخيار الصّغير إذا بلغ والثّيّب - سواء أكانت ثيّباً في الأصل ، أو كانت بكراً ، ثمّ دخل بها ، ثمّ بلغت - لا يبطل بالسّكوت بلا صريح الرّضا ، أو دلالةٍ على الرّضا ، كقبلةٍ ولمسٍ ودفع مهرٍ ، ولا يبطل بقيامها عن المجلس ، لأنّ وقته العمر ، فيبقى الخيار حتّى يوجد الرّضا . وإذا زوّج القاضي صغيرةً من كفءٍ ، وكان أبوها أو جدّها فاسقاً ، فلها الخيار في أظهر الرّوايتين عند أبي حنيفة ، وهو قول محمّدٍ . 40 - وعند المالكيّة : إذا عقد للصّغير وليّه - أباً كان أو غيره - على شروطٍ شرطت حين العقد ، وكانت تلزم إن وقعت من مكلّفٍ - كأن اشترط لها في العقد أنّه إن تزوّج عليها فهي ، أو الّتي تزوّجها طالق - أو زوّج الصّغير نفسه بالشّروط وأجازها وليّه ، ثمّ بلغ وكره بعد بلوغه تلك الشّروط - والحال أنّه لم يدخل بها ، لا قبل البلوغ ولا بعده - عالماً بها ، فهو مخيّر بين التزامها وثبوت النّكاح ، وبين عدم التزامها وفسخ النّكاح بطلاقٍ ، ومحلّ ذلك ما لم ترض المرأة بإسقاط الشّروط . والصّغيرة في هذا حكمها حكم الصّغير . والتّفصيل في باب ( الولاية ) من كتب الفقه . وإن زوّج الصّغير نفسه بغير إذن وليّه ، فلوليّه فسخ عقده بطلاقٍ ، لأنّه نكاح صحيح ، غاية الأمر أنّه غير لازمٍ . وقال ابن الموّاز من المالكيّة : إذا لم يرد الوليّ نكاح الصّبيّ - والحال أنّ المصلحة في ردّه - حتّى كبر وخرج من الولاية جاز النّكاح ، وينبغي أن ينتقل النّظر إليه فيمضي أو يردّ ، ومفاده أنّ للصّغير حقّ الاختيار بعد بلوغه . والتّفصيل في باب ( الولاية ) . 41 - ويرى الشّافعيّة في قولٍ عندهم : أنّ الصّغير إذا زوّجه أبوه امرأةً معيبةً بعيبٍ صحّ النّكاح ، وثبت له الخيار - إذا بلغ - ولا يصحّ على المذهب لأنّه خلاف الغبطة . والصّغير إن زوّجه أبوه من لا تكافئه ، ففي الأصحّ أنّ نكاحه على هذا الوجه جائز ، لأنّ الرّجل لا يتعيّر باستفراش من لا تكافئه ، ولكن له الخيار . وهناك قول بعدم صحّة العقد ، لأنّ الولاية ولاية مصلحةٍ ، وليست المصلحة في تزويجه ممّن لا تكافئه . وإن زوّج الأب أو الجدّ الصّغيرة من غير كفءٍ يثبت لها الخيار إذا بلغت ، لوقوع النّكاح على الوجه المذكور صحيحاً على خلاف الأظهر ، والنّقص لعدم الكفاءة يقتضي الخيار . وعلى الأظهر : التّزويج باطل . 42 - وعند الحنابلة لا يجوز لغير الأب تزويج الصّغيرة ، فإن زوّجها الأب فلا خيار لها ، وإن زوّجها غير الأب فالنّكاح باطل . وفي روايةٍ : يصحّ تزويج غير الأب ، وتخيّر إذا بلغت ، كمذهب أبي حنيفة . وقيل : تخيّر إذا بلغت تسعاً . فإن طلقت قبله وقع الطّلاق وبطل خيارها . وكذا يبطل خيارها إن وطئها بعد أن تمّ لها تسع سنين ولم تخيّر . وليس لوليّ صغيرٍ تزويجه بمعيبةٍ بعيبٍ يردّ به في النّكاح ، وكذا ليس لوليّ الصّغيرة تزويجها بمعيبٍ بعيبٍ يردّ به في النّكاح ، لوجوب نظره لهما بما فيه الحظّ والمصلحة ، ولا حظّ لهما في هذا العقد ، فإن فعل وليّ غير المكلّف والمكلّفة بأن زوّجه بمعيبٍ يردّ به - عالماً بالعيب - لم يصحّ النّكاح ، لأنّه عقد لهما عقداً لا يجوز ، وإن لم يعلم الوليّ أنّه معيب صحّ العقد ، ووجب عليه الفسخ إذا علم . وهذا خلافاً لما ورد في المنتهى فيما يوهم إباحة الفسخ ، ومن الحنابلة من قال : لا يفسخ ، وينتظر البلوغ لاختيارهما . وتفصيل ما ذكر يرجع إليه في باب ( النّكاح ، والولاية ) .

سابعاً - انتهاء الولاية على النّفس بالبلوغ :
43 - عند الحنفيّة : تنتهي الولاية على النّفس بالنّسبة لولاية الإنكاح في الحرّة بالتّكليف ( البلوغ والعقل ) فيصحّ نكاح حرّةٍ مكلّفةٍ بلا رضى وليٍّ ، وتترتّب الأحكام من طلاقٍ وتوارثٍ وغيرهما . وتنتهي الحضانة للجارية البكر ببلوغها بما تبلغ به النّساء من الحيض ونحوه ، ويضمّها الأب إلى نفسه وإن لم يخف عليها الفساد ، لو كانت حديثة السّنّ ، والأخ والعمّ كذلك عند فقد الأب ما لم يخف عليها منهما ، فينظر القاضي امرأةً ثقةً فتسلّم إليها ، وتنتهي ولاية الأب على الأنثى إذا كانت مسنّةً ، واجتمع لها رأي ، فتسكن حيث أحبّت حيث لا خوف عليها ، وإن ثيّباً لا يضمّها إلاّ إذا لم تكن مأمونةً على نفسها ، فللأب والجدّ الضّمّ ، لا لغيرهما كما في الابتداء . وتنتهي ولاية الأب على الغلام إذا بلغ وعقل واستغنى برأيه ، إلاّ إذا لم يكن مأموناً على نفسه ، بأن يكون مفسداً مخوفاً عليه ، فللأب ولاية ضمّه إليه لدفع فتنةٍ أو عارٍ ، وتأديبه إذا وقع منه شيء ، والجدّ بمنزلة الأب فيما ذكر من أحكام البكر والثّيّب والغلام . وعند المالكيّة : تنتهي الولاية على النّفس بالنّسبة للصّغير ببلوغه الطّبيعيّ ، وهو بلوغ النّكاح ، فيذهب حيث شاء ، ولكن إذا كان يخشى عليه الفساد لجماله مثلاً ، أو كما إذا كان يصطحب الأشرار وتعوّد معهم أخلاقاً فاسدةً ، يبقى حتّى تستقيم أخلاقه . وإذا بلغ الذّكر رشيداً ذهب حيث يشاء ، لانقطاع الحجر عنه بالنّسبة لذاته ، وإذا بلغ الذّكر - ولو زمناً أو مجنوناً - سقطت عنه حضانة الأمّ على المشهور . وبالنّسبة للأنثى ، فتستمرّ الحضانة عليها والولاية على النّفس حتّى تتزوّج ، ويدخل بها الزّوج . وعند الشّافعيّة : تنتهي الولاية على الصّغير - ذكراً كان أو أنثى - بمجرّد بلوغه . وعند الحنابلة : لا تثبت الحضانة إلاّ على الطّفل أو المعتوه ، فأمّا البالغ الرّشيد فلا حضانة عليه ، فإن كان رجلاً فله الانفراد بنفسه لاستغنائه عن أبويه ، وإن كانت أنثى لم يكن لها الانفراد ، ولأبيها منعها منه ، لأنّه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها ، ويلحق العار بها وبأهلها ، وإن لم يكن لها أب فلوليّها وأهلها منعها من ذلك .

ثامناً : الولاية على المال :
44 - تنقضي الولاية على المال أيضاً ببلوغ الصّغير عاقلاً ، ذكراً كان أو أنثى ، وينفكّ الحجر عنه ، ولكن يشترط لذلك باتّفاق الفقهاء أن يكون رشيداً ، لقوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } وفي المسألة خلاف وتفصيل يرجع لمعرفته إلى أبواب الحجر .

بناء
التّعريف
1 - البناء لغةً : وضع شيءٍ على شيءٍ على وجهٍ يراد به الثّبوت . ويطلق على بناء الدّور ونحوها ، وضدّه الهدم والنّقض ، ويطلق البناء أيضاً على الدّخول بالزّوجة يقال : بنى على أهله ، وبنى بأهله . والأوّل أفصح ، ويكنّى بهذا عن الجماع بعد عقد النّكاح . وأصله : أنّ الرّجل كان إذا تزوّج بنى للعرس خباءً جديداً ، وعمّره بما يحتاج إليه . ويطلقه الفقهاء : على الدّور ونحوها ، وعلى إتمام العبادة بالنّيّة الأولى إذا طرأ فيها خلل لا يوجب التّجديد . ومن أمثلة ذلك : إذا سلّم المسبوق بسلام الإمام سهواً ، بنى على صلاته وسجد للسّهو . وإذا رعف المصلّي في الصّلاة ، ولم يصب الدّم ثوبه أو بدنه ، بنى على صلاته . إذا تكلّم المؤذّن أثناء الأذان عمداً أو سهواً بنى ، ولم يستأنف . وإذا خرج المجمعون أثناء الخطبة من المسجد ثمّ رجعوا قبل طول الفصل ، بنى الخطيب على ما مضى من خطبته في وجودهم ، ولم يستأنف . كما يطلق البناء على التّفريع على القاعدة الفقهيّة ، أي التّخريج عليها .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - التّرميم :
2 - التّرميم : هو إصلاح البناء .
ب - العمارة :
3 - العمارة : ما يعمّر به المكان ، ويطلق على بناء الدّار ، وضدّ العمارة الخراب ، ويطلق الخراب على المكان الّذي خلا بعد عمارته .
ج - الأصل :
4 - الأصل لغةً : أسفل الشّيء . ويطلق اصطلاحاً على : ما يبنى عليه غيره ، ويقابله الفرع ، وعلى الرّاجح ، وعلى الدّليل ، وعلى القاعدة الّتي تجمع جزئيّاتٍ ، وعلى المتفرّع منه كالأب يتفرّع منه أولاده .
د - العقار :
5 - العقار هو : ما يقابل المنقول ، وهو كلّ ملكٍ ثابتٍ له أصل في الأرض ( الحكم الإجماليّ ) : أوّلاً - البناء ( بمعنى إقامة المباني ) 6 - الأصل في البناء الإباحة ، وإن زاد على سبعة أذرعٍ ، أمّا النّهي الوارد عنه في الحديث وهو { إذا أراد اللّه بعبدٍ شرّاً أخضر له اللّبن والطّين ، حتّى يبني } . فقد بيّن المناويّ أنّ ذلك يحمل على ما كان للتّفاخر ، أو زاد عن الحاجة . وتعتريه باقي الأحكام الخمسة : فيكون واجباً : كبناء دار المحجور عليه إذا كان في البناء غبطة ( مصلحة ظاهرة تنتهز قد لا تعوّض ) . وحراماً : كالبناء في الأماكن ذات المنافع المشتركة ، كالشّارع العامّ ، وبناء دور اللّهو ، والبناء بقصد الإضرار ، كسدّ الهواء عن الجار . ومندوباً : كبناء المساجد والمدارس ، والمستشفيات ، وكلّ ما فيه مصلحة عامّة للمسلمين حيث لا يتعيّن ذلك لتمام الواجبات ، وإلاّ صار واجباً ، لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب . ومكروهاً : كالتّطاول في البنيان لغير حاجةٍ .

الوليمة للبناء :
7 - هي مستحبّة ، كبقيّة الولائم الّتي تقام لحدوث سرورٍ أو اندفاع شرٍّ ، وتسمّى الوليمة للبناء ( وكيرة ) ولا تتأكّد تأكّد وليمة النّكاح . وقد ذكر بعض الشّافعيّة قولاً بوجوبها ، لأنّ الشّافعيّ قال : بعد ذكر الولائم - ومنها الوكيرة - : ولا أرخّص في تركها . وذهب بعض المالكيّة إلى أنّها مكروهة ، وعن بعضهم أنّها مباحة . وينظر التّفصيل في مصطلح ( وليمة ) .

من أحكام البناء :
أ - هل البناء من المنقولات ؟ 8 - صرّح الحنفيّة بأنّ البناء من المنقولات . وعند بقيّة المذاهب هو من غير المنقول وللتّفصيل ينظر مصطلح ( عقار ) .

ب - قبض البناء :
9 - يكون قبض البناء في البيع بتخليته للمشتري ، وتمكين المشتري من التّصرّف فيه ، كما صرّح به الحنفيّة والشّافعيّة وقالوا : من تمكينه من التّصرّف تسليمه المفتاح إليه ، بشرط فراغ البناء من أمتعة البائع ، وأن لا يكون مانع شرعيّ أو حسّيّ . قالوا : لأنّ الشّارع أطلق القبض وأناط به أحكاماً ولم يبيّنه ، وليس له حدّ في اللّغة ، فيجب الرّجوع إلى العرف ، وهو يقتضي ما ذكرناه . وللتّفصيل ينظر مصطلح ( قبض ) .

ج - جريان الشّفعة في البناء المبيع :
10 - تجري الشّفعة في البناء إذا بيع مع الأرض تبعاً لها ، ولا تثبت فيه إذا بيع منفرداً ، وعلى هذا جمهور الفقهاء . وعند الإمام مالكٍ وعطاءٍ وهو رواية عن أحمد : تثبت فيه الشّفعة ، وإن بيع منفرداً . وانظر مصطلح ( شفعة ) .

د - البناء في الأراضي المباحة :
11 - يرى جمهور الفقهاء جواز البناء في الأرض المباحة ، ولو بدون إذن الإمام اكتفاءً بإذن الشّارع ، ولأنّه مباح ، كالاحتطاب والاصطياد . ولكن يستحبّ الاستئذان من الإمام خروجاً من خلاف من أوجبه . وإلى هذا ذهب الشّافعيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة . وقال أبو حنيفة : لا يجوز إلاّ بإذن الإمام ، واستدلّ بحديث : { ليس للمرء إلاّ ما طابت به نفس إمامه } وانظر مصطلح ( إحياء الموات ) .

هـ - تحجير الأرض للبناء :
12 - إذا احتجر أرضاً للبناء ، ولم يبن مدّةً يمكن البناء فيها ، ولا أحياها بغير ذلك ، بطل حقّه فيها ، لأنّ التّحجّر ذريعة إلى العمارة ، وهي لا تؤخّر عنه إلاّ بقدر أسبابها . ومن الفقهاء من يرى أنّه يرفع إلى السّلطان ، ولا يبطل حقّه بطول المدّة . وقد قدّر البعض المدّة بثلاث سنواتٍ ، لقول عمر رضي الله عنه ليس لمتحجّرٍ بعد ثلاث سنواتٍ حقّ هذا ما صرّح به الشّافعيّة ، وفي المذاهب الأخرى خلاف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح ( إحياء الموات ) .

و - البناء في الأراضي المغصوبة :
13 - إذا بنى في أرضٍ مغصوبةٍ ، فطلب صاحب الأرض قلع بنائه قلع ، قال ابن قدامة : لا نعلم في ذلك خلافاً بين الفقهاء لحديث : { ليس لعرقٍ ظالمٍ حقّ } ولأنّه شغل ملك غيره بملكه الّذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه ، فلزمه تفريغه ، وإن أراد صاحب الأرض أخذ البناء بغير عوضٍ لم يكن له ذلك . وللحنفيّة تفصيل فيما إذا كان البناء أو الغرس بزعم سببٍ شرعيٍّ يعذر به الباني ، فينظر : إن كانت قيمة الأرض أكثر من قيمة البناء كلّف الغاصب القلع . وإن كانت أقلّ منه فلا يؤمر بالقلع ، ويغرم صاحب البناء لصاحب الأرض قيمة الأرض ، أمّا إذا كان البناء ظلماً ، فالخيار لصاحب الأرض بين الأمر بالقلع أو تملّك البناء مستحقّ القلع . أمّا ضمان منفعة الأرض في مدّة الغصب وآراء الفقهاء فيه فيرجع إليه في مصطلح ( غصب ) .

ز - البناء في الأرض المستأجرة :
14 - إذا بنى المستأجر في الأرض المستأجرة ، فإن انقضت مدّة الإجارة لزم المستأجر قلعها ، وتسليم الأرض فارغةً للمؤجر ، لأنّ البناء لا نهاية له ، وفي إبقائه إضرار بصاحب الأرض ، إلاّ أن يختار صاحب الأرض أن يغرم للمستأجر قيمة البناء مقلوعاً ويتملّكه ، فله ذلك برضا صاحب البناء إن لم تنقص الأرض بالقلع ، فيتملّكها حينئذٍ بغير رضاه . ولا فرق عند الحنفيّة بين الإجارة المطلقة والإجارة المشروط فيها القلع . أمّا عند المالكيّة فإن استأجر أرضاً لمدّةٍ طويلةٍ كتسعين سنةً - على مذهب من يرى ذلك منهم - ليبني فيها ، وفعل ثمّ مضت المدّة ، وأراد المؤجّر إخراج المستأجر ويدفع له قيمة بنائه منقوضاً ، فإنّه لا يجاب لذلك ، ويجب عليه بقاء البناء في أرضه ، وله كراء المثل في المستقبل ، وسواء كانت تلك الأرض المؤجّرة ملكاً أو وقفاً على جهةٍ . أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فإنّ شرط القلع بعد انتهاء مدّة الإجارة لزم المستأجر القلع وفاءً بشرطه ، وليس على مالك الأرض أرش نقص البناء بالقلع ، ولا على المستأجر تسوية الأرض وإصلاحها لتراضيهما بالقلع ، وإن أطلقا فللمكتري قلعه ، لأنّه ملكه فله أخذه ، وعليه تسوية الأرض إن قلعه لأنّه ضرر أدخله في ملك غيره بغير إذنه ، وإن أبى القلع لم يجبر عليه ، إلاّ أن يضمن له المالك أرش النّقص بالقلع فيجبر عليه . أمّا المالك فله الخيار بين ثلاثة أشياء : أن يدفع للمستأجر قيمة البناء فيتملّكه ، أو يقلع البناء ويضمن أرش النّقص ، أو يقرّ البناء فيأخذ من المستأجر أجرة المثل . والتّفصيل في ( الإجارة ) .

ح - البناء في الأرض المستعارة :
15 - إذا استعار أرضاً للبناء لم يكن له أن يبني بعد انتهاء مدّة العاريّة أو الرّجوع عن العاريّة ، فإن فعل ذلك قلع بناؤه ، وحكمه حكم الغاصب ، وعليه تسوية الأرض وضمان نقص الأرض ، لأنّه عدوان . أمّا إذا بنى قبل الرّجوع ، فإن شرط عليه : القلع مجّاناً عند الرّجوع لزمه القلع عملاً بالشّرط . وإن لم يشترط القلع فلا يقلع مجّاناً ، سواء كانت العاريّة مطلقةً أو مقيّدةً بوقتٍ ، لأنّ البناء مال محترم فلا يقلع مجّاناً ، فيخيّر المعير بين الأمور الثّلاثة الّتي مرّت في الإجارة المطلقة ، وهذا في الجملة عند غير الحنفيّة . وفرّق الحنفيّة بين المطلقة والمؤقّتة ، فإن كانت العاريّة مؤقّتةً فرجع قبل الوقت ضمن المعير ما نقص في قيمة البناء بالقلع ، لأنّ المستعير مغرور من قبل المعير ، أمّا المطلقة فلا ضمان على المعير ، لأنّ المستعير مغترّ غير مغرورٍ ، حيث اعتمد إطلاق العقد ، وظنّ أنّه يتركه مدّةً طويلةً .

ط - البناء في الأرض الموقوفة 16 - إذا بنى في الأرض الموقوفة المستأجرة بغير إذن ناظر الوقف قلع بناؤه إن لم يكن ضرر على الأرض بالقلع ، ويضمن منافعها الّتي فاتت بيده ، بهذا صرّح الحنفيّة في هذه المسألة ، والضّمان هو الأصل عند غير الحنفيّة في منفعة كلّ مغصوبٍ .

ي - بناء المساجد :
17 - بناء المساجد في الأمصار والقرى والمحالّ حسب الحاجة فرض كفايةٍ وهو من أجلّ أعمال البرّ الّتي حثّ الشّارع عليها . قال تعالى : { في بيوتٍ أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه } . وجاء في الخبر الصّحيح { من بنى مسجداً ، يبتغي به وجه اللّه ، بنى اللّه له مثله في الجنّة } . وأمّا ما يراعى في بناء المساجد فينظر في مصطلح ( مسجد ) .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:04 AM

ك - البناء باللّبن المخلوط بالنّجاسة :
18 - صرّح الشّافعيّة بأنّه يجوز بناء الدّور ونحوها بموادّ مخلوطةٍ بالنّجاسة - كتسميد الأرض بها - للضّرورة . قال الأذرعيّ : والإجماع الفعليّ على صحّة بيع ذلك . والتّفصيل في باب ( النّجاسة ) .

ل - البناء على القبور :
19 - يكره تجصيص القبر والبناء عليه ، إن كان في أرضٍ كان يملكها الميّت ، أو أرضٍ مواتٍ بلا قصد مباهاةٍ ، فإن كان في مقبرةٍ مسبّلةٍ حرم البناء ، ويهدم إن بني ، لأنّه يضيّق على النّاس ، ولا فرق في ذلك بين أن يبني قبّةً أو بيتاً أو مسجداً . وقد ورد النّهي عن بناء المساجد على القبور ، ففي الخبر المتّفق عليه أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الّذي مات فيه : { لعن اللّه اليهود والنّصارى ، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد } . والتّفصيل ينظر في مصطلح ( قبر ) .

م - البناء في الأماكن المشتركة :
20 - لا يجوز البناء الخاصّ في الأماكن الّتي تتعلّق بها حقوق عامّة ، كالشّوارع العامّة ، ومصلّى العيد في الصّحراء ، وأماكن النّسك ، كعرفة ومزدلفة ، لما في ذلك من التّضييق على النّاس ولأنّها للمسلمين جميعاً ، فليس لفردٍ أن يستأثر بها .

ن - بناء الحمّام :
21 - ذهب الإمام أحمد إلى أنّه يكره بناء الحمّام مطلقاً ، وبناؤه للنّساء أشدّ كراهةً ، ونقل عنه قوله : الّذي يبني الحمّام للنّساء ليس بعدلٍ وهو جائز عند بقيّة الأئمّة .

ثانياً : البناء في العبادات يراد بالبناء هنا : إتمام العبادة بعد انقطاعها . 22 - إذا أحرم متطهّراً ، ثمّ أحدث عمداً ، بطلت صلاته باتّفاق الفقهاء . واختلفوا فيما إذا سبقه الحدث بلا عمدٍ منه . فذهب الحنفيّة إلى أنّه لا تبطل صلاته ، فيبني عليها بعد التّطهّر ، وهو القول القديم للشّافعيّ . وعند المالكيّة : لا يبني المحدث في الصّلاة إلاّ في الرّعاف . وتبطل الصّلاة في الجديد عند الشّافعيّة ولا بناء ، وهو مذهب الحنابلة . وللتّفصيل انظر مصطلح ( حدث ، رعاف ) .

بناء السّاهي في الصّلاة على يقينه :
23 - إذا شكّ في أثناء الصّلاة في عدد الرّكعات أو فعل ركنٍ ، فالأصل أنّه لم يفعل ، فيجب البناء على اليقين ، وهو الأقلّ . وانظر مصطلح ( شكّ ) .

البناء في خطبة الجمعة :
24 - إذا انفضّ المجمعون في أثناء الصّلاة ، وعادوا قبل طول الفصل ، بنى الخطيب على خطبته . وانظر مصطلح ( خطبة ) .

البناء في الطّواف :
25 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا ابتدأ بالطّواف ، ثمّ أقيمت الصّلاة المكتوبة ، فإنّه يقطع الطّواف ، ويصلّي مع الجماعة ، ثمّ يبني على طوافه ، لأنّه فعل مشروع فلم يقطعه ، كالفعل اليسير . أمّا في غير المكتوبة فقد اختلف الفقهاء في صحّة البناء على ما مضى . ر : مصطلح ( طواف ) .

بناء بالزّوجة انظر : دخول .

بناء في العبادات انظر : استئناف .

بنان انظر : إصبع .

بنت
التّعريف
1 - بنت وابنة : مؤنّث ابنٍ . والولد يطلق عليهما . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث : وردت أحكام تتعلّق بالبنت أهمّها ما يلي :
أ - النّكاح :
2 - نكاح البنت : يحرم نكاح الرّجل ابنته ، والعقد عليها باطل . لقوله تعالى : { حرّمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم } وعليه إجماع الأمّة .

3 - نكاح ابنته من الزّنى : ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى تحريم زواج الرّجل ابنته من الزّنى ، لأنّ الوطء سبب الجزئيّة ، والاستمتاع بالجزء حرام . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ المخلوقة من ماء زناه تحلّ له ، لأنّ ماء الزّنى لا حرمة له ، لكنّه مكروه خروجاً من الخلاف . انظر مصطلح ( نكاح ) .

الولاية في النّكاح :
4 - اتّفق الفقهاء على أنّ للأب إنكاح ابنته الصّغيرة والكبيرة المجنونة أو المعتوهة ولو جبراً عنها ، إن كانت بكراً . واختلفوا في الثّيّب الصّغيرة . وأمّا تزويج الرّجل ابنته البكر الكبيرة فالجمهور على أنّ للأب إجبارها خلافاً للحنفيّة . أمّا البنت الثّيّب الكبيرة فالأب يلي إنكاحها دون إجبارٍ . والتّفصيل في ( النّكاح والولاية ) .

ب - إرث البنت :
5 - البنت إذا انفردت لها النّصف في الميراث ، لقوله تعالى : { وإن كانت واحدةً فلها النّصف } وإن كانتا اثنتين فصاعداً فلهما الثّلثان ، لقوله تعالى : { فإن كنّ نساءً فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك } هذا عند عامّة الصّحابة ، وعن ابن عبّاسٍ أنّ حكمهما حكم الواحدة . أمّا إذا كان مع البنت ابن ، فللذّكر مثل حظّ الأنثيين وهو يعصبهنّ ، لقوله تعالى : { يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين } . والتّفصيل في مصطلح ( إرث )

ج - النّفقة :
6 - اتّفقوا على وجوب نفقة البنت الفقيرة غير المتزوّجة على والدها إذا كان غنيّاً . أمّا إذا كانت البنت غنيّةً ، فلا تجب لها النّفقة ، وإذا كانت كبيرةً وفقيرةً فتجب لها النّفقة أيضاً مع بعض الشّروط . ولتفصيل ذلك انظر مصطلح ( نفقة )

بنت الابن
التّعريف
1 - بنت الابن : هي كلّ بنتٍ تنتسب إلى المتوفّى بطريق الابن ، مهما نزلت درجة أبيها ، فتشمل بنت الابن وبنت ابن الابن مهما نزل . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث : لبنت الابن أحكام خاصّة في الفقه الإسلاميّ نجمل أهمّها فيما يلي : النّكاح :
2 - يحرم على الرّجل نكاح بنت ابنه وإن نزلت ، لقوله تعالى { حرّمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم } والمراد بالبنت : الفرع المؤنّث وإن بعد . فيشمل بنت الابن وبنت البنت ، ولإجماع المجتهدين على ذلك . وللتّفصيل يراجع مصطلح ( نكاح ) .

الزّكاة :
3 - لا يجوز دفع الزّكاة إلى بنت الابن عند الحنفيّة والحنابلة ، لأنّ منافع الأملاك بينهم متّصلة . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا يجوز دفع الزّكاة إليها في الحال الّتي تجب فيها النّفقة على الجدّ أمّا المالكيّة فقد جوّزوا دفع الزّكاة إلى بنت الابن ، لأنّها لا تجب نفقتها على جدّها .

الفرائض :
4 - لبنت الابن أحوال في الميراث نجملها فيما يلي :
أ - النّصف للواحدة .
ب - الثّلثان للاثنتين فصاعداً . وهاتان الحالتان يشترط فيهما عدم البنات الصّلبيّات ، فإذا عدمن قامت بنت الابن مقامهنّ .
ج - إذا كان معهنّ ذكر فإنّه يعصبهنّ ، وحينئذٍ فللذّكر مثل حظّ الأنثيين .
د - لهنّ السّدس مع البنت الواحدة الصّلبيّة ، تكملةً للثّلثين .
هـ - لا يرثن مع الصّلبيّتين عند عامّة الصّحابة ، إلاّ إذا كان معهنّ ذكر بدرجتهنّ أو أسفل منهنّ ، فإنّه يعصبهنّ ، وحينئذٍ فللذّكر مثل حظّ الأنثيين . ولتفصيل ذلك راجع مصطلح ( فرائض ) .

بنت لبونٍ انظر : ابن لبونٍ

بنت مخاضٍ انظر : ابن مخاضٍ

بنج
التّعريف
1 - البنج - بفتح الباء - في اللّغة والاصطلاح : نبات مخدّر ، غير الحشيش ، مسكّن للأوجاع .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - الأفيون :
2 - الأفيون : عصارة ليّنة يستخرج من الخشخاش ، ويحتوي على ثلاث موادّ منوّمةٍ منها المورفين .
ب - الحشيشة :
3 - الحشيشة : نوع من ورق القنّب الهنديّ يسكر جدّاً إذا تناول منه قدر درهمٍ . هذا ما قاله ابن تيميّة وابن حجرٍ الهيتميّ وابن عابدين . لكن قال القرافيّ - بعد بيان الفرق بين المسكر والمفسد ( أي المخدّر ) - وبهذا يظهر لك أنّ الحشيشة مفسدة وليست مسكرةً ، ثمّ استدلّ لذلك بكلامٍ نفيسٍ يرجع إليه في الفروق . الحكم الشّرعيّ في تناوله :
4 - يرى جمهور الفقهاء أنّه يحرم تناول القدر المسكر من هذه المادّة ، ويعزّر بالسّكر منه بغير عذرٍ ويجوز عندهم التّداوي به واستعماله لإزالة العقل لقطع عضوٍ متآكلٍ . أمّا الحنفيّة فقد اختلفت آراؤهم في حكم تناول البنج لغير التّداوي ووجوب إقامة الحدّ على السّكران منه .

عقوبة تناوله :
5 - يعرّف الفقهاء ما يحرم تناوله ، ويترتّب على تعاطيه الحدّ بأنّه : كلّ شرابٍ مسكرٍ . وبناءً على هذا التّعريف ذهب معظم الفقهاء إلى عدم إقامة الحدّ على السّكران من البنج ونظائره من الجامدات ، وإن كان مذاباً وقت التّعاطي ، ولكنّه يعاقب عقوبةً تعزيريّةً .

حكم طهارته :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ البنج طاهر ، لأنّهم يشترطون لنجاسة المسكر أن يكون مائعاً .
( مواطن البحث ) :
7 - يذكره الفقهاء في باب الأشربة والنّجاسات والطّلاق .

بندق انظر : صيد

بنوّة انظر : ابن

بهتان انظر : افتراء

بهيمة انظر : حيوان

بول . انظر : قضاء الحاجة

بيات . انظر : بيتوتة

بيان
التّعريف
1 - البيان لغةً : الإظهار والتّوضيح ، والكشف عن الخفيّ أو المبهم . قال اللّه تعالى : { علّمه البيان } أي الكلام الّذي يبيّن به ما في قلبه ، ويحتاج إليه من أمور دنياه ، فهو منفصل به عن سائر الحيوانات . ولم يبعد الأصوليّون والفقهاء عن المعنى اللّغويّ في تعريفهم للبيان . فهو عند الأصوليّين : الدّالّ على المراد بخطابٍ لا يستقلّ بنفسه في الدّلالة على المراد . ويطلق ويراد به المدلول ، ويطلق أيضاً على فعل المبيّن ، ولأجل إطلاقه على المعاني الثّلاثة اختلفوا في تفسيره بالنّظر إليها . قال العبدريّ بعد حكاية المذاهب : الصّواب أنّ البيان هو مجموع هذه الأمور .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - التّفسير :
2 - التّفسير لغةً : هو الكشف والإظهار . وفي الشّرع : توضيح معنى الآية وشأنها وقصّتها ، والسّبب الّذي نزلت فيه بلفظٍ يدلّ عليه دلالةً ظاهرةً . والبيان بعمومه يختلف عن التّفسير ، إذ البيان قد يكون بدلالة حال المتكلّم كالسّكوت ، في حين أنّ التّفسير لا يكون إلاّ بلفظٍ يدلّ على المعنى دلالةً ظاهرةً .
ب - التّأويل :
3 - التّأويل : صرف اللّفظ عن معناه الظّاهر إلى معنًى يحتمله ، إذا كان المحتمل موافقاً للكتاب والسّنّة . ( ر : تأويل ) . والفرق بين التّأويل والبيان : أنّ التّأويل ما يذكر في كلامٍ لا يفهم منه المعنى المراد لأوّل وهلةٍ ، والبيان ما يذكر في كلامٍ يفهم المعنى المراد منه بنوع خفاءٍ بالنّسبة إلى البعض ، فالبيان أعمّ من التّأويل . الأحكام المتعلّقة بالبيان عند الأصوليّين :
4 - البيان بالقول والفعل : المذهب عند الفقهاء وأكثر المتكلّمين أنّ البيان يحصل بالفعل من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كما يحصل بالقول . والدّليل على أنّ البيان قد يحصل بالفعل : أنّ جبريل عليه الصلاة والسلام بيّن مواقيت الصّلاة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم بالفعل ، حيث أمّه في البيت يومين ، { ولمّا سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصّلاة قال للسّائل : صلّ معنا } وكما قال : { صلّوا كما رأيتموني أصلّي } ثمّ صلّى في اليومين في وقتين ، فبيّن له المواقيت بالفعل . وفي الحجّ قال لأصحابه : { خذوا عنّي مناسككم } ، ولأنّ البيان عبارة عن إظهار المراد . فربّما يكون ذلك بالفعل أبلغ منه بالقول ، لأنّه { صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالحلق عام الحديبية ، فلم يفعلوا ثمّ لمّا رأوه حلق بنفسه حلقوا في الحال } . فعرفنا أنّ إظهار المراد يحصل بالفعل كما يحصل بالقول . وقال الكرخيّ وأبو إسحاق المروزيّ وبعض المتكلّمين : لا يكون البيان إلاّ بالقول ، بناءً على أصلهم أنّ بيان المجمل لا يكون إلاّ متّصلاً ، والفعل لا يكون متّصلاً بالقول . وللتّفصيل انظر الملحق الأصوليّ .

أنواع البيان 5 - قال البزدويّ : البيان على أوجهٍ : بيان تقريرٍ ، وبيان تفسيرٍ ، وبيان تغييرٍ ، وبيان تبديلٍ ، وبيان ضرورةٍ ، فهي خمسة أقسامٍ . وتجدر الإشارة إلى أنّ إضافة البيان إلى التّقرير والتّغيير والتّبديل من قبيل إضافة الجنس إلى نوعه كعلم الطّبّ ، أي بيان هو تقرير ، وكذا الباقي ، وإضافته إلى الضّرورة من قبيل إضافة الشّيء إلى سببه . بيان التّقرير :
6 - بيان التّقرير هو كلّ حقيقةٍ تحتمل المجاز ، أو عامّ يحتمل الخصوص ، إذا لحق به ما يقطع الاحتمال ، وذلك نحو قوله تعالى : { فسجد الملائكة كلّهم أجمعون } ، فصيغة الجمع تعمّ الملائكة على احتمال أن يكون المراد بعضهم وقوله تعالى : { كلّهم أجمعون } بيان قاطع لهذا الاحتمال فهو بيان التّقرير .

بيان التّفسير :
7 - بيان التّفسير هو بيان ما فيه خفاء ، كالمشترك والمجمل ونحوهما ، مثل قوله تعالى : { أقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة } فإنّه مجمل ، إذ العمل بظاهره غير ممكنٍ ، وإنّما يوقف على المراد للعمل به بالبيان ، ثمّ لحق هذه الآية البيان بالسّنّة ، فإنّه عليه الصلاة والسلام بيّن الصّلاة بالقول والفعل ، والزّكاة بقوله : { هاتوا ربع العشور } فإنّه يكون تفسيراً .

بيان التّغيير :
8 - بيان التّغيير هو البيان الّذي فيه تغيير لموجب الكلام وهو نوعان : الأوّل - التّعليق بالشّرط : كما قال اللّه تعالى : { فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ } فإنّه يتبيّن به أنّه لا يجب إيتاء الأجر بعد عقد إجارة المرضع إذا لم يوجد الإرضاع ، وإنّما يجب ابتداءً عند وجود الإرضاع فيكون تغييراً لحكم وجوب أداء البدل بنفس العقد . الثّاني - الاستثناء : كما قال اللّه تعالى : { فلبث فيهم ألف سنةٍ إلاّ خمسين عاماً } فإنّ الألف اسم موضوع لعددٍ معلومٍ ، فما يكون دون ذلك العدد يكون غيره لا محالة ، فلولا الاستثناء لكان العلم يقع لنا بأنّه لبث فيهم ألف سنةٍ ، ومع الاستثناء إنّما يقع العلم لنا بأنّه لبث فيهم تسعمائةٍ وخمسين عاماً ، فيكون الاستثناء تغييراً لما يفيده لفظ الألف .

بيان التّبديل :
9 - بيان التّبديل هو النّسخ ، وهو رفع حكمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخّرٍ . والنّسخ في حقّ صاحب الشّرع بيان محض لانتهاء الحكم الأوّل ، ليس فيه معنى الرّفع ، لأنّه كان معلوماً عند اللّه أنّه ينتهي في وقت كذا بالنّاسخ ، فكان النّاسخ بالنّسبة إلى علمه تعالى مبيّناً لا رافعاً . ثمّ الرّاجح عند الأصوليّين أنّ النّسخ جائز في الأمر والنّهي الّذي يجوز أن يكون ثابتاً ، ويجوز أن لا يكون . وقد قال بعضهم : إنّه لا يجوز النّسخ ، وربّما قالوا : لم يرد النّسخ في شيءٍ أصلاً . وانظر التّفاصيل في ( نسخ ) وفي الملحق الأصوليّ .

بيان الضّرورة :
10 - بيان الضّرورة نوع من البيان يحصل بغير اللّفظ للضّرورة ، وهو على أربعة أنواعٍ : النّوع الأوّل : ما يكون في حكم المنطوق ، وذلك بأن يدلّ النّطق على حكم المسكوت عنه . وقد مثّلوا له بقوله تعالى : { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمّه الثّلث } فإنّه لمّا أضاف الميراث إليها في صدر الكلام ، ثمّ بيّن نصيب الأمّ ، كان ذلك بيان أنّ للأب ما بقي ، فلم يحصل هذا البيان بترك التّنصيص على نصيب الأب ، بل بدلالة صدر الكلام يصير نصيب الأب كالمنصوص عليه . النّوع الثّاني : هو السّكوت الّذي يكون بياناً بدلالة حال المتكلّم ، نحو سكوت صاحب الشّرع عند معاينة شيءٍ عن تغييره يكون بياناً لحقيته باعتبار حاله ، مثل ما شاهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم من بياعاتٍ ومعاملاتٍ كان النّاس يتعاملونها فيما بينهم ، فأقرّهم عليها ، ولم ينكرها عليهم ، فدلّ أنّ جميعها مباح في الشّرع ، إذ لا يجوز من النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقرّ النّاس على منكرٍ محظورٍ . النّوع الثّالث : هو السّكوت الّذي جعل بياناً ، ضرورة دفع الغرور ، مثل الأب إذا رأى ولده المميّز يبيع ويشتري ، فسكت عن النّهي ، كان سكوته إذناً له في التّجارة ، لضرورة دفع الغرور عمّن يعامله ، فإنّ في هذا الغرور إضراراً بهم ، والضّرر مدفوع . بهذا قال الحنفيّة . وقال الشّافعيّ : لا يكون السّكوت إذناً لأنّ سكوت الأب عن النّهي محتمل ، قد يكون للرّضا بتصرّفه ، وقد يكون لفرط الغيظ ، أو قلّة الالتفات ، والمحتمل لا يكون حجّةً . النّوع الرّابع : هو السّكوت الّذي جعل بياناً لضرورة الكلام كما إذا قال رجل : لفلانٍ عليّ مائة ودرهم ، أو مائة ودينار ، فإنّ العطف جعل بياناً للأوّل ، وجعل الأوّل من جنس المعطوف . بهذا يقول الحنفيّة . وقال الشّافعيّ : يلزمه المعطوف ، والقول في بيان جنس المائة قول المقرّ ، لأنّها مجملة فإليه بيانها ، والعطف لا يصلح بياناً ، لأنّه لم يوضع له .

تأخير البيان عن وقت الحاجة : كلّ ما يحتاج إلى البيان من مجملٍ وعامٍّ ، ومجازٍ ومشتركٍ ، وفعلٍ متردّدٍ ومطلقٍ ، إذا تأخّر بيانه فذلك على وجهين :
11 - الوجه الأوّل : أن يتأخّر عن وقت الحاجة ، وهو الوقت الّذي إذا تأخّر البيان عنه لم يتمكّن المكلّف من معرفة ما تضمّنه الخطاب ، وذلك في الواجبات الفوريّة . فهذا النّوع من التّأخير لا يجوز ، لأنّ الإتيان بالشّيء مع عدم العلم به ممتنع عند جميع القائلين بمنع التّكليف بما لا يطاق . وأمّا من جوّز التّكليف بما لا يطاق فهو يقول بجوازه عقلاً ، لا بوقوعه ، فكان عدم الوقوع متّفقاً عليه بين الطّائفتين . ولهذا نقل أبو بكرٍ الباقلّانيّ إجماع أرباب الشّرائع على امتناعه .
12 - الوجه الثّاني : تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل ، وذلك في الواجبات الّتي ليست بفوريّةٍ ، حيث يكون الخطاب لا ظاهر له ، كالأسماء المتواطئة والمشتركة ، أو يكون له ظاهر وقد استعمل في خلاف الظّاهر ، كتأخير البيان بالتّخصيص . ومثله تأخير النّسخ ونحو ذلك ، وفي ذلك اتّجاهات أهمّها ما يلي :
أ - الجواز مطلقاً ، قال ابن برهانٍ : وعليه عامّة علمائنا من الفقهاء والمتكلّمين . ونقله القاضي عن الشّافعيّ ، واختاره الأخوّات في المحصول ، وابن الحاجب . وقال الباجيّ : عليه أكثر أصحابنا ، وحكاه القاضي عن مالكٍ .
ب - المنع مطلقاً ، نقل ذلك عن أبي إسحاق المروزيّ وأبي بكرٍ الصّيرفيّ وأبي حامدٍ المروزيّ وأبي بكرٍ الدّقّاق وداود الظّاهريّ والأبهريّ ، قال القاضي : وهو قول المعتزلة وكثيرٍ من الحنفيّة .
ج - أنّ بيان المجمل إن لم يكن تبديلاً ولا تغييراً جاز مقارناً وطارئاً ، وإن كان تغييراً جاز مقارناً ولا يجوز طارئاً بحالٍ . نقله السّمعانيّ عن أبي زيدٍ من الحنفيّة . وتنظر مراتب البيان للأحكام وسائر التّفاصيل المتعلّقة بالموضوع في الملحق الأصوليّ .

الأحكام المتعلّقة بالبيان عند الفقهاء بيان المقرّ به المجهول :
13 - إذا أقرّ شخص بمجهولٍ وأطلق ، بأن قال : عليّ شيء أو حقّ ، يلزمه ، لأنّ الحقّ قد يلزمه مجهولاً ، كأن يتلف مالاً لا يعرف قيمته ، أو يجرح جراحةً لا يعرف أرشها ، أو يبقى عليه باقية حسابٍ لا يعرف قدره وهو محتاج إليه لإبراء ذمّته بالإيفاء أوالتّراضي ، فجهالة المقرّ به لا تمنع صحّة الإقرار ، ويقال للمقرّ : بيّن المجهول ، فإن لم يبيّن أجبره الحاكم على البيان ، لأنّه لزمه الخروج عمّا وجب عليه بصحيحٍ إقراره ، وذلك الخروج عمّا لزمه يكون بالبيان ، ولكن يبيّن شيئاً يثبت في الذّمّة ، قلّ أو كثر ، أمّا إذا بيّن شيئاً لا يثبت في الذّمّة فلا يقبل منه ، نحو أن يقول : عنيت حقّ الإسلام ، أو كفّاً من ترابٍ أو نحوه ، بهذا قال الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو أحد قولي الشّافعيّة . وذهب الشّافعيّة في القول الآخر إلى أنّه إن وقع الإقرار المبهم في جواب دعوى ، وامتنع عن التّفسير ، يجعل ذلك إنكاراً منه وتعرض اليمين عليه ، فإن أصرّ على الامتناع جعل ناكلاً عن اليمين ويحلف المدّعي . أمّا إذا أقرّ بمجهولٍ وبيّن السّبب ، فينظر إن كان سبباً لا تضرّه الجهالة كالغصب الوديعة ، بأن قال : غصبت مال فلانٍ ، أو لفلانٍ عندي أمانة ، فيصحّ إقراره ، ويجبر على بيان المغصوب أو الأمانة المجهولة وتعيينهما ، وإن كان سبباً تضرّه الجهالة كالبيع والإجارة لا يصحّ الإقرار ، ولا يجبر على بيان ما باعه أو استأجره .

البيان في الطّلاق المبهم :
14 - إذا قال الزّوج لزوجتيه : إحداكما طالق ، وقصد معيّنةً منهما طلقت ، ويلزمه البيان ، ويصدّق ، لأنّه مالك للإيقاع عليها ، فيصحّ بيانه أيضاً ، وما في ضميره لا يوقف عليه إلاّ من جهته ، فيقبل قوله فيه . وتعتزلانه إلى البيان ، لاختلاط المحرّمة بالمباحة . ويلزم الزّوج البيان فوراً ، فإن أخّر عصى ، فإن امتنع حبس وعزّر . وللفقهاء تفاصيل في لزوم نفقة الزّوجتين إلى البيان ، وألفاظ البيان وما يثبت به البيان من الأفعال كالوطء ومقدّماته تنظر في ( طلاق ) .

بيان المعتق المبهم :
15 - إذا قال شخص لأرقّائه : أحدكم حرّ ، أو أعتقت أحدكم ، ونوى معيّناً بيّنه وجوباً ، وإذا خاصم أحدهم إلى الحاكم أجبر المولى على البيان ، وإن بيّن واحداً من الاثنين للعتق ، فللآخر تحليفه أنّه ما أراده . وإن قال : أردت هذا ، بل هذا ، عتقا جميعاً مؤاخذةً له بإقراره . وللتّفصيل ( ر : عتق )

. بيت
التّعريف
1 - من معاني البيت في اللّغة : المسكن ، وهو كلّ ما كان له جدار وسقف ، وإن لم يكن به ساكن . ويطلق أيضاً على البيت الشّقّة . ويجمع البيت على أبياتٍ ، وبيوتٍ . ويطلق البيت على القصر ، ومنه { قول جبريل عليه السلام لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم بشّروا خديجة ببيتٍ في الجنّة من قصبٍ } قال في اللّسان : يعني بشّروها بقصرٍ من لؤلؤةٍ مجوّفةٍ . ويطلق على المسجد . قال اللّه عزّ وجلّ : { في بيوتٍ أذن اللّه أن ترفع } قال الزّجّاج : أراد المساجد . وقد يكون البيت مستقلّاً بذاته ، أو جزءاً من المسكن المستقلّ كحجرةٍ من دارٍ . ويصدق على المبنيّ من طينٍ ، أو آجرٍّ ومدرٍ وحجرٍ ، وعلى المتّخذ من خشبٍ ، أو صوفٍ ، أو وبرٍ ، أو شعرٍ ، أو جلدٍ ، وأنواع الخيام . ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عمّا ورد في اللّغة .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - الدّار :
2 - الدّار لغةً : اسم لما اشتمل على بيوتٍ ومنازل وصحنٍ غير مسقّفٍ . واسم الدّار يتناول العرصة والبناء جميعاً . والفرق بين البيت والدّار : أنّ الدّار تشتمل على بيوتٍ ومنازل .
ب - المنزل :
3 - المنزل لغةً : اسم مكان النّزول ، وفي بعض الأعراف : هو اسم لما يشتمل على بيوتٍ ، وصحنٍ مسقّفٍ ومطبخٍ يسكنه الرّجل بعياله . وهو دون الدّار وفوق البيت ، وأقلّه بيتان أو ثلاثة . وتختلف الأعراف في هذه الألفاظ باختلاف المكان والزّمان . المبيت على ظهر البيت :
4 - جاء التّحذير في السّنّة الشّريفة عن المبيت على ظهر بيتٍ ليس له حائط يمنع من السّقوط . فقد روى عليّ بن شيبان رضي الله عنه عن الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : { من بات على ظهر بيتٍ ليس له حجار فقد برئت منه الذّمّة } وجاء في روايةٍ : حجاب ، وفي أخرى : حجاز . وهي بمعنى السّترة الّتي تمنع وتحجز النّائم عن السّقوط . ومعنى برئت منه الذّمّة : أي أزال عصمة نفسه ، وصار كالمهدر الّذي لا ذمّة له ، أي لا يجب له على أحدٍ شيء بسبب موته ، إذ أنّ الّذي نام كذلك ربّما انقلب من نومه فسقط فمات هدراً . ثمّ إنّه إن مات كذلك مات من غير تأهّبٍ ، ولا استعدادٍ للموت .

الأحكام المتعلّقة بالبيت :
أ - البيع :
5 - يجوز بيع البيت المملوك المعيّن والمحدود عند جمهور الفقهاء ويدخل تبعاً للأرض . وقال مالك : إنّ بيع البيت يتناول الأرض الّتي بها البيت ، وكذا بيع الأرض يتناول البناء ، ومحلّ تناول العقد على البناء للأرض ، وتناول العقد على الأرض ما فيها من بناءٍ - كان العقد بيعاً أو غيره - إن لم يكن شرط ، أو عرف بخلافه ، وإلاّ عمل بذلك الشّرط ، أو العرف . فإذا اشترط البائع إفراد البناء عن الأرض ، أو جرى العرف بإفراده عن الأرض في البيع وغيره ، فلا تدخل الأرض في العقد على البناء ، وكذلك لو اشترط البائع إفراد الأرض عن البناء ، أو جرى العرف بذلك ، فإنّ البناء لا يدخل في العقد على الأرض . والتّفصيل موطنه مصطلح ( بيع ) .

ب - خيار الرّؤية :
6 - يثبت خيار الرّؤية للمشتري في شرائه للبيت إن لم يعاين ولم تحصل رؤيته ، لأنّ البيت من الأعيان اللّازم تعيينها ، وهذا عند الحنفيّة وعلى قولٍ للشّافعيّة والحنابلة . قالوا : يصحّ بيع الغائب ، وهو ما لم يره المتعاقدان أو أحدهما ، ويثبت الخيار للمشتري عند الرّؤية ، وتعتبر في رؤية البيت رؤية السّقف والجدران والسّطح والحمّام والطّريق . وفي الأظهر للشّافعيّة ، والمقدّم عند الحنابلة : إن اشترى إنسان ما لم يره ، وما لم يوصف له ، لم يصحّ العقد . والتّفصيل موطنه مصطلح ( بيع - خيار الرّؤية ) .

ج - الشّفعة :
7 - يثبت حقّ طلب الشّفعة في البيت المبيع للشّريك فيه الّذي لم يقاسم تبعاً للأرض المبيعة ، وأمّا الجار فلا شفعة له ، لحديث جابرٍ رضي الله عنه قال : { قضى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالشّفعة في كلّ ما لم يقسّم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطّرق فلا شفعة } ولا شفعة في بناءٍ مفردٍ عن أرضٍ ، لأنّ من شروط الشّفعة أن يكون المبيع أرضاً ، لأنّها هي الّتي تبقى على الدّوام ، ويدوم ضررها ، والبناء يؤخذ تبعاً للأرض ، لحديث جابرٍ رضي الله عنه قال : { قضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالشّفعة في كلّ شركةٍ لم تقسّم ربعةٍ ، أو حائطٍ ... } ويدخل فيه البناء ، وهذا عند جمهور الفقهاء . وعند الحنفيّة : الشّفعة تكون للشّريك وللجار تبعاً للعقار المملوك ، وهذا إن تحقّقت شروط الشّفعة . والتّفصيل في مصطلح ( شفعة ) .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:06 AM

د - الإجارة :
8 - لمّا كان المقصود من عقد إجارة البيت هو بيع منفعته إلى أجلٍ معلومٍ ، اشترط في المنفعة ما يشترط في المعقود عليه في عقد البيع ، وهو أن لا يمنع من الانتفاع بها مانع شرعيّ ، بأن تكون محرّمةً كالخمر وآلات اللّهو ولحم الخنزير . فلا يجوز عند جمهور الفقهاء إجارة البيت لغرضٍ غير مشروعٍ ، كأن يتّخذه المستأجر مكاناً لشرب الخمر أو لعب القمار ، أو أن يتّخذه كنيسةً أو معبداً وثنيّاً . ويحرم حينئذٍ أخذ الأجرة كما يحرم إعطاؤها ، وذلك لما فيه من الإعانة على المعصية .

مراعاة حقّ الجار في مرافق البيت :
9 - جاءت السّنّة الشّريفة بالتّأكيد على حقّ الجار والأمر بمراعاته والحفاظ عليه ، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : { ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه } . وقوله صلى الله عليه وسلم : { واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن قيل : من يا رسول اللّه ؟ قال : الّذي لا يأمن جاره بوائقه } . والبوائق تعني : الغوائل والشّرور . ولذا لا يجوز أن يحدث مالك البيت فيه ما يضرّ بجاره . كأن يحفر كنيفاً إلى جنب حائط جاره ، أو يبني حمّاماً ، أو تنّوراً ، أو أن يعمل دكّان حدادةٍ أو نحوها من المهن الّتي يتأذّى منها جار البيت . أمّا في المرافق الّتي تكون بين البيتين ، كالجدار الفاصل بينهما ، فله حالتان : إمّا أن يختصّ بملكه أحدهما ، ويكون ساتراً للآخر فقط . فليس للآخر التّصرّف فيه بما يضرّ مطلقاً . فيحرم عليه وضع الأخشاب ، أو مدّ الجسور ، أو بناء العقود ، ونحوها من التّصرّفات الّتي تضرّ الجدار وتؤثّر في تحمّله ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وذلك لعموم القاعدة الفقهيّة : ( لا ضرر ولا ضرار ) ، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم : { لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلاّ بطيب نفسٍ منه } . أمّا إذا كان التّصرّف لا يضرّ الجدار ولا يضعفه ، فيجوز ، بل يندب لصاحبه الإذن لجاره باستعماله والتّصرّف فيه ، لما فيه من الإرفاق بالجار والتّوسعة عليه . والتّفصيل ينظر في مصطلح ( ارتفاق . جوار ) .

دخول البيوت :
10 - أجمع الفقهاء على أنّه لا يجوز دخول بيت الغير إلاّ بإذنٍ ، لأنّ اللّه تعالى حرّم على الخلق أن يطّلعوا على ما في بيوت الغير من خارجها ، أو يلجوها من غير إذن أربابها ، لئلاّ يطّلع أحد منهم على عورةٍ ، وذلك لغايةٍ هي : الاستئناس ، وهو : الاستئذان ، لأنّ اللّه تعالى خصّص البيوت لسكنى النّاس ، وملّكهم الاستمتاع بها على الانفراد ، قال تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلّكم تذكّرون } . واستثنى الفقهاء حالة الغزو ، فيجوز دخول البيت إذا كان ذلك البيت مشرفاً على العدوّ ، فللغزاة دخوله ليقاتلوا العدوّ فيه وكذا في حالة العلم ، أو الظّنّ الغالب بوجود فسادٍ فيه ، فيجوز للإمام أو نائبه الهجوم على بيت المفسدين ، وقد هجم عمر رضي الله عنه على نائحةٍ في منزلها ، وضربها بالدّرّة حتّى سقط خمارها ، فقيل له فيه ، فقال : لا حرمة لها . أي لاشتغالها بالمحرّم والتحقت بالإماء . وقد نفّذ عمر رضي الله عنه التّعزير لهتك حرمات البيت ، وذلك في رجلٍ وجد في بيت رجلٍ بعد العتمة ملفّفاً ، فضربه عمر مائة جلدةٍ . وكما يحرم الدّخول بلا استئذانٍ يحرم النّظر إلى داخل البيوت ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { لو أنّ امرأً اطّلع عليك بغير إذنٍ ، فحذفته بحصاةٍ ، فقأت عينه لم يكن عليك جناح }

إباحة دخول البيت :
11 - أباح اللّه عدم الاستئذان في كلّ بيتٍ لا يسكنه أحد ، فقال تعالى : { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونةٍ فيها متاع لكم واللّه يعلم ما تبدون وما تكتمون } ذلك لأنّ العلّة في الاستئذان إنّما هي لأجل خوف الاطّلاع على المحرّمات ، فإذا زالت العلّة زال الحكم . وللتّفصيل ينظر ( استئذان ) .

ولا يجوز للمرأة أن تأذن في بيتها إلاّ بإذن زوجها ، أو بغلبة ظنّها بأنّه يرضى بذلك لحاجةٍ مشروعةٍ لقوله صلى الله عليه وسلم : { لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلاّ بإذنه ، ولا تأذن في بيته إلاّ بإذنه } .

دعاء دخول المرء بيته ، ودعاء الخروج منه :
12 - من الآداب الّتي سنّها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الدّعاء عند دخول البيت وعند الخروج منه . من ذلك ما روته أمّ سلمة - رضي الله عنها - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال : { باسم اللّه ، وتوكّلت على اللّه اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضلّ ، أو أضلّ ، أو أزلّ أو أزلّ ، أو أظلم أو أظلم ، أو أجهل أو يجهل عليّ } . وجاء في دعاء دخول البيت ما رواه أبو مالكٍ الأشعريّ - رضي الله عنه - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { إذا ولج الرّجل بيته فليقل : اللّهمّ أنّي أسألك خير المولج ، وخير المخرج ، باسم اللّه ولجنا ، وباسم اللّه خرجنا ، وعلى اللّه ربّنا توكّلنا ، ثمّ ليسلّم على أهله } .

صلاة الرّجل والمرأة الفريضة في البيت :
13 - اتّفق الفقهاء على صحّة أداء صلاة الفريضة في البيت للرّجل والمرأة . وذهب الحنابلة إلى أنّ الرّجل يأثم إن صلّى الفريضة منفرداً في البيت ، مع صحّة صلاته ، بناءً على قولهم بوجوب صلاة الجماعة على الرّجال الأحرار القادرين عليها ، وذهب الشّافعيّة إلى أنّها فرض كفايةٍ ، وذهب المالكيّة والحنفيّة إلى أنّها سنّة مؤكّدة ، مع اتّفاق فقهاء المذاهب على أنّ الجماعة ليست شرطاً في صحّة الصّلاة ، إلاّ على قول ابن عقيلٍ من الحنابلة . واتّفق الفقهاء على أنّ صلاة الرّجل في المسجد جماعةً أفضل من صلاته منفرداً في البيت ، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسٍ وعشرين درجةً } وفي روايةٍ : { بسبعٍ وعشرين درجةً } . أمّا في حقّ النّساء فإنّ صلاتهنّ في البيت أفضل ، لحديث أمّ سلمة مرفوعاً : { خير مساجد النّساء قعر بيوتهنّ } ولحديث عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها } وعن { أمّ حميدٍ السّاعديّة أنّها جاءت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه إنّي أحبّ الصّلاة معك ، فقال صلى الله عليه وسلم : قد علمت . وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك ، وصلاة في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجد الجماعة } . قال النّوويّ : يستحبّ للزّوج أن يأذن لزوجته في شهود الجماعة في المسجد ، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه ، ولكن ليخرجن وهنّ تفلات } . أي تاركات للطّيب . ولحديث ابن عمر مرفوعاً { إذا استأذنكم نساؤكم باللّيل إلى المسجد فأذنوا لهنّ } . غير أنّه يكره للمرأة حضور جماعة المسجد إذا ترتّب على خروجها من البيت وحضورها الجماعة فتنة ، وللزّوج منعها من ذلك ، ولا يأثم . وحمل النّهي في الحديث على نهي التّنزيه ، لأنّ حقّ الزّوج في ملازمة البيت واجب ، فلا تتركه للفضيلة .

صلاة النّافلة في البيت :
14 - من السّنّة أن تصلّى النّوافل في البيت . فقد روى زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { صلّوا أيّها النّاس في بيوتكم ، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته ، إلاّ المكتوبة } . ووجه أفضليّتها : أنّ الصّلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص ، وأبعد من الرّياء ، لما فيه من الإسرار بالعمل الصّالح ، وهو أفضل من الإعلان به . وقد جاء تعليل أداء النّافلة في البيت في قوله صلى الله عليه وسلم : { اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ، ولا تتّخذوها قبوراً } فالبيت الّذي لا يذكر اللّه فيه ، ولا تقام فيه الصّلاة ، يكون كالقبر الخرب . بل من الخير أن يجعل المرء نصيباً من صلاته في بيته ، حتّى يعمّره بالذّكر والتّقرّب إلى اللّه سبحانه وتعالى . وجاء في حديث جابرٍ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { إذا قضى أحدكم الصّلاة في مسجده ، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته ، فإنّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً } .

الاعتكاف في البيت :
15 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز للرّجل أن يعتكف في مسجد بيته ، وهو المكان المعزول المهيّأ المتّخذ للصّلاة في البيت . وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها كذلك . مستدلّين بالأثر عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما : { سئل عن امرأةٍ جعلت عليها - أي نذرت - أن تعتكف في مسجد بيتها ، فقال : بدعة ، وأبغض الأعمال إلى اللّه البدع ، فلا اعتكاف إلاّ في مسجدٍ تقام فيه الصّلاة } ولأنّ مسجد البيت ليس بمسجدٍ حقيقةً ولا حكماً . ولو جاز لفعلته أمّهات المؤمنين ولو مرّةً ، تبييناً للجواز . وذهب الحنفيّة إلى جواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ، لأنّ موضع الاعتكاف في حقّها هو الموضع الّذي تكون صلاتها فيه أفضل ، كما في حقّ الرّجل ، وصلاتها في مسجد بيتها أفضل ، فكان موضع الاعتكاف مسجد بيتها . كما ذهبوا إلى أنّه لا يجوز لها أن تخرج من معتكفها في البيت إلى نفس البيت . كما في رواية الحسن .

حكم الحلف على سكنى البيت :
16 - لو حلف لا يسكن بيتاً ، ولا نيّة له ، فسكن بيتاً من شعرٍ أو فسطاطاً أو خيمةً ، لم يحنث إن كان من أهل الأمصار ، وحنث إن كان من أهل البادية ، لأنّ البيت اسم لموضعٍ يبات فيه ، واليمين تتقيّد بما عرف من مقصود الحالف ، وأهل البادية يسكنون البيوت المتّخذة من الشّعر ، فإذا كان الحالف بدويّاً يحنث ، بخلاف ما إذا كان من أهل الأمصار .

البيت الحرام 1 - يطلق البيت الحرام على الكعبة ، وسمّى اللّه الكعبة البيت الحرام ، في مثل قوله تعالى : { جعل اللّه الكعبة البيت الحرام قياماً للنّاس } ويقال للكعبة أيضاً : بيت اللّه ، إعظاماً لها وتشريفاً ، كما في قوله تعالى : { وطهّر بيتي للطّائفين والقائمين والرّكّع السّجود } ويطلق على : المسجد الحرام ، وعلى حرم مكّة وما حولها إلى الأعلام المعروفة .
2 - والبيت الحرام أوّل مسجدٍ وضع للعبادة في الأرض ، لقوله تعالى : { إنّ أوّل بيتٍ وضع للنّاس للّذي ببكّة مباركاً وهدًى للعالمين } وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال : { سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن أوّل مسجدٍ وضع في الأرض قال : المسجد الحرام } ولمعرفة أحكام كلٍّ من الكعبة والمسجد الحرام ر : ( الكعبة . المسجد الحرام ) .

بيت الخلاء . انظر : قضاء الحاجة .

بيت الزّوجيّة
التّعريف
1 - البيت لغةً : المسكن ، وبيت الرّجل داره . وبيت الزّوجيّة : محلّ منفرد معيّن مختصّ بالزّوجة ، لا يشاركها أحد في سكناه من أهل الزّوج المميّزين ، وله غلق يخصّه ومرافق سواء كانت في البيت أو في الدّار ، على ألا يشاركها فيها أحد إلاّ برضاها . وهذا في غير الفقراء الّذين يشتركون في بعض المرافق . ما يراعى في بيت الزّوجيّة :
2 - يرى الحنفيّة - على المفتى به - عندهم ، والحنابلة ، وهو رواية عند الشّافعيّة أنّ بيت الزّوجيّة يكون بقدر حال الزّوجين في اليسار والإعسار ، فليس مسكن الأغنياء كمسكن الفقراء ، لقوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف } فقوله بالمعروف يقتضي مراعاة حال الزّوجين ، ولأنّ بيت الزّوجيّة - في الأصل - بيت دوامٍ واستقرارٍ ، فجرى مجرى النّفقة والكسوة ، ويراعي الحاكم حالهما عند التّنازع . ويرى المالكيّة : أنّ " محلّ الطّاعة " يكون حسب العادة الجارية بين أهل بلد الزّوجين بقدر وسع الرّجل وحال المرأة . فإن تساويا فقراً أو غنًى اعتبر حالهما ، وإن كان فقيراً لا قدرة له إلاّ على أدنى الكفاية ، فالعبرة بوسعه فقط . وإن كان غنيّاً ذا قدرٍ ، وهي فقيرة ، أجيبت لحالةٍ أعلى من حالها ودون حاله . وإن كانت غنيّةً ذات قدرٍ ، وهو فقير ، إلاّ أنّ له قدرةً على أرفع من حاله ، ولا قدرة له على حالها رفعها بالقضاء إلى الحالة الّتي يقدر عليها . ويرى الشّافعيّة على المعتمد عندهم : أنّ بيت الزّوجيّة يكون بما يليق بحال المرأة عادةً ، إذ هو إمتاع ، سواء كان داراً أو حجرةً أو غيرهما . وظاهر الرّواية عند الحنفيّة : اعتبار حال الزّوج فقط ، لقوله تعالى : { أسكنوهنّ من حيث سكنتم من وجدكم } وهو خطاب للأزواج ، وبه قال جمع كثير منهم ، ونصّ عليه محمّد . وكذا في قولٍ ثالثٍ للشّافعيّة : أنّ مسكن الطّاعة يكون على قدر يسار الزّوج وإعساره وتوسّطه كالنّفقة .

شروط بيت الزّوجيّة :
3 - يرى الفقهاء أنّ بيت الزّوجيّة يراعى فيه ما يأتي :
أ - أن يكون خالياً عن أهل الزّوج ، سوى طفله غير المميّز ، لأنّ المرأة تتضرّر بمشاركة غيرها في بيت الزّوجيّة الخاصّ بها ، ولا تأمن على متاعها ، ويمنعها ذلك من معاشرة زوجها ، وهذا بالنّسبة إلى بيت الزّوجيّة متّفق عليه بين الفقهاء . أمّا سكنى أقارب الزّوج أو زوجاته الأخريات في الدّار الّتي فيها بيت الزّوجيّة ، إذا لم ترض بسكناهم معها فيها ، فقد قال الحنفيّة : إنّه إذا كان لها بيت منفرد في الدّار له غلق ومرافق خاصّة كفاها ، ومقتضاه أنّه ليس لها الاعتراض حينئذٍ على سكنى أقاربه في بقيّة الدّار ، إن لم يكن أحد منهم يؤذيها . وقالوا أيضاً : له أن يسكن ضرّتها حينئذٍ في الدّار ما لم تكن المرافق مشتركةً ، لأنّ هذا سبب للتّخاصم . ومثله في الجملة مذهب الشّافعيّة . وفي قولٍ عند بعض الحنفيّة ارتضاه ابن عابدين : أنّه يفرّق بين الشّريفة والوضيعة ، ففي الشّريفة ذات اليسار لا بدّ من إفرادها في دارٍ ، ومتوسّطة الحال يكفيها بيت واحد من دارٍ . وبنحو هذا قال المالكيّة على تفصيلٍ ذكروه ، كما نصّ عليه صاحب الشّرح الكبير ، قال : للزّوجة الامتناع من أن تسكن مع أقارب الزّوج كأبويه في دارٍ واحدةٍ ، لما فيه من الضّرر عليها باطّلاعهم على حالها ، إلاّ الوضيعة فليس لها الامتناع من السّكنى معهم ، وكذا الشّريفة إن اشترطوا عليها سكناها معهم . ومحلّ ذلك فيما لم يطّلعوا على عوراتها . ونصّ المالكيّة أيضاً على أنّ له أن يسكن معها ولده الصّغير من غيرها ، إن كانت عالمةً به وقت البناء ، أو لم يكن له حاضن غير أبيه ، وإن لم تعلم به وقت البناء . وقال الحنابلة : إن أسكن زوجتيه في دارٍ واحدةٍ ، كلّ واحدةٍ منهما في بيتٍ ، جاز إذا كان بيت كلّ واحدةٍ منهما كمسكن مثلها ، وهذا يقتضي أنّه إذا كان مسكن مثلها داراً مستقلّةً فيلزم الزّوج ذلك . أمّا خادم الزّوج أو الزّوجة : سواء من جهتها أو من جهة الزّوج ، فيجوز سكناه في الدّار ، لأنّ نفقته واجبة على الزّوج ، ولا يكون الخادم إلاّ ممّن يجوز نظره إلى الزّوجة كالمرأة الحرّة .
ب - أن يكون خالياً من سكنى ضرّتها ، لما بينهما من الغيرة ، واجتماعهما يثير الخصومة والمشاجرة ، إلاّ إن رضيتا بسكناهما معاً ، لأنّ الحقّ لهما ، ولهما الرّجوع بعدئذٍ .
ج - أن يكون بين جيرانٍ صالحين ، وهم من تقبل شهادتهم ، وذلك لتأمن فيه على نفسها ومالها ، ومفاده أنّ البيت بلا جيرانٍ ليس مسكناً شرعيّاً ، إن كانت لا تأمن فيه على نفسها ومالها .
د - أن يكون مشتملاً على جميع ما يلزم لمعيشة أمثالهما عادةً على ما تقدّم ، وعلى جميع ما يحتاج إليه من المرافق اللّازمة .

سكنى الطّفل الرّضيع في بيت الزّوجيّة :
4 - اتّفق الفقهاء على أنّ المرأة إذا تعيّن عليها إرضاع طفلها ، أو كانت آجرت نفسها للإرضاع ، وهي غير متزوّجةٍ ، ثمّ تزوّجت ، فليس للزّوج فسخ عقد الإرضاع ، وكذلك ليس له الفسخ إذا أذن لها ، وفي هاتين الحالتين لها أن تسكن الرّضيع معها في بيت الزّوجيّة .

ما يجيز للزّوجة الخروج من بيت الزّوجيّة : الأصل أنّه ليس للمرأة الخروج من بيت الزّوجيّة إلاّ بإذن زوجها ، إلاّ في حالاتٍ خاصّةٍ . وقد اختلف الفقهاء في تلك الحالات ، وأهمّها :
أ - زيارة أهلها :
5 - الرّاجح عند الحنفيّة : إنّه يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة لزيارة أبويها كلّ أسبوعٍ ، أو زيارة المحارم كلّ سنةٍ ، وإن لم يأذن زوجها . ولها الخروج لعيادة والديها وحضور جنازتهما أو أحدهما . وعن أبي يوسف : تقييد خروج المرأة من بيت الزّوجيّة لزيارة أبويها كلّ جمعةٍ بأن لا يقدرا على زيارتها ، فإن قدرا لا تذهب . وأجاز المالكيّة : للمرأة الخروج من بيت الزّوجيّة لزيارة والديها ، ويقضى لها بزيارتهما مرّةً كلّ أسبوعٍ ، إن كانت مأمونةً ولو شابّةً ، وحالها محمول على الأمانة حتّى يظهر خلافها . وإن حلف : أن لا تزور والديها يحنث في يمينه ، بأن يحكم لها القاضي بالخروج للزّيارة ، فإذا خرجت بالفعل حنث ، وهذا على فرض أنّ والديها بالبلد ، لا إن بعدا عنها فلا يقضى لها ، وليس لها أن تخرج لزيارتهما إن حلف باللّه أنّها لا تخرج ، وأطلق - بحيث لم يخصّ منعها من الزّيارة بل منعها من الخروج أصلاً - لفظاً ونيّةً ، ولا يقضى عليه بخروجها ولو لزيارة والديها إذا طلبتها ، لأنّه في حال التّخصيص يظهر منه قصد ضررها ، فلذا حنث ، بخلاف حال التّعميم فإنّه لم يظهر منه قصد الضّرر ، فلذا لا يقضى عليه بخروجها ولا يحنث . وإن لم تكن مأمونةً ، لم تخرج ولو متجالّةً ، أو مع أمينةٍ ، لتطرّق فسادها بالخروج . وجوّز الشّافعيّة خروج المرأة لزيارة أهلها ولو محارم - على المعتمد عندهم - حيث لا ريبة ، وكذا عيادتهم ، وتشييع جنازتهم ، ولو في غيبة الزّوج من غير إذنٍ ، أو منع قبل غيبته ، فلو منعها قبل غيبةٍ فليس لها الخروج ، والمراد خروج لغير سفرٍ وغيبةٍ عن البلد . وأجاز الحنابلة للمرأة الخروج لزيارة والديها بإذن زوجها ، وليس لها الخروج بلا إذنه ، لأنّ حقّ الزّوج واجب فلا يجوز تركه بما ليس بواجبٍ مهما كان سبب الزّيارة ، ولا تخرج بغير إذنه إلاّ لضرورةٍ ، ولا يملك الزّوج منعها من زيارتهما إلاّ مع ظنّ حصول ضررٍ يعرف بقرائن الأحوال بسبب زيارتهما لها ، فله منعهما حينئذٍ من زيارتها دفعاً للضّرر .

ب - سفر المرأة والمبيت خارج بيت الزّوجيّة :
6 - يرى الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة جواز خروج المرأة من بيت الزّوجيّة لأداء الحجّة المفروضة ، ولا يجوز للزّوج منعها لأنّ الحجّ فرض بأصل الشّرع ، ولا يملك تحليلها إذا أحرمت بإذنه بحجٍّ غير مفروضٍ ، لوجوب إتمامه بشروعها فيه . ويرى الشّافعيّة جواز خروج المرأة للحجّ بإذن الزّوج ، إذ ليس للمرأة الحجّ إلاّ بإذن الزّوج للفرض وغيره .

ج - الاعتكاف :
7 - يرى الفقهاء جواز خروج المرأة من بيت الزّوجيّة بإذن زوجها للاعتكاف في المسجد مطلقاً ، والمكث فيه مدّته .

د - رعاية المحارم :
8 - ذهب جمهور الفقهاء - خلافاً للحنابلة - إلى أنّ للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة لرعاية محارمها ، كأبويها وإخوتها ، وذلك لتمريض المريض أو عيادته ، إذا لم يوجد من يقوم عليه واحتاجها ، وعليها تعاهده بقدر احتياجه ، وكذا إذا مات أحد من أقاربها تخرج لشهود جنازته ، ويستحبّ لزوجها إذنها بالخروج ، لما في ذلك من صلة الرّحم ، وفي منعها من ذلك قطيعة رحمٍ ، وربّما حملها عدم إذنه على مخالفته ، وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى بالمعاشرة بالمعروف ، فلا ينبغي للزّوج منعها . ولم يصرّح الحنابلة بحكم هذه الصّور .

هـ - الخروج لقضاء الحوائج :
9 - يرى جمهور الفقهاء أنّه يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة بلا إذن الزّوج إن كانت لها نازلة ، ولم يغنها الزّوج الثّقة أو نحو محرمها ، وكذا لقضاء بعض حوائجها الّتي لا بدّ لها منها ، كإتيانها بالماء من الدّار ، أو من خارجها ، وكذا مأكل ، ونحو ذلك ممّا لا غناء عنه للضّرورة إن لم يقم الزّوج بقضائه لها ، وكذا إن ضربها ضرباً مبرّحاً ، أو كانت تحتاج إلى الخروج لقاضٍ تطلب عنده حقّها . وصرّح الحنفيّة بأنّ للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة إن كان البيت مغصوباً ، لأنّ السّكنى في المغصوب حرام ، والامتناع عن الحرام واجب ، ولا تسقط نفقتها . وكذا لو أبت الذّهاب إليه . وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة للعمل إن أجاز لها زوجها ذلك ، لأنّ الحقّ لهما لا يخرج عنهما ، ولها الخروج للإرضاع إن كانت آجرت نفسها له قبل عقد النّكاح ثمّ تزوّجت ، لصحّة الإجارة ، ولا يملك الزّوج فسخها ، ولا منعها من الرّضاع حتّى تنقضي المدّة ، لأنّ منافعها ملكت بعقدٍ سابقٍ على نكاح الزّوج مع علمه بذلك . وصرّح الشّافعيّة بأنّ للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة إن كانت تخاف على نفسها أو مالها من فاسقٍ أو سارقٍ ، أو أخرجها معير المنزل ، كما صرّح الشّافعيّة بأنّ لها الخروج والسّفر بإذن الزّوج مطلقاً مع محرمٍ . وصرّح الحنفيّة والشّافعيّة أنّه يجوز للمرأة الخروج من بيت الزّوجيّة ولو بغير إذن الزّوج ، إن كانت في منزلٍ أضحى كلّه أو بعضه يشرف على الانهدام ، مع وجود قرينةٍ على ذلك . ولها الخروج إلى مجلس العلم برضا الزّوج ، وليس لها ذلك بغير رضاه .

ما يترتّب على رفض الزّوجة الإقامة في بيت الزّوجيّة :
10 - يرى الفقهاء أنّ المرأة إذا امتنعت عن الإقامة في بيت الزّوجيّة بغير حقٍّ ، سواء أكان بعد خروجها منه ، أم امتنعت عن أن تجيء إليه ابتداءً بعد إيفائها معجّل مهرها ، وطلب زوجها الإقامة فيه ، فلا نفقة لها ولا سكنى حتّى تعود إليه ، لأنّها بالامتناع قد فوّتت حقّ الزّوج في الاحتباس الموجب للنّفقة ، فتكون ناشزاً .

بيت المال
التّعريف
1 - بيت المال لغةً : هو المكان المعدّ لحفظ المال ، خاصّاً كان أو عامّاً . وأمّا في الاصطلاح : فقد استعمل لفظ " بيت مال المسلمين ، أو " بيت مال اللّه " في صدر الإسلام للدّلالة على المبنى والمكان الّذي تحفظ فيه الأموال العامّة للدّولة الإسلاميّة من المنقولات ، كالفيء وخمس الغنائم ونحوها ، إلى أن تصرف في وجوهها . ثمّ اكتفي بكلمة " بيت المال " للدّلالة على ذلك ، حتّى أصبح عند الإطلاق ينصرف إليه . وتطوّر لفظ " بيت المال " في العصور الإسلاميّة اللّاحقة إلى أن أصبح يطلق على الجهة الّتي تملك المال العامّ للمسلمين ، من النّقود والعروض والأراضي الإسلاميّة وغيرها . والمال العامّ هنا : هو كلّ مالٍ ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين ، ولم يتعيّن مالكه ، بل هو لهم جميعاً . قال القاضي الماورديّ والقاضي أبو يعلى : كلّ مالٍ استحقّه المسلمون ، ولم يتعيّن مالكه منهم ، فهو من حقوق بيت المال . ثمّ قال : وبيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان . أمّا خزائن الأموال الخاصّة للخليفة أو غيره فكانت تسمّى " بيت مال الخاصّة » .
2 - وينبغي عدم الخلط بين ( ديوان بيت المال ) ( وبيت المال ) فإنّ ديوان بيت المال هو الإدارة الخاصّة بتسجيل الدّخل والخرج والأموال العامّة . وهو عند الماورديّ وأبي يعلى : أحد دواوين الدّولة ، فقد كانت في عهدهما أربعة دواوين : ديوان يختصّ بالجيش . وديوان يختصّ بالأعمال ، وديوان يختصّ بالعمّال ، وديوان يختصّ ببيت المال . وليس للدّيوان سلطة التّصرّف في أموال بيت المال ، وإنّما عمله قاصر على التّسجيل فقط . والدّيوان في الأصل بمعنى ( السّجلّ ) أو ( الدّفتر ) وكان في أوّل الإسلام عبارةً عن الدّفتر الّذي تثبت فيه أسماء المرتزقة ( من لهم رزق في بيت المال ) ثمّ تنوّع بعد ذلك ، كما سبق . ومن واجبات كاتب الدّيوان أن يحفظ قوانين بيت المال على الرّسوم العادلة ، من غير زيادةٍ تتحيّف بها الرّعيّة ، أو نقصانٍ ينثلم به حقّ بيت المال . وعليه فيما يختصّ ببيت المال أن يحفظ قوانينه ورسومه ، وقد حصر القاضيان الماورديّ وأبو يعلى أعماله في ستّة أمورٍ ، نذكرها باختصارٍ :
أ - تحديد العمل بما يتميّز به عن غيره ، وتفصيل نواحيه الّتي تختلف أحكامها .
ب - أن يذكر حال البلد ، هل فتحت عنوةً أو صلحاً ، وما استقرّ عليه حكم أرضها من عشرٍ أو خراجٍ بالتّفصيل .
ج - أن يذكر أحكام خراج البلد وما استقرّ على أراضيه ، هل هو خراج مقاسمةٍ ، أم خراج وظيفةٍ ( دراهم معلومة موظّفة على الأرض ) .
د - أن يذكر ما في كلّ ناحيةٍ من أهل الذّمّة ، وما استقرّ عليهم في عقد الجزية .
هـ - إن كان البلد من بلدان المعادن ، يذكر أجناس معادنه ، وعدد كلّ جنسٍ ، ليعلم ما يؤخذ ممّا ينال منه .
و - إن كان البلد يتاخم دار الحرب ، وكانت أموالهم إذا دخلت دار الإسلام تعشّر عن صلحٍ استقرّ معهم ، أثبت في الدّيوان عقد صلحهم وقدر المأخوذ منهم . نشأة بيت المال في الإسلام :
3 - تشير بعض المصادر إلى أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان أوّل من اتّخذ بيت المال . نقل ذلك ابن الأثير . غير أنّ كثيراً من المصادر تذكر أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كان قد اتّخذ بيت مالٍ للمسلمين . ففي الاستيعاب لابن عبد البرّ وتهذيب التّهذيب لابن حجرٍ في ترجمة معيقيبٍ بن أبي فاطمة : استعمله أبو بكرٍ وعمر على بيت المال . بل ذكر ابن الأثير في موضعٍ آخر : أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كان له بيت مالٍ بالسّنح ( من ضواحي المدينة ) وكان يسكنه إلى أن انتقل إلى المدينة . فقيل له : ألا نجعل عليه من يحرسه ؟ قال : لا . فكان ينفق ما فيه على المسلمين ، فلا يبقى فيه شيء ، فلمّا انتقل إلى المدينة جعل بيت المال في داره . ولمّا توفّي أبو بكرٍ جمع عمر الأمناء ، وفتح بيت المال ، فلم يجدوا فيه غير دينارٍ سقط من غرارةٍ ، فترحموا عليه . وقال : وأمر أبو بكرٍ أن يردّ جميع ما أخذ من بيت المال لنفقته بعد وفاته . وفي كتاب الخراج لأبي يوسف أنّ خالد بن الوليد - في عهده لأهل الحيرة زمن أبي بكرٍ رضي الله عنه - كتب لهم : وجعلت لهم أيّما شيخٍ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة ، أو كان غنيّاً فافتقر وصار أهل دينه يتصدّقون عليه ، طرحت جزيته ، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام ... وشرطت عليهم جباية ما صالحتهم عليه ، حتّى يؤدّوه إلى بيت مال المسلمين عمّا لهم منهم .
4 - أمّا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلا تذكر السّنّة وغيرها من المراجع - فيما اطّلعنا عليه - استعمال هذه التّسمية " بيت المال " في عهده صلى الله عليه وسلم . ولكن يظهر من كثيرٍ من الأحاديث الواردة أنّ بعض وظائف بيت المال كانت قائمةً ، فإنّ الأموال العامّة من الفيء ، وأخماس الغنائم ، وأموال الصّدقات ، وما يهيّأ للجيش من السّلاح والعتاد ونحو ذلك ، كلّ ذلك كان يضبطه الكتّاب وكان يخزّن إلى أن يحين موعد إخراجه . أمّا فيما بعد عهد عمر رضي الله عنه فقد استمرّ بيت المال يؤدّي دوره طيلة العهود الإسلاميّة إلى أن جاءت النّظم المعاصرة ، فاقتصر دوره في الوقت الحاضر - في بعض البلاد الإسلاميّة - على حفظ الأموال الضّائعة ومال من لا وارث له ، وقام بدوره في غير ذلك وزارات الماليّة والخزانة .

سلطة التّصرّف في أموال بيت المال :
5 - سلطة التّصرّف في بيت مال المسلمين للخليفة وحده أو من ينيبه . وذلك لأنّ الإمام نائب عن المسلمين فيما لم يتعيّن المتصرّف فيه منهم . وكلّ من يتصرّف في شيءٍ من حقوق بيت المال فلا بدّ أن يستمدّ سلطته في ذلك من سلطة الإمام . ويجب - وهو ما جرت عليه العادة - أن يولّي الخليفة على بيت المال رجلاً من أهل الأمانة والقدرة . وكان المتصرّف في بيت المال بإنابة الخليفة يسمّى " صاحب بيت المال " وإنّما يتصرّف فيه طبقاً لما يحدّده الخليفة من طرق الصّرف . وكون الحقّ في التّصرّف في أموال بيت المال للخليفة ليس معناه أن يتصرّف فيها طبقاً لما يشتهي ، كما يتصرّف في ماله الخاصّ ، فإن كان يفعل ذلك قيل : إنّ بيت المال قد فسد ، أو أصبح غير منتظمٍ ، ويستتبع ذلك أحكاماً خاصّةً يأتي بيانها ، بل ينبغي أن يكون تصرّفه في تلك الأموال كتصرّف وليّ اليتيم في مال اليتيم ، كما قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : إنّي أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة وليّ اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف ، فإذا أيسرت قضيت . ويعني ذلك أن يتصرّف في المال بالّذي يرى أنّه خير للمسلمين وأصلح لأمرهم ، دون التّصرّف بالتّشهّي والهوى والأثرة . وبيّن القاضي أبو يعلى أنّ ما يلزم الإمام من أمور الأمّة عشرة أشياء ، منها : جباية الفيء والصّدقات على ما أوجبه الشّرع . ومنها تقدير العطاء وما يستحقّ في بيت المال من غير سرفٍ ولا تقصيرٍ ، ودفعه في وقتٍ لا تقديم فيه ولا تأخير . وله أن يعطي الجوائز من بيت المال لمن كان فيه نفع ظاهر للمسلمين ، وقوّة على العدوّ ، ونحو ذلك ممّا فيه المصلحة . وقد كانت العادة في صدر الدّولة الإسلاميّة أنّ العامل ( أي الوالي ) على بلدٍ أو إقليمٍ ، ينوب عن الإمام بتفويضٍ منه في الجباية لبيت المال والإنفاق منه ، وكان المفترض فيه أن يتصرّف على الوجه الشّرعيّ المعتبر . ولم يكن ذلك للقضاة . وربّما كان صاحب بيت المال في بعض الأمصار يتّبع الخليفة مباشرةً ، مستقلّاً عن عامل المصر .

موارد بيت المال :
6 - موارد بيت المال الأصناف التّالية ، وأمّا صفة اليد على كلٍّ منها فإنّها مختلفة ، كما سنبيّنه فيما بعد .
أ - الزّكاة بأنواعها ، الّتي يأخذها الإمام سواء أكانت زكاة أموالٍ ظاهرةٍ أم باطنةٍ ، من السّوائم والزّروع والنّقود والعروض ، ومنها عشور تجّار المسلمين إذا مرّوا بتجارتهم على العاشر . ب - خمس الغنائم المنقولة . والغنيمة هي كلّ مالٍ أخذ من الكفّار بالقتال ، ما عدا الأراضي والعقارات ، فيورّد خمسها لبيت المال ، ليصرف في مصارفه . قال اللّه تعالى : { واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ فأنّ للّه خمسه وللرّسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل ... } الآية .
ج - خمس الخارج من الأرض من المعادن من الذّهب والفضّة والحديد وغيرها ، وقيل : مثلها المستخرج من البحر من لؤلؤٍ وعنبرٍ وسواهما .
د - خمس الرّكاز ( الكنوز ) وهو كلّ مالٍ دفن في الأرض بفعل الإنسان ، والمراد هنا كنوز أهل الجاهليّة والكفر إذا وجده مسلم ، فخمسه لبيت المال ، وباقيه بعد الخمس لواجده .
هـ - الفيء : وهو كلّ مالٍ منقولٍ أخذ من الكفّار بغير قتالٍ ، وبلا إيجاف خيلٍ ولا ركابٍ . والفيء أنواع : ( 1 ) ما جلا عنه الكفّار خوفاً من المسلمين من الأراضي والعقارات ، وهي توقف كالأراضي المغنومة بالقتال ، وتقسّم غلّاتها كلّ سنةٍ ، نصّ عليه الشّافعيّة . وفي ذلك خلاف ( انظر : فيء ) . ( 2 ) ما تركوه وجلوا عنه من المنقولات . وهو يقسّم في الحال ولا يوقف . ( 3 ) ما أخذ من الكفّار من خراجٍ أو أجرةٍ عن الأراضي الّتي ملكها المسلمون ، ودفعت بالإجارة لمسلمٍ أو ذمّيٍّ ، أو عن الأراضي الّتي أقرّت بأيدي أصحابها من أهل الذّمّة صلحاً أو عنوةً على أنّها لهم ، ولنا عليها الخراج . ( 4 ) الجزية وهي : ما يضرب على رقاب الكفّار لإقامتهم في بلاد المسلمين . فيفرض على كلّ رأسٍ من الرّجال البالغين القادرين مبلغ من المال ، أو يضرب على البلد كلّها أن تؤدّي مبلغاً معلوماً . ولو أدّاها من لا تجب عليه كانت هبةً لا جزيةً . ( 5 ) عشور أهل الذّمّة ، وهي : ضريبة تؤخذ منهم عن أموالهم الّتي يتردّدون بها متاجرين إلى دار الحرب ، أو يدخلون بها من دار الحرب إلى دار الإسلام ، أو ينتقلون بها من بلدٍ في دار الإسلام إلى بلدٍ آخر ، تؤخذ منهم في السّنة مرّةً ، ما لم يخرجوا من دار الإسلام ، ثمّ يعودوا إليها . ومثلها عشور أهل الحرب من التّجّار كذلك ، إذا دخلوا بتجارتهم إلينا مستأمنين . ( 6 ) ما صولح عليه الحربيّون من مالٍ يؤدّونه إلى المسلمين . ( 7 ) مال المرتدّ إن قتل أو مات ، ومال الزّنديق إن قتل أو مات ، فلا يورث مالهما بل هو فيء ، وعند الحنفيّة في مال المرتدّ تفصيل . ( 8 ) مال الذّمّيّ إن مات ولا وارث له ، وما فضل من ماله عن وارثه فهو فيء كذلك . ( 9 ) الأراضي المغنومة بالقتال ، وهي الأراضي الزّراعيّة عند من يرى عدم تقسيمها بين الغانمين .
و - غلّات أراضي بيت المال وأملاكه ونتاج المتاجرة والمعاملة .
ز - الهبات والتّبرّعات والوصايا الّتي تقدّم لبيت المال للجهاد أو غيره من المصالح العامّة . ح - الهدايا الّتي تقدّم إلى القضاة ممّن لم يكن يهدى لهم قبل الولاية ، أو كان يهدى لهم لكن له عند القاضي خصومة ، فإنّها إن لم تردّ إلى مهديها تردّ إلى بيت المال . لأنّ { النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخذ من ابن اللّتبيّة ما أهدي إليه } . وكذلك الهدايا الّتي تقدّم إلى الإمام من أهل الحرب ، والهدايا الّتي تقدّم إلى عمّال الدّولة ، وهذا إن لم يعط الآخذ مقابلها من ماله الخاصّ . ط - الضّرائب الموظّفة على الرّعيّة لمصلحتهم ، سواء أكان ذلك للجهاد أم لغيره ، ولا تضرب عليهم إلاّ إذا لم يكن في بيت المال ما يكفي لذلك ، وكان لضرورةٍ ، وإلاّ كانت مورداً غير شرعيٍّ . ي - الأموال الضّائعة ، وهي مال وجد ولم يمكن معرفة صاحبه ، من لقطةٍ أو وديعةٍ أو رهنٍ ، ومنه ما يوجد مع اللّصوص ونحوهم ممّا لا طالب له ، فيورّد إلى بيت المال . ك - مواريث من مات من المسلمين بلا وارثٍ ، أو له وارث لا يرث كلّ المال - عند من لا يرى الرّدّ - ومن قتل وكان بلا وارثٍ فإنّ ديته تورّد إلى بيت المال ، ويصرف هذا في مصارف الفيء . وحقّ بيت المال في هذا النّوع هو على سبيل الميراث عند الشّافعيّة والمالكيّة أي على سبيل العصوبة . وقال الحنابلة والحنفيّة : يردّ إلى بيت المال فيئاً لا إرثاً ( ر : إرث ) . ل - الغرامات والمصادرات : وقد ورد في السّنّة تغريم مانع الزّكاة بأخذ شطر ماله ، وبهذا يقول إسحاق بن راهويه وأبو بكرٍ عبد العزيز ، وورد تغريم من أخذ من الثّمر المعلّق وخرج به ضعف قيمته ، وبهذا يقول الحنابلة وإسحاق بن راهويه : والظّاهر أنّ مثل هذه الغرامات إذا أخذت تنفق في المصالح العامّة ، فتكون بذلك من حقوق بيت المال . وورد أنّ عمر رضي الله عنه صادر شطر أموال بعض الولاة ، لمّا ظهر عليهم الإثراء بسبب أعمالهم ، فيرجع مثل ذلك إلى بيت المال أيضاً .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:08 AM

أقسام بيت المال ومصارف كلّ قسمٍ :
7 - الأموال الّتي تدخل بيت المال متنوّعة المصارف ، وكثير من أصنافها لا يجوز صرفه في الوجوه الّتي تصرف فيها الأصناف الأخرى . ومن أجل ذلك احتيج إلى فصل أموال بيت المال بحسب مصارفها ، لأجل سهولة التّصرّف فيها ، وقد نصّ أبو يوسف على فصل الزّكاة عن الخراج في بيت المال ، فقال : مال الصّدقة والعشور لا ينبغي أن يجمع إلى مال الخراج ، لأنّ الخراج فيء لجميع المسلمين ، والصّدقات لمن سمّى اللّه في كتابه . وقد نصّ الحنفيّة على أنّه يجب على الإمام توزيع موجودات بيت المال على أربعة بيوتٍ ، ولا تأبى قواعد المذاهب الأخرى التّقسيم من حيث الجملة . وقد قال الحنفيّة : للإمام أن يستقرض من أحد البيوت الأربعة ليصرفه في مصارف البيوت الأخرى ، ويجب ردّه إلى البيت المستقرض منه ، ما لم يكن ما صرفه إليه يجوز صرفه من هذا البيت الآخر . والبيوت الأربعة هي : البيت الأوّل : بيت الزّكاة :
8 - من حقوقه : زكاة السّوائم ، وعشور الأراضي الزّكويّة ، والعشور الّتي تؤخذ من التّجّار المسلمين إذا مرّوا على العاشر ، وزكاة الأموال الباطنة إن أخذها الإمام . ومصرف هذا النّوع المصارف الثّمانية الّتي نصّ عليها القرآن العظيم . وفي ذلك تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلح ( زكاة ) . وقد نقل الماورديّ الخلاف بين الفقهاء في صفة اليد على هذه الأموال ، فنقل أنّ قول أبي حنيفة : إنّها من حقوق بيت المال ، أي أملاكه الّتي يرجع التّصرّف فيها إلى رأي الإمام واجتهاده ، كمال الفيء . ولذا يجوز صرفه في المصالح العامّة كالفيء ، وإن رأى الشّافعيّ أنّ بيت المال مجرّد حرزٍ للزّكاة يحرّزها لأصحابها ، فإن وجدوا وجب الدّفع إليهم ، وإن لم يوجدوا أحرزها لبيت المال ، وجوباً على مذهبه القديم ، وجوازاً على مذهبه الجديد ، بناءً على وجوب دفع الزّكاة إلى الإمام ، أو جواز ذلك . ونقل أبو يعلى الحنبليّ أنّ قول أحمد كقول الشّافعيّ في ذلك وخرّج وجهاً في زكاة الأموال الظّاهرة كقول أبي حنيفة .

البيت الثّاني : بيت الأخماس :
9 - والمراد بالأخماس :
أ - خمس الغنائم المنقولة ، وقيل : وخمس العقارات الّتي غنمت أيضاً .
ب - خمس ما يوجد من كنوز الجاهليّة وقيل هو زكاة .
ج - خمس أموال الفيء على قول الشّافعيّ ، وإحدى روايتين عن أحمد . وعلى الرّواية الأخرى ومذهب الحنفيّة والمالكيّة : لا يخمّس الفيء . ومصرف هذا النّوع خمسة أسهمٍ : سهم للّه ورسوله ، وسهم لذوي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السّبيل ، على ما قال اللّه تعالى : { واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ فأنّ للّه خمسه وللرّسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل } وكان السّهم الأوّل يأخذه النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حياته ، وبعده يصرف في مصالح المسلمين على رأي الإمام ، فينقل لبيت مال الفيء الآتي ذكره . وسائر الأسهم الأربعة تحرّز لأصحابها في بيت المال ، حتّى تقسّم عليهم ، وليس للإمام أن يصرفها في المصالح .

البيت الثّالث : بيت الضّوائع :
10 - وهي الأموال الضّائعة ونحوها من لقطةٍ لا يعرف صاحبها ، أو مسروقٍ لا يعلم صاحبه ونحوهما على ما تقدّم ، فتحفظ في هذا البيت محرّزةً لأصحابها ، فإن حصل اليأس من معرفتهم صرف في وجهه . ومصرف أموال هذا البيت - على ما نقله ابن عابدين عن الزّيلعيّ ، وقال : إنّه المشهور عند الحنفيّة - هو اللّقيط الفقير ، والفقراء الّذين لا أولياء لهم ، فيعطون منه نفقتهم وأدويتهم وتكاليف أكفانهم ودية جناياتهم . وقال الماورديّ : عند أبي حنيفة يصرف لهؤلاء صدقةً عمّن المال له ، أو من خلّف المال . ولم نعثر لغير الحنفيّة على تخصيص هذا النّوع من الأموال بمصرفٍ خاصٍّ ، فالظّاهر أنّها عندهم تصرف في المصالح العامّة كالفيء ، وهو ما صرّح به أبو يعلى والماورديّ في مال من مات بلا وارثٍ ، وبناءً على ذلك تكون البيوت عندهم ثلاثةً لا أربعةً .

البيت الرّابع : وهو بيت مال الفيء :
11 - أهمّ موارد هذا البيت ما يلي :
أ - أنواع الفيء الّتي تقدّم ذكرها .
ب - سهم اللّه ورسوله من الأخماس .
ج - الأراضي الّتي غنمها المسلمون على القول بأنّها لا تقسّم ، وأنّها ليست من الوقف المصطلح عليه .
د - خراج الأرض الّتي غنمها المسلمون ، سواء اعتبرت وقفاً أم غير وقفٍ .
هـ - خمس الكنوز الّتي لم يعلم صاحبها ، أو تطاول عليها الزّمن .
و - خمس الخارج من الأرض من معدنٍ أو نفطٍ أو نحو ذلك . وقيل : ما يؤخذ من ذلك هو زكاة مقدارها ربع العشر ، ويصرف في مصارف الزّكاة .
ز - مال من مات بلا وارثٍ من المسلمين ، ومن ذلك ديته . ح - الضّرائب الموظّفة على الرّعيّة ، الّتي لم توظّف لغرضٍ معيّنٍ . ط - الهدايا إلى القضاة والعمّال والإمام . ى - أموال البيت السّابق على قول غير الحنفيّة .

مصارف بيت مال الفيء :
12 - مصرف أموال هذا البيت المصالح العامّة للمسلمين ، فيكون تحت يد الإمام ، ويصرف منه بحسب نظره واجتهاده في المصلحة العامّة . والفقهاء إذا أطلقوا القول بأنّ نفقة كذا هي في بيت المال ، يقصدون هذا البيت الرّابع ، لأنّه وحده المخصّص للمصالح العامّة ، بخلاف ما عداه ، فالحقّ فيه لجهاتٍ محدّدةٍ ، يصرف لها لا لغيرها . وفيما يلي بيان بعض المصالح الّتي تصرف فيها أموال هذا البيت ممّا ورد في كلام الفقهاء ، لا على سبيل الحصر والاستقصاء ، فإنّ أبواب المصالح لا تنحصر ، وهي تختلف من عصرٍ إلى عصرٍ ، ومن بلدٍ إلى بلدٍ .
13 - ومن أهمّ المصالح الّتي تصرف فيها أموال هذا البيت ما يلي :
أ - العطاء ، وهو نصيب من بيت مال المسلمين يعطى لكلّ مسلمٍ ، سواء أكان من أهل القتال أم لم يكن . وهذا أحد قولين للحنابلة قدّمه صاحب المغني ، وهو كذلك أحد قولين للشّافعيّة هو خلاف الأظهر عندهم . قال الإمام أحمد : في الفيء حقّ لكلّ المسلمين ، وهو بين الغنيّ والفقير . ومن الحجّة لهذا القول قول اللّه تعالى : { ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى فللّه وللرّسول ... } الآية . ثمّ قال : { للفقراء المهاجرين الّذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً وينصرون اللّه ورسوله أولئك هم الصّادقون } ثمّ قال : { والّذين تبوّءوا الدّار والإيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ... } ثمّ قال : { والّذين جاءوا من بعدهم ... } فاستوعب كلّ المسلمين . ولهذا قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه بعد أن قرأ الآيات من سورة الحشر : هذه - يعني الآية الأخيرة - استوعبت المسلمين عامّةً ، ولإن عشت ليأتينّ الرّاعي بسرو حمير نصيبه منها ، لم يعرق فيه جبينه . والقول الثّاني للحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة : أنّ أهل الفيء هم أهل الجهاد المرابطون في الثّغور ، وجند المسلمين ، ومن يقوم بمصالحهم - أي بالإضافة إلى أبواب المصالح الآتي بيانها . وأمّا الأعراب ونحوهم ممّن لا يعدّ نفسه للقتال في سبيل اللّه فلا حقّ لهم فيه ، ما لم يجاهدوا فعلاً . ومن الحجّة لهذا القول ما في صحيح مسلمٍ وغيره من حديث بريدة { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميراً على جيشٍ أو سريّةٍ أوصاه في خاصّته بتقوى اللّه ... } إلى أن قال : { ثمّ ادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ، ثمّ ادعهم إلى التّحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أنّهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين . فإن أبوا أن يتحوّلوا منها ، فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين ، يجري عليهم حكم اللّه الّذي يجري على المؤمنين ، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء ، إلاّ أن يجاهدوا مع المسلمين } . وقيل عند الشّافعيّة : إنّ الفيء كلّه يجب قسمه بين من له رزق في بيت المال في عامه ، ولا يبقى منه شيء ولا يوفّر شيء للمصالح ما عدا خمس الخمس ( أي الّذي للّه ورسوله ) والتّحقيق عندهم : إعطاء من لهم رزق في بيت المال كفايتهم ، وصرف ما يتبقّى من مال الفيء للمصالح .
ب - الأسلحة والمعدّات والتّحصينات وتكاليف الجهاد والدّفاع عن أوطان المسلمين .
ج - رواتب الموظّفين الّذين يحتاج إليهم المسلمون في أمورهم العامّة ، من القضاة والمحتسبين ، ومن ينفّذون الحدود ، والمفتين والأئمّة والمؤذّنين والمدرّسين ، ونحوهم من كلّ من فرّغ نفسه لمصلحة المسلمين ، فيستحقّ الكفاية من بيت المال له ولمن يعوله . ويختلف ذلك باختلاف الأعصار والبلدان لاختلاف الأحوال والأسعار . وليست هذه الرّواتب أجرةً للموظّفين من كلّ وجهٍ ، بل هي كالأجرة ، لأنّ القضاء ونحوه من الطّاعات لا يجوز أخذ الأجرة عليه أصلاً . ثمّ إن سمّي للموظّف مقدار معلوم استحقّه ، وإلاّ استحقّ ما يجري لأمثاله إن كان ممّن لا يعمل إلاّ بمرتّبٍ . وأرزاق هؤلاء ، وأرزاق الجند إن لم توجد في بيت المال ، تبقى ديناً عليه ، ووجب إنظاره ، كالدّيون مع الإعسار . بخلاف سائر المصالح فلا يجب القيام بها إلاّ مع القدرة ، وتسقط بعدمها . والرّاجح عند الحنفيّة : أنّ من مات من أهل العطاء ، كالقاضي والمفتي والمدرّس ونحوهم قبل انتهاء العام ، يعطى حصّته من العام ، أمّا من مات في آخره أو بعد تمامه فإنّه يجب الإعطاء إلى وارثه .
د - القيام بشئون فقراء المسلمين من العجزة واللّقطاء والمساجين الفقراء ، الّذين ليس لهم ما ينفق عليهم منه ، ولا أقارب تلزمهم نفقتهم ، فيتحمّل بيت المال نفقاتهم وكسوتهم وما يصلحهم من دواءٍ وأجرة علاجٍ وتجهيز ميّتٍ ، وكذا دية جناية من لم يكن له عاقلة من المسلمين ، أو كان له عاقلة فعجزوا عن الكلّ أو البعض ، فإنّ بيت المال يتحمّل باقي الدّية ، ولا تعقل عن كافرٍ . ونبّه بعض الشّافعيّة إلى أنّ إقرار الجاني لا يقبل على بيت المال ، كما لا يقبل على العاقلة .
هـ - الإنفاق على أهل الذّمّة من بيت المال : ليس لكافرٍ ذمّيٍّ أو غيره حقّ في بيت مال المسلمين . لكنّ الذّمّيّ إن احتاج لضعفه يعطى ما يسدّ جوعته . وفي كتاب الخراج لأبي يوسف أنّ ممّا أعطاه خالد بن الوليد رضي الله عنه في عهده لأهل الحيرة : أيّما شيخٍ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات ، أو كان غنيّاً فافتقر ، وصار أهل دينه يتصدّقون عليه طرحت جزيته ، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام . ونقل مثل ذلك أبو عبيدٍ في كتاب الأموال .
و - ومن مصارف بيت مال الفيء أيضاً : فكاك أسرى المسلمين من أيدي الكفّار ، ونقل أبو يوسف في كتاب الخراج قول عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : كلّ أسيرٍ كان في أيدي المشركين من المسلمين ففكاكه من بيت مال المسلمين . وهناك وجه للشّافعيّة بأنّ فكاكه في ماله هو ( ر : أسرى ) . وشبيه بهذا ما قاله بعض الشّافعيّة أنّ مالك الدّوابّ - غير المأكولة - لو امتنع من علفها ، ولم يمكن إجباره لفقره مثلاً ينفق عليها من بيت المال مجّاناً ، وكذلك الدّابّة الموقوفة إن لم يمكن أخذ النّفقة من كسبها .
ز - المصالح العامّة لبلدان المسلمين ، من إنشاء المساجد والطّرق والجسور والقناطر والأنهار والمدارس ونحو ذلك ، وإصلاح ما تلف منها . ح - ضمان ما يتلف بأخطاء أعضاء الإدارة الحكوميّة : من ذلك أخطاء وليّ الأمر والقاضي ونحوهم من سائر من يقوم بالأعمال العامّة ، إذا أخطئوا في عملهم الّذي كلّفوا به ، فتلف بذلك نفس أو عضو أو مال ، كدية من مات بالتّجاوز في التّعزير ، فحيث وجب ضمان ذلك يضمن بيت المال . فإن كان العمل المكلّف به لشأنٍ خاصٍّ للإمام أو غيره من المسئولين فالضّمان على عاقلته ، أو في ماله الخاصّ بحسب الأحوال . وذلك لأنّ أخطاءهم قد تكثر ، فلو حملوها هم أو عاقلتهم لأجحف بهم . هذا عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو الأصحّ عند الحنابلة ، والقول غير الأظهر للشّافعيّة . أمّا الأظهر للشّافعيّة ، ومقابل الأصحّ عند الحنابلة فهو أنّ الضّمان على عاقلته . أمّا ضمان العمد فيتحمّله فاعله اتّفاقاً . ط - تحمّل الحقوق الّتي أقرّها الشّرع لأصحابها ، واقتضت قواعد الشّرع أن لا يحملها أحد معيّن : ومن أمثلة ذلك ما لو قتل شخص في زحام طوافٍ أو مسجدٍ عامٍّ أو الطّريق الأعظم ، ولم يعرف قاتله ، فتكون ديته في بيت المال لقول عليٍّ رضي الله عنه : لا يبطل في الإسلام دم ، وقد { تحمّل النّبيّ صلى الله عليه وسلم دية عبد اللّه بن سهلٍ الأنصاريّ حين قتل في خيبر ، لمّا لم يعرف قاتله ، وأبى الأنصار أن يحلفوا القسامة ، ولم يقبلوا أيمان اليهود ، فوداه النّبيّ صلى الله عليه وسلم من عنده كراهية أن يبطل دمه } . ومن ذلك أيضاً أجرة تعريف اللّقطة ، فللقاضي أن يرتّب أجرة تعريفها من بيت المال ، على أن تكون قرضاً على صاحبها .

أولويّات الصّرف من بيت المال :
14 - يرى المالكيّة والشّافعيّة أنّه يندب البدء بالصّرف لآل النّبيّ صلى الله عليه وسلم الّذين تحرم عليهم الصّدقة ، اقتداءً بفعل عمر رضي الله عنه ، إذ قدّم آل بيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم في ديوان العطاء . ثمّ بعد ذلك يجب البدء بمصالح أهل البلد الّذين جمع منهم المال ، كبناء مساجدهم وعمارة ثغورهم وأرزاق قضاتهم ومؤذّنيهم وقضاء ديونهم وديات جناياتهم ، ويعطون كفاية سنتهم . وإن كان غير فقراء البلد الّتي جبي فيها المال أكثر احتياجاً منهم ، فإنّ الإمام يصرف القليل لأهل البلد الّتي جبي فيها المال ، ثمّ ينقل الأكثر لغيرهم . ويرى الحنابلة أنّه إذا اجتمع على بيت المال حقّان ، ضاق عنهما واتّسع لأحدهما ، صرف فيما يصير منهما ديناً على بيت المال لو لم يؤدّ في وقته ، كأرزاق الجند وأثمان المعدّات والسّلاح ونحوهما ، دون ما يجب على وجه الإرفاق والمصلحة ، كالطّرق ونحوها .

الفائض في بيت المال :
15 - لعلماء المسلمين فيما يفيض في بيت المال ، بعد أداء الحقوق الّتي عليه ، ثلاثة اتّجاهاتٍ : الأوّل - وهو مذهب الشّافعيّة : أنّه يجب تفريق الفائض وتوزيعه على من يعمّ به صلاح المسلمين ، ولا يدّخر ، لأنّ ما ينوب المسلمين يتعيّن فرضه عليهم إذا حدث . وفي المنهاج وشرحه من كتب الشّافعيّة : يوزّع الفائض على الرّجال البالغين ممّن لهم رزق في بيت المال ، لا على غيرهم ولا ذراريّهم . قال القليوبيّ : والغرض أن لا يبقى في بيت المال شيء . والثّاني - وهو مذهب الحنفيّة : أنّها تدّخر في بيت المال لما ينوب المسلمين من حادثٍ . والثّالث - التّفويض لرأي الإمام ، قال القليوبيّ من الشّافعيّة : قال المحقّقون : للإمام الادّخار . ونقل صاحب جواهر الإكليل عن المدوّنة : يبدأ في الفيء بفقراء المسلمين ، فما بقي يقسّم بين النّاس بالسّويّة ، إلاّ أن يرى الإمام حبسه لنوائب المسلمين . إذا عجز بيت المال عن أداء الحقوق :
16 - بيّن الماورديّ وأبو يعلى حالة عجز بيت المال عن أداء الحقوق فقالا ما حاصله : إنّ المستحقّ على بيت المال ضربان : الأوّل : ما كان بيت المال له مجرّد حرزٍ ، كالأخماس والزّكاة ، فاستحقاقه معتبر بالوجود ، فإن كان المال موجوداً فيه كان مصرفه مستحقّاً ، وعدمه مسقط لاستحقاقه . الثّاني : ما كان بيت المال له مستحقّاً ، وهو مال الفيء ونحوه ، ومصارفه نوعان : أوّلهما : ما كان مصرفه مستحقّاً على وجه البدل ، كرواتب الجنود ، وأثمان ما اشتري من السّلاح والمعدّات ، فاستحقاقه غير معتبرٍ بالوجود ، بل هو من الحقوق اللّازمة لبيت المال مع الوجود والعدم . فإن كان موجوداً يعجّل دفعه ، كالدّين على الموسر ، وإن كان معدوماً وجب فيه ، ولزم إنظاره ، كالدّين على المعسر . ثانيهما : أن يكون مصرفه مستحقّاً على وجه المصلحة والإرفاق دون البدل ، فاستحقاقه معتبر بالوجود دون العدم . فإن كان موجوداً وجب فيه ، إن كان معدوماً سقط وجوبه عن بيت المال . ثمّ يكون - إن عمّ ضرره - من فروض الكفاية على المسلمين ، حتّى يقوم به من فيه كفاية كالجهاد ، وإن كان ممّا لا يعمّ ضرره كوعورة طريقٍ قريبٍ يجد النّاس غيره طريقاً بعيداً ، أو انقطاع شربٍ يجد النّاس غيره شرباً . فإذا سقط وجوبه عن بيت المال بالعدم سقط وجوبه عن الكافّة ، لوجود البدل . ويلاحظ أنّه قد يكون العجز في بيت المال الفرعيّ ، أي في أحد الأقاليم التّابعة للإمام . فإذا قلّد الخليفة أميراً على إقليمٍ ، فإذا نقص مال الخراج عن أرزاق جيشه ، فإنّه يطالب الخليفة بتمامها من بيت المال . أمّا إن نقص مال الصّدقات عن كفاية مصارفها في عمله فلا يكون له مطالبة الخليفة بتمامها ، وذلك لأنّ أرزاق الجيش مقدّرة بالكفاية ، وحقوق أهل الصّدقات معتبرة بالوجود .

تصرّفات الإمام في الدّيون على بيت المال :
17 - إذا ثبتت الدّيون على بيت المال ، ولم يكن فيه وفاء لها ، فللإمام أن يستقرض من أحد بيوت المال للبيت الآخر ، نصّ على ذلك الحنفيّة . وقالوا : وإذا حصل للخزانة الّتي استقرض لها مال يردّ إلى المستقرض منه ، إلاّ أن يكون المصروف من الصّدقات أو خمس الغنائم على أهل الخراج ، وهم فقراء ، فإنّه لا يردّ من ذلك شيئاً ، لاستحقاقهم الصّدقات بالفقر . وكذا غيره إذا صرف إلى المستحقّ . وللإمام أيضاً أن يستعير أو يقترض لبيت المال من الرّعيّة . { وقد استعار النّبيّ صلى الله عليه وسلم دروعاً للجهاد من صفوان بن أميّة } { واستسلف عليه الصلاة والسلام بعيراً وردّ مثله من إبل الصّدقة } ، وذلك اقتراض على خزانة الصّدقات من بيت المال .

تنمية أموال بيت المال والتّصرّف فيها :
18 - بالإضافة إلى ما تقدّم من صلاحيات الإنفاق في بيت المال ، فإنّ للإمام التّصرّف في أموال بيت المال . والقاعدة في ذلك أنّ منزلة الإمام من أموال بيت المال منزلة الوليّ من مال اليتيم ، كما قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : إنّي أنزلت نفسي من هذا المال منزلة وليّ اليتيم . فله فيه من التّصرّف ما لوليّ اليتيم في مال اليتيم . وليست هذه القاعدة على إطلاقها ، فلا يلزم التّشبيه من كلّ وجهٍ ، بدليل أنّ للإمام التّمليك من بيت المال والإقطاع منه . ومن الأمثلة الّتي تعرّض لها بعض الفقهاء ما يلي :
أ - البيع : يجوز للإمام بيع شيءٍ من أموال بيت المال ، إذا رأى المصلحة في ذلك . أمّا شراؤه لنفسه شيئاً منها فقد جاء في الدّرّ المختار : لا يصحّ بيع الإمام ولا شراؤه من وكيل بيت المال لشيءٍ من أموال بيت المال ، لأنّه ****ل اليتيم ، فلا يجوز ذلك منه إلاّ لضرورةٍ . زاد في البحر : أو رغب في العقار بضعف قيمته ، على قول المتأخّرين المفتى به .
ب - الإجارة : أرض بيت المال تجري عليها أحكام الوقوف المؤبّدة . فتؤجّر كما يؤجّر الوقف . ج - المساقاة : تصحّ المساقاة من الإمام على بساتين بيت المال ، كما تصحّ من جائز التّصرّف لصبيٍّ تحت ولايته .
د - الإعارة : اختلف قول الشّافعيّة في إعارة الإمام لشيءٍ من أموال بيت المال ، فأفتى الإسنويّ بجوازه ، بناءً على أنّه إذا جاز له التّمليك من بيت المال فالإعارة أولى . وقال الرّمليّ : لا يجوز للإمام مطلقاً إعارة أموال بيت المال ، كالوليّ في مال مولّيه . وقال القليوبيّ : ثمّ إن أخذ أحد شيئاً من بيت المال عاريّةً فهلك في يده فلا ضمان عليه ، إن كان له في بيت المال حقّ ، وتسميته عاريّةً مجاز .
هـ - الإقراض : ذكر ابن الأثير أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أقرض هنداً بنت عتبة أربعة آلافٍ تتّجر فيها وتضمنها . وممّا يجري مجرى الإقراض الإنفاق بقصد الرّجوع ، ومن ذلك الإنفاق على البهيمة الضّائعة ونحوها ، حفظاً لها من التّلف . ثمّ يرجع بيت المال بالنّفقة على صاحب البهيمة ، وإن لم يعرف بيعت ، وأخذ من ثمنها حقّ بيت المال .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:09 AM

إقطاع التّمليك :
19 - يرى الحنفيّة أنّ للإمام أن يقطع من الأراضي الّتي لم تكن لأحدٍ ولا في يد وارثٍ ، لمن فيه غناء ونفع للمسلمين على سبيل النّظر في المصلحة ، لا على سبيل المحاباة والأثرة ، كما أنّ له أن يعطي من أموال بيت المال الأخرى ، إذ الأرض والمال شيء واحد . كذا قال القاضي أبو يوسف ، واحتجّ بما روي أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أصفى أموال كسرى وأهله لبيت المال ، ومال كلّ رجلٍ قتل في الحرب أو لحق بأرض الحرب أو مغيض ماءٍ أو أجمةٍ . وكان خراج ذلك سبعة آلاف ألفٍ ، فكان يقطع من هذه لمن أقطع . قال أبو يوسف : وذلك بمنزلة المال الّذي لم يكن لأحدٍ ، ولا في يد وارثٍ ، فللإمام العادل أن يجيز منه ويعطي من كان له غناء في الإسلام . ونقل هذا ابن عابدين ، وقال : هذا صريح في أنّ القطائع قد تكون من الموات ، وقد تكون من بيت المال لمن هو من مصارفه ، كما يعطي المال حيث رأى المصلحة ، وأنّ المقطع يملك رقبة الأرض ، ولذا يؤخذ منها العشر ، لأنّها بمنزلة الصّدقة . ويرى الشّافعيّة والحنابلة - على ما فصّله الماورديّ وأبو يعلى - أنّ أراضي بيت المال ثلاثة أقسامٍ :
أ - ما اصطفاه الإمام لبيت المال بحقّ الخمس أو باستطابة نفوس الغانمين ، كما اصطفى عمر أراضي كسرى وأهله ، ولم يقطع من ذلك شيئاً . فلمّا جاء عثمان أقطع منه وأخذ منه حقّ الفيء . قال الماورديّ : فكان ذلك إقطاع إجارةٍ لا إقطاع تمليكٍ . ولا يجوز إقطاع رقبته ، لأنّه صار باصطفائه لبيت المال ملكاً لكافّة المسلمين ، فجرى على رقبته حكم الوقف المؤبّد .
ب - أرض الخراج ، فلا يجوز تمليك رقبتها ، لأنّ أرض الخراج بعضها موقوف ، وخراجها أجرة ، وبعضها مملوك لأهلها ، وخراجها جزية .
ج - ما مات عنه أربابه ولم يستحقّه وارث بفرضٍ أو تعصيبٍ . واختلف أصحاب الشّافعيّ في هذا النّوع على وجهين : أحدهما : أنّها تصير وقفاً ، فعلى هذا لا يجوز بيعها ولا إقطاعها . وثانيهما : أنّها لا تصير وقفاً حتّى يقفها الإمام . فعلى هذا يجوز له إقطاعها تمليكاً ، كما يجوز بيعها . ونقل قولاً آخر : أنّ إقطاعها لا يجوز ، وإن جاز بيعها ، لأنّ البيع معاوضة ، وهذا الإقطاع صلة ، والأثمان إذا صارت ناضّةً لها حكم يخالف في العطايا حكم الأصول الثّابتة ، فافترقا ، وإن كان الفرق بينهما ضعيفاً . والحكم كذلك عند المالكيّة في أرض العنوة العامرة فإنّها لا يجوز للإمام إقطاعها تمليكاً ، بناءً على أنّها تكون وقفاً بنفس الاستيلاء عليها . ولم نجد لهم تعرّضاً للأرض الّتي تئول إلى بيت المال بهلاك أربابها . هل يجوز إقطاع التّمليك منها أم لا ؟ .

إقطاع الانتفاع والإرفاق والاستغلال :
20 - يجوز للإمام - إذا رأى المصلحة - أن يقطع من أراضي بيت المال أو عقاره - بعض النّاس إرفاقاً أو ليأخذ الغلّة . قال المالكيّة : ثمّ ما اقتطعه الإمام من العنوة ، إن كان لشخصٍ بعينه انحلّ بموت المنتفع . وإن كان لشخصٍ وذرّيّته وعقبه استحقّته الذّرّيّة بعده ، للأنثى مثل الذّكر . وانظر ( إرفاق . إرصاد . أرض الحوز ) وبعضهم جعل مثل هذا وقفاً .

وقف عقار بيت المال :
21 - ذكر الحنفيّة جواز وقف الإمام من بيت المال ، ثمّ قالوا : إن كان السّلطان اشترى الأراضي والمزارع من وكيل بيت المال يجب مراعاة شرائطه ، إن وقفها من بيت المال لا تجب مراعاتها . ويرى الشّافعيّة ، كما نقل عميرة البرلّسيّ : وقف الإمام من بيت المال . قالوا : لأنّ له التّمليك منه ، وكما فعل عمر رضي الله عنه في أرض سواد العراق ، إذ وقفها على المسلمين . وانظر ( ر : إرصاد ) .

تمليك حقوق بيت المال قبل توريدها إليه :
22 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ للإمام أن يترك الخراج للمالك لا العشر ، ثمّ يحلّ ذلك للمالك عند أبي يوسف ، إن كان المالك ممّن يستحقّ شيئاً من بيت المال ، وإلاّ تصدّق به . ولو ترك الإمام العشر ونحوه من أموال الزّكاة فلم يأخذه لا يجوز إجماعاً ، ويخرجه المالك بنفسه للفقراء ونحوهم من مصارف الزّكاة .

الدّيون الّتي لبيت المال :
23 - تثبت لبيت المال الدّيون في ذمم الأفراد . فلو ضرب الإمام أموالاً على الرّعيّة عامّةً ، أو طائفةٍ منهم أو أهل بلدٍ ، لمصلحتهم ، كتجهيز الجيوش أو فداء الأسرى ، وكأجرة الحراسة وكري الأنهار ، فمن لم يؤدّ من ذلك ما ضرب عليه بقي في ذمّته ديناً واجباً لبيت المال ، لا يجوز لهم الامتناع منه .

انتظام بيت المال وفساده :
24 - يكون بيت المال منتظماً إذا كان الإمام عدلاً يأخذ المال من حقّه ، ويضعه في مستحقّه . ويكون فاسداً إذا كان الإمام غير عدلٍ ، فيأخذ المال من أصحابه بغير حقٍّ . أو يأخذه بحقٍّ ، ولكن ينفق منه في غير مصلحة المسلمين ، وعلى غير الوجه الشّرعيّ ، كما لو أنفقه في مصالحه الخاصّة ، أو يخصّ أقاربه أو من يهوى بما لا يستحقّونه ، ويمنع أهل الاستحقاق . ومن الفساد أيضاً أن يفوّض الإمام أمر بيت المال إلى غير عدلٍ ، ولا يستقصي عليه فيما يتصرّف فيه من أموال بيت المال فيظهر منه التّضييع وسوء التّصرّف . ومن أوجه فساد بيت المال أيضاً ما أشار إليه ابن عابدين : أن يخلط الإمام أموال بيت المال الأربعة بعضها ببعضٍ ، فلا تكون مفرزةً . 25 - وإذا فسد بيت المال ترتّبت عليه أحكام منها :
أ - أنّ لمن عليه حقّاً لبيت المال - إذا لم يطّلع عليه - أن يمنع من ذلك الحقّ بقدر حقّه هو في بيت المال ، إن كان له فيه حقّ لم يعطه . وإن لم يكن له فيه حقّ ، فإنّ له أن يصرفه مباشرةً في مصارف بيت المال ، كبناء مسجدٍ أو رباطٍ . ذكر ذلك بعض الشّافعيّة بخصوص لقطةٍ حصل اليأس من معرفة صاحبها ، أو نحو ثوبٍ ألقته الرّيح إلى داره ولم يعلم صاحبه وأيس من ذلك ، وقالوا أيضاً : ما انحسر عنه ماء النّهر لو زرعه أحد لزمته أجرته لمصالح المسلمين ، ويسقط عنه قدر حصّته ، إن كان له حصّة في مال المصالح . واستدلّ لذلك بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنّ رجلاً قال لها : أصبت كنزاً فرفعته إلى السّلطان . فقالت له : بفيك الكثكث . والكثكث : التّراب .
ب - ومنها : لو منع السّلطان حقّ المستحقّين ، فظفر أحدهم بمالٍ لبيت المال ، فقد أجاز بعض الفقهاء أن يأخذ المستحقّ قدر ما كان يعطيه الإمام . وهذا أحد أقوالٍ أربعةٍ ذكرها الغزاليّ . ثانيها : أنّ له أن يأخذ كلّ يومٍ قدر قوته . وثالثها : يأخذ كفاية سنته . ورابعها : لا يجوز له أن يأخذ شيئاً لم يؤذن له فيه . وأمّا المالكيّة فقد صرّحوا بأنّه لا يجوز السّرقة من بيت المال ، سواء انتظم أم لم ينتظم ، ويفهم من هذا أنّهم يوافقون القول الرّابع من الأقوال الّتي نقلها الغزاليّ . ومفاد ما يذكره الحنفيّة : أنّ له في تلك الحال أن يأخذ قدر حقّه ديانةً ، إلاّ أنّه ليس له الأخذ من غير بيته الّذي يستحقّ هو منه إلاّ للضّرورة كما في زماننا ، إذ لو لم يجز أخذه إلاّ من بيته لزم أن لا يبقى حقّ لأحدٍ في زماننا ، لعدم إفراز كلّ بيتٍ على حدةٍ ، بل يخلطون المال كلّه . ولو لم يأخذ ما ظفر به لم يمكنه الوصول إلى شيءٍ ، كما أفتى به ابن عابدين . ج - ومنها ما أفتى به المتأخّرون من الشّافعيّة - وهم من بعد سنة 400 هـ - موافقةً لبعض المتقدّمين ، وقال به متأخّرو المالكيّة أيضاً : أنّه إذا لم ينتظم بيت المال يردّ على أهل الفرض غير الزّوجين ما فضل عن إرثهم ، فإن لم يكن ذو فرضٍ يردّ على ذوي الأرحام . والحكم الأصليّ عند الشّافعيّة والمالكيّة ، في حال انتظام بيت المال ، عدم الرّدّ وعدم توريث ذوي الأرحام ، بل تكون التّركة كلّها أو فاضلها عن ذوي الفروض لبيت المال ، إن لم يكن عصبة .

الاعتداء على أموال بيت المال :
26 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من أتلف شيئاً من أموال بيت المال بغير حقٍّ كان ضامناً لما أتلفه ، وأنّ من أخذ منه شيئاً بغير حقٍّ لزمه ردّه ، أو ردّ مثله إن كان مثليّاً ، وقيمته إن كان قيميّاً . وإنّما الخلاف بينهم في قطع يد السّارق من بيت المال ، ولهم في ذلك اتّجاهان : أحدهما - وإليه ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّ السّارق من بيت المال لا تقطع يده . واستدلّوا على ذلك بما روى ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما { أنّ عبداً من رقيق الخمس سرق من الخمس ، فرفع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه ، وقال : مال اللّه سرق بعضه بعضاً } . وبما روي أنّ ابن مسعودٍ سأل عمر بن الخطّاب عن رجلٍ سرق من بيت المال ، فقال عمر : أرسله ، فما من أحدٍ إلاّ وله في هذا المال حقّ . وثانيهما - وإليه ذهب المالكيّة أنّ السّارق من بيت المال تقطع يده ، واستدلّوا على ذلك بعموم قول اللّه تعالى : { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما } ، فإنّه عامّ يشمل السّارق من بيت المال والسّارق من غيره ، وبأنّ السّارق قد أخذ مالاً محرّزاً ، وليست له فيه شبهة قويّة ، فتقطع يده كما لو أخذ غيره من الأموال الّتي ليست له فيها شبهة قويّة .

الخصومة في شأن أموال بيت المال :
27 - إذا ادّعي على بيت المال بحقٍّ ، أو كان لبيت المال حقّ قبل الغير ، ورفعت الدّعوى بذلك أمام القضاء ، كان للقاضي الّذي رفعت الدّعوى إليه أن يقضي فيها ، ولو أنّه أحد المستحقّين . وإذا كان القاضي نفسه هو المدّعي أو المدّعى عليه ، فلا تتوجّه عليه دعوى أصلاً ، ولا على نائبه ، بل لا بدّ أن ينصّب من يدّعي ومن يدّعى عليه عنده ، أو عند غيره . ومن جملة ما يمكن الادّعاء به : إيرادات بيت المال إذا قبضها العامل ، وأنكر صاحب بيت المال أنّه قبضها من العامل . فيطالب العامل بإقامة الحجّة على صاحب بيت المال بالقبض ، فإن عدمها أحلف صاحب بيت المال ، وأخذ العامل بالغرم .

الاستقصاء على الولاة ومحاسبة الجباة :
28 - على الإمام وولاته أن يراقبوا من يوكّل إليهم جمع الزّكاة وغيرها ممّا يجب لبيت المال ، وأن يستقصوا عليهم فيما يتصرّفون فيه من أموال بيت المال ، ويحاسبوهم في ذلك محاسبةً دقيقةً . ففي صحيح البخاريّ من حديث أبي حميدٍ السّاعديّ قال : { استعمل النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد على صدقات بني سليمٍ يدعى ابن اللّتبيّة ، فلمّا جاء حاسبه } . وقال القاضي أبو يعلى : مذهب أبي حنيفة في إيراد الصّدقات وجوب رفع الحساب عنها إلى كاتب الدّيوان ، ويجب على كاتب الدّيوان محاسبتهم على صحّة ما رفعوه ، وذلك لأنّ مصرف العشر ومصرف الخراج عند أبي حنيفة واحد . وأمّا على مذهب الشّافعيّ فلا يجب على العمّال رفع الحساب عن العشور ، لأنّها عنده صدقة ، لا يقف مصرفها على اجتهاد الولاة . وأمّا عمّال الخراج فيلزمهم رفع الحساب باتّفاق المذهبين . ويجب على كاتب الدّيوان محاسبتهم على صحّة ما رفعوه . ثمّ من وجبت محاسبته من العمّال لا يخلو من حالين : الأولى : إن لم يقع بينه وبين كاتب الدّيوان اختلاف في الحساب كان كاتب الدّيوان مصدّقاً في الحساب . وإن استراب فيه وليّ الأمر كلّفه إحضار شواهده ، فإن زالت الرّيبة عنه فلا يحلف ، وإن لم تزل الرّيبة - وأراد وليّ الأمر تحليفه عليه - حلف العامل دون كاتب الدّيوان ، لأنّ المطالبة متوجّهة على العامل دون كاتب الدّيوان . الثّانية : إن وقع بين العامل وكاتب الدّيوان اختلاف في الحساب : فإن كان اختلافهما في الدّخل ، فالقول قول العامل ، لأنّه منكر . وإن كان اختلافهما في الخرج ، فالقول قول الكاتب ، لأنّه منكر . وإن كان اختلافهما في تقدير الخراج ، كما لو اختلفا في مساحةٍ يمكن إعادتها أعيدت ويعمل فيها بما يتبيّن . وإن لم يمكن إعادتها يحلف ربّ المال دون الماسح . 29 - وقد فصّل الماورديّ وأبو يعلى صفة المحاسبة في ذلك ، واستعرضا ما يعتبر حجّةً في قبض ، الولاة من الجباة ، وأنّه يعمل في ذلك بالإقرار بالقبض ، أمّا الخطّ إذا أنكره ، أو لم يعترف به فعرف الدّواوين أن يكتفى به ، ويكون حجّةً . والّذي عليه الفقهاء أنّه إن لم يعترف الوالي أنّه خطّه أو أنكره لم يلزمه ، ولم يكن حجّةً في القبض . ولا يجوز أن يقاس بخطّه في الإلزام إجباراً ، وإنّما يقاس بخطّه إرهاباً ليعترف به طوعاً . وقد يعترف الوالي بالخطّ وينكر القبض ، وحينئذٍ يكون ذلك في الحقوق السّلطانيّة خاصّةً حجّةً للعاملين بالدّفع ، وحجّةً على الولاة بالقبض اعتباراً بالعرف . وأورد الماورديّ ذلك ثمّ قال : هذا هو الظّاهر من مذهب الشّافعيّ . أمّا أبو حنيفة فالظّاهر من مذهبه أنّه لا يكون حجّةً عليه . ولا للعاملين ، حتّى يقرّ به لفظاً كالدّيون الخاصّة . قال : وفيما قدّمناه من الفرق بينهما مقنع . ويلاحظ أنّ كلّ ما ورد إلى عمّال المسلمين ، أو خرج من أيديهم من المال العامّ ، فحكم بيت المال جارٍ عليه في دخله إليه وخرجه عنه ، ولذلك تجرى المحاسبة عليه .

بيت المقدس 1 - بيت المقدس : اسم لمكان العبادة المعروف في أرض فلسطين . وأصل التّقديس التّطهير ، والأرض المقدّسة أي : المطهّرة . قال ابن منظورٍ : والنّسبة إليه مقدسيّ ومقدسيّ . وفي معجم البلدان سمّاه في بعض مواضع من كلامه عنه " البيت المقدّس » .
2 - وهذا الاسم " بيت المقدس " يطلق الآن على المدينة الّتي فيها المسجد الأقصى ، ولا يطلق على مكان العبادة بخصوصه ، أمّا في كلام الفقهاء والمؤرّخين فإنّ الاسم دائر بين المعنيين ، كما استعمله صاحب معجم البلدان وغيره . وتسمّى المدينة الآن أيضاً ( القدس ) . ووردت هذه التّسمية أيضاً في كلام العرب . ففي اللّسان : قال الشّاعر : لا نوم حتّى تهبطي أرض العدس وتشربي من خير ماءٍ بقدس هذا وإنّ للمسجد الأقصى ببيت المقدس أحكاماً يختصّ بها عن سائر المساجد ( ر : المسجد الأقصى ) .

بيت النّار . انظر : معابد .

بيتوتة . انظر : تبييت .

بيض
التّعريف
1 - البيض معروف ، يقال : باض الطّائر يبيض بيضاً ، واحدته : بيضة ، وتطلق البيضة أيضاً على الخصية . وتنظر أحكامها في مصطلح : ( خصية ) . الأحكام المتعلّقة بالبيض : بيض الحيوانات المأكولة اللّحم وغير المأكولة :
2 - سبق في مصطلح ( أطعمة ) تفصيل ما يتّصل بحلّ الأكل وحرمته بالنّسبة للبيض ، وهو حلّ أكل بيض ما يؤكل لحمه من الحيوان ، وحرمة أكل بيض ما لا يحلّ أكل لحمه في الجملة .

بيض الجلّالة :
3 - اختلف الفقهاء في حكم أكل بيض الجلّالة ( وهي الّتي تتّبع النّجاسات وتأكلها إذا كانت مخلّاةً تجول في القاذورات ) . فبنى الحنفيّة والشّافعيّة في الصّحيح الحكم على تغيّر لحمها ونتنه ، فإن تغيّر ووجدت منها رائحة منتنة كره أكل بيضها عند الحنفيّة ، وحرم الأكل في الصّحيح عند الشّافعيّة ، لأنّها صارت من الخبائث ، { ولنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن أكل لحم الجلّالة وشرب لبنها } . وقيّد الحنابلة وبعض الشّافعيّة حرمة أكل بيض الجلّالة بما إذا كان أكثر علفها النّجاسة للحديث الوارد في ذلك . وقال بعض الشّافعيّة : يكره أكل بيض الجلّالة كراهةً تنزيهً ، لأنّ النّهي إنّما هو لتغيّر اللّحم ، وهو لا يوجب التّحريم . قالوا : وهو الأصحّ ، وهو رواية عند الحنابلة . والمختار عند المالكيّة ، أنّه يحلّ أكل بيضها لتولّده من حيٍّ ، وكلّ حيٍّ طاهر . وإن لم يتغيّر لحم الجلّالة ولم ينتن ، بأن كانت تخلط ولم يكن أكثر علفها النّجاسة حلّ أكل بيضها باتّفاقٍ .

سلق البيض في ماءٍ نجسٍ :
4 - إذا سلق البيض في ماءٍ نجسٍ حلّ أكله عند الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو القول المرجوح عند المالكيّة ) وفي الرّاجح عند المالكيّة لا يحلّ أكله لنجاسته وتعذّر تطهيره لسريان الماء النّجس في مسامّه .

5 - البيض المذر ( وهو الفاسد بوجهٍ عامٍّ ) : هـ - إذا استحالت البيضة دماً صارت نجسةً عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في الصّحيح من مذهبهم ، وفي الأصحّ عند الشّافعيّة ، ومقابله أنّها طاهرة ، وإذا تغيّرت بالتّعفّن فقط فهي طاهرة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، كاللّحم المنتن ، وهي نجسة عند المالكيّة . وإن اختلط صفارها ببياضها من غير عفونةٍ فهي طاهرة .

البيض الخارج بعد الموت :
6 - البيض الخارج من مأكول اللّحم بعد موته ولا يحتاج لتذكيةٍ يحلّ أكله باتّفاقٍ ، إلاّ إذا كان فاسداً . أمّا ما يحتاج لتذكيةٍ ولم يذكّ فالبيض الخارج بعد موته يحلّ أكله إن تصلّبت قشرته ، وهذا عند الحنابلة ، وأصحّ الأوجه عند الشّافعيّة ، لأنّه صار شيئاً آخر منفصلاً فيحلّ أكله . ويحلّ أكله عند الحنفيّة ولو لم تتصلّب قشرته ، وهو وجه عند الشّافعيّة ، لأنّه شيء طاهر في نفسه ، ولا يحلّ عند المالكيّة أكل بيض الحيوان البرّيّ الّذي له نفس سائلة إذا لم يذكّ ، إلاّ ما كانت ميتته طاهرةً دون ذكاةٍ - كالجراد والتّمساح - فيحلّ أكل بيضه .

بيع البيض :
7 - يشترط في بيع البيض ما يشترط في غيره من المبيعات ، وهو أن يكون موجوداً متقوّماً طاهراً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه ... ( ر : بيع ) . ولذلك لا يجوز بيع البيض الفاسد ، لأنّه لا ينتفع به ، ولا بيع بيضٍ في بطن دجاجةٍ ، لأنّه في حكم المعدوم ... هذا ويختلف الفقهاء في اعتبار البيض من الرّبويّات وعدم اعتباره . فذهب الحنفيّة والحنابلة وابن شعبان من المالكيّة ، وهو القديم عند الشّافعيّة : إلى أنّه لا يعتبر البيض من الرّبويّات ، لأنّ علّة الرّبا عندهم الكيل مع الجنس ، أو الوزن مع الجنس ، وهذا بالنّسبة لربا الفضل . ولا يتحقّق الرّبا إلاّ بإجماع الوصفين : الجنس والقدر ( الكيل أو الوزن ) ، وعلى ذلك يجوز بيع بيضةٍ ببيضتين إذا كان يداً بيدٍ ، لأنّه لا تتحقّق فيه العلّة . إلاّ أنّه روي عن الإمام أحمد كراهة بيع بيضةٍ ببيضتين لعلّة الطّعم . ويحرم بيع البيض بالبيض نساءً ، لأنّ علّة ربا النّساء هي أحد وصفي علّة ربا الفضل ، أمّا الكيل أو الوزن المتّفق ، أو الجنس فالجنس بانفراده يحرّم النّساء . وهذا عند الحنفيّة بالنّسبة للنّساء . وهو إحدى الرّوايات عند الحنابلة ، وفي أصحّ الرّوايات : لا يحرم النّساء في بيع البيض بالبيض . وذهب المالكيّة غير ابن شعبان والشّافعيّة في الجديد إلى اعتبار البيض من الرّبويّات ، لعلّة الاقتيات والادّخار في ربا الفضل ، وعلّة الطّعم في رباً النّساء ، وذلك عند المالكيّة ، وعلّة الطّعم في ربا الفضل والنّساء عند الشّافعيّة . والبيض يقتات ويدّخر ويطعم فيكون ربويّاً . وعلى ذلك يحرم الفضل والنّساء في بيع البيض بالبيض ، فإذا بيع بعضه ببعضٍ فلا بدّ أن تكون حالّاً ، مثلاً بمثلٍ ، يداً بيدٍ . والأصل في ذلك ما رواه مسلم عن عبادة قال : { سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، إلاّ سواءً بسواءٍ ، عيناً بعينٍ ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى } فإن اختلف الجنس ولم تختلف العلّة جاز التّفاضل ، لأنّ اختلاف الجنس لا يحرم معه التّفاضل ويحرم النّساء لوجود علّة الطّعم ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في تتمّة الحديث السّابق : { فإذا اختلفت هذه الأصناف ، فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يداً بيدٍ } . وبيع البيض بالبيض لا يجوز إلاّ وزناً عند الشّافعيّة ، وبالوزن أو التّحرّي لتحقّق المماثلة عند المالكيّة .

السّلم في البيض :
8 - إسلام البيض في البيض لا يجوز عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وروايةٍ عند الحنابلة - لأنّه يعتبر رباً لعلّة الجنس عند الحنفيّة ، وعلّة الطّعم عند المالكيّة والشّافعيّة وروايةٍ عند الحنابلة . ويجوز في أصحّ الرّوايات عند الحنابلة إسلام البيض في البيض ، لأنّه ليس من الرّبويّات ، واستدلّوا على ذلك بحديث { ابن عمرٍو ، وهو أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ على قلائص الصّدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصّدقة } . ويجوز أن يكون البيض مسلماً فيه عند جمهور الفقهاء ، ويشترط فيه ما يشترط في كلّ مسلمٍ فيه من كونه معلوم الجنس والصّفة ، وأن يكون ممّا يمكن ضبط قدره وصفته .. وهكذا . والبيض يمكن ضبطه قدراً وصفةً ، لأنّ الجهالة يسيرة لا تفضي إلى المنازعة ، وصغير البيض وكبيره سواء ، لأنّه لا يجري التّنازع في ذلك القدر من التّفاوت بين النّاس عادةً فكان ملحقاً بالعدم ، وبذلك يجوز السّلم في البيض عدداً ، وهذا عند الحنفيّة خلافاً لزفر ، وكذلك عند من يقول بجوازه من الحنابلة يجوز السّلم فيه عدداً ، ويذهب التّفاوت باشتراط الكبر أو الصّغر أو الوسط . ويجوز عند المالكيّة أيضاً أن يسلم فيه عدداً إذا أمكن ضبطه أو قياسه بنحو خيطٍ يوضع عند أمينٍ لاختلاف الأغراض بالكبر والصّغر . أمّا عند الشّافعيّة فلا يجوز السّلم في البيض عدداً ولا كيلاً ، وإنّما يجوز بالوزن التّقريبيّ . وعند أبي الخطّاب من الحنابلة ، وزفر من الحنفيّة ، وفي قولٍ عند الشّافعيّة : لا يجوز السّلم في البيض ، لأنّه لا يمكن ضبطه لاختلافه في الصّغر والكبر .

الاعتداء على البيض في الحرم وحال الإحرام :
9 - كلّ ما حرم صيده في الحرم حرم التّعرّض لبيضه ، فإذا كسره أحد أو شواه لزمه قيمته بمحلّه يوم التّلف ، لأنّه أصل الصّيد ، إذ الصّيد يتولّد منه فيعطى له حكم الصّيد احتياطاً . وقد روي عن الصّحابة رضي الله تعالى عنهم أنّهم حكموا في بيض النّعامة بالقيمة . وهذا عند الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة ، عدا المزنيّ فإنّه قال : هو حلال لا جزاء فيه . وعند المالكيّة يجب في كلّ فردٍ من أفراد البيض عشر قيمة أمّه طعاماً أو عدله صياماً - صوم يومٍ عن كلّ مدٍّ - واستظهر ابن عرفة أنّ في العشر البيضات شاةً . واستثنى المالكيّة بيض حمام حرم مكّة ففيه عشر قيمة شاةٍ طعاماً ، لقضاء عثمان رضي الله عنه فيه بذلك . ولا ضمان في البيض الفاسد باتّفاقٍ إذا كان غير بيض نعامةٍ ، لأنّ الضّمان لعرضيّة أن يصير البيض صيداً وهو مفقود في الفاسد . أمّا إذا كان الفاسد بيض نعامةٍ فعند الحنفيّة والمالكيّة وإمام الحرمين من الشّافعيّة وابن قدامة من الحنابلة لا شيء فيه أيضاً ، لأنّه إذا لم يكن فيه حيوان ولا مآله إلى أن يصير منه حيوان صار كالأحجار والخشب . وقال الشّافعيّة غير إمام الحرمين ، والحنابلة غير ابن قدامة يضمن قيمة قشر بيض النّعام ، لأنّ لقشره قيمة لكن قال ابن قدامة : الصّحيح لا شيء فيه . وإن كسر البيض فخرج منه فرخ ميّت ، فإن كان موت الفرخ بسبب الكسر ، فعند الجمهور عليه قيمته حيّاً ، وعند المالكيّة عليه عشر قيمة أمّه - فإن علم موت الفرخ قبل الكسر فلا شيء فيه . وإذا كسر المحرم بيضاً أو شواه وضمنه أو أخذه حلال من أجله حرم عليه أكله لأنّه صار كالميتة ، وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويحلّ أكله عند الحنفيّة . ويحلّ أكله لغير المحرم عند الحنفيّة والشّافعيّة كما صحّحه في المجموع وجزم به ابن المقري ، وكذلك يحلّ عند الحنابلة - غير القاضي - وسندٍ من المالكيّة . وعند المالكيّة غير سندٍ ، وفي قولٍ عند الشّافعيّة والقاضي من الحنابلة يحرم على الحلال ( غير المحرم ) أكله كما يحرم على المحرم . وما مرّ إنّما هو بالنّسبة لبيض حرم مكّة ، أمّا بالنّسبة لحرم المدينة فلا جزاء فيه وإن كان يحرم ويأثم بذلك . هذا كلّه في بيض الصّيد وهو غير المستأنس من الطّيور . أمّا المستأنس ( ما يربّى في البيوت كالدّجاج ) فلا شيء في بيضه .

غصب البيض :
10 - غصب البيض - كغصب غيره من الأموال - حرام ، وعلى الغاصب الضّمان ، فإن كان البيض المغصوب باقياً وجب ردّه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { لا يأخذنّ أحدكم مال أخيه لاعباً ولا جادّاً ومن أخذ عصا أخيه فليردّها } فإن تلف ضمن مثله ، إذ البيض من المثليّات عند الجمهور ، وإن تعذّر المثل فالقيمة . ويختلف الفقهاء فيمن غصب بيضاً فحضنه تحت دجاجٍ حتّى أفرخ . فعند الحنفيّة والمالكيّة يكون على الغاصب بيض مثله لربّه والفراخ للغاصب ، لأنّ المغصوب قد تبدّل وصار شيئاً آخر ، وعند الشّافعيّة والحنابلة تكون الفراخ لربّ البيض لأنّه عين ماله نمّي ، ولا شيء للغاصب .

بيطرة 1 - البيطرة في اللّغة : معالجة الدّوابّ . مأخوذ من بطر الشّيء إذا شقّه . ومنه البيطار ، وهو معالج الدّوابّ . ولا تخرج البيطرة في معناها الاصطلاحيّ عن ذلك . ( الحكم التّكليفيّ ) :
2 - مداواة البهائم وعلاجها بما فيه منفعتها ولو بالفصد والكيّ جائز شرعاً وهو مطلوب شرعاً ، لأنّه من الرّحمة بالحيوان ومن حفظ المال وهل يضمن من باشر مداواتها وعلاجها إذا أتلفها أو عطبت بفعله ؟ قال الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في الأصحّ عندهم : لا ضمان عليه إن كان قد أذن بذلك ، وكانت له بصنعته خبرة ومعرفة ، ولم يتجاوز ، فإن لم يؤذن له أو كان قد جاوز ما أذن فيه ، أو قطع بآلةٍ كآلةٍ يكثر ألمها ، أو في وقتٍ لا يصلح القطع فيه وأشباه هذا ، ضمن في هذا كلّه ، لأنّه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ ، فأشبه إتلاف المال ، ولأنّ هذا فعل محرّم فيضمن سرايته كالقطع ابتداءً ، وفي الحديث : { من تطبّب ولم يعلم منه طبّ فهو ضامن } . أي من تعاطى الطّبّ ولم يسبق له تجربة فيه . فالحديث يدلّ بمنطوقه على أنّ من طبّب وليست له خبرة بالطّبّ يكون ضامناً . وكذلك من له خبرة بالطّبّ ولكنّه أهمل أو تعدّى . والتّفصيل في ذلك يرجع إليه في مواطنه ( إجارة - جنايات ، حيوان ، ضمان ) .

نهاية الجزء الثامن / الموسوعة الفقهية

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:14 AM

بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء التاسع / الموسوعة الفقهية

بيع *
التّعريف :
1 - البيع لغةً مصدر باع ، وهو : مبادلة مال بمال ، أو بعبارة أخرى في بعض الكتب : مقابلة شيء بشيء ، أو دفع عوض وأخذ ما عوّض عنه .
والبيع من الأضداد - كالشّراء - قد يطلق أحدهما ويراد به الآخر ، ويسمّى كلّ واحد من المتعاقدين : بائعاً ، أو بيعاً . لكن إذا أطلق البائع فالمتبادر إلى الذّهن في العرف أن يراد به باذل السّلعة ، وذكر الحطّاب أنّ لغة قريش استعمال ( باع ) إذا أخرج الشّيء من ملكه ( واشترى ) إذا أدخله في ملكه ، وهو أفصح ، وعلى ذلك اصطلح العلماء تقريباً للفهم . ويتعدّى الفعل ( باع ) بنفسه إلى مفعولين فيقال : بعت فلاناً السّلعة ، ويكثر الاقتصار على أحدهما ، فتقول : بعت الدّار ، وقد يزاد مع الفعل للتّوكيد حرف مثل ( من ) أو ( اللام ) فيقال : بعت من فلان ، أو لفلان .
أمّا قولهم : باع على فلان كذا ، فهو فيما بيع من ماله بدون رضاه .
أمّا في اصطلاح الفقهاء ، فللبيع تعريفان :
أحدهما : للبيع بالمعنى الأعمّ ( وهو مطلق البيع ) .
والآخر : للبيع بالمعنى الأخصّ ( وهو البيع المطلق ) .
فالحنفيّة عرّفوا البيع بالمعنى الأعمّ بمثل تعريفه لغةً بقيد ( التّراضي ) . لكن قال ابن الهمام : إنّ التّراضي لا بدّ منه لغةً أيضاً ، فإنّه لا يفهم من ( باع زيد ثوبه ) إلاّ أنّه استبدل به بالتّراضي ، وأنّ الأخذ غصباً وإعطاء شيء آخر من غير تراض لا يقول فيه أهل اللّغة باعه واختار صاحب الدّرر من الحنفيّة التّقييد ب ( الاكتساب ) بدل ( التّراضي ) احترازاً من مقابلة الهبة بالهبة ، لأنّها مبادلة مال بمال ، لكن على طريق التّبرّع لا بقصد الاكتساب . وعرّفه المالكيّة بأنّه : عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذّة ، وذلك للاحتزاز عن مثل الإجارة والنّكاح ، وليشمل هبة الثّواب والصّرف والسّلم .
وعرّفه الشّافعيّة بأنّه : مقابلة مال بمال على وجه مخصوص .
وأورد القليوبيّ تعريفاً قال إنّه أولى ، ونصّه : عقد معاوضة ماليّة تفيد ملك عين أو منفعة على التّأبيد لا على وجه القربة . ثمّ قال : وخرج بالمعاوضة نحو الهديّة ، وبالماليّة نحو النّكاح ، وبإفادة ملك العين الإجارة ، وبالتّأبيد الإجارة أيضاً ، وبغير وجه القربة القرض . والمراد بالمنفعة بيع نحو حقّ الممرّ .
وعرّفه الحنابلة بأنّه : مبادلة مال - ولو في الذّمّة - أو منفعةً مباحةً ( كممرّ الدّار مثلاً ) بمثل أحدهما على التّأبيد غير رباً وقرض ، وعرّفه بعضهم بأنّه : مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملّكاً .
أمّا البيع بالمعنى الأخصّ ، وهو البيع المطلق ، فقد ذكره الحنفيّة والمالكيّة ، وعرّفه المالكيّة بأنّه : عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذّة ذو مكايسة ، أحد عوضيه غير ذهب ولا فضّة ، معيّن غير العين فيه .
فتخرج هبة الثّواب بقولهم : ذو مكايسة ، والمكايسة : المغالبة ، ويخرج الصّرف والمراطلة بقولهم : أحد عوضيه غير ذهب ولا فضّة ، ويخرج السّلم بقولهم : معيّن .
ثمّ لاحظ الشّافعيّة أنّ التّعريف للبيع قد يراد به البيع وحده ، باعتباره أحد شقّي العقد ، فقالوا عنه إنّه : تمليك بعوض على وجه مخصوص ، ومن ثمّ عرّفوا الشّراء بأنّه : تملّك بعوض على وجه مخصوص . كما أورد الحطّاب تعريفاً شاملاً للبيع الصّحيح والفاسد بقوله : دفع عوض في معوّض ، لما يعتقده صاحب هذا التّعريف من أنّ البيع الفاسد لا ينقل الملك وإنّما ينقل شبهة الملك ، ثمّ أشار الحطّاب إلى أنّ العرب تسمّي الشّيء صحيحاً لمجرّد الاعتقاد بصحّته ، فالملك ينتقل على حكمهم في الجاهليّة وإن لم ينتقل على حكم الإسلام ، على أنّ المقصود من الحقائق الشّرعيّة إنّما هو معرفة الصّحيح .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الهبة ، والوصيّة :
2- الهبة : تمليك بلا عوض حال الحياة . والوصيّة : تمليك بلا عوض بعد الموت .
فهما يفترقان عن البيع في أنّ البيع تمليك بعوض .
ب - الإجارة :
3 - الإجارة : عقد على منفعة معلومة بعوض معلوم . فالإجارة محدّدة بالمدّة أو بالعمل ، خلافاً للبيع . والإجارة تمليك المنفعة ، أمّا البيع فهو تمليك للذّات في الجملة .
ج - الصّلح :
4 - الصّلح : عقد يقتضي قطع النّزاع والخصومة .
وعرّفه ابن عرفة بأنّه : انتقال عن حقّ أو دعوى بعوض لرفع نزاع ، أو خوف وقوعه . وإذا كانت المصالحة على أخذ البدل فالصّلح معاوضة ، ويعتبره الفقهاء بيعاً يشترط فيه شروط البيع .
يقول الفقهاء : الصّلح على أخذ شيء غير المدّعى به بيع لذات المدّعى به بالمأخوذ إن كان ذاتاً ، فيشترط فيه شروط البيع . وإن كان المأخوذ منافع فهو إجارة .
أمّا الصّلح على أخذ بعض المدّعى به وترك باقيه فهو هبة .
فالصّلح في بعض صوره يعتبر بيعاً .
د - القسمة :
5- عرّف الحنفيّة القسمة بأنّها : جمع نصيب شائع في معيّن ، وعرّفها ابن عرفة بأنّها : تصيير مشاع من مملوك مالكين معيّناً ولو باختصاص تصرّف فيه بقرعة أو تراض .
وهي عند الشّافعيّة والحنابلة : تمييز بعض الحصص وإفرازها .
واعتبرها بعض الفقهاء بيعاً .
يقول ابن قدامة : القسمة إفراز حقّ وتمييز أحد النّصيبين من الآخر ، وليست بيعاً ، وهذا أحد قولي الشّافعيّ . وقال في الآخر : هي بيع ، وحكي عن أبي عبد اللّه بن بطّة ، لأنّه يبدل نصيبه من أحد السّهمين بنصيب صاحبه من السّهم الآخر ، وهذا حقيقة البيع .
وعلى ذلك بعض المالكيّة . قال ابن عبد البرّ : القسمة بيع من البيوع . وهو قول مالك في المدوّنة . وإن كان في القسمة ردّ - وقسمة الرّدّ هي الّتي يستعان في تعديل أنصبائها بمال أجنبيّ - فهي بيع عند الشّافعيّة والحنابلة .
جاء في المهذّب : إن كان في القسمة ردّ فهي بيع ، لأنّ صاحب الرّدّ بذلك المال في مقابلة ما حصل له من حقّ شريكه عوضاً . ويقول ابن قدامة : إن كان في القسمة ردّ عوض فهي بيع ، لأنّ صاحب الرّدّ يبذل المال عوضاً عمّا حصل له من مال شريكه ، وهذا هو البيع . وهي عند الحنفيّة يغلب فيها معنى تمييز الحقوق في قسمة المثليّ . وفي قسمة القيميّ يغلب فيها معنى البيع .
الحكم التّكليفيّ :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ البيع مشروع على سبيل الجواز ، دلّ على جوازه الكتاب والسّنّة والإجماع والمعقول .
فمن الكتاب قوله تعالى : { وأحلَّ اللّه البيعَ } وقوله عزّ وجلّ : { لا تأكلوا أموالَكم بينكم بالباطلِ إلاّ أن تكونَ تجارةً عن تَرَاضٍ منكم } .
وأمّا السّنّة فمنها : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سُئل : أيّ الكسب أطيب ؟ فقال : عمل الرّجل بيده ، وكلّ بيع مَبرور » وكذلك فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم وإقراره أصحابه عليه . والإجماع قد استقرّ على جواز البيع .
أمّا المعقول : فلأنّ الحكمة تقتضيه ، لتعلّق حاجة الإنسان بما في يد صاحبه ، ولا سبيل إلى المبادلة إلاّ بعوض غالباً ، ففي تجويز البيع وصول إلى الغرض ودفع للحاجة .
هذا هو الحكم الأصليّ للبيع ، ولكن قد تعتريه أحكام أخرى ، فيكون محظوراً إذا اشتمل على ما هو ممنوع بالنّصّ ، لأمر في الصّيغة ، أو العاقدين ، أو المعقود عليه . وكما يحرم الإقدام على مثل هذا البيع فإنّه لا يقع صحيحاً ، بل يكون باطلاً أو فاسداً على الخلاف المعروف بين الجمهور والحنفيّة ، ويجب فيه التّرادّ . على تفصيل يعرف في مصطلح ( بيع منهيّ عنه ) وفي أفراد البيوع المسمّاة المنهيّ عنها ، وفي مصطلحي ( البيع الباطل ، والبيع الفاسد ) . وقد يكون الحكم الكراهة ، وهو ما فيه نهي غير جازم ولا يجب فسخه ، ومثّل له الحطّاب من المالكيّة ببيع السّباع لا لأخذ جلودها .
وقد يعرض للبيع الوجوب ، كمن اضطرّ إلى شراء طعام أو شراب لحفظ المهجة .
كما قد يعرض له النّدب ، كمن أقسم على إنسان أن يبيع سلعةً لا ضرر عليه في بيعها فتندب إجابته ، لأنّ إبرار المقسم فيما ليس فيه ضرر مندوب .
7- وحكمة مشروعيّة البيع ظاهرة ، فهي الرّفق بالعباد والتّعاون على حصول معاشهم .
تقسيم البيع :
8 - للبيع تقسيمات عديدة باعتبارات مختلفة ، أهمّها تقسيمه باعتبار - المبيع - وباعتبار - الثّمن - من حيث طريقة تحديده ، ومن حيث كيفيّة أدائه .
وباعتبار الحكم الشّرعيّ التّكليفيّ أو الوضعيّ ( الأثر ) .
أوّلاً - تقسيم البيع باعتبار المبيع :
ينقسم البيع باعتبار موضوع المبادلة فيه إلى أربعة أنواع :
البيع المطلق :
9 - وهو مبادلة العين بالدّين وهو أشهر الأنواع ، ويتيح للإنسان المبادلة بنقوده على كلّ ما يحتاج إليه من الأعيان ، وإليه ينصرف البيع عند الإطلاق فلا يحتاج كغيره إلى تقييد .
بيع السّلم :
10 - وهو مبادلة الدّين بالعين ، أو بيع شيء مؤجّل بثمن معجّل .
وتفصيله في مصطلح ( سلم ) .
بيع الصّرف :
11 - وهو مبادلة الأثمان . وتفصيله في مصطلح ( صرف ) . ويخصّ المالكيّة الصّرف بما كان نقداً بنقد مغاير وهو بالعدّ ، فإن كان بنقد من نوعه فهو ( مراطلةً ) وهو بالوزن .
بيع المقايضة :
12 - وهو مبادلة العين بالعين . وتفصيله في ( مقايضة ) .
ثانياً - تقسيم البيع باعتبار طريقة تحديد الثّمن :
ينقسم البيع باعتبار طريقة تحديد الثّمن إلى أربعة أنواع هي :
بيع المساومة :
13 - وهو البيع الّذي لا يظهر فيه البائع رأس ماله .
بيع المزايدة :
14 - بأن يعرض البائع سلعته في السّوق ويتزايد المشترون فيها ، فتباع لمن يدفع الثّمن الأكثر .
بيوع الأمانة :
15 - وهي الّتي يحدّد فيها الثّمن بمثل رأس المال ، أو أزيد ، أو أنقص . وسمّيت بيوع الأمانة ، لأنّه يؤتمن فيها البائع في إخباره برأس المال ، وهي ثلاثة أنواع :
أ - بيع المرابحة ، وهو البيع الّذي يحدّد فيه الثّمن بزيادة على رأس المال . وتفصيله في مصطلح ( مرابحة ) .
ب - بيع التّولية ، وهو البيع الّذي يحدّد فيه رأس المال نفسه ثمناً بلا ربح ولا خسارة . انظر مصطلح ( تولية ) .
ج - بيع الوضيعة ، أو الحطيطة ، أو النّقيصة : وهو بيع يحدّد فيه الثّمن بنقص عن رأس المال ، أي بخسارة ، وتفصيله في ( وضيعة ) .
وإذا كان البيع لجزء من المبيع فيسمّى بيع ( الإشراك ) ولا يخرج عن الأنواع المتقدّمة . وينظر تفصيله في مصطلح ( إشراك - تولية ) .
ثالثاً - تقسيم البيع باعتبار كيفيّة الثّمن :
16 - ينقسم البيع بهذا الاعتبار إلى :
أ - منجز الثّمن ، وهو ما لا يشترط فيه تأجيل الثّمن ، ويسمّى بيع النّقد ، أو البيع بالثّمن الحالّ .
ب - مؤجّل الثّمن ، وهو ما يشترط فيه تأجيل الثّمن ، وسيأتي تفصيل الكلام عن هذا النّوع في مباحث الثّمن .
ج - مؤجّل المثمّن ، وهو بيع السّلم ، وقد سبقت الإشارة إليه .
د - مؤجّل العوضين ، وهو بيع الدّين بالدّين وهو ممنوع في الجملة .
وتفصيله في مصطلح ( دين ، وبيع منهيّ عنه ) .
وقد أورد ابن رشد الحفيد تقسيمات للبيع بلغت تسعةً ، تبعاً لما تمّ عليه التّبادل وكيفيّة تحديد الثّمن ووجوب الخيار ، والحلول والنّسيئة في كلّ من المبيع والثّمن ، بما لا يخرج عمّا سبق . وهناك تقسيمات أخرى فرعيّة بحسب حضور المبيع وغيبته ، وبحسب رؤيته وعدمها ، وبحسب بتّ العقد أو التّخيير فيه .
17 - أمّا التّقسيم باعتبار الحكم الشّرعيّ فأنواعه كثيرة :
فمن ذلك البيع المنعقد ، ويقابله البيع الباطل . والبيع الصّحيح ويقابله البيع الفاسد .
والبيع النّافذ ، ويقابله البيع الموقوف . والبيع اللازم ، ويقابله البيع غير اللازم ( ويسمّى الجائز أو المخيّر ) وتفصيل ما يتّصل بهذه الأنواع ينظر في مصطلحاتها .
وتنظر البيوع المنهيّ عنها في مصطلح ( بيع منهيّ عنه ) .
وهناك بيوع مسمّاة بأسماء خاصّة ورد النّهي عنها كبيع النّجش ، وبيع المنابذة ، ونحوهما . وتنظر في مصطلحاتها .
وهناك أنواع أخرى روعي في تسميتها أحوال تقترن بالعقد ، وتؤثّر في الحكم ، كبيع المكره ، أو الهازل ، وبيع التّلجئة ، وبيع الفضوليّ ، وبيع الوفاء . ولها مصطلحاتها أيضاً .
كما أنّ ( الاستصناع ) يدرج في عداد البيوع ، مع الخلاف في أنّه بيع أو إجارة ، وينظر تفصيله في مصطلحه . وهذه البيوع المسمّاة حظيت من الفقهاء . ببحث مستقلّ عن البيع المطلق ، لكنّها تأتي تاليةً له . ومن هنا جاءت تسمية ( البيوع ) لأنّها يشملها مطلق البيع ، لكنّها لا تدخل في ( البيع المطلق ) كما سبق .
أركان البيع وشروطه :
18 - للفقهاء خلاف مشهور في تحديد الأركان في البيع وغيره من العقود ، هل هي الصّيغة ( الإيجاب أو القبول ) أو مجموع الصّيغة والعاقدين ( البائع والمشتري ) والمعقود عليه أو محلّ العقد ( المبيع والثّمن ) .
فالجمهور - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - يرون أنّ هذه كلّها أركان البيع ، لأنّ الرّكن عندهم : ما توقّف عليه وجود الشّيء وتصوّره عقلاً ، سواء أكان جزءاً من حقيقته أم لم يكن ، ووجود البيع يتوقّف على العاقدين والمعقود عليه ، وإن لم يكن هؤلاء جزءاً من حقيقته . ويرى الحنفيّة أنّ الرّكن في عقد البيع وغيره : هو الصّيغة فقط . أمّا العاقدان والمحلّ فممّا يستلزمه وجود الصّيغة لا من الأركان ، لأنّ ما عدا الصّيغة ليس جزءاً من حقيقة البيع ، وإن كان يتوقّف عليه وجوده .
واستحسن بعض الفقهاء المعاصرين تسمية مجموع الصّيغة والعاقدين والمحلّ ( مقوّمات العقد ) : للاتّفاق على عدم قيام العقد بدونها .
هذا ، ولكلّ من الصّيغة والعاقدين والمحلّ شروط لا يتحقّق الوجود الشّرعيّ لأيّ منها إلاّ بتوافرها ، وتختلف تلك الشّروط من حيث أثر وجودها أو فقدانها .
فمنها شروط الانعقاد ، ويترتّب على تخلّف أحدها بطلان العقد .
ومنها شروط الصّحّة ، ويترتّب على تخلّف شيء منها بطلان العقد ، أو فساده على الخلاف بين الجمهور والحنفيّة .
ومنها شروط النّفاذ ، ويترتّب على فقد أحدها اعتبار العقد موقوفاً .
ومنها شروط اللّزوم ، ويترتّب على تخلّفها أو تخلّف بعضها عدم لزوم العقد .
وهذا التّنويع للشّروط هو ما عليه الحنفيّة . وفي بعضه خلاف لغيرهم سيأتي بيانه .
الصّيغة وشروطها :
20 - الصّيغة - كما صرّح بذلك الحطّاب - هي الإيجاب والقبول .
ويصلح لهما كلّ قول يدلّ على الرّضا ، مثل قول البائع : بعتك أو أعطيتك ، أو ملّكتك بكذا . وقول المشتري : اشتريت أو تملّكت أو ابتعت أو قبلت ، وشبه ذلك .
والإيجاب عند الجمهور : ما يصدر من البائع دالاً على الرّضا ، والقبول : ما يصدر من المشتري كذلك .
وقال الحنفيّة : إنّ الإيجاب يطلق على ما يصدر أوّلاً من كلام أحد العاقدين ، سواء أكان هو البائع أم المشتري ، والقبول ما يصدر بعده . وللتّفصيل ينظر ( إيجاب ، وقبول ) .
وقد صرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بأنّ تقدّم لفظ المشتري على لفظ البائع جائز لحصول المقصود . ولا تختلف شروط الصّيغة في البيع عن الصّيغة في غيره من العقود الماليّة ممّا خلاصته كون الصّيغة بالماضي ، أو بما يفيد إنشاء العقد في الحال كما يأتي ، وتوافق الإيجاب والقبول ، فلو خالف القبول الإيجاب لم ينعقد البيع .
وصرّح الحنفيّة أنّ القبول المخالف للإيجاب يكون إيجاباً جديداً .
ويشترط للصّيغة كذلك : اتّحاد المجلس ، وهو يجمع المتفرّقات فيه ، فلو تراخى القبول عن الإيجاب أو عكسه صحّ المتقدّم منهما ، ولم يلغ ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه عرفاً . ويشترط : عدم الهزل في الإيجاب أو القبول .
ويشترط لبقاء الإيجاب صالحاً : عدم رجوع الموجب ، وعدم وفاته قبل القبول ، وعدم هلاك المعقود عليه .
ويشترط ألاّ يطرأ قبل القبول تغيير على المعقود عليه بحيث يصير مسمًّى آخر غير المتعاقد عليه ، كتحوّل العصير خلّاً . وتفصيل ذلك في مصطلحي : ( عقد ) ( وصيغة ) .
وفيما يلي بعض التّطبيقات الهامة الخاصّة بصيغة البيع . فضلاً عمّا سبقت الإشارة إليه من شروط الصّيغة في العقود عامّةً .
21 - لا خلاف فيما إذا كان الإيجاب والقبول بصيغة الماضي مثل : بعتُ ، أو اشتريت . أو المضارع المراد به الحال بقرينة لفظيّة مثل : أبيعك الآن أو قرينة حاليّة . كما إذا جرى العرف على استعمال المضارع بمعنى الحال .
ولا ينعقد البيع إذا كان الإيجاب أو القبول بصيغة الاستفهام ، مثل : أتبعيني ؟ أو المضارع المراد به الاستقبال ، مثل : سأبيعك ، أو أبيعك غداً .
أمّا الأمر مثل : بعني ، فإذا أجابه الآخر بقوله : بعتك . كان هذا اللّفظ الثّاني إيجاباً ، واحتاج إلى قبول من الأوّل ( الآمر بالبيع ) .
وهذا عند الحنفيّة ، وفي رواية عند الحنابلة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة .
أمّا عند المالكيّة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، وإحدى الرّوايتين عند الحنابلة : ينعقد البيع بقول المشتري : بعني ، وبقول البائع : بعتك ، للدّلالة على الرّضا ، ولا يحتاج إلى قبول من الأوّل . وقال الشّافعيّة : لو قال المشتري بلفظ الماضي أو المضارع : بعتني ، أو تبيعني ، فقال البائع : بعتك ، لم ينعقد البيع حتّى يقبل بعد ذلك .
وصرّح الحنفيّة بصحّة الإيجاب بلفظ الأمر أو المضارع ، إذا كان في العبارة إيجاب أو قبول ضمنيّ ، مثل : خذ هذه السّلعة بكذا ، فقال : أخذتها ، لأنّ ( خذ ) تتضمّن بعتك فخذ ، وكذلك قول البائع بعد إيجاب المشتري : يبارك اللّه لك في السّلعة ، لأنّه يتضمّن معنى قبلت البيع . ومثل ذلك عند المالكيّة والحنابلة .
ونحو هذا للشّافعيّة في مثل : أعتق عبدك عنّي بكذا ، لأنّه تضمّن : بعنيه وأعتقه عنّي .
22 - وتدلّ عبارات الفقهاء على أنّ العبرة بالدّلالة على المقصود ، سواء أكان ذلك بوضع اللّغة أم بجريان العرف ، قال الدّسوقيّ : ينعقد البيع بما يدلّ على الرّضا عرفاً ، سواء دلّ لغةً أو لا ، من قول أو كتابة أو إشارة منهما أو من أحدهما .
وفي كشّاف القناع : الصّيغة القوليّة غير منحصرة في لفظ بعينه كبعت واشتريت ، بل هي كلّ ما أدّى معنى البيع ، لأنّ الشّارع لم يخصّه بصيغة معيّنة ، فيتناول كلّ ما أدّى معناه .
23 - ويحصل التّوافق بين الإيجاب والقبول بأن يقبل المشتري كلّ المبيع بكلّ الثّمن . فلا توافق إنّ قبل بعض العين الّتي وقع عليها الإيجاب أو قبل عيناً غيرها ، وكذلك لا توافق إن قبل ببعض الثّمن الّذي وقع به الإيجاب أو بغيره ، إلاّ إن كان القبول إلى خير ممّا في الإيجاب ، كما لو باع شخص السّلعة بألف فقبلها المشتري بألف وخمسمائة ، أو اشترى شخص سلعةً بألف فقبل البائع بيعها بثمانمائة ، وهذه موافقة ضمنيّة ولكن لا تلزم الزّيادة ، إلاّ إن قبلها الطّرف الآخر .
أمّا الحطّ من الثّمن فجائز ولو بعد البيع . وكذلك لا توافق إن باعه سلعةً بألف فقبل نصفها بخمسمائة مثلاً ، إلاّ إن رضي البائع بعد هذا ، فيصير القبول إيجاباً ، ورضا البائع بعده قبول . وصرّح بعض الشّافعيّة بأنّه لو قال البائع : بعتك هذا بألف ونصفه بخمسمائة ، فقبل نصفه جاز ، ومنه يعرف حكم ما لو وجدت قرينة برضا البائع بتجزئة المبيع بالنّسبة للثّمن .
انعقاد البيع بالمعاطاة ،أو التّعاطي :
24 - المعاطاة هي : إعطاء كلّ من العاقدين لصاحبه ما يقع التّبادل عليه دون إيجاب ولا قبول ، أو بإيجاب دون قبول ، أو عكسه ، وهي من قبيل الدّلالة الحاليّة ، ويصحّ بها البيع في القليل والكثير عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة كالمتولّي والبغويّ ، خلافاً لغيرهم . وتفصيل ذلك والخلاف فيه يذكر في مصطلح : ( تعاطي ) .
انعقاد البيع بالكتابة والمراسلة :
25 - يصحّ التّعاقد بالكتابة بين حاضرين أو باللّفظ من حاضر والكتابة من الآخر . وكذلك ينعقد البيع إذا أوجب العاقد البيع بالكتابة إلى غائب بمثل عبارة : بعتك داري بكذا ، أو أرسل بذلك رسولاً فقبل المشتري بعد اطّلاعه على الإيجاب من الكتاب أو الرّسول .
واشترط الشّافعيّة الفور في القبول ، وقالوا : يمتدّ خيار المجلس للمكتوب إليه أو المرسل إليه ما دام في مجلس قبوله ، ولا يعتبر للكاتب مجلس ، ولو بعد قبول المكتوب إليه ، بل يمتدّ خياره ما دام خيار المكتوب إليه . كما قالوا : لا يشترط إرسال الكتاب أو الرّسول فوراً عقب الإجابة .
ولم يشترط غير الشّافعيّة الفور في القبول ، بل صرّح الحنابلة بأنّه لا يضرّ التّراخي هنا بين الإيجاب والقبول ، لأنّ التّراخي مع غيبة المشتري لا يدلّ على إعراضه عن الإيجاب .
انعقاد البيع بالإشارة من الأخرس وغيره :
26 - ينعقد البيع بالإشارة من الأخرس إذا كانت معروفةً ، ولو كان قادراً على الكتابة ، وهو المعتمد عند الحنفيّة ، لأنّ كلاً من الإشارة والكتابة حجّة .
أمّا الإشارة غير المفهومة فلا عبرة بها . ولا تقبل الإشارة من النّاطق عند الجمهور .
أمّا المالكيّة فعندهم ينعقد البيع بالإشارة المفهمة ولو مع القدرة على النّطق .
وأمّا من اعتقل لسانه ، وهو : من طرأ عليه الخرس ففيه خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح : ( اعتقال اللّسان ) .
شروط البيع :
27 - اختلفت طريقة الفقهاء في حصر شروط البيع ، فقد جعلها بعضهم شروطاً لصحّة البيع من حيث هو ، في حين اهتمّ آخرون بذكر شروط المبيع ، ثمّ إلحاق الثّمن في جميع شروط المبيع أو في بعضها ، حسب إمكان تصوّرها فيه .
ولا تباين بين معظم تلك الشّروط ، لتقارب المقصود بما عبّروا به عنها .
وهناك شروط انفرد بذكرها بعض المذاهب دون بعض .
ومع أنّ الحنفيّة يفرّقون بين شروط الانعقاد وشروط الصّحّة ، فإنّهم يعتبرون شروط الانعقاد شروطاً للصّحّة ، لأنّ ما لم ينعقد فهو غير صحيح ، ولا عكس .
وفيما يلي بيان تلك الشّروط على طريقة الجمهور ، مع الإشارة إلى ما اعتبره الحنفيّة منها شرط انعقاد .
شروط المبيع :
للمبيع شروط هي :
أن يكون المبيع موجوداً حين العقد .
28 - فلا يصحّ بيع المعدوم ، وذلك باتّفاق الفقهاء . وهذا شرط انعقاد عند الحنفيّة .
ومن أمثلة بيع المعدوم بيع الثّمرة قبل أن تخلق ، وبيع المضامين ( وهي ما سيوجد من ماء الفحل ) ، وبيع الملاقيح ( وهي ما في البطون من الأجنّة ) وذلك لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبلة » . ولما في ذلك من الغرر والجهالة . وللحديث : « نهى عن بيع الغرر » .
ولا خلاف في استثناء بيع السّلم ، فهو صحيح مع أنّه بيع المعدوم ، وذلك للنّصوص الواردة فيه ، ومنها : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ، ورخّص في السّلم » .
أن يكون مالاً :
29 - وعبّر المالكيّة والشّافعيّة عن هذا الشّرط بلفظ : النّفع أو الانتفاع ، ثمّ قالوا : ما لا نفع فيه ليس بمال فلا يقابل به ، أي لا تجوز المبادلة به . وهو شرط انعقاد عند الحنفيّة . والمال ما يميل إليه الطّبع ، ويجري فيه البذل والمنع ، فما ليس بمال ليس محلاً للمبادلة بعوض ، والعبرة بالماليّة في نظر الشّرع ، فالميتة والدّم المسفوح ليس بمال .
أن يكون مملوكاً لمن يلي العقد :
30 - وذلك إذا كان يبيع بالأصالة . واعتبر الحنفيّة هذا الشّرط من شروط الانعقاد ، وقسموه إلى شقّين :
الأوّل : أن يكون المبيع مملوكاً في نفسه ، فلا ينعقد بيع الكلأ مثلاً ، لأنّه من المباحات غير المملوكة ، ولو كانت الأرض مملوكةً له .
والثّاني : أن يكون المبيع ملك البائع فيما يبيعه لنفسه ، فلا ينعقد بيع ما ليس مملوكاً ، وإن ملكه بعد ، إلاّ السّلم ، والمغصوب بعد ضمانه ، والمبيع بالوكالة ، أو النّيابة الشّرعيّة ، كالوليّ والوصيّ والقيّم .
وقد استدلّ لعدم مشروعيّة بيع ما لا يملكه الإنسان بحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه :
« لا تبع ما ليس عندك » وفي بيع الفضوليّ خلاف ينظر في مصطلح : ( بيع الفضوليّ ) . أن يكون مقدور التّسليم :
31 - وهو شرط انعقاد عند الحنفيّة ، فلا يصحّ بيع الجمل الشّارد ، ولا بيع الطّير في الهواء ، ولا السّمك في الماء ، « لنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر » .
أن يكون معلوماً لكلّ من العاقدين :
32 - وهذا الشّرط عند الحنفيّة شرط صحّة ، لا شرط انعقاد ، فإذا تخلّف لم يبطل العقد ، بل يصير فاسداً . ويحصل العلم بكلّ ما يميّز المبيع عن غيره ، ويمنع المنازعة ، فبيع المجهول جهالةً تفضي إلى المنازعة غير صحيح كبيع شاة من القطيع .
هذا وقد زاد المالكيّة والشّافعيّة في شروط المبيع : اشتراط طهارة عينه .
كما ذكر المالكيّة شرطين آخرين هما : أن لا يكون البيع من البيوع المنهيّ عنها ،
وأن لا يكون البيع محرّماً . وهذه الشّروط تندرج فيما سبق من شروط .
وينظر تفصيل محترزات هذه الشّروط وما يترتّب على تخلّف كلّ منها في مصطلح : ( بيع منهيّ عنه ) وانظر أيضاً البيوع الملقّبة ، كلاً في موضعه .
المبيع وأحكامه وأحواله
أوّلاً : تعيين المبيع
33 - لا بدّ لمعرفة المبيع من أن يكون معلوماً بالنّسبة للمشتري بالجنس والنّوع والمقدار ، فالجنس كالقمح مثلاً ، والنّوع كأن يكون من إنتاج بلد معروف ، والمقدار بالكيل أو الوزن أو نحوهما . وتعيين المبيع أمر زائد عن المعرفة به ، لأنّه يكون بتمييزه عن سواه بعد معرفة ذاته ومقداره ، وهذا التّمييز إمّا أن يحصل في العقد نفسه بالإشارة إليه ، وهو حاضر في المجلس ، فيتعيّن حينئذ ، وليس للبائع أن يعطي المشتري سواه من جنسه إلاّ برضاه . والإشارة أبلغ طرق التّعريف . وإمّا أن لا يعيّن المبيع في العقد ، بأن كان غائباً موصوفاً ، أو قدراً من صبرة حاضرة في المجلس ، وحينئذ لا يتعيّن إلاّ بالتّسليم .
وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة .
وفي الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه لا يصحّ بيع الغائب .
ومن المبيع غير المتعيّن بيع حصّة على الشّيوع . سواء أكانت من عقار أو منقول ، وسواء أكان المشاع قابلاً للقسمة أو غير قابل لها ، فإنّ المبيع على الشّيوع لا يتعيّن إلاّ بالقسمة والتّسليم . وممّا يتّصل بالتّعيين للمبيع : بيع شيء واحد من عدّة أشياء ، على أن يكون للمشتري خيار التّعيين ، أي تعيين ما يشتريه منها ، ويمكنه بذلك أن يختار ما هو أنسب له منها . وهذا عند من يقول بخيار التّعيين . وفي جواز هذا البيع وشروطه وما يترتّب على هذا الخيار تفصيلات تنظر في مصطلح : ( خيار التّعيين ) .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:15 AM

ثانياً : وسيلة معرفة المبيع وتعيينه
34 - إذا كان المبيع غائباً عن المجلس ولم تتمّ معرفة المبيع برؤيته أو الإشارة إليه على ما سبق ، فإنّها تتمّ بالوصف الّذي يميّزه عن غيره ، مع بيان مقداره .
وإذا كان عقاراً كان لا بدّ من بيان حدوده ، لاختلاف قيمة العقار باختلاف جهته وموقعه . وإذا كان من المكيلات أو الموزونات أو المذروعات أو المعدودات فإنّه تحصل معرفتها بالمقدار الّذي تباع به . وفي ذلك بعض التّفصيلات سيأتي بيانها قريباً .
ويصحّ بيع الجزاف ، وهو إمّا أن يكون بإجمال الثّمن على الصّبرة كلّها ، فيصحّ باتّفاق مع مراعاة ما ذكره المالكيّة من شروط في بيع الجزاف .
وإمّا بتفصيله بنحو : كلّ صاع بكذا ، فيصحّ عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمّد . وقال أبو حنيفة : يصحّ في قفيز واحد ، ويبطل فيما سواه ، لجهالة المجموع الّذي وقع عليه العقد .
وقال الشّافعيّة : إن قدّر الصّبرة كأن قال : بعتك الصّبرة كلّ صاع بدرهم ، على أنّها مائة ، صحّ البيع إن خرجت مائة لتوافق الجملة والتّفصيل ، وإن لم تخرج مائةً ، بأن خرجت أقلّ أو أكثر ، ففي الصّحيح لا يصحّ البيع ، لتعذّر الجمع بين جملة الثّمن وتفصيله ، والقول الثّاني يصحّ . ويجوز بيع المكيل بالوزن ، وعكسه ، وهذا في الجملة في غير الرّبويّات ، أي فيما لا يحرم التّفاضل فيه ، للنّصّ على ذلك في الرّبويّات .
ويجوز البيع بمكيال أو ميزان خاصّ ، كحجر معيّن للمتبايعين ، ولو لم يكن متعارفاً عليه عند غيرهما . أمّا البيع بمكيال غير منضبط ، بأن كان يتّسع ويضيق فلا يجوز . مع استثناء بيع الماء بالقرب ، فيجوز استحساناً لجريان العرف به كما يقول الحنفيّة .
ثالثاً - شمول المبيع :
توابع المبيع :
35 - يقع البيع على العين ومنافعها ، ولذا كان من مقتضاه أحياناً أن يدخل في المبيع ماله صلةً به ، لتحقيق المنفعة المرادة منه ، أو أن يقضي العرف بشمول المبيع لأشياء تدخل فيه ولو لم يصرّح بذلك في العقد . كما أنّها لا تنفصل عنه لا بالاستثناء .
فعند الحنفيّة يدخل في المبيع ما يلي :
أ - ما يتناوله مدلول اسم المبيع ، بحيث يعتبر جزءاً من أجزائه . فبيع الدّار مثلاً يدخل فيه غرفها ، وبيع الخزانة يدخل فيه الأدراج .
ب - ما لا يقبل الانفكاك عن المبيع بالنّظر إلى الغرض من العقد عليه .
فبيع القفل يدخل معه المفتاح .
ج - ما كان متّصلاً بالمبيع اتّصال قرار ، بأن كان موضوعاً على وجه الدّوام ، كبيع الدّار تدخل فيه الأبواب والأحواض .
د - ما جرى العرف ببيعه مع المبيع تابعاً له . كالخطام بالنّسبة للبعير .
فالأصل أنّ هذه الأمور كلّها ترجع إلى العرف ، وهو يختلف باختلاف البلاد ، فما جرى العرف في بلد بدخوله في البيع تبعاً دخل فيه ، وإن لم يجر هذا العرف في بلد آخر .
ولذلك يقول ابن عابدين نقلاً عن الذّخيرة في بيع الدّار : الأصل أنّ ما لا يكون من بناء الدّار ولا متّصلاً بها ، لا يدخل إلاّ إذا جرى العرف أنّ البائع لا يمنعه عن المشتري ، فالمفتاح يدخل استحساناً لا قياساً لعدم اتّصاله ، وقلنا بدخوله بحكم العرف .
ثمّ قال ابن عابدين : ومقتضى ذلك أنّ شرب الدّار يدخل في ديارنا ( دمشق ) للتّعارف ، بل هو أولى من دخول السّلم المنفصل في عرف مصر القاهرة ، لأنّ الدّار في دمشق إذا كان لها ماء جار وانقطع عنها أصلاً لم ينتفع بها ، وأيضاً إذا علم المشتري أنّه لا يستحقّ شربها بعقد البيع لا يرضى بشرائها إلاّ بثمن قليل جدّاً بالنّسبة للدّار الّتي يدخل فيها شربها .
ويقول القرافيّ في الفرق بين قاعدة : ما يتبع العقد عرفاً ، وقاعدة : ما لا يتبعه - بعد أن سرد الأبواب في ذلك - قال : وهذه الأبواب الّتي سردتها مبنيّة على العوائد ، غير مسألة الثّمار المؤبّرة بسبب أنّ مدركها النّصّ والقياس ، وما عداها مدركه العرف والعادة ، فإذا تغيّرت العادة أو بطلت بطلت هذه الفتاوى ، وحرمت الفتوى بها لعدم مدركها فتأمّل ذلك ، بل تتبع الفتوى هذه العوائد كيفما تقلّبت ، كما تتبع النّقود في كلّ عصر وحين ، وكلّ ما صرّح به في النّقود واقتضته اللّغة فهذا هو الّذي لا يختلف باختلاف العوائد ، ولا يقال : إنّ العرف اقتضاه . ومعنى شمول المبيع لتلك الأشياء أنّها تدخل معه بالثّمن نفسه دون أن يكون لها حصّة من الثّمن ، لأنّ القاعدة أنّ كلّ ما يدخل في المبيع تبعاً لا حصّة له من الثّمن .
ويعتبر مثل ذلك - عند الحنفيّة - ما كان وصفاً بالنّسبة للمبيع ، فإذا تلف بعد العقد وقبل القبض ، لم يكن للمشتري إسقاط شيء في مقابله من الثّمن ، بل يتخيّر بين التّمسّك بالعقد وبين الفسخ ، وهو من قبيل خيار فوات الوصف ، وذلك بخلاف ما لو هلك شيء من ذات المبيع ( لا من توابعه ) فإنّه يتمكّن به المشتري من إسقاط ما يخصّه من الثّمن .
وأمّا عند الشّافعيّة والحنابلة : إن قال بعتك هذه الدّار دخل فيها ما اتّصل بها من الرّفوف المسمّرة والخوابي والأجاجين المدفونة فيها ، وكلّ ما اتّصل بها اتّصال استقرار لمصلحتها . ولا يدخل المنفصل عند الحنابلة ، وأحد وجهين عند الشّافعيّة ، فيدخل حجر الرّحى السّفلانيّ إن كان متّصلاً ، ولا يدخل الحجر الفوقانيّ ، ولا مثل دلو وحبل وبكرة ومفتاح .
الاستثناء من المبيع :
36 - ينبني حكم الاستثناء من المبيع على نصّ وضابط مبنيّ عليه ، مع اتّفاق الفقهاء في بعض ما ينبني على ذلك من مسائل ، واختلافهم في بعضها الآخر بسبب اختلافهم في التّوجيه ، وبيان ذلك فيما يلي :
أمّا النّصّ فهو ما رواه البخاريّ من أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن الثنيا إلاّ أن تعلم » . وأمّا الضّابط فهو أنّ كلّ ما يجوز بيعه منفرداً يجوز استثناؤه ، وما لا يجوز إيقاع البيع عليه بانفراده لا يجوز استثناؤه .
ولا بدّ من كون المستثنى معلوماً ، لأنّه إن كان مجهولاً عاد على الباقي بالجهالة ، فلم يصحّ البيع . وعلى ذلك لا يجوز استثناء الحمل من بيع الدّابّة ، لأنّه لا يجوز إفراده بالبيع ، فكذا استثناؤه ، وهو قول الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلاّ فيما نقل عن الإمام أحمد بصحّة استثنائه ، وبه قال الحسن والنّخعيّ وإسحاق وأبو ثور ، لما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه باع جاريةً واستثنى ما في بطنها ، ولأنّه يصحّ استثناؤه في العتق ، فصحّ في البيع قياساً عليه .
وهكذا كلّ مجهول لا يجوز استثناؤه ، كاستثناء شاة غير معيّنة من قطيع .
ولا يجوز بيع الحائط واستثناء شجرة أو نخلة غير معيّنة لأنّ استثناء المجهول من المعلوم يصيّره مجهولاً ، فإن عيّن المستثنى صحّ البيع والاستثناء . وهذا عند الجمهور .
ويجوز عند الإمام مالك استثناء نخلات أو شجرات وإن لم تكن بأعيانها ، على أن يختارها ، إذا كان ثمرها قدر الثّلث أو أقلّ ، وكانت ثمار الحائط لوناً واحداً ، لخفّة الغرر في ذلك .
ولا يجوز بيع ثمرة واستثناء أرطال معلومة منها ، « لنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الثنيا » ، ولأنّ الباقي بعد الاستثناء مجهول . روي ذلك عن سعيد بن المسيّب والشّافعيّ والأوزاعيّ وإسحاق وأبي ثور ، وهو قول الحنابلة غير أبي الخطّاب ، وهو رواية الحسن وقول الطّحاويّ من الحنفيّة .
ويجوز ذلك عند الإمام مالك إذا كان قدر ثلث فأقلّ ، والجواز هو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وهو قول ابن سيرين وسالم بن عبد اللّه وأبي الخطّاب من الحنابلة ، لأنّه استثنى معلوماً . ويجوز استثناء جزء مشاع كربع وثلث ، لأنّه لا يؤدّي إلى جهالة المستثنى ولا المستثنى منه ، فصحّ كما لو اشترى شجرةً بعينها . وقال أبو بكر وابن أبي موسى من الحنابلة : لا يجوز . ويجوز عند الحنابلة بيع الحيوان المأكول واستثناء رأسه وجلده وأطرافه وسواقطه . وجوّز مالك ذلك في السّفر فقط ، إذ لا ثمن للسّواقط هناك ، وكرهه في الحضر ، ولأنّ المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسّواقط ، والدّليل على جواز استثناء ذلك « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الثّنيا إلاّ أن تعلم » وهذه معلومة .
وروي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مرّوا براعي غنم فذهب أبو بكر وعامر فاشتريا منه شاةً . وشرطا له سلبها »أي جلدها وأكارعها وبطنها ولا يجوز ذلك عند الحنفيّة والشّافعيّة .
وممّا اختلف الفقهاء فيه من الاستثناء ما اعتبره بعضهم شرطاً صحيحاً ، فأجازه وأجاز البيع ، واعتبره غيرهم شرطاً فاسداً ، فأبطله وأبطل البيع .
ومثال ذلك : من يبيع الدّار ويستثنى سكناها شهراً مثلاً ، فأجاز ذلك المالكيّة والحنابلة ، واستدلّوا بحديث « جابر أنّه باع النّبيّ صلى الله عليه وسلم جملاً ، واشترط ظهره إلى المدينة أي ركوبه » وفي لفظ : قال : « بعته واستثنيت حملانه إلى أهلي » .
وعند الحنفيّة والشّافعيّة : لا يجوز ذلك ، ويبطل الشّرط والبيع ، لأنّه شرط غير ملائم .
بيع الأصول :
37 - الأصول : جمع أصل ، وهو ما ينبني عليه غيره ، والمراد بالأصول هنا ما عبّر عنه النّوويّ ، بقوله في " تحريره " الأصول : الشّجر والأرض وفي شرح منتهى الإرادات : المراد بالأصول هنا : أرض ودور وبساتين .
وقد درج الفقهاء على إفراد فصل بعنوان ( بيع الأصول ) ذاكرين فيه ما يتبع هذه الأصول في البيع وما لا يتبعها . وبيان ذلك كما يأتي .
38 - بيع الأرض : من باع أرضاً دخل فيها الغراس والبناء لاتّصالها بها اتّصال قرار ، وهي من حقوقها ، وهذا في جميع المذاهب إلاّ في قول عند الشّافعيّة أنّه إن أطلق ولم يقل بحقوقها فلا يدخل البناء والشّجر لكنّ المذهب دخوله عند الإطلاق . كما أنّ الشّافعيّة فسّروا الشّجر الّذي يتبع الأرض بالشّجر الرّطب ، أمّا اليابس فلا يدخل ، على ما صرّح به ابن الرّفعة والسّبكيّ تفقّهاً . وقال الإسنويّ لا يدخل جزماً .
كما يدخل في بيع الأرض الحجارة المخلوقة والمثبتة فيها ، لأنّها من أجزائها ، دون المدفونة كالكنز فلا تدخل في البيع ، وتكون للبائع ، لكن قال القرافيّ : لا تدخل المدفونة إلاّ على القول بأنّ من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها . وإن كان في الأرض زرع يجزّ مرّةً بعد أخرى فالأصول للمشتري ، والجزّة الظّاهرة عند البيع للبائع .
39 - ومن باع داراً دخل في البيع بناؤها ، وفناؤها وما فيها من شجر مغروس ، وما كان متّصلاً بها لمصلحتها ، كسلالم ، ورفوف مسمّرة ، وأبواب ورحًى منصوبة ، ولا يتناول ما فيها من كنز مدفون ولا ما هو منفصل عنها كحبل ودلو ، ولا ما ينقل كحجر وخشب .
أمّا الغلق المثبّت فيدخل مفتاحه عند الحنفيّة والمالكيّة على ما تقدّم ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، وفي رواية عند الحنابلة .
40 - ومن باع شجراً تبعه الأغصان والورق وسائر أجزاء الشّجر ، لأنّه من أجزائها خلق لمصلحتها ، أمّا الأرض الّتي هي مكان غرسها فتدخل أيضاً في بيعها عند المالكيّة ، وعند الحنفيّة إن اشتراها للقرار اتّفاقاً . ولا تدخل عند الحنابلة ، وعلى الأصحّ عند الشّافعيّة ، لأنّ الاسم لا يتناولها ولا هي تبع للمبيع .
وإن كان في الشّجر أو النّخل ثمر فالمؤبّر للبائع ، إلاّ أن يشترط ذلك المشتري ، لما روى ابن عمر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : من باع نخلاً قد أبّرت فثمرتها للبائع ، إلاّ أن يشترط المبتاع » .
أمّا إذا لم تكن مؤبّرةً فهي للمشتري ، لأنّ قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم دلّ على أنّها إذا لم تكن مؤبّرةً فهي للمبتاع ، ولأنّ ثمرة النّخل كالحمل ، لأنّه نماء كامن لظهوره غاية .
وهذا عند الجمهور . وعند الحنفيّة لا تدخل الثّمرة مؤبّرةً أو غير مؤبّرة على الصّحيح إلاّ بالشّرط للحديث المتقدّم . لكن برواية ليس فيها التّأبير .
41 - ومن باع حيواناً تبعه ما جرى العرف بتبعيّته له كاللّجام والمقود والسّرج ، وفرّق الشّافعيّة بين ما هو متّصل بالحيوان كالبرّة ( الحلقة الّتي في أنف الدّابّة ) وكالنّعل المسمّر ، فهذا يدخل في بيع الحيوان تبعاً .
أمّا اللّجام والسّرج والمقود ، فلا يدخل في بيع الحيوان اقتصاراً على مقتضى اللّفظ .
بيع الثّمار :
42 - يجوز باتّفاق الفقهاء بيع الثّمار وحدها منفردةً عن الشّجر ، ولا يجوز بيعها إلاّ بعد بدوّ صلاحها - مع اختلافهم في تفسير بدوّ الصّلاح - هل هو ظهور النّضج والحلاوة ونحو ذلك كما يقول الجمهور ، أو هو أمن العاهة والفساد كما يقول الحنفيّة .
ودليل الجواز مأخوذ من حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه : « نهى عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها » .
قال ابن قدامة : فمفهومه إباحة بيعها بعد بدوّ صلاحها ، وهذا عند من يقول بالمفهوم .
كما أنّ الأصل جواز كلّ بيع استكمل شروطه . ويجوز كذلك بيع الثّمار بعد ظهورها ، وقبل بدوّ الصّلاح بشرط القطع في الحال ، وذلك إذا كان ينتفع به ، وهذا باتّفاق ، إلاّ أنّ المالكيّة زادوا على ذلك شرطين أحدهما : أن يحتاج المتبايعان أو أحدهما للبيع .
والثّاني : أن لا يتمالأ أكثر أهل البلد على الدّخول في هذا البيع .
فإن بيع الثّمر قبل بدوّ الصّلاح بشرط التّبقية أو على الإطلاق دون بيان جذّ ولا تبقية فعند الجمهور- المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة- البيع باطل .
والحكم كذلك عند الحنفيّة إن شرط التّرك ، وإن لم يشترط قطعاً ولا تبقيةً فإنّه يجوز باتّفاق أهل المذهب ، إذا كان ينتفع به . وعلى الصّحيح إن كان لا ينتفع به ، لأنّه مال منتفع به في ثاني الحال ، إن لم يكن منتفعاً به في الحال ، فإن شرط التّرك فسد البيع .
فإن باع الثّمرة مع الأصل جاز بالاتّفاق ، لأنّها تكون تبعاً لأصل .
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( ثمار ) .
رابعاً : حضور المبيع وغيابه
أ - حضور المبيع :
43 - من المقرّر أنّ الإشارة إلى المبيع هي أقوى طرق التّعريف والتّعيين ، ولذلك إذا كان المبيع في حضرة المتعاقدين - مجلس العقد - وتمّ تعيينه بالإشارة بحيث عرفه المشتري ورآه ، فإنّ البيع لازم إذا خلا من سبب خاصّ - لا يتّصل برؤية المبيع - من الأسباب الّتي ينشأ بها الخيار للمشتري .
حتّى لو اقترنت الإشارة بالوصف ، وكان الوصف مغايراً لما رآه المشتري ورضي به ، فإنّه ليس له المطالبة بعدئذ بالوصف ، ما دام العقد قد تمّ بعد الرّؤية والرّضا .
ويعبّر عن ذلك بالقاعدة الفقهيّة التّالية " الوصف في الحاضر لغو ، وفي الغائب معتبر " . وهذا بخلاف التّغاير بين اسم المبيع والإشارة إليه ، كقوله : بعتك هذه الفرس ، وأشار إلى ناقة مثلاً ، فالتّسمية هي المعتبرة ، لأنّ الاسم يحدّد به جنس المبيع ، فهذا غلط في الجنس لا في الوصف ، والغلط في الجنس غير مغتفر ، لأنّه يكون به المبيع معدوماً .
وقد صرّح القرافيّ : بأنّه إن لم يذكر الجنس في البيع ، بأن قال : بعتك ثوباً امتنع إجماعاً . وهذا إذا كان الوصف ممّا يدركه المشتري ، أمّا لو كان ممّا يخفى عليه ، أو يحتاج إلى اختبار ، كالوصف للبقرة بأنّها حلوب ، ثمّ تبيّن للمشتري أنّها ليست كذلك ، فإنّ فوات الوصف هنا مؤثّر ، إن كان قد اشترط في العقد ، ولو كان المبيع حاضراً مشاراً إليه . لأنّ الوصف هنا معتبر من البائع ، ويترتّب على فواته خيار للمشتري يسمّى : خيار فوات الوصف . ويستوي في استحقاق الخيار بفوات الوصف أن يكون المبيع حاضراً أو غائباً . وتفصيل ذلك في ( خيار الوصف ) .
ب - غياب المبيع :
44 - إذا كان المبيع غائباً ، فإمّا أن يشتري بالوصف الكاشف له ، على النّحو المبيّن في عقد السّلم ، وإمّا أن يشتري دون وصف ، بل يحدّد بالإشارة إلى مكانه أو إضافته إلى ما يتميّز به . فإن كان البيع بالوصف ، وهو هنا غير الوصف المرغوب السّابق ، فإذا تبيّنت المطابقة بين المبيع بعد مشاهدته وبين الوصف لزم البيع ، وإلاّ كان للمشتري خيار الخلف عند جمهور الفقهاء .
أمّا الحنفيّة فإنّهم يثبتون للمشتري هنا خيار الرّؤية ، بقطع النّظر عن سبق وصفه أو عدمه ، وتفصيله في " خيار الوصف ، وخيار الرّؤية " . لكن إن تمّ الشّراء على أساس النّموذج ، ولم يختلف المبيع عنه ، فليس للمشتري خيار رؤية .
وبيع الغائب مع الوصف صحيح عند الجمهور في الجملة- الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة- فقد أجازه الحنفيّة ولو لم يسبق وصفه . وفي قول للشّافعيّة لا بدّ من الوصف لأنّ للمشتري هنا خيار الرّؤية على كلّ حال ، سواء مع الوصف والمطابقة ، أو المخالفة ، ومع عدم الوصف . وهو خيار حكميّ لا يحتاج إلى اشتراط . وأجازه الحنابلة مع الوصف على الوجه المطلوب لصحّة السّلم ، وقصروا الخيار على حال عدم المطابقة . وأجازه المالكيّة بثلاثة شروط :
أ - ألاّ يكون قريباً جدّاً بحيث تمكن رؤيته بغير مشقّة ، لأنّ بيعه غائباً في هذه الحال عدول عن اليقين إلى توقّع الضّرر فلا يجوز .
ب - ألاّ يكون بعيداً جدّاً ، لتوقّع تغيّره قبل التّسليم ، أو لاحتمال تعذّر تسليمه .
ج - أن يصفه البائع بصفاته الّتي تتعلّق الأغراض بها وهي صفات السّلم .
والأظهر في مذهب الشّافعيّة : أنّه لا يصحّ بيع الغائب ، وهو : ما لم يره المتعاقدان أو أحدهما ، وإن كان حاضراً ، للنّهي عن بيع الغرر .
أمّا البيع على البرنامج ، وهو الدّفتر المبيّنة فيه الأوصاف ، أو على الأنموذج بأن يريه صاعاً ويبيعه الصّبرة على أنّها مثله فقد أجازه الحنفيّة ، وهو قول للحنابلة صوّبه المرداويّ - لما سبق - والمالكيّة ، والأصحّ للحنابلة منعه ، وأجازه الشّافعيّة فيما لو قال مثلاً : بعتك الحنطة الّتي في هذا البيت ، وهذا أنموذجها ، ويدخل الأنموذج في البيع .
وللمالكيّة تفصيل فيما إذا ظهر أنّ ما في العدل المبيع على البرنامج أقلّ أو أكثر ، وتفصيله في ( ظهور المبيع زائداً أو ناقصاً ) .
خامساً ظهور النقصان أو الزيادة في المبيع :
45 - يختلف الحكم في المبيع إذا ظهر فيه نقصان أو زيادة بين أن يكون البيع على أساس المقدار ، وبين أن يكون من قبيل بيع الجزاف ( أو المجازفة ) وهو ما يسمى أيضاً ( بيع الصُبْرة ) ومنه بعض صور البيع على البرنامج أو الأنموذج ، حيث يظهر القدر مخالفاً لما كتب في البرنامج .
أ- بيع الجزاف :
46 - إذا كان البيع جزافاً فلا أثر لظهور النقص أو الزيادة عما توقعه المشتري أو البائع .
وتفصيل ذلك في ( بيع الجزاف )
ب - بيع المقدّرات :
47 - إذا ظهر نقص أو زيادة فيما بيع مقدراً بكيل أو وزن او ذرع أو عد ، فيننظر في المبيع ، هل هو مما يضره التبعيض أو لا يضره ؟ كما ينظر في أساس الثمن الذي تم عليه البيع هل هو مجمل أو مفصل على أجزاء ؟
فإذا كان المبيع مما لا يضره التبعيض ( كالمكيلات بأنواعها ، وكذلك بعض الموزونات كالقمح ، والمذروعات كالقماش الذي يباع بالذراع ، دون نضر إلى ما يكفي للثوب الواحد ، وكذلك المعدودات المتقاربة ). فإن الزيادة في المبيع هي للبائع ، والنقص على حسابه ، ولا حاجة في هذه الحال للنظر إلى تفصيل الثمن أو إجماله .
وإذا كان الثمن مفصلاً ، كما لو قال : كل ذراع بدرهم ، فالزيادة للبائع والنقص عليه ، ولا حاجة للنظر إلى كونه يضره التبعيض أو لا .
أما إذا كان الثمن غير مفصل ، والمبيع مما يضره التبعيض ، فإن الزيادة للمشتري والنقص عليه ، ولا يقابله شيء من الثمن ، لكن يثبت للمشتري الخيار في حال النقص ، وهو خيار تفرق الصفقة .
وذلك لأن ما لا يضره التبعيض يعتبر التقدير فيه كالجزء ، وما يضره التبعيض يعتبر التقدير فيه كالوصف . والوصف لا يقابله شيء من الثمن بل يثبت به الخيار .
هذا ما ذهب إليه الحنفية .
وذهب الشافعية في الصحيح ، وهو رواية عند الحنابلة إلى : أنه إذا ظهر في المبيع المقدر زيادة أو نقصان فالبيع باطل ، لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة ، ولا المشتري علىأخذ البعض ، وهناك ضرر في الشركة بين البائع والمشتري بالنسبة لما زاد .
وللمالكية تفصيل بين كون النقص قليلاً أو كثيراً . فإن كان قليلاً لزم المشتري الباقي بما ينوبه من الثمن ، وإن كان كثيراً كان مخيراً في الباقي بين أخذه بما ينوبه ، أو رده .
وقيل : إن ذلك بمنزلة الصفة للمبيع ، فإن وجده أكثر فهو للمشتري ، وإن وجده أقل كان المشتري بالخيار بين أخذه بجميع الثمن أو رده .
ومقابل الصحيح عند الشافعية في ظهور الزيادة أو النقصان : صحة البيع للإشارة تغليباً . ثم للشافعية تفصيل ، وهو أنه إن قابل البائع الجملة بالجملة ، كقوله : بعتك الصبرة بمائة على أنها مائة ، ففي حال الزيادة أو النقصان يصح البيع ، ويثبت الخيار لمن عليه الضرر .
أما إن قابل الأجزاء بالأجزاء كقوله : بعتك الصبرة كل صاع بدرهم على أنها مائة صاع ، فإذا ظهرت زيادة أو نقصان فالبيع صحيح عند الأسنوي ، وفرق الماوردي بين النقصان فيكون البيع صحيحاً ، وبين الزيادة ففيه الخلاف السابق ، وهو بطلان البيع على الصحيح ، أو صحته على ما يقابله .
وذكر ابن قدامة في المغني أنه إذا قال : بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب على أنه عشرة أذرع ، فبانَ أحد عشر ، ففيه روايتان :
إحداهما : البيع الباطل ، لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة وإنما باع عشرة ، ولا المشتري على أخذ البعض ، وإنما اشترى الكل وعليه ضرر في الشركة أيضاً .
والثانية : البيع صحيح والزيادة للبائع ، لأن ذلك نقص على المشتري ، فلا يمنع صحة البيع كالعيب ، ثم يخير البائع بين تسليم المبيع زائداً ، وبين تسليم العشرة ، فإن رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري ، لأنه زاده خيراً ، وإن أبى تسليمه زائداً فللمشتري الخيار بين الفسخ ، والأخذ بجميع الثمن المسمى وقسط الزائد ، فإن رضي بالأخذ أخذ العشرة ، والبائع شريك له بالذراع . وهل للبائع خيار الفسخ ؟ وجهان .
أحدهما : له الفسخ لأن عليه ضرراً في المشاركة .
والثاني : لا خيار له ، وقواه ابن قدامة ، وإن بانَ المبيع تسعة ففيه روايتان :
إحداهما : يبطل البيع كما تقدم .
والثانية : البيع صحيح ، والمشتري بالخيار بين الفسخ والإمساك بتسعة أعشار الثمن .
وإن اشترى صبرة على أنها عشرة أقفزة ، فبانت أحد عشر ، رد الزائد ولا خيار له هاهنا ، لأنه ضرر في الزيادة . وإن بانت تسعة أخذها بقسطها من الثمن .
ومتى سمى الكيل في الصبرة لا يكون قبضها إلا بالكيل ، فإن وجدها زائدة رد الزيادة ، وإن كانت ناقصة أخذها بقسطها من الثمن .
وهل له الفسخ في حالة النقصان ؟ على وجهين . أحدهما : له الخيار . والثاني : لاخيار له.
الثّمن وأحكامه وأحواله
أوّلاً : تعريف الثّمن :
48 - الثّمن هو ما يبذله المشتري من عوض للحصول على المبيع ، والثّمن أحد جزأي المعقود عليه - وهو الثّمن والمثمّن - وهما من مقوّمات عقد البيع ، ولذا ذهب الجمهور إلى أنّ هلاك الثّمن المعيّن قبل القبض ينفسخ به البيع في الجملة .
ويرى الحنفيّة أنّ المقصود الأصليّ من البيع هو المبيع ، لأنّ الانتفاع إنّما يكون بالأعيان ، والأثمان وسيلة للمبادلة ، ولذا اعتبروا التّقوّم في الثّمن شرط صحّة ، وهو في المبيع شرط انعقاد ، وهي تفرقة خاصّة بهم دون الجمهور ، فإن كان الثّمن غير متقوّم لم يبطل البيع عندهم ، بل ينعقد فاسداً ، فإذا أزيل سبب الفساد صحّ البيع .
كما أنّ هلاك الثّمن قبل القبض لا يبطل به البيع ، بل يستحقّ البائع بدله .
أمّا هلاك المبيع فإنّه يبطل به البيع . والثّمن غير القيمة ، لأنّ القيمة هي : ما يساويه الشّيء في تقويم المقوّمين ( أهل الخبرة ) ، أمّا الثّمن فهو كلّ ما يتراضى عليه المتعاقدان ، سواء أكان أكثر من القيمة ، أم أقلّ منها ، أم مثلها .
فالقيمة هي الثّمن الحقيقيّ للشّيء . أمّا الثّمن المتراضى عليه فهو الثّمن المسمّى .
والسّعر هو : الثّمن المقدّر للسّلعة . والتّسعير : تحديد أسعار بيع السّلع .
وقد يكون التّسعير من السّلطان ، ثمّ يمنع النّاس من البيع بزيادة عليها أو أقلّ منها .
حكم التّسعير :
49 - اختلف الفقهاء في التّسعير ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ لوليّ الأمر ذلك ، إذا كان الباعة يتعدّون القيمة ، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلاّ بالتّسعير بمشورة أهل الرّأي والبصر ، وذلك لفعل عمر رضي الله عنه حين مرّ بحاطب في السّوق فقال له :" إمّا أن ترفع السّعر وإمّا أن تدخل بيتك فتبيع كيف شئت ".
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى تحريم التّسعير ، وكراهة الشّراء به ، وحرمة البيع وبطلانه إذا كان بالإكراه . وذلك لحديث « إنّ اللّه هو المسعّر القابض الباسط الرّازق ، وإنّي لأرجو أن ألقى اللّه وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال » .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( تسعير ) .
ثانياً : ما يصلح ثمناً وما لا يصلح :
50 - كلّ ما صلح أن يكون مبيعاً صلح أن يكون ثمناً ، والعكس صحيح أيضاً ، هذا ما يفهم من اتّجاه الجمهور .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا عكس ، فما صلح أن يكون ثمناً قد لا يصلح أن يكون مبيعاً .
والثّمن إمّا أن يكون ممّا يثبت في الذّمّة ، وذلك كالنّقود والمثليّات من مكيل أو موزون أو مذروع أو عدديّ متقارب . وإمّا أن يكون من الأعيان القيميّة كما في بيع السّلم ، إذا كان رأس المال عيناً من القيميّات ، وكما في بيع المقايضة .
والذّهب والفضّة أثمان بالخلقة ، سواء كانا مضروبين نقوداً أو غير مضروبين .
وكذلك الفلوس أثمان ، والأثمان لا تتعيّن بالتّعيين عند الحنفيّة والمالكيّة ( واستثنى المالكيّة الصّرف والكراء ) فلو قال المشتري : اشتريت السّلعة بهذا الدّينار ، وأشار إليه ، فإنّ له بعد ذلك أن يدفع سواه ، لأنّ النّقود من المثليّات ، وهي تثبت في الذّمّة ، والّذي يثبت في الذّمّة يحصل الوفاء به بأيّ فرد مماثل ولا يقبل التّعيين .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها تتعيّن بالتّعيين . أمّا إذا كان الثّمن قيميّاً فإنّه يتعيّن ، لأنّ القيميّات لا تثبت في الذّمّة ، ولا يحلّ فرد منها محلّ آخر إلاّ بالتّراضي .
ثالثاً : تعيين الثّمن وتمييزه عن المبيع :
51 - لتمييز الثّمن عن المبيع صرّح الحنفيّة بالضّابط التّالي ، وهو متّفق مع عبارات المالكيّة والشّافعيّة :
أ - إذا كان أحد العوضين نقوداً اعتبرت هي الثّمن ، وما عداها هو المبيع مهما كان نوعه . ولا ينظر إلى الصّيغة ، حتّى لو قال : بعتك ديناراً بهذه السّلعة ، فإنّ الدّينار هو الثّمن رغم دخول الباء على ( السّلعة ) وهي تدخل عادةً على الثّمن .
ب - إذا كان أحد العوضين أعياناً قيميّةً ، والآخر أموالاً مثليّةً معيّنةً أي مشاراً إليها ، فالقيميّ هو المبيع ، والمثليّ هو الثّمن ، ولا عبرة أيضاً بما إذا كانت الصّيغة تقتضي غير هذا . أمّا إذا كانت الأموال المثليّة غير معيّنة - أي ملتزمة في الذّمّة - فالثّمن هو العوض المقترن بالباء ، كما لو قال : بعتك هذه السّلعة برطل من الأرز ، فالأرز هو الثّمن لدخول الباء عليه . ولو قال : بعتك رطلاً من الأرز بهذه السّلعة ، فالسّلعة هي الثّمن ، وهو من بيع السّلم لأنّه بيع موصوف في الذّمّة مؤجّل بثمن معجّل .
ج - إذا كان كلّ من العوضين مالاً مثليّاً ، فالثّمن هو ما اقترن بالباء كما لو قال : بعتك أرزاً بقمح ، فالقمح هو الثّمن .
د - إذا كان كلّ من العوضين من الأعيان القيميّة فإنّ كلاً منهما ثمن من وجه ومبيع من وجه . وهذا التّفصيل للحنفيّة .
أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فإنّ الثّمن : هو ، ما دخلت عليه الباء .
وأمّا المالكيّة فقد نصّوا على أنّه لا مانع من كون النّقود مبيعةً ، لأنّ كلاً من العوضين مبيع بالآخر ، وفي البهجة : كلّ من العوضين ثمن للآخر .
ومن أحكام الثّمن عدا ما سبقت الإشارة إليه :
أ - إذا تنازع المتعاقدان فيمن يسلّم أوّلاً ، فإنّه يجب تسليم الثّمن أوّلاً قبل تسليم المبيع .
ب - كلفة تسليم الثّمن على المشتري ، وكلفة تسليم المبيع على البائع .
ج - اشتراط القبض لجواز التّصرّف في العوض خاصّ بالمبيع لا بالثّمن ، على تفصيل يعرف في " بيع منهيّ عنه ، بيع المبيع قبل قبضه " .
د - تأجيل الثّمن - رأس المال - في بيع السّلم لا يجوز ، بخلاف المبيع فهو مؤجّل بمقتضى العقد . وهذا في الجملة . وتفصيله في مصطلح ( ثمن ) .
رابعاً : إبهام الثّمن :
52 - إذا بيّن ثمناً وأطلق ، فلم يبيّن نوعه ، كما لو قال : بكذا ديناراً ، وفي بلد العقد أنواع من الدّنانير مختلفة في القيمة متساوية في الرّواج ، فالعقد فاسد لجهالة مقدار الثّمن . أمّا إذا كان بعضها أروج ، فالعقد صحيح ، وينصرف إلى الأروج ، كما لو قال في الكويت : بعتك بدينار فالعقد صحيح ، والثّمن دنانير كويتيّة ، لأنّها أروج من غيرها من الدّنانير الموجودة في محلّ العقد . هذا وتفصيل أحكام الثّمن تنظر في ( ثمن ) .
خامساً : تحديد الثّمن بالنّظر إلى رأس المال :
53 - تحديد الثّمن إمّا أن يعلم بالمشاهدة والإشارة ، وهي أبلغ طرق التّعريف ، سواء بيّن المقدار أم لم يبيّن . كما لو باع سلعةً بصرّة من الدّنانير ، وأشار إليها .
وإمّا أن يكون الثّمن غائباً عن مجلس العقد ، وحينئذ لا بدّ من بيان نوعه ووصفه وقدره . ثمّ إنّ الثّمن إمّا أن لا يبنى على ثمن الشّراء ( رأس مال البائع ) أو يبنى على ذلك بلا ربح ولا خسارة ، أو بربح معلوم ، أو بخسارة معلومة .
فالأوّل ، وهو ما لا ينظر فيه إلى ثمن الشّراء ، هو : بيع المساومة ، وهو الأغلب في البيوع . أمّا النّوع الآخر فهو بيع الأمانة . وينقسم إلى : تولية ، وهو البيع بمثل الثّمن الأوّل .
وإذا كان لبعض المبيع بنسبته من الثّمن الأوّل فهو إشراك . وإن كان بربح فهو مرابحة .
أو بخسارة فهو وضيعة . وتفصيل هذه البيوع في مصطلحاتها .
أحكام مشتركة بين المبيع والثّمن :
أوّلاً : الزّيادة في البيع أو الثّمن .
54 - يجوز للمشتري أن يزيد في الثّمن بعد العقد ، وكذلك يجوز للبائع أن يزيد في المبيع . على أن يقترن ذلك بقبول الطّرف الآخر في مجلس الزّيادة .
ويشترط أن يكون المبيع قائماً ، إذا كانت الزّيادة في الثّمن ، لأنّه إذا كان هالكاً قوبلت الزّيادة بمعدوم ، وإذا كان في حكم الهالك - وهو ما أخرجه عن ملكه - قوبلت الزّيادة بما هو في حكم المعدوم . ولا فرق فيما لو كانت الزّيادة بعد التّقابض أو قبله ، أو كانت من جنس المبيع أو الثّمن أو من غير جنسه .
وحكم الزّيادة أنّها تعديل للعقد السّابق وليست هبةً ، ولذا لا تحتاج إلى القبض المشروط لتمام الهبة ، وهذا في الجملة . هذا مذهب الحنفيّة .
أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فإنّ الزّيادة بعد لزوم البيع بانقضاء خيار المجلس وخيار الشّرط لا تلحق ، بل هي في حكم الهبة . وسيأتي تفصيل ذلك .
ثانياً : الحطّ من المبيع أو الثّمن :
55 - يجوز للمشتري الحطّ من المبيع ، ويجوز للبائع الحطّ من الثّمن ، إذا قبل الطّرف الآخر في مجلس الحطّ ، ويستوي أن يكون الحطّ بعد التّقابض أو قبله ، فلو حطّ المشتري أو البائع بعد القبض كان للآخر حقّ الاسترداد للمحطوط .
ولا يشترط لجواز حطّ البائع من الثّمن أن يكون المبيع قائماً ، لأنّ الحطّ إسقاط ، ولا يلزم أن يكون في مقابلة شيء . أمّا في حطّ المشتري بعض المبيع عن البائع ، فيشترط أن يكون المبيع ديناً ثابتاً في الذّمّة ليقبل الحطّ . أمّا لو كان عيناً معيّنةً فإنّه لا يصحّ الحطّ من المبيع حينئذ ، لأنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط ( ر : إبراء ، وإسقاط ) .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:17 AM

ثالثاً : آثار الزّيادة أو الحطّ :
56 - من المقرّر عند فقهاء الحنفيّة أنّ الزّيادة والحطّ يلتحقان بأصل العقد السّابق بطريق الاستناد ، ما لم يمنع من ذلك مانع . بمعنى أنّه تثبت للزّيادة في المبيع حصّة من الثّمن ، كما لو كان الثّمن مقسّماً على الأصل والزّيادة ، وكذلك عكسه إذا كانت الزّيادة في الثّمن . ومن آثار ذلك :
أ - إذا تلف المبيع قبل القبض وبقيت الزّيادة ، أو هلكت الزّيادة وبقي المبيع ، سقطت حصّة الهالك من الثّمن . وهذا بخلاف الزّيادة النّاشئة من المبيع نفسه .
ب - للبائع حبس جميع المبيع حتّى يقبض الثّمن الأصليّ والزّيادة عليه .
ج - إمكان البيع بالأمانة من مرابحة أو تولية أو وضيعة ، فإنّ العبرة بالثّمن بعد الزّيادة أو الحطّ .
د - إذا استحقّ المبيع ، وقضي به للمستحقّ ؟ ، رجع المشتري على البائع بالثّمن كلّه من أصل وزيادة . وكذلك في الرّجوع بالعيب .
هـ - في الأخذ بالشّفعة ، يأخذ الشّفيع العقار بما استقرّ عليه الثّمن بعد الحطّ .
ولو زاد البائع شيئاً في المبيع يأخذ الشّفيع أصل العقار بحصّته من الثّمن لا بالثّمن كلّه . وهذا بالاتّفاق في الجملة على ما سيأتي .
وعند المالكيّة : الزّيادة والحطّ يلحقان بالبيع ، سواء أحدث ذلك عند التّقابض أم بعده . والزّيادة في الثّمن تكون في حكم الثّمن الأوّل ، فتردّ عند الاستحقاق ، وعند الرّدّ بالعيب ، وما أشبه ذلك . ويجوز حطّ كلّ الثّمن عن المشتري ، أي هبته له ، وللحطّ أثره في بيع المرابحة وفي الشّفعة . ففي بيع المرابحة ، يقول الدّردير والدّسوقيّ : يجب بيان هبة لبعض الثّمن إن كانت معتادةً بين النّاس ، بأن تشبه عطيّة النّاس ، فإن لم تعتد ( أي لم تجر بها عادة ) أو وهب له جميع الثّمن قبل النّقد أو بعده لم يجب البيان .
وفي الشّفعة ، يقول الشّيخ عليش : من اشترى شقصاً بألف درهم ، ثمّ وضع عنه البائع تسعمائة درهم بعد أخذ الشّفيع أو قبله ، فإن أشبه أن يكون ثمن الشّقص بين النّاس مائة درهم إذا تغابنوا بينهم ، أو اشتروا بغير تغابن ، وضع ذلك عن الشّفيع ، لأنّ ما أظهرا من الثّمن الأوّل إنّما كان سبباً لقلع الشّفعة .
وإن لم يشبه أن يكون ثمنه مائةً ، قال ابن يونس : أراد مثل أن يكون ثمنه ثلاثمائة أو أربعمائة ، لم يحطّ للشّفيع شيئاً ، وكانت الوضيعة هبةً للمبتاع ، وقال في موضع آخر : إن حطّ عن المبتاع ما يشبه أن يحطّ في البيوع وضع ذلك عن الشّفيع وإن كان لا يحطّ مثله فهي هبة ، ولا يحطّ عن الشّفيع شيئاً .
وأمّا الشّافعيّة فقد قالوا : إنّ الزّيادة أو الحطّ في الثّمن أو المثمّن ، إن كانت بعد لزوم العقد بانقضاء الخيار فلا تلحق به ، لأنّ البيع استقرّ بالثّمن الأوّل ، والزّيادة أو الحطّ بعد ذلك تبرّع ، ولا تلحق بالعقد .
وإن كان ذلك قبل لزوم العقد في مدّة خيار المجلس أو خيار الشّرط ، فالصّحيح عند جمهور الشّافعيّة ، وبه قطع أكثر العراقيّين : أنّه يلحق بالعقد في مدّة الخيارين جميعاً ، وهو ظاهر نصّ الشّافعيّ ، لأنّ الزّيادة أو الحطّ في مدّة خيار المجلس تلتحق بالعقد ، وقيس بخيار المجلس خيار الشّرط بجامع عدم الاستقرار . وهذا أحد الأوجه الّتي ذكرها النّوويّ .
وفي وجه آخر : لا يلحق ذلك ، وصحّحه المتولّي .
وفي وجه ثالث : يلحق في خيار المجلس دون خيار الشّرط ، قاله الشّيخ أبو زيد والقفّال . أمّا أثر ذلك في العقود . ففي الشّفعة تلحق الزّيادة الشّفيع كما تلزم المشتري ، ولو حطّ من الثّمن شيء فحكمه كذلك . وينظر التّفصيل في ( شفعة ) .
وفي التّولية والإشراك والمرابحة . جاء في نهاية المحتاج : لو حطّ عن المولّي - بكسر اللّام المشدّدة - من البائع بعض الثّمن بعد التّولية أو قبلها ، ولو بعد اللّزوم ، انحطّ عن المولى - بفتح اللّام - إذ خاصّة التّولية - وإن كانت بيعاً جديداً - التّنزيل على الثّمن الأوّل ، فإن حطّ جميعه انحطّ أيضاً ما لم يكن قبل لزوم التّولية ، وإلاّ - بأن كان قبل التّولية أو بعدها وقبل لزومها - بطلت لأنّها حيث بيع من غير ثمن ، ومن ثمّ لو تقايلا بعد حطّه بعد اللّزوم ، لم يرجع المشتري على البائع بشيء .
والإشراك والمرابحة كالتّولية في ذلك . وينظر التّفصيل في ( مرابحة ، تولية ، إشراك ) . وفي الرّدّ بالعيب جاء في نهاية المحتاج : لو أبرأ البائع المشتري من بعض الثّمن أو كلّه ، ثمّ ردّ المبيع بعيب ، فالأوجه أنّه لا يرجع في الإبراء من جميع الثّمن بشيء ، وفي الإبراء من بعضه إلاّ بالباقي . ولو وهب البائع للمشتري الثّمن ، فقيل : يمتنع الرّدّ ، وقيل : يردّ ، ويطالب ببدل الثّمن ، وهو الأوجه .
والحنابلة كالشّافعيّة في ذلك ، فقد جاء في شرح منتهى الإرادات : ما يزاد في ثمن أو مثمّن زمن الخيارين ( خيار المجلس وخيار الشّرط ) يلحق بالعقد ، فيخبر به في المرابحة والتّولية والإشراك كأصله . وما يوضع من ثمن أو مثمّن زمن الخيارين يلحق بالعقد ، فيجب أن يخبر به كأصله ، تنزيلاً لحال الخيار منزلة حال العقد . وإن حطّ الثّمن كلّه فهبة .
ولا يلحق بالعقد ما زيد أو حطّ بعد لزومه فلا يجب أن يخبر به .
وفي الرّدّ بالعيب جاء في شرح منتهى الإرادات : يأخذ مشتر ردّ المبيع ما دفعه من ثمن ، أو بدل ما أبرأه البائع منه ، أو بدل ما وهب له البائع من ثمنه ، كلاً كان أو بعضاً ، لاستحقاق المشتري بالفسخ استرجاع جميع الثّمن . وقال ابن قدامة في الشّفعة : يستحقّ الشّفيع الشّقص بالثّمن الّذي استقرّ عليه العقد ، فلو تبايعا بقدر ، ثمّ غيّراه في زمن الخيار بزيادة أو نقص ، ثبت ذلك التّغيير في حقّ الشّفيع ، لأنّ حقّ الشّفيع إنّما يثبت إذا تمّ العقد ، وإنّما يستحقّ بالثّمن الّذي هو ثابت حال استحقاقه ، ولأنّ زمن الخيار بمنزلة حالة العقد ، والتّغيير يلحق بالعقد فيه ، لأنّهما على اختيارهما فيه كما لو كان التّغيير في حال العقد . فأمّا إذا انقضى الخيار وانبرم العقد ، فزادا أو نقصا لم يلحق بالعقد ، لأنّ الزّيادة بعده هبة .
رابعاً : موانع التحاق الزّيادة أو الحطّ في حقّ الغير :
57 - يمتنع التحاق الزّيادة بالثّمن ، أو التحاق الحطّ به بأحد أمرين :
أحدهما - إذا ترتّب على التحاق الزّيادة أو الحطّ بالثّمن انتقاص من حقّ الغير ثابت بالعقد ، فيقتصر حكم الالتحاق على المتعاقدين دون الغير سدّاً لذريعة الإضرار به .
ومن آثار هذا المانع : أنّ المشتري إذا زاد في الثّمن ، وكان المبيع عقاراً ، فإنّ الشّفيع يأخذه بالثّمن الأصليّ دون الزّيادة ، سدّاً لباب التّواطؤ لتضييع حقّ الشّفعة .
أمّا الحطّ من الثّمن فيلتحق لعدم إضراره بالشّفيع ، وكذلك الزّيادة في المبيع .
الثّاني : إذا ترتّب على الالتحاق بطلان البيع ، كما لو شمل الحطّ جميع الثّمن ، لأنّه بمنزلة الإبراء المنفصل عن العقد ، وبذلك يخلو عقد البيع من الثّمن ، فيبطل .
ومن آثار هذا المانع : أنّه لو حطّ البائع كلّ الثّمن في العقار ، فإنّ الشّفيع يأخذه بجميع الثّمن الأصليّ ، لأنّ الحطّ إذا اعتبر إبراءً منفصلاً ترتّب عليه خلوّ البيع عن الثّمن ، ثمّ بطلانه ، وبذلك يبطل حقّ الشّفيع ، ولذا يبقى المبيع مقابلاً بجميع الثّمن في حقّه ، ولكن يسقط الثّمن عن المشتري بالحطّ ، ضرورة صحّة الإبراء في ذاته ، وهذا إن حطّ الثّمن بعد القبض ، أمّا إن حطّ قبله فيأخذه الشّفيع بالقيمة .
خامساً : مئونة تسليم المبيع أو الثّمن :
58 - اتّفق الفقهاء على أنّ أجرة الكيّال للمبيع ، أو الوزّان أو الذّراع أو العدّاد تكون على البائع وكذلك مئونة إحضاره إلى محلّ العقد إذا كان غائباً . إذ لا تحصل التّوفية إلاّ بذلك . واتّفقوا على أنّ أجرة كيل الثّمن أو وزنه أو عدّه ، وكذلك مئونة إحضار الثّمن الغائب تكون على المشتري ، إلاّ في الإقالة والتّولية والشّركة عند المالكيّة .
ولكنّهم اختلفوا في أجرة نقّاد الثّمن .
فعند الحنفيّة روايتان عن محمّد رحمه الله . ففي رواية رستم عنه : تكون على البائع ، لأنّ النّقد يكون بعد التّسليم ، ولأنّ البائع هو المحتاج إليه ، ليميّز ما تعلّق به حقّه من غيره ، أو ليعرف المعيب ليردّه . وبهذا قال الشّافعيّة . وفي الرّواية الأخرى عن محمّد ، وهي رواية ابن سماعة عنه : أنّها تكون على المشتري ، لأنّه يحتاج إلى تسليم الجيّد المقدّر ، والجودة تعرف بالنّقد ، كما يعرف القدر بالوزن ، فيكون عليه . وهذا ما ذهب إليه المالكيّة .
وقال الحنابلة : إنّ أجرة النّقّاد على الباذل ، سواء أكان البائع أم المشتري .
قال الشّربينيّ من الشّافعيّة : وأجرة نقّاد الثّمن على البائع ، ثمّ قال : وقياسه أن يكون في المبيع على المشتري ، لأنّ القصد منه إظهار عيب إن كان ليردّ به .
سادساً : هلاك المبيع أو الثّمن المعيّن كلّيّاً أو جزئيّاً قبل التّسليم :
59 - من آثار وجوب البيع : أنّ البائع يلزمه تسليم المبيع إلى المشتري ، ولا يسقط عنه هذا الحقّ إلاّ بالأداء ، ويظلّ البائع مسئولاً في حالة هلاك المبيع ، وتكون تبعة الهلاك عليه ، سواء كان الهلاك بفعل فاعل أو بآفة سماويّة .
وهذا ينطبق على الثّمن إذا كان معيّناً ، وهو ما لم يكن ملتزماً في الذّمّة ، لأنّ عينه في هذه الحال مقصودة في العقد كالمبيع . أمّا الثّمن الّذي في الذّمّة ، فإنّه يمكن البائع أخذ بدله . والهلاك إمّا أن يكون كلّيّاً أو جزئيّاً : فإذا هلك المبيع كلّه قبل التّسليم بآفة سماويّة ، فإنّه يهلك على ضمان البائع ، لحديث : « نهى عن ربح ما لم يضمن » .
ويترتّب على ذلك أنّ البيع ينفسخ ويسقط الثّمن ، وذلك لاستحالة تنفيذ العقد .
وهذا عند الحنفيّة . وكذلك الحكم عند الحنفيّة إن تلف بفعل البائع .
وللشّافعيّة قولان : المذهب أنّه : ينفسخ كالتّلف بآفة سماويّة ، والقول الآخر : يتخيّر المشتري بين الفسخ واسترداد الثّمن ، وبين إمضاء البيع وأخذ قيمة المبيع .
وفائدة انفساخ البيع هنا أنّه يسقط الثّمن عن المشتري إن لم يكن دفعه ، وله استرداده إن كان قد دفعه ، ولو لم ينفسخ لالتزم المشتري بالثّمن ، والتزم البائع بقيمة المبيع بالغةً ما بلغت . واعتبر الحنابلة الهلاك بفعل البائع كالهلاك بفعل الأجنبيّ ، وسيأتي تفصيله .
وإذا هلك المبيع بفعل المشتري ، فإنّ البيع يستقرّ ، ويلتزم المشتري بالثّمن ، ويعتبر إتلاف المشتري للمبيع بمنزلة قبض له ، وهذا بالاتّفاق .
وإذا كان الهلاك بفعل أجنبيّ ( ومثله هلاكه بفعل البائع عند الحنابلة ) فإنّ المشتري مخيّر ، فإمّا أن يفسخ البيع لتعذّر التّسليم ، ويسقط عنه الثّمن حينئذ ، ( وللبائع الرّجوع على من أتلف المبيع ) وإمّا أن يتمسّك بالبيع ، ويرجع على الأجنبيّ ، وعليه أداء الثّمن للبائع ، ورجوعه على الأجنبيّ بالمثل إن كان الهالك مثليّاً ، وبالقيمة إن كان قيميّاً ، وهذا مذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة . ومقابل الأظهر : انفساخ البيع كالتّلف بآفة . وإذا هلك بعض المبيع ، فيختلف الحكم أيضاً تبعاً لمن صدر منه الإتلاف .
فإن هلك بعض المبيع بآفة سماويّة ، وترتّب على الهلاك نقصان المقدار ، فإنّه يسقط من الثّمن بحسب القدر التّالف ، ويخيّر المشتري بين أخذ الباقي بحصّته من الثّمن ، أو فسخ البيع لتفرّق الصّفقة ( ينظر خيار تفرّق الصّفقة ) هذا عند الحنفيّة والحنابلة .
ثمّ قال الحنفيّة : إن كان ما نشأ عن الهلاك الجزئيّ ليس نقصاً في المقدار ، بل في الوصف - وهو ما يدخل في المبيع تبعاً بلا ذكر - لم يسقط من الثّمن شيء ، بل للمشتري الخيار بين فسخ البيع أو إمضائه ، لأنّ الأوصاف لا يقابلها شيء من الثّمن إلاّ بالعدوان ، أو بتفصيل الثّمن ، وتخصيص جزء للوصف أو التّابع .
وإذا هلك البعض بفعل البائع سقط ما يقابله من الثّمن مطلقاً ، مع تخيير المشتري بين الأخذ والفسخ ، لتفرّق الصّفقة .
وإذا هلك البعض بفعل أجنبيّ ، كان للمشتري الخيار بين الفسخ وبين التّمسّك بالعقد والرّجوع على الأجنبيّ بضمان الجزء التّالف .
أمّا إن هلك بفعل المشتري نفسه ، فإنّه على ضمانه ، ويعتبر ذلك قبضاً .
أمّا المالكيّة فقد اعتبروا هلاك المبيع بفعل البائع أو بفعل الأجنبيّ يوجب عوض المتلف على البائع أو الأجنبيّ ، ولا خيار للمشتري ، سواء أكان الهلاك كلّيّاً أم جزئيّاً .
أمّا هلاكه أو تعيّبه بآفة سماويّة فهو من ضمان المشتري ، كلّما كان البيع صحيحاً لازماً ، لأنّ الضّمان ينتقل بالعقد ولو لم يقبض المشتري المبيع . واستثنى المالكيّة ستّ صور هي :
أ - ما لو كان في المبيع حقّ توفية لمشتريه ، وهو المثليّ من مكيل أو موزون أو معدود حتّى يفرغ في أواني المشتري ، فإذا هلك بيد البائع عند تفريغه فهو من ضمان البائع .
ب - السّلعة المحبوسة عند بائعها لأجل قبض الثّمن .
ج - المبيع الغائب على الصّفة أو على رؤية متقدّمة ، فلا يدخل ذلك كلّه في ضمان المشتري إلاّ بالقبض .
د - المبيع بيعاً فاسداً .
هـ - الثّمار المبيعة بعد بدوّ صلاحها ، فلا تدخل في ضمان المشتري إلاّ بعد أمن الجائحة .
و - الرّقيق حتّى تنتهي عهدة الثّلاثة الأيّام عقب البيع . لكنّهم فصلّوا في الهلاك الجزئيّ ، فيما إذا كان الباقي أقلّ من النّصف ، أو كان المبيع متّحداً ، فحينئذ للمشتري الخيار .
أمّا إذا كان الفائت هو النّصف فأكثر ، وتعدّد المبيع ، فإنّه يلزمه الباقي بحصّته من الثّمن .
الآثار المترتّبة على البيع :
أوّلاً : انتقال الملك :
60 - يملك المشتري المبيع ، ويملك البائع الثّمن ، ويكون ملك المشتري للمبيع بمجرّد عقد البيع الصّحيح ، ولا يتوقّف على التّقابض ، وإن كان للتّقابض أثره في الضّمان .
أمّا في عقد البيع الفاسد عند الحنفيّة فلا يملك المشتري المبيع إلاّ بالقبض وتفصيله في مصطلح ( البيع الفاسد ) . ويترتّب على انتقال الملك في البدلين ما يلي :
أ - أن يثبت للمشتري ملك ما يحصل في المبيع من زيادة متولّدة منه ، ولو لم يقبض المبيع . ولا يمنع من انتقال ملكيّة المبيع إلى المشتري كون الثّمن مؤجّلاً .
ب - أن تنفذ تصرّفات المشتري في المبيع ، وتصرّفات البائع في الثّمن ، كما لو أحال شخصاً به على المشتري . هذا بعد القبض ، أمّا تصرّف المشتري قبل القبض فإنّه فاسد أو باطل على خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح ( بيع ما لم يقبض ) .
ج - إذا قبض البائع الثّمن ، ولم يقبض المشتري المبيع ، حتّى لو مات البائع مفلساً ، فإنّ للمشتري حقّ التّقدّم في المبيع على سائر الغرماء .
ويكون المبيع في هذه الحال أمانةً في يد البائع ، ولا يدخل في التّركة .
د - لا يجوز اشتراط بقاء البائع محتفظاً بملكيّة المبيع إلى حين أداء الثّمن المؤجّل ، أو إلى أجل آخر معيّن . هذا ، ولا يمنع من انتقال الملك في المبيع أو الثّمن كونهما ديوناً ثابتةً في الذّمّة إذا لم يكونا من الأعيان ، لأنّ الدّيون تملك في الذّمم ولو لم تتعيّن ، فإنّ التّعيين أمر زائد عن أصل الملك ، فقد يحصل مقارناً له ، وقد يتأخّر عنه إلى أن يتمّ التّسليم كما لو اشترى مقداراً معلوماً من كمّيّة معينة من الأرز ، فإنّ حصّته من تلك الكميّة لا تتعيّن إلاّ بعد التّسليم ، وكذلك الثّمن إذا كان ديناً في الذّمّة .
ثانياً : أداء الثّمن الحالّ :
61 - الأصل في الثّمن الحلول ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء في الجملة ، قال ابن عبد البرّ : الثّمن أبداً حالّ ، إلاّ أن يذكر المتبايعان له أجلاً فيكون إلى أجله .
ونقل الأتاسيّ في شرح المجلّة عن السّراج في تعليل ذلك قوله : لأنّ الحلول مقتضى العقد وموجبه . وفي مجلّة الأحكام العدليّة : البيع المطلق ينعقد معجّلاً . ثمّ استثنت المجلّة ما لو جرى العرف في محلّ على أن يكون البيع المطلق مؤجّلاً أو مقسّطاً . كما صرّح المالكيّة بأنّه لا يجوز النّقد في بيع الخيار ، لا في زمن الخيار ، ولا في زمن عهدة الثّلاث في بيع الرّقيق ، ويفسد البيع باشتراط التّعجيل ، ولا يجوز أن يشترط نقد الثّمن في بيع الغائب على اللّزوم ، ويجوز تطوّعاً . وقد تبيّن ممّا سبق أنّ الثّمن إمّا أن يكون معجّلاً ، وإمّا أن يكون مؤجّلاً .
والثّمن المؤجّل إمّا أن يكون إلى موعد معيّن لجميع الثّمن ، وإمّا أن يكون منجّماً ( مقسّطاً ) على مواعيد معلومة . ومن جهة أخرى : فإنّ الثّمن إمّا عين معيّنة ، وإمّا دين ملتزم في الذّمّة . ففي الثّمن : إذا كان ديناً يختلف الحكم في أدائه بحسب كونه معجّلاً أو مؤجّلاً أو منجّماً ، فإذا كان مؤجّلاً أو منجّماً يتعيّن أن يكون الأجل معلوماً للمتعاقدين على تفصيل ينظر في بحث ( أجل ) . ولو دفع المشتري بعض الثّمن لم يحقّ له تسلّم المبيع ، ولا تسلّم ما يعادل الجزء المدفوع من الثّمن ، سواء أكان المبيع شيئاً واحداً أو أشياء متعدّدةً ، وسواء فصّل الثّمن على تلك الأشياء ، أم وقع عليها جملةً ، ما دام البيع قد تمّ بصفقة واحدة . هذا ما لم يكن هناك شرط على خلاف ذلك .
البدء بتسليم أحد البدلين :
62 - اختلف الفقهاء فيمن يسلّم أوّلاً : البائع أم المشتري حسب نوعي البدلين ، وينقسم ذلك إلى أحوال :
الحالة الأولى : أن يكونا معيّنين " المقايضة " أو ثمنين " الصّرف " :
63 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ المتعاقدين يسلّمان معاً تسويةً بدينهما في العينيّة والدّينيّة . وذهب المالكيّة إلى أنّهما يتركان حتّى يصطلحا ، فإن كان بحضرة حاكم وكلّ من يتولّى ذلك لهما . وعند الشّافعيّة في الأظهر : يجبران على التّسليم لاستواء الجانبين ، لأنّ الثّمن المعيّن كالمبيع في تعلّق الحقّ بالعين . وعند الحنابلة : ينصب الحاكم عدلاً بينهما ، يقبض منهما ، ثمّ يسلّمه إليهما قطعاً للنّزاع ، لاستوائهما في تعلّق حقّهما بعين الثّمن والمثمّن ، فيسلّم العدل المبيع أوّلاً ، لجريان العادة بذلك .
الحالة الثّانية : أن يكون أحدهما معيّناً والآخر ديناً في الذّمّة :
64 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّة في قول : إلى أنّه يطالب المشتري بالتّسليم أوّلاً ، قال الصّاويّ : لأنّ المبيع في يد بائعه كالرّهن على الثّمن . وتوجيه ذلك أنّ حقّ المشتري تعيّن في المبيع ، فيدفع الثّمن ليتعيّن حقّ البائع بالقبض ، تحقيقاً للمساواة .
وذهب الشّافعيّة في المذهب ، والحنابلة : إلى أنّه يجبر البائع على التّسليم أوّلاً ، لأنّ قبض المبيع من تتمّات البيع ، واستحقاق الثّمن مرتّب على تمام البيع ، ولجريان العادة بذلك .
أمّا ما يترتّب على إخلال المشتري بأداء الثّمن الحالّ ، وكذلك الثّمن المؤجّل إذا حلّ أجله ، فقد اتّفق الفقهاء على أنّه : إذا كان المشتري موسراً ، فإنّه يجبر على أداء الثّمن الحالّ ، كما ذهب الجمهور في الجملة إلى أنّ للبائع حقّ الفسخ إذا كان المشتري مفلساً ، أو كان الثّمن غائباً عن البلد مسافة القصر .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه ليس للبائع حقّ الفسخ ، لأنّه يمكنه التّقاضي للحصول على حقّه ، وهو في هذه الحالة دائن ، كغيره من الدّائنين . وهذا عندهم ما لم يشترط لنفسه خيار النّقد ، بأن يقول مثلاً : إن لم تدفع الثّمن في موعد كذا فلا بيع بيننا . واختلف في مقتضى هذا الشّرط ، هل هو انفساخ البيع ، أو استحقاقه الفسخ باعتباره فاسداً ؟ والمرجّح عند الحنفيّة : أنّه يفسد ولا ينفسخ ، وتفصيله في ( خيار النّقد )
وللشّافعيّة والحنابلة تفصيل - في حال إخلال المشتري بأداء الثّمن الحالّ ، لا للفلس ، بل لغياب ماله غيبةً قريبةً في بلده ، أو في أقلّ من مسافة القصر - خلاصته : الحجر على المشتري في المبيع وسائر أمواله حتّى يسلّم الثّمن ، خوفاً من أن يتصرّف في ماله تصرّفاً يضرّ بالبائع .
أمّا إن كان المال غائباً مسافة القصر فأكثر ، فإنّه لا يكلّف البائع الصّبر إلى إحضاره ، بل يحجر على المبيع ومال المشتري كما سبق . ويملك البائع الفسخ في الأصحّ للشّافعيّة ، وهو وجه للحنابلة ، وهذا فضلاً عن حقّه في حبس مبيعه حتّى يقبض ثمنه . وعند الحنابلة وجه بأنّه : لا خيار للبائع في الفسخ فيما دون مسافة القصر ، لأنّه بمنزلة الحاضر . والقول الآخر للشّافعيّة ليس له الفسخ ، بل يباع المبيع ، ويؤدّى حقّه من الثّمن كسائر الدّيون .
اشتراط التّرادّ بالتّخلّف عن الأداء :
65 - ممّا يتّصل بما سبق عن الحنفيّة - من إثبات حقّ الفسخ إذا اشترطه لعدم الأداء في الموعد المحدّد ، وهو ما يسمّى ( خيار النّقد ) - تصريح المالكيّة بمثله فيما إذا قال البائع للمشتري : بعتك لوقت كذا ، أو على أن تأتيني بالثّمن في وقت كذا ، فإن لم تأت به في ذلك الوقت فلا بيع بيننا ، فقد جاء في المدوّنة تصحيح البيع وبطلان الشّرط .
وروي عن مالك قولان آخران : صحّة البيع والشّرط . وفسخ البيع . وتفصيله في ( خيار النّقد ) . هذا وإذا كان الثّمن مؤجّلاً ، فإنّ على البائع تسليم المبيع ، ولا يطالب المشتري بتسليم الثّمن إلاّ عند حلول الأجل . وكذلك إذا كان الثّمن منجّماً . وقد صرّح الشّافعيّة أنّه في الثّمن المؤجّل ليس للبائع حبس المبيع به ، وإن حلّ قبل التّسليم لرضاه بتأخيره .
أمّا إذا كان بعض الثّمن معجّلاً وبعضه مؤجّلاً ، فإنّ للبعض المعجّل حكم تعجيل الثّمن كلّه ، فلا يطالب المشتري البائع بتسليم المبيع ، إلاّ بعد تسليم الجزء المعجّل من الثّمن .
ولا بدّ في جميع الأحوال من أن يكون الأجل معلوماً ، فإذا كان كذلك جاز البيع مهما طال ولو إلى عشرين سنةً . وتفصيله في ( أجل ) .
وقد صرّح المالكيّة بأنّه لا بأس ببيع أهل السّوق على التّقاضي ، وقد عرفوا قدر ذلك بينهم . والتّقاضي : تأخير المطالبة بالدّين إلى مدًى متعارف عليه بين المتعاقدين .
ومن حقّ المشتري إذا كان المبيع معيباً ، أو ظهر أنّه مستحقّ أن يمتنع من أداء الثّمن ، إلى أن يستخدم حقّه في العيب فسخاً أو طلباً للأرش أو إلى أن يتبيّن أمر الاستحقاق .
ويجوز تأخير الدّين الحالّ ، أو المؤجّل بأجل قريب إلى أجل بعيد ، وأخذ مساوي الثّمن أو أقلّ منه من جنسه لأنّه تسليف أو تسليف مع إسقاط البعض وهو من المعروف ، ولكن لا يجوز . تأخير رأس مال السّلم .
وأجاز المالكيّة تأخير رأس المال في حدود ثلاثة أيّام ولو بشرط .
ثالثاً : تسليم المبيع :
66 - قال ابن رشد الحفيد : أجمعوا على أنّه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل ، ومن شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بإثر عقد الصّفقة . وقال التّسوّليّ في البهجة شرح التّحفة : يجب تسليم المبيع المعيّن ، لأنّ وجوب التّسليم حقّ للّه ، والعقد يفسد بالتّأخير .
وأجرة الكيل والوزن أو العدّ على البائع ، إذ لا تحصل التّوفية إلاّ به .
قال ابن قدامة : لأنّ على البائع تقبيض المبيع للمشتري ، والقبض لا يحصل إلاّ بذلك .
أمّا أجرة عدّ الثّمن وكيله ووزنه فعلى المشتري ، وأجرة نقل المبيع المحتاج إليه في تسليم المبيع المنقول على المشتري .
وتسليم المبيع أهمّ الأثّار الّتي يلتزم بها البائع في عقد البيع ، وهو يثبت عند تسليم الثّمن الحالّ ( أمّا في الثّمن المؤجّل فلا يتوقّف تسليم المبيع على أدائه ) ولا يتحقّق تسليم المبيع إلاّ إذا سلّم للمشتري خالياً من أيّ شاغل ، أي كانت العين قابلةً لكمال الانتفاع بها .
فإذا كان مشغولاً لم يصحّ التّسليم ، وأجبر البائع على تفريغ المبيع .
ومن صور شغل المبيع : أن يكون محلاً لعقد إجارة أبرمه البائع ، فإن رضي المشتري بالانتظار إلى نهاية مدّة الإجارة لم تكن له المطالبة بالتّسليم ، ولكن يحقّ له حبس الثّمن إلى أن تنتهي الإجارة ، ويصبح المبيع قابلاً للتّسليم . وكما يجب تسليم المبيع يجب تسليم توابعه . يختلف حكم القبض بين المثليّ من مكيل أو موزون أو معدود ، وبين غيره من عقار أو حيوان ونحوه . ففي قبض العقار تكفي التّخلية اتّفاقاً بشرط فراغه من أمتعة البائع ، فلو جمعت أمتعة البائع في غرفة صحّ قبض ما عداها ، وتوقّف قبضها على تفريغها .
لكن لو أذن البائع للمشتري بقبض الدّار والمتاع صحّ التّسليم ، لأنّ المتاع صار وديعةً عند المشتري . ومن عبارات المالكيّة : أنّ العقار إن كان أرضاً فقبضه بالتّخلية ، وإن كان داراً للسّكنى فقبضها بالإخلاء . فإن لم يحضر العاقدان العقار المبيع . فقد ذهب الشّافعيّة في الأصحّ ( ونقل مثله عن بعض الحنفيّة في العقار البعيد عن العاقدين ) إلى أنّه يعتبر مرور زمن يمكن فيه المضيّ إلى العقار ، لأنّه إذا لم يعتبر حضور العاقدين إلى العقار للمشقّة ، فلا مشقّة في اعتبار مضيّ الزّمان ، ويبدو أنّ الحكمة في ذلك الأمن من تداخل الضّمانين .
أمّا المنقول ، فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّ قبض المكيل والموزون والمعدود باستيفاء الكيل أو الوزن أو العدّ . وقال الشّافعيّة : لا بدّ مع ذلك من النّقل .
وهذا ما لم يبع جزافاً ، فيحصل قبضه بالنّقل ، على خلاف وتفصيل . ر : ( بيع الجزاف ) . وأمّا غير ذلك من الحيوان والعروض ، فإنّ قبضها بحسب العرف ، كتسليم الثّوب وزمام الدّابّة وسوقها أو عزلها عن دوابّ البائع أو انصراف البائع عنها .
ولم يفرّق الحنفيّة - وهي رواية عن أحمد - بين المكيلات والموزونات والمعدودات وبين غيرها . فالتّخلية قبض في الجميع ، حتّى لو كانت التّخلية في بيت البائع فإنّها صحيحة . فإن هلك المبيع بعدئذ هلك من ضمان المشتري ، لأنّه كالوديعة عنده .
وينوب القبض السّابق للمبيع عن تجديد قبضه ، إذا كان قد قبض على سبيل الضّمان ، بأن كان المشتري قد غصبه من البائع قبل أن يشتريه منه ، فإنّ ذلك القبض يغني ، لأنّه قبض قويّ بمنزلة قبض المشتري ما اشتراه ، إذ تبعة هلاكه في الحالين على القابض .
أمّا إذا كان القبض السّابق من قبيل قبض الأمانة ، كقبض المستعير والوديع - وهو ما لا ضمانه ممّن هو بيده في حال هلاكه دون تعدّ أو تقصير - فيعتبر ذلك القبض ضعيفاً لا ينوب عن قبض الضّمان .
انتهاء البيع :
67 - بالإضافة إلى ما سبق الكلام عنه من انفساخ البيع بسبب بعض حالات الهلاك الكلّيّ ، فإنّ البيع ينتهي بتمام آثاره من تسليم وتسلّم .
وينتهي البيع أيضاً بالإقالة . وتفصيل الكلام عنها في مصطلح ( إقالة ) .

بيع الاستجرار *
التّعريف :
1 - البيع : مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملّكاً .
والاستجرار لغةً : الجذب والسّحب ، وأجررته الدّين : أخّرته له .
وبيع الاستجرار : أخذ الحوائج من البيّاع شيئاً فشيئاً ، ودفع ثمنها بعد ذلك .
الألفاظ ذات الصّلة :
البيع بالتّعاطي :
2 - المعاطاة والتّعاطي : المناولة والمبادلة .
والبيع بالتّعاطي : أن يتقابض البائع والمشتري من غير صيغة ، أي إنّ البائع يعطي المبيع ولا يتلفّظ بشيء ، والمشتري يعطي الثّمن كذلك .
والفرق بين بيع الاستجرار والتّعاطي هو : أنّ بيع الاستجرار أعمّ ، لأنّه قد يكون بإيجاب وقبول ، وقد يكون بالتّعاطي ، كما أنّ الغالب في الاستجرار تأجيل الثّمن ، وعدم تحديده في بعض الصّور .
الأحكام المتعلّقة ببيع الاستجرار :
تتعدّد صور بيع الاستجرار ، ولذلك تختلف أحكامه من صورة لأخرى ، وبيان ذلك فيما يلي : مذهب الحنفيّة :
صور بيع الاستجرار الّتي وردت عند الحنفيّة هي :
3 - الصّورة الأولى : أن يأخذ الإنسان من البيّاع ما يحتاج إليه شيئاً فشيئاً ممّا يستهلك عادةً ، كالخبز والملح والزّيت والعدس ونحوها ، مع جهالة الثّمن وقت الأخذ ، ثمّ يشتريها بعد استهلاكها .
فالأصل عدم انعقاد هذا البيع ، لأنّ المبيع معدوم وقت الشّراء ، ومن شرائط المعقود عليه أن يكون موجوداً ، لكنّهم تسامحوا في هذا البيع وأخرجوه عن هذه القاعدة ( اشتراط وجود المبيع ) وأجازوا بيع المعدوم هنا استحساناً ، وذلك كما في البحر الرّائق والقنية .
وقال بعض الحنفيّة : ليس هذا بيع معدوم ، إنّما هو من باب ضمان المتلفات بإذن مالكها عرفاً ، تسهيلاً للأمر ودفعاً للحرج ، كما هو العادة . ولم يرتض الحمويّ وغيره هذا المعنى . وقال ابن عابدين : إنّ المسألة استحسان ، ويمكن تخريجها على قرض الأعيان ، ويكون ضمانها بالثّمن استحساناً ، كحلّ الانتفاع في الأشياء القيميّة ، لأنّ قرضها فاسد لا يحلّ الانتفاع به وإن ملّكت بالقبض .
4 - الصّورة الثّانية : وهي نفس الصّورة الأولى ، لكن تختلف عنها بالنّسبة لمعرفة الثّمن ، أي إنّ الإنسان يأخذ ما يحتاج إليه شيئاً فشيئاً مع العلم بالثّمن وقت الأخذ ، ثمّ يحاسبه بعد ذلك . وهذا البيع جائز ولا خلاف في انعقاده ، لأنّه كلّما أخذ شيئاً انعقد بيعاً بثمنه المعلوم ، ويكون بيعاً بالتّعاطي ، والبيع بالتّعاطي ينعقد ، سواء أدفع الثّمن وقت الأخذ أم تأجّل . ومثلها في الحكم : أن يدفع الإنسان إلى البيّاع الدّراهم دون أن يقول له : اشتريت ، وجعل يأخذ كلّ يوم خمسة أرطال مع العلم بثمنها .
هذا البيع جائز ، وما أكله حلال ، لأنّه وإن كانت نيّته الشّراء وقت الدّفع إلاّ أنّه لا ينعقد بيعاً بمجرّد النّيّة ، وإنّما انعقد بيعاً الآن بالتّعاطي ، والآن المبيع معلوم فينعقد البيع صحيحاً .
5- الصّورة الثّالثة : أن يدفع الإنسان إلى البيّاع دراهم ، ويقول له : اشتريت منك مائة رطل من خبز مثلاً ، وجعل يأخذ كلّ يوم خمسة أرطال .
هذا البيع فاسد ، وما أكل فهو مكروه ، وذلك لجهالة المبيع ، لأنّه اشترى خبزاً غير مشار إليه فكان المبيع مجهولاً ، ومن شرائط صحّة البيع : أن يكون المبيع معلوماً .
6- الصّورة الرّابعة : وهي أن يدفع الإنسان الدّراهم للبيّاع دون أن يقول له : اشتريت ، وجعل يأخذ كلّ يوم خمسة أرطال ولا يعلم ثمنها .
فهذا لا ينعقد بيعاً بالتّعاطي لجهالة الثّمن ، فإذا تصرّف الآخذ في المبيع ، وقد دفعه البيّاع برضاه بالدّفع وبالتّصرّف فيه على وجه التّعويض عنه ، لم ينعقد بيعاً ، وإن كان على نيّة البيع ، لأنّ البيع لا ينعقد بالنّيّة ، فيكون شبيه القرض المضمون بمثله أو بقيمته ، فإذا توافقا على شيء بدل المثل أو القيمة برئت ذمّة الآخذ .
مذهب المالكيّة :
الصّور الّتي وردت عند المالكيّة هي :
7 - أن يضع الإنسان عند البيّاع دراهم ، ثمّ يأخذ بجزء معلوم من الدّراهم سلعةً معلومةً وهكذا . فهذا البيع صحيح ، لأنّ السّلعة معلومة والثّمن معلوم .
8- أن يضع عند البيّاع درهماً ، ويقول له : آخذ به منك كذا وكذا من التّمر مثلاً ، أو كذا وكذا من اللّبن أو غير ذلك . يقدّر معه فيه سلعةً ما ، ويقدّر ثمنها قدراً ما ، ويترك السّلعة يأخذها متى شاء ، أو يؤقّت لها وقتاً يأخذها فيه ، فهذا البيع جائز أيضاً .
9- أن يترك عند البيّاع درهماً في سلعة معيّنة أو غير معيّنة ، على أن يأخذ منها في كلّ يوم بسعره ، وعقدا على ذلك البيع ، فهذا البيع غير جائز ، لأنّ ما عقدا عليه من الثّمن مجهول ، وذلك من الغرر الّذي يمنع صحّة البيع .
10 - أن يأخذ الإنسان من البيّاع ما يحتاج إليه بسعر معلوم ، فيأخذ كلّ يوم وزناً معلوماً بسعر معلوم ، والثّمن إلى أجل معلوم ، أو إلى العطاء إذا كان العطاء معلوماً مأموناً ، فهذا البيع جائز .
مذهب الشّافعيّة :
لبيع الاستجرار عند الشّافعيّة صورتان :
11 - إحداهما : أن يأخذ الإنسان من البيّاع ما يحتاجه شيئاً فشيئاً ، ولا يعطيه شيئاً ، ولا يتلفّظان ببيع ، بل نويا أخذه بثمنه المعتاد ، ويحاسبه بعد مدّة ويعطيه ، كما يفعل كثير من النّاس . قال النّوويّ : هذا البيع باطل بلا خلاف - أي عند الشّافعيّة - لأنّه ليس ببيع لفظيّ ولا معاطاةً . قال الأذرعيّ : وهذا ما أفتى به البغويّ ، وذكر ابن الصّلاح نحوه في فتاويه . وتسامح الغزاليّ فأباح هذا البيع ، لأنّ العرف جار به ، وهو عمدته في إباحته .
وقال الأذرعيّ : قول النّوويّ - إنّ هذا لا يعدّ معاطاةً ولا بيعاً - فيه نظر ، بل يعدّه النّاس بيعاً ، والغالب أن يكون قدر ثمن الحاجة معلوماً لهما عند الأخذ والعطاء ، وإن لم يتعرّضا له لفظاً .
12 - الثّانية : أن يقول الإنسان للبيّاع : أعطني بكذا لحماً أو خبزاً مثلاً ، فيدفع إليه مطلوبه فيقبضه ويرضى به ، ثمّ بعد مدّة يحاسبه ويؤدّي ما اجتمع عليه ، فهذا البيع مجزوم بصحّته عند من يجوّز المعاطاة .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:20 AM

مذهب الحنابلة :
13 - مسائل بيع الاستجرار عند الحنابلة مبنيّة على البيع بغير ذكر الثّمن ، وقد ذكر المرداويّ في الإنصاف هذه المسائل فقال : البيع بما ينقطع به السّعر لا يصحّ ، وهو المذهب وعليه الأصحاب ، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد : يصحّ ، واختاره الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة ، وقال : هو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد .
ومن شروط البيع كون الثّمن معلوماً حال العقد على الصّحيح من المذهب ، وعليه الأصحاب ، واختار ابن تيميّة صحّة البيع وإن لم يسمّ الثّمن ، وله ثمن المثل ، نظيره : صحّة النّكاح بدون تسمية مهر ، ولها مهر المثل .
وقد ذكر ابن مفلح في فوائده على مشكل المحرّر اختلاف الرّوايات عن الإمام أحمد في مسائل البيع بغير ذكر الثّمن ، وأورد صورتين اختلف فيهما رأي الإمام أحمد ، فلم يجز البيع في إحداهما ، وأجازه في الأخرى .
14 - قال الخلال في البيع بغير ثمن مسمًّى ، عن حرب : سألت الإمام أحمد قلت : الرّجل يقول لرجل : ابعث لي جريباً من برّ ، واحسبه عليّ بسعر ما تبيع . قال : لا يجوز هذا حتّى يبيّن له السّعر . وعن إسحاق بن منصور قلت للإمام أحمد : الرّجل يأخذ من الرّجل سلعةً فيقول : أخذتها منك على ما تبيع الباقي ، قال : لا يجوز ، وعن حنبل قال عمّي : أنا أكرهه ، لأنّه بيع مجهول ، والسّعر يختلف ، يزيد وينقص .
في هاتين الرّوايتين لا يجيز الإمام أحمد هذا البيع .
15 - أمّا روايتا الجواز فهما : قال أبو داود في مسائله : باب في الشّراء ولا يسمّى الثّمن . سمعت أحمد سئل عن الرّجل يبعث إلى البقّال ، فيأخذ منه الشّيء بعد الشّيء ، ثمّ يحاسبه بعد ذلك ، قال : أرجو أن لا يكون بذلك بأس ، قيل لأحمد : يكون البيع ساعتئذ ؟ قال : لا . قال ابن تيميّة : وظاهر هذا أنّهما اتّفقا على الثّمن بعد قبض المبيع والتّصرّف فيه ، وأنّ البيع لم يكن وقت القبض وإنّما كان وقت التّحاسب ، وأنّ معناه : صحّة البيع بالسّعر ، أي السّعر المعهود بيعه به .
وعن مثنّى بن جامع عن أحمد في الرّجل يبعث إلى مُعَامِل له ، ليبعث إليه بثوب ، فيمرّ به فيسأله عن ثمن الثّوب فيخبره ، فيقول له : اكتبه . والرّجل يأخذ التّمر فلا يقطع ثمنه ، ثمّ يمرّ بصاحب التّمر فيقول له : اكتب ثمنه ؟ فأجازه إذا ثمّنه بسعر يوم أخذه . وهذا صريح في جواز الشّراء بثمن المثل وقت القبض لا وقت المحاسبة ، سواء أذكر ذلك في العقد أم أطلق لفظ الأخذ زمن البيع .
ورواية الجواز هذه هي ما اختارها وأخذ بها ابن تيميّة وابن القيّم . يقول ابن القيّم في إعلام الموقّعين : اختلف الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السّعر من غير تقدير الثّمن وقت العقد ، وصورتها : البيع ممّن يعامله من خبّاز أو لحّام أو سمّان أو غيرهم ، يأخذ منه كلّ يوم شيئاً معلوماً ، ثمّ يحاسبه عن رأس الشّهر أو السّنة على الجميع ، ويعطيه ثمنه . فمنعه الأكثرون ، وجعلوا القبض فيه غير ناقل للملك ، وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب ، لأنّه مقبوض بعقد فاسد ، هذا وكلّهم إلاّ من شدّد على نفسه يفعل ذلك ، ولا يجد منه بدّاً ، وهو يفتي ببطلانه ، وأنّه باق على ملك البائع ، ولا يمكنه التّخلّص من ذلك إلاّ بمساومته له عند كلّ حاجة يأخذها قلّ ثمنها أو كثر ، وإن كان ممّن شرط الإيجاب والقبول لفظاً ، فلا بدّ مع المساومة أن يقرن بها الإيجاب والقبول لفظاً .
16 - قال ابن القيّم : القول الثّاني وهو الصّواب المقطوع به ، وهو عمل النّاس في كلّ عصر ومصر : جواز البيع بما ينقطع به السّعر ، وهو منصوص الإمام أحمد ، واختاره شيخنا ( يعني ابن تيميّة ) وسمعته يقول : هو أطيب لقلب المشتري من المساومة ، يقول لي : أسوةً بالنّاس ، آخذ بما يأخذ به غيري ، قال : والّذين يمنعون ذلك لا يمكنهم تركه ، بل هم واقعون فيه ، وليس في كتاب اللّه تعالى ولا سنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرّمه ، وقد أجمعت الأمّة على صحّة النّكاح بمهر المثل ، وأكثرهم يجوّزون عقد الإجارة بأجرة المثل ، كالغسّال والخبّاز والملاح وقيّم الحمّام والمكاري ، فغاية البيع بالسّعر أن يكون بيعه بثمن المثل ، فيجوز كما تجوز المعاوضة بثمن المثل في هذه الصّور وغيرها ، فهذا هو القياس الصّحيح ، ولا تقوم مصالح النّاس إلاّ به .

بيع الاستنامة *
انظر : استرسال .

بيع الأمانة *
التّعريف :
1 - الأمانة لغةً : الاطمئنان ، يقال : أمن أمناً وأماناً وأمنةً : إذا اطمأنّ ولم يخف ، فهو آمن وأمن وأمين . وأمن الرّجل وأمن أيضاً : صار أميناً ، والمصدر : الأمانة . واستعمل في الأعيان مجازاً فقيل : الوديعة مثلاً أمانة . وأمن فلاناً على كذا : وثق به واطمأنّ إليه .
وفي الاصطلاح : يطلق ( بيع الأمانة ) على ما فيه اطمئنان من قبل البائع ، لأنّه أمانة في يد المشتري ، فبيع الأمانة مبنيّ على الثّقة والاطمئنان في التّعامل بين الطّرفين .
أنواع بيع الأمانة :
2 - بيع الأمانة يطلق على بيع الوفاء ، وبيع التّلجئة ، وبيع المرابحة ، والوضيعة ، والإشراك ، وبيع المسترسل أو البيع بسعر السّوق .
وهذه الأمانة والثّقة تارةً تكون مطلوبةً من قبل المشتري ، وتارةً تكون مطلوبةً من قبل البائع .
3 - فإن كانت مطلوبةً من جانب المشتري ، فإنّها تتحقّق ببيع الوفاء ، لأنّ المشتري أمين على المبيع حتّى يردّ له الثّمن الّذي دفعه ، ويأخذ البائع مبيعه .
أمّا إذا كانت مطلوبةً من جانب البائع - وهو الّذي يجب عليه الصّدق بثمن مبيعه وشرائه له - فإذا كان البيع بمثل الثّمن الّذي اشتراه به من غير زيادة ولا نقصان فهو بيع التّولية ، وإن كان بيع بعض المبيع ببعض الثّمن فهو بيع إشراك ، وإن كان بالثّمن مع زيادة فبيع المرابحة ، وإن كان بأقلّ من الثّمن فهو بيع الوضيعة أو الحطيطة .
وإن كان البيع بغضّ النّظر عن الثّمن الّذي اشترى به المبيع ، من مساواة أو زيادة أو نقصان ، وكان بسعر السّوق ، فهو بيع المسترسل أو البيع بسعر السّوق .
4 - ويقابل بيع الأمانة بيع المساومة ، وهو البيع بالثّمن الّذي يتراضى عليه العاقدان من غير نظر إلى الثّمن الأوّل الّذي اشترى به البائع .
بيع الوفاء :
5 - هو البيع بشرط أنّ البائع متى ردّ الثّمن يردّ المشتري المبيع إليه ، لأنّ المشتري يلزمه الوفاء بالشّرط . وإنّما أطلق عليه ( بيع الأمانة ) عند من سمّاه كذلك من القائلين بجوازه لأنّ المبيع بمنزلة الأمانة في يد المشتري ، لا يحقّ له فيه التّصرّف النّاقل للملك إلاّ لبائعه ، ويسمّيه المالكيّة " بيع الثّنيا " والشّافعيّة " بيع العهدة " والحنابلة " بيع الأمانة " .
وقد ذهب المالكيّة والحنابلة ، والمتقدّمون من الحنفيّة ، والشّافعيّة إلى : أنّ بيع الوفاء فاسد . وذهب بعض المتأخّرين من الحنفيّة والشّافعيّة إلى جوازه . وذهب بعض الحنفيّة أيضاً إلى أنّ بيع الوفاء رهن ، ويثبت له جميع أحكامه . وللتّفصيل انظر مصطلح ( بيع الوفاء ) .
بيع المرابحة :
6 - المرابحة مصدر رابح . تقول : بعته المتاع أو اشتريته منه مرابحةً : إذا سمّيت لكلّ قدر من الثّمن ربحاً . واصطلاحاً : بيع ما ملكه بما قام عليه وبفضل . أو هو : بيع السّلعة بالثّمن الّذي اشتراها به وزيادة ربح معلوم لهما .
وعند المالكيّة : أنّ لفظ المرابحة حقيقة عرفيّة فيما تقدّم ، وفي المساواة والوضيعة ، إلاّ أنّ النّوع الغالب في المرابحة الكثير الوقوع هو ما تقدّم .
وبيع المرابحة من البيوع الجائزة عند الفقهاء ، وذهب المالكيّة إلى أنّه خلاف الأولى ، وتركه أحبّ ، لكثرة ما يحتاج البائع فيه إلى البيان . فالأولى عندهم البيع بطريق المساومة . بيع التّولية :
7 - هو نقل جميع المبيع إلى المولى بما قام عليه ، بلفظ : ولّيتك أو نحوه من غير زيادة ربح ولا نقصان . وللتّفصيل انظر ( تولية ) .
بيع الإشراك :
8 - هو كبيع التّولية ، إلاّ أنّه بيع بعض المبيع ببعض الثّمن . وللتّفصيل انظر مصطلح ( إشراك ، بيع ) .
بيع الوضيعة :
9 - هو بيع الشّيء بنقصان معلوم من الثّمن الأوّل ، وهو ضدّ بيع المرابحة .
وللتّفصيل انظر مصطلح ( وضيعة ) .
بيع المسترسل :
10 - عرّفه المالكيّة بأنّه : قول الشّخص لغيره بعني كما تبيع النّاس ، أو بسعر السّوق ، أو بسعر اليوم ، أو بما يقوله فلان ، أو أهل الخبرة ونحو ذلك .
والمسترسل - كما عرّفه الإمام أحمد - هو الجاهل بقيمة السّلعة ولا يحسن المماكسة أو لا يماكس . وبيع المسترسل بهذا التّعريف ينعقد باتّفاق الفقهاء ، واختلفوا في ثبوت الخيار للمسترسل فيه .
حكم الخيانة في بيوع الأمانة :
سبق أنّ هذه البيوع إنّما سمّيت بيوع الأمانة لأنّها مبنيّة على الثّقة والاطمئنان في التّعامل بين الطّرفين : البائع والمشتري .
11 - فأمّا في بيع الوفاء - عند من يجوّزه - فإنّه يجب على المشتري ردّ المبيع إلى بائعه بعد تسلّم الثّمن ، ولا يجوز له إمساك المبيع ، لأنّ بيع الوفاء لا يسوغ للمشتري التّصرّف النّاقل للملكيّة ، ومن ثمّ فلا يجوز بيعه لغير بائعه وليس فيه الشّفعة ، وخراجه على بائعة ، ولو هلك المبيع في يد المشتري بغير تفريط فلا شيء لواحد منهما على الآخر ، لأنّ يد المشتري على المبيع يد أمانة .
وإذا مات البائع انتقل المبيع بالإرث إلى ورثته . وللتّفصيل انظر ( بيع الوفاء ) .
12 - وأمّا بالنّسبة لبيوع الأمانة الأخرى فإنّه إذا ظهرت الخيانة في المرابحة ، فلا يخلو إمّا أن تكون قد ظهرت في صفة الثّمن ، أو أنّها ظهرت في قدره .
فإن ظهرت الخيانة في صفة الثّمن ، بأن اشترى شيئاً بنسيئة ثمّ باعه مرابحةً على الثّمن الأوّل ، ولم يبيّن أنّه اشتراه بنسيئة ، أو باعه توليةً ولم يبيّن ، ثمّ علم المشتري ، فله الخيار بالإجماع ، إن شاء أخذه وإن شاء ردّه ، لأنّ المرابحة عقد بني على الأمانة ، لأنّ المشتري اعتمد البائع وائتمنه في الخبر عن الثّمن الأوّل ، فكانت الأمانة مطلوبةً في هذا العقد ، فكانت صيانته عن الخيانة مشروطةً دلالةً ، وفواتها يوجب الخيار كفوات السّلامة عن العيب . وإن ظهرت الخيانة في قدر الثّمن في المرابحة والتّولية ، بأن قال : اشتريت بعشرة وبعتك بربح دينار على كلّ عشرة دنانير ، أو قال : اشتريت بعشرة وولّيتك بما تولّيت ، ثمّ تبيّن أنّه كان اشتراه بتسعة ، فقد اختلف في حكمه :
فذهب الشّافعيّة - في الأظهر - وهو المذهب عند الحنابلة ، وقال به أبو يوسف من الحنفيّة : إلى أنّه لا خيار له ، ولكن يحطّ قدر الخيانة فيهما جميعاً ، وذلك درهم في التّولية ودرهم في المرابحة ، وحصّته من الرّبح ، وهو جزء من عشرة أجزاء من درهم ويلزم البيع .
وقال أبو حنيفة : المشتري بالخيار في المرابحة ، إن شاء أخذه بجميع الثّمن وإن شاء ترك ، وفي التّولية لا خيار له ، لكن يحطّ قدر الخيانة ، ويلزم العقد بالثّمن الباقي .
وذهب المالكيّة إلى أنّه إن حطّ البائع الزّائد المكذوب وربحه لزم البيع ، وإن لم يحطّ لم يلزم المشتري وخيّر بين الإمساك والرّدّ .
وفي القول الثّاني للشّافعيّة ، وبه قال محمّد : له الخيار في المرابحة والتّولية جميعاً ، إن شاء أخذه بجميع الثّمن ، وإن شاء ردّه على البائع .
13 - وأمّا المواضعة ، فإنّها تطبّق عليها شروط المرابحة وأحكامها ، إذ هي بيع بمثل الثّمن الأوّل مع نقصان معلوم منه .
وكذا الإشراك حكمه حكم التّولية ، ولكنّه تولية بعض المبيع ببعض الثّمن .
14 - وأمّا بالنّسبة لبيع المسترسل فمن صوره : أن يقول الرّجل للرّجل : بعني كما تبيع النّاس ، فهذا البيع صحيح عند المالكيّة ، ولكن إن غبنه بما يخرج عن العادة فله الخيار .
15 - ومن صوره أيضاً : أن يبيع شخصاً لا يماكس ، أو لا يحسن المماكسة ، فكأنّ المشتري استرسل إلى البائع واطمأنّ إليه ، فأخذ ما أعطاه من غير مماكسة ، ولا معرفة بغبنه . وبيع المسترسل بهذا التّعريف ينعقد باتّفاق الفقهاء ، ولكنّهم اختلفوا في ثبوت الخيار للمسترسل فيه .
فذهب الحنفيّة - في ظاهر الرّواية - والشّافعيّة : إلى أنّه لا يثبت له الخيار ، لأنّ نقصان قيمة السّلعة مع سلامتها لا يمنع لزوم العقد ، ومجرّد كونه مغبوناً لا يثبت له خياراً ، لكنّه مكروه عند الشّافعيّة .
وذهب الحنفيّة في القول المفتى به عندهم ، والمالكيّة والحنابلة : إلى ثبوت الخيار له إذا كان الغبن فاحشاً . وفسّره الحنفيّة بما لا يدخل تحت تقويم المقوّمين ، لأنّ ما لم يرد الشّرع بتحديده يرجع فيه إلى العرف ، وفسّر المالكيّة والحنابلة الغبن الفاحش بأنّه ما زاد على الثّلث ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الوصيّة : « الثّلث ، والثّلث كثير » فقد وصف الثّلث بأنّه كثير ، وقيل : السّدس ، وقيل : ما لا يتغابن به النّاس عادةً .
واستدلّوا بقوله عليه الصلاة والسلام : « غبن المسترسل حرام » ولأنّه غبن حصل لجهله بالمبيع ، فأثبت الخيار ، كالغبن في تلقّي الرّكبان .

البيع الباطل *
التّعريف :
1 - البيع لغةً من الأضداد مثل الشّراء ، والأصل في البيع مبادلة مال بمال ، وذلك حقيقة في وصف الأعيان ، لكنّه أطلق على العقد مجازاً ، لأنّه سبب التّمليك والتّملّك .
والباطل من بَطَل الشّيء : فسد أو سقط حكمه فهو باطل .
والبيع اصطلاحاً : مبادلة مال بمال . والبيع الباطل عند الحنفيّة هو : ما لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه . وعند الجمهور - وهم لا يفرّقون بين الفاسد والباطل في الجملة - هو ما لم يترتّب أثره عليه ، فلم يثمر ولم تحصل به فائدته من حصول الملك .
وهو موافق لما عند الحنفيّة أيضاً .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - البيع الصّحيح :
2 - هو : ما شرع بأصله ووصفه ، ويفيد الحكم بنفسه إذا خلا من الموانع . أو هو : ما ترتّب عليه أثره من حصول الملك والانتفاع بالمبيع . وعلى ذلك فهو مباين للبيع الباطل .
ب - البيع الفاسد :
3 - الجمهور على عدم التّفرقة بين البيع الباطل والبيع الفاسد . أمّا الحنفيّة فيجعلون البيع الفاسد مرتبةً بين البيع الصّحيح والبيع الباطل .
ويعرّفه الحنفيّة بأنّه : ما شرع بأصله دون وصفه .
أو هو : ما ترتّب عليه أثره ، ولكنّه مطلوب التّفاسخ شرعاً ، وهو مباين للباطل كما يقول ابن عابدين ، لأنّ ما كان مشروعاً بأصله فقط يباين ما ليس بمشروع أصلاً . وأيضاً حكم الفاسد أنّه يفيد الملك بالقبض ، والباطل لا يفيده أصلاً ، وتباين الحكمين دليل تباينهما .
ج - البيع المكروه :
4 - هو ما كان مشروعاً بأصله ووصفه ، لكن نهي عنه لوصف مجاور غير لازم ، كالبيع عقب النّداء للجمعة ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة .
خلافاً للحنابلة ، إذ النّهي عندهم يقتضي الفساد مطلقاً ، وهو يتّفق مع البيع الصّحيح في ترتّب أثره عليه ، ولكنّه مباين له باعتباره منهيّاً عنه .
الحكم التّكليفيّ :
5 - الإقدام على البيع الباطل مع العلم بالبطلان حرام ، ويأثم فاعله ، لارتكابه المعصية بمخالفته المشروع ، وعدم امتثاله لما نهى الشّارع عنه ، لأنّ البيع الباطل لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه .
هذا مع استثناء حالة الضّرورة ، كالمضطرّ يشتري الطّعام بزيادة على ثمن المثل ، وكالعقد الّذي يختبر به رشد الصّبيّ . فقد قيل : يشتري الوليّ شيئاً ثمّ يدفعه إلى آخر ، ثمّ يأمر الطّفل بشرائه منه ، وهذا بالنّسبة للبيع المتّفق على بطلانه ، كبيع المجنون والصّبيّ الّذي لا يميّز ، وكبيع الميتة والدّم والملاقيح والمضامين .
أمّا البيع المختلف في بطلانه بين المذاهب بأن كان باطلاً في مذهب وغير باطل في مذهب آخر ، كبيع الفضوليّ ، وبيع المعاطاة ، وبيع الكلب المأذون في اتّخاذه ، فإنّ المقدم عليه إن كان مجتهداً قد بلغ رتبة الاجتهاد فلا يعتبر البيع باطلاً في حقّه ، ولا إثم عليه ، لأنّه تحرّى قصد الشّارع ببذل الجهد ، حتّى وصل إلى دليل يرشده ، بحيث لو ظهر له خلاف ما رآه بدليل أقوى لرجع إليه ، والمخطئ في اجتهاده لا يعاقب ، بل يكون معذوراً ومأجوراً .
إلاّ أنّه يستحبّ الخروج من الخلاف ، بمعنى أنّ من يعتقد جواز الشّيء ، فإنّه يستحبّ له تركه إن كان غيره يعتقده حراماً .
والمقلّد كذلك يأخذ حكم المجتهد في سقوط الإثم عنه ، ما دام مقلّداً لإمامه تقليداً سائغاً . والعامّيّ ينبغي له أن يستفتي من غلب على ظنّه أنّه من أهل العلم والدّين والورع ، وإن اختلف عليه العلماء أخذ بقول أعلمهم وأورعهم وأغلبهم صواباً في قلبه ، ولا يتخيّر ما يميل إليه هواه ، لأنّ ذلك يؤدّي إلى تتبّع المذاهب من غير استناد إلى دليل ، وقال قوم : لا يجب ذلك عليه ، لأنّ الكلّ طرق إلى اللّه .
أسباب بطلان البيع :
6 - يرى جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - أنّه لا فرق بين البيع الفاسد والبيع الباطل ، فهما مترادفان ، لأنّ كلّاً من البيع الفاسد والباطل وقع على خلاف ما طلبه الشّارع ، ولذلك لم يعتبره ، ولم يرتّب عليه الأثر الّذي رتّبه على البيع الصّحيح من حصول الملك وحلّ الانتفاع .
وأسباب فساد البيع هي أسباب بطلانه ، وهي ترجع إلى الخلل الواقع في ركن من أركان العقد ، أو في شرط من شرائط الصّحّة ، أو لورود النّهي عن الوصف الملازم للفعل ، أو عن الوصف المجاور عند الحنابلة . واستدلّ الجمهور على ذلك بما يأتي :
أ - البيع الباطل أو الفاسد منهيّ عنه شرعاً ، والمنهيّ عنه يكون حراماً ، والحرام لا يصلح سبباً لترتّب الأثر عليه ، لأنّ النّهي عن التّصرّف إنّما هو لبيان أنّ ذلك التّصرّف قد خرج عن اعتباره وشرعيّته .
ب - قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ » والبيع المنهيّ عنه وقع على غير ما أمر به الشّارع ، فيكون مردوداً ، فكأنّه لم يوجد .
ج - أجمع سلف الأمّة على الاستدلال بالنّهي على الفساد ، ففهموا فساد الرّبا من قوله تعالى : { وذروا ما بَقِيَ من الرّبا } وقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تبيعوا الذّهب بالذّهب إلاّ مثلاً بمثل » و « نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط » .
هذا عند الجمهور : أمّا الحنفيّة فإنّ سبب بطلان البيع عندهم يرجع إلى اختلال ركن البيع أو شرط من شرائط الانعقاد ، فإذا تخلّف الرّكن أو شرط من شرائط الانعقاد كان البيع باطلاً ولا وجود له ، لأنّه لا وجود للتّصرّف إلاّ من الأهل في المحلّ حقيقةً ، ويكون العقد فائت المعنى من كلّ وجه ، إمّا لانعدام معنى التّصرّف كبيع الميتة والدّم ، أو لانعدام أهليّة التّصرّف كبيع المجنون والصّبيّ الّذي لا يعقل .
أمّا اختلال شرط من شرائط الصّحّة فلا يجعل البيع باطلاً ، كما هو عند الجمهور ، بل يكون فاسداً . واستدلّ الحنفيّة على ذلك بأنّ البيع الفاسد مشروع فيفيد الملك في الجملة ، والدّليل على أنّه مشروع بأصله : النّصوص العامّة المطلقة في باب البيع من نحو قوله تعالى :
{ وأحلَّ اللّه البيعَ } ونحو ذلك ممّا ورد من النّصوص العامّة في هذا الباب .
ويلحظ هنا أنّ بعض الشّافعيّة يسايرون المذهب الحنفيّ في التّفريق بين البيع الباطل والبيع الفاسد ، رغم أنّ القواعد العامّة عندهم تخالف ذلك .
جاء في أسنى المطالب : فرّق الأصحاب بين الباطل والفاسد ، فقالوا : إن رجع الخلل إلى ركن العقد كبيع الصّبيّ فهو باطل ، وإن رجع إلى شرطه أو صفته فهو فاسد .
7- بعد هذا التّفريق بين مذهب الحنفيّة والجمهور ، هناك من البيوع الباطلة ما هو متّفق على بطلانها بين المذاهب الأربعة ، كالبيع الّذي حدث خلل في ركنه ، أو في شرط من شرائط انعقاده ، كبيع الميتة والدّم والملاقيح والمضامين فهذه متّفق على بطلانها .
وهناك من البيوع ما هو مختلف في بطلانه بين المذاهب ، وهو ما رجع الخلل فيها لغير ما سبق . فبيع الفضوليّ مثلاً صحيح ، ولكنّه موقوف على الإجازة عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو باطل في الأصحّ عند الشّافعيّة والحنابلة .
والبيع عند النّداء يوم الجمعة باطل عند الحنابلة . ومثل ذلك يقال في بيع المعاطاة ، وبيع الكلب المأذون في اتّخاذه ، وبيع النّجش ، وهكذا . ويرجع سبب الاختلاف في الحكم على مثل هذه البيوع بالبطلان أو عدمه إلى الاختلاف في الدّليل .
ما يتعلّق بالبيع الباطل من أحكام :
8 - البيع الباطل لا يترتّب عليه أثر ، لأنّه لا وجود له إلاّ من حيث الصّورة ، وهو منقوض من أساسه ، ولا يحتاج لحكم حاكم لنقضه .
ولا تلحقه الإجازة لأنّه معدوم ، والإجازة لا تلحق المعدوم .
وهذا باتّفاق الفقهاء في البيع المجمع على بطلانه ، وأمّا البيع المختلف فيه كبيع الفضوليّ ، فإنّه إذا حكم حاكم بصحّته صحّ العقد قضاءً ، حتّى عند من يقول ببطلانه وهم الشّافعيّة ، والحنابلة في الأصحّ عندهم ، لأنّ حكم الحاكم يرفع الخلاف . ومقابل الأصحّ عندهم : أنّه تلحقه الإجازة . وإذا وقع البيع الباطل ، فإنّ وجوده من حيث الصّورة يتعلّق به بعض الأحكام . وبيان ذلك فيما يلي :
أ - التّرادّ :
9 - إذا وقع البيع الباطل وحدث فيه تسليم شيء من أحد الطّرفين وجب ردّه ، لأنّ البيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض ، ويجب على كلّ من الطّرفين ردّ ما أخذه إن كان باقياً ، وهذا باتّفاق . يقول ابن رشد : اتّفق العلماء على أنّ البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت ، حكمها الرّدّ ، أي أن يردّ البائع الثّمن ، ويردّ المشتري المثمون .
وردّ المبيع يكون مع نمائه المتّصل والمنفصل وأجرة مثله مدّة بقائه في يده ، وإن نقص ضمن نقصه ، لأنّه مضمون عليه ، فأجزاؤها تكون مضمونةً أيضاً .
صرّح بهذا الشّافعيّة والحنابلة ، وهو ما تفيده قواعد المذهب الحنفيّ .
أمّا عند المالكيّة فإنّ تغيّر الذّات بزيادة أو نقص يعتبر فوتاً ينتقل الحقّ فيه إلى الضّمان
ب - التّصرّف في المبيع :
10 - إذا تصرّف المشتري في المبيع بيعاً باطلاً ببيع أو هبة أو غير ذلك فلا ينفذ تصرّفه ، لأنّه لم يملكه ، فيكون قد تصرّف في ملك غيره بدون إذنه ، وتكون تصرّفاته كتصرّفات الغاصب ، ولذلك فإنّ هذا التّصرّف لا يمنع الرّدّ لعدم نفوذه ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
أمّا عند المالكيّة فإنّ التّصرّف في المبيع يعتبر مفوّتاً ، وينتقل الحقّ فيه إلى الضّمان .
ج - الضّمان :
11 - إذا تلف المبيع في يد المشتري ، فالصّحيح عند الحنفيّة ، وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة : أنّه يلزمه ضمانه بالمثل في المثليّ والقيمة في المتقوّم .
والقيمة عند الشّافعيّة تقدّر بأقصى القيم في المتقوّم من وقت القبض إلى وقت التّلف ، وفي وجه تعتبر قيمته يوم التّلف ، وفي وجه يوم القبض .
وعند الحنابلة تعتبر القيمة يوم تلف ببلد قبضه فيه ، قاله القاضي ، ونصّ أحمد عليه في الغصب ، ولأنّه قبضه بإذن مالكه فأشبه العاريّة ، وذكر الخرقيّ في الغصب : أنّه يلزمه قيمته أكثر ما كانت ، فيخرج هاهنا كذلك ، وهو أولى ، لأنّ العين كانت على ملك صاحبها في حال زيادتها ، وعليه ضمان نقصها مع زيادتها ، فكذلك في حال تلفها .
وللمالكيّة تفصيل في ذلك ، يقولون : إن فات المبيع بيد المشتري مضى المختلف فيه - ولو كان الخلاف خارج المذهب المالكيّ - بالثّمن الّذي وقع به البيع ، وإن لم يكن مختلفاً فيه - بل متّفقاً على فساده - ضمن المشتري قيمته إن كان مقوّماً حين القبض ، وضمن مثل المثليّ إذا بيع كيلاً أو وزناً ، وعلم كيله أو وزنه ، ولم يتعذّر وجوده ، وإلاّ ضمن قيمته يوم القضاء عليه بالرّدّ . وللحنفيّة رأي آخر ، وهو : أنّ المبيع يكون أمانةً عند المشتري ، لا يضمن إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط في الحفظ ، لأنّه مال قبضه بإذن صاحبه في عقد وجد صورةً لا معنًى ، فالتحق بالعدم وبقي إذنه بالقبض .
د - تجزّؤ البيع الباطل :
12 - المراد بتجزّؤ البيع الباطل : أن يشتمل البيع على ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه صفقةً واحدةً ، فيكون في شقّ منه صحيحاً وفي الشّقّ الآخر باطلاً ، ومن القواعد الفقهيّة : إذا اجتمع الحلال والحرام غلّب الحرام . وأدخل الفقهاء تحت هذه القاعدة ما يسمّى بتفريق الصّفقة ، وهو الجمع بين ما يجوز وما لا يجوز في عقد واحد .
وعقد البيع إذا كان في شقّ منه صحيحاً ، وفي الشّقّ الآخر باطلاً ، كالجمع بين العصير والخمر ، أو بين المذكّاة والميتة ، وبيع ذلك صفقةً واحدةً ، فالصّفقة كلّها باطلة ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة - عدا ابن القصّار منهم - وهو أحد قولي الشّافعيّة ( وادّعى الإسنويّ في كتاب المهمّات أنّه المذهب ) وهو رواية عن الإمام أحمد ، وذلك لأنّه متى بطل العقد في البعض بطل في الكلّ ، لأنّ الصّفقة غير متجزّئة ، أو لتغليب الحرام على الحلال عند اجتماعها ، أو لجهالة الثّمن .
والقول الأظهر للشّافعيّة ، والرّواية الثّانية عن الإمام أحمد ، وهو قول ابن القصّار من المالكيّة : أنّه يجوز تجزئة الصّفقة ، فيصحّ البيع فيما يجوز ، ويبطل فيما لا يجوز ، لأنّ الإبطال في الكلّ لبطلان أحدهما ليس بأولى من تصحيح الكلّ لصحّة أحدهما ، فيبقيان على حكمهما ، ويصحّ فيما يجوز ، ويبطل فيما لا يجوز .
وقال أبو يوسف ومحمّد بن الحسن : إن عيّن ابتداءً لكلّ شقّ حصّته من الثّمن ، فعند ذلك تعتبر الصّفقة صفقتين مستقلّتين تجوز فيهما التّجزئة ، فتصحّ واحدة وتبطل الأخرى .
وهذه إحدى صور تفريق الصّفقة .
والصّورة الثّانية : أن يكون العقد في شقّ منه صحيحاً ، وفي الشّقّ الآخر موقوفاً ، كالجمع بين داره ودار غيره ، وبيعهما صفقةً واحدةً ، فإنّ البيع يصحّ فيهما ، ويلزم في ملكه ، ويوقف اللّزوم في ملك الغير على إجازته ، وهذا عند المالكيّة والحنفيّة عدا زفر ، وهو مبنيّ عند الحنفيّة على قاعدة عدم جواز البيع بالحصّة ابتداءً ، وجواز ذلك بقاءً . وعند زفر : يبطل الجميع ، لأنّ العقد وقع على المجموع ، والمجموع لا يتجزّأ . وعند الشّافعيّة والحنابلة : يجري الخلاف السّابق في الصّورة الأولى ، لأنّ العقد الموقوف عندهم باطل في الأصل . والصّورة الثّالثة ذكرها ابن قدامة ، وهي : أن يبيع معلوماً ومجهولاً ، كقوله : بعتك هذه الفرس وما في بطن هذه الفرس الأخرى بألف ، فهذا البيع باطل بكلّ حال .
قال ابن قدامة : ولا أعلم في بطلانه خلافاً .
هـ - تصحيح البيع الباطل :
13 - تصحيح البيع الباطل يمكن تصويره بصورتين .
الأولى : إذا ارتفع ما يبطل العقد ، فهل ينقلب البيع صحيحاً ؟
الثّانية : إذا كانت صيغة البيع الباطل تؤدّي إلى معنى عقد آخر صحيح ، فهل يتحوّل البيع الباطل إلى عقد آخر صحيح ؟ وبيان ذلك فيما يلي :
أمّا الصّورة الأولى : فإنّ الحنفيّة يفرّقون بين البيع الباطل والبيع الفاسد ، فيصحّ عندهم في الجملة تصحيح البيع الفاسد بارتفاع المفسد دون الباطل ، ويعلّلون ذلك بأنّ ارتفاع المفسد في الفاسد يردّه صحيحاً ، لأنّ البيع قائم مع الفساد ، ومع البطلان لم يكن قائماً بصفة البطلان ، بل معدوماً . وعلى ذلك لا يجوز بيع الدّقيق في الحنطة ، والزّيت في الزّيتون ، واللّبن في الضّرع ، والبزر في البطّيخ ، والنّوى في التّمر ، لأنّه معدوم حتّى لو سلّم البائع للمشتري اللّبن ، أو الدّقيق ، أو العصير ، لا ينقلب صحيحاً ، لأنّ المعقود عليه معدوم حالة العقد ، ولا يتصوّر انعقاد العقد بدونه ، فلم ينعقد أصلاً ، فلا يحتمل النّفاذ .
14 - أمّا الجمهور- وهم لا يفرّقون بين البيع الفاسد والباطل - فالحكم عندهم أنّ البيع الباطل لا ينقلب صحيحاً برفع المفسد . ففي كتب الشّافعيّة : لو حذف العاقدان المفسد للعقد ، ولو في مجلس الخيار ، لم ينقلب العقد صحيحاً ، إذ لا عبرة بالفاسد .
وفي المغني لابن قدامة : لو باعه بشرط أن يسلّفه أو يقرضه ، أو شرط المشتري ذلك عليه ، فهو محرّم ، والبيع باطل ، لما روى عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ قال : « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » . ولأنّه اشترط عقداً في عقد ففسد ، كبيعتين في بيعة ، ولأنّه إذا اشترط القرض زاد في الثّمن لأجله ، فتصير الزّيادة في الثّمن عوضاً عن القرض وربحاً له ، وذلك رباً محرّم ، ففسد كما لو صرّح به ، ولأنّه بيع فاسد فلا يعود صحيحاً ، كما لو باع درهماً بدرهمين ثمّ ترك أحدهما . وفي شرح منتهى الإرادات : من باع بشرط ضمان دركه إلاّ من زيد لم يصحّ بيعه له ، لأنّ استثناء زيد من ضمان دركه يدلّ على حقّ له في المبيع ، لأنّه لم يأذن له في بيعه فيكون باطلاً ، ثمّ إن ضمن دركه منه أيضاً لم يعدّ البيع صحيحاً ، لأنّ الفاسد لا ينقلب صحيحاً . والأصل عند المالكيّة أنّ كلّ شرط يناقض مقتضى العقد كبيع الثّنيا ( بيع الوفاء ) - وهو أن يبتاع السّلعة على أنّ البائع متى ردّ الثّمن فالسّلعة له - وكذا كلّ شرط يخلّ بقدر الثّمن كبيع وشرط سلفاً ، فإنّ العقد يكون فاسداً .
لكن يصحّ البيع إن حذف شرط السّلف ، وكذا كلّ شرط يناقض المقصود ، إلاّ بعض الشّروط فلا يصحّ البيع معها ، ولو حذف الشّرط وهي :
- 1 - من ابتاع سلعةً بثمن مؤجّل على أنّه إن مات فالثّمن صدقة عليه ، فإنّه يفسخ البيع ولو أسقط هذا الشّرط ، لأنّه غرر ، وكذا لو شرط : إن مات فلا يطالب البائع ورثته بالثّمن . - 2 - شرط الثّنيا يفسد البيع ولو أسقط الشّرط ، وهو المشهور .
- 3 - شرط النّقد في بيع الخيار : قال ابن الحاجب : لو أسقط شرط النّقد فلا يصحّ .
أمّا الشّرط الّذي يؤدّي إلى الإخلال بشرط من شروط الصّحّة فهذا يوجب الفسخ ، وليس للعاقدين إمضاؤه .
15 - ومناط المسألة عند الفقهاء فيما سبق كما قال ابن رشد هو : هل إذا لحق الفساد بالبيع من قبل الشّرط يرتفع الفساد إذا ارتفع الشّرط أم لا يرتفع الفساد ؟ كما لا يرتفع الفساد اللاحق للبيع الحلال من أجل اقتران المحرّم العين به ؟ كمن باع فرساً بمائة دينار وزقّ خمر ، فلمّا عقد البيع قال : أدع الزّقّ ، وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع .
وهذا أيضاً ينبني على أصل آخر . وهو : هل هذا الفساد حكميّ ( تعبّديّ ) أو معقول ؟ فإن قلنا : حكميّ ، لم يرتفع بارتفاع الشّرط . وإن قلنا : معقول ، ارتفع بارتفاع الشّرط .
فمالك رآه معقولاً ، والجمهور رأوه غير معقول .
والفساد الّذي يوجد في بيوع الرّبا والغرر أكثره حكميّ ، ولذلك لا ينعقد عندهم أصلاً ، وإن ترك الرّبا بعد البيع أو ارتفع الغرر .
16 - أمّا الصّورة الثّانية ، وهي تحوّل البيع الباطل إلى عقد آخر صحيح ، فهذا يرجع إلى اختلاف الفقهاء في قاعدة " العبرة بصيغ العقود أو معانيها " .
يقول السّيوطيّ : هل العبرة بصيغ العقود أو معانيها ؟ خلاف ، والتّرجيح مختلف في الفروع . ومن ذلك : لو باع المبيع للبائع قبل قبضه بمثل الثّمن الأوّل ، فهو إقالة بلفظ البيع ، وخرّجه السّبكيّ على القاعدة ، والتّخريج للقاضي حسين . قال : إن اعتبرنا اللّفظ لم يصحّ ، وإن اعتبرنا المعنى فإقالة ، وهو بيع فاسد لأنّه وقع على المبيع قبل أن يقبض ، ولكنّه مع ذلك يتحوّل إلى إقالة صحيحة ، إذ يشتمل العقد على جميع عناصر الإقالة .
وفي الأشباه لابن نجيم : الاعتبار للمعنى لا للألفاظ ، صرّحوا به في مواضع .
وفي درر الحكّام : العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني ، ولذا يجري حكم الرّهن في بيع الوفاء .
وفي مذهب مالك : أنّ من باع عقاراً أو غيره وشرط على المبتاع أن لا يبيعه ولا يهبه حتّى يعطيه الثّمن فلا بأس بهذا ، لأنّه بمنزلة الرّهن إذا كان إعطاء الثّمن لأجل مسمًّى .
وهكذا يجري حكم تحوّل البيع الباطل إلى عقد آخر صحيح ضمن القاعدة الّتي سبق ذكرها .

بيع التّلجئة *
التّعريف :
1 - يعرّف بعض الحنفيّة بيع التّلجئة بأنّه : عقد ينشئه لضرورة أمر فيصير كالمدفوع إليه . وعرّفه صاحب الإنصاف بقوله : هو أن يظهرا بيعاً لم يريداه باطناً بل خوفاً من ظالم ( ونحوه ) دفعاً له . وسمّاه الشّافعيّة بيع الأمانة ، وصورته كما ذكر النّوويّ في المجموع أن يتّفقا على أن يظهرا العقد ، إمّا للخوف من ظالم ونحوه ، وإمّا لغير ذلك ، ويتّفقا على أنّهما إذا أظهراه لا يكون بيعاً ، ثمّ يعقد البيع .
وأمّا التّلجئة الّتي أضيف هذا البيع إليها فترد في اللّغة بمعنى : الإكراه والاضطرار .
وأمّا في الاصطلاح : فيرجع معناها إلى معنى الإلجاء ، وهو الإكراه التّامّ أو الملجئ ، ومعناه كما يفهم من حاشية ابن عابدين أن يهدّد شخص غيره بإتلاف نفس أو عضو أو ضرب مبرّح إذا لم يفعل ما يطلبه منه .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - بيع الوفاء :
2 - صورته أن يبيعه العين بألف على أنّه إذا ردّ عليه الثّمن ردّ عليه العين فيتّفق بيع التّلجئة وبيع الوفاء في عدم إرادة حقيقة البيع ، ويختلفان في أنّ بيع الوفاء يئول إلى رهن أو بيع وشرط ظاهر ، أمّا بيع التّلجئة فالاتّفاق على عدم إرادة البيع مضمر بينهما وليس هناك بيع أصلاً . هذا ، والفرق بين بيع التّلجئة وبيع الوفاء : أنّ المتعاقدين في بيع التّلجئة يتّفقان على أن يظهرا العقد إمّا خوفاً من ظالم ونحوه وإمّا لغير ذلك ، ويتّفقان أيضاً على أنّهما إذا أظهراه لا يكون بيعاً ، وأمّا في بيع الوفاء فإنّهما يتّفقان على أن يبيعه العين بثمن معيّن ، ويتّفقان أيضاً على أنّ البائع إذا أحضر الثّمن فإنّه يستردّ المبيع ، فبيع الوفاء في حقيقته رهن بلفظ البيع أو قرض إلى أجل بلفظ البيع ، فاشتراط التّلجئة فيه تفسده .
ب - بيع المكره :
3 - المراد ببيع المكره حمل البائع على البيع بغير اختياره ، إذ الإكراه في اللّغة معناه : حمل الإنسان على شيء يكرهه .
وفي الشّرع : فعل يوجد من المكره فيحدث في المحلّ معنًى يصير به مدفوعاً إلى الفعل الّذي طلب منه . والفرق بين بيع التّلجئة وبيع المكره : أنّ بيع التّلجئة بيع في الظّاهر فقط لا في الحقيقة ، وأمّا بيع المكره فإنّه بيع حقيقيّ ، مع الاختلاف في حكمه فساداً ووقفاً .
ج - بيع الهازل :
4 - الهازل في البيع : هو الّذي يتكلّم بكلام البيع لا على إرادة حقيقته .
والهزل : هو أن لا يراد باللّفظ معناه ، لا الحقيقيّ ولا المجازيّ ، وهو ضدّ الجدّ ، وهو أن يراد بالشّيء ما وضع له .
والفرق بين بيع التّلجئة وبيع الهازل : أنّ بيع التّلجئة وإن كان الدّافع إليه في الغالب هو الإكراه إلاّ أنّه في حقيقته هو بيع الهازل ، لأنّ البائع في بيع التّلجئة تلفّظ بصيغة البيع ، وهو في الحقيقة لا يريد البيع ، ولهذا ذكر صاحب البدائع أنّه يشبه بيع الهازل .
إذ الهزل ينافي اختيار الحكم والرّضى به ولا ينافي الرّضى بالمباشرة واختيارها ، فصار بمعنى خيار الشّرط في البيع .
التّلجئة في غير البيع :
5 - تكون التّلجئة في النّكاح ، كما إذا خطب من هو قاهر لشخص بعض بناته ، فأنكحه المخطوب إليه ، وأشهد شهود الاسترعاء سرّاً : أنّي إنّما أفعله خوفاً منه ، وهو ممّن يخاف عداوته ، وأنّه إن شاء اختارها لنفسه بغير نكاح ، فأنكحه على ذلك فهو نكاح مفسوخ أبداً . وتجري التّلجئة أيضاً في التّحبيس ( الوقف ) والطّلاق والهبة وغيرها ، من كلّ تطوّع .
أقسام بيع التّلجئة :
6 - بيع التّلجئة ينقسم إلى قسمين : قسم تكون التّلجئة فيه في نفس البيع ، وقسم تكون التّلجئة فيه في الثّمن . وكلّ قسم من هذين القسمين على ضربين ، لأنّ التّلجئة إن كانت في نفس البيع فإنّها إمّا أن تكون في إنشاء البيع ، وإمّا أن تكون في الإقرار به . وإن كانت في الثّمن فإنّها إمّا أن تكون في قدره ، وإمّا أن تكون في جنسه .
القسم الأوّل : أن تكون التّلجئة في نفس البيع .
وهو على ضربين :
الضّرب الأوّل : بيع تكون التّلجئة في إنشائه :
7 - وذلك بأن يتواضعا في السّرّ لأمر ألجأهما إليه : على أن يظهرا البيع ولا بيع بينهما حقيقةً ، وإنّما هو رياء وسمعة . نحو أن يخاف رجل السّلطان ، فيقول لآخر : إنّي أظهر أنّي بعت منك داري ، وليس ببيع في الحقيقة ، وإنّما هو تلجئة ، فتبايعا ، ففيه ثلاثة أقوال من حيث الجواز والبطلان .
أحدهما : أنّ البيع باطل في ظاهر الرّواية عن أبي حنيفة ، وهو قول أبي يوسف ومحمّد . وهو الوجه الصّحيح والمشهور عند الحنابلة ، واختاره القاضي وغيره .
وذكر البهوتيّ : أنّه باطل قولاً واحداً ، حيث تواطآ عليه .
ووجه القول بالبطلان : أنّ المتبايعين تكلّما بصيغة البيع لا على قصد الحقيقة وهو تفسير الهزل ، والهزل يمنع جواز البيع ، لأنّه يعدم الرّضا بمباشرة السّبب ، فلم يكن هذا بيعاً منعقداً في حقّ الحكم . وكذلك دلالة الحال على أنّهما في مثل هذا البيع لا يريدان البيع ، وإن لم يقولا في العقد تبايعنا هذا تلجئة .
ثانيهما : أنّ البيع جائز ، ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة ، وهو أيضاً ما ذهب إليه الشّافعيّة ، وكذا الحنابلة على الوجه الثّاني عندهم .
ووجه هذا القول هو أنّه لا عبرة بما اتّفقا عليه في السّرّ ، وإنّما العبرة بالعقد الّذي أظهراه ، ولأنّ ما شرطاه في السّرّ لم يذكراه في العقد ، وإنّما عقدا عقداً صحيحاً بشرائطه ، فلا يؤثّر فيه ما تقدّم من الشّرط ، كما إذا اتّفقا على أن يشترطا شرطاً فاسداً عند البيع ، ثمّ باعا من غير شرط .
ثالثهما : وهو المرويّ عن محمّد أنّ البيع جائز ( غير لازم ) ويلزم إن أجازاه معاً ، لأنّ الحكم ببطلان هذا البيع لمكان الضّرورة ، فلو اعتبرنا وجود الشّرط عند البيع لا تندفع الضّرورة ، ولو أجاز أحدهما دون الآخر لم يجز ، وإن أجازاه جاز ، لأنّ الشّرط السّابق وهو المواضعة ( التّواطؤ ) منعت انعقاد العقد في حقّ الحكم ، فكان بمنزلة شرط خيار المتبايعين ، فلا يصحّ إلاّ بتراضيهما ، ولا يملكه المشتري بالقبض .
وفي بيع التّلجئة لم يوجد الرّضا بمباشرة السّبب في الجانبين أصلاً ، فلم ينعقد السّبب في حقّ الحكم ، فتوقّف على أحدهما ، فأشبه البيع بشرط خيار المتبايعين .
8- هذا ويتفرّع على القول ببطلان هذا البيع : أنّ المتبايعين إذا اختلفا ، فادّعى أحدهما التّلجئة ، وأنكر الآخر ، وزعم أنّ البيع بيع رغبة ، فالقول قول منكر التّلجئة ، لأنّ الظّاهر شاهد له ، فكان القول قوله مع يمينه على ما يدّعيه صاحبه من التّلجئة إذا طلب الثّمن . وإن أقام المدّعي البيّنة على التّلجئة تقبل بيّنته ، لأنّه أثبت الشّرط بالبيّنة ، فتقبل بيّنته ، كما لو أثبت الخيار بالبيّنة . وأمّا على القول بجوازه فلا تؤثّر هذه الدّعوى ، لأنّها - وإن صحّت - لا تؤثّر في البيع الظّاهر . أمّا إذا اتّفقا على التّلجئة ، ثمّ قالا عند البيع : كلّ شرط كان بيننا فهو باطل تبطل التّلجئة ويجوز البيع ، لأنّه شرط فاسد زائد ، فاحتمل السّقوط بالإسقاط ، ومتى سقط صار العقد جائزاً .
الضّرب الثّاني : بيع تكون التّلجئة في الإقرار به .
9- التّلجئة إذا كانت في الإقرار بالبيع ، بأن اتّفقا على أن يقرّا ببيع لم يكن ، فأقرّا بذلك ، ثمّ اتّفقا على أنّه لم يكن ، فالبيع باطل كما ذكر صاحب البدائع ، ولا يجوز بإجازتهما ، لأنّ الإقرار إخبار ، وصحّة الإخبار هي بثبوت المخبر به حال وجود الإخبار ، فإن كان ثابتاً كان الإخبار صدقاً وإلاّ فيكون كذباً ، والمخبر به هاهنا - وهو البيع - ليس بثابت ، فلا يحتمل الإجازة ، لأنّها تلحق الموجود لا المعدوم .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:22 AM

القسم الثّاني : بيع تكون التّلجئة فيه في الثّمن أو البدل :
وهو أيضاً على ضربين .
10 - الضّرب الأوّل : بيع تكون التّلجئة فيه في قدر الثّمن .
ومثاله أن يتواضعا في السّرّ والباطن على أنّ الثّمن ألف ، ثمّ يتبايعا في الظّاهر بألفين ، فهل العبرة في مثل هذا البيع بالظّاهر أو الباطن ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين : أحدهما : أنّ العبرة بالظّاهر ، أي بما تعاقدا عليه ، وهو الثّمن المعلن .
ذهب إلى ذلك أبو حنيفة فيما رواه عنه أبو يوسف . وهو ما ذهب إليه الشّافعيّة ، وهو أظهر الوجهين عند الحنابلة ، وقطع به القاضي .
ثانيهما : أنّ العبرة بالباطن ، أي بما اتّفقا عليه سرّاً ، وهذا القول رواه محمّد في الإملاء من غير خلاف ، وهو قول أبي يوسف أيضاً . وهو أيضاً ما ذهب إليه الحنابلة على أحد الوجهين عندهم ، وهو مذهب المالكيّة على ما نصّوا عليه في مهر السّرّ ومهر العلانية . ووجه القول بأنّ الثّمن هو الثّمن المعلن : هو أنّ المذكور في العقد هو الّذي يصحّ العقد به ، وما ذكراه سرّاً لم يذكراه حالة العقد ، فسقط حكمه ، وأيضاً فإنّ الاتّفاق السّابق ملغًى ، بدليل أنّهما لو اتّفقا على شرط فاسد ثمّ عقدا بلا شرط صحّ العقد .
ووجه القول بأنّ الثّمن هو ثمن السّرّ : هو أنّهما اتّفقا على أنّهما لم يقصدا الألف الزّائدة ، فكأنّهما هزلا بها . أي فلا تضمّ إلى الثّمن ، ويبقى الثّمن هو الثّمن الّذي اتّفقا عليه في السّرّ ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة القائلين بفساد بيع الهازل .
وأمّا عند الشّافعيّة القائلين بصحّته - في أصحّ الوجهين - فتضمّ إلى الثّمن . هذا ، ويفهم ممّا ذكره صاحب البدائع من أنّ المعتبر هل هو ثمن السّرّ أو الثّمن المعلن ، أنّ محلّه إن قالا عند المواضعة : إنّ أحد الألفين المعلنين رياء وسمعة ، أمّا إذا لم يقولا ذلك عند المواضعة فالثّمن ما تعاقدا عليه ، لأنّ الثّمن اسم للمذكور عند العقد ، والمذكور عند العقد ألفان .
11 - الضّرب الثّاني : بيع تكون فيه التّلجئة في جنس الثّمن .
ومثال ذلك : أن يتّفقا في السّرّ على أنّ الثّمن ألف درهم ، ثمّ يظهرا البيع بمائة دينار ، فهل يبطل هذا البيع أو يصحّ بالثّمن المعلن ؟
ذهب محمّد إلى أنّ هذا البيع يبطل قياساً ، ويصحّ استحساناً ، أي بالثّمن المعلن .
ومحلّه - كما جاء في البدائع - إن قالا عند المواضعة : إنّ الثّمن المعلن رياء وسمعة ، فإن لم يقولا ذلك فالثّمن ما تعاقدا عليه ، لأنّ الثّمن اسم للمذكور عند العقد ، والمذكور عند العقد إنّما هو مائة دينار .
ووجه بطلان هذا البيع على القياس : هو أنّ ثمن السّرّ لم يذكراه في العقد ، وثمن العلانية لم يقصداه فقد هزلا به ، فسقط وبقي بيعاً بلا ثمن فلا يصحّ .
ووجه صحّته استحساناً : هو أنّهما لم يقصدا بيعاً باطلاً بل بيعاً صحيحاً ، فيجب حمله على الصّحّة ما أمكن ، ولا يمكن حمله على الصّحّة إلاّ بثمن العلانية ، فكأنّهما انصرفا عمّا شرطاه في الباطن ، فتعلّق الحكم بالظّاهر ، كما لو اتّفقا على أن يبيعاه بيع تلجئة فتواهبا ، بخلاف الألف والألفين ، لأنّ الثّمن المذكور المشروط في السّرّ مذكور في العقد وزيادة ، فتعلّق العقد به .
12 - هذا وذكر صاحب البدائع أيضاً أنّ هذا كلّه إذا اتّفقا في السّرّ ولم يتعاقدا في السّرّ ، أمّا إذا اتّفقا في السّرّ وتعاقدا أيضاً في السّرّ بثمن ، ثمّ تواضعا على أن يظهرا العقد بأكثر منه أو بجنس آخر ، فإن لم يقولا : إنّ العقد الثّاني رياء وسمعة فالعقد الثّاني يرفع العقد الأوّل ، والثّمن هو المذكور في العقد الثّاني ، لأنّ البيع يحتمل الفسخ والإقالة ، فشروعهما في العقد الثّاني إبطال للأوّل ، فبطل الأوّل وانعقد الثّاني بما سمّي عنده . وإن قالا : رياء وسمعة ، فإن كان الثّمن من جنس آخر فالعقد هو العقد الأوّل ، لأنّهما لمّا ذكرا الرّياء والسّمعة فقد أبطلا المسمّى في العقد الثّاني ، فلم يصحّ العقد الثّاني ، فبقي العقد الأوّل .
وإن كان من جنس الأوّل فالعقد هو العقد الثّاني ، لأنّ البيع يحتمل الفسخ ، فكان العقد هو العقد الثّاني لكن بالثّمن الأوّل ، والزّيادة باطلة لأنّهما أبطلاها حيث هزلا بها .
13 - وأمّا الشّافعيّة فإنّ البيع يصحّ عندهم بالثّمن المعلن ، ولا أثر للاتّفاق السّابق لأنّه ملغًى ، فصار كما لو اتّفقا على شرط فاسد ، ثمّ تبايعا بلا شرط .
14 - وأمّا الحنابلة ، فقد جاء في الفروع في كتاب الصّداق : أنّهما لو اتّفقا قبل البيع على ثمن ، ثمّ عقدا البيع بثمن آخر أنّ فيه وجهين :
أحدهما : أنّ الثّمن ما اتّفقا عليه . والثّاني : ما وقع عليه العقد كالنّكاح .
15 - وأمّا المالكيّة ، فإنّهم لم يصرّحوا في كتبهم ببيع التّلجئة كغيرهم ، وإنّما ذكروا بيع المكره والمضغوط وبيع الهازل ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ، لكنّهم تكلّموا عن عقد النّكاح وتسمية مهر للسّرّ ومهر للعلانية ، وبيّنوا أنّ العمل بمهر السّرّ إذا كانت هناك بيّنة تشهد على أنّ مهر العلن لا عبرة به ، وإنّما ذكر للأبّهة والفخر . فإذا لم تكن هناك بيّنة واتّفق الزّوجان على مهر السّرّ عمل به ، فإن اختلفا حلّفت الزّوجة الزّوج إن ادّعت الرّجوع عن صداق السّرّ القليل إلى صداق العلانية الكثير ، فإن حلف عمل بصداق السّرّ ، وإن نكل حلفت الزّوجة على الرّجوع وعمل بصداق العلانية ، فإن نكلت عمل بصداق السّرّ .
16 - هذا ، وذكر صاحب التّبصرة في القضاء بشهادة الاسترعاء : أنّ الاسترعاء في البيوع لا يجوز ، مثل أن يشهد قبل البيع أنّه راجع في البيع ، وأنّ بيعه لأمر يتوقّعه ، لأنّ المبايعة خلاف ما يتطوّع به ، وقد أخذ البائع فيه ثمناً وفي ذلك حقّ للمبتاع ، إلاّ أن يعرف الشّهود الإكراه على البيع والإخافة ، فيجوز الاسترعاء إذا انعقد قبل البيع ، وتضمّن العقد شهادة من يعرف الإخافة والتّوقّع الّذي ذكره . وهذا يفيد أنّ المكره على البيع لأمر يتوقّعه أو يخافه لا يلزمه البيع عند المالكيّة ، بل له أن يرجع فيه حتّى بعد أن يقبض الثّمن ، ما دام شهود الاسترعاء قد عرفوا الإكراه على البيع وسبب الإخافة .
أثر الاختلاف بين البائع والمشتري :
17 - لو ادّعى أحدهما بيع التّلجئة ، وأنكر الآخر ، فإن جاء مدّعي التّلجئة ببيّنة قبلت ، وإلاّ فالقول لمدّعي الأصل وهو عدم التّلجئة بيمينه . ولو قدّم كلّ منهما بيّنةً قدّمت بيّنة مدّعي التّلجئة ، لأنّه يثبت خلاف الظّاهر .
ولو تبايعا في العلانية ، فإن اعترفا ببنائه على التّلجئة ، فالبيع في العلانية باطل باتّفاقهما على أنّهما هزلا به ، وإلاّ فالبيع لازم . وهذا بناءً على ما ذهب إليه القائلون بصحّة بيع السّرّ وبطلان البيع المعلن ، وهم أبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، والمفهوم من مذهب المالكيّة .
أمّا من ذهب إلى صحّة البيع الثّاني وبطلان الاتّفاق المسبق في السّرّ ، فلا ترد هذه التّفصيلات عندهم ، وهم أبو حنيفة والشّافعيّة والقاضي من الحنابلة .
هذا من حيث الجملة ، وتنظر تفصيلات المسألة والخلاف فيها في مباحث البيع والدّعوى .

بيع التّولية *
انظر : تولية .

بيع الثّنيّة *
انظر : بيع الوفاء .

البيع الجبريّ *
تعريفه :
1 - البيع الجبريّ مركّب من لفظين : " البيع " و"الجبريّ " فالبيع مبادلة مال بمال على وجه مخصوص . والجبريّ : من جبره على الأمر جبراً : حمله عليه قهراً .
فالبيع الجبريّ في استعمال الفقهاء هو : البيع الحاصل من مكره بحقّ ، أو البيع عليه نيابةً عنه ، لإيفاء حقّ وجب عليه ، أو لدفع ضرر ، أو تحقيق مصلحة عامّة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإكراه على البيع :
2 - الإكراه في اللّغة : حمل الإنسان على أمر بغير اختياره .
وفي الشّرع : فعل يوجده المكرِه فيدفع المكرَه إلى ما طلب منه .
فالفرق بينه وبين البيع الجبريّ : أنّ البيع الجبريّ لا يكون إلاّ بحقّ ، أمّا البيع بالإكراه فهو في الأصل أعمّ ، لكنّ الغالب إطلاقه على الإكراه بلا حقّ .
ب - بيع التّلجئة :
3 - بيع التّلجئة في اصطلاح الفقهاء : أن يظهرا عقداً وهما لا يريدانه ، يلجأ إليه صاحب المال خوفاً من عدوّ أو سلطان جائر .
فالفرق بينه وبين البيع الجبريّ أنّ بيع التّلجئة فيه صورة البيع لا حقيقته .
حكمه التّكليفيّ :
4 - يختلف حكم البيع الجبريّ باختلاف سببه ، فإن كان لإيفاء حقّ ، كبيع ماله لإيفاء دين حالّ ، وبطلب صاحب الحقّ فهو واجب ، وكذا إذا كان لمصلحة عامّة ، كتوسعة المسجد الّذي ضاق على المصلّين ، أو الطّريق العامّ .
ويقوم البيع في الفقه الإسلاميّ - كسائر العقود القوليّة - على التّراضي الحرّ على إنشائه من الجانبين لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تأْكلوا أموالَكم بَيْنَكم بالباطلِ إلاّ أنْ تكونَ تِجَارةً عن تَرَاضٍ منكم } وخبر : « إنّما البيعُ عن تَرَاض » ولا يقرّ الفقهاء بيعاً لم يقم على التّراضي من الجانبين : البائع والمشتري ، إلاّ ما توجبه المصلحة العامّة لإحقاق حقّ ، أو تحقيق مصلحة عامّة ، أو دفع ضرر خاصّ أو عامّ ، وهو ما يسمّى في عرفهم : الإكراه المشروع ، أو الإكراه بحقّ . ومنها : العقود الجبريّة الّتي يجريها الحاكم ، إمّا مباشرةً نيابةً عمّن يجب عليه إجراؤها ، إذا امتنع عنها ، أو يجبر هو على إجرائها .
ويذكر الفقهاء أمثلةً للجبر المشروع على البيع منها :
إجبار المدين على بيع ماله :
5 - يجبر المدين على بيع ماله لإيفاء دين حالّ ، إذا امتنع عن أدائه وله مال ظاهر ، فيجبره الحاكم على وفاء الدّين بالتّعزير عليه بالحبس أو الضّرب ، فإن أصرّ على الامتناع قضى الحاكم الدّين من ماله جبراً عليه ، إذا كان له مال ظاهر من جنس الدّين .
هذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء . أمّا إذا كان ماله من غير جنس الدّين كالعقار والعروض ، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الإمام يبيع ماله عليه جبراً نيابةً عنه .
وعند الإمام أبي حنيفة ، لا يبيع الحاكم ماله عليه ، بل يحبسه حتّى يقوم بإيفاء الدّين ببيع ماله أو غيره ، لأنّ ولاية الحاكم - في نظر الإمام - على من عليه الدّين ، لا على ماله ، فلم ينفذ بيعه في ماله بغير إذنه ، ولأنّ البيع تجارة ولا يصحّ إلاّ بتراض ، وفيه أيضاً نوع من الحجر الّذي لا يجيزه أبو حنيفة . وقد خالفه صاحباه في ذلك ، فأجازا بيع الحاكم ماله لوفاء دينه بيعاً جبريّاً ، ورأيهما هو المفتى به في المذهب .
بيع المرهون :
6 - إذا رهن عيناً بدين حالّ أو مؤجّل ، وحلّ الأجل ، وامتنع المدين عن أداء الدّين أجبره الحاكم على بيع المرهون ، أو باع عليه نيابةً عنه ، لأنّه حقّ وجب عليه ، فإذا امتنع عن أدائه قام الحاكم مقامه في أدائه ، كالإيفاء في جنس الدّين . وللتّفصيل ر : ( رهن ) . وقال الإمام أبو حنيفة : لا يبيع عرضه ولا عقاره ، بل يحبسه حتّى يرضى ببيع ماله أو بغيره .
جبر المحتكر :
7 - إذا كان عند إنسان طعام فاضل عن حاجته ، يحتاج إليه النّاس وامتنع عن بيعه لهم ، أجبره الحاكم على بيعه دفعاً للضّرر . وللتّفصيل ر : ( احتكار ) .
الجبر على البيع للنّفقة الواجبة :
8 - إذا امتنع المكلّف عن الإنفاق على من تجب عليه نفقته كالزّوجة والأولاد والأبوين ، ولم يعرف له نقد ظاهر باع الحاكم عروضه أو عقاره للإنفاق عليهم .
وينظر التّفصيل في ( النّفقة ) .
الأخذ بالشّفعة جبراً :
9 - الشّفعة حقّ منحه الشّرع للشّريك القديم ، أو الجار الملاصق ، فيتملّك الشّقص المبيع عن مشتريه بما قام عليه من الثّمن والتّكاليف جبراً عليه .
وللتّفصيل انظر مصطلح ( شفعة ) .

بيع الجزاف *
التّعريف :
1 - الجزاف اسم من جازف مجازفةً من باب قاتل ، والجُزاف بالضّمّ خارج عن القياس والقياس بكسر الجيم . وهو في اللّغة من الجزف ، أي الأخذ بكثرة ، وجزف في الكيل جزفاً : أكثر منه . ويقال لمن يرسل كلامه إرسالاً من غير قانون : جازف في كلامه ، فأقيم نهج الصّواب في الكلام مقام الكيل والوزن . وبيع الجزاف اصطلاحاً : هو بيع ما يكال ، أو يوزن ، أو يُعَدّ ، جملةً بلا كيل ولا وزن ، ولا عدّ .
الحكم التّكليفيّ :
2 - الأصل أنّ من شرط صحّة عقد البيع أن يكون المبيع معلوماً ، ولكن لا يشترط العلم به من كلّ وجه ، بل يشترط العلم بعين المبيع وقدره وصفته ، وفي بيع الجزاف يحصل العلم بالقدر ، كبيع صبرة طعام ، دون معرفة كيلها أو وزنها ، وبيع قطيع الماشية دون معرفة عددها ، وبيع الأرض دون معرفة مساحتها ، وبيع الثّوب دون معرفة طوله .
وبيع الجزاف استثني من الأصل لحاجة النّاس واضطرارهم إليه ، بما يقتضي التّسهيل في التّعامل . قال الدّسوقيّ : الأصل في بيع الجزاف منعه ، ولكنّه خفّف فيما شقّ علمه من المعدود ، أو قلّ جهله في المكيل والموزون .
ودليله حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - « كنّا نشتري الطّعام من الرّكبان جزافاً ، فنهانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتّى ننقله من مكانه » . وفي رواية : « رأيت النّاس في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا ابتاعوا الطّعام جزافاً يضربون في أن يبيعوه في مكانه ، وذلك حتّى يؤووه إلى رحالهم » . وفي رواية : « يحوّلوه » وفي أخرى : أنّ عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما كان يشتري الطّعام جزافاً فيحمله إلى أهله فدلّ على أنّهم كانوا يتعاملون ببيع الجزاف ، فيكون هذا دالّاً على جوازه ، وألفاظ الرّواية تدلّ على أنّه كان في عهد الرّسول صلى الله عليه وسلم ، ممّا يفيد حكم الرّفع . ولهذا اتّفق الفقهاء على جوازه من حيث الجملة ، والأظهر عند الشّافعيّة جوازه مع الكراهة .
شروط بيع الجزاف :
3 - اشترط المالكيّة لجواز بيع الجزاف ستّة شروط :
- أ - أن يرى المبيع جزافاً حال العقد ، أو قبله إذا استمرّ على حاله إلى وقت العقد دون تغيير ، وهذا ما لم يلزم على الرّؤية فساد المبيع ، كقلال الخلّ المطيّنة يفسدها فتحها ، فيكتفى برؤيتها في مجلس العقد .
- ب - أن يجهل المتبايعان معاً قدر الكيل أو الوزن أو العدد ، فإن كان أحدهما يعلم قدرها فلا يصحّ .
- ج - أن يحزرا ويقدّرا قدره عند إرادة العقد عليه .
- د - أن تستوي الأرض الّتي يوضع عليها المبيع .
- هـ - ألا يكون ما يراد بيعه جزافاً كثيراً جدّاً ، لتعذّر تقديره . سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً . كما يشترط ألا يقلّ جدّاً إن كان معدوداً ، لأنّه لا مشقّة في معرفة قدره بالعدّ . أمّا إن كان مكيلاً أو موزوناً فيجوز وإن قلّ جدّاً .
- و-أن يشقّ عدّه ولا تقصد أفراده بالبيع ، سواء قلّ ثمنه أو لم يقلّ كالبيض .
وإذا قصدت أفراده جاز بيعه جزافاً إن قلّ ثمنه بالنّسبة لبعضها مع بعض . ومنع من بيعه جزافاً إن لم يقلّ ثمنها كالثّياب .
أمّا إذا لم يشقّ عدّه لم يجز أن يباع جزافاً ، سواء أقصدت أفراده أم لم تقصد ، قلّ ثمنها أو لم يقلّ . وانفرد المالكيّة في تفصيل الشّروط على هذا النّحو ، وإن كان منها ما شاركهم غيرهم في اعتبارها ، كما في الشّرط الأوّل والثّاني والرّابع . كما سيأتي تفصيله .
ولبيع الجزاف صور تختلف أحكامها على التّفصيل التّالي :
بيع الصّبرة جزافاً :
4 - الصّبرة هي : الكومة المجتمعة من الطّعام ونحوه .
والصّبرة المجهولة القدر المعلومة بالرّؤية ، إمّا أن تباع بثمن إجماليّ ، وإمّا أن تباع على أساس السّعر الإفراديّ ، كما لو قال : كلّ صاع منها بكذا .
فأمّا النّوع الأوّل ، فقد قال ابن قدامة : لا نعلم في جوازه خلافاً إن كان ممّا يتساوى أجزاؤه . ويشترط عند الجميع أن لا يكون من الأموال الرّبويّة إذا بيع شيء منها بجنسه كما يأتي . وأمّا الثّاني : وهو بيع الصّبرة الّتي يجهل مقدار كيلها أو وزنها على أساس سعر وحدة الكيل أو الوزن ، فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن وأبو يوسف من الحنفيّة : إلى جواز بيع الصّبرة الّتي يجهل عدد صيعانها مجازفةً ، بأن يقول : بعتك هذه الصّبرة من الطّعام كلّ صاع بدرهم ، لأنّ رؤية الصّبرة تكفي في تقديرها ، ولا يضرّ الجهل بجملة الثّمن ، لأنّ بالإمكان معرفته بالتّفصيل بكيل الصّبرة ، فيرتفع الغرر ، وتزول الجهالة . وذهب أبو حنيفة : إلى أنّ البيع يجوز في قفيز واحد ، ولا يجوز في الصّبرة كلّها ، إلاّ إذا عرف عدد الصّيعان ، وذلك لتعذّر صرف البيع إلى الكلّ للجهالة بالمبيع والثّمن ، فيصرف إلى الأقلّ وهو معلوم .
فإذا زالت الجهالة بتسمية جملة القفزان ، أو بأن تكال الصّبرة في مجلس العقد ، جاز بيع الصّبرة ويخرج بذلك عن أن يكون جزافاً .
تساوي موضع صبرة الطّعام عند بيعها جزافاً :
5 - لا يحلّ للبائع في بيع صبرة الطّعام جزافاً أن يضعها على موضع ينقصها ، كأن تكون على دكّة أو حجر ونحوه ، وكذلك السّمن ونحوه من المائعات الّتي تباع بوضعها في ظرف أو إناء ، فلا يجوز للبائع - إن باعها جزافاً - أن يكون الظّرف ممّا تختلف أجزاؤه رقّةً وغلظاً ، لأنّ هذا غشّ يؤدّي إلى الغرر والجهالة والنّزاع ، فلا يمكن معه تقديرها بمجرّد رؤيتها . فإذا كانت الصّبرة على دكّة أو ربوة أو حجر لينقصها سواء أقصد البائع أم لم يقصد ، فاشتراها المشتري وهو غير عالم بذلك ، فالبيع صحيح وملزم للبائع ، وللمشتري الخيار في فسخ العقد ، أو الرّجوع بالنّقص في الثّمن على البائع ، بأن تقوّم الصّبرة مغشوشةً مع وضعها على دكّة أو حجر ، وتقوّم بدون ذلك ، فما نقص من ثمنها رجع به المشتري على البائع . وإن باعه صبرة الطّعام ، وظهر أنّ تحتها حفرةً فلا خيار للمشتري ، لأنّ ذلك ينفعه ولا يضرّه ، لأنّه سيزيد في قدرها . وللبائع الخيار إن لم يعلم بالحفرة .
بيع المذروعات والمعدودات المتفاوتة جزافاً :
6 - ذهب الجمهور إلى جواز أن يباع قطيع الماشية مع الجهل بعدده ، كلّ رأس بكذا .
وأن تباع الأرض والثّوب جزافاً ، كلّ ذراع بكذا ، مع الجهل بجملة الذّرعان .
وذهب أبو حنيفة إلى عدم الجواز ، وهو قول ابن القطّان من الشّافعيّة .
والفرق بين المكيلات والموزونات ، وبين المعدودات والمذروعات : أنّ الأولى لا تتفاوت أجزاؤها في العادة تفاوتاً فاحشاً إذا فرّقت ، فتكفي رؤيتها جملةً . أمّا المعدودات والمذروعات كالماشية والأرض ، فتتفاوت أجزاؤها إذا فرّقت ، ولا تكفي رؤيتها جملةً .
البيع جزافاً مع علم أحد المتبايعين بقدر المبيع :
7 - يشترط لصحّة بيع الجزاف أن يكون المتبايعان يجهلان قدر المبيع جميعاً ، أو يعلمانه جميعاً ، ولا يجوز البيع جزافاً مع علم أحد المتعاقدين بقدر المبيع دون الآخر ، وذلك عند المالكيّة والحنابلة وفي وجه للشّافعيّة .
ووجه عدم الجواز عندهم : ما فيه من الغرر ، فإنّ بيع الجزاف جاز للضّرورة والحاجة فيما يباع تخميناً وحزراً ، فإذا عرف قدره لم يجز أن يباع جزافاً إذ لا ضرورة فيه .
ويترتّب عليه أن يردّ المشتري السّلعة الّتي اشتراها جزافاً ، إذا علم بعلم البائع بقدرها ، وللبائع فسخ العقد إذا علم بعلم المشتري بقدرها .
وعند الحنفيّة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة : أنّه يصحّ مع علم أحد المتعاقدين بمقدار المبيع . وعن أحمد رواية بكراهته وعدم تحريمه ، مراعاةً لخلاف العلماء فيه .
بيع الرّبويّ بجنسه جزافاً :
8 - لا يجوز أن يباع المال الرّبويّ بجنسه مجازفةً . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء . يداً بيد } فدلّ الحديث على أنّه لا يباع الرّبويّ بجنسه إلاّ بتحقّق المماثلة بينهما ، وإلاّ بالتّقابض .
ولا يمكن أن تتحقّق المماثلة في البيع الجزاف ، لأنّه قائم على التّخمين والتّقدير ، فيبقى احتمال الرّبا قائماً ، وقد « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن المزابنة وهي بيع الثّمر الرّطب بالثّمر الجافّ » ، وذلك فيما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرّجل تمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً ، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً ، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام ، نهى عن ذلك كلّه » .
وذلك لأنّه ينقص إذا جفّ ، فيكون مجهول المقدار .
والقاعدة في الرّبويّات : أنّ الجهل بالتّماثل كالعلم بالتّفاضل .
ضمّ معلوم في البيع أو جزاف إلى جزاف :
9 - إذا ضمّ جزاف إلى جزاف في البيع بثمن واحد أو بثمنين لم يمنع ذلك صحّة البيع ، لأنّهما في معنى الجزاف الواحد ، من حيث تناول الرّخصة لهما . كما لو قال : بعتك صبرتي التّمر والحبّ هاتين ، أو بعتك ثمرة حائطيّ هذين جزافاً بثلاث دنانير ، أو قال : أولاهما بدينار ، والثّانية بدينارين . وكذا لو ضمّ إلى الجزاف سلعةً ممّا لا يباع كيلاً أو وزناً ، كما لو قال : بعتك هذه الصّبرة وهذه الدّابّة بعشرة دنانير .
أمّا إن ضمّ في البيع إلى الجزاف معلوم بكيل أو وزن أو عدد ، فقد يؤدّي ذلك إلى فساد البيع ، لأنّ انضمامه إليه يصيّر في المعلوم جهلاً لم يكن .
وقد قسم المالكيّة انضمام المعلوم القدر بكيل أو وزن أو عدّ إلى أربع صور : لأنّ الجزاف إمّا أن يكون الأصل فيه - بحسب العرف - أن يباع جزافاً كالأرض ، أو أن يباع بالتّقدير كالكيل للحبوب . وكذلك المعلوم القدر المنضمّ إليه ، إمّا أن يكون الأصل فيه أن يباع جزافاً ، أو أن يباع بالتّقدير : فإن كان الجزاف أصله أن يباع جزافاً ، والمعلوم القدر أصله أن يباع بالكيل أو الوزن أو العدّ ، كجزاف أرض مع مكيل حبّ ، صحّ البيع في هذه الصّورة ،لأنّ كلاً منهما بيع على أصله . ويفسد البيع في الصّور الثّلاث الأخرى ، لمخالفة الأصل في كليهما أو في أحدهما ، وأمثلتها :
أ - جزاف حبّ مع مكيل أرض ( أي أرض مقدرة بالمساحة ) .
ب - جزاف حبّ مع مكيل حبّ .
ج - جزاف أرض مع مكيل أرض . هذا كلّه في الجزاف إذا بيع على غير كيل أو نحوه .
أمّا إن بيع الجزاف على كيل أو نحوه فلا يجوز أن يضمّ إليه شيء غيره مطلقاً ، كأن قال : بعتك هذه الصّبرة كلّ صاع بدرهم ، على أنّ مع المبيع سلعة كذا من غير تسمية ثمن لها ، بل ثمنها من جملة ما اشترى به الصّبرة ، لأنّ ما يخصّ السّلعة من الثّمن حين البيع مجهول ، ومعنى مطلقاً : أي سواء كانت السّلعة من جنس الصّبرة ، أو من غير جنسها ، لأنّه إذا سمّى الثّمن فبان أنّه يساوي أكثر ، وسامح فيه البائع من أجل إتمام الصّفقة جزافاً ، كانت التّسمية كعدمها ، لأنّه صار بمثابة الّذي لم يسمّ .
وإذا لم يسمّ ثمنها ، كان ما يخصّ السّلعة من الثّمن مجهولاً .
وعند الحنابلة : لو قال : بعتك هذه الصّبرة وقفيزاً من هذه الصّبرة الأخرى بعشرة دراهم صحّ . أمّا لو قال : بعتك هذه الصّبرة ، كلّ قفيز بدرهم ، على أن أزيدك قفيزاً من هذه الصّبرة الأخرى لم يصحّ . قالوا : لإفضائه إلى جهالة الثّمن في التّفصيل ، لأنّه يصير قفيزاً وشيئاً بدرهم ، والشّيء لا يعرفانه ، لعدم معرفتهما بكمّيّة ما في الصّبرة من القفزان . وذهب الشّافعيّة إلى بطلان البيع في صورة ما إذا قال البائع : بعتك هذه الصّبرة كلّ صاع بدرهم ، على أن أزيدك صاعاً من هذه الصّبرة الأخرى . لأنّه يفضي إلى الجهالة في جملة الثّمن وتفصيله ، فيصير كأنّه باعه صاعاً وشيئاً بدرهم ، والشّيء لا يعرف ، للجهالة بكمّيّة ما في الصّبرة من الصّيعان . ولم نطّلع على تفصيل للحنفيّة في هذه المسألة .
10 - لو باع هذه الصّبرة أو نحوها بمائة درهم ، كلّ صاع أو رأس أو ذراع بدرهم صحّ البيع ، إن خرج ما باعه مائةً ، لتوافق الجملة والتّفصيل فلا غرر ولا جهالة . وإن لم تخرج مائةً ، بأن خرجت أقلّ أو أكثر ، لم يصحّ البيع على الصّحيح عند الشّافعيّة ، وذلك لتعذّر الجمع بين الجملة والثّمن وتفصيله . والوجه الثّاني عندهم أنّه يصحّ تغليباً للإشارة .
ظهور المبيع أقلّ أو أكثر من المسمّى :
11 - من ابتاع صبرة طعام على أنّها مائة قفيز بمائة درهم ، فوجدها أقلّ أو أكثر ، ومن ابتاع ثوباً على أنّه عشرة أذرع بعشرة دراهم ، أو أرضاً على أنّها مائة ذراع بمائة درهم ، فوجدها أقلّ أو أكثر ، ذهب جمهور الفقهاء إلى صحّة البيع في هذه الصّورة ، سواء ظهر المبيع زائداً أم ناقصاً عمّا وقع عليه الاتّفاق في العقد .
وسواء أكان المبيع ثوباً أم أرضاً من المذروعات ، أو صبرة طعام من المكيلات . وفي رواية للحنابلة : أنّ البيع باطل ، إذا كان المعقود عليه أرضاً أو ثوباً ، وذلك لاختلال الوصف فيهما ، لأنّه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزّيادة ، ولا يمكن إجبار المشتري على أخذ البعض ، لأنّه اشترى الكلّ . كما لا يجبران على الشّركة في القدر الزّائد للضّرر الحاصل بسبب الشّركة . واتّفق الفقهاء - من حيث الجملة - على ثبوت الخيار للبائع في حال الزّيادة ، وللمشتري في حال النّقصان في الصّورة المتقدّمة .
وفرّق الحنفيّة والحنابلة بين ما يباع ذرعاً كالثّوب والأرض ، وبين ما يباع كيلاً كصبرة الطّعام ، ولم يفرّق الشّافعيّة بينهما ، بل أثبتوا الخيار لمن عليه الضّرر مطلقاً .
ففي صورة ما إذا ابتاع صبرةً من طعام على أنّها مائة قفيز بمائة درهم فوجدها أقلّ .
ذهب الحنفيّة والحنابلة : إلى أنّ المشتري بالخيار إن شاء أخذ الموجود بحصّته من الثّمن ، وإن شاء فسخ البيع ، وذلك لأنّ الثّمن ينقسم على أجزاء المبيع المثليّ مكيلاً أو موزوناً ، ولم يتمّ رضا المشتري به لأنّه أقلّ ممّا تمّ العقد عليه ، ولهذا كان له خيار أخذ الموجود بحصّته من الثّمن ، وكان له خيار الفسخ لأنّه وجد المبيع ناقصاً .
وفي قول للحنابلة : أنّه ليس له خيار الفسخ ، لأنّ نقصان القدر ليس بعيب في الباقي من الكيل . وعند الشّافعيّة : للمشتري الخيار بين أن يأخذ الموجود بكلّ الثّمن المسمّى ، وبين الفسخ . وإذا وجد الصّبرة أكثر ممّا تمّ عليه الاتّفاق : ردّ المشتري الزّيادة للبائع لأنّه تضرّر بالزّيادة ، ولأنّ البيع وقع على مقدار معيّن ، فما زاد عليه لا يدخل في البيع . وهذا عند الحنفيّة والحنابلة . وعند الشّافعيّة : يثبت الخيار للبائع ، ولا يسقط خياره فيما إذا قال المشتري للبائع : لا تفسخ ، وأنا أقنع بالقدر المشروط ، أو أنا أعطيك ثمن الزّائد .
وإذا كان ما يباع جزافاً مذروعاً كالثّوب والأرض ، وظهر أنّه أقلّ ممّا اتّفق عليه في العقد ، فذهب الحنفيّة والشّافعيّة : إلى أنّ المشتري بالخيار بين أن يأخذ الموجود بجملة الثّمن وبين أن يترك البيع ، ولا يسقط خيار المشتري فيما إذا حطّ البائع من الثّمن قدر النّقص .
وذهب الحنابلة إلى أنّ المشتري بالخيار بين أن يأخذ الموجود بحصّته من الثّمن ، أو أن يترك البيع . وإذا ظهر أنّ المبيع أكثر ممّا اتّفق عليه ، فذهب الحنفيّة إلى أنّ الزّيادة للمشتري بالثّمن نفسه ، لأنّ الذّرع كالوصف ، والأوصاف لا يقابلها شيء من الثّمن ، ولا خيار للبائع . وذهب الحنابلة والشّافعيّة : إلى أنّ البائع بالخيار .
وللحنابلة تفصيل في مذهبهم : فذهبوا إلى تخيير البائع بين تسليم المبيع زائداً ، وبين تسليم القدر الموجود . فإن رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري ، لأنّه زاده خيراً . وإن أبى تسليمه زائداً ، فللمشتري الخيار بين الفسخ أو الأخذ بجميع الثّمن المسمّى وقسط الزّائد . فإن رضي بالأخذ أخذ العشرة ، والبائع شريك له في الذّراع .
وفي تخيير البائع في الفسخ وجهان . الأوّل : له الفسخ ، لأنّ عليه ضرراً في المشاركة .
الثّاني : لا خيار له ، لأنّه رضي ببيع الجميع بهذا الثّمن . فإذا وصل إليه الثّمن مع بقاء جزء له فيه كان زيادةً على ما رضي به من الثّمن ، فلا يستحقّ بها الفسخ . فإن بذلها البائع للمشتري بثمن ، أو طلبها المشتري بثمن ، لم يلزم الآخر القبول ، لأنّها معاوضة يعتبر فيها التّراضي منهما ، فلا يجبر واحد منهما عليه . وإن تراضيا على ذلك جاز .
ووجه التّفريق بين المذروعات والمكيلات : أنّ المتّفق عليه في العقد على المكيلات هو القدر ، أمّا في المذروعات فهو الوصف .
والقدر يقابله الثّمن ، أمّا الوصف فهو تابع للمبيع ، ولا يقابله شيء من الثّمن . ولهذا يأخذ المبيع بحصّته من الثّمن ، إذا فات القدر المتّفق عليه . ويأخذ المبيع بالثّمن كاملاً ، إذا فات الوصف المتّفق عليه . فلو قال البائع : بعتك الثّوب على أنّه مائة ذراع بمائة درهم ، كلّ ذراع بدرهم ، فوجدها ناقصةً ، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بحصّتها من الثّمن ، وإن شاء ترك . لأنّ الوصف وإن كان تابعاً للمبيع ، إلاّ أنّه صار أصلاً ، لأنّه أفرد بذكر الثّمن ، فينزّل كلّ ذراع منزله ثوب مستقلّ .
لأنّه لو أخذ بكلّ الثّمن لم يكن آخذاً لكلّ ذراع بدرهم . فإن وجدها زائدةً ، فهو بالخيار إن شاء أخذ الجميع كلّ ذراع بدرهم ، وإن شاء فسخ البيع ، لأنّه إن حصل له الزّيادة في الذّرع تلزمه زيادة الثّمن ، فكان نفعاً يشوبه ضرر ، فيخيّر بين أخذ الزّيادة وبين فسخ البيع .

بيع الحاضر للبادي *
التّعريف :
1 - الحاضر : ضدّ البادي ، والحاضرة ضدّ البادية .
والحاضر : من كان من أهل الحضر ، وهو ساكن الحاضرة ، وهي المدن والقرى ، والرّيف وهو أرض فيها - عادةً - زرع وخصب .
وقال الشّلبيّ : الحاضر : المقيم في المدن والقرى . والبادي : ساكن البادية ، وهي ما عدا ذلك المذكور من المدن والقرى والرّيف ، قال تعالى : { وإنْ يأتِ الأحزابُ يَوَدُّوا لو أَنَّهم بَادُونَ في الأَعْرابِ } أي نازلون ، وقال الشّلبيّ : المقيم بالبادية . والنّسبة إلى الحاضرة : حضريّ ، وإلى البادية بدويّ . وعبّر بعض المالكيّة : ببيع حاضر لعموديّ ، والعموديّ هو البدويّ ، نسبةً إلى عمود ، لأنّ البدو يسكنون الخيام .
غير أنّ الحنابلة اعتبروا البدويّ شاملاً للمقيم في البادية ، ولكلّ من يدخل البلدة من غير أهلها ، سواء أكان بدويّاً ، أم كان من قرية أو بلدة أخرى . وهو قول عند المالكيّة .
2 - والمراد ببيع الحاضر للبادي عند الجمهور : أن يتولّى الحضريّ بيع سلعة البدويّ ، بأن يصير الحاضر سمساراً للبادي البائع .
قال الحلوانيّ : هو أن يمنع السّمسار الحاضرُ القرويَّ من البيع ، ويقول له : لا تبع أنت ، أنا أعلم بذلك ، فيتوكّل له ، ويبيع ويغالي ، ولو تركه يبيع بنفسه لرخّص على النّاس . فالبيع - على هذا - هو من الحاضر للحاضر نيابةً عن البادي ، بثمن أغلى .
وعلى هذا التّفسير ، تكون اللّام في « ولا يبيع حاضرٌ لباد » على حقيقتها كما يقول ابن عابدين ، وهي : التّعليل .
3 - وذهب بعض الحنفيّة - كصاحب الهداية - إلى أنّ المراد بالحديث : أن يبيع الحضريّ سلعته من البدويّ ، وذلك طمعاً في الثّمن الغالي ، فهو منهيّ عنه ، لما فيه من الإضرار بأهل البلد . وعلى هذا التّفسير تكون اللّام في « ولا يبيع حاضر لباد » بمعنى من - كما يقول البابرتيّ - : فهذا تفسير من قال : إنّ الحاضر هو المالك ، والبادي هو المشتري .
قال الخير الرّمليّ : ويشهد لصحّة هذا التّفسير ، ما في الفصول العماديّة ، عن أبي يوسف : لو أنّ أعراباً قدموا الكوفة ، وأرادوا أن يمتاروا ( يتزوّدوا من الطّعام ) منها ، ألا ترى أنّ أهل البلدة يمنعون عن الشّراء للحكرة ، فهذا أولى .
وصرّح الحصكفيّ من الحنفيّة ، بأنّ الأصحّ - كما في المجتبى - أنّهما : السّمسار والبائع ( وهو التّفسير الأوّل الّذي عليه الجمهور ) وذلك لوجهين :
أوّلهما : موافقته لآخر الحديث في بعض رواياته : « دعوا النّاس ، يرزق اللّه بعضهم من بعض » الآخر : أنّه عدّي باللام ، لا بمن .
فعلى هذا يكون مذهب الحنفيّة ، كالجمهور في تفسير الحديث .
النّهي عن هذا البيع :
4 - لا يختلف الفقهاء في منع هذا البيع . فقد ورد النّهي عنه في أحاديث كثيرة منها : حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه قال : « لا تَلَقُّوا الرّكبانَ ، ولا يبع بعضُكم على بيعِ بعض ، ولا تَنَاجَشُوا ، ولا يَبع حاضر لباد ، ولا تصرُّوا الغنم » ومنها حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا يبع حاضر لباد ، دعوا النّاس ، يرزق اللّه بعضهم من بعض » ومنها حديث أنس رضي الله عنه قال : « نهينا أن يبيع حاضر لباد ، وإن كان أخاه وأباه » وفي لفظ « وإن كان أخاه لأبيه وأمّه » .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:24 AM

علّة النّهي عن بيع الحاضر للبادي :
اختلف الفقهاء في علّة هذا النّهي :
5 - أ - فمذهب الجمهور ، بناءً على التّفسير الأوّل ، أنّ المعنى في النّهي عن ذلك ، هو ما يؤدّي إليه هذا البيع من الإضرار بأهل البلد ، والتّضييق على النّاس . والقصد أن يبيعوا للنّاس برخص . قال ابن القاسم : لم يختلف أهل العلم في أنّ النّهي عن بيع الحاضر للبادي إنّما هو لنفع الحاضرة ، لأنّه متى ترك البدويّ يبيع سلعته ، اشتراها النّاس برخص ، ويوسّع عليهم السّعر ، فإذا تولّى الحاضر بيعها ، وامتنع من بيعها إلاّ بسعر البلد ، ضاق على أهل البلد ، وقد أشار النّبيّ صلى الله عليه وسلم في تعليله إلى هذا المعنى .
6- ب - ومذهب بعض الحنفيّة ، كالمرغينانيّ - على ما بيّنّا - والكاسانيّ ، وكذلك التّمرتاشيّ - فيما يبدو بناءً على التّفسير الثّاني - أنّ المعنى في النّهي عن ذلك ، وهو الإضرار بأهل المصر ، من جهة أخرى غير الرّخص ، وهي : أن يكون أهل البلد في حال قحط وعوز إلى الطّعام والعلف ، فلا يبيعهما الحضريّ - مع ذلك - إلاّ لأهل البدو ، بثمن غال .
قيود النّهي :
قيّد جمهور الفقهاء النّهي عن بيع الحاضر للبادي ، بقيود وشروط شتّى منها :
7 - أن يكون ما يقدم به البادي ، ممّا تعمّ الحاجة إليه ، سواء أكان مطعوماً أم غير مطعوم ، فما لا يحتاج إليه إلاّ نادراً ، لا يدخل تحت النّهي .
8- وأن يكون قصد البادي البيع حالاً ، وهو ما عبّروا عنه بالبيع بسعر يومه ، فلو كان قصده البيع على التّدريج ، فسأله البلديّ تفويض ذلك إليه فلا بأس به ، لأنّه لم يضرّ بالنّاس ، ولا سبيل إلى منع المالك منه . وهذان الشّرطان للشّافعيّة والحنابلة .
9- وأن يكون البيع على التّدريج بأغلى من بيعه حالاً ، كما استظهره بعض الشّافعيّة .
قالوا : لأنّه إذا سأل الحضريّ أن يفوّض له بيعه ، بسعر يومه على التّدريج ، لم يحمله ذلك على موافقته ، فلا يكون سبباً للتّضييق ، بخلاف ما إذا سأله أن يبيعه بأغلى ، فالزّيادة ربّما حملته على الموافقة ، فيؤدّي إلى التّضييق .
10 - وأن يكون البادي جاهلاً بالسّعر ، لأنّه إذا علمه لم يزده الحاضر على ما عنده ، ولأنّ النّهي لأجل أن يبيعوا للنّاس برخص ، وهذه العلّة إنّما توجد إذا كانوا جاهلين بالأسعار ، فإذا علموا بالأسعار فلا يبيعون إلاّ بقيمتها كما يبيع الحاضر ، فبيع الحاضر حينئذ بمنزلة بيعهم . وهذا الشّرط للمالكيّة والحنابلة .
ومع ذلك فقد أطلق الخرشيّ النّهي ، سواء أكان البدويّ جاهلاً بالأسعار أم لا .
واختلف في المعتمد عند المالكيّة : فالمعتمد عند العدويّ : شرط الجهل بالأسعار . وهو الّذي نصّ عليه ابن جزيّ . والمعتمد عند آخرين - كما نقله الدّسوقيّ - هو الإطلاق .
11 - واشترط الحنابلة أن يكون البادي قد جلب السّلع ، وحضر لبيعها ، لأنّه إذا حضر لخزنها أو أكلها ، فقصده الحاضر ، وحضّه على بيعها ، كان توسعةً لا تضييقاً .
12 - واشترط المالكيّة أن يكون البيع لحاضر ، فلو باع الحاضر لبدويّ مثله ، فإنّه يجوز ، لأنّ البدويّ لا يجهل أسعار هذه السّلع ، فلا يأخذها إلاّ بأسعارها ، سواء اشتراها من حضريّ أم من بدويّ ، فبيع الحضريّ له بمنزلة بيع بدويّ لبدويّ .
13 - واشترط الحنابلة أن يقصد البدويّ حاضر عارف بالسّعر ، فإن قصده البادي لم يكن للحاضر أثر في عدم التّوسعة .
فإن اختلّ شرط من شروط المنع لم يحرم البيع من الحاضر للبادي عند القائل بذلك الشّرط .
14 - والحنفيّة ، الّذين صوّر بعضهم النّهي : بأن يبيع الحاضر طعاماً أو علفاً للبادي طمعاً في الثّمن الغالي ، قيّدوا التّحريم بأن يضرّ البيع بأهل البلد ، بأن يكونوا في قحط من الطّعام والعلف ، فإن كانوا في خصب وسعة فلا بأس به لانعدام الضّرر ، وعبارة الحصكفيّ : وهذا في حال قحط وعوز ، وإلاّ لا ، لانعدام الضّرر .
15 - أمّا الّذين صوّروا منهم النّهي : بأن يتولّى الحاضر بيع سلعة البدويّ ، ويغالي فيها ، وهذا هو الأصحّ ، فقد قيّدوه .
بأن تكون السّلعة ممّا تعمّ الحاجة إليها كالأقوات ، فإن كانت لا تعمّ ، أو كثر القوت واستغني عنه ، ففي التّحريم تردّد . -وبما إذا كان أهل الحضر يتضرّرون بذلك .
حكم بيع الحاضر للبادي :
16 - أ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه محرّم مع صحّته ، وصرّح به بعض الحنفيّة وعبّر عنه بعضهم بالكراهة ، وهي للتّحريم عند الإطلاق . كما صرّح به المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لكنّه مع ذلك صحيح عند جمهورهم ، كما هو رواية عن الإمام أحمد .
والنّهي عنه لا يستلزم الفساد والبطلان ، لأنّه لا يرجع إلى ذات البيع ، لأنّه لم يفقد ركناً ، ولا إلى لازمه ، لأنّه لم يفقد شرطاً ، بل هو راجع لأمر خارج غير لازم ، كالتّضييق والإيذاء . قال المحلّيّ : والنّهي للتّحريم : فيأثم بارتكابه العالم به ، ويصحّ البيع .
ب - وفي رواية عن أحمد أنّ البيع صحيح ولا كراهة فيه ، وأنّ النّهي اختصّ بأوّل الإسلام لما كان عليهم من الضّيق ، قال أحمد : كان ذلك مرّةً .
ج - مذهب المالكيّة ، والمذهب عند الحنابلة ، والأظهر عندهم ، أنّ هذا البيع حرام ، وهو باطل أيضاً وفاسد ، كما نصّ عليه الخرقيّ ، لأنّه منهيّ عنه ، والنّهي يقتضي فساد المنهيّ عنه . وكما نصّ عليه البهوتيّ بقوله : فيحرم ، ولا يصحّ لبقاء النّهي عنه وقال أحمد لمّا سئل عن هذا البيع : أكره ذلك ، وأردّ البيع في ذلك . وفصّل المالكيّة في هذا ، وقرّروا : أوّلاً : أنّه يفسخ البيع ما دامت السّلعة قائمةً لم تفت ببيع ، أو عيب ، أو موت ،أو نحو ذلك.
ثانياً : فإن فاتت مضى البيع بالثّمن ( الّذي وقع به البيع ) وهذا هو المعتمد . وقيل : بالقيمة . وفيما يلي بعض الفروع التّفصيليّة عند غير الحنفيّة في هذا البيع :
17 - أوّلاً : نصّ المالكيّة على أنّه - مع فسخ هذا البيع بشرط عدم فوات المبيع - يؤدّب كلّ من المالك والحاضر والمشتري ، إن لم يعذر أحد منهم بجهله ، بأن كان عالماً بالحرمة ، ولا أدب على الجاهل لعذره بالجهل . لكن هل يؤدّب مطلقاً ، أم يؤدّب إن اعتاد هذا البيع ؟ قولان للمالكيّة في هذا .
والشّافعيّة قرّروا الإثم على العالم بالتّحريم ، كما قال المالكيّة ، وكذا الجاهل المقصّر ، ولو فيما يخفى غالباً . قالوا : وللحاكم أن يعزّر في ارتكاب ما لا يخفى غالباً ، وإن ادّعى جهله . قال القليوبيّ : إنّ الحرمة مقيّدة بالعلم أو التّقصير ، وإنّ التّعزير مقيّد بعدم الخفاء .
غير أنّ القفّال من أئمّة الشّافعيّة ، جعل الإثم هنا ، على البلديّ دون البدويّ ، وقرّر أنّه لا خيار للمشتري . ثمّ عمّم الشّافعيّة اشتراط العلم بالحرمة ، في كلّ منهيّ عنه .
قال ابن حجر : ولا بدّ هنا ، وفي جميع المناهي ، أن يكون عالماً بالنّهي ، أو مقصّراً في تعلّمه ، كما هو ظاهر ، أخذاً من قولهم : يجب على من باشر أمراً أن يتعلّم جميع ما يتعلّق به ، ممّا يغلب وقوعه .
18 - ثانياً : بما أنّ النّصّ ورد في النّهي عن البيع للبادي ، فقد اختلف في حكم الشّراء له:
أ - مذهب المالكيّة التّفصيل بين الشّراء له بالنّقد أو بالسّلع :
فمنهم من يرى جواز الشّراء له بالنّقد وبالسّلع مطلقاً ، أي سواء أحصّل السّلع بنقد أم بغير نقد ، وهو ظاهر كلام الشّيخ خليل .
وخصّ الخرشيّ جواز الشّراء بالسّلع الّتي حصّلها بثمن ينقد ، وأمّا الّتي حصّلها بغير النّقد ، فلا يجوز أن يشتري له بها سلعاً ، قال : لأنّ العلّة الّتي في منع البيع له ، تأتي حينئذ . وقال آخرون منهم : ظاهر كلام الأئمّة أنّه لا يجوز الشّراء له إلاّ بالنّقد ، لا بالسّلع مطلقاً ، وإلاّ كان بيعاً لسلعه ، وهو ممنوع مطلقاً على المعتمد - كما تقدّم - واستوجه هذا الدّسوقيّ .
19 - ب - ومذهب الشّافعيّة متردّد في التّأثيم به أيضاً ، فلو قدم من البدو من يريد الشّراء ، فتعرّض له من الحضر من يشتري له رخيصاً :
- 1 - فابن يونس قال : هو حرام ، وبحث الأذرعيّ الجزم بالإثم ، وله وجه - كما قال ابن حجر - وهو : القياس على البيع ، قال الشّروانيّ : وهو المعتمد ، لكن قيّده بأن يكون الثّمن ممّا تعمّ الحاجة إليه . والقول بالمنع نقله أيضاً ابن هانئ من الحنابلة .
- 2 - وجمع من المتأخّرين اختاروا عدم الإثم في الشّراء ، وفرّقوا بين البيع وبين الشّراء للبدويّ ، بأنّ الشّراء غالباً بالنّقد ، وهو لا تعمّ الحاجة إليه .
- 3 - أمّا ابن حجر ، فذهب مذهب التّوفيق بين القولين ، فحمل القول الأوّل بالإثم على ما إذا كان الشّراء بمتاع تعمّ الحاجة إليه ، وحمل القول بعدم الإثم على خلافه ، وهو ما إذا كان الشّراء بمتاع لا تعمّ الحاجة إليه .
20 - ج - ومذهب الحنابلة في الشّراء للبادي : أنّه صحيح روايةً واحدةً ، وذلك لأنّ النّهي غير متناول للشّراء بلفظه ، ولا هو في معناه ، فإنّ النّهي عن البيع للرّفق بأهل الحضر ، ليتّسع عليهم السّعر ويزول عنهم الضّرر ، وليس ذلك في الشّراء لهم ، إذ لا يتضرّرون لعدم الغبن للبادين ، بل هو دفع الضّرر عنه . والخلق في نظر الشّارع على السّواء ، فكما شرع ما يدفع الضّرر عن أهل الحضر ، لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضّرر .
21 - ثالثاً : هناك مسألة تتّصل ببيع الحاضر للبادي والشّراء له ، وهي : ما لو أشار الحاضر على البادي ، من غير أن يباشر البيع له : فقد نقل ابن قدامة أنّه كرهه مالك واللّيث . وقال الشّافعيّة : في وجوب إرشاده إلى الادّخار أو البيع وجهان : أوجههما أنّه يجب إرشاده ، لوجوب الإشارة بالأصلح عليه .
ونقل ابن قدامة أيضاً ، أنّه رخّص فيه طلحة بن عبيد اللّه رضي الله عنه ، والأوزاعيّ وابن المنذر . قال ابن قدامة : وقول الصّحابيّ حجّة ، ما لم يثبت خلافه .
22 - رابعاً : نصّ ابن جزيّ من المالكيّة على أنّ تعريف البادي بالسّعر ، هو كالبيع له ، فلا يجوز .

بيع الحصاة *
التّعريف :
1 - بيع الحصاة : هو البيع بإلقاء الحجر ، وكان معروفاً في الجاهليّة ، وورد النّهي عنه ، وذلك في حديث النّهي عن الغرر ، فيما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة ، وعن بيع الغرر » واختلف الفقهاء في تفسيره .
2 - فقال الحنفيّة : هو : أن يلقي حصاةً ، وثمّة أثواب ، فأيّ ثوب وقع عليه كان هو المبيع بلا تأمّل ولا رويّة ، ولا خيار بعد ذلك . وهذا التّفسير للحديث ، ذكره جميع فقهاء المذاهب :
أ - فالمالكيّة قالوا : هو بيع ملزم على ما تقع عليه الحصاة من الثّياب - مثلاً - بلا قصد من الرّامي لشيء معيّن ، وقيّده الدّردير باختلاف السّلع أو الثّياب .
ب - والشّافعيّة قالوا في التّفسير : بعتك من هذه الأثواب ما تقع عليه الحصاة .
ج - والحنابلة قالوا في التّفسير : أن يقول البائع : ارم هذه الحصاة ، فعلى أيّ ثوب وقعت فهو لك بكذا . ولا فرق بين رمي البائع والمشتري ، كما يقول عميرة البرلّسيّ .
3 - وهناك تفسير ثان لهذا النّوع من البيع ، وهو : أن يقول البائع للمشتري : بعتك من هذه الأرض من محلّ وقوفي أو وقوف فلان إلى ما تنتهي إليه رمية هذه الحصاة بكذا . نصّ على هذا التّفسير المالكيّة والحنابلة ، وقيّده الأوّلون ، بأن يقع البيع على اللّزوم .
4 - وفي تفسير آخر للشّافعيّة ، أن يقول البائع : إذا رميت هذه الحصاة ، فهذا الثّوب مبيع منك بعشرة ، أي يجعل الرّمي صيغة البيع .
5 - وفي تفسير رابع للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أن يقول البائع للمشتري : بعتك هذا بكذا ، على أنّي متى رميت هذه الحصاة وجب البيع ولزم .
6 - وطرح المالكيّة تفسيراً خامساً :
أ - أن يقول البائع للمشتري : ارم بالحصاة فما خرج ووجد من أجزاء تلك الحصاة الّتي تكسّرت كان لي بعدده دنانير أو دراهم .
ب - أو يقول المشتري للبائع : ارم بالحصاة فما خرج من أجزائها المتفرّقة حال رميها ، كان لك بعدده دنانير أو دراهم .
ج - ويحتمل أيضاً عندهم أن يكون المراد بالحصاة الجنس ، أي يقول البائع للمشتري : خذ جملةً من الحصى ، في كفّك أو كفّيك ، وحرّكه مرّةً أو مرّتين - مثلاً - فما وقع فلي بعدده دراهم أو دنانير . ولا يختلف الفقهاء في فساد هذا البيع بهذه الصّور المفسّرة للحديث كلّها ، وقد وضعوا إزاء كلّ صورة ما يشير إلى وجه الفساد فيها .
7- ففي الصّورة الأولى : علّل الحنفيّة الفساد فيها بما فيها من الجهالة ، وتعليق التّمليك بالخطر ، لأنّها في معنى : إذا وقع حجري على ثوب فقد بعته منك ، أو بعتنيه بكذا ، والتّمليكات لا تحتمله ، لأدائه إلى معنى القمار .
ويقرّر الحنفيّة أنّ الفساد لهذا المعنى مشروط بسبق ذكر الثّمن ، فإن لم يذكر الثّمن في هذا البيع ، كان الفساد لعدم ذكر الثّمن ، إن سكت عنه . لأنّ المقرّر عندهم : أنّ البيع مع نفي الثّمن باطل ، ومع السّكوت عنه فاسد .
وكذلك علّل المالكيّة الفساد فيها ، بالجهل بعين المبيع ، لكنّهم شرطوا كما رأينا - علاوةً على اختلاف السّلع ، عدم قصد الرّامي لشيء معيّن منها ، أمّا لو كان الرّمي بقصد جاز ، إن كان الرّمي من المشتري ، أو كان من البائع ، وجعل الخيار للمشتري .
كما أنّه لو اتّفقت السّلع ، جاز البيع ، سواء أكان وقوع الحصاة بقصد أم بغيره .
8- وفي الصّورة الثّانية ، وهي بيع قدر من الأرض ، من حيث يقف الرّامي إلى ما تنتهي إليه رمية الحصاة ، فالفساد للجهل بمقدار المبيع ، لاختلاف الرّمي كما علّله المالكيّة ، وقرّروا أنّ محلّ الفساد بشرط أن يقع البيع على اللّزوم .
9- وفي الصّورة الثّالثة ، الّتي ذكرها الشّافعيّة : علّلوا فسادها بعدم وجود صيغة البيع ، إذ جعل الرّمي للحصاة بيعاً ، اكتفاءً به عن الصّيغة .
10 - وفي الصّورة الرّابعة ، وهي لزوم البيع بوقوع الحصاة ، من أحد المتبايعين أو من غيرهما : الفساد لتعليق لزوم البيع على السّقوط في زمن غير معيّن ، فالبيع فاسد للجهل بزمن وقوعها ، ففيه تأجيل بأجل مجهول - كما يقول المالكيّة - أو جهل بزمن الخيار ، كما يقول الشّافعيّة . أمّا لو عيّن لوقوعها باختياره أجلاً معلوماً ، وكان الأجل قدر زمن الخيار ، وهو في كلّ شيء بحسبه - كما يقول العدويّ - كما لو قال : إن وقعت الحصاة من طلوع الشّمس إلى الظّهر ، أو من اليوم إلى غد ، قصداً ، كان البيع لازماً ولا يفسد .
11 - وفي الصّورة الخامسة الّتي طرحها المالكيّة ، وهي البيع بعدد ما يتناثر من الحصى ، دراهم أو دنانير : فساد البيع للجهل بمقدار الثّمن ، إذ لا يعلم قدر المتناثر من الحصى .
فلا خلاف إذاً في فساد البيع بالحصاة ، بالقيود الّتي ذكرت في الصّور كلّها وتعليلاتها .
وفي هذا يقول ابن قدامة : وكلّ هذه البيوع فاسدة ، لما فيها من الغرر والجهل ، ولا نعلم فيه خلافاً .

بيع السّلم *
انظر : سلم .

بيع الصّرف *
انظر : صرف .

بيع العرايا *
التّعريف :
1 - العرايا : جمع عَرِيَّة ، وهي : النّخلة يعريها صاحبها رجلاً محتاجاً ، فيجعل له ثمرها عامها ، فيعروها ، أي يأتيها ، فعيلة بمعنى مفعولة ، ودخلت الهاء عليها ، لأنّه ذُهب بها مذهب الأسماء ، مثل النّطيحة والأكيلة ، فإذا جيء بها مع النّخلة حذفت الهاء ، وقيل : نخلة عريّ ، كما يقال : امرأة قتيل ، والجمع : العَرايا .
قال في الفتح : هي في الأصل عطيّة ثمر النّخل دون الرّقبة : كانت العرب في الجدب تتطوّع بذلك على من لا ثمر له .
وعرّفها الشّافعيّة اصطلاحاً : بأنّها بيع الرّطب على النّخل بتمر في الأرض ، أو العنب في الشّجر بزبيب ، فيما دون خمسة أوسق .
وعرّفها الحنابلة بأنّها : بيع الرّطب في رءوس النّخل خرصاً ، بماله يابساً ، بمثله من التّمر ، كيلاً معلوماً لا جزافاً .
حكمها :
2 - بيع العرايا جائز في الجملة ، عند جمهور الفقهاء : مالك ، والشّافعيّ ، وأحمد ، وإسحاق ، وابن المنذر ، لكنّ التّحقيق أنّ مالكاً ليس معهم .
واستدلّ الجمهور المجيزون بما يلي :
أ - بحديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التّمر بالتّمر ، ورخّص في العريّة ، أن تباع بخرصها ، يأكلها أهلها رطباً » قال ابن قدامة : والرّخصة : استباحة المحظور مع وجود السّبب الحاظر ، فلو منع مع وجود السّبب من الاستباحة ، لم يبق لنا رخص بحال .
ب - وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رخّص في بيع العرايا ، في خمسة أوسق ، أو دون خمسة أوسق » . قال المحلّيّ - من الشّافعيّة - : شكّ داود بن الحصين أحد رواته ، فأخذ الشّافعيّ بالأقلّ ، في أظهر قوليه .
3 - والحنفيّة - وكذا مالك في التّحقيق - لم يستجيزوا ، بيع العرايا ، وذلك : للنّهي عن المزابنة ، وهي : بيع التّمر على رأس النّخل بتمر مجدود مثل كيله خرصاً
وللحديث الصّحيح المعروف عن عبادة بن الصّامت - . قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ، يداً بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يداً بيد » .
وفي بعض رواياته : « فمن زاد أو استزاد ، فقد أربى ، الآخذ والمعطي فيه سواء » .
فهذه النّصوص ، وأمثالها لا تحصى ، كلّها مشهورة ، وتلقّتها الأمّة بالقبول ، فلا يجوز تركها ولا العمل بما يخالفها ، وهذا لأنّ المساواة واجبة بالنّصّ ، والتّفاضل محرّم به ، وكذا التّفرّق قبل قبض البدلين ، فلا يجوز أن يباع جزافاً ، ولا إذا كان أحدهما متأخّراً ، كما لو كان أكثر من خمسة أوسق . وهذا لأنّ احتمال التّفاضل ثابت ، فصار كما لو تفاضلا بيقين ، أو كانا موضوعين في الأرض .
4 - ومعنى العرايا ، وتأويلها عند المانعين فيما ذكر من الأحاديث :
أ - أن يكون للرّجل النّخلة أو النّخلتان ، في وسط النّخل الكثير لرجل ، وكان أهل المدينة إذا كان وقت الثّمار ، خرجوا بأهليهم إلى حوائطهم ، فيجيء صاحب النّخلة أو النّخلتين ، فيضرّ ذلك بصاحب النّخل الكثير ، فرخّص صلى الله عليه وسلم لصاحب الكثير أن يعطيه خرص ما له من ذلك تمراً ، لينصرف هو وأهله عنه ، روي هذا عن مالك .
ب - وما روي عن أبي حنيفة ، أنّه قال : معنى ذلك عندنا : أن يعري الرّجل الرّجل نخلةً من نخله ، فلا يسلّم ذلك إليه حتّى يبدو له ، فرخّص له أن يحبس ذلك ، ويعطيه مكانه بخرصه تمراً مجذوذاً بالخرص بدله .
وهو جائز عند الحنفيّة - كما قالوا - لأنّ الموهوب له ، لم يملك الثّمرة لعدم القبض ، فصار بائعاً ملكه بملكه ، وهو جائز لا بطريق المعاوضة ، وإنّما هو هبة مبتدأة ، وسمّي ذلك بيعاً مجازاً ، لأنّه لم يملكه ، فيكون برّاً مبتدأً . كما يقول المرغينانيّ .
5- وقد شرط الحنابلة شروطاً جمّةً لجواز بيع العرايا ، ووافقهم الشّافعيّة على بعضها . ولاستكمال شروط العرايا ، وأحكامها ، وصورها . راجع مصطلح ( عرايا ) .

بيع العربون *
التّعريف :
1 - العَرَبون بفتحتين كحَلَزون ، والعُربون وزان عُصفور ، لغة فيه . والعُربان بالضّمّ لغة ثالثة ، بوزن القُربان . وأمّا الفتح مع الإسكان فلحن لم تتكلّم به العرب . وهو معرّب . وفسّروه لغةً : بما عقد به البيع .
وفي الاصطلاح الفقهيّ : أن يشتري السّلعة ، ويدفع إلى البائع درهماً أو أكثر ، على أنّه إن أخذ السّلعة ، احتسب به من الثّمن ، وإن لم يأخذها فهو للبائع .
الحكم الإجماليّ :
2 - والفقهاء مختلفون في حكم هذا البيع :
- أ - فجمهورهم ، من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وأبو الخطّاب من الحنابلة ، يرون أنّه لا يصحّ ، وهو المرويّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما والحسن كما يقول ابن قدامة ، وذلك : للنّهي عنه في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ، قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان » ولأنّه من أكل أموال النّاس بالباطل ، وفيه غرر ، ولأنّ فيه شرطين مفسدين : شرط الهبة للعربون ، وشرط ردّ المبيع بتقدير أن لا يرضى .
ولأنّه شرط للبائع شيئاً بغير عوض ، فلم يصحّ ، كما لو شرطه لأجنبيّ .
ولأنّه بمنزلة الخيار المجهول ، فإنّه اشترط أنّ له ردّ المبيع من غير ذكر مدّة ، فلم يصحّ ، كما لو قال : ولي الخيار ، متى شئت رددت السّلعة ، ومعها درهم .
3 - ب - ومذهب الحنابلة جواز هذه الصّورة من البيوع .
وصرّحوا بأنّ ما ذهب إليه الأئمّة من عدم الجواز ، هو القياس ، لكن قالوا : وإنّما صار أحمد فيه إلى ما روي عن نافع بن الحارث ، أنّه اشترى لعمر دار السّجن من صفوان بن أميّة ، فإن رضي عمر ، وإلاّ فله كذا وكذا ، قال الأثرم : قلت لأحمد : تذهب إليه ؟ قال : أيّ شيء أقول ؟ هذا عمر رضي الله عنه .
وضعّف الحديث المرويّ عن عمرو بن شعيب في النّهي عنه . لكن قرّر الشّوكانيّ أرجحيّة مذهب الجمهور ، لأنّ حديث عمرو بن شعيب قد ورد من طرق يقوّي بعضها بعضاً ، ولأنّه يتضمّن الحظر ، وهو أرجح من الإباحة ، كما تقرّر في الأصول .
من أهمّ الأحكام في بيع العربون :
4 - أنّ المشتري إن أعطى العربون على أنّه : إن كره البيع ، أخذه واستردّه ، وإلاّ حاسب به ، جاز كما يقول المالكيّة .
5- وأنّ هذا البيع يفسخ عندهم ، فإن فات ( أي تعذّر الفسخ ) أمضى البيع بالقيمة .
6 - إن دفع المشتري إلى البائع درهماً ، وقال : لا تبع هذه السّلعة لغيري ، وإن لم أشترها منك فهذا الدّرهم لك :
- أ -فإن اشتراها بعد ذلك بعقد مبتدأ ، واحتسب الدّرهم من الثّمن صحّ ، لأنّ البيع خلا عن الشّرط المفسد . ويحتمل أنّ شراء دار السّجن من صفوان بن أميّة الّذي وقع لعمر ، كان على هذا الوجه ، فيحمل عليه ، جمعاً بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس والأئمّة القائلين بفساد بيع العربون .
- ب - وإن لم يشتر السّلعة ، لم يستحقّ البائع الدّرهم ، لأنّه يأخذه بغير عوض ، ولصاحبه الرّجوع فيه . ولا يصحّ جعله عوضاً عن انتظاره ، وتأخّر بيعه من أجله ، لأنّه لو كان عوضاً عن ذلك ، لما جاز جعله من الثّمن في حال الشّراء ، ولأنّ الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه ، ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار ، كما في الإجارة .

بيع العهدة *
انظر : بيع الوفاء .

بيع العينة *
التّعريف :
1 - العينة بكسر العين . معناها في اللّغة : السّلف . يقال : اعتان الرّجل : إذا اشترى الشّيء بالشّيء نسيئةً أو اشترى بنسيئة - كما يقول الرّازيّ .
وقيل : لهذا البيع عِينة ، لأنّ مشتري السّلعة إلى أجل يأخذ بدلها ( أي من البائع ) عيناً ، أي نقداً حاضراً والكمال بن الهمام يرى أنّه سمّي بيع العينة : لأنّه من العين المسترجعة . واستحسن الدّسوقيّ أن يقال : إنّما سمّيت عينةً ، لإعانة أهلها للمضطرّ على تحصيل مطلوبه ، على وجه التّحيّل ، بدفع قليل في كثير . وفي الاصطلاح الفقهيّ ، عرّفت بتعريفات :
أ - ففي ردّ المحتار : هي بيع العين بثمن زائد نسيئةً ، ليبيعها المستقرض بثمن حاضر أقلّ ، ليقضي دينه .
ب - وعرّفها الرّافعيّ : بأن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجّل ، ويسلّمه إلى المشتري ، ثمّ يشتريه بائعه قبل قبض الثّمن بثمن نقد أقلّ من ذلك القدر . وقريب منه تعريف الحنابلة .
ج - وعرّفها المالكيّة كما في الشّرح الكبير : بأنّها بيع من طلبت منه سلعة قبل ملكه إيّاها لطالبها بعد أن يشتريها .
ويمكن تعريفها - أخذاً ممّا يأتي - بأنّها : قرض في صورة بيع ، لاستحلال الفضل .
صورتها :
2 - للعينة المنهيّ عنها تفسيرات أشهرها :
أن يبيع سلعةً بثمن إلى أجل معلوم ، ثمّ يشتريها نفسها نقداً بثمن أقلّ ، وفي نهاية الأجل يدفع المشتري الثّمن الأوّل ، والفرق بين الثّمنين فضل هو رباً ، للبائع الأوّل .
وتؤول العمليّة إلى قرض عشرة ، لردّ خمسة عشر ، والبيع وسيلة صوريّة إلى الرّبا . حكمها :
3 - اختلف الفقهاء في حكمها بهذه الصّورة : فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : لا يجوز هذا البيع . وقال محمّد بن الحسن : هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ، اخترعه أكلة الرّبا .
ونقل عن الشّافعيّ - رحمه الله - جواز الصّورة المذكورة ( كأنّه نظر إلى ظاهر العقد ، وتوافر الرّكنيّة ، فلم يعتبر النّيّة ) . وفي هذا استدلّ له ابن قدامة من الحنابلة بأنّه ثمن يجوز بيع السّلعة به من غير بائعها ، فيجوز من بائعها ، كما لو باعها بثمن مثلها .
4 - وعلّل المالكيّة عدم الجواز بأنّه سلف جرّ نفعاً .
ووجه الرّبا فيه - كما يقول الزّيلعيّ من الحنفيّة - أنّ الثّمن لم يدخل في ضمان البائع قبل قبضه ، فإذا أعاد إليه عين ماله بالصّفة الّتي خرج عن ملكه ، وصار بعض الثّمن قصاصاً ببعض ، بقي له عليه فضل بلا عوض ، فكان ذلك ربح ما لم يضمن ، وهو حرام بالنّصّ .
5- واستدلّ الحنابلة على التّحريم بالآتي :
أ - بما روى غندر عن شعبة ، عن أبي إسحاق السّبيعيّ ، عن امرأته العالية ، قالت : « دخلت أنا وأمّ ولد زيد بن أرقم على عائشة رضي الله عنها ، فقالت أمّ ولد زيد بن أرقم : إنّي بعت غلاماً من زيد ، بثمانمائة درهم إلى العطاء ، ثمّ اشتريته منه بستّمائة درهم نقداً . فقالت لها : بئس ما اشتريت ، وبئس ما شريت ، أبلغي زيداً : أنّ جهاده مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بَطَل ، إلاّ أن يتوب » . قالوا : ولا تقول مثل ذلك إلاّ توقيفاً .
ب - ولأنّه ذريعة إلى الرّبا ، ليستبيح بيع ألف بنحو خمسمائة إلى أجل ، والذّريعة معتبرة في الشّرع ، بدليل منع القاتل من الإرث .
ج - وبما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا ضنّ النّاس بالدّينار والدّرهم ، وتبايعوا بالعينة ، واتّبعوا أذناب البقر ، وتركوا الجهاد في سبيل اللّه ، أنزل اللّه بهم بلاءً ، فلا يرفعه حتّى يراجعوا دينهم »
وفي رواية : « إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزّرع ، وتركتم الجهاد ، سلّط اللّه عليكم ذلّاً ، لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم . »

بيع الغرر *
انظر : غرر .

البيع الفاسد *
التّعريف :
1 - البيع : مبادلة المال بالمال ، والفساد : ضدّ الصّلاح .
والبيع الفاسد في الاصطلاح : ما يكون مشروعاً أصلاً لا وصفاً . والمراد بالأصل : الصّيغة ، والعاقدان ، والمعقود عليه . وبالوصف : ما عدا ذلك .
وهذا اصطلاح الحنفيّة الّذين يفرّقون بين الفاسد والباطل . فالبيع الفاسد عندهم مرتبة بين البيع الصّحيح والبيع الباطل . ولهذا يفيد الحكم ، إذا اتّصل به القبض ، لكنّه مطلوب التّفاسخ شرعاً .
أمّا جمهور الفقهاء فالفاسد والباطل عندهم سيّان ، فكما أنّ البيع الباطل لا يفيد الحكم فكذلك الفاسد لا أثر له عندهم . وهذا في الجملة .
إلاّ أنّ بعض الشّافعيّة وافقوا الحنفيّة في الفرق بين الفاسد والباطل حيث قالوا : إن رجع الخلل إلى ركن العقد فالبيع باطل ، وإن رجع إلى شرطه ففاسد .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - البيع الصّحيح :
2 - البيع الصّحيح هو : البيع المشروع بأصله ووصفه ، ويفيد الحكم بنفسه إذا خلا عن الموانع . فالبيع الصّحيح يترتّب عليه أثره ، من حصول الملك والانتفاع بالمبيع وغير ذلك ، ولا يحتاج إلى القبض . وهذا متّفق عليه بين المذاهب .
ب - البيع الباطل :
3 - البيع الباطل : ما لا يكون مشروعاً بأصله ولا بوصفه ، فلا يترتّب عليه أثر ، ولا تحصل به فائدة ، ولا يعتبر منعقداً ، فلا حكم له أصلاً ، لأنّ الحكم للموجود ، ولا وجود لهذا البيع شرعاً ، وإن وجد من حيث الصّورة ، كالبيع الواقع من الطّفل والمجنون ، وكبيع الميتة والحرّ ، وكلّ ما لا يعتبر مالاً . ( ر : بطلان ، البيع الباطل ) .
ج - البيع المكروه :
4 - المكروه لغةً : خلاف المحبوب . والبيع المكروه عند جمهور الفقهاء : ما كان مشروعاً بأصله ووصفه ، لكن نهي عنه لوصف مجاور غير لازم . كالبيع عند أذان الجمعة ، وبيع المسلم على بيع أخيه ونحوهما .
والبيع المكروه بيع منعقد صحيح عند الجمهور - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - فيترتّب عليه أثره ، كثبوت الملكيّة في البدلين ، لكن فيه إثم إن كان مكروهاً تحريماً على اصطلاح الحنفيّة ، لورود النّهي فيه لوصف عارض ، وهو اقترانه بوقت النّداء لصلاة الجمعة مثلاً . أمّا المكروه تنزيهاً فلا إثم فيه كبيع الحاضر للبادي على إحدى الرّوايات عن أحمد .
وقال الحنابلة : لا يصحّ بيع بعد أذان الجمعة عقب جلوس الإمام على المنبر ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا نُودِيَ للصّلاةِ من يومِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللّه وَذَرُوا البَيْعَ } والنّهي يقتضي الفساد . ( ر : بيع منهيّ عنه ) .
د - البيع الموقوف :
5 - البيع الموقوف هو : ما يكون مشروعاً بأصله ووصفه ، ويفيد الحكم على سبيل التّوقّف وامتنع تمامه لأجل غيره ، كبيع مال الغير . ويسمّى البائع حينئذ فضوليّاً ، لتصرّفه في حقّ غيره بغير إذن شرعيّ . فمن باع ملك غيره يكون البيع موقوفاً على إجازة المالك ، إن شاء ردّه ، وإن شاء أجاز ، إذا كان المبيع والمتبايعان بحالهم .
والبيع الموقوف بيع صحيح عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو قول عند الشّافعيّة والحنابلة ، لصدوره من أهله في محلّه . وباطل عند الشّافعيّة في الصّحيح ، وهو رواية أخرى عند الحنابلة لعدم الملك والولاية . ( ر : البيع الموقوف ) .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:30 AM

الحكم التّكليفيّ :
6 - يحرم الإقدام على البيع الفاسد إذا كان المتصرّف عالماً بفساده ، لأنّ فيه مخالفةً شرعيّةً ولو في وصف العقد ، والفاسد منهيّ عنه ، والنّهي يدلّ على كونه غير مباح .
أسباب الفساد :
7 - ما يلي من الأسباب تفسد العقد عند الحنفيّة ولا تبطله ، والبيع في هذه الأحوال يفيد الحكم بشرط القبض ، ويطبّق عليه أحكام الفاسد الآتي ذكرها ، وهذه الأسباب تعتبر من أسباب بطلان العقد وعدم اعتباره أصلاً عند جمهور الفقهاء ، وحيث إنّ البيع الفاسد هو مصطلح الحنفيّة فقط فيقتصر على ذكر أسباب الفساد عندهم :
أ - عدم القدرة على التّسليم إلاّ بتحمّل الضّرر :
8 - من شروط البيع الصّحيح : أن يكون المبيع مقدور التّسليم من غير ضرر يلحق البائع ، فإن لم يمكن تسليمه إلاّ بضرر يلزمه فالبيع فاسد ، لأنّ الضّرر لا يستحقّ بالعقد ، ولا يلزم بالتزام العاقد إلاّ تسليم المعقود عليه ، فأمّا ما وراءه فلا .
وعلى ذلك إذا باع جذعاً في سقف ، أو آجرّاً في حائط ، أو ذراعاً في ديباج فإنّه لا يجوز ، لأنّه لا يمكنه تسليمه إلاّ بالنّزع والقطع ، وفيه ضرر بالبائع ، والضّرر غير مستحقّ بالعقد . فكان بيع ما لا يجب تسليمه شرعاً ، فيكون فاسداً .
فإن نزعه البائع وسلّمه إلى المشتري قبل أن يفسخ العقد جاز البيع ، حتّى يجبر المشتري على الأخذ ، لأنّ المانع من الجواز ضرر البائع بالتّسليم ، فإذا سلّم باختياره ورضاه فقد زال المانع . ولو باع حلية سيفه ، فإن كان يتخلّص منه من غير ضرر يجوز ، وإن كان لا يتخلّص إلاّ بضرر فالبيع فاسد ، إلاّ إذا فصل وسلّم .
وكذلك الحكم في بيع ذراع من ثوب يضرّه التّبعيض ، وبيع فصّ خاتم مركّب فيه ، وكذا بيع نصيبه من ثوب مشترك من غير شريكه ، للضّرر في تسليم ذلك كلّه .
ب - جهالة المبيع أو الثّمن أو الأجل :
9 - من شروط صحّة البيع أن يكون المبيع والثّمن معلومين علماً يمنع من المنازعة ، فإن كان أحدهما مجهولاً جهالةً مفضيةً إلى المنازعة فسد البيع . فإذا قال : بعتك شاةً من هذا القطيع ، أو ثوباً من هذا العدل فسد البيع ، لأنّ الشّاة من القطيع أو الثّوب من العدل مجهول جهالةً مفضيةً إلى المنازعة ، لفحش التّفاوت بين شاة وشاة ، وثوب وثوب فيوجب الفساد . لكن إذا عيّن البائع شاةً أو ثوباً وسلّمه إليه ، ورضي به جاز ، ويكون ذلك ابتداءً بيعاً بالمراضاة . ولو باع شيئاً بعشرة دراهم ، وفي البلد نقود مختلفة ، انصرف إلى النّقد الغالب ، فيصحّ العقد ، لكنّه إذا كان في البلد عدّة نقود غالبة فالبيع فاسد ، لأنّ الثّمن مجهول إذ البعض ليس بأولى من البعض .
10 - وإذا كان البيع فيه أجل ، يشترط لصحّته أن يكون الأجل معلوماً ، فإن كان مجهولاً يفسد البيع ، سواء أكانت جهالة الأجل فاحشةً ، كهبوب الرّيح ونزول المطر وقدوم فلان وموته ونحو ذلك ، أم متقاربةً كالحصاد والدّياس والنّيروز والمهرجان وقدوم الحاجّ ونحو ذلك ، لأنّ الأوّل فيه غرر الوجود والعدم ، والنّوع الثّاني ممّا يتقدّم ويتأخّر فيؤدّي إلى المنازعة ، فيوجب فساد البيع .
ت - البيع بالإكراه :
11 - الإكراه إذا كان ملجئاً ، أي بالتّهديد بإتلاف النّفس أو العضو مثلاً ، يعدم الرّضا ويفسد الاختيار ، فيبطل عقد البيع وسائر العقود بغير خلاف .
أمّا الإكراه غير الملجئ ، كالتّهديد بالحبس والضّرر اليسير ، فيفسد البيع عند الحنفيّة ولا يبطله ، فيثبت به الملك عند القبض ، وينقلب صحيحاً لازماً بإجازة المكرَه ، لأنّ الإكراه غير الملجئ لا يعدم الاختيار - الّذي هو : ترجيح فعل الشّيء على تركه - ، وإنّما يعدم الرّضا - الارتياح إلى الشّيء - والرّضا ليس ركناً من أركان البيع ، بل هو شرط من شروط صحّته . كما هو مفصّل في بحث ( إكراه ) . وكذلك بيع المضطرّ فاسد ، كما إذا اضطرّ شخص إلى بيع شيء من ماله ولم يرض المشتري إلاّ بشرائه بأقلّ من ثمن المثل بغبن فاحش .
ث - الشّرط المفسد :
12 - من شروط صحّة البيع أن يكون خالياً عن الشّروط المفسدة ، وهي أنواع .
منها ما في وجوده غرر ، نحو ما إذا اشترى ناقةً على أنّها حامل ، لأنّ الشّرط يحتمل الوجود والعدم ولا يمكن الوقوف عليه للحال ، لأنّ عظم البطن والتّحرّك يحتمل أن يكون لعارض ، فكان في البيع بهذا الشّرط غرر يوجب فساده ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أنّه « نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر » .
ويروي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة : أنّ البيع بهذا الشّرط جائز ، لأنّ كونها حاملاً بمنزلة شرط كون العبد كاتباً أو خيّاطاً ونحو ذلك ، وذا جائز ، فكذا هذا .
وقد ألحق بعض الفقهاء بهذا المثال شراء بقرة على أنّها حلوب ، أو قمريّةً على أنّها تصوّت ، أو كبشاً على أنّه نطاح ، أو ديكاً على أنّه مقاتل ، فالبيع فاسد عند أبي حنيفة ، وهو إحدى الرّوايتين عن محمّد ، لأنّه شرط فيه غرر .
وفي الموضوع أمثلة خلافيّة يرجع إليها في مظانّها .
ومن الشّروط الفاسدة الّتي تفسد العقد : كلّ شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للبائع أو للمشتري ، وليس بملائم ولا ممّا جرى به التّعامل بين النّاس . نحو : إذا باع داراً على أن يسكنها البائع شهراً ثمّ يسلّمها إليه ، أو أرضاً على أن يزرعها سنةً ، أو دابّةً على أن يركبها شهراً ، أو ثوباً على أن يلبسه أسبوعاً ، فالبيع في كلّ هذه الصّور فاسد ، لأنّ زيادة المنفعة المشروطة في البيع تكون رباً ، لأنّها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع ، والبيع الّذي فيه رباً فاسد . وكذا ما فيه شبهة الرّبا ، فإنّها مفسدة للبيع . ( ر : ربا ) .
ومن الشّروط المفسدة : شرط خيار مؤبّد في البيع ، وكذلك شرط خيار مؤقّت بأجل مجهول جهالةً فاحشةً ، كهبوب الرّيح ومجيء المطر مثلاً ، وتفصيله في مصطلح : ( شرط ) .
ج - اشتمال العقد على التّوقيت :
13 - من شروط صحّة البيع : ألا يكون العقد مؤقّتاً ، فإن أقّته فالبيع فاسد ، لأنّ عقد البيع عقد تمليك العين ، وعقود تمليك الأعيان لا تصحّ مؤقّتةً ، ولهذا عرّف بعض الفقهاء البيع بأنّه : عقد معاوضة ماليّة يفيد ملك عين على التّأبيد .
وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( أجل ، تأقيت ) .
ح - اشتمال العقد على الرّبا :
14 - من شروط صحّة البيع : الخلوّ عن الرّبا ، لأنّ البيع الّذي فيه رباً فاسد عند الحنفيّة ، لأنّ الرّبا حرام بنصّ الكتاب الكريم . قال اللّه تعالى : { وأحلَّ اللّه البيعَ وحرَّمَ الرّبا } . وكذلك يشترط أن يكون البيع خالياً عن شبهة الرّبا ، واحتمال الرّبا . قال الكاسانيّ : حقيقة الرّبا كما هي مفسدة للبيع ، فاحتمال الرّبا مفسد له أيضاً ، ولأنّ الشّبهة ملحقة بالحقيقة في باب الحرمات احتياطاً ، وأصله ما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « الحلال بَيّنٌ والحرام بيّن ، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك » .
خ - البيع بغرر :
15 - الغرر هو خطر حصول الشّيء أو عدم حصوله ، فإذا كان الغرر في أصل المبيع ، بأن يكون محتملاً للوجود والعدم ، كبيع الثّمار قبل أن تخلق ، وبيع الطّير في الهواء قبل أن يصطاد ، فالعقد باطل ، وإن كان في أوصافه كبيع الرّطب على النّخل بتمر مقطوع فالعقد فاسد عند الحنفيّة لجهالة قدر المبيع . وتفصيله في مصطلح : ( غرر ) .
د - بيع المنقول قبل قبضه :
16 - من اشترى عيناً منقولةً لا يصحّ بيعه لها قبل قبضها من البائع الأوّل ، لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطّعام حتّى يقبض » .
ولأنّه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه ، لأنّه إذا هلك قبل القبض يبطل البيع الأوّل ، فينفسخ الثّاني ، لأنّه بناءً على الأوّل ، وسواء أباعه من بائعه الأوّل أو من غيره . وكذلك لو قبض نصف المبيع المنقول الّذي اشتراه ، فأشرك رجلاً فيما اشتراه جاز فيما قبض ، ولم يجز فيما لم يقبض ، لأنّ الإشراك نوع بيع والمبيع منقول ، فلم يكن غير المقبوض محلاً له شرعاً ، فلم يصحّ في غير المقبوض ، وصحّ في قدر المقبوض . ( ر : قبض ) .
تجزّؤ الفساد :
17 - الأصل اقتصار الفساد على قدر المفسد ، فالصّفقة إذا اشتملت على الصّحيح والفاسد يقتصر الفساد فيه على قدر المفسد ، ويصحّ في الباقي ، وهذا متّفق عليه بين فقهاء الحنفيّة إذا كان الفساد طارئاً . وقد ورد في صور بيع العينة : ما لو باع شيئاً بعشرة ولم يقبض الثّمن ، ثمّ اشتراه بخمسة لم يجز ، أمّا إذا اشترى ذلك الشّيء مضموماً إليه غيره فيصحّ . جاء في الهداية : أنّ من اشترى سلعةً بخمسمائة ، ثمّ باعها وأخرى معها بخمسمائة من البائع قبل نقد الثّمن ، فالبيع جائز في الّتي لم يشترها من البائع ، ولا يجوز في الأخرى لأنّه لا بدّ أن يجعل الثّمن بمقابلة الّتي لم يشترها ، فيكون مشترياً للأخرى بأقلّ ممّا باع قبل نقد الثّمن ، وهو فاسد بشبهة الرّبا . أمّا إذا كان الفساد مقارناً للعقد فكذلك الحكم عند أبي يوسف ومحمّد ، لأنّهما لا يفرّقان بين الفساد الطّارئ والفساد المقارن .
وقال أبو حنيفة : متى فسد العقد في البعض بمفسد مقارن يفسد في الكلّ لأنّه إذا كان الفساد مقارناً يصير قبول العقد في الفاسد شرط قبول العقد في الآخر ، وهذا شرط فاسد ، فيؤثّر في الكلّ ، ولم يوجد هذا المعنى في الفساد الطّارئ ، فاقتصر الفساد فيه على قدر المفسد . وعلى ذلك إذا اشترى ديناراً بعشرة دراهم نسيئةً ، ثمّ نقد بعض العشرة دون البعض في المجلس فسد الكلّ عند أبي حنيفة ، لأنّ الفساد مقارن للعقد ، فيؤثّر في فساد الكلّ . وعندهما يصحّ بقدر ما قبض ويفسد في الباقي ، بناءً على اقتصار الفساد على قدر المفسد .
أمثلة للبيع الفاسد :
18 - ذكر الحنفيّة في كتبهم - بعد بيان البيع الباطل - أمثلةً عن البيع الفاسد ، وذلك بناءً على أصلهم من التّفرقة بينهما ، ومن أمثلة البيع الفاسد :
بيع ما سكت فيه عن الثّمن ، كبيعه بقيمته ، وذراع من ثوب يضرّه التّبعيض ، وبيع الملامسة والمنابذة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة » وبيع اللّبن في الضّرع ، والصّوف على الظّهر ، واللّحم في الشّاة ، وجذع في سقف ، وثوب من ثوبين إذا لم يشترط فيه خيار التّعيين .
أمّا اللّبن في الضّرع فللجهالة واختلاط المبيع بغيره ، وكذا الصّوف على الظّهر ، ولاحتمال وقوع التّنازع ، وقد « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع لبن في ضرع ، وسمن في لبن » .
وأمّا اللّحم في الشّاة والجذع في السّقف فلا يمكن تسليمه إلاّ بضرر لا يستحقّ عليه . وكذلك ذراع من ثوب وحلية في سيف ، وإن قلعه وسلّمه قبل نقض البيع جاز .
ولو باع عيناً على أن يسلّمها إلى رأس الشّهر فهو فاسد ، لأنّ تأجيل الأعيان باطل ، إذ لا فائدة فيه ، لأنّ التّأجيل شرع في الأثمان تيسيراً على المشتري ، ليتمكّن من تحصيل الثّمن ، وأنّه معدوم في الأعيان فكان شرطاً فاسداً .
ومن البيع الفاسد : بيع المزابنة والمحاقلة ، لنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عنهما ، ولشبهة الرّبا فيهما . ولو باع على أن يقرض المشتري دراهم أو ثوباً على أن يخيطه البائع فالبيع فاسد ، « لأنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط » ، وهذا شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ، وفيه منفعة لأحد العاقدين فيفسد العقد .
والبيع إلى النّيروز والمهرجان وصوم النّصارى وفطر اليهود إذا جهل المتبايعان ذلك فاسد ، وكذلك البيع إلى الحصاد والقطاف والدّياس وقدوم الحاجّ لجهالة الأجل ، وهي تقضي إلى المنازعة ، وإن أسقط الأجل قبل حلوله جاز البيع عند فقهاء الحنفيّة ، خلافاً لزفر حيث قال : الفاسد لا ينقلب صحيحاً .
19 - هذا ، ومن أمثلة البيع الفاسد الّتي ذكرها الحنفيّة : البيع بالخمر والخنزير ، أو بيعهما مقايضةً بالعين ، فإذا قوبلا بالعين كما إذا اشترى الثّوب بالخمر ، أو باع الخمر بالثّوب فالبيع فاسد ، أمّا إن قوبلا بالدّين كالدّراهم والدّنانير فالبيع باطل .
ووجه الفرق كما ذكره المرغينانيّ : أنّ الخمر والخنزير مال عند أهل الذّمّة ، إلاّ أنّه غير متقوّم ، لأنّ الشّرع أمر بإهانته وترك إعزازه ، وفي تملّكه بالعقد إعزاز له ، وهذا لأنّه متى اشتراها بالدّراهم فالدّراهم غير مقصودة ، لكونها وسيلةً لما أنّها تجب في الذّمّة ، وإنّما المقصود الخمر ، فسقط التّقوّم أصلاً فبطل العقد ، بخلاف مشتري الثّوب بالخمر لأنّ فيه إعزازاً للثّوب دون الخمر . وكذا إذا باع الخمر بالثّوب فيكون العقد فاسداً ، لأنّه يعتبر شراء الثّوب بالخمر ، لكونه مقايضةً .
20 - وهناك صوراً أخرى اختلف فقهاء الحنفيّة في اعتبارها بيعاً فاسداً أو بيعها باطلاً ، كبيع الحمل ، وبيع الطّير في الهواء ، والسّمك في البحر قبل اصطيادهما لو قوبلا بالعرض ، وبيع ضربة القانص والغائص . وبيع لؤلؤ في صدف ، وكذلك بيع الآبق ،واللّبن في الضّرع.
آثار البيع الفاسد :
21 - تقدّم أنّه لا فرق بين بيع البيع الفاسد والبيع الباطل عند جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - في الجملة ، فكلاهما غير منعقد ، فلا اعتبار بالبيع الفاسد شرعاً ، كما أنّه لا اعتبار بالبيع الباطل عندهم .
ولمّا قال خليل في مختصره : وفسد منهيّ عنه ، فسّره الدّردير بقوله : أي بطل ، أي لم ينعقد ، سواء أكان عبادةً ، كصوم يوم العيد ، أم عقداً ، كنكاح المريض والمحرم ، وكبيع ما لا يقدر على تسليمه ، أو مجهول ، لأنّ النّهي يقتضي الفساد .
وكتب على نصّ خليل الدّسوقيّ قوله : أي منهيّ عن تعاطيه . وهذه قضيّة كلّيّة شاملة للعبادات والمعاملات ، وهي العقود . وصرّح الشّافعيّة بأنّه لو حذف المتعاقدان المفسد للعقد ، ولو في مجلس الخيار ، لم ينقلب صحيحاً ، إذ لا عبرة بالفاسد . وهذا يعني أنّ الفاسد عندهم لا تلحقه الإجازة ، كالباطل عند الحنفيّة . وقد أخذ القليوبيّ والجمل وغيرهما على الإمام النّوويّ - رحمه الله تعالى - أنّه أهمل هنا فصلاً في حكم البيع الفاسد والمقبوض بالشّراء الفاسد ، وذكروا أحكامه مختصرةً . أمّا الحنفيّة فيفرّقون بين البيع الفاسد والبيع الباطل ، ويعتبرون الفاسد منعقداً خلافاً للباطل فإنّه غير منعقد ، وله أحكام سبقت في مصطلحه . أمّا البيع الفاسد فله أحكام نجملها فيما يلي :
أوّلاً - انتقال الملك بالقبض :
22 - البيع الفاسد يفيد الملك بقبض المشتري المبيع بإذن البائع صريحاً أو دلالةً عند الحنفيّة ، كما إذا قبضه في المجلس وسكت البائع ، فيجوز للمشتري التّصرّف في المبيع ، ببيع أو هبة أو صدقة أو إجارة ونحو ذلك ، إلاّ الانتفاع .
قال ابن عابدين : إذا ملكه تثبت له كلّ أحكام الملك إلاّ خمسةً : لا يحلّ له أكله ، ولا لبسه ، ولا وطؤها - إن كان المبيع أمةً - ولا أن يتزوّجها منه البائع ، ولا شفعة لجاره لو عقاراً . ودليل جواز التّصرّف في المبيع فاسداً حديث « عائشة رضي الله عنها ، حيث ذكرت لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّها أرادت أن تشتري بريرة ، فأبى مواليها أن يبيعوها إلاّ بشرط : أن يكون الولاء لهم ، فقال لها : خذيها واشترطي لهم الولاء ، فإنّ - الولاء لمن أعتق ، فاشترتها مع شرط الولاء لهم » . فأجاز العتق مع فساد البيع بالشّرط . ولأنّ ركن التّمليك ، وهو قوله : بعت واشتريت ، صدر من أهله ، وهو المكلّف المخاطب مضافاً إلى محلّه وهو المال عن ولاية ، إذ الكلام فيهما ، فينعقد لكونه وسيلةً إلى المصالح ، والفساد لمعنًى يجاوره ، كالبيع وقت النّداء ، والنّهي لا ينفي الانعقاد بل يقرّره ، لأنّه يقتضي تصوّر المنهيّ عنه والقدرة عليه ، لأنّ النّهي عمّا لا يتصوّر ، وعن غير المقدور قبيح ، إلاّ أنّه يفيد ملكاً خبيثاً لمكان النّهي . واشترطوا لإفادة البيع الفاسد الملك شرطين :
أحدهما : القبض ، فلا يثبت الملك قبل القبض ، لأنّه واجب الفسخ رفعاً للفساد ، وفي وجوب الملك قبل القبض تقرّر الفساد .
والثّاني : أن يكون القبض بإذن البائع ، فإن قبض بغير إذن لا يثبت الملك .
23 - هذا ، واختلف علماء الحنفيّة في كيفيّة حصول الملك والتّصرّف في المبيع بيعاً فاسداً . قال بعضهم : إنّ المشتري يملك التّصرّف فيه باعتبار تسليط البائع له ، لا باعتبار تملّك العين ، ولهذا لا يجوز أكل طعام اشتراه شراءً فاسداً . وذهب بعضهم إلى أنّ جواز التّصرّف بناءً على ملك العين ، واستدلّوا بما إذا اشترى داراً بشراء فاسد وقبضها ، فبيعت بجنبها دار ، له أن يأخذها بالشّفعة لنفسه ، ولم يملكها لمّا استحقّ الشّفعة . لكن لا تجب فيه شفعة للشّفيع وإن كان يفيد الملك ، لأنّ حقّ البائع لم ينقطع .
أي لأنّ لكلّ من البائع والمشتري الفسخ .
انتقال الملك بالقيمة لا بالمسمّى :
24 - اتّفق الحنفيّة على أنّ حصول الملك بالقبض في البيع الفاسد في مقابل قيمة المبيع ، لا الثّمن المسمّى الّذي اتّفق عليه الطّرفان . وذلك لأنّ العقد منهيّ عنه ، والتّسمية فاسدة فلا يجب المسمّى ، والمعتبر في القيمة يوم القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، ويوم الإتلاف عند محمّد .
ثانياً : استحقاق الفسخ :
25 - البيع الفاسد ، مع كونه غير مشروع بوصفه ، فالفساد مقترن به ، ودفع الفساد واجب فيستحقّ فسخه ، ولأنّ الفاسد يفيد ملكاً خبيثاً لمكان النّهي ، فكان لكلّ واحد منهما حقّ الفسخ ، إزالةً للخبث ودفعاً للفساد . ولأنّ من أسباب البيع الفاسد اشتراط الرّبا وإدخال الآجال المجهولة ونحو ذلك ، وهذه معصية والزّجر عن المعصية واجب ، واستحقاق الفسخ يصلح زاجراً عن المعصية ، لأنّه إذا علم أنّه يفسخ ، فالظّاهر أنّه يمتنع عن المباشرة كما علّله الفقهاء .
ولا يشترط في فسخه قضاء قاض ، لأنّ الواجب شرعاً لا يحتاج إلى القضاء . ولكن لو أصرّا على إمساك المبيع بيعاً فاسداً وعلم بذلك القاضي فله فسخه جبراً عليهما ، حقّاً للشّرع .
شروط الفسخ :
26 - الفسخ مشروط بما يلي :
أ - أن يكون بعلم المتعاقد الآخر ، ولا يشترط رضاه ، ونقل الكاسانيّ عن الكرخيّ أنّ هذا الشّرط من غير خلاف : ثمّ نقل عن الإسبيجابيّ أنّه شرط عندهما خلافاً لأبي يوسف ، وأنّ الخلاف فيه كالخلاف في خيار الشّرط والرّؤية .
ب - أن يكون المبيع قائماً في يد أحدهما .
ج - أن لا يعرض له ما يتعذّر به الرّدّ .
من يملك الفسخ :
27 - الفسخ إمّا أن يكون قبل القبض أو بعده :
أ - فإن كان الفسخ قبل القبض ، فلكلّ من المتعاقدين الفسخ بعلم صاحبه من غير رضاه ، لأنّ البيع الفاسد قبل القبض لا يفيد الملك ، فكان الفسخ قبل القبض بمنزلة الامتناع من القبول والإيجاب ، فيملكه كلّ واحد منهما ، لكنّه - كما يقول الزّيلعيّ - يتوقّف على علمه ، لأنّ فيه إلزام الفسخ له ، فلا يلزمه بدون علمه .
ب - وإن كان الفسخ بعد القبض : فإمّا أن يكون الفساد راجعاً إلى البدلين أو إلى غيرهما : - 1 - فإن كان الفساد في صلب العقد ، بأن كان راجعاً إلى البدلين : المبيع والثّمن ، كبيع درهم بدرهمين ، وكالبيع بالخمر والخنزير ، فكذلك الحكم ، ينفرد أحدهما بالفسخ ، لأنّ الفساد الرّاجع إلى البدل راجع إلى صلب العقد ، فلا يمكن تصحيحه ، لأنّه لا قوام للعقد إلاّ بالبدلين ، فكان الفساد قويّاً ، فيؤثّر في صلب العقد ، بعدم لزومه في حقّ المتعاقدين جميعاً . - 2 - وإن كان الفساد غير راجع إلى البدلين ، كالبيع بشرط زائد ، كالبيع إلى أجل مجهول ، أو بشرط فيه نفع لأحدهما :
- فالإسبيجابيّ قرّر أنّ ولاية الفسخ لصاحب الشّرط ، بلا خلاف ، لأنّ الفساد الّذي لا يرجع إلى البدل ، لا يكون قويّاً فيحتمل السّقوط ، فيظهر في حقّ صاحب الشّرط ، فلا يلزمه
- وذكر الكرخيّ خلافاً في المسألة : ففي قول أبي حنيفة وأبي يوسف : لكلّ منهما الفسخ ، لعدم اللّزوم ، بسبب الفساد . وفي قول محمّد : الفسخ لمن له منفعة الشّرط ، لأنّه القادر على تصحيح العقد بإسقاط المفسد ، فلو فسخه الآخر ، لأبطل حقّه عليه ، هذا لا يجوز .
طريق فسخ البيع الفاسد :
28 - يفسخ العقد الفاسد بطريقين :
الأوّل : بالقول ، وذلك بأن يقول من يملك الفسخ : فسخت العقد ، أو رددته ، أو نقضته ، فينفسخ بذلك ، ولا يحتاج إلى قضاء ولا رضا البائع ، سواء أكان قبل القبض أم بعده ، لأنّ استحقاق الفسخ ثبت رفعاً للفساد ، ورفع الفساد حقّ للّه تعالى ، فيظهر في حقّ الكافّة ، ولا يتوقّف على قضاء ولا رضاء .
الثّاني : بالفعل ، وذلك بأن يردّ المبيع على بائعه بأيّ وجه ، بهبة أو صدقة ، أو إعارة ، أو بيع أو إجارة ، فإذا فعل ذلك ، ووقع المبيع في يد بائعه - حقيقةً ، أو حكماً كالتّخلية - فهو متاركة للبيع ، وبرئ المشتري من ضمانه .
ما يبطل به حقّ الفسخ :
29 - لا يسقط حقّ الفسخ بصريح الإبطال والإسقاط ، بأن يقول : أسقطت ، أو : أبطلت ، أو : أوجبت البيع ، أو ألزمته ، لأنّ وجوب الفسخ ثبت حقّاً للّه تعالى ، دفعاً للفساد ، وما ثبت حقّاً للّه تعالى خالصاً ، لا يقدر العبد على إسقاطه مقصوداً ، كخيار الرّؤية .
لكن قد يسقط بطريق الضّرورة ، بأن يتصرّف العبد في حقّ نفسه مقصوداً ، فيتضمّن ذلك سقوط حقّ اللّه عزّ وجلّ ، بطريق الضّرورة . وإذا بطل حقّ الفسخ لزم البيع ، وتقرّر الضّمان ، وإذا لم يبطل لا يلزم البيع ، ولا يتقرّر الضّمان . وفيما يلي أهمّ صور ذلك .
الصّورة الأولى : التّصرّف القوليّ في المبيع بيعاً فاسداً .
30 - أطلق الحنفيّة القول بأنّه يبطل حقّ الفسخ بكلّ تصرّف يخرج المبيع عن ملك المشتري لتعلّق حقّ العبد به . وهذا التّعليل هو الّذي أصّله المالكيّة ، وذلك كما لو جعل المبيع مهراً ، أو بدل صلح ، أو بدل إجارة ، وعلّلوه قائلين : لخروجه عن ملكه بذلك .
أو وهبه وسلّمه ، لأنّ الهبة لا تفيد الملك إلاّ بالتّسليم بخلاف البيع .
أو رهنه وسلّمه ، لأنّ الرّهن لا يلزم بدون التّسليم .
أو وقفه وقفاً صحيحاً ، لأنّه استهلكه حين وقفه وأخرجه عن ملكه .
أو أوصى به ثمّ مات ، لأنّه ينتقل من ملكه إلى ملك الموصى له ، وهو ملك مبتدأ ، فصار كما لو باعه . أو تصدّق به وسلّمه أيضاً ، لأنّه لا يخرج عن ملك المتصدّق بدون تسليم .
وكذا العتق ، فقد استثنوه لقوّته وسرايته وتشوّف الشّارع إليه .
31 - ففي هذه الصّور كلّها ، ينفذ البيع الفاسد ، ويمتنع فسخه وذلك :
أ - لأنّ المشتري ملكه ، فملك التّصرّف فيه .
ب - ولأنّه تعلّق حقّ العبد بالعقد الثّاني ، ونقض العقد الأوّل ما كان إلاّ لحقّ الشّرع ، وحقّ العبد عند معارضة حقّ اللّه تعالى يقدّم بإذنه تعالى ، لغناه سبحانه وتعالى وسعة عفوه ، وفقر العبد دائماً إلى ربّه .
ج - ولأنّ العقد الأوّل مشروع بأصله لا بوصفه ، والثّاني مشروع بأصله ووصفه ، فلا يعارضه مجرّد الوصف .
د - ولأنّ البيع الثّاني حصل بتسليط من جهة البائع الأوّل ، لأنّ التّمليك منه - مع الإذن في القبض - تسليط على التّصرّف ، فلا يتمكّن من الاسترداد من المشتري الثّاني ، وإلاّ كان ساعياً في نقض ما تمّ من جهته ، ويؤدّي إلى المناقضة .
32 - استثنى الحنفيّة من ذلك : الإجارة . فقرّروا أنّها لا تمنع من فسخ البيع الفاسد ، لأنّ الإجارة تفسخ بالأعذار ، ورفع الفساد من الأعذار ، بل لا عذر أقوى من الفساد ، كما يقول الكاسانيّ . ولأنّها - كما يقول المرغينانيّ - تنعقد شيئاً فشيئاً ، فيكون الرّدّ امتناعاً . ونصّ الحنفيّة على أنّه إذا زال المانع من ممارسة حقّ الفسخ - كما لو رجع الواهب بهبته ، أو أفتك الرّاهن رهنه - عاد الحقّ في الفسخ ، لأنّ هذه العقود لم توجب الفسخ من كلّ وجه في حقّ الكلّ . لكن يشترط أن يكون ذلك قبل القضاء بالقيمة أو المثل ، لا بعده ، لأنّ قضاء القاضي بذلك يبطل حقّ البائع في العين ، وينقله إلى القيمة أو المثل بإذن الشّرع ، فلا يعود حقّه إلى العين وإن ارتفع السّبب ، كما لو قضى على الغائب بقيمة المغصوب بسبب فقده مثلاً ، ثمّ وجد المغصوب .
الصّورة الثّانية : الأفعال الّتي ترد على المبيع بيعاً فاسداً :
33 - ومنها البناء والغرس ، فلو بنى المشتري في الأرض الّتي اشتراها شراءً فاسداً بناءً أو غرس شجراً :
فذهب أبو حنيفة إلى أنّه يمتنع الفسخ بالبناء والغرس ، وذلك لأنّهما استهلاك عنده ، لأنّه يقصد بهما الدّوام ، وقد حصلا بتسليط من البائع ، فينقطع بهما حقّ الاسترداد ، كالبيع . وذهب الصّاحبان إلى أنّ البناء والغرس لا يمنعان من الفسخ ، وللبائع أن ينقضهما ويستردّ المبيع ، وذلك لأنّ حقّ الشّفعة - مع ضعفه - لا يبطل بالبناء والغرس ، فهذا أولى .
34 - وممّا يمنع الفسخ الزّيادة في المبيع أو النّقص منه .
أ - أمّا الزّيادة : فقد قرّر الحنفيّة أنّ كلّ زيادة متّصلة بالمبيع ، غير متولّدة منه ، كما لو كان المبيع قماشاً فخاطه ، أو ثوباً فصبغه ، أو قمحاً فطحنه ، أو قطناً فغزله ، ففي هذه الصّور كلّها وأمثالها يمتنع الفسخ ، وتلزم المشتري قيمة المبيع .
وأمّا الزّيادة المتّصلة المتولّدة كسمن المبيع ، والزّيادة المنفصلة المتولّدة كالولد ، والزّيادة المنفصلة غير المتولّدة كالكسب والهبة ، فإنّها لا تمنع الفسخ .
ب - وأمّا نقص المبيع ، فقد قرّروا أنّه إذا نقص في يد المشتري ، لا يبطل حقّه في الرّدّ ، ولا يمتنع الفسخ . لكن إن نقص وهو في يده بفعله ، أو بفعل المبيع نفسه ، أو بآفة سماويّة يأخذه البائع منه ، ويضمّنه أرش النّقصان .
ولو نقص وهو في يد المشتري بفعل البائع ، اعتبر البائع بذلك مستردّاً له .
ولو نقص بفعل أجنبيّ ، خيّر البائع بأخذه من المشتري أو من الجاني .
35 - وقد وضع الزّيلعيّ من الحنفيّة ضابطاً لما يمتنع به من الأفعال حقّ الاسترداد والفسخ ، فقال : إنّ المشتري متى فعل بالمبيع فعلاً ، ينقطع به حقّ المالك في الغصب ، ينقطع به حقّ المالك في الاسترداد ، كما إذا كان حنطةً فطحنها .
ثالثاً : من أحكام البيع الفاسد : حكم الرّبح في البدلين بالبيع الفاسد :
36 - صرّح فقهاء الحنفيّة بأنّه يطيب للبائع ما ربح في الثّمن ، ولا يطيب للمشتري ما ربح في المبيع ، فلو اشترى من رجل عيناً بالبيع الفاسد بألف درهم مثلاً وتقابضا ، وربح كلّ واحد منهما فيما قبض ، يتصدّق الّذي قبض العين بالرّبح ، لأنّها تتعيّن بالتّعيين ، فتمكّن الخبث فيها ، ويطيب الرّبح للّذي قبض الدّراهم ، لأنّ النّقد لا يتعيّن بالتّعيين .
ومفاد هذا الفرق : أنّه لو كان بيع مقايضة ( أي بيع عين بعين ) لا يطيب الرّبح لهما ، لأنّ كلّاً من البدلين مبيع من وجه ، فتمكّن الخبث فيهما معاً .
رابعاً : قبول البيع الفاسد للتّصحيح :
37 - البيع الفاسد إمّا أن يكون الفساد فيه ضعيفاً أو قويّاً :
أ - فإذا كان الفساد ضعيفاً ، وهو ما لم يدخل في صلب العقد ، فإنّه يمكن تصحيحه كما في البيع بشرط خيار لم يوقّت ، أو وقّت إلى وقت مجهول كالحصاد والدّياس ، وكما في البيع بثمن مؤجّل إلى أجل مجهول مثلاً ، فإذا أسقط الأجل مَنْ له الحقّ فيه قبل حلوله ، وقبل فسخه ، جاز البيع لزوال المفسد ، ولو كان إسقاط الأجل بعد الافتراق على ما حرّره ابن عابدين كذلك سائر البياعات الفاسدة تنقلب جائزةً بحذف المفسد ، فبيع جذع في سقف فاسد ، وكذلك بيع ذراع من ثوب وحلية في سيف ، لأنّه لا يمكن تسليم المبيع إلاّ بضرر لا يستحقّ عليه ، لكنّه إن قلعه وسلّمه قبل نقض البيع جاز ، وليس للمشتري الامتناع . وبيع ثوب من ثوبين فاسد لجهالة المبيع ، لكنّه لو قال : على أن يأخذ أيّهما شاء جاز لعدم المنازعة . وإن باع بشرط أن يعطيه المشتري رهناً ، ولم يكن الرّهن معيّناً ولا مسمًّى ، فالبيع فاسد ، لكن إذا تراضيا على تعيين الرّهن في المجلس ، ورفعه المشتري إليه قبل أن يتفرّقا ، أو عجّل المشتري الثّمن يبطل الأجل ، فيجوز البيع استحساناً لزوال الفساد .
هذا كلّه عند أكثر فقهاء الحنفيّة ، خلافاً لزفر حيث قال : البيع إذا انعقد على الفساد لا يحتمل الجواز بعد ذلك برفع المفسد ، لما فيه من الاستحالة .
ب - أمّا إذا كان الفساد قويّاً ، بأن يكون في صلب العقد ، وهو البدل أو المبدل ، فلا يحتمل الجواز برفع المفسد اتّفاقاً ، كما إذا باع عيناً بألف درهم ورطل من خمر ، فحطّ الخمر عن المشتري ، فهذا البيع فاسد ولا ينقلب صحيحاً .
خامساً : الضّمان إذا هلك المبيع :
38 - لا يختلف الفقهاء في أنّ المبيع بيعاً فاسداً ، إذا هلك وهو في يد المشتري ، ثبت ضمانه عليه ، وذلك بردّ مثله إن كان مثليّاً - مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً - وردّ قيمته إن كان قيميّاً ، بالغةً ما بلغت ، سواء أكانت أكثر من الثّمن أم أقلّ منه أم مثله .
وتجب القيمة في القيميّ ، عند جمهور الحنفيّة يوم القبض ، لأنّه به يدخل في ضمانه ، فهو اليوم الّذي انعقد به سبب الضّمان . وعند محمّد تعتبر قيمته يوم الإتلاف ( الهلاك ) ، لأنّه بالإتلاف يتقرّر المثل أو القيمة
39 - أمّا لو نقص المبيع بيعاً فاسداً في يد المشتري ، فالنّقص مضمون عليه على النّحو التّالي :
أ - لو نقص في يد المشتري بفعل المشتري ، أو المبيع نفسه ، أو بآفة سماويّة ، أخذه البائع مع تضمين المشتري أرش النّقصان .
ب - ولو نقص بفعل البائع ، صار بذلك مستردّاً للمبيع ، حتّى لو هلك عند المشتري ولم يوجد منه حبس عن البائع ، هلك على البائع .
ج - ولو نقص بفعل أجنبيّ ، خيّر البائع :
- فإن شاء أخذه من المشتري ، ثمّ يرجع المشتري على الجاني .
- وإن شاء اتّبع الجاني ، وهو لا يرجع على المشتري .
سادساً : ثبوت الخيار فيه :
40 - نصّ الحنفيّة على أنّ خيار الشّرط يثبت في البيع الفاسد ، كما يثبت في البيع الجائز حتّى لو باع عبداً بألف درهم ورطل من خمر ، على أنّه بالخيار ، فقبضه المشتري بإذن البائع ، وأعتقه في الأيّام الثّلاثة لا ينفذ إعتاقه ، ولولا خيار الشّرط للبائع لنفذ إعتاق المشتري بعد القبض . قال ابن عابدين : ومفاده صحّة إعتاقه بعد مضيّ المدّة ، لزوال الخيار ، وهو ظاهر . وكما يثبت خيار الشّرط في المبيع بيعاً فاسداً ، يثبت فيه خيار العيب ، وللمشتري بعد قبضه أن يردّه بالعيب بقضاء وبغير قضاء .

بيع الفضوليّ *
التّعريف :
1 - البيع في اللّغة : مبادلة شيء بشيء .
وفي الشّرع هو : مبادلة المال المتقوّم بالمال المتقوّم تمليكاً وتملّكاً .
والفضوليّ لغةً : مَنْ يشتغل بما لا يعنيه .
وأمّا في الاصطلاح فهو : من لم يكن وليّاً ولا أصيلاً ولا وكيلاً في العقد .
وجاء في العناية : أنّ الفضوليّ بضمّ الفاء لا غير ، والفضل : الزّيادة ، وغلب استعمال الجمع ( فضول ) بدلاً من المفرد ( فضل ) فيما لا خير فيه . وقيل : لمن يشتغل بما لا يعنيه فضوليّ ، وهو في اصطلاح الفقهاء : من ليس بوكيل .
وجاء في حاشية الشّلبيّ على تبيين الحقائق : وفي حاشية ابن عابدين أنّ الفضوليّ : هو من يتصرّف في حقّ الغير بغير إذن شرعيّ ، كالأجنبيّ يزوّج أو يبيع . ولم ترد النّسبة إلى الواحد وهو الفضل ، وإن كان هو القياس ، لأنّه صار بالغلبة كالعلم لهذا المعنى ، فصار كالأنصاريّ والأعرابيّ . هذا ، ولفظ الفضوليّ عند الفقهاء يتناول كلّ من يتصرّف بلا ملك ولا ولاية ولا وكالة ، كالغاصب إذا تصرّف في المغصوب بالبيع أو غيره ، والوكيل إذا باع أو اشترى أو تصرّف مخالفاً لما أمره به موكّله ، فهو أيضاً يعتبر بهذه المخالفة فضوليّاً ، لأنّه تجاوز الحدود الّتي قيّده بها موكّله .
الحكم التّكليفيّ :
2 - الفقهاء الّذين يرون أنّ بيع الفضوليّ باطل مقتضى مذهبهم حرمة الإقدام على بيع الفضوليّ لأنّه تسبّب للمعاملات الباطلة . أمّا من رأى صحّته - وهم الحنفيّة والمالكيّة - فقد صرّح المالكيّة بأنّ بيع الفضوليّ بلا مصلحة للمالك حرام ، أمّا إن باع للمصلحة كخوف تلف أو ضياع فغير حرام ، بل ربّما كان مندوباً .
ولم نجد للحنفيّة تصريحاً بالحكم التّكليفيّ .
الحكم الإجماليّ :
3 - للفقهاء في بيع الفضوليّ اتّجاهان من حيث الجملة .
أحدهما : يجيز البيع ويوقف نفاذه على إجازة المالك .
والثّاني : يمنع البيع ويبطله . وأمّا الشّراء ، فإنّ منهم من يجيزه ويجعله موقوفاً على الإجازة كالبيع ، ومنهم من لا يجعله كذلك ، ومنهم من يذكر فيه تفصيلاً .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:31 AM

الأدلّة :
4 - استدلّ القائلون بجواز بيع الفضوليّ بقوله تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى } وفي هذا إعانة لأخيه المسلم . واستدلّوا أيضاً بحديث « عروة بن أبي الجعد البارقيّ ، وهو أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري له به شاةً ، فاشترى له به شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، فجاء بدينار وشاة ، فدعا له بالبركة في بيعه ، وكان لو اشترى التّراب لربح فيه » . وبحديث حكيم بن حزام وهو « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه ليشتري له أضحيّةً بدينار ، فاشترى أضحيّةً ، فأربح فيها ديناراً ، فاشترى أخرى مكانها ، فجاء بالأضحيّة والدّينار إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : ضحّ بالشّاة وتصدّق بالدّينار » . فهذا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أجاز هذا البيع ، ولو كان باطلاً لردّه ، وأنكر على من صدر منه ، وأيضاً فإنّ هذا تصرّف تمليك ، وقد صدر من أهله فوجب القول بانعقاده ، إذ لا ضرر فيه للمالك مع تخييره ، بل فيه نفعه ، حيث يكفي مؤنة طلب المشتري وقرار الثّمن ( أي المطالبة ) وغيره ، وفيه نفع العاقد لصون كلامه عن الإلغاء ، وفيه نفع المشتري لأنّه أقدم عليه طائعاً ، فثبتت القدرة الشّرعيّة تحصيلاً لهذه الوجوه .
5- واستدلّ القائلون بعدم الجواز بما روي عن حكيم بن حزام قال : « سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : فقلت : يأتيني الرّجل فيسألني من البيع ما ليس عندي ، أبتاع له من السّوق ثمّ أبيعه ؟ قال : لا تبع ما ليس عندك » .
واستدلّوا أيضاً بحديث عمرو بن شعيب قال : حدّثني أبي عن أبيه حتّى ذكر عبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما ، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » . وبما روي أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا طلاق إلاّ فيما تملك ، ولا عتق إلاّ فيما تملك ، ولا بيع إلاّ فيما تملك » . فهذه الأحاديث تدلّ على أنّ بيع الفضوليّ باطل ، لأنّه تصرّف بلا ملك ولا إذن ولا ولاية ولا وكالة . وأيضاً فإنّه باع ما لا يقدر على تسليمه فلم يصحّ ، كبيع الآبق والسّمك في الماء والطّير في الهواء .
وفيما يلي تفصيل المذاهب في تصرّف الفضوليّ :
- أ - تصرّف الفضوليّ في البيع :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ من شروط البيع : أن يكون المبيع مملوكاً للبائع ، أو له عليه ولاية أو وكالة تجيز تصرّفه فيه ، واتّفقوا أيضاً على صحّة بيع الفضوليّ ، إذا كان المالك حاضراً وأجاز البيع ، لأنّ الفضوليّ حينئذ يكون كالوكيل . واتّفقوا أيضاً على عدم صحّة بيع الفضوليّ إذا كان المالك غير أهل للإجازة ، كما إذا كان صبيّاً وقت البيع .
7- ومحلّ الخلاف في بيع الفضوليّ إذا كان المالك أهلاً للتّصرّف وبيع ماله وهو غائب ، أو كان حاضراً وبيع ماله وهو ساكت ، فهل يصحّ بيع الفضوليّ أو لا يصحّ ؟
ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّ في القديم ، وهو أحد قوليه في الجديد ، وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه : إلى أنّ البيع صحيح ، إلاّ أنّه موقوف على إجازة المالك . وذهب الشّافعيّ في القول الثّاني من الجديد ، وأحمد في الرّواية الأخرى عنه : إلى أنّ البيع باطل .
8- وهذا كلّه من حيث الإجمال فقط ، وذلك لأنّ الحنفيّة يذكرون شروطاً لنفاذ بيع الفضوليّ ، وهي عبارة عن بقاء الملك ، ويتحقّق ببقاء العاقدين : البائع والمشتري ، وبقاء المعقود عليه بلا تغيير ، لأنّ الإجازة تصرّف في العقد ، فلا بدّ من قيامه ، وذلك بقيام العاقدين ومحلّ العقد ، كما هو الحال في إنشاء العقد .
واشترطوا أيضاً أن لا يبيع الفضوليّ الشّيء على أنّه لنفسه . وأمّا الثّمن فإنّهم اشترطوا قيامه إن كان عرضاً ، لأنّ العرض يتعيّن بالتّعيين فصار كالمبيع ، ولم يشترطوا قيام الثّمن إن كان ديناً . واشترطوا أيضاً : بقاء المالك الأوّل ، وهو المعقود له مع علمه بحال المبيع وقت الإجازة من وجوده أو عدمه ، لأنّ العقد موقوف على إجازته ، فلا ينفذ بإجازة غيره ، فلو مات المالك لم ينفذ بإجازة الوارث ، سواء أكان الثّمن ديناً أم عرضاً .
ولو لم يعلم المالك حال المبيع وقت الإجازة من بقائه أو عدمه جاز البيع في قول أبي يوسف أوّلاً ، وهو قول محمّد ، لأنّ الأصل بقاؤه . ثمّ رجع أبو يوسف وقال : لا يصحّ ما لم يعلم المالك قيام المبيع عند الإجازة ، لأنّ الشّكّ وقع في شرط الإجازة ، فلا يثبت مع الشّكّ .
9- وإذا أجاز المالك صار المبيع ملكاً للمشتري والثّمن مملوكاً له أمانةً في يد الفضوليّ ، فلو هلك لا يضمنه كالوكيل ، فإنّ الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السّابقة ، من حيث إنّه بها صار تصرّفه نافذاً ، ولذا يسمّى هذا النّوع من الإجازة ( إجازة عقد ) .
هذا إذا كان الثّمن ديناً ، فإن كان عيناً بأن باع الفضوليّ ملك غيره بعرض معين بيع مقايضة ، اشترط قيام الأربعة المذكورة ، وهي : العاقدان والمبيع ومالكه الأوّل ، وخامس وهو ذلك الثّمن العرض ، وإذا أجاز مالك المبيع - والثّمنُ عرض - فالفضوليّ يكون ببيع مال الغير مشترياً للعرض من وجه ، والشّراء لا يتوقّف إذا وجد نفاذاً ، فينفذ على الفضوليّ ، فيصير مالكاً للعرض ، والّذي تفيده الإجازة أنّه أجاز للفضوليّ أن ينقد ثمن ما اشتراه من ذلك العرض من ماله ، ولذا تسمّى إجازة العقد ، كأنّه قال : اشتر هذا العرض لنفسك ، وانقده ثمنه من مالي هذا قرضاً عليك ، فإن كان مثليّاً فعليه مثله ، وإن كان قيميّاً كثوب فقيمته . فيصير مستقرضاً للثّوب .
والقرض وإن لم يجز في القيميّات لكنّ ذلك إذا كان قصداً . وهنا إنّما يثبت ضمناً مقتضًى لصحّة الشّراء ، فيراعى فيه شرائط صحّة المقتضي ، وهو الشّراء لا غير .
10 - وصرّح الحنفيّة بأنّ للفضوليّ أن يفسخ قبل إجازة المالك ، دفعاً للحوق الضّرر عن نفسه ، لأنّ حقوق البيع ترجع إليه ، بخلاف الفضوليّ في النّكاح ، لأنّه معبّر محض .
11 - وذكر الحنفيّة أيضاً أنّ الفضوليّ بعد الإجازة يصير حكمه حكم الوكيل ، حتّى لو حطّ من الثّمن ثمّ أجاز المالك البيع يثبت البيع والحطّ ، سواء علم المالك الحطّ أو لم يعلم ، إلاّ أنّه إذا علم بالحطّ بعد الإجازة يثبت له الخيار . ووجهه كما في جامع الفصولين أنّه يصير بالإجازة ****ل ، ولو حطّه الوكيل لا يتمكّن الموكّل من مطالبة المشتري به ، كذا هذا .
12 - واشترط المالكيّة لصحّة بيع الفضوليّ ثلاثة شروط :
أحدها : أن لا يكون المالك حاضراً مجلس البيع ، ولكنّه حاضر في البلد ، أو غائب عنه غيبةً قريبةً ، لا بعيدةً بحيث يضرّ الصّبر إلى قدومه أو مشورته . فإن كان حاضراً مجلس العقد وسكت لزمه البيع ، وللبائع الثّمن ، فإن مضى نحو عام ولم يطالب بالثّمن فلا شيء له على البائع ، ولا يعذر بجهل في سكوته إذا ادّعاه . ومحلّ مطالبة المالك للفضوليّ بالثّمن ما لم يمض عام ، فإن مضى العام وهو ساكت سقط حقّه في الثّمن . هذا إن بيع بحضرته ، أمّا إن بيع في غيبته فله نقض البيع إلى سنة ، فإن مضت سقط حقّه في النّقض .
ولا يسقط حقّه في الثّمن ما لم تمض مدّة الحيازة ، وهي عشرة أعوام .
ثانيها : أن يكون في غير الصّرف ، وأمّا فيه فإنّه يفسخ .
ثالثها : أن يكون في غير الوقف ، وأمّا فيه فباطل لا يتوقّف على رضا واقفه ، وإن كان الملك له .
13 - وذكر المالكيّة أيضاً أنّ للمالك نقض بيع الفضوليّ ، غاصباً أو غيره إن لم يفت ، فإن فات بذهاب عينه فقط ، فعليه الأكثر من ثمنه وقيمته .
وقالوا : إنّ للمشتري من الفضوليّ الغلّة قبل علم المالك ، إذا كان المشتري غير عالم بالتّعدّي ، أو كانت هناك شبهة تنفي عن البائع التّعدّي ، لكونه حاضناً للأطفال مثلاً كالأمّ تقوم بهم وتحفظهم ، أو لكونه من سبب المالك أي من ناحيته ممّن يتعاطى أموره ، ويزعم أنّه وكيل ، ثمّ يقدم المالك وينكر ونحو ذلك . ويدلّ له مسألة اليمين : أن لا يبيع لفلان ، فباع لمن هو من سببه . وتذكر كتب المالكيّة أيضاً حكماً آخر فرّعوه على الجواز لم يصرّح به غيرهم ، وهو حكم قدوم الفضوليّ على البيع ، فقد ذكر الدّسوقيّ في حاشيته : أنّه قد قيل بمنعه ، وقيل : بجوازه ، وقيل بمنعه في العقار والجواز في العروض .
14 - هذا والقول ببطلان بيع الفضوليّ عند الشّافعيّة هو الصّحيح المنصوص عليه في الجديد ، وبه قطع صاحب المهذّب وجماهير العراقيّين ، وكثيرون ، أو الأكثرون من الخراسانيّين كما جاء في المجموع .
وأمّا القول بانعقاده موقوفاً على إجازة المالك فهو القول القديم الّذي حكاه الخراسانيّون وجماعة من العراقيّين ، منهم المحامليّ في اللّباب والشّاشيّ وصاحب البيان .
وأمّا قول إمام الحرمين : إنّ العراقيّين لم يعرفوا هذا القول ، وقطعوا بالبطلان ، فمراده متقدّموهم كما جاء في المجموع . ثمّ إنّ كلّ من حكاه إنّما حكاه عن القديم خاصّةً ، وهو نصّ للشّافعيّ في البويطيّ ، وهو من الجديد ، قال الشّافعيّ في آخر باب الغصب من البويطيّ : إن صحّ حديث عروة البارقيّ ، فكلّ من باع أو أعتق ملك غيره بغير إذنه ثمّ رضي ، فالبيع والعتق جائزان . هذا نصّه ، وقد صرّح حديث عروة البارقيّ السّابق نصّه ، فصار للشّافعيّ قولان في الجديد أحدهما موافق للقديم .
وظاهر كلام الشّيخين ( أي الرّافعيّ والنّوويّ ) على قول الوقف أنّ الموقوف الصّحّة ، وقال إمام الحرمين : الصّحّة ناجزة ، وإنّما الموقوف الملك ، وجرى عليه في الأمّ .
والمعتبر عندهم في الإجازة إجازة من يملك التّصرّف عند العقد ، فلو باع الفضوليّ مال الطّفل ، فبلغ وأجاز لم ينفذ . ومحلّ الخلاف في بيع الفضوليّ عندهم كما جاء في نهاية المحتاج ما لم يحضر المالك ، فلو باع مال غيره بحضرته وهو ساكت لم يصحّ قطعاً . والخلاف المذكور عندهم في بيع الفضوليّ من حيث البطلان أو الانعقاد يجري في كلّ من زوّج ابنة غيره ، أو طلّق منكوحته ، أو أجّر داره ، أو وهبها بغير إذنه .
15 - والمذهب عند الحنابلة ، وعليه أكثر الأصحاب : عدم صحّة بيع الفضوليّ كما جاء في الإنصاف . وجاء فيه أيضاً : أنّ هذا هو الّذي جزم به في الوجيز وغيره ، وقدّمه في الفروع ، والمحرّر ، والرّعايتين ، والحاويين ، والنّظم وغيرها .
وذكر صاحب كشّاف القناع أنّ البيع لا يصحّ ، حتّى لو كان المالك حاضراً وسكت ، ثمّ أجازه بعد ذلك لفوات شرطه ، أي لفوات الملك والإذن وقت البيع .
وأمّا الرّواية الّتي تصحّح بيع الفضوليّ وتجعله موقوفاً على الإجازة ، فقد اختارها صاحب الفائق كما جاء في الإنصاف ، وقال : قبض ولا إقباض قبل الإجازة .
ب - تصرّف الفضوليّ في الشّراء :
16 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ شراء الفضوليّ لا يتوقّف على الإجازة ، إذا وجد نفاذاً على العاقد ، فإن لم يجد نفاذاً يتوقّف ، كشراء الصّغير المحجور عليه . وإنّما ينفذ الشّراء على المشتري إذا لم يضفه إلى آخر ووجد الشّراء النّفاذ عليه ، ولم يسبق بتوكيل للمشتري من آخر . فأمّا إن كان كذلك فالشّراء يتوقّف . وفي الوكالة ينفذ على الموكّل ، فإنّه ذكر في شرح الطّحاويّ : ولو اشترى رجل لرجل شيئاً بغير أمره كان ما اشتراه لنفسه ، أجاز الّذي اشتراه له أو لم يجز . أمّا إذ أضافه إلى آخر ، بأن قال للبائع : بع عبدك من فلان ، فقال : بعت ، وقبل المشتري هذا البيع لفلان فإنّه يتوقّف .
17 - أمّا شراء الفضوليّ عند المالكيّة فهو كبيعه ، أي يتوقّف على إجازة المشترى له ، فإن لم يجز الشّراء لزمت السّلعة المشتري الفضوليّ ، فإن كان الثّمن مدفوعاً من مال المشتري له فلا رجوع له على البائع في حال عدم الإجازة ، إلاّ أن يكون الفضوليّ ( المشتري ) أشهد عند الشّراء : أنّه إنّما اشترى لفلان بماله ، وأنّ البائع يعلم ذلك ، أو صدّق المشتري في قوله ، أو تقوم بيّنة على أنّ الشّيء الّذي اشترى به هو ملك المشتري له . فإن أخذ المشتري له ماله ، ولم يجز الشّراء انتقض البيع فيما إذا صدّق البائع ، ولم ينتقض في قيام البيّنة أنّ المال له ، بل يرجع على المشتري بمثل الثّمن ، ويلزمه البيع على قول ابن القاسم وأصبغ . وقال ابن الماجشون : القول قول المشتري له ، فيحلف أنّه ما أمر المشتري ، ويأخذ ماله إن شاء من المشتري ، وإن شاء من البائع . فإن أخذه من البائع كان له أن يرجع على المشتري ويلزمه الشّراء ، وإن أخذه من المشتري لم يكن له رجوع على البائع .
18 - وأمّا الشّافعيّة : فذكروا في شراء الفضوليّ تفصيلاً ، لأنّ الفضوليّ إمّا أن يشتري لغيره بعين مال الغير ، وإمّا أن يشتري لغيره في الذّمّة ، وإمّا أن يشتري لغيره بمال نفسه . فإن اشترى لغيره بعين مال الغير ففيه قولان : الجديد بطلانه ، والقديم وقفه على الإجازة . وإن اشترى في الذّمّة نظر إن أطلق أو نوى كونه للغير ، فعلى الجديد يقع للمباشر ، وعلى القديم يقف على الإجازة ، فإن ردّ نفذ في حقّ الفضوليّ . ولو قال : اشتريت لفلان بألف في ذمّته ، فهو كاشترائه بعين مال الغير . ولو اقتصر على قوله : اشتريت لفلان بألف ، ولم يضف الثّمن إلى ذمّته فعلى الجديد وجهان ، أحدهما : يلغو العقد ، والثّاني : يقع عن المباشر . وعلى القديم يقف على إجازة فلان ، فإن ردّ ففيه الوجهان .
ولو اشترى شيئاً لغيره بمال نفسه نظر : إن لم يسمّه وقع العقد عن المباشر ، سواء أذن ذلك الغير أم لا ، وإن سمّاه نظر : إن لم يأذن له لغت التّسمية ، وهل يقع عنه أم يبطل ؟ وجهان . وإن أذن له ، فهل تلغو التّسمية ، وجهان . فإن قلنا : نعم ، فهل يبطل من أصله ، أم يقع عن المباشر ؟ فيه الوجهان ، وإن قلنا : لا ، وقع عن الآذن .
وهل يكون الثّمن المدفوع قرضاً أم هبةً ؟ وجهان .
19 - وأمّا شراء الفضوليّ عند الحنابلة فإنّه لا يصحّ ، إلاّ إن اشترى في ذمّته ونوى الشّراء لشخص لم يسمّه فيصحّ ، سواء نقد الثّمن من مال الغير أم لا ، لأنّ ذمّته قابلة للتّصرّف ، فإن سمّاه أو اشترى للغير بعين ماله لم يصحّ الشّراء ، ثمّ إن أجازه ( أي الشّراء ) من اشتري له ملكه من حين اشتري له ، لأنّه اشتري لأجله ، فأشبه ما لو كان بإذنه ، فتكون منافعه ونماؤه له . فإن لم يجزه وقع الشّراء للعاقد ولزمه حكمه ، كما لو لم ينو غيره ، وليس له التّصرّف فيه قبل عرضه على من نواه له .

بيع ما لم يقبض *
1- ثبت في الحديث الصّحيح عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يقبضه » . وفي لفظ « حتّى يكتاله » وفي لفظ آخر : « حتّى يستوفيه » قال ابن عبّاس " راوي الحديث " : ولا أحسب كلّ شيء إلاّ مثله .
وفي رواية : « إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتّى تقبضه » .
وقد ذهب الفقهاء مذاهب في بيع المبيع قبل قبضه .
2 - فمذهب الشّافعيّة ، وهو قول أبي يوسف الأوّل ، وقول محمّد ، وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد : أنّه لا يصحّ بيع المبيع قبل قبضه ، سواء أكان منقولاً أم عقاراً ، وإن أذن البائع ، وقبض الثّمن . وذلك لحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه « قال : قلت : يا رسول اللّه : إنّي أشتري بيوعاً ، فما يحلّ لي منها ، وما يحرم عليّ ؟ قال : إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتّى تقبضه » وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال :« لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » . ومعنى « ربح ما لم يضمن » ربح ما بيع قبل القبض . مثل : أن يشتري متاعاً ، ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع ، فهذا البيع باطل ، وربحه لا يجوز ، لأنّ المبيع في ضمان البائع الأوّل ، وليس في ضمان المشتري منه ، لعدم القبض .
ولحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه ، « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السّلع حيث تبتاع ، حتّى يحوزها التّجّار إلى رحالهم » . والمراد بحوز التّجّار : وجود القبض ، كما في الحديث قبله . ولضعف الملك قبل القبض ، لانفساخ العقد بتلفه . وهذا هو المعنى الّذي علّل به الشّافعيّة النّهي عن البيع قبل القبض .
وعلّل الحنابلة ، عدم الجواز على هذه الرّواية الّتي اختارها ابن عقيل من أئمّتهم ، بأنّه لم يتمّ الملك عليه ، فلم يجز بيعه ، كما لو كان غير متعيّن ، وكما لو كان مكيلاً أو موزوناً .
3 - ومذهب الحنفيّة أنّه لا يصحّ بيع المنقول قبل قبضه ، ولو كان من بائعه ، وذلك للحديث المذكور برواياته ، فإنّه منهيّ عن بيع المبيع قبل قبضه .
ولأنّ في البيع قبل القبض غرر انفساخ العقد الأوّل ، على تقدير هلاك المبيع في يد البائع ، وإذا هلك المبيع قبل القبض ينفسخ العقد ، فيتبيّن أنّه باع ما لا يملك ، والغرر حرام غير جائز ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع الحصاة ، وعن بيع الغرر » .
ولا يفرّق الحنفيّة في ذلك بين الطّعام وبين غيره من المنقولات ، وذلك : لقول ابن عبّاس كما تقدّم آنفاً : ولا أحسب كلّ شيء إلاّ مثله ، أي مثل الطّعام .
وعضّد قول ابن عبّاس ما روي عن ابن عمر ، قال : « ابتعت زيتاً في السّوق ، فلمّا استوجبته ، لقيني رجل ، فأعطاني فيه ربحاً حسناً ، فأردت أن أضرب على يده " أي أن أقبل إيجابه ، وأتّفق على العقد " فأخذ رجل من خلفي بذراعي ، فالتفتّ ، فإذا زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال : لا تبعه حيث ابتعته ، حتّى تحوزه إلى رحلك ، فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السّلع حيث تبتاع ، حتّى يحوزها التّجّار إلى رحالهم » .
وعدم الصّحّة هنا ، يعني : الفساد لا البطلان ، وإن كان نفي الصّحّة يحتملهما ، لكنّ الظّاهر عند الحنفيّة هو الفساد ، لأنّ علّة الفساد هي الغرر ، مع وجود ركني البيع ، وكثيراً ما يطلق الباطل على الفاسد .
وأجاز الشّيخان من الحنفيّة - أبو حنيفة وأبو يوسف - بيع العقار قبل قبضه استحساناً ، وذلك استدلالاً بعمومات حلّ البيع من غير تخصيص ، ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد . ولأنّه لا يتوهّم انفساخ العقد في العقار بالهلاك ، بخلاف المنقول . ولأنّ العقار مقدور التّسليم ، ولا يرد عليه الهلاك إلاّ نادراً بغلبة الماء والرّمل ، والنّادر لا يعتدّ به . وقياساً على التّصرّف في الثّمن قبل قبضه ، فإنّه جائز ، لأنّه لا غرر فيه ، كالتّصرّف في المهر وبدل الخلع والعتق وبدل الصّلح عن دم العمد ، لأنّ المطلق للتّصرّف ، وهو الملك ، قد وجد ، لكنّ الاحتراز عن الغرر واجب ما أمكن ، وذلك فيما يتصوّر فيه الغرر ، وهو المبيع المنقول ، لا العقار .
وخالف الإمام محمّد ، فلم يجز بيع العقار أيضاً قبل قبضه ، وهو قول أبي يوسف الأوّل ، وقول الشّافعيّ كما قدّمنا ، وذلك لإطلاق الحديث ، وقياساً على المنقول .
وقياساً أيضاً على الإجارة ، فإنّها في العقار لا تجوز قبل القبض ، والجامع اشتمالهما على ربح ما لم يضمن ، فإنّ المقصود في البيع الرّبح ، وربح ما لم يضمن منهيّ عنه شرعاً . والنّهي يقتضي الفساد ، فيكون البيع فاسداً قبل القبض ، لأنّه لم يدخل في ضمانه ، كما في الإجارة .
4 - ومذهب المالكيّة أنّ المحرّم المفسد للبيع ، هو بيع الطّعام دون غيره من جميع الأشياء قبل قبضه ، سواء أكان الطّعام ربويّاً كالقمح ، أم غير ربويّ كالتّفّاح عندهم .
أمّا غير الطّعام فيجوز بيعه قبل قبضه ، وذلك لحديث ابن عبّاس المتقدّم من « ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يقبضه » . ولغلبة تغيّر الطّعام دونما سواه . لكنّهم شرطوا لفساد هذا النّوع من البيع ، شرطين :
أ - أن يكون الطّعام مأخوذاً بطريق المعاوضة ، أي في مقابلة شيء ، بإجارة أو شراء أو صلح أو أرش جناية ، أو آل لامرأة في صداقها ، أو غير ذلك من المعاوضات ، فهذا الّذي لا يجوز بيعه قبل قبضه .
أمّا لو صار إليه الطّعام بهبة أو ميراث ، ممّا ليس أخذه بعوض ، فيجوز بيعه قبل قبضه .
ب - وأن تكون المعاوضة بالكيل أو الوزن أو العدد ، فيشتريه بكيل ، ويبيعه قبل قبضه ، سواء أباعه جزافاً أم على الكيل . أمّا لو اشتراه جزافاً ، ثمّ باعه قبل قبضه ، فيكون بيعه جائزاً ، سواء أباعه جزافاً أم على الكيل . وعلى هذا : فلو اشترى طعاماً كيلاً ، لم يجز له بيعه قبل قبضه ، لا جزافاً ولا كيلاً .
ولو اشتراه جزافاً ، جاز له بيعه قبل قبضه ، مطلقاً ، جزافاً أو كيلاً .
5- وفي مذهب الحنابلة روايات متعدّدة في الممنوع بيعه قبل قبضه من الأموال ، سبق بعضها : فروي أنّه لا يجوز بيع الطّعام وما أشبهه قبل قبضه مطلقاً ، سواء أكان مكيلاً أم موزوناً ، أم لم يكن كذلك ، خلافاً لمالك الّذي اشترط فيه الكيل أو الوزن كما قدّمنا ، وذلك لحديث ابن عبّاس المتقدّم « من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يقبضه » .
ولقول الأثرم : سألت أبا عبد اللّه ، عن قوله : « نهى عن ربح ما لم يضمن » قال : هذا في الطّعام وما أشبهه ، من مأكول أو مشروب ، فلا يبعه حتّى يقبضه .
ولقول ابن عبد البرّ : الأصحّ أنّ الّذي يمنع من بيعه قبل قبضه : هو الطّعام ، وذلك لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه » فمفهومه إباحة ما سواه قبل قبضه . ولقول ابن عمر رضي الله عنهما : « رأيت الّذين يشترون الطّعام مجازفةً ، يضربون على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتّى يؤووه إلى رحالهم » .
وللحديث المتقدّم : « من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه » .
ولقول ابن عمر رضي الله عنهما : « كنّا نشتري الطّعام من الرّكبان جزافاً ، فنهانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتّى ننقله من مكانه » .
ولقول ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنّ من اشترى طعاماً ، فليس له أن يبيعه حتّى يستوفيه . قالوا : ولو دخل في ضمان المشتري جاز بيعه ، والتّصرّف فيه ، كما جاز ذلك بعد قبضه . وعلّق الشّرح الكبير على ذلك بقوله : وهذا أي حديث « من ابتاع طعاماً » يدلّ على تعميم المنع في كلّ طعام ، مع تنصيصه على البيع مجازفةً بالمنع . ويدلّ بمفهومه على أنّ ما عدا الطّعام يخالفه في ذلك .
وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد : أنّ ما كان متعيّناً ، كالصّبرة تباع من غير كيل ، يجوز بيعها قبل قبضها ، وما ليس بمتعيّن ، كقفيز من صبرة ، ورطل من زبرة حديد ، فإنّه لا يجوز بيعها قبل قبضها ، بل حتّى تكال أو توزن . وهذا قريب من قول مالك المتقدّم ، في جواز بيع ما شري جزافاً ، لولا تخصيص مالك المبيع بالطّعام .
ووجه هذه الرّواية ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال : « مضت السّنّة أنّ ما أدركته الصّفقة حيّاً مجموعاً ، فهو من مال المبتاع » ، فلمّا جعله من ضمان المشتري مع أنّه لم يقبضه دلّ على البيع قبل القبض في المتعيّن .
ولأنّ المبيع المعيّن لا يتعلّق به حقّ توفية ، فكان من مال المشتري ، كغير المكيل والموزون . وفي رواية ثالثة عن الإمام أحمد : أنّه لا يجوز بيع شيء قبل قبضه . وهي الّتي وافق فيها الإمام الشّافعيّ وغيره ، كما تقدّم .
ورواية المذهب : أنّ المكيل والموزون والمعدود والمذروع ، لا يصحّ تصرّف المشتري فيه قبل قبضه من بائعه . وهذا مرويّ أيضاً : عن عثمان بن عفّان رضي الله عنه ، وسعيد بن المسيّب ، والحسن ، والحكم ، وحمّاد ابن أبي سليمان ، والأوزاعيّ ، وإسحاق .
ومستند هذه الرّواية في التّفرقة بين المكيل والموزون ونحوهما وبين غيرهما : أنّ الحديث المذكور نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه ، وكان الطّعام يومئذ مستعملاً غالباً فيما يكال ويوزن ، وقيس عليهما المعدود والمذروع ، لاحتياجهما إلى حقّ التّوفية . وسواء أكان المعدود متعيّناً كالصّبرة ، أم غير متعيّن كقفيز منها .
أمّا ما عدا المكيل والموزون ونحوهما ، فيجوز التّصرّف فيه قبل قبضه ، وذلك : لما روي { عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت : إنّي أبيع الإبل بالبقيع ، فأبيع بالدّنانير وآخذ الدّراهم ، وأبيع بالدّراهم وآخذ الدّنانير . فقال : لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ، ما لم تفترقا وبينكما شيء » .
قالوا : فهذا تصرّف في الثّمن قبل قبضه ، وهو أحد العوضين .
ضابط ما يمنع من التّصرّف فيه قبل قبضه :
6 - اختلفت ضوابط الفقهاء ، في التّصرّفات الممنوعة شرعاً قبل قبض المبيع :
أ - فاتّفق الحنفيّة والحنابلة ، على هذا الضّابط وهو :
أنّ كلّ عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض ، لم يجز التّصرّف فيه قبل قبضه ، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه ، جاز التّصرّف فيه قبل قبضه .
فمثال الأوّل : المبيع والأجرة وبدل الصّلح عن الدّين ، إذا كان الثّمن والأجر والبدل عيناً - عند الحنفيّة - أو كان من المكيل أو الموزون أو المعدود عند الحنبليّة .
ومثال الآخر : المهر إذا كان عيناً - عند الحنفيّة - وكذا بدل الخلع ، والعتق على مال ، وبدل الصّلح عن دم العمد - وكذا أرش الجناية ، وقيمة المتلف ، عند الحنبليّة في هذين - كلّ ذلك إذا كان عيناً ، يجوز بيعه وإجارته قبل قبضه ، وسائر التّصرّفات .
وعلّل الحنابلة هذا الضّابط بقولهم : إنّ المقتضي للتّصرّف هو الملك ، وقد وجد . لكنّ ما يتوهّم فيه غرر الانفساخ ، باحتمال هلاك المعقود عليه لا يجوز بناء عقد آخر عليه تحرّزاً من الغرر ، وما لا يتوهّم فيه ذلك الغرر ، انتفى عنه المانع ، فجاز بناء العقد الآخر عليه .
ب - ووضع محمّد بن الحسن من الحنفيّة هذا الضّابط ، وهو :
- 1 - أنّ كلّ تصرّف لا يتمّ إلاّ بالقبض ، كالهبة والصّدقة والرّهن والقرض والإعارة ونحوها ، يجوز قبل قبض المبيع .
- 2 - وكلّ تصرّف يتمّ قبل القبض ، كالمبيع والإجارة وبدل الصّلح عن الدّين إذا كان عيناً ، ونحوها لا يجوز قبل قبض المبيع .
وتعليله عنده : أنّ الهبة - مثلاً - لمّا كانت لا تتمّ إلاّ بالقبض ، صار الموهوب له نائباً عن الواهب ، وهو المشتري الّذي وهبه المبيع قبل قبضه ، ثمّ يصير قابضاً لنفسه ، فتتمّ الهبة بعد القبض . بخلاف البيع - مثلاً - ونحوه ممّا يتمّ قبل القبض ، فإنّه لا يجوز ، لأنّه إذا قبضه المشتري الثّاني لا يكون قابضاً عن الأوّل ، لعدم توقّف البيع على القبض ، فيلزم منه تمليك المبيع قبل قبضه ، وهو لا يصحّ .
وأشار التّمرتاشيّ إلى أنّ الأصحّ ما ذهب إليه الإمام محمّد .
ج - وضبط الدّردير من المالكيّة ما يمنع بيع الطّعام قبل قبضه ، بأن تتوالى عقدتا بيع لم يتخلّلهما قبض . وهذا مختصّ بالطّعام على رأيهم المتقدّم في حصر المنهيّ عن بيعه قبل قبضه في مطلق الأطعمة الرّبويّة .
ويؤخذ من كلام ابن جزيّ هذا الضّابط ، وهو : أنّ كلّ طعام أخذ معاوضةً - بغير جزاف - فليس له أن يبيعه حتّى يقبضه . وتشمل المعاوضة : الشّراء ، والإجارة ، والصّلح ، وأرش الجناية ، والمهر ، وغيرها - على ما ذكر - فليس له بيعه حتّى يقبضه ، لكن يجوز له أن يهبه أو يسلّفه قبل قبضه .
والتّقييد عند المالكيّة بغير الجزاف ، لإخراج ما بيع جزافاً بغير كيل ولا عدّ ولا وزن من الطّعام ، فإنّه يجوز بيعه قبل قبضه ، لدخوله في ضمان المشتري بمجرّد العقد ، فهو مقبوض حكماً ، فليس فيه توالي عقدتي بيع لم يتخلّلهما قبض .
كما شرط المالكيّة في جواز بيع مطلق طعام المعاوضة - بالإضافة إلى شرط قبضه - أن لا يكون القبض من نفسه لنفسه ، فإن قبض من نفسه لنفسه ، منع بيعه ، لأنّ هذا القبض الواقع بين العقدين كلا قبض .
ومعنى هذا أنّ القبض المعتدّ به في الجواز ، هو القبض القويّ ، فيجوز بيع الطّعام عقبه . أمّا القبض الضّعيف ، فهو كلا قبض ، فلا يعقب الجواز . مثال ذلك :
- إذا وكّله ببيع طعام ، فباعه من أجنبيّ ، وقبل قبض الأجنبيّ الطّعام ، اشتراه الوكيل منه لنفسه ، فإنّه يمتنع بيعه من نفسه ، لأنّه يقبض هذه الحال من نفسه لنفسه .
- وكذلك لو وكّله بشراء طعام ، فاشتراه وقبضه ثمّ باعه لأجنبيّ ، واشتراه منه قبل أن يقبضه الأجنبيّ منه ، فإنّه يمتنع شراؤه من نفسه ، لأنّه في هذه الحال يقبض من نفسه لنفسه . ويستثنى من عدم جواز بيع الطّعام إذا قبض من نفسه لنفسه ، ما إذا كان القابض من نفسه ممّن يتولّى طرفي العقد ، كوصيّ ليتيميه ، ووالد لولديه الصّغيرين ، فإنّه يجوز بيع طعام أحدهما للآخر ، ثمّ بيعه لأجنبيّ ، قبل قبضه لمن اشتراه له .
د - لم يضع الشّافعيّة ضابطاً في هذا الصّدد ، لكنّهم ألحقوا - في الأصحّ من مذهبهم - بالبيع عقوداً أخرى ، من حيث البطلان قبل القبض . فنصّوا على أنّ الإجارة والرّهن والهبة - ولو من البائع - باطلة ، فلا تصحّ لوجود المعنى المعلّل به النّهي فيها ، وهو ضعف الملك ، وكذلك الصّدقة والهديّة وعوض الخلع والصّلح عن نحو دم ، والقرض والقراض والشّركة وغيرها . وجاءت عبارة المنهج عامّةً ، فنصّت على أنّه : لا يصحّ تصرّف ، ولو مع بائع ، بنحو بيع ورهن فيما لم يقبض ، وضمن بعقد .
لكنّهم صحّحوا تصرّف المشتري بالمبيع قبل قبضه بالإعتاق والوصيّة والتّدبير والتّزويج والوقف وقسمة الإفراز والتّعديل لا الرّدّ ، وكذا إباحة طعام اشتراه جزافاً ، بخلاف ما لو اشتراه مكيلاً ، فلا بدّ لصحّة إباحته من كيله وقبضه .
وعلّلوا ذلك بتشوّف الشّارع إلى العتق - على حدّ تعبيرهم - وفي معناه بقيّة التّصرّفات .
7- وألحقوا أيضاً الثّمن المعيّن ، سواء أكان دراهم أم دنانير أم غيرهما بالمبيع في فساد التّصرّف قبل القبض ، فلا يبيعه البائع ، ولا يتصرّف فيه قبل قبضه ، وذلك لعموم النّهي ، وللتّعليل المتقدّم . بل قال ابن حجر : وكلّ عين مضمونة في عقد معاوضة . كذلك ، أي لا يتصرّف فيها قبل قبضها . فأمّا الأموال الّتي تكون للشّخص في يد غيره أمانةً كالوديعة ، والمال المشترك في الشّركة والقراض ، والمرهون بعد انفكاكه ، والموروث ، وما يملكه الغانم من الغنيمة ، والمال الباقي في يد الوليّ بعد بلوغ المولى عليه رشده ونحوها ، فيملك بيعها ، لتمام الملك في المذكورات .
8- ولعلّه لا بأس من الإشارة هاهنا إلى أنّ الإمام الشّوكانيّ - رحمه الله - طرح ضابطاً آخر ، شطره ممّا قرّره الشّافعيّة ، وقال ما نظيره :
إنّ التّصرّفات الّتي تكون بعوض ، تلتحق بالبيع ، فيكون فعلها قبل القبض غير جائز . والتّصرّفات الّتي لا عوض فيها ، تلتحق بالهبة ، فيكون فعلها قبل القبض جائزاً . ورجّح هذا الرّأي ، واستشهد له بإجماعهم على صحّة الوقف والعتق قبل القبض . وبما علّل به النّهي عن بيع ما لم يقبض ، وهو شبهة الرّبا :
فقد روي عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أنّ طاوساً سأله عن سبب النّهي ، فأجابه : بأنّه إذا باع المشتري المبيع قبل قبضه ، وتأخّر المبيع في يد البائع ، صار كأنّه باعه دراهم بدراهم ، فإذا اشترى طعاماً بمائة دينار مثلاً ، ودفعها إلى البائع ، ولم يقبض منه الطّعام ، ثمّ باع الطّعام من شخص آخر بمائة وعشرين - مثلاً - صار كأنّه اشترى بذهبه ذهبا أكثر منه أي اشترى بمائة مائةً وعشرين . قال الشّوكانيّ : ولا يخفى أنّ مثل هذه العلّة لا ينطبق على ما كان من التّصرّف بغير عوض . وهذا التّعليل أجود ما علّل به النّهي ، لأنّ الصّحابة أعرف بمقاصد الرّسول صلى الله عليه وسلم .
9- وقال بعض المالكيّة : إنّ هذا النّهي تعبّد .
وأشار الدّسوقيّ منهم إلى أنّ هذا هو الصّحيح عند أهل المذهب ، ونقله عن التّوضيح .
وقيل : بل هو معقول المعنى ، ومعلّل بأنّ الشّارع له غرض في ظهوره ، وهو سهولة الوصول إلى الطّعام ، ليتوصّل إليه القويّ والضّعيف .
ولو جاز بيعه قبل قبضه ، لباع أهل الأموال بعضهم من بعض ، من غير ظهور ، ولخفي بإمكان شرائه من مالكه وبيعه خفيةً ، فلم يتوصّل إليه الفقير ، بخلاف ما إذا منع من ذلك ، فإنّه ينتفع به الكيّال ، والحمّال ، ويظهر للفقراء ، فتقوى به قلوب النّاس ، لا سيّما في زمن المسغبة والشّدّة .
تحديد القبض وتحقّقه :
10 - مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ قبض كلّ شيء بحسبه
- أ - فإن كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً أو مذروعاً ، فقبضه بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذّرع . وذلك : لحديث عثمان رضي الله عنه قال : « كنت أبتاع التّمر من بطن من اليهود ، يقال لهم : بنو قينقاع ، وأبيعه بربح ، فبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا عثمان : إذا ابتعت فاكتل ، وإذا بعت فكل » .
وحديث جابر رضي الله عنه ، قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان : صاع البائع ، وصاع المشتري » .
والمالكيّة شرطوا في قبض المثليّ تسليمه للمشتري ، وتفريغه في أوعيته .
- ب - وإن كان جزافاً فقبضه نقله ، وذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : « كانوا يتبايعون الطّعام جزافاً بأعلى السّوق ، فنهاهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتّى ينقلوه » وفي رواية : « حتّى يحوّلوه » .
- ج - وإن كان منقولاً من عروض وأنعام ، فقبضه بالعرف الجاري بين النّاس كما يقول المالكيّة : كاحتياز الثّوب ، وتسليم مقود الدّابّة . أو ينقله إلى حيّز لا يختصّ به البائع ، عند الشّافعيّة . ويروى هذا عن أبي يوسف ، كالشّارع ودار المشتري .
وفصّل الحنابلة في المنقول من العروض والأنعام فقالوا : إن كان المبيع دراهم أو دنانير ، فقبضها باليد . وإن كان ثياباً فقبضها نقلها . وإن كان حيواناً ، فقبضه تمشيته من مكانه .
- د - وإن كان عقاراً فقبضه بالتّخلية بينه وبين المشتري ، بلا حائل دونه ، وتمكينه من التّصرّف فيه ، بتسليمه المفتاح إن وجد ، بشرط أن يفرّغه من متاع غير المشتري عند الشّافعيّة .
ولم يشترط ذلك المالكيّة إلاّ في دار السّكنى ، فإنّ قبضها بالإخلاء عندهم ، ولا يكتفى بالتّخلية . أمّا غيرها من العقارات ، فيتحقّق القبض بالتّخلية ، وإن لم يخل البائع متاعه منها . ويشير الشّافعيّة إلى أنّ هذا التّفصيل إنّما هو في القبض المصحّح للتّصرّف ، أمّا القبض النّاقل للضّمان من البائع ، فمداره على استيلاء المشتري على المبيع ، سواء أنقله أم لا ، وسواء أخلّى البائع بينه وبينه أم لا ، وسواء أأذن له في القبض أم لا ، وسواء أكان له الحقّ في الحبس أم لا ، فمتى استولى المشتري على المبيع انتفى الضّمان عن البائع ، بمعنى أنّه لو تلف حينئذ لا ينفسخ العقد ، أو تعيّب لا يثبت الخيار للمشتري ، ولو رجع إلى البائع لا يرجع الضّمان إليه .
11 - ولم يفصّل الحنفيّة - وهي رواية ابن الخطّاب عن أحمد - هذا التّفصيل في القبض ، بل اعتبروا التّخلية - وهي : رفع الموانع والتّمكين من القبض - قبضاً حكماً على ظاهر الرّواية ، وروى أبو الخطّاب مثل ذلك عن أحمد وشرط مع التّخلية التّمييز .
نصّ الحنفيّة على مذهبهم هذا في الرّهن ، في التّخلية بينه وبين المرتهن ، وقالوا : إنّ التّخلية فيه قبض ، كما هي في البيع ، فإنّها فيه أيضاً قبض . قالوا : لأنّها تسليم ، فمن ضرورته الحكم بالقبض ، فيترتّب عليه ما يترتّب على القبض الحقيقيّ ، وهذا هو الأصحّ . ومقابل الأصحّ : المرويّ عن أبي يوسف ، وهو : أنّه لا يثبت في المنقول إلاّ بالنّقل .
12 - وعلى هذا لو باع ما اشتراه قبل أن يقبضه فربح ، فهذا هو ربح ما لم يضمن ، الّذي ورد فيه حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » . وفسّره محمّد بن الحسن في كتاب الآثار لمّا روى هذا الحديث من طريق آخر برواية أخرى ، فقال : وأمّا ربح ما لم يضمن : فالرّجل يشتري الشّيء ، فيبيعه قبل أن يقبضه . وكذلك فسّره الشّوكانيّ ، حيث قال : يعني لا يجوز أن يأخذ ربح سلعة لم يضمنها ، مثل : أن يشتري متاعاً ، ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع ، فهذا البيع باطل ، وربحه لا يجوز ، لأنّ المبيع في ضمان البائع الأوّل ، وليس في ضمان المشتري منه ، لعدم القبض . وكذلك فعل البهوتيّ ، حيث قال : والمراد به ربح ما بيع قبل القبض .
وهذا الحديث وإن كان عاماً ، غير أنّ الإمام أحمد - رحمه الله - خصّه بالطّعام ، في رواية الأثرم عنه ، قال : سألت أبا عبد اللّه ، عن قوله : « نهى عن ربح ما لم يضمن » ، قال : هذا في الطّعام ، وما أشبهه من مأكول أو مشروب ، فلا يبيعه حتّى يقبضه . وقال ابن عبد البرّ : الأصحّ عن أحمد بن حنبل ، أنّ الّذي يمنع من بيعه قبل قبضه : هو الطّعام .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:34 AM

بيع الصّدقة والهبة قبل القبض :
13 - الصّدقة هي : تمليك المال في الحياة من يحتاجه بغير عوض ، تقرّباً إلى اللّه تعالى ، وجوباً أو ندباً . وهذا التّعريف - كما يرى - يشمل الصّدقة المفروضة ، الّتي تؤخذ من مال الغنيّ في آخر الحول وهي زكاة المال ، أو في آخر شهر الصّوم وهي زكاة الفطر تطهيراً للغنيّ والصّائم ، ويشمل الصّدقة المتطوّع بها ، وهي المستحبّة في جميع الأوقات .
وقد جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه المتقدّم آنفاً ، « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شراء الصّدقات حتّى تقبض » . وفي حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم له : « لا تبع ما ليس عندك » .
14 - ويعتبر جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنبليّة وبعض المالكيّة الصّدقة ونحوها ، كالهبة والرّهن والقرض والإعارة والإيداع ، من عقود التّبرّعات ، الّتي لا تتمّ ولا تملّك إلاّ بالقبض ، والعقد فيها قبل القبض يعتبر عديم الأثر .
وعبارة المرغينانيّ في فصل الصّدقة : والصّدقة كالهبة لا تصحّ إلاّ بالقبض ، لأنّه ( أي التّصدّق ) تبرّع كالهبة .
بل قال الكاسانيّ : القبض شرط جواز الصّدقة ، لا تملّك قبل القبض ، عند عامّة العلماء . واستدلّ لذلك : بما روي « عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال خبراً عن اللّه سبحانه وتعالى : يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك يا بن آدم من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدّقت فأمضيت » اعتبر اللّه سبحانه وتعالى الإمضاء في الصّدقة ، والإمضاء هو التّسليم . فدلّ على أنّه شرط .
وبما روي عن أبي بكر وعمر وابن عبّاس ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم أنّهم قالوا : لا تتمّ الصّدقة إلاّ بالقبض . وبأنّ الصّدقة عقد تبرئة ، فلا يفيد الحكم بنفسه كالهبة .
وفي الهبة يقول : لو صحّت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتّسليم ، فتصير عقد ضمان ، وهذا تغيير المشروع .
وهذا الّذي قاله الحنفيّة ، هو الّذي يقابل المشهور من مذهب المالكيّة ، وهو ضعيف ، عبّروا عنه بقولهم : وقيل : إنّما تملك بالقبض وهذا النّصّ وإن ورد في الهبة ، لكنّ تعريفهم الصّدقة ، كما أشرنا إليه قبلاً وما يأتي من الأحكام ، يفيد التّعميم في الهبة والصّدقة .
وهو أيضاً مذهب الشّافعيّة ، إذ قالوا : لا يملك موهوب - بالمعنى الأعمّ الشّامل للصّدقة والهديّة - إلاّ بقبض بإذن الواهب .
وجاء في نصوص الشّافعيّة : إذا حلف لا يهب له ، فوهب له ولم يقبل ، أو قبل ولم يقبض لا يحنث في الأصحّ . وذلك لأنّه لا بدّ من القبول والقبض حتّى تصحّ الهبة وتتمّ .
وكذلك المذهب عند الحنابلة مطلقاً كما يقول المرداويّ . فقد صرّحوا بأنّ أنواع الهبة : صدقة وهديّة ونحلة ، ومعانيها متقاربة ، وكلّها تمليك في الحياة بلا عوض ، تجري فيها أحكامها أي تجري أحكام كلّ واحدة من المذكورات في البقيّة .
وقالوا : وتلزم الهبة بقبضها بإذن واهب ، ولا تلزم قبله ، أي قبل القبض بإذن الواهب ، ولو كانت الهبة في غير مكيل ونحوه ، ففي جميعها لا تلزم إلاّ بالقبض .
وقد استدلّ الحنابلة لما ذهبوا إليه - من إطلاق شرط القبض في الهبة ونحوها ، كالصّدقة الّتي نواجهها - بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنّ أبا بكر رضي الله عنه نحلها جذاذ عشرين وسقاً من ماله بالعالية ، فلمّا مرض قال : يا بنيّة : كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً ، ولو كنت جذذته أو قبضته كان ذلك ، فإنّما هو اليوم مال وارث ، فاقتسموه على كتاب اللّه تعالى . وذكر البهوتيّ أنّه روي عن عمر وعثمان ، وابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم ، نحو هذا ، ولم يعرف لهم مخالف من الصّحابة . ورتّبوا على اشتراط القبض ، جواز رجوع الواهب في هبته ( وكذا الصّدقة ) قبل القبض ، لعدم تمام العقد .
وخالف في اشتراط القبض المالكيّة في مشهور مذهبهم . فقرّروا أنّ الهبة ( وكذلك الصّدقة كما يؤخذ من تفريعاتهم ) تملك بالقول على المشهور ، وللموهوب له طلبها من الواهب ، إذا امتنع من تسليمها ، ليجبره على تمكين الموهوب له منها .
وأشار الحنابلة في كتبهم إلى دليل المالكيّة وهو حديث ابن عبّاس رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : العائد في هبته كالعائد في قيئه » ويروى « في صدقته » . ويروى « كالكلب يقيء ثمّ يعود في قيئه » . وجاء في نصوص المالكيّة :
أ - لو قال : داري صدقة أو هبة أو حبس على الفقراء ، لا يقضى عليه ( لعدم التّعيين ) .
ب - ولو قال : داري صدقة أو هبة أو حبس على زيد ، فإنّه يقضى عليه بذلك ، لأنّه قصد البرّ والقربة حينئذ .
ج - ولو قال : للّه عليّ دفع درهم لزيد أو للفقراء ، لا يقضى به مطلقاً ، وقيل يقضى . وعلّلوا هذا بأنّ القضاء لا بدّ فيه من تعيين المتصدّق عليه أو الموهوب له ، ولا بدّ فيه من قصد القربة . وفي رواية عن الإمام أحمد أنّه في المكيل والموزون لا تصحّ الهبة والصّدقة ، ولا تلزم فيه الصّدقة والهبة إلاّ بالقبض .
وفي غيرهما يصحّ بغير قبض ، ويلزم بمجرّد العقد . ويثبت فيه الملك بغير قبض .
وحاصل الدّليل في هذه التّفرقة القياس على البيع ، من حيث إنّها تمليك ، ففي البيع ما لا يلزم قبل القبض ، كالصّرف والرّبويّات ، وفيه ما يلزم قبل القبض ، وهو ما عدا ذلك . والخلاصة أنّ جمهور الفقهاء يشترطون القبض في التّبرّعات .

بيع المحاقلة *
1- المحاقلة في اللّغة : بيع الزّرع في سنبله بالبرّ أو بحنطة - كما يقول الفيّوميّ - وفي الاصطلاح : بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصاً . والخرص : الحزر .
وعرّفها الحنبليّة بما هو أعمّ ، وقالوا : هي بيع الحبّ في سنبله بجنسه .
2 - ولا يختلف الفقهاء ، في أنّ بيع المحاقلة غير جائز ، وهو فاسد عند الحنفيّة ، باطل عند غيرهم ، وذلك لحديث جابر رضي الله عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة » .
ولأنّه بيع مكيل بمكيل من جنسه ، فلا يجوز خرصاً ، لأنّ فيه شبهة الرّبا الملحقة بالحقيقة في التّحريم . ولعدم العلم بالمماثلة - بتعبير الشّافعيّة عن معنى البطلان - ويقول الحنابلة في تمام التّعليل : والجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل .
وأيضاً تزيد المحاقلة - كما قال الشّافعيّة على المزابنة - بأنّ المقصود من المبيع فيها مستور بما ليس من صلاحه فانتفت الرّؤية أيضاً .
ويؤخذ من كتب المالكيّة ، التّعليل العامّ لفساد المزابنة ونحوهما بالغرر والرّبويّة في الرّبويّات في الجنس الواحد . ولزيادة التّفصيل ينظر مصطلح ( محاقلة ) .

بيع المرابحة *
انظر : مرابحة .

بيع المزابنة *
1 - المزابنة : مأخوذة من الزّبن ، وهو في اللّغة : الدّفع لأنّها تؤدّي إلى النّزاع والمدافعة . أي بسبب الغبن كما يقول الشّافعيّة .
وفي الاصطلاح الفقهيّ : عرّفها الجمهور بأنّها : بيع الرّطب على النّخيل بتمر مجذوذ ، مثل كيله خرصاً . ( أي ظنّاً وتقديراً ) والخرص : الحزر . وذلك بأن يقدّر الرّطب الّذي على النّخل بمقدار مائة صاع مثلاً ، بطريق الظّنّ والحزر ، فيبيع بقدره من التّمر . فلو لم يكن الثّمن رطباً فهو جائز بسبب اختلاف الجنس .
وعرّفها الدّردير من المالكيّة بأنّها : بيع مجهول بمعلوم ، ربويّ أو غيره . أو : بيع مجهول بمجهول من جنسه . وعرّفها ابن جزيّ ، منهم أيضاً ، بأنّها : بيع شيء رطب ، بيابس من جنسه ، سواء أكان ربويّاً ، أم غير ربويّ .
حكم بيع المزابنة :
2 - لم يختلف الفقهاء في حكم هذا البيع . فقد اتّفقوا على أنّه بيع فاسد ، ولا يصحّ ، وذلك لما يأتي :
- أ - حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما قال : { نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة } .
- ب - ولشبهة الرّبا ، لأنّه بيع مكيل بمكيل من جنسه ، مع احتمال عدم المساواة بينهما بالكيل . ويصرّح الشّافعيّة بأنّ فيهما الرّبا ، لعدم العلم بالمماثلة فيهما .
- ج - وللغرر - كما علّله ابن جزيّ - . ومثل بيع الرّطب بالتّمر ، بيع العنب بالزّبيب ، كما ورد في بعض الرّوايات ، زيادةً على المذكور في الحديث السّابق : « وعن بيع العنب بالزّبيب ، وعن كلّ تمر بخرصه » وأطلق المالكيّة - لعلّه لذلك - عدم جواز بيع كلّ رطب بيابس من جنسه ، لا متفاضلاً ولا مثلاً بمثل ، حتّى الحبوب .

بيع المزايدة *
انظر : مزايدة .

بيع المساومة *
انظر : مساومة .

بيع المسترسل *
انظر : استرسال .

بيع الملامسة *
1 - الملامسة من بيوع الجاهليّة أيضاً . وقد ثبت النّهي عنها في الحديث ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة » . وفسّره أبو هريرة في رواية مسلم بقوله : أمّا الملامسة : فأن يلمس كلّ واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمّل . والمنابذة : أن ينبذ كلّ واحد ثوبه إلى الآخر ، ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه . وعن أبي سعيد الخدريّ « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين ولبستين : نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع » . والملامسة : لمس الرّجل ثوب الآخر بيده ، باللّيل أو بالنّهار ، ولا يقلّبه إلاّ بذلك . والمنابذة : أن ينبذ الرّجل إلى الرّجل ثوبه ، وينبذ الآخر إليه ثوبه ، ويكون بذلك بيعهما ، من غير نظر ولا تراض .
2 - وفسّرت الملامسة مع ذلك في الفقه بصور :
أ - أن يلمس ثوباً مطويّاً ، أو في ظلمة ، ثمّ يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه ، اكتفاءً بلمسه عن رؤيته . أو يلمس كلّ منهما ثوب صاحبه بغير تأمّل - كما يعبّر الحنفيّة - وذلك على سبيل المشاركة من الجانبين خلافاً لما أشار إليه الشّيخ الدّردير ، وخالفه فيه الشّيخ عليش وهو مأخوذ من التّفسير المأثور .
ب - أو يكون الثّوب مطويّاً ، فيقول البائع للمشتري : إذا لمسته فقد بعتكه ، اكتفاءً بلمسه عن الصّيغة . قال في المغرب : بيع الملامسة واللّماس ، أن يقول لصاحبه : إذا لمست ثوبك أو لمست ثوبي ، فقد وجب البيع .
ج - أو يبيعه شيئاً على أنّه متى لمسه لزم البيع ، وانقطع خيار المجلس وغيره ، وهو مرويّ عن أبي حنيفة ، أو يقول المشتري كذلك .
3 - وهذا البيع بصوره المذكورة كلّها ، فاسد عند عامّة الفقهاء ، قال ابن قدامة : لا نعلم فيه خلافاً ، وذلك لعدم الرّؤية في الصّورة الأولى ، مع لزوم البيع ، اكتفاءً باللّمس عن الرّؤية . ولعدم الصّيغة في الصّورة الثّانية .
كما قال الشّافعيّة . ولتعليق التّمليك على أنّه متى لمسه وجب البيع ، وسقط خيار المجلس في الثّالثة ، في تعبير الحنفيّة ، والتّملّكيّات لا تحتمله لأدائه إلى معنى القمار .
وعلّل الحنابلة الفساد بعلّتين : الأولى : الجهالة . والأخرى : كونه معلّقاً على شرط ، وهو لمس الثّوب . ولعلّ هذا هو الغرر المقصود في تعبير ابن قدامة .
وأجمل الشّوكانيّ التّعليل ، بالغرر والجهالة وإبطال خيار المجلس .
4 - هذا ، ونصّ المالكيّة في فروعهم التّفصيليّة هنا ، على أنّ الاكتفاء في لزوم البيع ، وتحقّقه باللّمس ، من غير أن ينشر الثّوب ويعلم ما فيه ، هو المفسد : قالوا : فلو باعه قبل التّأمّل فيه ، على شرط أن ينظر فيه بعد ذلك ، فإن أعجبه أمسكه وإلاّ ردّه ، كان جائزاً .

بيع المنابذة *
1 - بيع المنابذة أيضاً من بيوع الجاهليّة . وثبت النّهي عنها في صحاح الأحاديث ، كما ثبت عن الملامسة ، وفسّرت في بعضها . وصوّرها الفقهاء فيما يأتي :
أ - أن ينبذ كلّ واحد من المتبايعين ثوبه إلى الآخر ، ولا ينظر كلّ واحد منهما إلى ثوب صاحبه - أو ينبذه إليه بلا تأمّل كما عبّر المالكيّة - على جعل النّبذ بيعاً . وهذا التّفسير المأثور عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه في رواية مسلم : « فيكون ذلك بيعهما ، من غير نظر ولا تراض » وهو المنقول عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى .
ب - أن يجعلا النّبذ بيعاً ، اكتفاءً به عن الصّيغة ، فيقول أحدهما : أنبذ إليك ثوباً بعشرة ، فيأخذه الآخر " والصّورة الأولى فيها مشاركة بخلاف هذه " .
ج - أن يقول : بعتك هذا بكذا ، على أنّي إذا نبذته إليك ، لزم البيع وانقطع الخيار .
د - أن يقول : أيّ ثوب نبذته إليّ فقد اشتريته بكذا ، وهذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله تعالى . هذا ولا بدّ أن يسبق تراوضهما على الثّمن مع ذلك ، وإلاّ كان المنع لعدم ذكر الثّمن . وقد سبق عن الحنفيّة ، أنّ السّكوت عن الثّمن مفسد للبيع ، ونفيه عنه مبطل له .
2 - وكلّ هذه الصّور فاسدة ، بلا خلاف بين أهل العلم ، صرّح بذلك ابن قدامة وغيره ، معلّلين الفساد :
- بالنّهي في الحديث الصّحيح المتقدّم .
- والجهالة ، وعلّل بها الحنفيّة والحنابلة .
- وتعليق التّمليك بالخطر ، لأنّه - في الصّورة الأولى الّتي ذكرها الحنفيّة - في معنى : إذا نبذت إليك الثّوب فقد اشتريته ، والتّمليكات لا تحتمله ، لأدائه إلى معنى القمار .
- ولعدم الرّؤية ، أو عدم الصّيغة ، أو للشّرط الفاسد ، كما علّل الشّافعيّة .

بيع منهيّ عنه *
التّعريف :
1 - البيع في اللّغة والاصطلاح ، سبق الكلام عنه في مصطلح " بيع " . أمّا " المنهيّ عنه " فهو صيغة مفعول من النّهي . والنّهي لغةً : الزّجر عن الشّيء ، وهو : ضدّ الأمر . واصطلاحاً : طلب الكفّ عن الفعل على جهة الاستعلاء .
الأصل في البيع الحلّ إلاّ لطارئ :
2 - أنّ الأصل في البيع هو الإباحة والصّحّة ، حتّى يقوم الدّليل على الحظر أو الفساد . والدّليل على ذلك هو قول اللّه تعالى في كتابه العزيز : { وأحلّ اللّهُ البيعَ } فإنّه عامّ في إباحة جميع البيوع . ودليل العموم هو : أنّ لفظ البيع مفرد محلًّى بالألف واللام ، والمفرد المحلّى بالألف واللّام يفيد العموم عند أهل الأصول ، إذا لم يكن هناك عهد مطلقاً ، ولا قصد إلى إرادة الحقيقة والماهيّة . فصار حاصل معنى الآية : أنّ كلّ بيع حلال ، أخذاً بعموم اللّفظ . غير أنّ أهل العلم لم يختلفوا في أنّ هذه الآية ، وإن كان مخرجها مخرج العموم ، فقد لحقها التّخصيص ، لأنّهم - كما يقول الرّازيّ الجصّاص ، وكما سيأتي - متّفقون على حظر كثير من البياعات ، نحو بيع ما لم يقبض ، وبيع ما ليس عند الإنسان ، وبيع الغرر ، والمجاهيل وعقد البيع على المحرّمات من الأشياء .
وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات ، وإنّما خصّت منها بدلائل ، إلاّ أنّ تخصيصها غير مانع من اعتبار عموم لفظ الآية ، فيما لم تقم الدّلالة على تخصيصه .
موجب النّهي :
3 - موجب النّهي عند الجمهور التّحريم إلاّ بقرينة تصرفه عن التّحريم إلى غيره ، كالكراهة أو الإرشاد أو الدّعاء أو نحوها . وهناك خلاف وتفصيل ينظر في الملحق الأصوليّ . وفي مصطلح : ( نهي ) . فإذا وجدت قرينة أو دليل يصرف النّهي عن التّحريم ، كان المراد بالنّهي الكراهة . وهي لغةً : ضدّ المحبّة . واصطلاحاً : تشمل :
أ - المكروه تحريماً ، وهو ما كان إلى الحرمة أقرب ، بمعنى أن يتعلّق به محذور دون استحقاق العقوبة بالنّار كحرمان الشّفاعة ، وهو المحمل عند إطلاق الكراهة - عند الحنفيّة - لكنّه عند الإمام محمّد حرام ثبتت حرمته بدليل ظنّيّ .
ب - كما تشمل المكروه تنزيهاً ، وهو ما كان إلى الحلّ أقرب ، بمعنى أنّه لا يعاقب فاعله أصلاً ، لكن يثاب تاركه أدنى ثواب ، فيكون تركه أولى من فعله . ويرادف المكروه تنزيهاً
( خلاف الأولى ) وكثيراً ما يطلقونه أيضاً . فإذا ذكروا مكروهاً : فلا بدّ من النّظر في دليله : أ - فإن كان نهياً ظنّيّاً ، يحكم بكراهة التّحريم ، إلاّ لصارف للنّهي عن التّحريم إلى النّدب .
ب - وإن لم يكن الدّليل نهياً ، بل كان مفيداً للتّرك غير الجازم ، فهي تنزيهيّة . وبين المكروهين : تحريماً وتنزيهاً ( الإساءة ) وهي دون المكروه تحريماً ، وفوق المكروه تنزيهاً . وتتمثّل بترك السّنّة عامداً غير مستخفّ ، فإنّ السّنّة يندب إلى تحصيلها ، ويلام على تركها ، مع لحوق إثم يسير .
وإذا كان الحنفيّة قد صرّحوا بأنّ لفظ المكروه إذا أطلق في كلامهم فالمراد منه التّحريم ، ما لم ينصّ على كراهة التّنزيه . فإنّ المالكيّة نصّوا على العكس ، فإنّ الكراهة متى أطلقت لا تنصرف إلاّ للتّنزيه . وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فإنّهم يطلقون ( الكراهة ) على ما يراد بالكراهة التّنزيهيّة عند غيرهم .
أسباب النّهي عن البيع :
4 - أسباب النّهي عقديّة أو غير عقديّة . والأسباب العقديّة منها ما يتعلّق بمحلّ العقد ، ومنها ما يتعلّق بلازم العقد :
الأسباب الّتي تتعلّق بمحلّ العقد :
محلّ العقد : وهو المعقود عليه . ويشترط فيه الفقهاء جملةً من الشّروط :
الشّرط الأوّل ما يتعلّق بالمعقود عليه :
5 - أن يكون المعقود عليه موجوداً حين العقد ( أي غير معدوم ) فلا يقع عندهم بيع المعدوم ، ويعتبر باطلاً . ويتمثّل هذا في البيوع الآتية : بيع المضامين ، والملاقيح ، وحبل الحبلة ، وبيع الجنين في بطن أمّه .
والمضامين : جمع مضمون ، كمجنون . وهي : ما في أصلاب الفحول ، عند الجمهور وبعض المالكيّة كابن جزيّ .
أمّا الملاقيح : فهي جمع ملقوحة وملقوح ، وهي : ما في أرحام الأنعام والخيل من الأجنّة . وفسّر الإمام مالك المضامين بأنّها : بيع ما في بطون إناث الإبل ، وأنّ الملاقيح بيع ما في ظهور الفحول .
وأمّا بيع حبل الحبلة فهو بيع نتاج النّتاج ، بأن يبيع ولد ما تلده هذه النّاقة أو الدّابّة ، فولد ولدها هو نتاج النّتاج . ولا يختلف الفقهاء في بطلان بيع هذه الجملة من البيوع .
قال ابن المنذر : وقد أجمعوا على أنّ بيع الملاقيح والمضامين غير جائز ، وذلك لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبلة » . ولقول سعيد بن المسيّب : لا ربا في الحيوان ، وإنّما نهي من الحيوان عن ثلاثة : عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة .
ولأنّ في هذا البيع غرراً ، فعسى أن لا تلد النّاقة ، أو تموت قبل ذلك ، فهو بيع معدوم وماله خطر المعدوم . وعلّله الشّافعيّة بأنّه : بيع ما ليس بمملوك ، ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه . وعلّله الحنابلة : بالجهالة ، فإنّه لا تعلم صفته ولا حياته ، وبأنّه غير مقدور التّسليم ، وإذا لم يجز بيع الحمل ، فأولى أن لا يجوز بيع حمله .
6 - ومن قبيل بيع المعدوم أيضاً : بيع عسب الفحل . وقد روي في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ثمن عسب الفحل » ويروى : « عن عسب الفحل » . فقال الكاسانيّ فيها : ولا يمكن حمل النّهي على نفس العسب ، وهو الضّراب ، لأنّ ذلك جائز بالإعارة ، فيحمل على البيع والإجارة ، إلاّ أنّه حذف ذلك ، وأضمره فيه ، كما في قوله تعالى : { واسْأل القرية } .
وذكر الشّافعيّة نحو هذا في تأويل الحديث ، وطرقوا له ثلاثة أوجه من الاحتمالات ، ونصّوا - كغيرهم - على بطلان بيعه ، وقالوا : يحرم ثمن مائة ، ويبطل بيعه ، لأنّه غير معلوم ولا متقوّم ، ولا مقدور على تسليمه .
الشّرط الثّاني ما يتعلّق بمحلّ العقد :
7 - أن يكون المعقود عليه مالاً ، بمعناه الفقهيّ الاصطلاحيّ ، وهو : ما يميل إليه الطّبع ، ويجري فيه البذل والمنع . ( ر : مصطلح : مال ) فلا ينعقد بيع ما ليس بمال . وذلك مثل بيع المسلم الميتة فإنّه باطل ، سواء أماتت حتف أنفها ، أم ماتت بخنق ونحوه من غير تذكية ، وهذا لقوله تعالى : { حُرِّمَتْ عليكم الميتة والدّم } ولا يستثنى من ذلك إلاّ السّمك والجراد ، لحديث : « أحلّت لنا ميتتان ودمان : فأمّا الميتتان فالحوت والجراد ، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال » . أمّا بيع الذّمّيّ للميّتة ، فإن كان موتها حتف أنفها أي بغير ضرب ولا قتل - وهي : ما تنفّست حتّى انقضى رمقها - فهي ليست مالاً بالاتّفاق .
وأمّا ما لم يمت حتف أنفه ، بل مات خنقاً ، أو بما يدين به الذّمّيّ ، وليس تذكيةً في شرعنا فالرّوايات مختلفة عند الحنفيّة في جواز بيعه وفي فساده : فالرّواية عن أبي يوسف الجواز ، والرّواية عن محمّد الفساد ، ولا رواية في البطلان .
وأمّا غير الحنفيّة ، فلا يفرّقون بين ما مات حتف أنفه وما ليس كذلك في بطلان البيع .
قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على عدم جواز بيع الميتة أو شيء منها .
ودليل التّحريم حديث : « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » ويحرم ولا ينعقد بيع الدّم المسفوح ، لقوله تعالى : { أو دماً مَسْفوحاً } والتّقييد بالمسفوحيّة مخرج ما سواه ، فإنّه يجوز بيعه ، كالكبد والطّحال ، وقد استثنيا من تحريم الدّم ، بحديث
« أحلّت لنا ميتتان ودمان » ... " الآنف الذّكر ، ولا خلاف في ذلك ، وصرّح ابن المنذر والشّوكانيّ بإجماع أهل العلم على تحريم بيعه .
وعلّة تحريم بيع الميتة والدّم ونحوهما عند الحنفيّة انتفاء الماليّة ، وعند الآخرين نجاسة العين . ومن صوّر انتفاء الماليّة في محلّ العقد : بيع الحرّ . وكذلك البيع به ، بجعله ثمناً ، بإدخال الباء عليه ( كأن يقول : بعتك هذا البيت بهذا الغلام ، وهو حرّ ) لأنّ حقيقة البيع : مبادلة مال بمال . ولم يوجد هنا ، لأنّه ليس بمال .
وفي الوعيد الشّديد على تحريم هذا البيع ، ورد حديث : « ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ، ومن كنت خصمه خصمته . رجل أعطى بي ثمّ غدر ، ورجل باع حرّاً فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيراً ، فاستوفى منه ولم يعطه أجره » .
الشّرط الثّالث : التّقوّم :
8 - وممّا يتعلّق بمحلّ العقد - بعد كونه مالاً - أن يكون متقوّماً .
والتّقوّم عند الحنفيّة ضربان :
عرفيّ : ويكون بالإحراز ، فغير المحرز ، كالصّيد والحشيش ، ليس بمتقوّم .
وشرعيّ : ويكون بإباحة الانتفاع به ، وهو المراد هنا . فما ليس بمتقوّم من المال بهذا المعنى ، وهو غير ما كان الانتفاع به غير مباح ، يبطل بيعه . ومن الفقهاء من استغنى عن الماليّة والتّقوّم ، بشرطي الطّهارة والنّفع ، كما فعل المالكيّة والشّافعيّة .
ومنهم من استغنى عن شرط التّقوّم هذا بشرط الماليّة ، بتعريف المال عنده بأنّه : ما فيه منفعة غير محرّمة ، ويباح لغير حاجة أو ضرورة . وهؤلاء هم الحنابلة .
فخرج بقيد المنفعة ، ما لا منفعة فيه أصلاً : كالحشرات ، وما فيه منفعة محرّمة كالخمر . وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب . وما فيه منفعة مباحة للضّرورة ، كالميتة في حال المخمصة .
9 - فمن أمثلة غير المتقوّم : بيع الخمر والخنزير ، فإنّه فاسد عند جمهور الفقهاء . والمعنى فيه هو نجاسة عينه ، ويلحق بهما باقي نجس العين ، وكذا كلّ ما نجاسته أصليّة أو ذاتيّة ولا يمكن تطهيره . ونقل ابن قدامة عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على القول به ودليله حديث جابر المتقدّم : « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » . والحنفيّة فرّقوا بين بيع المذكورات بثمن أو بدين ثابت في الذّمّة ، فهو باطل .
وبين بيعها بأعيان أو عروض ، فإنّ البيع يبطل في الخمر ، ويفسد فيما يقابلها من العروض والأعيان . ووجه الفرق : أنّ المبيع هو الأصل في البيع ، وليست الخمر ونحوها محلاً للتّمليك ، فبطل البيع فيها ، فكذا يبطل في ثمنها .
أمّا إذا كان الثّمن عيناً ، فإنّه حينئذ مبيع من وجه ، مقصود بالتّملّك ، ولكن فسدت التّسمية ، فوجبت قيمته دون الخمر المسمّى .
وكذلك فرّق الحنفيّة في بيع المذكورات بين المسلم وبين الذّمّيّ . وفي هذا يقول الكاسانيّ : ولا ينعقد بيع الخنزير من المسلم ، لأنّه ليس بمال في حقّ المسلمين . فأمّا أهل الذّمّة ، فلا يمنعون من تبايع الخمر والخنزير فيما بينهم لما يلي :
أ - أمّا على قول بعض مشايخنا ، فلأنّه مباح الانتفاع به شرعاً لهم ، كالخلّ وكالشّاة لنا ، فكان مالاً في حقّهم ، فيجوز بيعه . وروي عن سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه :" أنّه كتب إلى عشّاره بالشّام : أن ولّوهم بيعها ، وخذوا العشر من أثمانها ".
ولو لم يجز بيع الخمر منهم لما أمرهم بتوليتهم البيع .
ب - وعن بعض مشايخنا : حرمة الخمر والخنزير ثابتة على العموم في حقّ المسلم والكافر ، لأنّ الكفّار مخاطبون بشرائع هي حرمات ، وهو الصّحيح من مذهب أصحابنا ، فكانت الحرمة ثابتةً في حقّ المسلم والكافر ، لكنّهم لا يمنعون من بيعها ، لأنّهم لا يعتقدون حرمتها ، ويتموّلونها ، ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون . فيقول ابن عابدين - رحمه الله - معلّقاً على عبارة الكاسانيّ : وظاهره الحكم بصحّتها فيما بينهم ، ولو بيعت بالثّمن .
10 - ومن أمثلة غير المتقوّم أيضاً عند الحنفيّة ، الميتة الّتي لم تمت حتف أنفها ، بل ماتت بالخنق ونحوه ، فإنّها مال عند الذّمّيّ كالخمر . وسبق الكلام عنها في شرط الماليّة .
11 - ويتّصل بغير المتقوّم : المتنجّس الّذي لا يقبل التّطهير ، كالسّمن والزّيت والعسل واللّبن والخلّ .
والمشهور والأصحّ من مذهب الأكثرين من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : عدم جواز بيعها ، لأنّ أكلها حرام ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « سئل عن الفأرة تموت في السّمن ، فقال : ... وإن كان مائعاً فلا تقربوه » وإذا كان حراماً لم يجز بيعه لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : لعن اللّه اليهود ، حرّمت عليهم الشّحوم ، فجمّلوها " أي أذابوها " فباعوها » ...
ولأنّها نجسة ، فلا يجوز بيعها ، قياساً على شحم الميتة ، فهي في معنى نجس العين .
وقد قرّر المالكيّة أنّ مشهور مذهبهم هو عدم جواز بيعها اختياراً ، أمّا اضطراراً فيصحّ . ومقابل المشهور رواية وقعت لمالك ، هي جواز بيعه ، وكان يفتي بها ابن اللّبّاد .
قال ابن رشد : والمشهور عن مالك ، المعلوم من مذهبه في المدوّنة وغيرها ، أنّ بيعه لا يجوز ، والأظهر أنّ بيعه جائز ممّن لا يغشّ به إذا بيّن ، لأنّ تنجيسه بسقوط النّجاسة فيه لا يسقط ملك ربّه عنه ، ولا يذهب جملة المنافع منه ، ولا يجوز أن يتلف عليه ، فجاز له أن يبيعه ممّن يصرفه فيما كان له هو أن يصرفه فيه ، وهذا في الزّيت على مذهب من لا يجيز غسله . وأمّا على مذهب من يجيز غسله - وروي ذلك عن مالك - فسبيله في البيع سبيل الثّوب المتنجّس . وجعل ابن جزيّ قياس ابن رشد ممّا أجازه ابن وهب إذا بيّن . وأشار إلى الاختلاف في الاستصباح به في غير المساجد .
وفي قول للشّافعيّة ، هو مقابل الأصحّ عندهم : أنّه إذا أمكن تطهيره ، بأن يصبّ عليه في إناء ماء يغلبه ، ويحرّك بخشبة حتّى يصل إلى جميع أجزائه ، جاز بيعه قياساً على الثّوب المتنجّس . والأصحّ عندهم المنع من البيع ، لتعذّر التّطهير ، لحديث الفأرة المتقدّم ، فإنّه لو أمكن تطهيره لم يقل في الحديث : « ألقوها وما حولها » وفي رواية : « فأريقوه » وكذلك الخلاف عندهم في بيع الماء النّجس . فيجوز عند بعضهم ، لإمكان تطهيره بالمكاثرة .
وجزم بعضهم بمنع الجواز ، وهو المعتمد - كما يقول القليوبيّ نقلاً عن شيخه - إن كان دون القلّتين ، وذلك نظراً إلى النّجاسة الآن ، فإن كان أكثر من قلّتين صحّ عندهم .
وكذلك الحنابلة الّذين لم يستجيزوا بيع الدّهن النّجس ، رووا عن الإمام أحمد أنّه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاسته ، وذلك لأنّه يعتقد حلّه ، ويستبيح أكله ، ولأنّه روي عن أبي موسى : لتّوا به السّويق وبيعوه ، ولا تبيعوه من مسلم ، وبيّنوه . لكنّ الصّحيح عند الحنابلة عدم الجواز لحديث ابن عبّاس المتقدّم : « لعن اللّه اليهود ، حرّمت عليهم الشّحوم فجمّلوها » . ولأنّه لا يجوز بيعها من مسلم ، فلا يجوز بيعها من كافر ، كالخمر والخنزير ، فإنّهم يعتقدون حلّه ، ولا يجوز بيعه لهم . ولأنّه دهن نجس ، فلم يجز بيعه لكافر ، كشحوم الميتة .
هذا ، وأمّا الثّوب المتنجّس أو الإناء المتنجّس ونحوهما من كلّ ما يطهر بالغسل من المتنجّسات فقد نصّوا على صحّة بيعه ، لما أنّه ينتفع به بعد التّطهير ، وطهارته أصليّة ، وإنّما عرض لها نجاسة يمكن إزالتها .
وقد أوجب المالكيّة تبيين النّجاسة مطلقاً ، سواء أكان الثّوب - مثلاً - جديداً أم قديماً ، وسواء أكان ممّا يفسده الغسل أم لا ، وسواء أكان المشتري يصلّي أم لا ، قالوا : لأنّ النّفوس تكرهه ، فإن لم يبيّن وجب للمشتري الخيار .
أمّا الحنفيّة فقد نصّوا - خلافاً للأصحّ المشهور عند الجمهور - على جواز بيع الدّهن المتنجّس ، وهو الّذي عرضت له النّجاسة ، وأجازوا الانتفاع به في غير الأكل ، كالاستصباح به في غير المساجد والدّبّاغة وغيرهما .
وفرّقوا بين الدّهن المتنجّس وبين دهن الميتة ، فإنّ هذا نجس ، لأنّه جزؤها ، فلا يكون مالاً ، فلا يجوز بيعه اتّفاقاً ، كما لا يجوز الانتفاع به واستدلّ له ابن عابدين - رحمه الله - بحديث : « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام . فقيل يا رسول اللّه أرأيت شحوم الميتة ، فإنّها يطلى بها السّفن ، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها النّاس ؟ فقال : لا ، هو حرام » .
12 - ويتّصل بغير المتقوّم والنّجاسات والمتنجّسات ، بيع عظم الميتة وجلدها وصوفها وحافرها وريشها ونحوها . ومذهب الجمهور : أنّه لا يجوز بيعها لنجاستها ، لقوله تعالى : { حرّمت عليكم الميتة } وهذه أجزاء الميتة ، فتكون حراماً ، فلا يجوز بيعها . وقد جاء في الحديث : « لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب » . بل نصّ الحنابلة على عدم جواز بيع شيء من الميتة ، ولو كان ذلك لمضطرّ ، إلاّ السّمك والجراد والجندب ، لحلّ أكلها .
أمّا الحنفيّة ففصّلوا في هذه المسألة بين غير الآدميّ وبين الآدميّ ، وبين جلد الميتة قبل الدّبغ وبين جلدها بعد الدّبغ . قالوا :
أ - إنّ جلد الميتة قبل الدّبغ لا يجوز بيعه ، لما روي في الحديث المتقدّم آنفاً : « لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب » ولأنّ نجاسته من الرّطوبات المتّصلة به بأصل الخلقة ، فصار كلحم الميتة . بخلاف الثّوب النّجس حيث يجوز بيعه ، لأنّ نجاسته ليست بأصل الخلقة ، فلا يمنع من جواز البيع .
ب - أمّا بعد الدّبغ فإنّه يجوز بيعه والانتفاع به ، لأنّه طهر بالدّبّاغ .
ج - أمّا العظم ونحوه ، فإنّه طاهر بأصل الخلقة ، والقاعدة عندهم : أنّ كلّ شيء لا يسري فيه الدّم لا ينجس بالموت ، كالشّعر والرّيش والوبر والقرن والحافر والعظم - كما نصّوا عليه في الطّهارات - فيجوز بيعه والانتفاع به ، ودليلهم على ذلك ، كما ذكره الكاسانيّ : أنّ اللّه تعالى جعل لنا هذه الأشياء ، وامتنّ علينا بها من غير فصل بين الذّكيّة والميّتة ، فيدلّ على تأكّد الإباحة ، قال تعالى : { واللّه جعلَ لكم من بيوتِكم سَكَناً ، وجَعَل لكم من جلودِ الأنعامِ بيوتاً تَسْتَخِفُّونها يومَ ظَعْنِكم ويومَ إقامَتِكم ، ومن أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها أثاثاً ومتاعاً إلى حين } .
ولأنّ حرمة الميتة ليست لموتها ، فإنّ الموت موجود في السّمك والجراد ، وهما حلالان بالنّصّ ، بل لما فيها من الرّطوبات السّيّالة والدّماء النّجسة ، لانجمادها بالموت . ولهذا يطهر جلد الميتة بالدّبّاغ ، حتّى يجوز بيعه ، لزوال الرّطوبة عنه ، ولا رطوبة في هذه الأشياء ، فلا تكون حراماً . بل نصّ الحنفيّة ، ومنهم الزّيلعيّ ، على أنّ لحوم السّباع وشحومها وجلودها بعد الذّكاة الشّرعيّة هي كجلود الميتة بعد الدّبّاغ ، حتّى يجوز بيعها والانتفاع بها في غير الأكل ، وذلك لطهارتها بالذّكاة . يستثنى من ذلك جلد الخنزير ، فإنّه نجس العين ( وكذا لحمه وعظمه وشعره ) فلا يطهر بالتّذكية ولا بالدّبّاغ . وإن خالف في ذلك - فيما سوى الخنزير - بعض الحنفيّة ، فقرّر الشّرنبلاليّ أنّه تطهّر الذّكاة الشّرعيّة جلد غير المأكول ، دون لحمه ، على أصحّ ما يفتى به ، ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف بيع عظم الفيل والانتفاع به كسائر السّباع . وعند محمّد لا يجوز ، وهو عنده كالخنزير .
أمّا عظم الآدميّ وشعره ، فوافق الحنفيّة . الجمهور في أنّه لا يباع . قال الكاسانيّ : لا لنجاسته " لأنّه طاهر في الصّحيح من الرّواية ، لكن احتراماً له ، والابتذال بالبيع يشعر الإهانة . وقد روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لعن اللّه الواصلة والمستوصلة » فنصّ الحنفيّة على أنّه لا يجوز الانتفاع به للحديث المذكور . وصرّحوا بأنّ الآدميّ مكرّم شرعاً ، وإن كان كافراً ، فإيراد العقد عليه وابتذاله وإلحاقه بالجمادات إذلال له ، وهو غير جائز . وبعض الآدميّ في حكم كلّه . وصرّح الكمال من الحنفيّة ببطلان بيعه .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:35 AM

بيع الكلب :
13 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة ، وهو المشهور عند المالكيّة إلى عدم صحّة بيع الكلب ، أيّ كلب كان ولو كان معلّماً ، للحديث الصّحيح عن أبي جحيفة رضي الله عنه ، « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدّم وثمن الكلب ، وكسب البغيّ ، ولعن الواشمة والمستوشمة ، وآكل الرّبا وموكله ، ولعن المصوّرين » . ولحديث أبي مسعود عقبة بن عمرو رضي الله عنه ، قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، ومهر البغيّ ، وحلوان الكاهن » . وفرّق بعض المالكيّة بين الكلب المأذون باتّخاذه وبين غيره ، فأجازوا بيع الأوّل ، واختلفوا في الثّاني .
وأمّا الحنفيّة ، فذهبوا إلى صحّة بيع الكلب أيّ كلب كان حتّى العقور . والتّفصيل في مصطلح ( كلب ) . أمّا الهرّ فذهب جمهور الفقهاء إلى جواز بيعه ، لأنّه حيوان منتفع به ، وحملوا حديث جابر رضي الله عنه « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب والسّنّور » على غير المملوك ، أو على ما لا نفع فيه من الهررة ، وتفصيله في مصطلح : ( هرّ ) .
بيع سباع البهائم وجوارح الطّير والهوامّ :
14 - اتّفقت المذاهب على عدم جواز بيع سباع البهائم والطّير ، إذا كانت ممّا لا ينتفع به بحال . فإن كانت ممّا ينتفع به جاز بيعه إلاّ الخنزير ، فإنّه نجس العين ، فلا يجوز الانتفاع به ، فكذلك لا يجوز بيعه . لكنّهم ذهبوا مذاهب في تفسير النّفع الّذي يجيز بيع السّباع :
15 - فالحنفيّة - في ظاهر الرّواية من مذهبهم - والمالكيّة في الرّاجح من المذهب ، ذهبوا إلى إطلاق النّفع ، ولو بالجلد ، وبدون تفرقة بين المعلّم وغيره .
ومن نصوص الحنفيّة في هذا : صحّ بيع الكلب ولو عقوراً ، والفهد والفيل والقرد ، والسّباع بسائر أنواعها ، حتّى الهرّة ، وكذا الطّيور أي الجوارح منها ) علّمت أو لا ، سوى الخنزير ، وهو المختار ، للانتفاع بها وبجلدها .
وعلّل الزّيلعيّ أيضاً جواز بيعها بجواز الانتفاع بها شرعاً ، وبقبولها التّعليم عادةً ، ثمّ طرح هذا الضّابط قائلاً فيه : وكلّ منتفع به شرعاً ، في الحال أو في المآل ، وله قيمة .. جاز بيعه ، وإلاّ فلا . وقال الحصكفيّ : جواز البيع يدور مع حلّ الانتفاع . وقال البابرتيّ : وإذا ثبت أنّ مناط الحكم الانتفاع ، ثبت في الفهد والنّمر والذّئب . بخلاف الهوامّ المؤذية ، كالحيّات والعقارب والزّنابير ، لأنّها لا ينتفع بها . وكذا غير المؤذية من هوامّ الأرض : كالخنافس والفأرة والنّمل والوزغ والقنافذ والضّبّ ، أو من البحر ، كالضّفدع والسّرطان .
16 - أمّا مذهب المالكيّة فهو أنّ بيع الهرّ والسّبع للجلد جائز ، وأمّا للّحم فقط ، أو له وللجلد فمكروه . وهذا مبنيّ على حكم لحم السّباع عندهم .
وأمّا سباع الطّير ذوات المخالب ، فلحمها مباح عندهم ، كالباز والعقاب والرّخم ، وكرهوا الوطواط . وأمّا سباع البهائم ، فلهم فيها ثلاثة أقوال : الكراهة . والمنع . والتّفرقة بين العادي - الّذي يعدو على الآدميّ - كالأسد والفهد والنّمر والذّئب ، فيحرم . وبين غير العادي ، كالدّبّ والثّعلب والضّبع والهرّ مطلقاً ، فيكره . لكنّ الّذي في مختصر خليل كراهتها ، حتّى الفيل عنده - وفي عهدته ، كما قالوا .
17 - أمّا الشّافعيّة : فقد فسّروا النّفع بنحو الصّيد والحراسة ، ولو مآلاً ، بأن يرجى تعلّم الحيوان . أمّا ما لا نفع فيه فلا يصحّ بيعه ، الفواسق الخمس ، وكذا ما لا يرجى تعلّمه للصّيد ، لكبره مثلاً . فالفهد ينتفع به للصّيد ، والفيل للقتال ، والقرد للحراسة ، والهرّة الأهليّة لدفع نحو فأر ، والعندليب للأنس بصوته ، والطّاووس للأنس بلونه .
وكتب الشّيخ عميرة على قول النّوويّ في منهاجه : فلا يصحّ بيع الحشرات وكلّ سبع لا ينفع . مبيّناً خصال انتفاء النّفع ، بقوله : مثل : أن لا يؤكل ، ولا يصال ولا يقاتل عليه ، ولا يتعلّم ، ولا يصلح للحمل .
كما قرّر أنّ انتفاء النّفع قد يكون حسّاً ، وقد يكون شرعاً ، وأنّ انتفاء النّفع ينفي الماليّة ، فأخذ المال في مقابلته قريب - كما نقله عن الرّافعيّ - من أكل المال بالباطل .
18 - أمّا الحنابلة فقد ذهبوا - كما في رواية عن أبي يوسف من الحنفيّة اعتمدها السّرخسيّ إلى أنّه لا يصحّ بيع ما لا يصلح للاصطياد ، ولا يقبل التّعليم بحال :
- أ - ومثّل الحنابلة لما لا يصلح للاصطياد بالأسد والذّئب والنّمر والدّبّ ، وبالرّخم والحدأة والغراب الأبقع والنّسر والعقعق وغراب البين ، وبيضها ، لأنّه لا نفع فيه ، فأخذ ثمنه أكل للمال بالباطل ، ولأنّه ليس فيها نفع مباح كالحشرات ، فأشبهت الخنزير .
فأمّا ما يصلح للاصطياد ، كالفهد وكالصّقر والباز ، بأن كانت معلّمةً أو قابلةً للتّعليم ، فإنّ فيها نفعاً مباحاً ، فيصحّ بيعها ، وبيع أولادها وفراخها ، وبيضها لاستفراخه ، فينتفع به مآلاً . ومع ذلك نصّوا على جواز بيع القرد ، للحفظ لا للّعب ، لأنّ الحفظ - كما قالوا - من المنافع المباحة
- ب - ومثّل الحنفيّة للمرويّ عن أبي يوسف ، بالآتي : مع التّفصيل تطبيقاً عليه :
- الأسد ، إن كان يقبل التّعليم ويصطاد به ، يجوز بيعه وإلاّ فلا .
- الفهد والبازي يقبلان التّعليم ، فيجوز بيعهما على كلّ حال .
- النّمر - كما يقول الكمال - لا يقبل التّعليم لشراسته ، فلا يجوز بيعه بحال ، وكذا الكلب العقور على التّخصيص عند أبي يوسف .
- القرد ، فيه روايتان عن أبي حنيفة :
الأولى : جواز بيعه لإمكان الانتفاع بجلده ، وهي رواية الحسن عنه ، وصحّحها الزّيلعيّ . والأخرى : لا يجوز بيعه ، لأنّه للتّلهّي ، وهو محظور ، فكان بيع الحرام للحرام ، وأنّه لا يجوز . وصحّح هذا الكاسانيّ ، وبنى عليه ابن عابدين أنّه لولا قصد التّلهّي لجاز بيعه . لكنّ قصد التّلهّي يقتضي الكراهة ، لا عدم الصّحّة ، كما قال الحصكفيّ .
بيع آلات اللّهو والمعازف :
19 - ذهب جمهور الفقهاء ، ومنهم الصّاحبان من الحنفيّة ، والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إلى تحريم بيع آلات اللّهو المحرّمة ، والمعازف إلاّ ما جاز استعماله منها ، وصرّحوا بعدم صحّة بيعها .
والتّقييد بالمحرّمة ، لإخراج بيع الشّطرنج ، الّذي يقول الشّافعيّة بحلّه ، وطبل الغزاة ونحوه ، فمن المحرّمات : الطّنبور ، والمزمار ، والشّبّابة ( وهي النّاية ) والعود ، والصّنج والرّباب . فالصّاحبان من الحنفيّة يريان أنّ هذه الآلات أعدّت للمعصية ، فبطل تقوّمها ، ولا ينعقد بيعها ، كالخمر . والمالكيّة قرّروا أنّ من شروط المعقود عليه : أن يكون ممّا ينتفع به انتفاعاً شرعيّاً ، وإن قلّ كالتّراب ، وإن كانت المنفعة لا تجوز فهي كآلات اللّهو .
والشّافعيّة قرّروا أنّ آلة اللّهو المحرّمة لا يقصد منها غير المعصية ، ولا نفع بها شرعاً . والحنابلة قرّروا أنّ كسر هذه الآلات لا يستوجب الضّمان ، وأنّها كالميتات .
وتحريم بيع المعازف مبنيّ على قول الجمهور بتحريم المعازف وآلات اللّهو .
وذهب بعض الفقهاء إلى إباحتها إذا لم يلابسها محرّم ، فيكون بيعها عند هؤلاء مباحاً . والتّفصيل في مصطلح ( معازف ) .
ومذهب أبي حنيفة - خلافاً لصاحبيه - أنّه يصحّ بيع آلات اللّهو كلّها ، وهو أيضاً قول ضعيف عند الشّافعيّة ، مقيّد بأن يمكن اعتبار مكسّرها مالاً ، ففيها نفع متوقّع عندئذ .
وفي الوقت الّذي يرى الصّاحبان أنّ آلات اللّهو معدّة للمعصية ، موضوعة للفسق والفساد - كما هو تعبير الكاسانيّ - فلا تكون أموالاً فيبطل تقوّمها ، كالخمر . يرى أبو حنيفة أنّها أموال لصلاحيتها لما يحلّ من وجوه الانتفاع ، بأن تجعل ظروفاً لأشياء ، ونحو ذلك من المصالح ، وإن صلحت لما لا يحلّ فصارت كالأمة المغنّية ، وهذا لأنّ الفساد بفعل فاعل مختار ، فلا يوجب سقوط التّقوّم . وجواز البيع مرتّب على الماليّة والتّقوّم .
بيع الأصنام ونحوها :
20 - الخلاف المارّ بين الجمهور وبين أبي حنيفة وبعض الشّافعيّة في بيع آلات اللّهو ، جار هنا في بيع الأصنام . ودليل الجمهور على التّحريم انتقاء المنفعة المباحة شرعاً ، ونصّ حديث جابر مرفوعاً « إنّ اللّه حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » .
ودليل أبي حنيفة والقلّة من الشّافعيّة على الجواز : الانتفاع بها بعد الكسر ، فنفعها متوقّع ، فوجدت الماليّة والتّقوّم في المال ، وجواز البيع مرتّب عليهما .
وقد صرّح الرّافعيّ من الشّافعيّة بأنّ الوجهين يجريان في الأصنام والصّور ، وكذا الشّوكانيّ وفيما يلي بعض ما يلحق بالأصنام مع بعض أحكامها :
نصّ الشّافعيّة على أنّه لا يصحّ بيع الصّور والصّلبان ، وللحنفيّة قولان في الصّور للصّغار صحّةً وضماناً . ونصّوا على صحّة بيع النّقد الّذي عليه صور ، وعلّلوه بأنّها غير مقصودة منه بوجه ما . وتردّدوا في الصّليب المتّخذ من الذّهب والفضّة ، هل يلحق بالأصنام ، أو بالنّقد الّذي عليه صور ؟
- أ - فرجّحوا إلحاقه بالصّنم إذا أريد به ما هو من شعارهم المخصوص بتعظيمهم .
- ب - ورجّحوا إلحاقه بالنّقد الّذي عليه صور إن أريد به ابتذاله بالاستعمال .
الشّرط الرّابع : أن يلي البيعَ المالكُ أو من يقوم مقامه .
21 - نصّ الفقهاء على أنّ من شروط انعقاد البيع : أن يكون المبيع مملوكاً للبائع أو موكّله أو مولّيه ، وهذا إذا كان العاقد يبيع بالأصالة أو النّيابة .
أمّا إذا كان فضوليّاً بأن يصرّح أنّه يبيع ملك غيره دون إذن ، فلا يكون شرط انعقاد عند من أجاز بيع الفضوليّ ، وتفصيله في مصطلح : ( بيع الفضوليّ ) .
ودليل هذا الشّرط ما روي « عن حكيم بن حزام رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول اللّه : يأتيني الرّجل يسألني البيع ، ليس عندي ما أبيعه ، ثمّ أبتاعه من السّوق ، فقال : لا تبع ما ليس عندك » . قالوا : المراد ما ليس في ملكك وقدرتك .
وقال البغويّ : النّهي في هذا الحديث عن بيوع الأعيان الّتي لا يملكها . وما روي أيضاً في الحديث : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ، ورخّص في السّلَم » . ولأنّ البيع تمليك ، فلا ينعقد فيما ليس بمملوك .
وبناءً عليه : لا ينعقد بيع الكلأ في منابته ، ولو كان في أرض مملوكة ، لأنّه مباح بالنّصّ ، وكذلك الماء في منابعه ما لم يحرز ، وذلك لحديث : « المسلمون شركاء في ثلاث : في الماء والكلأ والنّار » وكذا الطّير في الهواء ، والسّمك في الماء ، كلّ ذلك لا ينعقد بيعه ، لانعدام سبب الملك فيه ، وهو الإحراز .
فإذا جُمِعَ الكلأ ، وصيد الطّير والسّمك ، وحمل الماء من الينابيع والأنهار العامّة ملك ، وجاز بيعه . وفي هذا يروى أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع الماء إلاّ ما حمل منه » . ونذكر هنا فروعاً فقهيّةً تطبيقيّةً لهذا الشّرط :
أ - بيع الفضوليّ :
22 - وهو من ليس بوكيل ولا وليّ عن المالك ، وكذا سائر عقوده :
- فمذهب الحنابلة ، والشّافعيّ في الجديد : أنّه باطل ، وإن أجازه المالك بعد ذلك . للحديث المذكور سابقاً « لا تبع ما ليس عندك » ولأنّه تمليك ما لا يملك ، وبيع ما لا يقدر على تسليمه ، فأشبه بيع الطّير في الهواء .
- ومذهب الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّ في القديم ، وروي عن أحمد أيضاً : أنّ هذا العقد صحيح موقوف على إجارة المالك ، فإن أجازه نفذ ولزم البيع ، وإن لم يجزه وردّه بطل . وذلك لإطلاقات النّصوص في حلّ البيع ، من غير تفصيل بين الأصيل والوكيل ، ابتداءً أو بقاءً وانتهاءً . ولحديث « عروة بن الجعد البارقيّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به شاةً ، فاشترى به شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، ثمّ عاد بالدّينار والشّاة ، فدعا له بالبركة في بيعه » ، وفي رواية أنّه قال له : « بارك اللّه في صفقة يمينك » . وتفصيل الكلام عن بيع الفضوليّ ينظر في مصطلحه .
وبناءً على هذا الشّرط صرّح الفقهاء ببطلان بيع ما يلي :
- 1 - بيع الوقف : وقد صرّحوا ببطلانه ، حتّى الحنفيّة ، وقالوا : إنّه باطل لا فاسد ، فلا يملك بالقبض ( ر مصطلح : وقف )
- 2 - بيع أراضي بيت المال : فقد قرّر بعض الفقهاء أنّها تجري على رقبتها أحكام الوقوف المؤبّدة ( ر مصطلح : أرض ) وأراضي الجزي ( ر مصطلح : جزية ) .
- 3 - بيع المساجد ، ورباع مكّة ، والحرم ، وبقاع المناسك على خلاف وتفصيل في بعض ذلك . ر مصطلحات : ( مسجد ، حرم ، مكّة ) .
- 4 - المعادن الجارية والجامدة ، في الأراضي المملوكة والمحيّاة . وخلاف الفقهاء معروف في جواز بيعها . ر مصطلح : ( أرض ، معدن ، إحياء ) .
ب - ضربة الغائص :
23 - الغائص : من يغوص لاستخراج اللّآلئ من البحر ، يقول : أغوص غوصةً ، فما أخرجته من اللّآلئ فهو لك بكذا .
ومثله القانص ، وهو الصّائد ، يقول : بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشّبكة مرّةً ، بكذا .
وقد جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام حتّى تضع ، وعن بيع ما في ضروعها إلاّ بكيل ، وعن شراء العبد وهو آبق ، وعن شراء المغانم حتّى تقسم ، وعن شراء الصّدقات حتّى تقبض ، وعن ضربة الغائص » . ولا يختلف الفقهاء في فساد هذا البيع ، لأنّه بيع معدوم ، وبيع ما لم يملك ، وبيع مجهول ، وبيع غرر . وصرّح الحنفيّة ببطلانه . ونصّ ابن الهمام على أنّه بيع باطل ، لعدم ملك البائع المبيع قبل العقد ، فكان غرراً ، ولجهالة ما يخرج .
وكذلك الحصكفيّ من الحنفيّة ، وعلّل البطلان بأنّه بيع ما ليس في ملكه .
ج - بيع الصّدقة والهبة قبل القبض :
24 - جمهور الفقهاء يشترطون القبض في التّبرّعات ، كالصّدقة ونحوها ، فما لم تقبض لا تلزم ولا تفيد الملك ، فلا يجوز بيعها قبل قبضها ، كما نصّ عليه حديث « النّهي عن شراء الصّدقات حتّى تقبض » وذلك لعدم الملك . وهذا خلافاً للمشهور في مذهب مالك وآخرين ، والمرويّ عن أحمد في غير المكيلات والموزونات ، من اللّزوم قبل القبض ، وإنّما القبض شرط تمام - كما يقول المالكيّة - لا شرط صحّة ، والانعقاد واللّزوم بالقول . ولذلك يجوز بيعها قبل قبضها لثبوت الملك فيها ، خلافاً لما ملك بالمعاوضة ولم يقبض فلا يجوز بيعه ، كما سيأتي عند الكلام عن بيع ما لم يقبض .
د - بيع الغنيمة قبل القسم :
25 - ممّا يتّصل ببيع ما لم يملك ، مسألة بيع المجاهد نصيبه من الغنيمة ، قبل أن يقسمه له الإمام . وقد ورد النّصّ بها في خصوصها في حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام .. وعن شراء المغانم حتّى تقسم » الحديث .
وفي حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الغنائم حتّى تقسم » . ويرى الفقهاء إباحة أخذ الأطعمة ونحوها من الأقوات من الغنائم قبل قسمتها للحاجة بوجه عامّ ، ولم يبيحوا تملّكها ، ولا تموّلها - كما عبّر الحصكفيّ من الحنفيّة - فدلّ هذا على منع البيع ، ولذلك بحثوا حكم بيعها عند الكلام عن الانتفاع بها . 26 - فنصّ الحنفيّة على أنّه لا يجوز بيع شيء من المذكورات قبل القسمة أصلاً ، ولو كان لحاجة ، وذلك لعدم الملك ، لأنّ الغنائم لا تملك قبل القسمة ، وإنّما أبيح الانتفاع للحاجة ، والمباح لا يملك بالبيع ، وهذا نصّ المرغينانيّ في بدايته : ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة في دار الحرب .
فلو باع شيئاً من المذكورات المباحة له ، كان بيعه فضوليّاً عندهم ، فإن أجازه الإمام ردّ ثمنه إلى المغانم ، فإن كانت المغانم قد قسمت تصدّق بالثّمن إن كان غير فقير ، لأنّه لقلّته لا يمكن قسمته ، فتعذّر إيصاله إلى مستحقّه ، فيتصدّق به كاللّقطة . وإن كان فقيراً أكله .
27 - والمالكيّة قالوا : يجوز - مع - الكراهة - مبادلة الطّعام بمثله أو غيره ، ولو بتفاضل أو تأخير في الطّعام الرّبويّ المتّحد الجنس .
28 - والشّافعيّة خالفوا في ذلك ، وقرّروا أنّه ليس له الطّعام إلى حاجة أخرى ، بدلاً عن طعامه ، وأنّه لا يجوز له إلاّ أكلة فقط ، لأنّه على سبيل الإباحة لا التّمليك .
وهذا كالنّصّ على عدم جواز البيع .
هذا ما قاله الشّافعيّة في بحث الغنائم ، لكن في بحث حكم بيع المبيع قبل قبضه ، قرّروا خلافه . ولما قرّر النّوويّ في منهاجه أنّ الشّخص له بيع ما له في يد غيره أمانةً ، كوديعة ومشترك وقراض ، ومرهون بعد انفكاكه ، علّق القليوبيّ على قولة : " كوديعة " بما نصّه : ومثلة غلّة وقف وغنيمة ، فلأحد المستحقّين أو الغانمين ، بيع حصّته قبل إفرازها . قاله شيخنا . بخلاف حصّته من بيت المال ، فلا يصحّ بيعها قبل إفرازها ورؤيتها ، واكتفى بعض مشايخنا بالإفراز فقط ، ولو مع غيره .
فكلام القليوبيّ هنا ، نقلاً عن شيخه ، يخالف ما تقدّم ، من أنّ له الأخذ على سبيل الإباحة لا التّمليك . فيبدو أنّ هذا بناءً على أحد أقوال ثلاثة عند الشّافعيّة في ملك الغنيمة قبل القسمة : أوّلها : أنّها لا تملك إلاّ بالقسمة ، لكن لا بمجرّدها ، بل إن قبل ما أحرز له أو رضي به ، لأنّ المعتبر هو اختيار التّملّك ، ولا بدّ من اللّفظ بأن يقول : اخترت ملك نصيبي .
وهذا هو القول المعتمد عندهم .
الثّاني : وقيل يملكون قبل القسمة بالاستيلاء ملكاً ضعيفاً يسقط بالإعراض ، ووجّه هذا الشّيخ عميرة البرلّسيّ : بأنّ ملك الكفّار قد زال ، وبعيد بقاؤه بلا مالك .
الثّالث : إن سلمت الغنيمة إلى القسمة ، بانَ ( أي ظهر ملكهم ) بالاستيلاء ، وإلاّ بأن تلفت أو أعرضوا فلا ملك لهم .
فيبدو أنّ صحّة البيع عند شيخ القليوبيّ قبل القسمة ، بناءً على غير المعتمد عندهم .
29 - أمّا الحنابلة فقد نصّ الخرقيّ منهم على أنّ من تعلف فضلاً عمّا يحتاج إليه ، ردّه على المسلمين ، فإن باعه ردّ ثمنه في المقسم .
وعلّلوا وجوب ردّ من فضل معه طعام كثير من الغنائم وأدخله البلد ، إلى مقسّم تلك الغزوة بأنّه : أخذ ما لا يحتاج إليه ، فيلزمه ردّه ، لأنّ الأصل تحريمه ، لكونه مشتركاً بين الغانمين ، كسائر المال ، وإنّما أبيح منه ما دعت الحاجة إليه ، فما زاد يبقى على أصل التّحريم ، ولهذا لم يبح بيعه .
ورووا في ذلك هذا الأثر ، وهو :" أنّ صاحب جيش الشّام كتب إلى عمر رضي الله عنه : إنّا أصبنا أرضاً كثيرة الطّعام والعلف ، وكرهت أن أتقدّم في شيء . فكتب إليه : دع النّاس يعلفون ويأكلون ، فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضّة ، ففيه خمس للّه وسهام المسلمين" وفصّل القاضي من أئمّتهم تفصيلاً دقيقاً ، في هذه المسألة ، وقد ارتضوه ، فقال : لا يخلو إمّا أن يبيعه من غاز أو غيره .
- فإن باعه لغيره ، فالبيع باطل ، لأنّه يبيع مال الغنيمة بغير ولاية ولا نيابة ، فيجب ردّ المبيع ، ونقض البيع . فإن تعذّر ردّه ، ردّ قيمته أو ثمنه ، إن كان أكثر من قيمته إلى المغنم . قال ابن قدامة : وعلى هذا الوجه حمل كلام الخرقيّ
- وإن باعه لغاز لم يحلّ ، إلاّ أن يبدّله بطعام أو علف ، ممّا له الانتفاع به أو بغيره على النّحو التّالي :
- فإن باعه بمثله ، فليس هذا بيعاً في الحقيقة ، إنّما سلّم إليه مباحاً وأخذ مثله مباحاً ، ولكلّ واحد منهما الانتفاع بما أخذ ، وصار أحقّ به ، لثبوت يده عليه . فعلى هذا لو باع صاعاً بصاعين ، وافترقا قبل القبض جاز ، لأنّه ليس ببيع . وإن باعه نسيئةً ، أو أقرضه إيّاه فأخذه ، فهو أحقّ به ، ولا يلزمه إيفاؤه ، فإن وفّاه أو ردّه إليه ، عادت اليد إليه .
- وإن باعه بغير الطّعام والعلف ، فالبيع أيضاً غير صحيح ، ويصير المشتري أحقّ به ، لثبوت يده عليه ، ولا ثمن عليه . وإن أخذ منه وجب ردّه إليه .
30 - ومن هذا يتّضح أنّ الاتّجاه العامّ في الفقه - بغضّ النّظر عمّا روي من قول للشّافعيّة ، وعن حال مبادلة الطّعام بالمثل وغيره عند المالكيّة والحنابلة - هو عدم جواز بيع المغانم قبل القسمة ، كما هو نصّ الحديث الشّريف ، الّذي نهى عن شراء المغانم حتّى تقسم .
وفي هذا يقول الشّوكانيّ : مقتضى النّهي عدم صحّة بيعها قبل القسمة ، لأنّه لا ملك - على ما هو الأظهر من قول الشّافعيّ وغيره - لأحد من الغانمين قبلها ، فيكون ذلك من أكل أموال النّاس بالباطل .
31 - هذا حكم بيع الغزاة الغانمين أنصبتهم وما يأخذونه من الغنائم ، قبل القسمة .
أمّا حكم بيع الإمام الغنائم قبل القسمة ، فقد عرض له الحنفيّة فذكر الطّحاويّ أنّه يصحّ . لأنّه مجتهد فيه ، يعني أنّه لا بدّ أن يكون الإمام رأى المصلحة في ذلك ، وأقلّها تخفيف إكراه الحمل على النّاس ، أو عن البهائم ونحوه ، وتخفيف مؤنته عنهم ، فيقع عن اجتهاد في المصلحة ، فلا يقع جزافاً ، فينعقد بلا كراهة مطلقاً .
كما عرض له المالكيّة أيضاً ، ولهم فيه قولان :
الأوّل : وجوب بيع الإمام الأربعة الأخماس من الغنائم ، ليقسمها بين المجاهدين ، لأنّ قسمة الأثمان أقرب إلى المساواة ، لما يدخل التّقويم من الخطأ .
الآخر : عدم الوجوب ، بل الإمام مخيّر ، فإن شاء باع وقسم الثّمن ، وإن شاء قسم الأعيان بحسب ما يراه من المصلحة .
الشّرط الخامس : أن يكون المبيع مقدور التّسليم .
32 - نصّ الفقهاء على أنّ من شروط المبيع كونه مقدور التّسليم بعد اشتراط كونه مملوكاً . فقد يملك الإنسان مالاً ، ولا يقدر على تسليمه كالجمل الّذي شرد من صاحبه ، فلا يصحّ بيعه في هذه الحال ، لأنّ ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم ، والمعدوم لا يصحّ بيعه - كما تقدّم - فكذا ما أشبهه .
وممّا يمثّل بيع غير مقدور التّسليم : السّمك إذا وقع في البحر بعد امتلاكه ، والطّير المملوك إذا طار في الهواء ، والصّيد إذا انفلت بعد صيده ، ومنه بيع العبد الآبق والشّيء المغصوب . والآبق : من ترك سيّده من غير خوف ولا كدّ عمل . ولهذا قيل : إن كان هروبه من خوف أو تعب ، يقال له : هارب .
33 - والفقهاء متّفقون على فساد هذا العقد وإن تردّد الحنفيّة في الفساد والبطلان مع ما يترتّب على ذلك : من أنّ ارتفاع المفسد يردّ العقد صحيحاً ، لقيام العقد مع الفساد ، بخلاف ارتفاع المبطل ، لأنّ العقد معدوم معه وإن رجّح الكمال منهم الفساد ، لانعدام القدرة فيه على التّسليم . وعلّلوا فساد هذا العقد : - بالنّهي عنه في حديث أبي سعيد المتقدّم « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام ... وعن شراء العبد وهو آبق » .
- ولأنّه لا يقدر على تسليمه ، وهو شرط جوازه .
34 - ومع ذلك ، لو حصل بيع العبد وهو آبق ، ففيه هذه الصّور التّفصيليّة المذهبيّة : الأولى : أن يبيعه المالك ممّن هو في يده . وهذه الصّورة جائزة عند الجمهور ، ، بل قطعاً كما يعبّر الشّافعيّة وهو مقتضى نصّ ابن قدامة وغيره من أنّه : إن حصل في يد إنسان جاز بيعه ، لإمكان تسليمه ، لكنّ المصرّح به في المذهب الحنبليّ أنّه لا يجوز بيعه ولو لقادر على تحصيله . غير أنّ الحنفيّة فصّلوا في صيرورة الّذي هو في يده قابضاً بعد البيع :
أ - فإن كان قبض الآبق حين وجده لنفسه ، لا ليردّه على سيّده ، ولم يشهد على قبضه لسيّده ، فإنّه يصير قابضاً ، لأنّ قبضه هذا قبض غصب ، وهو قبض ضمان ،كقبض المبيع.
ب - وإن أشهد على قبضه عندما وجده لا يصير قابضاً ، لأنّ قبضه هو قبض أمانة ، حتّى لو هلك قبل أن يصل إلى سيّده لا يضمنه ، فلا ينوب عن قبض الضّمان ، وهو قبض المبيع ، لأنّه أقوى ، ولأنّه مضمون بالثّمن ، ولهذا لو هلك قبل أن يرجع إلى مالكه ، انفسخ البيع ورجع بالثّمن .
الثّانية : أن يبيعه المالك ممّن هو في يد غيره . وهذه الصّورة جائزة عند الجمهور ، بشرط القدرة على الانتزاع والتّحصيل - لكن بسهولة كما هو نصّ المالكيّة - وهو الصّحيح من مذهب الشّافعيّة ، والقول الثّاني المصوّب عند الحنابلة ، ومقتضى نصّ ابن قدامة وغيره . لكنّ الحنفيّة نصّوا على فساد هذه الصّورة ، وهذا هو الوجه الآخر عند الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة . وعلّله الشّافعيّة بعجز البائع عن التّسليم .
الثّالثة : أن يبيعه المالك ممّن يقدر على ردّه ، وليس هو في يد أحد .
وهذه الصّورة جائزة عند الجمهور ، وفي القول الثّاني عند الحنابلة .
لكنّ القليوبيّ من الشّافعيّة ، قيّدها بأن يكون المشري قادراً على ردّه بلا مشقّة لا تحتمل عادةً ، وبلا مؤنة لها وقع . والمذهب عند الحنابلة عدم جوازها .
الرّابعة : أن يبيعه ممّن لا يقدر على تحصيله . والإجماع على عدم جوازها ، وهي محمل الحديث .
35 - ويتّصل ببيع الآبق ، بيع المغصوب :
أ - فإن باعه من غاصبه ، جاز بالاتّفاق ، وعبّر الشّافعيّة بالجواز هنا لأنّ المبيع مسلّم بالفعل إلى المشتري ، ( وقبضه بعد البيع ، كقبضه قبله ، في المضمونيّة ) .. وقيّده - مع ذلك - المالكيّة بشرط أن يعلم أنّ الغاصب عزم على ردّه لربّه .
ب - وإن باعه من قادر على انتزاعه أو ردّه صحّ عند الجمهور ، وهو القول الصّحيح عند الشّافعيّة . لكنّهم قيّدوه بتيسّر وصوله إلى المشتري بلا مؤنة ولا مشقّة ملحوظة عليه ، فإن احتاج الرّدّ إلى مؤنة انتفى المنع . كما قيّده المالكيّة بكون الغاصب مقرّاً مقدوراً عليه ، وإلاّ لا . لأنّ المشهور عندهم منع شراء ما فيه خصومة .
والمقرّر أنّه لا يجوز بيع المغصوب عندهم إلاّ من غاصب ، كالحنابلة .
وفي قول للشّافعيّة : أنّه لا يصحّ ، لعجز البائع بنفسه عن التّسليم . وهو رواية عن الإمام أحمد . وصرّح الحنفيّة بأنّ بيع المغصوب من غير الغاصب ينعقد موقوفاً على التّسليم ، فلو سلّم نفذ ، وإلاّ لا . وفرّقوا بين بيع الآبق - فإنّه فاسد بل غير منعقد - وبين بيع المغصوب - فإنّه صحيح - بأنّ المالك في بيع المغصوب قادر على التّسليم بقدرة الحاكم ، إلاّ أنّه موقوف لم ينفذ للحال لقيام يد الغاصب صورةً ، فإذا سلّم زال المانع فينفذ .
وهذا بخلاف الآبق ، لأنّه - كما قال الكاسانيّ - : معجوز التّسليم على الإطلاق إذ لا تصل إليه يد أحد ، لما أنّه لا يعرف مكانه ، فكان العجز متقرّراً ، والقدرة محتملةً موهومةً ، فلا ينعقد مع الاحتمال ، فأشبه بيع الآبق بيع الطّير الّذي لم يوجد وبيع السّمك الّذي لم يوجد ، وذلك باطل ، كذا هذا .
الأسباب الّتي تتعلّق بلازم العقد :
وهي : الرّبا ، وما هو ذريعة إليه ، والغرر .
وفيما يلي أسباب النّهي المتعلّقة بالرّبا .
36 - الرّبا في اللّغة : الزّيادة . وفي الاصطلاح الفقهيّ : عرّفه الحنفيّة بأنّه : فضل - ولو حكماً - خال عن عوض بمعيار شرعيّ ، مشروط لأحد المتعاقدين ، في المعاوضة .
وقَيْدُ الحكميّة ، لإدخال ربا النّسيئة وأكثر البيوع الفاسدة ، لأنّ الرّبا نوعان : ربا الفضل ، وربا النّسيئة .
والرّبا محرّم بالكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة .
قال ابن قدامة : أجمعت الأمّة على أنّ الرّبا محرّم بنوعيه : الفضل والنّسيئة ، ويجري ربا الفضل وربا النّسيئة في بعض مسائل الصّرف وتفصيله في ( الصّرف ) .
والرّبا من الكبائر ، ولم يحلّ في شريعة قطّ لقوله تعالى { يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه وذَرُوا ما بَقِيَ من الرّبا إن كنتم مؤمنين ، فإنْ لم تَفْعَلوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ منَ اللّه ورسولِه ، وإنْ تُبْتُم فلكم رؤوسُ أموالِكم لا تَظْلمون ولا تُظْلمون } وفي الحديث « لعن اللّه آكلَ الرّبا وموكِلَه وكاتِبَه وشاهديه ». وقال : « هم سواء » وليس القصد هنا ذكر أحكام الرّبا وشروطه ومسائله ، بل ينظر تفصيل ذلك تحت عنوان ( رباً ) .
والقصد هنا التّعرّف على أحكام بعض البيوع الرّبويّة ، وهي الّتي ورد النّهي عنها في السّنّة ، ومن هذه البيوع ما يلي :
أ - بيع العينة :
37 - هو : بيع العين بثمن زائد نسيئةً ليبيعها المستقرض بثمن حاضر أقلّ ليقضي دينه ، كما عرّفه الحنفيّة وهناك تعريفات وصور أخرى اختلف الفقهاء فيها وفي حكمها .
وينظر تفصيله في مصطلح : ( بيع العينة ) .
ب - بيع المزابنة :
38 - المزابنة : بيع التمر على النخيل بتمر مجذوذ مثل كيله خرصاً ( أي ظناً وتقديراً ) وذلك بأن يقدر الرطب الذي على النخيل بمقدار مائة صاع مثلاً بطريق الظن والحرز، فيبيعه بقدره من التمر .
واتفق الفقهاء على فساد هذا النوع من البيع . وتفصيله في مصطلح ( بيع المزابنة ) .
ت - بيع المحاقلة :
39 - المحاقلة : بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصاً .
واتّفق الفقهاء على عدم جواز المحاقلة ، لحديث جابر رضي الله عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة » . وللتّفصيل ( ر : بيع المحاقلة ) .
ث - بيع العرايا :
40 - هو : بيع الرّطب على النّخل بتمر في الأرض ، أو العنب في الشّجر بزبيب .
واختلف الفقهاء في جواز العرايا . وينظر تفصيله في مصطلح ( بيع العرايا ) .
ج - بيع العربون :
41 - بيع العربون هو : أن يشتري السّلعة ويدفع إلى البائع درهماً أو أكثر على أنّه إن أخذ السّلعة احتسب به من الثّمن ، وإن لم يأخذها فهو للبائع .
وقد اختلف الفقهاء في جوازه ، فذهب الجمهور إلى أنّه لا يصحّ ، وذهب الحنابلة إلى جوازه على تفصيل ينظر في ( بيع العربون ) .
ح - النّهي عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان :
42 - ورد فيه حديث جابر رضي الله عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطّعام ، حتّى يجري فيه الصّاعان : صاع البائع ، وصاع المشتري » .
وفي معناه ورد أيضاً حديث عثمان رضي الله عنه . « قال : كنت أبتاع التّمر من بطن من اليهود يقال لهم : بنو قينقاع ، وأبيعه بربح ، فبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا عثمان إذا اشتريت فاكْتَل ، وإذا بعت فَكِلْ » .
كما ورد أيضاً حديث يحيى بن أبي كثير « أنّ عثمان بن عفّان ، وحكيم بن حزام رضي الله عنهما . كانا يبتاعان التّمر ، ويجعلانه في غرائر ، ثمّ يبيعانه بذلك الكيل ، فنهاهما رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يبيعاه حتّى يكيلا لمن ابتاعه منهما » .
وهذه الأحاديث تدلّ على أنّ من اشترى شيئاً مكايلةً ، وقبضه ثمّ باعه إلى غيره ، لم يجز تسليمه بالكيل الأوّل ، حتّى يكيله على من اشتراه ثانياً ، وإليه ذهب الجمهور ، كما حكاه ابن حجر في فتح الباري .
ونصّ ابن الهمام على أنّ هذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشّافعيّ وأحمد رضي الله عنهم . وقد اشترط الفقهاء القبض قبل بيع المبيع في الجملة . فهذا من تمام القبض - كما يعبّر الحنفيّة - أو هو شرط في ( صحّة ) قبض المنقول مع نقله . كما يقول الشّافعيّة .
لكن قام الإجماع على عدم اعتبار الكيل فيما بيع جزافاً .
واستثناء الجزاف من الشّرط كان أخذاً من معنى النّصّ ، أو من دليل آخر .
43 - ونذكر هنا بعض الأمثلة التّطبيقيّة الفقهيّة عند الشّافعيّة والحنابلة ، لتقاربهما فيها . المثال الأوّل :
لو كان لبكر طعام مقدّر على زيد ، كعشرة آصع ، ولعمرو على بكر مثله ، فليطلب بكر من زيد أن يكيله له ، حتّى يدخل في ملكه ، ثمّ يكيل بكر لعمرو ، ليكون القبض والإقباض صحيحين ، لأنّ الإقباض هنا متعدّد ، ومن شرط صحّته الكيل ، فلزم تعدّده ، لأنّ الكيلين ، قد يقع بينهما تفاوت . فلو قال بكر لعمرو : اقبض يا عمرو من زيد عنّي مالي عليه لنفسك ، ففعل عمرو ، فالقبض بالنّسبة إلى زيد صحيح عند الشّافعيّة ، وفي إحدى روايتين عند الحنابلة ، وتبرأ ذمّته لوجود الإذن ، وهو إذن الدّائن ، وهو بكر في القبض منه له بطريق الاستلزام ، فأشبه قبضه قبض وكيله .
لكنّ هذا القبض فاسد بالنّسبة إلى عمرو ، لكونه قابضاً من نفسه لنفسه ، لأنّ قبضه مشروط بتقدّم قبض بكر ولم يوجد ، ولا يمكن حصولهما ، لما فيه من اتّحاد القابض والمقبض ، وما قبضه عمرو مضمون عليه ، لأنّه قبضه لنفسه ، فحينئذ يكيله المقبوض له ، وهو بكر ، للقابض ، وهو عمرو ، ويصحّ قبضه له . والرّواية الأخرى عند الحنابلة هي : أنّ هذا القبض غير صحيح ، لأنّه لم يجعله نائباً له في القبض ، فلم يقع له ، بخلاف الوكيل .
وعلى هذه الرّواية يكون المقبوض باقياً على ملك المسلّم إليه ، وهو زيد ، لعدم القبض الصّحيح . بخلافه على الرّواية السّابقة ، فإنّه يكون المقبوض ملكاً لبكر . ويبدو أنّ هذه الرّواية الأخيرة هي الرّاجحة ، فعليها متن الإقناع . ولو قال : اقبضه لي ، ثمّ اقبضه لنفسك ، صحّ القبض لكلّ منهما ، لأنّه استنابه في قبضه له ، وإذا قبضه لموكّله جاز أن يقبضه لنفسه ، كما لو كان له وديعة عند من له عليه دين ، وأذنه في قبضها عن دينه .
هذا ، وإن يكن المثال المذكور ، وهو المثال الأوّل ، في السّلم ، لكنّ التّقييد به ، لأنّه الّذي في كلام الأصحاب من الشّافعيّة ، ومثل السّلم - كما قالوا - دين القرض والإتلاف .
المثال الثّاني :
44 - لو قال بكر لعمرو : احضر اكتيالي من زيد لأقبضه لك ، ففعل ، لم يصحّ قبضه لعمرو ، لعدم كيله ، ويكون بكر قابضاً لنفسه لاكتياله إيّاه .

اِبن الصالحين 05-11-2012 11:40 AM

يتم في المساء ان شاء الله

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:37 PM

المثال الثّالث :
45 - لو قال بكر لعمرو ، خذه بهذا الكيل الّذي قد شاهدته ، فأخذه به صحّ ، لأنّه شاهد كيله وعلمه ، فلا معنى لاعتبار كيله مرّةً ثانيةً . وفي رواية عن أحمد أنّه لا يجزئ ، وذلك للحديث المتقدّم « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطّعام ، حتّى يجري فيه الصّاعان } ... » وهذا داخل فيه . ولأنّه قبضه من غير كيل ، فأشبه ما لو قبضه جزافاً .
المثال الرّابع :
46 - لو قال بكر لعمرو : احضرنا حتّى أكتاله لنفسي ، ثمّ تكتاله أنت ، وفعلا ، صحّ بغير إشكال . ولو اكتال بكر لنفسه ، ثمّ أخذه عمرو بذلك الكيل الّذي شاهده ، فعلى روايتين .
ولو تركه في المكيال ، ودفعه إلى عمرو ، ليفرّغه لنفسه صحّ ، وكان ذلك قبضاً صحيحاً ، لأنّ استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه ، ولا معنى لابتداء الكيل هاهنا ، إذ لا يحصل به زيادة علم . ومع أنّ ابن قدامة أسند إلى الشّافعيّة عدم صحّة القبض ، للنّهي عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان ، وقرّر أنّه يمكن القول بموجب الحديث ، وأنّه يعتبر قبض المشتري له في المكيال إجراءً لصاعه فيه ، إلاّ أنّ ابن حجر نصّ على أنّ الاستدامة في نحو المكيال كالتّجديد ، فتكفي .
المثال الخامس :
47 - لو دفع بكر إلى عمرو دراهم ، فقال : اشتر لك بها مثل الطّعام الّذي لك عليّ ، ففعل ، لم يصحّ ، لأنّه فضوليّ إذ اشترى لنفسه بمال غيره ،لأنّ دراهم بكر لا يكون عوضها لعمرو. والشّافعيّة يعلّلون بأنّه : لا يمكن أن يشتري بمال غيره لنفسه ، والدّراهم أمانة في يده ، فإن اشترى بعينها بطل الشّراء ، وإن اشترى بثمن في ذمّته ، صحّ الشّراء له ، والثّمن عليه . وإن قال : اشتر لي بها طعاماً ، ثمّ اقبضه لنفسك ففعل ، صحّ الشّراء ، ولم يصحّ القبض لنفسه . وعلّله الشّافعيّة بأنّ حقّ الإنسان لا يتمكّن غيره من قبضه لنفسه ، وضمنه الغريم القابض لاستيلائه عليه لنفسه .
وقال الحنابلة : إنّ قبضه لنفسه فرع عن قبض موكّله ، ولم يوجد .
وإن قال : اشتر لي بها طعاماً ( واقبضه لي ) ثمّ اقبضه لنفسك ، ففعل ، جاز ، لأنّه وكّله بالشّراء والقبض ، ثمّ الاستيفاء من نفسه لنفسه ، وذلك صحيح .
وقال الشّافعيّة : صحّ الشّراء والقبض الأوّل دون الثّاني ، لاتّحاد القابض والمقبض ، دون الأوّل . لكنّ الحنابلة قاسوه على مسألة شراء الوالد لنفسه من مال ولده الصّغير ، وهبته له ، وقبضه لنفسه من نفسه . والشّافعيّة يمنعون القياس في هذه الصّورة ، وليس لواحد تولّي الطّرفين عندهم ، ولو بوكالة عنهما . كما يمنعه المالكيّة أيضاً ، لأنّه يصير قابضاً من نفسه لنفسه ، وليس هو ممّن يتولّى طرفي العقد ، فقبضه كلا قبض .
المثال السّادس :
48 - اشترى اثنان طعاماً ، فقبضاه ، ثمّ باع أحدهما نصيبه من الآخر قبل أن يقتسماه :
أ - فيحتمل أن لا يجوز ذلك ، لأنّه لم يقبض نصيبه منفرداً ، فأشبه غير المقبوض .
ب - ويحتمل الجواز ، لأنّه مقبوض لهما ، يجوز بيعه لأجنبيّ ، فجاز بيعه لشريكه ، كسائر الأموال . ولو تقاسماه وافترقا ، ثمّ باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل الّذي كاله ، لم يجز ، كما لو اشترى من رجل طعاماً ، فاكتاله وتفرّقا ، ثمّ باعه إيّاه بذلك الكيل . أمّا لو تقاسماه ولم يفترقا ، وباع أحدهما نصيبه بذلك الكيل ، ففيه روايتان . كما تقدّم في المثال الرّابع .
49 - وقد تناول الحنفيّة هذه المسألة تناولاً خاصّاً ، بالنّصّ والتّفصيل والتّعليل . فقال المرغينانيّ منهم : من اشترى مكيلاً مكايلةً ( أي بشرط الكيل ) أو موزوناً موازنةً ( أي بشرط الوزن ) فاكتاله أو اتّزنه ، ثمّ باعه مكايلةً أو موازنةً ، لم يجز للمشتري منه أن يبيعه ، ولا أن يأكله ، حتّى يعيد الكيل والوزن وذلك لحديثي جابر وعثمان رضي الله عنهما المذكورين سابقاً . ولأنّه يحتمل أن يزيد على المشروط ، وذلك للبائع في المقدّرات ، والتّصرّف في مال الآخرين حرام ، فيجب التّحرّز عنه .
ولأنّ الكيل والوزن والعدّ من تمام القبض ، فأصل القبض شرط لجواز التّصرّف فيه على ما سبق ، فكذا تمامه .
وقد قيّد الحكم المذكور بالشّراء ، لأنّه لو ملكه بهبة أو إرث أو وصيّة ، جاز التّصرّف فيه قبل الكيل . كما أنّ البيع عند الإطلاق ينصرف إلى الكامل ، وهو البيع الصّحيح ، حتّى لو باع ما اشتراه فاسداً ، بعد قبضه مكايلةً ، لم يحتج المشتري الثّاني إلى إعادة الكيل . قال أبو يوسف : لأنّ البيع الفاسد يملك بالقبض ، كالقرض .
كما ألحقوا بالمكيل والموزون المعدود الّذي لا يتفاوت ، كالجوز والبيض ، إذا اشترى معادّةً . وبه قال أبو حنيفة في أظهر الرّوايتين عنه ، فأفسد البيع قبل العدّ ثانياً لاتّحاد الجامع ، وهو : وجوب تعرّف المقدار ، وزوال احتمال اختلاط المالين ، فإنّ الزّيادة فيه للبائع ، خلافاً لما روي عنهما من جواز البيع الثّاني قبل العدّ . وقد ذكر المعدود مع المكيل والموزون في متن الكنز والتّنوير . واستثنوا من الموزون الدّراهم والدّنانير ، لجواز التّصرّف فيهما بعد القبض قبل الوزن في عقد الصّرف أو السّلم ، كبيع التّعاطي ، فإنّه لا يحتاج في الموزونات إلى وزن المشتري ثانياً ، لأنّه صار بيعاً بالقبض بعد الوزن .
ويلاحظ أنّ الحنفيّة استثنوا من هذا الحكم - كغيرهم - المبيع مجازفةً ، إذا لم يكن البائع اشترى مكايلةً ، لأنّ كلّ المشار إليه للمشتري ، فلا يتصوّر فيه اختلاط الملكين .
وكذلك ما إذا باع الثّوب مذارعةً ، لأنّ الزّيادة للمشتري ، إذ الذّرع وصف في الثّوب ، لا يقابله شيء من الثّمن ، بخلاف القدر .
ويبدو أنّ تحديد الأذرع ليس له ما يقابله من الثّمن في أيّامهم ، لأنّ الثّوب في زمانهم ، يطلق على ما يكفي كساءً واحداً ، فلا تضرّ الزّيادة فيه ، ولا تختلط بملك البائع ، بخلاف الأثواب والأقمشة في أيّامنا ، حيث تقتطع منها أذرع لتخاط ثياباً ، فإنّها مقابلة بالثّمن ، وتعتبر من القدر . ومع أنّ بعض الحنفيّة أطلق تحريم البيع قبل إعادة الكيل ، لكنّ الشّرّاح فسّروه بكراهة التّحريم ، وذلك لأنّ النّهي في الحديث المذكور خبر آحاد ، لا تثبت به الحرمة القطعيّة عند الحنفيّة . ومع ذلك ، فلا يقال لآكله : إنّه أكل حراماً ، فقد نصّ في الجامع الصّغير على أنّه : لو أكله ، وقد قبضه بلا كيل ، لا يقال : إنّه أكل حراماً ، لأنّه أكل ملك نفسه ، إلاّ أنّه آثم ، لتركه ما أمر به من الكيل .
50 - ومع أنّ البيع قبل إعادة الكيل مكروه تحريماً ، لكنّ الحنفيّة صرّحوا بفساده .
وهذه عبارة الإمام محمّد في الجامع الصّغير : عن أبي حنيفة ، قال : إذا اشتريت شيئاً ممّا يكال أو يوزن أو يعدّ ، فاشتريت ما يكال كيلاً ، وما يوزن وزناً ، وما يعدّ عدّاً ، فلا تبعه حتّى تكيله وتزنه وتعدّه ، فإن بعته قبل أن تفعل ، وقد قبضته ، فالبيع فاسد في الكيل والوزن . وعلّق ابن عابدين رحمه الله تعالى على هذا بأنّ الفاسد هو البيع الثّاني ، وهو بيع المشتري قبل كيله ، وأنّ الأوّل وقع صحيحاً ، لكنّه يحرم عليه التّصرّف فيه من أكل أو بيع حتّى يكيله ، فإذا باعه قبل كيله ، وقع البيع الثّاني فاسداً ، لأنّ العلّة كون الكيل من تمام القبض ، فإذا باعه قبل كيله ، فكأنّه باع قبل القبض ، وبيع المنقول قبل قبضه لا يصحّ . 51 - ويمكن أن يتّخذ التّصرّف في المكيل والموزون بعد شرائه هذه الصّور، عند الحنفيّة : الأولى : أن يشتري مكايلةً ، ويبيع مكايلةً ، ففي هذه الصّورة لا يجوز للمشتري من المشتري الأوّل أن يبيعه ، حتّى يعيد الكيل لنفسه ، كما كان الحكم في حقّ المشتري الأوّل ، للنّهي عنه في الحديث المتقدّم ، ولاحتمال الزّيادة كما تقدّم .
الثّانية : أن يشتري مجازفةً ، ويبيع كذلك مجازفةً ، فلا يحتاج إلى كيل ، لعدم الافتقار إلى تعيين المقدار .
الثّالثة : أن يشتري مكايلةً ، ويبيع مجازفةً ، فلا يحتاج المشتري الثّاني إلى كيل ، لأنّه لمّا اشتراه مجازفةً ، ملك جميع ما كان مشاراً إليه ، فكان متصرّفاً في ملك نفسه .
الرّابعة : أن يشتري مجازفةً ، ويبيع مكايلةً ، فيحتاج إلى كيل واحد ، إمّا كيل المشتري ، أو كيل البائع بحضرته ، لأنّ الكيل شرط لجواز التّصرّف فيما بيع مكايلةً ، لمكان الحاجة إلى تعيين المقدار الواقع مبيعاً ، وأمّا المجازفة فلا يحتاج إليه .
فبناءً على هذه الصّورة الأخيرة ، تخرج هذه الصّورة الّتي حقّقها ابن عابدين - رحمه الله - وهي : إذا ملك زيد طعاماً ، بيع مجازفةً أو بإرث ونحوه ، ثمّ باعه من عمرو مكايلةً سقط هنا صاع البائع ، لأنّ ملكه الأوّل لا يتوقّف على الكيل ، وبقي الاحتياج إلى كيل للمشتري فقط ، فلا يصحّ بيعه من عمرو بلا كيل ، فهنا فسد البيع الثّاني فقط . ثمّ إذا باعه عمرو من بكر ، فلا بدّ من كيل آخر لبكر ، فهنا فسد البيع الأوّل والثّاني ، لوجود العلّة في كلّ منهما . 52 - وبصدد الكيل المعتبر شرعاً ، نصّ الحنفيّة على أنّه :
أ - لا معتبر بكيل البائع قبل البيع من المشتري الثّاني ، وإن كان كاله لنفسه بحضرة المشتري عن شرائه هو ، لأنّه ليس صاع البائع والمشتري ، وهو الشّرط بالنّصّ .
ب - ولا معتبر بكيله بعد البيع الثّاني ، بغيبة المشتري ، لأنّ الكيل من باب التّسليم ، لأنّ به يصير المبيع معلوماً ، ولا تسليم إلاّ بحضرته .
ج - وإن كاله أو وزنه بعد البيع ، بحضرة المشتري ، ففيه اختلاف المشايخ :
- قيل : لا يكتفى به ، ولا بدّ من الكيل أو الوزن مرّتين ، احتجاجاً بظاهر الحديث .
- وقال عامّتهم : كفاه ذلك ، حتّى يحلّ للمشتري التّصرّف فيه قبل كيله ووزنه إذا قبضه ، وهذا هو الصّحيح ، لأنّ الغرض من الكيل والوزن صيرورة المبيع معلوماً ، وقد حصل ذلك بكيل واحد ، وتحقّق معنى التّسليم . وقد بحث البابرتيّ ، في الاكتفاء بالكيل الواحد في هذه الصّورة ، ونظر إلى تعليل الحكم في الأصل ، باحتمال الزّيادة على المشروط ، وقرّر : أنّ مقتضى ذلك الاكتفاء بالكيل الواحد في أوّل المسألة أيضاً ، وقال : ولو ثبت أنّ وجوب الكيلين عزيمة ، والاكتفاء بالكيل الواحد رخصة ، أو قياس واستحسان ، لكان ذلك مدفعاً جارياً على القوانين ( أي القواعد ) لكن لم أظفر بذلك .
خ - بيع الكالئ بالكالئ :
53 - الكالئ مأخوذ من : كلأ الدّين يكلأ ، مهموز بفتحتين ، كلوءاً : إذا تأخّر ، فهو كالئ بالهمز ، ويجوز تخفيفه ، فيصير مثل القاضي . وكان الأصمعيّ لا يهمزه . قال : هو مثل القاضي ، ولا يجوز همزه . وبيع الكالئ بالكالئ هو : بيع النّسيئة بالنّسيئة .
قال أبو عبيد : صورته : أن يسلّم الرّجل الدّراهم في طعام إلى أجل ، فإذا حلّ الأجل يقول الّذي عليه الطّعام : ليس عندي طعام ولكن بعني إيّاه إلى أجل . فهذه نسيئة انقلبت إلى نسيئة . فلو قبض الطّعام ، ثمّ باعه منه أو من غيره ، لم يكن كالئاً بكالئ .
ولا يخرج المعنى الشّرعيّ عن المعنى اللّغويّ ، إذ هو بيع الدّين بالدّين .
وقد ورد النّهي عنه في حديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ » ، وقال : « هو النّسيئة بالنّسيئة » .
وفسّر أيضاً ببيع الدّين ، كما ورد التّصريح به في رواية .
وفي بيع الدّين صورتان : بيعه من المدين نفسه ، وبيعه من غيره .
ولا يختلف الفقهاء في عدم جواز بيع الدّين من غير مَنْ عليه الدّين .
وإنّما اختلفوا في جواز بيعه ممّن هو عليه ، وجمهورهم - بوجه عامّ - لا يجيزه ، إلاّ في أحوال معيّنة ، خلافاً للحنفيّة . وفيما يلي عرض لأهمّ الصّور والتّقاسيم الّتي يطرحها الفقهاء في هذا الصّدد ، مع تبيان أحكامها .
54 - مذهب المالكيّة : ويتّخذ العقد على الدّين عندهم صوراً شتّى :
أ - فسخ ما في ذمّة المدين أي إسقاطه في شيء يتأخّر قبضه عن وقت الفسخ ، سواء أحلّ الدّين المفسوخ أم لا ، إن كان المؤخّر من غير جنسه أو من جنسه بأكثر منه ، وسواء أكان المفسوخ فيه معيّناً كالعقار ، أم كان منافع ذات معيّنة كركوب دابّة . فهذا غير جائز ، وهو من ربا الجاهليّة ، وهو أشدّ الأنواع تحريماً ، وتحريمه بالكتاب .
ب - بيع الدّين بدين لغير من هو عليه ولو حالاً : وهذا ممنوع بالسّنّة .
فمن له دين على زيد ، ولآخر دين على عمرو ، فباع كلّ منهما دينه بدين صاحبه ، كان محرّماً بالسّنّة ، وهو فاسد .
أمّا بيعه بمعيّن يتأخّر قبضه كعقار ، أو بمنفعة ذات معيّنة ، كما لو كان لزيد دين على عمرو ، فباع زيد ذلك الدّين لخالد بما ذكر ، فإنّه جائز . وقد اعتبر العقار ومنافع الذّات المعيّنة من قبيل الحاضر ولو تأخّر تسليمه ، لأنّ ذلك ليس ممّا يضمن في الذّمّة إذ لا تثبت المعيّنات في الذّمّة فهما نقد بهذا المعنى . أي حاضر ينقد ولا يثبت بالذّمّة .
ج - تأخير رأس مال السّلم أكثر من ثلاثة أيّام ، وهو عين ، فهذا منهيّ عنه غير جائز ، لما فيه من ابتداء دين بدين . ووجه كون هذا من ابتداء الدّين بالدّين ، أنّ كلّاً منهما شغل ذمّة صاحبه بدين له عليه . أمّا لو كان رأس المال غير عين ، فإنّه يجوز تأخيره أكثر من ثلاثة أيّام ، إن لم يكن بشرط . فكلّ واحد من هذه الصّور الثّلاث يقال له بيع الدّين بالدّين لغةً ، إلاّ أنّ فقهاء المالكيّة سمّوا كلّ واحد منها باسم يخصّه .
هذه أقسام بيع الدّين بالدّين عند المالكيّة إذاً وأحكامها .
أمّا بيع الدّين بالنّقد ، فإنّه لا يجوز ، إلاّ إذا كان المدين حيّاً حاضراً في البلد ، وإن لم يحضر مجلس البيع ، وأقرّ بالدّين ، وكان ممّن تأخذه الأحكام ( أي من المكلّفين ) ، وبيع الدّين بغير جنسه ، أو بيع بجنسه وكان متساوياً ، لا أنقص ولا أزيد ، وليس ذهباً بفضّة ولا عكسه ، وليس بين المشتري والمدين عداوة .
ويشترط أن يكون الدّين ممّا يجوز أن يباع قبل قبضه ، وهذا احتراز من طعام المعاوضة . قال الدّسوقيّ : فإن وجدت تلك الشّروط جاز بيعه ، وإن تخلّف شرط منها منع البيع .
55 - ومذهب الشّافعيّ الجديد ، وهو رواية عن الإمام أحمد : جواز الاستبدال عن الثّمن الّذي في الذّمّة . ومذهبه القديم هو المنع .
ودليل المذهب الجديد ، وهو نفسه دليل الحنابلة في هذه الرّواية ، حديث « ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنت أبيع الإبل بالدّنانير ، وآخذ مكانها الدّراهم ، وأبيع بالدّراهم ، وآخذ مكانها الدّنانير ، فأتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك ، فقال : لا بأس إذا تفرّقتما وليس بينكما شيء » . قالوا : وهذا تصرّف في الثّمن قبل قبضه ، وهو أحد العوضين . ودليل المذهب القديم : حديث : « إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتّى تقبضه » .
فإن استبدل بموافق في علّة الرّبا ، كدراهم بدنانير ، اشترط قبض البدل في المجلس .
وإن استبدل بغير موافق في علّة الرّبا ، كما لو اشترى ثوباً بدراهم في الذّمّة ، لم يشترط ذلك . أمّا بيع الدّين لغير من هو عليه ، فباطل في الأظهر من مذهب الشّافعيّة ، وهو باطل أيضاً في مذهب الحنابلة . كما لو اشترى ثوباً من زيد بمائة له على عمرو ، وذلك لعدم القدرة على التّسليم . وفي قول ثان للشّافعيّة ، يصحّ ، وصحّحه في أصل الرّوضة ، مخالفاً للرّافعيّ ، وهو المعتمد ، نظراً لاستقرار الدّين ، كبيعه ممّن هو عليه .
لكن يشترط في هذا قبض العوضين في المجلس ، فلو تفرّقا قبل قبض أحدهما في البيع . وإن كان مقتضى كلام الأكثرين يخالفه ، كما ذكره المحلّيّ .
أمّا لو كان لزيد وعمرو دينان على شخص ، فباع زيد عمراً دينه بدينه ، بطل قطعاً بلا خلاف ، اتّفق الجنس أو اختلف ، وذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ » .
56 - ومذهب الحنابلة بطلان بيع الدّين بدين ممّن هو عليه ، أو من غيره مطلقاً . وذكروا له صوراً ، سوى ما وافقوا فيه مذهب الشّافعيّة من بعض الصّور ممّا ذكرنا . وقال في ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنّ بيع الدّين بالدّين لا يجوز . وقال أحمد : إنّما هو إجماع
57 - بقي أن نشير إلى موقف الحنفيّة المتميّز بالتّفرقة بين بيع الدّين ممّن هو عليه ، وبين بيعه مِنْ غير مَنْ هو عليه ، وأنّ التّصرّف الجائز في الدّين ، هو تمليكه ممّن عليه الدّين ، ولو بعوض ، ولا يجوز من غيره كما نقله الحصكفيّ عن ابن ملك .
واستثنوا ثلاث صور أجازوا فيها تمليك الدّين لغير من هو عليه .
الأولى : إذا سلّط الدّائن غيره على قبض الدّين ، فيكون وكيلاً قابضاً للموكّل ، ثمّ لنفسه . الثّانية : الحوالة واستثناء جوازها إجماع - كما صرّح به الشّافعيّة .
الثّالثة : الوصيّة . ومعنى عدم الجواز هنا : عدم الانعقاد ، وبذلك عبّر الكاسانيّ فقال : ولا ينعقد بيع الدّين من غير من عليه الدّين ، لأنّ الدّين إمّا أن يكون عبارةً عن مال حكميّ في الذّمّة ، وإمّا أن يكون عبارةً عن فعل تمليك المال وتسليمه ، وكلّ ذلك غير مقدور التّسليم في حقّ البائع . ولو شرط التّسليم على المدين لا يصحّ أيضاً ، لأنّه شرط التّسليم على غير البائع ، فيكون شرطاً فاسداً ، فيفسد البيع . ويجوز بيعه ممّن هو عليه ، لأنّ المانع هو العجز عن التّسليم ، ولا حاجة إلى التّسليم هاهنا . ونظيره بيع المغصوب ، فإنّه يصحّ من الغاصب ، ولا يصحّ من غيره ، إذا كان الغاصب منكراً ، ولا بيّنة للمالك . ويمكن لزيادة التّفصيل والتّصوير ، في بيع الكالئ بالكالئ ، مراجعة مصطلح : ( ربا ، صرف ، دين ) .
د - بيع اللّحم بالحيوان :
58 - ورد فيه حديث سعيد بن المسيّب « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللّحم بالحيوان » وفي لفظ : « نهى عن بيع الحيّ بالميّت » .
ويتوزّع البحث في هذه المسألة على النّقاط التّالية :
أوّلاً : هل اللّحم كلّه جنس واحد ؟
59 - هذه مسألة خلافيّة بين الفقهاء ، وهي كالأصل بالنّسبة إلى ما بعدها .
- أ - فمذهب الحنفيّة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة ، والأصحّ عند الحنابلة : هو أنّ اللّحم أجناس ، باختلاف أصوله : فالإبل بأنواعها - العرّاب والبخاتيّ والهجين ، وذي السّنامين ، وذي السّنام الواحد - كلّها جنس واحد ، فكذا لحومها . والبقر والجواميس جنس واحد . والغنم والمعز جنس واحد . ويحتمل أن يكونا صنفين ، لأنّ القرآن فرّق بينهما كما فرّق بين الإبل والبقر ، فقال : { ثمانيةَ أزواجٍ : من الضّأْنِ اثنينِ ومن المعزِ اثنين } .. { ومِنَ الإبِلِ اثنين ، ومن البقرِ اثنينِ } .
والوحش أصناف : بقرها صنف ، وغنمها صنف ، وظباؤها صنف .
والطّير أصناف ، كلّ ما انفرد باسم وصفة فهو صنف .
- ب - والأظهر عند الشّافعيّة ، وقول الخرقيّ من الحنابلة ، ورواية عن الإمام أحمد : أنّ اللّحم كلّه جنس واحد .
- ج - ويبدو من تمثيل المالكيّة للجنس الواحد ببيع لحم بقريّ بكبش حيّ ، ولغير الجنس ببيع الحيوان الحيّ بلحم طير أو سمك : أنّهم يعتبرون لحوم الأنعام جنساً ، ولحوم الطّير جنساً ، ولحوم الأسماك جنساً . ونصّ ابن جزيّ على أنّ اللّحوم عند مالك ثلاثه أصناف : فلحم ذوات الأربع صنف ، ولحم الطّيور صنف ، ولحم الحيتان صنف .
ثانياً : بيع اللّحم بحيوان من جنسه :
60 - لا يستجيز جمهور الفقهاء بيع اللّحم بحيوان من جنسه ، كلحم شاة بشاة حيّة ، وذلك : للنّهي عن بيع اللّحم بالحيوان في الحديث المتقدّم - كما يقول الشّافعيّة - ولأنّه مال ربويّ ، بيع بما فيه من جنسه مع جهالة المقدار ، فلم يجز كبيع السّمسم بالشّيرج . ولأنّه بيع معلوم - وهو اللّحم - بمجهول وهو الحيوان ، وهو المزابنة ، كما يقول المالكيّة .
فهذا قول مالك ، وهو محمل الحديث عنده : أن يباع حيوان مباح الأكل بلحم من جنسه ، وهو مذهب الشّافعيّ ، وهو أيضاً المذهب عند الحنابلة ، بلا خلاف . وأجاز الحنفيّة هذا البيع ، ولكن : منهم من اعتبرهما جنسين مختلفين ( لأنّ أحدهما موزون ، والآخر معدود ) فبنوا عليه جواز بيعهما مجازفةً ، عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، لأنّه باع الجنس بخلاف الجنس . ومنهم من اعتبرهما جنساً واحداً ، وبنوا مذهبهما - أي مذهب الشّيخين - على أنّ الشّاة ليست بموزونة ، فيجوز بيع أحدهما بالآخر ، مجازفةً ومفاضلةً ، لأنّ ربا الفضل يعتمد اجتماع الوصفين : الجنس والقدر ، لكن بشرط التّعيين كما عبّر الحصكفيّ ( أي التّقابض ) أو يداً بيد ، كما عبّر الكاسانيّ - وقال : هو الصّحيح - والبابرتيّ .
أمّا نسيئةً فلا يجوز ، لأنّهما عندئذ سلم ، وهو في كلّ منهما غير صحيح ، كما نقله ابن عابدين عن النّهر . لكنّ الإمام محمّداً ، شرط في جواز بيع اللّحم بحيوان من جنسه ، أن يكون اللّحم المفرز أكثر من الّذي في الشّاة ، ليكون لحم الشّاة بمقابلة مثله من اللّحم ، والباقي بمقابلة الإسقاط ، إذ لو لم يكن كذلك يتحقّق الرّبا ، فلا يجوز عنده ، وذلك عملاً بالحديث المتقدّم . ولأنّهما جنس واحد ، ولهذا لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئةً ، فكذا متفاضلاً ، كالزّيت بالزّيتون .
ثالثاً : بيع اللّحم بحيوان من غير جنسه :
61 - كبيع الشّاة الحيّة بلحم الإبل أو البقر عند غير المالكيّة ، وكبيع الشّاة الحيّة بلحم طير أو سمك عند المالكيّة .
أجاز هذه الصّورة جمهور الفقهاء ، من الحنفيّة والمالكيّة ، وهو غير الأظهر عند الشّافعيّة ، اختاره القاضي من الحنابلة ، ورواية عن الإمام أحمد ، عليها متن الإقناع .
وعلّل ذلك الحنفيّة ، بأنّهما أصلان مختلفان ، فهما جنسان مختلفان فيجوز بيعهما ( مطلقاً ) مجازفةً ، نقداً ونسيئةً ، لانعدام الوزن والجنس ، فلا يتحقّق الرّبا أصلاً .
ومع أنّ المالكيّة أجازوا - على اصطلاحهم في أجناس اللّحوم - بيع اللّحم بغير جنسه مطلقاً ، لكنّهم قيّدوه بأن يكون حالاً . أمّا إن كان إلى أجل فلا يجوز ، إذا كان الحيوان لا يراد للقنيّة ، وإلاّ فيجوز بيعه بلحم من غير جنسه لأجل .
كما قرّر الشّافعيّة أنّ القول بالجواز مبنيّ على أنّ اللّحوم أجناس ، وعلّلوا الجواز بأنّه قياس على بيع اللّحم باللّحم . قالوا : وهذا في المأكول ، وأمّا في غيره فوجه الجواز فيه هو : أنّ سبب المنع بيع مال الرّبا بأصله المشتمل عليه ، ولم يوجد ذلك هنا .
وعلّل من قال من الحنابلة بجوازه : بأنّه مال الرّبا بيع بغير أصله فجاز ، كما لو باعه بالأثمان . ولم يجز هذه الصّورة - أعني بيع اللّحم بحيوان من غير جنسه - الشّافعيّة في الأظهر من أقوالهم ، ولا الحنابلة في الظّاهر من مذهبهم ، وصرّحوا بالبطلان ، وذلك : لعموم نصّ الحديثين السّابقين . ولأنّ اللّحم كلّه جنس واحد .
ويلاحظ أنّ صاحب الشّرح الكبير الحنبليّ صرّح بأنّ سبب الاختلاف في بيع اللّحم بغير جنسه ، مبنيّ على الاختلاف في اللّحم ، فإنّ القائلين بأنّه جنس واحد لا يجيزون البيع ، والقائلون بأنّه أجناس يجيزونه . كما يلاحظ أنّ الشّافعيّة : أطلقوا اللّحم في الحديث ، حتّى لو كان لحم سمك أو ألية أو كبداً أو طحالاً . وأطلقوا الحيوان ، حتّى لو كان سمكاً أو جراداً ، مأكولاً كالإبل ، أو غير مأكول كالحمار ، فبيع اللّحم بالحيوان عندهم باطل مطلقاً في الأظهر .
رابعاً : بيع اللّحم بحيوان غير مأكول :
62 - الجمهور من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على جواز هذه الصّورة ، وهو قول عند الشّافعيّة . قال ابن قدامة : وإن باعه بحيوان غير مأكول جاز في ظاهر قول أصحابنا ، وهو قول عامّة الفقهاء . كما علّل الشّافعيّة ما ذهب إليه بعضهم من الجواز في هذه الصّورة : بأنّ سبب المنع هو بيع مال الرّبا بأصله المشتمل عليه ، ولم يوجد ذلك هنا . لكنّ الأظهر عندهم - كما تقدّم آنفاً - تحريم بيع اللّحم بالحيوان بإطلاق للحديث .
ذ - بيع الرّطب بالتّمر :
63 - ورد النّهي عن بيع الرّطب بالتّمر في حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه ، « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : سئل عن بيع الرّطب بالتّمر ، فقال : أينقص الرّطب إذا جفّ ؟ قالوا : نعم ، قال : فلا إذاً » وفي رواية أنّه قال : « لا يباع رطب بيابس » .
ولا يستجيز جمهور الفقهاء : مالك والشّافعيّ وأحمد والصّاحبان من الحنفيّة هذا البيع ، ونحوه : كالعنب بالزّبيب ، واللّبن بالجبن ، والحنطة الرّطبة باليابسة ، وذلك :
للحديث المذكور ، قالوا : وفيه إشارة إلى أنّ المماثلة تعتبر عند الجفاف ، وإلاّ فالنّقص أوضح من أن يسأل عنه ، وهي مجهولة الآن .
ولأنّه جنس فيه الرّبا ، بيع بعضه ببعض ، على وجه ينفرد أحدهما بالنّقصان ، فلم يجز . وعبارة الخرقيّ ولا يباع شيء من الرّطب بيابس من جنسه ، إلاّ العرايا .
وربّما اعتبره بعض المالكيّة من المزابنة ، وهي - بتفسير ابن جزيّ - بيع شيء رطب بيابس من جنسه ، سواء أكان ربويّاً أم غير ربويّ ، فتمتنع في الرّبويّ ، لتوقّع التّفاضل والغرر ، وتمتنع في غير الرّبويّ للنّهي الوارد عنها في الحديث ، وللغرر .
64 - وتفرّد أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بالقول بالجواز - كما يقول الكمال بن الهمام ومتون الحنفيّة عليه . ونصّ الحصكفيّ على أنّه : يجوز بيع رطب برطب ، أو بتمر متماثلاً .. في الحال لا المآل ، خلافاً لهما ، فلو باع مجازفةً لم يجز اتّفاقاً .
وقد استدلّ أبو حنيفة بحديث عبادة بن الصّامت رضي الله عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ، يداً بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف ، فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يداً بيد » .
ففي وجه الاستدلال بهذا الحديث يقول أبو حنيفة :
الرُّطَب : إمّا أن يكون تمراً ، أو لا يكون . فإن كان تمراً ، جاز العقد عليه ، لقوله في أوّل الحديث : « التّمر بالتّمر » ، وإن كان غير تمر ، جاز العقد عليه أيضاً ، لقوله في آخر الحديث : « إذا اختلف النّوعان فبيعوا كيف شئتم » . ولم يأخذ بحديث النّهي السّابق لأنّه دائر على زيد بن عيّاش ، وزيد بن عيّاش ممّن لا يقبل حديثه وهو مجهول وعلى تقدير صحّته ، فقد ورد بلفظ « نهى عن بيع الرّطب بالتّمر نسيئةً » وهذه زيادة يجب قبولها . ولاستكمال مبحث بيع الرّطب بالتّمر ، وما يتّصل به من التّفاصيل والأحكام .
يراجع مصطلح ( رباً ) .
ر- بيع وسلف :
65 - ورد فيه حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » وفي رواية « عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنّه قال : يا رسول اللّه : إنّا نسمع منك أحاديث ، أفتأذن لنا بكتابتها ؟ قال : نعم . فكان أوّل ما كتب النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكّة : لا يجوز شرطان في بيع واحد ، ولا بيع وسلف جميعاً ، ولا بيع ما لم يضمن ... » الحديث .
وقد فسّر محمّد بن الحسن رحمه الله تعالى السّلف والبيع بأنّه قول الرّجل للرّجل : أبيعك داري هذه بكذا وكذا ، على أن تقرضني كذا وكذا . وبهذا تئول المسألة إلى موضوع البيع بشرط ، ولا يختلف الفقهاء في فساد البيع بذلك ، في الجملة .
وصرّح ابن جزيّ بأنّ البيع باشتراط السّلف من أحد المتبايعين لا يجوز بإجماع ، وإن يكن بطلان الشّرط وحده روايةً واحتمالاً عند الحنابلة .
والمالكيّة ، حينما تحدّثوا عن بيوع الآجال - وهي بيوع ظاهرها الجواز ، لكنّها تؤدّي إلى ممنوع - منعوا بيع ما كثر قصد النّاس إليه ، توصّلاً إلى الرّبا الممنوع ، كأن كان جائزاً في الظّاهر ، وذلك للتّهمة ، وسدّ الذّريعة ، ومثّلوا لها : باجتماع بيع وسلف ، أو سلف جرّ منفعةً ، أو ضمان بجعل . وصوّروا البيع والسّلف بصور ثلاث :
الأولى : بيع جائز في الظّاهر يؤدّي - كما يقول الدّردير - إلى بيع وسلف ، فإنّه يمنع للتّهمة ، على أنّهما قصدا البيع والسّلف الممنوع . وذلك كأن يبيع سلعتين بدينارين لشهر ، ثمّ يشتري إحداهما بدينار نقداً ، فآل الأمر إلى أنّ البائع أخرج من يده سلعةً وديناراً نقداً ، لأنّ السّلعة الّتي خرجت من يده ثمّ عادت إليها ملغاة كما يقول الدّسوقيّ ثمّ أخذ عنهما عند الأجل دينارين ، أحدهما عن السّلعة وهو بيع ، والآخر عن الدّينار وهو سلف .
فهذه الصّورة تؤدّي إلى بيع وسلف ، وهو جائز في ظاهره ، ولا خلاف في المذهب في منعه ، صرّح بذلك ابن بشير وتابعوه ، وغيرهم .
وحيث تكرّر في هذه الصّورة البيع ، منعت عندهم ، لتهمة قصد البيع والسّلف .
الثّانية : بيع وسلف بشرط من البائع أو المشتري . وهذه الصّورة ممنوعة غير جائزة ، لأنّ الانتفاع بالقرض هو من جملة الثّمن ، إن كان شرط السّلف صادراً من البائع ، أو هو من جملة المثمّن - أي المبيع - إن كان شرط السّلف صادراً من المشتري، ففيه سلف جرّ نفعاً. الثّالثة : بيع وسلف بلا شرط ، لا صراحةً ولا حكماً ، وهي جائزة على المعتمد .
ز- بيع وشرط :
66 - ورد النّهي في السّنّة عن ( بيع وشرط ) ومن ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط » .
وينظر تفصيله في مصطلح : ( بيع ، وشرط )
أسباب النّهي المتعلّقة بالغرر :
67 - هذا هو السّبب الثّاني من أسباب النّهي عن البيع ، ممّا يتعلّق بلازم العقد ، وكان الأوّل هو الرّبا . وقد ورد النّهي عن بيوع الغرر ، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة ، وعن بيع الغرر » . وغيره ممّا سيأتي . والغرر في اللّغة هو : الخطر .
وله في اصطلاح الفقهاء تعريفات شتّى . فهو عند الحنفيّة : ما طوي عنك علمه .
وعند بعض المالكيّة : التّردّد بين أمرين : أحدهما على الغرض ، والثّاني على خلافه .
وعند الشّافعيّة : ما انطوت عنّا عاقبته ، أو : ما تردّد بين أمرين أغلبهما أخوفهما .
ويرى بعض المالكيّة أنّ الغرر والخطر لفظان مترادفان بمعنًى واحد ، وهو ما جهلت عينه . ويرى المحقّقون منهم أنّهما متباينان :
فالخطر : ما لم يتيقّن وجوده ، كما لو قال : بعني فرسك بما أربح غداً .
والغرر : ما يتيقّن وجوده ، ويشكّ في تمامه ، كبيع الثّمار قبل بدوّ صلاحها .
68 - وقد تقدّمت صور ينطبق عليها الغرر ، عند الكلام عن شروط انعقاد البيع ، منها : كون المبيع مالاً موجوداً مملوكاً مقدور التّسليم ، فلا يصحّ بيع الحمل في بطن أمّه ، ولا ما سيخرجه الصّيّاد في شبكته ، ولا الطّير في الهواء ، ولا الجمل الشّارد . إلخ .
والغرر نوعان : أحدهما : ما يرجع إلى أصل وجود المعقود عليه ، أو ملكيّة البائع له ، أو قدرته على تسليمه ، فهذا يوجب بطلان البيع ، فلا ينعقد البيع اتّفاقاً في شيء من ذلك . والآخر : ما يرجع إلى وصف في المعقود عليه أو مقداره ، أو يورث فيه أو في الثّمن أو في الأجل جهالةً . فهذا محلّ خلاف . تفصيله في مصطلح ( غرر ) .
وفيما يلي صور الغرر الّتي ورد النّهي فيها بخصوصها ، والحكم الفقهيّ فيها ، من البطلان أو الفساد . إذ النّهي عن بيع الغرر - كما يقول النّوويّ - أصل من أصول الشّرع ، يدخل تحته مسائل كثيرة جدّاً . منها : بيع الحصاة وبيع الملامسة وبيع المنابذة . وتنظر في مصطلحاتها . ومنها ما يلي :

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:38 PM

أ - بيع الجنين وهو في بطن أمّه :
69 - وهو بيع الحمل ، كما عبّرت بعض المراجع الفقهيّة .
والجنين هو : الولد ما دام في بطن أمّه ، ويجمع على أَجِنّةً ، كدليل وأدلّة . ومثل الجنين أيضاً : الملقوح والملقوحة ، وجمعهما ملاقيح ، وهي : ما في الأرحام والبطون من الأجنّة ، بتفسير الحنفيّة والجمهور ، خلافاً للمالكيّة في تفسير الملاقيح بما في ظهور الفحول . وورد النّهي في الحديث عن بيع الجنين ما دام مجتنّاً حتّى يولد ، عن أبي سعيد رضي الله عنه ، قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام حتّى تضع » . وتقدّم الإجماع - كما صرّح ابن المنذر - على بطلان هذا البيع ( ر : ف 5 ) للنّهي عنه في الحديث وللغرر ، فعسى أن لا يولد ، ولأنّ فيه جهالةً في صفته وحياته ، ولأنّه غير مقدور على تسليمه . وذكره هنا للغرر فقط ، لكنّه من النّوع الأوّل منه ، وهو الغرر المتعلّق بالمعقود عليه نفسه ، من حيث أصل وجوده ، ولهذا كان النّهي عنه مستوجباً للبطلان عند الجميع ، حتّى في اصطلاح الحنفيّة ، الّذين يفرّقون بين البطلان - وبين الفساد .
ب - بيع الثّمر قبل أن يبدو صلاحه :
70 - ويسمّى أيضاً المخاضرة ، كما ورد في بعض النّصوص . وورد النّهي عن ذلك في أحاديث كثيرة منها : حديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثّمار حتّى يبدو صلاحها ، نهى البائع والمبتاع » وفي لفظ آخر : « نهى عن بيع النّخل حتّى تزهو ، وعن بيع السّنبل حتّى يبيضّ ويأمن العاهة » . وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « لا تبتاعوا الثّمار حتّى يبدو صلاحها » . وجاء مفسّراً في حديث أنس رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها ، وعن بيع النّخل حتّى يزهو ، قيل : ما يزهو ؟ قال : يَحْمارّ أو يَصْفارّ » . وفي بعض الرّوايات عن أنس « حتّى تُزهي ، فقيل له : وما تزهي ؟ قال : تحمرّ » . كما جاء بدوّ الصّلاح مفسّراً في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها » . « وكان إذا سئل عن صلاحها ، قال : حتّى تذهب عاهتها » . وفي حديث أنس رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع العنب حتّى يسودّ ، وعن بيع الحبّ حتّى يشتدّ » .
وورد في الصّحيح التّعبير بلفظ ثالث ، وهو : التّشقيح ، وهذا في حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن تباع الثّمرة حتّى تشقح فقيل : ما تشقح ؟ . قال : تَحْمارّ وتصفارّ ، ويؤكل منها » .
معنى بدوّ الصّلاح :
71 - فسّر الفقهاء بدوّ الصّلاح بمعان شتّى :
فالحنفيّة قالوا في تفسيره : أن تؤمن العاهة والفساد ، وإن كان بعضهم - كالكرلانيّ - فسّره بأن تصلح الثّمرة لتناول بني آدم ، وعلف الدّوابّ . والمالكيّة فسّروه تفسيراً مختلفاً نسبيّاً : فهو في التّمر : أن يحمرّ ويصفرّ ويزهو ، وفي العنب : أن يسودّ وتبدو الحلاوة فيه ، وفي غيرهما من الثّمار : حصول الحلاوة ، وفي الخسّ والعصفر : أن ينتفع بهما ، وفي سائر البقول : أن تطيب للأكل ، وفي الزّرع والحبّ : أن ييبس ويشتدّ .
وأرجع الشّافعيّة بدوّ الصّلاح في الثّمر وغيره كالزّرع ، إلى ظهور مبادئ النّضج والحلاوة ، فيما لا يتلوّن منه ، أمّا فيما يتلوّن فبأن يأخذ في الحمرة أو السّواد أو الصّفرة . وذكروا ثماني علامات يعرف بها بدوّ الصّلاح .
أحدها : اللّون ، في كلّ ثمر مأكول ملوّن ، إذا أخذ في حمرة ، أو سواد أو صفرة ، كالبلح والعنّاب والمشمش والإجّاص .
ثانيها : الطّعم ، كحلاوة القصب وحموضة الرّمّان .
ثالثها : النّضج واللّين ، كالتّين والبطّيخ .
رابعها : بالقوّة والاشتداد ، كالقمح والشّعير .
خامسها : بالطّول والامتلاء ، كالعلف والبقول .
سادسها : الكبر كالقثّاء ، بحيث يؤكل .
سابعها : انشقاق أكمامه ، كالقطن والجوز .
ثامنها : الانفتاح ، كالورد . وما لا أكمام له كالياسمين ، فظهوره ، ويمكن دخوله في الأخير . ووضع له القليوبيّ هذا الضّابط ، وهو : بلوغ الشّيء إلى صفة أي حالة يطلب فيها غالباً . ووضع الحنابلة هذا الضّابط : ما كان من الثّمرة يتغيّر لونه عند صلاحه ، كثمرة النّخل والعنب الأسود والإجّاص ، فبدوّ صلاحه بتغيّر لونه ، وإن كان العنب أبيض فصلاحه بتموّهه ، وهو : أن يبدو فيه الماء الحلو ويلين ويصفرّ لونه . وإن كان ممّا لا يتلوّن كالتّفّاح ونحوه ، فبأن يحلو ويطيب . وإن كان بطّيخاً أو نحوه ، فبأن يبدو فيه النّضج . وإن كان ممّا لا يتغيّر لونه ، ويؤكل طيّباً صغاراً وكباراً ، كالقثّاء والخيار ، فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادةً . وحكمة النّهي عن بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه : هي خوف تلف الثّمرة ، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها . وثبت في حديث أنس رضي الله عنه « أرأيت إذا منع اللّه الثّمرة ، بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ » .
حكم بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه :
72 - جمهور الفقهاء - بوجه عامّ - على أنّ بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه ، غير جائز ولا صحيح . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث . ومع ذلك فقد فصّلوا فيه القول ، تبعاً لتقييد العقد بشرط وإطلاقه ، ولا يخلو بيع الثّمرة من هذه الأحوال :
الأولى : أن يبيعها قبل الظّهور والبروز ، أي قبل انفراك الزّهر عنها وانعقادها ثمرةً ، فهذا البيع لا يصحّ اتّفاقاً .
الثّانية : أن يبيعها بعد الظّهور ، قبل بدوّ الصّلاح ، بشرط التّرك والتّبقية على الشّجر حتّى تنضج ، فلا يصحّ هذا البيع إجماعاً ، لأنّه شرط لا يقتضيه العقد ، وهو شغل ملك الغير . أو هو صفقة في صفقة أو هو إعارة أو إجارة في بيع . وعلّله ابن قدامة بالنّهي عنه في الحديث المذكور ، والنّهي يقتضي الفساد . قالوا : ومثل بيع الثّمرة قبل بدوّ الصّلاح بشرط التّرك ، بيع الزّرع قبل أن يشتدّ .
الثّالثة : أن يبيعها بعد الظّهور ، قبل بدوّ الصّلاح بشرط القطع في الحال ، فهذا البيع صحيح بالإجماع ، ولا خلاف في جوازه ، وعلّله الحنابلة بأنّ المنع من البيع قبل بدوّ الصّلاح ، إنّما كان خوفاً من تلف الثّمرة ، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها ، بدليل حديث أنس المارّ ، وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه : « أرأيت إذا مَنَعَ اللّه الثّمرة ، بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ » وهذا مأمون فيما يقطع ، فصحّ بيعه كما لو بدا صلاحه .
قالوا : والإجماع على صحّة البيع في هذه الحال ، مخصّص لعموم المنع في مفهوم الحديث السّابق . وفارق ما بعد بدوّ الصّلاح ، لأمن العاهة فيه غالباً ، بخلاف ما قبل بدوّ الصّلاح ، وبهذا الفارق يشعر الحديث الوارد في وضع الجوائح ، وهو : « لو بعت من أخيك تمراً ، فأصابته جائحة ( أي آفة أهلكت الثّمرة ) فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً ، بم تأخذ مال أخيك بغير حقّ » .
73 - غير أنّ الفقهاء قيّدوا هذا الحكم ، وهو جواز بيع الثّمرة قبل بدوّ صلاحها بشرط القطع في الحال ، بقيود بعضها متّفق عليه ، وبعضها انفرد به فريق من الفقهاء ، نشير إليها فيما يلي :
الشّرط الأوّل : أن يكون الثّمر منتفعاً به :
أ - فالحنفيّة - في الأصحّ من مذهبهم - وكذا المالكيّة على إطلاق الانتفاع به ، وصرّح الحنفيّة بشمول الانتفاع لما هو في الحال أو في الزّمان الثّاني ، وهو المآل ، أو في ثاني الحال - كما يعبّرون . فمثل القصيل ( وهو الفصفصة الّتي يعلف بها الحيوان ) والحصرم ممّا يجوز بيعه ، لانتفاع الحيوان وانتفاع الإنسان به .
ب - والشّافعيّة والحنابلة ، قيّدوا الجواز بالانتفاع به في الحال ، وزاد الشّافعيّة تقييد المنفعة بأن تكون مقصودة لغرض صحيح ، وإن لم يكن بالوجه الّذي يراد بالانتفاع به منه كما في الحصرم ، بخلاف الكمّثرى ، لأنّ قطعه في الحال إضاعة مال - كما علّله المالكيّة - وبخلاف ثمرة الجوز ، وزرع التّرمس ، فإنّه لا يصحّ بيعه بالشّرط المذكور نفسه ، لعدم النّفع بالمبيع - كما علّله الحنابلة .
الشّرط الثّاني : أن يحتاج إليه المتبايعان أو أحدهما .
الشّرط الثّالث : أن لا يكثر ذلك بين النّاس ، ولا يتمالؤوا عليه .
وهذان الشّرطان نصّ عليهما المالكيّة ، فإن تخلّف واحد ، منع البيع ، كما يمنع بشرط التّبقية المارّ أو الإطلاق ، كما يأتي .
الشّرط الرّابع : نصّ عليه الحنابلة ، وهو أن لا يكون ما بيع قبل بدوّ صلاحه مشاعاً ، بأن يشتري نصف الثّمرة قبل بدوّ صلاحها مشاعاً بشرط القطع ، وذلك لأنّه لا يمكنه قطع ما يملكه ، إلاّ بقطع ما لا يملكه ، وليس له ذلك .
74 - وقد أجاز الفقهاء أيضاً ، إضافةً إلى هذه الصّورة الجائزة ، وهي بيع ما لم يبد صلاحه بشرط القطع في الحال ، هذه الصّور :
- 1 - أن يبيع الثّمرة الّتي لم يبد صلاحها مع الشّجر ، أو الزّرع الأخضر مع الأرض ، ولا يختلف فيها الفقهاء ، لأنّ الثّمر فيها والزّرع تابعان للشّجر والأرض ، اللّذين لا تعرض لهما عاهة ، كما يقول الشّافعيّة .
- 2 - أن يبيع الثّمرة لمالك الأصل وهو الشّجر ، أو يبيع الزّرع لمالك الأرض ، لأنّه إذا بيع مع أصل دخل تبعاً في البيع ، فلم يضع احتمال الغرر فيه ، كما احتملت الجهالة في بيع اللّبن في الضّرع مع الشّاة . نصّ على هذه الصّورة الحنابلة ، كما نصّ على الأولى الجميع ، وزاد المالكيّة الصّورة التّالية :
- 3 - أن يبيع الأصل ، وهو الشّجر أو الأرض ، ثمّ بعد ذلك بفترة ما ، قربت أو بعدت ، وقبل خروجهما من يد المشتري ، يلحق الثّمر أو الزّرع بالأصل المبيع قبله .
75 - الرّابعة من أحوال بيع الثّمرة : أن يبيعها بعد بدوّ الصّلاح - على الخلاف في تفسيره : بظهور النّضج والحلاوة والتّموّه ونحوها عند الجمهور . وبأمن العاهة والفساد عند الحنفيّة ولا خلاف في جواز البيع في هذه الحال كما هو نصّ ابن الهمام ، ومفهوم الحديث أيضاً عند من يقول بالمفهوم .
وسيأتي بعض التّفصيل المذهبيّ فيما إذا تناهى عظم الثّمرة أو لم يتناه .
غير أنّ المالكيّة قيّدوا الجواز في هذه الحال - زيادةً على بدوّ الصّلاح بتفسيره عندهم - بأن لا يستتر بأكمامه ، كالبلح والتّين والعنب ، والفجل والكرّات والجزر والبصل . فهذا النّوع يجوز بيعه جزافاً ، ووزناً بالأولى .
أمّا ما استتر بأكمامه - أي بغلافه - كالقمح في سنبله ، فإنّه لا يجوز بيعه وحده جزافاً ، ويجوز كيلاً . وإن بيع بقشره أي تبنه ، جاز جزافاً وكذا كيلاً بالأولى .
أمّا ما استتر بورقه كالفول ، فلا يجوز بيعه جزافاً ، لا منفرداً ولا مع ورقه ، ويجوز كيلاً .
76 - الخامسة : أن يبيع الثّمرة قبل بدوّ الصّلاح مطلقاً ، فلا يشترط قطعاً ولا تبقيةً ، وهذه الصّورة محلّ خلاف بين الفقهاء :
- أ - فعند الشّافعيّة والحنابلة ، والقول المعتمد عند المالكيّة - وإن صرّح ابن جزيّ بأنّ فيه قولين - أنّ بيعها كذلك باطل : لإطلاق النّهي في الحديث المذكور عن بيع الثّمرة قبل بدوّ صلاحها ، ولأنّ العاهة تسرع إليه حينئذ ، لضعفه ، فيفوت بتلفه الثّمن ،من غير مقابل. - ب - وفصّل الحنفيّة في هذه المسألة ، فقرّروا أنّه :
إن كان الثّمر بحال لا ينتفع به في الأكل ولا في علف الدّوابّ ، ففيه خلاف بين المشايخ : قيل : لا يجوز ، ونسبه قاضي خان لعامّة مشايخ الحنفيّة للنّهي ، ولأنّ البيع يختصّ بمال متقوّم ، والثّمر قبل بدوّ الصّلاح ليس كذلك .
والصّحيح : أنّه يجوز ، لأنّه مال منتفع به في ثاني الحال ( أي المآل ) إن لم يكن منتفعاً به في الحال . وإن كان بحيث ينتفع به ، ولو علفاً للدّوابّ ، فالبيع جائز باتّفاق أهل المذهب ، إذا باع بشرط القطع ، أو مطلقاً . وقد نصّ المالكيّة أيضاً على جواز البيع قبل بدوّ الصّلاح في المسائل الثّلاث السّابقة . وذكر بعض الفقهاء ، كالحنفيّة والحنابلة ، هذه الصّورة أيضاً . 77 - السّادسة : إذا اشترى الثّمرة ، وقد بدا صلاحها ونضجها ، ولم يتناه عظمها ، وشرط التّرك والتّبقية إلى أن يتناهى عظمها :
- أ - فمذهب الجمهور - كما ينصّ ابن قدامة - جواز البيع في هذه الصّورة ، بل جوازه بإطلاق . - لأنّ الحديث نهى عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها ، فمفهومه إباحة بيعها بعد بدوّ صلاحها ، والمنهيّ عنه قبل بدوّ الصّلاح عندهم البيع بشرط التّبقية ، فيجب أن يكون ذلك جائزاً بعد بدوّ الصّلاح ، وإلاّ لم يكن لبدوّ الصّلاح غاية ، ولا فائدة في ذكره .
- « ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها ، وتأمن العاهة » وتعليله بأمن العاهة يدلّ على التّبقية ، لأنّ ما يقطع في الحال لا يخاف العاهة عليه ، وإذا بدا الصّلاح فقد أمنت العاهة ، فيجب أن يجوز بيعه مبقًى ، لزوال علّة المنع .
ولأنّ النّقل والتّحويل يجب في المبيع بحكم العرف ، فإذا شرطه جاز ، كما لو شرط نقل الطّعام من ملك البائع .
- ب - والحنفيّة قرّروا مفصّلين في هذه المسألة : إذا شرط التّرك ، ولم يتناه العظم والنّضج ، فقد شرط فيه الجزء المعدوم ، وهو الّذي يزيد بمعنًى من الأرض والشّجر ، وهذه الزّيادة تحدث بعد البيع من ملك البائع ، فكأنّه ضمّ المعدوم إلى الموجود ، واشتراهما ، فيفسد العقد . وإذا شرط التّرك ، وقد تناهى عظمها ، فكذلك الحكم عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وهو أنّه يفسد العقد أيضاً ، وهو القياس ، لأنّه شرط لا يقتضيه العقد ، وهو شغل ملك غيره ، ولأحد المتعاقدين فيه منفعة ، ومثله يفسد العقد ، وهذا لأنّه يحصل في المبيع زيادة جودة وطراوة ، وللمشتري فيه نفع .
وأمّا محمّد بن الحسن فقد استحسن في هذه الصّورة ، وقال كما قال الأئمّة الثّلاثة : لا يفسد العقد ، لتعارف النّاس ذلك ، بخلاف ما إذا لم يتناه عظمها ، لأنّه شرط في الجزء المعدوم . ومع أنّ البابرتيّ والكرلانيّ ، من شرّاح الهداية ، لم يسلّما بالتّعامل في اشتراط التّرك ، بل قرّرا أنّ المعتاد هو التّرك بلا شرط ، والإذن في تركه بلا شرط في العقد ، لا شرط التّرك . ففي نقل الكرلانيّ عن الأسرار أنّ الفتوى على قول محمّد ، وهو الّذي اختاره الطّحاويّ ، لعموم البلوى .
78 - وإذا اشترى الثّمرة مطلقاً ، فلم يشترط التّرك ولا القطع ، ولم يتناه عظمها ، ثمّ تركها : فإن كان التّرك بإذن مجرّد من البائع ، طاب له الفضل والأكل . وإن كان التّرك بإذن في ضمن الإجارة ، بأن استأجر الأشجار إلى وقت الإدراك ، طاب له الفضل أيضاً ، لأنّ الإجارة باطلة ، لعدم التّعارف بين النّاس على استئجار الأشجار ، ولعدم حاجة المشتري إلى استئجار الأشجار ، لأنّه يمكنه شراء الثّمار مع أصولها ، والأصل في القياس بطلان الإجارة ، وأجيزت شرعاً للحاجة فيما فيه تعامل ، ولا تعامل في إجارة الأشجار المجرّدة ، فبقي الإذن . أمّا لو تركها بغير إذنه ، فإنّه يتصدّق بما زاد في ذاته ، لحصوله بجهة محظوره ، وهي حصولها بقوّة الأرض المغصوبة ، فيقوّم ذلك قبل الإدراك وبعده ، ويتصدّق بفضل ما بينهما . أمّا إذا اشترى الثّمرة بعدما تناهى عظمها ، وتركها ، فإنّه لا يلزمه أن يتصدّق بشيء ، لأنّ هذا تغيّر حالة ، لا تحقّق زيادة .
هل يشترط لصحّة بيع الثّمر بدوّ صلاح كلّه ؟
79 - يمكن القول بوجه عامّ ، أنّه يكفي لصحّة البيع بدوّ صلاح بعضه – وإن قلّ – لبيع كلّه ، بشرط اتّحاد العقد والجنس والبستان ، والحمل عند بعض الفقهاء - كالشّافعيّة - أو الجنس عند آخرين - كالمالكيّة - وإن شرط بعضهم خلافاً لآخرين صلاح كلّه ، فلا يجوز عنده إلاّ بيع ما بدا صلاحه . وفي المسألة تفصيل نذكره فيما يلي :
أوّلاً : إن كانت شجرة واحدة ، وبدا الصّلاح في بعض ثمرها ، جاز بيع جميعها بذلك ، قال ابن قدامة : ولا أعلم فيه اختلافاً .
ثانياً : وإن بدا الصّلاح في شجرة واحدة ، فهل يجوز بيع سائر ما في البستان من ذلك النّوع ؟ فيه قولان : الأوّل : مذهب الجمهور ، ومنهم مالك والشّافعيّ ومحمّد بن الحسن ، وهو الأظهر من مذهب الحنابلة : أنّه يجوز بيع جميع الثّمر من ذلك النّوع ، ووجهه :
- أنّه بدا الصّلاح من نوعه من البستان الّذي هو فيه ، فجاز بيع جميعه ، كالشّجرة الواحدة . - وأنّ اعتبار بدوّ الصّلاح في جميعه يشقّ ، ويؤدّي إلى الاشتراك واختلاف الأيدي ، فوجب أن يتبع الّذي لم يبد صلاحه ما بدا صلاحه . والمالكيّة شرطوا في هذه الصّورة ، أن لا تكون النّخلة باكورةً ، وهي الّتي تسبق بالزّمن الطّويل ، بحيث لا يحصل معه تتابع الطّيّب ، فإن كانت باكورةً لم يجز بيع ثمار البستان بطيّبها ، ويجوز بيعها وحدها .
الآخر : هو رواية عن الإمام أحمد - وهو المتبادر من كلام الحنفيّة ، والمعتمد عند الشّافعيّة - أنّه لا يجوز إلاّ بيع ما بدا صلاحه .
لأنّ ما لم يبد صلاحه داخل في عموم النّهي ، ولأنّه لم يبد صلاحه ، فلم يجز بيعه من غير شرط القطع ، فأشبه الجنس الآخر ، وأشبه الجنس الّذي في البستان الآخر - كما سيأتي -
80 - ثالثاً : إن بدا الصّلاح في شجرة واحدة ، أو أشجار من نوع ما ، فهل يجوز بيع ما في البستان من نوع آخر من ذلك الجنس ؟ في هذه الصّورة أوجه :
الوجه الأوّل : لبعض أصحاب الشّافعيّ ، هو قول القاضي من الحنابلة ، أنّه لا يتبعه ، قرّر ابن قدامة أنّه الأولى ، وذلك :
- لأنّ النّوعين قد يتباعد إدراكهما ، فلم يتبع أحدهما الآخر في بدوّ الصّلاح ، كالجنسين .
- ولأنّ المعنى هنا هو تقارب إدراك أحدهما من الآخر ، ودفع الضّرر الحاصل بالاشتراك ، واختلاف الأيدي ، ولا يحصل ذلك في النّوعين ، فصارا في هذا كالجنسين .
الوجه الثّاني : لمحمّد بن الحسن ، وهو أنّ ما كان متقارب الإدراك ، فبدوّ صلاح بعضه يجوز به بيع جميعه ، وإن كان يتأخّر إدراك بعضه تأخّراً كثيراً ، فالبيع جائز فيما أدرك ، ولا يجوز في الباقي .
الوجه الثّالث : لبعض أصحاب الشّافعيّ ، ولأبي الخطّاب من الحنابلة ، وهو أنّه يجوز بيع ما في البستان من ذلك الجنس ، قاسوه على إكمال النّصاب في الزّكاة ، فإنّ الجنس الواحد يضمّ بعضه إلى بعض في التّكميل ، فيتبعه في جواز البيع ، ويصبح كالنّوع الواحد .
81 - رابعاً : إن بدا صلاح الثّمر في أحد بستانين ( متقاربين ) من دون الآخر ، وقد باعهما في عقد واحد ، والثّمرة من نوع واحد ، ففيه وجهان :
أحدهما : مذهب مالك ، وقول للشّافعيّة ، وهو رواية عن الإمام أحمد : أنّ بدوّ الصّلاح في شجرة من القراح ( المزرعة ) صلاح له ولما قاربه وجاوره ، فيتبعه ، وذلك : لأنّهما يتقاربان في الصّلاح ، فأشبها القراح الواحد . ولأنّ المقصود الأمن من العاهة ، وقد وجد . ولاجتماعهما في صفقة واحدة . والمالكيّة فسّروا القرب هنا والجوار ، بتلاحق الطّيّب بالطّيّب عادةً ، أو بقول أهل المعرفة .
وابن كنانة منهم عمّم الحكم في البساتين ، وإن كان ممّا لا يتلاحق طيّبة بطيّبة .
وابن القصّار عمّم الحكم في غير المتجاورات من البساتين ، فشمل البلد .
ولهم قولان في اشتراط تلاصق البساتين ، لكنّهم استظهروا أنّه لا يشترط أن تكون البساتين المجاورة ملكاً لصاحب البستان الّذي فيه الشّجرة الباكورة الّتي بدا صلاحها . لكنّهم قصروا هذا الحكم على الثّمار ، ومثلها المقثأة ، أمّا الزّروع فلا بدّ فيها من يبس جميع الحبّ .
الآخر : أن لا يتبع أحد البستانين الآخر ، وهذا هو الأصحّ والمعتمد عند الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، ولو كانا متقاربين ، وذلك :
- لأنّ من شأن اختلاف البقاع اختلاف وقت التّأبير - كما يقول الشّافعيّة - فلا بدّ من شرط القطع في البستان الآخر .
- أنّ إلحاق ما لم يبد صلاحه بالّذي بدا صلاحه ، هو لدفع ضرر الاشتراك ، واختلاف الأيدي ، وهذا الضّرر منتف في البستان الآخر ، فوجب امتناع التّبعيّة ، كما هو الشّأن في البستانين المتباعدين .
82 - خامساً : إن بدا الصّلاح في جنس من الثّمر ، لم يكف في حلّ بيع ما لم يبد صلاحه من جنس آخر ، فبدوّ صلاح البلح لا يكفي في حلّ بيع نحو العنب ، وإذا كان في البستان عنب ورمّان ، فبدا صلاح العنب ، لا يجوز بيع الرّمّان حتّى يبدو صلاحه - نصّ على هذا المالكيّة ، وهو متّفق عليه ، فلو باع كذلك وجب شرط القطع في ثمر الآخر .
83 - ألحق الفقهاء المقاثي بالثّمر ، في الاكتفاء ببدوّ بعضها ، لجواز بيع كلّها ، وذلك بأن تكبر وتطيب للأكل ، وصرّح المالكيّة بأنّ هذا الحكم مختصّ بهما ، فأمّا الزّرع فلا يكفي في حلّ بيعه يبس بعضه ، بل لا بدّ من يبس جميع حبّه ، وذلك :
- لأنّ حاجة النّاس لأكل الثّمار رطبةً للتّفكّه بها أكثر .
- ولأنّ الثّمر إذا بدا صلاح بعضه ، يتبعه الباقي سريعاً غالباً ، ومثله نحو القثّاء ، بخلاف الزّرع ، وليست الحبوب كذلك ، لأنّها للقوت لا للتّفكّه .
وبقي الشّافعيّة والحنابلة على الأصل ، وهو الاكتفاء في الحبّ ببدوّ صلاح بعضه وإن قلّ ، بل صرّح ابن حجر بالاكتفاء باشتداد بعض الحبّ ، ولو سنبلةً واحدةً ، ووجهه : أنّ اللّه تعالى امتنّ علينا بطيب الثّمار على التّدريج ، إطالةً لزمن التّفكّه ، فلو شرط طيب جميعه ، لأدّى إلى أن لا يباع شيء ، لأنّ السّابق قد يتلف ، أو تباع الحبّة ، بعد الحبّة ، وفي كلّ حرج شديد .
84 - ولم يواجه الحنفيّة هذه المسألة ، وهي اشتراط بدوّ صلاح كلّ الثّمر لصحّة بيعه ، ولا التّفصيلات الّتي تندرج فيها ، لأنّ مذهبهم في أصلها ، وهو بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه ( وكذا الحبّ ونحوه ) أنّه إن كان بحيث ينتفع به ، ولو علفاً للدّوابّ ، فالبيع جائز باتّفاق أهل المذهب إذا باع بشرط القطع أو مطلقاً ، ويجب قطعه على المشتري في الحال .
وكلّ الّذي تقدّم من خلاف الأئمّة الثّلاثة في اشتراط صلاح كلّ الثّمر ، وصلاح كلّ الحبّ ، إنّما هو فيما ينتفع به عند الحنفيّة ، وكلّه جائز البيع عندهم .
وإنّما اختلف الحنفيّة فيما لا ينتفع به ، أكلاً ولا علفاً ، قبل بدوّ الصّلاح : فذهب السّرخسيّ ( وشيخ الإسلام خواهر زاده ) إلى عدم الجواز في هذه الجزئيّة ، للنّهي وعدم التّقوّم ، والصّحيح في المذهب - والأصحّ عند المرغينانيّ - جواز بيعه أيضاً ، لأنّه ينتفع به مآلاً ، وإن لم ينتفع به حالاً ، باعتباره مالاً . لهذا لم يبحث الحنفيّة شرطيّة بدوّ صلاح كلّ الثّمر ولا بعضه ( وكذا الحبّ ) وعبارة متونهم في هذا صريحة ، ونصّها :
ومن باع ثمرةً لم يبد صلاحها ، أو قد بدا ، جاز البيع ، وعلى المشتري قطعها في الحال ، وإن شرط تركها على النّخل فسد البيع ، وقيل : لا إذا تناهت ، وبه يفتى .
بيع المتلاحق من الثّمر ونحوه :
85 - ويتّصل ببيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه - على الخلاف الّذي فيه - مسألة ما إذا باع ثمرةً قد بدا صلاحها ، وكانت ممّا تطعم بطناً بعد بطن . ويغلب تلاحق ثمرها ، ويختلط ما يحدث منها بالموجود ، كالتّين والقثّاء والبطّيخ ، وكذا في الزّرع كالبرسيم ( وهو الفصفصة ) وكذا في الورد ونحوه ، وتعرف بمسألة الثّمر المتلاحق ، وفيها بعض الخلاف .
- أ - فمذهب جمهور الفقهاء ، من الشّافعيّة والحنابلة ، وظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وهو الأصحّ عندهم قياساً : أنّه لا يصحّ بيعه ، وذلك : لعدم القدرة على التّسليم لتعذّر التّمييز ، فأشبه هلاكه قبل التّسليم ، كما يقول المرغينانيّ والكمال من الحنفيّة ، واقتصر على صدر التّعليل القاضي زكريّا الأنصاريّ من الشّافعيّة ، وعلّله السّرخسيّ بأنّه جمع في العقد بين الموجود والمعدوم ، والمعدوم لا يقبل البيع ، وحصّة الموجود غير معلومة .
وعلّله الحنابلة بأنّه ثمرة لم تخلق ، فلم يجز بيعها ، كما لو باعها قبل ظهور شيء منها ، والحاجة تندفع ببيع أصوله . وما لم يخلق من ثمرة النّخل ، لا يجوز بيعه تبعاً لما خلق ، وإن كان ما لم يبد صلاحه يجوز بيعه تبعاً لما بدا صلاحه ، لأنّ ما لم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع في بعض الأحوال كما تقدّم ، وأمّا ما لم يخلق فلا .
86 - ب - ومذهب مالك جوازه ، وهو أيضاً ما أفتى به بعض الحنفيّة كالحلوانيّ وأبي بكر محمّد بن الفضل البخاريّ وآخرين استحساناً ، وذلك بجعل الموجود أصلاً في العقد ، وما يحدث بعده تبعاً له ، من غير تقييد بكون الموجود وقت العقد أكثر . ورجّحه ابن عابدين ووجّهه . ووجه الاستحسان هو تعامل النّاس ، فإنّهم تعاملوا ببيع ثمار الكرم بهذه الصّفّة ، ولهم في ذلك عادة ، وفي نزع النّاس من عادتهم حرج .
وقد روي عن الإمام محمّد - رحمه الله - أنّه أجاز بيع الورد على الأشجار ، ومعلوم أنّ الورد لا يتفتّح جملةً ، بل يتلاحق بعضه إثر بعض . وبدا من هذا أنّ جواز بيع المتلاحقات هو من قبيل استحسان الضّرورة ، عند من أفتى به من الحنفيّة .
والّذين ذهبوا مذهب الجمهور في عدم جواز هذا البيع تمسّكوا بالنّصوص ، ونفوا الضّرورة هنا : - لجواز أن يبيع البائع الأصول .
- أو يشتري المشتري الموجود ببعض الثّمن ، ويؤخّر العقد في الباقي إلى وقت وجوده .
- أو يشتري الموجود بجميع الثّمن ، ويبيح البائع للمشتري الانتفاع بما يحدث منه .
ولهذا قرّروا أنّه لا ضرورة إلى تجويز العقد في المعدوم مصادماً للنص ، وهو : النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان .وفي هذا يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى : لا يخفى تحقق الضرورة في زماننا ، ولا سيما في مثل دمشق الشام ، كثيرة الأشجار والثمار ، فإنه لغلبة الجهل على الناس ، لايمكن إلزامهم بالتخلص بأحد الطرق المذكورة ، وإن أمكن ذلك بالنسبة إلى بعض أفراد الناس لا يمكن بالنسبة إلى عامتهم ، وفي نزعهم عن عادتم حرج - كما علمت - ويلزم تحريم أكل الثمار في هذه البلدان ، إذ لا تباع إلا كذلك .
والنبي صلى الله عليه وسلم إنما رخص في السلم للضرورة ، مع أنه بيع المعدوم ، فحيث تحققت الضرورة هنا أيضاً ، أمكن إلحاقه بالسلم بطريق الدلالة ، فلم يكن مصادماً للنص ، فلذا جعلوه من الاستحسان ، لأن القياس عدم الجواز . وظاهر كلام الفتح الميل
إلى الجواز ، ولذا أورد له الرواية عن محمد ، بل إن الحلواني رواه عن أصحابنا ، وما ضاق الأمر إلا اتسع ، ولا يخفى أن هذا مسوغ للعدول عن ظاهر الرواية .
87 - المالكية ، القائلون بالجواز ، قسموا هذه المتلاحقات ، وهي ذات البطون ، إلى قسمين : - ما تتميز بطونه . - وما لا تتميز بطونه .
والذي لا تتميز بطونه قسمان : ماله آخر ، وما لا آخر له .
وفيما يلي أحكامها :
أولاً :ما تتميز بطونه ، وهو المنفصل غير المتتابع . وذلك في الشجر الذي يطعم في السنة بطنين متميزين . فهذا لا يجوز أن يباع البطن الثّاني بعد وجوده وقبل صلاحه ببدوّ صلاح البطن الأوّل ، وإن كان لا ينقطع الأوّل حتّى يبدو طيب الثّاني . وهذا هو المشهور عندهم . وحكى ابن رشد قولاً بالجواز ، بناءً على أنّ البطن الثّاني يتبع الأوّل في الصّلاح ، لكن ابن جزيّ جعل عدم الجواز في هذه الصّورة اتّفاقاً .
ثانياً : ما يخلف ويطعم بطناً بعد بطن ، ولا تتميّز بطونه ، وله آخر . ( أي نهاية ينتهي إليها ) كالورد والتّين ، وكالمقاثئ من الخيار والقثّاء والبطّيخ والجمّيز والباذنجان وما أشبه ذلك ، فهذا يجوز بيع سائر البطون ببدوّ صلاح الأوّل . قال ابن جزيّ : خلافاً لهم ، أي للأئمّة الثّلاثة . فمن اشترى شيئاً من المذكورات ، يقضي له بالبطون كلّها ، ولو لم يشترطها في العقد . ولا يجوز في هذا التّوقيت بشهر ونحوه ، لاختلاف حملها بالقلّة والكثرة .
ثالثاً : ما يخلف ويطعم بطناً بعد بطن ، ولا تتميّز بطونه وهي متتابعة ، لكن لا آخر ولا نهاية له ، أي أنّ إخلافه مستمرّ ، فكلّما قطع منه شيء خلفه غيره ، وليس له آخر ينتهي إليه ، وهو مستمرّ طول العام ، كالموز - في بعض الأقطار - فهذا النّوع لا يجوز بيعه إلاّ بضرب من الأجل ، وهو غاية ما يمكن ، ولو كثر الأجل - على المشهور - خلافاً لابن نافع الّذي حصر الجواز بسنة واحدة ، ولمن نفى الزّيادة على سنتين .
ومثل ضرب الأجل في الجواز ، استثناء بطون معلومة .
ج - بيع السّنين :
88 - روى جابر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السّنين » . والمراد به أن يبيع ما سوف تثمره نخلة البائع سنتين أو ثلاثاً أو أكثر ، وذلك لما فيه من الغرر ، فهو أولى بالمنع من منع بيع الثّمار قبل أن يبدو صلاحها .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:39 PM

د - بيع السّمك في الماء :
89 - وممّا ورد النّهي عن بيعه للغرر : السّمك في الماء . وذلك في حديث ابن مسعود رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : لا تشتروا السّمك في الماء ، فإنّه غرر » . وجمهور الفقهاء متّفقون على أنّه لا يصحّ بيعه قبل اصطياده ، كما لا يصحّ بيعه إذا صيد ثمّ ألقي في الماء بحيث لا يمكن أخذه إلاّ بمشقّة ، وأنّه فاسد ، لأنّه بيع ما لم يملك ، وفيه غرر كثير فلا يغتفر إجماعاً ، ولأنّه لا يقدر على تسليمه إلاّ بعد اصطياده ، فأشبه الطّير في الهواء ، كما أنّه مجهول فلا يصحّ بيعه ، كاللّبن في الضّرع والنّوى في التّمر .
ومذهب الحنفيّة أنّه باطل - باصطلاحهم فيه - ومنهم من ذهب إلى أنّه فاسد ، إذا بيع بعرض ، لأنّ السّمك يكون حينئذ ثمناً والعرض مبيعاً ، واذا دخلت الجهالة على الثّمن كان البيع فاسداً ، ولم يكن باطلاً . فإن بيع بالدّراهم والدّنانير فهو باطل ، لعدم الملك في المبيع ، إذ يتعيّن كون السّمك حينئذ مبيعاً ، والدّراهم أو الدّنانير ثمناً . وفيه صور من الجواز بشروط خاصّة وأحكام يرجع في تفصيلها إلى موطنه من مصطلح ( غرر ) .
90 - ومثل بيع السّمك في الماء ، بيع الطّير في الهواء ، ولا يختلف الفقهاء في فساده . وللحنفيّة - خلافاً للشّافعيّة والحنابلة - تفصيل بين ما إذا كان يرجع بعد الإرسال فيصحّ ، وبين ما إذا كان لا يرجع بعد الإرسال ، فلا يصحّ .
أمّا بيعه قبل صيده ، فباطل عندهم ، كما هو الإجماع .
وانظر بعض أحكامه ، وتفصيلاته ، وتعليلات الجواز وعدمه في مصطلح ( غرر ، بيع ) .
هـ - بيع العبد الآبق :
91 - ورد في الحديث عن أبي سعيد رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء العبد وهو آبق » فيحرم عند الجمهور بيعه في الجملة .
وأجاز الحنفيّة بيعه ممّن هو عنده ، أو يقدر على أخذه .
وقيّد الشّافعيّة الجواز ببيعه لمن يقدر على ردّه بلا مشقّة لا تحتمل عادةً ، وبلا مؤنة لها وقع . وأطلق الحنابلة عدم الجواز ، ولو علم مكانه أو قدر على تحصيله ، فإن حصل في يد إنسان ، جاز ، لإمكان تسليمه . وقيس عليه : الجمل الشّارد ، والفرس العاشر ، والضّالّ إلاّ من يسهل عليه ردّه والمغصوب إلاّ لقادر على انتزاعه عند الشّافعيّة . وبيعه من الغاصب صحيح قطعاً . وهناك فروع كثيرة ، تراجع في مصطلح : ( بيع ، غرر ) .
و - بيع اللّبن في الضّرع :
92 - ورد في النّهي عنه حديث ابن عبّاس رضي الله عنه ، قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يباع ثمر حتّى يطعم ، أو صوف على ظهر ، أو لبن في ضرع ، أو سمن في لبن » . والشّوكانيّ يصرّح بأنّ الفقهاء مجمعون على فساده للحديث المذكور ، وعلّلوه بأنّه مجهول الصّفّة والمقدار ، فأشبه الحمل .
وتردّد الحنفيّة في القول بفساده لاختلاط الملكين ، أو بطلانه للشّكّ في وجوده .
ووضع ابن الهمام من الحنفيّة لهذا وأمثاله ضابطاً ، وهو : أنّ كلّ ما بيع بغلافه لا يجوز باستثناء الحبوب في قشرها ، وتفصيل أحكامه في ( بيع ، غرر ) .
ز - بيع الصّوف وهو على الظّهر :
93 - ورد فيه الحديث المتقدّم آنفاً . ( ف ) . وممّن نصّ على فساده الحنفيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة . وذهب أبو يوسف إلى جوازه ، وهو رواية أيضاً عن الإمام أحمد ، بشرط جزّه في الحال ، وقال المرداويّ : فيه قوّة .
وذهب المالكيّة إلى جوازه بشرط جزّه خلال أيّام قليلة كنصف شهر .
وحجّة القائلين بالفساد : النّهي الوارد فيه ، وأنّه من أوصاف الحيوان وهي لا تفرد بالبيع ، واختلاط المبيع بغيره لأنّه ينبت من الأسفل ، أو اتّصاله بالحيوان فلم يجز إفراده كأعضائه ، أو الجهالة والتّنازع في موضع القطع . وأبو يوسف - رحمه الله - يقيسه على بيع القصيل ( الفصفصة ، أو البرسيم ) وفسّر بأنّه الشّعير يجزّ أخضر لعلف الدّوابّ . وفيه تفصيلات وصور تراجع في مصطلح ( بيع ، غرر ، جهالة ) .
ح - بيع السّمن في اللّبن :
94 - ورد في النّهي عنه حديث ابن عبّاس رضي الله عنه المتقدّم « ... أو سمن في لبن » ولا يصحّ هذا البيع ، وذلك لاختلاط المبيع بغيره بحيث لا يمتاز عنه ، وفيه جهالة وغرر ، ثمّ هو من الأشياء الّتي في غلفها ، والّتي لا يمكن أخذها وتسليمها إلاّ بإفساد الخلقة .
كما يقول ابن الهمام من الحنفيّة باستثناء الحبوب ، فلا يصحّ بيعه .
ط - الثّنيا أو استثناء المجهول في البيع :
95 - ورد فيها حديث جابر رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن المحاقلة ، والمزابنة ، والثّنيا ، إلاّ أن تعلم » ومعنى الثّنيا : الاستثناء ، وهي في البيع : أن يبيع شيئاً ويستثني بعضه ، فإن كان المستثنى معلوماً ، كشجرة معلومة من أشجار بيعت ، صحّ البيع . وإن كان مجهولاً كبعض الأشجار ، لم يصحّ .
فوضع الفقهاء لذلك هذه القاعدة ، وهي : أنّ ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده صحّ استثناؤه منه . وعلّق عليها ابن عابدين قوله : هذه قاعدة مذكورة في عامّة المعتبرات ، مفرّع عليها مسائل . وأشار الشّافعيّة أيضاً إلى هذه القاعدة ، وكذا الحنابلة ، وسمّاها صاحب الشّرح الكبير ضابطاً . فقال : وضابط هذا الباب أنّه لا يصحّ استثناء ما لا يصحّ بيعه منفرداً .
96 - وإليك بعض التّطبيقات :
- أ - لو باع هذا القطيع إلاّ شاةً غير معيّنة ، لم يصحّ في قول أكثر أهل العلم ، وذلك للحديث المذكور في النّهي عن بيع الثّنيا إلاّ أن تعلم ، ولأنّه مبيع مجهول فلم يصحّ ، فصار كما لو قال : بعتك شاةً تختارها من هذا القطيع . وكذلك لو باع بستاناً إلاّ شجرةً غير معيّنة . ومالك - رحمه الله - أجاز ذلك ، فللبائع عنده أن يبيع البستان ، ويستثني خمساً من شجراته ، لأنّ البائع - في الغالب - يعرف جيّد شجر بستانه ورديئه ، فلا يتوهّم فيه أنّه يختار ثمّ ينتقل ، بخلاف المشتري الّذي يتوهّم فيه التّنقّل من واحدة إلى أخرى ، ويؤدّي إلى التّفاضل بين الطّعامين إن كانا ربويّين أو أحدهما ، لأنّ المنتقل إليه يحتمل أن يكون أقلّ من المنتقل عنه أو أكثر أو مساوياً ، والشّكّ في التّماثل كتحقّق التّفاضل ، ويؤدّي إلى بيع الطّعام قبل قبضه إن كانا مكيلين أو أحدهما .
- ب - لو باع هذه الصّبرة من القمح ونحوه ، إلاّ قفيزاً أو رطلاً :
- جاز ذلك عند الحنفيّة ومالك ، وهو رواية عن أحمد ، لأنّ الثّنيا هنا معلومة ، فصار كما لو استثنى منها جزءاً مشاعاً - كما سيأتي -
- ومذهب أحمد أنّه لا يجوز ، لأنّ المبيع إنّما علم بالمشاهدة لا بالقدر ، والاستثناء يغيّر حكم المشاهدة ، لأنّه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة ، فلم يجز .
- ج - لو باع هذا القطيع إلاّ شاةً معيّنةً ، أو باع هذا البستان إلاّ شجرةً بعينها جاز ذلك ، لأنّ المستثنى معلوم ، ولا يؤدّي إلى الجهالة . والمبيع معلوم بالمشاهدة ، لكون المستثنى معلوماً ، فانتفى المفسد .
- د - لو باع الصّبرة إلاّ أرطالاً معلومةً : - جاز عند الحنفيّة ، لأنّه يصحّ إيراد العقد عليها ، إذا علم أنّه يبقى أكثر من المستثنى ، ويكون استثناء القليل من الكثير ، كما لو استثنى رطلاً واحداً . وكذا يصحّ عندهم لو كان استثناء الأرطال المعلومة من ثمر على رءوس النّخل ، في ظاهر الرّواية .
- وعند أحمد - وهو رواية عن أبي حنيفة ، وهي الأقيس بمذهبه - لا يجوز هنا كما في الصّورة الأولى ، إن جهل المتعاقدان كمّيّة أرطالها ، لأنّ الجهل بذلك يؤدّي إلى الجهل بما يبقى بعد المستثنى .
- هـ - لو استثنى جزءاً غير معيّن بل شائعاً ، كربع وثلث ، فإنّه صحيح بالاتّفاق ، للعلم بالمبيع في أجزائه ، ولصحّة إيراد العقد عليها . ولو باعه أرضاً أو داراً أو ثوباً، إلاّ ذراعاً : - فمذهب الشّافعيّة والحنابلة ، وأحد قولين للصّاحبين من الحنفيّة أنّه : إذا كان المتعاقدان يعلمان عدّة أذرع الأرض أو الدّار أو الثّوب ، كعشرة - مثلاً - صحّ البيع ، وكان المذكور مشاعاً فيها ، كأنّه استثنى العشر ، وإن كانا لا يعلمان ( كلاهما أو أحدهما ) لم يصحّ ، لأنّ المبيع ليس معيّناً ولا مشاعاً ، فيكون مجهولاً .
97 - ويمكن تطبيق قاعدة : ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده صحّ استثناؤه من العقد ، على هذه الصّورة كما ذكرها الحنفيّة ، وهي : ما إذا باعه عشرة أذرع من دار أو أرض هي مائة ذراع ، سواء أكانت تحتمل القسمة أم لا :
- فأبو حنيفة لا يجيز العقد لجهالة الموضع ، لأنّ البيع وقع على قدر معيّن من الأرض لا على شائع ، والدّار تتفاوت جوانبها وأجزاؤها ، وهذه جهالة مفضية إلى النّزاع ، وإذا لم يصحّ إيراد العقد عليه لم يصحّ استثناؤه من العقد ، بخلاف مسألة الصّبرة ، لعدم تفاوت أجزائها .
- والصّاحبان يقولان : إذا سمّى جملة الذّرعان صحّ ، وإلاّ لم يصحّ ، للجهالة - كما تقدّم-
- والصّحيح من مذهبهما جواز العقد ، وإن لم يبيّنا جملة مساحة الأرض بالذّرعان ، لأنّ هذه الجهالة بيدهما إزالتها فتقاس وتعلم نسبة العشرة المبيعة منها ، ويكون البيع شائعاً في الأرض كلّها . وإذا صحّ إيراد العقد على العشرة ، جاز استثناؤها منه .
98 - لو باع شاةً واستثنى حملها لم يصحّ البيع اتّفاقاً ، وكذا لو استثنى بعض أعضائها ، لأنّه لا يجوز إفراد المذكور بالعقد ، فكذا لا يجوز استثناؤه منه ، فصار شرطاً فاسداً - كما يقول ابن عابدين - وفيه منفعة للبائع ، فيفسد البيع .
وجوّز الحنابلة استثناء رأس الحيوان المأكول ، وجلده وسواقطه وسلبه وأطرافه ، لأنّ
« النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا خرج من مكّة - أي مهاجراً - إلى المدينة ، ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة رضي الله عنهما مرّوا براعي غنم ، فاشتريا منه شاةً ، وشرطا له سلبها » ويلحق الحضر بالسّفر عندهم كما نصّوا عليه .
وعن مالك صحّة استثناء المذكورات في السّفر دون الحضر ، لأنّ المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسّواقط ، فجوّز له شراء اللّحم دونها .
أسباب النّهي غير العقديّة :
99 - ويراد بها : ما لا يتعلّق بمحلّ العقد ، ولا بوصف ملازم للعقد بحيث لا ينفكّ عنه ، بل يتعلّق بأمر خارج عن ذلك ، فما هو بركن ولا بشرط .
ويمكن تقسيم هذه الأسباب إلى هذين النّوعين :
النّوع الأوّل : ما يؤدّي إلى تضييق أو إيذاء أو ضرر : مادّيّ أو معنويّ ، خاصّ أو عامّ . وذلك كالغبن ، وبيع المسلم على بيع أخيه ، وبيع السّلاح من أهل الحرب .
النّوع الآخر : ما يؤدّي إلى مخالفة دينيّة بحتة ، أو عباديّة محضة ، كالبيع عند أذان الجمعة ، وبيع المصحف من الكافر .
النّوع الأوّل : الأسباب الّتي تؤدّي إلى الضّرر المطلق
100 - من أهمّ ما يشمله هذا النّوع ، البيوع الآتية :
أ - التّفرقة بين الأمّ وبين ولدها في بيع الرّقيق :
101 - اتّفق الفقهاء على منع هذا البيع ، لثبوت النّهي عنه في السّنّة فمن ذلك : حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « ملعون من فرّق بين والدة وولدها » .
وحديث أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من فرّق بين والدة وولدها ، فرّق اللّه بينه وبين أحبّته يوم القيامة » .
مذاهب الفقهاء في حكم هذا التّفريق :
102 - هذا التّفريق غير جائز - بوجه عامّ ، وعلى التّفصيل الآتي في أحواله - عند عامّة الفقهاء :
مذهب الجمهور : مالك ، والشّافعيّ وأحمد أنّ التّفريق بالبيع حرام .
وعند مالك : يجب فسخه ، وإن لم يمكن جمعهما في حوز ( أو ملك واحد ) . على تفصيل بين عقود المعاوضات وغيرها سيأتي :
وعندهما ( الشّافعيّ وأحمد ) : البيع باطل . وفي قول للشّافعيّة : يمنع من التّفريق .
ومذهب أبي حنيفة ومحمّد ، أنّ البيع جائز مفيد للحكم بنفسه ، لكنّه مكروه ، والبائع آثم بالتّفريق . ومذهب أبي يوسف أنّ البيع فاسد في الوالدين والمولودين ، جائز في سائر ذوي الأرحام . وروي عنه أنّ البيع فاسد في جميع ذلك . وتفصيل أدلّة هذه الاتّجاهات تنظر في مصطلح ( رقّ ) .
103 - هذا ومذهب الحنفيّة والحنابلة تعميم التّحريم ، بحيث يشمل كلّ تفريق بين كلّ ذي رحم محرم . ومذهب المالكيّة قصره على التّفريق بالبيع بين الأمّ الوالدة وبين ولدها الصّغير الّذي لم يثغر ( أي لم يبدّل أسنانه ) فقط .
والشّافعيّة قصروه على قرابة الولاد مهما نزل ، إذا كان الولد صغيراً حتّى يميّز ويستقلّ بنفسه ، في طعامه وشرابه ، ولو لم يبلغ سبع سنين . وتفصيل الأدلّة في مصطلح ( رقّ ) .
حكم التّفرقة بين الحيوان الصّغير وبين أمّه :
104 - الرّاجح عند المالكيّة ، جواز التّفرقة بين الحيوان البهيميّ وبين أمّه ، وأنّ التّفريق الممنوع خاصّ بالعاقل . ويروى عن ابن القاسم منهم : المنع من التّفرقة بين الأمّ وبين ولدها في الحيوان أيضاً ، وهو ظاهر الحديث ، حتّى يستغني عن أمّه بالرّعي .
فعلى هذا ، لو فرّق بينهما بالبيع لم يفسخ . ويجبران على جمعهما في حوز ، وليس هذا كتفريق العاقل .
105 - وهذا الّذي منع منه ابن القاسم ، هو مذهب الشّافعيّة أيضاً ، الّذين نصّوا على أنّ التّفريق بين البهيمة وولدها حرام . ثمّ فصّلوا في المسألة ، وقالوا :
يكره ذبح الأمّ الّتي استغنى الولد عن لبنها ، ويحرم ذبحها إن لم يستغن عن لبنها ، ولا يصحّ البيع ولا التّصرّف ، ولو لم يكن الحيوان مأكولاً وذبح الصّغير وهو مأكول حلال قطعاً . وبيعه ممّن يظنّ أنّه يذبحه قبل استغنائه ، وكذلك بيع الأمّ قبل استغنائه باطل - وإن قال ابن حجر بحلّه - لأنّه ربّما لا يقع الذّبح حالاً أو أصلاً ، فيوجد المحذور ، وشرط الذّبح على المشتري غير صحيح . نعم ، إذا علم المشتري أنّ البائع نذر ذبحه ، وشرط البائع على المشتري الذّبح ، صحّ البيع وكان ذلك افتداءً ، ووجب على المشتري ذبحه ، فإن امتنع ذبحه القاضي ، وفرّقه الذّابح على الفقراء . وبيع الولد المستغني عن أمّه مكروه إلاّ لغرض الذّبح . وذبحهما كليهما لا يحرم . ولم نجد للحنفيّة والحنابلة كلاماً في هذه المسألة .
ب - بيع العصير لمن يتّخذه خمراً :
106 - المراد بالعصير : عصير العنب ، أي معصوره المستخرج منه .
وقد ذهب الفقهاء مذاهب مختلفة في الحكم التّكليفيّ في هذه الجزئيّة .
فذهب المالكيّة والحنابلة إلى حرمة هذا البيع ، وهو الأصحّ والمعتمد عند الشّافعيّة إن كان يعلم أو يظنّ أيلولته إلى الخمر ، فإن شكّ كره . ونحوه قول للصّاحبين - أشار الحصكفيّ لتضعيفه - بأنّه مكروه ، والكراهة إن أطلقت عند الحنفيّة للتّحريم .
وعبارة المالكيّة : وحرّم على المكلّف بيع العنب لمن يعلم أنّه يعصره خمراً . وقد استدلّوا بقوله تعالى : { ولا تَعَاونوا على الإِثمِ والعُدوانِ } قال ابن قدامة : وهذا نهي يقتضي التّحريم . واستدلّوا كذلك بحديث « لعنت الخمر على عشرة أوجه : بعينها ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وبائعها ، ومبتاعها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها ، وشاربها ، وساقيها » . ووجه الاستدلال كما يقول عميرة البرلّسيّ : أنّه يدلّ على تحريم التّسبّب إلى الحرام .
ولما روي عن ابن سيرين ، أنّ قيّماً كان لسعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه في أرض له ، فأخبره عن عنب أنّه لا يصلح زبيباً ، ولا يصلح أن يباع إلاّ لمن يعصره ، فأمره بقلعه ، وقال : بئس الشّيخ أنا إن بعت الخمر . ولأنّه يعقد البيع على عصر لمن يعلم أنّه يريده للمعصية ، فأشبه إجارة الرّجل أمته لمن يعلم أنّه يستأجرها ليزني بها .
والقول الآخر للشّافعيّة : أنّه مكروه . والبيع صحيح على القولين .
وذهب أبو حنيفة إلى أنّ هذا البيع جائز ، وحكاه ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثّوريّ ، ونقل عن هذا قوله : " بع الحلال ممّن شئت " واستدلّوا بقوله تعالى : { وَأَحَلَّ اللّه البيعَ } وقد تمّ بأركانه وشروطه .
ولأنّ المعصية لا تقوم بعينه ، بل بعد تغيّره بشربه ، وهو فعل فاعل مختار ، وليس الشّرب من ضرورات الحمل ، لأنّ الشّرب قد يوجد بدون الحمل ، وليس الحمل من ضرورات الشّرب ، لأنّ الحمل قد يوجد للإراقة والتّخليل بالصّبّ في الخلّ ، فليست المعصية من لوازم الحمل ، وصار كالاستئجار لعصر العنب ، وهذا قياس وقولهما استحسان كما قال الكرلانيّ . لكن يبدو أنّ المذهب - مع ذلك - أنّه مكروه تنزيهاً ، وأنّه خلاف الأولى ، فقد قال صاحب الهداية : ولا بأس ببيع العصير ممّن يعلم أنّه يتّخذه خمراً وكلمة لا بأس لكراهة التّنزيه ، فتركه أولى . وقول أبي حنيفة هذا ، هو المذهب عند الحنفيّة ، وهو الّذي عليه المتون .
اشتراط علم البائع بقصد المشتري اتّخاذ العصير للخمر :
107 - اشترط الجمهور للمنع من هذا البيع : أن يعلم البائع بقصد المشتري اتّخاذ الخمر من العصير ، فلو لم يعلم لم يكره بلا خلاف ، كما ذكره القهستانيّ من الحنفيّة ، وهو صريح كلام المرغينانيّ الآنف الذّكر . وكذلك قال ابن قدامة : إنّما يحرم البيع إذا علم البائع قصد المشتري ذلك : إمّا بقوله ، وإمّا بقرائن مختصّة به تدلّ على ذلك .
أمّا الشّافعيّة فاكتفوا بظنّ البائع أنّ المشتري يعصر خمراً أو مسكراً ، واختاره ابن تيميّة .
108 - أمّا إذا لم يعلم البائع بحال المشتري ، أو كان المشتري ممّن يعمل الخلّ والخمر معاً ، أو كان البائع يشكّ في حاله ، أو يتوهّم : - فمذهب الجمهور الجواز ، كما هو نصّ الحنفيّة والحنابلة . - ومذهب الشّافعيّة أنّ البيع في حال الشّكّ أو التّوهّم مكروه .
حكم بيع العصير لذمّيّ يتّخذه خمراً :
109 - إنّ مقتضى العموم والإطلاق في منع بيع العصير ممّن يتّخذه خمراً ، وكذا ما علّلته الشّروح - كما يقول ابن عابدين - أنّه لا فرق بين المسلم والكافر في بيع العصير منهما ، وأنّ من ذهب من الفقهاء إلى أنّ الكفّار غير مخاطبين بفروع الشّريعة ، يرون جواز بيع العصير من الكافر . والأصحّ أنّهم مخاطبون ولا فرق ، وصرّح بذلك الحنابلة أيضاً . والشّافعيّة صرّحوا بذلك ، وقالوا بحرمة البيع للعاصر ولو كان كافراً ، لحرمة ذلك عليه ، وإن كنّا لا نتعرّض له بشرطه ، أي عدم إظهاره .
الحكم في بيع العصير وشموله لغيره :
110 - عمّم جمهور الفقهاء الحكم في بيع العصير ممّن يتّخذه خمراً ، ولم يقصروه على العصير ، بل عدّوه إلى العنب نفسه وإلى الرّطب والزّبيب ، فهي مثل العصير في التّحريم ، كلّما قصد بها اتّخاذ الخمر والمسكر .
فقال الشّافعيّة : وبيع نحو رطب ، كعنب ، لمتّخذه مسكراً .
وقال الحنابلة : ولا يصحّ بيع ما قصد به الحرام ، كعنب وكعصير لمتّخذهما خمراً ، وكذا زبيب ونحوه . وقال المالكيّة : وكذا يمنع بيع كلّ شيء ، علم أنّ المشتري قصد به أمراً لا يجوز . وتردّد الحنفيّة في المسألة :
- فذهب صاحب المحيط منهم إلى : أنّ بيع العنب والكرم ممّن يتّخذه خمراً لا يكره .
- ونقل القهستانيّ عن بعضهم : أنّ بيع العنب هو أيضاً على الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه . فعنده لا بأس به ، وهو مكروه تنزيهاً . وعندهما يمنع ، وهو مكروه تحريماً .
حكم بيع العصير لمتّخذه خمراً ، من حيث الصّحّة والبطلان :
111 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، والحنابلة في وجه : إلى صحّة هذا البيع . وعلّله الشّافعيّة بأنّ النّهي - المستفاد من حديث لعن العاصر وإن كان يقتضي الكراهة أو التّحريم ، لأنّ البيع سبب لمعصية متحقّقة أو متوهّمة - لا يقتضي البطلان هنا ، لأنّه راجع إلى معنًى خارج عن ذات المنهيّ عنه وعن لازمها ، لكنّه مقترن به ، نظير البيع بعد نداء الجمعة ، فإنّه ليس لذاته لا لازمها ، بل هو لخشية تفويتها .
وذهب المالكيّة إلى : أنّه يجبر المشتري على إخراجه من ملكه ، من غير فسخ للبيع .
أمّا الحنابلة فنصّوا على : أنّه إذا ثبت التّحريم ، بأن علم البائع قصد المشتري الخمر بشراء العنب ، بأيّ وجه حصل العلم ، فالبيع باطل ، وذلك لأنّه عَقَدَ على عينٍ لمعصية اللّه تعالى بها فلم يصحّ ، ولأنّ التّحريم هنا لحقِّ اللّه تعالى فأفسد العقد ، كبيع درهم بدرهمين .
بيع ما يقصد به فعل محرّم :
112 - ذهب الجمهور إلى أنّ كلّ ما يقصد به الحرام ، وكلّ تصرّف يفضي إلى معصية فهو محرّم ، فيمتنع بيع كلّ شيء علم أنّ المشتري قصد به أمراً لا يجوز .
113 - فمن أمثلته عند المالكيّة : بيع الأمة لأهل الفساد ، والأرض لتتّخذ كنيسةً أو خمّارةً ، وبيع الخشب لمن يتّخذه صليباً ، والنّحاس لمن يتّخذه ناقوساً .
قال الدّسوقيّ : وكذا يمنع أن يباع للحربيّين آلة الحرب ، من سلاح أو كراع أو سرج ، وكلّ ما يتقوّون به في الحرب ، من نحاس أو خباء أو ماعون .
وأمّا بيع الطّعام لهم ، فقال ابن يونس عن ابن حبيب : يجوز في الهدنة ، وأمّا في غير الهدنة فلا يجوز . والّذي في المعيار عن الشّاطبيّ : أنّ المذهب المنع مطلقاً ، وهو الّذي عزاه ابن فرحون في التّبصرة ، وابن جزيّ في القوانين لابن القاسم .
وذكر في المعيار أيضاً عن الشّاطبيّ : أنّ بيع الشّمع لهم ممنوع ، إذا كانوا يستعينون به على إضرار المسلمين ، فإن كان لأعيادهم فمكروه .
114 - ومن أمثلته عند الشّافعيّة : بيع مخدّر لمن يظنّ أنّه يتعاطاه على وجه محرّم ، وخشب لمن يتّخذه آلة لهو ، وثوب حرير لرجل يلبسه بلا نحو ضرورة . وكذا بيع سلاح لنحو باغ وقاطع طريق ، وديك لمن يهارش به ، وكبش لمن يناطح به ، ودابّة لمن يحمّلها فوق طاقتها . كما نصّ الشّروانيّ وابن قاسم العبّاديّ على منع بيع مسلم كافراً طعاماً ، علم أو ظنّ أنّه يأكله نهاراً في رمضان ، كما أفتى به الرّمليّ ، قال : لأنّ ذلك إعانة على المعصية ، بناءً على أنّ الرّاجح أنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة .
115 - ومن أمثلته عند الحنابلة : بيع السّلاح لأهل الحرب ، أو لقطّاع الطّريق ، أو في الفتنة ، أو إجارة داره لبيع الخمر فيها ، أو لتتّخذ كنيسةً ، أو بيت نار وأشباه ذلك ، فهذا حرام . قال ابن عقيل : وقد نصّ أحمد رحمه الله تعالى - على مسائل نبّه بها على ذلك ، فقال في القصّاب والخبّاز : إذا علم أنّ من يشتري منه ، يدعو عليه من يشرب المسكر ، لا يبيعه ، ومن يخترط ( يصنع ) الأقداح لا يبيعها ممّن يشرب فيها ( أي الخمر ) ونهى عن بيع الدّيباج ( أي الحرير ) للرّجال .
116 - ذهب أبو حنيفة إلى أنّه : لا يكره بيع ما لم تقم المعصية به ، كبيع الكبش النّطوح ، والحمامة الطّيّارة ، والخشب ممّن يتّخذ منه المعازف . بخلاف بيع السّلاح من أهل الفتنة ، لأنّ المعصية تقوم بعينه ، وهي الإعانة على الإثم والعدوان ، وإنّه منهيّ عنه . بخلاف بيع ما يتّخذ منه السّلاح كالحديد ، لأنّه ليس معدّاً للقتال ، فلا يتحقّق معنى الإعانة .
وذهب الصّاحبان من الحنفيّة ، إلى أنّه لا ينبغي للمسلم أن يفعل ذلك ، لأنّه إعانة على المعصية ، فهو مكروه عندهما ، خلافاً للإمام ، وليس بحرام ، خلافاً لما ذهب إليه الجمهور . وبحث الحنفيّة نظير هذه المسألة في الإجارة ، كما سبق عند الحنابلة ، كما لو آجر شخص نفسه ليعمل في بناء كنيسة ، أو ليحمل خمر الذّمّيّ بنفسه أو على دابّته ، أو ليرعى له الخنازير ، أو آجر بيتاً ليتّخذ بيت نار ، أو كنيسةً أو بيعةً ، أو يباع فيه الخمر ، جاز له ذلك عند أبي حنيفة ، لأنّه لا معصية في عين العمل ، وإنّما المعصية بفعل المستأجر ، وهو فعل فاعل مختار كشربه الخمر وبيعها ، ففي هذا يقول المرغينانيّ : إنّ الإجارة ترد على منفعة البيت ( ونحوه ) ولهذا تجب الأجرة بمجرّد التّسليم ، ولا معصية فيه ، وإنّما المعصية بفعل المستأجر ، وهو مختار فيه ، فقطع نسبته عنه . ويرى الصّاحبان كراهة ذلك ، لما فيه من الإعانة على المعصية . وطرح بعض الحنفيّة هذا الضّابط : وهو أنّ ما قامت المعصية بعينه ، يكره بيعه تحريماً ( كبيع السّلاح من أهل الفتنة ) وما لم تقم بعينه يكره تنزيهاً .
حكم بيع ما يقصد به فعل محرّم ، من حيث الصّحّة والبطلان :
117 - ذهب الجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ) وهو أيضاً احتمال عند الحنابلة إلى : أنّ البيع صحيح ، لأنّه لم يفقد ركناً ولا شرطاً . غير أنّ المالكيّة نصّوا مع ذلك ، في مسألة بيع السّلاح ، على إجبار المشتري على إخراجه عن ملكه ، ببيع أو هبة أو نحوهما ، من غير فسخ للبيع .
يقول الدّسوقيّ : يمنع أن يباع للحربيّين آلة الحرب ، من سلاح أو كراع أو سرج ، وكلّ ما يتقوّون به في الحرب ، من نحاس أو خباء أو ماعون ، ويجبرون على إخراج ذلك .
كما نصّ القليوبيّ من الشّافعيّة ، على أنّ من باع أمةً لمن يكرهها على الزّنى ، ودابّةً لمن يحمّلها فوق طاقتها ، فللحاكم أن يبيع هذين على مالكهما قهراً عليه . ومذهب الحنابلة أنّ هذا البيع باطل ، لأنّه عقد على عين لمعصية اللّه تعالى بها ، فلم يصحّ .
ج - بيع الرّجل على بيع أخيه :
118 - من صوره أن يتراضى المتبايعان على ثمن سلعة ، فيجيء آخر ، فيقول : أنا أبيعك مثل هذه السّلعة بأنقص من هذا الثّمن ، أو يقول : أبيعك خيراً منها بثمنها أو بدونه - أي بأقلّ منه - أو يعرض على المشتري سلعةً رغب فيها المشتري ، ففسخ البيع واشترى هذه . وقد ثبت النّهي في الصّحيح عن ذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا يبعْ بعضُكم على بيع بعض » . وفي لفظ آخر : « لا يبع الرّجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه ، إلاّ أن يأذن له » .
وفي لفظ : « لا يبع بعضكم على بيع بعض ، حتّى يبتاع أو يذر » .
وفي لفظ : « لا يبيع الرّجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه ، إلاّ أن يأذن له » .
وفي لفظ : « لا يبيع بعضكم على بيع أخيه » .
حكمه :
119 - ذهب الشّافعيّة ، وهو وجه محتمل عند الحنابلة إلى : أنّ هذا البيع محرّم ، لكنّه لا يبطل البيع ، بل هو صحيح لرجوع النّهي إلى معنًى خارج عن الذّات وعن لازمها ، إذ لم يفقد ركناً ولا شرطاً ، لكنّ النّهي لمعنًى مقترن به ، وهو خارج غير لازم ، وهو الإيذاء هنا . هذا تعليل الشّافعيّة . وتعليل الحنابلة : أنّ المحرّم هو عرض سلعته على المشتري ، أو قوله الّذي فسخ البيع من أجله ، وذلك سابق على البيع ، ولأنّه إذا صحّ الفسخ الّذي حصل به الضّرر ، فالبيع المحصّل للمصلحة أولى ، ولأنّ النّهي لحقّ آدميّ ، فأشبه بيع النّجش . وذهب الحنفيّة إلى أنّ هذا البيع ونحوه من البياعات مكروه تحريماً ، قال ابن الهمام : هذه الكراهات كلّها تحريميّة ، لا نعلم خلافاً في الإثم ، وذلك للأحاديث المذكورة ، ولما فيه من الإيحاش والإضرار . والمذهب عند الحنابلة : أنّه غير جائز وهو حرام ، ولا يصحّ هذا البيع ، بل هو باطل لأنّه منهيّ عنه ، لما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه ، والنّهي يقتضي الفساد .
120 - وقيّد الشّافعيّة والحنابلة البيع المنهيّ عنه بما يلي :
- 1 - أن يكون البيع على البيع قبل لزوم البيع ، وذلك لبقاء خيار المجلس أو الشّرط ، وكذا بعد اللّزوم في زمن خيار العيب ، إذا اطّلع المشتري على عيب ، على المعتمد عندهم . وهذا معنى قول الحنابلة : أن يكون البيع زمن الخيارين ، فلو حدث بعد مضيّ الخيار ولزوم البيع لا يحرم ، لعدم تمكّن المشتري من الفسخ إذاً ، ولا معنى له .
- 2 - أن يكون البيع على البيع بغير إذنه له - كما قاله القاضي زكريّا - ( أي بغير إذن البائع الأوّل ، للّذي باع على بيع أخيه ) .
وقيّد الحنفيّة منع البيع على بيع غيره بما إذا تراضى المتبايعان على البيع .
121 - وذكر الشّافعيّة بعض الفروع والأحكام ، في هذه الجزئيّة ، فقرّروا :
- أنّ الحرمة ثابتة ، ولو كان المشتري مغبوناً في صفقته ، إذ النّصيحة الواجبة تحصل بالتّعريف من غير بيع . وقيّد القليوبيّ الحرمة بما إذا لم يعلم الرّضا باطناً .
- مثل البيع على البيع ، أن يبيع بائع المشتري في زمن الخيار سلعةً مثل الّتي اشتراها . وسبب المنع الخشية من أن يردّ المشتري بالخيار السّلعة الأولى ، كما نصّ عليه الشّافعيّ رضي الله عنه .
- يمنع البيع على بيع غيره إلى أن يتبيّن ما يؤول إليه الأمر ، بأن يلزم البيع أو يعرض المشتري عن الشّراء ، فإن أعرض انتهت مدّة المنع ، وجاز للغير أن يبيعه .
- مثل البيع في التّحريم على البيع غيره من بقيّة العقود ، كالإجارة والعاريّة ( أي الاستعارة ) والاقتراض والاتّهاب ، والمساقاة ، والمزارعة ، والجعالة . قال الحنابلة : فتحرم ولا تصحّ إذا سبقت للغير ، قياساً على البيع ، لما في ذلك من الإيذاء .
بل نصّ البرماويّ من الشّافعيّة أيضاً على أنّ من أنعم عليه بكتاب ( عاريّةً ) ليطالع فيه ، حرم على غيره أن يسأل صاحبه فيه ، أي يطلبه من صاحبه ليطالع فيه هو أيضاً ، لما فيه من الإيذاء ، وبنوا على هذا حرمة طلب العاريّة بعد عقدها مطلقاً .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:40 PM

د - السّوم ، والشّراء على شراء أخيه .
122 - أمّا السّوم على السّوم فمن صوره : ما إذا تساوم رجلان ، فطلب البائع بسلعته ثمناً ، ورضي المشتري بذلك الثّمن ، فجاء مشتر آخر ، ودخل على سوم الأوّل ، فاشتراه بزيادة أو بذلك الثّمن نفسه . لكنّه رجل وجيه ، فباعه منه البائع لوجاهته .
123 - وأمّا الشّراء على الشّراء فمن صوره : أن يأمر شخص البائع بفسخ العقد ليشتريه هو بأكثر ، أو يجيء شخص إلى البائع قبل لزوم العقد ، ليدفع في المبيع أكثر من الثّمن الّذي اشتري به ، ليفسخ البيع ويعقد معه .
وقيّد الحنفيّة منع هذا الشّراء أو السّوم بما إذا اتّفق المتبايعان على الثّمن أو تراضيا ، أو جنح البائع إلى البيع بالثّمن الّذي سمّاه المشتري ، وأمّا إذا لم يجنح ولم يرضه ، فلا بأس لغيره أن يشتريه بأزيد ، لأنّ هذا بيع من يزيد ، ولا كراهة فيه ، كما سيأتي .
وقيّد الشّافعيّة المنع بأن يكون الشّراء قبل اللّزوم ، أي زمن الخيار - كما عبّر القاضي - أو يكون بعد اللّزوم ، وقد اطّلع على عيب - كما مرّ في البيع على بيع غيره -
أمّا الحنابلة فللسّوم على السّوم عندهم صور :
الأولى : أن يوجد من البائع تصريح بالرّضا بالبيع ، فهذا يحرم السّوم على غير المشتري . الثّانية : أن يظهر منه ما يدلّ على عدم الرّضا فلا يحرم السّوم .
الثّالثة : أن لا يوجد ما يدلّ على الرّضا أو عدمه ، فلا يجوز السّوم لغيره أيضاً .
الرّابعة : أن يظهر منه ما يدلّ على الرّضا من غير تصريح . فقال القاضي : لا يحرم السّوم . وقال ابن قدامة : يحرم . كما قيّده الشّافعيّة أيضاً بأن يكون بغير إذن له من المشتري ، فلو وقع الإذن من أحدهما لم يحرم ، لأنّ الحقّ لهما وقد أسقطاه ، ولمفهوم الخبر السّابق : « حتّى يبتاع أو يذر » . وقرّروا : أنّ المعتبر إذن المالك ، لا الوليّ والوصيّ والوكيل ، إن كان فيه ضرر على المالك ، وأنّ موضع الجواز مع الإذن إذا دلّت الحال على الرّضا باطناً ، فإن دلّت على عدمه ، وأنّه إنّما أذن ضجراً وحنقاً فلا ، كما قاله الأذرعيّ منهم .
حكمه :
124 - هذا الشّراء أو السّوم بهذه الصّور والقيود منهيّ عنه ، غير جائز عند الجميع ، لكنّه صحيح عند الجمهور ، باطل عند الحنابلة إلاّ في وجه محتمل للصّحّة عندهم كالجمهور . والحنفيّة يعنون بعدم الجواز كراهة التّحريم ، لا الحرمة .
أ - فدليل الشّافعيّة ، والوجه المحتمل عند الحنابلة على الحرمة مع صحّة الشّراء . حديث
« لا يبع بعضكم على بيع بعض » المتقدّم . فقال المحلّيّ : وفي معناه الشّراء على الشّراء . وأشار البهوتيّ إلى أنّ التّحريم بالقياس على البيع ، ولأنّ الشّراء يسمّى بيعاً .
ولأنّ فيه إيذاءً ، قال المحلّيّ : المعنى في تحريم ذلك : الإيذاء للعالم بالنّهي عنه .
ولأنّه إذا صحّ الفسخ الّذي حصل به الضّرر ، فالبيع المحصّل للمصلحة أولى .
ولأنّ النّهي لحقّ آدميّ ، فأشبه بيع النّجش .
ب - ودليل الحنفيّة على الكراهة مع صحّة الشّراء : حديث أبي هريرة « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى أن يتلقّى الرّكبان ، ولا يبيع حاضر لباد ، وأن تسأل المرأة طلاق أختها ، وعن النّجش والتّصرية ، وأن يستام الرّجل على سوم أخيه » .
وقرّر الحنفيّة أنّ هذا الحديث نصّ في النّهي عن الاستيام ، فلا حاجة - كما أوضح ابن الهمام - إلى جعل لفظ البيع في حديث : « لا يبع أحدكم على بيع أخيه » جامعاً للبيع والشّراء مجازاً ، إنّما يحتاج إلى ذلك لو لم يرد حديث الاستيام ، ولأنّ في ذلك إيحاشاً وإضراراً به فيكره . قال الكاسانيّ : والنّهي لمعنًى في غير البيع ، وهو الإيذاء ، فكان نفس البيع مشروعاً ، فيجوز شراؤه ، ولكنّه يكره .
ج - ودليل الحنابلة على التّحريم والبطلان ، أنّ هذا منهيّ عنه ، والنّهي يقتضي الفساد .
125 - وفيما يلي بعض الفروع والتّفصيلات المتعلّقة بالسّوم ، والشّراء على شراء الآخرين :
أ - نصّ الحنفيّة على أنّ السّوم على سوم الآخرين مكروه ، ولو كان المستام عليه ذمّيّاً أو مستأمناً . وقالوا : ذكر الأخ في الحديث ليس قيداً ، بل لزيادة التّنفير ، لأنّ السّوم على السّوم يوجب إيحاشاً وإضراراً ، وهو في حقّ الأخ أشدّ منعاً ، فهو كما في قوله في الغيبة : « ذِكْرُك أخاك بما يَكْره » إذ لا خفاء في منع غيبة الذّمّيّ .
وقرّر الشّافعيّة أنّ ذكر الرّجل خرج مخرج الغالب ، كما أنّ تخصيص الأخ لإثارة الرّقّة والعطف عليه ، وسرعة امتثاله ، فغيرهما مثلهما . فالذّمّيّ والمعاهد والمستأمن مثل المسلم . وخرج الحربيّ والمرتدّ فلا يحرم .
ب - ألحق الحنفيّة الإجارة بالبيع في منع السّوم على السّوم ، إذ هي بيع المنافع .
كما ألحق الحنابلة جملةً من العقود ، كالقرض والهبة وغيرهما ، قياساً على البيع ، وكلّها تحرم ولا تصحّ للإيذاء .
ج - ألحق الماورديّ من الشّافعيّة بالشّراء على الشّراء ، تحريم طلب السّلعة من المشتري بأكثر - والبائع حاضر - قبل اللّزوم ، لأدائه إلى الفسخ أو النّدم .
د - وكذلك قاس الشّافعيّة على كلام الماورديّ في التّحريم ، ما لو طلب شخص من البائع ، في زمن الخيار ، شيئاً من جنس السّلعة المبيعة ، بأكثر من الثّمن الّذي باع به ، لا سيّما إن طلب منه مقداراً لا يكمل إلاّ بانضمام ما بيع منها .
هـ -وصرّحوا أيضاً بحرمة ما ذكر ، سواء أبلغ المبيع قيمته أم نقص عنها – على المعتمد عندهم - .
و - وتكلّموا أيضاً في مسألة تعريف المغبون في الشّراء بغبنه ، فصرّح ابن حجر بأنّه لا محذور فيه ، لأنّه من النّصيحة الواجبة ، لكنّه استظهر أنّ محلّه في غبن نشأ عن نحو غشّ البائع ، فلم يبال بإضراره ، لأنّه آثم . بخلاف ما إذا نشأ لا عن نحو تقصير منه ، لأنّ الفسخ ضرر عليه ، والضّرر لا يزال بالضّرر . وصرّح الشّروانيّ بأنّه إذا علم المشتري الثّاني بالمبيع عيباً ، وجب إعلام المشتري به ، وهذا صادق بما إذا كان البائع جاهلاً بالعيب ، مع أنّه لا تقصير منه حينئذ ، ولا فرق بين هذا وبين الغبن ، لأنّ الملحظ حصول الضّرر ، وأشار إلى أنّ هذا محلّ تأمّل ، ورأى أنّ وجوب النّصيحة يقتضي وجوب تعريف المغبون ، وإن نشأ الغبن من تقصيره ، ولكنّها تحصل بالتّعريف من غير بيع .
126 - واستثنى الفقهاء بيع المزايدة بالمناداة ، ويسمّى بيع الدّلالة . ويسمّى أيضاً : المزايدة . استثنوها من الشّراء على الشّراء ، ومن السّوم على سوم أخيه .
وهي : أن ينادى على السّلعة ، ويزيد النّاس فيها بعضهم على بعض ، حتّى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها . وهذا بيع جائز بإجماع المسلمين ، كما صرّح به الحنابلة ، فصحّحوه ولم يكرهوه . وقيّده الشّافعيّة بأمرين : أن لا يكون فيه قصد الإضرار بأحد ، وبإرادة الشّراء ، وإلاّ حرمت الزّيادة ، لأنّها من النّجش .
127 - ودليل جواز بيع المزايدة :
- ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه « أنّ رجلاً من الأنصار أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسأله فقال له : ما في بيتك شيء ؟ قال : بلى ، حِلْس يلبس بعضه ، ويبسط بعضه ، وقَعْب يشرب فيه الماء . قال : ائتني بهما . فأتاه بهما ، فأخذهما رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال : من يشتري هذين ؟ فقال رجل : أنا آخذهما بدرهم ، قال : من يزيد على درهم ؟ مرّتين أو ثلاثاً ، فقال رجل : أنا آخذهما بدرهمين ، فأعطاهما إيّاه ، وأخذ الدّرهمين ، فأعطاهما الأنصاريّ ، وقال : اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك ، واشتر بالآخر قدوماً ، فائْتني به . فأتاه به ، فشدّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عوداً بيده ، ثمّ قال له : اذهب فاحتطب وبع ، ولا أرينك خمسة عشر يوماً . فذهب الرّجل يحتطب ويبيع ، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم ، فاشترى ببعضها ثوباً ، وببعضها طعاماً ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتةً في وجهك يوم القيامة . إنّ المسألة لا تصلح إلاّ لثلاثة : لذي فقر مدقع ، أو لذي غرم مفظع ، أو لذي دم موجع » . قال الكاسانيّ في تعليقه على هذا الحديث : وما كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ليبيع بيعاً مكروهاً .
- والدّليل الثّاني : أنّ المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة .
- وأنّه بيع الفقراء ، كما قال المرغينانيّ ، والحاجة ماسة إليه .
- ولأنّ النّهي إنّما ورد عن السّوم حال البيع ، وحال المزايدة خارج عن البيع .
وتفصيل أحكام ( المزايدة ) في مصطلحها .
هـ - النّجش :
128 - النَجْش هو بسكون الجيم مصدر ، وبالفتح اسم مصدر ، ومن معانيه اللّغويّة : الإثارة . يقال : نجش الطّائر : إذا أثاره من مكانه . قال الفيّوميّ : نجش الرّجل ينجش نجشاً : إذا زاد في سلعة أكثر من ثمنها ، وليس قصده أن يشتريها ، بل ليغرّ غيره ، فيوقعه فيه ، وكذلك في النّكاح وغيره .
وأصل النّجش : الاستتار ، لأنّ النّاجش يستر قصده ، ومنه يقال للصّائد : ناجش لاستتاره . وقد عرّفه الفقهاء بأن يزيد الرّجل في الثّمن ولا يريد الشّراء ، ليرغّب غيره . أو أن يمدح المبيع بما ليس فيه ليروّجه . وقد ورد النّهي عنه ، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تلقّوا الرّكبان ، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض ، ولا تناجشوا ، ولا يبيع حاضر لباد ، ولا تصرّوا الغنم » . وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن النّجش »
أ - فمذهب جمهور الفقهاء : أنّه حرام ، وذلك لثبوت النّهي عنه ، على ما سبق . ولما فيه من خديعة المسلم ، وهي حرام .
ب - ومذهب الحنفيّة : أنّه مكروه تحريماً إذا بلغت السّلعة قيمتها ، أمّا إذا لم تبلغ فلا يكره ، لانتفاء الخداع . ذلك حكمه التّكليفيّ . أمّا حكمه الوضعيّ :
أ - فمذهب جمهور الفقهاء ، من الحنفيّة والشّافعيّة ، والصّحيح عند الحنابلة : أنّ البيع صحيح ، لأنّ النّجش فعل النّاجش لا العاقد ، فلم يؤثّر في البيع ، والنّهي لحقّ الآدميّ فلم يفسد العقد ، كتلقّي الرّكبان وبيع المعيب والمدلّس ، بخلاف ما كان حقّاً للّه ، لأنّ حقّ العبد ينجبر بالخيار أو زيادة الثّمن .
ب - ومذهب مالك ، وهو رواية عن أحمد : أنّه لا يصحّ بيع النّجش ، لأنّه منهيّ عنه ، والنّهي يقتضي الفساد . ومع ذلك فقد نصّ الفقهاء على خيار الفسخ في هذا البيع :
- فالمالكيّة قالوا : إن علم البائع بالنّاجش وسكت ، فللمشتري ردّ المبيع إن كان قائماً ، وله التّمسّك به ، فإن فات المبيع فالواجب القيمة يوم القبض إن شاء ، وإن شاء أدّى ثمن النّجش . وإن لم يعلم البائع بالنّاجش ، فلا كلام للمشتري ، ولا يفسد البيع ، والإثم على من فعل ذلك . وهذا قول عند الشّافعيّة ، حيث جعلوا للمشتري الخيار عند التّواطؤ .
- والأصحّ عند الشّافعيّة أنّه لا خيار للمشتري لتفريطه .
- ويقول الحنابلة : البيع صحيح سواء أكان النّجش بمواطأة من البائع أم لم يكن ، لكن إن كان في البيع غبن لم تجر العادة بمثله فالخيار للمشتري بين الفسخ والإمضاء ، كما في تلقّي الرّكبان ، وإن كان يتغابن بمثله فلا خيار له .
وفيه أحكام تفصيليّة تراجع في مصطلح : ( نجش ) .
و - تلقّي الجلب أو الرّكبان أو السّلع :
129 - عبّر الحنفيّة بتلقّي الجلب ، وعبّر المالكيّة بتلقّي السّلع . قال خليل : كتلقّي السّلع أو صاحبها . وعبّر ابن جزيّ منهم بتلقّي السّلعة . وعبّر الشّافعيّة والحنابلة بتلقّي الرّكبان . والتّلقّي : هو الخروج من البلد الّتي يجلب إليها القوت ( ونحوه ) .
والجلب - بفتحتين - بمعنى الجالب ، أو هو بمعنى المجلوب ، فهو فعل بمعنى مفعول ، وهو ما تجلبه من بلد إلى بلد ، وهذا هو المراد بتلقّي السّلع في تعبير المالكيّة .
كما أنّ الرّكبان - في تعبير الشّافعيّة والحنابلة - جمع راكب ، والتّعبير به جرى على الغالب ، والمراد القادم ولو واحداً أو ماشياً .
حكم التّلقّي التّكليفيّ :
130 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ بيع التّلقّي محرّم ، لثبوت النّهي عنه في قوله صلى الله عليه وسلم : « لا تلقّوا الجَلَب ، فمن تلقّاه فاشترى منه ، فإذا أتى سيّده "أي صاحبه" السّوق فهو بالخيار » . والحنفيّة ذهبوا إلى كراهة التّلقّي ، وذلك للضّرر أو الغرر ، أو كما قال الكاسانيّ : لأنّ البيع مشروع في ذاته ، والنّهي في غيره ، وهو الإضرار بالعامّة على التّفسير الأوّل - الّذي ذكرناه عندهم - وتغرير أصحاب السّلع على التّفسير الثّاني ، فإذا لم يكن هناك ضرر أو غرر فلا بأس ، ولا يكره ، كما صرّح بذلك المرغينانيّ والكرلانيّ والكاسانيّ والزّيلعيّ والحصكفيّ ، لانعدام الضّرر . فقول ابن قدامة : وحكي عن أبي حنيفة أنّه لم ير بذلك بأساً ، وسنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أحقّ أن تتّبع . ليس على إطلاقه . وفسخ المكروه - من البياعات - واجب على كلّ واحد منهما ، لرفع الإثم ، وهي عند الإطلاق عندهم للتّحريم ، كما هنا ، وكما في كلّ بيع مكروه .
حكم التلقي الوضعي :
131 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن بيع التلقي صحيح ، ولا يفسد العقد به . ونقل ابن قدامة عن ابن عبد البر أن البيع صحيح في قول الجميع ، وعلل الصحة :
- بإثبات الخيار في حديث أبي هريرة السابق ، والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح .
- ولأن النهي لا لمعنى في البيع ، بل يعود إلى ضرب من الخديعة ، يمكن استدراكها بإثبات الخيار ، فأشبه بيع المصراة . وفارق بيع الحاضر للبادي ، فإنه لا يمكن استدراكه بالخيار ، إذ ليس الضرر عليه ، إنما هو على المسلمين .
- وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد ، أن التلقي فاسد ، وذلك لظاهر النهي .
قال ابن قدامة : والأول أصح .
ز - بيع الحاضر للبادي :
132 - ورد النّهي عنه في أحاديث منها ما رواه جابر رضي الله عنه مرفوعاً : « لا يبيع حاضر لباد ، دعوا النّاس يرزق اللّه بعضهم من بعض » .
وقد اختلف الفقهاء في المراد من بيع الحاضر للبادي . فذهب الجمهور إلى أنّ المراد : أن يكون الحاضر سمساراً للبادي ، لما يؤدّي إليه ذلك من الإضرار بأهل البلد لارتفاع السّعر ، وفسّر بغير ذلك . وللمنع شروط وتفصيلات من حيث الجواز وعدمه والصّحّة أو البطلان . وينظر ذلك في مصطلح : ( بيع الحاضر للبادي ) .
النّوع الثّاني : الأسباب الّتي تؤدّي إلى مخالفة دينيّة أو عباديّة محضة :
أ - البيع عند أذان الجمعة :
133 - أمر القرآن الكريم بترك البيع عند النّداء ( الأذان ) يوم الجمعة ، فقال تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا نُودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسْعَوا إلى ذِكْر اللَّه وَذَرُوا البيعَ ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } والأمر بترك البيع نهي عنه . ولم يختلف الفقهاء في أنّ هذا البيع محرّم لهذا النّصّ . غير أنّ للجمعة أذانين ، فعند أيّ الأذانين يعتبر مورد النّهي عن البيع .
أ - فمذهب جمهور الفقهاء ، ومنهم بعض الحنفيّة كالطّحاويّ ، أنّه الأذان الّذي جرى به التّوارث ، ولم يكن على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو أذان خطبة الجمعة بين يدي المنبر ، والإمام على المنبر ، فينصرف النّداء إليه . ولهذا قيّده المالكيّة والحنابلة بالأذان الثّاني . واستدلّوا لذلك بما يلي :
- ما روي عن السّائب بن يزيد رضي الله عنه ، قال : « كان النّداء يوم الجمعة أوّله إذا جلس الإمام على المنبر ، على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلمّا كان عثمان رضي الله عنه وكثر النّاس ، زاد النّداء الثّالث على الزّوراء » . وفي رواية « زاد الثّاني » . وفي رواية « على دار في السّوق ، يقال لها : الزّوراء » وتسمية الأذان الأوّل في أيّامنا ، أذاناً ثالثاً ، لأنّ الإقامة - كما يقول ابن الهمام تسمّى أذاناً ، كما في الحديث « بين كلّ أذانين صلاة » - ولأنّ البيع عند هذا الأذان يشغل عن الصّلاة ، ويكون ذريعةً إلى فواتها ، أو فوات بعضها .
ب - والقول الأصحّ والمختار عند الحنفيّة ، وهو اختيار شمس الأئمّة ، أنّ المنهيّ عنه هو البيع عند الأذان الأوّل الّذي على المنارة ، وهو الّذي يجب السّعي عنده ، وهو الّذي رواه الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا وقع بعد الزّوال .
وعلّلوه بحصول الإعلام به . ولأنّه لو انتظر الأذان عند المنبر ، يفوته أداء السّنّة وسماع الخطبة ، وربّما تفوته الجمعة إذا كان بيته بعيداً من الجامع .
بل نقل الطّحاويّ عن صاحب البحر قوله ، فيما ذهب إليه الطّحاويّ : وهو ضعيف .
ج - وهناك رواية عن الإمام أحمد ، حكاها القاضي عنه ، وهي : أنّ البيع يحرم بزوال الشّمس ، وإن لم يجلس الإمام على المنبر .
وهذه الرّواية قريبة من مذهب الحنفيّة ، لكنّ ابن قدامة قرّر أنّها لا تصحّ من وجوه ، وهي : أنّ اللّه تعالى علّق النّهي عن البيع على النّداء ، لا على الوقت . ولأنّ المقصود بهذا إدراك الجمعة ، وهو يحصل بالنّداء عقيب جلوس الإمام على المنبر ، لا بما ذكره القاضي ، وهو زوال الشّمس ، وإن لم يجلس الإمام على المنبر . ولأنّه لو كان تحريم البيع معلّقاً بالوقت ، لما اختصّ بالزّوال ، فإنّ ما قبله وقت أيضاً ، لأنّ وقت الجمعة عند أحمد هو ما بين ارتفاع الشّمس قدر رمح إلى آخر وقت الظّهر .
الحكم التّكليفيّ فيه :
134 - جمهور الفقهاء على أنّ النّهي عن البيع عند الأذان هو للتّحريم ، صرّح به المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . أمّا الحنفيّة فقد ذكروا أنّ أقلّ أحوال النّهي الكراهة ، وأنّ ترك البيع واجب ، فيكره تحريماً من الطّرفين : البائع والمشتري على المذهب ، ويصحّ إطلاق الحرام عليه ، كما عبّر المرغينانيّ ويفترض تركه ، كما عبّر الشّرنبلاليّ .
قيود تحريم هذا البيع :
135 - إنّ هذا النّهي الّذي اقتضى التّحريم أو الكراهة ، مقيّد بقيود :
أ - أن يكون المشتغل بالبيع ممّن تلزمه الجمعة ، فلا يحرم البيع على المرأة والصّغير والمريض ، بل نصّ الحنفيّة على أنّ هذا النّهي قد خصّ منه من لا جمعة عليه . ومع ذلك ، فقد ذكر ابن أبي موسى - من الحنابلة - روايتين في غير المخاطبين ، والصّحيح عندهم أنّ التّحريم خاصّ بالمخاطبين بالجمعة . وذلك : لأنّ اللّه تعالى إنّما نهى عن البيع من أمره بالسّعي ، فغير المخاطبين بالسّعي لا يتناولهم النّهي . ولأنّ تحريم البيع معلّل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة ، وهذا معدوم في حقّهم .
ب - وأن يكون المشتغل بالبيع عالماً بالنّهي ، كما نصّ عليه الشّافعيّة .
ج - انتفاء الضّرورة إلى البيع ، كبيع المضطرّ ما يأكله ، وبيع كفن ميّت خيف تغيّره بالتّأخير ، وإلاّ فلا حرمة ، وإن فاتت الجمعة - كما يقول الجمل من الشّافعيّة .
د - أن يكون البيع بعد الشّروع في أذان الخطبة - كما عبّر الجمهور - أو عنده - كما عبّر المالكيّة أيضاً .
هـ - ولم يتعرّض الحنفيّة للتّقييد بغير كون الأذان بعد الزّوال .
قياس غير البيع من العقود عليه في التّحريم :
136 - النّهي عند الجمهور شامل البيع والنّكاح وسائر العقود . بل نصّ الحنفيّة على وجوب ترك كلّ شيء يؤدّي إلى الاشتغال عن السّعي إلى الجمعة ، أو يخلّ به .
ونصّ المالكيّة على أنّه يفسخ بيع وإجارة وتولية وشركة وإقالة وشفعة ، لا نكاح وهبة وصدقة وكتابة وخلع .
ونصّ الشّافعيّة على حرمة الاشتغال بالعقود والصّنائع وغيرها ، ممّا فيه تشاغل عن الجمعة . وفي قول عند الحنابلة : أنّه يحرم غير البيع من العقود ، كالإجارة والصّلح والنّكاح ، لأنّها عقود معاوضة فأشبهت البيع .
والمذهب عند الحنابلة : تخصيص عقد البيع والشّراء فقط بالتّحريم وعدم الصّحّة ، بعد الشّروع في الأذان الثّاني ، فتصحّ عندهم سائر العقود من النّكاح والإجارة والصّلح وغيرها ، من القرض والرّهن والضّمان ( الكفالة ) ونحوها . لأنّ النّهي ورد في البيع وحده ، وغيره لا يساويه لقلّة وقوعه ، فلا تكون إباحته ذريعةً لفوات الجمعة ، ولا يصحّ قياسه عليه . ونصّوا على أنّ إمضاء البيع الّذي فيه خيار ، أو فسخه يصحّ ، ولا يعتبر مجرّد الإمضاء والفسخ في الخيار بيعاً .
استمرار تحريم البيع حتّى انقضاء الصّلاة :
137 - لا يكاد الفقهاء يختلفون في أنّ النّهي عن البيع عند الأذان ، يستمرّ حتّى الفراغ من الصّلاة ، ومن نصوصهم في ذلك :
- ويحرم البيع والنّكاح وسائر العقود ، من جلوس الخطيب إلى انقضاء الصّلاة .
- يستمرّ التّحريم إلى الفراغ من الجمعة .
- ويستمرّ تحريم البيع والصّناعات من الشّروع في الأذان الثّاني أو من الوقت الّذي إذا سعى فيه أدركها من منزل بعيد ، إلى انقضاء الصّلاة .
أحكام عامّة في البيع عند الأذان :
أوّلاً : حكم بيع من تلزمه الجمعة ممّن لا تلزمه :
138 - قرّر الفقهاء أنّ من لا تجب عليه الجمعة مستثنًى من حكم تحريم البيع عند الأذان ، إذا لم تجب الجمعة عليهما معاً ، فلو تبايع اثنان ممّن لا تلزمهم الجمعة ، لم يحرم ولم يكره - كما صرّح به الشّافعيّة - أمّا لو وجبت على أحدهما دون الآخر :
- فمذهب الجمهور من الحنفيّة والشّافعيّة ، أنّهما يأثمان جميعاً ، لأنّ الأوّل الّذي وجبت عليه ارتكب النّهي ، والآخر الّذي لم تجب عليه أعانه عليه .
- وفي قول ضُعِّف عند الشّافعيّة : أنّه يكره للآخر الّذي لم تجب عليه ، ولا يأثم .
- ونصّ المالكيّة على أنّ البيع وغيره يفسخ في هذه الحال ، حيث كانت ممّن تلزمه الجمعة ، ولو مع من لا تلزمه .
- ونصّ الحنابلة على أنّ البيع لا يصحّ بالنّسبة إلى من تلزمه الجمعة . ويكره البيع والشّراء للآخر الّذي لا تلزمه ، لما فيه من الإعانة على الإثم .
ثانياً : حكم التّبايع حال السّعي إلى الجامع وقد سمع النّداء :
139 - اختلف الفقهاء في هذه المسألة ، بسبب تحصيل السّاعي المقصود من النّهي مع التّلبّس بالنّهي عنه .
أ - فالرّاجح من مذهب الحنفيّة ، ومذهب الشّافعيّة ، وهو أحد قولين للمالكيّة : أنّهما إذا تبايعا وهما يمشيان ، لا يحرم . وقال ابن نجيم من الحنفيّة ، نقلاً عن السّراج : لا يكره إذا لم . يشغله . وقال الحصكفيّ : لا بأس به .
لكنّ النّهي عن البيع ورد مطلقاً فتخصيصه بالرّأي ببعض الوجوه نسخ على قاعدة الحنفيّة ، فلا يجوز بالرّأي ، وعلّل انتفاء الكراهة : بأنّ النّهي عن البيع عند الأذان ، معلّل بالإخلال بالسّعي ، فإذا انتفى الإخلال بالسّعي انتفى النّهي .
وأنّ النّصّ الكريم خصّ منه من لا جمعة عليه ، والعامّ إذا دخله التّخصيص صار ظنّيّاً ، فيجوز تخصيصه ثانياً بالرّأي ، أي بالاجتهاد . والمالكيّة علّلوا الجواز : بأنّ البيع في هذه الحال لم يشغلهما عن السّعي ، ونقلوه عن ابن عمر رضي الله عنهما .
ب - ومذهب بعض الحنفيّة - كصاحب النّهر والزّيلعيّ ، والحصكفيّ أوّلاً في باب الجمعة والشرنبلالي - وجوب ترك البيع ، ولو مع السّعي . وصرّح صاحب النّهر بأنّه الّذي ينبغي التّعويل عليه . وهذا نفسه قول آخر أيضاً للمالكيّة ، وهو الّذي يبدو من كلام الحنابلة ، وإن لم يواجهوا هذه المسألة بذاتها .
ولا تعليل لهذا الاتّجاه ، إلاّ ما ذهب إليه الشّرنبلاليّ من الحنفيّة ، من أنّه يخلّ بالسّعي ، فيجب تركه لإطلاق الأمر . وما ذهب إليه بعض المالكيّة ، من سدّ الذّريعة .
ثالثاً : حكم البيع في المسجد بعد السّعي :
140 - الفقهاء متّفقون على كراهته :
أ - فقد نصّ الحنفيّة على أنّ البيع على باب المسجد أو فيه عند الأذان الأوّل الواقع بعد الزّوال أعظم وزراً من البيع ماشياً إلى الجمعة .
ب - ونصّ الشّافعيّة على أنّ حرمة البيع ونحوه ، في حقّ من جلس له في غير المسجد ، أمّا إذا سمع النّداء فقعد في الجامع ، أو في محلّ قريب منه وباع ، لا يحرم . لكنّ البيع في المسجد مكروه ، وصرّح ابن حجر وغيره بأنّ كلامهم للتّحريم أقرب .
ج - ونصّ الحنابلة على كراهة شرب الماء بعد النّداء ، بثمن حاضر أو في الذّمّة ( كما يحدث في الحرمين ) بل أشاروا إلى أنّ مقتضى عدم صحّة البيع والشّراء بعد الشّروع في النّداء هو التّحريم ، وخصوصاً إذا كان هذا في المسجد ، إلاّ أن يقال : ليس هذا بيعاً حقيقةً ، بل هو إباحة ، ثمّ تقع الإنابة عنها .
رابعاً : حكم البيع قبل الأذان الثّاني ، بعد الزّوال :
141 - المعتبر عند الحنفيّة في وجوب السّعي وترك البيع ، هو دخول الوقت ، ولهذا قيّدوا به الأذان فيما تقدّم ، فانبغى بذلك ثبوت كراهة البيع بعد الزّوال ، وانتفاؤها قبله .
وقد نصّ الشّافعيّة - كذلك - على كراهة البيع ونحوه ، قبل الأذان الثّاني والجلوس للخطبة إذا كان بعد الزّوال ، وذلك لدخول وقت الوجوب ، أمّا العقد قبل الزّوال فلا يكره .
وهذان الحكمان مقيّدان عندهم ، بما إذا كان العاقد لا يلزمه السّعي حينئذ ، وإلاّ بأن كان لا يدرك الجمعة إلاّ بذهابه في هذا الوقت ، فيحرم عليه ذلك العقد .
خامساً : شمول النّهي كلّ ما يشغل عن الجمعة :
142 - الفقهاء متّفقون على تحريم أو كراهة كلّ ما يشغل عن السّعي إلى الجمعة بعد النّداء - على اختلافهم فيه - ويجب ترك كلّ شيء يشغل عن السّعي إليها : كإنشاء السّفر عند النّداء ، والأكل ، والخياطة ، والصّناعات كلّها : كالمساومة ، والمناداة ، والكتابة ، وكذا الاشتغال بالعبادة ، وكذا المكث في بيته بعياله أو غيرهم ، ولو كان منزله بباب المسجد أو قريباً منه ، بل يجب عليه المبادرة إلى الجامع عملاً بالآية .
سادساً : هل المعتبر في الأذان أوّله أو تمامه ؟
143 - نصّ المالكيّة على أنّ المعتبر في الأذان بأوّله لا بتمامه ، فإن كبّر المؤذّن حرم البيع ، لأنّ التّحريم متعلّق بالنّداء .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:40 PM

الحكم الوضعيّ فيه :
144 - جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة ، وبعض المالكيّة ، يرون أنّ عقد البيع يقع صحيحاً ، لأنّ المنع منه لمعنًى في غير البيع ، خارج عنه ، وهو ترك السّعي ، فكان البيع في الأصل مشروعاً جائزاً ، لكنّه يكره تحريماً ، لأنّه اتّصل به أمر غير مشروع ، وهو ترك السّعي .
ويتفرّع عن صحّة البيع الأمور التّالية :
أ - عدم وجوب فسخه ، في أحد قولين عند الحنفيّة ، وأحد قولين عند المالكيّة أيضاً ، فقد قال الشّيخ العدويّ : وهناك قول آخر يقول : لا فسخ ، والبيع ماض ، ويستغفر اللّه .
ب - وجوب الثّمن لا القيمة .
ج - ثبوت ملك المبيع قبل القبض . لكنّ مشهور مذهب المالكيّة : أنّ هذا البيع كالبيع الفاسد يفسخ ، ويردّ من يد المشتري ما لم يفت بيده ، فإن فات - بتغيّر سوق - مضى العقد ، ولزم المشتري القيمة حين القبض على المشهور . وقيل بالقيمة حين البيع . والّذين نصّوا من المالكيّة على وجوب فسخ البيع ، ألحقوا به نحو البيع ، من الإجارة والشّركة والإقالة والشّفعة - إذا أخذ بها ، لا لو تركت - لكنّهم استثنوا مثل : النّكاح والهبة والصّدقة والعتق ، فلا يفسخ شيء من ذلك ، وإن حرم .
والفرق بين هذه المذكورات ، وبين البيع ونحوه عندهم هو : أنّ البيع ونحوه ممّا فيه العوض ، يرجع لكلّ عوضه بالفسخ ، فلا كبير ضرر فيها ، بخلاف ما لا عوض فيه ، فإنّه يبطل أصلاً لو فسخ . وذكر العدويّ في النّكاح علّةً أخرى ، وهي حصول الضّرر بفسخه ، فربّما يتعلّق أحد الزّوجين بصاحبه .
وهبة الثّواب عندهم ( وهي الّتي تنعقد بشرط المكافأة كما يعبّرون ، أو بشرط العوض ، كما يعبّر الحنفيّة وآخرون ) كالبيع . والخلع ينبغي أن يمضي ولا يفسخ ، على مقتضى العلّة المتقدّمة ، وهي أنّه يبطل أصلاً لو فسخ . أمّا الحنابلة فقد صرّحوا : بأنّ البيع لا يصحّ قليله وكثيره ، ولا ينعقد للّذي في النّصّ الكريم ، وهو ظاهر في التّحريم .
ب - بيع المصحف للكافر :
145 - اتّفق الفقهاء على أنّ هذا البيع ممنوع ، وصرّح جمهورهم بالحرمة ، ويبدو من كلام الحنفيّة ثبوت الكراهة ، وهي بمقتضى قواعدهم وتعليلهم للتّحريم .
يقول المالكيّة : يحرم على المالك أن يبيع للكافر مصحفاً أو جزأه ، وهذا ممّا لا خلاف فيه ، لأنّ فيه امتهان حرمة الإسلام بملك المصحف . وقد قال اللّه تعالى : { ولن يَجْعَل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً } . وأصل هذا التّعليل يرجع إلى ما روي في الصّحيح عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ » . ومع ذلك اختلف الفقهاء في صحّة هذا البيع :
أ - فالأظهر عند الشّافعيّة ، ومذهب الحنابلة ، وهو قول عند المالكيّة : عدم صحّة بيع المصحف لكافر ، وذلك لقوله تعالى { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدوّ مخافة أن تناله أيديهم » ، فلا يجوز تمكينهم منه . ولأنّه يمنع الكافر من استدامة الملك عليه ، فمنع من ابتدائه كسائر ما لا يجوز بيعه ، ولما في ملك الكافر للمصحف ونحوه من الإهانة .
وفرّع المالكيّة على هذا فسخ البيع إذا كان المبيع قائماً ، ونسب هذا الرّأي سحنون إلى أكثر أصحاب مالك . ولم يشترط المالكيّة الإسلام - كما يقول ابن جزيّ - في البيع إلاّ في شراء العبد المسلم ، وفي شراء المصحف .
ب - ومذهب الحنفيّة ، ومشهور مذهب المالكيّة ، وهو قول عند الشّافعيّة : أنّ بيع المصحف للكافر صحيح ، لكنّه يجبر على إخراجه من ملكه ، وذلك لحفظ كتاب اللّه عن الإهانة - كما نقل ابن عابدين عن الطّحاويّ - ولأنّ فيه امتهان حرمة الإسلام بملك المصحف - كما يقول الخرشيّ - ولا خلاف في التّحريم . كما قال عميرة .
ملحقات بالبيع :
146 - وكما يمنع بيع المصحف لهم - يمنع التّصدّق به عليهم ، وهبته منهم - كما نصّ عليه المالكيّة - وكذا ارتهانه منهم - كما نصّ عليه الحنابلة . والأوّلون يجبرونهم على إخراجه من ملكهم كما في البيع ، نصّ عليه الدّسوقيّ ، ولا ينبغي أن يخالف فيه الآخرون .
مستثنيات من البيع :
147 - واستثنى الشّافعيّة من حكم بيع المصحف ، أشياء :
- الدّراهم والدّنانير ، الّتي نقش عليها شيء من القرآن للحاجة .
- شراء أهل الذّمّة الدّور ، وقد كتب في جدرانها أو سقوفها شيء من القرآن لعموم البلوى ، فيكون مغتفراً للمسامحة به غالباً ، إذ لا يكون مقصوداً به القرآنيّة .
- واستثنى بعضهم - كابن عبد الحقّ - التّميمة لمن يرجى إسلامه ، وكذا الرّسالة اقتداءً بفعله صلى الله عليه وسلم .
- وكذا استثنوا الثّوب المكتوب عليه شيء من القرآن ، لعدم قصد القرآنيّة بما يكتب عليه ، إلاّ أن يقال : الغالب فيما يكتب على الثّياب التّبرّك بلا لبس ، فأشبه التّمائم ، على أنّ في ملابسته لبدن الكافر امتهاناً له ، بخلاف ما يكتب على السّقوف .
والّذي يأمر بإزالة ملك الكافر للمصحف ، هو الحاكم لا آحاد النّاس ، وذلك لما فيه من الفتنة ، كما نصّ عليه الشّافعيّة فيما يشبه هذه المسألة .
حكم بيع المسلم المصحف وشرائه له :
148 - أ - نصّ الشّافعيّة على أنّ بيع المسلم المصحف وشراءه له مكروه ، والمراد بالمصحف هنا خالص القرآن . ووجه الكراهة - كما يذكر الشّيخ عميرة - هو صون القرآن الكريم عن أن يكون في معنى السّلع المبتذلة ، بالبيع والشّراء . وهذا أيضاً رواية عن الإمام أحمد . ولأنّ المقصود منه كلام اللّه تعالى ، فتجب صيانته عن الابتذال ، وفي جواز شرائه التّسبّب إلى ذلك والمعونة عليه .
- ب - وفي قول آخر للشّافعيّة : أنّه يكره البيع بلا حاجة دون الشّراء . وصرّح القليوبيّ والجمل بأنّ هذا هو المعتمد عندهم . وعلّله الجمل بأنّ في الشّراء تحصيلاً بخلاف البيع فإنّه تفويت وابتذال وانقطاع رغبة .
وهذا الّذي اعتمده الشّافعيّة ، هو أيضاً رواية عن الإمام أحمد ، وقرّر المرداويّ في مسألة الشّراء وجوازه : أنّها المذهب ، وعلّلوها بأنّ الشّراء استنقاذ للمصحف فجاز ، كما جاز شراء رباع مكّة واستئجار دورها ، ولم يجز بيعها ولا أخذ أجرتها ، وكذلك دفع أجرة الحجّام لا يكره ، مع كراهة كسبه . بل جعله البهوتيّ كشراء الأسير .
ج - وفي رواية عن الإمام أحمد : أنّ بيع المصحف لا يجوز ولا يصحّ . قال المرداويّ : وهو المذهب كما روي عنه أنّه يحرم الشّراء ، وإن لم يذكرها بعضهم . وعلّل عدم الجواز : - بأنّ أحمد قال : لا أعلم في بيع المصاحف رخصةً .
- وبأنّه هو المرويّ عن الصّحابة ، ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم .
- ولأنّه يشتمل على كتاب اللّه ، فتجب صيانته عن البيع والابتذال .
د - وهناك رواية عن الإمام أحمد ، أنّ بيع المصحف جائز من غير كراهة . قال المرداويّ : ذكرها أبو الخطّاب . وأسند الحنابلة جواز بيع المصحف ، والتّرخيص فيه أيضاً إلى الحسن وعكرمة والشّافعيّ وأصحاب الرّأي ، وعلّلوه لهم ، بأنّ البيع يقع على الورق والجلد ، وبيعه مباح . وهناك روايتان عن الإمام أحمد في كراهة مبادلته . واختيار أحمد جواز إبدال المصحف بمثله ، لأنّه لا يدلّ على الرّغبة عنه ، ولا على الاستبدال به بعوض دنيويّ ، بخلاف أخذ ثمنه .
ومن هذا العرض يتّضح أنّ للإمام أحمد - بالإجمال - ثلاثة أقوال في بيع المصحف : الحرمة والكراهة والجواز . ومثلها في الشّراء . وفي المبادلة قولان . وأنّ المذهب - كما يؤخذ من كلام ابن قدامة والبهوتيّ - هو تحريم البيع ، وعدم الصّحّة ، وهذا معلّل أيضاً بقول ابن عمر : وددت أنّ الأيدي تقطع في بيعها ، ولأنّ تعظيمه واجب ، وفي البيع ترك التّعظيم وابتذال له . ولا يكره الشّراء لأنّه استنقاذ ، ولا الاستبدال بمصحف آخر ، لأنّه لا دلالة فيه على الرّغبة عنه .
آثار البيع المنهيّ عنه :
149 - إنّ الأصل في النّهي عند الجمهور هو البطلان ، فيجري على هذا الأصل إلاّ عند الضّرورة ، والضّرورة مقتصرة على ما إذا دلّ الدّليل على أنّ النّهي لمعنًى . مجاور للمنهيّ عنه فقط ، أمّا إذا دلّ الدّليل على أنّ النّهي لمعنًى في الوصف اللّازم ، فلا ضرورة للخروج على الأصل ، ولا في أن لا يجري النّهي على أصله ، وهو البطلان ، لأنّ بطلان الوصف اللّازم يوجب بطلان الأصل ، بخلاف المجاور لما أنّه ليس بلازم .
ب - وعند الحنفيّة الأصل في التّصرّف المنهيّ عنه أن يكون موجوداً صحيحاً شرعاً ، فيجري النّهي على هذا الأصل ، إلاّ عند الضّرورة ، والضّرورة عندهم منحصرة فيما إذا دلّ الدّليل على أنّ النّهي لمعنًى في ذات المنهيّ عنه ، أو في جزئه فقط ، أمّا إذا دلّ الدّليل على أنّ النّهي لمعنًى في وصف لازم ، فلا ضرورة في الخروج على الأصل ، ولا في أن لا يجري النّهي على أصله ، وهو الصّحّة ، لأنّ صحّة الأجزاء والشّروط فيه كافية لصحّة الشّيء ، وترجيح الصّحّة بصحّة الأجزاء أولى من ترجيح البطلان بالوصف الخارجيّ ، وإذا لم تكن الضّرورة قائمةً ، يجري النّهي على أصله ، وهو أن يكون المنهيّ عنه موجوداً شرعاً ، أي صحيحاً .
الفرق بين الاصطلاحات الثّلاثة : الفساد والبطلان والصّحّة :
150 - اتّضح ممّا سبق أنّ الجمهور لا يفرّقون بين الفساد وبين البطلان ، خلافاً للحنفيّة . فالصّحّة هنا - في العقود ، ومنها البيع - تقتضي بأن يكون العقد سبباً لترتّب آثاره المطلوبة منه شرعاً ، كالبيع بالنّسبة إلى الملك .
أمّا البطلان ، فمعناه تخلّف الأحكام عن العقود ، وخروج العقود عن أن تكون أسباباً مفيدةً للأحكام . والفساد يرادف البطلان عند الجمهور .
وعند الحنفيّة : هو قسم ثالث مغاير للصّحيح فهو : ما كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه . بخلاف الباطل ، فهو ما كان غير مشروع بأصله ولا بوصفه .
فيستوي عند الجمهور بيع الملاقيح والمضامين ، وبيع الأجنّة والميتات في البطلان : كبيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه ، وكبيع الطّعام قبل قبضه ، وبيع العينة ، والبيع المشتمل على الرّبا ، والبيع بالشّرط ، فلا يترتّب على هذه البيوع كلّها أيّ أثر لها .
لكنّ الحنفيّة يقولون مفصّلين : ببطلان بيع الملاقيح والمضامين والأجنّة والميتات ، لانعدام المحلّيّة والرّكنيّة كالجمهور ، وهذا هو عدم مشروعيّة الأصل بتعبيرهم ، فلا يترتّب عليها أيّ أثر . وبفساد الباقيات ، لا ببطلانها :
أ - ففي البيع بشرط مثلاً النّهي راجع للشّرط ، فيبقى أصل العقد صحيحاً ، مفيداً للملك ، لكن بصفة الفساد والحرمة ، فالشّرط أمر زائد على البيع ، لازم له لكونه مشروطاً في نفس العقد ، وهو المراد بالوصف في هذا المقام .
ب - وفي البيع المشتمل على الرّبا يقولون : إنّ ركن البيع ، وهو المبادلة الماليّة من أهلها في محلّها موجودة ، فيكون مشروعاً ، لكن لم توجد المبادلة التّامّة ، فأصل المبادلة حاصل ، لا وصفها ، وهو كونها تامّةً . وهذا بخلاف بيع الميتة والأجنّة ، لأنّها ليست بمال ، ولا متقوّمةً ، فهو غير مشروع أصلاً . وفيما يلي أحكام البيع الباطل - من وجهة نظر الحنفيّة الّذين قرّروه - ثمّ أحكام البيع الفاسد ، ثمّ أحكام البيع المكروه .
أوّلاً : أحكام البيع الباطل عند الحنفيّة :
151 - لا ينعقد البيع الباطل أصلاً ، وليس له وجود معتبر شرعاً ، وإذا قبض المشتري المبيع فلا يكون ملكاً له . قال الكاسانيّ : ولا حكم لهذا البيع أصلاً ، لأنّ الحكم للموجود ، ولا وجود لهذا البيع إلاّ من حيث الصّورة ، لأنّ التّصرّف الشّرعيّ لا وجود له بدون الأهليّة والمحلّيّة شرعاً ، إذ لا وجود للتّصرّف الحقيقيّ إلاّ من الأهل في المحلّ حقيقةً ، وذلك نحو بيع الميتة والدّم والعذرة والبول وبيع الملاقيح والمضامين وكلّ ما ليس بمال .
وإذا هلك المبيع عند المشتري ، ففي ضمانه خلاف عند الحنفيّة :
أ - قيل : لا يضمن ، لأنّه أمانة في يده ، وذلك لأنّ العقد إذا بطل بقي مجرّد القبض بإذن المالك ، وهو لا يضمن إلاّ بالتّعدّي ، كما نقله ابن عابدين عن الدّرر . وقيل : إنّ هذا قول أبي حنيفة .
ب - وقيل : يكون مضموناً ، لأنّه يصير كالمقبوض على سوم الشّراء . واختار السّرخسيّ وغيره أن يكون مضموناً بالمثل أو بالقيمة ، لأنّه لا يكون أدنى حالاً من المقبوض على سوم الشّراء . وقيل : إنّ هذا قول الصّاحبين . وفي القنية : أنّه الصّحيح ، لكونه قبضه لنفسه فشابه الغصب ، وفي الدّرّ : قيل : وعليه الفتوى . وللتّفصيل ينظر : ( البيع الباطل ) .
ثانياً : أحكام البيع الفاسد :
152 - ينبني على البيع الفاسد عدّة آثار هي : انتقال الملك بالقبض ، واستحقاق الفسخ لحقّ الشّرع ، وعدم طيب الرّبح النّاشئ من المبيع ، وقبوله للتّصحيح ، وضمان المبيع بالهلاك ، وثبوت الخيار فيه . وينظر تفصيل هذه الآثار وما يتعلّق بها في مصطلح : ( البيع الفاسد ) . هذا عند الحنفيّة . أمّا أحكامه عند الجمهور فهي أحكام البيع الباطل لعدم تفرقتهم بينهما ، وانظر في مصطلح : ( البيع الباطل ) .
ثالثاً : أحكام البيع المكروه :
153 - حكم البيع المكروه : المنع شرعاً وترتّب الإثم ، ولكنّه مع هذا صحيح . لأنّ النّهي باعتبار معنًى مجاور للبيع ، لا في صلبه ، ولا في شرائط صحّته ، ومثل هذا النّهي لا يوجب الفساد ، بل الكراهية . فالبيع عند الأذان للجمعة ، وبيع النّجش ، وبيع الإنسان على بيع أخيه ، وسومه على سومه ، ونحوها بيوع منهيّ عنها ، وهي - كما يقول الحصكفيّ مكروهة كراهة تحريم ، لكنّها صحيحة وليست باطلةً ، مع النّهي عنها عند الجمهور ، إلاّ في روايات عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وذلك لأنّ النّهي لا يرجع إلى ذات المنهيّ عنه ، ولا إلى شرائط الصّحّة ، بل إلى معنًى يقترن به .
154 - ومن أهمّ أحكام البيع المكروه : - أنّه بيع صحيح ، كما هو مذهب الجمهور .
- وأنّه يملك فيه المبيع قبل قبضه .
- وأنّه يجب فيه الثّمن ، لا القيمة .
- وأنّه لا يجب فسخه . وقيل : إنّ فسخه واجب على كلّ منهما ، صوناً لهما عن المحظور ، ولأنّ رفع المعصية واجب بقدر الإمكان .
ووفّق ابن عابدين - رحمه الله تعالى - بين القولين بأنّ الوجوب عليها ديانةً . بخلاف البيع الفاسد ، فإنّهما إذا أصرّا عليه يفسخه القاضي جبراً عليها ، ووجّهه أنّ البيع هنا صحيح ، فلا يلي القاضي فسخه لحصول الملك الصّحيح . لكن قرّر ابن جزيّ من المالكيّة ، أنّه إذا كان النّهي عن البيع يتعلّق بمحظور خارج عن باب البيوع ، كالبيع والشّراء في موضع مغصوب ، فهذا لا يفسخ ، فات أو لم يفت . وإذا كان النّهي عن البيع ، ولم يخلّ فيه بشرط مشترط في صحّة البيوع ، كالبيع وقت الجمعة ، وبيع الحاضر للبادي ، وتلقّي الجلب ، فاختلف فيه : فقيل فسخ . وقيل : لا يفسخ ، وقيل : يفسخ إن كانت السّلعة قائمةً .

البيع الموقوف *
التّعريف :
1- البيع : مبادلة المال بالمال .
وأمّا الموقوف فهو مشتقّ من " وقف " يقال : وقفت الدّابّة وقوفاً سكنت ، ووقفتها أنا وقفاً : جعلتها تقف . ووقفت الدّار وقفاً حبستها في سبيل اللّه ، ووقفت الأمر على حضور زيد : علّقت الحكم على حضوره ، ووقفت قسمة الميراث إلى الوضع : أخّرتها حتّى تضع الحبلى . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن معانيه اللّغويّة . وأمّا البيع الموقوف ، فقد عرّفه الفقهاء الّذين أجازوه بأنّه : البيع المشروع بأصله ووصفه ، ويفيد الملك على وجه التّوقّف ، ولا يفيد تمامه لتعلّق حقّ الغير به ، وهو من البيع الصّحيح .
ويقابله البيع النّافذ ، وهو : البيع الصّحيح الّذي لا يتعلّق به حقّ الغير . ويفيد الحكم في الحال . فالنّافذ هو ضدّ الموقوف ، فمتى قيل : بيع نافذ أريد به أنّه بيع غير موقوف .
مشروعيّة البيع الموقوف :
2 - يرى الحنفيّة والمالكيّة ، والحنابلة في إحدى الرّوايتين ، وهو قول الشّافعيّة في المذهب القديم - كما حكي عن الجديد أيضاً - مشروعيّة البيع الموقوف واعتباره قسماً من أقسام البيع الصّحيح ، لعمومات البيع نحو قوله تعالى { وأحَلَّ اللّه البيعَ } وقوله عزّ شأنه { يا أيّها الّذينَ آمنوا لا تَأْكُلوا أمْوالَكُمْ بينكمْ بالبَاطِلِ إلاّ أنْ تكُونَ تجارةً عن تراضٍ مِنْكُمْ }
وجه الدّلالة من هذه الآيات : أنّ اللّه سبحانه وتعالى شرع البيع والشّراء والتّجارة من غير فصل ، بين ما إذا وجد من المالك بطريق الأصالة ، وبين ما إذا وجد من الوكيل في الابتداء ، أو بين ما إذا وجدت الإجازة من المالك في الانتهاء وبين وجود الرّضا في التّجارة عند العقد أو بعده ، فيجب العمل بعمومها إلاّ ما خصّ بدليل .
ولما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه دفع ديناراً إلى عروة البارقيّ رضي الله عنه ، وأمره أن يشتري له أضحيّةً ، فاشترى شاتين ، ثمّ باع إحداهما بدينار ، وجاء بدينار وشاة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فدعا له بالبركة ، وقال عليه الصلاة والسلام : بارك اللّه في صفقة يمينك » ومعلوم أنّه لم يكن مأموراً ببيع الشّاة ، فلو لم ينعقد البيع الموقوف ، لما باع ولما دعا له بالخير والبركة على ما فعل ، ولأنكر عليه ، لأنّ الباطل ينكر .
كما أنّ البيع الموقوف تصرّف صدر من أهله في محلّه فلا يلغو ، كما لو حصل من المالك ، وكالوصيّة بالمال ممّن عليه الدّين ، والوصيّة بأكثر من الثّلث ممّن لا دين عليه .
والتّصرّف إذا صدر من أهله في محلّه تحقّق به وجوده ، ثمّ قد يمتنع نفاذه شرعاً لمانع ، فيتوقّف على زوال ذلك المانع ، وبالإجازة يزول المانع ، وهو عدم رضا المالك به .
ولأنّ البيع الموقوف يفيد الملكيّة بدون قبض تماماً ، كما هو الحكم في البيع الصّحيح ، فالبيع الموقوف هو بيع صحيح لصدق تعريفه وحكمه عليه . وانعقاد هذا البيع موقوفاً على الإجازة لا ينافي كونه صحيحاً .
3 - وذهب الشّافعيّة على المشهور من المذهب ، والحنابلة في إحدى الرّوايتين ، وهو قول أبي ثور وابن المنذر إلى بطلان العقد الموقوف . واستدلّوا بحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : « سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقلت : يأتيني الرّجل يسألني من البيع ما ليس عندي ، أأبتاع له من السّوق ثمّ أبيعه منه ؟ قال : لا تبع ما ليس عندك » .
كما احتجّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا بيع ولا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم » ولأنّ وجود السّبب بكماله بدون آثاره يدلّ على فساده .
ويقيسون البيع الموقوف على الطّلاق والعتاق
أنواع البيع الموقوف :
4 - عقد البيع يكون موقوفاً إذا تعلّق به حقّ الغير ، وهو أن يكون ملك الغير أو يكون لغير المالك حقّ في المبيع . وقد حصر صاحب " الخلاصة " أنواع البيع الموقوف في خمسة عشر نوعاً ، وأوصلها صاحب " النّهر " إلى ثمانية وثلاثين نوعاً ، وذكر ابن نجيم في " البحر الرّائق " تسعاً وعشرين صورةً للبيع الموقوف أهمّها :
- بيع الصّبيّ المحجور موقوف على إجازة الأب أو الوصيّ .
- بيع غير الرّشيد موقوف على إجازة القاضي .
- بيع المرهون موقوف على إجازة المرتهن .
- بيع العين المستأجرة موقوف على إجازة المستأجر .
- بيع ما في مزارعة الغير موقوف على إجازة المزارع .
- بيع البائع للشّيء المبيع بعد القبض من غير المشتري موقوف على إجازة المشتري الأوّل . - بيع المرتدّ عند الإمام أبي حنيفة موقوف على توبته من الرّدّة .
- بيع الشّيء برقمه موقوف على تبيّن الثّمن .
- البيع بما باع به فلان والمشتري لا يعلم ، فهو موقوف على العلم في المجلس .
- البيع بمثل ما يبيع النّاس موقوف على تبيّن الثّمن .
- البيع بمثل ما أخذ به فلان موقوف على تبيّن الثّمن .
- بيع المالك العين المغصوبة موقوف على إقرار الغاصب ، أو البرهان بعد إنكاره .
- بيع مال الغير موقوف على إجازته ( وهو بيع الفضوليّ ) .
- بيع الشّريك نصيبه من مشترك بالخلط الاختياريّ ، أو الاختلاط بغير فعل المالكين موقوف على إجازة شريكه .
- بيع المريض مرض الموت عيناً من أعيان ماله لبعض ورثته ، موقوف على إجازة باقي الورثة ولو كان بمثل القيمة عند أبي حنيفة .
- بيع الوارث التّركة المستغرقة بالدّين موقوف على إجازة الغرماء .
- أحد الوكيلين أو الوصيّين أو النّاظرين إذا باع بحضرة صاحبه يتوقّف على إجازته ( إذا كان مشروطاً اجتماعهما على التّصرّف ) .
- بيع المعتوه موقوف .
حكم البيع الموقوف :
5 - حكم البيع الموقوف هو أنّه يقبل الإجازة عند توافر الشّروط الآتية :
أ - وجود البائع حيّاً ، لأنّه يلزمه حقوق العقد بالإجازة ، ولا تلزم إلاّ حيّاً .
ب - وجود المشتري حيّاً ليلزمه الثّمن ، وبعد الموت لا يلزمه ، ما لم يكن لزمه حال أهليّته .
ج - وجود المبيع ، لأنّ الملك لم ينتقل فيه ، وإنّما ينتقل بعد الإجازة ، ولا يمكن أن ينتقل بعد الهلاك . والمراد بكون المبيع قائماً ، أن لا يكون متغيّراً بحيث يعدّ شيئاً آخر ، فإنّه لو باع ثوب غيره بغير أمره ، فصبغه المشتري ، فأجاز المالك البيع جاز ، ولو قطعه وخاطه ثمّ أجاز البيع لا يجوز ، لأنّه صار شيئاً آخر .
د - وجود الثّمن في يد البائع إذا كان عيناً كالعروض ، أمّا إذا كان الثّمن ديناً كالدّراهم والدّنانير والفلوس فوجود الثّمن في يد البائع ليس بشرط .
هـ - وجود المالك ، لأنّ الإجازة تكون منه ، حتّى لو مات المالك قبل إجازته البيع لا يجوز بإجازة ورثته كما يقول الحنفيّة . ويرى المالكيّة انتقال حقّ إجازة البيع الموقوف إلى الوارث . هذا ، وللتّوسّع فيما تثبت به الإجازة وسائر المسائل المتعلّقة بها ( ر : إجازة ) وإذا أجيز البيع الموقوف يستند أثره ( أي يسري منذ العقد ) على ما سيأتي .
أثر البيع الموقوف :
6 - البيع النّافذ يفيد الحكم في الحال ، وهو ملكيّة البائع للثّمن والمشتري للمبيع ، وتصرّف كلّ منهما فيما في يده من غير حاجة في ذلك إلى شيء آخر ، سواء أذكر في العقد تملّك البائع للثّمن والمشتري للمبيع أم لم يذكر ، لأنّ النّصّ على المقتضى بعد حصول الموجب ليس بشرط . ويشترط لنفاذ البيع أن يكون البائع مالكاً للمبيع ، أو وكيلاً لمالكه أو وصيّه ، وأن لا يكون في المبيع حقّ آخر .
وإذا تخلّف شرط منها فإنّ العقد يكون موقوفاً فلا يفيد الحكم إلاّ عند إجازة صاحب الشّأن ، فإن أجاز نفذ وإلاّ بطل . فقبل أن تصدر الإجازة ممّن يملكها لا يظهر أثر البيع الموقوف ، ويكون ظهور أثره موقوفاً على الإجازة ، فبيع الفضوليّ مثلاً لا ينفذ ابتداءً لانعدام الملك والولاية ، لكنّه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك ، فإن أجاز ينفذ وإلاّ يبطل . ( ر : بيع الفضوليّ ) وكذلك إذا باع الرّاهن الرّهن بلا إذن المرتهن ، فالبيع موقوف - في أصحّ الرّوايات عند الحنفيّة - لتعلّق حقّ المرتهن به فيتوقّف على إجازته ، إن أجاز المرتهن أو قضى الرّاهن دينه نفذ ، وإذا نفذ البيع بإجازة المرتهن انتقل حقّه إلى بدله . وللتّفصيل ( ر : رهن ) . هذا ، وينبغي التّنويه إلى أنّ البيع الموقوف لا يتوقّف دائماً نفاذه ، وظهور أثره على إجازة شخص غير العاقد ، بل هذا هو الأغلب ، فقد يكون متوقّف النّفاذ لا على إجازة أحد ، بل على زوال حالة أوجبت عدم النّفاذ ، كما في بيع المرتدّ عن الإسلام ، فإنّ نفاذ بيعه يتوقّف على عودته إلى الإسلام عند أبي حنيفة .
التّصرّفات الواقعة على المعقود عليه أثناء التّوقّف :
7 - التّصرّفات الواقعة على المعقود عليه في البيع الموقوف أثناء التّوقّف منها ما يستند أثره إلى وقت إنشاء العقد ، ومنها ما يبدأ أثره من حين الإجازة . فالإجازة تارةً تكون إنشاءً ، وتارةً تكون إظهاراً . وفيما يلي أمثلة لهذين النّوعين من التّصرّفات .
أوّلاً : التّصرّفات الّتي تستند إلى وقت إنشاء العقد :
أ - إذا أجيز بيع الفضوليّ لمال الغير فإنّه يعتبر نافذاً مستنداً حكمه إلى وقت إنشاء العقد ، فيصير المبيع ملكاً للمشتري ، والثّمن ملكاً للممالك أمانةً في يد الفضوليّ ، لأنّ الإجازة اللّاحقة بمنزلة الوكالة السّابقة . فإذا هلك الثّمن في يد الفضوليّ قبل الإجازة ، ثمّ أجيز العقد لم يضمنه كالوكيل ، وكذلك إذا حطّ البائع الفضوليّ من الثّمن ثمّ أجاز المالك البيع يثبت البيع والحطّ ، سواء أعلم البائع بالحطّ أم لم يعلم ، إلاّ أنّه إذا علم بالحطّ بعد الإجازة يثبت له الخيار . ووجه ذلك أنّ الفضوليّ يصير بالإجازة ****ل ، ولو حطّه الوكيل لا يتمكّن الموكّل من مطالبة المشتري به ، كذا هذا .
ب - إذا أجاز المالك البيع الموقوف ، فإن ملك المبيع يثبت للمشتري من وقت الشّراء ، ويثبت له بالتّالي الحقّ في كلّ ما يحدث بالمبيع قبل الإجازة من نماء أو زيادة ، كالكسب والولد والأرش وما إلى ذلك .
ثانياً : التّصرّفات الّتي يقتصر حكمها على وقت صدور الإجازة :
أ - لا يجوز للمشتري من الفضوليّ التّصرّف في المبيع قبل صدور الإجازة ، سواء أقبضه أم لم يقبضه . فإذا باع المشتري من الفضوليّ المبيع من غيره ، ثمّ أجاز المالك بيع الفضوليّ لا ينفذ بيع المشتري من الفضوليّ ، كما يقول الحنفيّة ، لأنّ المشتري من الفضوليّ لم يملك ما اشتراه إلاّ بعد الإجازة ، فبيعه وقع على ما لم يملك .
ب - إذا باع الفضوليّ شيئاً مملوكاً لغيره ، فإنّ طلب الشّفعة في الشّيء الّذي باعه يكون وقت الإجازة

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:42 PM

بيع وشرط *
1 - وردت في الشّريعة الإسلاميّة نصوص شرعيّة تقرّر للعقود آثارها ، ووردت فيها نصوص أخرى ، بعضها عامّ ، وبعضها خاصّ ، فيما يتّصل بمبلغ حقّ المتعاقدين في تعديل آثار العقود ، بالإضافة عليها ، أو النّقص منها ، وذلك بشروط يشترطانها في عقودهما . ففي القرآن الكريم ، ورد قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا أوْفوا بالعقود } ، وقوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطلِ ، إلاّ أنْ تكونَ تجارةً عن تراضٍ منكم } .
وفي السّنّة النّبويّة ورد حديث : « ... المسلمون على شروطهم ، إلاّ شرطاً حرّم حلالاً » وفي رواية : « عند شروطهم » ، وحديث : « مقاطع الحقوق عند الشّروط » ، وحديث :
« ما كان من شرط ليس في كتاب اللّه ، فهو باطل » أي ليس فيما كتبه اللّه وأوجبه في شريعته الّتي شرعها . وحديث : عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ، « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه : نهى عن بيع وشرط » .
فهذه النّصوص - في مجموعها - تشير إلى أنّ هناك : شروطاً مباحةً للمتعاقدين ، يتخيّرون منها ما يشاءون للالتزام بها في عقودهما ، وشروطاً محظورةً ، لا حقّ لأحد من المتعاقدين في اشتراطها في عقودهما ، لما أنّها تناقض المقصود ، أو تخالف القواعد العامّة الشّرعيّة ، أو تصادم مقصداً من مقاصد الشّريعة . وفيما يلي تفصيل مذاهب الفقهاء في البيع والشّرط ، كلّ مذهب على حدة للاختلاف الشّديد بينها في ذلك .
أوّلاً : مذهب الحنفيّة :
2 - وضع الحنفيّة هذا الضّابط للشّرط المنهيّ عنه ، الّذي يفسد العقد ، وهو : كلّ شرط لا يقتضيه العقد ، ولا يلائمه وفيه نفع لأحدهما ، أو لأجنبيّ ، أو لمبيع هو من أهل الاستحقاق ، ولم يجر العرف به . ولم يرد الشّرع بجوازه .
3 - أمّا إذا كان الشّرط ممّا يقتضيه العقد ، أي يجب بالعقد من غير شرط ، فإنّه يقع صحيحاً ، ولا يوجب فساد البيع . كما إذا اشترى بشرط أن يتملّك المبيع ، أو باع بشرط أن يتملّك الثّمن ، أو باع بشرط أن يحبس المبيع لاستيفاء الثّمن ، أو اشترى على أن يسلّم إليه المبيع ، أو اشترى دابّةً على أن يركبها ، أو ثوباً على أن يلبسه ، أو حنطةً في سنبلها وشرط الحصاد على البائع ، ونحو ذلك ، فالبيع جائز لأنّ البيع يقتضي هذه المذكورات من غير شرط ، فكان ذكرها في معرض الشّرط تقريراً لمقتضى العقد ، فلا توجب فساد العقد .
4 - وكذلك إذا كان الشّرط ملائماً للعقد ، بأن يؤكّد موجبه ، فإنّه لا يفسد العقد ، ولو كان لا يقتضيه العقد ، لأنّه يقرّر حكمه من حيث المعنى ويؤكّده ، فيلتحق بالشّرط الّذي هو من مقتضيات العقد ، كشرط رهن معلوم بالإشارة أو التّسمية ، وشرط كفيل حاضر قبل الكفالة ، أو غائب فحضر وقبلها قبل التّفرّق . واشتراط الحوالة كالكفالة ، فلو باع على أن يحيل المشتري البائع على غيره بالثّمن ، قالوا : فسد قياساً ، وجاز استحساناً .
لكنّ الكاسانيّ اعتبر شرط الحوالة مفسداً ، لأنّه لا يقتضيه العقد ، ولا يقرّر موجبه ، لأنّ الحوالة إبراء عن الثّمن وإسقاط له ، فلم يكن ملائماً للعقد ، بخلاف الكفالة والرّهن .
5- ويشمل شرط المنفعة عندهم ما يأتي :
أ - أن يكون شرط المنفعة لأحد المتعاقدين : كما إذا باع داراً على أن يسكنها البائع شهراً ، ثمّ يسلّمها إليه ، أو أرضاً على أن يزرعها سنةً ، أو دابّةً على أن يركبها شهراً ، أو ثوباً على أن يلبسه أسبوعاً ، أو على أن يقرضه المشتري قرضاً ، أو على أن يهبه هبةً ، أو يزوّجه ابنته ، أو يبيع منه كذا ، ونحو ذلك ، أو اشترى ثوباً على أن يخيطه البائع قميصاً ، أو حنطةً على أن يطحنها ، أو ثمرةً على أن يجذّها ، أو شيئاً له حمل ومؤنة على أن يحمله البائع إلى منزله ، ونحو ذلك . فالبيع في هذا كلّه فاسد ، لأنّ زيادة منفعة مشروطة في البيع تكون رباً ، لأنّها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع ، وهو تفسير الرّبا ، والبيع الّذي فيه الرّبا فاسد ، أو فيه شبهة الرّبا ، وإنّها مفسدة للبيع ، كحقيقة الرّبا .
ب - ويشمل ما إذا كانت المنفعة لأجنبيّ ، كما إذا باع ساحةً على أن يبني فيها مسجداً ، أو طعاماً على أن يتصدّق به ، فهو فاسد ، وإن يكن في مذهب الحنفيّة قولان في اشتراط القرض ونحوه من المنفعة لأجنبيّ .
ج - ويشمل ما إذا كانت المنفعة للمعقود عليه ، كما لو باع جاريةً على أن يوصي المشتري بعتقها ، فالبيع فاسد ، لأنّه شرط فيه منفعةً للمبيع ، وإنّه مفسد . وكذا لو شرط عليه أن يعتقها في ظاهر الرّواية . وكذا لو شرط عليه أن لا يبيعها أو لا يهبها ، لأنّ المملوك يسرّه أن لا تتداوله الأيدي . وروى الحسن عن الإمام أبي حنيفة جواز اشتراط الإعتاق على المشتري . أمّا ما لا منفعة فيه لأحد فلا يتناوله الشّرط المذكور ، ولا يوجب الفساد ، كما لو باعه ثوباً وشرط عليه أن لا يبيعه ، أو لا يهبه ، أو باعه دابّةً على أن لا يبيعها ، أو طعاماً على أن يأكله ولا يبيعه ، فهذا شرط لا منفعة فيه لأحد ، فلا يوجب في الصّحيح الفساد ، لأنّ الفساد في مثل هذه الشّروط - كما يقول الكاسانيّ - لتضمّنها الرّبا بزيادة منفعة مشروطة لا يقابلها عوض ، ولم يوجد في هذا الشّرط ، لأنّه لا منفعة فيه لأحد ، ولا مطالب له به ، فلا يؤدّي إلى الرّبا ، ولا إلى المنازعة ، فالعقد جائز ، والشّرط باطل .
6- أمّا ما فيه مضرّة لأحدهما ، كما لو باع الثّوب بشرط أن يخرقه المشتري ، أو الدّار على أن يخرّبها ، فالبيع جائز ، والشّرط باطل ، لأنّ شرط المضرّة لا يؤثّر في البيع . ونقل ابن عابدين أنّ هذا مذهب محمّد . ومذهب أبي يوسف هو فساد البيع . وما لا مضرّة ولا منفعة فيه لأحد ، فهو جائز ، كما لو اشترى طعاماً بشرط أكله ، أو ثوباً بشرط لبسه .
7- واستثنى الحنفيّة من شرط المنفعة المفسد ، ما جرى به العرف ، وتعامل به النّاس من غير إنكار ، ومثّلوا له بشراء حذاء بشرط أن يضع له البائع نعلاً ( أو كعباً ) أو القبقاب بشرط أن يسمّر له البائع سيراً ، أو صوفاً منسوجاً ليجعله له البائع قلنسوةً ( أو معطفاً ) أو اشترى قلنسوةً بشرط أن يجعل لها البائع بطانةً من عنده ، أو خفّاً أو ثوباً خلقاً على أن يرقّعه أو يرفوه له البائع . فهذا ونحوه من الشّروط الجائزة عند الحنفيّة ، فيصحّ البيع بها ، ويلزم الشّرط استحساناً ، للتّعامل الّذي جرى به عرف النّاس .
والقياس فساده - كما يقول زفر - لأنّ هذه الشّروط لا يقتضيها العقد ، وفيها نفع لأحد المتعاقدين ، وهو المشتري هنا ، لكنّ النّاس تعاملوها ، وبمثله يترك القياس .
8- ونصّ ابن عابدين - رحمه الله - على اعتبار العرف الحادث . فلو حدث عرف في غير الشّرط المذكور في بيع الثّوب بشرط رفوه ، والنّعل بشرط حذوه ، يكون معتبراً ، إذا لم يؤدّ إلى المنازعة . ونقل ابن عابدين - رحمه الله - عن المنح ، أنّه لا يلزم من اعتبار العرف في هذه الحال أن يكون قاضياً على حديث : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط » لأنّ الحديث معلّل بوقوع النّزاع المخرج للعقد عن المقصود به ، وهو قطع المنازعة ، والعرف ينفي النّزاع ، فكان موافقاً لمعنى الحديث ، فلم يبق من الموانع إلاّ القياس ، والعرف قاض عليه .
9- كما يستثنى من شرط مخالفة اقتضاء العقد ، ما ورد به الشّرع ، وهذا كشرط الأجل في دفع الثّمن ، لحاجة النّاس إلى ذلك ، لكنّه يشترط أن يكون معلوماً لئلاّ يفضي إلى النّزاع . وكذا شرط الخيار في البيع ، لأنّه ثبت في حديث حبّان بن منقذ رضي الله عنه المعروف :
« إذا بايعت فقل لا خلابة ثمّ أنت بالخيار في كلّ سلعة ابتعتها ثلاث ليال ، فإن رضيت فأمسك ، وإن سخطت فاردد » . وقد عدّد الحنفيّة اثنين وثلاثين موضعاً لا يفسد فيها البيع بالشّرط . 10 - وهل يشترط اقتران الشّرط الفاسد بالعقد ؟ وما حكم التّنصيص على الشّرط بعد العقد ، وما حكم ابتناء العقد عليه ؟
أ – أمّا التحاقه بالعقد بعد الافتراق عن المجلس ، ففيه روايتان مصحّحتان في المذهب : إحداهما عن أبي حنيفة : أنّه يلتحق بأصل العقد ، والأخرى عن الصّاحبين – وهي الأصحّ – أنّه لا يلتحق .
وأيّدت هذه الرّواية : بما لو باع مطلقاً ، ثمّ أجّل الثّمن ، فإنّه يصحّ التّأجيل ، لأنّه في حكم الشّرط الفاسد ، وبما لو باعا بلا شرط ، ثمّ ذكرا الشّرط على وجه الوعد ، جاز البيع ، ولزم الوفاء بالوعد ، إذ المواعيد قد تكون لازمةً ، فيجعل لازماً لحاجة النّاس . وبما لو تبايعا بلا ذكر شرط ( الوفاء ) ثمّ شرطاه ، يكون من قبيل بيع الوفاء ، إذ الشّرط اللّاحق يلتحق بأصل العقد ، عند أبي حنيفة لا عند صاحبيه ، والصّحيح أنّه لا يشترط لالتحاقه مجلس العقد .
ب - وأمّا ابتناء العقد على الشّرط الفاسد ، كما لو شرطا شرطاً فاسداً قبل العقد ، ثمّ عقدا العقد ، فقد نقل ابن عابدين عن جامع الفصولين عدم فساد العقد ، لكنّه حقّق ابتناء الفساد لو اتّفقا على بناء العقد عليه ، وذلك : بالقياس على ما صرّحوا به في بيع الهزل . وبالقياس على ما أفتى به الرّمليّ - نقلاً عن كتب المذهب - في رجلين تواضعا على بيع الوفاء قبل عقده ، وعقدا البيع خالياً عن الشّرط : بأنّه يكون على ما تواضعا عليه .
ثانياً : مذهب المالكيّة :
11 - فصّل المالكيّة في الشّرط الّذي يتصوّر حصوله عند البيع ، فقالوا : إنّه إمّا أن لا يقتضيه العقد وينافي المقصود منه . وإمّا أن يخلّ بالثّمن . وإمّا أن يقتضيه العقد ، وإمّا أن لا يقتضيه ولا ينافيه . فالّذي يضرّ بالعقد ويبطله هو الشّرط الّذي فيه مناقضة المقصود من البيع ، أو إخلال بالثّمن ، وهذا عندهم محمل حديث « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط » ، دون الأخيرين .
فمثال الأوّل ، وهو الّذي لا يقتضيه العقد وينافي المقصود منه - ووصفه ابن جزيّ : بالّذي يقتضي التّحجير على المشتري - أن يشترط البائع على المشتري أن لا يبيع السّلعة لأحد أصلاً ، أو إلاّ من نفر قليل ، أو لا يهبها ، أو لا يركبها ، أو لا يلبسها ، أو لا يسكنها ، أو لا يؤاجرها ، أو على أنّه إن باعها من أحد فهو أحقّ بالثّمن . أو يشترط الخيار إلى أمد بعيد . ففي هذه الأحول كلّها يبطل الشّرط والبيع .
12 - واستثنى المالكيّة من منافاة الشّرط مقتضى العقد بعض الصّور :
الأولى : أنّه لو طلب البائع من المشتري الإقالة ، فقال له المشتري : على شرط إن بعتها غيري فأنا أحقّ بها بالثّمن . فهذه الصّورة مستثناة من عدم البيع من أحد ، وهي مع ذلك جائزة عندهم ، لأنّه يغتفر في الإقالة ما لا يغتفر في غيرها .
الثّانية : أن يشترط البائع على المشتري أن يقف المبيع ، أو أن يهبه ، أو أن يتصدّق به على الفقراء ، فهذه من الجائزات ، لأنّها من ألوان البرّ الّذي يدعو إليه الشّرع .
الثّالثة : أن يبيع أمةً بشرط تنجيز عتقها ، فإنّه جائز ، وإن كان منافياً لمقتضى العقد ، وهذا لتشوّف الشّارع إلى الحرّيّة ، بخلاف اشتراط التّدبير والكتابة ، واتّخاذ الأمة أمّ ولد ، فإنّه لا يجوز ، لما فيه من التّضييق على المشتري .
13 - أمّا الشّرط الثّاني ، وهو الإخلال بالثّمن ، فهو مصوّر بأمرين :
الأوّل : الجهل بالثّمن ، وهذا يتمثّل بالبيع بشرط السّلف ، أي القرض من أحدهما للآخر . فإن كان شرط السّلف صادراً من المشتري ، أخلّ ذلك بالثّمن ، لأنّه يؤدّي إلى جهل في الثّمن ، بسبب الزّيادة ، لأنّ انتفاعه بالسّلف من جملة الثّمن ، وهو مجهول . وإن كان شرط السّلف صادراً من البائع ، أخلّ ذلك بالثّمن ، لأنّه يؤدّي إلى جهل في الثّمن ، بسبب النّقص ، لأنّ انتفاعه بالسّلف من جملة المثمّن ، وهو مجهول .
الآخر : شبهة الرّبا ، لأنّ البيع بشرط السّلف ، يعتبر قرضاً جرّ نفعاً : فإن كان المشتري هو المقترض ، صار المقرض له هو البائع ، فينتفع البائع بزيادة الثّمن - وإن كان البائع هو المقترض ، صار المقرض له هو المشتري ، فينتفع المشتري بنقص الثّمن .
وقد صرّح ابن جزيّ في هذا الصّدد بأنّ اشتراط السّلف من أحد المتبايعين لا يجوز بإجماع .
14 - أمّا الشّرط الثّالث ، وهو الّذي يقتضيه العقد ، فهو كشرط تسليم المبيع إلى المشتري ، والقيام بالعيب ، وردّ العوض عند انتقاض البيع ، فهذه الأمور لازمة دون شرط ، لاقتضاء العقد إيّاها ، فشرطها تأكيد - كما يقول الدّسوقيّ .
15 - وأمّا الرّابع من الشّروط ، فهو كشرط الأجل المعلوم ، والرّهن ، والخيار ، والحميل ( أي الكفيل ) فهذه الشّروط لا تنافي العقد ، ولا يقتضيها ، بل هي ممّا تعود عليه بمصلحة ، فإن شرطت عمل بها ، وإلاّ فلا . وصحّحوا اشتراط الرّهن ، ولو كان غائباً ، وتوقّف السّلعة حتّى يقبض الرّهن الغائب . أمّا اشتراط الكفيل الغائب فجائز إن قربت غيبته ، لا إن بعدت ، لأنّه قد يرضى وقد يأبى ، فاشترط فيه القرب .
16 - وقد عرض ابن جزيّ لصور من الشّرط ، تعتبر استثناء ، أو ذات حكم خاصّ ، منها هذه الصّورة ، وهي : ما إذا شرط البائع منفعةً لنفسه ، كركوب الدّابّة أو سكنى الدّار مدّةً معلومةً ، فإنّ البيع جائز ، والشّرط صحيح .
فيبدو أنّ هذا كالاستثناء من التّفصيل الرّباعيّ المتقدّم . ودليله حديث جابر المعروف وهو : « أنّه كان يسير على جمل له ، قد أعيا ، فأراد أن يسيّبه . قال : ولحقني النّبيّ صلى الله عليه وسلم فدعا لي ، وضربه ، فسار سيراً لم يسر مثله ، فقال : بعنيه ، فقلت : لا . ثمّ قال : بعنيه ، فبعته ، واستثنيت حملانه إلى أهلي » وفي رواية : « وشرطت ظهره إلى المدينة » . ويبدو أنّ هذا شرط جائز عند كثيرين ، فقد علّق الشّوكانيّ على هذا الحديث بقوله : وهو يدلّ على جواز البيع مع استثناء الرّكوب ، وبه قال الجمهور ، وجوّزه مالك إذا كانت مسافة السّفر قريبةً ، وحدّها بثلاثة أيّام . وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة وآخرون : لا يجوز ذلك ، سواء أقلّت المسافة أم كثرت . والحديث - وإن كان في الانتفاع اليسير بالمبيع إذا كان ممّا يركب من الحيوان - لكنّ المالكيّة قاسوا عليه الانتفاع اليسير بكلّ مبيع بعد بيعه ، على سبيل الاستمرار ، تيسيراً ، نظراً لحاجة البائعين .
17 - والجدير بالذّكر عند المالكيّة ، هو أنّه : إن أسقط الشّرط المخلّ بالعقد ، سواء أكان شرطاً يناقض المقصود من البيع كاشتراط عدم بيع المبيع ، أم كان شرطاً يخلّ بالثّمن كاشتراط السّلف من أحد المتبايعين ، فإنّه يصحّ البيع . ولا يشترط في هذه الحال سوى أن يكون الإسقاط مع قيام السّلعة .
فقد علّل الخرشيّ صحّة البيع هنا ، بحذف شرط السّلف ، بقوله : لزوال المانع .
18 - وهل يستوي الحكم في الإسقاط ، في مثل شرط القرض ، بين أن يكون قبل التّمكّن من الانتفاع به ، وبين أن يكون بعد التّمكّن ؟ قولان لهم في المسألة :
أ - فمشهور المذهب ، وهو قول ابن القاسم ، أنّه : إذا ردّ القرض على المقرض ، والسّلعة قائمة ، صحّ البيع ، ولو بعد غيبة المقترض على القرض غيبةً يمكنه الانتفاع به .
ب - وقول سحنون وابن حبيب ، هو : أنّ البيع ينقض مع الغيبة على القرض ، ولو أسقط شرط القرض ، لوجود موجب الرّبا بينهما ، أو لتمام الرّبا بينهما - كما عبّر الشّيخ الدّردير - فلا ينفع الإسقاط . والمعتمد الأوّل عند الدّردير ، كما صرّح به ، ومال الدّسوقيّ إلى الآخر ، كما يبدو من كلامه ونقله الآخر ، فقد حكى تشهيره ، وكذا الّذي يبدو من كلام العدويّ . وهنا سؤالان يطرحان :
19 - السّؤال الأوّل : ما الّذي يلزم لو وقع البيع بشرط القرض ، وهو الشّرط المخلّ بالثّمن ، وفاتت السّلعة عند المشتري ، بمفوّت البيع الفاسد ( كما لو هلكت ) سواء أسقط مشترط الشّرط شرطه ، أم لم يسقطه ؟ وفي الجواب أقوال :
الأوّل : وهذا في المدوّنة - إمّا أن يكون المقرض هو المشتري أو البائع :
أ - فإن كان المشتري هو الّذي أقرض البائع ، فإنّ المشتري يلزمه الأكثر من الثّمن الّذي وقع به البيع ، ومن القيمة يوم القبض .
فإذا اشتراها بعشرين والقيمة ثلاثون ، لزمه ثلاثون .
ب - وإن كان البائع هو الّذي أقرض المشتري ، فعلى المشتري للبائع الأقلّ من الثّمن ومن القيمة ، فيلزمه في المثال المذكور عشرون ، لأنّه أقرض ليزداد ، فعومل بنقيض قصده . الثّاني : يقابل الّذي في المدوّنة ، وهو لزوم القيمة مطلقاً ، سواء أكان المسلّف هو البائع أم المشتري .
الثّالث : أنّ تغريم المشتري الأقلّ ، إذا اقترض من البائع محلّه إذا لم يغب على ما اقترضه ، وإلاّ لزمه القيمة بالغةً ما بلغت . وهذا كلّه إذا كان المبيع قيميّاً ، فإن كان مثليّاً ، فإنّما يجب فيه المثل ، لأنّه كعينه ، فلا كلام لواحد ، فهو بمثابة ما لو كان قائماً ، وردّ بعينه .
السّؤال الثّاني :
20 - ما الّذي يلزم ، لو وقع البيع بشرط مناقض للمقصود ، وفاتت السّلعة عند المشتري ، سواء أأسقط ذلك الشّرط ، أم لم يسقط ؟ قالوا : الحكم هو : أنّ للبائع الأكثر من قيمتها يوم القبض ومن الثّمن ، لوقوع البيع بأنقص من الثّمن المعتاد ، لأجل الشّرط .
ثالثاً : مذهب الشّافعيّة :
21 - التزم الشّافعيّة نهي الشّارع عن بيع وشرط في الحديث المتقدّم . والتزموا حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » ولم يستثنوا إلاّ ما ثبت استثناؤه بالشّرع ، وقليلاً ممّا رأوا أنّه من مقتضيات العقد أو مصالحه ، فكان مذهبهم بذلك أضيق المذاهب الثّلاثة . ومع ذلك ، فقد قسّم بعضهم الشّرط ، فقال :
الشّرط إمّا أن يقتضيه مطلق العقد ، كالقبض والانتفاع والرّدّ بالعيب ، أوْ لا .
فالأوّل : لا يضرّ بالعقد .
والثّاني - وهو الّذي لا يقتضيه العقد - إمّا أن يتعلّق بمصلحة العقد ، كشرط الرّهن ، والإشهاد والأوصاف المقصودة - من الكتابة والخياطة والخيار ونحو ذلك - أوْ لا .
فالأوّل : لا يفسده ، ويصحّ الشّرط نفسه .
والثّاني : - وهو الّذي لا يتعلّق بمصلحة العقد - إمّا أن لا يكون فيه غرض يورث تنازعاً ، كشرط أن لا تأكل الدّابّة المبيعة إلاّ كذا ، فهو لاغ ، والعقد صحيح . وإمّا أن يكون فيه غرض يورث تنازعاً ، فهذا هو الفاسد المفسد ، كالأمور الّتي تنافي مقتضاه ، نحو عدم القبض ، وعدم التّصرّف وما أشبه ذلك . وخلاصة هذا التّقسيم :
- 1 - أنّ اشتراط ما يقتضيه العقد ، أو يتعلّق بمصلحته أو بصحّته ، صحيح .
- 2 - وأنّ اشتراط ما لا غرض فيه لاغ ، ولا يفسد العقد .
- 3 - وأمّا اشتراط ما فيه غرض يورث تنازعاً ، فهو الشّرط المفسد ، وذلك كاشتراط ما يخالف مقتضاه .
22 - ومن أهمّ ما نصّوا عليه تطبيقاً للحديثين ولهذا التّقسيم :
- 1 - البيع بشرط بيع ، كأن يقول : بعتك هذه الأرض بألف ، على أن تبيعني دارك بكذا ، أو تشتري منّي داري بكذا ، فهذا شرط فاسد مفسد ، لا يقتضيه العقد .
- 2 - البيع بشرط القرض ، كأن يبيعه أرضه بألف ، بشرط أن يقرضه مائةً ، ومثل القرض الإجارة ، والتّزويج ، والإعارة .
- 3 - شراء زرع بشرط أن يحصده البائع ، أو ثوب بشرط أن يخيطه ، ومنه كما يقول عميرة البرلّسيّ : شراء حطب بشرط أن يحمله إلى بيته ، فالمذهب في هذا وأمثاله بطلان الشّراء ، لاشتماله على شرط عمل فيما لم يملكه بعد ، وذلك فاسد ، ولأنّه - كما قال الإسنويّ - شرط يخالف مقتضى العقد ، فيبطل البيع والشّرط في الأصحّ . وإن يكن عندهم قولان آخران في هذه الجزئيّة :
أحدهما : أنّه يصحّ البيع ، ويلزم الشّرط ، وهو في المعنى بيع وإجارة ، ويوزّع المسمّى عليهما باعتبار القيمة .
وثانيهما : يبطل الشّرط ، ويصحّ البيع بما يقابل المبيع من المسمّى .
23 - واستثنى الشّافعيّة مسائل معدودةً من النّهي صحّحوها مع الشّرط وهي :
أ - البيع بشرط الأجل المعيّن ، لقوله تعالى : { إذا تداينتم بِدَيْنٍ إلى أجلٍ مسمًّى فاكْتبوه }
ب - البيع بشرط الرّهن ، وقيّدوه بالمعلوميّة .
ج - البيع بشرط الكفيل المعلوم أيضاً ، لعوض ما ، من مبيع أو ثمن ثابت في الذّمّة ، وذلك للحاجة إليهما في معاملة من لا يرضى إلاّ بهما .
د - الإشهاد على جريان البيع ، للأمر به في الآية قال تعالى : { وأَشْهدوا إذا تَبَايَعْتُم } .
هـ - البيع بشرط الخيار ، لثبوته بحديث حبّان بن منقذ ، المعروف .
24 - البيع بشرط عتق المبيع ، وفيه أقوال عندهم :
القول الأوّل : وهو أصحّها ، أنّ الشّرط صحيح ، والبيع صحيح ، وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها ، « أنّها أرادت أن تشتري بريرة للعتق ، فاشترطوا ولاءها ، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : اشتريها وأعتقيها ، فإنّما الولاء لمن أعتق ولم ينكر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ شرط الولاء لهم ، إذ قال : ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب اللّه ؟ من اشترط شرطاً ليس في كتاب اللّه فهو باطل » ولأنّ استعقاب البيع العتق عهد في شراء القريب ، فاحتمل شرطه . ولتشوّف الشّارع للعتق . على أنّ فيه منفعةً للمشتري ، دنيا بالولاء ، وأخرى بالثّواب ، وللبائع بالتّسبّب فيه .
القول الثّاني : أنّ الشّرط باطل والبيع باطل ، كما لو شرط بيعه أو هبته .
والقول الثّالث : أنّه يصحّ البيع ، ويبطل الشّرط .
25 - وممّا استثناه الشّافعيّة أيضاً من النّهي : شرط الولاء لغير المشتري مع العتق ، في أضعف القولين عندهم ، فيصحّ البيع ويبطل الشّرط ، لظاهر حديث بريرة في بعض رواياته ، « وقوله - عليه الصلاة والسلام - لعائشة رضي الله عنها : واشترطي لهم الولاء » .
لكنّ الأصحّ بطلان الشّرط والبيع في هذه الحال ، لما تقرّر في الشّرع ، من أنّ الولاء لمن أعتق . فأجاب هؤلاء عن حديث عائشة « واشترطي لهم الولاء » بأنّ الشّرط لم يقع في عقد البيع ، وبأنّه خاصّ بقضيّة عائشة ، وبأنّ قوله : « لهم » بمعنى : عليهم
26 - وممّا استثنوه أيضاً : شرط البراءة من العيوب في المبيع ، لأنّه يحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة ، ليثق بلزوم البيع فيما لا يعلمه من الخفيّ ، دون ما يعلمه ، مطلقاً في حيوان أو غيره ، فالبيع مع الشّرط المذكور صحيح مطلقاً ، سواء أصحّ الشّرط أم لم يصحّ ، لأنّه شرط يؤكّد العقد ، ويوافق ظاهر الحال ، وهو السّلامة من العيوب .
وتأيّد هذا بما روي أنّ ابن عمر رضي الله عنهما :" باع عبداً له بثمانمائة درهم ، بالبراءة فقال له المشتري : به داء لم تسمّه لي . فاختصما إلى عثمان رضي الله عنه فقضى على ابن عمر أن يحلف : لقد باعه العبد وما به داء يعلمه ، فأبى أن يحلف ، وارتجع العبد ، فباعه بألف وخمسمائة ". قالوا : فدلّ قضاء عثمان المشهور بين الصّحابة على جواز اشتراط البراءة من العيب ، وهو مشهور بين الصّحابة ، فصار من الإجماع السّكوتيّ .
27 - وممّا استثنوه أيضاً :
أ - شرط نقل المبيع من مكان البائع ، قالوا : لأنّه تصريح بمقتضى العقد .
ب - شرط قطع الثّمار أو تبقيتها بعد صلاحها ونضجها ، فهو جائز في عقد البيع ، كما أنّه جائز بيعها بعد النّضج مطلقاً من الشّرط . لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ، « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثّمار حتّى يبدو صلاحها » . وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا تتبايعوا الثّمار حتّى يبدو صلاحها » فالحديث يدلّ على جواز بيع الثّمر بعد بدو صلاحه ، وهو صادق بكلّ الأحوال الثّلاثة : بيعه من غير شرط ، وبشرط قطعه ، وبشرط إبقائه .
ج - شرط أن يعمل البائع عملاً معلوماً في المبيع ، كما لو اشترى ثوباً بشرط أن يخيطه البائع ، في أضعف أقوال ثلاثة ، وقد تقدّمت .
د - اشتراط وصف مقصود في المبيع عرفاً ، ككون الدّابّة حاملاً أو ذات لبن ، فالشّرط صحيح ، وللمشتري الخيار إن تخلّف الشّرط . قالوا : ووجه الصّحّة : أنّ هذا الشّرط يتعلّق بمصلحة العقد . ولأنّه التزام موجود عند العقد ولا يتوقّف التزامه على إنشاء أمر مستقبل ، ذاك الّذي هو حقيقة الشّرط ، فلم يشمله النّهي عن بيع وشرط .
هـ - اشتراط أن لا يسلّم المبيع حتّى يستوفي الثّمن .
و - شرط الرّدّ بالعيب ، لأنّه مقتضى العقد .
ز - خيار الرّؤية فيما إذا باع ما لم يره ، على القول بصحّته ، للحاجة إلى ذلك .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:42 PM

رابعاً : مذهب الحنابلة :
28 - قسم الحنابلة الشّروط في البيع إلى قسمين :
الأوّل : صحيح لازم ، ليس لمن اشترط عليه فكّه . الآخر : فاسد يحرم اشتراطه .
- 1 - فالأوّل : وهو الشّرط الصّحيح اللّازم ، ثلاثة أنواع :
أحدها : ما هو مقتضى العقد بحكم الشّرع ، كالتّقابض ، وحلول الثّمن ، وتصرّف كلّ واحد منهما فيما يصير إليه ، وخيار المجلس ، والرّدّ بعيب قديم . فهذا الشّرط وجوده كعدمه ، لا يفيد حكماً ، ولا يؤثّر في العقد ، لأنّه بيان وتأكيد لمقتضى العقد .
الثّاني : شرط من مصلحة العقد ، أي تتعلّق به مصلحة تعود على المشترط من المتعاقدين : الخيار ، والشّهادة ، أو اشتراط صفة في الثّمن ، كتأجيله كلّه أو بعضه ، أو رهن معيّن به ، أو كفيل معيّن به ، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع ، كالصّناعة والكتابة ، أو اشتراط كون الدّابّة ذات لبن ، أو غزيرة اللّبن ، أو الفهد صيوداً ، أو الطّير مصوّتاً ، أو يبيض ، أو يجيء من مسافة معلومة ، أو كون خراج الأرض كذا .. فيصحّ الشّرط في كلّ ما ذكر ، ويلزم الوفاء به ، وذلك لحديث : « المسلمون عند شروطهم إلاّ شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً » ، ولأنّ الرّغبات تختلف باختلاف ذلك ، فلو لم يصحّ اشتراط ذلك لفاتت الحكمة الّتي لأجلها شرع البيع . فهذا الشّرط إن وفّى به لزم ، وإلاّ فللمشترط له الفسخ لفواته ، أو أرش فقد الصّفة ، فإن تعذّر الرّدّ تعيّن أرش فقد الصّفة ، كالمعيب إذا تلف عند المشتري . الثّالث : شرط ليس من مقتضى العقد ، ولا من مصلحته ، ولا ينافي مقتضاه ، لكن فيه نفعاً معلوماً للبائع أو للمشتري .
أ - كما لو شرط البائع سكنى الدّار المبيعة شهراً ، أو أن تحمله الدّابّة ( أو السّيّارة ) إلى موضع معلوم ، فإنّه يصحّ لحديث « جابر رضي الله عنه ، حين باع جمله من النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ قال فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي » وحديث : جابر أيضاً ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن المحاقلة والمزابنة ، والثّنيا إلاّ أن تعلم » والمراد بالثّنيا الاستثناء . وقياساً على ما لو باعه داراً مؤجّرةً .
ومثل ما تقدّم أيضاً : اشتراط البائع أن يحبس المبيع حتّى يستوفي ثمنه ، وكذا اشتراطه المنفعة لغيره مدّةً معلومةً ، فلو تلفت العين المشترط استثناء نفعها ، قبل استيفاء البائع النّفع : فإن كان التّلف بفعل المشتري وتفريطه ، لزمه أجرة مثله ، لتفويته المنفعة المستحقّة على مستحقّها . وإن تلفت بغير ذلك ، لم يلزمه العوض .
ب - وكما لو شرط المشتري على البائع حمل الحطب ، أو تكسيره ، أو خياطة ثوب ، أو تفصيله ، أو حصاد زرع ، أو جزّ رطبه ، فيصحّ إن كان النّفع معلوماً ، ويلزم البائع فعله . ولو شرط عليه أن يحمل متاعه إلى منزله ، والبائع لا يعرفه ، فلهم فيه وجهان .
ثمّ إن تعذّر العمل المشروط بتلف المبيع ، أو استحقّ النّفع بالإجارة الخاصّة ، أو تعذّر بموت البائع ، رجع المشتري بعوض ذلك النّفع ، كما لو انفسخت الإجارة بعد قبض عوضها ، رجع المستأجر بعوض المنفعة . وإن تعذّر العمل على البائع بمرض ، أقيم مقامه من يعمل ، والأجرة على البائع ، كما في الإجارة .
29 - استثنى الحنابلة من جواز اشتراط النّفع المعلوم ، ما لو جمع في الاستثناء بين شرطين ، وكانا صحيحين : كحمل الحطب وتكسيره ، أو خياطة الثّوب وتفصيله ، فإنّ البيع لا يصحّ ، لحديث : عبد اللّه بن عمر رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » . أمّا إن كان الشّرطان المجموعان من مقتضى العقد ، كاشتراط حلول الثّمن مع تصرّف كلّ منهما فيما يصير إليه ، فإنّه يصحّ بلا خلاف . أو يكونا من مصلحة البيع ، كاشتراط رهن وكفيل معيّنين بالثّمن ، فإنّه يصحّ ، كما لو كانا من مقتضاه .
- 2 - والآخر : وهو الشّرط الفاسد المحرّم ، تحته أيضاً ثلاثة أنواع :
النّوع الأوّل :
30 - أن يشترط أحدهما على صاحبه عقداً آخر : كعقد سلم ، أو قرض ، أو بيع ، أو إجارة ، أو شركة ، فهذا شرط فاسد ، يفسد به البيع ، سواء اشترطه البائع أم المشتري . وهذا مشهور المذهب ، وإن كان بطلان الشّرط وحده احتمالاً عندهم ، وهو رواية عن الإمام أحمد . ودليل المشهور :
أ - أنّه بيعتان في بيعة ، « وأنّ النّبيّ نهى عن بيعتين في بيعة » . والنّهي يقتضي الفساد .
ب - وقول ابن مسعود رضي الله عنه : صفقتان في صفقة رباً .
ج - ولأنّه شرط عقداً في آخر ، فلم يصحّ ، كنكاح الشّغار . وكذلك كلّ ما كان في معنى ذلك ، مثل أن يقول : بعتك داري بكذا على أن تزوّجني ابنتك ، أو على أن تنفق على دابّتي ، أو على حصّتي من ذلك ، قرضاً أو مجّاناً .
النّوع الثّاني :
31 - أن يشترط في العقد ما ينافي مقتضاه . مثل : أن يشترط البائع على المشتري أن لا يبيع المبيع ، ولا يهبه ، ولا يعتقه ، أو يشترط عليه أن يبيعه ، أو يقفه ، أو أنّه متى نفق ( هلك ) المبيع فبها ، وإلاّ ردّه ، أو إن غصبه غاصب رجع عليه بالثّمن ، وإن أعتقه فالولاء له ، فهذه وما أشبهها شروط فاسدة . وفي فساد البيع بها روايتان في المذهب . والمنصوص عن أحمد أنّ البيع صحيح ، ولا يبطله الشّرط ، بل يبطل الشّرط فقط ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أبطل الشّرط في حديث بريرة المعروف ، ولم يبطل العقد .
32 - وقد استثنى الحنابلة من هذا الشّرط الباطل العتق ، فيصحّ أن يشترطه البائع على المشتري ، لحديث بريرة المذكور ، ويجبر المشتري على العتق إن أباه ، لأنّه حقّ للّه تعالى كالنّذر ، فإن امتنع المشتري من عتقه أعتقه الحاكم عليه ، لأنّه عتق مستحقّ عليه ، لكونه قربةً التزمها ، كالنّذر .
33 - وبناءً على الحكم بصحّة البيع فيما تقدّم ، وبفساد الشّرط فقط بناءً على مذهبهم - فإنّه يجوز للّذي فات غرضه بفساد الشّرط ، من البائع والمشتري ، سواء أعلم بفساد الشّرط أم لم يعلم - ما يلي :
أ - فسخ البيع ، لأنّه لم يسلم له ما دخل عليه من الشّرط .
ب - للبائع الرّجوع بما نقصه الشّرط من الثّمن بإلغاء الشّرط ، لأنّه إنّما باع بنقص ، لما يحصل له من الغرض الّذي اشترطه ، فإذا لم يحصل له غرضه رجع بالنّقص .
ج - وللمشتري الرّجوع بزيادة الثّمن بإلغاء الشّرط ، لأنّه إنّما اشترى بزيادة الثّمن ، لما يحصل له من الغرض الّذي اشترطه ، فإذا لم يحصل له غرضه رجع بالزّيادة الّتي سمح بها ، كما لو وجده معيباً . فللبائع الخيار بين الفسخ وبين أخذ أرش النّقص .
وللمشتري الخيار بين الفسخ وبين أخذ ما زاده على الثّمن .
ومع ذلك فقد ذكر الحنابلة أيضاً احتمال ثبوت الخيار ، بدون الرّجوع بشيء ، وذلك : قياساً على من شرط رهناً أو ضميناً ، فامتنع الرّاهن والضّمين . ولأنّه ما ينقصه الشّرط من الثّمن مجهول ، فيصير الثّمن مجهولاً . ولأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يحكم لأرباب بريرة بشيء » ، مع فساد الشّرط ، وصحّة البيع .
النّوع الثّالث :
34 - أن يشترط البائع أو المشتري شرطاً يعلّق عليه البيع والشّراء ، كقول البائع : بعتك إن جئتني بكذا ، أو بعتك إن رضي فلان ، وكقول المشتري : اشتريت إن جاء زيد ، فلا يصحّ البيع ، وذلك لأنّ مقتضى البيع نقل الملك حال التّبايع ، والشّرط هنا يمنعه . ولأنّه علّق البيع على شرط مستقبل ، فلم يصحّ ، كما إذا قال : بعتك إذا جاء آخر الشّهر . واستثنوا من ذلك قول البائع : بعتك إن شاء اللّه ، وقول المشتري : قبلت إن شاء اللّه ، وبيع العربون ، فإنّه يصحّ ، لأنّ نافع بن الحارث اشترى لعمر دار السّجن من صفوان ، فإن رضي عمر ، وإلاّ له كذا وكذا . ( ر : مصطلح عربون )
بيعتان في بيعة :
35 - ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة » . وورد في حديث ابن مسعود رضي الله عنه . قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة » . والمراد بهذه المسألة : جمع بيعتين في عقد واحد . وتسمية ذلك العقد بيعتين باعتبار تعدّد الثّمن . وأشار الكمال بن الهمام من الحنفيّة إلى توهّم من يتكلّم في الحديث : أنّ الحديثين بمعنًى واحد ، وليس كذلك ، بل حديث البيعتين أخصّ من حديث الصّفقتين ، لأنّ الأوّل خصوص صفقة من الصّفقات ، وهي البيع ، وأمّا حديث الصّفقتين فهو أعمّ لشموله البيع وغيره ، كالإجارة . واختلفت الصّور الّتي ألقاها الفقهاء لتصوّر المنهيّ عنه . على تفصيل ينظر في مصطلح : ( بيعتان في بيعة ) .

بيع الوضيعة *
انظر : وضيعة .

بيع الوفاء *
التّعريف :
1 - البيع هو : مبادلة مال بمال .
والوفاء لغةً : ضدّ الغدر ، يقال : وفّى بعهده وأوفى بمعنًى واحد ، والوفاء : الخلق الشّريف العالي الرّفيع ، وأوفى الرّجل حقّه ووفّاه إيّاه بمعنى : أكمله له وأعطاه وافياً .
وفي اصطلاح الفقهاء ، بيع الوفاء هو : البيع بشرط أنّ البائع متى ردّ الثّمن يردّ المشتري المبيع إليه ، وإنّما سمّي ( بيع الوفاء ) لأنّ المشتري يلزمه الوفاء بالشّرط .
هذا ، ويسمّيه المالكيّة " بيع الثّنيا " والشّافعيّة " بيع العهدة " والحنابلة " بيع الأمانة " ويسمّى أيضاً " بيع الطّاعة " " وبيع الجائز " وسمّي في بعض كتب الحنفيّة " بيع المعاملة "
حكم بيع الوفاء :
2 - اختلف الفقهاء في الحكم الشّرعيّ لبيع الوفاء .
فذهب المالكيّة والحنابلة والمتقدّمون من الحنفيّة والشّافعيّة إلى : أنّ بيع الوفاء فاسد ، لأنّ اشتراط البائع أخذ المبيع إذا ردّ الثّمن إلى المشتري يخالف مقتضى البيع وحكمه ، وهو ملك المشتري للمبيع على سبيل الاستقرار والدّوام . وفي هذا الشّرط منفعة للبائع ، ولم يرد دليل معيّن يدلّ على جوازه ، فيكون شرطاً فاسداً يفسد البيع باشتراطه فيه .
ولأنّ البيع على هذا الوجه لا يقصد منه حقيقة البيع بشرط الوفاء ، وإنّما يقصد من ورائه الوصول إلى الرّبا المحرّم ، وهو إعطاء المال إلى أجل ، ومنفعة المبيع هي الرّبح ، والرّبا باطل في جميع حالاته .
وذهب بعض المتأخّرين من الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ بيع الوفاء جائز مفيد لبعض أحكامه ، وهو انتفاع المشتري بالمبيع - دون بعضها - وهو البيع من آخر .
وحجّتهم في ذلك : أنّ البيع بهذا الشّرط تعارفه النّاس وتعاملوا به لحاجتهم إليه ، فراراً من الرّبا ، فيكون صحيحاً لا يفسد البيع باشتراطه فيه ، وإن كان مخالفاً للقواعد ، لأنّ القواعد تترك بالتّعامل ، كما في الاستصناع .
3 - وذهب أبو شجاع وعليّ السّغديّ والقاضي أبو الحسن الماتريديّ من الحنفيّة إلى : أنّ بيع الوفاء رهن وليس ببيع ، فيثبت له جميع أحكام الرّهن فلا يملكه المشتري ولا ينتفع به ، ولو استأجره لم تلزمه أجرته ، كالرّاهن إذا استأجر المرهون من المرتهن ، ويسقط الدّين بهلاكه ولا يضمن ما زاد عليه ، وإذا مات الرّاهن كان المرتهن أحقّ به من سائر الغرماء . وحجّتهم في ذلك : أنّ العبرة في العقود للمعاني ، لا للألفاظ والمباني . ولهذا كانت الهبة بشرط العوض بيعاً ، وكانت الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالةً ، وأمثال ذلك كثير في الفقه . وهذا البيع لمّا شرط فيه أخذ المبيع عند ردّ الثّمن كان رهناً ، لأنّه هو الّذي يؤخذ عند أداء الدّين .
4 - قال ابن عابدين : في بيع الوفاء قولان : الأوّل : أنّه بيع صحيح مفيد لبعض أحكامه من حلّ الانتفاع به ، إلاّ أنّه لا يملك المشتري بيعه ، قال الزّيلعيّ في الإكراه : وعليه الفتوى . الثّاني : القول الجامع لبعض المحقّقين : أنّه فاسد في حقّ بعض الأحكام حتّى ملك كلّ منهما الفسخ ، صحيح في حقّ بعض الأحكام كحلّ الإنزال ومنافع المبيع ، ورهن في حقّ البعض حتّى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه وسقط الدّين بهلاكه . فهو مركّب من العقود الثّلاثة ، كالزّرافة فيها صفة البعير والبقرة والنّمر ، جوّز لحاجة النّاس إليه بشرط سلامة البدلين لصاحبهما ، قال في البحر : وينبغي أن لا يعدل في الإفتاء عن القول الجامع . وفي النّهر : والعمل في ديارنا على ما رجّحه الزّيلعيّ .
5- وقال صاحب بغية المسترشدين من متأخّري الشّافعيّة : بيع العهدة صحيح جائز وتثبت به الحجّة شرعاً وعرفاً على قول القائلين به ، ولم أر من صرّح بكراهته ، وقد جرى عليه العمل في غالب جهات المسلمين من زمن قديم وحكمت بمقتضاه الحكّام ، وأقرّه من يقول به من علماء الإسلام ، مع أنّه ليس من مذهب الشّافعيّ ، وإنّما اختاره من اختاره ولفّقه من مذاهب ، للضّرورة الماسّة إليه ، ومع ذلك فالاختلاف في صحّته من أصله وفي التّفريع عليه ، لا يخفى على من له إلمام بالفقه .
شرط بيع الوفاء عند من يجيزه :
6 - لتطبيق أحكام بيع الوفاء شرطان عند من يجيزه لا بدّ من توافرهما وهما :
أ - أن ينصّ في العقد على أنّه متى ردّ البائع الثّمن ردّ المشتري المبيع .
ب - سلامة البدلين ، فإن تلف المبيع وفاءً وكانت قيمته مساويةً للدّين ( أي الثّمن ) سقط من الدّين في مقابلته ، وإن كانت زائدةً على مقدار الدّين ، وهلك المبيع في يد المشتري ، سقط من قيمته قدر ما يقابل الدّين ، وهو في هذا كالرّهن عند الحنفيّة .
الآثار المترتّبة على بيع الوفاء :
هناك آثار تترتّب على بيع الوفاء عند من يجيزه من متأخّري الحنفيّة وغيرهم مجملها فيما يلي :
أوّلاً - عدم نقله للملكيّة :
7 - أنّ بيع الوفاء لا يسوّغ للمشتري التّصرّف النّاقل للملك كالبيع والهبة عند من يجيزه ، ويترتّب على ذلك عدّة مسائل :
أ - عدم نفاذ بيع المبيع وفاءً من غير البائع ، وذلك لأنّه كالرّهن ، والرّهن لا يجوز بيعه .
ب - لا يحقّ للمشتري في بيع الوفاء الشّفعة ، وتبقى الشّفعة للبائع ، ففي الفتاوى الهنديّة نقلاً عن فتاوى أبي الفضل : أنّه سئل عن كرم بيد رجل وامرأة ، باعت المرأة نصيبها من الرّجل ، واشترطت أنّها متى جاءت بالثّمن ردّ عليها نصيبها ، ثمّ باع الرّجل نصيبه ، هل للمرأة فيه شفعة ؟ قال ( أبو الفضل ) : إن كان البيع بيع معاملة ففيه الشّفعة للمرأة ، سواء كان نصيبها من الكرم في يدها أو في يد الرّجل .
وبيع الوفاء وبيع المعاملة واحد ، كذا في التّتارخانيّة .
ج - الخراج في الأرض المبيعة بيع وفاء على البائع .
د - لو هلك المبيع في يد المشتري فلا شيء لواحد منهما على الآخر .
هـ - منافع المبيع بيع وفاء للبائع كالإجارة وثمرة الأشجار ونحوها ، فلو باع داره من آخر بثمن معلوم بيع وفاء ، وتقابضا ، ثمّ استأجرها من المشتري مع شرائط صحّة الإجارة وقبضها ومضت المدّة ، هل يلزمه الأجر ؟ قال : لا ، فتبيّن أنّ الملك لم ينتقل للمشتري ، إذ لو انتقل لوجبت الأجرة ، وكذلك ثمر الشّجر للبائع دون المشتري ، فإنّ المشتري لو أخذ من ثمر الأشجار شيئاً ، فإن أخذه بإذن البائع برئت ذمّته ، وإن أخذه بغير إذنه ورضاه ضمنها .
و - انتقال المبيع وفاءً بالإرث إلى ورثة البائع ، فلو باع رجل بستانه من آخر بيع وفاء ، وتقابضا ، ثمّ باعه المشتري من آخر بيعاً باتّاً وسلّم وغاب ، فللبائع أو ورثته أن يخاصموا المشتري الثّاني ، ويستردّوا منه البستان . وكذا إذا مات البائع والمشتريان ، ولكلّ ورثة ، فلورثة المالك أن يستخلصوه من أيدي ورثة المشتري الثّاني ، ولورثة المشتري الثّاني أن يرجعوا بما أدّى من الثّمن إلى بائعه في تركته الّتي في أيدي ورثته ، ولورثة المشتري الأوّل أن يستردّوه ، ويحبسوه بدين مورثهم إلى أن يقضوا الدّين .
ثانياً : حقّ البائع في استرداد المبيع :
8 - يحقّ للبائع أن يستردّ مبيعه إذا دفع الثّمن للمشتري في حالتي التّوقيت وعدمه .
ثالثاً : أثر موت أحد المتعاقدين في بيع الوفاء :
9 - سبق قريباً أنّه إذا مات المشتري أو البائع بيع وفاء فإنّ ورثته يقومون مقامه في أحكام الوفاء ، نظراً لجانب الرّهن .
رابعاً : اختلاف المتعاقدين في بيع الوفاء :
10 - من أهمّ الأحكام الّتي تتعلّق باختلاف المتعاقدين في بيع الوفاء ما يلي :
أ - إذا اختلف المتعاقدان في أصل بيع الوفاء ، كأن قال أحدهما : كان البيع باتّاً أو وفاءً ، فالقول لمدّعي الجدّ والبتات إلاّ بقرينة الوفاء ، وهناك قول آخر عند الحنفيّة أنّ القول لمدّعي الوفاء استحساناً .
ب - إذا أقام كلّ من المشتري والبائع البيّنة تقدّم بيّنة الوفاء ، لأنّها خلاف الظّاهر .
ج - إذا لم يكن لأحدهما بيّنة فالقول قول مدّعي البتات .
قال ابن عابدين : فتحصّل أنّ الاستحسان في الاختلاف في البيّنة ترجيح بيّنة الوفاء ، وفي الاختلاف في القول ترجيح قول مدّعي البتات . ومن القرائن الدّالّة على الوفاء نقصان الثّمن كثيراً ، وهو ما لا يتغابن فيه النّاس عادةً إلاّ أن يدّعي صاحبه تغيّر السّعر .

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:43 PM

بيعتان في بيعة *
التّعريف :
1 - البيعتان لغةً : مثنّى البيعة . والبيعة : اسم المرّة الواحدة من البيع .
والبيعتان في بيعة في الاصطلاح قد اختلف العلماء فيها على أقوال :
الأوّل : معناه أن يبيع الرّجل السّلعة فيقول : هي نقداً بكذا ، ونسيئةً بكذا . أي بثمن أكثر من الثّمن الأوّل . وقد فسّره بهذا سماك - راوي حديث النّهي عن البيعتين في بيعة - عن ابن مسعود رضي الله عنه عند الإمام أحمد . وقد أخذ بهذا التّفسير . قوم ، ولو بيّن المتبايعان أحد الثّمنين بعد ذلك ، ومن هنا منعوا الزّيادة في بيعة السّلعة نسيئةً عن سعر يومها كما سيأتي .
الثّاني : فسّره بعضهم بالتّفسير السّابق نفسه ، لكن بقيد الافتراق على الإبهام بين الثّمنين ، فقالوا : معناه أن يقول : بعتك هذا نقداً بكذا ، أو نسيئةً بكذا . ثمّ يفترقان قبل أن يلتزما بكون البيع على أحد الثّمنين ، بل يفترقان على الإبهام . قال الشّافعيّ : هو أن يقول : بعتك هذا بألف نقداً أو ألفين إلى سنة ، فخذ بأيّهما شئت أنت وشئت أنا . قال القاضي من الشّافعيّة : المسألة مفروضة على أنّه قبل على الإبهام . أمّا لو قال : قبلت بألف نقداً ، أو قال : قبلت بألفين نسيئةً ، صحّ ذلك وفسّره بذلك أبو عبيد والثّوريّ وإسحاق والمالكيّة والحنابلة أيضاً ، مع تفسيرهم له بتفسيرات أخرى كما يأتي .
الثّالث : قال مالك أيضاً : هو أن يشتري سلعةً بدينار أو بشاة ، أو يشتري بدينار شاةً أو ثوباً ، قد وجب أحدهما للمشتري .
قال الباجيّ : سواء كان الإلزام لهما أو لأحدهما ، فيدخل في هذا الوجه الوجه السّابق أيضاً ، والمدار على التّخيير بين ثمنين أو سلعتين مع الإلزام بأحدهما لا بعينه .
الرّابع : ما قاله ابن القيّم في تهذيب السّنن : هو أن يقول : بعتك هذه السّلعة بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك - أي بعد ذلك - بثمانين حالّةً . قال : وهذا معنى الحديث الوارد في البيعتين في بيعة ، وهو الّذي لا معنى له غيره ، وهو مطابق لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « فلَه أَوْكَسُهما أو الرّبا » فإنّه إمّا أن يأخذ الثّمن الزّائد فيربي ، أو الثّمن الأوّل فيكون هو أوكسهما . وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجّلة أكثر منها ، ولا يستحقّ إلاّ رأس ماله . ووجه كونه من باب البيعتين في بيعة : أنّهما بيعتان إحداهما بثمن مؤجّل ، والأخرى بثمن معجّل ، وقد أبرمتا في صفقة واحدة .
الخامس : هو أن يشترطا بيعاً في بيع .
وقد فسّره بهذا الوجه أيضاً الشّافعيّ ، فقال : هو أن يقول : بعتك هذه الفرس بألف على أن تبيعني دارك بكذا ، أي إذا وجب لك عندي فقد وجب لي عندك . قال الشّوكانيّ : وهذا يصلح تفسيراً للرّواية الأولى من حديث أبي هريرة لا للأخرى ، فإنّ قوله « أوكسهما » يدلّ على أنّه باع الشّيء الواحد بيعتين : بيعة بأقلّ ، وبيعة بأكثر .
وجعل منه مسروق أن يقول : بعتك هذا البزّ بكذا وكذا ديناراً تعطيني بالدّينار عشرة دراهم ، أي لأنّه جمع بين بيع وصرف .
السّادس : وهو عند الحنفيّة أعمّ من الوجه الخامس ، إذ يدخل فيه أن يبيع داراً بشرط أن يسكنها البائع شهراً ، أو دابّةً على أن يستخدمها المشتري ولو مدّةً معيّنةً ، ونحو ذلك . السّابع : قال الخطّابيّ : هو أن يشتري منه بدينار صاع حنطة سلماً إلى شهر ، فلمّا حلّ الأجل ، وطالبه بالحنطة ، قال له : بعني الصّاع الّذي لك عليّ بصاعين إلى شهرين ، قال الخطّابيّ : فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأوّل ، فيردّان إلى أوكسهما وهو الأوّل . ونقل هذا التّفسير عن شرح سنن أبي داود لابن رسلان ، ونقله ابن الأثير في النّهاية ، وواضح أنّ مثل هذا البيع باطل عند الجميع ، لكونه بيع ربويّ بجنسه متفاضلاً ونسيئةً .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الصّفقتان في الصّفقة :
2 - الصّفقة هي : المرّة من الصّفق ، وهو في اللّغة : الضّرب الّذي يسمع له صوت . وأطلق في العرف اللّغويّ على المرّة الواحدة من المبايعات ، فقد كان أحدهم إذا أوجب البيع صفّق بيده على يد المشتري ، وعلى بيعة الإمام ، ومنه الحديث « من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه » ... وتطلق الصّفقة في الاصطلاح كذلك على البيعة وعلى غيرها من العقود ، فالمرّة من الإجارة صفقة ، ومن القرض صفقة ، وهكذا
ويراد ب " الصّفقتين في صفقة " جمع صفقتين في عقد واحد ، كأن يبيع بيته من فلان ويشتري منه دابّته ، على أنّه إذا وجبت هذه وجبت الصّفقة الأخرى ، أو يبيع بيته من فلان ويستأجر منه دابّته ، على أنّه إذا وجب البيع وجبت الإجارة . فاصطلاح ( الصّفقتين في صفقة ) أعمّ من اصطلاح ( البيعتين في بيعة ) .
ب - البيع والشّرط :
3 - البيع والشّرط أعمّ من البيعتين في بيعة ، لأنّ الاشتراط قد يكون اشتراط عقد آخر ، وقد يكون اشتراطاً لمصلحة أحد المتعاقدين ، من غير أن يكون المشروط عقداً آخر .
حكم البيعتين في بيعة :
4 - البيعتان في بيعة أحد البيوع المنهيّ عنها ، وقد ورد النّهي عنها في ثلاث روايات : الأولى : رواية أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة » ومثلها رواية عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما . ورواية عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة ، وعن ربح ما لم يضمن » .
الثّانية : عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من باع بيعتين في بيعة فَلَه أَوْكسهما أو الرّبا » وقال الشّوكانيّ : في إسناده محمّد بن عمرو بن علقمة ، وقد تكلّم فيه غير واحد .
الثّالثة : عن ابن مسعود رضي الله عنه قال « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة » وفي رواية عنه « لا تحلّ الصّفقتان في الصّفقة » وفي أخرى موقوفة « الصّفقة في الصّفقتين رباً » فالبيعتان في بيعة عقد محرّم ، يأثم من يقدم عليه لمخالفته النّهي ، وهو عقد فاسد ، لكنّ الفقهاء يختلفون فيما يحكمون بفساده ، طبقاً لاختلافهم في تعريفهم للبيعتين في بيعة كما تقدّم ، وفيما يلي بيان ذلك :
النّوع الأوّل : أن يقول البائع : هو بكذا حالّاً ، وبأعلى منه مؤجّلاً .
5- البيع بثمن آجل معلوم القدر والأجل ، متّفق على جوازه من حيث الجملة . ولا خلاف فيه لأحد من الفقهاء ، وذلك لقول اللّه تعالى { يا أيّها الّذين آمَنوا إذا تَدَاينتم بِدَيْن إلى أجلٍ مسمًّى فاكتبوه } قال المفسّرون : المراد به كلّ معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً والآخر نسيئةً فما قدّم فيه الثّمن وأجّل فيه تسليم المثمّن ، فهو السّلم ، وقد ورد الشّرع بجوازه ، وانعقد عليه الإجماع ، فهذا مثله ، لأنّه تأجيل لأحد العوضين ، وهذا كلّه بشرط أن لا يكون العوضان ممّا يجري بينهما ربا النّسيئة ، كالذّهب بالذّهب أو بالفضّة ، وكالقمح بالشّعير . هذا ، غير أنّ الإمام أحمد كره أن يختصّ الرّجل بالبيع بالنّسيئة ، لا يبيع إلاّ بها ، ولا يبيع بنقد . قال ابن عقيل : وإنّما كره النّسيئة لمضارعتها الرّبا ، فإنّ الغالب أنّ البائع بنسيئة يقصد الزّيادة بالأجل ، لكنّ البيع بنسيئة ليس بمحرّم اتّفاقاً ، ولا يكره إلاّ أن لا يكون له تجارة غيره . غير أنّه إن كان الثّمن الّذي وقع عليه البيع بالنّسيئة أعلى من الثّمن الحاضر لتلك السّلعة : فقد نقل الخلاف فيه عن زين العابدين عليّ بن الحسين ، فقد نقل الشّوكانيّ عنه : أنّه كان يرى حرمة بيع الشّيء بأكثر من سعر يومه لأجل النّساء .
ونقل صاحب سبل السّلام الخلاف فيه عن قوم لم يسمّهم .
قال الشّوكانيّ : متمسّكهم رواية « فله أَوْكَسُهما أو الرّبا » قال : وقد عرفتَ ما في راويه من المقال ، ومع ذلك فالمشهور عن أبي هريرة رضي الله عنه اللّفظ الّذي رواه غيره ، وهو النّهي عن بيعتين ، ولا حجّة فيه على المطلوب ، ثمّ قال : على أنّ غاية ما فيها الدّلالة على المنع من البيع إذا وقع على هذه الصّورة ، وهي أن يقول : نقداً بكذا ونسيئةً بكذا ، لا إذا قال من أوّل الأمر : نسيئةً بكذا فقط ، وكان أكثر من سعر يومه . مع أنّ المتمسّكين بهذه الرّواية يمنعون من هذه الصّورة ، ولا يدلّ الحديث على ذلك ، فالدّليل أخصّ من الدّعوى . وظاهر ما تقدّم عن سماك ( ر : ف 1 ) أنّه كان يرى المحرّم أن يقول : هو نقداً بكذا ونسيئةً بكذا ، فدلالة الحديث عليه مطابقة .
النّوع الثّاني : البيع بثمنين معجّل ومؤجّل أعلى منه ، مع الإبهام :
6 - إذا باع سلعةً بألف حالّةً أو ألف ومائة إلى سنة ، وقد وجب عليه أحدهما ، فإن عيّنا أحد الثّمنين قبل الافتراق جاز البيع ، وإن افترقا على الإبهام لم يجز .
وقد نصّ الشّافعيّ كما تقدّم على أنّ هذا من البيعتين في بيعة المنهيّ عنه ، وأخذ بذلك جمهور الفقهاء . وقد علّل الشّافعيّة والحنابلة لهذا المنع بعلّتين :
الأولى : الجهالة في الثّمن وعدم استقراره . قال ابن قدامة : لأنّ الثّمن مجهول فلم يصحّ ، كالبيع بالرّقم المجهول ، ولأنّ أحد العوضين غير معيّن ولا معلوم ، فلم يصحّ ، كما لو قال : بعتك إحدى دوري . قال : وإنّما يصحّ إذا قال المشتري بعد ذلك : أنا آخذه بالنّسيئة بكذا ، فقال البائع : خذه ، أو قد رضيت ، أو نحو ذلك ، فيكون عقداً كافياً . أمّا إن لم يوجد ما يقوم مقام الإيجاب أو يدلّ عليه فلا يصحّ ، لأنّ ما مضى من القول - أي على التّرديد والإبهام - لا يصلح أن يكون إيجاباً . ثمّ خرّج وجهاً آخر بالصّحّة .
الثّانية : أنّ في ذلك رباً ، والتّعليل بهذه العلّة مستند إلى بعض الرّوايات عن ابن مسعود رضي الله عنه ، ففيها : « الصّفقة في الصّفقتين رباً » وحديث أبي هريرة رضي الله عنه : « فله أوكسهما أو الرّبا » .
وقد علّل بهذه العلّة الإمام مالك وشيخه ربيعة وسائر المالكيّة . جاء في المدوّنة تفسير ما كره من ذلك : أنّه إذا ملك ثوباً بدينار نقداً أو دينارين إلى أجل ، تأخذه بأيّهما شئت وشئت أنا ، وقد وجب عليك أحدهما ، فهذا كأنّه وجب عليك بدينار نقداً ، فأخّرته فجعلته بدينارين إلى أجل ، أو فكأنّه وجب عليك بدينارين إلى أجل فجعلتهما بدينار نقداً .
توضيح مذهب المالكيّة في هذه المسألة :
7 - قد توسّع المالكيّة في شرح هذه المسألة وبيان ضوابط ما يحرم من البيعتين في بيعة ، وحاصل كلامهم ما يلي :
أ - أنّ التّحريم شامل لما إذا كان التّرديد بين سلعتين مختلفتين ، كما لو قال : أبيعك بدينار هذه السّلعة ، أو هذه الشّاة . ولما إذا كان التّرديد بين ثمنين ، كما إذا قال : أبيعك هذه السّلعة بعشرة نقداً أو بعشرين إلى سنة .
ب - ولا يحرم ذلك إلاّ إذا كان العقد على سبيل الإلزام للمتبايعين ، أو لأحدهما بأحد الأمرين ، أمّا إن كان على سبيل التّخيير لكليهما من غير إلزام جاز .
ج - وهذا إن كانت السّلعتان اللّتان حصل التّخيير بينهما مختلفتين بالجنس ، أمّا إن كانتا متّفقتين بالجنس ، والاختلاف بينهما بالجودة أو الرّداءة فقط فلا بأس به ، لأنّه لا يختار إلاّ الأفضل . قال مالك : لا بأس بشراء ثوب من ثوبين يختاره بثمن كذا ، أو خمسين من مائة ثوب في عدل يختارها إن كانت جنساً واحداً ووصف رقاعها - أي نسجها - وطولها ، وإن اختلفت القيم ، بعد أن تكون كلّها مَرويّةً أو هَرَويّةً ( نسبةً إلى مَرْو وهَرَاة ) .
د - ويستثنى من هذه الحالة أن تكون السّلم طعاماً يدخله ربا الفضل ، فلا يجوز أن تشتري منه على أن تختار صبرةً من صبر ، أو تختار من نخيل - أي من ثمر نخيل - نخلةً - أي ثمرها أو من شجر مثمر عدداً يسمّيه ، اتّفق الجنس أو اختلف ، وإنّما نصّ المالكيّة على الطّعام في هذه المسألة ، لأنّ علّة ربا الفضل عندهم في غير النّقدين : الطّعم .
وقالوا في تصوير وجود ربا الفضل هنا : إنّه يختار إحدى الصّبر ثمّ يتركها ، ويأخذ أخرى ، وبينهما فضل في الكيل والسّلعة من المطعوم فيكون من ربا الفضل .
ولم يقبل الحنفيّة التّعليل بهذه العلّة أصلاً قال ابن الهمام : إنّ كون الثّمن على تقدير النّقد ألفاً ، وعلى تقدير النّسيئة ألفين ليس في معنى الرّبا .
8- وأمّا البيع مع التّخيير بين السّلع أو بين أثمان مختلفة للسّلعة الواحدة ، فهو فاسد عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أيضاً للجهالة ، ولكون البيع على تلك الصّفة مثاراً للتّنازع ، واستثنى الحنفيّة على سبيل الاستحسان أن يبيع من الثّياب مثلاً أحد ثوبين أو ثلاثة على أنّه بالخيار بينها ثلاثة أيّام فأقلّ ، فإن كانت أربعة أثواب فالبيع فاسد . قالوا : والقياس أن يفسد البيع في الكلّ ، وهو قول زفر والشّافعيّ . وجه الاستحسان : أنّ شرع الخيار للحاجة إلى دفع الغبن ليختار ما هو الأوفق والأرفق ، والحاجة متحقّقة لأنّ المشتري يحتاج إلى اختيار من يثق به ، أو اختيار من يشتريه لأجله ، غير أنّ هذه الحاجة تندفع بالثّلاث لوجود الجيّد والرّديء والوسط فيها ، أمّا الأربعة فما زاد فالحاجة إليها غير متحقّقة .
أمّا لو باع أحد قيميّين على الإبهام دون تخيير ، كدار وثوب بدينار مثلاً ، فهو فاسد عند الجميع للجهالة بالمبيع .
النّوع الثّالث : ما ورد في كلام ابن القيّم من أن يبيع الشّيء بثمن مؤجّل ، ويشترط أن يعود فيشتريه من مشتريه بثمن حالّ أقلّ من ثمنه المؤجّل .
9 - وهذا النّوع أيضاً بيع فاسد عند كلّ من يرى بطلان بيع العينة ، فإنّ بيع العينة : أن يبيع لرجل بثمن معجّل سلعةً كان قد اشتراها منه بثمن مؤجّل أكثر منه . وهي من حيل الرّبا ، فإنّ السّلعة رجعت إلى صاحبها ، وثبت له ألف ومائتان مثلاً في ذمّة صاحبه إلى أجل ، وأخذ في مقابلها ألفاً حالّةً ( انظر : بيع العينة ) .
فالّذين قالوا بتحريم بيع العينة قالوا : يحرم ذلك ويفسد إذا وقع ، سواء وقع البيع الثّاني اتّفاقاً ، أو تواطآ عليه عند العقد الأوّل . فإذا وقع على أساس اشتراط العقد الثّاني في العقد الأوّل فهو أولى بالتّحريم والفساد . أمّا الّذين أجازوا بيع العينة - ومنهم الشّافعيّ وأصحابه - فيحرم هذا البيع عندهم كذلك ، ويفسد ، وهو عندهم من البيعتين في بيعة المنهيّ عنه ، ومن البيع أو الشّرط كذلك ، وهو داخل في النّوع التّالي .
النّوع الرّابع : أن يشترط في عقد البيع بيعاً آخر أو غيره من العقود :
10 - وهو على طريقتين :
الأولى : أن يشترط في عقد البيع بيعاً آخر ولا يحدّد المبيع الثّاني أو الثّمن . فهذا لا يصحّ من وجهين . الأوّل : أنّه من " البيع والشّرط " المنهيّ عنه . والثّاني : الجهالة ، وهذا بالإضافة إلى كونه من البيعتين في بيعة عند الأكثر .
الثّانية : أن يشترط في البيع بيعاً آخر ويحدّد المبيع والثّمن ، كأن يقول : بعتك داري هذه بألف على أن تبيعني دارك بألف وخمسمائة ، أو على أن تشتري منّي داري الأخرى بألف وخمسمائة . وقد صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بأنّ هذا من البيعتين في بيعة المنهيّ عنه . وهو عند الحنفيّة والشّافعيّة أيضاً من باب البيع والشّرط المنهيّ عنه في السّنّة النّبويّة . ( ر : بيع وشرط ) .
11 - والنّهي عن البيع والشّرط وإن اختلف الفقهاء في الأخذ به - فمنعه الحنفيّة والشّافعيّة ، وأجازه الحنابلة إذا كان شرطاً واحداً - على تفصيل عند الجميع ليس هذا موضع بيانه ، إلاّ أنّ المشروط إن كان بيعاً آخر فإنّه يفسد الشّرط ، ويفسد البيع أيضاً حتّى عند الحنابلة . وهذا النّوع يفسد أيضاً سواء أكان المشروط في عقد البيع بيعاً أو غيره ، كسلف أو إجارة أو قرض أو غير ذلك من العقود ، قياساً على اشتراط البيع ، ولدخوله في عموم الرّواية الأخرى « نهى عن صفقتين في صفقة » فإنّ الصّفقة بمعنى العقد ، فتشمل كلّ عقدين جمع بينهما في عقد واحد . وورد في الجمع بين البيع والسّلف نهي خاصّ ، هو قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « لا يحلّ سلَف وبيع » . قال ابن قدامة : وهذا مذهب مالك والشّافعيّ ولا أعلم فيه خلافاً ، إلاّ أنّ مالكاً قال : إن ترك مشترط السّلف شرطه صحّ البيع . وعلّل ابن قدامة لفساد البيع بالإضافة إلى كونه من الصّفقتين في صفقة ، بأنّه إذا اشترط القرض مثلاً زاد في الثّمن لأجله ، فتصير الزّيادة في الثّمن عوضاً عن القرض وربحاً له ، وذلك رباً محرّم ، ففسد كما لو صرّح به .
ولو كان العقدان ليس فيهما بيع فسدا كذلك ، كما لو شرط في الإجارة سلفاً أو نكاحاً ، أو شرط في النّكاح نكاحاً ، وهو الشّغار المنهيّ عنه على أحد القولين في تفسيره ( ر : شغار ) . ومن جملة ما يدخل في هذا النّوع أيضاً : أن يبيع سلعةً بدنانير ذهبيّة ، ويشترط أن يسلّمه الثّمن دراهم بسعر صرف يتّفقان عليه في عقد البيع نفسه . قال ابن قدامة : وهذا باطل لأنّه شرط في العقد أن يصارفه بالثّمن الّذي وقع العقد به ، والمصارفة عقد ، فيكون من باب البيعتين في بيعة ، ثمّ قال : وقال مالك : لا ألتفت إلى اللّفظ الفاسد إذا كان معلوماً حلالاً ، فكأنّه باع السّلعة بالدّراهم الّتي يأخذها بدل الدّنانير .
12 - وينبغي التّفريق بين هذه الحالة المبيّنة أعلاه ، وبين أن يبيع سلعتين مختلفتين بثمن واحد ، كما لو باع دابّةً وداراً بألف دينار ، فإنّ هذا جائز اتّفاقاً وليس من البيعتين في بيعة . وكذا لو باع الدّار بدابّة وألف دينار .
13 - ومثله ما لو جمع بين بيع وإجارة ، أو بيع وصرف ، أو إجارة ونكاح بعوض واحد ، كما لو قال بعتك داري هذه وآجرتك داري الأخرى سنةً بألف دينار ، فهذا جائز لأنّهما عينان يجوز أخذ العوض عن كلّ واحدة منهما منفردةً ، فجاز أخذ العوض عنهما مجتمعتين ، كما لو قال : بعتك هذّبن الثّوبين بألف . وهذا قول الحنابلة الأصحّ عندهم ، والأظهر عند الشّافعيّة ، ويوزّع العوض عند التّرادّ في أحدهما حسب قيمتهما ( أي قيمة المؤجّر مثلاً من حيث الأجرة للمدّة المضروبة ، وقيمة رقبة المبيع )
والقول الآخر عند كلّ من الفريقين : لا يصحّ ، لأنّ حكمهما مختلف ، فإنّ المبيع يضمن بمجرّد البيع . والإجارة بخلافه ، وقد يعرض - لاختلاف حكمهما باختلاف أسباب الفسخ والانفساخ وغير ذلك - ما يقتضي فسخ أحدهما ، فيحتاج إلى التّوزيع ، ويلزم الجهل عند العقد بما يخصّ كلّاً منهما من العوض ، وذلك محذور ، غير أنّه إن كان أحد العقدين نكاحاً صحّ بمهر المثل . لأنّ التّسمية ليست بشرط في صحّته .
وعند المالكيّة - على المشهور عندهم - التّصريح بأنّه لا يجوز أن يجتمع مع البيع صرف ولا جعالة ولا مساقاة ولا شركة ولا قراض ولا نكاح ولا سلف ، ولا يجوز اجتماع شيء منها مع غيره منها . والسّلف لا يجتمع معه أيضاً صدقة أو هبة أو نحوهما من جانب المتسلّف .
النّوع الخامس : اشتراط منفعة لأحد المتعاقدين :
14 - ومثاله أن يقول : بعتك هذه الدّار على أن أسكنها سنةً ، أو قال : بعتك هذه الدّابّة على أن أستخدمها شهراً . وقد أدخل الحنفيّة هذا النّوع في البيعتين في بيعة المنهيّ عنه ، وقالوا : بأنّه يفسد البيع لذلك ، ولأنّه من باب البيع والشّرط المنهيّ عنه ( ر : البيع والشّرط ) . ووجه كونه من البيعتين في بيعة - كما في الهداية وفتح القدير - أنّه لو كانت الخدمة والسّكنى يقابلهما شيء من الثّمن ، بأن يعتبر المسمّى ثمناً بإزاء المبيع ، وأجرةً بإزاء الخدمة والسّكنى ، يكون إجارةً في بيع . ولو كان لا يقابلهما شيء يكون إعارةً في بيع . ووجه كونه ربا : أنّ المشروط زيادة في العقد عاريّة عن العوض ، وهو معنى الرّبا .
ومثله عند الحنفيّة ما لو باع شجراً عليه ثمر ، اشترط بقاء الثّمر على الشّجر مدّةً .
ووجه منعه أنّه يكون إجارةً أو إعارةً في بيع ، فيكون من باب صفقتين في صفقة كذلك . ويوافق الشّافعيّة على أنّ هذا البيع ممنوع ، وأنّ مثل هذا الشّرط يفسد العقد ، لأنّه من باب البيع والشّرط .
أمّا عند المالكيّة والحنابلة : فهو بيع جائز ، حيث كانت المنفعة المشروطة معلومةً . وقالوا : قد صحّ من حديث جابر رضي الله عنه « أنّه باع من النّبيّ صلى الله عليه وسلم جملاً واستثنى حمله إلى المدينة » ولأنّه صلى الله عليه وسلم « نهى عن الثّنيا إلاّ أن تعلم » .

بيعة *
التّعريف :
1- للبيعة في اللّغة معان ، فتطلق على : المبايعة على الطّاعة . وتطلق على : الصّفقة من صفقات البيع ، ويقال : بايعته ، وهي من البيع والبيعة جميعاً والتّبايع مثله . قال اللّه تعالى { إنّ الّذين يُبايِعونك إنّما يُبايعون اللّه } وفي الحديث « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لمجاشع حينما سأله : علام تبايعنا ؟ قال : على الإسلام والجهاد » . وهو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة . كأنّ كلّاً منهما باع ما عنده لصاحبه ، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره . ومثله : أيمان البيعة . وهي : الّتي رتّبها الحجّاج مشتملةً على أمور مغلّظة من طلاق وعتق وصوم ونحو ذلك .
والبيعة اصطلاحاً ، كما عرّفها ابن خلدون في مقدّمته : العهد على الطّاعة ، كأنّ المبايع يعاهد أميره على أن يسلّم له النّظر في أمر نفسه وأمور المسلمين ، لا ينازعه في شيء من ذلك ، ويطيعه فيما يكلّفه به من الأمر على المنشط والمكره ، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد ، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري ، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي .
هذا مدلولها في اللّغة ومعهود الشّرع ، وهو المراد في الحديث في بيعة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ، وعند الشّجرة ، وحيثما ورد هذا اللّفظ . ومنه : بيعة الخلفاء ، ومنه أيمان البيعة . فقد كان الخلفاء يستحلفون على العهد ويستوعبون الأيمان كلّها لذلك . فسمّي هذا الاستيعاب أيمان البيعة .
2 - هذا وقد استفاض عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ النّاس كانوا يبايعونه تارةً على الهجرة والجهاد ، وتارةً على إقامة أركان الإسلام ، وتارةً على الثّبات والقرار في معركة الكفّار ، وتارةً على التّمسّك بالسّنّة واجتناب البدعة والحرص على الطّاعات .
هذا ، والكلام عن البيعة بمعنى ( المرّة من البيع ) موطنه مصطلح : ( بيع ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - العقد :
3 - العقد وجمعه عقود ، وله في اللّغة معان منها : عقد الحبل ونحوه ، ومنها العهد .
وفي الاصطلاح : ربط أجزاء التّصرّف بإيجاب وقبول شرعاً . فالعقد أعمّ من البيعة .
ب - العهد :
4 - من معانيه في اللّغة : كلّ ما عوهد اللّه عليه ، وكلّ ما بين العباد من المواثيق . والعهد : الّذي يكتب للولاة عند تقليدهم الأعمال ، والجمع : عهود ، وقد عهد إليه عهداً . والعهد : الموثق واليمين يحلف بها الرّجل . تقول : عليّ عهد اللّه وميثاقه ، وأخذت عليه عهد اللّه وميثاقه . فالبيعة نوع من العهود .
الحكم التّكليفيّ للبيعة :
5 - يختلف حكم المبايعة باختلاف المبايعين ، فأهل الحلّ والعقد يجب عليهم بيعة من يختارونه للإمامة ممّن قد استوفى الشّروط الشّرعيّة لها .
وأمّا سائر النّاس ، فالأصل وجوب البيعة على كلّ واحد منهم بناءً على بيعة أهل الحلّ والعقد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من مات وليس في عنقه بيعة لإمام مات ميتةً جاهليّةً » ولكنّ المالكيّة ذهبوا إلى أنّه يكفي سائر النّاس أن يعتقدوا أنّهم تحت أمر الإمام المبايع ، وأنّهم ملتزمون بالطّاعة له . هذا بالنّسبة للمبايعين من أهل الحلّ والعقد وسائر النّاس ،
أمّا من جهة المختار ليكون إماماً فيجب عليه قبول البيعة إن تعيّنت الإمامة ، بأن لا يوجد غيره مستوفياً للشّروط ، فإن كان المستوفون للشّروط أكثر من واحد ، كان قبول البيعة فرض كفاية ( وانظر مصطلح : الإمامة الكبرى ، وأهل الحلّ والعقد ) .
أدلّة مشروعيّة البيعة :
6 - مبايعة المسلمين للرّسول صلى الله عليه وسلم إنّما هي مبايعة للّه تبارك وتعالى ، وذلك كما في قوله سبحانه : { إنّ الّذين يبايعونك إنّما يبايعون اللّه ، يَدُ اللّه فوق أيديهم } فَيَدُه سبحانه في الثّواب فوق أيديهم في الوفاء ، ويده في المنّة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطّاعة . والمراد بالمبايعة في الآية بيعة الرّضوان بالحديبية ، وقد أنزل اللّه تعالى فيمن بايعه فيها قوله جلّ شأنه : { لقد رضي اللّه عن المؤمنين إذْ يبايعونك تحت الشّجرةِ فَعَلِمَ ما في قلوبِهم فأَنْزَلَ السّكينةَ عليهم وأَثَابهم فَتْحاً قريباً } وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : « كنّا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة ، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشّجرة وهي سمرة . وقال : بايعناه على أن لا نفرّ ، ولم نبايعه على الموت »
وفي بيعة العقبة الأولى بايع المسلمون الرّسول صلى الله عليه وسلم على بيعة النّساء قبل أن تفرض عليهم الحرب . « فعن عبادة بن الصّامت رضي الله عنه ، وكان شهد بدراً ، وهو أحد النّقباء ليلة العقبة ، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه : بايعوني على أن لا تشركوا باللّه شيئاً ، ولا تَسْرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوا في معروف ، فمن وفّى منكم فأجره على اللّه ، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدّنيا فهو كفّارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثمّ ستره اللّه ، فهو إلى اللّه ، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه . فبايعناه على ذلك » 7 - أمّا بيعة النّساء فقد بيّنت في قول اللّه تبارك وتعالى : { يا أيّها النّبيّ إذا جاءك المؤمناتُ يُبَايعْنك على أن لا يُشْرِكْنَ باللّه شيئاً ولا يَسْرقْن ولا يزنين ولا يقتلن أولادَهنّ ولا يأتين بِبُهْتانٍ يَفْترِينَه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يَعْصينَك في مَعْروف فبايِعْهنّ واستغفرْ لهنّ اللّهَ إنَّ اللّهَ غفور رحيم } ولمّا فتح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مكّة جاءه نساء أهلها يبايعنه فأخذ عليهنّ : أن لا يشركن .. إلخ . ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : « كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يمتحنّ بقول اللّه تعالى : { يا أيّها النّبيّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن باللّه شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين } » إلى آخر الآية ، قالت عائشة : فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة . وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهنّ ، قال لهنّ : انطلقن فقد بايعتكنّ ولا واللّه ما مسّت يد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يد امرأة قطّ ، غير أنّه بايعهنّ بالكلام . قالت عائشة : واللّه ما أخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على النّساء قطّ إلاّ بما أمره اللّه عزّ وجلّ ، وما مسّت كفّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كفّ امرأة قطّ ، وكان يقول لهنّ إذا أخذ عليهنّ قد بايعتكنّ كلاماً » . ( أي دون مصافحة ) .
وقالت أمّ عطيّة رضي الله عنها « لمّا قدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ، ثمّ أرسل إلينا عمر بن الخطّاب فقام على الباب ، فسلّم ، فرددن عليه السّلام ، فقال : أنا رسول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إليكنّ : أن لا تشركن باللّه شيئاً فقلن : نعم . فمدّ يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثمّ قال : اللّهمّ اشهد » . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النّساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ، ثمّ أمر النّساء فغمسن أيديهنّ فيه » .
فبيعة رجال المسلمين للرّسول صلى الله عليه وسلم كانت بالمصافحة مع الكلام . أمّا بيعة نسائهم له صلى الله عليه وسلم فكانت بالكلام من غير مصافحة . قال النّوويّ في شرح مسلم ، إنّ بيعة النّساء بالكلام من غير أخذ كفّ ، وبيعة الرّجال بأخذ الكفّ مع الكلام . وحين تخوّف عمر بن الخطّاب الاختلاف بين المسلمين قال لأبي بكر : ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسطها ، فبايعه ، ثمّ بايعه المهاجرون ، ثمّ بايعه الأنصار .
الفرق بين مبايعة الصّحابة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وبين مبايعة غيره من الأئمّة :
8 - إنّ موضوع بيعة الرّسول صلى الله عليه وسلم يقتصر على التزام المبايعين وتعهّدهم بالسّمع والطّاعة ، وخاصّةً الالتزام بما بايعوا عليه ، أمّا تعيينه صلى الله عليه وسلم للإمامة فإنّما كان ذلك بالوحي . وأمّا بيعة غيره فهي التزام من كلّ من الطّرفين ، فهي من أهل الحلّ والعقد التزام للإمام بالسّمع والطّاعة والإقرار بإمامته ، والتزام من المبايع بإقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة .
ويترتّب عليها إذا تمّت على الوجه المشروع انعقاد الإمامة لمن بايعه أهل الحلّ والعقد ، وأمّا سائر النّاس غير أهل الحلّ والعقد فعليهم أن يبايعوه بعد ذلك تبعاً لأهل الحلّ والعقد .
هل البيعة عقد ؟ وتتوقّف على القبول ؟
9 - البيعة عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار ، وهو عقد بين طرفين أحدهما : أهل الحلّ والعقد . وثانيهما : الشّخص الّذي أدّاهم اجتهادهم إلى اختياره ممّن قد استوفوا شرائط الإمامة ليكون إماماً لهم . فإذا اجتمع أهل الحلّ والعقد للاختيار ، وتصفّحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها ، فقدّموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً وأكملهم في تلك الشّروط ، ومن يسرع النّاس إلى طاعته ولا يتوقّفون عن بيعته . فإذا تعيّن لهم من بين الجماعة من أدّاهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه ، فإن أجاب إليها بايعوه عليها ، وانعقدت ببيعتهم له الإمامة ، فلزم كافّة الأمة الدّخول في بيعته والانقياد لطاعته ، وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يحبر عليها ، وعدل عنه إلى من سواه من مستحقّيها .
أثر البيعة في انعقاد الإمامة :
10 - اختيار أهل الحلّ والعقد للإمام وبيعتهم له هي الأصل في انعقاد الإمامة ، وأهل الحلّ والعقد هم العلماء وجماعة أهل الرّأي والتّدبير الّذين اجتمع فيهم العلم بشروط الأمانة والعدالة والرّأي . ( ر : أهل الحلّ والعقد ) .
أمّا انعقاد الإمامة بولاية العهد أو بالتّغلّب فينظر حكم ذلك في مصطلح ( إمامة كبرى ) . وليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل البلاد فضل مزيّة يتقدّم بها على غيره في الاختيار ، وإنّما صار من يحضر ببلد الإمام متولّياً لعقد الإمامة عرفاً لا شرعاً ، لسبق علمهم بموته ، لأنّ من يصلح للخلافة في الأغلب موجودون في بلده .
عدد من تنعقد بمبايعتهم الإمامة :
11 - اتّفق الفقهاء على أنّ الإمامة تنعقد بإجماع أهل الحلّ والعقد على المبايعة ، وبمبايعة جمهور أهل الحلّ والعقد من كلّ بلد ، وذهب بعض الفقهاء إلى أنّها لا تنعقد بأقلّ من ذلك ، ليتمّ الرّضا به والتّسليم لإمامته . وقد روى البخاريّ عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال : « من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الّذي بايعه » .
قال أبو يعلى : أمّا انعقاد الإمامة باختيار أهل الحلّ والعقد فلا تنعقد إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد ، قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم : الإمام الّذي يجتمع قول أهل الحلّ والعقد عليه ، كلّهم يقول هذا إمام . قال أبو يعلى : وظاهر هذا أنّها تنعقد بجماعتهم .
وقيل : تنعقد بأقلّ من ذلك . وممّن قال بعدم انعقادها إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد المالكيّة والحنابلة ، وقال المعتزلة بانعقادها بخمسة ، وقال الشّافعيّة بانعقادها بالأربعة والثّلاثة والاثنين ، وقال الحنفيّة بانعقادها بواحد ، وانظر للتّفصيل مصطلح ( إمامة كبرى ) .
كيفيّة البيعة :
12- كيفيّتها أن يقول كلّ من أهل الحلّ والعقد المبايعين لمن يبايعونه بالخلافة : قد بايعناك على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة . ولا يحتاج ذلك إلى صفقة اليد ، وقد كانت البيعة على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وخلفائه الرّاشدين بالمصافحة ، فلمّا ولي الحجّاج رتّبها أيماناً تشتمل على اليمين باللّه والطّلاق والعتاق وصدقة المال . وزاد ابن القيّم في إعلام الموقّعين : وبيعة النّساء بالكلام « وما مسّت يد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا يملك عصمتها » .
وفي مبايعة أبي بكر رضي الله عنه حين تخوّف عمر بن الخطّاب رضي الله عنه الاختلاف بين المسلمين ، قال لأبي بكر رضي الله عنه : ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعه ، ثمّ بايعه المهاجرون ، ثمّ بايعه الأنصار . وحديث عائشة رضي الله عنها في بيعة النّساء ، وأنّها كانت كلاماً من غير أن يضرب يده على أيديهنّ كما كان يبايع الرّجال .
نقض البيعة :
13 - يحرم على المسلم إذا بايع الإمام أن ينقض بيعته أو يترك طاعته ، إلاّ لموجب شرعيّ يقتضي انتقاض البيعة ، كردّة الإمام ونحو ذلك من الأسباب الّتي تقدّم ذكرها في مبحث ( الإمامة الكبرى ) فإن نقض البيعة لغير ذلك فهو حرام ، وقد ورد النّهي عنه في قول اللّه تعالى : { إنّ الّذين يبايعونك إنّما يبايعون اللّه يد اللّه فوق أيديهم ، فمن نَكَثَ فإنّما يَنْكُثُ على نفسه ومن أَوْفى بما عاهَدَ عليهُ اللّه فسيؤتيه أجراً عظيماً } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع » .

بيعة *
انظر : معابد .

بيّنة *
انظر : شهادات ، إثبات .

******************

اِبن الصالحين 05-11-2012 10:43 PM

الموسوعة الفقهية / الجزء العاشر

تأبّد *
انظر : آبد .

تأبيد *
التّعريف :
1- التّأبيد : مصدر أبّد بتشديد الباء ، ومعناه لغةً : التّخليد . وأصله من أبد الحيوان يأبد ، ويأبد أبوداً ، أي : انفرد وتوحّش .
وفي اصطلاح الفقهاء : تقييد التّصرّف بالأبد ، وهو : الزّمان الدّائم بالشّرع أو العقد . ويقابله التّوقيت والتّأجيل ، فإنّ كلّاً منهما يكون إلى زمن ينتهي .
الألفاظ ذات الصّلة :
تخليد :
2 - التّخليد لغةً : إدامة البقاء . قال في الصّحاح : الخلد دوام البقاء ، تقول : خلد الرّجل يخلد خلوداً ، وأخلده اللّه وخلّده تخليداً .
والفقهاء استعملوا التّخليد في المعنى الوارد في اللّغة ، كما في تخليد حبس المتمرّد . وكما في دوام حبس الكفيل إلى حضور المكفول . والفرق بين التّأبيد والتّخليد ، أنّ التّأبيد لما لا ينتهي ، والتّخليد قد يكون لما لا ينتهي ، وقد يكون لما ينتهي ، كما في تخليد عصاة المؤمنين في النّار لا يقتضي دوامهم فيها ، بل يخرجون منها . فإذا قيّد التّخليد بالأبد كان لما لا ينتهي ، كقوله تعالى في شأن الكفّار { خالدين فيها أبداً } .
التّصرّفات من حيث التّأبيد أو عدمه :
3 - التّصرّفات من حيث التّأبيد أو عدمه على ثلاثة أنواع :
الأوّل : ما هو مؤبّد لا يقبل التّأقيت : كالنّكاح والبيع والهبة والرّهن ، وكالوقف عند الجمهور .
الثّاني : ما هو مؤقّت لا يقبل التّأبيد كالإجارة والمزارعة والمساقاة .
والثّالث : ما هو قابل للتّوقيت والتّأبيد كالكفالة .
وانظر للتّفصيل مصطلح ( تأقيت ) وانظر أيضاً ( بيع . هبة . إجارة . إلخ ) .

تأبين *
انظر : رثاء .

تأجيل *
انظر : أجل .

تأخّر *
انظر : تأخير .

تأخير *
التّعريف :
1- التّأخير لغةً : ضدّ التّقديم ، ومؤخّر كلّ شيء : خلاف مقدّمه .
واصطلاحاً : هو فعل الشّيء في آخر وقته المحدّد له شرعاً ، كتأخير السّحور والصّلاة ، أو خارج الوقت ( سواء أكان الوقت محدّداً شرعاً أو متّفقاً عليه ) كتأخير الزّكاة والدّين .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّراخي :
2 - التّراخي في اللّغة : الامتداد في الزّمان . يقال : تراخى الأمر تراخياً : امتدّ زمانه ، وفي الأمر تراخ أي فسحة .
ومعنى التّراخي عند الفقهاء : هو مشروعيّة فعل العبادة في وقتها الممتدّ ، وهو ضدّ الفور كالصّلاة والحجّ . وعلى هذا فيتّفق التّأخير مع التّراخي في فعل العبادة في آخر وقتها ، ويختلفان في حال إيقاع العبادة خارج الوقت ، فيسمّى ذلك تأخيراً لا تراخياً .
ب - الفور :
3 - الفور في اللّغة : كون الشّيء على الوقت الحاضر الّذي لا تأخير فيه . يقال : فارت القِدْر فوراً وفوراناً : غلت ، ومنه قولهم : الشّفعة على الفور .
وفي الاصطلاح : هو مشروعيّة الأداء في أوّل أوقات الإمكان بحيث يلحقه الذّمّ بالتّأخير عنه . ويتبيّن من هذا أنّ بين الفور والتّأخير تبايناً .
ج - التّأجيل :
4 - التّأجيل في اللّغة : أن تضرب للشّيء أجلاً . يقال : أجّلته تأجيلاً أي جعلت له أجلاً . ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن معناه اللّغويّ .
وعلى هذا فالتّأخير أعمّ من التّأجيل ، إذ يكون التّأخير بأجل وبغير أجل .
هـ – التّعجيل :
5 - التّعجيل : الإسراع بالشّيء . يقال : عجّلت إليه المال : أسرعت إليه بحضوره فتعجّله أي أخذه بسرعة . وهو عند الفقهاء : الإتيان بالفعل قبل الوقت المحدّد له كتعجيل الزّكاة ، أو في أوّل الوقت كتعجيل الفطر ، قال عليه الصلاة والسلام : « لا تزال أمّتي بخير ما عجّلوا الفطر ، وأخّروا السّحور » . فتبيّن من هذا أنّ بين التّأخير والتّعجيل تبايناً .
الحكم الإجماليّ :
6 - الأصل في الشّرع عدم تأخير الفعل إلى آخر وقته أو خارج الوقت المحدّد له شرعاً ، كتأخير العبادة الواجبة مثل الصّلاة ، أو عن الوقت المتّفق عليه بين المتعاقدين كأداء ما في الذّمّة ، إلاّ إذا وجد نصّ يجيز التّأخير ، أو قاعدة عامّة من قواعد الشّريعة أو عذر شرعيّ خارج عن مقدور العبد .
وقد يعرض ما يخرج التّأخير عن هذا الأصل إلى الوجوب أو النّدب أو الكراهة أو الإباحة . فيجب التّأخير في إقامة الحدّ على الحامل حتّى تلد ، ويستغني عنها وليدها . أمّا المريض ، فإن كان يرجى برؤه يؤخّر عنه الحدّ حتّى يبرأ ، وإن كان لا يرجى برؤه يقام عليه الحدّ ولا يؤخّر . وذلك في غير القصاص بالنّفس .
ويندب : كتأخير السّحور إلى آخر اللّيل ، وتأخير الوتر إلى وقت السّحر لمن وثق بصلاته فيه ، وكتأخير أداء الدّين عن وقته بالنّسبة للمعسر لوجود عذر الإعسار . قال تعالى : { وإنْ كان ذو عُسْرة فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرة } ويكره : كتأخير الإفطار للصّائم بعد غروب الشّمس ، إذ السّنّة في الإفطار التّعجيل .
ويباح : كتأخير الصّلاة عن أوّل الوقت ما لم يدخل في وقت الكراهة .
تأخير الصّلاة :
7 - اتّفق الفقهاء على مشروعيّة تأخير صلاة المغرب لتصلّى جمعاً مع العشاء ، وذلك للحاجّ ليلة المزدلفة . وأمّا في غير ذلك فقد اختلفوا في جواز جمع صلاتي الظّهر والعصر في وقت إحداهما ، وكذا في جمع صلاة المغرب والعشاء في وقت إحداهما : فذهب الجمهور إلى جوازه في أعذار معيّنة ، ومَنَعَهُ الحنفيّة ، وينظر الخلاف والتّفصيل في مصطلح ( جمع الصّلاة ) .
تأخير الصّلاة لفاقد الماء :
8 - اتّفق الفقهاء على سنّيّة تأخير الصّلاة إلى آخر الوقت المختار إذا تيقّن وجود الماء في آخره ، وقيّد الحنفيّة ذلك بألاّ يدخل وقت الكراهة .
أمّا إذا ظنّ وجود الماء ، أو رجاه في آخر الوقت ، فالجمهور على أنّ تأخير الصّلاة أفضل بشرطه عند الحنفيّة ، وذهب المالكيّة إلى أنّ المتردّد يتيمّم في وسط الوقت ندباً ،
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ التّعجيل في هذه الحالة أفضل .
تأخير الصّلاة بلا عذر :
9 - اتّفق الفقهاء على تحريم تأخير الصّلاة حتّى يخرج وقتها بلا عذر شرعيّ .
أمّا من ترك الصّلاة كسلاً وهو موقن بوجوبها ، وكان تركه لها بلا عذر ولا تأوّل ولا جهل ، فقال الحنفيّة : يحبس حتّى يصلّي . قال الحصكفيّ : لأنّه يحبس لحقّ العبد ، فحقّ ( الحقّ ) أحقّ . وقيل : يضرب حتّى يسيل منه الدّم .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة ، وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد : إلى أنّه إذا أخّر الصّلاة عن وقتها دعي إلى فعلها ، فإن تضيّق وقت الّتي تليها ، وأبى الصّلاة ، يقتل حدّاً . والرّواية الثّانية عن أحمد أنّه يقتل لكفره . قال في الإنصاف : وهو المذهب ، وعليه جمهور الأصحاب . أمّا تأخير الصّلاة إلى آخر وقتها فهو خلاف الأولى لقوله صلى الله عليه وسلم : « أوّل الوقت رضوان اللّه ، ووسطه رحمة اللّه ، وآخره عفو اللّه » ويكره التّأخير إلى أحد أوقات الكراهة . وينظر التّفصيل في مصطلح ( أوقات الصّلاة ) .
تأخير دفع الزّكاة :
10 - ذهب جمهور العلماء ، ومنهم الحنفيّة على المفتى به عندهم ، إلى أنّه لا يجوز تأخير دفع الزّكاة عن وقت استحقاقها ، وأنّها يجب إخراجها على الفور ، لقوله تعالى : { وآتُوا حقَّه يومَ حصادِه } وهذا في زكاة الزّروع ، ويلحق بها غيرها .
والّذي عليه عامّة مشايخ الحنفيّة ، وصحّحه الباقلّانيّ والجصّاص : أنّها تجب على التّراخي ، ففي أيّ وقت أدّى يكون مؤدّياً للواجب ، وإذا لم يؤدّ إلى آخر عمره يتضيّق عليه الوجوب ، حتّى لو لم يؤدّ إلى أن مات يأثم . وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنّه إن أخّر الزّكاة بعد الحول مع التّمكّن من الإخراج فتلف بعض المال أو كلّه فإنّه ضامن لها ، ولا تسقط عنه . وعند المالكيّة إذا أخّرها يوماً أو يومين فلا ضمان عليه ، إلاّ أن يقصّر في حفظها .
وذهب الحنفيّة إلى سقوط الزّكاة بهلاك المال بعد الحول ، سواء تمكّن من الأداء أم لم يتمكّن . والتّفصيل في مصطلح ( زكاة ) .
تأخير قضاء الصّوم :
11 - الأصل المبادرة إلى قضاء ما فات من صيام رمضان ، ويجوز تأخير القضاء ما لم يتضيّق الوقت ، بألاّ يبقى بينه وبين رمضان القادم إلاّ ما يسع أداء ما عليه . فيتعيّن ذلك الوقت للقضاء عند الجمهور . فإن لم يقض فيه فقد نصّ الشّافعيّة والحنابلة على تأثيمه بالتّأخير إذا فات وقت القضاء من غير عذر ، لقول عائشة رضي الله عنها : « كان يكون عليّ الصّوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلاّ في شعبان لمكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم » قالوا : ولو أمكنها لأخّرته ، ولأنّ الصّوم عبادة متكرّرة ، فلم يجز تأخير الأولى عن الثّانية كالصّلوات المفروضة .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز تأخير القضاء مطلقاً ولا إثم عليه ، وإن هلّ عليه رمضان آخر . لكنّ المستحبّ عندهم المتابعة مسارعةً إلى إسقاط الواجب .
12 - هذا ، وإذا أخّر القضاء حتّى دخل رمضان آخر ، فقد ذهب الجمهور إلى أنّه إن كان مفرّطاً فإنّ عليه القضاء مع الفدية ، وهي إطعام مسكين عن كلّ يوم ، لما روي « أنّه صلى الله عليه وسلم قال في رجل مرض في رمضان فأفطر ، ثمّ صحّ فلم يصم حتّى أدركه رمضان آخر : يصوم الّذي أدركه ثمّ يصوم الّذي أفطر فيه ، ويطعم عن كلّ يوم مسكيناً » ولما روي عن ابن عمر وابن عبّاس وأبي هريرة أنّهم قالوا : أطعم عن كلّ يوم مسكيناً ، ولم يرد خلاف في ذلك عن غيرهم من الصّحابة .
ثمّ الأصحّ عند الشّافعيّة أنّ الفدية تتكرّر بتكرّر السّنين ، لأنّ الحقوق الماليّة لا تتداخل ، ومقابل الأصحّ : لا تتكرّر كالحدود . ومحلّ الخلاف إذا لم يكن أخرج الفدية ، فإن أخرجها ثمّ لم يقض حتّى دخل رمضان آخر وجبت ثانياً .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ من أخّر قضاء رمضان حتّى هلّ عليه رمضان آخر ، فإنّ عليه القضاء ولا فدية ، واستدلّوا بإطلاق قوله تعالى : { فعِدَّةٌ من أيّامٍ أُخَر } من غير قيد . وقالوا : إنّ إطلاق الآية يدلّ على وجوب القضاء على التّراخي ، فلا يلزمه بالتّأخير شيء ، غير أنّه تارك للأولى من المسارعة .
تأخير الحجّ :
13 - ذهب جمهور العلماء إلى أنّ الحجّ يجب على الفور ، أي الإتيان به في أوّل أوقات الاستطاعة . لقوله تعالى : { وَلِلّه على النّاسِ حِجُّ البيت مَن استطاعَ إليه سبيلاً } ولقوله تعالى : { وأتمُّوا الحجَّ والعمرةَ للّه } والأمر للفور ، ولخبر ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً قال : « تعجّلوا إلى الحجّ فإنّ أحدكم لا يدري ما يَعْرِض له » .
وذهب الشّافعيّة ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة إلى أنّ الحجّ يجب على التّراخي ، لكنّ جواز التّأخير عندهم مشروط بأمرين : العزم على الفعل في المستقبل ، وأن يغلب على الظّنّ السّلامة إلى وقت فعله .
واحتجّوا بأنّ فريضة الحجّ نزلت بعد الهجرة سنة ستّ ، وفتح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مكّة في رمضان سنة ثمان ، وانصرف عنها في شوّال من سنته .
وحجّ النّاس سنة ثمان ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم مقيم بالمدينة هو وأزواجه وعامّة أصحابه ، ثمّ في سنة تسع بعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر للحجّ ، والنّبيّ مع عامّة أصحابه في المدينة ، وهم قادرون على الحجّ غير مشتغلين بقتال ولا غيره .
ثمّ في السّنة العاشرة حجّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فدلّ على جواز التّأخير .
تأخير رمي الجمار :
14 - اتّفق الفقهاء على أنّ من أخّر الرّمي حتّى غروب اليوم الثّالث من أيّام التّشريق ، عليه دم . واختلفوا فيما لو أخّره حتّى غروب الشّمس في غير اليوم الثّالث منها .
فذهب الحنفيّة إلى أنّه لو أخّر الرّمي فيما قبل اليوم الثّالث يرمي في اللّيلة الّتي تلي ذلك اليوم الّذي أخّر رميه ويقع أداءً ، لأنّها تابعة له وكره لتركه السّنّة ، وإن أخّره إلى اليوم التّالي كان قضاءً ، ولزمه الجزاء . وكذا لو أخّر الكلّ إلى الثّالث ما لم تغرب شمسه .
وذهب المالكيّة إلى أنّه لو أخّر الرّمي إلى اللّيل وقع قضاءً ولا شيء عليه .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لو أخّر رمي يوم أو يومين من أيّام التّشريق تداركه في باقي الأيّام ولا شيء عليه ، فإن رمى ليلاً لم يجزئه الرّمي ويعيد .
تأخير طواف الإفاضة عن أيّام التّشريق :
15 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا آخر للوقت الّذي يصحّ فيه طواف الإفاضة ، خلافاً للمالكيّة الّذين نصّوا على أنّ آخر وقت طواف الإفاضة آخر ذي الحجّة .
ثمّ اختلف الفقهاء فيمن أخّر طواف الإفاضة عن أيّام التّشريق :
فذهب الحنفيّة إلى أنّه يكره تحريماً تأخيره عن أيّام النّحر ولياليها ( وهي يوم العيد ويومان بعده ) ويلزمه دم لترك الواجب ، وهو إيقاع طواف الإفاضة في وقته .
وذهب المالكيّة إلى أنّ من أخّر طواف الإفاضة حتّى خرجت أيّام التّشريق - وهي الأيّام الثّلاثة التّالية ليوم العيد - فإنّ عليه دماً .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يكره تأخيره عن يوم النّحر ، وتأخيره عن أيّام التّشريق أشدّ كراهةً ، وعن خروجه من مكّة أشدّ .
وذهب الحنابلة إلى أنّ من أخّر طواف الإفاضة عن أيّام منًى ( أيّام التّشريق ) جاز ، ولا شيء عليه لأنّ وقته غير محدود .
ونصّوا على أنّ أوّل وقته بعد نصف ليلة النّحر ، والأفضل فعله يوم النّحر ، لقول ابن عمر : « أفاض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم النّحر » .
تأخير الحلق أو التّقصير :
16 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في رواية إلى أنّه يجوز تأخير الحلق أو التّقصير إلى آخر أيّام النّحر ، لأنّه إذا جاز تأخير النّحر - وهو في التّرتيب مقدّم على الحلق - فتأخير الحلق أولى ، فإن أخّر الحلق حتّى خرجت أيّام النّحر لزمه دم بالتّأخير .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة في رواية إلى أنّه إن أخّر الحلق حتّى خرجت أيّام التّشريق فلا شيء عليه ، لأنّ الأصل عدم التّأقيت ، لأنّ اللّه تعالى بيّن أوّل وقته بقوله : { ولا تَحْلِقوا رءوسَكم حتّى يَبْلُغَ الهديُ مَحِلَّه } . ولم يبيّن آخره ، فمتى أتى به أجزأه ، كطواف الزّيارة والسّعي ، وقد نصّ الشّافعيّة على كراهية تأخيره . وتفصيل ذلك كلّه في ( الحجّ ) .
تأخير دفن الميّت :
17 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى كراهة تأخير دفن الميّت ، ويستثنى من ذلك من مات فجأةً أو بهدم أو غرق ، فيجب التّأخير حتّى يتحقّق الموت .
وقال الشّافعيّة : يحرم تأخير الدّفن ، وقيل : يكره ، واستثنوا تأخير الدّفن إذا كان الميّت بقرب مكّة أو المدينة أو بيت المقدس ، نصّ عليه الشّافعيّ ، فيجوز التّأخير هنا لدفنه في تلك الأمكنة . قال الإسنويّ : والمعتبر في القرب مسافة لا يتغيّر فيها الميّت قبل وصوله .
تأخير الكفّارات :
من تأخير الكفّارات ما يلي :
أ - تأخير كفّارة اليمين :
18 - ذهب جمهور العلماء إلى أنّه لا يجوز تأخير كفّارة اليمين ، وأنّها تجب بالحنث على الفور ، لأنّه الأصل في الأمر المطلق .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ كفّارة اليمين تجب على التّراخي . ( وانظر : أيمان ف 138 ) .
ب - تأخير كفّارة الظّهار :
19 - ذهب جمهور العلماء إلى أنّ كفّارة الظّهار واجبة على التّراخي ، فلا يأثم بالتّأخير عن أوّل أوقات الإمكان . وزاد الحنفيّة أنّها تتضيّق عند آخر عمره ، فيأثم بموته قبل أدائها ، ولا تؤخذ من تركته بلا وصيّة من الثّلث ، ولو تبرّع الورثة بها جاز ، وقيل : يأثم بالتّأخير ، ويجبر عن التّكفير للظّهار . وانظر مصطلح : ( ظهار ) . وينظر أحكام تأخير كفّارة القتل في مصطلح ( جناية ) ، وأحكام تأخير كفّارة الوقاع في رمضان في مصطلح ( صوم ) .
تأخير زكاة الفطر :
20 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة ، وهو أحد قولين مشهورين للمالكيّة إلى : أنّ زكاة الفطر تجب عند غروب شمس آخر أيّام رمضان . والقول الآخر للمالكيّة : تجب بطلوع فجر يوم العيد . ويجوز عند الجمهور إخراجها إلى غروب شمس يوم العيد ، ويسنّ عندهم ألاّ تتأخّر عن صلاة العيد . ويحرم عندهم جميعاً تأخيرها عن يوم العيد من غير عذر ، ولا تسقط بهذا التّأخير بل يجب قضاؤها ، وقد رجّح ابن الهمام من الحنفيّة ، وتبعه ابن نجيم هذا القول ، لقوله عليه الصلاة والسلام في الفقراء : « أغنوهم عن طواف هذا اليوم » .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ وجوب زكاة الفطر هو وجوب موسّع في العمر كلّه ، ففي أيّ وقت أدّى كان مؤدّياً لا قاضياً ، غير أنّ المستحبّ إخراجها قبل الخروج إلى المصلّى ، ولو مات فأدّاها وارثه جاز .
لكن ذهب الحسن بن زياد من أصحاب أبي حنيفة إلى أنّ زكاة الفطر تسقط بتأخيرها عن يوم الفطر كالأضحيّة . قال ابن عابدين : والظّاهر أنّ هذا قول ثالث خارج عن المذهب .
تأخير نيّة الصّوم :
21 - ذهب الحنفيّة إلى جواز تأخير نيّة الصّوم في صوم رمضان والنّذر المعيّن والنّفل إلى الضّحوة الكبرى ، أمّا في غير هذه الثّلاثة فمنعوا تأخير النّيّة فيها . وقالوا بوجوب تبييتها أو قرانها مع الفجر ، كقضاء رمضان ، والنّذر المطلق ، وقضاء النّذر المعيّن ، والنّفل بعد إفساده ، والكفّارات وغيرها .
وذهب المالكيّة إلى أنّ الصّوم لا يجزئ إلاّ إذا تقدّمت النّيّة على سائر أجزائه فإن طلع الفجر ولم ينوه لم يجزه في سائر أنواع الصّيام ، إلاّ يوم عاشوراء ففيه قولان : المشهور من المذهب أنّه كغيره . وفرّق الشّافعيّة والحنابلة بين الفرض والنّفل ، فاشترطوا للفرض التّبييت ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من لم يُجْمِع الصّيام قبل الفجر فلا صيام له » وأمّا النّفل فاتّفقوا على صحّة صومه بنيّة قبل الزّوال ، لحديث عائشة « أنّه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة يوماً : هل عندكم شيء ؟ قالت : لا . قال : فإنّي إذن أصوم » وزاد الحنابلة ، وهو قول عند الشّافعيّة : أنّ النّفل يصحّ بنيّة بعد الزّوال أيضاً للحديث السّابق ، ولأنّ النّيّة وجدت في جزء النّهار فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظة .
تأخير قضاء الصّلاة :
22 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجب على من نام عن صلاة أو نسيها قضاء تلك الصّلاة على الفور ويحرم تأخيرها . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من نسي صلاةً أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها » فأمر بالصّلاة عند الذّكر والأمر للوجوب ، وقد ألحق الجمهور مطلق التّرك بالنّوم والنّسيان في وجوب القضاء من باب أولى ، ويجوز عندهم تأخير الفائتة لغرض صحيح كالأكل والشّرب والنّوم الّذي لا بدّ منه ، وقضاء حاجة الإنسان وتحصيل ما يحتاج له في معاشه . واستثنى الشّافعيّة من ترك الصّلاة لعذر ، فإنّه يستحبّ له أن يقضيها على الفور ، فإن أخّرها جاز ، كما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاتته صلاة الصّبح فلم يصلّها حتّى خرج من الوادي » . قالوا : ولو كانت على الفور لما أخّرها .
تأخير الوتر :
23 - اتّفق الفقهاء على استحباب تأخير الوتر إلى وقت السّحر ، وهذا الاستحباب لمن وثق بأنّه يصلّيه آخر اللّيل ، فإن لم يثق بذلك أوتر قبل أن يرقد ، لحديث جابر « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : أيّكم خاف ألاّ يقوم من آخر اللّيل فليوتر ثمّ ليرقد ، ومن وثق بقيامه من اللّيل فليوتر من آخره ، فإنّ قراءة آخر اللّيل محضورة ، وذلك أفضل » .
تأخير السّحور :
24 - اتّفق الفقهاء على أنّ تأخير السّحور وتقديم الفطر من السّنّة ، لحديث زيد بن ثابت قال : « تسحّرنا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ قام إلى الصّلاة . قلت : كم كان بين الأذان والسّحور ؟ قال : قدر خمسين آيةً » . ولحديث أبي ذرّ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تزال أمّتي بخير ما عجّلوا الفطر وأخّروا السّحور » .
وموطن السّنّيّة فيما إذا تحقّق من غروب الشّمس ولم يقع منه الشّكّ في طلوع الفجر ، فإن شكّ في ذلك ، كأن تردّد في بقاء اللّيل لم يسنّ التّأخير بل الأفضل تركه .
تأخير أداء الدّين :
25 - إذا حلّ أجل الدّين ولم يؤدّه المدين ، فإن كان قادراً على الوفاء وأخّره بلا عذر منعه القاضي من السّفر وحبسه إلى أن يوفي دينه ، قال عليه الصلاة والسلام : « ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته » . فإن لم يؤدّ ، وكان له مال ظاهر ، باعه الحاكم عليه ، على خلاف وتفصيل في ذلك بين المذاهب ، وإذا كان تأخير سداد الدّين لعذر كالإعسار أمهل إلى أن يوسر ، لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرة فَنَظِرَة إلى ميسرة } . أمّا إذا كان للمدين مال ، ولكنّه لا يفي بالدّيون ، وطلب الغرماء الحجر عليه لزم القاضي إجابتهم . على خلاف وتفصيل في المذاهب ينظر في مصطلح ( أداء ) وبابي ( الحجر والتّفليس ) .
تأخير المهر :
26 - يجب المهر بنفس عقد الزّواج ، ويجوز تأخير الصّداق كلّه أو بعضه عن الدّخول . على خلاف وتفصيل ينظر في ( النّكاح ) .
تأخير نفقة الزّوجة :
27 - يجب على الزّوج الإنفاق على زوجته ومن يعول ، ويجوز له ولزوجته الاتّفاق على تعجيل أو تأخير النّفقة ، ويعتبر كلّ زوج بحسب حال مورده ، فإن أخّر النّفقة عن زوجته بعذر الإعسار جاز عند بعض الفقهاء طلب التّطليق من قبل الزّوجة أو الإنفاق عليها .
ثمّ إن أخّر النّفقة وتراكمت عليه هل تسقط بالتّقادم أم تبقى ديناً في ذمّته ؟ في كلّ ذلك خلاف وتفصيل ينظر في باب ( النّفقة ) .
تأخير تسليم أحد البدلين في الرّبويّات :
28 - يشترط لبيع الرّبويّ بالرّبويّ الحلول - لا التّأخير - والتّقابض قبل التّفرّق ، سواء أكان جنساً واحداً أم جنسين مختلفين ، ويزاد شرط التّماثل إذا كان جنساً واحداً ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، سواء بسواء ، يداً بيد ، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم يداً بيد » فيحرم التّأخير في تسليم أحد البدلين في الرّبويّات .
وللتّفصيل ر : ( الرّبا ، والبيع ) .
التّأخير في إقامة الحدّ :
29 - الحدّ عقوبة مقدّرة شرعاً تقام على مرتكب ما يوجب الحدّ زجراً له وتأديباً لغيره ، والأصل أنّ الجاني يحدّ فوراً بعد ثبوت الحكم دون تأخير لكن قد يطرأ ما يوجب التّأخير أو يستحبّ معه التّأخير :
أ - فيجب تأخير الحدّ بالجلد في الحرّ الشّديد والبرد الشّديد ، لما في إقامة الحدّ فيهما من خوف الهلاك خلافاً للحنابلة . ولا يقام على مريض يرجى برؤه حتّى يبرأ ، لأنّه يجتمع عليه وجع المرض وألم الضّرب فيخاف الهلاك ، خلافاً للحنابلة . ولا يقام على النّفساء حتّى ينقضي النّفاس ، لأنّ النّفاس نوع مرض ، ويقام الحدّ على الحائض ، لأنّ الحيض ليس بمرض . ولا يقام على الحامل حتّى تضع وتطهر من النّفاس - لأنّ فيه هلاك الولد والوالدة - وحتّى يستغني ولدها عنها بمن ترضعه ، حفاظاً على حياة ولدها .
وللتّفصيل انظر مصطلح ( حدّ ) .
ب - أمّا في القصاص وحدّ الرّجم فلا تأخير إلاّ للحامل بالقيد السّابق . هذا إذا كان الأولياء في القصاص موجودين ، أمّا إذا كانوا صغاراً أو غائبين فيؤخّر القصاص حتّى يكبر الصّغار ويقدم الغائب . على خلاف وتفصيل ينظر في ( قصاص ) .
ج - وكذلك المرتدّ يؤخّر ثلاثة أيّام وجوباً عند بعض الفقهاء ، وندباً عند بعضهم ، ويحبس في هذه الفترة ولا يخلّى سبيله بقصد استتابته وإزالة الشّبه الّتي علقت به ، فإن تاب خلّي سبيله ، وإلاّ قتل حدّاً لكفره بعد الإسلام .
د - ويؤخّر حدّ السّكران باتّفاق الفقهاء حتّى يزول عنه السّكر تحصيلاً للمقصود - وهو الانزجار - بوجدان الألم ، والسّكران زائل العقل كالمجنون . فلو حدّ قبل الإفاقة فإنّ الحدّ يعاد عند جمهور الفقهاء ، ويسقط الحدّ على أحد قولين مصحّحين للشّافعيّة ، وهو الظّاهر عند بعض الحنابلة ، نسبه المرداويّ إلى ابن نصر اللّه في حواشي الفروع ، وقال : الصّواب إن حصل به ألم يوجب الزّجر سقط ، وإلاّ فلا ، ومثله في كشّاف القناع .
تأخير إقامة الدّعوى :
30 - إذا تأخّر المدّعي في إقامة دعواه خمس عشرة سنةً سقطت دعواه بالتّقادم ، ومن ثمّ فلا تسمع ، قال ابن عابدين : لنهي السّلطان عن سماعها بعد هذه المدّة إلاّ في الوقف والإرث وعند وجود عذر شرعيّ ، وسبب هذا النّهي قطع الحيل والتّزوير في الدّعاوى . ثمّ قال : ونقل في الحامديّة فتاوى من المذاهب الأربعة بعدم سماع الدّعوى بعد نهي السّلطان . وأفتى في الخيريّة بأنّه إذا مات السّلطان لا بدّ من تجديد النّهي ولا يستمرّ النّهي بعده .
تأخير أداء الشّهادة :
31 - تأخير أداء الشّهادة بلا عذر - كمرض أو بعد مسافة أو خوف - يؤدّي إلى عدم قبولها لتهمة الشّاهد إلاّ في حدّ القذف ، فإنّ التّقادم فيه لا يؤثّر على قبولها لما فيه من حقّ العبد ، وكذلك يضمن السّارق المال المسروق ، لأنّه حقّ العبد فلا يسقط بالتّأخير .
ويسقط حدّ الخمر لتأخير الشّهادة شهراً على الأصحّ عند الحنفيّة ، وتأخير الشّهادة في القصاص لا يمنع من قبول الشّهادة . والضّابط في قبول الشّهادة كما قال ابن عابدين : أنّ التّقادم مانع في حقوق اللّه غير مانع في حقوق العباد ، على خلاف وتفصيل بين الفقهاء ينظر في باب ( الشّهادة ) ومصطلح ( تقادم ) .
تأخير النّساء والصّبيان في صفوف الصّلاة :
32 - من السّنّة أن يقف الرّجال خلف الإمام ، ويقف بعد الرّجال الصّبيان ، ويندب تأخّر النّساء خلف الجميع . لقول أبي مالك الأشعريّ : « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى وأقام الرّجال يلونه ، وأقام الصّبيان خلف ذلك ، وأقام النّساء خلف ذلك » .

تأديب *
التّعريف :
1- التّأديب لغةً : مصدر أدّبه تأديباً ، أي علّمه الأدب ، وعاقبه على إساءته ، وهو رياضة النّفس ومحاسن الأخلاق . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّعزير :
2 - التّعزير لغةً : التّأديب والمنع والنّصرة . ومن هذا المعنى : قول الحقّ تبارك وتعالى :
{ فالّذين آمنوا به وَعَزّروه } .
وشرعاً : تأديب على معصية لا حدّ فيها ولا كفّارة . قال الخطيب الشّربينيّ : وتسمية ضرب الوليّ والزّوج والمعلّم تعزيراً هو أشهر الاصطلاحين ، كما ذكره الرّافعيّ . قال : ومنهم من يخصّ لفظ التّعزير بالإمام أو نائبه ، وضرب الباقي بتسميته تأديباً لا تعزيراً .
أمّا الحنفيّة : فقد جروا على أنّ التّعزير يصدق على العقوبة الصّادرة من الزّوج أو الأب أو غيرهما - كما يصدق على فعل الإمام . قال ابن عابدين : التّعزير يفعله الزّوج والسّيّد ، وكلّ من رأى أحداً يباشر المعصية . هذا ، وينظر تفصيل ما يتّصل بالعقوبة الصّادرة من الإمام في غير الحدود في مصطلح ( تعزير ) . فالتّأديب أعمّ من التّعزير في أحد إطلاقيه .
حكمه التّكليفيّ :
3 - قال ابن قدامة : لا نعلم خلافاً بين الفقهاء في جواز تأديب الزّوج زوجته فيما يتعلّق بحقوقه الزّوجيّة ، وفي أنّه غير واجب . واختلفوا في جواز تأديبه لحقّ اللّه تعالى كترك الصّلاة ، فذهب بعضهم إلى المنع ، وجوّزه آخرون ، كما سيأتي إن شاء اللّه .
كما اتّفقوا على أنّه يجب على الوليّ تأديب الصّبيّ لترك الصّلاة والطّهارة ، ولتعليم الفرائض ونحو ذلك ، وذلك بالقول إذا بلغ سبع سنين ، وبالضّرب إن لزم لإصلاحه إذا بلغ عشراً ، لحديث : « علّموا الصّبيّ الصّلاة لسبع سنين ، واضربوه عليها ابن عشر سنين » .
واختلفوا في حكم تأديب الإمام ونوّابه لمن رفع إليهم :
فذهب الأئمّة : أبو حنيفة ومالك وأحمد ، إلى وجوب إقامة التّأديب عليهم فيما شرع التّأديب فيه ، إلاّ إذا رأى الإمام أنّ في ترك التّأديب مصلحةً ، وقالوا : إنّه إن كان التّأديب منصوصاً عليه ، كوطء جارية امرأته وجارية مشتركة ، يجب امتثال الأمر فيه ، وإن لم يكن منصوصاً عليه ورأى الإمام مصلحةً في إقامة التّأديب ، أو علم أنّ المذنب لا ينزجر إلاّ بالضّرب وجب ، لأنّه زاجر مشروع لوجه اللّه فوجب كالحدّ .
ويرى الشّافعيّة أنّه لا يجب على الإمام إقامة التّأديب ، وله تركه .
وحجّتهم : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أعرض عن جماعة استحقّوه ، ولم يقم عليهم التّأديب كالغالّ في الغنيمة » ، فلو كان واجباً لما أعرض عنهم ، ولأقامه عليهم .
هذا إذا كان التّأديب حقّاً للّه . أمّا إذا كان حقّاً لآدميّ ، وطالب به مستحقّه ، وجب على الإمام إقامته باتّفاق الفقهاء ، ولكن إذا عفا عنه صاحب الحقّ فهل للإمام إقامة التّأديب ؟
ذهب الشّافعيّة - في الأصحّ من قولين عندهم - إلى : أنّه يجوز للإمام ذلك ، وإن لم يكن له قبل المطالبة إقامة التّأديب . لأنّه لا يخلو عن حقّ اللّه ، ولأنّه يتعلّق بنظر الإمام فلم يؤثّر فيه إسقاط غيره . وينظر التّفصيل في مصطلح ( تعزير ) .


الساعة الآن 06:06 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009