الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد

الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد (http://www.quran-university.com/vb/index.php)
-   ركن الفقة وأصوله (http://www.quran-university.com/vb/forumdisplay.php?f=148)
-   -   الموسوعة الفقهية (http://www.quran-university.com/vb/showthread.php?t=13996)

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:21 PM

حكمه التّكليفيّ :
أنواع السّرّ : يتنوّع السّرّ إلى ثلاثة أنواعٍ :
أ - ما أمر الشّرع بكتمانه .
ب - ما طلب صاحبه كتمانه .
ج - ما من شأنه الكتمان واطّلع عليه بسبب الخلطة أو المهنة .
النّوع الأوّل : ما أمر الشّرع بكتمانه :
6 - من الأمور ما يحظر الشّرع إفشاءه لمصلحةٍ دينيّةٍ أو دنيويّةٍ حسب ما يترتّب على إفشائه من ضررٍ . فممّا لا يجوز إفشاؤه :
ما يجري بين الزّوجين حال الوقاع ، فإنّ إفشاء ما يقع بين الرّجل وزوجته حال الجماع أو ما يتّصل بذلك حرامٌ منهيٌّ عنه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « إنّ من شرّ النّاس عند اللّه منزلةً يوم القيامة الرّجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ، ثمّ ينشر سرّها » والمراد من نشر السّرّ ، ذكر ما يقع بين الرّجل وامرأته من أمور الوقاع ووصف تفاصيل ذلك ، وما يجري من المرأة من قولٍ أو فعلٍ ونحو ذلك .
أمّا مجرّد ذكر الوقاع فإذا لم يكن لحاجةٍ ، فذكره مكروهٌ ، لأنّه ينافي المروءة ، فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت » . فإن دعت إلى ذكره حاجةٌ ، وترتّبت عليه فائدةٌ فهو مباحٌ . كما لو ادّعت الزّوجة على زوجها أنّه عنّينٌ ، أو معرضٌ عنها ، أو تدّعي عليه العجز ، فإن لم يكن ما ادّعته صحيحاً فلا كراهة في الذّكر ، فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّي لأفعل ذلك ، أنا وهذه ، ثمّ نغتسل » وقال لأبي طلحة : « أعرّستم اللّيلة » ؟ والمرأة كالرّجل في عدم جواز إفشاء ما يجري من الرّجال حال الوقاع .
وإفشاء السّرّ منهيٌّ عنه لما فيه من الإيذاء والتّهاون بحقّ أصحاب السّرّ من الجيران والأصدقاء ونحوهم . فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا حدّث الرّجل الحديث ثمّ التفت فهي أمانةٌ » وقال : « الحديث بينكم أمانةٌ » . وقال الحسن( إنّ من الخيانة أن تحدّث بسرّ أخيك ) .
النّوع الثّاني : ما طلب صاحبه كتمانه :
7 - ما استكتمك إيّاه الغير وائتمنك عليه ، فلا يجوز بثّه وإفشاؤه للغير ، حتّى أخصّ أصدقاء صاحب السّرّ ، فلا يكشف شيئاً منه ولو بعد القطيعة بين من أسرّ ومن أسرّ إليه ، فإنّ ذلك من لؤم الطّبع وخبث الباطن .
وهذا إذا التزمت بالكتمان ، أمّا إذا لم تلتزم ، فلا يجب الكتمان ، ويدلّ لذلك حديث زينب امرأة ابن مسعودٍ ونصّه : عن زينب امرأة عبد اللّه قالت : « كنت في المسجد ، فرأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : تصدّقن ولو من حليّكنّ » . « وكانت زينب تنفق على عبد اللّه وأيتامٍ في حجرها . فقالت لعبد اللّه : سل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أيجزي عنّي أن أنفق عليك وعلى أيتامي في حجري من الصّدقة ؟ فقال : سلي أنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فانطلقت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فوجدت امرأةً من الأنصار على الباب ، حاجتها مثل حاجتي ، فمرّ علينا بلالٌ فقلنا : سل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أيجزي عنّي أن أنفق على زوجي وأيتامٍ لي في حجري . وقلنا : لا تخبر بنا . فدخل فسأله ، فقال : من هما ؟ قال : زينب . قال : أيّ الزّيانب ؟ قال : امرأة عبد اللّه . قال : نعم ، ولها أجران : أجر القرابة وأجر الصّدقة » . قال القرطبيّ - فيما نقله ابن حجرٍ في فتح الباري - : " ليس إخبار بلالٍ باسم المرأتين بعد أن استكتمتاه بإذاعة سرٍّ ولا كشف أمانةٍ ، لوجهين :
أحدهما : أنّهما لم تلزماه بذلك ، وإنّما علم أنّهما رأتا أن لا ضرورة تحوج إلى كتمانهما .
ثانيهما : أنّه أخبر بذلك جواباً لسؤال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكون إجابته أوجب من التّمسّك بما أمرتاه به من الكتمان .
وهذا كلّه بناءً على أنّه التزم لهما بذلك . ويحتمل أن تكونا سألتاه ( أي ولم يلتزم لهما بالكتمان ) ولا يجب إسعاف كلّ سائلٍ . وقد تتضمّن الغيبة إفشاءً للسّرّ فيما إذا كان الأمر المكروه الّذي يذكر به الغير في غيابه من الأمور الخفيّة ، أو ممّا يطلب صاحبه كتمانه ، وقد نهى الشّرع عن الغيبة في قوله تعالى : { ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه } وفي الحديث الّذي رواه أبو هريرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : ذكرك أخاك بما يكره . قال : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول . قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فقد بهتّه » وتفصيله في مصطلح ( غيبةٌ ) .
النّوع الثّالث :
8 - ما اطّلع عليه صاحبه بمقتضى المهنة ، كالطّبيب والمفتي وأمين السّرّ وغيرهم .
9 - وممّا يكون أحياناً من الإفشاء المحرّم للسّرّ النّميمة : وهي لغةً تبليغ الخبر على وجه الإفساد ، وهي كذلك في اصطلاح العلماء ، وأكثر إطلاقها على من ينمّ قول الغير إلى المقول فيه ، أي ينقله إليه إذا كان سرّاً قد استكتمه إيّاه ، كأن يقول فلانٌ يقول فيك : كذا وكذا . والنّميمة حرامٌ منهيٌّ عنها ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يدخل الجنّة قتّاتٌ » أي النّمّام ، ولما فيها من الإفساد بين النّاس . وقد تجب النّميمة كما إذا سمع إنسانٌ شخصاً يتحدّث بإرادة إيذاء إنسانٍ ظلماً وعدواناً ، فيجب على من سمع أن يحذّر المقصود بالإيذاء ، فإن أمكن تحذيره بغير ذكر من سمع منه فيقتصر على التّحذير ، وإلاّ ذكره باسمه . وتفصيله في مصطلح ( نميمةٌ ) .
ما يجوز فيه السّتر والإفشاء ، والسّتر أفضل :
10 - نصّ فقهاء المذاهب على أنّه يجوز في الحدود الشّهادة والسّتر ، لكنّ السّتر أفضل فيما كان حقّاً للّه عزّ وجلّ ، واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ستر مسلماً ستره اللّه يوم القيامة » وبقوله عليه الصلاة والسلام « لو سترته بثوبك كان خيراً لك » . واستثنوا من ذلك المتهتّك الّذي لا يبالي بإتيان المحظورات ولا يتألّم لذكره بالمعاصي . وقال الفقهاء : يقول الشّاهد على السّرقة : أخذ ، لا سرق ، إحياءً للحقّ ورعايةً للسّتر . وإذا طعن في الشّهود يجوز أن يسأل عنهم القاضي جهراً أو سرّاً على المفتى به عند الحنفيّة . وقال المالكيّة : إنّ الشّاهد مخيّرٌ في الرّفع إلى القاضي أو التّرك ، إلاّ في الحدود فالتّرك فيها أولى ، لما فيه من السّتر المطلوب في غير المتجاهر بفسقه ، وأمّا المجاهر فيرفع أمره . وكون التّرك مندوباً هو قولٌ لبعض المالكيّة ، وفي الموّاق : ستر الإنسان على نفسه وعلى غيره واجبٌ ، وحينئذٍ يكون ترك الرّفع واجباً .
وقال صاحب الطّريقة المحمّديّة من الحنفيّة : ما وقع في مجلسٍ ممّا يكره إفشاؤه إن لم يخالف الشّرع يجب كتمانه . وإن خالف الشّرع ، فإن كان حقّاً للّه تعالى ، ولم يتعلّق به حكمٌ شرعيٌّ ، كالحدّ والتّعزير فكذلك ، وإن تعلّق به حكمٌ شرعيٌّ فلك الخيار ، والسّتر أفضل كالزّنا وشرب الخمر . وإن كان حقّ العبد ، فإن تعلّق به ضررٌ لأحدٍ ماليٌّ لا بدنيٌّ ، أو حكمٌ شرعيٌّ كالقصاص والتّضمين ، فعليك الإعلام إن جهل ، والشّهادة إن طلب ، وإلاّ فالكتم .
استعمال المعاريض لتجنّب إفشاء السّرّ :
11 - المعاريض في الكلام هي التّورية بالشّيء عن الشّيء . وفي الحديث : « إنّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب » . وقال عمر بن الخطّاب : أما في المعاريض ما يكفي الرّجل عن الكذب ؟ وروي ذلك عن ابن عبّاسٍ وغيره . وهذا إذا اضطرّ الإنسان إلى الكذب لتجنّب إفشاء السّرّ ، وتفصيله في مصطلح ( توريةٌ ) ( وتعريضٌ ) .
وقال إمام زاده من الحنفيّة : ويعدّ الحديث الّذي حدّثه به أخوه أمانةً ، ولا يفشيها لغيره إلاّ بإذنه ، وإذا حدّث به أحداً أدّاه على أحسن وجهٍ ، واختار أجود ما سمع .
تجنّب الإفشاء في الحرب :
12 - كتمان أسرار جيش المسلمين عن العدوّ مطلوبٌ ، لأنّ السّرّ قد يصل إلى العدوّ فيستفيد من ذلك . ولذلك جاز الكذب في الحرب تجنّباً لإفشاء أسرار المسلمين للعدوّ .
ومن الكتمان ألاّ يذكر قائد الجيش لجنوده الوجه الّذي يريدون ،« فقد كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوةً ورّى بغيرها »،أمّا السّعي للحصول على أسرار العدوّ فهو مطلوبٌ ، لاتّقاء شرّه ،« وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستطلع أخبار العدوّ ».

إفضاءٌ *
التّعريف :
1 - الإفضاء : مصدر أفضى ، وفضا المكان فضواً : إذا اتّسع ، وأفضى الرّجل بيده إلى الأرض : مسّها بباطن راحته ، وأفضى إلى امرأته : باشرها وجامعها ، وأفضاها : جعل مسلكيها بالافتضاض واحداً ، وأفضى إلى الشّيء : وصل إليه ، وأفضى إليه بالسّرّ : أعلمه .
2 - ويطلق الفقهاء الإفضاء ، ويريدون به معاني الأوّل :
الملامسة . قال الشّافعيّ رحمه الله : الملامسة أن يفضي الرّجل بشيءٍ من جسده إلى جسد المرأة ، أو تفضي إليه بشيءٍ منها بلا حائلٍ ( ر : وضوءٌ ، ومسٌّ ) .
الثّاني : الجماع . ومن ذلك قوله تعالى : { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ } فالمراد بالإفضاء الجماع عند بعض الفقهاء .
الثّالث : خلط السّبيلين . مثل أن يجامع الرّجل امرأته الصّغيرة الّتي لا تحتمل الجماع ، فيصيّر مسلكيها مسلكاً واحداً .
حكم الإفضاء :
3 - الإفضاء بمعنى إفشاء السّرّ ، ينظر في مصطلح ( إفشاء السّرّ ) .
أمّا الإفضاء بمعنى الملامسة . هل هو ناقضٌ للوضوء وموجبٌ للمهر أو لا ؟ فموطنه مصطلح : ( وضوءٌ ، ومهرٌ ) .
أمّا حكم الإفضاء بمعنى خلط السّبيلين : فالمفضي إمّا أن يكون الزّوج أو أجنبيّاً .
إفضاء الزّوج :
4 - إذا وطئ الرّجل زوجته الكبيرة المحتملة للوطء ، فأفضاها ، لا يجب عليه الضّمان عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وهو رأي الحنابلة ، لأنّه وطءٌ مستحقٌّ ، فلم يجب ما تلف به كالبكارة ، ولأنّه فعلٌ مأذونٌ فيه ممّن يصحّ إذنه ، فلم يضمن ما تلف بسرايته ، كما لو أذنت في مداواتها بما يفضي إلى ذلك . وقال أبو يوسف : يجب الضّمان ، كما لو كان في أجنبيّةٍ ، وهو رأي المالكيّة والشّافعيّة ، غير أنّهم اختلفوا في تقدير الواجب ، فقال أبو يوسف : إذا أفضاها فاستمسك البول فعليه ثلث ديةٍ ، وقال المالكيّة : عليه حكومةٌ ، وقال الشّافعيّة : فيه ديةٌ كاملةٌ . وإذا لم يستمسك بولها ، ففيها ديةٌ كاملةٌ عند أبي يوسف ، وديةٌ وحكومةٌ ، أو ديتان عند الشّافعيّة ، وعند المالكيّة رأيان :
الأوّل للمدوّنة فيه حكومةٌ فقط .
والثّاني لابن القاسم ، فيه الدّية . وإذا أفضى زوجته الصّغيرة ، أو الّتي لا تحتمل الوطء ، ففيها الضّمان بالإجماع على ما هو مبيّنٌ عند الفقهاء ، وهذا كلّه إذا كان الجماع في المحلّ المشروع . وأمّا إذا كان الإفضاء في غيره فإنّه يكون بذلك متعدّياً ، فيجب عليه الضّمان إجماعاً على ما سبق ، لأنّه استعمالٌ في محلٍّ غير مأذونٍ فيه .
إفضاء الأجنبيّ :
5 - إذا أفضى امرأةً في زنًى فإن كانت مطاوعةً حدّا ، ولا غرم عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لأنّه ضررٌ حصل من فعلٍ مأذونٍ فيه منها ، فلم يضمنه ، كأرش بكارتها ، وقال الشّافعيّة : عليه ديةٌ مع الحدّ ، لأنّ المأذون فيه الوطء لا الفتق ، فأشبه ما لو قطع يدها . وإن كانت المرأة مغتصبةً ( غير مطاوعةٍ ) ، فعلى المغتصب الحدّ والضّمان إجماعاً ، غير أنّهم اختلفوا في مقداره ، فقال الحنفيّة : عليه أرش الإفضاء لا العقر ، وذهب المالكيّة إلى أنّ فيه الصّداق وحكومة عدلٍ ، وذهب الشّافعيّة : إلى أنّ فيه الدّية ، وذهب الحنابلة : إلى أنّ فيه ثلث ديتها ومهر مثلها .
الإفضاء في نكاحٍ فاسدٍ :
6 - إذا وطئ امرأةً بشبهةٍ ، أو في نكاحٍ فاسدٍ فأفضاها ، فقد نصّ الحنابلة على أنّ عليه أرش إفضائها مع مهر مثلها ، لأنّ الفعل إنّما أذن فيه اعتقاداً أنّ المستوفي له هو المستحقّ ، فإذا كان غيره ثبت في حقّه وجوب الضّمان لما أتلف ، كما لو أذن في أخذ الدّين لمن يعتقد أنّه مستحقّه فبان أنّه غيره .
وقال أبو حنيفة : يجب لها أكثر الأمرين من مهر مثلها أو أرش إفضائها ، لأنّ الأرش لإتلاف العضو ، فلا يجمع بين ضمانه وضمان منفعته ، كما لو قلع عيناً .
وقال الشّافعيّة : فيه الدّية ، لأنّه إتلافٌ ، ولم يفرّقوا بين النّكاح الصّحيح والفاسد .
وقال المالكيّة : يجب حكومة عدلٍ للإتلاف والإفضاء زيادةً على المهر .

إفطارٌ *
التعريف :
1 - الإفطار لغةً : مصدر أفطر : يقال : أفطر الصّائم : دخل في وقت الفطر وكان له أن يفطر ، ومن ذلك حديث : « إذا أقبل اللّيل من هاهنا ، وأدبر النّهار من هاهنا ، وغربت الشّمس ، فقد أفطر الصّائم » . والإفطار في الاصطلاح لا يخرج عن هذا المعنى .
الحكم التّكليفيّ :
2 - الأصل في الإفطار بالنّسبة لمن وجب عليه الصّوم الحرمة ، إذ الصّوم معناه الإمساك عن كلّ ما يفطر . أمّا بالنّسبة لصوم رمضان فظاهرٌ ، وأمّا بالنّسبة للصّوم الواجب بالنّذر فكذلك ، لأنّه يسلك بالنّذر مسلك الواجب بالشّرع .
وقد يعرض له الوجوب ، لوجود مانعٍ من الصّوم ، سواءٌ أكان المانع من ناحية الشّخص ، كالمرض ، المؤدّي للهلاك ، وكالحائض والنّفساء ، أم كان المانع من ناحية الأيّام الّتي نهي عن الصّيام فيها كيومي العيد .
3 - وقد يكون الفطر مكروهاً :
كالمسافر الّذي تحقّقت له شرائط السّفر ، فإنّه يجوز له الفطر مع الكراهة عند المالكيّة ، إذ الصّوم أفضل لقوله تعالى : { وأن تصوموا خيرٌ لكم } . وكإفطار من شرع في صوم النّفل إن كان بغير عذرٍ ، لقوله تعالى : { ولا تبطلوا أعمالكم } . وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه .
4 - وقد يكون مندوباً :
كما لو كان هناك عذرٌ ، كمساعدة ضيفٍ في الأكل إذا عزّ عليه امتناع مضيفه منه أو عكسه ، فلا يكره الإفطار بل يستحبّ ، لحديث « وإنّ لزورك عليك حقّاً » وحديث : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه » .
أمّا إذا لم يعزّ على أحدهما امتناع الآخر عن ذلك ، فالأفضل عدم خروجه منه .
5 - وقد يكون مباحاً :
كالمريض الّذي لا يخشى الهلاك ، ولكنّه يخشى زيادة المرض ، وكالحامل الّتي تخاف ضرراً يسيراً على حملها أو نفسها . ومن المباح عند الجمهور الصّيام في السّفر على خلاف الأفضليّة بناءً على اعتباره رخصةً أو عزيمةً .
أثر الإفطار :
أ - في قطع الصّوم المتتابع :
6 - من أفطر بغير عذرٍ في نهار صومٍ واجبٍ يجب فيه التّتابع ، كصومٍ عن كفّارة ظهارٍ أو قتلٍ ، انقطع تتابعه ووجب استئنافه ، فإن كان لعذرٍ فلا ينقطع تتابعه ويبني على ما سبق . وهذا في الجملة .
وللفقهاء تفصيلٌ فيما يعتبر عذراً لا يقطع التّتابع وما لا يعتبر ( ر : صومٌ - كفّارةٌ ) .
ب - في ترتّب القضاء وغيره :
7 - يجب القضاء على من أفطر في صيامٍ واجبٍ وهذا باتّفاقٍ . وفي صيام التّطوّع خلافٌ . وقد يكون مع القضاء فديةٌ أو كفّارةٌ . وفي ذلك تفصيلٌ ينظر في موضعه .

إفكٌ *
التعريف :
1 - الإفك : لغةً : الكذب . ويستعمله الفقهاء في باب القذف بمعنى الكذب ، وفي الألوسيّ وغيره ، الإفك : أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء ، وكثيراً ما يفسّر بالكذب مطلقاً . وقيل هو البهتان لا تشعر به حتّى يفجأك ، وأصله من الأفك ( بفتحٍ فسكونٍ ) وهو القلب والصّرف ، لأنّ الكذب مصروفٌ عن الوجه الحقّ .
وقد قال المفسّرون في قوله تعالى : { إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم } إنّ المراد ما افتري على عائشة رضي الله عنها ، فتكون ( أل ) في " الإفك " للعهد ، وجوّز بعضهم حمل ( أل ) على الجنس ، قيل فيفيد القصر : كأنّه لا إفك إلاّ ذلك الإفك ، وفي لفظ ( المجيء ) إشارةٌ إلى أنّهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصلٌ . وقد ورد في سورة النّور - الآية 11 فما بعدها - ذكر حادثة الإفك ، وتشريف اللّه تعالى لعائشة ، وتبرئتها بالوحي .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - الإفك حرامٌ ، فيه يصوّر الحقّ بصورة الباطل ، ولا يخرج في عقوبته عن عقوبة الكذب ، وفيه التّعزير ، إلاّ أن يكون قذفاً بالمفهوم الشّرعيّ ، وهو ما كان موضوعه الاتّهام كذباً بالفاحشة ، فيكون فيه الحدّ . وتفصيله في ( القذف ) .

إفلاسٌ *
التعريف :
1 - الإفلاس مصدر أفلس ، وهو لازمٌ ، يقال : أفلس الرّجل إذا صار ذا فلوسٍ بعد أن كان ذا ذهبٍ وفضّةٍ ، أو صار إلى حالٍ ليس له فلوسٌ . والفلس اسم المصدر ، بمعنى الإفلاس . والإفلاس في الاصطلاح : أن يكون الدّين الّذي على الرّجل أكثر من ماله ، وسواءٌ أكان غير ذي مالٍ أصلاً ، أم كان له مالٌ إلاّ أنّه أقلّ من دينه . قال ابن قدامة : وإنّما سمّي من غلب دينه ماله مفلساً وإن كان له مالٌ ، لأنّ ماله مستحقّ الصّرف في جهة دينه ، فكأنّه معدومٌ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّفليس :
2 - التّفليس هو : مصدر فلّست الرّجل ، إذا نسبته إلى الإفلاس .
واصطلاحاً : جعل الحاكم المدين مفلساً بمنعه من التّصرّف في ماله . وهذا ما صرّح به الحنفيّة والشّافعيّة عندما عرّفوا التّفليس بالمعنى الأخصّ . والعلاقة بين التّفليس والإفلاس : أنّ الإفلاس أثر التّفليس في الجملة . وجرى المالكيّة على أنّ التّفليس يطلق على ما قبل الحجر بعد قيام الغرماء على المدين ، قالوا : ويقال حينئذٍ : إنّه تفليسٌ بالمعنى الأعمّ ، ويطلق على ما بعد الحجر عليه بحكم الحاكم ، ويكون حينئذٍ تفليساً بالمعنى الأخصّ .
ب - الإعسار :
3 - الإعسار في اللّغة : مصدر أعسر ، وهو ضدّ اليسار . والعسر : اسم مصدرٍ ، وهو الضّيق والشّدّة والصّعوبة .
وفي الاصطلاح : عدم القدرة على النّفقة بمالٍ ولا كسبٍ . فبين الإعسار والإفلاس عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ ، فكلّ مفلسٍ معسرٌ ، ولا عكس .
ج - الحجر :
4 - الحجر لغةً : المنع مطلقاً ، وشرعاً : منع نفاذ تصرّفٍ قوليٍّ . وهو أعمّ من التّفليس من حيث الأثر ، إذ يشمل منع الصّبيّ والسّفيه والمجنون ومن في حكمهم من التّصرّف في المال .
حكم الإفلاس :
5 - لمّا كان الإفلاس صفةً للشّخص لا فعلاً له لم يوصف بحلٍّ ولا حرمةٍ ، ولكن للإفلاس مقدّماتٌ هي من فعل المكلّف ، كالاستدانة ، وهذه قد ترد عليها الأحكام التّكليفيّة ، ويرجع في ذلك إلى مصطلح ( استدانةٌ ) .
وقد يكون سبب الإفلاس الإعسار ، وله أحكامٌ وضعيّةٌ ( آثارٌ ) مفصّلةٌ في مصطلح ( إعسارٌ ) ، وأمّا الإفلاس من حيث إنّه أثرٌ للتّفليس ، فإنّه يناسب هنا الكلام على أحكام التّفليس .
الحكم التّكليفيّ للتّفليس :
6 - إذا أحاط الدّين بمال المدين ، وطلب الغرماء الحجر عليه ، وجب على الحاكم تفليسه عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وصاحبي أبي حنيفة ، وهو المفتى به عند الحنفيّة . واشترط المالكيّة لوجوب ذلك ألاّ يمكن للغرماء الوصول إلى حقّهم إلاّ به . أمّا إذا أمكن الوصول إلى حقّهم بغير ذلك كبيع بعض ماله ، فإنّه لا يصار إلى التّفليس .
وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا يفلّس ، لأنّه كامل الأهليّة ، وفي الحجر عليه إهدارٌ لآدميّته . واستدلّ القائلون بتفليسه : بأنّ الكلّ مجمعٌ على الحجر على المريض مرض الموت فيما زاد على الثّلث لحقّ الورثة ، فلأن يحجر عليه ويمنع من التّصرّف في أمواله لحقّ الغرماء أولى . وممّا يتّصل بهذا الموضوع : أنّه هل يجوز للحاكم أن يبيع ماله جبراً عليه أو لا ؟ ذهب الجمهور إلى جواز ذلك مستدلّين بحديث معاذٍ : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حجر عليه ، وباع ماله في دينٍ كان عليه ، وقسمه بين غرمائه … » وكذلك أثر أسيفعٍ : أنّه كان يشتري الرّواحل ، فيغالي بها ، ثمّ يسرع في السّير فيسبق الحاجّ ، فأفلس ، فرفع أمره إلى عمر بن الخطّاب فقال : ( أمّا بعد : أيّها النّاس فإنّ الأسيفع أسفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال : سبق الحاجّ ، إلاّ أنّه قد أدان مغرضاً ، فأصبح وقد رين به ، فمن كان له دينٌ فليأتنا بالغداة نقسم ماله بين غرمائه ، وإيّاكم والدّين … )
ولأنّه محجورٌ عليه محتاجٌ إلى قضاء دينه فجاز بيع ماله بغير رضاه ، كالصّغير والمجنون . وقال أبو حنيفة : لا يباع ماله جبراً عنه ، لأنّه لا ولاية عليه في ماله ، إلاّ أنّ الحاكم يجبره على البيع إذا لم يمكن الإيفاء بدون إجبارٍ ، لقوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم } .
واستثنى أبو حنيفة من ذلك أنّه إذا كان دينه دراهم ، وفي المال دراهم ، دفعت للغريم جبراً . وكذلك إن كان دينه دنانير وفي المال دنانير ، دفعت للدّائنين جبراً . وكذلك إذا كان عليه أحد النّقدين وفي ماله النّقد الآخر ، لأنّهما كجنسٍ واحدٍ . واستدلّ لذلك بأنّ الغريم إذا ظفر بمثل دينه أخذه جبراً ، فالحاكم أولى ، وهذا الاستثناء عنده من قبيل الاستحسان . وممّا يتّصل بهذا أنّ المدين المستغرق بالدّين ، يحرم عليه ديانةً كلّ تصرّفٍ يضرّ بالدّائنين ، كما يحرم على الآخرين أن يتعاملوا معه بما يضرّ بدائنيه متى علموا .
وتفصيل ذلك في ( استدانةٌ ) .
شرائط الحجر على المفلس :
الشّريطة الأولى :
7 - يشترط للحجر على المفلس عند كلّ من أجازه أن يطلب الغرماء أو من ينوب عنهم أو يخلفهم الحجر عليه . فلو طالبوا بديونهم ولم يطلبوا الحجر لم يحجر عليه .
ولا يشترط أن يطلبه جميع الغرماء ، بل لو طلبه واحدٌ منهم لزم ، وإن أبى بقيّة الغرماء ذلك أو سكتوا ، أو طلبوا تركه ليسعى . وإذا فلّس لطلب بعضهم كان للباقين المحاصّة .
ولو طلب المدين تفليس نفسه والحجر عليه لم يجبه الحاكم إلى ذلك من غير طلب الغرماء . وهذا عند المالكيّة والحنابلة ، وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة . والأصحّ عندهم يحجر على المدين بسؤاله أو سؤال وكيله ، قيل : وجوباً ، وقيل : جوازاً . قالوا : لأنّ له غرضاً ظاهراً في ذلك ، وهو صرف ماله إلى ديونه .
ووجه الأوّل أنّ الحجر ينافي الحرّيّة والرّشد ، وإنّما حجر بطلب الغرماء للضّرورة ، وأنّهم لا يتمكّنون من تحصيل مقصودهم إلاّ بالحجر ، خشية الضّياع ، بخلاف المدين فإنّ غرضه الوفاء ، وهو متمكّنٌ منه ببيع أمواله وقسمتها على غرمائه . وجعل بعضهم من الحجر بطلب المدين« حجر النّبيّ صلى الله عليه وسلم على معاذٍ ». قالوا : الأصوب أنّه كان بسؤال معاذٍ نفسه .
وقال الشّافعيّة : ولو كان الدّين لقاصرٍ ، ولم يسأل وليّه الحجر ، وجب على الحاكم الحجر من غير سؤالٍ ، لأنّه ناظرٌ لمصلحته . ومثله عندهم ما لو كانت الدّيون لمسجدٍ ، أو جهةٍ عامّةٍ كالفقراء . وقال الشّافعيّة أيضاً في حالة ما إذا طلب بعض الدّائنين الحجر دون بعضٍ : يشترط أن يكون دين الطّالب أكثر من مال المدين ، وإلاّ فلا حجر ، لأنّ دينه يمكن وفاؤه بكماله . وهذا هو المعتمد عندهم ، وفي قولٍ : يعتبر أن يزيد دين الجميع على ماله ، لا دين طالب الحجر فقط .
الشّريطة الثّانية :
8 - يشترط أن يكون الدّين الّذي طلب ربّه الحجر على المدين بسببه ديناً حالاًّ ، سواءٌ أكان حالاًّ أصالةً ، أم حلّ بانتهاء أجله ، فلا حجر بالدّين المؤجّل ، لأنّه لا يطالب به في الحال ، ولو طولب به لم يلزمه الأداء .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:22 PM

الشّريطة الثّالثة :
9 - يشترط أن تكون الدّيون على المفلس أكثر من ماله . وعلى هذا فلا يفلّس بدينٍ مساوٍ لماله ، وهو قول المالكيّة ، ويفهم أيضاً من كلام الحنابلة ، وقال المالكيّة : ولو لم يزد دينه الحالّ على ماله لكن بقي من مال المدين مالاً يفي بالمؤجّل يفلّس أيضاً ، كمن عليه مائتان . مائةٌ حالّةٌ ومائةٌ مؤجّلةٌ ، ومعه مائةٌ وخمسون فقط ، فيفلّس ، إلاّ إن كان يرجى من تنميته للفضلة - وهي خمسون في مثالنا - وفاء المؤجّل .
وقال الشّافعيّة : إن كانت ديونه بقدر ماله ، فإن كان كسوباً ينفق من كسبه فلا حجر لعدم الحاجة ، وإن لم يكن كسوباً ، وكانت نفقته من ماله ، فيحجر عليه كي لا يضيّع ماله في نفقته على قولٍ عندهم . والأصحّ عندهم : أنّه لا حجر في هذه الحال أيضاً ، لتمكّن الغرماء من المطالبة في الحال .
الشّريطة الرّابعة :
10 - الدّين الّذي يحجر به هو دين الآدميّين . أمّا دين اللّه تعالى فلا يحجر به . نصّ على ذلك الشّافعيّة . قالوا : ولو فوريّاً ، كنذرٍ ، وإن كان مستحقّوه محصورين ، وكالزّكاة إذا حال الحول وحضر المستحقّون .
الشّريطة الخامسة :
11 - يشترط أن يكون الدّين المحجور به لازماً ، فلا حجر بالثّمن في مدّة الخيار ، نصّ على ذلك الشّافعيّة .
الحجر على المدين الغائب :
12 - يصحّ عند الحنفيّة على قول الصّاحبين الحجر على المدين الغائب ، ولكن يشترط علم المحجور عليه بعد الحجر ، حتّى إنّ كلّ تصرّفٍ باشره بعد الحجر قبل العلم به يكون صحيحاً عندهم .
وإن ثبت الدّين بإقراره ، أو ببيّنةٍ قامت عليه عند القاضي ، فغاب المطلوب قبل الحكم وامتنع من الحضور ، قال أبو يوسف : ينصب القاضي وكيلاً ، ويحكم عليه بالمال ، إن سأل الخصم ذلك ، وإن سأل الخصم أن يحجر عليه ، فعند أبي حنيفة ومحمّدٍ لا يحكم ولا يحجر حتّى يحضر الغائب ، ثمّ يحكم عليه ، ثمّ يحجر عليه عند محمّدٍ ، لأنّه إنّما يحجر بعد الحكم لا قبله . كذا في الذّخيرة . وفي النّوادر عن محمّدٍ : إن كانوا قد أثبتوا ديونهم يحجر عليه . ويصحّ الحجر على الغائب كذلك عند المالكيّة ، إن كانت غيبته متوسّطةً كعشرة أيّامٍ ، أو طويلةً كشهرٍ مثلاً ، أمّا الغائب الغيبة القريبة ففي حكم الحاضر .
واشترطوا للحجر على الغائب ألاّ يتقدّم العلم بملاءته قبل سفره . فإن علم ملاءته قبل سفره استصحب ذلك ولم يفلّس .. وعند ابن رشدٍ يفلّس في الغيبة الطّويلة ، وإن علم ملاءته حال خروجه . ولم نجد للشّافعيّة والحنابلة كلاماً عن هذه المسألة فيما اطّلعنا عليه .
من يحجر على المفلس :
13 - لا يكون المفلس محجوراً عليه إلاّ بحجر القاضي عليه . والحجر للقاضي دون غيره ، لاحتياجه إلى نظرٍ واجتهادٍ . هذا وإنّ لقيام الغرماء على المدين الّذي أحاط الدّين بماله بعض أحكام التّفليس عند المالكيّة ، ويسمّى هذا عند المالكيّة تفليساً عامّاً ، وهو أن يقوم الغرماء على من أحاط الدّين بماله - وقبل أن يحجر عليه الحاكم - فيسجنوه ، أو يقوموا عليه فيستتر عنهم فلا يجدونه ، ويحولون بينه وبين التّصرّف في ماله بالبيع والشّراء والأخذ والإعطاء ، هذا بالإضافة إلى منع تبرّعه ، ومنعهم لسفره ، كما في كلّ مدينٍ بدينٍ حالٍّ أو يحلّ في الغيبة ، وليس لهم في هذه الحال منعه من تزوّجٍ واحدةٍ ، وتردّدوا في حجّ الفريضة ، والفتوى عندهم على أنّ لهم منعه منه . ونقل ابن رجبٍ الحنبليّ في قواعده أنّ ابن تيميّة كان لا يرى نفاذ تبرّع المدين بالدّين المستغرق بعد المطالبة .
ونقل عن الإمام أحمد أنّ تصرّفه بالعين الّتي له حقّ الرّجوع فيها على المحجور عليه لا ينفذ إن طالبه بها صاحبها ، ولو قبل الحجر .
وأمّا عند سائر الفقهاء فإنّ المفلس قبل الحجر عليه كغير المفلس ، وما يفعله من بيعٍ أو هبةٍ أو إقرارٍ أو قضاء بعض الغرماء دون بعضٍ فهو جائزٌ نافذٌ ، لأنّه رشيدٌ غير محجورٍ عليه ، فنفذ تصرّفه كغيره . ونصّ شارح المنتهى من الحنابلة على أنّه يحرم عليه التّصرّف في ماله بما يضرّ غريمه . وصيغة الحجر أن يقول الحاكم : منعتك من التّصرّف ، أو حجرت عليك للفلس . ويقتضي كلام الجمهور التّخيير بين الصّيغتين ، ونحوهما - كفلّستك - من كلّ ما يفيد معنى الحجر .
الإثبات :
14 - لا حجر بالدّين إلاّ إن ثبت لدى القاضي بطريقٍ من طرق الإثبات الشّرعيّة ( ر : إثباتٌ ) .
إشهار الحجر بالإفلاس والإشهاد عليه :
15 - الّذين قالوا بمشروعيّة الحجر على المفلس قالوا : يستحبّ إظهار الحجر عليه وإشهاره لتجتنب معاملته ، كي لا يستضرّ النّاس بضياع أموالهم .
وقال الحنفيّة - على رأي الصّاحبين - والشّافعيّة والحنابلة : ويسنّ الإشهاد عليه لينتشر ذلك عنه ، ولأنّه ربّما عزل الحاكم أو مات ، فيثبت الحجر عند الآخر فيمضيه ، ولا يحتاج إلى ابتداء حجرٍ ثانٍ . ولأنّ الحجر تتعلّق به أحكامٌ ، وربّما يقع التّجاحد فيحتاج إلى إثباته . ولم يتعرّض المالكيّة لذلك فيما اطّلعنا عليه من كلامهم .
آثار الحجر على المفلس :
16 - إذا حجر القاضي على المفلس ، تعلّق بذلك من الآثار ما يلي :
أ - تتعلّق حقوق الغرماء بماله ، ويمنع من الإقرار على ذلك المال والتّصرّف فيه .
ب - انقطاع الطّلب عنه بدينٍ جديدٍ بعد الحكم بالإفلاس .
ج - حلول الدّين المؤجّل في ذمّة المدين .
د - استحقاق من وجد عين ماله عند المدين استرجاعه .
هـ-استحقاق بيع مال المفلّس وقسمه بين الغرماء .
وفيما يلي تفصيل القول في هذه الآثار .
الأوّل : تعلّق حقّ الغرماء بالمال :
17 - بالحجر يتعلّق حقّ الغرماء بالمال ، نظير تعلّق حقّ الرّاهن بالمال المرهون ، فلا ينفذ تصرّف المحجور عليه في ذلك المال بما يضرّهم ، ولا ينفذ إقراره عليه . والمال الّذي يتعلّق به حقّ الغرماء هو مال المدين الّذي يملكه حال الحجر اتّفاقاً عند من يقول بجواز تفليس المدين . وأمّا ما يحدث له بعد ذلك فلا يشمله الحجر عند صاحبي أبي حنيفة - رحمهم الله - والمالكيّة ، وعلى قولٍ عند الشّافعيّة - هو مقابل الأصحّ عندهم - قالوا : كما لا يتعدّى حجر الرّاهن على نفسه في العين المرهونة إلى غيرها .
والأصحّ عند الشّافعيّة ومذهب الحنابلة : يشمله الحجر كذلك ما دام الحجر قائماً ، نحو ما ملكه بإرثٍ ، أو هبةٍ أو اصطيادٍ أو صدقةٍ أو ديةٍ أو وصيّةٍ ، قال الشّافعيّة : أو شراءٍ في الذّمّة . قالوا : لأنّ مقصود الحجر وصول الحقوق إلى أهلها ، وذلك لا يختصّ بالموجود . فعلى قول الحنفيّة والمالكيّة يتصرّف المحجور عليه لفلسٍ فيما تجدّد له بعد الحجر من المال ، سواءٌ كان عن أصلٍ ، كربح مالٍ تركه بيده بعض من فلّسه ، أو عن معاملةٍ جديدةٍ ، أو عن غير أصلٍ كميراثٍ وهبةٍ ووصيّةٍ .
ولا يمنع من ذلك التّصرّف إلاّ بحجرٍ جديدٍ على ما صرّح به المالكيّة .
الإقرار :
18 - على قول الحنفيّة والحنابلة - وهو خلاف الأظهر عند الشّافعيّة - لا يقبل على الغرماء إقرار المفلّس بشيءٍ من ماله الّذي حجر عليه فيه ، لاحتمال التّواطؤ بين المفلّس ومن أقرّ له ، ويلزمه ما أقرّ به بعد فكّ الحجر عنه .
والأظهر عند الشّافعيّة : أنّه يقبل في حقّ الغرماء ، إن أسند وجوبه إلى ما قبل الحجر عليه أو أطلق ، لا إن أضافه إلى ما بعد الحجر . وعند المالكيّة تفصيلٌ ، قالوا : يقبل إقراره على غرمائه إن أقرّ بالمجلس الّذي حجر عليه فيه ، أو قريباً منه ، إن كان دينه الّذي حجر عليه به ثبت بالإقرار ، أو علم تقدّم المعاملة بينهما . أمّا في غير ذلك إن ثبت بالبيّنة ، فلا يقبل إمراره عليه لغيرهم .
تصرّفات المفلّس في المال :
19 - تصرّفات المفلّس ثلاثة أنواعٍ :
الأوّل : تصرّفاتٌ نافعةٌ للغرماء ، كقبوله الهبة والصّدقة ، فهذه لا يمنع منها .
الثّاني : تصرّفاتٌ ضارّةٌ ، كهبته لماله ، ووقفه له ، وتصدّقه به ، والإبراء منه ، وسائر التّبرّعات ، فهذه يؤثّر فيها الحجر عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وعلى الأظهر عند الشّافعيّة . والقول الثّاني عند الشّافعيّة : أنّ التّصرّف يقع موقوفاً ، فإن فضل ذلك عن الدّين نفذ وإلاّ لغا . ومن أجل ذلك قال الحنابلة : لا يكفّر المفلّس بغير الصّوم ، لئلاّ يضرّ بالغرماء . ويستثنى من هذا النّوع التّصرّف بعد الموت ، كما لو أوصى بمالٍ . وإنّما صحّ هذا لأنّ الوصيّة تخرج من الثّلث بعد حقّ الدّائنين . واستثنى الحنابلة أيضاً تصرّفه بالصّدقة اليسيرة . الثّالث : تصرّفاتٌ دائرةٌ بين النّفع والضّرّ ، كالبيوع والإجارة . والأصل في هذا النّوع أنّه باطلٌ على قول بعض الفقهاء ، منهم الحنابلة والشّافعيّة في الأظهر ، وابن عبد السّلام من المالكيّة .
ومذهب المالكيّة : أنّه يمنع من التّصرّف المذكور ، فإن أوقعه وقع موقوفاً على نظر الحاكم إن اختلف الغرماء ، وعلى نظرهم إن اتّفقوا ، ومذهب الحنفيّة على قول الصّاحبين أنّ للمفلّس أن يبيع ماله بثمنٍ مثله ، لأنّه لا يبطل حقّ الغرماء ، وإن باع بالغبن لا يصحّ منه ، سواءٌ أكان الغبن يسيراً أم فاحشاً ، ويخيّر المشتري بين إزالة الغبن وبين الفسخ .
ولو باع بعض ماله لغريمه بدينه ، فقال الحنابلة : لا يصحّ ، لأنّه محجورٌ عليه . وقال الشّافعيّة في الأصحّ عندهم : لا يصحّ إلاّ بإذن القاضي ، لأنّ الحجر يثبت على العموم ، ومن الجائز أن يظهر له غريمٌ آخر . ومقابله عند الشّافعيّة : يصحّ ، ولو بغير إذن القاضي ، لأنّ الأصل عدم الغريم الآخر . لكن لا يصحّ إلاّ بشرط أن يكون البيع للغرماء جميعهم بلفظٍ واحدٍ ، وأن يكون دينهم من نوعٍ واحدٍ .
وقال الحنفيّة : إن باع ماله من الغريم ، وجعل الدّين بالثّمن على سبيل المقاصّة صحّ إن كان الغريم واحداً . وإن كان الغريم أكثر من واحدٍ ، فباع ماله من أحدهم بمثل قيمته يصحّ ، كما لو باع من أجنبيٍّ بمثل قيمته ، ولكنّ المقاصّة لا تصحّ ، كما لو قضى دين بعض الغرماء دون بعضٍ . ولم نجد المالكيّة تعرّضوا لهذه المسألة بخصوصها ، فيظهر أنّها عندهم أيضاً موقوفةٌ على نظر القاضي أو الغرماء كما تقدّم .
التّصرّف في الذّمّة من المحجور عليه لفلسٍ :
20 - لو تصرّف المحجور عليه لفلسٍ تصرّفاً في ذمّته بشراءٍ أو بيعٍ أو كراءٍ صحّ ، نصّ على ذلك المالكيّة ، والشّافعيّة على الصّحيح عندهم ، والحنابلة ، وهو مقتضى مذهب الصّاحبين ، لأهليّته للتّصرّف ، والحجر يتعلّق بماله لا بذمّته ، ولأنّه لا ضرر فيه على الغرماء ، ويتبع به بعد فكّ الحجر عنه .
إمضاء التّصرّفات السّابقة على الحجر أو إلغاؤها :
21 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ للمفلّس بعد الحجر عليه إمضاء خيارٍ ، وفسخٌ لعيبٍ فيما اشتراه قبل الحجر ، لأنّه إتمامٌ لتصرّفٍ سابقٍ على حجره فلم يمنع منه ، كاسترداد وديعةٍ أودعها قبل الحجر عليه ، وسواءٌ أكان في ذلك الإمضاء أو الفسخ حظٌّ للمفلّس أو لم يكن . وقال المالكيّة : ينتقل الخيار للحاكم أو للغرماء ، فلهم الرّدّ أو الإمضاء .
وصرّح الحنفيّة بأنّ البيع ، إن كان بمثل القيمة جاز من المحجور عليه ، فيؤخذ منه مراعاةً لحظّ الغرماء في الفسخ أو الإمضاء .
حكم ما يلزم المفلّس من الحقوق في مدّة الحجر :
22 - ما لزم المفلّس من ديةٍ أو أرش جنايةٍ زاحم مستحقّها الغرماء ، وكذا كلّ حقٍّ لزمه بغير رضى الغريم واختياره ، كضمان إتلاف المال ، لانتفاء تقصيره . بخلاف التّصرّفات الّتي تقدّم ذكر المنع منها ، فإنّها تكون برضا الغريم واختياره . قال الشّافعيّة على الأصحّ عندهم : ولو أقرّ المفلّس بجنايةٍ قبل إقراره على الغرماء ، سواءٌ أسند المفلّس سبب الحقّ إلى ما قبل الحجر أو إلى ما بعده .
وجعل من ذلك صاحب المغني أنّه لو أفلس ، وله دارٌ مستأجرةٌ فانهدمت ، بعدما قبض المفلّس الأجرة ، انفسخت الإجارة فيما بقي من المدّة ، وسقط من الأجرة بقدر ذلك . ثمّ إن وجد عين ما له أخذ بقدر ذلك ، وإن لم يجده شارك الغرماء بقدره .
الأثر الثّاني - انقطاع المطالبة عنه :
23 - وذلك لقول اللّه تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } وقول النّبيّ لغرماء معاذٍ : « خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلاّ ذلك » وفي روايةٍ « ولا سبيل لكم عليه » فمن أقرضه شيئاً أو باعه شيئاً عالماً بحجره لم يملك مطالبته ببدله حتّى ينفكّ الحجر عنه ، لتعلّق حقّ الغرماء حالة الحجر بعين مال المفلّس ، ولأنّه هو المتلف لماله بمعاملة من لا شيء معه ، لكن إن وجد المقرض أو البائع أعيان ما لهما فلهما أخذها كما سبق ، إن لم يعلما بالحجر .
الأثر الثّالث - حلول الدّين المؤجّل :
24 - في حلول الدّيون الّتي على المفلّس بالحجر عليه قولان للفقهاء :
الأوّل وهو قول المالكيّة المشهور عندهم ، وقولٌ للشّافعيّ هو خلاف الأظهر عند أصحابه ، وروايةً عن أحمد : أنّ الدّيون المؤجّلة الّتي على المفلّس تحلّ بتفليسه . قال المالكيّة : ما لم يكن المدين قد اشترط عدم حلولها بالتّفليس . واحتجّ أصحاب هذا القول : بأنّ التّفليس يتعلّق به الدّين بالمال ، فيسقط الأجل ، كالموت . قال المالكيّة : ولو طلب الدّائن بقاء دينه مؤجّلاً لم يجب لذلك .
والثّاني ، وهو قول الحنفيّة ، والشّافعيّ وهو الأظهر عند أصحابه ، وروايةً عن أحمد هي الّتي اقتصر عليها في الإقناع : لا يحلّ الأجل بالتّفليس . قالوا : لأنّ الأجل حقٌّ للمفلّس ، فلا يسقط بفلسه ، كسائر حقوقه ، ولأنّه لا يوجب حلول ما له ، فلا يوجب حلول ما عليه ، كالجنون والإغماء ، وليس هو كالموت ، فإنّ الموت تخرب به الذّمّة ، بخلاف التّفليس . فعلى هذا القول : لا يشارك أصحاب الدّيون المؤجّلة أصحاب الدّيون الحالّة ، إلاّ إن حلّ المؤجّل قبل قسمة المال فيحاصّهم . أو قبل قسمة بعضه فيشاركهم الدّائن في ذلك البعض . قال الرّمليّ من الشّافعيّة ، وصاحب الإقناع من الحنابلة : وإذا بيعت أموال المفلّس لم يدّخر منها شيءٌ للمؤجّل . ولا يرجع ربّ الدّين المؤجّل على الغرماء إذا حلّ دينه بشيءٍ ، لأنّه لم يستحقّ مشاركتهم حال القسمة . وقال الحنفيّة : يرجع عليهم فيما قبضوا بالحصص . أمّا على القول الأوّل : فيشارك أصحاب الدّيون المؤجّلة أصحاب الدّيون الحالّة في مال المفلّس . أمّا ديون المفلّس على النّاس فلا تحلّ بفلسه إذا كانت مؤجّلةً ، لا يعلم في ذلك خلافٌ .
الأثر الرّابع : مدى استحقاق الغريم أخذ عين ماله إن وجدها :
إذا أوقع الحجر على المفلّس ، فوجد أحد أصحاب الدّيون عين ماله الّتي باعها للمفلّس وأقبضها له ، ففي أحقّيّته باسترجاعها قولان للعلماء :
25 - القول الأوّل : أنّ بائعها أحقّ بها بشروطه ، وهو قول مالكٍ والشّافعيّ وأحمد والأوزاعيّ والعنبريّ وإسحاق وأبي ثورٍ وابن المنذر ، وروي هذا القول عن بعض الصّحابة ، منهم عثمان وعليٌّ رضي الله عنهما ، وعن عروة بن الزّبير من التّابعين . واحتجّ أصحاب هذا القول بحديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع « من أدرك ماله بعينه عند رجلٍ أو إنسانٍ قد أفلس فهو أحقّ به من غيره » .
واحتجّوا أيضاً بأنّ هذا عقدٌ يلحقه الفسخ بالإقالة ، فجاز فيه الفسخ لتعذّر العوض ، كالمسلم فيه إذا تعذّر ، وبأنّه لو شرط في العقد رهناً ، فعجز عن تسليمه ، استحقّ الفسخ ، وهو وثيقةٌ بالثّمن ، فالعجز عن تسليم الثّمن نفسه أولى .
26 - القول الثّاني : قول أبي حنيفة وأهل الكوفة وقول ابن سيرين وإبراهيم من التّابعين وابن شبرمة . وروي عن عليٍّ رضي الله عنه :" أنّه ليس أحقّ بها ، بل هو في ثمنها أسوة الغرماء ". واحتجّوا بأنّ هذا مقتضى الأصول اليقينيّة المقطوع بها ، قالوا : وخبر الواحد إذا خالف الأصول يردّ ،
كما قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه :" لا ندع كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا لحديث امرأةٍ ".
قالوا : ولما روي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : « أيّما رجلٍ مات أو أفلس فوجد بعض غرمائه ماله بعينه فهو أسوة الغرماء » . قالوا : وهذا الحديث أولى من غيره ، لموافقته الأصول العامّة ، ولأنّ الذّمّة باقيةٌ وحقّه فيها .
الرّجوع فيما قبضه المدين بغير الشّراء :
27 - اختلف القائلون بالرّجوع فيما قبضه الغريم بغير الشّراء .
أ - فقد عمّم الشّافعيّة القول بأنّ له الرّجوع في عين ماله بالفسخ في سائر المعاوضات الماليّة المحضة كالقرض والسّلم ، بخلاف غيرها ، كالهبة ، والنّكاح والصّلح عن دم العمد والخلع .
وصنيع الحنابلة يوحي بأنّ قولهم في ذلك كقول الشّافعيّة ، وإن لم نرهم صرّحوا بذلك ، لكنّ تمثيلهم لما يرجع فيه بعين القرض ورأس مال السّلم والعين المؤجّرة يدلّ على ذلك .
ب - وأجاز المالكيّة الرّجوع للوارث ، ومن ذهب له الثّمن ، أو تصدّق عليه به ، أو أحيل به . وأبوا الرّجوع فيما لا يمكن الرّجوع فيه كعصمةٍ ، فلو خالعت زوجها على مالٍ ، ثمّ فلّست قبل أداء البدل ، لم يكن لمخالعها الرّجوع بالعصمة لأنّها خرجت منه ، ويحاصّ الغرماء ببدل الخلع ، وكما لو فلّس الجاني بعد الصّلح عن القصاص لم يكن لأولياء القتيل الرّجوع إلى القصاص ، لتعذّر ذلك شرعاً بعد العفو ، بل يحاصّون الغرماء بعوض الصّلح .
شروط الرّجوع في عين المال :
جملة الشّروط الّتي اشترطها القائلون بالرّجوع في عين المال الّتي عند المفلّس هي كما يلي : الشّرط الأوّل :
28 - أن يكون المفلّس قد ملكها قبل الحجر لا بعده . فإن كان ملكها بعد الحجر فليس البائع أحقّ بها ، ولو لم يكن عالماً بالحجر ، وذلك لأنّه ليس له المطالبة بثمنها في الحال ، فلم يملك الفسخ .
وقيل : ليس هذا شرطاً ، لعموم الخبر . وقيل بالتّفريق بين العالم ومن لم يعلم .
الشّرط الثّاني :
29 - قال الحنابلة : أن تكون السّلعة باقيةً بعينها ، ولم يتلف بعضها ، فإن تلفت كلّها أو تلف جزءٌ منها ، كما لو انهدم بعض الدّار ، أو تلفت ثمرة البستان ، لم يكن للبائع الرّجوع ، وكان أسوة الغرماء .
واحتجّوا بقول النّبيّ : « من أدرك ماله بعينه عند رجلٍ أو إنسانٍ قد أفلس فهو أحقّ به من غيره » قالوا : فإنّ قوله : " بعينه " يقتضي ذلك . ولأنّه إذا أدركه بعينه فأخذه انقطعت الخصومة بينهما .
وعند المالكيّة والشّافعيّة يمنع تلف كلّه الرّجوع ، ولا يمنع تلف بعضه الرّجوع ، على تفصيلٍ عندهم في ذلك يرجع إليه في بابه .
الشّرط الثّالث :
30 - أن تكون السّلعة عند المفلّس على حالها الّتي اشتراها عليها . فإن انتقلت عين السّلعة عن الحال الّتي اشتراها عليها ، بعد شرائه لها - قال الحنابلة : بما يزيل اسمها - منع ذلك الرّجوع ، كما لو طحن الحنطة ، أو فصّل الثّوب ، أو ذبح الكبش ، أو تتمّر رطبه ، أو نجّر الخشبة باباً ، أو نسج الغزل ، أو فصّل القماش قميصاً . وهذا عند المالكيّة والحنابلة . وقالوا : لأنّه لم يجد عين ماله .
وقال الشّافعيّة : إن لم تزد القيمة بهذا الانتقال رجع ولا شيء للمفلّس . وإن نقصت فلا شيء للبائع إن رجع به . وإن زادت ، فالأظهر أنّه يباع وللمفلّس من ثمنه بنسبة ما زاد .
الشّرط الرّابع :
31 - ألاّ يكون المبيع قد زاد عند المفلّس زيادةً . متّصلةً ، كالسّمن والكبر ، وتجدّد الحمل - ما لم تلد - وهذا على قولٍ في مذهب أحمد .
وقول المالكيّة والشّافعيّة ، وهو روايةً عن أحمد : أنّ الزّيادة المتّصلة المتولّدة لا تمنع الرّجوع ، ويفوز بها البائع ، إلاّ أنّ المالكيّة يخيّرون الغرماء بين أن يعطوا السّلعة ، أو ثمنها الّذي باعها به . وهذا بخلاف نقص الصّفة فلا يمنع الرّجوع .
أمّا الزّيادة المنفصلة فإنّها لا تمنع الرّجوع ، وذلك كالثّمرة والولد . وهذا قول مالكٍ والشّافعيّ وأحمد ، سواءٌ أنقص بها المبيع أم لم ينقص ، إذا كان نقص صفةٍ . والزّيادة المنفصلة للمشتري وهو المفلّس .
الشّرط الخامس :
32 - ألاّ يكون قد تعلّق بالسّلعة حقٌّ للغير ، كأن وهبها المشتري أو باعها أو وقفها فلا رجوع ، لأنّه لم يدرك متاعه بعينه عند المفلّس ، فلا يدخل في النّصّ .
وقال المالكيّة في المرهون : إنّ للدّائن أن يفكّ الرّهن بدفع ما رهنت به العين ، ويأخذها ، ويحاصّ الغرماء بما دفع .
الشّرط السّادس :
33 - وهو للشّافعيّة . قالوا : أن يكون الثّمن ديناً ، فلو كان الثّمن عيناً قدّم على الغرماء بقبض العين الّتي هي ثمنٌ ، وذلك كما لو باع بقرةً ببعيرٍ ، ثمّ أفلس المشتري ، فالبائع يرجع بالبعير ولا يرجع بالمبيع ، أي البقرة .
الشّرط السّابع :
34 - قال الشّافعيّة : أن يكون الثّمن حالاًّ عند الرّجوع ، فلا رجوع فيما كان ثمنه مؤجّلاً ولم يحلّ ، إذ لا مطالبة في الحال .
وقال الحنابلة : إن كان الثّمن مؤجّلاً لم يحلّ رجوع البائع في السّلعة ، فتوقّف إلى الأجل ، فيختار البائع حينئذٍ بين الفسخ والتّرك . ولا تباع فيما يباع من مال المفلّس . قالوا : لأنّ حقّ البائع تعلّق بها ، فقدّم على غيره ، وإن كان مؤجّلاً ، كالمرتهن .
الشّرط الثّامن :
35 - وهو للحنابلة ، قالوا : يشترط ألاّ يكون البائع قد قبض من ثمنها شيئاً . وإلاّ سقط حقّه في الرّجوع . قالوا : والإبراء من بعض الثّمن كقبضه .
واحتجّوا بما روى الدّارقطنيّ من حديث أبي هريرة مرفوعاً : « أيّما رجلٍ باع سلعةً ، فأدرك سلعته بعينها عند رجلٍ قد أفلس ، ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً ، فهي له . وإن كان قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء » .
وقال الشّافعيّ في مذهبه الجديد : للبائع أن يرجع بما يقابل الباقي من دينه . وقال مالكٌ : هو مخيّرٌ إن شاء ردّ ما أخذه ورجع في جميع العين ، وإن شاء حاصّ الغرماء ولم يرجع .
الشّرط التّاسع :
36 - وهو للمالكيّة ، قالوا : يشترط ألاّ يفديه الغرماء بثمنه الّذي على المفلّس ، فإن فدوه - ولو بما لهم - لم يأخذه ، وكذا لو ضمنوا له الثّمن ، وهم ثقاتٌ ، أو أعطوا به كفيلاً ثقةً . وقال الشّافعيّة والحنابلة : لا يسقط حقّه في الفسخ ، ولو قال الغرماء له : لا تفسخ ونحن نقدّمك بالثّمن من التّركة . قال الحنابلة : لعموم الأدلّة . وقال الشّافعيّة : لما في ذلك من المنّة ، ولخوف ظهور غريمٍ آخر .
لكن لو أنّ الغرماء بذلوا الثّمن للمفلّس ، فأعطاه للبائع سقط حقّه في الفسخ .
الشّرط العاشر :
37 - أن يكون المفلّس حيّاً إلى أخذها ، فإن مات بعد الحجر عليه ، سقط حقّ البائع في الرّجوع . وهذا مذهب مالكٍ وأحمد . لحديث : « ... فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء » . وفي روايةٍ : « أيّما امرئٍ مات ، وعنده مال امرئٍ بعينه ، اقتضى منه شيئاً أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء » . قالوا : ولأنّه تعلّق به حقّ غير المفلّس ، وهم الورثة ، كالمرهون ، وكما لو باعه . وقال الشّافعيّ : له الفسخ واسترجاع العين ، لحديث أبي هريرة مرفوعاً : « أيّما رجلٍ مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقّ بمتاعه إذا وجده بعينه » .
الشّرط الحادي عشر :
38 - أن يكون البائع أيضاً حيّاً ، فلو مات قبل الرّجوع فلا رجوع على قولٍ عند الحنابلة . وفي الإنصاف : للورثة الرّجوع .
الشّرط الثّاني عشر :
39 - قال الشّافعيّة على الأصحّ عندهم : له أن يرجع فور علمه بالحجر ، فإن تراخى في الرّجوع ، وادّعى أنّه جهل أنّ الرّجوع على الفور ، قبل منه . ولو صولح عن الرّجوع على مالٍ لم يصحّ الصّلح ، وبطل حقّه من الفسخ إن علم . ووجه اشتراطه عندهم أنّه كالرّدّ بالعيب ، بجامع دفع الضّرر . والقول الآخر للشّافعيّة ، وهو مذهب الحنابلة : أنّ الرّجوع على التّراخي . قالوا : وهو كرجوع الأب في هبته لابنه .
الرّجوع بعين الثّمن :
40 - لو كان الغريم اشترى من المفلّس شيئاً في الذّمّة ، وأسلم الثّمن ، ولم يقبض السّلعة ، حتّى حجر على المفلّس ، فهل يرجع الغريم بما أسلمه من النّقود ؟ قال المالكيّة : نعم يرجع إن ثبت عينها ببيّنةٍ أو طبعٍ ، قياساً للثّمن على المثمّن .
وقال أشهب من المالكيّة : لا يرجع ، لأنّ الأحاديث إنّما فيها « من وجد سلعته ... » و : « من وجد متاعه ... » والنّقدان لا يطلق عليهما ذلك عرفاً .
ثمّ قد قال المالكيّة : ولو اشترى شراءً فاسداً ففسخه الحاكم وأفلس البائع ، فالمشتري أحقّ بالثّمن إن كان موجوداً لم يفت . ولم نعثر على نصٍّ في هذه المسألة لسائر المذاهب . استحقاق مشتري العين أخذها إن حجر على البائع للفلس قبل تقبيضها :
41 - نصّ الحنابلة على أنّ الرّجل لو باع عيناً ، ثمّ أفلس قبل تقبيضها ، فالمشتري أحقّ بها من الغرماء ، لأنّها عين ملكه ، وذلك صادقٌ عندهم سواءٌ كانت السّلعة ممّا لا يحتاج لحقّ توفيةٍ ، كدارٍ وسيّارةٍ ، أو ما يحتاج إليه ، كالمكيل والموزون .
ولم نجد تعرّضاً لهذه المسألة في المذاهب الأخرى .
هل يحتاج الرّجوع إلى حكم حاكمٍ :
42 - لا يفتقر الرّجوع في العين إلى حكم حاكمٍ ، على مذهب الحنابلة ، وعلى الأصحّ في مذهب الشّافعيّة . قالوا : لأنّه ثبت بالنّصّ . ولو حكم بمنع الفسخ حاكمٌ فعند الشّافعيّة : لا ينقض حكمه قالوا : لأنّ المسألة اجتهاديّةٌ ، والخلاف فيها قويٌّ ، إذ النّصّ كما يحتمل أنّه " أحقّ بعين متاعه " يحتمل أنّه " أحقّ بثمنه " وإن كان الأوّل أظهر .
وعند الحنابلة : يجوز نقض حكمه ، نقل صاحب المغني عن نصّ أحمد : لو حكم حاكمٌ بأنّ صاحب المتاع أسوة الغرماء ، ثمّ رفع إلى رجلٍ يرى العمل بالحديث ، جاز له نقض حكمه . أي فما كان بهذه المثابة لا يحتاج إلى حكم حاكمٍ .
ما يحصل به الرّجوع :
43 - يحصل الرّجوع بالقول ، بأن يقول : فسخت البيع أو رفعته أو نقضته أو أبطلته أو رددت . نصّ على هذا الشّافعيّة والحنابلة ، قال الحنابلة : فلو قال ذلك صحّ رجوعه ولو لم يقبض العين . فلو رجع كذلك ثمّ تلفت العين تلفت من مال البائع ما لم يتبيّن أنّها تلفت قبل رجوعه ، أو كانت بحالةٍ لا يصحّ الرّجوع فيها لفقد شريطةٍ من شرائط الرّجوع المعتبرة ، أو لمانعٍ يمنع الرّجوع ، كما لو كان دقيقاً فاتّخذه خبزاً ، أو حديداً فاتّخذه سيفاً .
أمّا الرّجوع بالفعل : فقد نصّ الشّافعيّة - في الأصحّ عندهم - والحنابلة على أنّ الرّجوع لا يحصل بالتّصرّف النّاقل للملكيّة كالبيع ، ولو نوى به الرّجوع . قال صاحب مطالب أولي النّهى : حتّى لو أخذ العين بنيّة الرّجوع لم يحصل الرّجوع . والقول الآخر : أنّه يحصل بذلك ، كالبيع في مدّة الخيار . ولم نجد للمالكيّة نصّاً في ذلك .
ظهور عينٍ مستحقّةٍ في مال المفلّس :
44 - لو ظهر شيءٌ مستحقٌّ في مال المفلّس فهو لصاحبه .
ولو أنّ المفلّس باعه قبل الحجر ثمّ استحقّ - والثّمن تالفٌ - فإنّ المشتري يشارك الغرماء كواحدٍ منهم ، وسواءٌ أكان تلف الثّمن قبل الحجر أو بعده ، لأنّ دينه من جملة الدّيون الثّابتة في ذمّة المفلّس قبل إفلاسه . وإن كان الثّمن غير تالفٍ ، فالمشتري أولى به على ما صرّح به الشّافعيّة ، ويفهم من كلام الحنابلة ، لأنّه عين ماله .
الرّجوع في الأرض بعد البناء فيها أو غرسها :
45 - عند الشّافعيّة والحنابلة : إذا أفلس مشتري الأرض وحجر عليه ، وكان قد غرس فيها غراساً أو بنى بناءً ، لم يمنع ذلك من رجوع البائع فيها . والزّرع الّذي يجذّ مرّةً بعد أخرى وتبقى أصوله كالغراس في هذا .
ثمّ إن تراضى الطّرفان - البائع من جهةٍ ، والغرماء مع المفلّس من الجهة الأخرى - على القلع ، أو أباه البائع وطلبوه هم فلهم ذلك ، لأنّه ملكٌ للمفلّس لا حقٌّ للبائع فيه ، ولا يمنع الإنسان من أخذ ملكه . ويلزم حينئذٍ تسوية الأرض من الحفر ، وأرش نقص الأرض بسبب القلع يجب ذلك في مال المفلّس ، لأنّه نقصٌ حصل لتخليص ملك المفلّس ، فكان عليه ، ويقدّم به الآخذ على حقوق الغرماء عند الشّافعيّة ، لأنّه لمصلحة تحصيل المال ، ويحاصّهم به عند الحنابلة . وإن أبى المفلّس والغرماء القلع ، لم يجبروا عليه ، لأنّه وضع بحقٍّ . وللآخذ حينئذٍ تملّك الغرس والبناء بقيمته قائماً ، لأنّه غرس أو بنى وهو صاحب حقٍّ ، وإن شاء فله القلع وإعطاؤه للغرماء مع أرش نقصه ، فإن أبى الآخذ تملّك الغرس والبناء ، وأبى أداء أرش النّقص ، فلا رجوع له على الأظهر عند الشّافعيّة والمقدّم عند الحنابلة ، لأنّ الرّجوع حينئذٍ ضررٌ على الغرماء ، ولا يزال الضّرر بالضّرر .
والوجه الآخر عند الطّرفين : له الرّجوع ، وتكون الأرض على ملكه ، والغرس والبناء للمفلّس . ولم يتعرّض المالكيّة والحنفيّة لهذه المسألة فيما اطّلعنا عليه من كلامهم .
إفلاس المستأجر :
46 - عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا آجر عيناً له بأجرةٍ حالّةٍ ولم يقبضها حتّى حجر على المستأجر لفلسٍ ، فالمؤجّر مخيّرٌ ، إن شاء رجع في العين بالفسخ ، وإن شاء ترك ذلك للغرماء وحاصّ بجميع الأجرة .
وإن اختار الفسخ ، وكان قد مضى شيءٌ من المدّة ، فقال المالكيّة والشّافعيّة : يشارك المؤجّر الغرماء بأجرة ما مضى ، ويفسخ في الباقي . وقال الحنابلة : في هذه الحال يسقط حقّه في الفسخ بناءً على قولهم : إنّ تلف بعض السّلعة يمنع الرّجوع .
إفلاس المؤجّر :
47 - إن آجر داراً بعينها ثمّ أفلس المؤجّر ، فالإجارة ماضيةٌ ولا تنفسخ بفلسه للزومها ، وسواءٌ أقبض العين أم لم يقبضها . وإن طلب الغرماء بيع الدّار المعيّنة في الحال بيعت مؤجّرةً ، وإن اتّفقوا على تأخير بيعها حتّى تنقضي الإجارة جاز .
أمّا إن استأجر داراً موصوفةً في الذّمّة ، ثمّ أفلس المؤجّر قبل القبض ، فالمستأجر أسوة الغرماء ، لعدم تعلّق حقّه بعينٍ . وقال المالكيّة والشّافعيّة : وإن أفلس ملتزم عملٍ في الذّمّة ، وقد سلّم للمستأجر عيناً ليستوفي منها ، قدّم بها كالمعيّنة في العقد . ثمّ قال الشّافعيّة : فإن لم يكن سلّم له عيناً ، وكانت الأجرة باقيةً في يد المؤجّر ، فللمستأجر الفسخ ويستردّ الأجرة . فإن كانت تالفةً ضرب مع الغرماء بأجرة المثل للمنفعة ، ولا تسلّم إليه حصّته منها بالمحاصّة ، لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه ، إذ إجارة الذّمّة سلمٌ في المنافع ، فيحصل له بعض المنفعة الملتزمة إن تبعّضت بلا ضررٍ ، كحمل مائة رطلٍ مثلاً ، وإلاّ - كخياطة ثوبٍ - فسخ ، ويحاصّ بالأجرة المبذولة . ولم نجد للحنفيّة كلاماً في هذه المسائل .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:23 PM

الأثر الخامس من آثار الحجر على المفلّس : بيع الحاكم ماله :
48 - يبيع الحاكم مال المحجور عليه لفلسٍ ، عند غير أبي حنيفة ومن وافقه ، ليؤدّي ما عليه من الدّيون . وإنّما يبيعه إن كان من غير جنس الدّين . ويراعي الحاكم عند البيع ما فيه المصلحة للمفلّس . وذكر ابن قدامة الأمور التّالية ، وذكرها غيره أيضاً :
أ - يبيع بنقد البلد لأنّه أوفر ، فإن كان في البلد نقودٌ باع بغالبها ، فإن تساوت باع بجنس الدّين .
ب - يستحبّ إحضار المفلّس البيع ، قال : ليحصي ثمنه ويضبطه ليكون أطيب لقلبه ، ولأنّه أعرف بجيّد متاعه ورديئه ، فإذا حضر تكلّم عليه ، فتكثر الرّغبة فيه .
ت - يستحبّ إحضار الغرماء أيضاً ، لأنّه يباع لهم ، وربّما رغبوا في شراء شيءٍ منه ، فزادوا في ثمنه ، فيكون أصلح لهم وللمفلّس ، وأطيب لنفوسهم وأبعد من التّهمة ، وربّما وجد أحدهم عين ماله فيأخذها .
ث - يستحبّ بيع كلّ شيءٍ في سوقه ، لأنّه أحوط وأكثر لطلاّبه وعارفي قيمته .
ج-يترك للمفلّس من ماله شيءٌ ، ويأتي تفصيل الكلام فيه .
ح- يلاحظ الحاكم نوعاً من التّرتيب تتحقّق به المصلحة ، فيما يقدّم بيعه وما يؤخّره ، فيقدّم الأيسر فالأيسر ، حسبما هو أنظر للمفلّس ، إذ قد يكتفي ببيع البعض ، فيبدأ ببيع الرّهن ،0 ويدفع إلى المرتهن قدر دينه ، ويردّ ما فضل من الثّمن على الغرماء ، وإن بقيت من دينه بقيّةٌ ضرب بها مع الغرماء .
ثمّ يبيع ما يسرع إليه الفساد من الطّعام الرّطب وغيره ، لأنّ إبقاءه يتلفه . وقدّمه الشّافعيّة على بيع الرّهن . ثمّ يبيع الحيوان ، لأنّه معرّضٌ للتّلف ، ويحتاج إلى مئونةٍ في بقائه .
ثمّ يبيع السّلع والأثاث ، لأنّه يخاف عليه الضّياع وتناله الأيدي .
ثمّ يبيع العقار آخراً . قال المالكيّة : يستأني به الشّهر والشّهرين .
ونصّ الشّافعيّة على أنّ هذا التّرتيب مستحبٌّ في غير الحيوان ، وما يسرع إليه الفساد ، وما يخاف عليه النّهب أو استيلاء نحو ظالمٍ عليه .
وذكر المالكيّة الأمور الآتية أيضاً :
خ - أنّه لا يبيع إلاّ بعد الإعذار في البيّنة للمفلّس فيما ثبت عنده من الدّين ، والإعذار لكلٍّ من القائمين ( الدّائنين المطالبين ) ، لأنّ لكلٍّ الطّعن في بيّنة صاحبه ، ويحلف كلاًّ من الدّائنين أنّه لم يقبض من دينه شيئاً ، ولا أحال به ، ولا أسقطه ، وأنّه باقٍ في ذمّته إلى الآن .
د - وأنّه يبيع بالخيار ثلاثاً لطلب الزّيادة في كلّ سلعةٍ ، إلاّ ما يفسده التّأخير .
ذ - وقال الشّافعيّة : لا يبيع بأقلّ من ثمن المثل ، وهو مذهب الحنابلة ، كما في مطالب أولي النّهى ، وبعض الشّافعيّة قال : يبيع بما تنتهي إليه الرّغبات ، قالوا جميعاً : فإن ظهر راغبٌ في السّلعة بأكثر ممّا بيعت به - وكان ذلك في مدّة خيارٍ ، ومنه خيار المجلس - وجب الفسخ ، والبيع للزّائد . وبعد مدّة الخيار لا يلزم الفسخ ، ولكن يستحبّ للمشتري الإقالة .
ر - وقالوا أيضاً : لا يبيع إلاّ بنقدٍ ، ولا يبيع بثمنٍ مؤجّلٍ ، ولا يسلّم المبيع حتّى يقبض الثّمن .
ما يترك للمفلّس من ماله :
49 - يترك للمفلّس من ماله ما يأتي :
أ - الثّياب : يترك للمفلّس بالاتّفاق دستٌ من ثيابه ، وقال الحنفيّة : أو دستان . ويباع ما عداهما من الثّياب . وقال الحنفيّة : يباع ما لا يحتاج إليه في الحال ، كثياب الشّتاء في الصّيف . وقال المالكيّة : يباع ثوبا جمعته إن كثرت قيمتهما ، ويشتري له دونهما ، وهو بمعنى ما صرّح به الحنابلة والشّافعيّة من أنّ الثّياب إن كانت رفيعةً لا يلبس مثله مثلها تباع ، ويترك له أقلّ ما يكفيه من الثّياب .
وقال المالكيّة والشّافعيّة : يترك لعياله كما يترك له من الملابس .
ب - الكتب : وتترك له الكتب الّتي يحتاج إليها في العلوم الشّرعيّة وآلتها ، إن كان عالماً لا يستغني عنها . عند الشّافعيّة ، وعلى قولٍ في مذهب المالكيّة . والمقدّم عند المالكيّة أنّها تباع أيضاً .
ت - دار السّكنى : قال مالكٌ والشّافعيّ - في الأصحّ عنه - وشريحٌ : تباع دار المفلّس ويكترى له بدلها ، واختار هذا ابن المنذر ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لغرماء الّذي أصيب في ثمارٍ ابتاعها : « خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلاّ ذلك » . وقال أحمد وإسحاق ، وهو قولٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة . لا تباع داره الّتي لا غنًى له عن سكناها . فإن كانت الدّار نفيسة بيعت واشتري له ببعض ثمنها مسكنٌ يبيت فيه ، ويصرف الباقي إلى الغرماء .
ث - آلات الصّانع : قال الحنابلة وبعض المالكيّة : تترك للمفلّس آلة صنعته ، ثمّ قال المالكيّة من هؤلاء : إنّما تترك إن كانت قليلة القيمة ، كمطرقة الحدّاد : وقال بعضهم : تباع أيضاً . ونصّ الشّافعيّة أنّها تباع .
ج - رأس مال التّجارة : قال الحنابلة وابن سريجٍ من الشّافعيّة : يترك للمفلّس رأس مالٍ يتّجر فيه ، إذا لم يحسن الكسب إلاّ به . قال الرّمليّ : وأظنّه يريد الشّيء اليسير ، أمّا الكثير فلا . ولم نر نصّاً في ذلك للحنفيّة والمالكيّة .
ح - القوت الضّروريّ : عند المالكيّة والحنابلة : يترك للمفلّس أيضاً من ماله قدر ما يكفيه وعياله من القوت الضّروريّ الّذي تقوم به البنية ، لا ما يترفّه . قال المالكيّة : وتترك له ولزوجاته وأولاده ووالديه النّفقة الواجبة عليه ، بالقدر الّذي تقوم به البنية . وهذا إن كان ممّن لا يمكنه الكسب ، أمّا إن كان ذا صنعةٍ يكتسب منها ، أو يمكنه أن يؤجّر نفسه فلا يترك له شيءٌ . ثمّ قد قال المالكيّة : يترك ذلك له ولمن ذكر قدر ما يكفيهم إلى وقتٍ يظنّ بحسب الاجتهاد أنّه يحصل له فيه ما تتأتّى معه المعيشة .
أمّا عند الشّافعيّة فلا يترك له من القوت شيءٌ ما عدا قوت يوم القسمة ، ولا نفقة عليه أيضاً لقريبٍ ، لأنّه معسرٌ بخلاف حاله قبل القسمة . وتسقط نفقة القريب لما بعد القسمة أيضاً عند الحنابلة .
الإنفاق على المفلّس وعلى عياله مدّة الحجر وقبل قسمة ماله على الغرماء :
50 - عند الحنفيّة على قول الصّاحبين ، والشّافعيّة والحنابلة ، وهو مقتضى مذهب المالكيّة كما تقدّم : يجب على الحاكم أن ينفق من مال المفلّس عليه - أي على المفلّس - بالمعروف ، وهو أدنى ما ينفق على مثله ، إلى أن يقسم ماله . وذلك لأنّ ملكه لم يزل عن ماله قبل القسمة . وكذلك ينفق على من تلزم المفلّس نفقته ، من زوجةٍ وقريبٍ ولو حدث بعد الحجر ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « ابدأ بنفسك ثمّ بمن تعول »، وهذا ما لم يستغن المفلّس بكسبٍ حلالٍ لائقٍ به .
وفي الخانيّة من كتب الحنفيّة : ولا يضيّق عليه في مأكوله ومشروبه وملبوسه ، ويقدّر له المعروف والكفاف . أمّا بعد القسمة فقد تقدّم بيان ما يترك له من النّفقة .
المبادرة بقسم مال المفلّس بين غرمائه :
51 - نصّ المالكيّة على أنّه لا ينبغي الاستيناء ( التّمهّل والتّأخير ) بقسم مال المفلّس ، وقال الشّافعيّة والحنابلة : يندب المبادرة بالقسم لبراءة ذمّة المدين ، ولئلاّ يطول زمن الحجر عليه ، ولئلاّ يتأخّر إيصال الحقّ لمستحقّه ، وتأخير قسمه مطلٌ وظلمٌ للغرماء . قال الشّافعيّة : ولا يفرّط في الاستعجال ، كي لا يطمع فيه بثمنٍ بخسٍ . وقال المالكيّة : إن كان يخشى أن يكون على المفلّس دينٌ لغير الغرماء الحاضرين فإنّ القاضي يستأني بالقسم باجتهادٍ .
ونصّ الشّافعيّة على أنّه لا يلزم الحاكم أن ينتظر ليتمّ بيع الأموال كلّها ، بل يندب للحاكم عندهم أن يقسم بالتّدريج كلّ ما يقبضه . فإن طلب الغرماء ذلك وجب . فإن تعسّر ذلك لقلّة الحاصل يؤخّر القسمة حتّى يجتمع ما تسهل قسمته ، فيقسمه ، ولو طلبه الغرماء لم يلزمه .
هل يلزم قبل القسمة حصر الدّائنين ؟
52 - نصّ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه لا يكلّف القاضي غرماء المفلّس إثبات أنّه لا غريم غيرهم ، وذلك لاشتهار الحجر ، فلو كان ثمّة غريمٌ لظهر . وهذا بخلاف قسمة التّركة عند جميعهم ، فإنّ القاضي لا يقسم حتّى يكلّفهم بيّنةً تشهد بحصرهم .
ظهور غريمٍ بعد القسمة :
53 - لو قسم الحاكم مال المفلّس بين غرمائه ، فظهر غريمٌ بعد ذلك بدينٍ سابقٍ على الحجر ، شارك كلّ واحدٍ معهم بالحصّة ، ولم تنقض القسمة . فإن أتلف أحدهم ما أخذه رجع عليه كذلك ، على ما نصّ عليه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . ثمّ قال الشّافعيّة : فإن كان الآخذ معسراً جعل ما أخذه كالمعدوم ، وشارك من ظهر الآخرين .
وقال المالكيّة : إن اقتسموا ، ولم يعلموا بالغريم الآخر ، يرجع على كلّ واحدٍ منهم بما ينوبه ، ولا يأخذ أحدٌ عن أحدٍ . وإن كانوا عالمين يرجع عليهم بحصّته ، ولكن يأخذ المليء عن المعدم ، والحاضر عن الغائب ، والحيّ عن الميّت ، أي في حدود ما قبضه كلٌّ منهم . وفي قولٍ عند الشّافعيّة : تنقض القسمة بكلّ حالٍ ، كما لو ظهر وارثٌ بعد قسمة التّركة .
كيفيّة قسمة مال المفلّس بين غرمائه :
54 - أ - يبدأ من مال المفلّس بإعطاء أجرة من يصنع ما فيه مصلحةٌ للمال ، من منادٍ وسمسارٍ وحافظٍ وحمّالٍ وكيّالٍ ووزّانٍ ونحوهم ، تقدّم على ديون الغرماء . ذكر ذلك صاحب الإقناع من الحنابلة . وذكر الدّردير من المالكيّة تقديم ساقي الزّرع الّذي أفلس ربّه على المرتهن ، وقال : إذ لولاه لما انتفع بالزّرع .
ب - ثمّ بمن له رهنٌ لازمٌ أي مقبوضٌ ، فيختصّ بثمنه إن كان قدر دينه ، لأنّ حقّه متعلّقٌ بعين الرّهن وذمّة الرّاهن . وما زاد من ثمن الرّهن ردّ على المال ، وما نقص ضرب به الغريم مع الغرماء . وأضاف المالكيّة : إنّ الصّانع أحقّ من الغرماء بما في يده إذا أفلس ربّ الشّيء المصنوع بعد تمام العمل حتّى يستوفي أجرته منه ، لأنّه وهو تحت يده كالرّهن ، حائزه أحقّ به في الفلس ، وإلاّ فليس أحقّ به إذا سلّمه لربّه قبل أن يفلّس ، أو أفلس ربّه قبل تمام العمل .
قالوا : ومن استأجر دابّةً ونحوها كسفينةٍ ، وأفلس ، فربّها أحقّ بالمحمول عليها من أمتعة المكتري ، يأخذه في أجرة دابّته وإن لم يكن ربّها معها ، ما لم يقبض المحمول ربّه - وهو المكتري - قبض تسلّمٍ . وهذا بخلاف مكتري الحانوت ونحوه فلا يختصّ بما فيه . والفرق أنّ بحيازة الظّهر لما فيها من الحمل والنّقل أقوى من حيازة الحانوت والدّار .
وقال المالكيّة أيضاً : وكذلك المكتري لدابّةٍ ونحوها أحقّ بها حتّى يستوفي من منافعها ما نقده من الكراء ، سواءٌ أكانت معيّنةً أو غير معيّنةٍ ، إلاّ أنّها إن كانت غير معيّنةٍ لم يكن أحقّ بها ما لم يقبضها قبل فلس المؤجّر .
ج - ثمّ من وجد عين ماله أخذها بشروطها المتقدّمة . وكذا من له عينٌ مؤجّرةٌ استأجرها منه المفلّس ، فله أخذها وفسخ الإجارة على الخلاف والتّفصيل المتقدّم .
د - ثمّ تقسم أموال المفلّس المتحصّلة بين غرمائه . وهذا إن كانت الدّيون كلّها من النّقد . وكذلك إن كانت كلّها عروضاً موافقةً لمال المفلّس في الجنس والصّفة ، فلا حاجة للتّقويم ، بل يتحاصّون بنسبة عرض كلٍّ منهم إلى مجموع الدّيون .
فإن كانت الدّيون كلّها أو بعضها عروضاً وكان مال المفلّس نقداً ، قوّمت العروض بقيمتها يوم القسمة ، وحاصّ كلّ غريمٍ بقيمة عروضه ، يشترى له بها من جنس عروضه وصفتها . ويجوز مع التّراضي أخذٌ الثّمن إن خلا من مانعٍ ، كما لو كان دينه ذهباً ، ونابه في القسم فضّةٌ ، فلا يجوز له أخذ ما نابه ، لأنّه يؤدّي إلى الصّرف المؤخّر . وهذا التّفصيل منصوص المالكيّة . ولو أنّ المفلّس أو الحاكم قضى ديون بعضهم دون بعضٍ ، أو قضى بعضاً منهم أكثر ممّا تقتضيه التّسوية المذكورة شاركوه فيما أخذ بالنّسبة .
ما يطالب به المفلّس بعد قسمة ماله :
55 - لا تسقط ديون الفلس الّتي لم يف ماله بها ، بل تبقى في ذمّته .
ثمّ إن كان هناك أرضٌ أو عقارٌ موصًى له بنفعه أو موقوفٌ عليه ، يلزم بإجارته ، ويصرف بدل المنفعة إلى الدّيون ، ويؤجّر مرّةً بعد أخرى إلى أن تتمّ البراءة ، صرّح بذلك الشّافعيّة والحنابلة . أمّا تكليف المفلّس حينئذٍ بالتّكسّب ، بإيجار نفسه لسداد الدّيون الباقية ، فقد قسّم الشّافعيّة الدّيون إلى قسمين :
الأوّل : ما كان المفلّس عاصياً بسببه ، كغاصبٍ ، وجانٍ متعمّدٍ ، فهذا يلزم بالتّكسّب ، ولو بإجارة نفسه ، ولو كان ذلك مزرياً به ، بل متى أطاقه لزمه ، قالوا : إذ لا نظر للمروآت في جنب الخروج من المعصية ، ولأنّ التّوبة من المعصية واجبةٌ ، وهي متوقّفةٌ في حقوق الآدميّين على الوفاء .
الثّاني : ما لم يعص به من الدّيون ، فهذا لا يلزمه التّكسّب ولا إيجار نفسه .
وأمّا المالكيّة فقد أطلقوا القول بأنّ المفلّس لا يلزم بالتّكسّب ولو كان قادراً عليه ، ولو كان قد شرط على نفسه ذلك في عقد الدّين . قالوا : لأنّ الدّين إنّما تعلّق بذمّته .
وأمّا الحنابلة فقد أطلقوا القول بإجبار المفلّس المحترف على الكسب ، وإيجار نفسه فيما يليق به من الصّنائع ، واحتجّوا بأنّ المنافع تجري مجرى الأعيان في صحّة العقد عليها ، فأجبر على العقد عليها ، كما يباع ماله رغماً عنه .
ثمّ قال المالكيّة والحنابلة : لا يجبر المفلّس على قبول التّبرّعات ، من هبةٍ أو وصيّةٍ أو عطيّةٍ أو صدقةٍ ، لئلاّ يلزم بتحمّل منّةٍ لا يرضاها ، ولا على اقتراضٍ . وكذا لا يجبر على خلع زوجته وإن بذلت ، لأنّ عليه في ذلك ضرراً ، ولا على أخذ ديةٍ عن قودٍ وجب له بجنايةٍ عليه أو على مورّثه ، لأنّ ذلك يفوّت المعنى الّذي لأجله شرع القصاص . ثمّ إن عفا باختياره على مالٍ ثبت وتعلّقت به حقوق الغرماء . وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يجبر على التّكسّب ، ولا يؤاجره القاضي ، لسداد ديونه من الأجرة .
ما ينفكّ به الحجر عن المفلّس :
56 - عند الشّافعيّة - ومثلهم الحنابلة فيما لو بقي على المفلّس شيءٌ من الدّيون - لا ينفكّ الحجر عنه بقسمة ماله بين الغرماء ، قال الشّافعيّة : ولا ينفكّ الحجر أيضاً باتّفاق الغرماء على فكّه ، ولا بإبرائهم للمفلّس ، بل إنّما ينفكّ بفكّ القاضي ، لأنّه لا يثبت إلاّ بإثبات القاضي ، فلا ينفكّ إلاّ بفكّه ، ولأنّه يحتاج إلى نظرٍ واجتهادٍ ، ولاحتمال ظهور غريمٍ آخر . ولا ينتظر البراءة من كلّ الدّيون ، بل متى ثبت إعساره بالباقي يفكّ الحجر عليه كما لا يحجر على المعسر أصالةً . وقال القليوبيّ من الشّافعيّة : المعتمد يبقى محجوراً إلى تمام الأداء . وصرّح الحنابلة بأنّ الحجر ينفكّ عن المفلّس إن لم يبق عليه للغرماء شيءٌ ، دون حاجةٍ إلى فكّه من قبل الحاكم . قالوا : لأنّ المعنى الّذي حجر عليه لأجله قد زال .
أمّا عند المالكيّة ، وهو وجهٌ آخر عند الحنابلة ذكره صاحب المغني : فإنّ حجر المفلّس ينفكّ بمجرّد قسمة الموجود من ماله . قال المالكيّة : ويحلف أنّه لم يكتم شيئاً ، فينفكّ حينئذٍ ولو بلا حكم حاكمٍ . ثمّ قد قال المالكيّة والحنابلة : وإذا انفكّ الحجر عن المفلّس ، ثمّ ثبت أنّ عنده مالاً غير ما قسم ، أو اكتسب بعد فكّ الحجر مالاً ، يعاد الحجر عليه بطلب الغرماء ، وتصرّفه حينئذٍ قبل الحجر صحيحٌ . ولا يعاد الحجر عليه بعد انفكاكه ما لم يثبت أو يتجدّد له مالٌ . ولم نجد تصريحاً بحكم هذه المسألة لدى الحنفيّة ، غير أنّهم قالوا في الحجر على السّفيه ( وهو المبذّر لماله ) : لا يرتفع الحجر عنه إلاّ بحكم القاضي عند أبي يوسف .
ما يلزم المفلّس من الدّيون بعد فكّ الحجر :
57 - إذا انفكّ الحجر عن المفلّس بقسم ماله أو بفكّ القاضي الحجر عنه على التّفصيل المتقدّم ، وبقي عليه شيءٌ من الدّين ، فلزمته ديونٌ أخرى بعد فكّ الحجر عنه ، وتجدّد له مالٌ ، فحجر عليه مرّةً أخرى بطلب الغرماء ، قال الحنابلة : يشارك أصحاب الحجر الأوّل ببقيّة ديونهم أصحاب الحجر الثّاني بجميع ديونهم ، لأنّهم تساووا في ثبوت حقوقهم في ذمّته ، فتساووا في الاستحقاق .
أمّا المالكيّة فقد فصلوا ، فقالوا : يشارك الأوّلون الآخرين فيما تجدّد بسببٍ مستقلٍّ ، كإرثٍ وصلةٍ وأرش جنايةٍ ووصيّةٍ ونحو ذلك ، ولا يشاركونهم في أثمان ما أخذه من الآخرين ، وفيما تجدّد عن ذلك إلاّ أن يفضل عن ديونهم فضلةٌ .
ومذهب الشّافعيّة أنّه لو فكّ الحجر عن المفلّس ، وحدث له مالٌ بعده فلا تعلّق لأحدٍ به ، فيتصرّف فيه كيف شاء ، فلو ظهر له مالٌ - كان قبل الفكّ - تبيّن بقاء الحجر فيه ، سواءٌ حدث له بعد الفكّ مالٌ وغرماء أو لا ، والمال الّذي ظهر أنّه كان قبل فكّ الحجر للغرماء الأوّلين ، ويشاركون من حدث بعدهم فيما حدث بعد الفكّ ، ولا يشارك غريمٌ حادثٌ من قبله في مالٍ حدث قبله أو معه .
أحكام من مات مفلّساً :
58 - من مات مفلّساً تجري بعض أحكام الإفلاس في حقّ ديونه ، ويمتنع جريان بعض أحكام الإفلاس الأخرى . ويرجع للتّفصيل إلى مصطلح ( تركةٌ ) .
أحكامٌ أخرى يستتبعها التّفليس :
59 - إذا فلّس المدين استتبع تفليسه أحكاماً في بعض ما كان صدر منه من التّصرّفات ، كما في توكيله أو ضمانه أو غير ذلك . وينظر حكم كلّ شيءٍ من ذلك في بابه .

أقارب *
انظر : قرابةٌ
إقالةٌ *
التعريف :
1 - الإقالة في اللّغة : الرّفع والإزالة ، ومن ذلك قولهم : أقال اللّه عثرته إذا رفعه من سقوطه . ومنه الإقالة في البيع ، لأنّها رفع العقد .
وهي في اصطلاح الفقهاء : رفع العقد ، وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطّرفين .
الألفاظ ذات الصّلة

أ - البيع :
2 - تختلف الإقالة عن البيع في أمورٍ منها :
أنّهم اختلفوا في الإقالة ، فقال بعضهم : إنّها فسخٌ ، وقال آخرون : هي بيعٌ ، وهناك أقوالٌ أخرى سيأتي تفصيلها .
ومنها أنّ الإقالة يمكن أن يقع فيها الإيجاب بلفظ الاستقبال كقول أحدهما : أقلني ، بخلاف البيع فإنّه لا يقع إلاّ بلفظ الماضي ، لأنّ لفظة الاستقبال للمساومة حقيقةً ، والمساومة في البيع معتادةٌ ، فكانت اللّفظة محمولةً على حقيقتها ، فلم تقع إيجاباً ، بخلاف الإقالة ، لأنّ المساومة فيها ليست معتادةً ، فيحمل اللّفظ فيها على الإيجاب .
ب - الفسخ :
3 - تختلف الإقالة عن الفسخ في أنّ الفسخ هو رفع جميع أحكام العقد وآثاره واعتباره كأن لم يكن بالنّسبة للمستقبل . وأمّا الإقالة فقد اعتبرها بعضهم فسخاً ، واعتبرها آخرون بيعاً . حكم الإقالة التّكليفيّ :
4 - الإقالة دائرةٌ بين النّدب والوجوب بحسب حالة العقد ، فإنّها تكون مندوباً إليها إذا ندم أحد الطّرفين ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه : « من أقال مسلماً بيعته أقال اللّه عثرته » . وقد دلّ الحديث على مشروعيّة الإقالة ، وعلى أنّها مندوبٌ إليها ، لوعد المقيلين بالثّواب يوم القيامة .
وأمّا كون المقال مسلماً فليس بشرطٍ ، وإنّما ذكره لكونه حكماً أغلبيّاً ، وإلاّ فثواب الإقالة ثابتٌ في إقالة غير المسلم ، وقد ورد بلفظ : « من أقال نادماً ... » .
وتكون الإقالة واجبةً إذا كانت بعد عقدٍ مكروهٍ أو بيعٍ فاسدٍ ، لأنّه إذا وقع البيع فاسداً أو مكروهاً وجب على كلٍّ من المتعاقدين الرّجوع إلى ما كان له من رأس المال صوناً لهما عن المحظور ، لأنّ رفع المعصية واجبٌ بقدر الإمكان ، ويكون ذلك بالإقالة أو بالفسخ .
كما ينبغي أن تكون الإقالة واجبةً إذا كان البائع غارّاً للمشتري وكان الغبن يسيراً ، وإنّما قيّد الغبن باليسير هنا ، لأنّ الغبن الفاحش يوجب الرّدّ إن غرّه البائع على الصّحيح .
ركن الإقالة :
5 - ركن الإقالة الإيجاب والقبول الدّالاّن عليها . فإذا وجد الإيجاب من أحدهما والقبول من الآخر بلفظٍ يدلّ عليه فقد تمّ الرّكن ، وهي تتوقّف على القبول في المجلس ، نصّاً بالقول أو دلالةً بالفعل . ويأتي القبول من الآخر بعد الإيجاب ، أو تقدّم السّؤال ، أو قبض الآخر ما هو له في مجلس الإقالة أو مجلس علمها ، لأنّ مجلس العلم في حقّ الغائب كمجلس اللّفظ في الحاضر ، فلا يصحّ من الحاضر في غير مجلسها .
الألفاظ الّتي تنعقد بها الإقالة :
6 - لا خلاف في أنّ الإقالة تنعقد صحيحةً بلفظ الإقالة أو ما يدلّ عليها ، كما لا خلاف في أنّها تنعقد بلفظين يعبّر بهما عن الماضي .
ولكنّ الخلاف في صيغة اللّفظ الّذي تنعقد به إذا كان أحدهما ماضياً والآخر مستقبلاً . فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّها تصحّ بلفظين أحدهما مستقبلٌ والآخر ماضٍ ، كما لو قال : أقلني : فقال ، أقلتك ، أو قال له : جئتك لتقيلني ، فقال : أقلتك ، فهي تنعقد عندهما بهذين اللّفظين كما ينعقد النّكاح . ومع أنّ الإقالة بيعٌ عند أبي يوسف ، فإنّه لم يعط الإقالة حكمه ، لأنّ المساومة لا تجري في الإقالة ، فحمل اللّفظ على التّحقيق بخلاف البيع .
وأمّا محمّدٌ فهو يقول : إنّها لا تنعقد إلاّ بلفظين يعبّر بهما عن الماضي ، لأنّها كالبيع فأعطيت بسبب الشّبه حكم البيع ، وذلك بأن يقول أحدهما : أقلت ، والآخر : قبلت ، أو رضيت ، أو هويت ، أو نحو ذلك .
وتنعقد بفاسختك وتاركت ، كما تصحّ بلفظ " المصالحة " وتصحّ بلفظ " البيع " وما يدلّ على المعاطاة ، لأنّ المقصود المعنى ، وكلّ ما يتوصّل إليه أجزأ . خلافاً للقاضي من الحنابلة في أنّ ما يصلح للعقد لا يصلح للحلّ ، وما يصلح للحلّ لا يصلح للعقد . وتنعقد الإقالة بالتّعاطي كالبيع ، كما لو قال له : أقلتك فردّ إليه الثّمن ، وتصحّ بالكتابة والإشارة من الأخرس .
شروط الإقالة :
7 - يشترط لصحّة الإقالة ما يلي :
أ - رضى المتقايلين : لأنّها رفع عقدٍ لازمٍ ، فلا بدّ من رضى الطّرفين .
ب - اتّحاد المجلس : لأنّ معنى البيع موجودٌ فيها ، فيشترط لها المجلس ، كما يشترط للبيع .
ج - أن يكون التّصرّف قابلاً للنّسخ كالبيع والإجارة ، فإن كان التّصرّف لا يقبل الفسخ كالنّكاح والطّلاق فلا تصحّ الإقالة .
د - بقاء المحلّ وقت الإقالة ، فإن كان هالكاً وقت الإقالة لم تصحّ ، فأمّا قيام الثّمن وقت الإقالة فليس بشرطٍ .
هـ - تقابض بدلي الصّرف في إقالة الصّرف ، وهذا على قول من يقول : إنّها بيعٌ ، لأنّ قبض البدلين إنّما وجب حقّاً للّه تعالى ، وهذا الحقّ لا يسقط بإسقاط العبد .
و - ألاّ يكون البيع بأكثر من ثمن المثل في بيع الوصيّ ، فإن كان لم تصحّ إقالته .
حقيقتها الشّرعيّة :
8 - للفقهاء في تكييف الإقالة اتّجاهاتٌ :
الأوّل : أنّها فسخٌ ينحلّ به العقد في حقّ العاقدين وغيرهما ، وهو قول الشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن . وجه هذا القول أنّ الإقالة في اللّغة عبارةٌ عن الرّفع ، يقال في الدّعاء : « اللّهمّ أقلني عثراتي »، أي ارفعها ، والأصل أنّ معنى التّصرّف شرعاً ما ينبئ عنه اللّفظ لغةً ، ورفع العقد فسخه ، ولأنّ البيع والإقالة اختلفا اسماً ، فتخالفا حكماً ، فإذا كانت رفعاً لا تكون بيعاً ، لأنّ البيع إثباتٌ والرّفع نفيٌ ، وبينهما تنافٍ ، فكانت الإقالة على هذا التّقدير فسخاً محضاً ، فتظهر في حقّ كافّة النّاس .
الثّاني : أنّها بيعٌ في حقّ العاقدين وغيرهما ، إلاّ إذا تعذّر جعلها بيعاً فإنّها تكون فسخاً ، وهذا قول أبي يوسف والإمام مالكٍ . ومن أمثلة ذلك أن تقع الإقالة في الطّعام قبل قبضه . وجه هذا القول أنّ معنى البيع هو مبادلة المال بالمال ، وهو أخذ بدلٍ وإعطاء بدلٍ ، وقد وجد ، فكانت الإقالة بيعاً لوجود معنى البيع فيها ، والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني .
الثّالث : أنّها فسخٌ في حقّ العاقدين بيعٌ في حقّ غيرهما ، وهو قول أبي حنيفة .
وجه هذا القول أنّ الإقالة تنبئ عن الفسخ والإزالة ، فلا تحتمل معنًى آخر نفياً للاشتراك ، والأصل العمل بحقيقة اللّفظ ، وإنّما جعل بيعاً في حقّ غير العاقدين ، لأنّ فيها نقل ملكٍ بإيجابٍ وقبولٍ بعوضٍ ماليٍّ ، فجعلت بيعاً في حقّ غير العاقدين محافظةً على حقّه من الإسقاط ، إذ لا يملك العاقدان إسقاط حقّ غيرهما .
آثار اختلاف الفقهاء في حقيقة الإقالة :
يترتّب على اختلاف الفقهاء في حقيقة الإقالة آثارٌ في التّطبيق في أحوالٍ كثيرةٍ منها ما يلي : أوّلاً - الإقالة بأقلّ أو أكثر من الثّمن :
9 - إذا تقايل المتبايعان ولم يسمّيا الثّمن الأوّل ، أو سمّيا زيادةً على الثّمن الأوّل ، أو سمّيا جنساً آخر سوى الجنس الأوّل ، قلّ أو كثر ، أو أجّلا الثّمن الأوّل ، فالإقالة على الثّمن الأوّل ، وتسمية الزّيادة والأجل والجنس الآخر باطلةٌ على القول بأنّ الإقالة فسخٌ ، سواءٌ أكانت الإقالة قبل القبض أو بعده ، وسواءٌ أكان المبيع منقولاً أم غير منقولٍ ، لأنّ الفسخ رفع العقد الأوّل ، والعقد وقع بالثّمن الأوّل ، فيكون فسخه بالثّمن الأوّل ، وحكم الفسخ لا يختلف بين ما قبل القبض وما بعده ، وبين المنقول وغير المنقول ، وتبطل تسمية الزّيادة والنّقصان والجنس الآخر والأجل ، وتبقى الإقالة صحيحةً ، لأنّ تسمية هذه الأشياء لا تؤثّر في الإقالة ، ولأنّ الإقالة رفع ما كان لا رفع ما لم يكن ، حيث إنّ رفع ما لم يكن ثابتاً محالٌ .
وتكون الإقالة أيضاً بمثل الثّمن الأوّل المسمّى ، لا بما يدفع بدلاً عنه ، حتّى لو كان عشرة دنانير فدفع إليه دراهم عوضاً عنها ، ثمّ تقايلا - وقد رخّصت الدّنانير - رجع بالدّنانير لا بما دفع ، لأنّه لمّا اعتبرت الإقالة فسخاً ، والفسخ يردّ على عين ما يردّ عليه العقد ، كان اشتراط خلاف الثّمن الأوّل باطلاً .
ثانياً - الشّفعة فيما يردّ بالإقالة :
10 - يقتضي القياس ألاّ يكون للشّفيع حقّ الشّفعة فيما ردّ بالإقالة إذا اعتبرت هذه الإقالة فسخاً مطلقاً ، وهذا قياسٌ على أصل محمّدٍ وزفر من الحنفيّة ، لأنّ الإقالة عند محمّدٍ فسخٌ ، إلاّ إذا لم يمكن جعلها فسخاً فتجعل بيعاً . وعن زفر : هي فسخٌ في حقّ النّاس كافّةً .
أمّا سائر الحنفيّة ، وكذلك بقيّة المذاهب الأخرى ، فإنّها تعطي الشّفيع حقّ الشّفعة فيما ردّ بالإقالة . فعلى اعتبار أنّها فسخٌ في حقّ العاقدين بيعٌ في حقٍّ ثالثٍ ، كما هو عند أبي حنيفة ، أو على اعتبار أنّها بيعٌ في حقّهما ، كما هو عند أبي يوسف ، فإنّ الشّفيع يأخذ بالشّفعة بعد تقايل البيع بين البائع والمشتري ، فمن اشترى داراً ولها شفيعٌ ، فسلّم الشّفعة ، ثمّ تقايلا البيع ، أو اشتراها ولم يكن بجنبها دارٌ ، ثمّ بنيت بجنبها دارٌ ، ثمّ تقايلا البيع ، فإنّ الشّفيع يأخذها بالشّفعة . وعلى أصل أبي حنيفة تكون الإقالة بيعاً في حقّ غير العاقدين ، والشّفيع غيرهما ، فتكون بيعاً في حقّه فيستحقّ . وعلى أصل أبي يوسف تعدّ الإقالة بيعاً جديداً في حقّ الكلّ ، ولا مانع من جعلها بيعاً في حقّ الشّفيع ، ولهذا الشّفيع الأخذ بالشّفعة ، إن شاء بالبيع الأوّل ، وإن شاء بالبيع الحاصل بالإقالة ، أو بمعنًى آخر من أيّهما شاء : من المشتري لأجل الشّراء ، أو من البائع لشرائه من المشتري بالإقالة ، حيث تكون الإقالة بيعاً من المشتري للبائع ، وحيث تكون فسخ بيعٍ فتؤخذ من المشتري فقط ، ولا يتمّ فسخه إلاّ إن رضي الشّفيع لأنّ الشّراء له .
إقالة الوكيل :
11 - من ملك البيع ملك الإقالة ، فصحّت إقالة الموكّل بيع وكيله ، وتصحّ إقالة الوكيل بالبيع إذا تمّت قبل قبض الثّمن . فإن أقال بعد قبضه يضمن الثّمن للموكّل ، إذ تعتبر الإقالة من الوكيل حينئذٍ شراءً لنفسه . وبإقالة الوكيل بالبيع يسقط الثّمن عن المشتري عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، ويلزم المبيع الوكيل . وعند أبي يوسف لا يسقط الثّمن عن المشتري أصلاً . وتجوز الإقالة من الوكيل بالسّلم في قول أبي حنيفة ومحمّدٍ كالإبراء ، خلافاً لأبي يوسف . والمراد بإقالة الوكيل بالسّلم : الوكيل بشراء السّلم ، بخلاف الوكيل بشراء العين .
وإقالة الوكيل بالشّراء لا تجوز بإجماع الحنفيّة بخلاف الوكيل بالبيع ، وعند مالكٍ لا تجوز إقالة الوكيل بالبيع مطلقاً .
واتّفق الشّافعيّة والحنابلة على صحّة التّوكيل في حقّ كلّ آدميٍّ من العقود والفسوخ . وعلى هذا فيصحّ التّوكيل بالإقالة عندهم ابتداءً ، سواءٌ أقلنا : إنّ الإقالة فسخٌ على المذهب عندهم جميعاً أم بيعٌ . هذا ، ولم يذكر الشّافعيّة والحنابلة من له حقّ الإقالة من غير المتعاقدين سوى الورثة على الصّحيح من المذهبين .
أمّا حكم الإقالة الصّادرة من الوكيل بالبيع والوكيل بالشّراء فلم يتطرّقوا له . والمتولّي على الوقف إذا اشترى شيئاً بأقلّ من قيمته فإنّ إقالته لا تصحّ .
محلّ الإقالة :
12 - محلّ الإقالة العقود اللاّزمة في حقّ الطّرفين ممّا يقبل الفسخ بالخيار ، لأنّ هذه العقود لا يمكن فسخها إلاّ باتّفاق الطّرفين المتعاقدين ، وعلى ذلك فإنّ الإقالة تصحّ في العقود الآتية : البيع - المضاربة - الشّركة - الإجارة - الرّهن ( بالنّسبة للرّاهن فهي موقوفةٌ على إجازة المرتهن أو قضاء الرّاهن دينه ) - السّلم - الصّلح .
وأمّا العقود الّتي لا تصحّ فيها الإقالة فهي العقود غير اللاّزمة ، كالإعارة والوصيّة والجعالة ، أو العقود اللاّزمة الّتي لا تقبل الفسخ بالخيار ، مثل الوقف والنّكاح حيث لا يجوز فسخ أحدهما بالخيار .
أثر الشّروط الفاسدة في الإقالة :
13 - إذا اعتبرنا الإقالة فسخاً ، فإنّها لا تبطل بالشّروط الفاسدة ، بل تكون هذه الشّروط لغواً ، وتصحّ الإقالة . ففي الإقالة في البيع ، إذا شرط أكثر ممّا دفع ، فالإقالة على الثّمن الأوّل ، لمتعذّر الفسخ على الزّيادة ، وتبطل الشّرط ، لأنّه يشبه الرّبا ، وفيه نفعٌ لأحد المتعاقدين مستحقٌّ بعقد المعاوضة خالٍ عن العوض .
وكذا إذا شرط أقلّ من الثّمن الأوّل ، لتعذّر الفسخ على الأقلّ ، لأنّ فسخ العقد عبارةٌ عن رفعه على الوصف الّذي كان قبله ، والفسخ على الأقلّ ليس كذلك ، لأنّ فيه رفع ما لم يكن ثابتاً وهو محالٌ . والنّقصان لم يكن ثابتاً فرفعه يكون محالاً ، إلاّ أن يحدث في المبيع عيبٌ فتجوز الإقالة بالأقلّ ، لأنّ الحطّ يجعل بإزاء ما فات من العيب .
وهذا على قياس قول أبي حنيفة ومحمّدٍ وغيرهما ممّن يرون الإقالة فسخاً ، وأمّا على قياس قول من قال : إنّ الإقالة بيعٌ ، فإنّها تبطل بالشّروط الفاسدة ، لأنّ البيع يبطل بالشّروط الفاسدة ، فإذا زاد كان قاصداً بهذا ابتداء البيع ، وإذا شرط الأقلّ فكذلك .
الإقالة في الصّرف :
14 - الإقالة في الصّرف كالإقالة في البيع ، أي يشترط فيها التّقابض من الجانبين قبل الافتراق كما في ابتداء عقد الصّرف .
فلو تقايلا الصّرف ، وتقابضا قبل الافتراق ، مضت الإقالة على الصّحّة . وإن افترقا قبل التّقابض بطلت الإقالة ، سواءٌ اعتبرت بيعاً أم فسخاً .
فعلى اعتبارها بيعاً كانت المصارفة مبتدأةً ، فلا بدّ من التّقابض يداً بيدٍ ، ما دامت الإقالة بيعاً مستقلاًّ يحلّها ما يحلّ البيوع ، ويحرّمها ما يحرّم البيوع ، فلا تصلح الإقالة إذ حصل الافتراق قبل القبض .وعلى اعتبارها فسخاً في حقّ المتعاقدين ، فهي بيعٌ جديدٌ في حقٍّ ثالثٍ ، واستحقاق القبض حقٌّ للشّرع ، وهو هنا ثالثٌ ، فيعتبر بيعاً جديداً في حقّ هذا الحكم فيشترط فيه التّقابض . وهلاك البدلين في الصّرف لا يعدّ مانعاً من الإقالة ، لأنّه في الصّرف لا يلزمه ردّ المقبوض بعد الإقالة ، بل ردّه أو ردّ مثله ، فلم تتعلّق الإقالة بعينهما ، فلا تبطل بهلاكهما .
إقالة الإقالة :
15 - إقالة الإقالة إلغاءٌ لها والعودة إلى أصل العقد ، وهي تصحّ في أحوالٍ معيّنةٍ ، فلو تقايلا البيع ، ثمّ تقايلا الإقالة ، ارتفعت الإقالة وعاد البيع . وقد استثنى العلماء من إقالة الإقالة إقالة المسلم قبل قبض المسلم فيه ، فإنّها لا تصحّ ، لأنّ المسلم فيه دينٌ وقد سقط بالإقالة الأولى ، فلو انفسخت لعاد المسلم فيه الّذي سقط ، والسّاقط لا يعود .
ما يبطل الإقالة :
16 - من الأحوال الّتي تبطل فيها الإقالة بعد وجودها ما يأتي :
أ - هلاك المبيع : فلو هلك المبيع بعد الإقالة وقبل التّسليم بطلت ، لأنّ من شرطها بقاء المبيع ، لأنّها رفع العقد وهو محلّه ، بخلاف هلاك الثّمن فإنّه لا يمنع الإقالة لكونه ليس بمحلّ العقد ، ولذا بطل البيع بهلاك البيع قبل القبض دون الثّمن .
وهذا إذا لم يكن الثّمن قيميّاً ، فإن كان قيميّاً فهلك بطلت الإقالة .
ولكن لا يردّ على اشترط قيام المبيع لصحّة الإقالة إقالة السّلم قبل قبض المسلم فيه ، لأنّها صحيحةٌ سواءٌ أكان رأس المال عيناً أم ديناً ، وسواءٌ أكان قائماً في يد المسلم إليه أم هالكاً . لأنّ المسلم فيه وإن كان ديناً حقيقةً فله حكم العين حتّى لا يجوز الاستبدال به قبل قبضه .
ب - تغيّر المبيع : كأن زاد المبيع زيادةً منفصلةً متولّدةً ، كما لو ولدت الدّابّة بعد الإقالة ، فإنّها تبطل بذلك ، وكذلك الزّيادة المتّصلة غير المتولّدة كصبغ الثّوب . وعند المالكيّة تبطل الإقالة بتغيّر ذات المبيع مهما كان . كتغيّر الدّابّة بالسّمن والهزال ، بخلاف الحنابلة .
اختلاف المتقايلين :
17 - قد يقع الاختلاف بين المتقايلين على صحّة البيع ، أو على كيفيّته ، أو على الثّمن ، أو على الإقالة من أساسها . فإنّهما إذا اتّفقا على صحّة البيع ، ثمّ اختلفا في كيفيّته تحالفا ، فيحلف كلٌّ على نفي قول صاحبه وإثبات قوله .
ويستثنى من التّحالف ما لو تقايلا العقد ثمّ اختلفا في قدر الثّمن فلا تحالف ، بل القول قول البائع لأنّه غارمٌ . ولو اختلف البائع والمشتري ، فقال المشتري : بعته من البائع بأقلّ من الثّمن الأوّل قبل نقده وفسد البيع بذلك ، وقال البائع : بل تقايلناه ، فالقول للمشتري مع يمينه في إنكاره الإقالة .
فإن كان البائع هو الّذي يدّعي أنّه اشتراه من المشتري بأقلّ ممّا باعه ، والمشتري يدّعي الإقالة يحلف كلٌّ على دعوى صاحبه .
نهاية الجزء الخامس/ الموسوعة الفقهية

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:23 PM

الموسوعة الفقهية / الجزء السادس

إقامة *
التّعريف :
1 - الإقامة في اللّغة مصدر : أقام ، وأقام بالمكان : ثبت به ، وأقام الشّيء : ثبّته أو عدله ، وأقام الرّجل الشّرع : أظهره ، وأقام الصّلاة : أدام فعلها ، وأقام للصّلاة إقامةً : نادى لها . وتطلق الإقامة في الشّرع بمعنيين :
الأوّل : الثّبوت في المكان ، فيكون ضدّ السّفر .
الثّاني : إعلام الحاضرين المتأهّبين للصّلاة بالقيام إليها ، بألفاظٍ مخصوصةٍ وصفةٍ مخصوصةٍ .
أوّلاً : أحكام الإقامة الّتي بمعنى الثّبوت في المكان
أ - إقامة المسافر :
2 - يصبح المسافر مقيماً إذا دخل وطنه ، أو نوى الإقامة في مكان ما بالشّروط الّتي ذكرها الفقهاء ، وينقطع بذلك عنه حكم السّفر ، وتنطبق عليه أحكام المقيم ، كامتناع القصر في الصّلاة ، وعدم جواز الفطر في رمضان . وإقامة الآفاقيّ داخل المواقيت المكانيّة ، أو في الحرم تعطيه حكم المقيم داخل المواقيت أو داخل الحرم من حيث الإحرام ، وطواف الوداع ، والقدوم ، والقران ، والتّمتّع . وينظر تفصيلات ذلك في ( قران - تمتّع - حجّ - إحرام ) .
ب-إقامة المسلم في دار الحرب :
3 - إقامة المسلم في دار الحرب لا تقدح في إسلامه ، إلاّ أنّه إذا كان يخشى على دينه ، بحيث لا يمكنه إظهاره ، تجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام ، لقول اللّه تعالى : « إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، قالوا : فيم كنتم ؟ قالوا : كنّا مستضعفين في الأرض . قالوا : ألم تكن أرض اللّه واسعةً فتهاجروا فيها » ، وهذا إذا كان يمكنه الهجرة ولم يكن به عجز ، لمرضٍ أو إكراهٍ على الإقامة .
أمّا إذا كان لا يخشى الفتنة ويتمكّن من إظهار دينه مع إقامته في دار الحرب ، فإنّه يستحبّ له الهجرة إلى دار الإسلام ، لتكثير المسلمين ومعونتهم ، ولا تجب عليه الهجرة .
وقد كان العبّاس عمّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مقيماً بمكّة مع إسلامه .
وللفقهاء تفصيلات كثيرة في ذلك : ( ر : جهاد - دار الحرب - دار الإسلام - هجرة ) .
ثانياً : الإقامة للصّلاة
الألفاظ ذات الصّلة بإقامة الصّلاة :
4 - هناك ألفاظ لها صلة بالإقامة للصّلاة منها :
أ - الأذان : يعرّف الأذان بأنّه : إعلام بدخول وقت الصّلاة بألفاظٍ معلومةٍ مأثورةٍ على صفةٍ مخصوصةٍ يحصل بها الإعلام .
فالأذان والإقامة يشتركان في أنّ كلّاً منهما إعلام ، ويفترقان من حيث إنّ الإعلام في الإقامة هو للحاضرين المتأهّبين لافتتاح الصّلاة ، والأذان للغائبين ليتأهّبوا للصّلاة ، كما أنّ صيغة الأذان قد تنقص أو تزيد عن الإقامة على خلافٍ بين المذاهب .
ب - التّثويب : التّثويب عود إلى الإعلام بعد الإعلام . وهو عند الفقهاء ، زيادة " الصّلاة خير من النّوم " .
حكم الإقامة التّكليفيّ :
5 - في حكم الإقامة التّكليفيّ رأيان :
الأوّل : أنّ الإقامة فرض كفايةٍ إذا قام به البعض سقط عن الآخرين ، وإذا ترك أثموا جميعاً . قال بهذا الحنابلة ، وهو رأي لبعض الشّافعيّة في الصّلوات الخمس ، ولبعضٍ آخر للجمعة فقط . وهو رأي عطاءٍ والأوزاعيّ ، حتّى روي عنهما أنّه إن نسي الإقامة أعاد الصّلاة ، وقال مجاهد : إن نسي الإقامة في السّفر أعاد ، ولعلّه لما في السّفر من الحاجة إلى إظهار الشّعائر . واستدلّ للقول بأنّها فرض كفايةٍ بكونها من شعائر الإسلام الظّاهرة ، وفي تركها تهاون ، فكانت فرض كفايةٍ مثل الجهاد .
الثّاني : أنّ الإقامة سنّة مؤكّدة ، وهو مذهب المالكيّة ، والرّاجح عند الشّافعيّة ، وهو الأصحّ عند الحنفيّة ، وقال محمّد بالوجوب ، ولكن المراد بالسّنّة هنا السّنن الّتي هي من شعائر الإسلام الظّاهرة ، فلا يسع المسلمين تركها ، ومن تركها فقد أساء ، لأنّ ترك السّنّة المتواترة يوجب الإساءة وإن لم يكن من شعائر الإسلام ، فهذا أولى ، وفسّر أبو حنيفة السّنّيّة بالوجوب ، حيث قال في التّاركين : أخطئوا السّنّة وخالفوا وأثموا ، والإثم إنّما يلزم بترك الواجب . واحتجّوا للسّنّيّة « بقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابيّ المسيء صلاته : افعل كذا وكذا» . ولم يذكر الأذان ولا الإقامة مع أنّه صلى الله عليه وسلم ذكر الوضوء واستقبال القبلة وأركان الصّلاة ولو كانت الإقامة واجبةً لذكرها .
تاريخ تشريع الإقامة وحكمتها :
6 - تاريخ تشريع الإقامة هو تاريخ تشريع الأذان ( ر : أذان ) .
أمّا حكمتها : فهي إعلاء اسم اللّه تعالى واسم رسوله صلى الله عليه وسلم وإقرار للفلاح والفوز عند كلّ صلاةٍ في اليوم أكثر من مرّةٍ ، لتركيز ذلك في نفس المسلم ، وإظهار لشعيرةٍ من أفضل الشّعائر .
كيفيّة الإقامة :
7 - اتّفقت المذاهب على أنّ ألفاظ الإقامة هي نفس ألفاظ الأذان في الجملة بزيادة : " قد قامت الصّلاة - بعد - حيّ على الفلاح " . وكذلك اتّفقوا على أنّ التّرتيب بين ألفاظها هو نفس ترتيب ألفاظ الأذان ، إلاّ أنّهم اختلفوا في تكرار وإفراد ألفاظها على الوجه الآتي :
اللّه أكبر . تقال في بدء الإقامة " مرّتين " عند المذاهب الثّلاثة ، وأربع مرّاتٍ عند الحنفيّة . أشهد أن لا إله إلاّ اللّه . تقال " مرّةً واحدةً " عند المذاهب الثّلاثة " ومرّتين " عند الحنفيّة . أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه . تقال " مرّةً واحدةً " عند المذاهب الثّلاثة " ومرّتين " عند الحنفيّة . حيّ على الصّلاة . تقال : « مرّةً واحدةً " عند المذاهب الثّلاثة " ومرّتين " عند الحنفيّة . حيّ على الفلاح . تقال : « مرّةً واحدةً " عند المذاهب الثّلاثة " ومرّتين " عند الحنفيّة . قد قامت الصّلاة . تقال " مرّتين " عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة " ومرّةً واحدةً " عند المالكيّة على المشهور .
اللّه أكبر . تقال " مرّتين " على المذاهب الأربعة .
لا إله إلاّ اللّه . تقال " مرّةً واحدةً " على المذاهب الأربعة . ويستخلص من ذلك أنّ المذاهب الثّلاثة تختلف عن الحنفيّة بإفراد أكثر ألفاظ الإقامة كما تقدّم . واحتجّوا بما روي عن أنسٍ قال : « أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة » . وبما روي عن ابن عمر قال : « إنّما كان الأذان على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مرّتين مرّتين ، والإقامة مرّةً مرّةً » . أمّا الحنفيّة فيجعلون الإقامة مثل الأذان بزيادة " قد قامت الصّلاة " مرّتين بعد " حيّ على الفلاح " . واحتجّوا بحديث عبد اللّه بن زيدٍ الأنصاريّ ،« أنّه جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول اللّه : رأيت في المنام كأنّ رجلاً قام وعليه بردان أخضران ، فقام على حائطٍ فأذّن مثنى مثنى ، وأقام مثنى مثنى » ولما روي كذلك عن عبد اللّه بن زيدٍ « فاستقبل القبلة يعني الملك ، وقال : اللّه أكبر . اللّه أكبر .. إلى آخر الأذان . قال ثمّ أمهل هنيهةً ، ثمّ قام فقال مثلها ، ألا أنّه قال : زاد بعد ما قال : حيّ على الفلاح : قد قامت الصّلاة ، قد قامت الصّلاة » . وأمّا المالكيّة فيختلفون عن غيرهم في تثنية قد قامت الصّلاة ، فالمشهور عندهم أنّها تقال مرّةً واحدةً . لما روى أنس قال : « أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة » .
حدر الإقامة :
8 - الحدر هو الإسراع وقطع التّطويل .
وقد اتّفق الفقهاء على الحدر في الإقامة والتّرسّل في الأذان ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا أذّنت فترسّل ، وإذا أقمت فاحدر » ، ولما روى أبو عبيدٍ بإسناده ، عن عمر رضي الله عنه أنّه قال لمؤذّن بيت المقدس : " إذا أذّنت فترسّل ، وإذا أقمت فاحذم "
قال الأصمعيّ : وأصل الحذم - بالحاء المهملة - في المشي إنّما هو الإسراع .
وقت الإقامة :
9 - شرعت الإقامة أهبةً للصّلاة بين يديها ، تفخيماً لها كغسل الإحرام ، وغسل الجمعة ، ثمّ لإعلام النّفس بالتّأهّب والقيام للصّلاة ، وإعلام الافتتاح . ولا يصحّ تقديمها على وقت الصّلاة ، بل يدخل وقتها بدخول وقت الصّلاة ، ويشترط لها شرطان ، الأوّل : دخول الوقت ، والثّاني : إرادة الدّخول في الصّلاة . فإن أقام قبيل الوقت بجزءٍ يسيرٍ بحيث دخل الوقت عقب الإقامة ، ثمّ شرع في الصّلاة عقب ذلك لم تحصل الإقامة ، وإن أقام في الوقت وأخّر الدّخول في الصّلاة بطلت إقامته إن طال الفصل ، لأنّها تراد للدّخول في الصّلاة فلا يجوز إطالة الفصل .
ما يشترط لإجزاء الإقامة :
10 - يشترط في الإقامة ما يأتي :
دخول الوقت ، ونيّة الإقامة ، والأداء باللّغة العربيّة ، والخلوّ من اللّحن المغيّر للمعنى ، ورفع الصّوت . ولكن رفع الصّوت بالإقامة يكون أخفّ من رفعه بالأذان ، لاختلاف المقصود في كلٍّ منهما . فالمقصود من الأذان : إعلام الغائبين بالصّلاة ، أمّا الإقامة فالمقصود منها طلب قيام الحاضرين فعلاً للصّلاة ، وقد تقدّم ذلك في وقت الإقامة .
وكذلك يشترط التّرتيب بين الكلمات والموالاة بين ألفاظ الإقامة .
وفي هذه الشّروط خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح " أذان " .
شرائط المقيم :
11 - تشترك الإقامة مع الأذان في هذه الشّرائط ونذكرها إجمالاً ، ومن أراد زيادة تفصيلٍ فليرجع إلى مصطلح ( أذان ) ، وأوّل هذه الشّروط .
أ - الإسلام : اتّفق الفقهاء على اشتراط الإسلام في المقيم ، فلا تصحّ الإقامة من الكافر ولا المرتدّ لأنّها عبادة ، وهما ليسا من أهلها .
ب - الذّكورة : اتّفق الفقهاء على عدم جواز أذان المرأة وإقامتها لجماعة الرّجال ، لأنّ الأذان في الأصل للإعلام ، ولا يشرع لها ذلك ، والأذان يشرع له رفع الصّوت ، ولا يشرع لها رفع الصّوت ، ومن لا يشرع في حقّه الأذان لا يشرع في حقّه الإقامة .
وأمّا إذا كانت منفردةً أو في جماعة النّساء ففيه اتّجاهات .
الأوّل : الاستحباب . وهو قول المالكيّة والشّافعيّة ، وهي رواية عند الحنابلة .
الثّاني : الإباحة . وهي رواية عن أحمد .
الثّالث : الكراهة . وهو قول الحنفيّة .
ج - العقل : نصّ فقهاء المذاهب على بطلان أذان وإقامة المجنون والمعتوه والسّكران ، وقالوا : يجب إعادة أذانهم ، ولم يخالف في هذا إلاّ بعض الحنفيّة في السّكران ، حيث قالوا بكراهة أذانه وإقامته واستحباب إعادتهما .
د - البلوغ : للعلماء في إقامة الصّبيّ ثلاثة آراء :
الأوّل : لا تصحّ إقامة الصّبيّ سواء أكان مميّزاً أم غير مميّزٍ ، وهو رأي عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
الثّاني : تصحّ إقامته إن كان مميّزاً عاقلاً ، وهو رأي آخر في تلك المذاهب .
الثّالث : الكراهة إذا كان مميّزاً ، وهو رأي للحنفيّة .
هـ- العدالة : في إقامة الفاسق ثلاثة أقوالٍ :
الأوّل : لا يعتدّ بها ، وهو رأي للحنفيّة ، ورأي للحنابلة .
الثّاني : الكراهة : وهو رأي للحنفيّة ، والشّافعيّة ، والمالكيّة .
الثّالث : يصحّ ويستحبّ إعادته . وهو رأي للحنفيّة والحنابلة .
وينظر تفصيل وتوجيه ذلك في ( الأذان ) .
و-الطّهارة : اتّفق الفقهاء على كراهة الإقامة مع الحدث الأصغر ، لأنّ السّنّة وصل الإقامة بالشّروع بالصّلاة ، واتّفقوا على سنّيّة الإعادة ما عدا الحنفيّة . وفي رأيٍ للحنفيّة أنّ إقامة المحدث حدثاً أصغر جائزة بغير كراهةٍ .
أمّا من الحدث الأكبر ففيه رأيان :
الأوّل : ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو إحدى الرّوايتين عند الحنابلة ، إلى كراهة إقامة المحدث حدثاً أكبر .
الثّاني : الرّواية الأخرى عند الحنابلة : بطلان الأذان مع الحدث الأكبر ، وهو قول عطاءٍ ومجاهد والأوزاعيّ وإسحاق .
ما يستحبّ في الإقامة :
12 - اتّفقت المذاهب على استحباب الحدر في الإقامة والتّرسّل في الأذان كما مرّ ( ف ) . وفي الوقف على آخر كلّ جملةٍ في الإقامة رأيان :
الأوّل : قال المالكيّة ، وهو رأي للحنفيّة ، الإقامة معربة إن وصل كلمةً بكلمةٍ . فإن وقف المقيم وقف عليها بالسّكون .
الثّاني : قال الحنابلة ، وهو رأي آخر للحنفيّة ، ورأي للمالكيّة : الإقامة على الجزم مثل الأذان ، لما روي عن النّخعيّ موقوفاً عليه ومرفوعاً إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « الأذان جزم ، والإقامة جزم ، والتّكبير جزم » . وفي التّكبيرتين الأوليين أقوال ، فالتّكبيرة الأولى فيها قولان :
الأوّل ، للحنفيّة والمالكيّة : فيها الوقف بالسّكون ، والفتح ، والضّمّ .
الثّاني ، رأي للمالكيّة : فيها السّكون ، أو الضّمّ . أمّا التّكبيرة الثّانية ففيها أيضاً قولان : الأوّل ، رأي للمالكيّة ، ورأي للحنفيّة : الجزم لا غير ، لما روي أنّ « الإقامة جزم » .
الثّاني : الإعراب وهو : الضّمّ ، وهو رأي آخر للمالكيّة ، ورأي للحنفيّة ، والجميع جائز ، ولكن الخلاف في الأفضل والمستحبّ .
13 - ومن مستحبّات الأذان والإقامة عند المذاهب : استقبال القبلة ، غير أنّهم استثنوا من ذلك الالتفات عند الحيعلتين " حيّ على الصّلاة ، حيّ على الفلاح " . وفي الالتفات عند الحيعلتين في الإقامة ثلاثة آراء .
الأوّل : يستحبّ الالتفات عند الحيعلتين .
الثّاني : يستحبّ إذا كان المكان متّسعاً ، ولا يستحبّ إذا كان المكان ضيّقاً ، أو الجماعة قليلةً . وهذان الرّأيان للحنفيّة والشّافعيّة .
الثّالث : لا يستحبّ أصلاً لأنّ الاستحباب في الأذان كان لإعلام الغائبين ، والإقامة لإعلام الحاضرين المنتظرين للصّلاة ، فلا يستحبّ تحويل الوجه ، وهذا الرّأي للحنابلة ، وهو رأي للحنفيّة ، ورأي للشّافعيّة . ويؤخذ من كلام المالكيّة جواز الالتفات في الحيعلتين . وفي رأيٍ آخر أنّ المستحبّ هو استقبال القبلة في الابتداء .
14 - ويستحبّ فيمن يقيم الصّلاة : أن يكون تقيّاً ، عالماً بالسّنّة ، وعالماً بأوقات الصّلاة ، وحسن الصّوت ، مرتفعه من غير تطريبٍ ولا غناءٍ ، وتفصيل ذلك في الأذان .
15 - واتّفق الفقهاء على أنّه يستحبّ لمقيم الصّلاة أن يقيم واقفاً . وتكره الإقامة قاعداً من غير عذرٍ . فإن كان بعذرٍ فلا بأس . قال الحسن العبديّ : « رأيت أبا زيدٍ صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكانت رجله أصيبت في سبيل اللّه ، يؤذّن قاعداً »
ولما روي أنّ « الصّحابة كانوا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في مسيرٍ فانتهوا إلى مضيقٍ ، وحضرت الصّلاة ، فمطرت السّماء من فوقهم ، والبلّة من أسفل فيهم ، فأذّن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته وأقام ، فتقدّم على راحلته ، فصلّى بهم يومئ إيماءً ، يجعل السّجود أخفض من الرّكوع » . كما تكره إقامة الماشي والرّاكب في السّفر وغيره من غير عذرٍ . لما روي أنّ بلالاً رضي الله عنه « أذّن وهو راكب ، ثمّ نزل وأقام على الأرض ». ولأنّه لو لم ينزل لوقع الفصل بين الإقامة والشّروع في الصّلاة بالنّزول وأنّه مكروه ، ولأنّه يدعو النّاس إلى القيام للصّلاة وهو غير متهيّئٍ لها .
ويرى الحنابلة أنّ إقامة الرّاكب في السّفر بدون عذرٍ جائزةً بدون كراهةٍ .
ما يكره في الإقامة
16 - يكره في الإقامة : ترك شيءٍ من مستحبّاتها الّتي سبقت الإشارة إليها ، وممّا يكره أيضاً : الكلام في الإقامة لغير ضرورةٍ إذا كان كثيراً ، أمّا إن كان الكلام في الإقامة لضرورةٍ مثل ما لو رأى أعمى يخاف وقوعه في بئرٍ ، أو حيّةً تدبّ إلى غافلٍ ، أو سيّارةً توشك أن تدهمه وجب عليه إنذاره ويبني على إقامته .
أمّا الكلام القليل لغير ضرورةٍ ففيه رأيان :
الأوّل : لا يكره بل يؤدّي إلى ترك الأفضل . قال بهذا الحنفيّة والشّافعيّة ، واستدلّوا لذلك بما ثبت في الصّحيح من « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تكلّم في الخطبة » فالأذان أولى . ألاّ يبطل ، وكذلك الإقامة ، ولأنّهما يصحّان مع الحدث ، وقاعداً ، وغير ذلك من وجوه التّخفيف .
الثّاني : يكره له ذلك ، ويبني على إقامته ، وبهذا قال الزّهريّ والمالكيّة والحنابلة ، لأنّ الإقامة حدر ، وهذا يخالف الوارد ، ويقطع بين كلماتها . واتّفق الفقهاء على أنّ التّمطيط والتّغنّي والتّطريب بزيادة حركةٍ أو حرفٍ أو مدٍّ أو غيرها في الأوائل والأواخر مكروه ، لمنافاة الخشوع والوقار . أمّا إذا تفاحش التّغنّي والتّطريب بحيث يخلّ بالمعنى فإنّه يحرم بدون خلافٍ في ذلك . لما روي أنّ رجلاً قال لابن عمر :« إنّي لأحبّك في اللّه . قال : وأنا أبغضك في اللّه ، إنّك تتغنّى في أذانك ». قال : حمّاد يعني التّطريب .
إقامة غير المؤذّن :
17 - قال الشّافعيّة والحنابلة : ينبغي أن يتولّى الإقامة من تولّى الأذان . واحتجّوا بما روي عن الحارث الصّدائيّ أنّه قال : « بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بلالاً إلى حاجةٍ له فأمرني أن أؤذّن فأذّنت ، فجاء بلال وأراد أن يقيم ، فنهاه عن ذلك وقال : إنّ أخا صداءٍ هو الّذي أذّن ، ومن أذّن فهو الّذي يقيم » ولأنّهما فعلان من الذّكر يتقدّمان الصّلاة ، فيسنّ أن يتولّاهما واحد كالخطبتين ، ووافقهم الحنفيّة على هذا الرّأي إذا كان المؤذّن يتأذّى من إقامة غيره ، لأنّ أذى المسلم مكروه .
وقال المالكيّة : لا بأس أن يؤذّن رجل ويقيم غيره ، لما رواه أبو داود في حديث عبد اللّه بن زيدٍ أنّه رأى الأذان في المنام فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : « ألقه على بلالٍ ، فألقاه عليه ، فأذّن بلال ، فقال عبد اللّه : أنا رأيته وأنا كنت أريده قال : أقم أنت » . ولأنّه يحصل المقصود منه ، فأشبه ما لو تولّاهما معاً ، ووافقهم على ذلك الحنفيّة إذا كان المؤذّن لا يتأذّى من إقامة غيره .
إعادة الإقامة في المسجد الواحد :
18 - لو صلّى في مسجدٍ بأذانٍ وإقامةٍ ، هل يكره أن يؤذّن ويقام فيه ثانياً ؟
في المسألة ثلاثة آراء :
الأوّل للحنفيّة ، وهو رأي للمالكيّة ، ورأي ضعيف للشّافعيّة : إذا صلّى في المسجد بأذانٍ وإقامةٍ كره لمن جاء بعدهم أن يؤذّن ويقيم ، وشرط الحنفيّة أن يكون من أذّن وصلّى أوّلاً هم أهل المسجد " أي أهل حيّه " فمن ، جاء بعدهم فأذان الجماعة وإقامتهم لهم أذان وإقامة . الثّاني في الرّأي الرّاجح للمالكيّة والشّافعيّة : يستحبّ أن يؤذّن ويقيم للجماعة الثّانية ، إلاّ أنّه لا يرفع صوته فوق ما يسمعون ، ووافقهم على ذلك الحنفيّة إذا كان المسجد على الطّريق ، وليس له أهل معلومون ، أو صلّى فيه غير أهله بأذانٍ وإقامةٍ ، فإنّه يجوز لأهله أن يؤذّنوا ويقيموا .
الثّالث للحنابلة : الخيار ، إن شاء أذّن وأقام ويخفي أذانه وإقامته ، وإن شاء صلّى من غير أذانٍ ولا إقامةٍ .
ما يقام له من الصّلوات :
19 - يقام للصّلوات الخمس المفروضة في حال الحضر والسّفر والانفراد والجماعة والجمعة . واتّفق الفقهاء على طلب الإقامة لكلٍّ من الصّلاتين المجموعتين ،
لأنّ « الرّسول صلى الله عليه وسلم جمع المغرب والعشاء بمزدلفة وأقام لكلّ صلاةٍ » . ولأنّهما صلاتان جمعهما وقت واحد ، وتصلّى كلّ صلاةٍ وحدها ، فاقتضى أن تكون لكلّ صلاةٍ إقامة .
واتّفق الفقهاء على طلب الإقامة للصّلوات الفوائت ، لما روي عن أبي سعيدٍ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « أنّه حين شغلهم الكفّار يوم الأحزاب عن أربع صلواتٍ أمر بلالاً أن يؤذّن ويقيم لكلّ واحدةٍ منهنّ ، حتّى قالوا : أذّن وأقام وصلّى الظّهر ، ثمّ أذّن وأقام وصلّى العصر ، ثمّ أذّن وأقام وصلّى المغرب ، ثمّ أذّن وأقام وصلّى العشاء » .
واتّفق الفقهاء على استحباب الإقامة للمنفرد ، سواء صلّى في بيته أو في مكان آخر غير المسجد ، لخبر عقبة بن عامرٍ ، قال : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : يعجب ربّك من راعي غنمٍ في رأس الشّظيّة للجبل يؤذّن ويقيم للصّلاة ويصلّي ، فيقول اللّه عزّ وجلّ : انظروا إلى عبدي هذا يؤذّن ويقيم الصّلاة يخاف منّي ، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنّة » .
ولكنّه إذا اقتصر على أذان الحيّ وإقامته أجزأه ، لما روي أنّ عبد اللّه بن مسعودٍ « صلّى بعلقمة والأسود بغير أذانٍ ولا إقامةٍ وقال : يكفينا أذان الحيّ وإقامتهم ».
الإقامة لصلاة المسافر :
20 - الأذان والإقامة للفرد والجماعة مشروعان في السّفر كما في الحضر ، سواء أكان السّفر سفر قصرٍ أو دونه .
الأذان للصّلاة المعادة :
21 - في الإقامة للصّلاة المعادة في وقتها للفساد رأيان :
الأوّل : للحنفيّة : تعاد الصّلاة الفاسدة في الوقت بغير أذانٍ ولا إقامةٍ ، وأمّا إن قضوها بعد الوقت قضوها في غير ذلك المسجد بأذانٍ وإقامةٍ .
الثّاني : للمالكيّة : يقام للصّلاة المعادة للبطلان أو الفساد ، ولم يعثر للشّافعيّة والحنابلة على تصريحٍ بذلك ، ولكن قواعدهم لا تأباه .
ما لا يقام له من الصّلوات :
22 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يسنّ الإقامة لغير الصّلوات الخمس والجمعة . فلا أذان ولا إقامة لصلاة الجنازة ولا للوتر ولا للنّوافل ولا لصلاة العيدين وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء . لما روي عن « جابر بن سمرة قال : صلّيت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم العيد غير مرّةٍ ولا مرّتين بغير أذانٍ ولا إقامةٍ » .
وما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : « خسفت الشّمس على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فبعث منادياً ينادي : الصّلاة جامعة » .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:23 PM

إجابة السّامع للمؤذّن والمقيم :
23 - نصّ الفقهاء على صيغة الإجابة باللّسان فقالوا : يقول السّامع مثل ما يقول المقيم ، إلاّ في الحيعلتين " حيّ على الصّلاة وحيّ على الفلاح" فإنّه يحوقل "لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه " . ويزيد عند إقامة الصّلاة " أقامها اللّه وأدامها " ، لما روى أبو داود بإسناده عن بعض أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أنّ بلالاً أخذ في الإقامة فلمّا أن قال : قد قامت الصّلاة ، قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أقامها اللّه وأدامها » . وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان الّذي رواه جعفر بن عاصمٍ عن أبيه عن عمر بن الخطّاب أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قال المؤذّن : اللّه أكبر اللّه أكبر ، فقال أحدكم : اللّه أكبر اللّه أكبر » وانظر مصطلح أذان .
وحكم الإجابة باللّسان أنّها سنّة عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وأمّا الحنفيّة فإنّ الإجابة عندهم تكون في الأذان دون الإقامة .
الفصل بين الأذان والإقامة :
24 - صرّح الفقهاء باستحباب الفصل بين الأذان والإقامة بصلاةٍ أو جلوسٍ أو وقتٍ يسع حضور المصلّين فيما سوى المغرب ، مع ملاحظة الوقت المستحبّ للصّلاة .
وتكره عندهم الإقامة للصّلاة بعد الأذان مباشرةً بدون هذا الفصل ، وذلك لما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « أنّه قال لبلالٍ : اجعل بين أذانك وإقامتك نفساً حتّى يقضي المتوضّئ حاجته في مهلٍ ، وحتّى يفرغ الآكل من أكل طعامه في مهلٍ »
وفي روايةٍ : « ليكن بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ الآكل من أكله ، والشّارب من شربه ، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته » .
ولأنّ المقصود بالأذان إعلام النّاس بدخول الوقت ليتهيّئوا للصّلاة بالطّهارة فيحضروا المسجد ، وبالوصل ينتفي هذا المقصود ، وتفوت صلاة الجماعة على كثيرٍ من المسلمين . وقد ورد عن بعض الفقهاء تحديد مقدار الفصل بين الأذان والإقامة ، فروى الحسن عن أبي حنيفة أنّ مقدار الفصل في الفجر قدر ما يقرأ عشرين آيةً ، وفي الظّهر قدر ما يصلّي أربع ركعاتٍ ، يقرأ في كلّ ركعةٍ نحواً من عشر آياتٍ ، وفي العصر مقدار ما يصلّي ركعتين ، يقرأ في كلّ ركعةٍ نحواً من عشر آياتٍ .
أمّا في المغرب : فقد اتّفق الفقهاء على تعجيل الإقامة فيها لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « بين كلّ أذانين صلاة لمن شاء إلاّ المغرب » لأنّ مبنى المغرب على التّعجيل ، ولما روى أبو أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لن تزال أمّتي بخيرٍ ما لم يؤخّروا المغرب إلى اشتباك النّجوم » وعلى هذا يسنّ أن يكون الفصل بين الأذان والإقامة فيها يسيراً .
وللعلماء في مقدار هذا الفصل اليسير أقوال :
أ - قال أبو حنيفة والمالكيّة : يفصل بين الأذان والإقامة في المغرب قائماً بمقدار ثلاث آياتٍ ، ولا يفصل بالصّلاة ، لأنّ الفصل بالصّلاة تأخير ، كما لا يفصل المقيم بالجلوس ، لأنّه تأخير للمغرب ، ولأنّه لم يفصل بالصّلاة فبغيرها أولى .
ب - وقال أبو يوسف ومحمّد : يفصل بجلسةٍ خفيفةٍ كالجلسة بين الخطبتين ، وهو الرّاجح عند الشّافعيّة والحنابلة ، ووجه قولهم أنّ الفصل مسنون ولا يمكن بالصّلاة ، فيفصل بالجلسة لإقامة السّنّة .
ج - وأجاز الحنابلة وبعض الشّافعيّة الفصل بركعتين بين الأذان والإقامة في المغرب ، أي أنّهما لا يكرهان ولا يستحبّان .
الأجرة على الإقامة مع الأذان :
25 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا وجد من يؤذّن ويقيم محتسباً - ممّن تتحقّق فيه شرائط المؤذّن - فلا يجوز استئجار أحدٍ للأذان والإقامة . وأمّا إذا لم يوجد المتطوّع أو وجد ولم تتحقّق فيه الشّروط فهل يستأجر على الأذان والإقامة ؟
في المسألة ثلاثة آراء :
الأوّل : المنع لأنّه طاعة ، ولا يجوز استئجار أحدٍ على الطّاعة لأنّه عامل لنفسه ، ولما روي أنّ « آخر ما عهد به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لعثمان بن العاص رضي الله عنه أن يصلّي بالنّاس صلاة أضعفهم ، وأن يتّخذ مؤذّناً لا يأخذ عليه أجراً » وهذا الرّأي لمتقدّمي الحنفيّة ، وهو رأي للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
الثّاني : الجواز لأنّه كسائر الأعمال ، وهو قول لمتأخّري الحنفيّة ، ورأي للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ووجه ذلك : أنّ بالمسلمين حاجةً إليه ، وقد لا يوجد متطوّع . ولأنّه إذا انقطع له قد لا يجد ما يقيت به عياله .
الثّالث ، وهو رأي للشّافعيّة : يجوز للإمام أن يستأجر دون آحاد النّاس لأنّه هو الّذي يتولّى مصالح المسلمين . ويجوز له الإعطاء من بيت المال .
هذا ، وقد صرّح الشّافعيّة بأنّه لا يجوز الاستئجار على الإقامة فقط بدون الأذان لأنّه عمل قليل . والتّفصيل في مصطلح ( أذان ، وإجارة ) .
الإقامة لغير الصّلاة :
26 - يستحبّ الأذان في أذن المولود اليمنى والإقامة في اليسرى ، لما روي عن أبي رافعٍ قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أذّن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة بالصّلاة » . وينظر مصطلح ( أذان ) فقرة 51 ( ج 2 ص 372 ) .

اقتباس *
التّعريف :
1 - الاقتباس في اللّغة : هو طلب القبس ، وهو الشّعلة من النّار ، ويستعار لطلب العلم ، قال الجوهريّ في الصّحاح : اقتبست منه علماً : أي استفدته .
وفي الاصطلاح : تضمين المتكلّم كلامه - شعراً كان أو نثراً - شيئاً من القرآن أو الحديث ، على وجهٍ لا يكون فيه إشعار بأنّه من القرآن أو الحديث .
أنواعه :
2 - الاقتباس على نوعين : أحدهما : ما لم ينقل فيه المقتبس ( بفتح الباء ) عن معناه الأصليّ ، ومنه قول الشّاعر :
قد كان ما خفت أن يكونا إنّا إلى اللّه راجعونا
وهذا من الاقتباس الّذي فيه تغيير يسير ، لأنّ الآية { إنّا إليه راجعون } .
والثّاني : ما نقل فيه المقتبس عن معناه الأصليّ كقول ابن الرّوميّ :
لئن أخطأت في مدحك ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي ( بوادٍ غير ذي زرعٍ )
فقوله { بوادٍ غير ذي زرعٍ } اقتباس من القرآن الكريم ، فهي وردت في القرآن الكريم بمعنى " مكّة المكرّمة " ، إذ لا ماء فيها ولا نبات ، فنقله الشّاعر عن هذا المعنى الحقيقيّ إلى معنًى مجازيٍّ هو : " لا نفع فيه ولا خير " .
حكمه التّكليفيّ :
3 - يرى جمهور الفقهاء جواز الاقتباس في الجملة إذا كان لمقاصد لا تخرج عن المقاصد الشّرعيّة تحسيناً للكلام ، أمّا إن كان كلاماً فاسداً فلا يجوز الاقتباس فيه من القرآن ، وذلك ككلام المبتدعة وأهل المجون والفحش .
قال السّيوطيّ : لم يتعرّض له المتقدّمون ولا أكثر المتأخّرين ، من الشّافعيّة مع شيوع الاقتباس في أعصارهم واستعمال الشّعراء له قديماً وحديثاً ، وقد تعرّض له جماعة من المتأخّرين ، فسئل عنه الشّيخ العزّ بن عبد السّلام فأجازه ، واستدلّ له بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله في الصّلاة وغيرها : « وجّهت وجهي ... » إلخ . وقوله : « اللّهمّ فالق الإصباح وجاعل اللّيل سكناً والشّمس والقمر حسباناً اقض عنّي الدّين وأغنني من الفقر » . وفي سياق الكلام لأبي بكرٍ ... { وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون } .
وفي حديثٍ لابن عمر ... { لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة } .
وقد اشتهر عند المالكيّة تحريمه وتشديد النّكير على فاعله ، لكن منهم من فرّق بين الشّعر فكره الاقتباس فيه ، وبين النّثر فأجازه . وممّن استعمله في النّثر من المالكيّة القاضي عياض وابن دقيق العيد وقد استعمله فقهاء الحنفيّة في كتبهم الفقهيّة .
4 - ونقل السّيوطيّ عن شرح بديعيّة ابن حجّة أن الاقتباس ثلاثة أقسامٍ :
الأوّل : مقبول ، وهو ما كان في الخطب والمواعظ والعهود .
والثّاني : مباح ، وهو ما كان في الغزل والرّسائل والقصص .
والثّالث : مردود ، وهو على ضربين .
أحدهما : اقتباس ما نسبه اللّه إلى نفسه ، بأن ينسبه المقتبس إلى نفسه ، كما قيل عمّن وقع على شكوى بقوله : { إنّ إلينا إيابهم ، ثمّ إنّ علينا حسابهم } .
والآخر : تضمين آيةٍ في معنى هزلٍ أو مجونٍ . قال السّيوطيّ : وهذا التّقسيم حسن جدّاً ، وبه أقول .

اقتداء *
التّعريف :
1 - الاقتداء لغةً : مصدر اقتدى به ، إذا فعل مثل فعله تأسّياً ، ويقال : فلان قدوة : أي يقتدى به ، ويتأسّى بأفعاله .
ويستعمله الفقهاء بالمعنى اللّغويّ ، وهو إذا كان في الصّلاة يعرّفونه بأنّه : اتّباع المؤتمّ الإمام في أفعال الصّلاة . أو هو ربط صلاة المؤتمّ بالإمام بشروطٍ خاصّةٍ جاء بها الشّرع ، وبيّنها الفقهاء في كتاب الصّلاة عند الكلام عن صلاة الجماعة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الائتمام :
2 - الائتمام : بمعنى الاقتداء . يقول ابن عابدين : إذا ربط صلاته بصلاة إمامه حصل له صفة الاقتداء والائتمام ، وحصل لإمامه صفة الإمامة .
والاقتداء في استعمال الفقهاء أعمّ من الائتمام ، لأنّه يكون في الصّلاة وغيرها .
ب - الاتّباع :
3 - من معاني الاتّباع في اللّغة : المشي خلف الغير ، ومنه اتّباع الجنائز ، والمطالبة بالحقّ كما في الآية { فمن عفي له من أخيه شيء فاتّباع بالمعروف } ويأتي بمعنى الائتمام ، يقال : اتّبع القرآن : ائتمّ به وعمل بما فيه .
واستعمله الفقهاء بهذه المعاني ، كما استعملوه بمعنى الرّجوع إلى قولٍ ثبتت عليه حجّة ، فهو بهذا المعنى أخصّ من الاقتداء .
ج - التّأسّي :
4 - التّأسّي في اللّغة : من الأسوة بمعنى القدوة ، يقال : تأسّيت به وائتسيت : أي اقتديت . فالتّأسّي بمعنى الاقتداء . ومن معاني التّأسّي : التّعزّي ، أي : التّصبّر . وأكثر ما يكون الاقتداء في الصّلاة ، أمّا التّأسّي فيستعمل في غير ذلك .
د - التّقليد :
5 - التّقليد عبارة عن : قبول قول الغير بلا حجّةٍ ولا دليلٍ .
أقسام الاقتداء :
6 - الاقتداء على أقسامٍ ، منها : اقتداء المؤتمّ بالإمام في أفعاله من القيام والرّكوع والسّجود وغيرها . ومنها : الاقتداء في غير الصّلاة ، فهو بمعنى التّأسّي ، كاقتداء الأمّة بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ، واتّباع سنّته ، وغير ذلك كما سيأتي .
الاقتداء في الصّلاة
7 - الاقتداء في الصّلاة هو : ربط صلاة المؤتمّ بصلاة الإمام كما سبق ، فلا بدّ أن يكون هناك إمام ومقتدٍ ، ولو واحداً . وأقلّ من تنعقد به الجماعة - في غير العيدين والجمعة - اثنان ، وهو أن يكون مع الإمام واحد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الاثنان فما فوقهما جماعة » ولفعله عليه الصلاة والسلام حين « صلّى بابن عبّاسٍ وحده » .
وسواء كان ذلك الواحد رجلاً أو امرأةً أو صبيّاً يعقل ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سمّى الاثنين مطلقاً جماعةً . وأمّا المجنون والصّبيّ الّذي لا يعقل فلا عبرة بهما ، لأنّهما ليسا من أهل الصّلاة . هذا ، وهناك شروط لا بدّ من توفّرها في الاقتداء والمقتدى به ( الإمام ) ، وحالات تخصّ المقتدي أي ( المأموم ) نذكرها فيما يلي :
شروط المقتدى به ( الإمام ) :
8 - يشترط في الإمام في الجملة : الإسلام والعقل اتّفاقاً ، والبلوغ عند الجمهور ، وكذلك الذّكورة إذا كان المقتدون ذكوراً ، والسّلامة من الأعذار - كرعافٍ وسلس البول - إذا اقتدى به أصحّاء ، والسّلامة من عاهات اللّسان - كفأفأةٍ وتمتمةٍ - إذا اقتدى به السّليم منهما ، وكذا السّلامة من فقد شرطٍ كطهارةٍ وستر عورةٍ .
على تفصيلٍ وخلافٍ في بعضها يذكر في مصطلح : ( إمامة ) .
شروط الاقتداء :
أ - النّيّة :
9 - اتّفق الفقهاء على أنّ نيّة المؤتمّ الاقتداء بالإمام شرط لصحّة الاقتداء ، إذ المتابعة عمل يفتقر إلى النّيّة . والمعتبر في النّيّة عمل القلب اللّازم للإرادة ، ويستحبّ التّلفّظ بها عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو قول للحنابلة قياساً على الحجّ . وذكر جماعة إلى أنّ التّلفّظ بها بدعة ، لأنّه لم يرد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من الصّحابة والتّابعين . ويشترط في النّيّة أن تكون مقارنةً للتّحريمة ، أو متقدّمةً عليها بشرط ألاّ يفصل بينها وبين التّحريمة فاصل أجنبيّ ، وعلى ذلك فلا تصحّ نيّة الاقتداء في خلال الصّلاة بعدما أحرم منفرداً عند جمهور الفقهاء : ( الحنفيّة ، والمالكيّة ، وهو رواية عند الحنابلة )
وقال الشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنابلة : يجوز للّذي أحرم منفرداً أن يجعل نفسه مأموماً ، بأن تحضر جماعة فينوي الدّخول معهم بقلبه في صلاتهم ، سواء أكان في أوّل الصّلاة أم قد صلّى ركعةً فأكثر . ولا فرق في اشتراط النّيّة للمأموم بين الجمعة وسائر الصّلوات عند المالكيّة ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة .
وعند الحنفيّة ، وهو مقابل الصّحيح عند الشّافعيّة : لا يشترط في الجمعة نيّة الاقتداء وكذلك العيدان ، لأنّ الجمعة لا تصحّ بدون الجماعة ، فكان التّصريح بنيّة الجمعة أو العيد مغنياً عن التّصريح بنيّة الجماعة . ولا يجب تعيين الإمام باسمه كزيدٍ ، أو صفته كالحاضر ، أو الإشارة إليه ، بل تكفي نيّة الاقتداء بالإمام ، فإن عيّنه وأخطأ بطلت صلاته ، لربط صلاته بمن لم ينو الاقتداء به .
هذا ، ولا يشترط لصحّة الاقتداء أن يكون الإمام قد نوى الإمامة عند جمهور الفقهاء خلافاً للحنابلة . واشترط الحنفيّة نيّة الرّجل الإمامة لصحّة اقتداء النّساء به .
وتفصيله في مصطلح ( إمامة )
ب - عدم التّقدّم على الإمام :
10 - يشترط لصحّة الاقتداء ألاّ يتقدّم المقتدي إمامه في الموقف عند جمهور الفقهاء : ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) لحديث : « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به » والائتمام الاتّباع ، والمتقدّم غير تابعٍ ، ولأنّه إذا تقدّم الإمام يشتبه عليه حال الإمام ، ومحتاج إلى النّظر وراءه في كلّ وقتٍ ليتابعه ، فلا يمكنه المتابعة .
وقال مالك : هذا ليس بشرطٍ ، ويجزئه التّقدّم إذا أمكنه متابعة الإمام ، لأنّ الاقتداء يوجب المتابعة في الصّلاة ، والمكان ليس من الصّلاة . لكنّه يندب أن يكون الإمام متقدّماً على المأموم ، ويكره التّقدّم على الإمام ومحاذاته إلاّ لضرورةٍ .
والاعتبار في التّقدّم وعدمه للقائم بالعقب ، وهو مؤخر القدم لا الكعب ، فلو تساويا في العقب وتقدّمت أصابع المأموم لطول قدمه لم يضرّ . وكذلك إذا كان المأموم طويلاً وسجد قدّام الإمام ، إذا لم تكن عقبه مقدّمةً على الإمام حالة القيام ، صحّت الصّلاة ، أمّا لو تقدّمت عقبه وتأخّرت أصابعه فيضرّ ، لأنّه يستلزم تقدّم المنكب ، والعبرة في التّقدّم بالألية للقاعدين ، وبالجنب للمضطجعين .
11 - فإذا كان المأموم امرأةً أو أكثر من واحدٍ يقف خلف الإمام ، وإذا كان واحداً ذكراً - ولو صبيّاً - يقف على يمين الإمام مساوياً له عند الجمهور ، وذهب الشّافعيّة ومحمّد بن الحسن إلى أنّه يستحبّ تأخّره عن الإمام قليلاً .
وصرّح الحنفيّة بأنّ محاذاة المرأة للرّجال تفسد صلاتهم . يقول الزّيلعيّ الحنفيّ : فإن حاذته امرأة مشتهاة في صلاةٍ مطلقةٍ - وهي الّتي لها ركوع وسجود - مشتركةٍ بينهما تحريمةً وأداءً في مكان واحدٍ بلا حائلٍ ، ونوى الإمام إمامتها وقت الشّروع بطلت صلاته دون صلاتها ، لحديث : « أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ اللّه » وهو المخاطب به دونها ، فيكون هو التّارك لفرض القيام ، فتفسد صلاته دون صلاتها .
وجمهور الفقهاء : ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) يقولون : إنّ محاذاة المرأة للرّجال لا تفسد الصّلاة ، ولكنّها تكره ، فلو وقفت في صفّ الرّجال لم تبطل صلاة من يليها ولا من خلفها ولا من أمامها ، ولا صلاتها ، كما لو وقفت في غير الصّلاة ، والأمر في الحديث بالتّأخير لا يقتضي الفساد مع عدمه .
هذا ، وفي الصّلاة حول الكعبة في المسجد الحرام يشترط لصحّة الاقتداء عند الجمهور عدم تقدّم المأموم على الإمام في نفس الجهة ، حتّى إذا تقدّمه في غير جهتهما لم يضرّ اتّفاقاً . وتفصيل هذه المسألة وكيفيّة الصّلاة داخل الكعبة يرجع فيه إلى مصطلحي : ( صلاة الجماعة ، واستقبال القبلة ) .
ت - ألاّ يكون المقتدي أقوى حالاً من الإمام :
12 - يشترط لصحّة الاقتداء عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) ألاّ يكون المقتدي أقوى حالاً من الإمام ، فلا يجوز اقتداء قارئٍ بأمّيٍّ ، ولا مفترضٍ بمتنفّلٍ ، ولا بالغٍ بصبيٍّ في فرضٍ ، ولا قادرٍ على ركوعٍ وسجودٍ بعاجزٍ عنهما ، وكذلك لا يصحّ اقتداء سالمٍ بمعذورٍ ، كمن به سلس بولٍ ، ولا مستور عورةٍ بعارٍ عند الحنفيّة والحنابلة ، ويكره ذلك عند المالكيّة .
وقد ذكر الحنفيّة في ذلك قاعدةً فقالوا : الأصل أنّ حال الإمام إن كان مثل حال المقتدي أو فوقه جازت صلاة الكلّ ، وإن كان دون حال المقتدي صحّت صلاة الإمام . ولا تصحّ صلاة المقتدي . إلاّ إذا كان الإمام أمّيّاً والمقتدي قارئاً ، أو كان الإمام أخرس فلا يصحّ صلاة الإمام أيضاً . وقد توسّع الحنفيّة في تطبيق هذا الأصل على كثيرٍ من المسائل ، ووافقهم المالكيّة والحنابلة في هذه القاعدة مع خلافٍ وتفصيلٍ في بعض المسائل . وخالفهم الشّافعيّة في أكثر المسائل كما سيأتي بيانه عند الكلام في : ( اختلاف صفة الإمام والمقتدي ) .
ث - اتّحاد صلاتي المقتدي والإمام :
13 - يشترط في الاقتداء اتّحاد صلاتي الإمام والمأموم سبباً وفعلاً ووصفاً ، لأنّ الاقتداء بناء التّحريمة على التّحريمة ، فالمقتدي عقد تحريمته لمّا انعقدت له تحريمة الإمام ، فكلّ ما تنعقد له تحريمة الإمام جاز البناء عليه من المقتدي ، وعلى ذلك فلا تصحّ ظهر خلف عصرٍ أو غيره ولا عكسه ، ولا تصحّ صلاة ظهرٍ قضاءً خلف ظهرٍ أداءً ، ولا ظهرين من يومين مختلفين ، كظهر يوم السّبت خلف ظهر الأحد الماضيين ، إذ لا بدّ من الاتّحاد في عين الصّلاة وصفتها وزمنها ، وهذا عند جمهور الفقهاء : ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) وذلك لقوله عليه السلام : « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه » .
وقال الشّافعيّة : من شروط صحّة القدوة توافق نظم صلاتيهما في الأفعال الظّاهرة ، ولا يشترط اتّحاد الصّلاتين . وعلى ذلك تصحّ قدوة من يؤدّي الصّلاة بمن يقضيها ، والمفترض بالمتنفّل ، ومؤدّي الظّهر بالعصر ، وبالمعكوس . أي القاضي بالمؤدّي ، والمتنفّل بالمفترض ، وفي العصر بالظّهر ، نظراً لاتّفاق الفعل في الصّلاة وإن اختلفت النّيّة . وكذا يجوز الظّهر والعصر بالصّبح والمغرب ، وتجوز الصّبح خلف الظّهر في الأظهر عند الشّافعيّة ، وله حينئذٍ الخروج بنيّة المفارقة أو الانتظار ليسلّم مع الإمام وهو الأفضل . لكن الأولى فيها الانفراد . فإن اختلف فعلهما كمكتوبةٍ وكسوفٍ أو جنازةٍ ، لم يصحّ الاقتداء في ذلك على الصّحيح ، لمخالفته النّظم ، وتعذّر المتابعة معها .
أمّا اقتداء المتنفّل خلف المفترض فجائز عند جميع الفقهاء .
ج- عدم الفصل بين المقتدي والإمام :
14- يشترط لصحّة الاقتداء ألاّ يكون بين المقتدي والإمام فاصل كبير .
وهذا الشّرط محلّ اتّفاقٍ بين فقهاء المذاهب في الجملة ، وإن اختلفوا في بعض الفروع والتّفاصيل على النّحو التّالي :
بُعْد المسافة :
15 - فرّق جمهور الفقهاء بين المسجد وغير المسجد فيما يتعلّق بالمسافة بين الإمام والمقتدي ، فقال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه ، أو يسمع التّكبير وهما في مسجدٍ واحدٍ صحّ الاقتداء ، وإن بعدت المسافة . أمّا في خارج المسجد فإذا كانت المسافة قدر ما يسع صفّين فإنّها تمنع من صحّة الاقتداء عند الحنفيّة ، إلاّ في صلاة العيدين ، وفي صلاة الجنازة خلاف عندهم . ولا يمنع الاقتداء بعد المسافة في خارج المسجد إذا لم يزد عن ثلاثمائة ذراعٍ عند الشّافعيّة . واشترط الحنابلة في صحّة الاقتداء خارج المسجد رؤية المأموم للإمام أو بعض من وراءه . فلا يصحّ الاقتداء إن لم ير المأموم أحدهما ، وإن سمع التّكبير ، ومهما كانت المسافة .
ولم يفرّق المالكيّة بين المسجد وغيره ولا بين قرب المسافة وبعدها ، فقالوا بصحّة الاقتداء إذا أمكن رؤية الإمام أو المأموم أو سماع الإمام ولو بمسمّعٍ .
وجود الحائل ، وله عدّة صورٍ :
16 - الأولى : إن كان بين المقتدي والإمام نهر كبير تجري فيه السّفن ( ولو زورقاً عند الحنفيّة ) لا يصحّ الاقتداء ، وهذا باتّفاق المذاهب ، وإن اختلفوا في تحديد النّهر الكبير والصّغير . فقال الحنفيّة والحنابلة : النّهر الصّغير هو ما لا تجري فيه السّفن ، وقال المالكيّة : هو ما لا يمنع من سماع الإمام ، أو بعض المأمومين ، أو رؤية فعل أحدهما .
وقال الشّافعيّة : هو النّهر الّذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر من غير سباحةٍ بالوثوب فوقه ، أو المشي فيه ، وفي حكمه النّهر المحوج إلى سباحةٍ عند الشّافعيّة على الصّحيح .
17 - الثّانية : يمنع من الاقتداء طريق نافذ يمكن أن تجري فيه عجلة ، وليس فيه صفوف متّصلة عند الحنفيّة والحنابلة . قال الحنفيّة : لو كان على الطّريق مأموم واحد لا يثبت به الاتّصال ، وبالثّلاث يثبت ، وفي المثنّى خلاف . ولا يضرّ الطّريق إذا لم يمنع من سماع الإمام أو بعض المأمومين أو رؤية فعل أحدهما عند المالكيّة ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ، ولهذا صرّحوا بجواز صلاة الجماعة لأهل الأسواق وإن فرّقت الطّرق بينهم وبين إمامهم . والرّواية الثّانية عند الشّافعيّة يضرّ ، لأنّه قد تكثر فيه الزّحمة فيعسر الاطّلاع على أحوال الإمام . هذا ، وأجاز أكثر الفقهاء الفصل بطريقٍ في صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الخوف ونحوها ، والتّفصيل في مواضعها .
18 - الثّالثة : صرّح الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن الحنابلة ، بأنّه إذا كان بين الإمام والمأموم جدار كبير أو باب مغلق يمنع المقتدي من الوصول إلى إمامه لو قصد الوصول إليه لا يصحّ الاقتداء ، ويصحّ إذا كان صغيراً لا يمنع ، أو كبيراً وله ثقب لا يشتبه عليه حال الإمام سماعاً أو رؤيةً ، لما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كان يصلّي في حجرة عائشة رضي الله عنها والنّاس في المسجد يصلّون بصلاته » .
قال الشّافعيّة : فإن حال ما يمنع المرور لا الرّؤية كالشّبّاك أو يمنع الرّؤية لا المرور كالباب المردود فوجهان .
وعلى هذا الاقتداء في المساكن المتّصلة بالمسجد الحرام وأبوابها من خارجه صحيح ، إذا لم يشتبه حال الإمام لسماعٍ أو رؤيةٍ ، ولم يتخلّل إلاّ الجدار ، كما ذكره شمس الأئمّة فيمن صلّى على سطح بيته المتّصل بالمسجد أو في منزله بجنب المسجد وبينه وبين المسجد حائط مقتدياً بإمامٍ في المسجد وهو يسمع التّكبير من الإمام أو من المكبّر تجوز صلاته . ويصحّ اقتداء الواقف على السّطح بمن هو في البيت ، ولا يخفى عليه حاله .
ولم يفرّق المالكيّة ، وهو رواية عند الحنابلة بين ما إذا كان الجدار كبيراً أو صغيراً ، فقالوا بجواز الاقتداء إذا لم يمنع من سماع الإمام أو بعض المأمومين أو رؤية فعل أحدهما .
ح - اتّحاد المكان :
19 - يشترط لصحّة الاقتداء أن يجمع المقتدي والإمام موقف واحد ، إذ من مقاصد الاقتداء اجتماع جمعٍ في مكان ، كما عهد عليه الجماعات في الأعصر الخالية ، ومبنى العبادات على رعاية الاتّباع فيشترط ليظهر الشّعار . وللفقهاء في تطبيق هذا الشّرط تفصيل ، وفي بعض الفروع خلاف كالآتي :
أوّلاً - الأبنية المختلفة :
20 - تقدّم ما يتعلّق بالأبنية المنفصلة .
ثانياً - الاقتداء في السّفن المختلفة :
21 - يشترط في الاقتداء ألاّ يكون المقتدي في سفينةٍ والإمام في سفينةٍ أخرى غير مقترنةٍ بها عند الحنفيّة ، وهو المختار عند الحنابلة ، لاختلاف المكان ، ولو اقترنتا صحّ اتّفاقاً ، للاتّحاد الحكميّ . والمراد بالاقتران : مماسّة السّفينتين ، وقيل ربطهما .
وتوسّع المالكيّة في جواز اقتداء ذوي سفنٍ متقاربةٍ ، ولم يشترطوا ربط السّفينتين ، ولا المماسّة ، ولم يحدّدوا المسافة حيث قالوا : جاز اقتداء ذوي سفنٍ متقاربةٍ في المرسى بإمامٍ واحدٍ في بعضها يسمعون أقواله أو أقوال من معه في سفينته من مأمومين ، أو يرون أفعاله أو أفعال من معه في سفينته من مأمومين . وكذلك لو كانت السّفن سائرةً على المشهور ، لأنّ الأصل السّلامة من طروء ما يفرّقها من ريحٍ أو غيره . لكنّهم نصّوا على استحباب أن يكون الإمام في السّفينة الّتي تلي القبلة .
وقال الشّافعيّة : لو كانا في سفينتين صحّ اقتداء أحدهما بالآخر وإن لم تكونا مكشوفتين ، ولم تربط إحداهما بالأخرى ، بشرط ألاّ تزيد المسافة على ثلاثمائة ذراعٍ ، وعدم الحائل ، والماء بينهما كالنّهر بين المكانين ، بمعنى أنّه يمكن اجتيازه سباحةً ولم يشترطوا الالتصاق ولا الرّبط ، خلافاً للحنفيّة ، والمختار عند الحنابلة .
ثالثاً : علوّ موقف المقتدي على الإمام أو عكسه :
22 - يجوز أن يكون موقف المأموم عالياً - ولو بسطحٍ - عن الإمام عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو رأي المالكيّة في غير صلاة الجمعة . فصحّ اقتداء من بسطح المسجد بالإمام الّذي يصلّي بالمسجد ، لإمكان المتابعة .
ويكره أن يكون موقف الإمام عالياً عن موقف المأموم .
ولم يفرّق الشّافعيّة بين ارتفاع موقف الإمام والمأموم ، فشرطوا في هذه الحال ، محاذاة بعض بدن المأموم بعض بدن الإمام ، والعبرة في ذلك بالطّول العاديّ ، وقال النّوويّ يكره ارتفاع المأموم على إمامه حيث أمكن وقوفهما بمستوًى واحدٍ ، وعكسه كذلك ، إلاّ لحاجةٍ تتعلّق بالصّلاة ، كتبليغٍ يتوقّف عليه إسماع المأمومين وتعليمهم صفة الصّلاة ، فيستحبّ ارتفاعهما لذلك ، تقديماً لمصلحة الصّلاة .
وهذا الكلام في البناء ونحوه . أمّا الجبل الّذي يمكن صعوده كالصّفا أو المروة أو جبل أبي قبيسٍ فالعبرة فيه بالمسافة الّتي سبق القول فيها وهي ثلاثمائة ذراعٍ . فالاقتداء فيه صحيح وإن كان المأموم أعلى من الإمام .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:24 PM

خ - عدم توسّط النّساء بين الإمام والمأموم :
23 - يشترط لصحّة الاقتداء عند الجمهور عدم توسّط النّساء ، فإن وقفت المرأة في صفّ الرّجل كره ، ولم تبطل صلاتها ، ولا صلاة من يليها ، ولا من خلفها . لأنّها لو وقفت في غير صلاةٍ لم تبطل صلاته ، فكذلك في الصّلاة ، وقد ثبت أنّ « عائشة رضي الله عنها كانت تعترض بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نائمةً وهو يصلّي » . والنّهي للكراهة ، ولهذا لا تفسد صلاتها فصلاة من يليها أولى . وهكذا إن كان هناك صفّ تامّ من النّساء ، فإنّه لا يمنع اقتداء من خلفهنّ من الرّجال .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه يشترط لصحّة الاقتداء ألاّ يكون بين المقتدي والإمام صفّ من النّساء بلا حائلٍ قدر ذراعٍ ، وبهذا قال أبو بكرٍ من الحنابلة ، والمراد بالصّفّ عند الحنفيّة ما زاد على الثّلاث ، وفي روايةٍ المراد بالصّفّ الثّلاث ، وعلى هذا قالوا :
- 1 - المرأة الواحدة تفسد صلاة ثلاثةٍ ، واحدٍ عن يمينها وآخر عن يسارها وآخر خلفها ، ولا تفسد أكثر من ذلك .
- 2 - والمرأتان تفسدان صلاة أربعةٍ من الرّجال ، واحدٍ عن يمينهما ، وآخر عن يسارهما ، وصلاة اثنين خلفهما .
- 3 - وإن كنّ ثلاثاً أفسدن صلاة واحدٍ عن يمينهنّ ، وآخر عن يسارهنّ وثلاثةٍ ثلاثةٍ إلى آخر الصّفوف . وهذا جواب ظاهر الرّواية . وفي رواية الثّلاث كالصّفّ ، تفسد صلاة كلّ الصّفوف خلفهنّ إلى آخر الصّفوف ، لأنّ الثّلاثة جمع كامل .
وفي روايةٍ عن أبي يوسف أنّ الثّنتين كالثّلاث . وفي روايةٍ أخرى جعل الثّلاث كالاثنتين .
د - العلم بانتقالات الإمام :
24 - يشترط في الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام ، بسماعٍ أو رؤيةٍ للإمام أو لبعض المقتدين به ، لئلاّ يشتبه على المقتدي حال الإمام فلا يتمكّن من متابعته ، فلو جهل المأموم أفعال إمامه الظّاهرة كالرّكوع والسّجود ، أو اشتبهت عليه لم تصحّ صلاته ، لأنّ الاقتداء متابعة ، ومع الجهل أو الاشتباه لا تمكن المتابعة ، وهذا الشّرط متّفق عليه عند الفقهاء . زاد الحنفيّة : وكذا علمه بحال إمامه من إقامةٍ أو سفرٍ قبل الفراغ أو بعده ، وهذا فيما لو صلّى الرّباعية ركعتين في مصرٍ أو قريةٍ .
هذا ، وقد تقدّم أنّ الحنابلة لا يجوّزون الاقتداء خارج المسجد بالسّماع وحده . بل يشترطون في إحدى الرّوايتين رؤية المأموم للإمام أو بعض المقتدين به ، لقول عائشة لنساءٍ كنّ يصلّين في حجرتها :" لا تصلّين بصلاة الإمام فإنّكنّ دونه في حجابٍ "
ولأنّه لا يمكنه المتابعة في الغالب .
وأمّا على الرّواية الأخرى فالحنابلة يكتفون بالعلم بانتقالات الإمام بالسّماع أو بالرّؤية .
ذ - صحّة صلاة الإمام :
25 - يشترط لصحّة الاقتداء صحّة صلاة الإمام ، فلو تبيّن فسادها لا يصحّ الاقتداء ، قال الحنفيّة : لو تبيّن فساد صلاة الإمام ، فِسْقاً منه ، أو نسياناً لمضيّ مدّة المسح ، أو لوجود الحدث أو غير ذلك ، لم تصحّ صلاة المقتدي لعدم صحّة البناء ، وكذلك لو كانت صحيحةً في زعم الإمام فاسدةً في زعم المقتدي لبنائه على الفاسد في زعمه .
والمراد بالفسق هنا : الفسق الّذي يخلّ بركنٍ أو شرطٍ في الصّلاة ، كأن يصلّي وهو سكران ، أو هو محدث متعمّداً . أمّا الفسق في العقيدة ، أو بارتكاب المحرّمات ، فهي مسألة خلافيّة ، وقد شدّد فيها الإمام أحمد ، وقال : إنّه إذا كان داعياً إلى بدعته ، وعلم بذلك المقتدي ، فعليه إعادة الصّلاة ، حتّى لو علم بذلك بعد الصّلاة ، وهذه الرّواية المعتمدة في المذهب . أمّا إذا كان لا يدعو إلى بدعته ، وهو مستور الحال ، فالظّاهر أنّه لا إعادة على من اقتدى به ، وفي روايةٍ : عليه الإعادة .
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الصّلاة خلف الفاسق مكروهة ، ولا إعادة فيها . لحديث : « صلّوا خلف من قال لا إله إلاّ اللّه » . ولأنّ ابن عمر كان يصلّي خلف الحجّاج . وأنّ الحسن والحسين كانا يصلّيان خلف مروان ووراء الوليد بن عقبة . ومثله ما ذهب إليه المالكيّة حيث قالوا : لا يصحّ الاقتداء بإمامٍ تبيّن في الصّلاة أو بعدها أنّه كافر ، أو امرأة ، أو مجنون ، أو فاسق ( على خلافٍ فيه ) أو ظهر أنّه محدث ، إن تعمّد الحدث أو علم المؤتمّ بحدثه في الصّلاة أو قبلها ، أو اقتدى به بعد العلم ولو ناسياً .
وكذا قال الشّافعيّة : لا يصحّ اقتداؤه بمن يعلم بطلان صلاته ، كمن علم بكفره أو حدثه أو نجاسة ثوبه ، لأنّه ليس في صلاةٍ فكيف يقتدي به ، وكذا لا يصحّ الاقتداء بإمامٍ يعتقد المقتدي بطلان صلاته . وصرّح الحنابلة بأنّه لا يصحّ الاقتداء بكافرٍ ولو ببدعةٍ مكفّرةٍ ولو أسرّه وجهل المأموم كفره ثمّ تبيّن له . وكذلك من ظنّ كفره أو حدثه ، ولو بان خلاف ذلك فيعيد المأموم ، لاعتقاده بطلان صلاته . لكن المالكيّة قالوا : لو علم المقتدي بحدث إمامه بعد الصّلاة فلا بطلان . كما أنّ الحنابلة صرّحوا بأنّه لو صلّى خلف من يعلمه مسلماً ، فقال بعد الصّلاة : هو كافر ، لم يؤثّر في صلاة المأموم لأنّها كانت محكوماً بصحّتها .
وأمّا الإمام فلو أخطأ أو نسي لم يؤاخذ بذلك المأموم ، كما في البخاريّ وغيره ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « أئمّتكم يصلّون لكم ولهم ، فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطئوا فلكم وعليهم » . فجعل خطأ الإمام على نفسه دونهم ، وقد صلّى عمر وغيره من الصّحابة رضي الله عنهم وهو جنب ناسياً للجنابة ، فأعاد ولم يأمر المأمومين بالإعادة ، وهذا مذهب جمهور العلماء ، كمالكٍ والشّافعيّ وأحمد في المشهور عنه .
وكذلك لو فعل الإمام ما يسوغ عنده ، وهو عند المأموم يبطل الصّلاة ، مثل أن يفتصد ويصلّي ولا يتوضّأ ، أو يمسّ ذكره ، أو يترك البسملة ، وهو يعتقد أنّ صلاته تصحّ مع ذلك ، والمأموم يعتقد أنّها لا تصحّ مع ذلك ، فجمهور العلماء على صحّة صلاة المأموم ، كما هو مذهب مالكٍ وأحمد في أظهر الرّوايتين ، بل في أنصّهما عنه . وهو أحد الوجهين في مذهب الشّافعيّ ، اختاره القفّال وغيره . واستدلّ الإمام أحمد لهذا الاتّجاه بأنّ الصّحابة - رضوان الله عليهم - كان يصلّي بعضهم خلف بعضٍ على اختلافهم في الفروع . وأنّ المسائل الخلافيّة لا تخلو إمّا أن يصيب المجتهد فيكون له أجران : أجر اجتهاده وأجر إصابته ، أو أن يخطئ فله أجر واحد وهو أجر اجتهاده ، ولا إثم عليه في الخطأ .
أحوال المقتدي :
26 - المقتدي إمّا مدرك ، أو مسبوق ، أو لاحق ، فالمدرك : من صلّى الرّكعات كاملةً مع الإمام ، أي أدرك جميع ركعاتها معه ، سواء أأدرك معه التّحريمة أو أدركه في جزءٍ من ركوع الرّكعة الأولى إلى أن قعد معه القعدة الأخيرة ، وسواء أسلّم معه أم قبله . والمدرك يتابع إمامه في أفعاله وأقواله ، إلاّ في حالاتٍ خاصّةٍ تذكر في كيفيّة الاقتداء .
27 - والمسبوق : من سبقه الإمام بكلّ الرّكعات بأن اقتدى بالإمام بعد ركوع الأخيرة ، أو ببعض الرّكعات . وقد اختلفوا في حكمه ، فقال أبو حنيفة والحنابلة : ما أدركه المسبوق فهو آخر صلاته قولاً وفعلاً ، فإن أدركه فيما بعد الرّكعة الأولى كالثّانية أو الثّالثة لم يستفتح ، ولم يستعذ ، وما يقضيه فهو أوّل صلاته ، يستفتح فيه ، ويتعوّذ ، ويقرأ الفاتحة والسّورة كالمنفرد ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ما أدركتم فصلّوا ، وما فاتكم فاقضوا » والمقضيّ هو الفائت ، فيكون على صفته ، لكن لو أدرك من رباعيّةٍ أو مغربٍ ركعةً ، تشهّد عقب قضاء ركعةٍ أخرى عند الحنابلة كما قال به سائر الفقهاء ، غير أبي حنيفة ، لئلاّ يلزم تغيير هيئة الصّلاة ، لأنّه لو تشهّد عقب ركعتين لزم قطع الرّباعيّة على وترٍ ، والثّلاثيّة شفعاً ، ومراعاة هيئة الصّلاة ممكنة ، وقال أبو حنيفة : لو أدركه في ركعة الرّباعيّ يقضي ركعتين بفاتحةٍ وسورةٍ ثمّ يتشهّد ، ثمّ يأتي بفاتحةٍ خاصّةٍ ، ليكون القضاء بالهيئة الّتي فاتت .
وقال الشّافعيّة : ما أدركه المسبوق مع الإمام فهو أوّل صلاته ، وما يفعله بعد سلام إمامه آخرها ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « فما أدركتم فصلّوا ، وما فاتكم فأتمّوا » وإتمام الشّيء لا يكون إلاّ بعد أوّله ، وعلى ذلك إذا صلّى مع الإمام الرّكعة الثّانية من الصّبح ، وقنت الإمام فيها يعيد في الباقي القنوت ، ولو أدرك ركعةً من المغرب مع الإمام تشهّد في الثّانية . وذهب المالكيّة ، وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ، وهو المعتمد في المذهب ، أنّ المسبوق يقضي أوّل صلاته في حقّ القراءة ، وآخرها في حقّ التّشهّد ، فمدرك ركعةٍ من غير فجرٍ يأتي بركعتين بفاتحةٍ وسورةٍ وتشهّدٍ بينهما ، وبرابعة الرّباعيّ بفاتحةٍ فقط ، ولا يعقد قبلهما ، فهو قاضٍ في حقّ القول عملاً برواية : « وما فاتكم فاقضوا » لكنّه بانٍ على صلاته في حقّ الفعل عملاً برواية : « وما فاتكم فأتمّوا » وذلك تطبيقاً لقاعدة الأصوليّين : ( إذا أمكن الجمع بين الدّليلين جُمِع ) فحملنا رواية الإتمام على الأفعال ، ورواية القضاء على الأقوال .
28 - والاّحق : هو من فاتته الرّكعات كلّها أو بعضها بعد اقتدائه بعذرٍ ، كغفلةٍ وزحمةٍ ، وسبق حدثٍ ونحوها ، أو بغير عذرٍ كأن سبق إمامه في ركوعٍ أو سجودٍ ، كما عرّفه الحنفيّة ، وهو المتخلّف عن الإمام بركنٍ أو أكثر ، كما عبّر عنه غير الحنفيّة .
وحكم الاّحق عند الحنفيّة كمؤتمٍّ ، لا يأتي بقراءةٍ ولا سجود سهوٍ ، ولا يتغيّر فرضه بنيّة إقامةٍ ، ويبدأ بقضاء ما فاته بعذرٍ ، ثمّ يتابع الإمام إن لم يكن قد فرغ ، عكس المسبوق . وقال الجمهور : ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إن تخلّف عن الإمام بركعةٍ فأكثر بعذرٍ ، من نومٍ أو غفلةٍ ، تابع إمامه فيما بقي من صلاته ، ويقضي ما سبقه الإمام به بعد سلام الإمام كالمسبوق ، وإن تخلّف بركنين بغير عذرٍ بطلت صلاته عندهم . وكذلك لو تخلّف بركنٍ واحدٍ عمداً عند المالكيّة ، وهو رواية عند الشّافعيّة ، ولا تبطل في الأصحّ عندهم .
وإن تخلّف بركنٍ أو ركنين لعذرٍ فإنّ المأموم يفعل ما سبقه به إمامه ويدركه إن أمكن ، فإن أدركه فلا شيء عليه ، وإلاّ تبطل هذه الرّكعة فيتداركها بعد سلام الإمام . وهذا في الجملة ، وفي المسألة تفصيل ، وفي بعض الفروع خلاف يرجع إليه في مصطلح ( لاحق ) .
كيفيّة الاقتداء
أوّلاً - في أفعال الصّلاة :
29 - الاقتداء في الصّلاة هو متابعة الإمام ، والمتابعة واجبة في الفرائض والواجبات من غير تأخير واجبٍ ، ما لم يعارضها واجب آخر ، فإن عارضها واجب آخر فلا ينبغي أن يفوته ، بل يأتي به ثمّ يتابعه ، لأنّ الإتيان به لا يفوّت المتابعة بالكلّيّة ، وإنّما يؤخّرها ، وتأخير أحد الواجبين مع الإتيان بهما أولى من ترك أحدهما بالكلّيّة ، بخلاف ما إذا كان ما يعارض المتابعة سنّة ، فإنّه يترك السّنّة ويتابع الإمام بلا تأخيرٍ ، لأنّ ترك السّنّة أولى من تأخير الواجب . وعلى ذلك فلو رفع الإمام رأسه من الرّكوع أو السّجود قبل أن يتمّ المأموم التّسبيحات الثّلاث وجب متابعته ، وكذا عكسه . بخلاف سلام الإمام أو قيامه لثالثةٍ قبل إتمام المأموم التّشهّد ، فإنّه لا يتابعه ، بل يتمّ التّشهّد لوجوبه .
هذا ، ومقتضى الاقتداء والمتابعة ألاّ يحصل فعل من أفعال المقتدي قبل فعل الإمام ، وقد فصّل الفقهاء بين الأفعال الّتي يسبّب فيها سبق المأموم فعل إمامه أو مقارنته له بطلان الاقتداء ، وبين غيرها من الأفعال ، فقالوا : إن تقدّم المأموم إمامه في تكبيرة الإحرام لم يصحّ الاقتداء أصلاً ، لعدم صحّة البناء ، وهذا باتّفاق المذاهب .
وجمهور الفقهاء : ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو رواية عن أبي يوسف من الحنفيّة ) على أنّ مقارنة المأموم للإمام في تكبيرة الإحرام تضرّ بالاقتداء وتبطل صلاة المقتدي ، عمداً كان أو سهواً ، لحديث : « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به ، فلا تختلفوا عليه ، فإذا كبّر فكبّروا ، وإذا ركع فاركعوا » لكن المالكيّة قالوا : إن سبقه الإمام ولو بحرفٍ صحّت ، إن ختم المقتدي معه أو بعده ، لا قبله . واشترط الشّافعيّة ، وهو المفهوم من كلام الحنابلة ، تأخّر جميع تكبيرة المقتدي عن تكبيرة الإمام .
ولا تضرّ مقارنة تكبيرة المقتدي لتكبير الإمام عند أبي حنيفة ، حتّى نقل عنه القول بأنّ المقارنة هي السّنّة ، قال في البدائع : ومنها ( أي من سنن الجماعة ) أن يكبّر المقتدي مقارناً لتكبير الإمام فهو أفضل باتّفاق الرّوايات عن أبي حنيفة .. لأنّ الاقتداء مشاركة ، وحقيقة المشاركة المقارنة ، إذ بها تتحقّق المشاركة في جميع أجزاء العبادة .
واتّفق الفقهاء على أنّ المقتدي يتابع الإمام في السّلام ، بأن يسلّم بعده ، وصرّح الحنفيّة : أنّه لو سلّم الإمام قبل أن يفرغ المقتدي من الدّعاء الّذي يكون بعد التّشهّد ، أو قبل أن يصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، فإنّه يتابع الإمام في التّسليم . أمّا عند الجمهور فلو سلّم الإمام قبل أن يصلّي المأموم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّه يصلّي عليه ، ثمّ يسلّم من صلاته ، لأنّ الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم من أركان الصّلاة . ولو سلّم قبل الإمام سهواً فإنّه يعيد ، ويسلّم بعده ، ولا شيء عليه ، أمّا إن سلّم قبل الإمام عمداً فإنّه تبطل صلاته عند الجمهور ، إلاّ أن ينوي المفارقة عند بعض الشّافعيّة .
أمّا مقارنة المقتدي للإمام في السّلام فلا تضرّ عند جمهور الفقهاء ، إلاّ أنّها مكروهة عند الشّافعيّة والحنابلة ، أمّا المالكيّة فقالوا : مساواته للإمام تبطل الصّلاة .
ولا تضرّ مقارنة المأموم للإمام في سائر الأفعال ، كالرّكوع والسّجود مع الكراهة أو بدونها على خلافٍ بين الفقهاء ، فإن تقدّمه في ركوعٍ أو سجودٍ ينبغي البقاء فيهما حتّى يدركه الإمام ، ولو رفع المقتدي رأسه من الرّكوع أو السّجود قبل الإمام ينبغي أن يعود ولا يعتبر ذلك ركوعين أو سجودين اتّفاقاً ، وفي المسألة تفصيل ينظر في ( صلاة ) .
ثانياً - الاقتداء في أقوال الصّلاة :
30 - لا يشترط لصحّة الاقتداء متابعة الإمام في سائر أقوال الصّلاة غير تكبيرة الإحرام والسّلام ، كالتّشهّد والقراءة والتّسبيح ، فيجوز فيها التّقدّم والتّأخّر والموافقة .
اختلاف صفة المقتدي والإمام :
أ - اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم :
31 - يجوز اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم عند جمهور الفقهاء . ( المالكيّة والحنابلة وأبي حنيفة وأبي يوسف ) ، لما ورد في حديث « عمرو بن العاص أنّه بعثه النّبيّ صلى الله عليه وسلم أميراً على سريّةٍ ، فأجنب ، وصلّى بأصحابه بالتّيمّم لخوف البرد ، وعلم النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يأمرهم بالإعادة » .
واستدلّ الحنفيّة للجواز كذلك على أصلهم بأنّ التّيمّم يرفع الحدث مطلقاً من كلّ وجهٍ ، ما بقي شرطه ، وهو العجز عن استعمال الماء ، ولهذا تجوز الفرائض المتعدّدة بتيمّمٍ واحدٍ عندهم .
وكره المالكيّة اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم ، كما أنّ الحنابلة صرّحوا بأنّ إمامة المتوضّئ أولى من إمامة المتيمّم ، لأنّ التّيمّم لا يرفع الحدث ، بل يستباح به الصّلاة للضّرورة .
وقال الشّافعيّة : لا يجوز الاقتداء بمن تلزمه الإعادة كمتيمّمٍ بمتيمّمٍ ، ولو كان المقتدي مثله ، أمّا المتيمّم الّذي لا إعادة عليه فيجوز اقتداء المتوضّئ به ، لأنّه قد أتى عن طهارته ببدلٍ مغنٍ عن الإعادة . وقال محمّد بن الحسن من الحنفيّة : لا يصحّ اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم مطلقاً في غير صلاة الجنازة ، للزوم بناء القويّ على الضّعيف .
اقتداء الغاسل بالماسح :
32 - اتّفق الفقهاء على جواز اقتداء غاسلٍ بماسحٍ على خفٍّ أو جبيرةٍ ، لأنّ الخفّ مانع سراية الحدث إلى القدم ، وما حلّ بالخفّ يرفعه المسح ، فهو باقٍ على كونه غاسلاً ، كما علّله الحنفيّة ، ولأنّ صلاته مغنية عن الإعادة لارتفاع حدثه ، لأنّ المسح يرفع الحدث كما وجّهه الآخرون .
اقتداء المفترض بالمتنفّل :
33 - جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة وهو المختار عند الحنابلة ) على عدم جواز اقتداء المفترض بالمتنفّل ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به ، فلا تختلفوا عليه » ولقوله عليه السلام : « الإمام ضامن » ومقتضى الحديثين ألاّ يكون الإمام أضعف حالاً من المقتدي ، ولأنّ صلاة المأموم لا تؤدّى بنيّة الإمام ، فأشبهت صلاة الجمعة خلف من يصلّي الظّهر .
وقال الشّافعيّة ، وهو الرّواية الثّانية عند الحنابلة : يصحّ اقتداء المفترض بالمتنفّل بشرط توافق نظم صلاتيهما ، لما ورد في الصّحيحين : « أنّ معاذاً كان يصلّي مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة ، ثمّ يرجع إلى قومه فيصلّي بهم تلك الصّلاة » .
فإن اختلف فعلهما كمكتوبةٍ وكسوفٍ أو جنازةٍ ، لم يصحّ الاقتداء في ذلك على الصّحيح لمخالفته النّظم وتعذّر المتابعة .
34 - ويتفرّع على هذه المسألة اقتداء البالغ بالصّبيّ في الفرض ، فإنّه لا يجوز عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) لقول الشّعبيّ : لا يؤمّ الغلام حتّى يحتلم . ولأنّه لا يؤمن من الصّبيّ الإخلال بشرطٍ من شرائط الصّلاة .
وقال الشّافعيّة : يصحّ اقتداء البالغ الحرّ بالصّبيّ المميّز ، ولو كانت الصّلاة فرضاً ، للاعتداد بصلاته ، لأنّ« عمرو بن سلمة كان يؤمّ قومه على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستّ أو سبع سنين ». لكنّهم صرّحوا بكراهة الاقتداء بالصّبيّ المميّز .
هذا في صلاة الفريضة ، أمّا في النّافلة فجاز اقتداء البالغ بالصّبيّ عند بعض الحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة ، ورواية عند الحنابلة . وفي المختار عند الحنفيّة ، ورواية عند المالكيّة والحنابلة : لا يجوز لأنّ نفل الصّغير دون نفل البالغ ، حيث لا يلزمه القضاء بالإفساد ، ولا يبنى القويّ على الضّعيف ، كما علّله الحنفيّة ..
اقتداء المفترض بمن يصلّي فرضاً آخر :
35 - جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) على أنّه لا يجوز اقتداء مفترضٍ بمن يصلّي فرضاً آخر غير فرض المأموم ، فلا يصحّ اقتداء من يصلّي ظهراً خلف من يصلّي عصراً أو غيره ، ولا عكسه ، ولا اقتداء من يصلّي أداءً بمن يصلّي قضاءً ، لأنّ الاقتداء بناء تحريمة المقتدي على تحريمة الإمام ، وهذا يقتضي اتّحاد صلاتيهما ، كما سبق في شروط الاقتداء . ويجوز ذلك عند الشّافعيّة إذا توافق نظم صلاتيهما في الأفعال الظّاهرة ، فيصحّ اقتداء من يصلّي فرضاً من الأوقات الخمسة بمن يصلّي فرضاً آخر منهما أداءً وقضاءً ، مع تفصيلٍ ذكر في موضعه .
اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه :
36 - يجوز اقتداء المقيم بالمسافر في الوقت وخارج الوقت باتّفاق الفقهاء ، فإذا أتمّ الإمام المسافر صلاته يقول للمصلّين خلفه : أتمّوا صلاتكم فإنّي مسافر . فيقوم المقتدي المقيم ليكمل صلاته . ويعتبر في هذه الحالة كالمسبوق عند أكثر الفقهاء .
كذلك يجوز اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت بلا خلافٍ ، وحينئذٍ يجب عليه إتمام صلاته أربعاً متابعةً للإمام . أمّا اقتداء المسافر بالمقيم خارج الوقت فلا يجوز في صلاةٍ رباعيّةٍ عند الحنفيّة ، لأنّ المسافر بعد فوات الوقت تقرّر أنّ فرضه ركعتان فيكون اقتداء مفترضٍ بمتنفّلٍ في حقّ قعدةٍ أو قراءةٍ باقتدائه في شفعٍ أوّلٍ أو ثانٍ .
اقتداء السّليم بالمعذور :
37 - يرى جمهور الفقهاء : ( الحنفيّة والحنابلة ، ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة ) أنّه لا يجوز اقتداء السّليم بالمعذور ، كمن به سلس البول ، واستطلاق البطن ، وانفلات الرّيح ، وكذا الجرح السّائل ، والرّعاف ، والمستحاضة ، لأنّ أصحاب الأعذار يصلّون مع الحدث حقيقةً ، لكن جعل الحدث الموجود في حقّهم كالمعدوم ، للحاجة إلى الأداء فلا يتعدّاهم ، لأنّ الضّرورة تقدّر بقدرها ، ولأنّ الصّحيح أقوى حالاً من المعذور ، ولا يجوز بناء القويّ على الضّعيف ، ولأنّ الإمام ضامن ، بمعنى أنّه تضمن صلاته صلاة المقتدي ، والشّيء لا يتضمّن ما هو فوقه .
وقال الشّافعيّة في الأصحّ : يصحّ اقتداء السّليم بصاحب السّلس ، والطّاهرة بالمستحاضة غير المتحيّرة ، لصحّة صلاتهم من غير إعادةٍ .
وجواز اقتداء السّليم بالمعذور هو قول المالكيّة في المشهور ، لأنّه إذا عفي عن الأعذار في حقّ صاحبها عفي عنها في حقّ غيره . لكنّهم صرّحوا بكراهة إمامة أصحاب الأعذار للأصحّاء . وقد نقل في التّاج والإكليل عن المالكيّة في جواز أو عدم جواز اقتداء السّليم بالمعذور قولين . واستدلّ للجواز بأنّ عمر كان إماماً وأخبر أنّه يجد ذلك ( أي سلس المذي ) ولا ينصرف ويجوز اقتداء صاحب العذر بمثله مطلقاً ، أي ولو اختلف العذر ، أو إن اتّحد عذرهما على تفصيلٍ يذكر في مصطلح ( عذر ) .
اقتداء المكتسي بالعاري :
38 - صرّح جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة ) بعدم صحّة اقتداء المكتسي ( أي مستور العورة ) بالعاري ، لأنّ المقتدي أقوى حالاً من الإمام ، فيلزم اقتداء القويّ بالضّعيف .
ولأنّه تارك لشرطٍ يقدر عليه المأموم ، فأشبه اقتداء المعافى بمن به سلس البول .
حتّى إنّ المالكيّة قالوا : إن وجدوا ثوباً صلّوا به أفذاذاً لا يؤمّهم به أحد .
وذهب الشّافعيّة في الأصحّ إلى جواز اقتداء المستور بالعاري ، بناءً على أصلهم في جواز اقتداء السّليم بالمعذور . أمّا اقتداء العاري بالعاري فيجوز عند عامّة الفقهاء ، إلاّ أنّ المالكيّة قيّدوا الجواز بما إن اجتمعوا بظلامٍ ، وإلاّ تفرّقوا وصلّوا أفذاذاً متباعدين .
اقتداء القارئ بالأمّيّ :
39 - لا يجوز اقتداء القارئ بالأمّيّ عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، والجديد من مذهب الشّافعيّة ) لأنّ الإمام ضامن ويتحمّل القراءة عن المأموم ، ولا يمكن ذلك في الأمّيّ ، لعدم قدرته على القراءة ، ولأنّهما تاركان لشرطٍ يقدران عليه بتقديم القارئ ، والمراد بالأمّيّ هنا عند الفقهاء : من لا يحسن القراءة الّتي تتوقّف عليها الصّلاة .
ويجوز اقتداء القارئ بالأمّيّ في القديم من مذهب الشّافعيّة ، في الصّلاة السّرّيّة دون الجهريّة ، وذهب المزنيّ إلى صحّة الاقتداء به مطلقاً .
وجمهور العلماء على بطلان صلاة القارئ إذا اقتدى بالأمّيّ ، لعدم صحّة بناء صلاته على صلاة الأمّيّ ، كذلك تبطل صلاة الأمّيّ الّذي أمّ القارئ عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الجديد لفقد شرطٍ يقدران عليه .
أمّا الحنابلة فقد فصّلوا في الموضوع فقالوا : إن أمّ أمّيّ أمّيّاً وقارئاً ، فإن كانا عن يمينه ، أو كان الأمّيّ عن يمينه والقارئ عن يساره صحّت صلاة الإمام والأمّيّ المأموم ، وبطلت صلاة القارئ لاقتدائه بأمّيٍّ . وإن كانا خلفه ، أو القارئ وحده عن يمينه ، والأمّيّ عن يساره فسدت صلاة القارئ لاقتدائه بالأمّيّ ، وتبطل صلاة الأمّيّ المأموم لكونه فذّاً خلف الإمام أو عن يساره ، وذلك مبطل للصّلاة عندهم .
هذا ، ويجوز اقتداء الأمّيّ بمثله بلا خلافٍ عند الفقهاء .
اقتداء القادر بالعاجز عن ركنٍ :
40 - لا يجوز اقتداء من يقدر على ركنٍ ، كالرّكوع أو السّجود أو القيام ، بمن لا يقدر عليه عند المالكيّة والحنابلة ، وهو قول محمّدٍ من الحنفيّة ، لأنّ الإمام عجز عن ركنٍ من أركان الصّلاة فلم يصحّ الاقتداء به كالعاجز عن القراءة إلاّ بمثله ، ولعدم جواز اقتداء القويّ بالضّعيف كما مرّ ، إلاّ أنّ الحنابلة استثنوا إمام الحيّ المرجوّ زوال علّته ، وفي هذه الحالة يصحّ أن يصلّي المقتدرون وراءه جلوساً أو قياماً عندهم .
ويجوز اقتداء قائمٍ بقاعدٍ يركع ويسجد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وجاز ذلك عند الشّافعيّة ولو لم يكن القاعد قادراً على الرّكوع أو السّجود ، لحديث عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « صلّى آخر صلاته قاعداً والقوم خلفه قيام » .
واختلفوا في اقتداء المستوي خلف الأحدب ، فقال الحنفيّة والشّافعيّة بجوازه ، وقيّده بعض الحنفيّة بألاّ تبلغ حدبته حدّ الرّكوع ، ويميّز قيامه عن ركوعه ، وقال المالكيّة بجوازه مع الكراهة ، ومنعه الحنابلة مطلقاً .
أمّا إذا كان الإمام يصلّي بالإيماء فلا يجوز اقتداء القائم أو الرّاكع أو السّاجد خلفه عند الجمهور ( الحنفيّة عدا زفر ، والمالكيّة والحنابلة ) خلافاً للشّافعيّة الّذين قاسوا المضطجع والمستلقي على القاعد .
ويجوز اقتداء المومئ بمثله عند الجمهور خلافاً للمالكيّة في المشهور ، لأنّ الإيماء لا ينضبط ، فقد يكون إيماء المأموم أخفض من إيماء الإمام ، وقد يسبقه المأموم في الإيماء ، وهذا يضرّ .
الاقتداء بالفاسق :
41 - الفاسق : من فعل كبيرةً ، أو داوم على صغيرةٍ . وقد صرّح الحنفيّة والشّافعيّة بجواز الاقتداء بالفاسق مع الكراهة ، أمّا الجواز فلما ورد في الحديث : « صلّوا خلف كلّ برٍّ وفاجرٍ » ، ولما رواه الشّيخان أنّ ابن عمر " كان يصلّي خلف الحجّاج على ظلمه . وأمّا الكراهة فلعدم الوثوق به في المحافظة على الشّروط .
وقال الحنابلة - وهو رواية عند المالكيّة - : لا تصحّ إمامة فاسقٍ بفعلٍ ، كزانٍ وسارقٍ وشارب خمرٍ ونمّامٍ ونحوه ، أو اعتقادٍ ، كخارجيٍّ أو رافضيٍّ ولو كان مستوراً . لقوله تعالى : { أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون } ، ولما روي عن جابرٍ مرفوعاً : « لا تؤمّن امرأة رجلاً ، ولا أعرابيّ مهاجراً ، ولا فاجر مؤمناً إلاّ أن يقهره بسلطانٍ يخاف سوطه وسيفه » . وفصّل المالكيّة في الرّواية الأخرى المعتمدة بين الفاسق بجارحةٍ كزانٍ وشارب خمرٍ ، وبين من يتعلّق فسقه بالصّلاة ، كأن يقصد بتقدّمه الكبر ، أو يخلّ بركنٍ أو شرطٍ ، أو سنّةٍ عمداً ، فقالوا بجواز الاقتداء بالأوّل دون الثّاني .
وهذا كلّه في الصّلوات الخمس ، أمّا في الجمع والأعياد فيجوز الاقتداء بالفاسق اتّفاقاً ، لأنّهما يختصّان بإمامٍ واحدٍ ، فالمنع منهما خلفه يؤدّي إلى تفويتهما دون سائر الصّلوات .
الاقتداء بالأعمى والأصمّ والأخرس :
42 - لا خلاف بين الفقهاء في صحّة الاقتداء بالأعمى والأصمّ ، لأنّ العمى والصّمم لا يخلّان بشيءٍ من أفعال الصّلاة ، ولا بشروطها . لكن الحنفيّة والحنابلة صرّحوا بكراهة إمامة الأعمى ، كما صرّح المالكيّة بأفضليّة إمامة البصير المساوي للأعمى في الفضل ، لأنّه أشدّ تحفّظاً من النّجاسات .
وقال الشّافعيّة : الأعمى والبصير سواء لتعارض فضليهما ، لأنّ الأعمى لا ينظر ما يشغله فهو أخشع ، والبصير ينظر الخبث فهو أقدر على تجنّبه ، وهذا إذا كان الأعمى لا يتبذّل ، أمّا إذا تبذّل أي ترك الصّيانة عن المستقذرات ، كأن لبس ثياب البذلة ، كان البصير أولى منه . أمّا الأخرس فلا يجوز الاقتداء به ، لأنّه يترك أركان الصّلاة من التّحريمة والقراءة . حتّى إنّ الشّافعيّة والحنابلة صرّحوا بعدم جواز الاقتداء بالأخرس ، ولو كان المقتدي مثله ، وصرّح الحنفيّة أنّ الأخرس أسوأ حالاً من الأمّيّ ، لقدرة الأمّيّ على التّحريمة دون الأخرس ، فلا يجوز اقتداء الأمّيّ بالأخرس ، ويجوز العكس .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:24 PM

أثر الإقرار :
8 - أثر الإقرار ظهور ما أقرّ به ، أي ثبوت الحقّ في الماضي ، لا إنشاء الحقّ ابتداءً ، فلو أقرّ لغيره بمالٍ والمقرّ له يعلم أنّ المقرّ كاذب في إقراره ، لا يحلّ له أخذ المال عن كرهٍ منه فيما بينه وبين اللّه تعالى ، إلاّ أن يسلّمه إيّاه بطيب نفسٍ منه فيكون تمليكاً مبتدأً على سبيل الهبة . وقال صاحب النّهاية ومن يحذو حذوه : حكمه لزوم ما أقرّ به على المقرّ .
حجّيّة الإقرار :
9 - الإقرار خبر ، فكان محتملاً للصّدق والكذب باعتبار ظاهره ، ولكنّه جعل حجّةً لظهور رجحان جانب الصّدق فيه ، إذ المقرّ غير متّهمٍ فيما يقرّ به على نفسه .
قال ابن القيّم : الحكم بالإقرار يلزم قبوله بلا خلافٍ .
والأصل أنّ الإقرار حجّة بنفسه ، ولا يحتاج لثبوت الحقّ به إلى القضاء ، فهو أقوى ما يحكم به ، وهو مقدّم على البيّنة . ولهذا يبدأ الحاكم بالسّؤال عنه قبل السّؤال عن الشّهادة . قال القاضي أبو الطّيّب : ولهذا لو شهد شاهدان للمدّعي ثمّ أقرّ المدّعى عليه حكم بالإقرار وبطلت الشّهادة . ولذا قيل : إنّه سيّد الحجج .
على أنّ حجّيّته قاصرة على المقرّ وحده لقصور ولاية المقرّ عن غيره فيقتصر عليه . فلا يصحّ إلزام أحدٍ بعقوبةٍ نتيجة إقرار آخر بأنّه شاركه في جريمته . وهذا ما جرى عليه القضاء في عهد الرّسول صلى الله عليه وسلم . فقد روي أنّ « رجلاً جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : إنّه قد زنى بامرأةٍ - سمّاها - فأرسل النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فدعاها فسألها عمّا قال ، فأنكرت فحدّه وتركها » .
غير أنّ هناك بعض حالاتٍ لا بدّ فيها للحكم بمقتضى الإقرار من إقامة البيّنة أيضاً . وهذا إذا ما طلب تعدّي الحكم إلى الغير . فلو ادّعى شخص على مدين الميّت أنّه وصيّه في التّركة ، وصدّقه المدين في دعوى الوصاية والدّين ، فإنّ الوصاية لا تثبت بهذا الإقرار بالنّسبة لمدينٍ آخر ينكر الوصاية وإنّما يحتاج إلى بيّنةٍ .
وفي الدّرّ المختار : أحد الورثة أقرّ بالدّين المدّعى به على مورثه ، وجحده الباقون ، يلزمه الدّين كلّه إن وفّت حصّته من الميراث به ، وقيل : لا يلزمه إلاّ حصّته من الدّين رفعاً للضّرر عنه ، لأنّه إنّما أقرّ بما يتعلّق بكلّ التّركة . وهو قول الشّعبيّ والبصريّ والثّوريّ ومالكٍ وابن أبي ليلى ، واختاره ابن عابدين ، ولو شهد هذا المقرّ مع آخر أنّ الدّين كان على الميّت قبلت شهادته ، ولا يؤخذ منه إلاّ ما يخصّه .
وبهذا علم أنّه لا يحلّ الدّين في نصيبه بمجرّد إقراره ، بل بقضاء القاضي عليه بإقراره . يقول ابن عابدين : ولو أقرّ من عنده العين أنّه وكيل بقبضها لا يكفي إقراره ، ويكلّف الوكيل إقامة البيّنة على إثبات الوكالة حتّى يكون له قبض ذلك . ثمّ الإقرار حجّة في النّسب ، ويثبت به النّسب إلاّ إذا كذّبه الواقع ، كأن يقرّ بنسب من لا يولد مثله لمثله .
سبب الإقرار :
10 - سبب الإقرار كما يقول الكمال بن الهمام : إرادة إسقاط الواجب عن ذمّته بإخباره وإعلامه ، لئلاّ يبقى في تبعة الواجب .
ركن الإقرار :
11 - أركان الإقرار عند غير الحنفيّة أربعة : مقرّ ، ومقرّ له ، ومقرّ به ، وصيغة ، وذلك لأنّ الرّكن عندهم هو ما لا يتمّ الشّيء إلاّ به ، سواء أكان جزءاً منه أم لازماً له . وزاد بعضهم كما يقول الرّمليّ : المقرّ عنده من حاكمٍ أو شاهدٍ ، وقال : وهذه الزّيادة محلّ نظرٍ ، إذ لو توقّف تحقّق الإقرار على ذلك لزم أنّه لو أقرّ خالياً بحيث لا يسمعه شاهد ، ولم يكن أمام قاضٍ ، ثمّ بعد مدّةٍ تبيّن أنّه أقرّ على هذا الوجه في يوم كذا ، لم يعتدّ بهذا الإقرار ، لعدم وجود هذا الرّكن الزّائد ، وهو ممنوع ، ولذا فإنّه لا يشترط .
وأمّا ركن الإقرار عند الحنفيّة فهو الصّيغة فقط ، صراحةً كانت أو دلالةً ، وذلك لأنّ الرّكن عندهم : ما يتوقّف عليه وجود الشّيء ، وهو جزء من ماهيّته .
المقرّ وما يشترط فيه :
المقرّ من صدر منه الإخبار عن ثبوت حقٍّ للغير على نفسه وتشترط فيه أمور :
الشّرط الأوّل : المعلوميّة :
12 - أوّل ما يشترط لاعتبار الإقرار والأخذ به أن يكون المقرّ معلوماً حتّى لو قال رجلان : لفلانٍ على واحدٍ منّا ألف درهمٍ لا يصحّ ، لأنّه إذا لم يكن معلوماً لا يتمكّن المقرّ له من المطالبة ، وكذلك إذا قال أحدهما : غصب واحد منّا ، أو زنى ، أو سرق ، أو شرب ، أو قذف ، لأنّ من عليه الحقّ غير معلومٍ ويجبران على البيان .
الشّرط الثّاني : العقل :
13 - ويشترط في المقرّ أن يكون عاقلاً . فلا يصحّ إقرار الصّبيّ غير المميّز والمجنون والمعتوه والنّائم والسّكران على تفصيلٍ يأتي بيانه .
إقرار المعتوه :
14 - لا يصحّ إقرار المعتوه ولو بعد البلوغ ، لأنّ حكمه حكم الصّبيّ المميّز ، فلا يلتزم بشيءٍ فيه ضرر إلاّ إذا كان مأذوناً له فيصحّ إقراره بالمال ، لكونه من ضرورات التّجارة : كالدّيون ، والودائع ، والعواريّ ، والمضاربات ، والغصوب ، فيصحّ إقراره . لالتحاقه في حقّها بالبالغ العامل . بخلاف ما ليس من باب التّجارة : كالمهر ، والجناية ، والكفالة ، حيث لا يصحّ إقراره بها لأنّها لا تدخل تحت الإذن .
إقرار النّائم والمغمى عليه :
15 - النّائم والمغمى عليه إقرارهما كإقرار المجنون ، لأنّهما حال النّوم والإغماء ليسا من أهل المعرفة والتّمييز ، وهما شرطان لصحّة الإقرار .
إقرار السّكران :
16 - السّكران من فقد عقله بشرب ما يسكر ، وإقرار السّكران جائز بالحقوق كلّها إلاّ الحدود الخالصة ، والرّدّة بمنزلة سائر التّصرّفات . وهذا عند الحنفيّة والمزنيّ من الشّافعيّة وأبي ثورٍ إذا كان سكره بطريقٍ محظورٍ ، لأنّه لا ينافي الخطاب ، إلاّ إذا أقرّ بما يقبل الرّجوع كالحدود الخالصة حقّاً للّه تعالى ، لأنّ السّكران يكاد لا يثبت على شيءٍ فأقيم السّكر مقامه فيما يحتمل الرّجوع فلا يلزمه شيء .
وإن سكر بطريقٍ غير محرّمٍ ، كمن شرب المسكر مكرهاً لا يلزمه شيء ، وكذا من شرب ما لا يعلم أنّه مسكر فسكر بذلك .
وقال المالكيّة : إنّ السّكران لا يؤاخذ بإقراره ، لأنّه وإن كان مكلّفاً إلاّ أنّه محجور عليه في المال ، وكما لا يلزمه إقراره . لا تلزمه العقود ، بخلاف جناياته فإنّها تلزمه .
وقال جمهور الشّافعيّة : إقرار السّكران صحيح ، ويؤاخذ به في كلّ ما أقرّ به ، سواء وقع الاعتداء فيها على حقّ اللّه سبحانه أو على حقّ العبد ، لأنّ المتعدّي بسكره يجب أن يتحمّل نتيجة عمله ، تغليظاً عليه وجزاءً لما أقدم عليه وهو يعلم أنّه سيذهب عقله .
17 - أمّا من تغيّب عقله بسببٍ يعذر فيه فلا يلزم بإقراره ، سواء أقرّ بما يجب فيه الحدّ حقّاً للّه خالصاً أو ما فيه حقّ العبد أيضاً .
وكذا فإنّه لا يصحّ إقرار السّكران في روايةٍ عند الحنابلة ، قال ابن منجّا : إنّها المذهب وجزم به في الوجيز وغيره . وجاء في أوّل كتاب الطّلاق عند الحنابلة أنّ في أقوال السّكران وأفعاله خمس رواياتٍ أو ستّة ، وأنّ الصّحيح في المذهب : أنّه مؤاخذ بعبارته .
إقرار السّفيه :
18 - السّفيه بعد الحجر عليه لا يصحّ إقراره بالمال ، لأنّه من التّصرّفات الضّارّة المحضة من حيث الظّاهر ، وإنّما قبل الإقرار من المأذون للضّرورة .
وإذا بلغ الصّبيّ سفيهاً أو ذا غفلةٍ وحجر عليه بسبب ذلك أو اعتبر محجوراً عليه فإنّه في تصرّفاته الماليّة الضّارّة يأخذ حكم الصّبيّ المميّز ، فإذا تزوّج وأقرّ بأنّ المهر الّذي قرّره لها أكثر من مهر المثل فالزّيادة باطلة ، وهكذا فإنّ القاضي يردّ كلّ تصرّفاته الماليّة الضّارّة . وعلى القول بأنّ الحجر عليه لا بدّ من الحكم به ولا يكون تلقائيّاً بسبب السّفه فإنّ السّفيه المهمل - أي الّذي لم يحجر عليه - يصحّ إقراره .
ونصّ الشّافعيّة على أنّه لا يصحّ إقراره بنكاحٍ ، ولا بدينٍ أسند وجوبه إلى ما قبل الحجر ، أو إلى ما بعده ، ولا يقبل إقراره بعينٍ في يده في حال الحجر ، وكذا بإتلاف مال الغير ، أو جناية توجب المال في الأظهر . وفي قولٍ عندهم يقبل ، لأنّه إذا باشر الإتلاف يضمن ، فإذا أقرّ به قبل إقراره ، ويصحّ إقراره بالحدّ والقصاص لعدم تعلّقهما بالمال ، وسائر العقوبات مثلهما لبعد التّهمة ، ولو كان الحدّ سرقةً قطع ، ولا يلزمه المال .
وذكر الأدميّ البغداديّ من الحنابلة : أنّ السّفيه إن أقرّ بحدٍّ أو قودٍ أو نسبٍ أو طلاقٍ لزم - ويتبع به في الحال - وإن أقرّ بمالٍ أخذ به بعد رفع الحجر عنه . والصّحيح من مذهب الحنابلة : صحّة إقرار السّفيه بالمال سواء لزمه باختياره أو لا ، ويتبع به بعد فكّ الحجر عنه ، وقيل : لا يصحّ مطلقاً ، وهو احتمال ذكره ابن قدامة في المقنع في باب الحجر ، واختاره هو والشّارح .
الشّرط الثّالث : البلوغ :
19 - أمّا البلوغ فإنّه ليس بشرطٍ لصحّة الإقرار فيصحّ إقرار الصّبيّ العاقل المأذون له بالدّين والعين ، لأنّ ذلك من ضرورات التّجارة ، ويصحّ إقراره في قدر ما أذن له فيه دون ما زاد ، ونصّ الحنابلة على أنّه المذهب وعليه جمهور الأصحاب ، وهو قول أبي حنيفة . وقال الشّافعيّ : لا يصحّ إقراره بحالٍ لعموم الخبر : « رفع القلم عن ثلاثةٍ ، عن الصّبيّ حتّى يبلغ ، وعن المجنون حتّى يفيق ، وعن النّائم حتّى يستيقظ » ولأنّه لا تقبل شهادته ، وفي قولٍ عند الحنابلة : إنّه لا يصحّ إقرار المأذون له إلاّ في الشّيء اليسير . إلاّ أنّه لا يصحّ إقرار المحجور عليه ، لأنّه من التّصرّفات الضّارّة المحضة من حيث الظّاهر . ويقبل إقرار الصّبيّ ببلوغه الاحتلام في وقت إمكانه ، إذ لا يمكن معرفة ذلك إلاّ من جهته ، وكذا ادّعاء الصّبيّة البلوغ برؤية الحيض . ولو ادّعى البلوغ بالسّنّ قبل ببيّنةٍ ، وقيل : يصدّق في سنٍّ يبلغ في مثلها ، وهي تسع سنين ، وقيل : عشر سنين ، وقيل : اثنتا عشرة سنةً ، ويلزمه بهذا البلوغ ما أقرّ به . وأفتى الشّيخ تقيّ الدّين : فيمن أسلم أبوه ، فادّعى أنّه بالغ ، بأنّه إذا كان لم يقرّ بالبلوغ إلى حين الإسلام فقد حكم بإسلامه قبل الإقرار بالبلوغ . وذلك بمنزلة ما إذا ادّعت انقضاء العدّة بعد أن ارتجعها ، وقال : هذا يجيء في كلّ من أقرّ بالبلوغ بعد حقٍّ ثبت في حقّ الصّبيّ ، مثل الإسلام ، وثبوت أحكام الذّمّة تبعاً لأبيه .

الشّرط الرّابع : فهم المقرّ لما يقرّ به .
20 - لا بدّ للزوم الإقرار واعتباره أن تكون الصّيغة مفهومةً للمقرّ فلو لقّن العامّيّ كلماتٍ عربيّةً لا يعرف معناها لم يؤاخذ بها ، لأنّه لمّا لم يعرف مدلولها يستحيل عليه قصدها ، لأنّ العامّيّ - غير المخالط للفقهاء - يقبل منه دعوى الجهل بمدلول كثيرٍ من ألفاظ الفقهاء ، بخلاف المخالط فلا يقبل منه فيما لا يخفى على مثله معناه . وبالأولى لو أقرّ العربيّ بالعجميّة أو العكس وقال : لم أدر ما قلت ، صدّق بيمينه ، لأنّه أدرى بنفسه والظّاهر معه .
الشّرط الخامس : الاختيار :
21 - ويشترط في المقرّ الاختيار ، مدعاةً للصّدق ، فيؤاخذ به المكلّف بلا حجرٍ ، أي حال كونه غير محجورٍ عليه . فإذا أقرّ الحرّ البالغ العاقل طواعيةً بحقٍّ لزمه .
وقال الحنابلة : إنّه يصحّ من مكلّفٍ مختارٍ بما يتصوّر منه التزامه ، بشرط كونه بيده وولايته واختصاصه ، ولو على موكّله أو مورثه أو مولّيه .

الشّرط السّادس : عدم التّهمة :
22 - ويشترط في المقرّ لصحّة إقراره أن يكون غير متّهمٍ في إقراره ، لأنّ التّهمة تخلّ برجحان الصّدق على جانب الكذب في إقراره ، لأنّ إقرار الإنسان على نفسه شهادة . قال اللّه تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه ولو على أنفسكم } والشّهادة على نفسه إقرار . والشّهادة ترد بالتّهمة . ومن أمثلته : ما لو أقرّ لمن بينه وبينه صداقة أو مخالطة .
23 - وممّن يتّهم في إقراره المدين المحجور عليه ، لإحاطة الدّين بماله الّذي حجر عليه فيه ، وهو ما يعبّر عنه بالمفلس .
بل صرّح المالكيّة أنّ هذا القيد - ألاّ يكون متّهماً - إنّما يعتبر في المريض ونحوه والصّحيح المحجور عليه ، لإحاطة الدّين بماله الّذي حجر عليه فيه . والصّحيح : أنّ المفلس بالنّسبة لما فلّس فيه متّهم في إقراره ، فلا يقبل إقراره لأحدٍ ، حيث كان الدّين الّذي فلّس فيه ثابتاً بالبيّنة ، لأنّه متّهم على ضياع مال الغرماء ، ولا يبطل الإقرار ، بل هو لازم يتبع به في ذمّته ، ويؤاخذ به المقرّ فيما يجدّ له من مالٍ فقط ، ولا يحاصّ المقرّ له الغرماء بالدّين الّذي أقرّ له به المفلس .
ونقل القاضي عن الإمام أحمد أنّ المفلس إذا أقرّ ، وعليه دين ببيّنةٍ ، يبدأ بالدّين الّذي بالبيّنة ، لأنّه أقرّ بعد تعلّق الحقّ بتركته ، فوجب ألاّ يشارك المقرّ له من ثبت دينه ببيّنةٍ ، كغريم المفلس الّذي أقرّ له بعد الحجر عليه ، وبهذا قال النّخعيّ والثّوريّ وأصحاب الرّأي . وفصّل الشّافعيّة ، فقالوا : لو أقرّ المفلس بعينٍ أو دينٍ وجب قبل الحجر ، فالأظهر قبوله في حقّ الغرماء لانتفاء التّهمة الظّاهرة ، وقيل : لا يقبل إقراره في حقّ الغرماء ، لئلاّ يضرّهم بالمزاحمة ، ولأنّه ربّما واطأ المقرّ له .
وإن أسند وجوبه إلى ما بعد الحجر لم يقبل في حقّهم ، بل يطالب بعد فكّ الحجر . ولو لم يسند وجوبه إلى ما قبل الحجر ولا لما بعده ، فقياس المذهب - على ما قاله الرّافعيّ - تنزيله على الأقلّ ، وهو جعله كالمسند إلى ما بعد الحجر .
إقرار المريض مرض الموت :
24 - وممّن يتّهم في إقراره : المريض مرض موتٍ في بعض الحالات على ما سنبيّنه في مصطلح ( مرض الموت ) وإن كان الأصل أنّ المرض ليس بمانعٍ من صحّة الإقرار في الجملة . إذ الصّحّة ليست شرطاً في المقرّ لصحّة إقراره ، لأنّ صحّة إقرار الصّحيح برجحان جانب الصّدق ، وحال المريض أدلّ على الصّدق ، فكان إقراره أولى بالقبول . غير أنّ المالكيّة نصّوا على أنّ من أقرّ بشيءٍ في صحّته : بشيءٍ من المال ، أو الدّين ، أو البراءات ، أو قبض أثمان المبيعات ، فإقراره عليه جائز ، لا تلحقه فيه تهمة ، ولا يظنّ فيه توليج ، والأجنبيّ والوارث في ذلك سواء ، وكذا القريب والبعيد والعدوّ والصّديق .
ويقول الحطّاب : من أقرّ بشيءٍ في صحّته لبعض ورثته ، قدّم المقرّ له بعد موت المقرّ ، ويقيم البيّنة على الإقرار . قال ابن رشدٍ : هذا هو المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالكٍ المشهور في المذهب . ووقع في المبسوط لابن كنانة والمخزوميّ وابن أبي حازمٍ ومحمّد بن مسلمة أنّه لا شيء له ، وإن أقرّ له في صحّته إذا لم يقم عليه بذلك بيّنةً حتّى هلك إلاّ أن يعرف سبب ذلك ، فإن عرف ذلك فبها وإلاّ فإذا لم يعرف له سبب فلا شيء له ، لأنّ الرّجل يتّهم أن يقرّ بدينٍ في صحّته لمن يثق به من ورثته على ألاّ يقوم به حتّى يموت . وقيل : إنّه نافذ ويحاصّ به الغرماء في الفلس ، وهو قول ابن القاسم في المدوّنة والعتبيّة ، وقال ابن رشدٍ : لا يحاصّ به على قول ابن القاسم إن ثبت ميله إليه إلاّ باليمين ، واختار ابن رشدٍ إبطال الإقرار بالدّين مراعاةً لقول المدنيّين .
وعلى هذا فإقرار المريض مرض موتٍ بالحدّ والقصاص مقبول اتّفاقاً ، وكذا إقراره بدينٍ لأجنبيٍّ فإنّه ينفذ من كلّ ماله ما لم يكن عليه ديون أقرّ بها في حال صحّته عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وأصحّ الرّوايات عند الحنابلة ، وهو المذهب عندهم ، وجزم به في الوجيز ، لأنّه لم يتضمّن إبطال حقّ الغير وكان المقرّ له أولى من الورثة ، لقول عمر : إذا أقرّ المريض بدينٍ جاز ذلك عليه في جميع تركته ، ولأنّ قضاء الدّين من الحوائج الأصليّة ، وحقّ الورثة يتعلّق بالتّركة بشرط الفراغ . وفي رواية عند الحنابلة : أنّه لا يقبل ، وفي روايةٍ أخرى عندهم لا يصحّ بزيادةٍ على الثّلث .
قال ابن قدامة : أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ إقرار المريض في مرضه لغير وارثٍ جائز ، وحكى أصحابنا روايةً أخرى أنّه لا يقبل ، لأنّه إقرار في مرض الموت أشبه الإقرار لوارثٍ . وقال أبو الخطّاب في روايةٍ أخرى : إنّه لا يقبل إقراره بزيادةٍ على الثّلث ، لأنّه ممنوع من عطيّة ذلك الأجنبيّ ، كما هو ممنوع من عطيّة الوارث ، فلا يصحّ إقراره بما لا يملك عطيّته بخلاف الثّلث فما دون . والمقصود بالأجنبيّ هنا أن يكون غير وارثٍ في المقرّ فيشمل القريب غير الوارث . ويصرّح المالكيّة بذلك فيقولون : إن أقرّ لقريبٍ غير وارثٍ كالخال أو لصدّيقٍ ملاطفٍ أو مجهولٍ حاله - لا يدرى هل هو قريب أم لا - صحّ الإقرار إن كان لذلك المقرّ ولد وإلاّ فلا ، وقيل : يصحّ .
وأمّا لو أقرّ لأجنبيٍّ غير صديقٍ كان الإقرار لازماً كان له ولد أم لا . وقال الشّافعيّة : للوارث تحليف المقرّ له على الاستحقاق .
وأمّا إقرار المريض لوارثٍ فهو باطل إلاّ أن يصدّقه الورثة أو يثبت ببيّنةٍ عند الحنفيّة والمذهب عند الحنابلة ، وفي قولٍ للشّافعيّة . وعند المالكيّة : إن كان متّهماً في إقراره كأن يقرّ لوارثٍ قريبٍ مع وجود الأبعد أو المساوي ، كمن له بنت وابن عمٍّ فأقرّ لابنته لم يقبل وإن أقرّ لابن عمّه قبل ، لأنّه لا يتّهم في أنّه يزري ابنته ويوصّل المال إلى ابن عمّه . وعلّة منع الإقرار التّهمة ، فاختصّ المنع بموضعها .
وأطال المالكيّة في تصوير ذلك والتّفريع عليه . وقالوا : من مرض بعد الإشهاد في صحّته لبعض ولده فلا كلام لبقيّة أولاده إن كتب الموثّق أنّ الصّحيح قبض من ولده ثمن ما باعه له ، فإن لم يكتب فقيل : يحلف مطلقاً . وقيل : يحلف إن اتّهم الأب بالميل إليه .
قال الموّاق : لا يقبل إقرار المريض لمن يتّهم عليه . وسئل المازريّ عمّن أوصى بثلث ماله ، ثمّ اعترف بدنانير لمعيّنٍ : فأجاب إن اعترف في صحّته حلف المقرّ له يمين القضاء . واستدلّ القائلون ببطلان الإقرار بما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا وصيّة لوارثٍ ، ولا إقرار له بالدّين » ، وبالأثر عن ابن عمر أنّه قال : " إذا أقرّ الرّجل في مرضه بدينٍ لرجلٍ غير وارثٍ فإنّه جائز وإن أحاط بماله ، وإن أقرّ لوارثٍ فهو باطل إلاّ أن يصدّقه الورثة " . وقول الواحد من فقهاء الصّحابة مقدّم على القياس . ولم يعرف لابن عمر في ذلك مخالف من الصّحابة فكان إجماعاً ، ولأنّه تعلّق حقّ الورثة بماله في مرضه ، ولهذا يمنع من التّبرّع على الوارث أصلاً ، ففي تخصيص البعض به إبطال حقّ الباقين .
وفي كتب الحنابلة : لو أقرّت المرأة بأنّها لا مهر لها على زوجها لم يصحّ ، إلاّ أن يقيم بيّنةً أنّها أخذته .
إقرار المريض بالإبراء :
25 - إذا أقرّ المريض أنّه أبرأ فلاناً من الدّين الّذي عليه في صحّته لا يجوز ، لأنّه لا يملك إنشاء الإبراء للحال ، فلا يملك الإقرار به ، بخلاف الإقرار باستيفاء الدّين ، لأنّه إقرار بقبض الدّين ، وأنّه يملك إنشاء القبض فيملك الإخبار عنه بالإقرار . وهذا مذهب الحنفيّة . ويقرب منهم الشّافعيّة إذ يقولون : إذا أبرأ المريض مرض الموت أحد مديونيه ، والتّركة مستغرقة بالدّيون ، لم ينفذ إبراؤه لتعلّق حقّ الغرماء . بينما يقول المالكيّة في باب الإقرار : وإن أبرأ إنسان شخصاً ممّا قبله أو أبرأه من كلّ حقٍّ له عليه ، أو أبرأه وأطلق بريء مطلقاً ممّا في الذّمّة وغيرها معلوماً أو مجهولاً . وهذه العبارة بإطلاقها شاملة للمريض وللصّحيح ، وشاملة للإبراء من دين الصّحّة وغيره .
الرّكن الثّاني : المقرّ له ، وما يشترط فيه :
المقرّ له من يثبت له الحقّ المقرّ به ، ويحقّ له المطالبة به أو العفو عنه واشترط الفقهاء فيه ما يأتي :
الشّرط الأوّل : ألاّ يكون المقرّ له مجهولاً :
26 - فلا بدّ أن يكون معيّناً ، بحيث يمكن أن يطالب به ، ولو كان حملاً . كأن يقول : عليّ ألف لفلانٍ ، أو عليّ ألف لحمل فلانة ، وسيأتي تفصيل الإقرار للحمل . أو يكون مجهولاً جهالةً غير فاحشةٍ ، كأن يقول : عليّ مال لأحد هؤلاء العشرة ، أو لأحد أهل البلد ، وكانوا محصورين عند الشّافعيّة ، والنّاطفيّ وخواهر زاده من الحنفيّة .
الإقرار مع جهالة المقرّ له :
27 - أجمع الفقهاء على أنّ الجهالة الفاحشة بالمقرّ له لا يصحّ معها الإقرار ، لأنّ المجهول لا يصلح مستحقّاً ، إذ لا يجبر المقرّ على البيان ، من غير تعيين المستحقّ ، فلا يفيد الإقرار شيئاً .
وأمّا إذا كانت الجهالة غير فاحشةٍ بأن قال : عليّ ألف لأحد هذين أو لأحد هؤلاء العشر : أو لأحد أهل البلد وكانوا محصورين ، فهناك اتّجاهان :
الأوّل : ما ذهب إليه الشّافعيّة ، وهو ما اختاره النّاطفيّ وخواهر زاده من الحنفيّة . أنّ هذا الإقرار صحيح ، لأنّه قد يفيد وصول الحقّ إلى المستحقّ بتحليف المقرّ لكلٍّ من حصرهم ، أو بتذكّره ، لأنّ المقرّ قد ينسى ، وهو ما يفهم من مغني ابن قدامة ، لأنّه مثّل بالجهالة اليسيرة . والثّاني : ما ذهب إليه جمهور الحنفيّة ، وهو ما اختاره السّرخسيّ : من أنّ أيّ جهالةٍ تبطل الإقرار ، لأنّ المجهول لا يصلح مستحقّاً ، ولا يجبر المقرّ على البيان ، من غير تعيين المدّعي .
الشّرط الثّاني : أن تكون للمقرّ له أهليّة استحقاق المقرّ به حسّاً وشرعاً :
28 - فلو أقرّ لبهيمةٍ أو دارٍ ، بأنّ لها عليه ألفاً وأطلق لم يصحّ الإقرار ، لأنّهما ليسا من أهل الاستحقاق . أمّا لو ذكر سبباً يمكن أن ينسب إليه ، كما لو قال : عليّ كذا لهذه الدّابّة بسبب الجناية عليها ، أو لهذه الدّار بسبب غصبها أو إجارتها ، فالجمهور على أنّ هذا الإقرار صحيح ، ويكون الإقرار في الحقيقة لصاحب الدّابّة أو الدّار وقت الإقرار وهو اختيار المرداويّ ، كما جزم به صاحب الرّعاية ، وابن مفلحٍ في الفروع من الحنابلة .
لكن جمهور الحنابلة على أنّ هذا الإقرار لا يصحّ ، لأنّ هذا الإقرار وقع للدّار وللدّابّة ، وهما ليستا من أهل الاستحقاق .
الإقرار للحمل :
29 - إن أقرّ لحمل امرأةٍ عيّنها بدينٍ أو عيّن فقال : عليّ كذا ، أو عندي كذا لهذا الحمل وبيّن السّبب فقال : بإرثٍ أو وصيّةٍ ، كان الإقرار معتبراً ولزمه ما أقرّ به لإمكانه . وكان الخصم في ذلك وليّ الحمل عند الوضع ، إلاّ إذا تمّ الوضع لأكثر من أربع سنين - من حين الاستحقاق مطلقاً - الّتي هي أقصى مدّة الحمل - كما يرى فريق من الفقهاء - أو لستّة أشهرٍ فأكثر - الّتي هي أقلّ مدّة الحمل - وهي فراش لم يستحقّ ، لاحتمال حدوث الحمل بعد الإقرار . ولا يصحّ الإقرار إلاّ لحملٍ يتيقّن وجوده عند الإقرار ، ويكون ذلك بما إذا وضعته لأقلّ من ستّة أشهرٍ ، أو لأكثر من ذلك إلى سنتين عند الحنفيّة ، وإلى أربعةٍ عند الشّافعيّة . وينصّ المالكيّة : ولزم الإقرار للحمل ، وإن كان الإقرار أصله وصيّةً فله الكلّ ، وإن كان بالإرث من الأب - وهو ذكر - فكذلك ، وإن كان أنثى فلها النّصف ، وإن ولدت ذكراً وأنثى فهو بينهما بالسّويّة إن أسنده إلى وصيّةٍ ، وأثلاثاً إن أسنده إلى إرثٍ ، إلاّ إذا كانت جهة التّوريث يستوي فيها الذّكر والأنثى كالإخوة لأمٍّ ، وإن أسند السّبب إلى جهةٍ لا تمكن في حقّه كقوله : باعني شيئاً فلغو للقطع بكذبه ، وعند الشّافعيّة قول بغير ذلك .
وإن أطلق الإقرار ولم يسنده إلى شيءٍ صحّ عند الحنابلة ، لإطلاقهم القول بصحّة الإقرار بحال حمل امرأةٍ ، لجواز أن يكون له وجه . وقال أبو الحسن التّميميّ : لا يصحّ إلاّ أن يسنده إلى سببٍ من إرثٍ أو وصيّةٍ ، وقيل : لا يصحّ مطلقاً . قال في النّكت : ولا أحسب هذا قولاً في المذهب .
وصحّ في الأظهر عند الشّافعيّة ، ويحمل على الممكن في حقّه ، صوناً لكلام المكلّف عن الإلغاء ما أمكن . وفي قولٍ عند الشّافعيّة : لا يصحّ ، إذ المال لا يجب إلاّ بمعاملةٍ أو جنايةٍ ، وهما منتفيان في حقّه ، فحمل الإطلاق على الوعد . وقال أبو يوسف من الحنفيّة : إن أجمل الإقرار لا يصحّ ، لأنّ الإقرار المبهم يحتمل الصّحّة والفساد ، لأنّه إن كان يصحّ بالحمل على الوصيّة والإرث فإنّه يفسد بالحمل على البيع والغصب والقرض ، كما أنّ الحمل في نفسه محتمل الوجود والعدم ، والشّكّ من وجهٍ واحدٍ يمنع صحّة الإقرار ، فمن وجهين أولى . وقال محمّد : يصحّ حملاً لإقرار العاقل على الصّحّة .
ولو انفصل الحمل ميّتاً فلا شيء على المقرّ للحمل أو ورثته ، للشّكّ في حياته وقت الإقرار . فيسأل القاضي المقرّ حسبةً عن جهة إقرارٍ من إرثٍ أو وصيّةٍ ليصل الحقّ لمستحقّه . وإن مات المقرّ قبل البيان بطل . وإن ألقت حيّاً وميّتاً جعل المال للحيّ .
الإقرار للميّت :
30 - لو قال : لهذا الميّت عليّ كذا فذلك إقرار صحيح ، وهو إقرار في الحقيقة للورثة يتقاسمونه قسمة الميراث ، لكن إن كان المقرّ له حملاً ثمّ سقط ميّتاً بطل الإقرار ، إن كان سبب الاستحقاق ميراثاً أو وصيّةً ، ويرجع المال إلى ورثة المورث ، أو ورثة الموصي .
الإقرار بالحمل :
31 - نصّ الحنفيّة : على أنّ من أقرّ لرجلٍ بحمل فرسٍ أو حمل شاةٍ فإنّ إقراره صحيح ولزمه ما أقرّ به ، لأنّ له وجهاً صحيحاً وهو الوصيّة بالحمل ، بأن تكون الفرس أو الشّاة لواحدٍ ، وأوصى بحملها لرجلٍ ، ومات والمقرّ وارثه ، وقد علم بوصيّةٍ مورثه .
الإقرار للجهة :
32 - الأصل أنّه يصحّ الإقرار لمن كان لديه أهليّة ماليّةٍ أو استحقاقٍ كالوقف والمسجد ، فيصحّ الإقرار لهما . على نفسه بمالٍ له ، ويصرف في إصلاحه وبقاء عينه ، كأن يقول ناظر على مسجدٍ أو وقفٍ : ترتّب في ذمّتي مثلاً للمسجد أو للوقف كذا . فإنّ الإقرار لهذا ومثله كالطّريق والقنطرة والسّقاية ، يصحّ ، ولو لم يذكر سبباً ، كغلّة وقفٍ أو وصيّةٍ ، لأنّه إقرار من مكلّفٍ مختارٍ فلزمه ، كما لو عيّن السّبب ويكون لمصالحها ، فإذا أسنده لممكنٍ بعد الإقرار صحّ . وفي وجهٍ عند الحنابلة ذكره التّميميّ : أنّ الإقرار للمسجد ونحوه من الجهات لا يصحّ إلاّ مع ذكر السّبب .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:24 PM

الشّرط الثّالث : ألاّ يُكَذّب المقرّ في إقراره :
33 - يشترط الفقهاء لصحّة الإقرار ألاّ يكذّب المقرّ له المقرّ فيما أقرّ به ، فإن كذّبه بطل إقراره لأنّ الإقرار ممّا يرتدّ بالرّدّ إلاّ في بعض مسائل : منها الإقرار بالحرّيّة والرّقّ والنّسب وولاء العتاقة والوقف والطّلاق والميراث والنّكاح وابراء الكفيل وإبراء المدين بعد قوله : أبرئني . فلو قال المقرّ له للمقرّ : ليس لي عليك شيء ، أو لا علم لي ، واستمرّ التّكذيب فلا يؤاخذ بإقراره . والتّكذيب يعتبر من بالغٍ رشيدٍ .
ونصّ الشّافعيّة على أنّه إن كذّب المقرّ له المقرّ وكان قد أقرّ له بعينٍ ، ترك المال المقرّ به في يد المقرّ في الأصحّ ، لأنّ يده مشعرة بالملك ظاهراً ، والإقرار بالطّارئ عارضه التّكذيب فسقط ، فتبقى يده على ما معه يد ملكٍ لا مجرّد استحفاظٍ . ويقابل الأصحّ أنّ الحاكم ينزعه منه ويحفظه إلى ظهور مالكه . وإذا ادّعى المقرّ له جنساً آخر بعد أن كذّب المقرّ حلف المقرّ . أمّا إذا أقرّ المقرّ بشيءٍ ثمّ ادّعى أنّه كاذب في إقراره حلف المقرّ له أو وارثه على المفتى به - عند الحنفيّة - أنّ المقرّ لم يكن كاذباً في إقراره . وقيل : لا يحلف ، وفي جامع الفصولين : أقرّ فمات فقال ورثته : إنّه أقرّ كاذباً فلم يجز إقراره ، والمقرّ له عالم به ليس لهم تحليفه ، إذ وقت الإقرار لم يتعلّق حقّهم بمال المقرّ فصحّ الإقرار ، وحيث تعلّق حقّهم صار حقّاً للمقرّ له .
الرّكن الثّالث : المقرّ به :
34 - المقرّ به في الأصل نوعان : حقّ اللّه تعالى ، وحقّ العبد . وحقّ اللّه تعالى نوعان : حقّ خالص للّه ، وحقّ للّه فيه حقّ وللعبد أيضاً .
ولصحّة الإقرار بحقّ اللّه شروط هي : تعدّد الإقرار ، ومجلس القضاء والعبارة . حتّى إنّ الأخرس إذا كتب الإقرار فيما هو حقّ اللّه بيده ، أو بما يعرف أنّه إقرار بهذه الأشياء يجوز ، بخلاف الّذي اعتقل لسانه ، لأنّ للأخرس إشارةً معهودةً فإذا أتى بها يحصل العلم بالمشار إليه ، وليس ذلك لمن اعتقل لسانه ، ولأنّ إقامة الإشارة مقام العبارة أمر ضروريّ ، والخرس ضرورة لأنّه أصليّ ، وكذلك فإنّه لا يشترط لصحّة الإقرار بحقّ اللّه تعالى الصّحو حتّى يصحّ إقرار السّكران ، وفي ذلك كلّه تفصيل وخلاف مبيّن في الحدود ، وعند الكلام عن حقّ اللّه تعالى .
وأمّا حقّ العبد فهو المال ، من العين والدّين والنّسب والقصاص والطّلاق والعتاق ونحوها ، ولا يشترط لصحّة الإقرار بها ما يشترط لصحّة الإقرار بحقوق اللّه تعالى . فهي تثبت مع الشّبهات ، بخلاف حقوق اللّه تعالى . والشّرائط المختصّة بحقوق العباد نوعان :
نوع يرجع إلى المقرّ له ، وهو أن يكون معلوماً على ما سبق ،
ونوع يرجع إلى المقرّ به ، فيشترط لصحّة الإقرار بالعين والدّين الفراغ عن تعلّق حقّ الغير . فإن كان مشغولاً بحقّ الغير لم يصحّ ، لأنّ حقّ الغير معصوم محترم ، فلا يجوز إبطاله من غير رضاه ، فلا بدّ من معرفة وقت التّعلّق .
35 - ولمّا كان الإقرار إخباراً عن كائنٍ ، وذلك قد يكون معلوماً وقد يكون مجهولاً ، فإنّ جهالة المقرّ به لا تمنع صحّة الإقرار بغير خلافٍ . فلو أتلف على آخر شيئاً ليس من ذوات الأمثال فوجبت عليه قيمته ، أو جرح آخر جراحةً ليس لها في الشّرع أرش مقدّر فأقرّ بالقيمة والأرش ، فكان الإقرار بالمجهول إخباراً عن المخبر عنه على ما هو به . ويجبر على البيان لأنّه هو المجمل ، فكان البيان عليه ، قال اللّه تعالى : { فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ثمّ إنّ علينا بيانه } ويصحّ بيانه متّصلاً ومنفصلاً ، لأنّه بيان محض فلا يشترط فيه الوصل . 36 - لا بدّ أن يبيّن شيئاً له قيمة ، لأنّه أقرّ بما في ذمّته ، وما لا قيمة له لا يثبت في الذّمّة ، وإذا بيّن شيئاً له قيمة فإن صدّقه المقرّ له وادّعى عليه زيادةً ، أخذ ذلك القدر المعيّن ، وأقام البيّنة على الزّيادة ، وإلاّ حلّفه عليها إن أراد ، لأنّه منكر للزّيادة ، والقول قول المنكر مع يمينه ، وإن كذّبه وادّعى عليه مالاً آخر أقام البيّنة ، وإلاّ حلّفه عليه ، وليس له أن يأخذ ما عيّنه ، لأنّه أبطل إقراره بالتّكذيب .
وعلى هذا فإذا قال : لفلانٍ عليّ مال ، يصدّق في القليل والكثير . لأنّ المال اسم ما يتموّل ، وهذا يقع على القليل والكثير ، ويصحّ بيانه متّصلاً ومنفصلاً . وبهذا قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . ونقل ابن قدامة عن أبي حنيفة أنّه لا يقبل تفسيره . بغير المال الزّكويّ ، وأنّ بعض أصحاب مالكٍ حكوا عنه ثلاثة أوجهٍ : أحدها كغير المالكيّة ،
والثّاني : لا يقبل إلاّ أوّل نصابٍ من نصب الزّكاة من نوع أموالهم ،
والثّالث : ما يقطع فيه السّارق ويصحّ مهراً .
ويقول الزّيلعيّ : لم يصدّق في أقلّ من درهمٍ ، لأنّ ما دونه لا يطلق عليه اسم المال عادةً وهو المعتبر . ولو قال : له عليّ مال عظيم فالواجب نصاب ، لأنّه عظيم في الشّرع حتّى اعتبر صاحبه غنيّاً . وعن أبي حنيفة أنّه لا يصدّق في أقلّ من عشرة دراهم ، لأنّه نصاب السّرقة والمهر ، وهو عظيم حيث تقطع به اليد ويصلح مهراً .
ويجبره القاضي على البيان ، ولا بدّ أن يبيّن ما له قيمة ، لأنّ ما لا قيمة له لا يجب في الذّمّة ، فإذا بيّن بما لا قيمة له اعتبر رجوعاً ، والقول قوله مع يمينه ، وإن ادّعى المقرّ له أكثر من ذلك فالقول قول المقرّ مع يمينه .
ولو أقرّ له بشيءٍ أو حقٍّ ، وقال : أردت حقّ الإسلام ، لا يصحّ إن قاله مفصولاً ، ويصحّ إن قاله موصولاً . وينصّ المالكيّة على أنّه إن قال : لك أحد ثوبين ، عيّن المقرّ . فإن عيّن له الأدنى حلف إن اتّهمه المقرّ له ، وإذا لم يعيّن بأن قال : لا أدري . قيل للمقرّ له : عيّن أنت . فإن عيّن أدناهما أخذه بلا يمينٍ ، وإن عيّن أجودهما حلف للتّهمة وأخذه ، وإن قال : لا أدري ، حلفا معاً على نفي العلم ، واشتركا فيهما بالنّصف .
وقال المالكيّة : لو قال : له في هذه الدّار حقّ ، أو في هذا الحائط ، أو في هذه الأرض ، ثمّ فسّر ذلك بجزءٍ منها قبل تفسيره ، قليلاً كان أو كثيراً ، شائعاً كان أو معيّناً .
وينصّ الحنابلة على أنّه إن امتنع عن التّفسير حبس حتّى يفسّر ، لأنّه ممتنع من حقٍّ عليه ، فيحبس به ، كما لو عيّنه وامتنع من أدائه . وقال القاضي : يجعل ناكلاً ويؤمر المقرّ له بالبيان . وقالوا : إن مات من عليه الحقّ أخذ ورثته بمثل ذلك ، لأنّ الحقّ ثبت على مورثهم فيتعلّق بتركته ، وقد صارت إلى الورثة ، فيلزمهم ما لزم مورثهم ، كما لو كان الحقّ مبيّناً ، وإن لم يخلّف الميّت تركةً فلا شيء على الورثة .
ونصّ الشّافعيّة على أنّه لو فسّره بما لا يتموّل - لكن من جنسه - كحبّة حنطةٍ ، أو بما يحلّ اقتناؤه ككلبٍ معلّمٍ ، قبل في الأصحّ ويحرم أخذه ويجب ردّه . وقيل : لا يقبل فيهما ، لأنّ الأوّل لا قيمة له فلا يصحّ التزامه بكلمة " عليّ " ، والثّاني : ليس بمالٍ ، وظاهر الإقرار المال . وقالوا : لا يقبل تفسيره بنحو عيادة مريضٍ وردّ سلامٍ ، إذ لا مطالبة بهما ، وهم يشترطون أن يكون المقرّ به ممّا يجوز به المطالبة . أمّا لو كان قال : له عليّ حقّ ، فإنّه يقبل لشيوع الحقّ في استعمال كلّ ذلك .
وكذلك يصرّح الحنابلة بأنّه متى فسّر إقراره بما يتموّل في العادة قبل تفسيره وثبت ، إلاّ أن يكذّبه المقرّ له ، ويدّعي جنساً آخر أو لا يدّعي شيئاً ، فبطل إقراره ، وكذا إن فسّره بما ليس بمالٍ في الشّرع ، وإن فسّره بكلبٍ غير جائزٍ اقتناؤه فكذلك . وإن فسّره بكلبٍ يجوز اقتناؤه ، أو جلد ميتةٍ غير مدبوغٍ ففيه وجهان ، الأوّل : يقبل لأنّه شيء يجب ردّه ، والوجه الثّاني : لا يقبل ، لأنّ الإقرار إخبار عمّا يجب ضمانه وهذا لا يجب ضمانه ، غير أنّهم قالوا : إن فسّره بحبّة حنطةٍ أو شعيرٍ لم يقبل ، لأنّ هذا لا يتموّل عادةً على انفراده . وقالوا أيضاً : إن فسّره بحقّ شفعةٍ قبل ، لأنّه حقّ واجب ويئول إلى مالٍ ، وإن فسّره بحدّ قذفٍ قبل ، لأنّه حقّ يجب عليه - وهم في ذلك كالشّافعيّة - غير أنّهم قالوا بالنّسبة لحدّ القذف : يحتمل ألاّ يقبل لأنّه لا يئول إلى مالٍ ، والأوّل أصحّ وإن فسّره بردّ سلامٍ أو تشميت عاطسٍ ونحوه لم يقبل - خلافاً للشّافعيّة - لأنّه يسقط بفواته فلا يثبت في الذّمّة ، وقالوا : يحتمل أن يقبل تفسيره ، فهم في هذا كالشّافعيّة .
37 - ولو كان المقرّ به معلوم الأصل ومجهول الوصف ، نحو أن يقول : إنّه غصب من فلانٍ ثوباً من العروض ، فيصدّق في البيان من جنس ذلك سليماً كان أو معيباً ، لأنّ الغصب يردّ على السّليم والمعيب عادةً ، وقد بيّن الأصل وأجّل الوصف ، فيرجع في بيان الوصف إليه فيصحّ منفصلاً ، ومتى صحّ بيانه يلزمه الرّدّ إن قدر عليه ، وإن عجز عنه تلزمه القيمة وإن قال : غصبت شيئاً فطلب منه البيان ففسّره بما ليس بمالٍ قبل ، لأنّ اسم الغصب يقع عليه . قال ابن قدامة : وهو مذهب الشّافعيّ . وحكي عن أبي حنيفة أنّه لا يقبل تفسيره بغير المكيل والموزون ممّا لا يثبت في الذّمّة بنفسه .
ولو أقرّ بأنّ ما عنده لغيره كان رهناً ، فقال المقرّ له : بل وديعة ، فالقول قول المقرّ له ( المالك ) لأنّ العين تثبت بالإقرار ، وادّعى المقرّ ديناً لا يعترف له به والقول قول المنكر ، ولأنّه أقرّ بمالٍ لغيره وادّعى أنّ له به تعلّقاً ( حقّاً في الاحتباس ) فلم يقبل ، كما لو ادّعاه بكلامٍ منفصلٍ ، وكذلك لو أقرّ له بدارٍ وقال : استأجرتها ، أو بثوبٍ وادّعى أنّه خاطه بأجرٍ يلزم المقرّ له . لم يقبل لأنّه مدّعٍ على غيره حقّاً فلا يقبل قوله إلاّ ببيّنةٍ .
وإن قال : لك عليّ ألف من ثمن مبيعٍ لم أقبضه ، فقال المدّعى عليه : بل لي عليك ألف ولا شيء لك عندي . قال أبو الخطّاب : فيه وجهان :
أحدهما . القول قول المقرّ له ، لأنّه اعترف له بالألف وادّعى عليه مبيعاً ، فأشبه ما إذا قال : هذا رهن فقال المالك : وديعة ، أو له عليّ ألف لم أقبضها .
الثّاني : القول قول المقرّ وهو قياس المذهب ، وهو قول الشّافعيّ وأبي يوسف ، لأنّه أقرّ بحقٍّ في مقابلة حقٍّ له ولا ينفكّ أحدهما عن الآخر . ويصرّح ابن قدامة بأنّ الشّهادة على الإقرار بالمجهول تقبل ، لأنّ الإقرار به صحيح ، وما كان صحيحاً في نفسه صحّت الشّهادة به كالمعلوم .
38 - ونصّ الشّافعيّة على أنّه يشترط في المقرّ به لصحّة الإقرار ألاّ يكون ملكاً للمقرّ حين يقرّ ، لأنّ الإقرار ليس إزالةً عن الملك ، وإنّما هو إخبار عن كونه ملكاً للمقرّ له ، فلا بدّ من تقديم المخبر عنه على الخبر ، فلو قال : داري أو ثوبي أو ديني الّذي على زيدٍ لعمرٍو ولم يرد الإقرار فهو لغو ، لأنّ الإضافة إليه تقتضي الملك له ، فينافي إقراره لغيره ويحمل على الوعد بالهبة . ولو قال : هذا لفلانٍ وكان ملكي إلى أن أقررت به ، فأوّل كلامه إقرار ، وآخره لغو ، فليطرح آخره فقط ، ويعمل بأوّله ، لاشتماله على جملتين مستقلّتين .
39 - كما اشترطوا لإعمال الإقرار - أي التّسليم لا لصحّته ، أن تكون العين المقرّ بها في يد المقرّ حسّاً أو حكماً ، كالمعار أو المؤجّر تحت يد الغير ، لأنّه عند انتفاء يده عنه يكون مدّعياً أو شاهداً ، ومتى حصل بيده لزمه تسليمه ، لأنّ هذا الشّرط ليس شرط صحّةٍ . فلو أقرّ ولم يكن في يده ثمّ صار في يده عمل بمقتضى إقراره ، واستثنوا من اشتراط أن يكون في يده ما لو باع بشرط الخيار له أو لهما ، ثمّ ادّعاه رجل ، فأقرّ البائع في مدّة الخيار له به فإنّه يصحّ . أمّا لو كانت العين في يده باعتباره نائباً عن غيره كناظر وقفٍ ووليّ محجورٍ فلا يصحّ إقراره . وكذلك صرّح الحنابلة باشتراط أن يكون المقرّ به بيد المقرّ وولايته واختصاصه ، فلا يصحّ إقراره بشيءٍ في يد غيره ، أو في ولاية غيره ، كما لو أقرّ أجنبيّ على صغيرٍ ، أو وقفٍ في ولاية غيره أو اختصاصه ، لكنّهم قالوا بصحّة إقراره بمالٍ في ولايته واختصاصه ، كأن يقرّ وليّ اليتيم ونحوه أو ناظر الوقف ، لأنّه يملك إنشاء ذلك . واشترطوا أن يتصوّر التزام المقرّ بما أقرّ به ، أي أن يمكن صدقه ، فلو أقرّ بارتكابه جنايةً منذ عشرين سنةً وعمره لا يتجاوز العشرين ، فإنّ إقراره لا يصحّ .
الرّكن الرّابع : الصّيغة :
40 - الصّيغة هي ما يظهر الإرادة من لفظٍ ، أو ما يقوم مقامه من كتابةٍ أو إشارةٍ ، وإظهار الإرادة لا بدّ منه ، فلا عبرة بالإرادة الباطنة .
يقول السّرخسيّ : إنّ ما يكون بالقلب فهو نيّة ، والنّيّة وحدها لا تكفي ، ويقول ابن القيّم : إنّ اللّه تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفاً ودلالةً على ما في نفوسهم ، فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئاً عرّفه بمراده وما في نفسه بلفظه ، ورتّب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ ، ولم يرتّب تلك الأحكام على مجرّد ما في النّفوس من غير دلالة فعلٍ أو قولٍ ، ولا على مجرّد ألفاظٍ مع العلم بأنّ المتكلّم بها لم يرد معانيها .
وصيغة الإقرار نوعان : صريح ودلالة . فالصّريح نحو أن يقول : لفلانٍ عليّ ألف درهمٍ ، لأنّ كلمة ( عليّ ) كلمة إيجابٍ لغةً وشرعاً . قال اللّه تعالى : { وللّه على النّاس حجّ البيت .. } وكذا لو قال لرجلٍ : هل لي عليك ألف درهمٍ ؟ فقال الرّجل : نعم . لأنّ كلمة نعم بمثابة إعادةٍ لكلامه ، وكذا لو قال : لفلانٍ في ذمّتي ألف درهمٍ ، لأنّ ما في الذّمّة هو الدّين ، فيكون إقراراً بالدّين .
هذا ما مثّل به الحنفيّة ، ولا تخرج أمثلة غيرهم عن ذلك ، والعرف في هذا هو المرجع . والأمر بكتابة الإقرار إقرار حكماً ، إذ الإقرار كما يكون باللّسان يكون بالبنان ، فلو قال للكاتب : اكتب إقراراً بألفٍ عليّ لفلانٍ ، صحّ الإقرار واعتبر ، كتب أو لم يكتب .
ويقول ابن عابدين : إنّ الكتابة المرسومة المعنونة كالنّطق بالإقرار ، ولا فرق بين أن تكون الكتابة بطلبٍ من الدّائن أو بلا طلبه . ونقل عن الأشباه لابن نجيمٍ أنّه إذا كتب ولم يقل شيئاً لا تحلّ الشّهادة ، لأنّ الكتابة قد تكون للتّجربة . ولو كتب أمام الشّهود وقال : اشهدوا عليّ بما فيه ، كان إقراراً إن علموا بما فيه وإلاّ فلا .
والإيماء بالرّأس من النّاطق ليس بإقرارٍ إلاّ في النّسب والإسلام والكفر والإفتاء .
وأمّا الصّيغة الّتي تفيد الإقرار دلالةً فهي أن يقول له رجل : لي عليك ألف ، فيقول : قد قبضتها ، لأنّ القضاء اسم لتسليم مثل الواجب في الذّمّة ، فيقتضي ما يعيّن الوجوب ، فكان الإقرار بالقضاء إقراراً بالوجوب ، ثمّ يدّعي الخروج عنه بالقضاء فلا يصحّ إلاّ بالبيّنة ، وكذا إذا قال : أجّلني بها . لأنّ التّأجيل تأخير المطالبة مع قيام أصل الدّين في الذّمّة .
الصّيغة من حيث الإطلاق والتّقييد :
الصّيغة قد تكون مطلقةً كما تقدّم ، وقد تكون مقترنةً . والقرينة في الأصل نوعان :
41 - أ - قرينة مبيّنة ( على الإطلاق ) ، وهي المعيّنة لبعض ما يحتمله اللّفظ ، فإن كان اللّفظ يحتمل المعنيين على السّواء صحّ بيانه متّصلاً كان البيان أو منفصلاً ، وإن كان لأحد الاحتمالين رجحان تسبق إليه الأفهام من غير قرينةٍ لا يصحّ إن كان البيان منفصلاً ، ويصحّ بالنّسبة للمتّصل إذا لم يتضمّن الرّجوع .
وبصفةٍ عامّةٍ إذا كانت القرينة منفصلةً عن الإقرار بأن قال : لفلانٍ عليّ عشرة دراهم وسكت ، ثمّ قال : إلاّ درهماً ، لا يصحّ الاستثناء عند كافّة العلماء وعامّة الصّحابة ، إلاّ ما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّه يصحّ ، لأنّ الاستثناء بيان فيصحّ متّصلاً ومنفصلاً . ووجه قول العامّة أنّ صيغة الاستثناء إذا انفصلت عن الجملة الملفوظة لا تكون كلام استثناءٍ لغةً ، وقالوا . إنّ الرّواية عن ابن عبّاسٍ لا تكاد تصحّ . وبيان ذلك تفصيلاً سبق في مصطلح ( استثناء ) .
42-ب- قرينة مغيرة ( من حيث الظاهر ) مبنية ( حقيقة )، وهذه يتغير بها الاسم لكن يتبين بها المراد، فكان تغييراً صورة ،تبييناً معنى، ومنه ما يلي :
أ- تعليق الإقرار على المشيئة :
43- القرينة المغيرة قد تدخل على أصل الإقرار، ، وتكون متصلة به، كتعليق الإقرار على مشيئة الله أو مشيئة فلان . وهذا يمنع صحة الإقرار عند الحنفية، لأن التعليق على المشيئة يجعل الأمر محتملاً . والإقرار إخبار عن كائن، والكائن لا يحتمل التعليق . وهو ما ذهب إليه ابن المواز وابن عبد الحكم من المالكية إذ قالا : لو علق الإقرار على المشيئة لم يلزمه شيء، وكأنه أدخل ما يوجب الشك، وهو مفاد قول الشافعية فيمن قرن إقراره بقوله فيما أحسب أو أظن، إذ قالوا : إنه لغو، لعدم اللزوم على المذهب، لأنه علق مشيئة إقراره على شرط فلم يصح، ولأن ما علق على مشيئة الله لا سبيل إلى معرفته . قال الشيرازي : إن قال :له عليّ ألف إن شاء الله لم يلزمه شيء، لأن ما علق على مشيئة الله تعالى لاسبيل إلى معرفته ، وإن قال : له علي ألف إن شاء زيد أو قدم فلان لم يلزمه شيء .
ويرى المالكية –عدا ابن المواز وابن عبد الحكم –وكذا الحنابلة أن الإقرار يلزمه، نص عليه أحمد، وقال سحنون :أجمع أصحابنا على ذلك .غير أن الحنابلة يفرقون بين التعليق على مشيئة الله، وبين التعليق على مشيئة الأشخاص .
يقول ابن قدامة : لأنه أقر ثم علق رفع الإقرار على أمر لايعلم فلم يرتفع . وإن قال :لك علي ألف إن شئت، أو إن شاء زيد لم يصح الإقرار، ولأنه علقه على شرط يمكن علمه فلم يصح. ويفارق التعليق على مشئية الله تعالى، لأنها كثيراً ما تذكر تبركاً وصلة وتفويضاً إلى الله، لا للاشتراط، لقوله تعالى { لتدخُلُنّ المسجدَ الحرامَ إن شاء الله آمنِين } بخلاف مشيئة الآدمي، كما أن مشيئته تعالى لا تعلم إلا بوقوع الأمر، فلا يمكن وقف الأمر على وجودها ، ومشيئة الآدمي يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطاً يتوقف الأمرعلى وجودها، ويتعين حمل الأمر هنا على المستقبل، فيكون وعداً لا إقراراً .
وقال القاضي : لو علق الإقرار على مشيئة المقر له أو شخص آخر صح الإقرار، لأنه عقبه بما يرفعه، فصح الإقرار دون ما رفعه . أي كأنه أقر ثم رجع فلا يصح رجوعه .
ب - تعليق الإقرار على شرطٍ :
44 - وضع الحنابلة قاعدةً عامّةً بأنّ كلّ إقرارٍ معلّقٍ على شرطٍ ليس بإقرارٍ ، لأنّه ليس بمقرٍّ في الحال ، وما لا يلزمه في الحال لا يصير واجباً عند وجود الشّرط ، لأنّ الشّرط لا يقتضي إيجاب ذلك . ونصّ الحنفيّة على أنّه لو أقرّ بشيءٍ على أن يكون له خيار الشّرط ، فإنّ الإقرار صحيح ويبطل الشّرط ، لأنّ شرط الخيار في معنى الرّجوع ، والإقرار في حقوق العباد لا يحتمل الرّجوع ، لأنّ الإقرار إخبار فلا يقبل الخيار ، وهو مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لأنّ ما يذكره المقرّ بعد الإقرار يعتبر رفعاً له فلا يقبل كالاستثناء .
ج - تغيير وصف المقَرّ به :
45 - إن كان التّغيير متّصلاً باللّفظ كأن يقول : لفلانٍ عليّ ألف درهمٍ وديعة . كان إقراراً الوديعة ، أمّا إن كان منفصلاً ، بأن سكت ثمّ قال : هي وديعة فلا يصحّ ، ويكون إقراراً بالدّين ، لأنّ البيان هنا لا يصحّ إلاّ بشرط الوصل ، ولو قال : عليّ ألف درهمٍ وديعة قرضاً أو ديناً ، فهو إقرار بالدّين ، لجواز أن يكون أمانةً في الابتداء ثمّ يصير مضموناً في الانتهاء ، إذ الضّمان قد يطرأ على الأمانة متّصلاً كان أو منفصلاً ، لأنّ الإنسان في الإقرار بالضّمان غير متّهمٍ .
د - الاستثناء في الإقرار :
46 - إن كان الاستثناء من جنس المستثنى منه ومتّصلاً به ، فإن كان استثناء الأقلّ فلا خلاف في جوازه ، كأن يقول : عليّ لفلانٍ عشرة دراهم إلاّ ثلاثةً فيلزمه سبعة . أمّا إن كان استثناء الأكثر بأن قال : عليّ لفلانٍ عشرة دراهم إلاّ تسعةً فجائز في ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، ويلزمه درهم وهو الصّحيح ، لأنّ الاستثناء تكلّم بالباقي بعد الثّنيا ، وهذا المعنى كما يوجد في استثناء الأقلّ يوجد في استثناء الأكثر من القليل ، وإن كان غير مستحسنٍ عند أهل اللّغة ، وروي عن أبي يوسف أنّه لا يصحّ وعليه العشرة .
وإن كان استثناء الكلّ من الكلّ بأن يقول : لفلانٍ عليّ عشرة دنانير إلاّ عشرةً فباطل ، وعليه العشرة كاملةً ، لأنّه ليس استثناءً ، وإنّما هو إبطال ورجوع ، والرّجوع عن الإقرار في حقّ العباد لا يصحّ . وقال الشّافعيّة : يصحّ الاستثناء وهو إخراج ما لولاه لدخل بنحو إلاّ ، وذلك إن اتّصل إجماعاً ، والسّكوت اليسير غير مضرٍّ ، ويضرّ كلام أجنبيّ يسير أو سكوت طويل ، ويشترط أن يقصده قبل فراغ الإقرار ، ولكونه رفعاً لبعض ما شمله اللّفظ احتاج إلى نيّةٍ ولو كان إخباراً ، ولم يستغرق المستثنى المستثنى منه ، فإن استغرقه كخمسةٍ إلاّ خمسةً كان باطلاً بالإجماع إلاّ من شذّ ، لما في ذلك من المناقضة الصّريحة . وقال الحنابلة : لو قال : عليّ ألف إلاّ ستّمائةٍ لزمه الألف لأنّه استثنى الأكثر ، ولم يرد ذلك في لغة العرب .

هـ – الاستثناء من خلاف الجنس :
47 – إن كان الاستثناء من خلاف الجنس – ما لا يثبت ديناً في الذّمّة – فلا يصحّ عند الحنفيّة ، وعليه جميع ما أقرّ به ، فإن قال : له عليّ عشرة دراهم إلاّ ثوباً بطل الاستثناء ، خلافاً للشّافعيّة . وإن كان ممّا يثبت ديناً في الذّمّة بأن قال : لفلانٍ عليّ مائة دينارٍ إلاّ عشرة دراهم أو إلاّ قفيز حنطةٍ ، صحّ عند الشّيخين ، ويطرح ممّا أقرّ به قدر قيمة المستثنى ، لأنّه إن لم يمكن تحقيق معنى المجانسة في الاسم أمكن تحقيقها في الوجوب في الذّمّة ، فالدّراهم والحنطة من حيث احتمال الوجوب في الذّمّة من جنس الدّنانير ، وقال محمّد بن الحسن وزفر : إنّ الاستثناء استخراج بعض ما لولاه لدخل تحت نصّ المستثنى منه ، وذلك لا يتحقّق إلاّ إذا اتّحد الجنس . وقال الحنابلة : لا يصحّ الاستثناء من غير الجنس ولا من غير النّوع على ما هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب .
أمّا الشّافعيّة فقد نصّوا على أنّه يصحّ الاستثناء من خلاف الجنس لورود الكتاب وغيره بذلك ، يقول اللّه سبحانه : { لا يسمعون فيها لغواً إلاّ سلاماً } ويقول : { ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ } وقالوا : ويلزم المقرّ بالبيان ، فلو كان أقرّ لآخر بألف درهمٍ إلاّ ثوباً لزمه البيان بثوبٍ قيمته دون الألف .
وقالوا : ويصحّ الاستثناء من المعيّن كهذه الدّار إلاّ هذا البيت .
و - تعقيب الإقرار بما يرفعه :
48 - قال المالكيّة : لو عقّب الإقرار بما يرفعه بأن قال : لك عليّ ألف من ثمن خمرٍ أو خنزيرٍ لم يلزمه شيء ، إلاّ أن يقول الطّالب ( المقرّ له ) : هي ثمن برٍّ أو ما يشبهه فيلزمه مع يمين الطّالب . ولو قال : عليّ ألف من ثمن كذا ثمّ قال : لم أقبض المبيع ، قال ابن القاسم وسحنون وغيرهما : يلزمه الثّمن ولا يصدّق في عدم القبض . وقيل : القول قوله . وقال الحنابلة : إذا وصل بإقراره ما يغيّره أو يسقطه ، كأن يقول : عليّ ألف من ثمن خمرٍ أو استوفاه الدّائن أو من ثمن مبيعٍ فاسدٍ لم أقبضه لزمه الألف ، لأنّ كلّ ما ذكره بعد الإقرار بالألف يعتبر رفعاً له فلا يقبل ، كاستثناء الكلّ .
وفي قوله له : عليّ من ثمن خمرٍ أو خنزيرٍ ألف لا يجب . ولو قال : كان له عليّ ألف وقضيته إيّاه ، أو أبرأني منه ، أو قضيت منها خمسمائةٍ ، فهو منكر ، لأنّه قول يمكن صدقه ولا تناقض فيه من جهة اللّفظ ، فوجب قبول قوله بيمينه وهو المذهب . ولا يلزمه شيء كاستثناء البعض استثناءً متّصلاً ، بخلاف استثناء البعض المنفصل ، لأنّ الحقّ قد استقرّ بسكوته فلا يرفعه استثناء ولا غيره . ولا يصحّ استثناء ما زاد على النّصف ، ويصحّ في النّصف - على ما هو المذهب - فما دونه من غير خلافٍ لأنّه لغة العرب .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:25 PM

ز - تقييد الإقرار بالأجل :
49 - إذا أقرّ شخص بدينٍ عليه لآخر وقال : إنّه مؤجّل ، وادّعى المقرّ له حلوله ولزومه ، أي صدقه في الدّين وكذبه في التّأجيل ، فإنّ الدّين يلزمه حالاً عند الحنفيّة ، وهو قول للمالكيّة ، لأنّه أقرّ على نفسه بمالٍ ، وادّعى حقّاً لنفسه أنكره المقرّ له ، فالقول للمنكر بيمينه . والقول الآخر للمالكيّة أنّ المقرّ يحلف ، ويقبل قوله في التّنجيم والتّأجيل ، وقد اختلف في يمين المقرّ ، وهذا أحوط ، وبه كان يقضي متقدّمو قضاة مصر وهو مذهب كلٍّ من الشّافعيّة والحنابلة .
ح - الاستدراك في الإقرار :
50 - قال الحنفيّة : إن كان الاستدراك في القدر ، فهو على ضربين : إمّا أن يكون في الجنس كأن يقول : لفلانٍ عليّ ألف درهمٍ لا بل ألفان ، فعليه ألفان وهو قول الجمهور . وقيل : يكون عليه ثلاثة آلافٍ ، وهو قول زفر وهو القياس ، والأوّل استحسان . وجه الاستحسان أنّ الإقرار إخبار ، والمخبر عنه ما يجري الغلط في قدره أو وصفه عادةً ، فقبل الاستدراك ما لم يكن متّهماً فيه . بخلاف الاستدراك في خلاف الجنس لأنّ الغلط لا يقع فيه عادةً . ووجه القياس أنّ قوله : لفلانٍ عليّ ألف درهمٍ إقرار بألفٍ وهذا لا رجوع فيه ، والاستدراك صحيح ، فأشبه الاستدراك في خلاف الجنس ، فأشبه ما لو قال لامرأته : أنت طالق واحدةً بل ثنتين ، إذ يقع ثلاث تطليقاتٍ .
وإن كان الاستدراك في صفة المقرّ به ، فعليه أرفع الصّفتين ، لأنّه غير متّهمٍ في ذلك ، أمّا بالنّسبة لأنقصهما فهو متّهم ، فكان مستدركاً في الزّيادة راجعاً في النّقصان ، فيصحّ استدراكه ولا يصحّ رجوعه ، وإن أرجع الاستدراك إلى المقرّ له ، بأن قال : هذه الألف لفلانٍ بل لفلانٍ ، وادّعاها كلّ واحدٍ منهما كانت لمن أقرّ له أوّلاً ، لأنّه لمّا أقرّ له بها صحّ إقراره له ، فصار واجب الدّفع إليه ، فقوله بعد ذلك رجوع عن الإقرار الأوّل فلا يصحّ في حقّه ، وصحّ إقراره بها للثّاني في حقّه - أي الثّاني - لكن إن دفعه للأوّل بغير قضاءٍ ضمن للثّاني ، لإتلافها عليه بدفعها للأوّل .
هذا بخلاف ما لو قال : غصبت هذا الشّيء من فلانٍ لا بل من فلانٍ ، فإنّه يدفعه للأوّل ويضمن للثّاني ، سواء دفعه للأوّل بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ ، لأنّ الغصب سبب لوجوب الضّمان ، فكان الإقرار به إقراراً بوجود سبب وجوب الضّمان ، وهو ردّ القيمة عند القدرة وقيمتها عند العجز ، وقد عجز عن ردّها إلى المقرّ له الثّاني ، فيلزمه ردّ قيمتها .
عدم اشتراط القبول في صحّة الإقرار :
51 - الإقرار ليس بعقدٍ حتّى تتكوّن صيغته من إيجابٍ وقبولٍ . وإنّما هو تصرّف قوليّ والتزام من جانب المقرّ وحده ، فليس القبول شرطاً لصحّة الإقرار ، لكنّه يرتدّ بالرّدّ ، والملك يثبت للمقرّ له بلا تصديقٍ وقبولٍ ، ولكن يبطل بردّه ، فالإقرار للحاضر يلزم من جانب المقرّ حتّى لا يصحّ إقراره لغيره به قبل ردّه ، ولا يلزم من جانب المقرّ له فيصحّ ردّه . أمّا الإقرار للغائب فإنّه وإن كان صحيحاً إلاّ أنّه لا يلزم ، وإنّما يتوقّف لزومه على عدم الرّدّ ، ولعدم لزومه للمقرّ صحّ إقراره لغيره ، كما لا يلزم المقرّ له فيصحّ له ردّه . وكلّ من أقرّ لرجلٍ بملكٍ فكذّبه به بطل إقراره ، لأنّه لا يثبت للإنسان ملك لا يعترف به ، والإقرار بما في الذّمّة ليس من التّبرّعات ، وفي المال وجهان : يترك في يد المقرّ لأنّه كان محكوماً له به فإذا بطل إقراره بقي على ما كان عليه . وقيل : يؤخذ إلى بيت المال لأنّه لم يثبت له مالك . وقيل : يؤخذ فيحفظ حتّى يظهر مالكه ، لأنّه لا يدّعيه أحد . فإن عاد أحدهما فكذّب نفسه دفع إليه ، لأنّه يدّعيه ولا منازع له فيه .
الصّوريّة في الإقرار :
52 - لمّا كان الإقرار إخباراً يحتمل الصّدق والكذب جاز تخلّف مدلوله الوضعيّ ، بمعنى أنّه قد يكون في الحقيقة كاذباً يترتّب عليه أثره لزوماً . فإذا ادّعى أنّ مورثه أقرّ تلجئةً ، قال بعضهم : له تحليف المقرّ له ، ولو ادّعى أنّه أقرّ كاذباً لا يقبل . ووجه الفرق : أنّ في التّلجئة يدّعي الوارث على المقرّ له فعلاً له ، وهو تواطؤه مع المقرّ في السّرّ ، فلذا يحلف بخلاف دعوى الإقرار كاذباً كما لا يخفى .
ونقل الموّاق عن سماع أشهب وابن نافعٍ لو سأل شخص ابن عمّه أن يسكنه منزلاً فقال : هو لزوجتي ، ثمّ قال : لثانٍ ولثالثٍ كذلك ، ثمّ طلبت امرأته بذلك فقال : إنّما قلته اعتذاراً لنمنعه ، فلا شيء لها بذلك الإقرار . أي لا يعتبر كلامه إقراراً . ويقول الشّيخ منصور البهوتيّ الحنبليّ : إذا خاف شخص أن يأخذ آخر ماله ظلماً جاز له الإقرار - صورةً - بما يدفع هذا الظّلم ، ويحفظ المال لصاحبه . مثل أن يقرّ بحاضرٍ أنّه ابنه أو أخوه أو أنّ له عليه كذا ديناً ، ويتأوّل في إقراره ، بأن يعني بكونه ابنه صغره ، أو بقوله أخي أخوّة الإسلام . والاحتياط أن يشهد على المقرّ له أنّ هذا الإقرار تلجئة ، تفسيره كذا وكذا . وعلى هذا فالإقرار لا يعتبر ما دام قد ثبتت صوريّته ، وقواعد الشّافعيّة لا تأبى ذلك .
التّوكيل في الإقرار :
53 - الأصل أنّ التّوكيل يجوز في كلّ ما يقبل النّيابة ، ومن ذلك الإقرار ، كما هو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وفي قولٍ عند الشّافعيّة ، إذ الإخبار من الموكّل حقيقةً ، ومن الوكيل حكماً ، لأنّ فعل الوكيل كفعل الموكّل ، فكأنّ الإقرار صدر ممّن عليه الحقّ . وصرّح الشّافعيّة بأنّ إقرار الوكيل بالتّصرّف إذا أنكره الموكّل لا ينفذ ، كما صرّح المالكيّة بأنّ إقرار الوكيل يلزم الموكّل إن كان مفوّضاً أو جعل له الإقرار . والأصحّ عند الشّافعيّة : أنّ التّوكيل في الإقرار لا يجوز . نعم يكون بالتّوكيل بالإقرار مقرّاً لثبوت الحقّ عليه . وبالنّسبة لإقرار الوكيل بالخصومة فإنّه لا يقبل إقراره بقبض الدّين إلاّ إذا كان قد فوّض في ذلك عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن أبي ليلى ، لأنّ الإقرار معنًى يقطع الخصومة وينافيها فلا يملكه الوكيل ، ولأنّ الإذن في الخصومة لا يقتضي الإقرار ، فإن أقرّ بشيءٍ لم يلزم الموكّل ما أقرّ به ، ويكون الوكيل كشاهدٍ . وقال أبو حنيفة ومحمّد بن الحسن : يقبل إقراره في مجلس الحكم فيما عدا الحدود والقصاص ، وقال أبو يوسف : يقبل إقراره في مجلس الحكم وغيره ، لأنّ الإقرار أحد جوابي الدّعوى ، فصحّ من الوكيل بالخصومة كما يصحّ منه الإنكار ، لكنّ الحنفيّة يتّفقون على أنّ الموكّل إذا نصّ في عقد الوكالة على أنّ الوكيل ليس له الإقرار ، لم يكن له حقّ الإقرار في ظاهر الرّواية ، فلو أقرّ عند القاضي لا يصحّ ، وخرج به عن الوكالة ، كما نصّوا على أنّ التّوكيل بالإقرار يصحّ ، ولا يصير الموكّل بمجرّد التّوكيل مقرّاً خلافاً للشّافعيّة ، ونقل ابن عابدين عن الطّواويسيّ : معناه أن يوكّل بالخصومة ويقول : خاصم ، فإذا رأيت لحوق مئونةٍ أو خوف عارٍ عليّ فأقرّ بالمدّعى يصحّ إقراره على الموكّل كما في البزّازيّة . وقال ابن عابدين : ويظهر منه وجه عدم كونه إقراراً أي بمجرّد الوكيل .
أثر الشّبهة في الإقرار :
54 - الشّبهة لغةً : الالتباس ، وشبّه عليه الأمر : خلّط حتّى اشتبه لغيره وعرّفها الفقهاء بأنّها : ما يشبه الثّابت وليس بثابتٍ فهي بهذا تؤثّر على الإثبات ومنه الإقرار . فلو احتمل الإقرار اللّبس أو التّأويل أو شابه شيء من الغموض والخفاء اعتبر ذلك شبهةً ، والشّيء المقرّ به إمّا أن يكون حقّاً للّه تعالى أو حقّاً للعباد . وحقوق العباد تثبت مع الشّبهات ، بخلاف حقوق اللّه تعالى ، فإنّ منها ما يسقط بالشّبهة ، كالزّنى والسّرقة وشرب الخمر ، ومنها ما لا يسقط بالشّبهة ، كالزّكاة والكفّارة . على تفصيلٍ يبيّن في موضعه ، وينظر في مصطلح ( حقّ ، وشبهة ) .
55 - وجمهور الفقهاء على عدم الاعتداد بإقرار الأخرس بالإشارة غير المفهمة ، لما فيها من الشّبهة . يقول ابن قدامة : وأمّا الأخرس فإن لم تفهم إشارته فلا يتصوّر منه إقرار . وإن فهمت إشارته ، فقال القاضي : عليه الحدّ ، وهو قول الشّافعيّ وابن القاسم من المالكيّة وأبي ثورٍ وابن المنذر . لأنّ من صحّ إقراره بغير الزّنى صحّ إقراره به كالنّاطق . وقال أصحاب أبي حنيفة : لا يحدّ ، لأنّ الإشارة تحتمل ما فهم منها وغيره ، فيكون ذلك شبهةً في درء الحدّ ، وهو احتمال كلام الخرقيّ .
56 - وقد سبق الكلام عن إقرار الصّبيّ والمجنون والسّكران والمكره وأثر ذلك كلّه في الإقرار . كما أنّ تكذيب المقرّ له للمقرّ فيما أقرّ به ، أو ظهور كذب المقرّ - كمن يقرّ بالزّنى فظهر مجبوباً - مانع من إقامة الحدّ ، لتيقّن كذب الإقرار .
ولو أقرّ بشيءٍ وكذّبه المقرّ له ، وكان أهلاً للتّكذيب ، فلا يصحّ ، لأنّه منكر ، والقول له ، كإقراره بدينٍ بسبب كفالةٍ . ويقول الشّيرازيّ : لو أقرّ لرجلٍ بمالٍ في يده فكذّبه المقرّ له بطل الإقرار ، لأنّه ردّه ، وفي المال وجهان :
أحدهما : أنّه يؤخذ منه ويحفظ لأنّه لا يدّعيه ، والمقرّ له لا يدّعيه ، فوجب على الإمام حفظه كالمال الضّائع .
والثّاني : لا يؤخذ منه ، لأنّه محكوم له بملكه ، فإذا ردّه المقرّ له بقي في ملكه .
وفي المغني : لو أقرّ أنّه زنى بامرأةٍ فكذّبته فعليه الحدّ دونها ، وبه قال الشّافعيّ ، لأنّ استيفاء ثبوته في حقّها لا يبطل إقراره ، كما لو سكتت ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : لا حدّ عليه لأنّا صدّقناها في إنكارها فصار محكوماً بكذبه .
وينصّ المالكيّة على أنّه يلزم لإبطال الإقرار بتكذيب المقرّ له أن يستمرّ التّكذيب ، بحيث إذا رجع المقرّ له إلى تصديقه صحّ الإقرار ولزم ، ما لم يرجع المقرّ .
كلّ هذا ممّا يوجد شبهةً في الإقرار . فوجود الشّبهة فيه أو وجود ما يعارضه أولى بالاعتداد به من الإقرار نفسه ، لأنّ الأصل براءة الذّمّة ، ولا يعدل عن هذا الأصل إلاّ بدليلٍ ثابتٍ يقينيٍّ لا يوجد ما يعارضه أو يوهن منه .
الشّبهة بتقادم الإقرار في حقوق اللّه :
57 - جاء في الهداية والفتح : التّقادم لا يبطل الإقرار عند محمّدٍ ، كما في حدّ الزّنى الّذي لا يبطل التّقادم الإقرار به اتّفاقاً . وفي نوادر ابن سماعة عن محمّدٍ قال : أنا أقيم عليه الحدّ وإن جاء بعد أربعين عاماً . وعندهما لا يقام الحدّ على الشّارب إلاّ إذا أقرّ به عند قيام الرّائحة . فالتّقادم يؤثّر على الإقرار بالشّرب عندهما فيسقط الحدّ .
وفي الهداية والفتح والبحر : التّقادم يؤثّر على الشّهادة في حقوق اللّه عدا حدّ القذف ، لما فيه من حقّ العبد ، لما فيه من رفع العار عنه ، بخلاف الإقرار ، فإنّ التّقادم لا يؤثّر عليه ، ويحدّ بإقراره مع التّقادم إلاّ في حدّ الشّرب فقط عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، فإنّ التّقادم فيه يبطل الإقرار خلافاً لمحمّدٍ .
58 - أمّا حقوق العباد فإنّ التّقادم لا يؤثّر فيها ، لا في الإقرار بها ولا في الشّهادة عليها . ويقول ابن قدامة : إن أقرّ بزنًى قديمٍ وجب الحدّ ، وبهذا قال الحنابلة والمالكيّة والأوزاعيّ والنّوويّ وإسحاق وأبو ثورٍ . لعموم الآية ولأنّه حقّ يثبت على الفور فيثبت بالبيّنة بعد تطاول الزّمان كسائر الحقوق . ونقل عن أبي حنيفة أنّه قال : لا أقبل بيّنةً على زنًى قديمٍ وأحدّه بالإقرار به ، وأنّه قول ابن حامدٍ ، وذكره ابن أبي موسى مذهباً لأحمد .
الرّجوع عن الإقرار :
59 - الرّجوع قد يكون صريحاً كأن يقول : رجعت عن إقراري ، أو كذبت فيه ، أو دلالةً كأن يهرب عند إقامة الحدّ ، إذ الهرب دليل الرّجوع ، فإن كان بحقٍّ من حقوق اللّه الّتي تسقط بالشّبهة كالزّنى ، فإنّ جمهور الفقهاء : الحنفيّة والمشهور عند المالكيّة ومذهب كلٍّ من الشّافعيّة والحنابلة على أنّ الرّجوع يعتبر ، ويسقط الحدّ عنه ، لأنّه يحتمل أن يكون صادقاً في الرّجوع وهو الإنكار ، ويحتمل أن يكون كاذباً فيه ، فإن كان صادقاً في الإنكار يكون كاذباً في الإقرار ، وإن كان كاذباً في الإنكار يكون صادقاً في الإقرار ، فيورث شبهةً في ظهور الحدّ ، والحدود لا تستوفى مع الشّبهات ، وقد روي أنّ« ماعزاً لمّا أقرّ بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالزّنى لقّنه الرّجوع ». فلو لم يكن محتملاً للسّقوط بالرّجوع ما كان للتّلقين معنًى ، سواء أرجع قبل القضاء أم بعده ، قبل الإمضاء أم بعده . ويستوي أن يكون الرّجوع بالقول أو بالفعل بأن يهرب عند إقامة الحدّ عليه ، وإنكار الإقرار رجوع ، فلو أقرّ عند القاضي بالزّنى أربع مرّاتٍ ، فأمر القاضي برجمه فقال : ما أقررت بشيءٍ يدرأ عنه الحدّ . ولأنّ من شرط إقامه الحدّ بالإقرار البقاء عليه إلى تمام الحدّ ، فإن رجع عن إقراره أو هرب كفّ عنه ، وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزّهريّ وحمّاد ومالك والثّوريّ والشّافعيّ وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف . وقال الحسن وسعيد بن جبيرٍ وابن أبي ليلى : يقام عليه الحدّ ولا يترك ، لأنّ ماعزاً هرب فقتلوه ولم يتركوه ، ولو قبل رجوعه للزمتهم الدّية ، ولأنّه حقّ وجب بإقراره ، فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق . وحكي عن الأوزاعيّ أنّه إن رجع حدّ للفرية على نفسه ، وإن رجع عن السّرقة والشّرب ضرب دون الحدّ . ونقل الشّيرازيّ عن أبي ثورٍ أنّه لا يقبل رجوعه ، لأنّه حقّ ثبت بالإقرار فلم يسقط بالرّجوع كالقصاص وحدّ القذف .
واستدلّ ابن قدامة للجمهور القائلين باعتبار الرّجوع بأنّ « ماعزاً هرب ، فذكر ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : هلاّ تركتموه يتوب فيتوب اللّه عليه ؟ »
ففي هذا أوضح الدّلائل على أنّه يقبل رجوعه . ولأنّ الإقرار إحدى بيّنتي الحدّ ، فيسقط بالرّجوع عنه كالشّهود إذا رجعوا قبل إقامة الحدّ . وإنّما لم يجب ضمان ماعزٍ على الّذين قتلوه بعد هربه ، لأنّه ليس بصريحٍ في الرّجوع . أمّا إن رجع صراحةً بأن قال : كذبت في إقراري أو رجعت عنه أو لم أفعل ما أقررت به وجب تركه ، فإن قتله قاتل بعد ذلك وجب ضمانه ، لأنّه قد زال إقراره بالرّجوع عنه فصار كمن لم يقرّ ، ولا قصاص على القاتل للاختلاف في صحّة الرّجوع فكان شبهةً .
وقيّد الإمام مالك في الرّواية غير المشهورة عنه قبول رجوع المقرّ في حقوق اللّه الّتي تسقط بالشّبهة بأن يكون الرّجوع لوجود شبهةٍ ، أمّا لو رجع عن إقراره بغير شبهةٍ فلا يعتدّ برجوعه ، فقد نصّ أشهب على أنّه لا يعذر إلاّ إذا رجع بشبهةٍ ، وروي ذلك عن مالكٍ ، وبه قال ابن الماجشون .
والشّافعيّة في الأصحّ عندهم لا يعتبرون إلاّ الرّجوع الصّريح . ولا يرون مثل الهروب عند تنفيذ الحدّ رجوعاً ، فلو قال المقرّ : اتركوني أو لا تحدّوني ، أو هرب قبل حدّه أو في أثنائه لا يكون رجوعاً في الأصحّ ، لأنّه لم يصرّح به ، وإن كان يجب تخليته حالاً ، فإن صرّح فذاك وإلاّ أقيم عليه الحدّ ، وإن لم يخلّ لم يضمن ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليهم شيئاً في خبر ماعزٍ ».
60 - أمّا من أقرّ بحقٍّ من حقوق العباد أو بحقٍّ للّه تعالى لا يسقط بالشّبهة - كالقصاص وحدّ القذف وكالزّكاة والكفّارات - ثمّ رجع في إقراره فإنّه لا يقبل رجوعه عنها من غير خلافٍ ، لأنّه حقّ ثبت لغيره فلم يملك إسقاطه بغير رضاه ، لأنّ حقّ العبد بعد ما ثبت لا يحتمل السّقوط بالرّجوع ، ولأنّ حقوق العباد مبنيّة على المشاحّة ، وما دام قد ثبت له فلا يمكن إسقاطه بغير رضاه .
وقد وضّح القرافيّ الإقرار الّذي يقبل الرّجوع عنه والّذي لا يقبل الرّجوع عنه ، فقال : الأصل في الإقرار اللّزوم من البرّ والفاجر ، لأنّه على خلاف الطّبع . وضابط ما لا يجوز الرّجوع عنه ، هو ما ليس له فيه عذر عاديّ ، وضابط ما يجوز الرّجوع عنه ، أن يكون له في الرّجوع عنه عذر عاديّ ، فإذا أقرّ الوارث للورثة أنّ ما تركه أبوه ميراث بينهم على ما عهد في الشّريعة ، ثمّ جاء شهود أخبروه أنّ أباه أشهدهم أنّه تصدّق عليه في صغره بهذه الدّار وحازها له ، فإنّه إذا رجع عن إقرارٍ معتذراً بإخبار البيّنة له ، وأنّه لم يكن عالماً بذلك ، فإنّه تسمع دعواه وعذره ، ويقيم بيّنته ، ولا يكون إقراره السّابق مكذّباً للبيّنة وقادحاً فيها ، فيقبل الرّجوع في الإقرار .
وإذا قال : له عليّ مائة درهمٍ إن حلف - أو مع يمينه - فحلف المقرّ له ، فرجع المقرّ وقال : ما ظننت أنّه يحلف ، لا يلزم المقرّ شيء ، لأنّ العادة جرت بأنّ هذا الاشتراط يقضي عدم اعتقاد لزوم ما أقرّ به ، والعادة جرت على أنّ هذا ليس بإقرارٍ . ويقول ابن جزيٍّ : من أقرّ بحقٍّ لمخلوقٍ لم ينفعه الرّجوع ، وإن أقرّ بحقٍّ للّه تعالى كالزّنى وشرب الخمر فإن رجع إلى شبهةٍ قبل منه ، وإن رجع إلى غير شبهةٍ ففيه قولان : قول يقبل منه وفاقاً لأبي حنيفة والشّافعيّ . وقيل : لا يقبل منه وفاقاً للحسن البصريّ .
هل الإقرار يصلح سبباً للملك ؟
61 - نصّ الحنفيّة : على أنّه لو أقرّ لغيره بمالٍ ، والمقرّ له يعلم أنّه كاذب في إقراره ، لا يحلّ له أخذه عن كرهٍ منه فيما بينه وبين اللّه تعالى ، إلاّ أن يسلّمه بطيبٍ من نفسه ، فيكون تمليكاً مبتدأً على سبيل الهبة ، ونقل ابن عابدين عن ابن الفضل : أنّ الإقرار لا يصلح سبباً للتّمليك ، وفي الهداية وشروحها : والمقرّ له إذا صدّقه ثمّ ردّه لا يصحّ ردّه . وحكمه لزوم ما أقرّ به على المقرّ ، وعمله إظهار المخبر به لغيره لا التّمليك به ابتداءً ، ويدلّ عليه مسائل :
أ - أنّ الرّجل إذا أقرّ بعينٍ لا يملكها يصحّ إقراره ، حتّى لو ملكها المقرّ يوماً من الدّهر يؤمر بتسليمها إلى المقرّ له ، ولو كان الإقرار تمليكاً مبتدأً لما صحّ ذلك ، لأنّه لا يصحّ تمليك ما ليس بمملوكٍ له ، وصرّح الشّافعيّة بموافقة الحنفيّة في صحّة الإقرار ، لكن لم نجد في كلامهم أنّ المقرّ إذا ملك العين يؤمر بتسليمها للمقرّ له ، وكذلك لم نجد من المالكيّة والحنابلة ذكراً لهذه المسألة .
ب - الإقرار بالخمر للمسلم يصحّ حتّى يؤمر بالتّسليم إليه ، ولو كان تمليكاً مبتدأً لم يصحّ ، لكن ذهب المالكيّة والحنابلة إلى عدم صحّة الإقرار بالخمر ، وفرّق الشّافعيّة بين الخمر إذا كان محترماً أو غير محترمٍ ، وصحّحوا الإقرار بالخمر المحترم .
ج - المريض مرض الموت الّذي لا دين عليه إذا أقرّ بجميع ماله لأجنبيٍّ صحّ إقراره ، ولا يتوقّف على إجازة الورثة ، ولو كان تمليكاً مبتدأً لم ينفذ إلاّ بقدر الثّلث عند عدم إجازتهم ، وبقولهم مال جمهور العلماء ، وعند الحنابلة قولان آخران ، قيل : لا يصحّ مطلقاً ، وقيل : لا يصحّ إلاّ في الثّلث .
د - العبد المأذون إذا أقرّ لرجلٍ بعينٍ في يده صحّ إقراره ، ولو كان الإقرار سبباً للملك ابتداءً كان تبرّعاً من العبد ، وهو لا يجوز في الكثير . ومثله عند الجمهور إلاّ أنّهم لم يفرّقوا بين القليل والكثير .
الإقرار بالنّسب :
62 - إذا أقرّ أحد الورثة بوارثٍ ثالثٍ مشاركٍ لهما في الميراث لم يثبت النّسب بالإجماع ، لأنّ النّسب لا يتبعّض فلا يمكن إثباته في حقّ المقرّ دون المنكر ، ولا يمكن إثباته في حقّهما ، لأنّ أحدهما منكر ولم توجد شهادة يثبت بها النّسب . ولكنّه يشارك المقرّ في الميراث في قول أكثر أهل العلم ، لأنّه أقرّ بسبب مالٍ لم يحكم ببطلانه فلزمه المال ، كما لو أقرّ ببيعٍ أو بدينٍ فأنكر الآخر . ويجب له فضل ما في يد المقرّ من ميراثه ، وبهذا قال ابن أبي ليلى ، ومالك ، والثّوريّ ، والحسن بن صالحٍ ، وشريك ، ويحيى بن آدم وإسحاق وأبو عبيدٍ وأبو ثورٍ . وتقسم حصّة المقرّ أثلاثاً فلا يستحقّ المقرّ له ممّا في يد المقرّ إلاّ الثّلث ( وهو سدس جميع المال ) كما لو ثبت نسبه ببيّنةٍ ، لأنّه إقرار بحقٍّ يتعلّق بحصّته وحصّة أخيه ، فلا يلزمه أكثر ممّا يخصّه ، كالإقرار بالوصيّة ، وإقرار أحد الشّريكين على مال الشّركة ، وقال أبو حنيفة : إذا كان اثنان فأقرّ أحدهما بأخٍ لزمه دفع نصف ما في يده ، وإن أقرّ بأختٍ لزمه ثلث ما في يده ، لأنّه أخذ ما لا يستحقّ من التّركة ، فصار كالغاصب ، فيكون الباقي بينهما ، ولأنّ الميراث يتعلّق ببعض التّركة كما يتعلّق بجميعها ، فإذا ملك بعضها أو غصب تعلّق الحقّ بباقيها ، والّذي في يد المنكر كالمغصوب فيقتسمان الباقي بالسّويّة ، كما لو غصبه أجنبيّ .
وقال الشّافعيّ : لا يشارك المقرّ في الميراث ( قضاءً ) ، وحكي ذلك عن ابن سيرين ، وقال إبراهيم : ليس بشيءٍ حتّى يقرّوا جميعاً ، لأنّه لم يثبت نسبه فلا يرث ، كما لو أقرّ بنسب معروف النّسب . ولأصحاب الشّافعيّ فيما إذا كان المقرّ صادقاً فيما بينه وبين اللّه تعالى . هل يلزمه أن يدفع إلى المقرّ له نصيبه ؟ على وجهين : أحدهما يلزمه ( ديانةً ) وهو الأصحّ ، وهل يلزمه أن يدفع إلى المقرّ له نصف ما في يده أو ثلثه ؟ على وجهين .
وإن أقرّ جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الميراث ثبت نسبه ، سواء أكان الورثة واحداً أم جماعةً ، ذكوراً أم إناثاً ، وبهذا قال الشّافعيّ وأبو يوسف وحكاه عن أبي حنيفة ، لأنّ الوارث يقوم مقام الميّت في ميراثه وديونه … وكذلك في النّسب ، وقد روت السّيّدة عائشة رضي الله عنها أنّ « سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه اختصم هو وعبد بن زمعة في ابن أمة زمعة ، فقال سعد : أوصاني أخي عتبة إذا قدمت مكّة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة وأقبضه فإنّه ابنه ، فقال عبد بن زمعة : هو أخي وابن وليدة أبي ، ولد على فراشه فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : هو لك يا عبد بن زمعة » ولأنّه حقّ يثبت بالإقرار فلم يعتبر فيه العدد ، ولأنّه قول لا تعتبر فيه العدالة فلم يعتبر العدد فيه ، والمشهور عن أبي حنيفة أنّه لا يثبت إلاّ بإقرار رجلين أو رجلٍ وامرأتين ، وقال مالك : لا يثبت إلاّ بإقرار اثنين ، لأنّه يحمل النّسب على غيره فاعتبر فيه العدد كالشّهادة .
شروط الإقرار بالنّسب :
63 - يشترط لصحّة الإقرار بالنّسب على المقرّ نفسه :
- 1 - أن يكون المقرّ به مجهول النّسب .
- 2 - ألاّ ينازعه فيه منازع ، لأنّه إن نازعه فيه غيره تعارضا ، فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر .
- 3 - وأن يمكن صدقه بأن يحتمل أن يولد مثله لمثله .
- 4 - أن يكون ممّن لا قول له كالصّغير والمجنون ، أو يصدّق المقرّ إن كان من أهل التّصديق . فإن كبر الصّغير وعقل المجنون فأنكر لم يسمع إنكاره ، لأنّ نسبه قد ثبت فلا يسقط ، ولأنّ الأب لو عاد فجحد النّسب لم يقبل منه .
64 - وإن كان الإقرار عليه وعلى غيره كإقرارٍ بأخٍ اعتبر فيه الشّروط الأربعة السّابقة ، وشرط خامس ، وهو كون المقرّ جميع الورثة . فإن كان الوارث بنتاً أو أختاً أو أمّاً أو ذا فرضٍ يرث جميع المال بالفرض والرّدّ ، ثبت النّسب بقوله عند الحنفيّة والحنابلة القائلين بالرّدّ ، وعند من لا يرى الرّدّ كالشّافعيّ لا يثبت بقوله النّسب ، لأنّه لا يرى الرّدّ ويجعل الباقي لبيت المال ، ولهم فيما إذا وافقه الإمام في الإقرار وجهان ، يقول الشّيرازيّ : وإن مات وخلّف بنتاً فأقرّت بنسب أخٍ لم يثبت النّسب ، لأنّها لا ترث جميع المال . فإن أقرّ معها الإمام ففيه وجهان :
أحدهما : أن يثبت ، لأنّ الإمام نافذ الإقرار في مال بيت المال .
والثّاني : أنّه لا يثبت لأنّه لا يملك المال بالإرث ، وإنّما يملكه المسلمون وهم لا يتبيّنون ، فلا يثبت النّسب . وينصّ المالكيّة على أنّ من أقرّ بأخٍ وعمٍّ لم يرثه إن وجد وارث ، وإلاّ يكن له وارث أصلاً أو وارث غير حائزٍ فخلاف ، والرّاجح : إرث المقرّ به من المقرّ جميع المال سواء أكان الإقرار في حال الصّحّة أم في حالة المرض ، وفي قولٍ : يحلف المقرّ به أنّ الإقرار حقّ .
65 - وإن كان أحد الوارثين غير مكلّفٍ كالصّبيّ والمجنون فأقرّ المكلّف بأخٍ ثالثٍ لم يثبت النّسب بإقراره ، لأنّه لا يحوز الميراث كلّه ، فإن بلغ الصّبيّ أو أفاق المجنون فأقرّا به أيضاً ثبت نسبه لاتّفاق جميع الورثة عليه ، وإن ماتا قبل أن يصيرا مكلّفين ثبت نسب المقرّ به لأنّه وجد الإقرار من جميع الورثة ، فإنّ المقرّ صار جميع الورثة ، هذا فيما إذا كان المقرّ يحوز جميع الميراث بعد من مات ، فإن كان للميّت وارث سواه أو من يشاركه في الميراث لم يثبت النّسب ، ويقوم وارث الميّت مقامه ، فإذا وافق المقرّ في إقراره ثبت النّسب ، وإن خالفه لم يثبت . وإذا أقرّ الوارث بمن يحجبه كأخٍ أقرّ بابنٍ للميّت ثبت نسب المقرّ به وورث وسقط المقرّ ... وهذا اختيار ابن حامدٍ والقاضي وقول أبي العبّاس بن سريجٍ . لأنّه ابن ثابت النّسب لم يوجد في حقّه أحد موانع الإرث فيرثه ، كما لو ثبت نسبه ببيّنةٍ ، ولأنّ ثبوت النّسب سبب للميراث فلا يجوز قطع حكمه عنه ، ولا يورث محجوب به مع وجوده وسلامته من الموانع . وقال أكثر الشّافعيّة : يثبت نسب المقرّ به ولا يرث ، لأنّ توريثه يفضي إلى إسقاط توريث المقرّ ، فيبطل إقراره ، فأثبتنا النّسب دون الإقرار . يقول الشّيرازيّ : إن كان المقرّ به يحجب المقرّ ، مثل أن يموت الرّجل ويخلّف أخاً فيقرّ الأخ بابنٍ للميّت يثبت له النّسب ولا يرث ، لأنّا لو أثبتنا له الإرث أدّى ذلك إلى إسقاط إرثه ، لأنّ توريثه يخرج المقرّ عن أن يكون وارثاً فيبطل إقراره ، لأنّه إقرار من غير وارثٍ .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:25 PM

66 - وإن أقرّ رجلان عدلان ابنان أو أخوان أو عمّان بثالثٍ ثبت النّسب للمقرّ به ، فإن كانا غير عدلين فللمقرّ به ما نقصه إقرارهما ولا يثبت النّسب . إذ المراد بالإقرار هنا الشّهادة ، لأنّ النّسب لا يثبت بالإقرار ، لأنّه قد يكون بالظّنّ ولا يشترط فيه عدالة . وإن أقرّ عدل بآخر يحلف المقرّ به مع الإقرار ويرث ولا يثبت النّسب بذلك ، وإلاّ يكن المقرّ عدلاً فمذهب المالكيّة أنّ للمقرّ به ما نقصه الإقرار من حصّة المقرّ سواء كان عدلاً أو غير عدلٍ ولا يمين ، والتّفرقة بين العدل وغيره قول ضعيف عند المالكيّة على تفصيلٍ مبيّنٍ عندهم . ويقول ابن قدامة : وإن أقرّ رجلان عدلان بنسبٍ مشاركٍ لهما في الميراث وثمّ وارث غيرهما لم يثبت النّسب إلاّ أن يشهدا به ، وبهذا قال الشّافعيّ ، لأنّه إقرار من بعض الورثة فلم يثبت فيها النّسب كالواحد ، وفارق الشّهادة لأنّه تعتبر فيها العدالة والذّكوريّة ، والإقرار بخلافه .
الرّجوع عن الإقرار بالنّسب :
67 - ينصّ الحنفيّة على أنّه يصحّ رجوع المقرّ عمّا أقرّ فيما سوى الإقرار بالبنوّة والأبوّة والزّوجيّة وولاء العتاقة ، فإنّ من أقرّ في مرضه بأخٍ وصدّقه المقرّ له ثمّ رجع عمّا أقرّ به يصحّ إن صدّقه المقرّ عليه ، لأنّه وصيّة من وجهٍ . وفي شرح السّراجيّة ، أنّه بالتّصديق يثبت النّسب فلا ينفع الرّجوع .
ويقول الشّيرازيّ : وإن أقرّ بالغ عاقل ثمّ رجع عن الإقرار وصدّقه المقرّ له في الرّجوع ففيه وجهان : أحدهما : أنّه يسقط النّسب ، كما لو أقرّ بمالٍ ثمّ رجع في الإقرار وصدّقه المقرّ له في الرّجوع .
والثّاني : وهو قول أبي حامدٍ الإسفرايينيّ أنّه لا يسقط ، لأنّ النّسب إذا ثبت لا يسقط بالاتّفاق على نفيه كالنّسب الثّابت بالفراش .
ويقرب من هذا الاتّجاه الحنابلة ، يقول ابن قدامة : وإذا ثبت النّسب بالإقرار ثمّ أنكر المقرّ لم يقبل إنكاره ، لأنّه نسب ثبت بحجّةٍ شرعيّةٍ فلم يزل بإنكاره ، كما لو ثبت ببيّنةٍ أو بالفراش ، وسواء أكان المقرّ به غير مكلّفٍ أم مكلّفاً فصدّق المقرّ . ويحتمل أن يسقط نسب المكلّف باتّفاقهما على الرّجوع عنه ، لأنّه ثبت باتّفاقهما فزال برجوعهما كالمال .
وقال ابن قدامة : والأوّل أصحّ ، لأنّه نسب ثبت بالإقرار فأشبه نسب الصّغير والمجنون ، وفارق المال ، لأنّ النّسب يحتاط لإثباته .
إقرار الزّوجة بالبنوّة :
68 - عند الحنفيّة لا يقبل إقرار الزّوجة بالولد وإن صدّقها ، لأنّ فيه تحميل النّسب على الغير ، لأنّه ينسب إلى الأب ، إلاّ أن يصدّقها الزّوج أو تقدّم البيّنة ، ويصحّ إقرار المرأة بالولد مطلقاً إن لم تكن زوجةً ولا معتدّةً ، أو كانت زوجةً وادّعت أنّه من غير الزّوج ، ولا يثبت نسبه منه ويتوارثان إن لم يكن لها وارث معروف ، لأنّ ولد الزّنى يرث بجهة الأمّ فقط . وعن ابن رشدٍ عن المدوّنة : وإن نظرت امرأة إلى رجلٍ فقالت : ابني ، ومثله يولد لها وصدّقها لم يثبت نسبه منها ، إذ ليس هنا أب يلحق به ، وإن جاءت امرأة بغلامٍ مفصولٍ فادّعت أنّه ولدها لم يلحق بها في ميراثٍ ، ولا يحدّ من افترى عليها به .
وينصّ الحنابلة على أنّه إن أقرّت المرأة بولدٍ ولم تكن ذات زوجٍ ولا نسبٍ قبل إقرارها ، وإن كانت ذات زوجٍ لا يقبل إقرارها في روايةٍ ، لأنّ فيه حملاً لنسب الولد على زوجها ولم يقرّ به ، أو إلحاقاً للعار به بولادة امرأته من غيره . وفي روايةٍ أخرى : يقبل ، لأنّها شخص أقرّ بولدٍ يحتمل أن يكون منه ، فقبل كالرّجل .
وقال أحمد في رواية ابن منصورٍ في امرأةٍ ادّعت ولداً : فإن كان لها إخوة أو نسب معروف فلا بدّ من أن يثبت أنّه ابنها ، فإن لم يكن لها دافع فمن يحول بينها وبينه ؟ وهذا لأنّها متى كانت ذات أهلٍ فالظّاهر أنّها لا تخفى عليهم ولادتها ، فمتى ادّعت ولداً لا يعرفونه فالظّاهر كذبها . ويحتمل أن تقبل دعواها مطلقاً ، لأنّ النّسب يحتاط له ، فأشبهت الرّجل .
الإقرار بالزّوجيّة تبعاً :
69 - ومن أقرّ بنسب صغيرٍ لم يكن مقرّاً بزوجيّة أمّه ، وبهذا قال الشّافعيّة ، لأنّ الزّوجيّة ليست مقتضى لفظه ولا مضمونه ، فلم يكن مقرّاً بها . وقال أبو حنيفة : إذا كانت مشهورةً بالحرّيّة كان مقرّاً بزوجيّتها ، لأنّ أنساب المسلمين وأصولهم يجب حملها على الصّحّة . والإقرار بالزّوجيّة صحيح بشرط الخلوّ من الموانع .
إقرار المرأة بالوالدين والزّوج :
70 - نصّ الفقهاء على جواز إقرار المرأة بالوالدين والزّوج ، إذ الأنوثة لا تمنع صحّة الإقرار على النّفس . وقد ذكر الإمام العتّابيّ في فرائضه أنّ الإقرار بالأمّ لا يصحّ ، وكذا في ضوء السّراج ، لأنّ النّسب للآباء لا للأمّهات ، وفيه حمل الزّوجيّة على الغير . قال صاحب الدّرّ : لكن الحقّ صحّته بجامع الأصالة فكانت كالأب والأصل : أنّ من أقرّ بنسبٍ يلزمه في نفسه ولا يحمل على غيره فإقراره مقبول ، كما يقبل إقراره على نفسه بسائر الحقوق .
التّصديق بالنّسب بعد الموت :
71 - ويصحّ التّصديق في النّسب بعد موت المقرّ ، لأنّ النّسب يبقى بعد الموت ، وكذا تصديق الزّوجة لأنّ حكم النّكاح باقٍ ، وكذا تصديق الزّوج بعد موتها لأنّ الإرث من أحكامه ، وعند أبي حنيفة لا يصحّ لانقطاع النّكاح بالموت .
ونصّ الشّافعيّة على أنّ المقرّ به إذا كان ميّتاً فإن كان صغيراً أو مجنوناً ثبت نسبه ، لأنّه يقبل إقراره به إذا كان حيّاً فقبل إذا كان ميّتاً . وإن كان بالغاً عاقلاً ففيه وجهان :
أحدهما : لا يثبت لأنّ نسب البالغ لا يثبت إلاّ بتصديقه ، وذلك معدوم بعد الموت .
والثّاني : أنّه يثبت وهو الصّحيح ، لأنّه ليس له قول ، فيثبت نسبه بالإقرار كالصّبيّ والمجنون . وقالوا : إنّ النّسب يثبت لمن أقرّ ببنوّة مجهول النّسب مستوفياً شروطه ثبت نسبه مستنداً لوقت العلوق .
كما نصّ الحنفيّة والمالكيّة على أنّ الإقرار بالجدّ وابن الابن لا يصحّ ، لأنّ فيه تحميل النّسب على الغير ، غير أنّ المالكيّة قالوا : إن قال المقرّ : أبو هذا ابني صدّق ، لأنّ الرّجل إنّما يصدّق في إلحاق ولده بفراشه ، لا بإلحاقه بفراشه غيره .
وفي كتب الشّافعيّة أنّه إذا كان بين المقرّ والمقرّ به واحد ، وهو حيّ لم يثبت النّسب إلاّ بتصديقه ، وإن كان بينهما اثنان أو أكثر لم يثبت النّسب إلاّ بتصديقٍ من بينهما ، لأنّ النّسب يتّصل بالمقرّ من جهتهم فلا يثبت إلاّ بتصديقهم .

إقراض *
انظر : قرض .

إقراع *
انظر : قرعة .

أقط *
التّعريف :
1 - الأقِط ، والِإقْط ، والَأقْط ، والُأقْط : شيء يتّخذ من اللّبن المخيض ، يطبخ ثمّ يترك حتّى يمصل ( أي ينفصل عنه الماء ) ، والقطعة منه أقطة . ويعرّفه الفقهاء بذلك أيضاً .
الحكم الإجماليّ :
تتعلّق بالأقط أحكام منها ما يلي :
أ - زكاة الفطر :
2 - يجوز إخراج زكاة الفطر من الأقط عند جمهور الفقهاء باعتباره من الأقوات ، ولحديث أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه قال : « كنّا نخرج زكاة الفطر - إذ كان فينا النّبيّ صلى الله عليه وسلم - صاعاً من طعامٍ ، أو صاعاً من شعيرٍ ، أو صاعاً من تمرٍ ، أو صاعاً من زبيبٍ ، أو صاعاً من أقطٍ » .
أمّا عند الحنفيّة فتعتبر فيه القيمة ، ولا يجزئ إخراج زكاة الفطر منه إلاّ باعتبار القيمة ، لأنّه غير منصوصٍ عليه من وجهٍ يوثق به ، وجواز ما ليس بمنصوصٍ عليه لا يكون إلاّ باعتبار القيمة ، كسائر الأعيان الّتي لم يقع التّنصيص عليها من النّبيّ صلى الله عليه وسلم وينظر تفصيل ذلك في ( زكاة الفطر ) .
ب - البيع :
3 - يعتبر الأقط من الرّبويّات الّتي يشترط فيها التّماثل والتّقابض في المجلس إن بيعت بمثلها . والفقهاء يختلفون في جواز بيع الأقط بعضه ببعضٍ . فأجازه المالكيّة والحنابلة لإمكان التّماثل والتّساوي ، ومنعه الشّافعيّة لأنّ أجزاءه منعقدة ، ولأنّه يخالطه الملح فلا تتحقّق فيه المماثلة . وفيه تفصيل كثير ينظر في ( بيع ، ورباً ) .
مواطن البحث :
4 - تتعدّد مواطن أحكام الأقط ، فتأتي في زكاة الفطر ، والرّبا ، والسّلم ، وتنظر في مواطنها .

إقطاع *
التّعريف :
1 - من معاني الإقطاع في اللّغة : التّمليك والإرفاق ، يقال استقطع الإمام قطيعةً فأقطعه إيّاها : أي سأله أن يجعلها له إقطاعاً يتملّكه ويستبدّ به وينفرد ، ويقال : أقطع الإمام الجند البلد : إذا جعل لهم غلّتها رزقاً . وهو كذلك شرعاً يطلق على ما يقطعه الإمام ، أي يعطيه من الأراضي رقبةً أو منفعةً لمن ينتفع به .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - إحياء الموات :
2 - هو كما عرّفه الشّافعيّة بأنّه : عمارة الأرض الخربة الّتي لا مالك لها ولا ينتفع بها أحد .
ب - أعطيات السّلطان :
3 - العطاء والعطيّة : اسم لما يعطى ، والجمع عطايا وأعطية ، وجمع الجمع أعطيات . وأعطيات السّلطان : ما يعطيه لأحدٍ من الرّعيّة من بيت المال مع مراعاة المصلحة العامّة . وعلى هذا قد يكون الإقطاع عطاءً ، وقد ينفصل العطاء ، فيكون في الأموال المنقولة غالباً .
ج - الحمى :
4 - المشروع منه : أن يحمي الإمام أرضاً من الموات ، يمنع النّاس رعي ما فيها من الكلأ لتكون خاصّةً لبعض المصالح العامّة كمواشي الصّدقة .
د - الإرصاد :
5 - الإرصاد لغةً : الإعداد ، واصطلاحاً : تخصيص الإمام غلّة بعض أراضي بيت المال لبعض مصارفه . وللتّفصيل ينظر مصطلح ( إرصاد ) .
فالفرق بينه وبين الإقطاع أنّ الإرصاد لا يصير ملكاً للمرصد له ، بحيث يتوارثه أولاده أو يتصرّفون فيه كما شاءوا .
الحكم التّكليفيّ :
6 - الإقطاع جائز بشروطه ، سواء أكان إقطاع تمليكٍ أم إقطاع إرفاقٍ ، ودليل ذلك من السّنّة أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقطع الزّبير ركض فرسه من موات النّقيع » ، وكذلك فعل الخلفاء من بعده .
أنواع الإقطاع :
الإقطاع نوعان :
7 - النّوع الأوّل : إقطاع الإرفاق ( أو الإمتاع أو الانتفاع ) .
وهو : إرفاق النّاس بمقاعد الأسواق ، وأفنية الشّوارع ، وحريم الأمصار ، ومنازل المسافرين ، ونحو ذلك .
وهو على ثلاثة أقسامٍ :
القسم الأوّل :
8 - ما يختصّ الإرفاق فيه بالصّحارى والفلوات . حيث منازل المسافرين وحلول المياه وذلك ضربان :
أحدهما : أن يكون لاجتياز السّابلة واستراحة المسافرين فيه . وهذا لا نظر للسّلطان فيه لبعده عنه ، والّذي يخصّ السّلطان من ذلك إصلاح عورته وحفظ مياهه ، والتّخلية بين النّاس وبين نزوله ، ويكون السّابق إلى المنزل أحقّ بحلوله فيه من المسبوق حتّى يرتحل عنه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « منى مناخ من سبق » . فإن نزلوه سواءً ، عدل بينهم نفياً للتّنازع .
والثّاني: أن يكون نزولهم للاستيطان ، فإن كان . كذلك فللإمام منعهم أو تركهم حسب مصالح المسلمين .
القسم الثّاني :
9 - وهو ما يختصّ بأفنية الدّور والأملاك . ينظر ، فإن كان الارتفاق مضرّاً بهم منع اتّفاقاً ، إلاّ أن يأذنوا بدخول الضّرر عليهم . فإن كان غير مضرٍّ بهم ففي إباحة ارتفاقهم به من غير إذن أربابها اتّجاهان :
الأوّل : أنّ لهم الارتفاق بها وإن لم يأذن أربابها ، لأنّ الحريم ( وهو ما ينتفع به أهل الدّور من أماكن غير مملوكةٍ لأحدٍ ) يعتبر مرفقاً إذا وصل أهله إلى حقّهم منه ساواهم النّاس فيما عداه ، وهو قول للشّافعيّة ، ورواية عن أحمد ، والزّهريّ ، وهو رأي الحنفيّة ، والمالكيّة . الثّاني : لا يجوز الارتفاق بحريمهم إلاّ عن إذنهم ، لأنّه تبع لأملاكهم فكانوا به أحقّ ، وبالتّصرّف فيه أخصّ ، وهو رأي للشّافعيّة والحنابلة .
القسم الثّالث :
10 - هو ما اختصّ بأفنية الشّوارع والطّرقات ، فهو موقوف على نظر السّلطان ، وفي حكم نظره وجهان : أحدهما : أنّ نظره فيه مقصور على كفّهم عن التّعدّي ، ومنعهم من الإضرار ، والإصلاح بينهم عند التّشاجر .
والثّاني : أنّ نظره فيه نظر مجتهدٍ فيما يراه صالحاً ، في إجلاس من يجلس ، ومنع من يمنعه ، وتقديم من يقدّمه .
النّوع الثّاني : إقطاع التّمليك :
11 - هو تمليك من الإمام مجرّد عن شائبة العوضيّة بإحياءٍ أو غيره .
أقسامه وحكم تلك الأقسام :
12 - ينقسم إقطاع التّمليك في الأرض المقطعة إلى ثلاثة أقسامٍ : مواتٍ ، وعامرٍ، ومعادن . إقطاع الموات :
إقطاع الموات ضربان :
13 - الضّرب الأوّل : ما لم يزل مواتاً من قديم الدّهر ، فلم تجر فيه عمارة ولا يثبت عليه ملك ، فهذا يجوز للإمام أن يقطعه من يحييه ومن يعمّره ، وقد « أقطع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الزّبير بن العوّام ركض فرسه من موات النّقيع ، فأجراه ، ثمّ رمى بسوطه رغبةً في الزّيادة ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أعطوه منتهى سوطه » .
ويمتنع به إقدام غير المقطع على إحيائه ، لأنّه ملك رقبته بالإقطاع نفسه ، خلافاً للحنابلة ، فإنّهم ذهبوا إلى أنّ إقطاع الموات مطلقاً لا يفيد تمليكاً ، لكنّه يصير أحقّ به من غيره ، فإن أحياه ملكه بالإحياء لا بالإقطاع ، أمّا إذا كان الإقطاع مطلقاً ، أو مشكوكاً فيه ، فإنّه يحمل على إقطاع الإرفاق ، لأنّه المحقّق .
14 - الضّرب الثّاني من الموات : ما كان عامراً فخرب ، فصار مواتاً عاطلاً ، وذلك نوعان : أحدهما : ما كان عاديّاً - أي قديماً ، جاهليّاً - فهو كالموات الّذي لم يثبت فيه عمارة ويجوز إقطاعه . قال صلى الله عليه وسلم « عاديّ الأرض للّه ولرسوله ، ثمّ هي لكم منّي »
ثانيهما : ما كان إسلاميّاً جرى عليه ملك المسلمين ، ثمّ خرب حتّى صار مواتاً عاطلاً ، ولا يعرف له مالك ولا ورثة مالكٍ . قال الشّافعيّة : إنّه مال ضائع يرجع فيه إلى رأي الإمام مطلقاً . وقال المالكيّة : يملك بالإحياء مطلقاً ، إذا كانت الأرض غير مقطعةٍ ، أمّا إذا كانت مقطعةً فالرّاجح عندهم أنّها لا تملك بالإحياء . وقال الحنفيّة : إن لم يعرف أربابه ملك بالإحياء ، بشرط إقطاع الإمام له ، وهو رأي للحنابلة .
إقطاع العامر
إقطاع العامر ضربان :
15 - الضّرب الأوّل : ما تعيّن مالكه فلا نظر للسّلطان في إقطاعه اتّفاقاً ، إلاّ ما يتعلّق بتلك الأرض من حقوق بيت المال أو المصالح العامّة . وهذا إذا كانت في دار الإسلام ، سواء أكانت لمسلمٍ أم لذمّيٍّ . فإن كانت في دار الحرب الّتي لا يثبت للمسلمين عليها يد ، فأراد الإمام إقطاعها عند الظّفر جاز . وقد : « سأل تميم الدّاريّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يقطعه عيون البلد الّذي كان منه بالشّام قبل فتحه ففعل » .
16 - الضّرب الثّاني من العامر : ما لم يتعيّن مالكوه ولم يتميّز مستحقّوه : فما اصطفاه الإمام لبيت المال ، وكذلك كلّ ما دخل بيت المال من أرض الخراج ، أو ما مات عنه أربابه ، ولم يستحقّه وارث بفرضٍ ولا تعصيبٍ ففي إقطاعه رأيان :
الأوّل : عدم الجواز وهو رأي المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لأنّه لا يجوز إقطاع رقبته لاصطفائه لبيت المال ، فكان بذلك ملكاً لكافّة المسلمين . فجرى على رقبته حكم الوقف المؤبّد .
الثّاني : الجواز وهو رأي الحنفيّة ، لأنّ للإمام أن يجيز من بيت المال من له غناء في الإسلام ، ومن يقوى به على العدوّ ، ويعمل في ذلك بالّذي يرى أنّه خير للمسلمين وأصلح لأمرهم ، والأرض عندهم بمنزلة المال يصحّ تمليك رقبتها ، كما يعطى المال حيث ظهرت المصلحة .
إقطاع المعادن
المعادن هي البقاع الّتي أودعها اللّه جواهر الأرض . وهي ضربان : ظاهرة وباطنة .
17 - أمّا الظّاهرة : فما كان جوهرها المستودع فيها بارزاً . كمعادن الكحل ، والملح ، والنّفط ، فهو كالماء الّذي لا يجوز إقطاعه ، والنّاس فيه سواء ، يأخذه من ورد إليه ، لما ورد أنّ أبيض بن حمّالٍ « استقطع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ملح مأربٍ فأقطعه ، فقال الأقرع بن حابسٍ التّميميّ : يا رسول اللّه إنّي وردت هذا الملح في الجاهليّة ، وهو بأرضٍ ليس فيها غيره ، من ورده أخذه وهو مثل الماء العدّ بالأرض ، فاستقال أبيض قطيعة الملح . فقال : قد أقلتك على أن تجعله منّي صدقةً . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : هو منك صدقة ، وهو مثل الماء العدّ ، من ورده أخذه »
وهو رأي الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . أمّا المالكيّة فقد أجازوا إقطاع الإمام للمعادن بغير تمييزٍ بين الباطن والظّاهر .
18 - وأمّا المعادن الباطنة : فهي ما كان جوهره مستكنّاً فيها ، لا يوصل إليه إلاّ بالعمل ، كمعادن الذّهب والفضّة والصّفر والحديد . فهذه وما أشبهها معادن باطنة ، سواء احتاج المأخوذ منها إلى سبكٍ وتصفيةٍ وتخليصٍ أو لم يحتج . وقد أجاز إقطاعها الحنفيّة ، وهو رأي للشّافعيّة ، ومنع ذلك المالكيّة والحنابلة ، وهو الرّأي الرّاجح للشّافعيّة .
التّصرّف في الأراضي الأميريّة :
19 - يجوز للإمام أن يدفع الأرض الأميريّة للزّراعة ، إمّا بإقامتهم مقام الملّاك في الزّراعة وإعطاء الخراج ، أوإجارتها للزّرّاع بقدر الخراج ، وعلى هذا اتّفق الأئمّة .
وأمّا إقطاعها أو تمليكها : فمنعه المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لأنّه صار ملكاً عامّاً للمسلمين ، وأجازه الحنفيّة اعتماداً على أنّ للإمام أن يجيز من بيت المال من له غناء في الإسلام ، كما أنّ له أن يعمل ما يراه خيراً للمسلمين وأصلح ، والأرض عندهم بمنزلة المال . وعلى هذا فمن يلغي إقطاعها لا يجيز تمليكها ، أو إرثها أو إرث اختصاصها ، وإنّما منافعها هي الّتي تملك فقط . فله إيجارها ، وللإمام إخراجها عنه متى شاء ، غير أنّه جرى الرّسم في الدّولة العثمانيّة ، أنّ من مات عن ابنٍ انتقل الاختصاص للابن مجّاناً ، وإلاّ فلبيت المال ، ولو له بنت أو أخ لأبٍ له أخذها بالإجارة الفاسدة .
وهذا إذا كانت الأراضي الأميريّة عامرةً ، وأمّا إذا كانت مواتاً فإنّها تملك بالإحياء ، وتؤخذ بالإقطاع كما سبق ، وتورث عنه إذا مات ، ويصحّ بيعها ، وعليه وظيفتها من عشرٍ أو خراجٍ وللتّفصيل ينظر - ( أرض الحوز ) .
إقطاع المرافق :
20 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز للإمام إقطاع المرافق العامّة وما لا غنى عنه للمسلمين ، وكذلك أرض الملح والقار ونحوها . وكذلك ما قرب من العامر ، وتعلّقت به مصالح المسلمين ، من طرقٍ وسيل ماءٍ ومطرح قمامةٍ وملقى ترابٍ وآلاتٍ ، فلا يجوز إقطاعه ، بغير خلافٍ ، وكذلك ما تعلّقت به مصالح القرية ، كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها وطرقها ومسيل مائها ، لا يجوز إقطاعه .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:26 PM

إجارة الإقطاعات وإعارتها :
21 - ما أقطعه الإمام للنّاس ملكاً ، أو اشتري من بيت المال شراءً مسوّغاً ، فلا خفاء في جواز إجارته وإعارته ، حيث صار ملكاً للأشخاص يتصرّفون فيه تصرّف الملّاك ، ومن أقطعه الإمام أرضاً إقطاع انتفاعٍ في مقابلة خدمةٍ عامّةٍ يؤدّيها ، وبعبارة الفقهاء : في مقابلة استعداده لما أعدّ له ، فإنّ للمقطع إجارتها وإعارتها ، لأنّه ملكها ملك منفعةٍ .
وإذا مات المؤجّر ، أو أخرج الإمام الأرض المقطعة منه انفسخت الإجارة ، لانتقال الملك إلى غير المؤجّر .
استرجاع الإقطاعات :
22 - إذا أقطع الإمام أرضاً مواتاً ، وتمّ إحياؤها ، أو لم تمض المدّة المقرّرة عند الفقهاء للإحياء ، فليس له استرجاع الإقطاع من مقطعه ، وكذلك إذا كان الإقطاع من بيت المال بشراءٍ مسوغٍ أو بمقابلٍ ، لأنّه في الأوّل يكون تمليكاً بالإحياء ، وفي الثّاني يكون تمليكاً بالشّراء فلا يجوز إخراجه منه إلاّ بحقّه .
ترك عمارة الأرض المقطعة :
23 - لا يعارض المقطع إذا أهمل أرضه بغير عمارةٍ قبل طول اندراسها . وقدّر الحنفيّة ذلك بثلاث سنين ، وهو رأي للمالكيّة . وقال الحنفيّة : إن أحياها غيره قبل ذلك كانت ملكاً للمقطع . وقال المالكيّة : إن أحياها عالماً بالإقطاع كانت ملكاً للمقطع ، وإن أحياها غير عالمٍ بالإقطاع ، خيّر المقطع بين أخذها وإعطاء المحيي نفقة عمارته ، وبين تركها للمحيي والرّجوع عليه بقيمة الأرض المحياة . وقال سحنون من المالكيّة : لا تخرج عن ملك محييها ولو طال اندراسها ، وإن أعمرها غيره لم تخرج عن ملك الأوّل .
ولم يشترط الشّافعيّة والحنابلة مدّةً معيّنةً ، واعتبروا القدرة على الإحياء بدلاً منها . فإن مضى زمان يقدر على إحيائها فيه قيل له : إمّا أن تحييها فتقرّ في يدك ، وإمّا أن ترفع يدك عنها لتعود إلى حالها قبل الإقطاع . وقد اعتبر الحنابلة الأعذار المقبولة مسوّغاً لبقائها على ملكه بدون إحياءٍ ، إلى أن يزول العذر .
واستدلّ الحنفيّة بأنّ عمر رضي الله عنه جعل أجل الإقطاع إلى ثلاث سنين .
وقال الشّافعيّة : إنّ التّأجيل لا يلزم ، وتأجيل عمر يجوز أن يكون لسببٍ اقتضاه .
وقف الإقطاعات :
24 - إنّ وقف الإقطاع يدور صحّةً وعدماً على ثبوت الملكيّة وعدمه للواقف ، فمن أثبتها له بوجهٍ من الوجوه حكم بصحّة وقف الإقطاع ، ومن لم يثبتها لم يحكم بصحّته .
على أنّ للإمام أن يقف شيئاً من بيت المال على جهةٍ أو شخصٍ معيّنٍ ، مع أنّه لا يملك ما يقفه ، إذا كان في ذلك مصلحة .
الإقطاع بشرط العوض :
25 - الأصل في إقطاع التّمليك : أن يكون مجرّداً عن العوض ، فإن أقطعه الإمام على أنّ عليه كذا أو كلّ عامٍ كذا جاز وعمل به ، ومحلّ العوض المأخوذ بيت مال المسلمين ، لا يختصّ الإمام به ، لعدم ملكه لما أقطعه ، وهو رأي الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ورأي للشّافعيّة ، حيث إنّ للإمام أن يفعل ما يراه مصلحةً للمسلمين . وهناك رأي للشّافعيّة بخلافه ، وعلّلوه بأنّ الإقطاع عطيّة وهبة وصلة وليس بيعاً ، والأثمان من صفة البيع .

أقطع *
التّعريف :
1 - الأقطع لغةً : مقطوع اليد .
وعند الفقهاء : يستعمل في مقطوع اليد أو الرّجل . وفي العمل النّاقص أو قليل البركة .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - « كلّ أمرٍ لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم فهو أقطع » كما ورد في الحديث .
3 - والمكلّف إن كان مقطوع اليد أو الرّجل يسقط عنه الجهاد إن كان فرض كفايةٍ ، لأنّه إذا سقط عن الأعرج فالأقطع أولى ، ولأنّه يحتاج إلى الرّجلين في المشي ، واليدين ليتّقي بأحدهما ويضرب بالأخرى .
ومن الفقهاء من يجعل بعض الأمراض الّتي تصيب اليد أو الرّجل عذراً يمنع الخروج للقتال كذلك .
4 - ومن قطعت يده أو رجله يسقط عنه فرض غسل العضو المقطوع في الوضوء والغسل ( ر : وضوء ، غسل ) .
5- وقطع اليد والرّجل صفة نقصٍ في إمام الصّلاة ، ولذلك كره بعض الفقهاء إمامته لغيره ، ومنهم من منعها ، وتفصيل ذلك في شروط الإمامة .
6- وإن قطع الأقطع من غيره عضواً مماثلاً للعضو المقطوع أو غير مماثلٍ ففي ذلك تفصيل ينظر في ( قصاص ) . وكذلك إذا سرق ففي إقامة الحدّ عليه تفصيل : ( ر : سرقة ) .

إقعاء *
التّعريف :
1 - الإقعاء عند العرب : إلصاق الأليتين بالأرض ، ونصب السّاقين ووضع اليدين على الأرض ، وقال ابن القطّاع : أقعى الكلب : جلس على أليتيه ونصب فخذيه ، وأقعى الرّجل : جلس تلك الجلسة .
وللفقهاء في الإقعاء تفسيران :
الأوّل : نحو المعنى اللّغويّ ، وهو اختيار الطّحاويّ من الحنفيّة .
والثّاني : أن يضع أليتيه على عقبيه ، ويضع يديه على الأرض ، وهو اختيار الكرخيّ من الحنفيّة .
وجلسة الإقعاء غير التّورّك والافتراش ، فالافتراش أن يجلس على كعب يسراه بحيث يلي ظهرها الأرض وينصب يمناه . ويخرجها من تحته ، ويجعل بطون أصابعها على الأرض معتمداً عليها لتكون أطراف أصابعه إلى القبلة .
والتّورّك إفضاء ألية وورك وساق الرّجل اليسرى للأرض ، ونصب الرّجل اليمنى على اليسرى ، وباطن إبهام اليمنى للأرض ، فتصير رجلاه معاً من الجانب الأيمن .
الحكم الإجماليّ :
2 - الإقعاء بالمعنى الأوّل مكروه في الصّلاة عند أكثر الفقهاء ، لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « نهى عن الإقعاء في الصّلاة » . وعند المالكيّة : الإقعاء بهذه الصّورة حرام ، ولكن لا تبطل به الصّلاة . وأمّا الإقعاء بالمعنى الثّاني فمكروه أيضاً عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، إلاّ أنّ الكراهة تنزيهيّة عند الحنفيّة .
استدلّ الحنابلة على هذا الرّأي رواه الحارث عن عليٍّ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا تقع بين السّجدتين » . وعند الشّافعيّة : الإقعاء بهذه الكيفيّة بين السّجدتين سنّة ، ففي مسلمٍ « الإقعاء سنّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم » وفسّره العلماء بهذا ، ونصّ عليه الشّافعيّ في البويطيّ والإملاء في الجلوس بين السّجدتين ، ونقل عن أحمد بن حنبلٍ أنّه قال : لا أفعل ولا أعيب من فعله ، وقال : العبادلة كانوا يفعلونه .
أمّا الإقعاء في الأكل فلا يكره ، روى أنس رضي الله عنه قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جالساً مقعياً يأكل تمراً » .

أقلف *
التّعريف :
1 - الأقلف : هو الّذي لم يختن ، والمرأة قلفاء ، والفقهاء يخصّون أحكام الأقلف بالرّجل دون المرأة . ويقابل الأقلف في المعنى : المختون .
وإزالة القلفة من الأقلف تسمّى ختاناً في الرّجل ، وخفضاً في المرأة .
حكمه التّكليفيّ :
2 - اتّفق الفقهاء على أنّ إزالة القلفة من الأقلف من سنن الفطرة ، لتضافر الأحاديث على ذلك ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : « الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، وقصّ الشّارب ، وتقليم الأظافر ، ونتف الإبط » . كما سيأتي تفصيل ذلك في ( ختان ) .
وذهب الشّافعيّة وأحمد بن حنبلٍ إلى أنّ الختان فرض . وهو قول ابن عبّاسٍ وعليّ بن أبي طالبٍ والشّعبيّ وربيعة الرّأي والأوزاعيّ ويحيى بن سعيدٍ وغيرهم ، وعلى هذا فإنّ الأقلف تارك فرضٍ ، ومنهم من ذهب إلى أنّه سنّة كأبي حنيفة والمالكيّة ، وهو قول الحسن البصريّ .
3 - يختصّ الأقلف ببعض الأحكام :
أ - ردّ شهادته عند الحنفيّة إن كان تركه الاختتان لغير عذرٍ . وهو ما يفهم من مذهبي الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّهم يقولون بوجوب الاختتان ، وترك الواجب فسق ، وشهادة الفاسق مردودة . وذهب المالكيّة إلى كراهة شهادته .
ب - جواز ذبيحة الأقلف وصيده ، لأنّه لا أثر للفسق في الذّبيحة والصّيد ، ولذلك فقد ذهب الجمهور - وهو الصّحيح عند الحنابلة - إلى أنّ ذبيحة الأقلف وصيده يؤكلان ، لأنّ ذبيحة النّصرانيّ تؤكل فهذا أولى . وروي عن ابن عبّاسٍ ، وعكرمة وأحمد بن حنبلٍ أنّ ذبيحة الأقلف لا تؤكل ، وقد بيّن الفقهاء ذلك في كتاب الذّبائح والصّيد .
ج - إذا كان الاختتان - إزالة القلفة - فرضاً ، أو سنّةً ، فلو أزالها إنسان بغير إذن صاحبها فلا ضمان عليه .
د - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا كان هناك حرج في غسل ما تحت القلفة فلا يطلب تطهيرها دفعاً للحرج .
أمّا إذا كان تطهيرها ممكناً من غير حرجٍ فالشّافعيّة والحنابلة يوجبون تطهير ما تحت القلفة في الغسل والاستنجاء ، لأنّها واجبة الإزالة ، وما تحتها له حكم الظّاهر .
وذهب الحنفيّة إلى استحباب غسلها في الغسل والاستنجاء ، ويفهم من عبارة مواهب الجليل أنّ المالكيّة لا يرون وجوب غسل ما تحت القلفة .
هـ – ذهب الشّافعيّة والحنابلة ، وهم من يقولون بوجوب تطهير ما تحت القلفة ، إلى أنّه إذا لم يغسل ما تحتها لا تصحّ طهارته ، وبالتّالي لا تصحّ إمامته .
وأمّا الحنفيّة فتصحّ إمامته عندهم مع الكراهة التّنزيهيّة ، والمالكيّة يرون جواز إمامة الأقلف ، ولكنّهم يرون كراهة تعيينه إماماً راتباً ، ومع هذا لو صلّى النّاس خلفه لم يعيدوا صلاتهم .

أقلّ الجمع *
التّعريف :
1 - الجمع في اللّغة : تأليف المتفرّق ، وضمّ الشّيء بتقريب بعضه من بعض .
وفي اصطلاح النّحاة والصّرفيّين . اسم دلّ على جملة آحادٍ مقصودةٍ بحروف مفرده بتغيّرٍ ما . وفيما يفيده أقلّ الجمع من حيث العدد آراء :
أ - رأي النّحاة والصّرفيّين :
2 - أفاد الرّضيّ في الكافية أنّه لا يجوز إطلاق الجمع على الواحد والاثنين ، فلا يقع رجال على رجلٍ ولا رجلين . ، وصرّح ابن يعيشٍ بأنّ القليل الّذي جعل القلّة له هو الثّلاثة فما فوقها إلى العشرة .
ب - رأي الأصوليّين والفقهاء :
3 - ذكر الأصوليّون الخلاف في أقلّ عددٍ تطلق عليه صيغة الجمع ، فجاء في التّلويح ، ونحوه في مسلّم الثّبوت : أنّ أكثر الصّحابة والفقهاء وأئمّة اللّغة ذهبوا إلى أنّ أقلّ الجمع ثلاثة ، فلا يصحّ الإطلاق على أقلّ منه إلاّ مجازاً ، حتّى لو حلف لا يتزوّج نساءً لا يحنث بتزوّج امرأتين . وذهب بعضهم كحجّة الإسلام الغزاليّ ، وسيبويه من النّحاة ، إلى أنّ أقلّ الجمع اثنان حقيقةً ، حتّى يحنث بتزوّج امرأتين .
وقيل : لا يصحّ للاثنين لا حقيقةً ولا مجازاً . وبعد عرض أدلّة كلّ فريقٍ ، والرّدّ عليها ، يذكر صاحبا التّلويح ومسلّم الثّبوت أنّ النّزاع ليس في لفظ الجمع المؤلّف من ( ج م ع ) وإنّما النّزاع في المسمّى ، أي في الصّيغ المسمّاة به ، كرجالٍ ومسلمين .
وذكر القرطبيّ عند تفسير قوله تعالى : { فإن كان له إخوة فلأمّه السّدس } أنّ أقلّ الجمع اثنان ، لأنّ التّثنية جمع شيءٍ إلى مثله ، واستدلّ برأي سيبويه فيما يرويه عن الخليل . والظّاهر أنّ القرطبيّ أراد بقوله : إنّ أقلّ الجمع اثنان الميراث لأنّه قال بعد ذلك : وممّن قال : إنّ أقلّ الجمع ثلاثة - وإن لم يقل به هنا - ( يقصد الميراث ) ابن مسعودٍ والشّافعيّ وأبو حنيفة وغيرهم . وبالنّظر في أبواب الفقه المختلفة نجد أنّ أقلّ الجمع عند الفقهاء ثلاثة فصاعداً عدا الميراث ، وسيأتي بيان ذلك .
ج - رأي الفرضيّين :
4 - الفرضيّون - عدا ابن عبّاسٍ - يعتبرون أنّ أقلّ الجمع اثنان ، فقد جاء في العذب الفائض عند الكلام على ميراث الأمّ مع الإخوة أنّ أقلّ الجمع اثنان ، قال ابن سراقة وقد ورد ذلك في القرآن الكريم كقوله تعالى : { هذان خصمان اختصموا في ربّهم } . يريد اختصما ، ثمّ قال : ومن أهل اللّغة من يجعل الاثنين جمعاً حقيقةً ، وقد حكي عن الفرّاء أنّه قال : أوّل الجمع التّثنية ، وهو الأصل في اللّغة ، والاثنان من جنس الإخوة يردّان الأمّ إلى السّدس وجاء في السّراجيّة أنّ حكم الاثنين في الميراث حكم الجماعة ، فحكم البنتين والأختين كحكم البنات والأخوات في استحقاق الثّلثين ، فكذا في الحجب .
وهذا الحكم لم يخالف فيه سوى ابن عبّاسٍ .
ما يتفرّع على هذه القاعدة :
أوّلاً - عند الفقهاء :
5 - يبني الفقهاء أحكامهم على اعتبار أنّ أقلّ الجمع ثلاثة ، وهذا فيما يستعمل فيه من المسائل الفقهيّة المتفرّقة عدا مسائل الميراث ، عند جميع الفقهاء ، والوصيّة كذلك عند الحنفيّة ، فتبنى الأحكام فيها باعتبار أنّ أقلّ الجمع اثنان ، وذلك كما جاء في عباراتهم . ويجب أن يلاحظ أنّ المقصود هو الجمع المنكّر كما سنرى في الأمثلة - إذ هو الّذي يتمّ الحكم بانطباقه على ثلاثةٍ من أفراده باعتبارها أقلّ ما ينطبق عليه .
الأمثلة في غير الميراث :
6 - أ - في الوصيّة : من وصّى بكفّارة أيمانٍ فأقلّ ما يجب لتنفيذ هذه الوصيّة أن يكفّر عنه ثلاثة أيمانٍ ، لأنّ الثّلاثة أقلّ الجمع ، وهذا عند الجمهور . أمّا عند الحنفيّة فيجب التّكفير عن يمينين فصاعداً ، اعتباراً لمعنى الجمع ، وأقلّه اثنان في الوصيّة ، والوصيّة أخت الميراث ، وفي الميراث أقلّ الجمع اثنان .
ب - في الوقف : من وقف لجماعةٍ أو لجمعٍ من أقرب النّاس إليه صرف ريع الوقف إلى ثلاثةٍ ، لأنّها أقلّ الجمع ، فإن لم يبلغ أقرب النّاس إليه ثلاثةً يتمّم العدد ممّا بعد الدّرجة الأولى . فمثلاً : إن كان لمن وقف ابنان وأولاد ابنٍ ، فإنّه يخرج من أولاد ابنه واحد منهم بالقرعة . ويضمّ للابنين ويعطون الوقف .
ج - في الإقرار : لو قال : له عندي دراهم ، لزمه ثلاثة دراهم ، لأنّه جمع ، وأقلّ الجمع ثلاثة .
د - في اليمين : من حلف على ترك شيءٍ ، أو على ألاّ يكلّم غيره أيّاماً أو شهوراً أو سنين ، منكّراً لفظ الأيّام والشّهور والسّنين لزمه ثلاثة ، لأنّه أقلّ الجمع .
7- أمّا بالنّسبة للميراث فتبنى الأحكام فيه باعتبار أنّ أقلّ الجمع اثنان . ويتّضح ذلك في ميراث الأمّ مع الإخوة ، فقد أجمع أهل العلم - إلاّ ما روي عن ابن عبّاسٍ - على أنّ الأخوين ( فصاعداً ) ذكوراً كانوا أو إناثاً يحجبان الأمّ عن الثّلث إلى السّدس ، عملاً بظاهر قوله تعالى : { فإن كان له إخوة فلأمّه السّدس } . لأنّ أقلّ الجمع هنا اثنان ، وقد قال الزّمخشريّ : لفظ الإخوة هنا يتناول الأخوين ، لأنّ الجمع من الاجتماع ، وأنّه يتحقّق باجتماع الاثنين . ولأنّ الجمع يذكر بمعنى التّثنية كما في قوله تعالى : { فقد صغت قلوبكما } هذا رأي الجمهور .
وخالف في ذلك ابن عبّاسٍ فجعل الاثنين من الإخوة في حكم الواحد ولا يحجب الأمّ أقلّ من ثلاثٍ ، لظاهر الآية ، وقد وقع الكلام في ذلك بين عثمان وابن عبّاسٍ ، فقال له عثمان : إنّ قومك ( يعني قريشاً ) حجبوها - يعني الأمّ - وهم أهل الفصاحة والبلاغة .
ثانياً - عند الأصوليّين :
8 - ذكر الأصوليّون الخلاف في مسمّى الجمع ، وهل يطلق على الثّلاثة فأكثر ، أو يصحّ أن يطلق على الاثنين على نحو ما سبق بيانه .
وهم يذكرون ذلك في معرض الكلام عن العامّ وتخصيصه ، باعتبار أنّ الجمع من ألفاظ العموم ، وأنّ العامّ إذا كان جمعاً مثل الرّجال جاز تخصيصه إلى الثّلاثة ، تفريعاً على أنّ الثّلاثة أقلّ الجمع ، لأنّ التّخصيص إلى ما دون الثّلاثة يخرج اللّفظ عن الدّلالة على الجمع فيصير نسخاً ، وتفصيل هذا ينظر في الملحق الأصوليّ .
مواطن البحث :
9 - أقلّ الجمع يستعمل في المسائل الّتي يستعمل فيها الجمع المنكّر ، كالنّذر والأيمان والعتق والطّلاق وغير ذلك .

أقلّ ما قيل *
التّعريف :
1 - الأخذ بأقلّ ما قيل عند الأصوليّين أن يختلف الصّحابة في أمرٍ مقدّرٍ على أقاويل ، فيؤخذ بأقلّها ، إذا لم يدلّ على الزّيادة دليل . وذلك مثل اختلافهم في دية اليهوديّ هل هي مساوية لدية المسلم ، أو على النّصف ، أو على الثّلث ؟ فالقول بأقلّها وهو الثّلث – أخذ بأقلّ ما قيل . ويقاربه : الأخذ بأخفّ ما قيل . والفرق بينهما هو من حيث الكمّ والكيف .
ويقابله : الأخذ بأكثر ما قيل .
الحكم الإجماليّ :
2 - اختلف الأصوليّون في الأخذ بأقلّ ما قيل ، هل يعتبر دليلاً يعتمد في إثبات الحكم ؟ فأثبته الإمام الشّافعيّ ، والباقلّانيّ من المالكيّة ، وقال القاضي عبد الوهّاب منهم : وحكى بعض الأصوليّين إجماع أهل النّظر عليه .
ونفاه جماعة ، منهم ابن حزمٍ ، بل حكى قولاً بأنّه يؤخذ بأكثر ما قيل ، ليخرج عن عهدة التّكليف بيقينٍ ، وكما اختلفوا في الأخذ بالأقلّ اختلفوا في الأخذ بالأخفّ ومحلّ تفصيل ذلك الملحق الأصوليّ .
مواطن البحث :
3 - ذكر الأصوليّون الأخذ بأقلّ ما قيل في مبحث الاستدلال . والاستدلال هنا في اصطلاحهم : ما كان من الأدلّة ليس بنصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ . كما ذكروه في الكلام على الإجماع لبيان علاقته به .

اكتحال *
التّعريف :
1 - الاكتحال لغةً : مصدر اكتحل . يقال اكتحل : إذا وضع الكحل في عينه . وهو في الاصطلاح مستعمل بهذا المعنى .
الحكم الإجماليّ :
2 - استحبّ الحنابلة والشّافعيّة الاكتحال وتراً ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « من اكتحل فليوتر » ، وأجازه مالك في أحد قوليه للرّجال ، وكرهه في قوله الآخر للتّشبّه بالنّساء .
أمّا الحنفيّة ، فقالوا بالجواز إذا لم يقصد به الرّجل الزّينة ، وأوضح بعض الحنفيّة أنّ الممنوع هو التّزيّن للتّكبّر ، لا بقصد الجمال والوقار . ولا خلاف في جواز الاكتحال للنّساء ولو بقصد الزّينة ، وكذلك للرّجال بقصد التّداوي . وللتّفصيل ينظر مصطلح ( تزيّن ) .
الاكتحال بالمتنجّس :
3 - ينبغي أن يكون ما يكتحل به طاهراً حلالاً ، أمّا الاكتحال بالنّجس أو المحرّم فهو غير جائزٍ لعموم النّهي عن ذلك . أمّا إذا كان الاكتحال لضرورةٍ فقد أجازه الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ومنعه المالكيّة .
الاكتحال في الإحرام :
4 - أجاز الحنفيّة الاكتحال بالإثمد للمحرم بغير كراهةٍ ما دام بغير طيبٍ ، فإذا كان بطيبٍ وفعله مرّةً أو مرّتين فعليه صدقة ، فإن كان أكثر فعليه دم . ومنعه المالكيّة وإن كان من غير طيبٍ ، إلاّ إذا كان لضرورةٍ ، فإن اكتحل فعليه الفدية . وأجازه الشّافعيّة والحنابلة مع الكراهة ، واشترط الحنابلة عدم قصد الزّينة به . ( ر - إحرام ) .
الاكتحال في الصّوم :
5 - إذا اكتحل الصّائم بما يصل إلى جوفه فعند الحنفيّة والشّافعيّة - وهو اختيار ابن تيميّة - لا يفسد صومه ، وإن وجد طعمه في حلقه ، ولونه في نخامته ، لأنّه لم يصل إلى الجوف من منفذٍ مباشرٍ ، بل بطريق المسامّ . وقال المالكيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة : إنّه يفسد صومه إذا وصل إلى الحلق . وللتّفصيل ينظر ( صوم ) .
الاكتحال للمعتدّة من الوفاة :
6 - إذا كان الاكتحال بما لا يتزيّن به عادةً فلا بأس به عند الفقهاء ليلاً أو نهاراً . أمّا إذا كان ممّا يتزيّن به كالإثمد ، فالأصل عدم جوازه إلاّ لحاجةٍ ، فإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز . وصرّح المالكيّة أنّ المراد - في هذه الحال - تكتحل ليلاً وتغسله نهاراً وجوباً .
الاكتحال للمعتدّة من الطّلاق :
7 - اتّفق الفقهاء على إباحة الاكتحال للمعتدّة من طلاقٍ رجعيٍّ . بل صرّح المالكيّة بأنّه يفرض على زوج المعتدّة ثمن الزّينة الّتي تستضرّ بتركها .
واختلفوا في المعتدّة من طلاقٍ بائنٍ . قال الحنفيّة ، وهو رأي للشّافعيّة والحنابلة : يجب عليها ترك الاكتحال والزّينة ، وفي رأيٍ للشّافعيّة والحنابلة : يستحسن لها ذلك .
أمّا المالكيّة فعندهم الإباحة مطلقاً للمطلّقة ( ر - عدّة ) .
الاكتحال في الاعتكاف :
8 - تكلّم الشّافعيّة على الزّينة في الاعتكاف والاكتحال فيه ، وصرّحوا بأنّه لا يضرّ فيه الاكتحال ولا الزّينة . وقواعد المذاهب الأخرى لا تنافيه . ( ر - اعتكاف ) .
الاكتحال في يوم عاشوراء :
9 - تكلّم الحنفيّة على الاكتحال في يوم عاشوراء وعلى استحبابه ، وأبانوا بأنّه لم يرد في ذلك نصّ صحيح ، وقال بعضهم : بأنّه بدعة . ( ر - بدعة ) .

اكتساب *
التّعريف :
1 - الاكتساب : طلب الرّزق وتحصيل المال على العموم . وأضاف الفقهاء إلى ذلك ما يفصح عن الحكم ، فقالوا : الاكتساب هو تحصيل المال بما حلّ من الأسباب .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الكسب :
2 - يفترق الكسب عن الاكتساب بأنّ الاكتساب لا يكون إلاّ ببذل الجهد ، أمّا الكسب فإنّه لا يعني أكثر من الإصابة ، يقال : كسب مالاً : إذا أصاب مالاً ، سواء كان ذلك ببذل جهدٍ ، بأن اكتسبه بعرق جبينه ، أو كسبه من غير جهدٍ ، كما إذا آل إليه بميراثٍ مثلاً .
ب - الاحتراف ، أو العمل :
3 - يفترق الاكتساب عن الاحتراف أو العمل بأنّهما من وسائل الاكتساب ، وليسا باكتسابٍ ، إذ الاكتساب قد يكون باحتراف حرفةٍ ، وقد يكون بغير احتراف حرفةٍ ، كمن يعمل يوماً عند نجّارٍ ، ويوماً عند حدّادٍ ، ويوماً حمّالاً ، دون أن يبرع أو يستقرّ في عملٍ .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:26 PM

الحكم التّكليفيّ :
4 - أ - ذهب الفقهاء إلى أنّ الاكتساب فرض على المحتاج إليه إذا كان قادراً عليه ، لأنّه به يقوم المكلّف بما وجب عليه من التّكاليف الماليّة ، من الإنفاق على النّفس والزّوجة والأولاد الصّغار ، والأبوين المعسرين ، والجهاد في سبيل اللّه وغير ذلك .
ب - ويفصّل ابن مفلحٍ الحنبليّ حكم الاكتساب بحسب أحوال المكتسب ، وخلاصة كلامه : يسنّ التّكسّب مع توفّر الكفاية للمكتسب ، قال المروزيّ : سمعت رجلاً يقول لأبي عبد اللّه أحمد بن حنبلٍ : إنّي في كفايةٍ ، قال الإمام أحمد : الزم السّوق تصل به رحمك ، وتعد به على نفسك .
ويباح التّكسّب لزيادة المال والجاه والتّرفّه والتّنعّم والتّوسعة على العيال ، مع سلامة الدّين والعرض والمروءة وبراءة الذّمّة .
ويجب التّكسّب على من لا قوت له ولمن تلزمه نفقته ، وعلى من عليه دين أو نذر طاعةٍ أو كفّارة . وقد فصّل الفقهاء ذلك في أبواب النّفقة .
ويرى الماورديّ - الشّافعيّ - في كتابه أدب الدّنيا والدّين : أنّ طلب المرء من الكسب قدر كفايته ، والتماسه منه وفق حاجته هو أحمد أحوال الطّالبين ، وأعدل مراتب القاصدين .
من لا يكلّف الاكتساب :
5 - أ - لا تكلّف المرأة الاكتساب للإنفاق على نفسها أو على غيرها ، وتكون نفقتها إن كانت فقيرةً واجبةً على غيرها ، سواء كانت متزوّجةً أم ليست بذات زوجٍ .
ب - ولا يكلّف الصّغير الّذي ليس بأهلٍ للكسب الاكتساب ، ومن جملة هذه الأهليّة القدرة الجسديّة والفكريّة الّتي يفرّق فيها بين الحلال والحرام ، لما روى الإمام مالك في الموطّأ عن عثمان بن عفّان أنّه قال : لا تكلّفوا الصّغير الكسب ، فإنّه إذا لم يجد سرق .
أمّا الكبير فإنّه يكلّف الاكتساب كما تقدّم .
طرق الاكتساب :
6 - إذا كان الاكتساب لا بدّ فيه من بذل الجهد - على خلاف الكسب الّذي قد يكون ببذل الجهد ، وقد يكون بغير بذل جهدٍ - فإنّه لا يكون إلاّ بالعمل ، وعندئذٍ يشترط في العمل أن يكون حلالاً ، فلا يجوز الاكتساب بتقديم الخمر لشاربيه ، سواء احترف ذلك أم لم يحترفه ، كما يكره الاكتساب عن طريق حرفةٍ وضيعةٍ بقيودٍ وشروطٍ ذكرت في ( احتراف ) .

أكدريّة *
التّعريف :
1 - الأكدريّة هي : إحدى المسائل الملقّبات في الفرائض ، وهي زوج ، وأمّ ، وجدّ ، وأخت لأبٍ وأمٍّ ، أو لأبٍ . ولقّبت هذه المسألة بالأكدريّة ، لأنّها واقعة امرأةٍ من بني أكدر ماتت وخلّفت أولئك الورثة المذكورين ، واشتبه على زيدٍ مذهبه فيها فنسبت إليها . وقيل : إنّ شخصاً من هذه القبيلة كان يحسن مذهب زيدٍ في الفرائض ، فسأله عبد الملك بن مروان عن هذه المسألة فأخطأ في جوابها ، فنسبت إلى قبيلته . وقيل : سمّيت بذلك لأنّها كدّرت على زيد بن ثابتٍ أصوله في التّوريث ، وقيل : لأنّ الجدّ كدّر على الأخت نصيبها ، وأهل العراق يسمّونها الغرّاء ، لشهرتها فيما بينهم . وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة مذاهب :
2 - أحدها : مذهب زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه ، وبه أخذ الشّافعيّة والحنابلة ، وهو أنّ للزّوج النّصف ، وللأمّ الثّلث ، وللجدّ السّدس وللأخت النّصف ، ثمّ يضمّ نصيب الجدّ إلى نصيب الأخت ، ويقسم مجموع النّصيبين بينهما للذّكر مثل حظّ الأنثيين .
أصل المسألة من ستّةٍ ، وتعول إلى تسعةٍ : للزّوج ثلاثة ، وللأمّ اثنان ، وللجدّ واحد ، وللأخت ثلاثة ، ومجموع النّصيبين أربعة ، فنقسمها على الجدّ والأخت للذّكر مثل حظّ الأنثيين ، وتصحّ من سبعةٍ وعشرين : للزّوج تسعة ، وللأمّ ستّة ، وللجدّ ثمانية ، وللأخت أربعة . فقد جعل زيد هاهنا الأخت ابتداءً صاحبة فرضٍ ، كي لا تحرم الميراث بالمرّة ، وجعلها عصبةً بالآخرة ، كي لا يزيد نصيبها على نصيب الجدّ الّذي هو كالأخ .
المذهب الثّاني : وهو قول أبي بكرٍ وابن عبّاسٍ رضي الله عنهم ، حاصله : للزّوج النّصف ، وللأمّ الثّلث ، والسّدس الباقي للجدّ ، وتسقط الأخت ، وقد أخذ بهذا أبو حنيفة .
المذهب الثّالث : وهو قول عمر وابن مسعودٍ ، للزّوج النّصف ، وللأخت النّصف ، وللأمّ السّدس ، وللجدّ السّدس ، وأصلها من ستّةٍ وتعول إلى ثمانيةٍ ، للزّوج ثلاثة ، وثلاثة للأخت أيضاً والجدّ يأخذ سدساً عائلاً وهو واحد ، وكذا الأمّ . وإنّما جعلوا للأمّ السّدس كي لا يفضّلوها على الجدّ .
صلة الأكدريّة بغيرها من المسائل الملقّبات :
3 - الأكدريّة إن لم يكن فيها زوج فهي الخرقاء ، وإن لم يكن فيها جدّ كانت المباهلة ، وإن لم يكن فيها أخت كانت إحدى الغرّاوين ، وأحكام هذه المسائل تذكر في ( إرث ) .

إكراه *
التّعريف :
1 - قال في لسان العرب : أكرهته ، حملته على أمرٍ هو له كاره - وفي مفردات الرّاغب نحوه - ومضى صاحب اللّسان يقول : وذكر اللّه عزّ وجلّ الكره والكره في غير موضعٍ من كتابه العزيز ، واختلف القرّاء في فتح الكاف وضمّها . قال أحمد بن يحيى : ولا أعلم بين الأحرف الّتي ضمّها هؤلاء وبين الّتي فتحوها فرقاً في العربيّة ، ولا في سنّةٍ تتبع . وفي المصباح المنير :" الكَرْه ( بالفتح ) : المشقّة ، وبالضّمّ : القهر ، وقيل : ( بالفتح ) : الإكراه ، " وبالضّمّ " المشقّة . وأكرهته على الأمر إكراهاً : حملته عليه قهراً . يقال : فعلته كَرْهاً " بالفتح " أي إكراهاً - وعليه قوله تعالى : { طوعاً أو كرهاً } فجمع بين الضّدّين .
ولخصّ ذلك كلّه فقهاؤنا إذ قالوا : الإكراه لغةً : حمل الإنسان على شيءٍ يكرهه ، يقال : أكرهت فلاناً إكراهاً : حملته على أمرٍ يكرهه . والكَرْه " بالفتح " اسم منه ( أي اسم مصدرٍ ) . أمّا الإكراه في اصطلاح الفقهاء فهو : فعل يفعله المرء بغيره ، فينتفي به رضاه ، أو يفسد به اختياره . وعرّفه البزدويّ بأنّه : حمل الغير على أمرٍ يمتنع عنه بتخويفٍ يقدر الحامل على إيقاعه ويصير الغير خائفاً به .
أو هو : فعل يوجد من المكرِه ( بكسر الرّاء ) فيحدث في المحلّ ( أي المكَره بفتح الرّاء ) معنًى يصير به مدفوعاً إلى الفعل الّذي طلب منه . والمعنى المذكور في هذا التّعريف ، فسّروه بالخوف ، ولو ممّا يفعله الحكّام الظّلمة بالمتّهمين كيداً . فإذا كان الدّافع هو الحياء مثلاً ، أو التّودّد ، فليس بإكراهٍ .
2 - والفعل - في جانب المكِره ( بكسر الرّاء ) ليس على ما يتبادر منه من خلاف القول ، ولو إشارة الأخرس ، أو مجرّد الكتابة ، بل هو أعمّ ، فيشمل التّهديد - لأنّه من عمل اللّسان - ولو مفهوماً بدلالة الحال من مجرّد الأمر : كأمر السّلطان أو الأمير ، وأمر قاطع الطّريق ، وأمر الخانق الّذي يبدو منه الإصرار .
والحنفيّة يقولون : أمر السّلطان ، إكراه - وإن لم يتوعّد - وأمر غيره ليس بإكراهٍ ، إلاّ أن يعلم تضمّنه التّهديد بدلالة الحال .
وغير الحنفيّة يسوّون بين ذوي البطش والسّطوة أيّاً كانوا ، وصاحب المبسوط نفسه من الحنفيّة يقول : إنّ من عادة المتجبّرين التّرفّع عن التّهديد بالقتل ، ولكنّهم لا يعاقبون مخالفيهم إلاّ به .
3 - ثمّ المراد بالفعل المذكور - فعل واقع على المكَره ( بالفتح ) نفسه - ولو كان تهديداً بأخذ أو حبس ماله الّذي له وقع ، لا التّافه الّذي لا يعتدّ به ، أو تهديداً بالفجور بامرأته إن لم يطلّقها . ويستوي التّهديد المقترن بالفعل المهدّد به - كما في حديث : أخذ عمّار بن ياسرٍ ، وغطّه في الماء ليرتدّ . والتّهديد المجرّد ، خلافاً لمن لم يعتدّ بمجرّد التّهديد ، كأبي إسحاق المروزيّ من الشّافعيّة ، واعتمد . الخرقيّ من الحنابلة ، تمسّكاً بحديث عمّارٍ هذا ، واستدلّ الآخرون بالقياس حيث لا فرق ، وإلاّ توصّل المعتدون إلى أغراضهم - بالتّهديد المجرّد - دون تحمّل تبعةٍ ، أو هلك الواقع عليهم هذا التّهديد إذا رفضوا الانصياع له ، فكان إلقاء بالأيدي في التّهلكة ، وكلاهما محذور لا يأتي الشّرع بمثله . بل في الأثر عن عمر - وفيه انقطاع - ما يفيد هذا التّعميم : ذلك أنّ رجلاً في عهده تدلّى يشتار ( يستخرج ) عسلاً ، فوقفت امرأته على الحبل ، وقالت : طلّقني ثلاثاً ، وإلاّ قطعته ، فذكّرها اللّه والإسلام ، فقالت : لتفعلن ، أو لأفعلن ، فطلّقها ثلاثاً . ورفعت القصّة إلى عمر ، فرأى طلاق الرّجل لغواً ، وردّ عليه المرأة ، ولذا اعتمد ابن قدامة عدم الفرق .
ويتفرّع على هذا التّفسير أنّه لو وقع التّهديد بقتل رجلٍ لا يمتّ إلى المهدّد بسببٍ ، إن هو لم يدلّ على مكان شخصٍ بعينه يراد للقتل ، فإنّ هذا لا يكون إكراهاً ، حتّى لو أنّه وقعت الدّلالة ممّن طلبت منه ، ثمّ قتل الشّخص المذكور ، لكان الدّالّ معيناً على هذا القتل عن طواعيةٍ إن علم أنّه المقصود - والمعيّن شريك للقاتل عند أكثر أهل العلم ، بشرائط خاصّةٍ - وذهب أبو الخطّاب الحنبليّ إلى أنّ التّهديد في أجنبيٍّ إكراه في الأيمان ، واستظهره ابن رجبٍ .
4 - والفعل ، في جانب المكرَه ( بفتح الرّاء ) ، هو أيضاً أعمّ من فعل اللّسان وغيره ، إلاّ أنّ أفعال القلوب لا تقبل الإكراه ، فيشمل القول بلا شكٍّ .
وفيما يسمّيه فقهاؤنا بالمصادرة في أبواب البيوع وما إليها ، الفعل الّذي يطلب من المكَره ( بالفتح ) دفع المال وغرامته ، لا سبب الحصول عليه من بيعٍ أو غيره - كاستقراضٍ - فيصحّ السّبب ويلزم وإن علم أنّه لا مخلص له إلاّ بسببٍ معيّنٍ ، إلاّ أنّ المكرِه ( بالكسر ) لم يعيّنه له في إكراهه إيّاه . ولذا قالوا : إنّ الحيلة في جعل السّبب مكرهاً عليه ، أن يقول : المكرَه ( بالفتح ) : من أين أتى بالمال ؟ فإذا عيّن له المكرِه ( بالكسر ) سبباً ، كأن قال له : بع كذا ، أو عند ابن نجيمٍ اقتصر على الأمر بالبيع دون تعيين المبيع ، وقع هذا السّبب المعيّن تحت طائلة الإكراه .
ولم يخالف في هذا إلاّ المالكيّة - باستثناء ابن كنانة ومتابعيه - إذ جعلوا السّبب أيضاً مكرهاً عليه بإطلاقٍ .
ويشمل التّهديد بإيذاء الغير ، ممّن يحبّه من وقع عليه التّهديد - على الشّرط المعتبر فيما يحصل به الإكراه من أسبابه المتعدّدة - بشريطة أن يكون ذلك المحبوب رحماً محرماً ، أو - كما زاد بعضهم - زوجةً .
والمالكيّة ، وبعض الحنابلة يقيّدونه بأن يكون ولداً وإن نزل ، أو والداً وإن علا . والشّافعيّة - وخرّجه صاحب القواعد الأصوليّة من الحنابلة - لا يقيّدونه إلاّ بكونه ممّن يشقّ على المكرَه ( بالفتح ) إيذاؤه مشقّةً شديدةً كالزّوجة ، والصّديق ، والخادم . ومال إليه بعض الحنابلة . حتّى لقد اعتمد بعض الشّافعيّة أنّ من الإكراه ما لو قال الوالد لولده ، أو الولد لوالده ( دون غيرهما ) : طلّق زوجتك ، وإلاّ قتلت نفسي ، بخلاف ما لو قال : وإلاّ كفرت ، لأنّه يكفر في الحال .
وفي التّقييد بالولد أو الوالد نظر لا يخفى .
كما أنّه يصدق على نحو الإلقاء من شاهقٍ أي : الإلجاء بمعناه الحقيقيّ المنافي للقدرة الممكنة من الفعل والتّرك .
والمالكيّة - وجاراهم ابن تيميّة - اكتفوا بظنّ الضّرر من جانب المكرَه ( بالفتح ) إن لم يفعل ، وعبارتهم : يكون ( أي الإكراه ) بخوف مؤلمٍ .
الألفاظ ذات الصّلة :
5 - الرّضى والاختيار :
الرّضى لغةً : الاختيار . يقال : رضيت الشّيء ورضيت به : اخترته . والاختيار لغةً : أخذ ما يراه خيراً .
وأمّا في الاصطلاح ، فإنّ جمهور الفقهاء لم يفرّقوا بين الرّضى والاختيار ، لكن ذهب الحنفيّة إلى التّفرقة بينهما .
فالرّضى عندهم هو : امتلاء الاختيار وبلوغه نهايته ، بحيث يفضي أثره إلى الظّاهر من ظهور البشاشة في الوجه ونحوها .
أو هو : إيثار الشّيء واستحسانه . والاختيار عند الحنفيّة هو : القصد إلى مقدورٍ متردّدٍ بين الوجود والعدم بترجيح أحد جانبيه على الآخر . أو هو : القصد إلى الشّيء وإرادته .
حكم الإكراه :
6 - الإكراه بغير حقٍّ ليس محرّماً فحسب ، بل هو إحدى الكبائر ، لأنّه أيضاً ينبئ بقلّة الاكتراث بالدّين ، ولأنّه من الظّلم . وقد جاء في الحديث القدسيّ : « يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا ... » .
شرائط الإكراه
الشّريطة الأولى :
7 - قدرة المكرِه ( بالكسر ) على إيقاع ما هدّد به ، لكونه متغلّباً ذا سطوةٍ وبطشٍ - وإن لم يكن سلطاناً ولا أميراً - ذلك أنّ تهديد غير القادر لا اعتبار له .
الشّريطة الثّانية :
8 - خوف المكرَه ( بفتح الرّاء ) من إيقاع ما هدّد به ، ولا خلاف بين الفقهاء في تحقّق الإكراه إذا كان المخوف عاجلاً . فإن كان آجلاً ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والأذرعيّ من الشّافعيّة إلى تحقّق الإكراه مع التّأجيل . وذهب جماهير الشّافعيّة إلى أنّ الإكراه لا يتحقّق مع التّأجيل ، ولو إلى الغد . والمقصود بخوف الإيقاع غلبة الظّنّ ، ذلك أنّ غلبة الظّنّ معتبرة عند عدم الأدلّة ، وتعذّر التّوصّل إلى الحقيقة .
الشّريطة الثّالثة :
9 - أن يكون ما هدّد به قتلاً أو إتلاف عضوٍ ، ولو بإذهاب قوّته مع بقائه كإذهاب البصر ، أو القدرة على البطش أو المشي مع بقاء أعضائها ، أو غيرهما ممّا يوجب غمّاً يعدم الرّضا ، ومنه تهديد المرأة بالزّنى ، والرّجل باللّواط .
أمّا التّهديد بالإجاعة ، فيتراوح بين هذا وذاك ، فلا يصير ملجئاً إلاّ إذا بلغ الجوع بالمكره ( بالفتح ) حدّ خوف الهلاك .
ثمّ الّذي يوجب غمّاً يعدم الرّضا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال : فليس الأشراف كالأراذل ، ولا الضّعاف كالأقوياء ، ولا تفويت المال اليسير كتفويت المال الكثير ، والنّظر في ذلك مفوّض إلى الحاكم ، يقدّر لكلّ واقعةٍ قدرها .
الشّريطة الرّابعة :
10 - أن يكون المكره ممتنعاً عن الفعل المكره عليه لولا الإكراه ، إمّا لحقّ نفسه - كما في إكراهه على بيع ماله - وإمّا لحقّ شخصٍ آخر ، وإمّا لحقّ الشّرع - كما في إكراهه ظلماً على إتلاف مال شخصٍ آخر ، أو نفس هذا الشّخص ، أو الدّلالة عليه لذلك أو على ارتكاب موجب حدٍّ في خالص حقّ اللّه ، كالزّنى وشرب الخمر .
الشّريطة الخامسة :
11 - أن يكون محلّ الفعل المكره عليه متعيّناً . وهذا عند الشّافعيّة وبعض الحنابلة على إطلاقه . وفي حكم المتعيّن عند الحنفيّة ، ومن وافقهم من الحنابلة ما لو خيّر بين أمورٍ معيّنةٍ . ويتفرّغ على هذا حكم المصادرة الّتي سلف ذكره في فقرةٍ .
ومنه يستنبط أنّ موقف المالكيّة في حالة الإبهام أدنى إلى مذهب الحنفيّة ، بل أوغل في الاعتداد بالإكراه حينئذٍ ، لأنّهم لم يشترطوا أن يكون مجال الإبهام أموراً معيّنةً .
أمّا الإكراه على طلاق إحدى هاتين المرأتين ، أو قتل أحد هذين الرّجلين ، فمن مسائل الخلاف الّذي صدّرنا به هذه الشّريطة : فعند الحنفيّة والمالكيّة ، ومعهم موافقون من الشّافعيّة والحنابلة ، يتحقّق الإكراه برغم هذا التّخيير .
وعند جماهير الشّافعيّة ، وقلّةٍ من الحنابلة ، لا يتحقّق ، لأنّ له مندوحةً عن طلاق كلٍّ بطلاق الأخرى - وكذا في القتل - نتيجة عدم تعيين المحلّ . والتّفصيل في الفصل الثّاني . الشّريطة السّادسة :
12 - ألاّ يكون للمكره مندوحة عن الفعل المكره عليه ، فإن كانت له مندوحة عنه ، ثمّ فعله لا يكون مكرهاً عليه ، وعلى هذا لو خيّر المكره بين أمرين فإنّ الحكم يختلف تبعاً لتساوي هذين الأمرين أو تفاوتهما من حيث الحرمة والحلّ ، وتفصيل الكلام في ذلك كما يلي :
إنّ الأمرين المخيّر بينهما إمّا أن يكون كلّ واحدٍ منهما محرّماً لا يرخّص فيه ، ولا يباح أصلاً ، كما لو وقع التّخيير بين الزّنى والقتل .
أو يكون كلّ واحدٍ منهما محرّماً يرخّص فيه عند الضّرورة ، كما لو وقع التّخيير بين الكفر وإتلاف مال الغير . أو يكون كلّ واحدٍ منهما محرّماً يباح عند الضّرورة ، كما لو وقع التّخيير بين أكل الميتة وشرب الخمر . أو يكون كلّ واحدٍ منهما مباحاً أصالةً أو للحاجة ، كما لو وقع التّخيير بين طلاق امرأته وبيع شيءٍ من ماله ، أو بين جمع المسافر الصّلاة في الحجّ وفطره في نهار رمضان .
ففي هذه الصّور الأربع الّتي يكون الأمران المخيّر بينهما متساويين في الحرمة أو الحلّ ، يترتّب حكم الإكراه على فعل أيّ واحدٍ من الأمرين المخيّر بينهما ، وهو الحكم الّذي سيجيء تقريره بخلافاته وكلّ ما يتعلّق به ، لأنّ الإكراه في الواقع ليس إلاّ على الأحد الدّائر دون تفاوتٍ ، وهذا لا تعدّد فيه ، ولا يتحقّق إلاّ في معيّنٍ ، وقد خالف في هذا أكثر الشّافعيّة وبعض الحنابلة ، فنفوا حصول الإكراه في هذه الصّور .
وإن تفاوت الأمران المخيّر بينهما ، فإن كان أحدهما محرّماً لا يرخّص فيه ولا يباح بحالٍ كالزّنى والقتل ، فإنّه لا يكون مندوحةً ، ويكون الإكراه واقعاً على المقابل له ، سواء أكان هذا المقابل محرّماً يرخّص فيه عند الضّرورة ، كالكفر وإتلاف مال الغير ، أم محرّماً يباح عند الضّرورة ، كأكل الميتة وشرب الخمر ، أم مباحاً أصالةً أو للحاجة ، كبيعٍ كشيءٍ معيّنٍ من مال المكره ، والإفطار في نهار رمضان ، ويترتّب على هذا الإكراه حكمه الّذي سيجيء تفصيله بخلافاته .
وتكون هذه الأفعال مندوحةً مع المحرّم الّذي لا يرخّص فيه ولا يباح بحالٍ ، أمّا هو فإنّه لا يمكن مندوحةً لواحدٍ منها ، ففي الصّور الثّلاث المذكور آنفاً ، وهي ما لو وقع التّخيير بين الزّنى أو القتل وبين الكفر أو إتلاف مال الغير ، أو وقع التّخيير بين الزّنى أو القتل وبين أكل الميتة أو شرب الخمر ، أو وقع التّخيير بين الزّنى أو القتل وبين بيع شيءٍ معيّنٍ من المال ، فإنّ الزّنى أو القتل لا يكون مكرهاً عليه ، فمن فعل واحداً منهما كان فعله صادرا عن طواعيةٍ لا إكراهٍ ، فيترتّب عليه أثره إذا كان الإكراه ملجئاً حتّى يتحقّق الإذن في فعل المندوحة ، وكان الفاعل عالماً بالإذن له في فعل المندوحة عند الإكراه .
وإن كان أحد الأمرين المخيّر بينهما محرّماً يرخّص فيه عند الضّرورة ، والمقابل له محرّماً يباح عند الضّرورة ، كما لو وقع التّخيير بين الكفر أو إتلاف مال الغير ، وبين أكل الميتة أو شرب الخمر ، فإنّهما يكونان في حكم الأمرين المتساويين في الإباحة ، فلا يكون أحدهما مندوحةً عن فعل الآخر ، ويكون الإكراه واقعاً على فعل كلّ واحدٍ من الأمرين المخيّر بينهما ، متى كان بأمرٍ متلفٍ للنّفس أو لأحد الأعضاء .
وإن كان أحد الأمرين محرّماً يرخّص فيه أو يباح عند الضّرورة ، والمقابل له مباحاً أصالةً أو للحاجة ، كما لو وقع التّخيير بين الكفر أو شرب الخمر ، وبين بيع شيءٍ من مال المكره أو الفطر في نهار رمضان ، فإنّ المباح في هذه الحالة يكون مندوحةً عن الفعل المحرّم الّذي يرخّص فيه أو يباح عند الضّرورة ، وعلى هذا يظلّ على تحريمه ، سواء كان الإكراه بمتلفٍ للنّفس أو العضو أو بغير متلفٍ لأحدهما ، لأنّ الإكراه بغير المتلف لا يزيل الحظر عند الحنفيّة مطلقاً ، والإكراه بمتلفٍ - وإن كان يزيل الحظر - إلاّ أنّ إزالته له بطريق الاضطرار ، ولا اضطرار مع وجود المقابل المباح .
تقسيم الإكراه
ينقسم الإكراه إلى : إكراهٍ بحقٍّ ، وإكراهٍ بغير حقٍّ . والإكراه بغير حقٍّ ينقسم إلى إكراهٍ ملجئٍ ، وإكراهٍ غير ملجئٍ .
أوّلاً : الإكراه بحقٍّ :
تعريفه :
13 - هو الإكراه المشروع ، أي الّذي لا ظلم فيه ولا إثم . وهو ما توافر فيه أمران : الأوّل : أن يحقّ للمكره التّهديد بما هدّد به . الثّاني : أن يكون المكره عليه ممّا يحقّ للمكره الإلزام به . وعلى هذا فإكراه المرتدّ على الإسلام إكراه بحقٍّ ، حيث توافر فيه الأمران ، وكذلك إكراه المدين القادر على وفاء الدّين ، وإكراه المولي على الرّجوع إلى زوجته أو طلاقها إذا مضت مدّة الإيلاء .
أثره :
14 - والعلماء عادةً يقولون : إنّ الإكراه بحقٍّ ، لا ينافي الطّوع الشّرعيّ - وإلاّ لم تكن له فائدة ، ويجعلون من أمثلته إكراه العنّين على الفرقة ، ومن عليه النّفقة على الإنفاق ، والمدين والمحتكر على البيع ، وكذلك من له أرض بجوار المسجد أو المقبرة أو الطّريق يحتاج إليها من أجل التّوسيع ، ومن معه طعام يحتاجه مضطرّ .
ثانياً : الإكراه بغير حقٍّ :
تعريفه :
15 - الإكراه بغير حقٍّ هو الإكراه ظلماً ، أو الإكراه المحرّم ، لتحريم وسيلته ، أو لتحريم المطلوب به . ومنه إكراه المفلس على بيع ما يترك له ..
الإكراه الملجئ والإكراه غير الملجئ :
16 - تقسيم الإكراه إلى ملجئٍ وغير ملجئٍ يتفرّد به الحنفيّة .
فالإكراه الملجئ عندهم هو الّذي يكون بالتّهديد بإتلاف النّفس أو عضوٍ منها ، أو بإتلاف جميع المال ، أو بقتل من يهمّ الإنسان أمره .
وحكم هذا النّوع أنّه يعدم الرّضى ويفسد الاختيار ولا يعدمه . أمّا إعدامه للرّضى ، فلأنّ الرّضا هو الرّغبة في الشّيء والارتياح إليه ، وهذا لا يكون مع أيّ إكراهٍ .
وأمّا إفساده للاختيار دون إعدامه ، فلأنّ الاختيار هو : القصد إلى فعل الشّيء أو تركه بترجيحٍ من الفاعل ، وهذا المعنى لا يزول بالإكراه ، فالمكره يوقع الفعل بقصده إليه ، إلاّ أنّ هذا القصد تارةً يكون صحيحاً سليماً ، إذا كان منبعثاً عن رغبةٍ في العمل ، وتارةً يكون فاسداً ، إذا كان ارتكاباً لأخفّ الضّررين ، وذلك كمن أكره على أحد أمرين كلاهما شرّ ، ففعل أقلّهما ضرراً به ، فإنّ اختياره لما فعله لا يكون اختياراً صحيحاً ، بل اختياراً فاسداً . والإكراه غير الملجئ هو : الّذي يكون بما لا يفوّت النّفس أو بعض الأعضاء ، كالحبس لمدّةٍ قصيرةٍ ، والضّرب الّذي لا يخشى منه القتل أو تلف بعض الأعضاء .
وحكم هذا النّوع أنّه يعدم الرّضا ولكن لا يفسد الاختيار ، وذلك لعدم اضطرار المكره إلى الإتيان بما أكره عليه ، لتمكّنه من الصّبر على تحمّل ما هدّد به بخلاف النّوع الأوّل .
17 - أمّا غير الحنفيّة فلم يقسّموا الإكراه إلى ملجئٍ وغير ملجئٍ كما فعل الحنفيّة ، ولكنّهم تكلّموا عمّا يتحقّق به الإكراه وما لا يتحقّق ، وممّا قرّروه في هذا الموضوع يؤخذ أنّهم جميعاً يقولون بما سمّاه الحنفيّة إكراهاً ملجئاً ، أمّا ما يسمّى بالإكراه غير الملجئ فإنّهم يختلفون فيه ، فعلى إحدى الرّوايتين عن الشّافعيّ وأحمد يعتبر إكراهاً ، وعلى الرّواية الأخرى لا يعتبر إكراهاً .
أمّا عند المالكيّة فإنّه لا يعتبر إكراهاً بالنّسبة لبعض المكره عليه ، ويعتبر إكراهاً بالنّسبة للبعض الآخر ، فمن المكره عليه الّذي لا يعتبر الإكراه غير الملجئ إكراهاً فيه : الكفر بالقول أو الفعل ، والمعصية الّتي تعلّق بها حقّ لمخلوقٍ ، كالقتل أو القطع ، والزّنى بامرأةٍ مكرهةٍ أو لها زوج ، وسبّ نبيٍّ أو ملكٍ أو صحابيٍّ ، أو قذفٍ لمسلمٍ .
ومن المكره عليه الّذي يعتبر الإكراه غير الملجئ إكراهاً فيه : شرب الخمر ، وأكل الميتة ، والطّلاق والأيمان والبيع وسائر العقود والحلول والآثار .
أثر الإكراه :
18 - هذا الأثر موضع خلافٍ ، بين الحنفيّة وغير الحنفيّة ، على النّحو الآتي :
أثر الإكراه عند الحنفيّة :
19 - يختلف أثر الإكراه عند الحنفيّة باختلاف القول أو الفعل الّذي يقع الإكراه عليه ، فإن كان المكره عليه من الإقرارات ، كان أثر الإكراه إبطال الإقرار وإلغاءه ، سواء كان الإكراه ملجئاً أم غير ملجئٍ . فمن أكره على الاعتراف بمالٍ أو زواجٍ أو طلاقٍ كان اعترافه باطلاً ، ولا يعتدّ به شرعاً ، لأنّ الإقرار إنّما جعل حجّةً في حقّ المقرّ باعتبار ترجّح جانب الصّدق فيه على جانب الكذب ، ولا يتحقّق هذا التّرجيح مع الإكراه ، إذ هو قرينة قويّة على أنّ المقرّ لا يقصد بإقراره الصّدق فيما أقرّ به ، وإنّما يقصد دفع الضّرر الّذي هدّد به عن نفسه . وإن كان المكره عليه من العقود والتّصرّفات الشّرعيّة كالبيع والإجارة والرّهن ونحوها كان أثر الإكراه فيها إفسادها لا إبطالها ، فيترتّب عليها ما يترتّب على العقد الفاسد ، حسب ما هو مقرّر في المذهب أنّه ينقلب صحيحاً لازماً بإجازة المكره ، وكذلك لو قبض المكره الثّمن ، أو سلّم المبيع طوعاً ، يترتّب عليه صحّة البيع ولزومه .
وحجّتهم في ذلك أنّ الإكراه عندهم لا يعدم الاختيار الّذي هو ترجيح فعل الشّيء على تركه أو العكس ، وإنّما يعدم الرّضى الّذي هو الارتياح إلى الشّيء والرّغبة فيه ، والرّضى ليس ركناً من أركان هذه التّصرّفات ولا شرطاً من شروط انعقادها ، وإنّما هو شرط من شروط صحّتها ، فإذن فقد ترتّب على فقدانه فساد العقد لا بطلانه . ولكنّهم استثنوا من ذلك بعض التّصرّفات ، فقالوا بصحّتهما مع الإكراه ، ولو كان ملجئاً ، ومن هذه التّصرّفات : الزّواج والطّلاق ومراجعة الزّوجة والنّذر واليمين . وعلّلوا هذا بأنّ الشّارع اعتبر اللّفظ في هذه التّصرّفات - عند القصد إليه - قائماً مقام إرادة معناه ، فإذا وجد اللّفظ ترتّب عليه أثره الشّرعيّ ، وإن لم يكن لقائله قصد إلى معناه ، كما في الهازل ، فإنّ الشّارع اعتبر هذه التّصرّفات صحيحةً إذا صدرت منه ، مع انعدام قصده إليها ، وعدم رضاه بما يترتّب عليها من الآثار . وإن كان المكره عليه من الأفعال ، كالإكراه على قتل من لا يحلّ قتله ، أو إتلاف مالٍ لغيره أو شرب الخمر وما أشبه ذلك ، فالحكم فيها يختلف باختلاف نوع الإكراه والفعل المكره عليه .
20 - فإن كان الإكراه غير ملجئٍ - وهو الّذي يكون بما لا يفوّت النّفس ، أو بعض الأعضاء كالحبس لمدّةٍ قصيرةٍ ، أو أخذ المال اليسير ، ونحو ذلك - فلا يحلّ الإقدام على الفعل . وإذا أقدم المكرَه ( بالفتح ) على الفعل بناءً على هذا الإكراه كانت المسئوليّة عليه وحده ، لا على من أكرهه
21 - وإن كان الإكراه ملجئاً - وهو الّذي يكون بالقتل أو تفويت بعض الأعضاء أو العمل المهين لذي الجاه - فالأفعال بالنّسبة إليه أربعة أنواعٍ :
أ - أفعال أباحها الشّارع أصالةً دون إكراهٍ كالأكل والشّرب ، فإنّه إذا أكره على ارتكابها وجب على المكرَه ( بالفتح ) أن يرتكب أخفّ الضّررين .
ب - أفعال أباح الشّارع إتيانها عند الضّرورة ، كشرب الخمر وأكل لحم الميتة أو الخنزير ، وغير ذلك من كلّ ما حرّم لحقّ اللّه لا لحقّ الآدميّ ، فالعقل - مع الشّرع - يوجبان ارتكاب أخفّ الضّررين .
فهذه يباح للمكره فعلها ، بل يجب عليه الإتيان . بها ، إذا ترتّب على امتناعه قتل نفسه أو تلف عضوٍ من أعضائه ، لأنّ اللّه تعالى أباحها عند الضّرورة بقوله عزّ من قائلٍ : { إنّما حرّم عليكم الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أهلّ به لغير اللّه ، فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إنّ اللّه غفور رحيم } .
ولا شكّ أنّ الإكراه الملجئ من الضّرورة الّتي رفع اللّه الإثم فيها ، فيباح الفعل عند تحقّقها ، وتناول المباح دفعاً للهلاك عن النّفس أو بعض أجزائها واجب ، فلا يجوز تركه ، ولو شرب الخمر مكرهاً لم يحدّ ، لأنّه لا جناية حينئذٍ ، والحدّ إنّما شرع زجراً عن الجنايات .
ج - أفعال رخّص الشّارع في فعلها عند الضّرورة ، إلاّ أنّه لو صبر المكره على تحمّل الأذى ، ولم يفعلها حتّى مات ، كان مثاباً من اللّه تعالى ، وذلك كالكفر باللّه تعالى أو الاستخفاف بالدّين ، فإذا أكره الإنسان على الإتيان بشيءٍ من ذلك جاز له الفعل متى كان قلبه مطمئنّاً بالإيمان ، لقول اللّه عزّ وجلّ { إلاّ من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان } .
ومن السّنّة ما جاء بإسنادٍ صحيحٍ عند الحاكم والبيهقيّ وغيرهما عن محمّد بن عمّارٍ عن أبيه « أخذ المشركون عمّار بن ياسرٍ ، فلم يتركوه حتّى سبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخيرٍ ، فلمّا أتى النّبيّ عليه الصلاة والسلام قال : ما وراءك ؟ قال : شرّ ، يا رسول اللّه ، ما تركت حتّى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخيرٍ ، قال صلى الله عليه وسلم : فكيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئنّاً بالإيمان ، قال صلى الله عليه وسلم : فإن عادوا فعد » .
وقد ألحق علماء المذهب بهذا النّوع الإكراه على إفساد صوم رمضان ، أو ترك الصّلاة المفروضة ، أو إتلاف مال الغير ، فإنّ المكره لو صبر وتحمّل الأذى ، ولم يفعل ما أكره عليه كان مثاباً ، وإن فعل شيئاً منها فلا إثم عليه ، وكان الضّمان في صورة الإتلاف على الحامل عليه لا على الفاعل ، لأنّ فعل الإتلاف يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلةً له ، فيثبت الضّمان عليه .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:26 PM

د - أفعال لا يحلّ للمكره الإقدام عليها بحالٍ من الأحوال ، كقتل النّفس بغير حقٍّ ، أو قطع عضوٍ من أعضائها ، أو الضّرب الّذي يؤدّي إلى الهلاك ، فهذه الأفعال لا يجوز للمكره الإقدام عليها ، ولو كان في امتناعه عنها ضياع نفسه ، لأنّ نفس الغير معصومة كنفس المكره ، ولا يجوز للإنسان أن يدفع الضّرر عن نفسه بإيقاعه على غيره ، فإن فعل كان آثماً ، ووجب عقاب الحامل له على هذا الفعل باتّفاق علماء المذهب ، والخلاف بينهم إنّما هو في نوع هذا العقاب .
فأبو حنيفة ومحمّد يقولان : إنّه القصاص ، لأنّ القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلةً له ، والقصاص إنّما يكون على القاتل لا على آلة القتل .
وأبو يوسف يقول : إنّه الدّية ، لأنّ القصاص لا يثبت إلاّ بالجناية الكاملة ، ولم توجد الجناية الكاملة بالنّسبة لكلٍّ من الحامل والمكره .
وهذا القتل يقوم مانعاً من الإرث بالنّسبة للمكرِه ( بالكسر ) إذا كان المكرَه ( بالفتح ) مكلّفاً . أمّا إذا كان غير مكلّفٍ كالصّبيّ أو المجنون فلا يكون مانعاً . وهذا عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، أمّا أبو يوسف فلا يحرم ولو كان المكره مكلّفاً . أمّا بالنّسبة للمكرَه ( بالفتح ) فلا يحرم باتّفاق الحنفيّة . وإنّما يجب القصاص عند أبي حنيفة ومحمّدٍ على المكره إذا كان المطلوب قتله شخصاً ثالثاً غير المكره ولا المكره ، فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه كأن قال للّذي قتله : اقتلني وإلاّ قتلتك ، فقتله ، فلا قصاص على القاتل ، وتجب الدّية لوجود الشّبهة ، ولأنّ الدّية تثبت للوارث ابتداءً لا ميراثاً عن المقتول .
وأمّا إن كان المطلوب قتله هو المكرَه ، فإنّه لا يكون ثمّ إكراه ، لأنّ المهدّد به لا يزيد على القتل ، فلا يتحقّق الإكراه ولا شيء من آثاره ، فلا قصاص ولا دية في هذا القتل ، إلاّ إذا كان التّهديد بقتلٍ أشنع كما لو قال له : لتلقينّ نفسك في النّار أو لأقتلنك ، فعند أبي حنيفة يختار ما هو الأهون في ظنّه ، وعند الصّاحبين : يصبر ولا يقتل نفسه ، لأنّ مباشرة الفعل سعي في إهلاك نفسه فيصبر تحامياً عنه . ثمّ إذا ألقى نفسه في النّار فاحترق فعلى المكره القصاص باتّفاقهم ، كما في الزّيلعيّ .
ونقل صاحب مجمع الأنهر أنّ القصاص إنّما هو عند أبي حنيفة خلافاً للصّاحبين .
ومن هذا النّوع أيضاً : الزّنى ، فإنّه لا يرخّص فيه مع الإكراه ، كما لا يرخّص فيه حالة الاختيار ، لأنّ حرمة الزّنى لا ترتفع بحالٍ من الأحوال ، فإذا فعله إنسان تحت تأثير الإكراه كان آثماً ، ولكن لا يجب عليه الحدّ ، لأنّ الإكراه يعتبر شبهةً ، والحدود تدرأ بالشّبهات . وقد أورد البابرتيّ من الحنفيّة ضابطاً لأثر الإكراه نصّه : الإكراه الملجئ معتبر شرعاً سواء ، أكان على القول أم الفعل . والإكراه غير الملجئ إن كان على فعلٍ فليس بمعتبرٍ ، ويجعل كأنّ المكره فعل ذلك الفعل بغير إكراهٍ . وإن كان على قولٍ ، فإن كان قولاً يستوي فيه الجدّ والهزل فكذلك ، وإلاّ فهو معتبر .
أثر الإكراه عند المالكيّة :
22 - يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكره عليه :
أ - فإن كان المكره عليه عقداً أو حلّاً أو إقراراً أو يميناً لم يلزم المكره شيء ، ويكون الإكراه في ذلك بالتّخويف بقتلٍ أو ضربٍ مؤلمٍ أو سجنٍ أو قيدٍ أو صفعٍ لذي مروءةٍ على ملأٍ من النّاس . وإن أجاز المكرَه ( بالفتح ) شيئاً ممّا أكره عليه - غير النّكاح - طائعاً بعد زوال الإكراه لزم على الأحسن ، وأمّا النّكاح فلا تصحّ إجازته .
ب - وإن كان الإكراه على الكفر بأيّ صورةٍ من صوره ، أو قذف المسلم بالزّنى ، أو الزّنى بامرأةٍ طائعةٍ خليّةٍ ( غير متزوّجةٍ ) ، فلا يحلّ له الإقدام على شيءٍ من هذه الأشياء إلاّ في حالة التّهديد بالقتل ، لا فيما دونه من قطعٍ أو سجنٍ ونحوه ، فإن فعل ذلك اعتبر مرتدّاً ، ويحدّ في قذف المسلم ، وفي الزّنى .
ج - وإن كان الإكراه على قتل مسلمٍ ، أو قطع عضوٍ منه ، أو على زنًى بمكرهةٍ ، أو بامرأةٍ لها زوج ، فلا يجوز الإقدام على شيءٍ من ذلك ولو أكره بالقتل . فإن قتل يقتصّ منه ، ويعتبر القتل هنا مانعاً للقاتل من ميراث المقتول ، لأنّه شريك في الفعل ، وكذلك المكرِه ( بالكسر ) يقتصّ منه أيضاً ويمنع من الميراث . وإنّما يجب القصاص عندهم على المكره والمكره ، إذا كان المطلوب قتله شخصاً ثالثاً غيرهما .
فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه ( بالكسر ) كما لو قال للّذي قتله : اقتلني وإلاّ قتلتك فقتله ، فلا قصاص عندهم وتجب الدّية ، لمكان الشّبهة من ناحيةٍ ، وبناءً على أنّ الدّية تثبت للوارث ابتداءً لا ميراثاً . وأمّا إن كان المطلوب قتله هو المكرَه ( بالفتح ) ، فالأصل أنّه لا يتحقّق الإكراه في هذه الحالة ، ولا قصاص فيه ولا دية ، إلاّ إذا كان التّهديد بقتلٍ أشنع ، كالإحراق بالنّار وبتر الأعضاء حتّى الموت ، فإنّ المكرَه ( بالفتح ) يختار أهون الميتتين ، جزم به اللّقانيّ . وإن زنى يحدّ .
د - وأمّا لو أكره على فعل معصيةٍ - غير الكفر - لا حقّ فيها لمخلوقٍ كشرب خمرٍ وأكله ميتةً ، أو إبطال عبادةٍ كصلاةٍ وصومٍ ، أو على تركها فيتحقّق الإكراه بأيّة وسيلةٍ من قتلٍ أو غيره . ويترتّب عليه في الصّوم القضاء دون الكفّارة . وفي الصّلاة يكون الإكراه بمنزلة المرض المسقط لبعض أركانها ، ولا يسقط وجوبها . وفي شرب الخمر لا يقام الحدّ . وألحق سحنون بهذا النّوع الزّنى بامرأةٍ طائعةٍ لا زوج لها ، خلافاً للمذهب .
ويضيف المالكيّة أنّ القطع في السّرقة يسقط بالإكراه مطلقاً ، ولو كان بضربٍ أو سجنٍ لأنّه شبهة تدرأ الحدّ .
أثر الإكراه عند الشّافعيّة :
23 - يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكره عليه .
أ - الإكراه بالقول : إذا كان المكره عليه عقداً أو حلّاً أو أيّ تصرّفٍ قوليٍّ أو فعليٍّ ، فإنّه لا يصحّ عملاً بعموم الحديث الصّحيح : « رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » إذ المقصود ليس رفع ما وقع لمكان الاستحالة ، وإنّما رفع حكمه ، ما لم يدلّ دليل على خلاف ذلك ، فيخصّص هذا العموم في موضع دلالته . وبمقتضى أدلّة التّخصيص يقرّر الشّافعيّة أنّه لا أثر لقول المكرَه ( بالفتح ) إلاّ في الصّلاة فتبطل به وعلى هذا فيباح للمكرَه ( بالفتح ) التّلفّظ بكلمة الكفر ، ولا يجب ، بل الأفضل الامتناع مصابرةً على الدّين واقتداءً بالسّلف .
وفي طلاق زوجة المكرِه ( بالكسر ) أو بيع ماله ونحوهما من كلّ ما يعتبر الإكراه فيه إذناً أبلغ . والإكراه في شهادة الزّور الّتي تفضي إلى القتل أو الزّنى ، وفي الإكراه بالحكم الباطل الّذي يفضي إلى القتل أو الزّنى ، فلا يرتفع الإثم عن شاهد الزّور ، ولا عن الحاكم الباطل ، وحكمهما في هذه الحالة من حيث الضّمان حكم المكرِه ( بالكسر )
ب - الإكراه بالفعل : لا أثر للإكراه بالفعل عند الشّافعيّة إلاّ فيما يأتي :
-1 -الفعل المضمّن كالقتل أو إتلاف المال أو الغصب ، فعلى المكرَه ( بالفتح ) القصاص أو الضّمان ، وقرار الضّمان على المكرِه ( بالكسر ) ، وإن قيل : لا رجوع له على المكرِه ( بالكسر ) بما غرم في إتلاف المال ، لأنّه افتدى بالإتلاف نفسه عن الضّرر . قال القليوبيّ في مسألة القتل : فيقتل هو المكرَه ( بالفتح ) ومن أكرهه .
-2- الزّنى وما إليه : يأثم المكرَه ( بالفتح ) بالزّنى ، ويسقط الحدّ للشّبهة ، ويترتّب على وطء الشّبهة حكمه .
-3 - الرّضاع : فيترتّب عليه التّحريم المؤبّد في المناكحات وما ألحق بها .
-4- كلّ فعلٍ يترتّب عليه بطلان الصّلاة ، كالتّحوّل عن القبلة ، والعمل الكثير ، وترك قيام القادر في الفريضة ، والحدث ، فتبطل الصّلاة بما تقدّم برغم الإكراه عليه .
-5- ذبح الحيوان : تحلّ ذبيحة المكرَه ( بالفتح ) الّذي تحلّ ذبيحته ، كالمسلم والكتابيّ ولو كان المكرِه ( بالكسر ) مجوسيّاً ، أو محرّماً والمذبوح صيد .
قال السّيوطيّ : وقد رأيت الإكراه يساوي النّسيان ، فإنّ المواضع المذكورة ، إمّا من باب ترك المأمور ، فلا يسقط تداركه ، ولا يحصل الثّواب المرتّب عليه ، وإمّا من باب الإتلاف ، فيسقط الحكم المرتّب عليه ، وتسقط العقوبة المتعلّقة به ، إلاّ القتل على الأظهر .
أثر الإكراه عند الحنابلة :
24 - يختلف أثر الإكراه عند الحنابلة باختلاف المكره عليه :
أ - فالتّصرّفات القوليّة تقع باطلةً مع الإكراه إلاّ النّكاح ، فإنّه يكون صحيحاً مع الإكراه ، قياساً للمكره على الهازل . وإنّما لم يقع الطّلاق مع الإكراه للحديث الشّريف
« لا طلاق في إغلاقٍ » ، والإكراه من الإغلاق .
ب - ومن أكره على الكفر لا يعتبر مرتدّاً ، ومتى زال عنه الإكراه أمر بإظهار إسلامه ، والأفضل لمن أكره على الكفر أن يصبر وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذّمّيّ والمستأمن ، فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام ، حتّى يوجد منه ما يدلّ على إسلامه طوعاً .
أمّا من يجوز إكراهه على الإسلام كالمرتدّ ، فإنّه إذا أكره فأسلم حكم بإسلامه ظاهراً .
ج - والإكراه يسقط الحدود عن المكره ، لأنّه شبهة ، والحدود تدرأ بالشّبهات .
د - وإذا أكره رجل آخر على قتل شخصٍ فقتله ، وجب القصاص على المكره والمكره جميعاً ، وإن صار الأمر إلى الدّية وجبت عليهما ، وإن أحبّ وليّ المقتول قتل أحدهما ، وأخذ نصف الدّية من الآخر أو العفو فله ذلك . ويعتبر القتل هنا مانعاً من الميراث بالنّسبة للمكره والمكره . والقصاص عندهم لا يجب على المكره والمكره ، إلاّ إذا كان المطلوب قتله شخصاً ثالثاً غيرهما . فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه ( بالكسر ) فإنّه يكون هدراً ، ولا قصاص ولا دية في المختار عندهم . وأمّا إن كان المطلوب قتله هو المكرَه ( بالفتح ) ، فلا يتحقّق الإكراه في هذه الحالة ، ولا دية ولا قصاص عند بعضهم . إلاّ إذا كان التّهديد بقتلٍ أشنع فعليه أن يختار أهون الميتتين في إحدى الرّوايتين .
أثر إكراه الصّبيّ على قتل غيره :
25 - إذا كان المكره على القتل صبيّاً ، فإنّه يعتبر آلةً في يد المكره عند الحنفيّة ، فلا قصاص ولا دية ، وإنّما القصاص على المكرِه ( بالكسر ) .
وذهب المالكيّة إلى وجوب القصاص على المكره ( بالكسر ) ونصف الدّية على عاقلة الصّبيّ . وذهب الشّافعيّة إلى التّفرقة بين الصّبيّ المميّز ، وغير المميّز .
فإن كان غير مميّزٍ ، اعتبر آلةً عندهم ، ولا شيء عليه ، ويجب القصاص على المكره . وإن كان مميّزاً ، فيجب نصف الدّية على عاقلته ، والقصاص على المكرِه ( بالكسر ) . وذهب الحنابلة إلى أنّ الصّبيّ غير المميّز إذا أكره على قتل غيره فلا قصاص عليه ، والقصاص على المكرِه ( بالكسر ) . وفي قولٍ : لا يجب القصاص لا عليه وعلى من أكرهه ، لأنّ عمد الصّبيّ خطأ ، والمكرِه ( بالكسر ) شريك المخطئ ، ولا قصاص على شريك مخطئٍ . أمّا إذا كان الصّبيّ مميّزاً فلا يجب القصاص على المكرِه ( بالكسر ) ولا يجب على الصّبيّ المميّز .

إكسال *
التّعريف :
1 - الإكسال لغةً : مصدر أكسل ، وأكسل المجامع : خالط المرأة ولم ينزل ، أو عزل ولم يرد ولداً .
وعند الفقهاء : أن يجامع الرّجل ثمّ يفتر ذكره بعد الإيلاج ، فلا ينزل .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاعتراض :
2 - الاعتراض هو : عدم انتشار الذّكر للجماع . وقد يكون الاعتراض قبل الإيلاج أو بعده . فالاعتراض ليس من الإكسال .
ب - العنّة :
3 - العنّة : عجز الرّجل عن إتيان النّساء ، وقد يكون عنّيناً عن امرأةٍ دون أخرى .
والفرق بين العنّة والإكسال واضح .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
4 - لا يغيّر الإكسال الأحكام المتعلّقة بالجماع ، ولا يختلف الجماع مع الإنزال عنه بدونه ، إلاّ ما حكي عن جماعةٍ من الصّحابة رضي الله عنهم ، كانوا يقولون : لا غسل على من جامع فأكسل يعني لم ينزل . ورووا في ذلك أحاديث عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
أمّا بقيّة الفقهاء فإنّه يجب الغسل عندهم وإن أكسل المجامع ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم ينزل » والتقاء الختانين كناية عن الإيلاج .
قال سهل بن سعدٍ : حدّثني أبيّ بن كعبٍ أنّ : « الماء من الماء » كان رخصةً أرخص فيها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ نهى عنها .
ولم يختلفوا أنّ الزّنا الّذي يجب به الحدّ يكون بمجرّد إيلاج الحشفة ، ولو لم يكن من إنزالٍ . كذلك يثبت الإحصان بالجماع مع الإكسال عند من يقول : إنّ الإحصان لا يحصل إلاّ بتغييب الحشفة .
وتحصل فيئة المولي إن غيّب حشفته ، وإن لم ينزل . وترفع العنّة بالوطء دون إنزالٍ أيضاً . ويحصل التّحليل لمطلّق المرأة ثلاثاً بمجرّد الإيلاج من الزّوج الآخر ، لحديث عائشة رضي الله عنها : « أنّ رفاعة القرظيّ تزوّج امرأةً ثمّ طلّقها فتزوّجت آخر ، فأتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت له : أنّه لا يأتيها وأنّه ليس معه إلاّ مثل هدبةٍ ، فقال : لا . حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » . رواه البخاريّ .
وهذا قول الجمهور ، وقالوا : العسيلة هي : الجماع ، وشذّ الحسن البصريّ فقال : لا يحلّها إلاّ إذا أنزل ، وشذّ سعيد بن المسيّب فقال : يكفي في إحلالها العقد .
وتنظر مسائل أحكام الجماع في مصطلح : ( وطء ) .

أكل *
حكم الطّعام المأكول ذاته :
1 - إنّ بيان ما يحلّ ويحرم من الأطعمة ومعرفتهما من مهمّات الدّين . فقد ورد الوعيد الشّديد على أكل الحرام ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كلّ لحمٍ نبت من حرامٍ فالنّار أولى به » .
وقد حرّم اللّه في القرآن العظيم أشياء كما في قوله تعالى : { حرّمت عليكم الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع إلاّ ما ذكّيتم وما ذبح على النّصب وأن تستقسموا بالأزلام } . ونحوها من الآيات .
وحرّمت أشياء بالسّنّة النّبويّة كما في قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كلّ ذي نابٍ من السّباع فأكله حرام » .
وسكت الشّرع عن أشياء . ويرجع إلى إيضاح ذلك كلّه تحت عنوان ( أطعمة ) .
صفة الأكل بالنّسبة للآكل :
2 - إنّ الأكل قد يكون فرضاً ، يثاب الإنسان على فعله ويعاقب على تركه ، وذلك إذا كان للغذاء بقدر ما يدفع عنه الهلاك ، لأنّ الإنسان مأمور بإحياء نفسه وعدم إلقائها إلى التّهلكة . وقد يكون واجباً ، وذلك بقدر ما يستطيع معه أداء الصّلاة المفروضة عليه قائماً ، وأداء الصّوم الواجب ، لأنّه من قبيل ما لا يتمّ الواجب إلاّ به .
ومنه مندوب ، وهو ما يعينه على تحصيل رزقه وتحصيل العلم وتعلّمه وتحصيل النّوافل . وقد يكون الأكل مباحاً يجوز للإنسان أن يتناوله ، وذلك إلى حدّ الشّبع الّذي لا يضرّ معه الامتلاء . وقد يكون حراماً ، وهو ما فوق الشّبع ، وكلّ طعامٍ غلب على ظنّه أنّه يفسد معدته ، لأنّه إسراف منهيّ عنه ، لقوله تعالى : { ولا تسرفوا } إلاّ إذا كانت الزّيادة على الشّبع لا تضرّه ، وقصد بالأكل القوّة على صوم الغد ، أو الزّيادة في الطّاعات ، أو لئلاّ يستحيي الحاضر معه بعد إتمام طعامه . وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ما ملأ آدميّ وعاءً شرّاً من بطنٍ ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » .
ومن الأكل ما هو مكروه ، وهو ما زاد على الشّبع قليلاً ، فإنّه يتضرّر به ، وقد قال البعض : إنّ الآكل لا ينبغي له أن يقصد به التّلذّذ والتّنعّم ، فإنّ اللّه تعالى ذمّ الكافرين بأكلهم للتّمتّع والتّنعّم وقال : { والّذين كفروا يتمتّعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ، والنّار مثوًى لهم } . وقال النّبيّ عليه الصلاة والسلام « المسلم يأكل في معًى واحدٍ ، والكافر يأكل في سبعة أمعاءٍ » . هذا ، والتّحقيق أنّه يجوز للإنسان الأكل بقصد التّمتّع والتّلذّذ بما أنعم اللّه علينا به ، لقصد التّقوّي على أعمال الخير لقوله تعالى : { قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق قل هي للّذين آمنوا في الحياة الدّنيا خالصةً يوم القيامة } وأمّا الآية الّتي احتجّ بها هذا القائل فإنّ اللّه تعالى ينعي عليهم أنّهم يتمتّعون بالأطعمة الّتي رزقهم اللّه من غير أن يفكّروا في المنعم ، وأن يشكروه على نعمه . وأمّا الحديث فليس فيه دلالة على ما احتجّوا عليه ، وإنّما فيه النّعي على من أكثر من الطّعام .
حكم الأكل من الأضحيّة والعقيقة :
3 - يتّفق الفقهاء على أنّه يستحبّ للمضحّي أن يأكل من أضحيّته ، لقوله تعالى : { فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها ... } وهذا وإن كان وارداً في الهدي إلاّ أنّ الهدي والأضحيّة من بابٍ واحدٍ . ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا ضحّى أحدكم فليأكل من أضحيّته ويطعم منها غيره » ولأنّه ضيف اللّه عزّ شأنه في هذه الأيّام ، فله أن يأكل من ضيافة اللّه تعالى . ويتّفقون كذلك على أنّ له أن يطعم غيره منها . وهذا الاتّفاق في الأضحيّة الّتي لم تجب . أمّا إذا وجبت الأضحيّة ففي حكم الأكل منها اختلاف الفقهاء .
ووجوبها يكون بالنّذر أو بالتّعيين ، وهي واجبة عند الحنفيّة من حيث الأصل بشرط الغنى ، ولو اشتراها الفقير من أجل التّضحية وجبت عليه . فعند المالكيّة ، والأصحّ عند الحنابلة ، أنّ له أن يأكل منها ويطعم غيره ، لأنّ النّذر محمول على المعهود ، والمعهود من الأضحيّة الشّرعيّة ذبحها والأكل منها ، والنّذر لا يغيّر من صفة المنذور إلاّ الإيجاب .
وعند بعض الحنابلة ، وهو ظاهر كلام أحمد : أنّه لا يجوز الأكل من الأضحيّة المنذورة ، بناءً على الهدي المنذور ، وهذا هو المذهب عند الشّافعيّة ، وفي قولٍ آخر للشّافعيّة : إن وجبت الأضحيّة بنذرٍ مطلقٍ جاز له الأكل منها . والحكم عند الحنفيّة - كما فصّله ابن عابدين - أنّه يجوز للغنيّ الأكل من الأضحيّة الواجبة عليه ، كما يجوز له الأكل من الأضحيّة الّتي نذرها إن قصد بنذره الإخبار عن الواجب عليه ، فإن كان النّذر ابتداءً فلا يجوز له الأكل منها . وبالنّسبة للفقير إذا وجبت عليه بالشّراء ، ففي أحد القولين : له الأكل منها ، وفي القول الثّاني : لا يجوز له الأكل منها . هذا ما ذكره ابن عابدين توضيحاً لما ذكره الزّيلعيّ من أنّه لا يجوز الأكل من الأضحيّة المنذورة دون تفصيلٍ .
غير أنّ الكاسانيّ ذكر في البدائع أنّه يجوز بالإجماع - أي عند فقهاء الحنفيّة - الأكل من الأضحيّة ، سواء أكانت نفلاً أم واجبةً ، منذورةً كانت أو واجبةً ابتداءً .
4 - ومن وجبت عليه أضحيّة فمضت أيّام النّحر قبل أن يذبحها ، فعند الجمهور يذبحها قضاءً ، ويصنع بها ما يصنع بالمذبوح في وقته ، لأنّ الذّبح أحد مقصودي الأضحيّة فلا يسقط بفوات وقته . وعند الحنفيّة : يجب عليه أن يتصدّق بها حيّةً ، ولا يأكل من لحمها ، لأنّه انتقل الواجب من إراقة الدّم إلى التّصدّق .
وإذا ولدت الأضحيّة قبل التّضحية ، فحكم ولدها في الأكل منه حكم الأمّ ، وهذا عند الجمهور . وعند الحنفيّة : لا يجوز الأكل منه . ومن أوجب أضحيّةً ثمّ مات قام ورثته مقامه ، فيجوز لهم الأكل منها وإطعام غيرهم . وهذا عند المالكيّة والحنابلة .
وعند الشّافعيّة ، وهو المختار عند الحنفيّة : لا يجوز لهم الأكل منها ، بل سبيلها التّصدّق .
5- والعقيقة ( وهي ما يذبح عن المولود ) حكمها في استحباب الأكل منها ، وإطعام الغير منها حكم الأضحيّة ، إلاّ أنّ الحنفيّة لا يرونها واجبةً . وقد ورد في مراسيل أبي داود عن جعفر بن محمّدٍ عن أبيه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة الّتي عقّتها فاطمة عن الحسن والحسين :« أن يبعثوا إلى القابلة برجلٍ ، وكلوا وأطعموا ولا تكسروا منها عظماً » .
حكم الأكل من الكفّارات والنّذور :
6 - يتّفق الفقهاء على أنّ من وجب عليه إطعام في كفّارة يمينٍ أو ظهارٍ أو إفطارٍ في نهار رمضان أو فدية الأذى في الحجّ فإنّه لا يجوز له أن يأكل منه ، لأنّ الكفّارة تكفير للذّنب . هذا بالنّسبة للمكفّر .
أمّا المعطى - وهو المستحقّ - فعند الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة : أنّه لا يكفي إباحة الإطعام ، وإنّه لا بدّ من تمليك المستحقّ ، لأنّ تدارك الجناية بالإطعام أشبه البدل ، والبدليّة تستدعي تمليك البدل ، ولأنّ المنقول عن الصّحابة إعطاؤهم ، ففي قول زيدٍ وابن عبّاسٍ وابن عمر وأبي هريرة مدّاً لكلّ مسكينٍ وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكعبٍ في فدية الأذى : « أطعم ثلاثة آصعٍ من تمرٍ بين ستّة مساكين » ولأنّه مال وجب للفقراء شرعاً فوجب تمليكهم إيّاه كالزّكاة . وعلى ذلك فلا يجزئ أن يغدّيهم ويعشّيهم ، لأنّ ذلك يعتبر إباحةً لا تمليكاً .
والأصل عند المالكيّة هو التّمليك ، وخاصّةً في كفّارتي الظّهار وفدية الأذى ، لقول الإمام مالكٍ : لا أحبّ الغداء والعشاء للمساكين ، حتّى حمل أبو الحسن كلام الإمام على الكراهة ، وحمله ابن ناجي على التّحريم . والعلّة في التّمليك هو خشية ألاّ يبلغ ما يأكله الواحد منهم مقدار الواجب إخراجه ، ولذلك قال مالك : لا أظنّه ( الغداء والعشاء ) يبلغ ذلك ( المقدار الواجب إخراجه ) ومن هنا قال الدّردير : فلو تحقّق بلوغه أجزأ .
وفي كفّارة اليمين يجزئ شبعهم مرّتين . وإجزاء الإطعام بغداءٍ وعشاءٍ إن بلغ مقدار الواجب لهم هو رواية عن الإمام أحمد ، لأنّه أطعم المساكين ، فأجزأه كما لو ملّكهم .
ويرى الحنفيّة أنّ التّمليك ليس بشرطٍ لجواز الإطعام بل الشّرط هو التّمكين . وإنّما يجوز التّمليك من حيث هو تمكين ، لا من حيث هو تمليك ، لأنّ النّصّ ورد بلفظ الإطعام { فكفّارته إطعام عشرة مساكين } والإطعام في متعارف اللّغة اسم للتّمكين من المطعم لا التّمليك ، وإنّما يطعمون على سبيل الإباحة دون التّمليك .
وفي النّذر لا يجوز للنّاذر الأكل من نذره ، لأنّه صدقة ، ولا يجوز الأكل من الصّدقة ، وهذا في الجملة ، لأنّ الأضحيّة المنذورة فيها خلاف على ما سبق بيانه . وكذلك النّذر المطلق الّذي لم يعيّن للمساكين - لا بلفظٍ ولا بنيّةٍ - يجوز الأكل منه ، عند المالكيّة وبعض الشّافعيّة .
وبالنّسبة للمنذور له فذلك يكون بحسب كيفيّة النّذر ، فمن نذر إطعام المساكين أطعمهم ، ومن نذر على سبيل التّمليك ملّكه لهم . وينظر تفصيل ذلك في ( كفّارة ) ( ونذر ) .
الأكل من الوليمة والأكل مع الضّيف :
7 - من دعي إلى طعام الوليمة - وهي طعام العرس - فإن كان مفطراً فإنّه يستحبّ له الأكل ، وهذا باتّفاقٍ في الجملة ، لخبر مسلمٍ : « إذا دعي أحدكم إلى طعامٍ فليجب ، فإن كان صائماً فليصلّ . وإن كان مفطراً فليطعم » أي فليدع بالبركة .
ووقع للنّوويّ في شرح مسلمٍ تصحيح وجوب الأكل . وهو قول عند بعض المالكيّة . وإن كان صائماً تطوّعاً ، فعند الشّافعيّة والحنابلة يستحبّ له الأكل ، وإفطاره لجبر خاطر الدّاعي أفضل من إمساكه ولو آخر النّهار ، لما روي أنّه « صنع أبو سعيدٍ الخدريّ طعاماً فدعا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال رجل من القوم : إنّي صائم ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صنع لك أخوك وتكلّف لك أخوك أفطر وصم يوماً مكانه » . ولأنّ في الأكل إجابة أخيه المسلم وإدخال السّرور على قلبه .
وعند الحنفيّة والمالكيّة يكتفي الصّائم بالدّعاء لصاحب الوليمة ، ومن أضاف أحداً وقدّم له الطّعام فالمستحبّ أن يأكل صاحب الطّعام مع ضيفه ، وألاّ يقوم عن الطّعام وغيره يأكل ، ما دام يظنّ به حاجة إلى الأكل ، قال الإمام أحمد : يأكل بالسّرور مع الإخوان ، وبالإيثار مع الفقراء ، وبالمروءة مع أبناء الدّنيا .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:27 PM

آداب الأكل :
أ - آداب ما قبل الأكل :
8 - أوّلاً : من آداب الأكل السّؤال عن الطّعام إذا كان ضيفاً على أحدٍ ولا يعرفه ، ولا يطمئنّ إلى ما قد يقدّمه إليه . فقد« كان الرّسول صلى الله عليه وسلم لا يأكل طعاماً حتّى يحدّث أو يسمّى له فيعرف ما هو» ، فقد روى البخاريّ عن « خالد بن الوليد أنّه دخل مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ميمونة ، وهي خالته وخالة ابن عبّاسٍ فوجد عندها ضبّاً محنوذاً قدمت به أختها حفيدة ابن الحارث من نجدٍ فقدّمت الضّبّ لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكان قلّما يقدّم يده لطعامٍ حتّى يحدّث به ويسمّى له ، وأهوى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يده إلى الضّبّ فقالت امرأة من النّسوة الحضور : أخبرن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أنّ ما قدّمتنّ له هو الضّبّ يا رسول اللّه ، فرفع رسول اللّه يده عن الضّبّ ، قال خالد بن الوليد : أحرام الضّبّ يا رسول اللّه ؟ قال : لا . ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد : فاجتررته فأكلته ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينظر إليّ » . وشرحه الزّركشيّ فقال : قال ابن التّين : إنّما كان يسأل ، لأنّ العرب كانت لا تعاف شيئاً من المآكل لقلّتها عندهم ، وكان هو صلى الله عليه وسلم قد يعاف بعض الشّيء ، فلذلك كان يسأل . ويحتمل أنّه كان يسأل لأنّ الشّرع ورد بتحريم بعض الحيوانات وإباحة بعضها ، وكانوا لا يحرّمون منها شيئاً ، وربّما أتوا به مشويّاً أو مطبوخاً فلا يتميّز من غيره إلاّ بالسّؤال عنه .
ثانياً : المبادرة إلى الأكل إذا قدّم إليه الطّعام من مضيفه :
9 - فإنّ من كرامة الضّيف تعجيل التّقديم له ، ومن كرامة صاحب المنزل المبادرة إلى قبول طعامه والأكل منه ، فإنّهم كانوا إذا رأوا الضّيف لا يأكل ظنّوا به شرّاً ، فعلى الضّيف أن يهدّئ خاطر مضيفه بالمبادرة إلى طعامه ، فإنّ في ذلك اطمئناناً لقلبه .
ثالثاً : غسل اليدين قبل الطّعام :
10 - يستحبّ غسل اليدين قبل الطّعام ، ليأكل بها وهما نظيفتان ، لئلاّ يضرّ نفسه بما قد يكون عليهما من الوسخ . وقيل إنّ ذلك لنفي الفقر ، لما في الحديث : « الوضوء قبل الطّعام ينفي الفقر » .
رابعاً : التّسمية قبل الأكل :
11 - يستحبّ التّسمية قبل الأكل ، والمراد بالتّسمية على الطّعام قول " باسم اللّه " في ابتداء الأكل ، فقد روي عن عائشة مرفوعاً : « إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل : باسم اللّه ، فإن نسي في أوّله فليقل : باسم اللّه في أوّله وآخره » ويرى النّوويّ أنّ الأفضل أن يقول المرء : بسم الله الرحمن الرحيم ، فإن قال : باسم اللّه كفاه وحصلت السّنّة ، لما روى عمر بن أبي سلمة قال : « كنت غلاماً في حجر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصّحفة ، فقال لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : يا غلام : سمّ اللّه ، وكل بيمينك ، وكلّ ممّا يليك » .
خامساً : آداب الأكل أثناء الطّعام وبعده :
أ - الأكل باليمين :
12 - ينبغي للمسلم أن يأكل بيمينه ولا يأكل بشماله ، فقد روت عائشة رضي الله عنها :« أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التّيمّن في تنعّله وترجّله وطهوره في شأنه كلّه » . وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يأكلن أحد منكم بشماله ، ولا يشربنّ بها ، فإنّ الشّيطان يأكل بشماله ويشرب بها » .
وهذا إن لم يكن عذر ، فإن كان عذر يمنع الأكل أو الشّرب باليمين من مرضٍ أو جراحةٍ أو غير ذلك فلا كراهة في الشّمال .
والحديث يشير إلى أنّ الإنسان ينبغي أن يتجنّب الأفعال الّتي تشبه أفعال الشّيطان .
ب - الأكل ممّا يليه :
13 - يسنّ أن يأكل الإنسان ممّا يليه في الطّعام مباشرةً ، ولا تمتدّ يده إلى ما يلي الآخرين ، ولا إلى وسط الطّعام ، لأنّ أكل المرء من موضع صاحبه سوء عشرةٍ وترك مروءةٍ ، وقد يتقذّره صاحبه لا سيّما في الأمراق وما شابهها ، وذلك لما روى ابن عبّاسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ البركة تنزل وسط الطّعام ، فكلوا من حافّتيه ولا تأكلوا من وسطه » . وكذلك ما روي عن عمر بن أبي سلمة قال : « كنت غلاماً في حجر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصّحفة ، فقال لي : يا غلام سمّ اللّه وكل بيمينك وكل ممّا يليك قال : فما زالت تلك طعمتي بعد » . إلاّ أنّه إن كان الطّعام تمراً أو أجناساً فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطّبق ونحوه .
ج - غسل اليد بعد الطّعام :
14 - تحصل السّنّة بمجرّد الغسل بالماء ، قال ابن رسلان : والأولى غسل اليد بالأشنان أو الصّابون أو ما في معناهما . فقد أخرج التّرمذيّ عن أنسٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ الشّيطان حسّاس لحّاس ، فاحذرواه على أنفسكم ، من بات وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومنّ إلاّ نفسه » .
هذا والغسل مستحبّ قبل الأكل وبعده ، ولو كان الشّخص على وضوءٍ . وروى سلمان عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « بركة الطّعام الوضوء قبله ، والوضوء بعده » ، قال الطّيبيّ : المراد بالوضوء تنظيف اليد بغسلها ، وليس الوضوء الشّرعيّ .
د - المضمضة بعد الطّعام :
15 - المضمضة بعد الفراغ من الطّعام مستحبّة ، لما روى بشير بن يسارٍ عن سويد بن النّعمان أنّه أخبره « أنّهم كانوا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالصّهباء - وهي على روحةٍ من خيبر - فحضرت الصّلاة ، فدعا بطعامٍ فلم يجده إلاّ سويقاً فلاك منه ، فلكنا معه ثمّ دعا بماءٍ فمضمض ، ثمّ صلّى وصلّينا ولم يتوضّأ » .
هـ – الدّعاء للمضيف :
16- فقد روى أنس أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبزٍ وزيتٍ فأكل ، ثمّ قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أفطر عندكم الصّائمون ، وأكل طعامكم الأبرار ، وصلّت عليكم الملائكة » . وعن جابرٍ وقال : « صنع أبو الهيثم بن النّبهان للنّبيّ صلى الله عليه وسلم طعاماً فدعا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فلمّا فرغوا قال : أثيبوا أخاكم ، قالوا : يا رسول اللّه وما إثابته ؟ قال : إنّ الرّجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه فدعوا له ، فذلك إثابته »
و- الأكل بثلاثة أصابع :
17 - السّنّة الأكل بثلاثة أصابع ، قال عياض : والأكل بأكثر منها من الشّره وسوء الأدب ، ولأنّه غير مضطرٍّ لذلك لجمعه اللّقمة وإمساكها من جهاتها الثّلاث : وإن اضطرّ إلى الأكل بأكثر من ثلاثة أصابع ، لخفّة الطّعام وعدم تلفيقه بالثّلاث يدعمه بالرّابعة أو الخامسة . هذا إن أكل بيده ، ولا بأس باستعمال الملعقة ونحوها كما يأتي .
ز - أكل اللّقمة السّاقطة :
18 - إذا وقعت اللّقمة فليمط الآكل عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشّيطان ، لأنّه لا يدري موضع البركة في طعامه ، وقد يكون في هذه اللّقمة السّاقطة ، فتركها يفوّت على المرء بركة الطّعام ، لما روي عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كان إذا طعم طعاماً لعق أصابعه الثّلاث وقال : وإذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ، ولا يدعها للشّيطان » .
ج - عدم الاتّكاء أثناء الأكل :
19 - وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم « أمّا أنا فلا آكل متّكئاً » قال الخطّابيّ : المتّكئ هنا الجالس معتمداً على وطاءٍ تحته ، كقعود من يريد الإكثار من الطّعام . وسبب الحديث المذكور قصّة الأعرابيّ المذكور في حديث عبد اللّه بن بسرٍ قال : « أهديت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم شاةً ، فجثا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ركبتيه يأكل ، فقال أعرابيّ : ما هذه الجلسة ؟ فقال : إنّ اللّه جعلني عبداً كريماً ، ولم يجعلني جبّاراً عنيداً … » واختلف في صفة الاتّكاء ، لكن مرادهم أنّ الإكثار من الطّعام مذموم ، ومراده صلى الله عليه وسلم ذمّ فعل من يستكثر الطّعام ، ومدح من لا يأكل إلاّ البلغة من الزّاد ، ولذلك قعد مستوفزاً .
ط - التّسوية بين الحاضرين على الطّعام :
20 - فقد روي عن جابرٍ « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتى بعض حجر نسائه ، فدخل ، ثمّ أذن لي فدخلت الحجاب عليها ، فقال : هل من غداءٍ ؟ فقالوا : نعم . فأتي بثلاثة أقرصةٍ فوضعن على نبيٍّ- مائدةٍ من خوصٍ- فأخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قرصاً فوضعه بين يديه ، وأخذ قرصاً آخر فوضعه بين يديّ ، ثمّ أخذ الثّالث فكسره اثنين ، فحمل نصفه بين يديه ونصفه بين يديّ ، ثمّ قال : هل من أدمٍ ؟ قالوا : لا ، إلاّ شيء من خلٍّ ، قال : هاتوه ، فنعم الأدم هو » . والتّسوية بين الحاضرين على الطّعام مستحبّة ، حتّى لو كان بعض الحاضرين أفضل من بعضٍ .
هذا ومن آداب الأكل أثناء الطّعام إكرام الخبز ، لحديث عائشة مرفوعاً : « أكرموا الخبز » ، وعدم البصاق والمخاط حال الأكل إلاّ لضرورةٍ . ومن آدابه كذلك الأكل مع الجماعة ، والحديث غير المحرّم على الطّعام ، ومؤاكلة صغاره وزوجاته ، وألاّ يخصّ نفسه بطعامٍ إلاّ لعذرٍ كدواءٍ ، بل يؤثرهم على نفسه فاخر الطّعام ، كقطعة لحمٍ وخبزٍ ليّنٍ أو طيّبٍ . وإذا فرغ ضيفه من الطّعام ورفع يده قال صاحب الطّعام : كل ، ويكرّرها عليه ما لم يتحقّق أنّه اكتفى منه ، ولا يزيد على ثلاث مرّاتٍ ، وأن يتخلّل ، ولا يبتلع ما يخرج من أسنانه بالخلال بل يرميه .
آداب الأكل بعد الفراغ منه :
22 - يسنّ أن يقول الآكل ما ورد من حمد اللّه والدّعاء بعد تمام الأكل ، فقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رفع مائدته قال : « الحمد للّه حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه غير مكفيٍّ ولا مودّعٍ ولا مستغنًى عنه ربّنا » وقد كان الرّسول صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاماً غير اللّبن قال : « اللّهمّ بارك لنا فيه ، وأطعمنا خيراً منه » وإذا شرب لبناً قال : « اللّهمّ بارك لنا فيه ، وزدنا منه » . وقد روى ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من أطعمه اللّه طعاماً فليقل : اللّهمّ بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه ، ومن سقاه اللّه لبناً فليقل : اللّهمّ بارك لنا فيه وزدنا منه » .
آداب عامّة في الأكل :
أ - عدم ذمّ الطّعام :
23 - روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : « ما عاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم طعاماً قطّ ، إن اشتهاه أكله ، وإن كرهه تركه » والمراد الطّعام المباح ، أمّا الحرام فكان يعيبه ويذمّه وينهى عنه . وذهب بعضهم إلى أنّه إن كان العيب من جهة الخلقة كره ، وإن كان من جهة الصّنعة لم يكره ، لأنّ صنعة اللّه لا تعاب وصنعة الآدميّين تعاب . والّذي يظهر التّعميم ، فإنّ فيه كسر قلب الصّانع .
قال النّوويّ : من آداب الطّعام المتأكّدة ألاّ يعاب كقوله : مالح ، حامض ، قليل الملح ، غليظ ، رقيق ، غير ناضجٍ ، وغير ذلك - قال ابن بطّالٍ : هذا من حسن الآداب ، لأنّ المرء قد لا يشتهي الشّيء ويشتهيه غيره ، وكلّ مأذونٍ في أكله من قبل الشّرع ليس فيه عيب .
ب - استعمال الملاعق والسّكاكين وأدوات الطّعام :
24 - يجوز استعمال السّكّين وما في معناه ، لخبر الصّحيحين عن « عمرو بن أميّة الضّمريّ أنّه رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحتزّ من كتف شاةٍ في يده ، فدعي إلى الصّلاة ، فألقاها والسّكّين الّتي يحتزّ بها ، ثمّ قام فصلّى ولم يتوضّأ » .
وأمّا خبر « لا تقطعوا اللّحم بالسّكّين » فقد سئل عنه الإمام أحمد فقال : ليس بصحيحٍ . وقال ابن مفلحٍ : أمّا تقطيع الخبز بالسّكّين فلم أجد فيه كلاماً .
ج - تحرّي الأكل من الحلال :
25 - قال اللّه تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم } . وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلبن أحد ماشية امرئٍ بغير إذنه ، أيحبّ أحدكم أن تؤتى مشربته ، فتكسر خزانته ، فينتقل طعامه ، فإنّما تخزّن لهم ضروع ماشيتهم أطعماتهم ، فلا يحلبن أحد ماشية أحدٍ إلاّ بإذنه ».
قال الشّافعيّ رحمه الله : أصل المأكول والمشروب إذا لم يكن لمالكٍ من الآدميّين ، أو أحلّه مالكه ، أنّه حلال إلاّ ما حرّم اللّه عزّ وجلّ في كتابه أو على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم فإنّ ما حرّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لزم في كتاب اللّه عزّ وجلّ أن يحرّم .
ويحرم ما لم يختلف المسلمون في تحريمه ، وكان في معنى كتابٍ أو سنّةٍ أو إجماعٍ ، فإن قال قائل فما الحجّة في أنّ كلّ ما كان مباح الأصل يحرم بمالكه ، حتّى يأذن فيه مالكه فالحجّة فيه : أنّ اللّه عزّ وجلّ قال : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم } . وقال تبارك وتعالى { وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً } وقال : { وآتوا اليتامى أموالهم } ، مع آيٍ كثيرةٍ في كتاب اللّه عزّ وجلّ حظر فيها أموال النّاس إلاّ بطيب أنفسهم .
وممّا روي في تحريم مال الغير بغير إذنه ما ورد عن عميرٍ مولى أبي اللّحم قال : « أقبلت مع سادتي نريد الهجرة ، حتّى أن دنونا من المدينة ، قال : فدخلوا المدينة ، وخلّفوني في ظهرهم قال : فأصابني مجاعة شديدة ، قال : فمرّ بي بعض من يخرج من المدينة فقالوا لي : لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها ، فدخلت حائطاً ، فقطعت منه قنوين ، فأتاني صاحب الحائط ، فأتى بي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأخبره خبري ، وعليّ ثوبان ، فقال لي : أيّهما أفضل ؟ فأشرت له إلى أحدهما ، فقال : خذه ، وأعطى صاحب الحائط الآخر ، وأخلى سبيلي » وفي هذا دليل على أنّ الحاجة لا تبيح الإقدام على مال الغير مع وجود ما يمكن الانتفاع به أو بقيمته ، ولو كان ممّا تدعو حاجة الإنسان إليه ، فإنّه هنا أخذ أحد ثوبيه ، ودفعه إلى صاحب النّخل .
ما يترتّب على قاعدة تحرّي الحلال في الأكل :
أ - حكم المضطرّ :
26 - من غلب على ظنّه هلاك نفسه ، ولم يجد إلاّ ميتةً أو نحوها من المحرّمات أو مال الغير ، لزمه الأكل منه بقدر ما يحيي نفسه ، لقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } . وقوله تعالى : { فمن اضطرّ غير باغٍ } أي على مضطرٍّ آخر { ولا عادٍ } أي سدّ الجوعة فأكل { فلا إثم عليه } . قال الزّركشيّ : وينبغي أن يكون خوف حصول الشّين الفاحش في عضوٍ ظاهرٍ ، كخوف طول المرض كما في التّيمّم . واكتفى بالظّنّ ، كما في الإكراه على أكل ذلك ، فلا يشترط فيه التّيقّن ولا الإشراف على الموت .
وللمضطرّ أن يأكل ما يسدّ الرّمق أي ما يحفظ الحياة وهو مذهب أبي حنيفة والشّافعيّ ، وهو الأظهر عند الحنابلة . قال الموّاق : ونصّ الموطّأ : ومن أحسن ما سمعته في الرّجل يضطرّ إلى الميتة أنّه يأكل منها حتّى يشبع ويتزوّد منها ، فإن وجد عنها غنًى طرحها . ويحرم الأكل من الميتة على المضطرّ في سفر المعصية ، كقاطع الطّريق والآبق ، لقوله تعالى : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه } قال مجاهد : غير باغٍ على المسلمين ولا عادٍ عليهم . وقال سعيد بن جبيرٍ : إذا خرج يقطع الطّريق فلا رخصة له . فإن تاب وأقلع عن معصيته حلّ له الأكل . وفي ذلك خلاف وتفصيل يرجع إليه تحت عنوان ( اضطرار ) . وإن اضطرّ فلم يجد ميتةً ، ومع رجلٍ شيء كان له أن يكابره ، وعلى الرّجل أن يعطيه ، وإذا كابره أعطاه ثمنه وافياً ، فإن كان إذا أخذ شيئاً خاف مالك المال على نفسه لم يكن له مكابرته . قال القرافيّ في الذّخيرة : وإذا أكل مال مسلمٍ اقتصر على سدّ الرّمق ، إلاّ أن يعلم طول الطّريق فليتزوّد ، لأنّ مواساته تجب إذا جاع .
ب - الأكل من بستان الغير وزرعه دون إذنه :
27 - قال صاحب المغني من الحنابلة : من مرّ ببستان غيره يباح له الأكل منه ، من غير فرقٍ بين أن يكون مضطرّاً إلى الأكل أو لا ، ومحلّ ذلك إذا لم يكن للبستان حائط ، أي جدار يمنع الدّخول إليه لحرزه ، لما في ذلك من الإشعار بعدم الرّضى .
ودليل ذلك ما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا أتى أحدكم حائطاً ، فأراد أن يأكل ، فليناد : يا صاحب الحائط ، ثلاثاً ، فإن أجابه وإلاّ فليأكل ، وإذا مرّ أحدكم بإبلٍ فأراد أن يشرب من ألبانها ، فليناد : يا صاحب الإبل أو يا راعي الإبل ، فإن أجابه ، وإلاّ فليشرب » .
وروي عن أحمد أنّه قال : يأكل ممّا تحت الشّجر ، وإذا لم يكن تحت الشّجر فلا يأكل ثمار النّاس وهو غنيّ ، ولا يأكل بضربٍ بحجرٍ ، ولا يرمي ، لأنّ هذا يفسد . غير أنّه يمتنع على الإنسان أن يأخذ خبنةً ، وهي ما تحمله وتخرج به من ثمار الغير ، لأنّ هذا منهيّ عنه بنصّ الحديث الشّريف ، فقد « سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الثّمر المعلّق فقال : من أصاب بفيه من ذي حاجةٍ غير متّخذٍ خبنةً فلا شيء عليه ، ومن خرج بشيءٍ منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة » .
وقول المالكيّة كقول الحنابلة ، ولكن قيّدوه بحال الحاجة . أمّا في غير الحاجة فالأصحّ عندهم المنع .
وعند الشّافعيّة قال النّوويّ : من مرّ بثمر غيره أو زرعه لم يجز له أن يأخذ منه ، ولا يأكل بغير إذن صاحبه إلاّ أن يكون مضطرّاً فيأكل ويضمن .
وحكم الثّمار السّاقطة من الأشجار حكم سائر الثّمار إن كانت داخل الجدار ، فإن كانت خارجه فكذلك إن لم تجر عادتهم بإباحتها ، فإن جرت بذلك ، فهل تجري العادة المطّردة مجرى الإباحة ؟ والأصحّ : أنّها تجري مجرى الإباحة .
وأمّا الأكل من الزّرع فعن أحمد فيه روايتان : إحداهما قال : لا يأكل ، إنّما رخّص في الثّمار وليس الزّرع ، وقال : ما سمعنا في الزّرع أن يمسّ منه . ووجهه أنّ الثّمار خلقها اللّه للأكل رطبةً ، والنّفوس تتشوّق إليها ، والزّرع بخلافها .
والرّواية الثّانية : قال يأكل من الفريك ، لأنّ العادة جارية بأكله رطباً ، أشبه الثّمر . وكذلك الحكم في الباقلاء والحمّص وشبهه ممّا يؤكل رطباً ، فأمّا الشّعير وما لم تجر العادة بأكله فلا يجوز الأكل منه ، قال : والأولى في الثّمار وغيرها ألاّ يؤكل منها إلاّ بإذنٍ ، لما فيه من الخلاف والأخبار الدّالّة على التّحريم .
وعنه أيضاً في حلب الماشية روايتان : إحداهما يجوز له أن يحلب ويشرب ولا يحمل . والثّانية : لا يجوز له أن يحلب ولا يشرب ، ولكلٍّ منهما ما يسنده من قول الرّسول صلى الله عليه وسلم . فالإباحة يسندها الحديث المتقدّم .
والحظر يدلّ له حديث الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحلبن أحد ماشية امرئٍ بغير إذنه ، أيحبّ أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه ، فإنّما تخزّن لهم ضروع ماشيتهم أطعماتهم ، فلا يحلبن أحد ماشية أحدٍ إلاّ بإذنه » .
حكم أخذ النّثار في العرس وغيره :
28 - النّثار مكروه في العرس وغيره ، روي ذلك عن أبي مسعودٍ البدريّ وعكرمة وابن سيرين وعطاءٍ وعبد اللّه بن يزيد الخطميّ وطلحة وزبيدٍ الياميّ ، وبه قال مالك والشّافعيّ وأحمد لما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن النّهبى والمثلة » . ولأنّ فيه نهباً وتزاحماً وقتالاً ، وربّما أخذه من يكره صاحب النّثار لحرصه وشرهه ودناءة نفسه ، ويحرمه من يحبّ صاحبه لمروءته وصيانة نفسه وعرضه . والغالب هذا ، فإنّ أهل المروءات يصونون أنفسهم عن مزاحمة سفلة النّاس على شيءٍ من الطّعام أو غيره ، ولأنّ في هذا دناءةً ، واللّه يحبّ معالي الأمور ويكره سفسافها .
وروي عن أحمد رواية ثانية : أنّه ليس بمكروهٍ ، اختارها أبو بكرٍ ، وهو قول الحسن وقتادة والنّخعيّ وأبي حنيفة وأبي عبيدٍ وابن المنذر ، لما روى عبد اللّه بن قرطٍ قال : « قرّب إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خمس بدناتٍ أو ستّ ، فطفقن يزدلفن إليه ، بأيّتهنّ يبدأ ، فنحرها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال كلمةً لم أسمعها ، فسألت من قرب منه فقال قال : من شاء اقتطع » وهذا جارٍ مجرى النّثار ، وقد روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دعي إلى وليمة رجلٍ من الأنصار ثمّ أتوا بنهبٍ فأنهب عليه » . قال الرّاوي « ونظرت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يزاحم النّاس أو نحو ذلك ، قلت : يا رسول اللّه أو ما نهيتنا عن النّهبة ؟ قال : نهيتكم عن نهبة العساكر » ولأنّه نوع إباحةٍ فأشبه إباحة الطّعام للضّيفان .
زمان الأكل بالنّسبة للصّائم :
29 - يسنّ للصّائم أن يؤخّر سحوره إلى آخر اللّيل مع تحقّق بقاء اللّيل ، وأن يعجّل فطوره بعد التّيقّن من غروب الشّمس . وتفصيل ذلك ينظر تحت عنوان ( الصّوم ) .

أكولة *
التّعريف :
1 - الأكولة لغةً : صيغة مبالغةٍ ، بمعنى : كثيرة الأكل ، وتكون بمعنى المفعول أيضاً أي المأكولة ، وفي الحديث : « نهي المصدّق عن أخذ الأكولة من الأنعام في الصّدقة » . واختلف في تفسير الأكولة فقيل : هي الشّاة الّتي تعزل للأكل وتسمّن .
وقيل : أكولة غنم الرّجل : الخصيّ والهرمة والعاقر والكبش .
وعند الفقهاء : شاة اللّحم تسمّن لتؤكل ، ذكراً كان أو أنثى ، وكذا توصف به المرأة الكثيرة الأكل .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - الرّبّى : الشّاة الّتي تربّى للّبن ، وهي من كرائم الأموال مثل الشّاة الأكولة .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
3 - يتّفق الفقهاء على أنّه ليس للسّاعي أن يأخذ الأكولة من الغنم ، لأنّها من كرائم الأموال . « لقوله لمعاذٍ حين بعثه إلى اليمن : إيّاك وكرائم أموالهم » رواه الجماعة ، هذا إن كانت الغنم خياراً ولئاماً ، وكذا إن كانت كلّها لئاماً ، لا يأخذ السّاعي الأكولة إلاّ برضى المالك . فإن كانت كلّها خياراً فإنّ من الفقهاء من قال : تجب الأكولة ، ومنهم من قال : تكفي الوسط .
4 - والزّوجة الأكولة لا تختلف عن غيرها في مقدار النّفقة عند من يقدّر للزّوجة بحسب يسار الزّوج أو إعساره ، وكذا لا تختلف عن غيرها عند من يقول بالكفاية ، غير أنّ المالكيّة قالوا : إنّ الزّوجة الأكولة يجب لها كفايتها من الأكل أو يطلّقها ، ولا خيار له في فسخ النّكاح وإمضائه ، وهذا ما لم يشترط كونها غير أكولةٍ ، وإلاّ فله ردّها ما لم ترض بالوسط .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:27 PM

ألبسة *
التّعريف :
1 - الألبسة : جمع لباسٍ ، وهو ما يستر البدن ويدفع الحرّ والبرد ، ومثله الملبس ، واللّبس بالكسر . ولبس الكعبة والهودج : كسوتهما .
ويقال : لبست امرأةً ، أي تمتّعت بها زماناً . ولباس كلّ شيءٍ غشاؤه . واللّبوس بفتح اللّام ما يلبس ، وقوله تعالى : { وعلّمناه صنعة لبوسٍ لكم } يعني الدّرع . قال اللّه تعالى : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ، ولباس التّقوى ذلك خير ، ذلك من آيات اللّه لعلّهم يذّكّرون } ..
الحكم التّكليفيّ :
2 - استعمال اللّباس تعتريه الأحكام الخمسة : فالفرض منه : ما يستر العورة ويدفع الحرّ والبرد ، قال تعالى : { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجدٍ } أي ما يستر عورتكم عند الصّلاة .
والمندوب إليه أو المستحبّ : هو ما يحصل به أصل الزّينة وإظهار النّعمة ، قال تعالى : { وأمّا بنعمة ربّك فحدّث } ، وعن أبي الأحوص عن أبيه قال : « دخلت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فرآني سيّئ الهيئة فقال : ألك شيء ؟ قلت : نعم . من كلّ المال قد أتاني اللّه تعالى فقال : إذا كان لك مال فلير عليك » . وعن ابن عمرٍو رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده » . ومن المندوب : اللّبس للتّزيّن ، ولا سيّما في الجمع والأعياد ومجامع النّاس ، لحديث عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ما على أحدكم إن وجد سعةً أن يتّخذ ثوبين ليوم الجمعة غير ثوبي مهنته » ومحلّه إذا لم يكن للتّكبّر .
والمكروه : هو اللّباس الّذي يكون مظنّةً للتّكبّر والخيلاء ، لحديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « وكلوا واشربوا والبسوا من غير إسرافٍ ولا مخيلةٍ » . وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك اثنتان : سرف ومخيلة والمخيلة هي الكبر . وقال : عبد اللّه بن عمرٍو : « قلت يا رسول اللّه : أمن الكبر أن يكون لي الحلّة فألبسها ؟ قال : لا . قلت : أمن الكبر أن تكون لي راحلة فأركبها ؟ قال : لا . قلت : أمن الكبر أن أصنع طعاماً فأدعو أصحابي ؟ قال : لا . الكبر أن تسفّه الحقّ وتغمص النّاس » وسفه الحقّ : جهله . وغمص النّاس : احتقارهم . والحرام : هو اللّبس بقصد الكبر والخيلاء ، لما ورد في الأحاديث السّابقة .
ومن الحرام لبس الحرير والذّهب مثلاً بالنّسبة للرّجال ، ولو بحائلٍ بينه وبين بدنه ، ما لم يدع إلى لبسه ضرورة ، أو مرض كحكّةٍ به ، فيلبس الحرير لذلك ، لما روي عن عليٍّ رضي الله عنه قال : « أخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حريراً فجعله في يمينه ، وذهباً فجعله في شماله . فقال : إنّ هذين حرام على ذكور أمّتي » . وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « حرّم لباس الحرير والذّهب على ذكور أمّتي ، وأحلّ لإناثهم » . وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : « إنّما نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الثّوب المصمت من الحرير » أي الخالص الّذي لا يخالطه شيء ، وهذا ما عليه عامّة الفقهاء . ولتفصيله ينظر مصطلح ( حرير ) ( وذهب ) .
حكمة مشروعيّة اللّباس :
3 - لمّا كان في إظهار العورة أمام الغير على نحو ما كان في الجاهليّة إخلال بالصّفة الإنسانيّة الكريمة والآداب العامّة ، ولما يسبّبه كشفها من إخلالٍ بالأخلاق وذيوع مفاسد عظيمة الأثر بين أفراد المجتمع ، كان لا بدّ للشّارع تكريماً للإنسان - كما في قوله سبحانه وتعالى : { ولقد كرّمنا بني آدم }
واحتراماً لآدميّته ، وتمييزاً له عن سائر الحيوانات ، من أن يحفظ عليه إنسانيّته ، فأنعم عليه بنعمه الّتي لا تعدّ ولا تحصى ، وكان منها اللّباس شرعةً منه للآدميّين لتستر به عوراتهم ، وليكون لهم بهذا السّتر ما يزيّنهم ويجمّلهم ، بدلاً من قبح العري الّذي كان متفشّياً بينهم وشناعته مظهراً ومخبراً ، وفي هذا يقول اللّه تبارك وتعالى : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ، ولباس التّقوى ذلك خير ، ذلك من آيات اللّه لعلّهم يذّكّرون } وقوله تعالى : { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجدٍ ، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ، إنّه لا يحبّ المسرفين } فقد أمر سبحانه بأخذ الزّينة وأهمّها ستر العورة ، وتفصيل ما يتّصل بستر العورة ينظر في ( استتار ، وعورة ، وصلاة ) .
حكم الألبسة تبعاً لذواتها :
4 - الأصل في اللّباس الحلّ مهما كانت المادّة الّتي صنع منها إلاّ ما ورد نصّ بتحريمه كالحرير للذّكور ، وتفصيله في مصطلح ( حرير ) .
وكذلك ما كان من جلود الميتة وما لا يزكّى ، فإذا دبغت طهرت ، وحلّ لبسها ولو في الصّلاة . وتفصيله في ( إهاب ) ( ودباغة ) .
وأمّا الملابس المصنوعة من الصّوف أو الشّعر أو الوبر ، فإن كانت من مأكول اللّحم فهي طاهرة حلال ، سواء أخذت منه في حياته أو بعد تذكيته أو بعد موته ، وإنّما حلّت - ولو جزّت من الميتة - لأنّها لا تحلّها الحياة .
وفيما أخذ من غير مأكول اللّحم أو من نجس العين ، تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح ( شعر ) .
لبس جلود السّباع :
5 - جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ) على جواز الانتفاع بجلود السّباع بشرط الدّباغ لقوله عليه السلام : « أيّما إهابٍ دبغ فقد طهر » .
وقال القاضي أبو يعلى الحنبليّ : لا يجوز الانتفاع بها قبل الدّبغ ولا بعده ، لما روى أبو ريحانة قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب النّمور » أخرجه أبو داود وابن ماجه .
وعن معاوية والمقداد بن معد يكرب « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن لبس جلود السّباع والرّكوب عليها » رواه أبو داود . وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن افتراش جلود السّباع »
وأمّا الثّعالب فيبنى حكمها على حلّها ، وفيها للحنابلة روايتان ، كذلك يخرج في جلودها ، فإن قيل بتحريمها فحكم جلودها حكم جلود بقيّة السّباع وكذلك السّنانير البرّيّة ..
لبس الثّياب الجميلة :
6 - من المتّفق عليه أنّه يباح من الألبسة الثّوب الجميل ما لم يكن من محرّمٍ كالحرير للذّكور ، ويستحبّ التّزيّن في الأعياد والجمع ومجامع النّاس ، وذلك بدون صلفٍ ولا خيلاء . ومن ترك ذلك وهو قادر عليه تزمّتاً أو تديّناً فقد أخطأ ، فليس ذلك ممّا يدعو إليه الشّرع ، وانظر القرطبيّ في تفسير قوله تعالى : { قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق } .
الألبسة من حيث ألوانها وأشكالها وصفاتها ومناسبتها لعادات النّاس :
تختلف الألبسة من حيث ألوانها :
أ - اللّون الأبيض :
7 - اتّفق الفقهاء على استحباب لبس ما كان أبيض اللّون من الثّياب ، وتكفين الموتى به ، لحديث سمرة بن جندبٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « البسوا من ثيابكم البياض ، فإنّها أطهر وأطيب ، وكفّنوا فيها موتاكم » قال الشّوكانيّ : أمّا كونه أطيب فظاهر ، وأمّا كونه أطهر فلأنّ أدنى شيءٍ يقع عليه يظهر ، فيغسل إذا كان من جنس النّجاسة ، فيكون نقيّاً . كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في دعائه « ونقّني من الخطايا كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس » .
وقد استحبّ عمر رضي الله عنه لبس البياض لقارئ القرآن .
ب - اللّون الأحمر :
8 - ذهب بعض الحنفيّة والحنابلة إلى القول بكراهة لبس ما لونه أحمر متى كان غير مشوبٍ بغيره من الألوان للرّجال دون النّساء ، لقول البراء بن عازبٍ « نهانا النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن المياثر الحمر والقسيّ » ولقول عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما « مرّ على النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجل عليه ثوبان أحمران ، فسلّم عليه ، فلم يردّ عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم »
واستدلّوا على جواز لبس الثّوب الأحمر إذا خالطه لون آخر بأحاديث منها : حديث هلال بن عامرٍ عن أبيه قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بمنًى يخطب على بغلةٍ ، وعليه برد أحمر ، وعليّ أمامه يعبّر عنه » وحديث البراء بن عازبٍ قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مربوعاً ، وقد رأيته في حلّةٍ حمراء ، لم أر شيئاً قطّ أحسن منه صلى الله عليه وسلم » .
وروى البيهقيّ أنّه عليه الصلاة والسلام « كان يلبس يوم العيد بردةً حمراء » .
والمراد بالحلّة الحمراء بردان يمنيّان منسوجان بخطوطٍ حمرٍ مع سودٍ ، أو خضرٍ ، كسائر البرود اليمنيّة ، ووصفت بالحمرة باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر ، وإلاّ فالأحمر البحت منهيّ عنه عندهم ومكروه لبسه ، وبهذا حملوا الأحاديث المبيحة على أنّها وردت بشأن البرود اليمنيّة وهي الّتي تشتمل على اللّون الأحمر وغيره وأمّا أحاديث النّهي فهي خاصّة بما كان أحمر خالصاً لا يخالطه شيء . وذهب بعض الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى القول بجواز لبس الثّوب الأحمر الخالص غير المزعفر والمعصفر ، لحديث البراء بن عازبٍ وحديث هلال بن عامرٍ المتقدّمين ، ولقول ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يلبس يوم العيد بردةً حمراء » .
ج - اللّون الأسود :
9 - أجاز الفقهاء لبس الأسود بغير كراهةٍ في ذلك للرّجل والمرأة ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : « خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذات غداةٍ ، وعليه مرط مرحّل من شعرٍ أسود »
وعن جابرٍ قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكّة وعليه عمامة سوداء » وعن عائشة رضي الله عنها قالت : « صنعت لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم بردةً سوداء فلبسها فلمّا عرق فيها وجد ريح الصّوف فقذفها ، وكانت تعجبه الرّيح الطّيّبة » . وعن أمّ خالدٍ قالت : « أتي النّبيّ صلى الله عليه وسلم بثيابٍ فيها خميصة سوداء ؟ قال : من ترون نكسو هذه الخميصة ؟ فأسكت القوم ، فقال : ائتوني بأمّ خالدٍ ، فأتي بي إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فألبسنيها بيده وقال : أبلي وأخلقي مرّتين وجعل ينظر إلى علم الخميصة ويشير بيده إليّ ويقول : يا أمّ خالدٍ هذا سنا ، هذا سنا » . والسّنا بلسان الحبشة : الحسن . وفي هذا الحديث دليل على أنّه يجوز للنّساء لباس الثّياب السّود ، ولا خلاف في ذلك عند العلماء كما قاله الشّوكانيّ .
د - اللّون الأصفر :
10 - اتّفق الفقهاء على جواز لبس الأصفر ما لم يكن معصفراً أو مزعفراً لقول عبد اللّه بن جعفرٍ : « رأيت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثوبين أصفرين » ولقول عمران بن مسلمٍ : رأيت على أنس بن مالكٍ إزاراً أصفر .
هـ- اللّون الأخضر :
11- ذهب بعض الفقهاء إلى استحباب لبسه لأنّه لباس أهل الجنّة ، لما في قوله تعالى : { عاليهم ثياب سندسٍ خضر وإستبرق } . ولحديث أبي رمثة قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعليه بردان أخضران » .
و - المخطّط الألوان :
12 - وذلك يجوز لبسه ، لما روي عن أنسٍ رضي الله عنه قال : « كان أحبّ الثّياب إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يلبسها الحبرة » والحبرة هي الثّوب المخطّط الألوان كما قال الجوهريّ .
ما يحرم أو يكره من الألبسة :
أ - الألبسة الّتي عليها نقوش أو تصاوير أو صلبان أو آيات :
13 - يحرم على الرّجل والمرأة لبس الثّياب الّتي عليها تصاوير الحيوانات على الأصحّ ، لحديث أبي طلحة قال . سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تصاوير » .
فإن أزيل من الصّورة ما لا تبقى بإزالته الحياة كالرّأس ، أو لم يكن لها رأس فلا بأس به . كما يحرم جعل الصّليب في الثّوب ونحوه كالطّاقيّة وغيرها ممّا يلبس ، لقول عائشة رضي الله عنها إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « كان لا يترك في بيته شيئاً فيه تصليب إلاّ قضبه » أي قطع موضع الصّليب منه دون غيره ، والقضب القطع . وهذا الشّيء يشمل الملبوس والسّتور والبسط والآلات وغير ذلك . كما يحرم تصويرها في نسج الثّياب على الأصحّ ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ أشدّ النّاس عذاباً عند اللّه يوم القيامة المصوّرون » .
والصّلاة في الثّوب الّذي عليه تصاوير الحيوانات أو الصّلبان حرام مع صحّة الصّلاة ، لحديث أنسٍ قال : « كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ، فقال لها : أميطي عنّا قرامك هذا ، فإنّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي » والقرام بكسر القاف ، ستر رقيق . وكذلك لبس الثّوب الّذي نقشت فيه آيات تلهي المصلّي عن صلاته ، أو كان من شأن لبسه امتهانها .
ولا بأس بلبس الثّياب المصوّرة بصور غير الحيوانات ، كشجرٍ وقمرٍ وجبالٍ وكلّ ما لا روح فيه ، لما روى البخاريّ عن ابن عبّاسٍ لمّا قال له المصوّر : لا أعرف صنعةً غيرها . قال : إن لم يكن بدّ فصوّر من الأشجار ما لا نفس له . هذا ما جرى عليه جمهور الفقهاء .
أمّا التّصاوير المنقوشة على السّتور والبسط والوسائد والأبواب وافتراشها والجلوس عليها وتعليقها واستخداماته ا المختلفة . فالأحكام فيها تنظر في مصطلح ( تصوير ) .
ب - الألبسة المزعفرة ونحوها :
14 - ذهب الشّافعيّة إلى تحريم لبس الثّياب المزعفرة دون المعصفرة للرّجال وإباحتها للنّساء ، فعن أنسٍ رضي الله عنه قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرّجل » ولو صبغ بعض ثوبٍ بزعفرانٍ ، فهل هو كالتّطريف فيحرم ما زاد على الأربع الأصابع ، أو كالمنسوج من الحرير وغيره فيعتبر الأكثر ؟ الأوجه أنّ المرجع في ذلك إلى العرف ، فإن صحّ إطلاق المزعفر عليه عرفاً حرم وإلاّ فلا . ولا يكره لغير المرأة مصبوغ بغير الزّعفران والعصفر والأحمر والأصفر والأخضر وغيرها سواء أصبغ قبل النّسج أم بعده ، لعدم ورود نهيٍ في ذلك .
وقال الحنفيّة والحنابلة بكراهة لبس الثّياب المزعفرة والمعصفرة للرّجال دون النّساء ، لحديث أنسٍ السّابق . ولما روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : « رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال : أأمّك أمرتك بهذا ؟ قلت : أغسلهما ، قال : بل أحرقهما »
وعن عليٍّ رضي الله عنه قال : « نهاني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن التّختّم بالذّهب ، وعن لباس القسيّ ، وعن القراءة في الرّكوع والسّجود وعن لباس المعصفر »
وأجاز المالكيّة لغير المحرم لبس المعصفر ونحوه كالمزعفر ، ما لم يكن مفدّماً ( أي شديد الحمرة ) والمفدّم : هو القويّ الصّبغ الّذي ردّ في العصفر مرّةً بعد أخرى ، وإلاّ كره لبسه للرّجال في غير الإحرام .
وحرم عند الجميع على المحرم لبس ما كان مزعفراً أو معصفراً ، سواء كان رجلاً أو امرأةً ، إذا كان ريح الطّيب باقياً ، لأنّه طيّب ، ولا بأس بسائر الألوان غير ذلك .
ج - لبس ما يشفّ أو يصف :
15 - لا يجوز لبس الرّقيق من الثّياب إذا كان يشفّ عن العورة ، فيعلم لون الجلد من بياضٍ أو حمرةٍ ، سواء في ذلك الرّجل والمرأة ولو في بيتها ، هذا إن رآها غير زوجها ، لما يأتي من الأدلّة ، وهو بالإضافة إلى ذلك مخلّ بالمروءة ، ولمخالفته لزيّ السّلف ، ولا تصحّ الصّلاة في مثل تلك الثّياب ، ويجوز للمرأة لبسه إذا كان لا يراها إلاّ زوجها . أمّا ما كان رقيقاً يستر العورة ، ولكنّه يصف حجمها حتّى يرى شكل العضو فإنّه مكروه . لقول جرير بن عبد اللّه : " إنّ الرّجل ليلبس وهو عارٍ ، يعني الثّياب الرّقاق "
وعن أسامة بن زيدٍ قال : « كساني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبطيّةً كثيفةً ممّا أهداها له دحية الكلبيّ ، فكسوتها امرأتي ، فقال لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مالك لم تلبس القبطيّة ؟ قلت : يا رسول اللّه كسوتها امرأتي ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : مرها فلتجعل تحتها غلالةً ، فإنّي أخاف أن تصف حجم عظامها »
ففيه دليل على النّهي عن لبس اللّباس الّذي يصف ما تحته من البدن ، ولهذا ورد في حديث علقمة عن أمّه قالت : دخلت حفصة بنت عبد الرّحمن على عائشة وعليها خمار رقيق ، فشقّته عائشة ، وكستها خماراً كثيفاً . والخمار بالكسر هو : ما تغطّي به المرأة رأسها . وعن دحية الكلبيّ قال : « أتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقباطيّ ، فأعطاني منها قبطيّةً . فقال : اصدعها صدعين ، فاقطع أحدهما قميصاً ، وأعط الآخر امرأتك تختمر به فلمّا أدبر قال : وأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوباً لا يصفها » ، وقباطيّ جمع : قبطيّةٍ بكسرٍ أو ضمٍّ وسكونٍ ، أي ثوب يصنعه قبط مصر رقيق أبيض .
د - الألبسة المخالفة لعادات النّاس :
16 - لبس الألبسة الّتي تخالف عادات النّاس مكروه لما فيه من شهرةٍ ، أي ما يشتهر به عند النّاس ويشار إليه بالأصابع ، لئلاّ يكون ذلك سبباً إلى حملهم على غيبته ، فيشاركهم في إثم الغيبة . فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن الشّهرتين فقيل : يا رسول اللّه وما الشّهرتان ؟ قال : رقّة الثّياب وغلظها ، ولينها وخشونتها ، وطولها وقصرها ، ولكن سداداً بين ذلك واقتصاداً »
وعن ابن عمر مرفوعاً « من لبس ثوب شهرةٍ ألبسه اللّه ثوب مذلّةٍ يوم القيامة » قال في لسان العرب : الشّهرة ظهور الشّيء في شنعةٍ حتّى يشهره النّاس ، ويكره لبس زيٍّ مزرٍ به لأنّه من الشّهرة ، فإن قصد به الاختيال أو إظهار التّواضع حرم لأنّه رياء : « من سمّع سمّع اللّه به ، ومن راءى راءى به » .
ويكره زيّ أهل الشّرك ، لحديث ابن عمر مرفوعاً « من تشبّه بقومٍ فهو منهم » كما كره طول الرّداء مخافة أن يغفل عنه فيجرّه من خلفه ، وقد جاء النّهي عن ذلك لمن فعله بطراً ، والتّوقّي من ذلك على كلّ حالٍ من الأمر الّذي ينبغي ، لقوله صلى الله عليه وسلم « لا ينظر اللّه يوم القيامة إلى من جرّ إزاره بطراً » .
هـ – الألبسة النّجسة :
17- لبس الثّوب النّجس لستر العورة في غير صلاةٍ جائز .
أمّا في الصّلاة ، فلو وجد ساتراً نجساً ولم يجد غيره فإنّه يستتر به ولا يصلّي عاريّاً ، كما هو مذهب الحنابلة ، وأحد قولين لكلٍّ من المالكيّة والشّافعيّة .
أمّا القول الآخر عند المالكيّة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة فإنّه يصلّي عاريّاً ولا يستتر بالنّجس . أمّا عند الحنفيّة فإذا كان الرّبع من الثّوب طاهراً وجب الاستتار به ولا يصلّي عاريّاً ، وإن كان الطّاهر أقلّ من ربعه يخيّر بين الاستتار به أو الصّلاة عاريّاً ، وإن كان كلّه نجساً فذهب محمّد بن الحسن إلى أنّه يصلّي به ولا يصلّي عرياناً ، لأنّ في الصّلاة به ترك فرضٍ واحدٍ ، وفي الصّلاة عرياناً ترك الفروض من قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ ، بل يصلّي قاعداً بالإيماء . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى التّفريق في ذلك بين النّجس الأصليّ كجلد ميتةٍ لم يدبغ وبين المتنجّس ، فلا يستتر بالأوّل ، ويستتر بالثّاني .
و - الألبسة المغصوبة :
18 - ليس للعاري أخذ الثّوب قهراً ( غصباً ) من مالكه للصّلاة فيه ، وتصحّ بدونه ما لم يجد غيره ، لما في ذلك من حقّ الآدميّ ، فأشبه ما لو لم يجد ماءً يتوضّأ به إلاّ أن يغصبه ، فإنّه يتيمّم ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة .
حكم اتّخاذ الألبسة الخاصّة بالمناسبات والأشخاص :
أ - ملابس الأعياد ومجامع النّاس :
19 - جعل اللّه تعالى الأعياد أيّام فرحٍ وسرورٍ وزينةٍ للمسلمين ، ولذا فإنّ الفقهاء متّفقون على أنّ التّطيّب والتّزيّن لها مستحبّ ، والتّزيّن بلبس الثّياب الجميلة والجديدة ، وأفضلها البياض ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « البسوا من ثيابكم البياض ، فإنّها من خير ثيابكم » ولما في ذلك من إظهار نعمة اللّه تعالى على عبده الّتي يجب أن يرى أثرها عليه ، ولذا لا ينبغي ترك إظهار الزّينة والتّطيّب في الأعياد مع القدرة عليها تقشّفاً ، فقد ورد « أنّ اللّه تعالى يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده » .
وقد روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يلبس في العيدين بردةً حبرةً » . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته » .
وعن جابرٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعتمّ ، ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة » . وعن جابرٍ قال : « كانت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم جبّة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة » .
« وكان صلى الله عليه وسلم يلبس بردين أخضرين ولبس مرّةً برداً أحمر ».
وروي عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي طالبٍ أنّه كان يلبس كساء خزٍّ بخمسين ديناراً ، يلبسه في الشّتاء ، فإذا كان الصّيف تصدّق به ، أو باعه فتصدّق بثمنه ، وكان يلبس في الصّيف ثوبين من متاع مصر ممشّقين ( أي مصبوغين بالمشق وهو صبغ أحمر ) ويقرأ قوله تعالى : { قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق } فقد دلّت على استحباب لباس الرّفيع من الثّياب والتّجمّل بها في الجمع والأعياد وعند لقاء النّاس وزيارة الإخوان . قال أبو العالية : كان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا . وفي صحيح مسلمٍ من حديث « عمر بن الخطّاب أنّه رأى حلّةً سيراء تباع عند باب المسجد ، فقال : يا رسول لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة » فما أنكر ذكر التّجمّل وإنّما أنكر عليه كونها سيراء ، ( والسّيراء نوع من البرود ، فيه خطوط صفر ، أو يخالطه حرير ) .
وقال أبو الفرج : كان السّلف يلبسون الثّياب المتوسّطة لا المترفّعة ولا الدّون ، ويتخيّرون أجودها للجمعة والعيدين وللقاء الإخوان ، ولم يكن تخيّر الأجود عندهم قبيحاً .
وأمّا اللّباس الّذي يزري بصاحبه - أي وهو يجد غيره - فإنّه يتضمّن إظهار الزّهد وإظهار الفقر ، وكأنّه لسان شكوى من اللّه تعالى ، ويوجب احتقار اللّابس ، وكلّ ذلك مكروه منهيّ عنه . فإن قال قائل : تجويد اللّباس هوى النّفس ، وقد أمرنا بمجاهدتها ، وتزيّن للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا للّه لا للخلق ؟ فالجواب : أنّه ليس كلّ ما تهواه النّفس يذمّ ، ولا كلّ ما يتزيّن به للنّاس يكره . وإنّما ينهى عن ذلك إذا كان الشّرع قد نهى عنه ، أو على وجه الرّياء في باب الدّين ، فإنّ الإنسان يحبّ أن يرى جميلاً ، وذلك حظّ للنّفس لا يلام عليه ، ولهذا يسرّح شعره ، وينظر في المرآة ، ويسوّي عمامته ، ويلبس بطانة الثّوب الخشنة إلى داخلٍ ، وظهارته الحسنة إلى خارجٍ ، وليس في شيءٍ من هذا ما يكره ولا يذمّ .
وقد روى مكحول عن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان نفر من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب ، فخرج يريدهم ، وفي الدّار ركوة فيها ماء ، فجعل ينظر في الماء ، ويسوّي لحيته وشعره ، فقلت يا رسول اللّه : وأنت تفعل هذا ؟ قال : نعم إذا خرج الرّجل إلى إخوانه فليهيّئ من نفسه ، فإنّ اللّه جميل يحبّ الجمال » .
ب - ملابس الإحرام بالحجّ :
20 - يلبس المحرم ملابس خاصّةً ، وبيان ما يراعى في ذلك تقدّم في مصطلح ( إحرام ) ج 2 ص 128 .
ج - ملابس المرأة المحدّة :
21 - الإحداد بمعناه العامّ : ترك الزّينة وما في معناها . واختلف في لبس المحدّة لبعض الثّياب الملوّنة على وجه الزّينة وفي لبس الحليّ ، وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ( إحداد : ج 2 ص 103 ) .
د - لباس العلماء :
22 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يندب للعلماء أن يكون لباسهم فاخراً ، كصوفٍ وجوخٍ رفيعٍ وأبرادٍ رقيقةٍ ، وأن تكون ثيابهم واسعةً ، ويحسن لهم لفّ عمامةٍ طويلةٍ تعارفوها ، فإن عرف عرف في بلادٍ أخر أنّها تفعل بغير الطّول يفعل ، لإظهار مقام العلم ، ولأجل أن يعرفوا فيسألوا عن أمور الدّين . فقد كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعتمّون ، ويرخون الذّؤابة بين أكتافهم ، لأنّ إرخاءها من زيّ أهل العلم والفضل والشّرف ، ولذا لا يجوز أن يمكّن الكفّار من التّشبّه بهم ، وأن يلبسوا القلانس إذا انتهوا في عملهم وعندهم عظمت منزلتهم واقتدى النّاس بهم ، فيتميّزون بها للشّرف على من دونهم ، لما رفعهم اللّه بعلمهم على جهلة خلقه ، وكذلك الخطباء على المنابر لعلوّ مقامهم .
وعلى هذا فما صار شعاراً للعلماء يندب لهم لبسه ليعرفوا بذلك ، فيسألوا ، وليطاوعوا فيما عنه زجروا ، وعلّل ذلك ابن عبد السّلام بأنّه سبب لامتثال أمر اللّه تعالى والانتهاء عمّا نهى اللّه عنه .
وكره المالكيّة والحنابلة لهم سعة ثيابهم وطولها ، وطول أكمامهم ، والكبر الخارج عن عادة النّاس لما في ذلك من إضاعةٍ للمال المنهيّ عنها ، « وقد نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن إضاعته »، فقد يفصّل من ذلك الكمّ ثوب غيره وروى مالك رحمه الله تعالى في موطّئه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إزرة المسلم إلى أنصاف ساقيه . لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين . ما أسفل من ذلك ففي النّار . ما أسفل من ذلك ففي النّار . لا ينظر اللّه يوم القيامة إلى من جرّ إزاره بطراً » فهذا نصّ صريح منه عليه الصلاة والسلام أنّه لا يجوز للإنسان أن يجرّ ثوبه بقصد التّكبّر . إذ أنّ ما تحت الكعبين ليس للإنسان به حاجة فمنعه منه . وأباح ذلك للنّساء ، فللمرأة أن تجرّ ثوبها خلفها شبراً أو ذراعاً للحاجة الدّاعية إلى ذلك ، وهي التّستّر والإبلاغ فيه ، إذ أنّ المرأة كلّها عورة إلاّ ما استثني ، وذلك فيها بخلاف الرّجال .
لباس أهل الذّمّة :
23 - اتّفق الفقهاء على وجوب أخذ أهل الذّمّة بما يميّزهم عن المسلمين في لباسهم ، فلا يتشبّهون بهم ، لأنّهم لمّا كانوا مخالطين لأهل الإسلام كان لا بدّ من تمييزهم عنهم ، كي تكون معاملتهم مختلفةً عن معاملة المسلمين من التّوقير والإجلال ، وذلك لا يجوز لهم . وإذا وجب التّمييز وجب أن يكون بما فيه صغارهم لا إعزازهم ، وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ( أهل الذّمّة ) .
الألبسة الّتي تجزئ في النّفقة الواجبة :
24 - يجب للزّوجة والأولاد والوالدين ومن تجب لهم النّفقة كسوة مقدّرة على حسب حال من تجب عليه ، على خلافٍ في ذلك ينظر في مصطلح ( نفقة ) .
ما يجزئ من الألبسة في كفّارة اليمين :
25 - في كفّارة الأيمان إن اختار الحانث أن يكفّر بالكسوة كسا عشرة مساكين بما يطلق عليه اسم الكسوة ، وتفصيل ذلك في مصطلح ( كفّارة ) .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:27 PM

شراء الألبسة أو استئجارها للصّلاة فيها :
26 - أجاز الحنفيّة والشّافعيّة شراء الألبسة أو استئجارها للصّلاة . وقال الحنابلة : إن وجد من يبيعه ثوباً بثمن مثله ، أو يؤجّره بأجرة مثله ، أو زيادةٍ يتغابن النّاس بمثلها ، وقدر على ذلك العوض لزمه قبوله . وإن كانت كثيرةً لا يتغابن النّاس بمثلها لم يلزمه ، وقال المالكيّة : إذا كان بثمنٍ معتادٍ لزمه وإلاّ فلا . : ( ر : صلاة ، وإجارة ) .
ما يترك للمفلس من الألبسة :
27 - إذا حجر على المفلس يترك له من اللّباس أقلّ ما يكفيه ، وما لا غنى له عنه : قميص وسراويل وشيء يلبسه على رأسه ، إمّا عمامة أو قلنسوة أو غيرهما ممّا جرت به عادته ولرجله حذاء ، وإن احتاج إلى جبّةٍ أو فروةٍ أو نحوهما ترك له ذلك . وإن كان له ثياب رفيعة لا يلبس مثله مثلها بيعت واشتري له كسوة مثله ، وردّ الفضل على الغرماء . فإن كانت إذا بيعت واشتري له كسوة لا يفضل منها شيء تركت له ، فإنّه لا فائدة في بيعها . وفي قولٍ للحنفيّة : يترك له مثل ما هو لابسه ، لأنّه إذا غسل ثيابه لا بدّ له من ملبسٍ يلبسه . وتزاد المرأة ما لا غنى لها عنه ، كمقنعةٍ وغيرها ممّا يليق بها .
ويترك لعياله من الملابس والثّياب مثل ما يترك له . ( ر : إفلاس ) .
سلب القتيل من الألبسة :
28 - إذا قال الإمام : من قتل قتيلاً فله سلبه ، فسلب القتيل من الألبسة مباح لمن حارب الكفّار دفاعاً عن الإسلام والمسلمين ، وقتل منهم من يجوز قتله ، وذلك اتّفاقاً ، وكذلك إذا لم يقل الإمام ذلك عند الحنابلة . والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم « من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سلبه » .
وسلب القتيل ما كان لابساً له من ثيابٍ وعمامةٍ وقلنسوةٍ ومنطقةٍ ودرعٍ ومغفرٍ وبيضةٍ وتاجٍ وأسورةٍ ورانٍ وخفٍّ بما فيه من حليةٍ ونحو ذلك .
وفي إعطائه لمن قتله تفصيل يرجع إليه في مصطلح ( غنيمة ) .
سنن اللّبس وآدابه وأدعيته المأثورة :
29 - من السّنّة أن يبدأ المسلم وهو يلبس ثوبه أو نعله أو سراويله وشبهها باليمين ، بإدخال اليد اليمنى في كمّ الثّوب ، والرّجل اليمنى في كلٍّ من النّعل والسّراويل ، وفي الخلع بالأيسر ثمّ الأيمن . فعن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعجبه التّيمّن في شأنه كلّه ، في طهوره وتنعّله وترجّله » وفي روايةٍ أخرى « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يحبّ التّيامن ما استطاع في طهوره وتنعّله وترجّله وفي شأنه كلّه » . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا لبس قميصاً بدأ بميامنه » وعنه رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : إذا لبستم وإذا توضّأتم فابدءوا بميامنكم » وعن حفصة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ، ويجعل شماله لما سوى ذلك » رواه أبو داود وأحمد ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين ، وإذا نزع فليبدأ بالشّمال » .
ولهذا اتّفق العلماء على استحباب التّيامن في الأمور الشّريفة ، والتّياسر فيما سوى ذلك . فالتّيامن كلبس الثّوب والخفّ والمداس والسّراويل وغير ذلك ، والتّياسر كخلع الثّوب والسّراويل والخفّ وما أشبه ذلك فيستحبّ التّياسر فيه ، وذلك لكرامة اليمين وشرفها . ويستحبّ لمن لبس ثوبه سواء أكان قميصاً أم إزاراً أم عمامةً أم رداءً أن يقول : بسم اللّه ، وأن يدعو بما ورد . فعن معاذ بن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من لبس ثوباً جديداً فقال : الحمد للّه الّذي كساني هذا ، ورزقنيه من غير حولٍ منّي ولا قوّةٍ ، غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه » . وعن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا استجدّ ثوباً سمّاه باسمه عمامةً أو قميصاً أو رداءً ثمّ يقول : اللّهمّ لك الحمد أنت كسوتنيه . أسألك خيره وخير ما صنع له ، وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما صنع له » .
وعن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من لبس ثوباً جديداً فقال : الحمد للّه الّذي كساني ما أداري به عورتي ، وأتجمّل به في حياتي ، ثمّ عمد إلى الثّوب الّذي أخلق فتصدّق به ، كان في حفظ اللّه وفي كنف اللّه عزّ وجلّ وفي سبيل اللّه حيّاً وميّتاً » . ذلك هو سنن اللّبس وآدابه ، وما في ذلك من أدعيةٍ مأثورةٍ .

التباس *
التّعريف :
1 - الالتباس في اللّغة من اللّبس وهو : الخلط . ويأتي بمعنى الاشتباه والإشكال . يقال : التبس عليه الأمر أي : اشتبه وأشكل .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن هذا المعنى اللّغويّ ، حتّى إنّ بعضهم سوّى بين الاشتباه والالتباس ، وعرّف أحدهما بالآخر ، كما جاء في كتب المالكيّة : قال ابن عبد السّلام : الاشتباه الالتباس .
2 - ويظهر من تتبّع عبارات الفقهاء أنّ المالكيّة قد انفردوا باستعمال لفظ ( الالتباس ) ، وغير المالكيّة أكثروا من استعمال لفظي ( اشتباهٍ وشكٍّ ) بدلاً من كلمة التباسٍ ، كما هو الملاحظ في بحث خفاء القبلة ، ونكاح الأجنبيّة الّتي اشتبهت بأخته ، وطهارة الماء والثّياب والأواني الملتبسة وغيرها .
الحكم الإجماليّ :
3 - يختلف حكم الالتباس تبعاً لاختلاف متعلّقه ، فإذا التبس الحلال بالحرام يرجّح جانب الحرمة احتياطاً ، كمن التبست عليه الأجنبيّة بأخته ، بأن شكّ في الأجنبيّة وأخته من الرّضاع حرمتا معاً . وكذا إذا اشتبهت المذكّاة بالميتة .
ومن التبست عليه القبلة سأل واجتهد وتحرّى ، فإذا خفيت تخيّر وصلّى مع تفصيلٍ في ذلك . كذلك لو اشتبه على شخصٍ ماء طاهر بماءٍ نجسٍ ، أو التبست عليه الأواني أو الثّياب ، يجتهد ويتحرّى عند جمهور الفقهاء ، وإن كان الأرجح عند بعض الحنفيّة الطّهارة . ولمعرفة أحكام الالتباس والألفاظ ذات الصّلة به يرجع إلى مصطلح ( اشتباه ) .

التزام *
التّعريف :
1-الالتزام في اللّغة يقال : لزم الشّيء يلزم لزوماً أي : ثبت ودام ، ولزمه المال وجب عليه ، ولزمه الطّلاق : وجب حكمه ، وألزمته المال والعمل فالتزمه ، والالتزام : الاعتناق . والالتزام : إلزام الشّخص نفسه ما لم يكن لازماً له ، أي ما لم يكن واجباً عليه قبل ، وهو بهذا المعنى شامل للبيع والإجارة والنّكاح وسائر العقود .
وهذا المعنى اللّغويّ جرت عليه استعمالات الفقهاء ، حيث تدلّ تعبيراتهم على أنّ الالتزام عامّ في التّصرّفات الاختياريّة ، وهي تشمل جميع العقود ، سواء في ذلك المعاوضات والتّبرّعات . وهو ما اعتبره الحطّاب استعمالاً لغويّاً ، فقد عرّفه بأنّه : إلزام الشّخص نفسه شيئاً من المعروف مطلقاً ، أو معلّقاً على شيءٍ ، فهو بمعنى العطيّة ، فدخل في ذلك الصّدقة والهبة والحبس ( الوقف ) والعاريّة والعمرى والعريّة والمنحة والإرفاق والإخدام والإسكان والنّذر .
قال الحطّاب في كتابه تحرير الكلام في مسائل الالتزام : وقد يطلق في العرف على ما هو أخصّ من ذلك ، وهو التزام المعروف بلفظ الالتزام .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - العقد والعهد :
2 - من معاني العقد لغةً : العهد ، ويقال : عهدت إلى فلانٍ في كذا وكذا ، وتأويله : ألزمته ذلك ، فإذا قلت عاقدته أو عقدت عليه فتأويله : أنّك ألزمته ذلك باستيثاقٍ ، وتعاقد القوم : تعاهدوا . وفي المجلّة العدليّة : العقد : التزام المتعاقدين وتعهّدهما أمراً ، وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول . وبذلك يكون العقد التزاماً .
3 - أمّا العهد فهو في اللّغة : الوصيّة ، يقال عهد إليه يعهد : إذا أوصاه ، والعهد : الأمان ، والموثق ، والذّمّة .
والعهد : كلّ ما عوهد اللّه عليه ، وكلّ ما بين العباد من المواثيق فهو عهد ، والعهد : اليمين يحلف بها الرّجل . وبذلك يعتبر العهد نوعاً من أنواع الالتزام أيضاً .
ب - التّصرّف :
4 - يقال صرف الشّيء : إذا أعمله في غير وجهٍ كأنّه يصرفه عن وجهٍ إلى وجهٍ ، ومنه التّصرّف في الأمور .
وبهذا المعنى يكون التّصرّف أعمّ من الالتزام ، إذ من التّصرّف ما ليس فيه التزام .
ج - الإلزام :
5 - الإلزام : الإثبات والإدامة ، وألزمته المال والعمل وغيره .
فالإلزام سبب الالتزام ، سواء أكان ذلك بإلزام الشّخص نفسه شيئاً ، أم بإلزام الشّارع له . يقول الرّاغب الأصفهانيّ : الإلزام ضربان : إلزام بالتّسخير من اللّه ، أو من الإنسان . وإلزام بالحكم والأمر ، والإلزام لا يتوقّف على القبول .
د - اللّزوم :
6 - اللّزوم : الثّبوت والدّوام ، ولزمه المال : وجب عليه ، ولزمه الطّلاق : وجب حكمه . فاللّزوم يصدق على ما يترتّب على الالتزام متى توفّرت شروطه ، وعلى ما يقرّره الشّرع إذا توافرت شروط معيّنة . أمّا الالتزام فهو أمر يقرّره الإنسان باختياره ابتداءً .
هـ- الحقّ :
7- الحقّ ضدّ الباطل ، وحقّ الأمر أي ثبت ، قال الأزهريّ : معناه وجب يجب وجوباً ، وهو مصدر حقّ الشّيء إذا وجب وثبت .
والحقّ اصطلاحاً : هو موضوع الالتزام ، أي ما يلتزم به الإنسان تجاه اللّه ، أو تجاه غيره من النّاس .
و - الوعد :
8 - الوعد يدلّ على ترجيةٍ بقولٍ ، والوعد يستعمل في الخير حقيقةً وفي الشّرّ مجازاً . والوعد : العهد .
والعدة ليس فيها إلزام الشّخص نفسه شيئاً الآن ، وإنّما هي كما قال ابن عرفة : إخبار عن إنشاء المخبر معروفاً في المستقبل .
والفرق بين ما يدلّ على الالتزام ، وما يدلّ على العدة : هو ما يفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال . والظّاهر من صيغة المضارع : الوعد ، مثل : أنا أفعل ، إلاّ أن تدلّ قرينة على الالتزام كما يفهم من كلام ابن رشدٍ . وذلك مثل ما لو سألك مدين أن تؤخّره إلى أجل كذا ، فقلت : أنا أؤخّرك ، فهو عدة ، ولو قلت : قد أخّرتك ، فهو التزام .
أسباب الالتزام :
9 - من تعريف الالتزام اللّغويّ والشّرعيّ ، ومن استعمالات الفقهاء وعباراتهم ، يتبيّن أنّ سبب الالتزام هو تصرّفات الإنسان الاختياريّة الّتي يوجب بها حقّاً على نفسه ، وسواء أكان هذا الحقّ تجاه شخصٍ ، كالالتزامات الّتي يبرمها ، ومنها العقود والعهود الّتي يتعهّد بها ، والأيمان الّتي يعقدها ، والشّروط الّتي يشترطها . أم كان لحقّ اللّه ، كنذرٍ صلاةٍ أو صومٍ أو اعتكافٍ أو صدقةٍ مثلاً . وهناك أسباب أخرى سيأتي ذكرها فيما بعد . وبيان ذلك فيما يأتي .
التّصرّفات الاختياريّة :
10 - التّصرّفات الّتي يباشرها الإنسان باختياره ويوجب بها حقّاً على نفسه تتناول العقود بالمعنى العامّ الّذي أطلقه الفقهاء ، وهي الّتي تنعقد بإرادتين متقابلتين ( أي بالإيجاب والقبول ) أو الّتي تنعقد بإرادةٍ واحدةٍ ( أي بالإيجاب فقط ) وهذه قد تسمّى عقوداً على سبيل التّوسّع .
والتّصرّف يتمّ بإيجابٍ وقبولٍ إذا كان من شأنه أن يرتّب التزاماً في جانب كلٍّ من الطّرفين ، كالبيع والإجارة والمساقاة والمزارعة . أمّا التّصرّف الّذي يرتّب التزاماً في جانب أحد الطّرفين دون الآخر فيتمّ بإيجاب الطّرف الملتزم وحده ، كالوقف والوصيّة لغير معيّنٍ والجعالة والإبراء من الدّين والضّمان والهبة والعاريّة . وهذا في الجملة مع مراعاة اختلاف الفقهاء في اشتراط القبول في بعضها . ويدخل فيما يتمّ بإرادةٍ منفردةٍ : الأيمان والنّذور ، وما شاكل ذلك . فهذه التّصرّفات كلّها الّتي تتمّ بإرادتين ، أو بإرادةٍ واحدةٍ متى استوفت أركانها وشرائطها على النّحو المشروع ، فإنّه يترتّب عليها الالتزام بأحكامها .
11 - ونصوص الفقهاء صريحة في أنّ الالتزام يشمل كلّ ما ذكر ، ومن هذه النّصوص :
أ - في كتاب البيوع من المجلّة العدليّة . العقد : التزام المتعاقدين وتعهّدهما أمراً ، وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول .
ب - جاء في المنثور في القواعد للزّركشيّ : العقد الشّرعيّ ينقسم باعتبار الاستقلال به وعدمه إلى ضربين :
الأوّل : عقد ينفرد به العاقد ، مثل عقد النّذر واليمين والوقف ، إذا لم يشترط القبول فيه ، وعدّ بعضهم منه الطّلاق والعتاق إذا كانا بغير عوضٍ ، قال الزّركشيّ : وإنّما هو رفع للعقد . والثّاني : عقد لا بدّ فيه من متعاقدين ، كالبيع والإجارة والسّلم والصّلح والحوالة والمساقاة والهبة . والشّركة والوكالة والمضاربة والوصيّة والعاريّة الوديعة والقرض والجعالة والمكاتبة والنّكاح والرّهن والضّمان والكفالة .
ج - وفي المنثور أيضاً : ما أوجبه اللّه على المكلّفين ينقسم إلى ما يكون سببه جنايةً ويسمّى عقوبةً ، وإلى ما يكون سببه التزاماً ويسمّى ثمناً أو أجرةً أو مهراً أو غيره د - في القواعد للعزّ بن عبد السّلام : المساقاة والمزارعة التّابعة لها هي التزام أعمال الفلاحة بجزءٍ شائعٍ من الغلّة المعمول على تحصيلها . وفيه كذلك : التزام الحقوق من غير قبولٍ أنواع : أحدها : بنذرٍ في الذّمم والأعيان .
الثّاني : التزام الدّيون بالضّمان .
الثّالث : ضمان الدّرك .
الرّابع : ضمان الوجه .
الخامس : ضمان ما يجب إحضاره من الأعيان المضمونات .
هـ-من الأمثلة الّتي ذكرها الحطّاب في الالتزامات :
- 1- إذا قال له : إن بعتني سلعتك بكذا فقد التزمت لك كذا وكذا ، فالشّيء الملتزم به داخل في جملة الثّمن ، فيشترط فيه ما يشترط في الثّمن .
-2- إذا قال له : إن أسكنتني دارك سنةً ، فهذا من باب الإجارة ، فيشترط فيه شروط الإجارة ، بأن تكون المدّة معلومةً والمنفعة معلومةً ، وأن يكون الشّيء الملتزم به ممّا يصحّ أن يكون أجرةً . وأمثال هذه النّصوص كثيرة في كتب الفقه .
ومنها يمكن القول بأنّ الأسباب الحقيقيّة للالتزامات : هي تصرّفات الإنسان الاختياريّة . إلاّ أنّ المشتغلين بالفقه في العصر الحديث زادوا على ذلك ثلاثة مصادر أخرى ليست في الحقيقة التزاماً ، بل هي إلزام أو لزوم ، ولكن يترتّب عليها مثل ما يترتّب بالالتزام باعتبار التّسبّب أو المباشرة . وبيانها كما يلي :
- 1- الفعل الضّارّ أو الفعل غير المشروع :
12 - الفعل الضّارّ الّذي يصيب الجسم أو المال يستوجب العقوبة أو الضّمان .
والأضرار متعدّدة فمنها إتلاف مال الغير ، ومنها الجناية على النّفس أو الأطراف ، ومنها التّعدّي بالغصب ، أو بالسّرقة ، أو بالتّجاوز في الاستعمال المأذون فيه ، كتجاوز المستأجر ، والمستعير ، والحجّام ، والطّبيب ، والمنتفع بالطّريق ، ومنها التّفريط في الأمانات كالودائع والرّهون . ففي كلّ ذلك يصير الفاعل ملزماً بضمان فعله ، وعليه العوض في المثليّ بمثله ، وفي القيميّ بقيمته ، وهذا في الجملة ، إذ من الإتلافات ما لا ضمان فيه ، كمن صال عليه إنسان أو بهيمة ولم يندفع إلاّ بالقتل فقتله ، كما أنّ من الأعمال المباحة ما فيه الضّمان ، كالمضطرّ الّذي يأكل مال غيره ، ففيه الضّمان عند غير المالكيّة .
والضّابط في ذلك ما قال الزّركشيّ : أنّ التّعدّي مضمون أبداً إلاّ ما قام دليله ، وفعل المباح ساقط أبداً إلاّ ما قام دليله . والأصل في منع الضّرر قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضرار » وفي كلّ ما سبق تفصيلات كثيرة ينظر في مصطلحاتها وأبوابها .
- 2- الفعل النّافع أو الإثراء بلا سببٍ :
13 - قد يقوم الإنسان بفعلٍ نافعٍ لغيره ، فيصير دائنا لذلك الغير بما قام به أو بما أدّى عنه . وهذا ما يسمّيه المشتغلون بالفقه في العصر الحديث ( الإثراء بلا سببٍ ) وهم يعنون بذلك : أنّ من أدّى عن غيره ديناً أو أحدث له منفعةً فقد افتقر المؤدّي وأثرى المؤدّى عنه بلا سببٍ ، وبذلك يصبح المثري ملزماً بأداء أو ضمان ما أدّاه عنه غيره أو قام به .
وليست هناك قاعدة يندرج تحتها ذلك ، وإنّما هي مسائل متفرّقة في أبواب الفقه ، كإنفاق المرتهن على الرّهن ، والملتقط على اللّقيط أو اللّقطة ، والنّفقة على الرّقيق والزّوجات والأقارب والبهائم إذا امتنع من يجب عليه الإنفاق ، وإنفاق أحد الشّريكين على المال المشترك مع غيبة الآخر أو امتناعه . ومن ذلك : بناء صاحب العلوّ السّفل بدون إذن صاحبه . أو إذن الحاكم لاضطراره لذلك ، وبناء الحائط المشترك ، ودفع الزّكاة لغير المستحقّ .. وهكذا .
ففي مثل هذه المسائل يكون المنتفع ملزماً بما أدّى عنه ، ويكون لمن أنفق حقّ الرّجوع بما أنفق في بعض الأحوال .
وفي ذلك خلاف وتفصيل في بيان متى يحقّ له الرّجوع ، ومتى لا يحقّ ، إذ القاعدة الفقهيّة ، أنّ من دفع ديناً عن غيره بلا أمره يعتبر متبرّعاً ، ولا يرجع بما دفع .
والقاعدة الخامسة والسّبعون في قواعد ابن رجبٍ هي فيمن يرجع بما أنفق على مال غيره بغير إذنه ، وفيها كثير من هذه المسائل .
وتنظر هذه المسائل في أبواب الفقه ، كالشّركة والرّهن واللّقطة والزّكاة وغيرها ، وفي مجمع الضّمانات كثير من هذه الأمثلة ، وفي الفروق للقرافيّ : كلّ من عمل عملاً أو أوصل نفعاً لغيره من مالٍ أو غيره بأمره أو بغير أمره نفذ ذلك ، فإن كان متبرّعاً لم يرجع به ، أو غير متبرّعٍ وهو منفعة فله أجر مثله ، أو مال فله أخذه ممّن دفعه عنه بشرط أن يكون المنتفع لا بدّ له من عمل ذلك .
- 3- الشّرع :
14 - يعتبر المسلم بإسلامه ملتزماً بأحكام الإسلام وتكاليفه .
جاء في مسلّم الثّبوت : الإسلام : التزام حقيقة ما جاء به النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
وممّا يعتبر المسلم ملتزماً به ما يلزمه به الشّارع نتيجة ارتباطاتٍ وعلاقاتٍ خاصّةٍ . ومن ذلك : إلزامه بالنّفقة على أقاربه الفقراء ، لقوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف } . وقوله سبحانه { وعلى الوارث مثل ذلك } وقوله تعالى : { وقضى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه وبالوالدين إحساناً } .
ومن ذلك الولاية الشّرعيّة ، كولاية الأب والجدّ لقوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } .
وذلك لوفور الشّفقة في الوليّ وعدم حسن تصرّف القاصر .
ومن ذلك الالتزام بقبول الميراث ، وغير ذلك ممّا يعتبر المسلم ملتزماً به دون توقّفٍ على قبوله . يقول الكاسانيّ : اللّزوم هنا بإلزام من له ولاية الإلزام ، وهو اللّه تبارك وتعالى ، فلم يتوقّف على القبول ، كسائر الأحكام الّتي تلزم بإلزام الشّرع ابتداءً .
على أنّه يمكن أن يضاف إلى هذه الأسباب : الشّروع ، فمن شرع في عبادةٍ غير واجبةٍ أصبح ملتزماً بإتمامها بالشّروع فيها ، ووجب القضاء بفسادها ، كما يقول المالكيّة والحنفيّة . هذه هي المصادر الثّلاثة ( الفعل الضّارّ - والفعل النّافع - والشّرع ) الّتي عدّها المشتغلون بالفقه الإسلاميّ في العصر الحديث من مصادر الالتزام ، إلاّ أنّها في الحقيقة تعتبر من باب الإلزام ، وليست من باب الالتزام ، كما مرّ في كلام الكاسانيّ .
15 - والفقهاء عبّروا في التّصرّفات النّاشئة عن إرادة الإنسان بأنّها التزام ، أمّا ما كان بغير إرادته فالتّعبير فيها بالإلزام أو اللّزوم . ذلك أنّ الالتزام الحقيقيّ . هو ما أوجبه الإنسان على نفسه والتزم به . ولذلك يقول القرافيّ : إنّ الكافر إذا أسلم يلزمه ثمن البياعات وأجر الإجارات ودفع الدّيون الّتي اقترضها ونحو ذلك ، ولا يلزمه القصاص والغصب والنّهب ، لأنّ ما رضي به حال كفره واطمأنّت نفسه بدفعه لمستحقّه لا يسقط بالإسلام ، وما لم يرض بدفعه لمستحقّه كالقتل والغصب ونحوه فإنّ هذه الأمور إنّما دخل عليها معتمداً على أنّه لا يوفّيها أجلها ، فهذا كلّه يسقط ، لأنّ في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيراً له عن الإسلام .
إلاّ إذا اعتبرنا هذه الإلزامات تنشئ التزاماتٍ حكماً وبذلك يمكن ردّ مصادر كلّ الالتزامات إلى الشّرع ، فالشّرع هو الّذي رسم حدوداً لكلّ التّصرّفات ، ما يصحّ منها وما لا يصحّ ، ورتّب عليها أحكامها .
لكن اللّه سبحانه وتعالى جعل لما أوجبه على الإنسان أسباباً مباشرةً ، ومن ذلك أنّه جعل تصرّفات الإنسان الاختياريّة سبب التزاماته .
ويوضّح ذلك الزّركشيّ إذ يقول : ما أوجبه اللّه على المكلّفين ينقسم إلى ما يكون سببه جنايةً ويسمّى عقوبةً ، وإلى ما يكون سببه إتلافاً ويسمّى ضماناً ، وإلى ما يكون سببه التزاماً ويسمّى ثمناً أو أجرةً أو مهراً أو غيره ، ومنه أداء الدّيون والعواريّ والودائع ، واجبة بالالتزام . ويقول : حقوق الآدميّين الماليّة تجب بسبب مباشرته من التزامٍ أو إتلافٍ .
الحكم التّكليفيّ للالتزام :
16 - الالتزام بأحكام الإسلام أمر واجب على كلّ مسلمٍ .
ومن ذلك ما أوجبه عليه من عقوباتٍ وضمان متلفاتٍ والقيام بالنّفقات وأعمال الولاية .
أمّا بالنّسبة لتصرّفات الإنسان الاختياريّة فالأصل فيها الإباحة . إذ لكلّ إنسانٍ الحرّيّة في أن يتصرّف التّصرّف المشروع الّذي يلتزم به أمراً ، ما دام ذلك لم يمسّ حقّاً لغيره . وقد تعرض له الأحكام التّكليفيّة الأخرى .
فيكون واجباً ، كبذل المعونة بيعاً أو قرضاً أو إعارةً للمضطرّ لذلك . وكوجوب قبول الوديعة إذا لم يكن من يصلح لذلك غيره ، وخاف إن لم يقبل أن تهلك .
ويكون مندوباً ، إذا كان من باب التّبرّعات الّتي تعين النّاس على مصالحهم ، لأنّه إرفاق بهم ، يقول اللّه تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى } ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كلّ معروفٍ صدقة » .
ويكون حراماً إذا كان فيه إعانة على معصيةٍ ، ولذلك لا يصحّ إعارة الجارية لخدمة رجلٍ غير محرمٍ ، ولا الوصيّة بخمرٍ لمسلمٍ ، ولا نذر المعصية .
ويكون مكروهاً ، إذا أعان على مكروهٍ ، كمن يفضّل بعض أولاده في العطيّة .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:28 PM

أركان الالتزام :
17 - ركن الالتزام عند الحنفيّة هو : الصّيغة فقط ويزاد عليها عند غيرهم : الملتزِم ( بكسر الزّاي ) والملتزم له ، والملتزم به ، أي محلّ الالتزام .
أوّلاً : الصّيغة :
18 - تتكوّن الصّيغة من الإيجاب والقبول معاً في الالتزامات الّتي تتوقّف على إرادة الملتزم والملتزم له ، كالنّكاح وكعقود المعاوضات ، مثل البيع والإجارة ، وهذا باتّفاقٍ .
أمّا الالتزامات بالتّبرّعات كالوقف والوصيّة والهبة ففيها اختلاف الفقهاء بالنّسبة للقبول . ومن الالتزامات ما يتمّ بإرادة الملتزم وحده باتّفاقٍ ، كالنّذر والعتق واليمين .
وصيغة الالتزام ( الإيجاب ) تكون باللّفظ أو ما يقوم مقامه من كتابةٍ أو إشارةٍ مفهمةٍ ونحوها ممّا يدلّ على إلزام الشّخص نفسه ما التزمه .
وقد يكون الالتزام بالفعل كالشّروع في الجهاد والحجّ ، وكمن قام إلى الصّلاة فنوى وكبّر فقد عقدها لربّه بالفعل . كذلك يكون الالتزام بمقتضى العادة ، ومن القواعد الفقهيّة ( العادة محكّمة ) ومن ذلك من تزوّجت وهي ساكنة في بيتٍ لها ، فسكن الزّوج معها ، فلا كراء عليه ، إلاّ إن تبيّن أنّها ساكنة بالكراء .
ويلاحظ أنّ أغلب الالتزامات قد ميّزت بأسماءٍ خاصّةٍ ، فالالتزام بتسليم الملك بعوضٍ بيع ، وبدونه هبة أو عطيّة أو صدقة ، والالتزام بالتّمكين من المنفعة بعوضٍ إجارة ، وبدونه إعارة أو وقف أو عمرى ، وسمّي التزام الدّين ضماناً ، ونقله حوالةً ، والتّنازل عنه إبراءً ، والتزام طاعة اللّه بنيّة القربة : نذراً وهكذا .
ولكلّ نوعٍ من هذه الالتزامات صيغ خاصّة سواء أكانت صريحةً ، أم كنايةً تحتاج إلى نيّةٍ أو قرينةٍ ، وتنظر في أبوابها .
وقد ذكر الفقهاء ألفاظاً خاصّةً تعتبر صريحةً في الالتزام وهي : التزمت ، أو ألزمت نفسي . ومنها أيضاً لفظ ( عليّ ) أو ( إليّ ) ، جاء في الهداية في باب الكفالة لو قال : عليّ أو إليّ تصحّ الكفالة ، لأنّها صيغة الالتزام ، وقال مثل ذلك ابن عابدين .
وفي نهاية المحتاج : شرط الصّيغة في الإقرار لفظ أو كتابة من ناطقٍ أو إشارة من أخرس تشعر بالالتزام بحقٍّ ، مثل : لزيدٍ هذا الثّوب " وعليّ " " وفي ذمّتي " للمدين الملتزم " ومعي " " وعندي " للعين .
ثانياً : الملتزم :
19 - الملتزم هو من التزم بأمرٍ من الأمور كتسليم شيءٍ ، أو أداء دينٍ ، أو القيام بعملٍ . والالتزامات متنوّعة على ما هو معروف . فما كان منها من باب المعاوضات فإنّه يشترط فيه في الجملة أهليّة التّصرّف . وما كان من باب التّبرّعات فيشترط فيه أن يكون أهلاً للتّبرّع . وفي ذلك تفصيل من حيث تصرّف الوكيل والوليّ والفضوليّ ، ومن الفقهاء من أجاز وصيّة السّفيه والصّبيّ المميّز كالحنابلة . وينظر ذلك في أبوابه .
ثالثاً : الملتزم له :
20 - الملتزم له الدّائن ، أو صاحب الحقّ : فإن كان الالتزام تعاقديّاً ، وكان الملتزم له طرفاً في العقد ، فإنّه يشترط فيه الأهليّة ، أي أهليّة التّعاقد على ما هو معروف في العقود ، وإلاّ تمّ ذلك بواسطة من ينوب عنه .
وإذا كان الالتزام بالإرادة المنفردة فلا يشترط في الملتزم له ذلك .
والّذي يشترط في الملتزم له في الجملة أن يكون ممّن يصحّ أن يملك ، أو يملك النّاس الانتفاع به كالمساجد والقناطر .
وعلى ذلك فإنّه يصحّ الالتزام للحمل ، ولمن سيوجد ، فتصحّ الصّدقة عليه والهبة له .
وعند المالكيّة تجوز الوصيّة لميّتٍ علم الموصي بموته ، ويصرف الموصى به في قضاء ما عليه من الدّيون ، وإلاّ صرف لورثته وإلاّ بطلت الوصيّة .
كما أنّ كفالة دين الميّت المفلس جائزة ، وقد أقرّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك ، فقد روى البخاريّ عن سلمة بن الأكوع « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي برجلٍ يصلّي عليه فقال : هل عليه دين ؟ قالوا : نعم ديناران ، قال : هل ترك لهما وفاءً ؟ قالوا : لا ، فتأخّر ، فقيل : لم لا تصلّي عليه ؟ فقال : ما تنفعه صلاتي وذمّته مرهونة إلاّ إن قام أحدكم فضمنه ، فقام أبو قتادة فقال : هما عليّ يا رسول اللّه ، فصلّى عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم » .
كما أنّه يجوز الالتزام للمجهول ، فقد نصّ الفقهاء على صحّة تنفيل الإمام في الجهاد بقوله محرّضاً للمجاهدين : من قتل قتيلاً فله سلبه ، وعندئذٍ من يقتل عدوّاً يستحقّ أسلابه ، ولو لم يكن ممّن سمعوا مقالة الإمام .
ومن ذلك ما لو قال رجل : من يتناول من مالي فهو مباح فتناول رجل من غير أن يعلم . ومن ذلك أيضاً بناء سقايةٍ للمسلمين أو خانٍ لأبناء السّبيل . وينظر تفصيل ذلك في مواضعه رابعاً : محلّ الالتزام ( الملتزم به ) :
21 - الالتزام هو إيجاب الفعل الّذي يقوم به الملتزم كالالتزام بتسليم المبيع للمشتري ، وتسليم الثّمن للبائع ، وكالالتزام بأداء الدّين ، والمحافظة على الوديعة ، وتمكين المستأجر والمستعير من الانتفاع بالعين ، والموهوب له من الهبة ، والمسكين من الصّدقة ، والقيام بالعمل في عقد الاستصناع والمساقاة والمزارعة ، وفعل المنذور ، وإسقاط الحقّ ... وكذا . وهذه الالتزامات ترد على شيءٍ تتعلّق به ، وهو قد يكون عيناً أو ديناً ، أو منفعةً أو عملاً ، أو حقّاً ، وهذا ما يسمّى بمحلّ الالتزام أو موضوعه .
ولكلّ محلٍّ شروط خاصّة حسب طبيعة التّصرّف المرتبط به ، والشّروط قد تختلف من تصرّفٍ إلى آخر ، فما يجوز الالتزام به في تصرّفٍ قد لا يجوز الالتزام به في تصرّفٍ آخر .
إلاّ أنّه يمكن إجمال الشّروط بصفةٍ عامّةٍ مع مراعاة الاختلاف في التّفاصيل .
وبيان ذلك فيما يلي :
أ - انتفاء الغرر والجهالة :
22 - يشترط بصفةٍ عامّةٍ في المحلّ الّذي يتعلّق به الالتزام انتفاء الغرر ، والغرر ينتفي عن الشّيء - كما يقول ابن رشدٍ - بأن يكون معلوم الوجود ، معلوم الصّفة ، معلوم القدر ، ومقدوراً على تسليمه .
وانتفاء الغرر شرط متّفق عليه في الجملة في الالتزامات الّتي تترتّب على المعاوضات المحضة كالبيع والإجارة ، مبيعاً وثمناً ومنفعةً وعملاً وأجرةً .
هذا مع استثناء بعضها بالنّسبة لوجود محلّ الالتزام وقت التّصرّف كالسّلم والإجارة والاستصناع ، فإنّها أجيزت استحساناً مع عدم وجود المسلم فيه والمنفعة والعمل ، وذلك للحاجة . ويراعى كذلك الخلاف في بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه .
وإذا كان شرط انتفاء الغرر متّفقاً عليه في المعاوضات المحضة ، فإنّ الأمر يختلف بالنّسبة لغيرها من تبرّعاتٍ كالهبة بلا عوضٍ والإعارة ، وتوثيقاتٍ كالرّهن والكفالة وغيرها .
فمن الفقهاء من يجيز الالتزام بالمجهول وبالمعدوم وبغير المقدور على تسليمه ، ومنهم من لا يجيز ذلك . وأكثرهم تمسّكاً بذلك الحنفيّة والشّافعيّة .
23 - ومن العسير في هذا المقام تتبّع كلّ التّصرّفات لمعرفة مدى انطباق شرط انتفاء الغرر على كلّ تصرّفٍ . ولذلك سنكتفي ببعض نصوص المذاهب الّتي تلقي ضوءاً على ذلك ، على أن يرجع في التّفصيلات إلى مواضعها :
-1- في الفروق للقرافيّ : الفرق الرّابع والعشرون بين قاعدة : ما تؤثّر فيه الجهالات والغرر ، وقاعدة : ما لا يؤثّر فيه ذلك من التّصرّفات . وردت الأحاديث الصّحيحة في « نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر وعن بيع المجهول » .
واختلف العلماء بعد ذلك ، فمنهم من عمّمه في التّصرّفات ، وهو الشّافعيّ ، فمنع من الجهالة في الهبة والصّدقة والإبراء والخلع والصّلح وغير ذلك .
ومنهم من فصّل ، وهو مالك ، بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة ، وهو باب المماكسات والتّصرّفات الموجبة لتنمية الأموال وما يقصد به تحصيلها ، وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة ، وهو ما لا يقصد لذلك ، وانقسمت التّصرّفات عنده ثلاثة أقسامٍ : طرفان وواسطة .
24 - فالطّرفان : أحدهما معاوضة صرفة ، فيجتنب فيها ذلك إلاّ ما دعت الضّرورة إليه عادةً .
وثانيهما ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال ، كالصّدقة والهبة والإبراء ، فإنّ هذه التّصرّفات لا يقصد بها تنمية المال ، بل إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه ، فإن لم يبذل شيئاً بخلاف القسم الأوّل إذا فات بالغرر والجهالات ضاع المال المبذول في مقابلته ، فاقتضت حكمة الشّرع منع الجهالات فيه . أمّا الإحسان الصّرف فلا ضرر فيه ، فاقتضت حكمة الشّرع وحثّه على الإحسان التّوسعة فيه بكلّ طريقٍ ، بالمعلوم والمجهول ، فإنّ ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعاً ، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله ، فإذا وهب له عبده الآبق جاز أن يجده ، فيحصل له ما ينتفع به ولا ضرر عليه إن لم يجده ، لأنّه لم يبذل شيئاً . وهذا فقه جميل . ثمّ إنّ الأحاديث لم يرد فيها ما يعمّ هذه الأقسام حتّى نقول : يلزم منه مخالفة نصوص الشّرع ، بل إنّما وردت في البيع ونحوه .
25 - وأمّا الواسطة بين الطّرفين فهو النّكاح ، فهو من جهة أنّ المال فيه ليس مقصوداً - وإنّما مقصده المودّة والألفة والسّكون - يقتضي أن يجوز فيه الجهالة والغرر مطلقاً ، ومن جهة أنّ صاحب الشّرع اشترط فيه المال بقوله تعالى : { أن تبتغوا بأموالكم } يقتضي امتناع الغرر والجهالة فيه . فلوجود الشّبهين توسّط مالك فجوّز فيه الغرر القليل دون الكثير ، نحو عبدٍ من غير تعيينٍ وشورة بيتٍ ( وهي الجهاز ) ، ولا يجوز على العبد الآبق والبعير الشّارد ، لأنّ الأوّل يرجع فيه إلى الوسط المتعارف ، والثّاني ليس له ضابط فامتنع ، وألحق الخلع بأحد الطّرفين الأوّلين الّذي يجوز فيه الغرر مطلقاً ، لأنّ العصمة وإطلاقها ليس من باب ما يقصد للمعاوضة ، بل شأن الطّلاق أن يكون بغير شيءٍ فهو كالهبة . فهذا هو الفرق ، والفقه مع مالكٍ رحمه الله .
وفي الفروق كذلك : اتّفق مالك وأبو حنيفة على جواز التّعليق في الطّلاق والعتاق قبل النّكاح وقبل الملك ، فيقول للأجنبيّة : إن تزوّجتك فأنت طالق ، وللعبد : إن اشتريتك فأنت حرّ ، فيلزمه الطّلاق والعتاق إذا تزوّج واشترى خلافاً للشّافعيّ ، ووافقنا الشّافعيّ على جواز التّصرّف بالنّذر قبل الملك ، فيقول : إن ملكت ديناراً فهو صدقة .
وجميع ما يمكن أن يتصدّق به المسلم في الذّمّة في باب المعاملات . ودليل ذلك .
أوّلاً : القياس على النّذر في غير المملوك بجامع الالتزام بالمعدوم .
وثانياً : قال اللّه تعالى : { أوفوا بالعقود } والطّلاق والعتاق عقدان عقدهما على نفسه فيجب الوفاء بهما .
وثالثاً : قوله عليه الصلاة والسلام : « المسلمون على شروطهم » ، وهذان شرطان فوجب الوقوف معهما .
26 -/ 2- في المنثور للزّركشيّ : من حكم العقود اللّازمة أن يكون المعقود عليه معلوماً مقدوراً على تسليمه في الحال ، والجائز قد لا يكون كذلك ، كالجعالة تعقد على ردّ الآبق . ثمّ قال : حيث اعتبر العوض في عقدٍ من الطّرفين أو من أحدهما فشرطه أن يكون معلوماً ، كثمن المبيع وعوض الأجرة ، إلاّ في الصّداق وعوض الخلع ، فإنّ الجهالة فيه لا تبطله ، لأنّ له مراداً ( بدلاً ) معلوماً وهو مهر المثل ، وقد يكون العوض في حكم المجهول ، كالعوض في المضاربة والمساقاة .
- 3- في إعلام الموقّعين بعد أن قرّر ابن القيّم أنّ العلّة في بطلان بيع المعدوم هي الغرر قال : وكذلك سائر عقود المعاوضات بخلاف الوصيّة فإنّها تبرّع محض ، فلا غرر في تعلّقها بالموجود والمعدوم ، وما يقدر على تسليمه وما لا يقدر ، وطرده ( مثاله ) : الهبة ، إذ لا محذور في ذلك فيها ، وقد صحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كبّة الشّعر حين أخذها من المغنم ، وسأله أن يهبها له فقال : « أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لك »
27 -/ 4- في القواعد لابن رجبٍ في إضافة الإنشاءات والإخبارات إلى المبهمات قال : أمّا الإنشاءات فمنها العقود ، وهي أنواع :
أحدها : عقود التّمليكات المحضة كالبيع والصّلح بمعناه ( أي على بدلٍ ) ، وعقود التّوثيقات كالرّهن والكفالة ، والتّبرّعات اللّازمة بالعقد أو بالقبض بعدةٍ كالهبة والصّدقة ، فلا يصحّ في مبهمٍ من أعيانٍ متفاوتةٍ ، كعبدٍ من عبيدٍ ، وشاةٍ من قطيعٍ ، وكفالة أحد هذين الرّجلين ، وضمان أحد هذين الدّينين . وفي الكفالة احتمال ، لأنّه تبرّع ، فهو كالإعارة والإباحة ، ويصحّ في مبهمٍ من أعيانٍ متساويةٍ مختلطةٍ ، كقفيزٍ من صبرةٍ ، فإن كانت متميّزةً متفرّقةً ففيه احتمالان ذكرهما في التّلخيص ، وظاهر كلام القاضي الصّحّة .
والثّاني : عقود معاوضاتٍ غير متمحّضةٍ ، كالصّداق وعوض الخلع والصّلح عن دم العمد ، ففي صحّتها على مبهمٍ من أعيانٍ مختلفةٍ وجهان : أصحّهما الصّحّة .
والثّالث : عقد تبرّعٍ معلّق بالموت فيصحّ في المبهم بغير خلافٍ لما دخله من التّوسّع ، ومثله عقود التّبرّعات ، كإعارة أحد هذين الثّوبين وإباحة أحد هذين الرّغيفين ، وكذلك عقود المشاركات والأمانات المحضة ، مثل أن يقول : ضارب بإحدى هاتين المائتين - وهما في كيسين - ودع الأخرى عندك وديعةً . وأمّا الفسوخ فما وضع منها على التّغليب والسّراية صحّ في المبهم كالطّلاق والعتاق .. إلخ .
ب - قابليّة المحلّ لحكم التّصرّف :
28 - يشترط كذلك في المحلّ الّذي يتعلّق به الالتزام : أن يكون قابلاً لحكم التّصرّف ، بمعنى ألاّ يكون التّصرّف فيه مخالفاً للشّرع .
وهذا الشّرط متّفق عليه بصفةٍ عامّةٍ مع الاختلاف في التّفاصيل .
يقول السّيوطيّ : كلّ تصرّفٍ تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل . فلذلك لم يصحّ بيع الحرّ ولا الإجارة على عملٍ محرّمٍ .
ويقول ابن رشدٍ في الإجارة : ممّا اجتمعوا على إبطال إجارته : كلّ منفعةٍ كانت لشيءٍ محرّم العين ، كذلك كلّ منفعةٍ كانت محرّمةً بالشّرع ، مثل أجر النّوائح وأجر المغنّيات ، وكذلك كلّ منفعةٍ كانت فرض عينٍ على الإنسان بالشّرع ، مثل الصّلاة وغيرها .
وفي المهذّب : الوصيّة بما لا قربة فيه ، كالوصيّة للكنيسة والوصيّة بالسّلاح لأهل الحرب باطلة . وبالجملة فإنّه لا يصحّ الالتزام بما هو غير مشروعٍ ، كالالتزام بتسليم الخمر أو الخنزير في بيعٍ أو هبةٍ أو وصيّةٍ أو غير ذلك ، ولا الالتزام بالتّعامل بالرّبا ، أو الزّواج بمن تحرم عليه شرعاً . وهكذا . وينظر تفصيل ذلك في مواضعه .
آثار الالتزام :
آثار الالتزام هي : ما تترتّب عليه ، وهي المقصد الأصليّ للالتزام . وتختلف آثار الالتزام تبعاً لاختلاف التّصرّفات الملزمة واختلاف الملتزم به ، ومن ذلك :
( 1 ) ثبوت الملك :
29 - يثبت ملك العين أو المنفعة أو الانتفاع أو العوض وانتقاله للملتزم له في التّصرّفات الّتي تقتضي ذلك متى استوفت أركانها وشرائطها ، مثل البيع والإجارة والصّلح والقسمة ، ومع ملاحظة القبض فيما يشترط فيه القبض عند من يقول به . وهذا باتّفاقٍ .
( 2 ) حقّ الحبس :
30 - يعتبر الحبس من آثار الالتزام . فالبائع له حقّ حبس المبيع ، حتّى يستوفي الثّمن الّذي التزم به المشتري ، إلاّ أن يكون الثّمن مؤجّلاً .
والمؤجّر له حقّ حبس المنافع إلى أن يستلم الأجرة المعجّلة . وللصّانع حقّ حبس العين بعد الفراغ من العمل إذا كان لعمله أثر في العين ، كالقصّار والصّبّاغ والنّجّار والحدّاد . والمرتهن له حقّ حبس المرهون حتّى يؤدّي الرّاهن ما عليه . يقول ابن رشدٍ : حقّ المرتهن في الرّهن أن يمسكه حتّى يؤدّي الرّاهن ما عليه ، والرّهن عند الجمهور يتعلّق بجملة الحقّ المرهون فيه وببعضه ، أعني أنّه إذا رهنه في عددٍ ما ، فأدّى منه بعضه ، فإنّ الرّهن بأسره يبقى بعد بيد المرتهن حتّى يستوفي حقّه . وقال قوم : بل يبقى من الرّهن بيد المرتهن بقدر ما يبقى من الحقّ ، وحجّة الجمهور أنّه محبوس بحقٍّ ، فوجب أن يكون محبوساً بكلّ جزءٍ منه ، أصله ( أي المقيس عليه ) حبس التّركة على الورثة حتّى يؤدّوا الدّين الّذي على الميّت . وحجّة الفريق الثّاني أنّ جميعه محبوس بجميعه ، فوجب أن يكون أبعاضه محبوسةً بأبعاضه ، أصله الكفالة .
ومن ذلك حبس المدين بما عليه من الدّين ، إذا كان قادراً على أداء دينه وماطل في الأداء ، وطلب صاحب الدّين حبسه من القاضي ، وللغريم كذلك منعه من السّفر ، لأنّ له حقّ المطالبة بحبسه .
( 3 ) التّسليم والرّدّ :
31 - يعتبر التّسليم من آثار الالتزام فيما يلتزم الإنسان بتسليمه .
فالبائع ملتزم بتسليم المبيع للمشتري ، والمؤجّر ملتزم بتسليم العين وما يتبعها للمستأجر بحيث تكون مهيّأةً للانتفاع بها ، والمشتري والمستأجر ملتزمان بتسليم العوض ، وأجير الوحد ( الأجير الخاصّ ) ملتزم بتسليم نفسه ، والكفيل ملتزم بتسليم ما التزم به ، والزّوج ملتزم بتسليم الصّداق ، والزّوجة ملتزمة بتسليم البضع ، والواهب ملتزم بتسليم الموهوب عند من يرى وجوب الهبة ، وربّ المال في السّلم والمضاربة مطالب بتسليم رأس المال . وهكذا كلّ من التزم بتسليم شيءٍ وجب عليه القيام بالتّسليم .
ومثل ذلك ردّ الأمانات والمضمونات ، سواء أكان الرّدّ واجباً ابتداءً أم بعد الطّلب ، وذلك كالمودع والمستعار والمستأجر والقرض والمغصوب والمسروق واللّقطة إذا جاء صاحبها ، وما عند الوكيل والشّريك والمضارب إذا فسخ المالك وهكذا .
مع اعتبار أنّ التّسليم في كلّ شيءٍ بحسبه ، قد يكون بالإقباض ، وقد يكون بالتّخلية والتّمكين من الملتزم به .
( 4 ) ثبوت حقّ التّصرّف :
يثبت للملتزم له حقّ التّصرّف في الملتزم به بامتلاكه ، لكن يختلف نوع التّصرّف باختلاف نوع الملكيّة في الملتزم به ، وذلك كما يأتي :
32 - أ - إذا كان الملتزم به تمليكاً للعين أو للدّين ، فإنّه يثبت للمالك حقّ التّصرّف فيه بكلّ أنواع التّصرّف من بيعٍ وهبةٍ ووصيّةٍ وعتقٍ وأكلٍ ونحو ذلك ، لأنّه أصبح ملكه ، فله ولاية التّصرّف فيه .
وهذا إذا كان بعد القبض بلا خلافٍ ، أمّا قبل القبض فإنّ الفقهاء يختلفون فيما يجوز التّصرّف فيه قبل القبض وما لا يجوز .
وبالجملة فإنّه لا يصحّ عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد التّصرّف في الأعيان المملوكة في عقود المعاوضات قبل قبضها . إلاّ العقار فيجوز بيعه قبل قبضه عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمّدٍ . ودليل منع التّصرّف قبل القبض قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزامٍ : « لا تبع ما لم تقبضه » ولأنّ فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك .
وعند المالكيّة ، والمذهب عند الحنابلة : أنّه يجوز التّصرّف قبل القبض إلاّ في الطّعام ، فلا يجوز التّصرّف فيه قبل قبضه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه » .
وأمّا الدّيون : فعند الحنفيّة يجوز التّصرّف فيها قبل القبض إلاّ في الصّرف والسّلم :
أمّا الصّرف فلأنّ كلّ واحدٍ من بدلي الصّرف مبيع من وجهٍ وثمن من وجهٍ . فمن حيث هو ثمن يجوز التّصرّف فيه قبل القبض ، ومن حيث هو مبيع لا يجوز ، فغلب جانب الحرمة احتياطاً . وأمّا السّلم فلأنّ المسلم فيه مبيع بالنّصّ ، والاستبدال بالمبيع المنقول قبل القبض لا يجوز . وكذلك يجوز تصرّف المقرض في القرض قبل القبض عندهم ، وذكر الطّحاويّ : أنّه لا يجوز . وعند المالكيّة يجوز التّصرّف في الدّيون قبل القبض فيما سوى الصّرف والسّلم ، فإنّ الإمام مالكاً منع بيع المسلم فيه قبل قبضه في موضعين :
أحدهما : إذا كان المسلم فيه طعاماً ، وذلك بناءً على مذهبه في أنّ الّذي يشترط في صحّة بيعه القبض هو الطّعام ، على ما جاء عليه النّصّ في الحديث .
والثّاني : إذا لم يكن المسلم فيه طعاماً فأخذ عوضه المسلم ( صاحب الثّمن ) ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله ، مثل أن يكون المسلم فيه عرضاً والثّمن عرضاً مخالفاً له ، فيأخذ المسلم من المسلم إليه إذا حان الأجل شيئاً من جنس ذلك العرض الّذي هو الثّمن ، وذلك أنّ هذا يدخله إمّا سلف وزيادة ، إن كان العرض المأخوذ أكثر من رأس مال السّلم ، وإمّا ضمان وسلف إن كان مثله أو أقلّ .
وعند الشّافعيّة إن كان الملك على الدّيون مستقرّاً ، كغرامة المتلف وبدل القرض جاز بيعه ممّن عليه قبل القبض ، لأنّ ملكه مستقرّ عليه ، وهو الأظهر في بيعه من غيره . وإن كان الدّين غير مستقرٍّ فإن كان مسلماً فيه لم يجز ، وإن كان ثمناً في بيعٍ ففيه قولان .
وعند الحنابلة : كلّ عوضٍ ملك بعقدٍ ينفسخ بهلاكه قبل القبض لم يجز التّصرّف فيه قبل قبضه ، كالأجرة وبدل الصّلح إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود ، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه جاز التّصرّف فيه قبل قبضه ، كعوض الخلع وأرش الجناية وقيمة المتلف .
أمّا ما يثبت فيه الملك من غير عوضٍ ، كالوصيّة والهبة والصّدقة ، فإنّه يجوز في الجملة التّصرّف فيه قبل قبضه عند الجمهور .
33 - ب - وإذا كان الملتزم به تمليكاً للمنفعة ، فإنّه يثبت لمالك المنفعة حقّ التّصرّف في الحدود المأذون فيها ، وتمليك المنفعة لغيره كما في الإجارة والوصيّة بالمنفعة والإعارة وهذا عند المالكيّة وفي الإجارة عند جميع المذاهب ، وفي غيرها اختلافهم ، والقاعدة عند الحنفيّة : أنّ المنافع الّتي تملك ببدلٍ يجوز تمليكها ببدلٍ كالإجارة ، والّتي تملك بغير عوضٍ لا يجوز تمليكها بعوضٍ . فالمستعير يملك الإعارة ولا يملك الإجارة .
34 - ج - وإذا كان الملتزم به حقّ الانتفاع فقط ، فإنّ حقّ التّصرّف يقتصر على انتفاع الملتزم له بنفسه فقط ، كما في العاريّة عند الشّافعيّة ، وفي وجهٍ عند الحنابلة ، وكالإباحة للطّعام في الضّيافات .
35 - د - وإذا كان الملتزم به إذناً في التّصرّف ، فإنّه يثبت للمأذون له حقّ التّصرّف المطلق إذا كان الإذن مطلقاً ، وإلاّ اقتصر التّصرّف على ما أذن به ، وذلك كما في الوكالة والمضاربة . وفي كلّ ذلك تفصيل ينظر في مواضعه .
( 5 ) منع حقّ التّصرّف :
36 - قد ينشأ من بعض الالتزامات منع حقّ التّصرّف ومن أمثلة ذلك : الرّهن ، فلا يصحّ تصرّف الرّاهن في المرهون ببيعٍ أو غيره ، لأنّ المرتهن أخذ العين بحقّه في الرّهن ، وهو التّوثّق باستيفاء دينه وقبض المرهون . فالمرتهن بالنّسبة إلى الرّهن كغرماء المفلس المحجور عليه .
( 6 ) صيانة الأنفس والأموال :
37 - الأصل أنّ المسلم ملتزم بحكم إسلامه بالمحافظة على دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم النّحر : « إنّ دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا » .
أمّا بالنّسبة لغير المسلمين ، فإنّ ممّا يصون دماءهم وأموالهم التزام المسلمين بذلك بسبب العقود الّتي تتمّ معهم ، كعقد الأمان المؤقّت أو الدّائم . إذ ثمرة الأمان حرمة قتلهم واسترقاقهم وأخذ أموالهم ، ما داموا ملتزمين بموجب عقد الأمان أو عقد الذّمّة .
ومن صيانة الأموال : الالتزام بحفظ الوديعة بجعلها في مكان أمينٍ . وقد يجب الالتزام بذلك حرصاً على الأموال ، ولذلك يقول الفقهاء : إن لم يكن من يصلح لأخذ الوديعة غيره وخاف إن لم يقبل أن تهلك تعيّن عليه قبولها ، لأنّ حرمة المال كحرمة النّفس ، لما روى ابن مسعودٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « حرمة مال المؤمن كحرمة دمه » . ولو خاف على دمه لوجب عليه حفظه ، فكذلك إذا خاف على ماله .
ومن ذلك أخذ اللّقطة واللّقيط ، إذ يجب الأخذ إذا خيف الضّياع ، لأنّ حفظ مال الغير واجب ، قال ابن رشدٍ : يلزم أن يؤخذ اللّقيط ولا يترك ، لأنّه إن ترك ضاع وهلك ، لا خلاف بين أهل العلم في هذا ، وإنّما اختلفوا في لقطة المال ، وهذا الاختلاف إنّما هو إذا كانت بين قومٍ مأمونين والإمام عدل . أمّا إذا كانت بين قومٍ غير مأمونين فأخذها واجب قولاً واحداً .
ومن ذلك الالتزام بالولاية الشّرعيّة لحفظ مال الصّغير واليتيم والسّفيه . وينظر تفصيل ذلك في مواضعه .
( 7 ) الضّمان :
38 - الضّمان أثر من آثار الالتزام ، وهو يكون بإتلاف مال الغير أو الاعتداء عليه بالغصب أو السّرقة أو بالتّعدّي في الاستعمال المأذون فيه في المستعار والمستأجر أو بالتّفريط وترك الحفظ كما في الوديعة . يقول الكاسانيّ : تتغيّر صفة المستأجر من الأمانة إلى الضّمان بأشياء منها : ترك الحفظ ، لأنّ الأجير لمّا قبض المستأجر فقد التزم حفظه ، وترك الحفظ الملتزم سبب لوجوب الضّمان ، كالمودع إذا ترك الحفظ حتّى ضاعت الوديعة . وكذلك يضمن بالإتلاف والإفساد إذا كان الأجير متعدّياً فيه ، إذ الاستعمال المأذون فيه مقيّد بشرط السّلامة . ويقول السّيوطيّ : أسباب الضّمان أربعة :
الأوّل : العقد ، ومن أمثلته ضمان المبيع ، والثّمن المعيّن قبل القبض ، والمسلم فيه ، والمأجور .
والثّاني : اليد ، مؤتمنةً كانت كالوديعة والشّركة والوكالة والمقارضة إذا حصل التّعدّي ، أو غير مؤتمنةٍ كالغصب والسّوم والعاريّة والشّراء فاسداً .
والثّالث : الإتلاف للنّفس أو المال .
والرّابع : الحيلولة .
ويقول ابن رشدٍ : الموجب للضّمان إمّا المباشرة لأخذ المال المغصوب أو لإتلافه ، وإمّا المباشرة للسّبب المتلف ، وإمّا إثبات اليد عليه . وفي القواعد لابن رجبٍ : أسباب الضّمان ثلاثة : عقد ، ويد ، وإتلاف . وفي كلّ ذلك خلاف وتفصيلات وتفريعات تنظر في مواضعها .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:28 PM

حكم الوفاء بالالتزام وما يتعلّق به :
39 - الأصل في الالتزام أنّه يجب الوفاء به امتثالاً لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا أوفوا بالعقود } والمراد بالعقود كما يقول الفقهاء : ما عقده المرء على نفسه من بيعٍ وشراءٍ وإجارةٍ وكراءٍ ومناكحةٍ وطلاقٍ ومزارعةٍ ومصالحةٍ وتمليكٍ وتخييرٍ وعتقٍ وتدبيرٍ ، وكذلك العهود والذّمم الّتي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذّمّة والخوارج ، وما عقده الإنسان على نفسه للّه تعالى من الطّاعات كالحجّ والصّيام والاعتكاف والنّذر واليمين وما أشبه ذلك ، فيلزم الوفاء بها . وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « المسلمون على شروطهم » عامّ في إيجاب الوفاء بجميع ما يشرطه الإنسان على نفسه ، ما لم تقم دلالة تخصّصه .
لكن هذا الحكم ليس عامّاً في كلّ الالتزامات ، وذلك لتنوّع الالتزامات بحسب اللّزوم وعدمه وبيان ذلك فيما يأتي :
( 1 ) الالتزامات الّتي يجب الوفاء بها :
40 - أ - الالتزامات الّتي تنشأ بسبب العقود اللّازمة بين الطّرفين ، كالبيع والإجارة والصّلح وعقود الذّمّة ، فهذه الالتزامات متى تمّت صحيحةً لازمةً وجب الوفاء بها ما لم يحدث ما يقتضي الفسخ ، كالهلاك والاستحقاق والرّدّ بالعيب ، وهذا شامل للأعيان الواجب تسليمها ، وللدّيون الّتي تكون في الذّمم كبدل القرض وثمن المبيع والأجرة في الإجارة أو الّتي تنشأ نتيجة إنفاذ مال الغير على خلافٍ وتفصيلٍ .
ب - الالتزامات الّتي تنشأ نتيجة التّعدّي بالغصب أو السّرقة أو الإتلاف أو التّفريط .
ج - الأمانات الّتي تكون عند الملتزم ، سواء أكانت بموجب عقدٍ كالوديعة ، أم لم تكن كاللّقطة وكمن أطارت الرّيح ثوباً إلى داره .
د - نذر القربات ، وهو ما يلتزم به الإنسان من قرباتٍ بدنيّةٍ أو ماليّةٍ طاعةً وتقرّباً إلى اللّه سبحانه وتعالى .
هـ- الالتزامات التّكليفيّة الشّرعيّة ، ومنها النّفقات الواجبة . فهذه الالتزامات لا خلاف في وجوب الوفاء بها ، منجزةً إن كانت كذلك ، وبعد تحقّق الشّرط المشروع إن كانت معلّقةً ، وعند دخول الوقت إن كانت مضافةً ، وسواء أكان الوفاء لا يجب إلاّ بعد الطّلب أم يجب بدونه . ويتحقّق الوفاء بالأداء والتّسليم أو القيام بالعمل أو الإبراء أو المقاصّة وهكذا . ودليل الوجوب الآية السّابقة ، وكذلك قوله تعالى : { وأوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم } وقوله تعالى : { وليوفوا نذورهم } وقوله تعالى : { فليؤدّ الّذي اؤتمن أمانته } .
والتّخلّف عن الوفاء بغير عذرٍ يستوجب العقوبة الدّنيويّة والأخرويّة ، إذ العقوبة واجبة لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته » فعقوبته حبسه ، وعرضه أن يحلّ القول في عرضه بالإغلاظ . وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مطل الغنيّ ظلم » .
ولذلك يجبر الممتنع عن الوفاء بالضّرب أو الحبس أو الحجر ومنع التّصرّف في المال ، أو بيع مال الملتزم والوفاء منه . إلاّ إذا كان الملتزم معسراً فيجب إنظاره لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرة إلى ميسرةٍ } .
41 - وما سبق إنّما هو في الجملة ، إذ للفقهاء في ذلك تفصيلات وتفريعات ، ومن ذلك مثلاً : اختلافهم في الإجبار على الوفاء بالنّذر المشروع عند الامتناع ، فعند المالكيّة يقضى بالنّذر المطلق إذا كان لمعيّنٍ ، وإن كان لغير معيّنٍ يؤمر بالوفاء ولا يقضى به على المشهور ، وقيل يقضى به ، وفيه الخلاف أيضاً عند الشّافعيّة . ومن ذلك أنّ أبا حنيفة لا يجيز الحجر في الدّين ، لأنّ في الحجر إهدار آدميّة المدين ، بل لا يجيز للحاكم التّصرّف في ماله ، وإنّما يجبره على بيعه لوفاء دينه . وهكذا ، وينظر تفصيل ذلك في مواضعه .
(2 )- التزامات يستحبّ الوفاء بها ولا يجب :
42 - أ - الالتزامات الّتي تنشأ من عقود التّبرّعات كالقرض والهبة والعاريّة والوصيّة .
ب - الالتزام النّاشئ بالوعد ، فهذه الالتزامات يستحبّ الوفاء بها ، لأنّها من المعروف الّذي ندب إليه الشّارع ، يقول اللّه تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى } ويقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من نفّس عن مسلمٍ كربةٍ من كرب الدّنيا نفّس اللّه عنه كربةً من كرب يوم القيامة » ويقول : « تهادوا تحابّوا » .
لكن لا يجب الوفاء بها ، ففي الوصيّة يجوز بالاتّفاق الرّجوع فيها ما دام الموصي حيّاً . وفي العاريّة والقرض يجوز الرّجوع بطلب المستعار وبدل القرض في الحال بعد القبض ، وهذا عند غير المالكيّة ، بل قال الجمهور : إنّ المقرض إذا أجّل القرض لا يلزمه التّأجيل ، لأنّه لو لزم فيه الأجل لم يبق تبرّعاً .
أمّا المالكيّة فإنّ العاريّة والقرض إذا كانا مؤجّلين فذلك لازم إلى أن ينقضي الأجل ، وإن كانا مطلقين لزم البقاء فترةً ينتفع بمثله فيها ، واستندوا إلى ما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم« أنّه ذكر رجلاً سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينارٍ فدفعها إليه إلى أجلٍ مسمًّى » . وقال ابن عمر وعطاء : إذا أجّله في القرض جاز .
ويجوز الرّجوع في الهبة قبل القبض عند الجمهور ، فإذا تمّ القبض فلا رجوع عند الشّافعيّة والحنابلة إلاّ فيما وهب الوالد لولده ، وعند الحنفيّة يجوز الرّجوع إن كانت لأجنبيٍّ .
أمّا المالكيّة فلا رجوع عندهم في الهبة قبل القبض وبعده في الجملة ، إلاّ فيما يهبه الوالد لولده . وينظر تفصيل ذلك في مواضعه .
43 - والوعد كذلك يستحبّ الوفاء به باتّفاقٍ . يقول القرافيّ : من أدب العبد مع ربّه إذا وعد ربّه بشيءٍ لا يخلفه إيّاه ، لا سيّما إذا التزمه وصمّم عليه ، فأدب العبد مع اللّه سبحانه وتعالى بحسن الوفاء وتلقّي هذه الالتزامات بالقبول .
لكن الوفاء به ليس بواجبٍ في الجملة ، ففي البدائع : الوعد لا شيء فيه وليس بلازمٍ ، وفي منتهى الإرادات : لا يلزم الوفاء بالوعد نصّاً ، وفي نهاية المحتاج : لو قال : أؤدّي المال أو أحضر الشّخص ، فهو وعد لا يلزم الوفاء به ، لأنّ الصّيغة غير مشعرةٍ بالالتزام .
إلاّ أنّه إذا كانت هناك حاجة تستدعي الوفاء بالوعد فإنّه يجب الوفاء به . فقد نقل ابن عابدين عن جامع الفصولين : لو ذكر البيع بلا شرطٍ ، ثمّ ذكر الشّرط على وجه العدة ، جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد ، إذ المواعيد قد تكون لازمةً فيجعل لازماً لحاجة النّاس . والمشهور عند المالكيّة أنّ الوعد يلزم ويقضى به إذا دخل الموعود بسبب الوعد في شيءٍ ، قال سحنونٍ : الّذي يلزم من الوعد إذا قال : اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به ، أو اخرج إلى الحجّ أو اشتر سلعةً أو تزوّج وأنا أسلفك ، لأنّك أدخلته بوعدك في ذلك ، أمّا مجرّد الوعد فلا يلزم الوفاء به ، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق .
وقال القليوبيّ : قولهم الوعد لا يجب الوفاء به مشكل ، لمخالفته ظاهر الآيات والسّنّة ، ولأنّ خلفه كذب ، وهو من خصال المنافقين .
( 3 ) التزامات يجوز الوفاء بها ولا يجب :
44 - أ - الالتزامات الّتي تنشأ نتيجة العقود الجائزة بين الطّرفين ، كالوكالة والشّركة والقراض ، فهذه يجوز لكلٍّ من الطّرفين فسخها وعدم الالتزام بمقتضاها ، هذا مع مراعاة ما يشترطه بعض الفقهاء حين الفسخ من نضوض رأس المال في المضاربة ، وكتعلّق حقّ الغير بالوكالة .
ب - نذر المباح : يقول القرطبيّ : نذر المباح لا يلزم بإجماعٍ من الأمّة ، وقال ابن قدامة : نذر المباح ، كلبس الثّوب وركوب الدّابّة وطلاق المرأة على وجهٍ مباحٍ ، فهذا يتخيّر فيه النّاذر بين فعله فيبرّ ، وإن شاء تركه وعليه كفّارة يمينٍ ، ويتخرّج أن لا كفّارة عليه .
( 4) التزامات يحرم الوفاء بها :
45 - الالتزام بما لا يلزم لا يجب فيه الوفاء ، بل قد يكون الوفاء حراماً ، وذلك إذا كان التزاماً بمعصيةٍ . ومن ذلك :
أ - نذر المعصية حرام باتّفاقٍ ، فمن قال : للّه عليّ أن أشرب الخمر ، أو أقتل فلاناً ، فإنّ هذا الالتزام حرام في ذاته ، وأيضاً يحرم الوفاء به ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه » وفي وجوب الكفّارة خلاف ( ر : نذر - كفّارة ) .
ب - وكذلك اليمين على فعلٍ محرّمٍ ، فمن حلف على ترك واجبٍ أو فعل حرامٍ ، فقد عصى بيمينه . ولزمه الحنث والكفّارة . ( ر : كفّارة - أيمان ) .
ج - الالتزام المعلّق على فعلٍ محرّمٍ على الملتزم له ، كقوله : إن قتلت فلاناً أو شربت الخمر فلك كذا وكذا ، فإنّه حرام يحرم الوفاء به .
د - ما كان الالتزام فيه بإسقاط حقّ اللّه أو حقّ غير الملتزم ، فلا يجوز الصّلح عن حقّ اللّه كدعوى حدٍّ ، ولا عن حقّ الغير ، فلو أنّ امرأةً طلّقها زوجها وادّعت عليه صبيّاً في يده أنّه ابنه منها وجحد الرّجل ، فصالحت عن النّسب على شيءٍ ، فالصّلح باطل ، لأنّ النّسب حقّ الصّبيّ . ولو باع ذهباً بفضّةٍ مؤجّلاً لم يصحّ ، لأنّ القبض في الصّرف لحقّ اللّه .
هـ- الشّروط الباطلة لا يجوز الالتزام بها ومن ذلك :
46- من خالع زوجته على أن تتحمّل بالولد مدّةً معيّنةً وشرط عليها ألاّ تتزوّج بعد الحولين ( مدّة الرّضاع ) أي أنّه شرط عليها ترك النّكاح بعد الحولين ، فلا اختلاف أنّ ذلك لا يلزمها الوفاء به ، لأنّ هذا الشّرط فيه تحريم ما أحلّ اللّه . والخلع صحيح .
ومن ذلك ما يقوله المالكيّة فيمن باع حائطه ( حديقته ) وشرط في عقد البيع أنّ الجائحة لا توضع عن المشتري ، فالبيع جائز والشّرط باطل ، ولا يلتزم به المشتري .
وفي البدائع للكاسانيّ : لو وهب داراً على أن يبيعها ، أو على أن يبيعها لفلانٍ ، أو على أن يردّها عليه بعد شهرٍ جازت الهبة وبطل الشّرط . وهي شروط تخالف مقتضى العقد ، فتبطل ويبقى العقد على الصّحّة ، بخلاف البيع .
وفي المهذّب : لو شرط في القرض شرطاً فاسداً بطل الشّرط ، وفي القرض وجهان . والأمثلة من هذا النّوع كثيرة . ( ر : بيع - اشتراط ) .
وفي حالة عقد الهدنة يستثنى حالة الضّرورة أو الحاجة . جاء في جواهر الإكليل ، يجوز للإمام مهادنة الحربيّين لمصلحةٍ ، إن خلت المهادنة عن شرطٍ فاسدٍ ، كأن كانت على مالٍ يدفعه لهم فلا يجوز ، لقوله تعالى :{ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } إلاّ لضرورة التّخلّص منهم خوف استيلائهم على المسلمين ، فيجوز دفع المال لهم ، « وقد شاور النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه في مثل ذلك »، فلو لم يكن الإعطاء جائزاً عند الضّرورة ما شاور فيه .
وفي الأشباه لابن نجيمٍ ، ومثله في المنثور للزّركشيّ : ما حرم أخذه حرم إعطاؤه ، كالرّبا ومهر البغيّ وحلوان الكاهن والرّشوة للحاكم إذا بذلها ليحكم له بغير الحقّ ، إلاّ في مسائل في الرّشوة لخوفٍ على نفسه أو ماله أو لفكّ أسيرٍ أو لمن يخاف هجوه . وينبغي أن يكون مثله إعطاء الرّبا للضّرورة فيأثم المقرض دون المقترض .
الأوصاف المغيّرة لآثار الالتزام :
إذا تمّت التّصرّفات الملزمة بأيّ نوعٍ من أنواع الالتزام مستوفيةً أركانها وشرائطها ترتّبت عليها آثارها ووجب تنفيذ الالتزام . لكن قد يتّصل بالتّصرّف بعض الأوصاف الّتي تغيّر من آثار الالتزام ، فتوقفه أو تزيد عليه التزاماً آخر أو تبطله ، وبيان ذلك فيما يأتي :
أوّلاً : الخيارات :
47 - من الخيارات ما يتّصل بالتّصرّف ، فيتوقّف لزومه ويتأخّر تنفيذ الالتزام إلى أن يبتّ فيها ، فيتبيّن ما ينفذ وما لا ينفذ . والخيارات كثيرة ، ولكنّا نكتفي بالخيارات المشهورة عند الحنفيّة . وهي خيار الشّرط والتّعيين والرّؤية والعيب .
يقول ابن عابدين : من الخيارات ما يمنع ابتداء الحكم ، وهما خيار الشّرط والتّعيين ، ومنه ما يمنع تمام الحكم كخيار الرّؤية ، ومنه ما يمنع لزومه كخيار العيب .
ويقول الكاسانيّ : شرائط لزوم البيع بعد انعقاده ونفاذه وصحّته أن يكون خالياً من خياراتٍ أربعةٍ : خيار الشّرط ، والتّعيين والرّؤية ، والعيب . فلا يلزم مع هذه الخيارات إذ لا بدّ للّزوم من الرّضى لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم } .
وفي الموضوع تفصيلات كثيرة بالنّسبة للتّصرّفات الّتي تدخلها الخيارات والتّصرّفات الّتي لا تدخلها ، وبالنّسبة لما هو عند المذاهب الأخرى ، فخيار التّعيين مثلاً لا يأخذ به الشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة لمخالفته للقياس . وكذلك خيار الرّؤية بالنّسبة للشّافعيّة ، ولغيرهم تفصيل فيه . ( ر : خيار )
ثانياً : الشّروط :
48 - الشّرط قد يكون تعليقيّاً ، وقد يكون تقييديّاً : فالشّرط التّعليقيّ : هو ربط وجود الشّيء بوجود غيره ، أي أنّ الملتزم يعلّق تنفيذ التزامه على وجود ما شرطه . وبذلك يكون أثر الشّرط التّعليقيّ في الالتزام هو توقّف تنفيذ الالتزام حتّى يحصل الشّرط ، فعند المالكيّة مثلاً إذا قال لشخصٍ : إن بنيت بيتك ، أو إن تزوّجت فلك كذا فهو لازم ، إذا وقع المعلّق عليه . وهذا طبعاً في التّصرّفات الّتي تقبل التّعليق ، كالإسقاطات والإطلاقات والالتزام بالقرب بالنّذر . أمّا التّصرّفات الّتي لا تقبل التّعليق كالبيع والنّكاح ، فإنّ التّعليق يمنع الانعقاد لعدم صحّة التّصرّفات حينئذٍ . ( ر : شرط - تعليق ) .
وأمّا الشّرط التّقييديّ فهو ما جزم فيه بالأصل وشرط فيه أمراً آخر .
وأمّا أثره في الالتزام ، فإن كان صحيحاً ، فما كان منه ملائماً للتّصرّف ، كمن يبيع ويشترط على المشتري أن يعطيه بالثّمن رهناً أو كفيلاً ... أو كان جرى به التّعامل بين النّاس كمن يشتري جراباً على أن يخرزه له البائع ... فإنّه ينشئ التزاماً زائداً على الالتزام الأصليّ ، كما هو واضح من الأمثلة ويجب الوفاء به . أمّا إن كان مؤكّداً لمقتضى التّصرّف ، كاشتراط التّسليم في البيع مثلاً ، فلا أثر له في الالتزام ، إذ الشّرط هنا تأكيد وبيان لمقتضى الالتزام . وإن كان الشّرط فاسداً ، فإن كان لا يقتضيه التّصرّف وليس ملائماً له ولا جرى به التّعامل بين النّاس وفيه منفعة لها صاحب يطالب بها ، كمن يبيع الدّار على أن يسكنها البائع شهراً ، أو الثّوب على أن يلبسه أسبوعاً ، فإنّ هذا الشّرط فاسد ويفسد معه التّصرّف ، وبالتّالي يفسد الالتزام الأصليّ للتّصرّف حيث قد فسد مصدره .
وهذا عند الحنفيّة ، وهو يجري في عقود المبادلات الماليّة فقط ، خلافاً للتّبرّعات كالهبة حيث يفسد الشّرط ويبقى التّصرّف في الالتزام به كما هو ، ويصبح الشّرط لا أثر له في الالتزام .
وأمّا عند الشّافعيّة فإنّ مثل هذا الشّرط يفسد ، ويفسد معه التّصرّف ، ويجرون هذا في كلّ التّصرّفات .
أمّا المالكيّة ، فإنّ الشّرط الّذي يفسد التّصرّف عندهم ، فهو ما كان منافياً لمقتضى العقد ، أو كان مخلّاً بالثّمن . وقريب من هذا مذهب الحنابلة . إذ هو عندهم : ما كان منافياً لمقتضى العقد ، أو كان العقد يشتمل على شرطه . أمّا ما كان فيه منفعة لأحدٍ ، فإنّه غير فاسدٍ عندهم إذا كانت المنفعة معلومةً . فمن يبيع الدّار ويشترط سكناها شهراً مثلاً فشرطه صحيح ويجب الوفاء به . واستدلّوا بحديث جابرٍ أنّه « باع النّبيّ صلى الله عليه وسلم جملاً ، واشترط ظهره إلى المدينة أي ركوبه » ، وفي لفظٍ قال : « بعته واستثنيت حملانه إلى أهلي » .
على أنّ الجمهور ومعهم أبو حنيفة متّفقون على أنّ من باع عبداً واشترط أن يعتقه المشتري فهو شرط صحيح يجب الوفاء به ، لتشوّف الشّارع للحرّيّة ، بل إنّ من الفقهاء من قال : يجبر المشتري على ذلك .
وأمّا إن كان الشّرط بغير ما ذكر ، فإنّه يفسد هو ويبقى التّصرّف صحيحاً فيجب الوفاء به . وفي الموضوع تفصيلات كثيرة ( ر : اشتراط ، شرط ) .
ثالثاً : الأجل :
49 - الأجل هو المدّة المتّفق عليها المستقبلة المحقّقة الوقوع . والالتزام قد يكون مؤجّلاً إذا كان الأجل أجل توقيتٍ ، فإنّه يجعل تنفيذ الالتزام مستمرّاً طوال المدّة المحدّدة حتّى تنتهي ، فمن أجّر داراً لمدّة شهرٍ أصبح من حقّ المستأجر الانتفاع بالدّار في هذه المدّة ولا يجوز للملتزم - وهو المؤجّر - أن يطالبه بتسليم الدّار قبل انتهاء الأجل المضروب .
وإذا كان أجل إضافةٍ ، فإنّ تنفيذ الالتزام لا يبدأ إلاّ عند حلول الأجل ، فالدّين المؤجّل إلى رمضان يمنع الدّائن من المطالبة قبل دخول رمضان . فإذا حلّ الأجل وجب على الملتزم بالدّين الوفاء ، وصار من حقّ الدّائن المطالبة بدينه .
والتّصرّفات تختلف بالنّسبة للأجل توقيتاً أو إضافةً ، فمنها ما هو مؤقّت أو مضاف بطبيعته ، كالإجارة والمساقاة والوصيّة ، ومنها ما هو منجز ولا يقبل التّأقيت بحالٍ كالصّرف والنّكاح ، وإذا دخلهما التّأقيت بطلا ، ويكون أثر التّأقيت هنا بطلان الأجل .
وأمّا العقد فيبطل في الصّرف إجماعاً . وفي النّكاح عند الأكثرين .
ومنها ما يكون الأصل فيه التّنجيز كالثّمن في البيع لكن يجوز تأجيله إرفاقاً فيتغيّر أثر الالتزام من التّسليم الفوريّ إلى تأخيره إلى الأجل المحدّد .
على أنّ التّصرّفات الّتي تقبل التّأجيل يشترط فيها في الجملة : أن يكون الأجل معلوماً ، إذ في الجهالة غرر يؤدّي إلى النّزاع ، وألاّ يعتاض عن الأجل ، إذ الاعتياض عنه يؤدّي إلى الرّبا . ويكون الأثر حينئذٍ بطلان الشّرط . وهذا في الجملة كما ذكرنا ، إذ من التّصرّفات ما يكون الأجل فيه مجهولاً بطبيعته ، كالجعالة والوصيّة ، ويلحق بهما الوكالة والقراض والإذن في التّجارة إذا لم يحدّد للعمل مدّةً . كذلك التّبرّعات عند المالكيّة تجوز إلى أجلٍ مجهولٍ . وفي كلّ ذلك تفصيلات مطوّلة تنظر في مواضعها وفي ( بحث : أجل ) .
توثيق الالتزام :
50 - توثيق الالتزام - أي إحكامه وإثباته - أمر مشروع لاحتياج النّاس إلى معاملة من لا يعرفونه ، خشية جحد الحقوق أو ضياعها . وقد شرع اللّه سبحانه وتعالى للنّاس ما يضمن لهم حقوقهم بتوثيقها ، وجعل لذلك طرقاً متعدّدةً وهي :
( 1 ) الكتابة والإشهاد :
51 - شرع اللّه سبحانه وتعالى الكتابة والإشهاد صيانةً للحقوق ، وذلك في قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمًّى فاكتبوه } .. { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } .. { وأشهدوا إذا تبايعتم } وقد أوجب الشّرع توثيق بعض الالتزامات لخطره كالنّكاح ، وقريب منه طلب الشّفعة فلا تثبت عند الإنكار إلاّ بالبيّنة ، ومثله الإشهاد عند دفع مال اليتيم إليه عند البلوغ والرّشد .
ومن الالتزامات ما اختلف في وجوب الإشهاد فيه أو استحبابه ، كالبيع والإجارة والسّلم والقرض والرّجعة .
والشّهادة تعتبر من البيّنات الّتي يثبت بها الحقّ . ولبيان ما يجب فيه الإشهاد وما لا يجب ، وبيان شروط الشّهادة في الحقوق من حيث التّحمّل والأداء والعدد وصفة الشّاهد والمشهود به ينظر : ( إثبات ، إشهاد - شهادة - أداء - تحمّل ) .
( 2 ) الرّهن :
52 - الرّهن شرع كذلك لتوثيق الالتزامات ، لأنّه احتباس العين ليستوفي الحقّ من ثمنها ، أو من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم . والأصل في مشروعيّته قول اللّه تعالى : { وإن كنتم على سفرٍ ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة } . وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « اشترى طعاماً من يهوديٍّ إلى أجلٍ ورهنه درعاً من حديدٍ » .
والرّهن مشروع بطريق النّدب لا بطريق الوجوب ، بدليل قول اللّه تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدّ الّذي اؤتمن أمانته } ، ولأنّه أمر به عند عدم تيسّر الكتابة ، والكتابة غير واجبةٍ فكذلك بدلها .
هذا وللرّهن شروط من حيث كونه مقبوضاً وكونه بدينٍ لازمٍ وغير ذلك ( ر : رهن ) .
( 3 ) الضّمان والكفالة :
53 - الضّمان والكفالة قد يستعملان بمعنًى واحدٍ ، وقد يستعمل الضّمان للدّين ، والكفالة للنّفس . وهما مشروعان أيضاً ليتوثّق بهما الالتزام . والأصل في ذلك قول اللّه تعالى في قصّة يوسف : { ولمن جاء به حمل بعيرٍ وأنا به زعيم } .
وفي كلّ ذلك تفصيلات واختلافات للفقهاء تنظر في موضعها ( ر : كفالة ) .
أمّا بالنّسبة للتّصرّفات الّتي يدخلها التّوثيق والّتي لا يدخلها ، فقد قال السّيوطيّ : الوثائق المتعلّقة بالأعيان ثلاثة : الرّهن والكفالة والشّهادة ، ثمّ قال : من العقود ما تدخله الثّلاثة كالبيع والسّلم والقرض ، ومنها ما تدخله الشّهادة دونهما وهو المساقاة - جزم به الماورديّ - ونجوم الكتابة . ومنها ما تدخله الشّهادة والكفالة دون الرّهن وهو الجعالة .
ومنها ما تدخله الكفالة دونهما وهو ضمان الدّرك . ثمّ قال : ليس لنا عقد يجب فيه الإشهاد من غير تقييدٍ إلاّ النّكاح قطعاً ، والرّجعة على قولٍ ، وعقد الخلافة على وجهٍ ، وممّا قيل بوجوب الإشهاد فيه من غير العقود : اللّقطة على وجهٍ ، واللّقيط على الأصحّ لخوف إرقاقه . وقد زاد الزّركشيّ أروش الجنايات المستقرّة فيما يدخله الثّلاثة .
وقد اعتبر الزّركشيّ أنّ التّوثيق لا ينحصر في هذه الثّلاثة ( الشّهادة والرّهن والكفالة ) وإنّما اعتبر منها : الحبس على الحقوق إلى الوفاء ، ومنها حبس المبيع حتّى يقبض الثّمن ، وكذلك منع المرأة تسليم نفسها حتّى تقبض معجّل المهر ..
انتقال الالتزام :
54 - يجوز انتقال الالتزام بالدّين من ذمّةٍ إلى ذمّةٍ أخرى ، إذ هو نوع من التّوثيق بمنزلة الكفالة ، وهو ما يسمّى بالحوالة ، وهي معاملة صحيحة مستثناة من بيع الدّين بالدّين فجازت للحاجة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مطل الغنيّ ظلم . وإذا أحيل أحدكم على مليءٍ فليتبع » . وللتّفصيل ومعرفة الخلاف ( ر : حوالة ) .
إثبات الالتزام :
55 - إثبات الالتزام إنّما يحتاج إليه عند إنكار الملتزم . وفي هذه الحالة يكون على الملتزم له ( صاحب الحقّ ) إثبات حقّه ، عملاً بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « البيّنة على من ادّعى ، واليمين على من أنكر » . وللقاضي - إن لم يظهر صاحب الحقّ بيّنته - أن يسأله : ألك بيّنة ؟ لما روي « أنّه جاء رجل من حضرموت ، ورجل من كندة ، إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال الحضرميّ : يا رسول اللّه إنّ هذا قد غلبني على أرضٍ لي كانت لأبي ، فقال الكنديّ : هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حقّ ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم للحضرميّ : ألك بيّنة ؟ قال : لا ، قال : فلك يمينه » . وللإثبات طرق متعدّدة كالإقرار والشّهادة واليمين والنّكول والقسامة وغير ذلك ( ر : إثبات ) .
انقضاء الالتزام :
56 - الأصل أنّ الالتزام ينقضي بوفاء الملتزم وتنفيذه ما التزم به من تسليم عينٍ أو دينٍ ، كتسليم المبيع للمشتري ، والثّمن للبائع ، والمأجور للمستأجر ، والأجرة للمؤجّر والموهوب للمتّهب وبدل القرض للمقرض وهكذا .
وينقضي الالتزام أيضاً بالقيام بالعمل الملتزم به في إجارةٍ أو استصناعٍ أو مساقاةٍ أو وكالةٍ أو مضاربةٍ ، وبانقضاء المدّة في التّصرّف المقيّد بالزّمن كالإجارة المحدّدة .
57 - وقد ينقضي الالتزام بغير هذا ومن أمثلة ذلك :
( 1 ) إبراء الدّائن للمدين .
(2 ) - الفسخ أو العزل في العقود الجائزة كالوكالة والشّركة والقراض الوديعة ، إلاّ إذا اقتضى فسخها ضرراً على الطّرف الآخر .
يقول السّيوطيّ : الشّركة والوكالة والعاريّة الوديعة والقراض كلّها تنفسخ بالعزل من المتعاقدين أو أحدهما .
وفي المنثور للزّركشيّ : العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها ضرراً على الطّرف الآخر امتنع وصارت لازمةً . ولهذا قال النّوويّ : للوصيّ عزل نفسه إلاّ أن يتعيّن عليه أو يغلب على ظنّه تلف المال باستيلاء ظالمٍ .
ويجري مثله في الشّريك والمقارض ، وقد قالوا في العامل إذا فسخ القراض : عليه التّقاضي والاستيفاء ، لأنّ الدّين ملك ناقص ، وقد أخذه منه كاملاً ، فليردّه كما أخذه ، وظاهر كلامهم أنّه لا ينعزل حتّى ينضّ المال .
( 3 ) الرّجوع في التّبرّعات قبل القبض كالوصيّة والهبة ، وبعد القبض في العاريّة والقرض عند غير المالكيّة .
( 4 ) المقاصّة في الدّيون .
( 5 ) انعدام الأهليّة في العقود الجائزة كالجنون والموت .
( 6 ) الفلس أو مرض الموت في التّبرّعات قبل القبض .
( 7 ) عدم إمكان التّنفيذ ، كهلاك المبيع قبل القبض .
يقول الكاسانيّ : هلاك المبيع قبل القبض ، إن هلك كلّه قبل القبض بآفةٍ سماويّةٍ انفسخ البيع ، لأنّه لو بقي أوجب مطالبة المشتري بالثّمن ، وإذا طالبه بالثّمن فهو يطالبه بتسليم المبيع ، وأنّه عاجز عن التّسليم فتمتنع المطالبة أصلاً ، فلم يكن في بقاء البيع فائدة فينفسخ ، وكذلك إذا هلك بفعل المبيع بأن كان حيواناً فقتل نفسه ، وكذا إذا هلك بفعل البائع يبطل البيع ويسقط الثّمن عن المشتري عندنا .
وإن هلك بفعل المشتري لا ينفسخ البيع وعليه الثّمن ، لأنّه بالإتلاف صار قابضاً ..

التصاق *
التّعريف :
1 - التصق والتزق بمعنًى واحدٍ ، والتصق بالشّيء : لزق وعلق به ، والالتصاق : اتّصال الشّيء بالشّيء بحيث لا يكون بينهما فجوة بتلزّجٍ أو تماسكٍ أو تماسٍّ .
والفقهاء يستعملونه بالمعنى نفسه .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:28 PM

الحكم الإجماليّ :
2 - الالتصاق من الأمور الّتي قد تحدث تلقائيّاً ، كالتصاق الدّور ، والتصاق أوراق الشّجر بالماء ، وكالتصاق عضوٍ زائدٍ بجسمٍ . وقد يحدث بقصدٍ كلصق جبيرةٍ على جرحٍ .
وسواء حدث الالتصاق بقصدٍ أو بغير قصدٍ فإنّه قد يترتّب عليه بعض الأحكام .
3 - فالتصاق الدّارين مثلاً في سكّةٍ نافذةٍ يعطي أحد الجارين الملاصقين الأولويّة في الشّفعة ، إذا أراد الآخر بيع داره ، وهذا كما يقول الحنفيّة . إذ لا شفعة بالجوار عند غيرهم . والتصاق الجبيرة على الجرح يترتّب عليه جواز المسح على الجبيرة في الطّهارة .
4- على أنّ الالتصاق منه ما هو واجب ، كالتصاق الجبهة بالأرض في السّجود . ومنه ما هو حرام كالتصاق رجلين أو امرأتين في ثوبٍ واحدٍ بدون حائلٍ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يفضي الرّجل ، إلى الرّجل ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوبٍ واحدٍ » . ويكون مكروهاً إذا كان بحائلٍ وبدون قصد التّلذّذ .
مواطن البحث :
5 - يأتي الالتصاق في مواطن متعدّدةٍ ، ومن ذلك : التصاق الثّوب بالجسم في الصّلاة ، وينظر في ( ستر العورة ) .
وفي التصاق الدّارين ، وإساءة أحد صاحب الدّارين إلى الآخر وينظر في ( جناية - إتلاف ارتفاق - شفعة ) وفي ما انحسر عنه البحر ، وينظر في ( إحياء الموات ) .
وفي التصاق عضوين في الجسم وينظر في ( طهارة ) .

التفات *
التّعريف :
1 - الالتفات : هو لغةً : الانصراف إلى جهة اليمين أو الشّمال .
وعند الفقهاء لا يختلف استعمال اللّفظ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - انحراف :
الانحراف هو : الميل عن الشّيء ، وهو غير الالتفات ، فقد يميل الإنسان وهو في نفس الاتّجاه .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
الالتفات تارةً يطلب شرعاً ، وأحياناً ينهى عنه .
3 - وممّا يطلب فيه الالتفات : الأذان ، فعند الحيعلتين يستحبّ الالتفات عند أغلب الفقهاء ، لفعل بلالٍ رضي الله عنه ، واستثنى بعض الفقهاء من ذلك ما إذا كان يؤذّن لنفسه ، أو لجماعةٍ صغيرةٍ ، أو لمولودٍ . وللالتفات كيفيّات ثلاث يذكرها الفقهاء في ( الأذان ) .
ويسنّ الالتفات كذلك عند تسليم المصلّي ، يلتفت يميناً وشمالاً ، روى النّسائيّ عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسلّم عن يمينه : السّلام عليكم ورحمة اللّه ، حتّى يرى بياض خدّه الأيمن ، وعن يساره : السّلام عليكم ورحمة اللّه ، حتّى يرى بياض خدّه الأيسر » . وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في ( التّسليم ) .
4 - أمّا الالتفات المنهيّ عنه ، فمنه : الالتفات في الصّلاة ، وهو إمّا بالوجه أو بغيره ، فعند الأئمّة الأربعة يكره الالتفات بالوجه في الصّلاة ، عن أنسٍ رضي الله عنه قال لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « يا بنيّ إيّاك والالتفات في الصّلاة ، فإنّ الالتفات في الصّلاة هلكة ، فإن كان لا بدّ ففي التّطوّع لا في الفريضة » .
أمّا الالتفات بالصّدر أو بالبدن كلّه فمن الفقهاء من كره ذلك ، ومنهم من قال : تبطل به الصّلاة إن حوّل قدميه ، وتفصيل ذلك كلّه يذكره الفقهاء في ( استقبال القبلة ) .
وفي الخطبة نصّ الفقهاء على كراهة التفات الخطيب ، ومنهم من ذكر كراهية التفات المستمع ، وتفصيل ذلك بيّنه الفقهاء في ( خطبة الجمعة ) .

التقاء الختانين *
انظر : وطء .

التقاط *
انظر : لقطة .

التماس *
التّعريف :
1 - الالتماس لغةً : الطّلب ، والتّلمّس : التّطلّب مرّةً بعد أخرى .
واصطلاحاً : هو الطّلب مع التّساوي بين الأمر والمأمور .
الحكم الإجماليّ :
2 - قد يكون الالتماس مطلوباً أو ممنوعاً .
3 - فالالتماس المطلوب مثل : التماس رؤية هلال رمضان ، وهو واجب عند الحنفيّة ، ومندوب عند جمهور الفقهاء . والتماس الماء قبل التّيمّم فإنّه واجب عند الفقهاء - ر - ( صيام وتيمّم ) .
والتماس ليلة القدر في قيام اللّيل ، فإنّه مستحبّ . ( ر - صيام - قيام اللّيل ) .
4 - أمّا الالتماس الممنوع ، فهو إذا كان الشّيء الملتمس قد حرّمه الشّرع ، كالتماس الخمر وبقيّة المحظورات الّتي حرّمها الشّارع . ( ر - أشربة ) .

ألثغ *
التّعريف :
1 - الألثغ لغةً : من به لثغة ، واللّثغة : حبسة في اللّسان حتّى تصير الرّاء لاماً أو غيناً ، أو السّين ثاءً ونحو ذلك .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - الأرتّ ، وهو من يدغم الحرف في الحرف ممّا لا يدغم في كلام النّاس .
والتّأتاء ، وهو من يكرّر التّاء .
والفأفاء ، وهو من يكرّر الفاء ..
الحكم الإجماليّ :
3 - اللّثغة صفة نقصٍ في إمام الصّلاة .
فذهب الجمهور : الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة في قولٍ ، والحنابلة سوى القاضي منهم ، إلى إلحاق الألثغ بالأمّيّ في الإمامة ، فيمنع اقتداء السّالم به ، ويجوز له أن يؤمّ مثله ، وذهب المالكيّة في قولٍ آخر ، والقاضي من الحنابلة إلى صحّة إمامته مع الكراهة ، فيأثم المقتدي به إن وجد غيره ممّن يحسن القراءة ، وإلاّ فلا .
غير أنّ الشّافعيّة اشترطوا لصحّة إمامة الألثغ بمثله أن تكون اللّثغة في كلمةٍ واحدةٍ . فإن كان أحدهما يلثغ في كلمةٍ ، والآخر يلثغ في غيرها لم تصحّ إمامة أحدهما للآخر .
قال ابن تيميّة : وأمّا من لا يقيم قراءة الفاتحة ، فلا يصلّي خلفه إلاّ من هو مثله ، فلا يصلّي خلف الألثغ الّذي يبدّل حرفاً بحرفٍ ، إلاّ حرف الضّاد إذا أخرجه من طرف الفم ، كما هو عادة كثيرٍ من النّاس ، فهذا فيه وجهان :
منهم من قال : لا يصلّي خلفه ، ولا تصحّ صلاته في نفسه ، لأنّه أبدل حرفاً بحرفٍ ، لأنّ مخرج الضّاد الشّدق ، ومخرج الظّاء طرف الأسنان . فإذا قال : ( ولا الظّالّين ) كان معناه ظلّ يفعل كذا .
والوجه الثّاني : تصحّ ، وهذا أقرب ، لأنّ الحرفين في السّمع شيء واحد ، وحسّ أحدهما من جنس حسّ الآخر لتشابه المخرجين . والقارئ إنّما يقصد الضّلال المخالف للهدى ، وهو الّذي يفهمه المستمع ، فأمّا المعنى المأخوذ من ظلّ فلا يخطر ببال واحدٍ ، وهذا بخلاف الحرفين المختلفين صوتاً ومخرجاً وسمعاً ، كإبدال الرّاء بالغين ، فإنّ هذا لا يحصل به مقصود القراءة .
وفي الدّماء ، والدّيات : لا فرق بين الجناية على لسان السّليم ، ولسان الألثغ ، صرّح بذلك الشّافعيّة ، وهو ما يفهم من فروع غيرهم .
أمّا في إذهاب الكلام ، فيراعى قسط اللّثغة ، فلو جنى على سليمٍ فأصابته لثغة فإنّ أغلب الفقهاء يوجب دية الحرف المبدل ، على خلافٍ وتفصيلٍ بينهم في عدد الحروف الّتي تقسم عليها الدّية ، وكذا مخارج الحروف .
وعند المالكيّة يقدّر ذلك بالاجتهاد ، ولا يحسب على عدد الحروف ، وهو قول للحنفيّة . فإن منعت الجناية نطق الألثغ ، فإنّ بعض الفقهاء أوجب الدّية كاملةً فيه ، وقال البعض لا يجب إلاّ قسط الحروف الذّاهبة . وبالإضافة إلى ما تقدّم يتكلّم الفقهاء عن اللّثغة في الطّلاق ، كما إذا قال لزوجته : أنت تالق بدل طالق .

إلجاء *
انظر : إكراه .

إلحاد *
التّعريف :
1 - الإلحاد في اللّغة ، واللّحد : الميل والعدول عن الشّيء ، ومنه : لحد القبر وإلحاده أي جعل الشّقّ في جانبه لا في وسطه . وألحدت الميّت ، ولحدته : جعلته في اللّحد ، أو عملت له لحداً .
ويستعمل الإلحاد في الاصطلاح بمعانٍ منها :
الإلحاد في الدّين ، وهو : الطّعن فيه أو الخروج عنه .
ومنها : الإخلال بما يستحقّه المسجد الحرام بفعل المحرّمات فيه ، أو منع عمارته والصّدّ عنه . قال ابن عابدين : الإلحاد في الدّين : هو الميل عن الشّرع القويم إلى جهةٍ من جهات الكفر كالباطنيّة الّذين يدّعون أنّ للقرآن ظاهراً ، وأنّهم يعلمون الباطن ، فأحالوا بذلك الشّريعة ، لأنّهم تأوّلوا بما يخالف العربيّة الّتي نزل بها القرآن .
ومن الإلحاد : الطّعن في الدّين مع ادّعاء الإسلام ، أو التّأويل في ضرورات الدّين لإجراء الأهواء .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الرّدّة :
2 - الرّدّة لغةً : هي الرّجعة مطلقاً .
وشرعاً : هي كفر المسلم البالغ العاقل المختار الّذي ثبت إسلامه ولو ببنوّته لمسلمٍ ، وإن لم ينطق بالشّهادتين . أو كفر من نطق بهما عالماً بأركان الإسلام ملتزماً بها ، ويكون ذلك بالإتيان بصريح الكفر بلفظٍ يقتضيه ، أو فعلٍ يتضمّنه ونحو ذلك . وهذا التّعريف هو أجمع التّعاريف في الرّدّة .
ب - النّفاق :
3 - النّفاق : إظهار الإيمان باللّسان ، وكتمان الكفر بالقلب . ولا يطلق هذا الاسم على من يظهر شيئاً ويخفي غيره ممّا لا يختصّ بالعقيدة .
ج - الزّندقة :
4 - الزّندقة : إبطان الكفر والاعتراف بنبوّة نبيّنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم ويعرف ذلك من أقوال الزّنديق وأفعاله . وقيل : هو من لا دين له .
ومن الزّندقة : الإباحيّة ، وهي : الاعتقاد بإباحة المحرّمات ، وأنّ الأموال والحرم مشتركة .
د - الدّهريّة :
5 - الدّهريّ : من يقول بقدم الدّهر ، ولا يؤمن بالبعث ، وينكر حشر الأجساد ويقول : { إن هي إلاّ حياتنا الدّنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلاّ الدّهر } مع إنكار إسناد الحوادث إلى الصّانع المختار سبحانه وتعالى .
الفرق بين كلٍّ من الزّندقة والنّفاق والدّهريّة وبين الإلحاد :
6 - نقل ابن عابدين عن ابن كمالٍ باشا قوله : الزّنديق في لغة العرب يطلق على : من ينفي الباري تعالى ، وعلى من يثبت الشّريك ، وعلى من ينكر حكمته . والفرق بينه وبين المرتدّ العموم الوجهيّ ، لأنّه قد لا يكون مرتدّاً ، كما لو كان زنديقاً أصليّاً غير منتقلٍ عن دين الإسلام . والمرتدّ قد لا يكون زنديقاً ، كما لو تنصّر أو تهوّد . وقد يكون مسلماً فيتزندق . وأمّا في اصطلاح الشّرع فالفرق أظهر ، لاعتبارهم فيه إبطان الكفر والاعتراف بنبوّة نبيّنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم ، والفرق بين الزّنديق والمنافق والدّهريّ والملحد - مع الاشتراك في إبطان الكفر - أنّ المنافق غير معترفٍ بنبوّة نبيّنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم والدّهريّ كذلك مع إنكار إسناد الحوادث إلى الصّانع المختار سبحانه وتعالى ، والملحد لا يشترط فيه الاعتراف بنبوّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم ولا بوجود الصّانع تعالى . وبهذا فارق الدّهريّ أيضاً . ولا يعتبر فيه إضمار الكفر ، وبه فارق المنافق . كما لا يعتبر فيه سبق الإسلام وبه فارق المرتدّ . فالملحد أوسع فرق الكفر حدّاً ، وأعمّ في الجملة من الكلّ . أي هو معنى الكافر مطلقاً ، تقدّمه إسلامه أم لا ، أظهر كفره أم أبطنه .
الإلحاد في الحرم :
7 - الإلحاد في الحرم هو الميل بالظّلم فيه . قال اللّه تعالى : { إنّ الّذين كفروا ويصدّون عن سبيل اللّه والمسجد الحرام الّذي جعلناه للنّاس سواءً العاكف فيه والبّاد ومن يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ نذقه من عذابٍ أليمٍ } وقد اختلف في معنى الإلحاد في الحرم على أقوالٍ منها :
أ - قال ابن مسعودٍ : الإلحاد هو الشّرك ، وقال أيضاً هو استحلال الحرام .
ب - قال الجصّاص : المراد به انتهاك حرمة الحرم بالظّلم فيه .
ج - قال مجاهد : هو العمل السّيّئ .
د - الإلحاد في الحرم هو منع النّاس عن عمارته .
هـ- قال سعيد بن جبيرٍ هو الاحتكار . قال ابن حيّان : الأولى حمل هذه الأقوال في الآية على التّمثيل لا على الحصر ، إذ الكلام يدلّ على العموم .
وقد عظّم اللّه الذّنب في الحرم ، وبيّن أنّ الجنايات تعظم على قدر عظم الزّمان كالأشهر الحرم ، وعلى قدر المكان كالبلد الحرام ، فتكون المعصية معصيتين : إحداهما المخالفة ، والثّانية إسقاط حرمة الشّهر الحرام أو البلد الحرام .
إلحاد الميّت :
8 - إلحاد الميّت في القبر سنّة عند الحنفيّة والحنابلة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « اللّحد لنا والشّقّ لغيرنا » ولما رواه مسلم من حديث سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه « أنّه قال في مرضه الّذي مات فيه الحدوا لي لحداً ، وانصبوا عليّ اللّبن ، كما صنع برسول اللّه صلى الله عليه وسلم » .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه مستحبّ ، لما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال للحافر : « أوسع من قبل رأسه ، وأوسع من قبل رجله » . ولقول الرّسول صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ : « احفروا ، وأوسعوا ، وعمّقوا » ولما روى ابن ماجه عن أنسٍ « لمّا توفّي النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح ، فقالوا : نستخير ربّنا ونبعث إليهما ، فأيّهما سبق تركناه ، فأرسل إليهما ، فسبق صاحب اللّحد ، فلحدوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم » وهذا عند الجميع إذا كانت الأرض صلبةً ، أمّا إذا كانت رخوةً فإنّه يصار إلى الشّقّ بدون خلافٍ ويكون أفضل ، ويكون اللّحد إلى جهة القبلة بقدر الميّت ..
الإلحاد في الدّين :
9 - الملحد إمّا أن يكون في الأصل على الشّرك ، فحكمه ينظر تحت عنوان ( إشراك ) ، أو يكون ذمّيّاً فيلحد أي يطعن في الدّين جهاراً ، فينتقض بذلك عهده ، وينظر حكمه تحت عنوان ( أهل الذّمّة ) أو يكون مسلماً فيلحد ، فينظر حكمه تحت عنوان ( ارتداد - زندقة ) .
الآثار المترتّبة على الإلحاد :
10 - من ألحد بعد إسلامٍ والعياذ باللّه ، إمّا أن يستتاب على رأي من قال بذلك ، فيأخذ حكم المرتدّ في العبادات في الجملة في حالة رجوعه عن إلحاده ، من نقض وضوئه بالإلحاد وعدمه ، ومن قضائه للعبادات ، وأدائه ما عليه من زكاةٍ ، وقضائه للحجّ قبل الإلحاد وبعده . كما يأخذ حكمه كذلك في غير العبادات ، من سقوط شفعته بالرّدّة ونفاذ عقوده وعدمها ، وبينونة امرأته ، ولزوم المهر ، والنّفقة ، وانفساخ النّكاح . كما يأخذ حكمه في الجنايات والدّيون على الخلاف المذكور بين العلماء . والّذي يرجع إليه في مصطلح ( ردّة ) .
وأمّا إذا لم يستتب فإنّه يأخذ حكم المرتدّ المقتول في الرّدّة ، من حيث زوال ملكه عن أمواله ، وحكم تلك الأموال بعد الموت في الميراث ، ومن حيث سقوط وصيّته أو عدمه ، وقضاء ديونه بعد الموت ، ويراجع في ذلك مصطلح ( ردّة ) .

إلحاق *
التّعريف :
1 - الإلحاق في اللّغة : الاتّباع . يقال : ألحقته به : إذا أتبعته إيّاه حتّى لحقه . واستعمل الفقهاء والأصوليّون إلحاق الفروع بالأصول في القياس . ومن ذلك قول ابن قدامة في روضة النّاظر : إنّ الإلحاق يسمّى قياساً ، إذا بيّنت العلّة الجامعة وأثبت وجودها في الفرع . وجرى على لسان بعض الفقهاء في تعريف القياس بأنّه : إلحاق المسكوت بالمنطوق . وجرى أيضاً على ألسنتهم : إلحاق الولد بمن ادّعاه كما في مسألة اللّقيط ، حتّى إنّ إطلاق لفظ ( الإلحاق ) ينصرف إلى الإلحاق في النّسب .
الألفاظ ذات الصّلة :
القياس :
2 - يظهر من تتبّع أقوال الفقهاء أنّ الإلحاق يأتي بمعنيين :
الأوّل : القياس ، بإلحاق الفرع بالأصل لوجود علّةٍ مشتركةٍ يتعدّى بها الحكم من الأصل إلى الفرع بشروطه ، فهو حمل الشّيء على غيره بإجراء حكمه عليه لعلّةٍ مشتركةٍ .
والثّاني : إلحاق الإنسان المجهول النّسب بمن ادّعاه ، فإنّه يصحّ بشروطه ، كما يعرف في باب النّسب .
3 - والإلحاق له طريقان :
الطّريق الأوّل : إلغاء الفارق المؤثّر في الحكم لكي يشمل المسكوت عنه فلا يحتاج إلى التّعرّض للعلّة الجامعة لكثرة ما فيه من الاجتماع ، وقد اختلف في تسمية هذا قياساً . والطّريق الثّاني : أن يتعرّض للجامع ويبيّن وجوده في الفرع ، وهذا هو المتّفق على تسميته قياساً .
الحكم الإجماليّ :
4 - نظراً لأنّ الإلحاق إتباع الشّيء بالشّيء فيقتضي أن يكون الحكم في الملحق نفس الحكم الّذي في الملحق به . ولتطبيق هذه القاعدة أمثلة كثيرة منها :
أوّلاً : إلحاق جنين المذكّاة بأمّه :
5 - ذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والصّاحبان من الحنفيّة ) إلى إلحاق جنين المذكّاة بها ، إذا كان كامل الخلقة ، ومات بذبح أمّه ، فهذا إلحاق من حيث اللّغة . وإنّما قالوا ذلك لما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ذكاة الجنين ذكاة أمّه » . ولأنّ جنين الدّابّة تبع فيباع ببيع الأمّ ، ولذا يأخذ جنين المذكّاة حكم المذكّاة بالتّبع ، وهذا إن كان قد أشعر على رأيٍ ، وقيل : لا يشترط ذلك .
وخالفهم في ذلك أبو حنيفة وزفر فذهبا إلى أنّه لا يحلّ الجنين إلاّ إذا أدرك حيّاً وذبح . كذلك لا يمكن إلحاق الجنين الّذي ظهر من الأمّ حيّاً فمات بعدها بدون الذّبح .
ويرجع لتفصيله إلى مصطلحي ( ذبيحة ) ( وذكاة ) .
ثانياً : إلحاق صغار السّوائم بالكبار في الذّكاة :
6 - لا خلاف بين فقهاء المذاهب في إلحاق صغار السّوائم بالكبار في وجوب الزّكاة فيها ، إذا اجتمعت مع الكبار وتمّ الحول عليها . أمّا إذا كانت كلّها صغاراً فصلاناً أو حملاناً أو عجاجيل ، فلا زكاة فيها عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وهو رواية عن أحمد . وقال المالكيّة ، وهي المذهب عند الحنابلة ، وهو قول الشّافعيّ في القديم ، وإليه ذهب زفر من الحنفيّة : يجب في الصّغار ما يجب في الكبار إلحاقاً .
وقال أبو يوسف ، والشّافعيّ في الجديد : يجب فيها واحدة منها ، وصورته إذا كان له نصاب من الكبار ثمّ ماتت الأمّهات ، وتمّ الحول على الأولاد وهي صغار .
وتفصيله في مصطلح ( ذكاة ) .
ثالثاً : إلحاق توابع المبيع به في البيع :
7 - يدخل الجنين في بيع الأمّ تبعاً ، ولا يفرد بالبيع ، لأنّ التّابع تابع . وكذلك حقّ المرور والشّرب يدخلان في بيع الأرض تبعاً . وولد البقرة المشتراة للّبن داخل في بيع الأمّ . ويدخل الغراس في بيع الأرض ، وتدخل الأرض وما يتّصل بها في بيع الدّار . وكذلك كلّ ما يعتبر من توابع المبيع يدخل في البيع إلحاقاً ، ويأخذ حكم المبيع على تفصيلٍ وخلافٍ في ذلك ينظر في موضعه .
مواطن البحث :
8 - تكلّم الفقهاء عن إلحاق الفروع بالأصول في بحث ( القياس ) ، وفي ( البيع ) في إلحاق الثّمر بالشّجر ، وإلحاق الثّمار الّتي لم يبد صلاحها بما بدا صلاحه منها . وإلحاق توابع المبيع بالمبيع ، وإلحاق الولد بخير الأبوين في ( الدّيانة ) إن كانا مختلفين ديناً ، ومسائل أخرى . لكن أكثر ما يتعرّضون فيه للإلحاق هو في بحث ( النّسب ) في إلحاق مجهول النّسب بمن ادّعاه بشروطه ، فليرجع لتفصيله إلى تلك المواضع .

إلزام *
التّعريف :
1 - الإلزام مصدر ألزم المتعدّي بالهمزة ، وهو من لزم ، يقال : لزم يلزم لزوماً : ثبت ودام ، وألزمته : أثبتّه وأدمته ، وألزمته المال والعمل وغيره فالتزمه ، ولزمه المال : وجب عليه ، وألزمه إيّاه فالتزمه .
ويقول الرّاغب : الإلزام ضربان : إلزام بالتّسخير من اللّه تعالى أو من الإنسان ، وإلزام بالحكم والأمر ، نحو قوله تعالى : { أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } وقوله { وألزمهم كلمة التّقوى } . فيكون معنى الإلزام : الإيجاب على الغير .
ولا يخرج الفقهاء في استعمالهم عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
الإيجاب :
2 - وجب الشّيء يجب وجوباً أي : لزم ، وأوجبه هو وأوجبه اللّه تعالى . وفي حديث عمر رضي الله عنه أنّه أوجب نجيباً ، أي أهداه في حجٍّ أو عمرةٍ كأنّه ألزم نفسه به ، وأوجبه إيجاباً أي ألزمه .
وقد فرّق أبو هلالٍ العسكريّ بين الإيجاب والإلزام فقال : الإلزام يكون في الحقّ والباطل ، يقال : ألزمته الحقّ والباطل . والإيجاب لا يستعمل إلاّ فيما هو حقّ ، فإن استعمل في غيره فهو مجاز ، والمراد به الإلزام .
الإجبار والإكراه :
3 - الإجبار والإكراه هما الحمل على الشّيء قهراً ، والإلزام قد يكون بالقهر وهو ما يسمّى بالإلزام الحسّيّ ، وقد يكون بدونه .
الالتزام :
4 - الالتزام هو : إلزام الشّخص نفسه شيئاً من المعروف .
فالالتزام يكون من الإنسان على نفسه كالنّذر والوعد ، والإلزام يكون منه على الغير كإنشاء الإلزام من القاضي . والالتزام يكون واقعاً على الشّيء ، يقال : التزمت العمل ، والإلزام يقع على الشّخص ، يقال : ألزمت فلاناً المال .
الحكم الإجماليّ :
5 - الأصل امتناع الإلزام من النّاس بعضهم لبعضٍ لما فيه من التّسلّط ، وإنّما يكون الإلزام من اللّه تعالى لعباده ومخلوقاته ، إمّا بطريق التّسخير ، وإمّا بطريق الحكم والأمر .
وقد يقع الإلزام من النّاس بعضهم لبعضٍ بتسليط اللّه تعالى ، وذلك بطريق الولاية سواء أكانت خاصّةً أم عامّةً ، وحينئذٍ قد يكون الإلزام واجباً ، فإنّ الإمام يجب عليه إلزام النّاس بالأخذ بشريعة الإسلام ، وله سلطة إلزامهم بالقوّة وحملهم على فعل الواجبات وترك المحرّمات . ولقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « والّذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطبٍ فيحطب ، ثمّ آمر بالصّلاة فتقام ، ثمّ آمر رجلاً فيصلّي بالنّاس ، ثمّ أنطلق معي برجالٍ معهم حزم من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصّلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنّار » .
وقد قاتل أبو بكرٍ رضي الله تعالى عنه مانعي الزّكاة . ومن امتنع من أداء حقوق الآدميّين من ديون وغيرها أخذت منه جبراً إذا أمكن ، ويحبس بها إذا تعذّرت ، إلاّ أن يكون معسراً فينظر إلى ميسرته .
بل إنّ الشّعائر الّتي ليست بفرضٍ ، فإنّ للإمام إلزام النّاس بها كما إذا اجتمع أهل بلدٍ على ترك الأذان ، فإنّ الإمام أو نائبه يقاتلهم ، لأنّه من شعائر الإسلام الظّاهرة . وكذلك القاضي والمحتسب لهم هذا الحقّ فيما وكّل إليهم .
وقد يكون الإلزام حراماً ، وذلك في الأمر بالظّلم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق » ، وعلى ذلك فمن أمره الوالي بقتل رجلٍ ظلماً أو قطعه أو جلده أو أخذ ماله أو بيع متاعه فلا يفعل شيئاً من ذلك .
وقد يكون الإلزام جائزاً كإلزام الوالي بعض النّاس بالمباحات لمصلحةٍ يراها ، وإلزام الرّجل زوجته بالامتناع عن مباحٍ .
وقد يكون الإلزام مستحبّاً ، وذلك عندما يكون موضوعه مستحبّاً ، كإلزام الإمام رعيّته بالاجتماع على صلاة التّراويح في المساجد .
مواطن البحث
6- تتعدّد مواطن الإلزام بتعدّد أسبابه ، فقد يكون بسبب الإكراه الملجئ على تفصيلٍ فيه . ( ر : إكراه ) .
ومن ذلك العقود الّتي يكون من آثارها الإلزام بعملٍ معيّنٍ كالبيع إذا تمّ ، فإنّه يترتّب عليه إلزام البائع بتسليم المبيع وإلزام المشتري بتسليم الثّمن . وكالإجارة إذا تمّت يترتّب عليها إلزام المستأجر بالقيام بالعمل ( ر : عقد - بيع - إجارة ) .

إلغاء *
التّعريف :
1 - الإلغاء مصدر ألغيت الشّيء أي : أبطلته ، ومنه الأثر عن ابن عبّاسٍ أنّه كان يلغي طلاق المكره ، أي يبطله .
ويعرّفه الأصوليّون بقولهم : وجود الحكم بدون الوصف صورةً ، وحاصله عدم تأثير الوصف أي العلّة .
ويأتي الإلغاء عند الفقهاء بمعنى : الإبطال والإسقاط والفساد والفسخ ، غير أنّه لا بدّ في تحقّق الإلغاء من قيام الحقّ أو الملك الّذي يراد إلغاؤه ، إذ لا يصحّ إلغاء فعلٍ أو شيءٍ لم يوجد .
ويطلقه الأصوليّون في تقسيم المصالح إلى معتبرةٍ ، ومرسلةٍ ، وملغاةٍ ، ويقصدون بهذه الأخيرة ما أبطله الشّرع ، كإلغاء ما في الخمر والميسر والرّبا من مصالح .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإبطال :
2 - الإبطال في اللّغة : إفساد الشّيء وإزالته حقّاً كان ذلك الشّيء أو باطلاً ، قال اللّه تعالى : { ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل } .
وشرعاً : الحكم على الشّيء بالبطلان ، ويأتي على ألسنة الفقهاء بمعنى الفسخ والإسقاط والنّقص والإلغاء .
وهو بهذا يكون بمعنى الإلغاء ، إلاّ أنّ الإبطال قد يقع قبل وجود الشّيء ، ولا يكون الإلغاء إلاّ بعد وجود الشّيء أو فعله .
ب - الإسقاط :
3 - من معاني الإسقاط لغةً : الإزالة ، وهو في اصطلاح الفقهاء : إزالة الملك أو الحقّ لا إلى مالكٍ أو مستحقٍّ ، كالطّلاق فإنّه إزالة ملك النّكاح ، وكالعتق فإنّه إزالة ملك الرّقبة . وعلى هذا يوافق الإلغاء في كونه لا بدّ من قيام الملك والحقّ الّذي يراد إسقاطه أو إلغاؤه حتّى يتحقّق الإسقاط والإلغاء ، فيقال أسقط عنه الرّقّ : ألغاه ، كما أنّهما يكونان بعوضٍ وبغير عوضٍ .
ج - الفسخ :
4 - الفسخ لغةً : النّقض ، يقال فسخ الشّيء يفسخه فسخاً فانفسخ أي : نقضه فانتقض ، وتفاسخت الأقاويل : تناقضت .
ويطلق اصطلاحاً على حلّ ارتباط العقد والتّصرّف وقلب كلّ واحدٍ من العوضين لصاحبه ، وهو بهذا يكون فيه معنى الإلغاء والإبطال .
وقد يعبّر الفقهاء في المسألة الواحدة تارةً بالإلغاء والإبطال ، وتارةً بالفسخ . غير أنّ الفسخ غالباً ما يكون في العقود ، ويقلّ في العبادات ، ومنه : فسخ الحجّ إلى العمرة ، وفسخ نيّة الفرض إلى النّفل ، غير أنّه يكون في العقود قبل تمامها ، وعند تمامها بشروطٍ مثل خيار الشّرط وخيار الرّؤية وخيار العيب والإقالة .
الحكم الإجماليّ :
5 - أجاز العلماء إلغاء التّصرّفات والعقود غير اللّازمة من جانب العاقدين ، أمّا في العقود اللّازمة من جانبٍ واحدٍ فإنّه يصحّ الإلغاء من الجانب الآخر غير الملتزم به كالوصيّة .
وأمّا في العقود والتّصرّفات الملزمة فلا يرد عليها الإلغاء بعد نفاذها إلاّ برضي العاقدين ، كما في الإقالة ، أو بوجود سببٍ مانعٍ من استمرار العقد كظهور الرّضاع بين الزّوج والزّوجة ، وقد يكون هنا الإلغاء بمعنى الفسخ .
الإلغاء في الشّروط :
6 - تنقسم الشّروط بالنّسبة إلى الإلغاء إلى أقسامٍ :
منها شروط يلغى بها العقد مطلقاً ، لمخالفتها نصّاً من كتابٍ أو سنّةٍ ، كما لو أقرض واشترط رباً على القرض .
ومنها شروط لاغية ولا تبطل العقد ، كما إذا باع ثوباً على ألاّ يبيعه المشتري أو لا يهبه ، جاز البيع ويلغى الشّرط كما هو الصّحيح عند الحنفيّة .
وشروط غير لاغيةٍ تصحّ ويصحّ بها العقد ، لأنّها توثيق للعقد ، كما إذا اشترط رهناً أو كفيلاً بالبيع .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:29 PM

إلغاء التّصرّفات :
7 - تلغى التّصرّفات الّتي لا يقرّها الشّارع ، مثل رهن الخمر وبيع الميتة ونذر المعصية ، كما تلغى تصرّفات عديم الأهليّة كالمجنون والسّفيه ، على تفصيلٍ ( ر : حجر ) .
الإلغاء في الإقرار :
8 - وذلك إذا كذّبه الظّاهر ، أو كذّب المقرّ نفسه ، أو رجع فيما يحقّ له الرّجوع فيه وهو حقوق اللّه . ومنها الحدود ، وتفصيله في ( الإقرار ) .
إلغاء الفارق المؤثّر بين الأصل والفرع :
9 - وهو يستلزم اتّحاد الحكم بينهما ( ر : إلغاء الفارق ) .

إلغاء الفارق *
التّعريف :
1 - الإلغاء في اللّغة هو : الإبطال . والفارق اسم فاعلٍ من فرقّ بين الشّيئين : إذا فصل بينهما .
وإلغاء الفارق عند الأصوليّين : بيان عدم تأثير الفارق بين الأصل والفرع في القياس ، فيثبت الحكم لما اشتركا فيه ، وذلك كإلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق من بعضه إلى سائره . وهذه السّراية في العبد ثابتة بحديث الصّحيحين : « من أعتق شركاً له في عبدٍ فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوّم عليه قيمة عدلٍ فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ، وإلاّ فقد عتق منه ما عتق » فالفارق بين الأمة والعبد هو الأنوثة ، ولا تأثير لها في السّراية ومنه أيضاً أنّ الآية : { والّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً } تقتضي حدّ قاذف المرأة المحصنة ، وسكتت عن قذف الرّجال المحصنين ، فيلحقون بهنّ ، لأنّ الفارق الأنوثة وهي ملغاة ، أي لا أثر لها في الحكم . وبعضهم عبّر عنه بنفي الفارق . وشبيه به : " إلغاء التّفاوت " ومقابله : إبداء الفارق ، أو إبداء الخصوصيّة أو الفرق . وهو من قوادح العلّة . ويسمّى القياس المعتمد على إلغاء الفارق " القياس في معنى الأصل " أو " قياس المعنى " .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - هناك مصطلحان أصوليّان ملتبسان بإلغاء الفارق أشدّ التباسٍ وأخفاه .
أوّلهما : تنقيح المناط . ويسمّيه الحنفيّة الاستدلال ، وهو أن يدلّ نصّ ظاهر على التّعليل بوصفٍ ، فيحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد ، ويناط الحكم بالأعمّ ، أو ككون أوصافٍ في محلّ الحكم ، فيحذف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد ويناط الحكم بالباقي .
وثانيهما : السّبر والتّقسيم . وهو حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه وإبطال ما لا يصلح منها للعلّيّة ، فيتعيّن الباقي لها .
والفرق بين تنقيح المناط والسّبر والتّقسيم أنّ الوصف في تنقيح المناط في شقّه الأوّل منصوص عليه ، بخلافه في السّبر والتّقسيم ، وفي الشّقّ الثّاني منه : إنّما هو في حذف ما لا يصلح للعلّيّة وفي تعيين الباقي لها ، وفي السّبر الاجتهاد في الحذف فقط ، فيتعيّن الباقي للعلّيّة . وإلغاء الفارق قريب من السّبر إلاّ أنّه في السّبر يبطل الجميع إلاّ واحداً ، وفي إلغاء الفارق يبطل واحد فتتعيّن العلّة بين الباقي ، والباقي موجود في الفرع فيلزم اشتماله على العلّة .
ويبدو من تعريفي إلغاء الفارق وتنقيح المناط أنّ الملغى في إلغاء الفارق وصف موجود في الفرع ، بخلاف الملغى في تنقيح المناط فهو وصف في الأصل المقيس عليه ، كما أنّ إلغاء الفارق ليس فيه تعيين للعلّة ، وإنّما يحصل الإلحاق بمجرّد الإلغاء ، بخلاف تنقيح المناط ففيه اجتهاد في تعيين الباقي من الأوصاف للعلّيّة .
الحكم الإجماليّ :
3 - اختلف الأصوليّون في عدّ إلغاء الفارق من مسالك العلّة ، فذكره بعضهم كصاحب كتاب المقترح ، وابن السّبكيّ في جمع الجوامع ، بل ذكر ابن قدامة في كتاب " روضة النّاظر " الخلاف في تسمية إلحاق المسكوت بالمنطوق قياساً إذا كان طريقه نفي الفارق المؤثّر على سبيل القطع . ولم يعدّه أحد من الجدليّين من مسالك التّعليل .
وتمام الكلام عليه محلّه الملحق الأصوليّ .
مواطن البحث :
4 - ذكر بعض الأصوليّين إلغاء الفارق في مبحث العلّة من مباحث القياس عند كلامهم على مسالك العلّة ، كما ذكروه في تقسيم القياس إلى جليٍّ وخفيٍّ ، حيث إنّ الجليّ ما قطع فيه بنفي الفارق ، أو كان تأثير الفارق فيه احتمالاً ضعيفاً ، والخفيّ بخلافه . كما ذكروه في تقسيم القياس باعتبار علّته إلى قياس علّةٍ وقياس دلالةٍ وقياسٍ في معنى الأصل ، وأنّ القياس في معنى الأصل هو ما يكون القياس بإلغاء الفارق فيه .

إلهام *
التّعريف :
1 - الإلهام لغةً : مصدر ألهم ، يقال : ألهمه اللّه خيراً أي لقّنه إيّاه ، والإلهام أن يلقي اللّه في النّفس أمراً يبعث على الفعل أو التّرك ، وهو نوع من الوحي يخصّ اللّه به من يشاء من عباده .
وعند الأصوليّين : إيقاع شيءٍ في القلب يطمئنّ له الصّدر يخصّ به اللّه سبحانه بعض أصفيائه .
وقد عدّ الأصوليّين الإلهام نوعاً من أنواع الوحي إلى الأنبياء ، وفي كتاب التّقرير والتّحبير عن الإلهام من اللّه لرسوله : أنّه إلقاء معنًى في القلب بلا واسطة عبارة الملك وإشارته مقرونٍ بخلق علمٍ ضروريٍّ أنّ ذلك المعنى منه تعالى .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الوسوسة :
2 - الوسوسة : إلقاء معنًى في النّفس بمباشرة سببٍ نشأ من الشّيطان له .
ب - التّحرّي :
3 - التّحرّي فيه بذل جهدٍ وإعمال فكرٍ ، أمّا الإلهام فيقع بلا كسبٍ .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
4 - يتّفق الأصوليّون على أنّ الإلهام من اللّه تعالى لأنبيائه حقّ ، وهو بالنّسبة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم حجّة في حقّه ، كذلك هو في حقّ أمّته ، ويكفر منكر حقيقته ، ويفسق تارك العمل به كالقرآن .
أمّا إلهام غير الأنبياء من المسلمين ، فإنّه ليس بحجّةٍ ، لأنّ من ليس معصوماً لا ثقة بخواطره لأنّه لا يأمن من دسيسة الشّيطان فيها ، وهو قول جمهور أهل العلم ، وهو المختار عند الحنفيّة ، ولا عبرة بما قاله قوم من الصّوفيّة بأنّه حجّة في الأحكام .
وقيل : هو حجّة على الملهم لا على غيره ، إذا لم يكن له معارض من نصٍّ أو اجتهادٍ أو خاطرٍ آخر ، وهذا ذكره غير واحدٍ ، فيجب العمل به في حقّ الملهم ، ولا يجوز أن يدعو غيره إليه . واعتمده الإمام الرّازيّ في أدلّة القبلة ، وابن الصّبّاغ من الشّافعيّة .
وهل هو في حقّ الأنبياء من الوحي الظّاهر أم الوحي الباطن خلاف بين الأصوليّين .

أولو الأرحام *
انظر : أرحام .

أولو الأمر *
التّعريف :
1 - " أولو " من الألفاظ الملازمة للإضافة نحو : أولو الرّأي ، أي أصحاب الرّأي ، وهو اسم جمعٍ واحده " ذو " وليس له مفرد من لفظه .
والأمر في اللّغة : يكون بمعنى : طلب الفعل على طريق الاستعلاء ، وجمعه أوامر ، ويكون بمعنى : الشّأن والحال ، وجمعه أمور .
وأولو الأمر : الرّؤساء والعلماء . وقد ورد في أولي الأمر قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم } .
2 - وأصحّ الأقوال الواردة في المراد بأولي الأمر قولان :
الأوّل : أهل القرآن والعلم وهو اختيار مالكٍ ، ونحوه قول ابن عبّاسٍ ، والضّحّاك ، ومجاهدٍ ، وعطاءٍ قالوا : هم الفقهاء والعلماء في الدّين . ذلك لأنّ أصل الأمر منهم والحكم إليهم .
الثّاني : قال الطّبريّ عنه : هو أولى الأقوال بالصّواب : هم الأمراء والولاة ، لصحّة الأخبار عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمّة والولاة ، فيما كان للّه طاعةً وللمسلمين مصلحةً .
ويشمل أمراء المسلمين في عهد الرّسول صلى الله عليه وسلم وبعده ، ويندرج فيهم الخلفاء والسّلاطين والأمراء ، والقضاة وغيرهم ممّن له ولاية عامّة .
كما أنّ منهم أمراء السّرايا ، وروي ذلك عن أبي هريرة وميمون بن مهران وابن أبي حاتمٍ عن السّدّيّ ، وأخرجه ابن عساكر عن ابن صالحٍ عن ابن عبّاسٍ .
هذا ، وقد حمله كثير من العلماء على ما يعمّ الجميع ، لتناول الاسم لهم ، لأنّ للأمراء تدبير الجيش ، والقتال ، وللعلماء حفظ الشّريعة وبيان ما يجوز ممّا لا يجوز .
الألفاظ ذات الصّلة :
أولياء الأمور :
3 - يشمل أولياء الأمور كلّ من له ولاية على غيره ، سواء أكانت عامّةً أم خاصّةً ، ومن ذلك وليّ اليتيم ، والقيّم على المجنون ، ووليّ المرأة في الزّواج ، فضلاً عمّن سبق ذكرهم من أصحاب الولاية العامّة من الخليفة فمن دونه .
الشّروط المعتبرة في أولي الأمر إجمالاً :
4 - يشترط فيمن يولّى الخلافة - وهي أعلى درجات أولي الأمر- : الإسلام ، والحرّيّة ، والبلوغ ، والعقل ، والذّكورة ، والعلم ، والعدالة بشروطها الجامعة ، والكفاية .
فالعلم يقصد به : العلم المؤدّي إلى التّصرّف المشروع في الأمور العامّة . والعدالة يقصد بها هاهنا : الاستقامة في السّيرة والتّجنّب للمعاصي .
والكفاية يقصد بها : أن يكون قادراً على إقامة الحدود ، بصيراً بالحروب ، كفيلاً بحمل النّاس عليها ، مع سلامة الحواسّ كالسّمع والبصر واللّسان ، ليصحّ معها مباشرة ما يدرك بها ، والمقصود سلامتها ممّا يؤثّر في الرّأي والعقل ، ومن سلامة الأعضاء من نقصٍ يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النّهوض ، والمقصود سلامتها ممّا يؤثّر في الرّأي والعمل ، ويكون متّصفاً بالشّجاعة والنّجدة المؤدّية إلى حماية البيضة ، وجهاد العدوّ ، وأن يكون ذا رأيٍ يؤهّله لسياسة الرّعيّة ، وتدبير المصالح ، قيّماً بأمر الحرب والسّياسة . وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك .
أمّا من دون الخليفة من أولي الأمر فلهم شروط أقلّ ممّا ذكر ، بحسب ما يلونه من أمور المسلمين ، وتعرف في أبواب القضاء والجهاد ونحوهما . ومرجعها إلى توافر القوّة والأمانة . قال اللّه تعالى :{ إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين } .
5 - ما يجب لأولي الأمر على الرّعيّة :
أولاً - طاعة أولي الأمر :
دلّت النّصوص من القرآن والسّنّة على وجوب طاعة أولي الأمر ، وأنّ معصيتهم حرام ، ولكن الطّاعة الواجب على الأمّة التّقيّد بها ليست طاعةً مطلقةً . وإنّما هي طاعة في حدود الشّرع .
وقد أمر اللّه تعالى بالطّاعة لأولي الأمر في قوله عزّ وجلّ : { يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم } وتسمّى هذه الآية ( آية الأمراء ) .
والطّاعة أمر أساسيّ لوجود الانضباط في الدّولة .
والطّاعة : امتثال الأمر . وهي مأخوذة من أطاع إذا انقاد .
ووجوب طاعة اللّه وطاعة رسوله مستفاد من قوله تعالى { أطيعوا اللّه ، وأطيعوا الرّسول } لأنّ ( أطيعوا ) أمر ، والأمر يتعيّن للوجوب إذا حفّت به قرينة تصرف إليه ، وقد تضمّن النّصّ قرينةً جازمةً تصرف الأمر إلى الوجوب ، وذلك بربط الطّاعة بالإيمان باللّه واليوم الآخر أي حقيقةً .
واللّه سبحانه أمر بالطّاعة طاعةً مطلقةً غير مقيّدةٍ ، ثمّ جاءت السّنّة تقيّد الطّاعة بما لا يكون معصيةً ، فعن ابن عمر أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « على المرء المسلم الطّاعة فيما أحبّ وكره ، إلاّ أن يؤمر بمعصيةٍ ، فإذا أمر بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة » . وعن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق » وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « من أطاعني فقد أطاع اللّه ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصاني فقد عصى اللّه ، ومن عصى أميري فقد عصاني » ويقول الطّبريّ : إنّ الّذين أمر اللّه تعالى بطاعتهم في الآية { وأولي الأمر منكم } هم الأئمّة ومن ولّاه المسلمون دون غيرهم من النّاس .
ثانياً : أن يفوّضوا الأمر إليهم وإلى أهل العلم بالدّين وأهل الخبرة ويكلوه إلى تدبيرهم ، حتّى لا تختلف الآراء . قال اللّه تعالى : { ولو ردّوه إلى الرّسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم } .
ثالثاً : النّصرة لأولي الأمر في غير المعصية .
رابعاً : النّصح لهم : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « الدّين النّصيحة للّه ولرسوله ولكتابه ولأئمّة المسلمين وعامّتهم » .

واجبات أولي الأمر :
6 - يجب عليهم التّصرّف بما فيه المصلحة العامّة للمسلمين ، كلّ في مجاله وبحسب سلطته . وفي ذلك القاعدة الشّرعيّة " التّصرّف على الرّعيّة منوط بالمصلحة " وبالتّفصيل ما يلي :
أولاً : حفظ الدّين على أصوله المستقرّة وما أجمع عليه سلف الأمّة ، فإن زاغ ذو شبهةٍ عنه أوضح له الحجّة ، وبيّن له الصّواب ، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ، ليكون الدّين محروساً من الخلل ، والأمّة ممنوعةً من الزّلل .
ثانياً : تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بينهم ، حتّى تظهر النّصفة ، فلا يتعدّى ظالم ولا يضعف مظلوم .
ثالثاً : حماية الدّولة والذّبّ عن الحوزة ، ليتصرّف النّاس في المعايش ، وينتشروا في الأسفار آمنين .
رابعاً : إقامة الحدود ، لتصان محارم اللّه تعالى عن الانتهاك ، وتحفظ حقوق عباده من إتلافٍ واستهلاكٍ .
خامساً : تحصين الثّغور بالعدّة المانعة والقوّة الدّافعة ، حتّى لا يظفر الأعداء بثغرةٍ ينتهكون بها محرماً ، ويسفكون فيها دماً لمسلمٍ أو معاهدٍ .
سادساً : جهاد من عاند الإسلام بعد الدّعوة حتّى يسلم ، أو يدخل في الذّمّة .
سابعاً : قتال أهل البغي والمحاربين وقطّاع الطّريق ، وتوقيع المعاهدات وعقود الذّمّة والهدنة والجزية . والتّفصيل موطنه مصطلح ( الإمامة الكبرى ) .
ثامناً : تعيين الوزراء ، وولايتهم عامّة في الأعمال العامّة لأنّهم يستنابون في جميع الأمور من غير تخصيصٍ .
تاسعاً : تعيين الأمراء ( المحافظين ) للأقاليم ، وولايتهم عامّة في أعمالٍ خاصّةٍ ، لأنّ النّظر فيما خصّوا به من الأعمال عامّ في جميع الأمور .
عاشراً : تعيين القضاة وأمراء الحجّ ، ورؤساء الجيش ، وولايتهم خاصّةً في الأعمال العامّة ، لأنّ كلّ واحدٍ منهم مقصور على نظرٍ خاصٍّ في جميع الأعمال . وكذا تعيين الأئمّة للصّلوات الخمس والجمعة ، ولكلّ واحدٍ من هؤلاء شروط تنعقد بها ولايته .
أحد عشر : تقدير العطاء وما يستحقّ من بيت المال ( الميزانيّة العامّة ) من غير سرفٍ ولا تقصيرٍ فيه . والتّفصيل موطنه مصطلح ( الإمامة الكبرى ) .
اثنا عشر : استكفاء الأمناء ، وتقليد النّصحاء فيما يفوّض إليهم من الأعمال ، ويكله إليهم من الأموال ، لتكون الأعمال مضبوطةً والأموال محفوظةً .
ثلاث عشر : أن يباشر بنفسه أو بأعوانه الموثوق بهم مشارفة الأمور ، وتصفّح الأحوال لينهض بسياسة الأمّة .
أربع عشر : مشاورة ذوي الرّأي : وتعتبر المشاورة مبدأً من أهمّ المبادئ الإسلاميّة ، وقاعدةً من أهمّ القواعد الأساسيّة في الولايات العامّة . وقد جاءت الدّعوة إلى الشّورى صريحةً في القرآن الكريم في آيتين منه الأولى : قوله تعالى : { فبما رحمةٍ من اللّه لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر } . والثّانية : قوله تعالى : { والّذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصّلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون } . والتّفصيل موطنه ( إمامة كبرى ) .

ألية *
التّعريف :
1 - الألية : هي العجيزة ، أو ما ركب العجز من لحمٍ وشحمٍ .
ولا يختلف المعنى عند الفقهاء عن ذلك ، فقد قالوا : إنّها اللّحم النّاتئ بين الظّهر والفخذ . والفخذ يلي الرّكبة ، وفوقه الورك ، وفوقه الألية .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - يتعلّق بالألية عدّة أحكامٍ في مواضع متفرّقةٍ من أبواب الفقه منها :
أ - في نواقض الوضوء : يرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّ المتوضّئ إذا نام ومكّن أليته من الأرض فلا ينتقض وضوءه ، لأمن خروج ما ينتقض به وضوءه .
ولم يعتبر المالكيّة هيئة النّائم ، بل المعتبر عندهم صفة النّوم وحدها ثقلاً أو خفّةً ، والحنابلة ينظرون إلى صفة النّوم وهيئة النّائم معاً ، فمتى كان النّائم ممكّناً مقعدته من الأرض فلا ينقض إلاّ النّوم الكثير .
ب - في الأضحيّة : يختلف الفقهاء في إجزاء الشّاة إن كانت دون أليةٍ ، وتسمّى البتراء أو مقطوعة الذّنب ، ولهم في ذلك أربعة أقوالٍ :
الأوّل : عدم الإجزاء مطلقاً ، وهو قول المالكيّة .
الثّاني : الإجزاء إن كانت مخلوقةً دون أليةٍ ، أمّا مقطوعة الألية فإنّها لا تجزئ ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة .
الثّالث : التّفريق بين ما إذا قطع الأكثر أو الأقلّ ، فإن قطع الأكثر تجزئ ، وتجزئ إن بقي الأكثر ، لأنّ للأكثر حكم الكلّ بقاءً وذهاباً ، وهو قول الحنفيّة .
الرّابع : الإجزاء مطلقاً . وهو قول الحنابلة . وممّن كان لا يرى بأساً بالبتراء : ابن عمر وسعيد بن المسيّب والحسن وسعيد بن جبيرٍ والحكم .
ج - وفي الجناية على الألية عمداً القصاص عند جمهور الفقهاء ، لأنّ لها حدّاً تنتهي إليه . وقال المزنيّ : لا قصاص فيها ، لأنّها لحم متّصل بلحمٍ ، فأشبه لحم الفخذ .
فإن كانت الجناية خطأً ففي الألية نصف ديةٍ وفي الأليتين الدّية الكاملة عند أغلب الفقهاء . وقال المالكيّة : في الألية حكومة عدلٍ ، سواء أكانت ألية رجلٍ أم ألية امرأةٍ ، هذا باستثناء أشهب ، فإنّه فرّق بين ألية الرّجل وألية المرأة ، فأوجب في الأولى حكومةً ، وفي الثّانية الدّية ، لأنّها أعظم على المرأة من ثديها .
وبالإضافة إلى المواضع السّابقة يتكلّم الفقهاء عنها عند الافتراش في قعدات الصّلاة ، وعند التّورّك . وفي تكفين الميّت يتكلّمون عن شدّ الأليين غرفة بعد وضع قطنٍ بينهما ، ليؤمن من خروج شيءٍ من الميّت .

أليّة *
انظر : أيمان .

إماء *
انظر : رقّ .

أمارة *
التّعريف :
1 - الأمارة لغةً : العلامة .
وهي عند الأصوليّين : الدّليل الظّنّيّ ، وهو ما يمكن التّوصّل بصحيح النّظر فيه إلى مطلوبٍ خبريٍّ ظنّيٍّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الدّليل :
2 - الدّليل : هو ما يتوصّل بصحيح النّظر فيه إلى مطلوبٍ خبريٍّ قطعيٍّ أو ظنّيٍّ . وقد يخصّ بالقطعيّ .
ب - العلامة :
3 - الدّليل الظّنّيّ يسمّى أمارةً وعلامةً ، إلاّ أنّ الحنفيّة اصطلحوا على أنّ الأمارة ليست بشهرة العلامة ، بل العلامة أشهر . والعلامة لا تنفكّ عن الشّيء ، بخلاف الأمارة .
ج - الوصف المخيّل :
4 - الوصف المخيّل يفيد الظّنّ الضّعيف ، أمّا الأمارة فإنّها تفيد الظّنّ القويّ .
د - القرينة :
5 - القرينة كثيراً ما تطلق على الأمارة ، والعكس كذلك ، غير أنّ القرينة قد تكون قاطعةً .
الحكم الإجماليّ :
6 - عند الأصوليّين ما ليس عليه دلالة قاطعة ، بل عليه أمارة فقط كخبر الواحد والقياس ، فالواجب على المجتهد أن يعمل بموجب هذا الظّنّ الّذي ثبت عنده بهذه الأمارة ، وهذا بخلاف المقلّد ، لأنّ ظنّه لا يصير وسيلةً إلى العلم .
ويأخذ الفقهاء بالأمارات ، ففي معرفة القبلة يستدلّون بهبوب الرّياح ، ومطالع النّجوم .
وفي البلوغ يرى أغلب الفقهاء أنّ نبات شعر العانة الخشن أمارة على البلوغ ، وكذلك يرى البعض أنّ فرق أرنبة الأنف ، وغلظ الصّوت وشهود الثّدي ، ونتن الإبط ، أمارات على البلوغ .
7- وفي القضاء : الحكم بالأمارات محلّ خلافٍ بين الفقهاء ، منهم من يرى الحكم بها قولاً واحداً عملاً بقول اللّه سبحانه : { وجاءوا على قميصه بدمٍ كذبٍ } . روي أنّ إخوة يوسف لمّا أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب ، تأمّله فلم يجد فيه خرقاً ولا أثر نابٍ ، فاستدلّ بذلك على كذبهم . فاستدلّ الفقهاء بهذه الآية على إعمال الأمارات في مسائل كثيرةٍ من الفقه . وقد خصّص العلامة ابن فرحونٍ الباب المتمّم السّبعين من تبصرته في القضاء بما يظهر من قرائن الأحوال والأمارات وحكم الفراسة ، وأيّد الحكم بها بأدلّةٍ من الكتاب والسّنّة ، وذكر ما يربو عن ستّين مسألةً منها ما هو متّفق عليه ، ومنها ما تفرّد به بعضهم . والبعض لا يأخذ بالقرائن ، مستدلّاً بما أخرجه ابن ماجه عن ابن عبّاسٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لو كنت راجماً أحداً بغير بيّنةٍ لرجمت فلانة ، فقد ظهر منها الرّيبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها » .
والتّفصيل في مصطلح ( قرينة ) وفي الملحق الأصوليّ .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:30 PM

إمارة *
التّعريف :
1 - الإمارة بالكسر ، والإمرة : الولاية ، يقال : أمر على القوم يأمر ، من باب قتل فهو أمير . وأمر يأمر إمارةً وإمرةً : صار لهم أميراً . ويطلق على منصب الأمير ، وعلى جزءٍ من الأرض يحكمه أمير .
والاصطلاح الفقهيّ لا يخرج عن هذا المعنى في الجملة ، إلاّ أنّ الإمارة تكون في الأمور العامّة ، ولا تستفاد إلاّ من جهة الإمام ، أمّا الولاية فقد تكون في الأمور العامّة ، وقد تكون في الأمور الخاصّة ، وتستفاد من جهة الإمام أو من جهة الشّرع أو غيرهما ، كالوصيّة بالاختيار والوكالة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الخلافة :
2 - الخلافة في اللّغة : مصدر خلفه خلافةً : أي بقي بعده ، أو قام مقامه .
وهي في الاصطلاح الشّرعيّ : منصب الخليفة . وهي رئاسة عامّة في الدّين والدّنيا نيابةً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وتسمّى أيضاً الإمامة الكبرى .
ب - السّلطة :
3 - السّلطة هي : السّيطرة والتّمكّن والقهر والتّحكّم ، ومنه السّلطان وهو من له ولاية التّحكّم والسّيطرة في الدّولة ، فإن كانت سلطته قاصرةً على ناحيةٍ خاصّةٍ فليس بخليفةٍ ، وإن كانت عامّةً فهو الخليفة ، وقد وجدت في العصور الإسلاميّة المختلفة خلافة بلا سلطةٍ ، كما وقع في أواخر عهد العبّاسيّين ، وسلطة بلا خلافةٍ كما وقع في عهد المماليك .
تقسيم الإمارة ، وحكمها التّكليفيّ :
4 - تنقسم الإمارة إلى عامّةٍ وخاصّةٍ : أمّا العامّة فالمراد بها الخلافة أو الإمامة الكبرى ، وهي فرض كفايةٍ ، وينظر تفصيل أحكامها في مصطلح ( إمامة كبرى ) .
وأمّا الإمارة الخاصّة : فهي لإقامة فرضٍ معيّنٍ من فروض الكفاية دون غيره ، كالقضاء والصّدقات والجند إذا دعت الحاجة إلى ذلك التّخصيص .
وقد يكون التّخصيص مكانيّاً ، كالإمارة على بلدٍ أو إقليمٍ خاصٍّ . كما يكون زمانيّاً ، كأمير الحاجّ ونحوه . والإمارة الخاصّة من المصالح العامّة للمسلمين والمنوطة بنظر الإمام .
« وكان الرّسول صلى الله عليه وسلم ينيب عنه عمّالاً على القبائل والمدن »، وفعل ذلك الخلفاء الرّاشدون . وعدّها أصحاب كتب الأحكام السّلطانيّة من الأمور اللّازمة على الإمام ، فيجب عليه أن يقيم الأمراء على النّواحي والجيوش والمصالح المتعدّدة فيما لا يستطيع أن يباشره بنفسه .
إمارة الاستكفاء :
5 - هي : أن يفوّض الإمام باختياره إلى شخصٍ إمارة بلدٍ أو إقليمٍ ولايةً على جميع أهله ونظراً في المعهود من سائر أعماله .
ويشتمل نظر الأمير في هذه الإمارة على أمورٍ :
أولاً : النّظر في تدبير الجيوش .
ثانياً : النّظر في الأحكام ، وتقليد القضاة .
ثالثاً : جباية الخراج ، وأخذ الصّدقات .
رابعاً : حماية الدّين ، والذّبّ عن ديار الإسلام .
خامساً : إقامة الحدود .
سادساً : الإمامة في الجمع والجماعات .
سابعاً : تسيير الحجيج ( إمارة الحجّ ) .
ثامناً : قسم الغنائم .
وحاجة الأمّة قد تستدعي إضافة مهامّ أخرى بحسب ما يجدّ من أحوالٍ ، كرعاية شئون التّعليم والصّحّة ونحوها .
شروط إمارة الاستكفاء :
6 - يشترط فيمن يولّى إمارة الاستكفاء ما يشترط لوزارة التّفويض :
فمنها شروط متّفق عليها وهي : الإسلام ، والتّكليف ( العقل والبلوغ ) ، والذّكورة .
ومنها شروط مختلف فيها وهي : العدالة والاجتهاد والكفاية .
ولا يشترط ( النّسب ) اتّفاقاً في الإمارة . وللتّفصيل ينظر مصطلح ( إمامة كبرى ) .
صيغة عقد إمارة الاستكفاء :
7 - لا بدّ لتقليد الإمارة من صيغةٍ كسائر العقود ، فيتحدّد نوعها بالصّيغة ، فتعمّ الإمارة بعموم الصّيغة ، أو تخصّ بخصوصها . كأن يقول في الإمارة الّتي تعمّ التّصرّفات مثلاً : قلّدتك ناحية كذا أو إقليم كذا إمارةً على أهلها ، ونظراً على جميع ما يتعلّق بها . إلخ .
نفاذ تصرّفات أمير الاستكفاء :
8 - يجوز لأمير الاستكفاء أن يقلّد من يعيّنه في تنفيذ مهامّه لأنّه معيّن له ، ونائب عنه في مباشرة الأعمال الّتي لا تتيسّر مباشرتها للأمير نفسه . ولكنّه لا يجوز له أن يفوّض لشخصٍ آخر ما عهد إليه من أصل الولاية إلاّ بإذن الإمام ، لأنّه مستقلّ النّظر .
إمارة الاستيلاء :
9 - الأصل في الفقه الإسلاميّ : ألاّ يتولّى أحد منصباً إلاّ بتقليدٍ صحيحٍ من الإمام ، أو من ينوب عنه في ذلك كوزير التّفويض . على أنّه في بعض الظّروف ، قد يحدث أن يستبدّ أمير أو والٍ بالسّلطة ، بعد تولّيه بتقليدٍ من الإمام . ويخشى فتنة في عزله ، فللإمام أن يقرّه على إمارته . وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى صحّة هذا التّقليد من الإمام للضّرورة ، وحسماً للفتنة ويسمّونها : إمارة الاستيلاء تفريقاً بينها وبين إمارة الاستكفاء .
وهي وإن خرجت على عرف التّقليد ( التّولية ) ، وشروطه وأحكامه ، فالحكمة في إقرارها هي حفظ وحدة كلمة المسلمين بالاعتراف بوجود الخلافة الواحدة في الجملة ، وإضفاء صفة الشّرعيّة على الأحكام الّتي يصدرها المستولي ، وصونها عن الفساد .
وجاء في الأحكام السّلطانيّة للماورديّ : والّذي ينحفظ بتقليد المستولي من قوانين الشّرع سبعة أشياء ، فيشترك في التزامها الخليفة ، والمستولي . وعدّد الأشياء ، ولا تخرج في عمومها عمّا ذكرناه ، من حفظ مركز الخلافة ، والاعتراف بوجودها ، وإضفاء الصّفة الشّرعيّة على أعمال الإمارة وصونها عن الفساد .
ولا يخفى أنّ صحّة هذا النّوع من الإمارة هو من باب الضّرورة ، كما صرّح بذلك الحصكفيّ وغيره .
الإمارة الخاصّة ( من حيث الموضوع ) :
10 - الإمارة الخاصّة هي ما كان الأمير مقصور النّظر فيها على أمرٍ خاصٍّ ، كقيادة الجيش ، فيقتصر نظره فيما حدّد له ، في عقد التّقليد ، فلا يتعرّض لغيرها ، كالقضاء ، وجباية الخراج ، وقبض الصّدقات ، وإمارة الجهاد ، وإمارة الحجّ ، وإمارة السّفر .
إمارة الحجّ :
11 - جمهور الفقهاء على أنّه يستحبّ للإمام - إن لم يخرج بنفسه - أن ينصب للحجيج أميراً يخرج بهم ، ويرعى مصالحهم في حلّهم وترحالهم ، ويخطب فيهم في الأماكن الّتي شرعت فيها الخطبة ، يعلّمهم فيها مناسك الحجّ وأعماله وما يتعلّق به . وذهب بعض الشّافعيّة إلى أنّ تنصيب أميرٍ لإقامة الحجّ واجب على الإمام ، إن لم يخرج بنفسه ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « بعث في السّنة الثّامنة من الهجرة عتّاب بن أسيدٍ ، وفي التّاسعة أبا بكرٍ . وخرج بنفسه في العاشرة » .
أقسام إمارة الحجّ :
كتب الأحكام السّلطانيّة وحدها دون كتب الفقه فيما نعلم قسّمت هذه الإمارة إلى قسمين : إمارة إقامة الحجّ . وإمارة تسيير الحجيج .
أ - إمارة تسيير الحجيج :
12 - إمارة تسيير الحجيج هي : ولاية سياسيّة ، وزعامة وتدبير . فيشترط لأميرها : أن يكون مطاعاً ، ذا رأيٍ وشجاعةٍ ، وهيبةٍ . وقد عدّ الماورديّ عشرة أشياء جعلها من واجبات أمير الحجيج وهي :
أولاً : جمع النّاس في مسيرهم ونزولهم حتّى لا يتفرّقوا .
ثانياً : ترتيبهم في السّير والنّزول ، وتقسيمهم إلى مجموعاتٍ لكلٍّ منها رئيس ، حتّى يعرف كلّ فريقٍ منهم جماعته إذا سار ، ويألف مكانه إذا نزل ، فلا يتنازعون فيه ، ولا يضلّون عنه .
ثالثاً : يرفق بهم في السّير حتّى لا يعجز عنه ضعيفهم ، ولا يضلّ عنه منقطعهم .
رابعاً : أن يسلك بهم أوضح الطّرق وأخصبها ، ويتجنّب أجدبها وأوعرها .
خامساً : أن يرتاد لهم المياه إذا انقطعت ، والمراعي إذا قلّت .
سادساً : أن يحرسهم إذا نزلوا ، ويحوطهم إذا رحلوا .
سابعاً : أن يمنع عنهم من يصدّهم عن المسير .
ثامناً : أن يصلح بين المتشاجرين ، ويتوسّط بين المتنازعين .
تاسعاً : أن يؤدّب خائنهم ، ولا يتجاوز التّعزير .
عاشراً : أن يراعي اتّساع الوقت حتّى يؤمن فوات الحجّ عليهم .
الحكم بين الحجيج :
13 - ليس لأمير الحجّ أن يتعرّض للحكم بين الحجيج إجباراً إلاّ أن يفوّض إليه الحكم ، وهو أهل للقضاء ، فيجوز له حينئذٍ أن يحكم بينهم . فإن دخلوا في بلدٍ فيه حاكم جاز له أن يحكم بينهم . كما يجوز لحاكم البلد أن يحكم بينهم . هذا إذا كان النّزاع بين الحجّاج . أمّا إذا كان بين الحجيج وبين أهل البلد لم يحكم بينهم إلاّ حاكم البلد .
إقامة الحدود فيهم :
14 - لا يجوز لأمير الحجّ إقامة الحدود في الحجيج إلاّ أن يؤذن له فيها وهو من أهل القضاء . فإن أذن فله إقامتها فيهم . فإن دخل في بلدٍ فيه من يتولّى إقامة الحدود ، فإن كان المحدود قد أتى بموجب الحدّ قبل دخول البلد ، فأمير الحجيج أولى بإقامة الحدّ عليه .
أمّا إذا أتى به بعد دخول البلد فحاكم البلد أولى بإقامة الحدّ من أمير الحجيج .
انتهاء ولايته :
15 - إذا وصل الحجيج إلى مكّة زالت ولايته عمّن لا يرغب العودة . أمّا من كان عازماً على العود فيبقى تحت ولايته حتّى يصلوا إلى بلادهم .
ب - إمارة إقامة الحجّ :
16 - هي أن ينصب الإمام أميراً للحجيج يخرج بهم نيابةً عنه في المشاعر .
ويشترط في أمير إقامة الحجّ شروط إمامة الصّلاة ، مضافاً إليها أن يكون عالماً بمناسك الحجّ وأحكامه عارفاً بمواقيته وأيّامه .
انتهاء إمارته :
17 - تنتهي ولاية أمير إقامة الحجّ بانتهاء أعمال الحجّ ، ولا تتجاوزها ، وتبدأ بابتدائها ، فتبدأ من وقت صلاة الظّهر في اليوم السّابع من ذي الحجّة ، وتنتهي في يوم النّفر الثّاني ، وهو اليوم الثّالث عشر من ذي الحجّة .
وإذا كان تقليده مطلقاً على إقامة الحجّ فله إقامته في كلّ عامٍ حتّى يصرف عنه .
أمّا إذا كان تقليده لعامٍ واحدٍ فليس له إقامته في غيره من الأعوام ، إلاّ بتقليدٍ جديدٍ .
اختصاصه :
18 - يختصّ نظره في كلّ ما يتعلّق بأعمال الحجّ : من الإشعار بوقت الإحرام ، والخروج بالنّاس إلى مشاعرهم ، وإلقاء الخطب في الأماكن الّتي شرعت فيها ، وترتيبه المناسك على ما استقرّ الشّرع عليه لأنّه متبوع فيها ، فلا يقدّم مؤخّراً ولا يؤخّر مقدّماً سواء كان التّرتيب واجباً أو مستحبّاً .
إقامة الحدود :
19 - ليس لأمير إقامة الحجّ إقامة الحدّ ، أو التّعزير على من أتى ما يوجب ذلك من أفراد الحجيج ، إن كان الموجب ممّا لا يتعلّق بالحجّ . أمّا إذا كان موجب الحدّ أو التّعزير ممّا يتعلّق بالحجّ فله التّعزير . وفي إقامة الحدّ وجهان : أحدهما ليس له ذلك . لأنّه خارج من أحكام الحجّ ، وولايته خاصّة بالحجّ . والثّاني له إقامته عليه .
الحكم بين الحجيج :
20 - لا يجوز لأمير إقامة الحجّ أن يحكم بين الحجيج فيما تنازعوا فيه من غير أحكام الحجّ .
إمارة السّفر :
21 - يستحبّ لكلّ جماعةٍ ( ثلاثةٍ فأكثر ) قصدوا السّفر أن يؤمّروا أحدهم ، ويجب عليهم طاعته فيما يتعلّق بما هم فيه ، ويحرم عليهم مخالفته ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا خرج ثلاثة في السّفر فليؤمّروا أحدهم » . وللتّفصيل ينظر مصطلح ( سفر ) .

إمام *
انظر : إمامة .

إمامة الصّلاة *
الإمامة الصّغرى
التّعريف :
1 - الإمامة في اللّغة : مصدر أمّ يؤمّ ، وأصل معناها القصد ، ويأتي بمعنى التّقدّم ، يقال : أمّهم وأمّ بهم : إذا تقدّمهم .
وفي اصطلاح الفقهاء تطلق الإمامة على معنيين : الإمامة الصّغرى ، والإمامة الكبرى . ويعرّفون الإمامة الكبرى بأنّها : استحقاق تصرّفٍ عامٍّ على الأنام ( أي النّاس ) ، وهي رئاسة عامّة في الدّين والدّنيا خلافةً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم . ( ر : إمامة كبرى ) . أمّا الإمامة الصّغرى ( وهي إمامة الصّلاة ) فهي ارتباط صلاة المصلّي بمصلٍّ آخر بشروطٍ بيّنها الشّرع . فالإمام لم يصر إماماً إلاّ إذا ربط المقتدي صلاته بصلاته ، وهذا الارتباط هو حقيقة الإمامة ، وهو غاية الاقتداء .
وعرّفها بعضهم بأنّها : كون الإمام متّبعاً في صلاته كلّها أو جزءٍ منها .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - القدوة :
2 - القدوة اسم للاقتداء أي : الاتّباع ، ويطلق على الشّخص المتبوع ، يقال : فلان قدوة أي يقتدى به .
ب - الاقتداء والتّأسّي :
3 - الاقتداء والتّأسّي كلّ منهما بمعنى الاتّباع ، سواء كان ذلك في صلاةٍ أو غيرها ، فالمأموم يقتدي بالإمام ويتأسّى به ، فيعمل مثل عمله ، ويطلق على المقتدى به أنّه قدوة وأسوة .
مشروعيّة الإمامة وفضلها :
4 - إمامة الصّلاة تعتبر من خير الأعمال الّتي يتولّاها خير النّاس ذوو الصّفات الفاضلة من العلم والقراءة والعدالة وغيرها كما سيأتي ، ولا تتصوّر صلاة الجماعة إلاّ بها .
وصلاة الجماعة من شعائر الإسلام ، ومن السّنن المؤكّدة الّتي تشبه الواجب في القوّة عند أكثر الفقهاء ، وصرّح بعضهم بوجوبها ، وتفصيله في مصطلح : ( صلاة الجماعة ) .
وقد صرّح جمهور الفقهاء ، ومنهم الحنفيّة ، وبعض المالكيّة ، وهو رواية في مذهب أحمد : بأنّ الإمامة أفضل من الأذان والإقامة ، لمواظبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء الرّاشدين عليها ، ولهذا أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقوم بها أعلم النّاس وأقرؤهم ، كما روي في حديث أبي سعيدٍ الخدريّ . قال : « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إذا كانوا ثلاثةً فليؤمّهم أحدهم ، وأحقّهم أقرؤهم » .
ولمّا مرض النّبيّ عليه السلام اختار أفضل الصّحابة للإمامة حيث قال : « مروا أبا بكرٍ فليصلّ بالنّاس » ، ففهم الصّحابة من تقديمه في الإمامة الصّغرى استحقاقه الإمامة الكبرى . وفي قولٍ آخر : الأذان أفضل ، وهو قول بعض المالكيّة ، ومذهب الشّافعيّ ، ورواية في مذهب أحمد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الإمام ضامن والمؤذّن مؤتمن ، اللّهمّ أرشد الأئمّة واغفر للمؤذّنين » والأمانة أعلى من الضّمان ، والمغفرة أعلى من الإرشاد . وقال عمر رضي الله عنه : " لولا الخلافة لأذّنت ".
شروط الإمامة :
يشترط لصحّة الإمامة الأمور التّالية :
أ - الإسلام :
5 - اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في الإمام أن يكون مسلماً . وعلى هذا لا تصحّ الصّلاة خلف من هو كافر يعلن كفره ، أمّا إذا صلّى خلف من لا يعلم كفره ، ثمّ تبيّن أنّه كافر ، فإنّ الحنفيّة والحنابلة قالوا : إذا أمّهم زماناً على أنّه مسلم ، ثمّ ظهر أنّه كان كافراً ، فليس عليهم إعادة الصّلاة ، لأنّها كانت محكوماً بصحّتها ، وخبره غير مقبولٍ في الدّيانات لفسقه باعترافه .
وقال الشّافعيّة : لو بان إمامه كافراً معلناً ، وقيل : أو مخفياً ، وجبت الإعادة ، لأنّ المأموم مقصّر بترك البحث . وقال الشّربينيّ : إنّ الأصحّ عدم وجوب الإعادة إذا كان الإمام مخفياً كفره . ومثله مذهب المالكيّة حيث قالوا : تبطل الصّلاة بالاقتداء بمن كان كافراً ، سواء أكانت سرّيّةً أم جهريّةً ، وسواء أطالت مدّة صلاته إماماً بالنّاس أم لا . وصرّح الحنابلة ، وهو رواية عند المالكيّة ، بعدم جواز إمامة الفاسق ، وهو الّذي أتى بكبيرةٍ كشارب خمرٍ وزانٍ وآكل الرّبا ، أو داوم على صغيرةٍ . لكنّ الحنفيّة والشّافعيّة ذهبوا إلى جواز إمامة الفاسق مع الكراهة ، وهذا هو المعتمد عند المالكيّة إذا لم يتعلّق فسقه بالصّلاة ، وإلاّ بطلت عندهم كقصده الكبر بالإمامة ، وإخلاله بركنٍ أو شرطٍ أو سنّةٍ عمداً . وفي صلاة الجمعة والعيدين جاز إمامة الفاسق بغير كراهةٍ ، مع تفصيلٍ ينظر في مواضعه .
ب - العقل :
6 - يشترط في الإمام أن يكون عاقلاً ، وهذا الشّرط أيضاً متّفق عليه بين الفقهاء ، فلا تصحّ إمامة السّكران ، ولا إمامة المجنون المطبق ، ولا إمامة المجنون غير المطبق حال جنونه ، وذلك لعدم صحّة صلاتهم لأنفسهم فلا تبنى عليها صلاة غيرهم .
أمّا الّذي يجنّ ويفيق ، فتصحّ إمامته حال إفاقته .
ت - البلوغ :
7 - جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - على أنّه يشترط لصحّة الإمامة في صلاة الفرض أن يكون الإمام بالغاً ، فلا تصحّ إمامة مميّزٍ لبالغٍ في فرضٍ عندهم ، لما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لا تقدّموا صبيانكم » ، ولأنّها حال كمالٍ والصّبيّ ليس من أهلها ، ولأنّ الإمام ضامن وليس هو من أهل الضّمان ، ولأنّه لا يؤمن معه الإخلال بالقراءة حال السّرّ . واستدلّوا كذلك على عدم صحّة إمامة الصّبيّ للبالغ في الفرض أنّ صلاة الصّبيّ نافلة فلا يجوز بناء الفرض عليها .
أمّا في غير الفرض كصلاة الكسوف أو التّراويح فتصحّ إمامة المميّز للبالغ عند جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة - لأنّه لا يلزم منها بناء القويّ على الضّعيف . والمختار عند الحنفيّة عدم جواز إمامة المميّز للبالغ مطلقاً ، سواء أكانت في الفرائض أم في النّوافل ، لأنّ نفل الصّبيّ ضعيف لعدم لزومه بالشّروع ، ونفل المقتدي البالغ قويّ لازم مضمون عليه بعد الشّروع . ولم يشترط الشّافعيّة في الإمام أن يكون بالغاً ، فتصحّ إمامة المميّز للبالغ عندهم مطلقاً ، سواء أكانت في الفرائض أم النّوافل ،
لحديث « عمرو بن سلمة أنّه كان يؤمّ قومه على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستّ أو سبع سنين » لكنّهم قالوا : البالغ أولى من الصّبيّ ، وإن كان الصّبيّ أقرأ أو أفقه ، لصحّة الاقتداء بالبالغ بالإجماع ، ولهذا نصّ في البويطيّ على كراهة الاقتداء بالصّبيّ . أمّا إمامة المميّز لمثله فجائزة في الصّلوات الخمس وغيرها عند جميع الفقهاء .
ث - الذّكورة :
8 - يشترط لإمامة الرّجال أن يكون الإمام ذكراً ، فلا تصحّ إمامة المرأة للرّجال ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء ، لما ورد في الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ اللّه » والأمر بتأخيرهنّ نهي عن الصّلاة خلفهنّ . ولما روى جابر مرفوعاً : « لا تؤمّنّ امرأة رجلاً » ولأنّ في إمامتها للرّجال افتتاناً بها .
أمّا إمامة المرأة للنّساء فجائزة عند جمهور الفقهاء - وهم الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - واستدلّ الجمهور لجواز إمامة المرأة للنّساء بحديث « أمّ ورقة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أذن لها أن تؤمّ نساء أهل دارها » .
لكن كره الحنفيّة إمامتها لهنّ ، لأنّها لا تخلو عن نقصٍ واجبٍ أو مندوبٍ ، فإنّه يكره لهنّ الأذان والإقامة ، ويكره تقدّم المرأة الإمام عليهنّ . فإذا صلّت النّساء صلاة الجماعة بإمامة امرأةٍ وقفت المرأة الإمام وسطهنّ . أمّا المالكيّة فلا تجوز إمامة المرأة عندهم مطلقاً ولو لمثلها في فرضٍ أو نفلٍ . ولا تصحّ إمامة الخنثى للرّجال ولا لمثلها بلا خلافٍ ، لاحتمال أن تكون امرأةً والمقتدي رجلاً ، وتصحّ إمامتها للنّساء مع الكراهة أو بدونها عند جمهور الفقهاء ، خلافاً للمالكيّة حيث صرّحوا بعدم جوازها مطلقاً .
ج - القدرة على القراءة :
9- يشترط في الإمام أن يكون قادراً على القراءة وحافظاً مقدار ما يتوقّف عليه صحّة الصّلاة على تفصيلٍ يذكر في مصطلح ( قراءة ) .
وهذا الشّرط إنّما يعتبر إذا كان بين المقتدين من يقدر على القراءة ، فلا تصحّ إمامة الأمّيّ للقارئ ، ولا إمامة الأخرس للقارئ أو الأمّيّ ، لأنّ القراءة ركن مقصود في الصّلاة ، فلم يصحّ اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه ، ولأنّ الإمام ضامن ويتحمّل القراءة عن المأموم ، ولا يمكن ذلك في الأمّيّ ، ولتفصيل المسألة ( ر : اقتداء ) .
أمّا إمامة الأمّيّ للأمّيّ والأخرس فجائزة ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء .
هذا ، وتكره إمامة الفأفاء ( وهو من يكرّر الفاء ) والتّمتام ( وهو من يكرّر التّاء ) واللّاحن لحناً غير مغيّرٍ للمعنى عند الشّافعيّة والحنابلة . وقال الحنفيّة : الفأفأة ، والتّمتمة ، واللّثغة ( وهي تحرّك اللّسان من السّين إلى الثّاء ، أو من الرّاء إلى الغين ونحوه ) تمنع من الإمامة . وعند المالكيّة في جواز إمامة هؤلاء وأمثالهم خلاف .
ح - السّلامة من الأعذار :
10 - يشترط في الإمام إذا كان يؤمّ الأصحّاء أن يكون سالماً من الأعذار ، كسلس البول وانفلات الرّيح والجرح السّائل والرّعاف ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو رواية عند الشّافعيّة ، لأنّ أصحاب الأعذار يصلّون مع الحدث حقيقةً ، وإنّما تجوز صلاتهم لعذرٍ ، ولا يتعدّى العذر لغيرهم لعدم الضّرورة ، ولأنّ الإمام ضامن ، بمعنى أنّ صلاته تضمن صلاة المقتدي ، والشّيء لا يضمن ما هو فوقه .
ولا يشترط في المشهور عند المالكيّة - وهو الأصحّ عند الشّافعيّة - السّلامة من العذر لصحّة الإمامة ، لأنّ الأحداث إذا عفي عنها في حقّ صاحبها عفي عنها في حقّ غيره .
وأمّا إمامة صاحب العذر لمثله فجائزة باتّفاق الفقهاء مطلقاً ، أو إن اتّحد عذرهما ( ر : اقتداء ) .
خ - القدرة على توفية أركان الصّلاة :
11 - يشترط في الإمام أن يكون قادراً على توفية الأركان ، وهذا إذا كان يصلّي بالأصحّاء ، فمن يصلّي بالإيماء ركوعاً أو سجوداً لا يصحّ أن يصلّي بمن يقدر عليهما عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) خلافاً للشّافعيّة فإنّهم أجازوا ذلك قياساً على صحّة إمامة المستلقي أو المضطجع للقاعد .
واختلفوا في صحّة إمامة القاعد للقائم ، فالمالكيّة والحنابلة لا يجوّزونها ، لأنّ فيه بناء القويّ على الضّعيف ، واستثنى الحنابلة إمام الحيّ إذا كان مرضه ممّا يرجى زواله ، فأجازوا إمامته ، واستحبّوا له إذا عجز عن القيام أن يستخلف ، فإن صلّى بهم قاعداً صحّ . والشّافعيّة يقولون بالجواز ، وهو قول أكثر الحنفيّة ، لحديث عائشة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « صلّى آخر صلاةٍ صلّاها بالنّاس قاعداً ، والقوم خلفه قيام » .
أمّا إمامة العاجز عن توفية الأركان لمثله فجائزة باتّفاق الفقهاء ، وللتّفصيل ( ر : اقتداء ) .
د - السّلامة من فقد شرطٍ من شروط الصّلاة :
12 - يشترط في الإمام السّلامة من فقد شرطٍ من شروط صحّة الصّلاة كالطّهارة من حدثٍ أو خبثٍ ، فلا تصحّ إمامة محدثٍ ولا متنجّسٍ إذا كان يعلم ذلك ، لأنّه أخلّ بشرطٍ من شروط الصّلاة مع القدرة على الإتيان به ، ولا فرق بين الحدث الأكبر والأصغر ، ولا بين نجاسة الثّوب والبدن والمكان .
وصرّح المالكيّة والشّافعيّة أنّ علم المقتدي بحدث الإمام بعد الصّلاة مغتفر ، وقال الحنفيّة : من اقتدى بإمامٍ ثمّ علم أنّ إمامه محدث أعاد لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أمّ قوماً ثمّ ظهر أنّه كان محدثاً أو جنباً أعاد صلاته » .
وفصّل الحنابلة فقالوا : لو جهله المأموم وحده وعلمه الإمام يعيدون كلّهم ، أمّا إذا جهله الإمام والمأمومون كلّهم حتّى قضوا الصّلاة صحّت صلاة المأموم وحده ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا صلّى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمّت للقوم صلاتهم » . وتفصيله في مصطلح : ( طهارة ) .
ذ - النّيّة :
13 - يشترط في الإمام عند الحنابلة نيّة الإمامة ، فإنّهم قالوا : من شرط صحّة الجماعة : أن ينوي الإمام أنّه إمام وينوي المأموم أنّه مأموم . ولو أحرم منفرداً ثمّ جاء آخر فصلّى معه ، فنوى إمامته صحّ في النّفل ، لحديث ابن عبّاسٍ أنّه قال : « بتّ عند خالتي ميمونة ، فقام النّبيّ صلى الله عليه وسلم متطوّعاً من اللّيل ، فقام إلى القربة فتوضّأ ، فقام فصلّى ، فقمت لمّا رأيته صنع ذلك ، فتوضّأت من القربة ، ثمّ قمت إلى شقّه الأيسر ، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشّقّ الأيمن » .
أمّا في الفرض فإن كان ينتظر أحداً ، كإمام المسجد يحرم وحده ، وينتظر من يأتي فيصلّي معه ، فيجوز ذلك أيضاً .
واختار ابن قدامة أنّ الفرض كالنّفل في صحّة صلاة من أحرم منفرداً ثمّ نوى أن يكون إماماً . وقال الحنفيّة : نيّة الرّجل الإمامة شرط لصحّة اقتداء النّساء إن كنّ وحدهنّ ، وهذا في صلاةٍ ذات ركوعٍ وسجودٍ ، لا في صلاة الجنازة ، لما يلزم من الفساد بمحاذاة المرأة له لو حاذته ، وإن لم ينو إمامة المرأة ونوت هي الاقتداء به لم تضرّه ، فتصحّ صلاته ولا تصحّ صلاتها ، لأنّ الاشتراك لا يثبت دون النّيّة .
ولا يشترط نيّة الإمام الإمامة عند المالكيّة والشّافعيّة ، إلاّ في الجمعة والصّلاة المعادة والمنذورة عند الشّافعيّة ، لكنّه يستحبّ عندهم للإمام أن ينوي الإمامة في سائر الصّلوات للخروج من خلاف الموجب لها ، وليحوز فضيلة الإمامة وصلاة الجماعة .
الأحقّ بالإمامة :
14 - وردت في ذلك الأحاديث التّالية : عن أبي سعيدٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا كانوا ثلاثةً فليؤمّهم أحدهم ، وأحقّهم بالإمامة أقرؤهم » رواه أحمد ومسلم والنّسائيّ . وعن أبي مسعودٍ عقبة بن عمرٍو قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :
« يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه ، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسّنّة ، فإن كانوا في السّنّة سواءً فأقدمهم هجرةً ، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سنّاً ، ولا يؤمّنّ الرّجل الرّجل في سلطانه ، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلاّ بإذنه » .
15 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا اجتمع قوم وكان فيهم ذو سلطانٍ ، كأميرٍ ووالٍ وقاضٍ فهو أولى بالإمامة من الجميع حتّى من صاحب المنزل وإمام الحيّ ، وهذا إذا كان مستجمعاً لشروط صحّة الصّلاة كحفظ مقدار الفرض من القراءة والعلم بأركان الصّلاة ، حتّى ولو كان بين القوم من هو أفقه أو أقرأ منه ، لأنّ ولايته عامّة ، ولأنّ ابن عمر كان يصلّي خلف الحجّاج . وإن لم يكن بينهم ذو سلطانٍ يقدّم صاحب المنزل ، ويقدّم إمام الحيّ وإن كان غيره أفقه أو أقرأ أو أورع منه ، إن شاء تقدّم وإن شاء قدّم من يريده . لكنّه يستحبّ لصاحب المنزل أن يأذن لمن هو أفضل منه .
واتّفقوا كذلك على أنّ بناء أمر الإمامة على الفضيلة والكمال ، ومن استجمع خصال العلم وقراءة القرآن والورع وكبر السّنّ وغيرها من الفضائل كان أولى بالإمامة .
ولا خلاف في تقديم الأعلم والأقرأ على سائر النّاس ، ولو كان في القوم من هو أفضل منه في الورع والسّنّ وسائر الأوصاف .
وجمهور الفقهاء : ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ) على أنّ الأعلم بأحكام الفقه أولى بالإمامة من الأقرأ ، لحديث : « مروا أبا بكرٍ فليصلّ بالنّاس » وكان ثمّة من هو أقرأ منه ، لا أعلم منه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أقرؤكم أبيٍّ » ، ولقول أبي سعيدٍ :" كان أبو بكرٍ أعلمنا "، وهذا آخر الأمرين من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيكون المعوّل عليه . ولأنّ الحاجة إلى الفقه أهمّ منها إلى القراءة ، لأنّ القراءة إنّما يحتاج إليها لإقامة ركنٍ واحدٍ ، والفقه يحتاج إليه لجميع الأركان والواجبات والسّنن .
وقال الحنابلة ، وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة : إنّ أقرأ النّاس أولى بالإمامة ممّن هو أعلمهم ، لحديث أبي سعيدٍ قال : قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا كانوا ثلاثة فليؤمّهم أحدهم ، وأحقّهم بالإمامة أقرؤهم » ولأنّ القراءة ركن لا بدّ منه ، والحاجة إلى العلم إذا عرض عارض مفسد ليمكنه إصلاح صلاته ، وقد يعرض وقد لا يعرض .
16 - أمّا إذا تفرّقت خصال الفضيلة من العلم والقراءة والورع وكبر السّنّ وغيرها في أشخاصٍ فقد اختلفت أقوال الفقهاء . فمنهم من قدّم الأعلم على الأقرأ ، وقالوا : إنّما أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بتقديم القارئ ، لأنّ أصحابه كان أقرؤهم أعلمهم ، فإنّهم كانوا إذا تعلّموا القرآن تعلّموا معه أحكامه ، وهذا قول جمهور الفقهاء . والأصل في أولويّة الإمامة حديث أبي مسعودٍ الأنصاريّ أنّ النّبيّ عليه السلام قال : « يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه ، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسّنّة ، فإن كانوا في السّنّة سواءً فأقدمهم هجرةً ، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سنّاً » .
17 - وفي ترتيب الأولويّة في الإمامة بعد الاستواء في العلم والقراءة ، قال الحنفيّة والشّافعيّة : يقدّم أورعهم أي الأكثر اتّقاءً للشّبهات ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « من صلّى خلف عالمٍ تقيٍّ فكأنّما صلّى خلف نبيٍّ » ولأنّ الهجرة المذكورة بعد القراءة والعلم بالسّنّة نسخ وجوبها بحديث : « لا هجرة بعد الفتح » فجعلوا الورع - وهو هجر المعاصي - مكان تلك الهجرة .
ومثله ما صرّح به المالكيّة حيث قالوا : الأولويّة بعد الأعلم والأقرأ للأكثر عبادةً . ثمّ إن استووا في الورع يقدّم عند الجمهور الأقدم إسلاماً ، فيقدّم شابّ نشأ في الإسلام على شيخٍ أسلم حديثاً . أمّا لو كانوا مسلمين من الأصل ، أو أسلموا معاً فإنّه يقدّم الأكبر سنّاً ، لقوله عليه السلام : « وليؤمّكما أكبركما سنّاً » . ولأنّ الأكبر في السّنّ يكون أخشع قلباً عادةً ، وفي تقديمه كثرة الجماعة .
18 - فإن استووا في الصّفات والخصال المتقدّمة من العلم والقراءة والورع والسّنّ ، قال الحنفيّة يقدّم الأحسن خلقاً ، لأنّ حسن الخلق من باب الفضيلة ، ومبنى الإمامة على الفضيلة ، فإن كانوا فيه سواءً فأحسنهم وجهاً ، لأنّ رغبة النّاس في الصّلاة خلفه أكثر ، ثمّ الأشرف نسباً ، ثمّ الأنظف ثوباً . فإن استووا يقرع بينهم .
وقال المالكيّة : يقدّم بعد الأسنّ الأشرف نسباً ، ثمّ الأحسن صورةً ، ثمّ الأحسن أخلاقاً ، ثمّ الأحسن ثوباً .
والشّافعيّة كالمالكيّة في تقديم الأشرف نسباً ، ثمّ الأنظف ثوباً وبدناً ، وحسن صوتٍ ، وطيّب صفةٍ وغيرها ، ثمّ يقرع بينهم . أمّا الحنابلة فقد صرّحوا أنّه إن استووا في القراءة والفقه فأقدمهم هجرةً ، ثمّ أسنّهم ، ثمّ أشرفهم نسباً ، ثمّ أتقاهم وأورعهم ، فإن استووا في هذا كلّه أقرع بينهم . ولا يقدّم بحسن الوجه عندهم ، لأنّه لا مدخل له في الإمامة ، ولا أثر له فيها . وهذا التّقديم إنّما هو على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الاشتراط ولا الإيجاب ، فلو قدّم المفضول كان جائزاً اتّفاقاً ما دام مستجمعاً شرائط الصّحّة ، لكن مع الكراهة عند الحنابلة . والمقصود بذكر هذه الأوصاف وربط الأولويّة بها هو كثرة الجماعة ، فكلّ من كان أكمل فهو أفضل ، لأنّ رغبة النّاس فيه أكثر .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:30 PM

اختلاف صفة الإمام والمقتدي :
19 - الأصل أنّ الإمام إذا كان أقوى حالاً من المقتدي أو مساوياً له صحّت إمامته اتّفاقاً ، أمّا إذا كان أضعف حالاً ، كأن كان يصلّي نافلةً والمقتدي يصلّي فريضةً ، أو كان الإمام معذوراً والمقتدي سليماً ، أو كان الإمام غير قادرٍ على القيام مثلاً والمقتدي قادراً ، فقد اختلفت آراء الفقهاء ، وإجمالها فيما يأتي :
أوّلاً : تجوز إمامة الماسح للغاسل وإمامة المسافر للمقيم اتّفاقاً ، وتجوز إمامة المتيمّم للمتوضّئ عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - ، وقيّد الشّافعيّة هذا الجواز بما إذا لم تجب على الإمام الإعادة .
ثانياً : جمهور الفقهاء على عدم جواز إمامة المتنفّل للمفترض ، والمفترض للّذي يؤدّي فرضاً آخر ، وعدم إمامة الصّبيّ للبالغ في فرضٍ ، وإمامة المعذور للسّليم ، وإمامة العاري للمكتسي ، وإمامة العاجز عن توفية ركنٍ للقادر عليه ، مع خلافٍ وتفصيلٍ في بعض الفروع ، أمّا إمامة هؤلاء لأمثالهم فجائزة باتّفاق الفقهاء . وللتّفصيل يرجع إلى بحث : ( اقتداء ) .
موقف الإمام :
20 - إذا كان يصلّي مع الإمام اثنان أو أكثر فإنّ الإمام يتقدّمهم في الموقف ، لفعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعمل الأمّة بذلك . وقد روي أنّ « جابراً وجبّاراً وقف أحدهما عن يمين النّبيّ صلى الله عليه وسلم والآخر عن يساره ، فأخذ بأيديهما حتّى أقامهما خلفه » . ولأنّ الإمام ينبغي أن يكون بحالٍ يمتاز بها عن غيره ، ولا يشتبه على الدّاخل ليمكنه الاقتداء به . ولو قام في وسط الصّفّ أو في ميسرته جاز مع الكراهة لتركه السّنّة . ويرى الحنابلة بطلان صلاة من يقف على يسار الإمام ، إذا لم يكن أحد عن يمينه .
ولو كان مع الإمام رجل واحد أو صبيّ يعقل الصّلاة وقف الإمام عن يساره والمأموم عن يمينه ، لما روي عن ابن عبّاسٍ « أنّه وقف عن يسار النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأداره إلى يمينه » . ويندب في هذه الحالة تأخّر المأموم قليلاً خوفاً من التّقدّم . ولو وقف المأموم عن يساره أو خلفه جاز مع الكراهة إلاّ عند الحنابلة فتبطل على ما سبق .
ولو كان معه امرأة أقامها خلفه ، لقوله عليه السلام : « أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ اللّه » . ولو كان معه رجل وامرأة أقام الرّجل عن يمينه والمرأة خلفه ، وإن كان رجلان وامرأة أقام الرّجلين خلفه والمرأة وراءهما .
21- والسّنّة أن تقف المرأة الّتي تؤمّ النّساء وسطهنّ ، لما روي أنّ عائشة وأمّ سلمة أمّتا نساءً فقامتا وسطهنّ وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
أمّا المالكيّة فقد صرّحوا بعدم جواز إمامتها ولو لمثلها ، في فريضةٍ كانت أو في نافلةٍ كما تقدّم في شروط الإمامة .
22 - ولا يجوز تأخّر الإمام عن المأموم في الموقف عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - لحديث : « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به » ومعنى الائتمام الاتّباع ، والمتقدّم غير تابعٍ . وأجاز المالكيّة تأخّره في الموقف إذا أمكن للمأمومين متابعته في الأركان ، لكنّهم صرّحوا بكراهة تقدّم المقتدي على الإمام أو محاذاته له إلاّ لضرورةٍ . والاختيار في التّقدّم والتّأخّر للقائم بالعقب ، وللقاعد بالألية ، وللمضطجع بالجنب .
23 - هذا ، ويكره أن يكون موقف الإمام عالياً عن موقف المقتدين اتّفاقاً ، إلاّ إذا أراد الإمام تعليم المأمومين ، فالسّنّة أن يقف الإمام في موضعٍ عالٍ عند الشّافعيّة ، لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثمّ قال : { أيّها النّاس : إنّما فعلت هذا لتأتمّوا بي ، ولتعلموا صلاتي » . أمّا إذا أراد الإمام بذلك الكبر فممنوع . ولا بأس عند الحنابلة بالعلوّ اليسير ، وقدّروه بمثل درجة المنبر . وقدّر الحنفيّة العلوّ المكروه بما كان قدر ذراعٍ على المعتمد . ولتفصيل هذه المسائل يراجع مصطلح : ( صلاة الجماعة ) ( واقتداء ) .
من تكره إمامتهم :
24 - إنّ بناء أمر الإمامة على الفضيلة والكمال ، فكلّ من كان أكمل فهو أفضل ، وإن تقدّم المفضول على الفاضل جاز وكره وإذا أذن الفاضل للمفضول لم يكره ، وهذا القدر متّفق عليه بين الفقهاء . وقد سبق بيانه في بحث الأولويّة .
ثمّ قال الحنفيّة : يكره تقديم العبد لأنّه لا يتفرّغ للتّعلّم ، والأعرابيّ وهو من يسكن البادية لغلبة الجهل عليه ، ويكره تقديم الفاسق لأنّه لا يهتمّ بأمر دينه ، والأعمى لأنّه لا يتوقّى النّجاسة ، كما يكره إمامة ولد الزّنى ، والمبتدع بدعةً غير مكفّرةٍ ، كذلك يكره إمامة أمرد وسفيهٍ ومفلوجٍ وأبرص شاع برصه . ولأنّ في تقديم هؤلاء تنفير الجماعة ، لكنّه إن تقدّموا جاز ، لقوله عليه السلام : « صلّوا خلف كلّ برٍّ وفاجرٍ » .
والكراهة في حقّهم لما ذكر من النّقائص ، فلو عدمت بأن كان الأعرابيّ أفضل من الحضريّ ، والعبد من الحرّ ، وولد الزّنى من ولد الرّشدة والأعمى من البصير زالت الكراهة . أمّا الفاسق والمبتدع فلا تخلو إمامتهما عن الكراهة بحالٍ ، حتّى صرّح بعضهم بأنّ كراهة تقديمهما كراهة تحريمٍ .
وقال المالكيّة : كره إمامة مقطوع اليد أو الرّجل والأشلّ والأعرابيّ لغيره وإن كان أقرأ ، وكره إمامة ذي السّلس والقروح للصّحيح ، وإمامة من يكرهه بعض الجماعة ، فإن كرهه الكلّ أو الأكثر ، أو ذو الفضل منهم - وإن قلّوا - فإمامته حرام ، لقوله عليه السلام : « لعن رسول اللّه ثلاثةً : رجل أمّ قوماً وهم له كارهون ... » كما كره أن يجعل إماماً راتباً كلّ من الخصيّ أو المأبون أو الأقلف ( غير المختون ) أو ولد الزّنى ، أو مجهول الحال .
وقال الشّافعيّة : يكره إمامة الفاسق والأقلف وإن كان بالغاً ، كما يكره إمامة المبتدع ، ومن يكرهه أكثر القوم لأمرٍ مذمومٍ فيه شرعاً ، والتّمتام والفأفاء ، واللّاحن لحناً غير مغيّرٍ للمعنى ، لكن الأعمى والبصير سيّان في الإمامة ، لتعارض فضيلتهما ، لأنّ الأعمى لا ينظر ما يشغله فهو أخشع ، والبصير ينظر الخبث فهو أحفظ لتجنّبه . وإمامة الحرّ أولى من العبد ، والسّميع أولى من الأصمّ ، والفحل أولى من الخصيّ والمجبوب ، والقرويّ أولى من البدويّ . وقال الحنابلة : تكره إمامة الأعمى والأصمّ واللّحّان الّذي لا يحيل المعنى ، ومن يصرع ، ومن اختلف في صحّة إمامته ، وكذا إمامة الأقلف وأقطع اليدين أو إحداهما ، أو الرّجلين أو إحداهما ، والفأفاء والتّمتام ، وأن يؤمّ قوماً أكثرهم يكرهه لخللٍ في دينه أو فضله . ولا بأس بإمامة ولد الزّنى واللّقيط والمنفيّ باللّعان والخصيّ والأعرابيّ إذا سلم دينهم وصلحوا لها . هذا ، والكراهة إنّما تكون فيما إذا وجد في القوم غير هؤلاء ، وإلاّ فلا كراهة اتّفاقاً .
ما يفعله الإمام قبل بداية الصّلاة :
25 - إذا أراد الإمام الصّلاة يأذن للمؤذّن أن يقيمها ، فإنّ « بلالاً كان يستأذن النّبيّ صلى الله عليه وسلم للإقامة » ، ويسنّ للإمام أن يقوم للصّلاة حين يقال ( حيّ على الفلاح ) أو حين قول المؤذّن : ( قد قامت الصّلاة ) أو مع الإقامة أو بعدها بقدر الطّاقة على تفصيلٍ عند الفقهاء ، وإذا كان مسافراً يخبر المأمومين بذلك ليكونوا على علمٍ بحاله ، ويصحّ أن يخبرهم بعدم تمام الصّلاة ليكملوا صلاتهم . كما يسنّ أن يأمر بتسوية الصّفوف فيلتفت عن يمينه وشماله قائلاً : اعتدلوا وسوّوا صفوفكم ، لما روى محمّد بن مسلمٍ قال : « صلّيت إلى جانب أنس بن مالكٍ يوماً فقال : هل تدري لم صنع هذا العود ؟ فقلت : لا واللّه . فقال : إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصّلاة أخذه بيمينه فقال : اعتدلوا وسوّوا صفوفكم ، ثمّ أخذه بيساره وقال : اعتدلوا وسوّوا صفوفكم » ، وفي روايةٍ : « اعتدلوا في صفوفكم وتراصّوا ، فإنّي أراكم من وراء ظهري » .
ما يفعله الإمام أثناء الصّلاة :
أ - الجهر أو الإسرار بالقراءة :
26 - يجهر الإمام بالقراءة في الفجر والرّكعتين الأوليين من المغرب والعشاء أداءً وقضاءً ، وكذلك في الجمعة والعيدين والتّراويح والوتر بعدها . ويسرّ في غيرها من الصّلوات . والجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت فيه واجب على الإمام عند الحنفيّة ، وسنّة عند غيرهم . وتفصيله في مصطلح : ( قراءة ) .
ب - تخفيف الصّلاة :
27 - يسنّ للإمام أن يخفّف في القراءة والأذكار مع فعل الأبعاض والهيئات ، ويأتي بأدنى الكمال ، لما روي عن أبي هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا صلّى أحدكم بالنّاس فليخفّف ، فإنّ فيهم السّقيم والضّعيف والكبير » ، ولحديث معاذٍ أنّه كان يطوّل بهم القراءة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « أفتّان أنت يا معاذ ، صلّ بالقوم صلاة أضعفهم » ، لكنّه إن صلّى بقومٍ يعلم أنّهم يؤثرون التّطويل لم يكره ، لأنّ المنع لأجلهم ، وقد رضوا . ويكره له الإسراع ، بحيث يمنع المأموم من فعل ما يسنّ له ، كتثليث التّسبيح في الرّكوع والسّجود ، وإتمام ما يسنّ في التّشهّد الأخير .
ج - الانتظار للمسبوق :
28 - إن أحسّ الإمام بشخصٍ داخلٍ وهو راكع ، ينتظره يسيراً ما لم يشقّ على من خلفه ، وهذا عند الحنابلة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، لأنّه انتظار ينفع ولا يشقّ ، فشرع كتطويل الرّكعة وتخفيف الصّلاة ، وقد ثبت « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يطيل الرّكعة الأولى حتّى لا يسمع وقع قدمٍ » . وكان ينتظر الجماعة فإن رآهم قد اجتمعوا عجّل ، وإذا رآهم قد أبطئوا أخّر . ويكره ذلك عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة .
د - الاستخلاف :
29 - إذا حدث للإمام عذر لا تبطل به صلاة المأمومين يجوز للإمام أن يستخلف غيره من المأمومين لتكميل الصّلاة بهم ، وهذا عند جمهور الفقهاء .
وفي كيفيّة الاستخلاف وشروطه وأسبابه تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح : ( استخلاف ) .
ما يفعله الإمام عقب الفراغ من الصّلاة :
30 - يستحبّ للإمام والمأمومين عقب الصّلاة ذكر اللّه والدّعاء بالأدعية المأثورة ، منها ما رواه الشّيخان « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كلّ صلاةٍ مكتوبةٍ : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيءٍ قدير ... إلخ » ، كما يستحبّ له إذا فرغ من الصّلاة أن يقبل على النّاس بوجهه يميناً أو شمالاً إذا لم يكن بحذائه أحد ، لما روي عن سمرة قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صلّى صلاةً أقبل علينا بوجهه » .
ويكره له المكث على هيئته مستقبل القبلة ، لما روي عن عائشة « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصّلاة لا يمكث في مكانه إلاّ مقدار أن يقول : اللّهمّ أنت السّلام ومنك السّلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام » ، ولأنّ المكث يوهم الدّاخل أنّه في الصّلاة فيقتدي به . كما يكره له أن يتنفّل في المكان الّذي أمّ فيه .
وإذا أراد الانصراف فإن كان خلفه نساء استحبّ له أن يلبث يسيراً ، حتّى ينصرف النّساء ولا يختلطن بالرّجال ، لما روت أمّ سلمة « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا سلّم قام النّساء حين يقضي سلامه ، فيمكث يسيراً قبل أن يقوم » . ثمّ ينصرف الإمام حيث شاء عن يمينٍ وشمالٍ .
31 - ويستحبّ كذلك للإمام المسافر إذا صلّى بمقيمين أن يقول لهم عقب تسليمه : أتمّوا صلاتكم فإنّا سفر ، لما روي عن عمران بن حصينٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى بأهل مكّة ركعتين ، ثمّ قال لهم : صلّوا أربعاً فإنّا سفر » .
هذا ، وقد فرّق الحنفيّة بين الصّلوات الّتي بعدها سنّة وبين الّتي ليست بعدها سنّة ، فقالوا : إن كانت صلاةً لا تصلّى بعدها سنّة ، كالفجر والعصر فإن شاء الإمام قام ، وإن شاء قعد يشتغل بالدّعاء ، مغيّراً هيئته أو منحرفاً عن مكانه . وإن كانت صلاةً بعدها سنّة يكره له المكث قاعداً ، ولكن يقوم ويتنحّى عن ذلك المكان ثمّ يتنفّل .
ووجه التّفرقة عندهم أنّ السّنن بعد الفرائض شرعت لجبر النّقصان ، ليقوم في الآخرة مقام ما ترك فيها لعذرٍ ، فيكره الفصل بينهما بمكثٍ طويلٍ ، ولا كذلك الصّلوات الّتي ليست بعدها سنّة . ولم يعثر على هذه التّفرقة في كتب غير الحنفيّة .
الأجر على الإمامة :
32 - ذهب جمهور الفقهاء : - الشّافعيّة والحنابلة ، والمتقدّمون من الحنفيّة - إلى عدم جواز الاستئجار لإمامة الصّلاة ، لأنّها من الأعمال الّتي يختصّ فاعلها بكونه من أهل القربة ، فلا يجوز الاستئجار عليها كنظائرها من الأذان وتعليم القرآن ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به » . ولأنّ الإمام يصلّي لنفسه ، فمن أراد اقتدى به وإن لم ينو الإمامة ، وإن توقّف على نيّته شيء فهو إحراز فضيلة الجماعة ، وهذه فائدة تختصّ به . ولأنّ العبد فيما يعمله من القربات والطّاعات عامل لنفسه ، قال سبحانه وتعالى : { من عمل صالحاً فلنفسه } ، ومن عمل لنفسه لا يستحقّ الأجر على غيره .
وقال المالكيّة : جاز أخذ الأجرة على الأذان وحده أو مع صلاةٍ ، وكره الأجر على الصّلاة وحدها ، فرضاً كانت أو نفلاً من المصلّين .
والمفتى به عند متأخّري الحنفيّة جواز الاستئجار لتعليم القرآن والفقه والإمامة والأذان ، ويجبر المستأجر على دفع المسمّى بالعقد أو أجر المثل إذا لم تذكر مدّة .
واستدلّوا للجواز بالضّرورة ، وهي خشية ضياع القرآن لظهور التّواني في الأمور الدّينيّة اليوم . وهذا كلّه في الأجر . وأمّا الرّزق من بيت المال فيجوز على ما يتعدّى نفعه من هذه الأمور بلا خلافٍ ، لأنّه من باب الإحسان والمسامحة ، بخلاف الإجارة فإنّها من باب المعاوضة ، ولأنّ بيت المال لمصالح المسلمين ، فإذا كان بذله لمن يتعدّى نفعه إلى المسلمين محتاجاً إليه كان من المصالح ، وكان للآخذ أخذه ، لأنّه من أهله وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح .

الإمامة الكبرى
التّعريف :
1 - ( الإمامة ) : مصدر أمّ القوم وأمّ بهم . إذا تقدّمهم وصار لهم إماماً . والإمام - وجمعه أئمّة - : كلّ من ائتمّ به قوم سواء أكانوا على صراطٍ مستقيمٍ : كما في قوله تعالى : { وجعلناهم أئمّةً يهدون بأمرنا } أم كانوا ضالّين كقوله تعالى : { وجعلناهم أئمّةً يدعون إلى النّار ويوم القيامة لا ينصرون } .
ثمّ توسّعوا في استعماله ، حتّى شمل كلّ من صار قدوةً في فنٍّ من فنون العلم . فالإمام أبو حنيفة قدوة في الفقه ، والإمام البخاريّ قدوة في الحديث ... إلخ ، غير أنّه إذا أطلق لا ينصرف إلاّ إلى صاحب الإمامة العظمى ، ولا يطلق على الباقي إلاّ بالإضافة ، لذلك عرّف الرّازيّ الإمام بأنّه : كلّ شخصٍ يقتدى به في الدّين .
والإمامة الكبرى في الاصطلاح : رئاسة عامّة في الدّين والدّنيا خلافةً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وسمّيت كبرى تمييزاً لها عن الإمامة الصّغرى ، وهم إمامة الصّلاة وتنظر في موضعها .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الخلافة :
2 - الخلافة في اللّغة : مصدر خلف يخلف خلافةً : أي : بقي بعده أو قام مقامه ، وكلّ من يخلف شخصاً آخر يسمّى خليفةً ، لذلك سمّي من يخلف الرّسول صلى الله عليه وسلم في إجراء الأحكام الشّرعيّة ورئاسة المسلمين في أمور الدّين والدّنيا خليفةً ، ويسمّى المنصب خلافةً وإمامةً .
أمّا في الاصطلاح الشّرعيّ : فهي ترادف الإمامة ، وقد عرّفها ابن خلدونٍ بقوله : هي حمل الكافّة على مقتضى النّظر الشّرعيّ ، في مصالحهم الأخرويّة ، والدّنيويّة الرّاجعة إليها ، ثمّ فسّر هذا التّعريف بقوله : فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشّرع في حراسة الدّين والدّنيا .
ب - الإمارة :
3 - الإمارة لغةً : الولاية ، والولاية إمّا أن تكون عامّةً ، فهي الخلافة أو الإمامة العظمى ، وإمّا أن تكون خاصّةً على ناحيةٍ كأن ينال أمر مصرٍ ونحوه ، أو على عملٍ خاصٍّ من شئون الدّولة كإمارة الجيش وإمارة الصّدقات ، وتطلق على منصبٍ أمير .
ج - السّلطة :
4 - السّلطة هي : السّيطرة والتّمكّن والقهر والتّحكّم ومنه السّلطان وهو من له ولاية التّحكّم والسّيطرة في الدّولة ، فإن كانت سلطته قاصرةً على ناحيةٍ خاصّةٍ فليس بخليفةٍ ، وإن كانت عامّةً فهو الخليفة ، وقد وجدت في العصور الإسلاميّة المختلفة خلافة بلا سلطةٍ ، كما وقع في أواخر العبّاسيّين ، وسلطة بلا خلافةٍ كما كان الحال في عهد المماليك .
د - الحكم :
5 - الحكم هو في اللّغة : القضاء ، يقال : حكم له وعليه وحكم بينهما ، فالحاكم هو القاضي في عرف اللّغة والشّرع .
وقد تعارف النّاس في العصر الحاضر على إطلاقه على من يتولّى السّلطة العامّة .
الحكم التّكليفيّ :
6 - أجمعت الأمّة على وجوب عقد الإمامة ، وعلى أنّ الأمّة يجب عليها الانقياد لإمامٍ عادلٍ ، يقيم فيهم أحكام اللّه ، ويسوسهم بأحكام الشّريعة الّتي أتى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولم يخرج عن هذا الإجماع من يعتدّ بخلافه .
واستدلّوا لذلك ، بإجماع الصّحابة والتّابعين ، وقد ثبت أنّ الصّحابة رضي الله عنهم ، بمجرّد أن بلغهم نبأ وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بادروا إلى عقد اجتماعٍ في سقيفة بني ساعدةٍ ، واشترك في الاجتماع كبار الصّحابة ، وتركوا أهمّ الأمور لديهم في تجهيز رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وتشييع جثمانه الشّريف ، وتداولوا في أمر خلافته .
وهم ، وإن اختلفوا في بادئ الأمر حول الشّخص الّذي ينبغي أن يبايع ، أو على الصّفات الّتي ينبغي أن تتوفّر فيمن يختارونه ، فإنّهم لم يختلفوا في وجوب نصب إمامٍ للمسلمين ، ولم يقل أحد مطلقاً إنّه لا حاجة إلى ذلك ، وبايعوا أبا بكرٍ رضي الله عنه ، ووافق بقيّة الصّحابة الّذين لم يكونوا حاضرين في السّقيفة ، وبقيت هذه السّنّة في كلّ العصور ، فكان ذلك إجماعاً على وجوب نصب الإمام .
وهذا الوجوب وجوب كفايةٍ ، كالجهاد ونحوه ، فإذا قام بها من هو أهل لها سقط الحرج عن الكافّة ، وإن لم يقم بها أحد ، أثم من الأمّة فريقان :
أ - أهل الاختيار وهم : أهل الحلّ والعقد من العلماء ووجوه النّاس ، حتّى يختاروا إماماً للأمّة .
ب - أهل الإمامة وهم : من تتوفّر فيهم شروط الإمامة ، إلى أن ينصب أحدهم إماماً .
ما يجوز تسمية الإمام به :
7 - اتّفق الفقهاء على جواز تسمية الإمام : خليفةً ، وإماماً ، وأمير المؤمنين .
فأمّا تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصّلاة في وجوب الاتّباع والاقتداء به فيما وافق الشّرع ، ولهذا سمّي منصبه بالإمامة الكبرى .
وأمّا تسميته خليفةً فلكونه يخلف النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حراسة الدّين وسياسة الدّنيا في الأمّة ، فيقال خليفة بإطلاق ، وخليفة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
واختلفوا في جواز تسميته خليفة اللّه ، فذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز تسميته بخليفة اللّه ، لأنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه نهى عن ذلك لمّا دعي به ، وقال : لست خليفة اللّه ، ولكنّي خليفة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . ولأنّ الاستخلاف إنّما هو في حقّ الغائب ، واللّه منزّه عن ذلك . وأجازه بعضهم اقتباساً من الخلافة العامّة للآدميّين في قوله تعالى :
{ إنّي جاعل في الأرض خليفةً } وقوله : { هو الّذي جعلكم خلائف في الأرض } .
معرفة الإمام باسمه وعينه :
8 - لا تجب معرفة الإمام باسمه وعينه على كافّة الأمّة ، وإنّما يلزمهم أن يعرفوا أنّ الخلافة أفضت إلى أهلها ، لما في إيجاب معرفته عليهم باسمه وعينه من المشقّة والحرج ، وإنّما يجب ذلك على أهل الاختيار الّذين تنعقد ببيعتهم الخلافة ، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء .
حكم طلب الإمامة :
9 - يختلف الحكم باختلاف حال الطّالب ، فإن كان لا يصلح لها إلاّ شخص وجب عليه أن يطلبها ، ووجب على أهل الحلّ والعقد أن يبايعوه .
وإن كان يصلح لها جماعة صحّ أن يطلبها واحد منهم ، ووجب اختيار أحدهم ، وإلاّ أجبر أحدهم على قبولها جمعاً لكلمة الأمّة . وإن كان هناك من هو أولى منه كره له طلبها ، وإن كان غير صالحٍ لها حرم عليه طلبها .
شروط الإمامة :
10 - يشترط الفقهاء للإمام شروطاً ، منها ما هو متّفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه . فالمتّفق عليه من شروط الإمامة :
أ - الإسلام ، لأنّه شرط في جواز الشّهادة . وصحّة الولاية على ما هو دون الإمامة في الأهمّيّة . قال تعالى : { ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً } والإمامة كما قال ابن حزمٍ : أعظم ( السّبيل ) ، وليراعى مصلحة المسلمين .
ب - التّكليف : ويشمل العقل ، والبلوغ ، فلا تصحّ إمامة صبيٍّ أو مجنونٍ ، لأنّهما في ولاية غيرهما ، فلا يليان أمر المسلمين ، وجاء في الأثر « تعوّذوا باللّه من رأس السّبعين ، وإمارة الصّبيان » .
ت - الذّكورة : فلا تصحّ إمارة النّساء ، لخبر : « لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأةً » ولأنّ هذا المنصب تناط به أعمال خطيرة وأعباء جسيمة تتنافى مع طبيعة المرأة ، وفوق طاقتها . فيتولّى الإمام قيادة الجيوش ويشترك في القتال بنفسه أحياناً .
ث - الكفاية ولو بغيره ، والكفاية هي الجرأة والشّجاعة والنّجدة ، بحيث يكون قيّماً بأمر الحرب والسّياسة وإقامة الحدود والذّبّ عن الأمّة .
ج - الحرّيّة : فلا يصحّ عقد الإمامة لمن فيه رقّ ، لأنّه مشغول في خدمة سيّده .
ح - سلامة الحواسّ والأعضاء ممّا يمنع استيفاء الحركة للنّهوض بمهامّ الإمامة . وهذا القدر من الشّروط متّفق عليه .
11 - أمّا المختلف فيه من الشّروط فهو :
أ - العدالة والاجتهاد . ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العدالة والاجتهاد شرطا صحّةٍ ، فلا يجوز تقليد الفاسق أو المقلّد إلاّ عند فقد العدل والمجتهد .
وذهب الحنفيّة إلى أنّهما شرطا أولويّةٍ ، فيصحّ تقليد الفاسق والعامّيّ ، ولو عند وجود العدل والمجتهد .
ب - السّمع والبصر وسلامة اليدين والرّجلين .
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها شروط انعقادٍ ، فلا تصحّ إمامة الأعمى والأصمّ ومقطوع اليدين والرّجلين ابتداءً ، وينعزل إذا طرأت عليه ، لأنّه غير قادرٍ على القيام بمصالح المسلمين ، ويخرج بها عن أهليّة الإمامة إذا طرأت عليه .
وذهب بعض الفقهاء إلى أنّه لا يشترط ذلك ، فلا يضرّ الإمام عندهم أن يكون في خلقه عيب جسديّ أو مرض منفّر ، كالعمى والصّمم وقطع اليدين والرّجلين والجدع والجذام ، إذ لم يمنع ذلك قرآن ولا سنّة ولا إجماع .
ج - النّسب : ويشترط عند جمهور الفقهاء أن يكون الإمام قرشيّاً لحديث : « الأئمّة من قريشٍ » وخالف في ذلك بعض العلماء منهم أبو بكرٍ الباقلّانيّ ، واحتجّوا بقول عمر :" لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيته "، ولا يشترط أن يكون هاشميّاً ولا علويّاً باتّفاق فقهاء المذاهب الأربعة ، لأنّ الثّلاثة الأول من الخلفاء الرّاشدين لم يكونوا من بني هاشمٍ ، ولم يطعن أحد من الصّحابة في خلافتهم ، فكان ذلك إجماعاً في عصر الصّحابة .
دوام الإمامة :
12 - يشترط لدوام الإمامة دوام شروطها ، وتزول بزوالها إلاّ العدالة ، فقد اختلف في أثر زوالها على منصب الإمامة على النّحو التّالي :
عند الحنفيّة ليست العدالة شرطاً لصحّة الولاية ، فيصحّ تقليد الفاسق الإمامة عندهم مع الكراهة ، وإذا قلّد إنسان الإمامة حال كونه عدلاً ، ثمّ جار في الحكم ، وفسق بذلك أو غيره لا ينعزل ، ولكن يستحقّ العزل إن لم يستلزم عزله فتنةً ، ويجب أن يدعى له بالصّلاح ونحوه ، ولا يجب الخروج عليه ، كذا نقل الحنفيّة عن أبي حنيفة ، وكلمتهم قاطبةً متّفقة في توجيهه على أنّ وجهه : هو أنّ بعض الصّحابة رضي الله عنهم صلّوا خلف أئمّة الجور وقبلوا الولاية عنهم . وهذا عندهم للضّرورة وخشية الفتنة .
وقال الدّسوقيّ : يحرم الخروج على الإمام الجائر لأنّه لا يعزل السّلطان بالظّلم والفسق وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته ، وإنّما يجب وعظه وعدم الخروج عليه ، إنّما هو لتقديم أخفّ المفسدتين ، إلاّ أن يقوم عليه إمام عدل ، فيجوز الخروج عليه وإعانة ذلك القائم . وقال الخرشيّ : روى ابن القاسم عن مالكٍ : إن كان الإمام مثل عمر بن عبد العزيز وجب على النّاس الذّبّ عنه والقتال معه ، وأمّا غيره فلا ، دعه وما يراد منه ، ينتقم اللّه من الظّالم بظالمٍ ، ثمّ ينتقم من كليهما .
وقال الماورديّ : إنّ الجرح في عدالة الإمام ، وهو الفسق على ضربين :
أحدهما ما تبع فيه الشّهوة ، والثّاني ما تعلّق فيه بشبهةٍ . فأمّا الأوّل منهما فمتعلّق بأفعال الجوارح ، وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيماً للشّهوة وانقياداً للهوى ، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها ، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلاّ بعقدٍ جديدٍ . وقال بعض المتكلّمين : يعود إلى الإمامة بعودة العدالة من غير أن يستأنف له عقد ولا بيعة ، لعموم ولايته ولحوق المشقّة في استئناف بيعته .
وأمّا الثّاني منهما فمتعلّق بالاعتقاد المتأوّل بشبهةٍ تعترض ، فيتأوّل لها خلاف الحقّ ، فقد اختلف العلماء فيها : فذهب فريق منهم إلى أنّها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ، ويخرج منها بحدوثه لأنّه لمّا استوى حكم الكفر بتأويلٍ وغير تأويلٍ وجب أن يستوي حال الفسق بتأويلٍ وغير تأويلٍ . وقال كثير من علماء البصرة : إنّه لا يمنع من انعقاد الإمامة ، ولا يخرج به منها ، كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشّهادة .
وقال أبو يعلى : إذا وجدت هذه الصّفات حالة العقد ، ثمّ عدمت بعد العقد نظرت ، فإن كان جرحاً في عدالته ، وهو الفسق ، فإنّه لا يمنع من استدامة الإمامة . سواء كان متعلّقاً بأفعال الجوارح . وهو ارتكاب المحظورات ، وإقدامه على المنكرات اتّباعاً لشهوته ، أو كان متعلّقاً بالاعتقاد ، وهو المتأوّل لشبهةٍ تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحقّ . وهذا ظاهر كلامه ( أحمد ) في رواية المروزيّ في الأمير يشرب المسكر ويغلّ ، يغزى معه ، وقد كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين ، وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن .
وقال حنبل : في ولاية الواثق اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد اللّه قالوا : هذا أمر قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار القول بخلق القرآن - نشاورك في أنّا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه . فقال : عليكم بالنّكير بقلوبكم ، ولا تخلعوا يداً من طاعةٍ ، ولا تشقّوا عصا المسلمين . وقال أحمد في رواية المروزيّ ، وذكر الحسن بن صالح بن حيٍّ الزّيديّ فقال : كان يرى السّيف ، ولا نرضى بمذهبه .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:30 PM

ما تنعقد به الإمامة :
تنعقد الإمامة بطرقٍ ثلاثةٍ ، باتّفاق أهل السّنّة :
أوّلاً - البيعة :
13 - والمراد بالبيعة بيعة أهل الحلّ والعقد ، وهم : علماء المسلمين ورؤساؤهم ووجوه النّاس ، الّذين يتيسّر اجتماعهم حالة البيعة بلا كلفةٍ عرفاً ، ولكن هل يشترط عدد معيّن ؟ اختلف في ذلك الفقهاء ، فنقل عن بعض الحنفيّة أنّه يشترط جماعة دون تحديد عددٍ معيّنٍ . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّها لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد ، بالحضور والمباشرة بصفقة اليد ، وإشهاد الغائب منهم من كلّ بلدٍ ، ليكون الرّضى به عامّاً ، والتّسليم بإمامته إجماعاً .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا يشترط اتّفاق أهل الحلّ والعقد من سائر البلاد ، لتعذّر ذلك وما فيه من المشقّة ، وذكروا أقوالاً خمسةً في ذلك فقالت طائفة : أقلّ ما تنعقد به الإمامة خمسة ، يجتمعون على عقدها أو يعقد أحدهم برضى الباقين ، واستدلّوا بخلافة أبي بكرٍ لأنّها انعقدت بخمسةٍ اجتمعوا عليها ، ثمّ تابعهم النّاس فيها . وجعل عمر الشّورى في ستّةٍ ليعقدوا لأحدهم برضى الخمسة .
وذهبت طائفة إلى أنّ الإمامة لا تنعقد بأقلّ من أربعين ، لأنّها أشدّ خطراً من الجمعة ، وهي لا تنعقد بأقلّ من أربعين ، والرّاجح عندهم : أنّه لا يشترط عدد معيّن ، بل لا يشترط عدد ، حتّى لو انحصرت أهليّة الحلّ والعقد بواحدٍ مطاعٍ كفت بيعته لانعقاد الإمامة ، ولزم على النّاس الموافقة والمتابعة .
شروط أهل الاختيار :
14 - يشترط الفقهاء لأهل الاختيار أموراً ، هي : العدالة بشروطها ، والعلم بشروط الإمامة ، والرّأي والحكمة والتّدبير .
ويزيد الشّافعيّة شرطاً آخر وهو : أن يكون مجتهداً في أحكام الإمامة إن كان الاختيار من واحدٍ ، وأن يكون فيهم مجتهد إن كان أهل الاختيار جماعةً .
ثانياً : ولاية العهد : (الاستخلاف ) :
15 - وهي : عهد الإمام بالخلافة إلى من يصحّ إليه العهد ليكون إماماً بعده . قال الماورديّ : انعقاد الإمامة بعهد من قبله ممّا انعقد الإجماع على جوازه ، ووقع الاتّفاق على صحّته ، لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما .
أحدهما : أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه ، فأثبت المسلمون إمامته بعهده .
والثّاني : أنّ عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشّورى ، فقبلت الجماعة دخولهم فيها ، وهم أعيان العصر اعتقاداً لصحّة العهد بها وخرج باقي الصّحابة منها ، وقال عليّ للعبّاس رضوان الله عليهما حين عاتبه على الدّخول في الشّورى :" كان أمراً عظيماً في أمور الإسلام لم أر لنفسي الخروج منه ". فصار العهد بها إجماعاً في انعقاد الإمامة ، فإذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه أن يجتهد رأيه في الأحقّ بها والأقوم بشروطها ، فإذا تعيّن له الاجتهاد في واحدٍ نظر فيه :
فإن لم يكن ولداً ولا والداً جاز أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه ، وإن لم يستشر فيه أحداً من أهل الاختيار ، لكن اختلفوا هل يكون ظهور الرّضى منهم شرطاً في انعقاد بيعته أو لا ؟ فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أنّ رضى أهل الاختيار لبيعته شرط في لزومها للأمّة ، لأنّها حقّ يتعلّق بهم ، فلم تلزمهم إلاّ برضى أهل الاختيار منهم ، والصّحيح أنّ بيعته منعقدة وأنّ الرّضى بها غير معتبرٍ ، لأنّ بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقّف على رضى الصّحابة ، ولأنّ الإمام أحقّ بها فكان اختياره فيها أمضى ، وقوله فيها أنفذ .
وإن كان وليّ العهد ولداً أو والداً فقد اختلف في جواز انفراده بعقد البيعة له على ثلاثة مذاهب .
أحدهما : لا يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لولدٍ ولا لوالدٍ ، حتّى يشاور فيه أهل الاختيار فيرونه أهلاً لها ، فيصحّ منه حينئذٍ عقد البيعة له ، لأنّ ذلك منه تزكية له تجري مجرى الشّهادة ، وتقليده على الأمّة يجري مجرى الحكم ، وهو لا يجوز أن يشهد لوالدٍ ولا لولدٍ ، ولا يحكم لواحدٍ منهما للتّهمة العائدة إليه بما جبل من الميل إليه .
والمذهب الثّاني : يجوز أن يفرد بعقدها لولدٍ ، ووالدٍ ، لأنّه أمير الأمّة نافذ الأمر لهم وعليهم . فغلب حكم المنصب على حكم النّسب ، ولم يجعل للتّهمة طريقاً على أمانته ولا سبيلاً إلى معارضته ، وصار فيها كعهده بها إلى غير ولده ووالده ، وهل يكون رضى أهل الاختيار بعد صحّة العهد معتبراً في لزومه للأمّة أو لا ؟ على ما قدّمناه من الوجهين .
والمذهب الثّالث : أنّه يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لوالده ، ولا يجوز أن ينفرد بها لولده ، لأنّ الطّبع يبعث على ممايلة الولد أكثر من ممّا يبعث على ممايلة الوالد ، ولذلك كان كلّ ما يقتنيه في الأغلب مذخوراً لولده دون والده .
فأمّا عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته ومناسبيه فكعقدها للبعداء الأجانب في جواز تفرّده بها . وقال ابن خلدونٍ ، بعد أن قدّم الكلام في الإمامة ومشروعيّتها لما فيها من المصلحة ، وأنّ حقيقتها للنّظر في مصالح الأمّة لدينهم ودنياهم . قال : فالإمام هو وليّهم والأمين عليهم ، ينظر لهم ذلك في حياته ، ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته ، ويقيم لهم من يتولّى أمورهم كما كان هو يتولّاها ، ويثقون بنظره لهم في ذلك ، كما وثقوا به فيما قبل ، وقد عرف ذلك من الشّرع بإجماع الأمّة على جوازه وانعقاده ، إذ وقع بعهد أبي بكرٍ رضي الله عنه لعمر بمحضرٍ من الصّحابة ، وأجازوه ، وأوجبوا على أنفسهم به طاعة عمر رضي الله عنه وعنهم ، وكذلك عهد عمر في الشّورى إلى السّتّة بقيّة العشرة ، وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين ، ففوّض بعضهم إلى بعضٍ ، حتّى أفضى ذلك إلى عبد الرّحمن بن عوفٍ ، فاجتهد وناظر المسلمين فوجدهم متّفقين على عثمان وعلى عليٍّ ، فآثر عثمان بالبيعة على ذلك لموافقته إيّاه على لزوم الاقتداء بالشّيخين في كلّ ما يعرض له دون اجتهاده ، فانعقد أمر عثمان لذلك ، وأوجبوا طاعته ، والملأ من الصّحابة حاضرون للأولى والثّانية ، ولم ينكره أحد منهم ، فدلّ على أنّهم متّفقون على صحّة هذا العهد ، عارفون بمشروعيّته ، والإجماع حجّة كما عرف ، ولا يتّهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه ، لأنّه مأمون على النّظر لهم في حياته ، فأولى أن لا يحتمل فيها تبعةً بعد مماته ، خلافاً لمن قال باتّهامه في الولد والوالد ، أو لمن خصّص التّهمة بالولد دون الوالد ، فإنّه بعيد عن الظّنّة في ذلك كلّه ، لا سيّما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحةٍ أو توقّع مفسدةٍ فتنتفي الظّنّة في ذلك رأساً .
هذا ، وللإمام أن يجعلها شورى بين اثنين فأكثر من أهل الإمامة ، فيتعيّن من عيّنوه بعد موت الإمام ، لأنّ عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى بين ستّةٍ ، فاتّفقوا على عثمان رضي الله عنه ، فلم يخالف من الصّحابة أحد ، فكان ذلك إجماعاً .
استخلاف الغائب :
16 - صرّح الفقهاء بأنّه يصحّ استخلاف غائبٍ عن البلد ، إن علم حياته ، ويستقدم بعد موت الإمام ، فإن طال غيابه وتضرّر المسلمون بغيابه يجوز لأهل الاختيار نصب نائبٍ عنه ، وينعزل النّائب بقدومه .
شروط صحّة ولاية العهد :
17 - يشترط جمهور الفقهاء لصحّة ولاية العهد شروطاً منها :
أ - أن يكون المستخلف جامعاً لشروط الإمامة ، فلا يصحّ الاستخلاف من الإمام الفاسق أو الجاهل .
ب - أن يقبل وليّ العهد في حياة الإمام ، فإن تأخّر قبوله عن حياة الإمام تكون وصيّةً بالخلافة ، فيجري فيها أحكام الوصيّة ، وعند الشّافعيّة قول ببطلان الوصيّة في الاستخلاف ، لأنّ الإمام يخرج عن الولاية بالموت .
ج - أن يكون وليّ العهد مستجمعاً لشروط الإمامة ، وقت عهد الولاية إليه ، مع استدامتها إلى ما بعد موت الإمام ، فلا يصحّ - عند جمهور الفقهاء - عهد الولاية إلى صبيٍّ أو مجنونٍ أو فاسقٍ وإن كملوا بعد وفاة الإمام ، وتبطل بزوال أحد الشّروط من وليّ العهد في حياة الإمام . وذهب الحنفيّة إلى جواز العهد إلى صبيٍّ وقت العهد ، ويفوّض الأمر إلى والٍ يقوم به ، حتّى يبلغ وليّ العهد . وصرّحوا أيضاً بأنّه إذا بلغ جدّدت بيعته وانعزل الوالي المفوّض عنه ببلوغه .
ثالثاً : الاستيلاء بالقوّة :
18 - قال الماورديّ : اختلف أهل العلم في ثبوت إمامة المتغلّب وانعقاد ولايته بغير عقدٍ ولا اختيارٍ ، فذهب بعض فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته ، وانعقاد إمامته ، وحمل الأمّة على طاعته وإن لم يعقدها أهل الاختيار ، لأنّ مقصود الاختيار تمييز المولّى ، وقد تميّز هذا بصفته . وذهب جمهور الفقهاء والمتكلّمين إلى أنّ إمامته لا تنعقد إلاّ بالرّضى والاختيار ، لكن يلزم أهل الاختيار عقد الإمامة له ، فإن توقّفوا أثموا لأنّ الإمامة عقد لا يتمّ إلاّ بعاقدٍ . وقال أبو يعلى : الإمامة تنعقد من وجهين :
أحدهما : باختيار أهل الحلّ والعقد .
والثّاني : بعهد الإمام من قبل .
فأمّا انعقادها باختيار أهل الحلّ والعقد ، فلا تنعقد إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد . قال أحمد ، في رواية إسحاق بن إبراهيم : الإمام : الّذي يجتمع عليه ، كلّهم يقول : هذا إمام .
وظاهر هذا : أنّها تنعقد بجماعتهم .
وروي عنه ما دلّ على أنّها تثبت بالقهر والغلبة ، ولا تفتقر إلى العقد . فقال في رواية عبدوس بن مالكٍ العطّار : ومن غلب عليهم بالسّيف حتّى صار خليفةً وسمّي أمير المؤمنين ، فلا يحلّ لأحدٍ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً ، برّاً كان أو فاجراً . وقال أيضاً في رواية أبي الحارث - في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك ، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم - : تكون الجمعة مع من غلب واحتجّ بأنّ ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة . وقال :" نحن مع من غلب ".
وجه الرّواية الأولى : أنّه لمّا اختلف المهاجرون والأنصار ، فقالت الأنصار :" منّا أمير ومنكم أمير " حاجّهم عمر ، وقال لأبي بكرٍ رضي الله عنهما :" مدّ يدك أبايعك "فلم يعتبر الغلبة واعتبر العقد مع وجود الاختلاف .
ووجه الثّانية : ما ذكره أحمد عن ابن عمر وقوله : نحن مع من غلب ولأنّها لو كانت تقف على عقدٍ لصحّ رفعه وفسخه بقولهم وقوله ، كالبيع وغيره من العقود ، ولمّا ثبت أنّه ( أي المتغلّب ) لو عزل نفسه أو عزلوه لم ينعزل ، دلّ على أنّه لا يفتقر إلى عقده .
ولأنّ عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزّبير واستولى على البلاد وأهلها ، حتّى بايعوه طوعاً وكرهاً ، فصار إماماً يحرم الخروج عليه ، ولما في الخروج عليه من شقّ عصا المسلمين ، وإراقة دمائهم ، وذهاب أموالهم . ولخبر : « اسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشيّ أجدع » . وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء .
وذكر الشّافعيّة قولاً : يشترط لصحّة إمامة المتغلّب استجماع شروط الإمامة . كما يشترط الشّافعيّة أيضاً : أن يستولي على الأمر بعد موت الإمام المبايع له ، وقبل نصب إمامٍ جديدٍ بالبيعة ، أو أن يستولي على حيٍّ متغلّبٍ مثله . أمّا إذا استولى على الأمر وقهر إماماً مولًّى بالبيعة أو بالعهد فلا تثبت إمامته ، ويبقى الإمام المقهور على إمامته شرعاً .
اختيار المفضول مع وجود الأفضل :
19 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا تعيّن لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة ، فبايعوه على الإمامة ، فظهر بعد البيعة من هو أفضل منه ، انعقدت بيعتهم إمامة الأوّل ولم يجز العدول عنه إلى من هو أفضل منه . كما اتّفقوا على أنّه لو ابتدءوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل لعذرٍ ، ككون الأفضل غائباً أو مريضاً ، أو كون المفضول أطوع في النّاس ، وأقرب إلى قلوبهم ، انعقدت بيعة المفضول وصحّت إمامته ، ولو عدلوا عن الأفضل في الابتداء لغير عذرٍ لم يجز .
أمّا الانعقاد فقد اختلفوا في انعقاد بيعة المفضول مع وجود الأفضل بغير عذرٍ ، فذهبت طائفة إلى أنّ بيعته لا تنعقد ، لأنّ الاختيار إذا دعا إلى أولى الأمرين لم يجز العدول عنه إلى غيره . وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلّمين إلى أنّ الإمامة جائزة للمفضول مع وجود الأفضل ، وصحّت إمامته إذا توفّرت فيه شروط الإمامة . كما يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الأفضل لأنّ زيادة الفضل مبالغة في الاختيار ، وليست شرطاً فيه . وقال أبو بكرٍ يوم السّقيفة : قد رضيت لكم أحد هذين الرّجلين : أبي عبيدة بن الجرّاح ، وعمر بن الخطّاب . وهما - على فضلهما دون أبي بكرٍ في الفضل ، ولم ينكره أحد .
ودعت الأنصار إلى بيعة سعدٍ ، ولم يكن أفضل الصّحابة بالاتّفاق ، ثمّ عهد عمر رضي الله عنه إلى ستّةٍ من الصّحابة ، ولا بدّ أن يكون بعضهم أفضل من بعضٍ .
وقد أجمع أهل الإسلام حينئذٍ على أنّه لو بويع أحدهم فهو الإمام الواجب طاعته . فصحّ بذلك إجماع الصّحابة رضي الله عنهم ، على جواز إمامة المفضول .
عقد البيعة لإمامين :
20 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يجوز كون إمامين في العالم في وقتٍ واحدٍ ، ولا يجوز إلاّ إمام واحد . واستدلّوا بخبر : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما » . وقوله تعالى : { وأطيعوا اللّه ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا } .
ووجه الاستدلال : أنّ اللّه سبحانه وتعالى : حرّم على المسلمين التّفرّق والتّنازع ، وإذا كان إمامان فقد حصل التّفرّق المحرّم ، فوجد التّنازع ووقعت المعصية للّه تعالى .
فإن عقدت لاثنين معاً بطلت فيهما ، أو مرتّباً فهي للسّابق منهما . ويعزّر الثّاني ومبايعوه . لخبر : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما » . وإن جهل السّابق منهما بطل العقد فيهما عند الشّافعيّة ، لامتناع تعدّد الأئمّة ، وعدم المرجّح لأحدهما .
وعند الإمام أحمد روايتان : إحداهما : بطلان العقد ، والثّانية : استعمال القرعة .
وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا تباعدت البلاد ، وتعذّرت الاستنابة ، جاز تعدّد الأئمّة بقدر الحاجة ، وهو قول عند الشّافعيّة ..
طاعة الإمام :
21 - اتّفقت الأمّة جمعاء على وجوب طاعة الإمام العادل وحرمة الخروج عليه للأدلّة الواردة في ذلك كخبر : « من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر » . وقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم } وحديث : « من خرج من الطّاعة ، وفارق الجماعة فمات ، مات ميتةً جاهليّةً » .
أمّا حكم الخروج على الجائر من الأئمّة فقد سبق بيانه عند الكلام عن دوام الإمامة .
ويدعو للإمام بالصّلاح والنّصرة وإن كان فاسقاً . ويكره تحريماً وصفه بما ليس فيه من الصّفات كالصّالح والعادل ، كما يحرم أن يوصف بما لا يجوز وصف العباد به . مثل شاهنشاه الأعظم ، ومالك رقاب النّاس ، لأنّ الأوّل من صفات اللّه فلا يجوز وصف العباد به ، والثّاني كذب .
من ينعزل بموت الإمام :
22 - لا ينعزل بموت الإمام من عيّنه الإمام في وظيفةٍ عامّةٍ كالقضاة ، وأمراء الأقاليم ، ونظّار الوقف ، وأمين بيت المال ، وأمير الجيش . وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء ، لأنّ الخلفاء الرّاشدين - رضي الله عنهم - ولّوا حكّاماً في زمنهم ، فلم ينعزل أحد بموت الإمام ، ولأنّ الخليفة أسند إليهم الوظائف نيابةً عن المسلمين ، لا نوّاباً عن نفسه ، فلا ينعزلون بموته ، وفي انعزالهم ضرر على المسلمين وتعطيل للمصالح .
أمّا الوزراء فينعزلون بموت الإمام وانعزاله ، لأنّ الوزارة نيابة عن الإمام فينعزل النّائب بموت المستنيب . لأنّ الإمام استناب الوزير ليعينه في أمور الخلافة .
عزل الإمام وانعزاله :
23 - سبق نقل كلام الماورديّ في مسألة عزل الإمام لطروء الفسق والجور عند الكلام عن دوام الإمام . ثمّ قال الماورديّ : أمّا ما طرأ على بدنه من نقصٍ فينقسم ثلاثة أقسامٍ :
أحدها : نقص الحواسّ ، والثّاني : نقص الأعضاء ، والثّالث : نقص التّصرّف .
فأمّا نقص الحواسّ فينقسم ثلاثة أقسامٍ : قسم يمنع من الإمامة ، وقسم لا يمنع منها ، وقسم مختلف فيه .
فأمّا القسم المانع منها فشيئان : أحدهما : زوال العقل . والثّاني : ذهاب البصر .
فأمّا زوال العقل فضربان : أحدهما : ما كان عارضاً مرجوّ الزّوال كالإغماء ، فهذا لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج منها ، لأنّه مرض قليل اللّبث سريع الزّوال ،« وقد أغمي على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في مرضه » .
والضّرب الثّاني : ما كان لازماً لا يرجى زواله كالجنون والخبل ، فهو على ضربين :
أحدهما : أن يكون مطبقاً دائماً لا يتخلّله إفاقة ، فهذا يمنع من عقد الإمامة واستدامتها ، فإذا طرأ هذا بطلت به الإمامة بعد تحقّقه والقطع به ،
والضّرب الثّاني : أن يتخلّله إفاقة يعود بها إلى حال السّلامة فينظر فيه : فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يمنع من عقد الإمامة واستدامتها ، ويخرج بحدوثه منها ، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل منع من عقد الإمامة .
واختلف في منعه من استدامتها ، فقيل : يمنع من استدامتها كما يمنع من ابتدائها ، فإذا طرأ بطلت به الإمامة ، لأنّ في استدامته إخلالاً بالنّظر المستحقّ فيه ، وقيل : لا يمنع من استدامة الإمامة ، وإن منع من عقدها في الابتداء ، لأنّه يراعى في ابتداء عقدها سلامة كاملة ، وفي الخروج منها نقص كامل .
وأمّا ذهاب البصر فيمنع من عقد الإمامة واستدامتها ، فإذا طرأ بطلت به الإمامة ، لأنّه لمّا أبطل ولاية القضاء ، ومنع من جواز الشّهادة ، فأولى أن يمنع من صحّة الإمامة .
وأمّا غشاء العين ، وهو : ألاّ يبصر عند دخول اللّيل ، فلا يمنع من الإمامة في عقدٍ ولا استدامةٍ ، لأنّه مرض في زمان الدّعة يرجى زواله .
وأمّا ضعف البصر ، فإن كان يعرف به الأشخاص إذا رآها لم يمنع من الإمامة ، وإن كان يدرك الأشخاص ولا يعرفها منع من الإمامة عقداً واستدامةً .
وأمّا القسم الثّاني من الحواسّ ، الّتي لا يؤثّر فقدها في الإمامة فشيئان : أحدهما : الخشم في الأنف الّذي يدرك به شمّ الرّوائح . والثّاني : فقد الذّوق الّذي يفرّق به بين الطّعوم . فلا يؤثّر هذا في عقد الإمامة ، لأنّهما يؤثّران في اللّذّة ، ولا يؤثّران في الرّأي والعمل .
وأمّا القسم الثّالث من الحواسّ المختلف فيها فشيئان : الصّمم ، والخرس ، فيمنعان من ابتداء عقد الإمامة ، لأنّ كمال الأوصاف بوجودهما مفقود .
واختلف في الخروج بهما من الإمامة ، فقالت طائفة : يخرج بهما منها كما يخرج بذهاب البصر لتأثيرهما في التّدبير والعمل ، وقال آخرون : لا يخرج بهما من الإمامة ، لقيام الإشارة مقامهما ، فلم يخرج منها إلاّ بنقصٍ كاملٍ . وقال آخرون : إن كان يحسن الكتابة لم يخرج بهما من الإمامة ، وإن كان لا يحسنها خرج من الإمامة بهما ، لأنّ الكتابة مفهومة والإشارة موهومة ، والأوّل من المذاهب أصحّ .
وأمّا تمتمة اللّسان ، وثقل السّمع ، مع إدراك الصّوت إذا كان عالياً ، فلا يخرج بهما من الإمامة إذا حدثا . واختلف في ابتداء عقدها معهما ، فقيل : يمنع ذلك ابتداء عقدها ، لأنّهما نقص يخرج بهما عن حال الكمال ، وقيل : لا يمنع ، لأنّ نبيّ اللّه موسى عليه السلام لم تمنعه عقدة لسانه عن النّبوّة فأولى ألاّ يمنع من الإمامة .
وأمّا فقد الأعضاء فينقسم إلى أربعة أقسامٍ :
أحدها : ما لا يمنع من صحّة الإمامة في عقدٍ ولا استدامةٍ ، وهو ما لا يؤثّر فقده في رأيٍ ولا عملٍ ولا نهوضٍ ولا يشين في المنظر ، فلا يمنع من عقد الإمامة ولا من استدامتها بعد العقد ، لأنّ فقده لا يؤثّر في الرّأي والحنكة . مثل قطع الأذنين لأنّهما لا يؤثّران في رأيٍ ولا عملٍ ، ولهما شين يمكن أن يستتر فلا يظهر .
والقسم الثّاني : ما يمنع من عقد الإمامة ومن استدامتها : وهو ما يمنع من العمل ، كذهاب اليدين ، أو من النّهوض كذهاب الرّجلين ، فلا تصحّ معه الإمامة في عقدٍ ولا استدامةٍ ، لعجزه عمّا يلزمه من حقوق الأمّة في عملٍ أو نهضةٍ .
والقسم الثّالث : ما يمنع من عقد الإمامة : واختلف في منعه من استدامتها ، وهو ما ذهب به بعض العمل ، أو فقد به بعض النّهوض كذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرّجلين ، فلا يصحّ معه عقد الإمامة لعجزه عن كمال التّصرّف ، فإن طرأ بعد عقد الإمامة ففي خروجه منها مذهبان للفقهاء :
أحدهما : يخرج به من الإمامة ، لأنّه عجز يمنع من ابتدائها فمنع من استدامتها .
والمذهب الثّاني : أنّه لا يخرج به من الإمامة وإن منع من عقدها ، لأنّ المعتبر في عقدها كمال السّلامة ، وفي الخروج منها كمال النّقص .
والقسم الرّابع : ما لا يمنع من استدامة الإمامة . واختلف في منعه من ابتداء عقدها ، وهو ما يشين ويقبّح ، ولا يؤثّر في عملٍ ولا في نهضةٍ ، كجدع الأنف وسمل إحدى العينين ، فلا يخرج به من الإمامة بعد عقدها ، لعدم تأثيره في شيءٍ من حقوقها ، وفي منعه من ابتداء عقدها مذهبان للفقهاء :
أحدهما : أنّه لا يمنع من عقدها ، وليس ذلك من الشّروط المعتبرة فيها لعدم تأثيره في حقوقها .
والمذهب الثّاني : أنّه يمنع من عقد الإمامة ، وتكون السّلامة منه شرطاً معتبراً في عقدها ليسلم ولاة الملّة من شينٍ يعاب ونقصٍ يزدرى ، فتقلّ به الهيبة ، وفي قلّتها نفور عن الطّاعة ، وما أدّى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمّة .
وأمّا نقص التّصرّف فضربان : حجر ، وقهر .
فأمّا الحجر : فهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبدّ بتنفيذ الأمور من غير تظاهرٍ بمعصيةٍ ولا مجاهرةٍ بمشاقّةٍ ، فلا يمنع ذلك من إمامته ، ولا يقدح في صحّة ولايته .
وأمّا القهر فهو أن يصير مأسوراً في يد عدوٍّ قاهرٍ لا يقدر على الخلاص منه ، فيمنع ذلك عن عقد الإمامة له ، لعجزه عن النّظر في أمور المسلمين ، وسواء كان العدوّ مشركاً أو مسلماً باغياً ، وللأمّة اختيار من عداه من ذوي القدرة . وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة فعلى كافّة الأمّة استنقاذه ، لما أوجبته الإمامة من نصرته ، وهو على إمامته ما كان مرجوّ الخلاص مأمول الفكاك إمّا قتال أو فداء ، فإن وقع اليأس منه ، لم يخل حال من أسره من أن يكونوا مشركين أو بغاة المسلمين ، فإن كان في أسر المشركين خرج من الإمامة لليأس من خلاصه ، واستأنف أهل الاختيار بيعة غيره على الإمامة ، وإن خلص قبل الإياس فهو على إمامته . وإن كان مأسوراً مع بغاة المسلمين ، فإن كان مرجوّ الخلاص فهو على إمامته ، وإن لم يرج خلاصه ، فالإمام المأسور في أيديهم خارج من الإمامة بالإياس من خلاصه ، وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوا لها ، فإن خلص المأسور لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها .
واجبات الإمام :
24 - من تعريف الفقهاء للإمامة الكبرى بأنّها رئاسة عامّة في سياسة الدّنيا وإقامة الدّين نيابةً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يتبيّن أنّ واجبات الإمام إجمالاً هي كما يلي :
أ - حفظ الدّين على أصوله الثّابتة بالكتاب والسّنّة وإجماع سلف الأمّة وإقامة شعائر الدّين .
ب - رعاية مصالح المسلمين بأنواعها .
كما أنّهم - في معرض الاستدلال لفرضيّة نصب الإمام بالحاجة إليه - يذكرون أموراً لا بدّ للأمّة ممّن يقوم بها وهي : تنفيذ الأحكام ، وإقامة الحدود ، وسدّ الثّغور ، وتجهيز الجيوش ، وأخذ الصّدقات ، وقبول الشّهادات ، وتزويج الصّغار والصّغائر الّذين لا أولياء لهم ، وقسمة الغنائم . وعدّها أصحاب كتب الأحكام السّلطانيّة عشرةً . ولا تخرج في عمومها عمّا ذكره الفقهاء فيما مرّ ، على أنّ ذلك يزيد وينقص بحسب تجدّد الحاجات الزّمنيّة وما تقضي المصالح بأن لا يتولّاه الأفراد والهيئات ، بل يتولّاه الإمام .
ولايات الإمام :
25 - الولاة من قبل الإمام تنقسم ولايتهم إلى أربعة أقسامٍ :
أ - ولاية عامّة في الأعمال العامّة ، وهي : الوزارة ، فهي نيابة عن الإمام في الأمور كلّها من غير تخصيصٍ .
ب - ولاية عامّة في أعمالٍ خاصّةٍ ، وهي الإمارة في الأقاليم ، لأنّ النّظر فيما خصّ بها عامّ في جميع الأمور .
ج - ولاية خاصّة في الأعمال العامّة : كرئاسة القضاء ونقابة الجيش ، لأنّ كليهما مقصور على نظرٍ خاصٍّ في جميع الأعمال .
د - ولاية خاصّة في أعمالٍ خاصّةٍ كقاضي بلدٍ ، أو مستوفي خراجه ، وجابي صدقاته ، لأنّ كلّاً من ولاية هؤلاء خاصّ بعملٍ مخصوصٍ لا يتجاوزه ،
والتّفصيل في مصطلحي : ( وزارة ، إمارة )

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:30 PM

مؤاخذة الإمام بتصرّفاته :
26 - يضمن الإمام ما أتلفه بيده من مالٍ أو نفسٍ بغير خطأٍ في الحكم أو تقصيرٍ في تنفيذ الحدّ والتّعزير كآحاد النّاس فيقتصّ منه إن قتل عمداً ، وتجب الدّية عليه أو على عاقلته أو بيت المال في الخطأ وشبه العمد ، ويضمن ما أتلفه بيده من مالٍ ، كما يضمن ما هلك بتقصيره في الحكم ، وإقامة الحدّ ، والتّعزير . بالقصاص أو الدّية من ماله أو عاقلته أو بيت المال حسب أحكام الشّرع ، وحسب ظروف التّقصير وجسامة الخطأ . وينظر التّفصيل في مصطلحات : ( حدّ ، وتعزير ، وقصاص ، وضمان ) .
وهذا القدر متّفق عليه بين الفقهاء ، لعموم الأدلّة ، ولأنّ المؤمنين تتكافأ دماؤهم ، وأموالهم معصومة إلاّ بحقّها ، وثبت « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم " أقاد من نفسه » وكان عمر رضي الله عنه يقيد من نفسه . والإمام والمعتدى عليه نفسان معصومتان كسائر الرّعيّة . واختلفوا في إقامة الحدّ عليه ، فذهب الشّافعيّة إلى أنّه يقام عليه الحدّ كما يقام على سائر النّاس لعموم الأدلّة ، ويتولّى التّنفيذ عليه من يتولّى الحكم عنه .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يقام عليه الحدّ ، لأنّ الحدّ حقّ اللّه تعالى ، والإمام نفسه هو المكلّف بإقامته ، ولا يمكن أن يقيمه على نفسه ، لأنّ إقامته تستلزم الخزي والنّكال ولا يفعل أحد ذلك بنفسه ، بخلاف حقّ العباد . أمّا حدّ القذف فقالوا : المغلّب فيه حقّ اللّه ، فحكمه حكم سائر الحدود ، فإقامته إليه كسائر الحدود . ولا ولاية لأحدٍ عليه . ليستوفيه ، وفائدة الإيجاب الاستيفاء ، فإذا تعذّر لم يجب . وفرّقوا بين الحدّ ، وبين القصاص وضمان المتلفات بأنّهما من حقوق العباد فيستوفيهما صاحب الحقّ ، ولا يشترط القضاء ، بل الإمكان والتّمكّن ، ويحصل ذلك بتمكينه من نفسه ، إن احتاج إلى منعةٍ . فالمسلمون منعته ، فبهم يقدر على الاستيفاء فكان الوجوب مفيداً .
هدايا الإمام لغيره :
27 - هدايا الإمام لغيره إن كانت من ماله الخاصّ فلا يختلف حكمه عن غيره من الأفراد ، وينظر في مصطلح : ( هديّة ) .
أمّا إن كانت من بيت المال ، فإذا كان مقابلاً لعملٍ عامٍّ فهو رزق ، وإن كان عطاءً شاملاً للنّاس من بيت المال فهو عطاء ، وإن كانت الهديّة بمبادرةٍ من الإمام ميّز بها فرداً عن غيره فهي الّتي تسمّى ( جائزة السّلطان ) وقد اختلف فيها ، فكرهها أحمد تورّعاً لما في بعض موارد بيت المال من الشّبهة ، لكنّه نصّ على أنّها ليست بحرامٍ على آخذها ، لغلبة الحلال على موارد بيت المال ، وكرهها ابن سيرين لعدم شمولها للرّعيّة ، وممّن تنزّه عن الأخذ منها حذيفة وأبو عبيدة ومعاذ وأبو هريرة وابن عمر . هذا من حيث أخذ الجوائز .
أمّا من حيث تصرّف الإمام بالإعطاء فيجب أن يراعى فيه المصلحة العامّة للمسلمين دون اتّباع الهوى والتّشهّي ، لأنّ تصرّف الإمام في الأموال العامّة وغيرها من أمور المسلمين منوط بالمصلحة .
قبول الإمام الهدايا :
28 - لم يختلف العلماء في كراهية الهديّة إلى الأمراء .
ذكر ابن عابدين في حاشيته : أنّ الإمام ( بمعنى الوالي ) لا تحلّ له الهديّة ، للأدلّة - الواردة في هدايا العمّال ولأنّه رأس العمّال .
وقال ابن حبيبٍ : لم يختلف العلماء في كراهية الهديّة إلى السّلطان الأكبر وإلى القضاة والعمّال وجباة الأموال . وهذا قول مالكٍ ومن قبله من أهل العلم والسّنّة . « وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقبل الهديّة » ، وهذا من خواصّه ، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم معصوم ممّا يتّقي على غيره منها ، ولمّا " ردّ عمر بن عبد العزيز الهديّة ، قيل له : كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقبلها ، فقال : كانت له هديّةً وهي لنا رشوة ، لأنّه كان يتقرّب إليه لنبوّته لا لولايته ، ونحن يتقرّب بها إلينا لولايتنا " .
هدايا الكفّار للإمام :
29 - لا يجوز للإمام قبول هديّةٍ من كفّارٍ أشرفت حصونهم على السّقوط بيد المسلمين ، لما في ذلك من توهين المسلمين وتثبيط همّتهم . أمّا إذا كانوا بقوّةٍ ومنعةٍ جاز له قبول هديّتهم . وهي للإمام إن كانت من قريبٍ له ، أو كانت مكافأةً ، أو رجاء ثوابٍ ( أي مقابلٍ ) . وإن كانت من غير قريبٍ ، وأهدى بعد دخول الإمام بلدهم فهي غنيمة . وهم فيء قبل الدّخول في بلدهم .
هذا إذا كانت من الأفراد ، أمّا إذا كانت من الطّاغية أي رئيسهم ، فإنّها فيء إن أهدى قبل دخول المسلمين في بلدهم ، وغنيمة بعد الدّخول فيه ، وهذا التّفصيل للمالكيّة . وعند أحمد : يجوز للإمام قبول الهديّة من أهل الحرب ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبل هديّة المقوقس صاحب مصر » ، فإن كان ذلك في حال الغزو فما أهداه الكفّار لأمير الجيش أو لبعض قوّاده فهو غنيمة ، لأنّه لا يفعل ذلك إلاّ خوفاً من المسلمين ، فأشبه ما لو أخذه قهراً . وأمّا إن أهدى من دار الحرب ، فهو لمن أهدى إليه سواء كان الإمام أو غيره ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبل الهديّة منهم » ، فكانت له دون غيره . وعزا ابن قدامة هذا إلى الشّافعيّ أيضاً ، ونقل عن الإمام أبي حنيفة : أنّها للمهدى له بكلّ حالٍ ، لأنّه خصّه بها ، فأشبه ما لو أهدي له من دار الإسلام ، وحكى في ذلك روايةً عن أحمد وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لو أهدى مشرك إلى الأمير أو إلى الإمام هديّةً ، والحرب قائمة فهي غنيمة ، بخلاف ما لو أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار الإسلام ، فإنّه للمهدى إليه .
وقال عبد الغنيّ النّابلسيّ : قال الماورديّ : فنزاهته عنها أولى من قبولها ، فإن قبلها جاز ولم يمنع ، وهذا حكم الهدايا للقضاة ، أمّا الهدايا للأئمّة فقد قال في الحاوي : إنّها إن كانت من هدايا دار الإسلام فهي على ثلاثة أقسامٍ :
أحدها : أن يهدي إليه من يستعين به على حقٍّ يستوفيه ، أو على ظلمٍ يدفعه عنه ، أو على باطلٍ يعينه عليه ، فهذه الرّشوة المحرّمة .
الثّاني : أن يهدي إليه من كان يهاديه قبل الولاية ، فإن كان بقدر ما كان قبل الولاية لغير حاجةٍ عرضت فيجوز له قبولها ، وإن اقترن بها حاجة عرضت إليه فيمنع من القبول عند الحاجة ، ويجوز أن يقبلها بعد الحاجة . وإن زاد في هديّته على قدر العادة لغير حاجةٍ ، فإن كانت الزّيادة من جنس الهديّة جاز قبولها لدخولها في المألوف ، وإن كانت من غير جنس الهديّة منع من القبول .
الثّالث : أن يهدي إليه من لم يكن يهاديه قبل الولاية ، فإن ( كان ) لأجل ولايته فهي رشوة ، ويحرم عليه أخذها ، وإن كان لأجل جميلٍ صدر ( له ) منه إمّا واجباً أو تبرّعاً فلا يجوز قبولها أيضاً . وإن كان لا لأجل ولايةٍ ، بل لمكافأةٍ على جميلٍ ، فهذه هديّة بعث عليها جاه ، فإن كافأه عليها جاز له قبولها ، وإن لم يكافئ عليها فلا يقبلها لنفسه ، وإن كانت من هدايا دار الحرب جاز له قبول هداياهم ، وذكر الماورديّ في الأحكام السّلطانيّة قال : والفرق بين الرّشوة والهديّة أنّ الرّشوة ما أخذت طلباً ، والهديّة ما بذلت عفواً .
أثر فسق الإمام على ولايته الخاصّة :
30 - اختلف الفقهاء في سلب الولاية الخاصّة عن الإمام بفسقه ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يشترط - عندهم - العدالة في ولاية النّكاح أصلاً ، حتّى يسلبها الفسق ، فيزوّج بناته القاصرات بالولاية الخاصّة ، يستوي في ذلك الإمام ، وغيره من الأولياء . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الولاية الخاصّة تسلب بالفسق ، فلا يصحّ له تزويج بناته بالولاية الخاصّة كغيره من الفسقة ، لخروجه بالفسق عن الولاية الخاصّة كأفراد النّاس ، وإن لم يسلبه عن الولاية العامّة تعظيماً لشأن الإمامة ، على أنّ في ذلك خلافاً سبق بيانه .
وتنتقل ولاية النّكاح إلى البعيد من العصبة ، فإن لم توجد عصبة زوّجهنّ بالولاية العامّة كغيرهنّ ممّن لا وليّ لهنّ . لحديث : « السّلطان وليّ من لا وليّ له » .

أمان *
التّعريف :
1 - الأمان في اللّغة : عدم توقّع مكروهٍ في الزّمن الآتي ، وأصل الأمن طمأنينة النّفس وزوال الخوف ، والأمن والأمانة والأمان مصادر للفعل ( أمن ) ، ويرد الأمان تارةً اسماً للحالة الّتي يكون عليها الإنسان من الطّمأنينة ، وتارةً لعقدٍ الأمان أو صكّه .
وعرّفه الفقهاء بأنّه : رفع استباحة دم الحربيّ ورقّه وماله حين قتاله أو الغرم عليه ، مع استقراره تحت حكم الإسلام .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الهدنة :
2 - الهدنة هي : أن يعقد لأهل الحرب عقد على ترك القتال مدّةً بعوضٍ وبغير عوضٍ ، وتسمّى : مهادنةً وموادعةً ومعاهدةً . ويختلف عقد الهدنة عن الأمان بأنّ عقد الهدنة لا يعقده إلاّ الإمام أو نائبه ، أمّا الأمان فيصحّ من أفراد المسلمين .
ب - الجزية :
3 - عقد الجزية موجب لعصمة الدّماء وصيانة الأموال والأعراض إلى غير ذلك ممّا يترتّب عليه . ويختلف عن الأمان في أنّ عقد الجزية مثل الهدنة لا يعقده إلاّ الإمام . كما أنّ عقد الجزية مؤبّد لا ينقض ، بخلاف الأمان فهو عقد غير لازمٍ ، أي قابلٍ للنّقض بشروطه .
الحكم الإجماليّ :
4 - الأصل أنّ إعطاء الأمان أو طلبه مباح ، وقد يكون حراماً أو مكروهاً إذا كان يؤدّي إلى ضررٍ أو إخلالٍ بواجبٍ أو مندوبٍ .
وحكم الأمان هو ثبوت الأمن للكفرة عن القتل والسّبي وغنم أموالهم ، فيحرم على المسلمين قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريّهم واغتنام أموالهم .
ما يكون به الأمان :
5 - ينعقد الأمان بكلّ لفظٍ صريحٍ أو كنايةٍ يفيد الغرض ، بأيّ لغةٍ كان ، وينعقد بالكتابة والرّسالة والإشارة المفهمة . لأنّ التّأمين إنّما هو معنًى في النّفس ، فيظهره المؤمّن تارةً بالنّطق ، وتارةً بالكتابة ، وتارةً بالإشارة ، فكلّ ما بيّن به التّأمين فإنّه يلزم .
شروط الأمان :
6 - ذهب المالكيّة والحنابلة وأكثر الشّافعيّة إلى أنّ شرط الأمان انتفاء الضّرر ، ولو لم تظهر المصلحة .
وقيّد البلقينيّ جواز الأمان بمجرّد انتفاء الضّرر بغير الأمان المعطى من الإمام ، فلا بدّ فيه من المصلحة والنّظر للمسلمين .
وقال الحنفيّة : يشترط في الأمان أن تكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين وذلك بأن يعطى في حال ضعف المسلمين وقوّة أعدائهم ، لأنّ الجهاد فرض والأمان يتضمّن تحريم القتال ، فيتناقض ، إلاّ إذا كان في حال ضعف المسلمين وقوّة الكفرة ، لأنّه إذ ذاك يكون قتالاً معنًى ، لوقوعه وسيلةً إلى الاستعداد للقتال ، فلا يؤدّي إلى التّناقض .
من له حقّ إعطاء الأمان :
7 - الأمان إمّا أن يعطى من الإمام أو من آحاد المسلمين :
أ - أمان الإمام : يصحّ أمان الإمام لجميع الكفّار وآحادهم ، لأنّه مقدّم للنّظر والمصلحة ، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضارّ . وهذا ما لا خلاف فيه .
ب - أمان آحاد المسلمين : يرى جمهور الفقهاء أنّ أمان آحاد المسلمين يصحّ لعددٍ محصورٍ كأهل قريةٍ صغيرةٍ وحصنٍ صغيرٍ ، أمّا تأمين العدد الّذي لا ينحصر فهو من خصائص الإمام . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الأمان يصحّ من الواحد ، سواء أمّن جماعةً كثيرةً أو قليلةً أو أهل مصرٍ أو قريةٍ ، فليس حينئذٍ لأحدٍ من المسلمين قتالهم .
شروط المؤمّن :
8 - أ - الإسلام : فلا يصحّ أمان الكافر ، وإن كان يقاتل مع المسلمين .
ب - العقل : فلا يصحّ أمان المجنون والصّبيّ الّذي لا يعقل .
ج - البلوغ : بلوغ المؤمّن شرط عند جمهور الفقهاء . وقال محمّد بن الحسن الشّيبانيّ : ليس بشرطٍ .
د - عدم الخوف من الحربيّين : فلا يصحّ أمان المقهورين في أيدي الكفرة .
أمّا الذّكورة فليست بشرطٍ لصحّة الأمان عند جمهور الفقهاء ، فيصحّ أمان المرأة لأنّها لا تعجز عن الوقوف على حال القوّة والضّعف .
وقال ابن الماجشون من المالكيّة : إنّ أمان المرأة والعبد والصّبيّ لا يجوز ابتداءً ، ولكن إن وقع يمضي إن أمضاه الإمام وإن شاء ردّه .
مواطن البحث :
فصّل الفقهاء أحكام الأمان في أبواب السّير والجهاد فتنظر فيها ، ويرجع إلى مصطلح ( مستأمن ) .

أمانة *
التّعريف :
1 - الأمانة : ضدّ الخيانة ، والأمانة تطلق على : كلّ ما عهد به إلى الإنسان من التّكاليف الشّرعيّة وغيرها كالعبادة الوديعة ، ومن الأمانة : الأهل والمال .
وبالتّتبّع تبيّن أنّ الأمانة قد استعملها الفقهاء بمعنيين :
أحدهما : بمعنى الشّيء الّذي يوجد عند الأمين ، وذلك يكون في :
أ - العقد الّذي تكون الأمانة فيه هي المقصد الأصليّ ، وهو الوديعة وهي ، العين الّتي توضع عند شخصٍ ليحفظها ، فهي أخصّ من الأمانة ، فكلّ وديعةٍ أمانة ولا عكس .
ب - العقد الّذي تكون الأمانة فيه ضمناً ، وليست أصلاً بل تبعاً ، كالإجارة والعاريّة والمضاربة والوكالة والشّركة والرّهن .
ج - ما كانت بدون عقدٍ كاللّقطة ، وكما إذا ألقت الرّيح في دار أحدٍ مال جاره ، وذلك ما يسمّى بالأمانات الشّرعيّة .
الثّاني : بمعنى الصّفة وذلك في :
أ - ما يسمّى ببيع الأمانة ، كالمرابحة والتّولية والاسترسال ( الاستئمان ) وهي العقود الّتي يحتكم فيها المبتاع إلى ضمير البائع وأمانته .
ب - في الولايات سواء كانت عامّةً كالقاضي ، أم خاصّةً كالوصيّ وناظر الوقف .
ج - فيمن يترتّب على كلامه حكم كالشّاهد .
د - تستعمل الأمانة في باب الأيمان كمقسمٍ بها باعتبارها صفةً من صفات اللّه تعالى .
الحكم الإجماليّ :
أوّلاً : الأمانة بمعنى الشّيء الّذي يوجد عند الأمين :
2 - للأمانة بهذا المعنى عدّة أحكامٍ إجمالها فيما يلي :
أ - الأصل إباحة أخذ الوديعة واللّقطة ، وقيل يستحبّ الأخذ لمن قدر على الحفظ والأداء ، لقوله تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى } .
وقد يعرض الوجوب لمن يثق في أمانة نفسه وخيف على اللّقطة أخذ خائنٍ لها ، وعلى الوديعة من الهلاك أو الفقد عند عدم الإيداع ، لأنّ مال الغير واجب الحفظ ، وحرمة المال كحرمة النّفس ، وقد روى ابن مسعودٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « حرمة مال المؤمن كحرمة دمه » . وقد يحرم الأخذ لمن يعجز عن الحفظ ، أو لا يثق بأمانة نفسه ، وفي ذلك تعريض المال للهلاك . وهذا في الجملة . وتفصيله في الوديعة واللّقطة .
ب - وجوب المحافظة على الأمانة عامّةً ، وديعةً كانت أو غيرها ، يقول العلماء : حفظ الأمانة يوجب سعادة الدّارين ، والخيانة توجب الشّقاء فيهما ، والحفظ يكون بحسب كلّ أمانةٍ ، فالوديعة مثلاً يكون حفظها بوضعها في حرز مثلها . والعاريّة والشّيء المستأجر يكون حفظهما بعدم التّعدّي في الاستعمال المأذون فيه ، وبعدم التّفريط . وفي مال المضاربة يكون بعدم مخالفة ما أذن فيه للمضارب من التّصرّفات وهكذا .
ت - وجوب الرّدّ عند الطّلب لقوله تعالى : { إنّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك » .
ث - وجوب الضّمان بالجحود أو التّعدّي أو التّفريط .
ج- سقوط الضّمان إذا تلفت الأمانة دون تعدٍّ أو تفريطٍ .
وهذا في غير العاريّة عند الحنابلة والشّافعيّة ، فالعاريّة عندهم مضمونة .
ح - التّعزير على ترك أداء الأمانات كالودائع وأموال الأيتام وغلّات الوقوف ، وما تحت أيدي الوكلاء والمقارضين وشبه ذلك ، فإنّه يعاقب على ذلك كلّه حتّى يؤدّي ما يجب عليه . وللفقهاء في كلّ ذلك تفصيلات وفروع يرجع إليها في مواضعها من ( وديعة ، ولقطة ، وعاريّة ، وإجارة ، ورهن ، وضمان ، ووكالة ) .
ثانياً : الأمانة بمعنى الصّفة :
3 - تختلف أحكام الأمانة بهذا المعنى لاختلاف مواضعها ، وبيان ذلك إجمالاً فيما يأتي :
أ - بيع الأمانة كالمرابحة ، والمرابحة تعتبر بيع أمانةٍ ، لأنّ المشتري ائتمن البائع في إخباره عن الثّمن الأوّل من غير بيّنةٍ ولا استحلافٍ ، فتجب صيانتها عن الخيانة والتّهمة ، لأنّ التّحرّز عن ذلك كلّه واجب ما أمكن ، قال اللّه تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تخونوا اللّه والرّسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } . وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ليس منّا من غشّنا » .
وعلى ذلك فإذا ظهرت الخيانة في بيع المرابحة ففي الجملة يكون المشتري بالخيار ، إن شاء أخذ المبيع ، وإن شاء ردّه ، وقيل : بحطّ الزّيادة على أصل رأس المال ونسبتها من الرّبح مع إمضاء البيع .
هذا مع تفصيلٍ كثيرٍ ينظر في ( بيع - مرابحة - تولية - استرسال ) .
ب - اعتبار الأمانة شرطاً فيمن تكون له ولاية ونظر في مال غيره كالوصيّ وناظر الوقف ، فقد اشترط الفقهاء صفة الأمانة في الوصيّ وناظر الوقف ، وأنّه يعزل لو ظهرت خيانته ، أو يضمّ إليه أمين في بعض الأحوال ، وهذا في الجملة . كذلك من له ولاية عامّة كالقاضي ، فالأصل اعتبار الأمانة فيه . وللفقهاء في ذلك تفصيل ( ر : قضاء ، وصيّ ) .
ج - من يترتّب على كلامه حكم كالشّاهد : فقد اشترط الفقهاء في الشّاهد العدالة ، لقول اللّه تعالى : { وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم } . وقوله تعالى : { إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبيّنوا } ، فأمر اللّه تعالى بالتّوقّف عن نبأ الفاسق ، والشّهادة نبأ فيجب عدم قبول شهادة الفاسق ، واعتبر الفقهاء أنّ الخيانة من الفسق ، واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خائنةٍ » .
د - الحلف بالأمانة : يرى جمهور الفقهاء أنّ من حلف بالأمانة مع إضافتها إلى اسم اللّه سبحانه وتعالى فقال : وأمانة اللّه لأفعلن كذا ، فإنّ ذلك يعتبر يميناً توجب الكفّارة .
أمّا الحلف بالأمانة فقط دون إضافةٍ إلى لفظ الجلالة ، فإنّه يرجع فيه إلى نيّة الحالف ، فإن أراد بالأمانة صفة اللّه تعالى فالحلف بها يمين ، وإن أراد بالأمانة ما في قوله تعالى : { إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض } أي التّكاليف الّتي كلّف اللّه بها عباده فليس بيمينٍ . ويكون الحلف بها غير مشروعٍ لأنّه حلف بغير اللّه ، واستدلّ لذلك بحديث : « من حلف بالأمانة فليس منّا » .
مواطن البحث :
4 - يأتي ذكر الأمانة في كثيرٍ من الأبواب الفقهيّة : كالبيع ، والوكالة ، والشّركة ، والمضاربة ، الوديعة ، والعاريّة ، والإجارة ، والرّهن ، والوقف ، والوصيّة ، والأيمان ، والشّهادة ، والقضاء . وقد سبقت الإشارة إلى ذكر ذلك إجمالاً .
كذلك يأتي ذكر الأمانة في باب الحضانة باعتبارها شرطاً من شروط الحاضن والحاضنة ، وفي باب الحجّ في الرّفقة المأمونة بالنّسبة لسفر المرأة ، وفي باب الصّيام بالنّسبة لمن يخبر برؤية الهلال .

امتثال *
انظر : طاعة

امتشاط *
التّعريف :
1 - الامتشاط لغةً : هو ترجيل الشّعر ، والتّرجيل : تسريح الشّعر ، وتنظيفه ، وتحسينه . وعند الفقهاء معناه كالمعنى اللّغويّ .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - يستحبّ ترجيل شعر الرّأس واللّحية من الرّجل ، وكذا الرّأس من المرأة ، لما ورد :
« أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان جالساً في المسجد فدخل رجل ثائر الرّأس واللّحية ، فأشار إليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيده أن اخرج . كأنّه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته ، ففعل الرّجل ثمّ رجع ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرّأس ، كأنّه شيطان »
ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من كان له شعر فليكرمه » ويفصّل الفقهاء ذلك في خصال الفطرة ، والحظر والإباحة .
3 - وفي الإحرام : يحرم الامتشاط إن علم أنّه يزيل شعراً ، وكذا إن كان يدهن ولم يزل شعراً ، فإن كان لا يزيل شعراً وكان بغير طيبٍ فإنّ من الفقهاء من أباحه ، ومنهم من كرهه على تفصيلٍ ينظر في مصطلح ( إحرام )
4 - ولا يمنع امتشاط المحدّة عند أغلب الفقهاء ، إن كان التّرجيل خالياً عن موادّ الزّينة ، فإن كان بدهنٍ أو طيبٍ حرم .
وقال الحنفيّة : يحرم امتشاط المحدّة بمشطٍ ضيّقٍ ، وإن لم يكن معه طيب ، وتفصيل هذه الأحكام يذكرها الفقهاء في ( الإحداد ) ( ج 2 ص 107 ف 14 ) .

امتناع *
التّعريف :
1 - الامتناع لغةً : مصدر امتنع . يقال : امتنع من الأمر : إذا كفّ عنه . ويقال : امتنع بقومه أي : تقوّى بهم وعزّ ، فلم يقدر عليه .
والامتناع في الاصطلاح لا يخرج عن هذين المعنيين .
الحكم الإجماليّ :
2 - إنّ الامتناع عن الفعل المحرّم واجب ، كالامتناع عن الزّنى وشرب الخمر ، وامتناع الحائض عن الصّلاة ، وعن مسّ المصحف ، والجلوس في المسجد .
والامتناع عن الواجب حرام ، كامتناع المكلّف غير المعذور عن الصّلاة والصّوم والحجّ ، ومثل امتناع المحتكر عن بيع الأقوات ، والامتناع عن إنقاذ المشرف على الهلاك ممّن هو قادر على إنقاذه .
والامتناع عن المندوب يكون مكروهاً ، كامتناع المريض عن التّداوي مع قدرته عليه . والامتناع عن المكروه يكون مندوباً إليه ، كالامتناع عن التّدخين عند من يقول بكراهته ، والامتناع عن تولّي القضاء لمن يخاف على نفسه الزّلل .
والامتناع عن المباح مباح ، كالامتناع عن طعامٍ معيّنٍ في الأحوال المعتادة ، ومثل امتناع المرأة عن الدّخول حتّى تقبض مقدّم المهر ، وامتناع البائع من تسليم المبيع حتّى يقبض الثّمن . ويرجع لمعرفة حكم كلّ نوعٍ من هذه الأنواع في بابه .

امتهان *
التّعريف :
1 - الامتهان افتعال من ( مهن ) أي خدم غيره ، وامتهنه : استخدمه ، أو ابتذله . ومنه يتبيّن أنّ أهل اللّغة يستعملون كلمة ( امتهانٍ ) في معنيين :
الأوّل : بمعنى ( الاحتراف ) ، والثّاني : بمعنى ( الابتذال ) .
والابتذال هو : عدم صيانة الشّيء بل تداوله واستخدامه في العمل .
والفقهاء يستعملون الامتهان بهذين المعنيين أيضاً .
أمّا الامتهان بمعنى الاحتراف ، فينظر تفصيله في مصطلح ( احتراف ج 1 ص 69 ) وفيما يلي ما يتّصل بالمعنى الثّاني وهو الابتذال .
الألفاظ ذات الصّلة :
الاستخفاف والاستهانة :
2 - سبق بيان معنى ( الامتهان ) ومنه يتبيّن أنّه غير الاستهانة بالشّيء أو الاستخفاف به ، فالاستهانة بالشّيء استحقاره ، أمّا الامتهان فليس فيه معنى الاستحقار .
الحكم الإجماليّ :
3 - هناك كثير من الأحوال يطلب فيها من المسلم أن يلبس غير ثياب المهنة ، كالجمعة والعيدين والجماعات ، يدلّ على ذلك حديث { ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته } .
والتّفصيل في مصطلح : ( احتراف ) ( وألبسة ) . كما أنّه يختلف حكم ما فيه صورة ، بين أن يكون ممتهناً ( مبتذلاً ) أو غير ممتهنٍ وينظر في مصطلح ( تصوير ) .

أمر *
التّعريف :
1- الأمر في اللّغة يأتي بمعنيين :
الأوّل : يأتي بمعنى الحال أو الشّأن ، ومنه قوله تعالى : { وما أمر فرعون برشيدٍ } أو الحادثة ، ومنه قول اللّه تعالى : { وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتّى يستأذنوه } وقوله سبحانه : { وشاورهم في الأمر }
قال الخطيب القزوينيّ في الإيضاح : أي شاورهم في الفعل الّذي تعزم عليه . ويجمع بهذا المعنى على ( أمورٍ ) .
الثّاني : طلب الفعل ، وهو بهذا المعنى نقيض النّهي . وجمعه ( أوامر ) فرقاً بينهما ، كما قاله الفيّوميّ .
وعند الفقهاء يستعمل الأمر بالمعنيين المذكورين ، ولكن اختلف الأصوليّون من ذلك في مسائل :
المسألة الأولى : قال بعضهم : لفظ ( الأمر ) مشترك لفظيّ بين المعنيين . وقال آخرون : بل هو حقيقة في القول المخصوص ، وهو قول الطّالب للفعل ، مجاز في الحال والشّأن . وقيل : إنّه موضوع للمعنى المشترك بينهما .
المسألة الثّانية : طلب الفعل لا يسمّى أمراً حقيقةً ، إلاّ إن كان على وجه الحتم والإلزام . واستدلّ من قال بذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك مع كلّ وضوءٍ » قالوا : لو لم يكن الأمر على وجه الحتم ما كان فيه مشقّة . وهذا قول الحنفيّة . وقال الباقلّانيّ وجمهور الشّافعيّة : لا يشترط ذلك ، بل طلب الفعل أمر ولو لم يكن على وجه التّحتّم ، فيدخل المندوب في المأمور به حقيقةً .
المسألة الثّالثة : إنّ طلب الفعل لا يسمّى أمراً حقيقةً إلاّ إذا كان على سبيل الاستعلاء ، أي استعلاء الآمر على المأمور ، احترازاً عن الدّعاء والالتماس ، فهو شرط أكثر الماتريديّة والآمديّ من الأشعريّة ، وصحّحه الرّازيّ ، وهو رأي أبي الحسين البصريّ من المعتزلة ، لذمّ العقلاء الأدنى بأمره من هو أعلى .
وعند المعتزلة يجب العلوّ في الأمر ، وإلاّ كان دعاءً أو التماساً .
وعند الأشعريّ لا يشترط العلوّ ولا الاستعلاء ، وبه قال أكثر الشّافعيّة . وفي شرح المختصر : وهو الحقّ ، لقوله تعالى حكايةً عن فرعون : { إنّ هذا لساحر عليم ، يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون } .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:31 PM

صيغ الأمر :
2 - للأمر صيغ صريحة وهي ثلاثة : فعل الأمر ، مثل قوله تعالى : { أقيموا الصّلاة } وقوله : { فاسعوا إلى ذكر اللّه } ، واسم فعل الأمر نحو : نزال ، والمضارع المقترن فاللّام الأمر نحو { لينفق ذو سعةٍ من سعته } .
وصيغ غير صريحةٍ ، قال الشّاطبيّ :
- أ - منها : ما جاء مجيء الإخبار عن تقرير الحكم ، نحو : { والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين } .
- ب - ومنها : ما جاء مجيء مدحه أو مدح فاعله نحو : { ومن يطع اللّه ورسوله يدخله جنّاتٍ } .
- ج - ومنها : ما يتوقّف عليه المطلوب ، كالمفروض في مسألة ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب ، كغسل جزءٍ من الرّأس ، لاستيفاء غسل الوجه .
دلالة صيغة الأمر الصّريحة :
3 - اختلف الأصوليّون في دلالة صيغة ( افعل ) غير المقترنة بما يعيّن معناها .
فهي عند الجمهور حقيقة في الوجوب ، وعند أبي هاشمٍ وكثيرٍ من الأصوليّين حقيقة في النّدب وهو أحد قولي الشّافعيّ ، وقيل : مشترك بينهما اشتراكاً لفظيّاً ، وروي هذا عن الشّافعيّ . وقيل : إنّها موضوعة لمشتركٍ بينهما وهو الاقتضاء حتماً كان أو ندباً ، وروي هذا عن أبي منصورٍ الماتريديّ ، ونسب إلى مشايخ سمرقند .
4 - الأمر الوارد بعد الحظر هو للإباحة عند الأكثر ، ومنهم الشّافعيّ والآمديّ كقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها » .
وللوجوب عند عامّة الحنفيّة وهو المرويّ عن القاضي والمعتزلة واختاره الرّازيّ ، وتوقّف فيه إمام الحرمين . واختار ابن الهمام والشّيخ زكريّا الأنصاريّ أنّه يرجع الحكم لما كان عليه قبل الحظر إباحةً أو وجوباً .
ورود الأمر لغير الوجوب :
5 - ترد صيغة الأمر لغير الوجوب في أكثر من عشرين معنًى ، منها : الالتماس والتّهديد .
اقتضاء الأمر للتّكرار :
6 - الأمر لطلب الفعل مطلقاً لا يقتضي التّكرار عند الحنفيّة ، فيبرأ بالفعل مرّةً ويحتمل التّكرار ، واختاره الرّازيّ والآمديّ .
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ : هو لازم مدّة العمر إن أمكن ، وعلى هذا جماعة من الفقهاء والمتكلّمين .
وذهب كثير من أهل الأصول إلى أنّها للمرّة ، ولا يحتمل التّكرار ، وهو قول أكثر الشّافعيّة . أمّا إن قيّد بشرطٍ ، نحو { وإن كنتم جنباً فاطّهّروا } أو بالصّفة نحو { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما } فإنّه يقتضي التّكرار ، بتكرّر الشّرط أو الصّفة ، وقيل بالوقف في ذلك .
دلالة الأمر على الفور أو التّراخي :
7 - الصّحيح عند الحنفيّة أنّ الأمر لمجرّد الطّلب ، فيجوز التّأخير كما يجوز البدار ، وعزي إلى الشّافعيّ وأصحابه . واختاره الرّازيّ والآمديّ .
وقيل : يوجب الفور ، وعزي إلى المالكيّة والحنابلة والكرخيّ ، واختاره السّكّاكيّ والقاضي . وتوقّف الإمام في أنّه للفور أو للقدر المشترك بين الفور والتّراخي .
الأمر بالأمر :
8 - من أمر غيره أن يأمر آخر بفعلٍ ما فليس هذا أمراً للمأمور الثّاني على المختار عند الأصوليّين . فقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مروا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع سنين » ليس أمراً منه للصّبيان بالصّلاة .
لكن إن أفهمت القرينة أنّ الواسطة مجرّد مبلّغٍ كان الأمر بالأمر أمراً للمأمور الثّاني ، ومنه « أنّ عمر أخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض ، فقال : مره فليراجعها » . وليس من موضوع هذه المسألة ما لو صرّح الأمر بالتّبليغ نحو قوله : ( قل لفلانٍ يفعل كذا ) فإنّ هذا أمر للثّاني بلا خلافٍ .
تكرار الأمر :
9 - إذا كرّر الآمر الأمر قبل أن ينفّذ المأمور الأمر الأوّل ، فقد يتعيّن الثّاني للتّأكيد ، كما في نحو : صم هذا اليوم ، صم هذا اليوم ، إذ لا يصام اليوم مرّتين . ونحو : اسقني اسقني ، فإنّ الحاجة الّتي دعت إلى طلب الماء تندفع بالشّرب الأوّل . فإن دار الثّاني بين التّأسيس والتّأكيد فقيل : يحمل على التّأسيس احتياطاً ، ويكون المطلوب الإتيان بالفعل مكرّراً . وقيل : يحمل على التّأكيد لكثرته في الكلام .
امتثال الآمر يقتضي الإجزاء :
10 - المأمور إذا أتى بالمأمور به على وجهه كما طلب مع الشّرائط والأركان ، يستلزم الإجزاء اتّفاقاً ، إذا فسّر الإجزاء بالامتثال .
أمّا إن فسّر الإجزاء بسقوط القضاء ، فإنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه يسقطه كذلك عند الجمهور ، خلافاً للقاضي عبد الجبّار المعتزليّ .
تعارض الأمر والنّهي :
11 - النّهي عند الأصوليّين يترجّح على الأمر ، لأنّ دفع المفسدة المستفادة من النّهي أولى من جلب المنفعة ، ولذا يترجّح حديث النّهي عن الصّلاة في الأوقات المكروهة على حديث الأمر بصلاة ركعتين قبل الجلوس في المسجد ، في حقّ من دخل المسجد قبيل غروب الشّمس مثلاً . وفي هذه المسائل المتقدّمة خلافات وتفصيلات أوسع ممّا تقدّم ، فليرجع إليها ضمن مباحث الأمر من كتب أصول الفقه ، والملحق الأصوليّ .
الأحكام الفقهيّة إجمالاً :
طاعة الأوامر :
12 - تجب طاعة أوامر اللّه تعالى الّتي تقتضي الوجوب ، وكذلك أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم . ويطاع سواهما في غير المعصية ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « السّمع والطّاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره ، ما لم يؤمر بمعصيةٍ » فيطاع الأبوان ووليّ الأمر ونوّابه في غير الحرام . ( ر : طاعة ) .
الأمر في الجنايات :
13 - من أمر إنساناً بقتل إنسانٍ فقتله ، فالقصاص على القاتل دون الآمر ، إن كان القاتل مكلّفاً ، لكن إن كان للآمر ولاية على المأمور ، أو خاف المأمور على نفسه لو لم يفعل ، ففي وجوب القصاص عليهما أو على أحدهما خلاف وتفصيل .
ينظر في ( إكراه ، وقتل ، وقصاص )
ضمان الآمر :
14 - من أمر غيره بعملٍ ، فأتلف شيئاً ، فالضّمان على المتلف لا على الآمر ، ويستثنى من ذلك صور منها : أن يكون الآمر سلطاناً أو أباً ، أو يكون المأمور صغيراً أو مجنوناً أو أجيراً لدى الآمر . وفي ذلك تفصيل يرجع إليه في مصطلح ( ضمان وإكراه ) .
الإيجاب أو القبول بصيغة الأمر :
15 - إذا قال : بعني هذا الثّوب بعشرين ، فقال : بعتك بها ، انعقد البيع وصحّ . وكذا لو قال البائع : اشتر منّي هذا الثّوب بكذا ، فقال : اشتريته به ، لصدق حدّ الإيجاب والقبول عليهما . وكذا في التّزويج ، لو قال لرجلٍ : زوّجني ابنتك ، فقال : زوّجتكها ، ينعقد النّكاح . وهذا بخلاف الاستفهام أو التّمنّي مثلاً ، فلا ينعقد بهما العقد . كما لو قال : أتبيعني هذا الثّوب بكذا فقال : بعتكه بها . وفي ذلك تفصيل ، وفي بعضه خلاف ( ر : صيغة ، عقد ، زواج ) .

امرأة *
التّعريف :
1 - المرء هو الإنسان ، والأنثى منه ( مرأة ) بإضافة تاء التّأنيث ، وقد تلحق بها همزة الوصل فتصبح ( امرأة ) وهي اسم للبالغة .
وهذا في اللّغة والاصطلاح . إلاّ أنّها في بعض الأبواب كالمواريث تصدق على الصّغير والكبير .
الحكم الإجماليّ :
2 - يمكن إجمال ما يتعلّق بالمرأة من أحكامٍ غالباً فيما يأتي :
أ - المرأة كإنسانٍ لها حقّ الرّعاية في طفولتها من تربيةٍ وتعليمٍ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من كانت له ابنة فأدّبها فأحسن تأديبها ، وعلّمها فأحسن تعليمها ، وأوسع عليها من نعم اللّه الّتي أسبغ عليه ، كانت له منعةً وسترةً من النّار » .
وإذا رشدت كانت لها ذمّتها الماليّة المستقلّة ، وصار لها حرّيّة التّعبير عن إرادتها ، ولذلك لا تزوّج بدون إذنها .
ب - والمرأة كأنثى ، مطالبة بالمحافظة على مظاهر أنوثتها ، فلها أن تتزيّن بزينة النّساء ، ويحرم عليها التّشبّه بالرّجال . ومطالبة كذلك بالتّستّر وعدم الاختلاط بالرّجال الأجانب أو الخلوة بهم ، ولذلك تقف في الصّلاة متأخّرةً عن صفوف الرّجال .
ج - والمرأة كمسلمةٍ ، مطالبة بكلّ التّكاليف الشّرعيّة الّتي فرضها اللّه على عباده ، مع الاختلاف عن الذّكر في بعض هيئات العبادة .
د - والمرأة اختصّها اللّه سبحانه وتعالى بالحيض والحمل والولادة ، وترتّب على ذلك بعض الأحكام الفقهيّة كالتّخفيف عنها في العبادات في هذه الحالات .
هـ - ولضعف المرأة في الخلقة والتّكوين ، فإنّها لا تتولّى من الأعمال ما يحتاج إلى بذل الجهد الجسديّ والذّهنيّ كالإمارة والقضاء ، ولم يفرض عليها الجهاد في الجملة ، وكانت شهادتها على النّصف من شهادة الرّجل .
و - ولأنّ المرأة أكثر حناناً وشفقةً من الرّجل كان حقّها في الحضانة مقدّماً على الرّجل .
ز - والأصل أن يكون عمل المرأة هو رعاية بيتها وزوجها وأولادها ، لذلك كانت نفقتها على زوجها ولو كانت غنيّةً . وكان الرّجل قوّاماً عليها ، يقول اللّه تعالى : { الرّجال قوّامون على النّساء بما فضّل اللّه بعضهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم } .
وتفصيل كلّ هذه الأمور ينظر في مصطلح ( أنوثة ) .

الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر *
التّعريف :
1 - الأمر في اللّغة : كلام دالّ على طلب الفعل ، أو قول القائل لمن دونه : افعل .
وأمرت بالمعروف : أي بالخير والإحسان .
ويقول ابن الأثير : المعروف اسم جامع لكلّ ما عرف من طاعة اللّه والتّقرّب إليه ، والإحسان إلى النّاس ، وكلّ ما ندب إليه الشّرع من المحسّنات ، ونهى عنه من المقبّحات . وهو من الصّفات الغالبة أي معروف بين النّاس إذا رأوه لا ينكرونه .
والأمر بالمعروف في اصطلاح الفقهاء : هو الأمر باتّباع محمّدٍ صلى الله عليه وسلم ودينه الّذي جاء به من عند اللّه ، وأصل المعروف : كلّ ما كان معروفاً فعله جميلاً غير مستقبحٍ عند أهل الإيمان ، ولا يستنكرون فعله .
أمّا النّهي عن المنكر ، فإنّ النّهي في اللّغة : ضدّ الأمر ، وهو قول القائل لمن دونه : لا تفعل . والمنكر لغةً : الأمر القبيح .
وفي الاصطلاح : المنكر ما ليس فيه رضى اللّه من قولٍ أو فعلٍ . فالنّهي عن المنكر في الاصطلاح : طلب الكفّ عن فعل ما ليس فيه رضى اللّه تعالى .
هذا ، وقد عرّف الزّبيديّ الأمر بالمعروف بقوله : هو ما قبله العقل ، وأقرّه الشّرع ، ووافق كرم الطّبع . والنّهي عن المنكر : هو ما ليس فيه رضى اللّه تعالى من قولٍ أو فعلٍ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الحسبة :
2 - الاحتساب في اللّغة : العدّ والحساب ونحوه ، ومنه احتساب الأجر عند اللّه ، أي : طلبه كما في الحديث : « من مات له ولد فاحتسبه » أي : احتسب الأجر بصبره على مصيبته به ، قال صاحب اللّسان : معناه عدّ مصيبته به في جملة بلايا اللّه الّتي يثاب على الصّبر عليها . وفي الشّريعة يتناول كلّ مشروعٍ يؤدّى للّه تعالى ، كالأذان والإقامة وأداء الشّهادة . إلخ ، ولهذا قيل : القضاء باب من أبواب الحسبة .
قال التّهانويّ : واختصّ في العرف بأمورٍ منها : إراقة الخمر وكسر المعازف وإصلاح الشّوارع . والأمر بالمعروف إذا ظهر تركه ، والنّهي عن المنكر إذا ظهر فعله .
والحسبة من الولايات الإسلاميّة الّتي يقصد بها الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ممّا ليس من اختصاص الولاة والقضاة وأهل الدّيوان ونحوهم . وممّا يقارب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر : النّصح والإرشاد ، وقد سبقت المقارنة بينهما في مصطلح ( إرشاد ) .
الحكم التّكليفيّ :
3 - اتّفق الأئمّة على مشروعيّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وحكى الإمام النّوويّ وابن حزمٍ الإجماع على وجوبه ، وتطابقت آيات الكتاب وأحاديث الرّسول صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين على أنّه من النّصيحة الّتي هي الدّين . قال اللّه تعالى : { ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } .
وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » .
قال الإمام الغزاليّ : الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أصل الدّين ، وأساس رسالة المرسلين ، ولو طوي بساطه ، وأهمل علمه وعمله ، لتعطّلت النّبوّة واضمحلّت الدّيانة ، وعمّت الفوضى ، وهلك العباد .
إلاّ أنّهم اختلفوا بعد ذلك في حكمه ، هل هو فرض عينٍ ، أو فرض كفايةٍ ، أو نافلة ؟ أو يأخذ حكم المأمور به والمنهيّ عنه ، أو يكون تابعاً لقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد . على أربعة مذاهب :
المذهب الأوّل : أنّه فرض كفايةٍ . وهو مذهب جمهور أهل السّنّة ، وبه قال الضّحّاك من أئمّة التّابعين والطّبريّ وأحمد بن حنبلٍ .
المذهب الثّاني : أنّه فرض عينٍ في مواضع :
أ - إذا كان المنكر في موضعٍ لا يعلم به إلاّ هو ، وكان متمكّناً من إزالته .
ب - من يرى المنكر من زوجته أو ولده ، أو يرى الإخلال بشيءٍ من الواجبات .
ج - والي الحسبة ، فإنّه يتعيّن عليه ، لاختصاصه بهذا الفرض .
المذهب الثّالث : إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر نافلة ، وهو مذهب الحسن البصريّ وابن شبرمة .
المذهب الرّابع : التّفصيل ، وقد اختلفوا على ثلاثة أقوالٍ :
القول الأوّل : إنّ الأمر والنّهي يكون واجباً في الواجب فعله أو في الواجب تركه ، ومندوباً في المندوب فعله أو في المندوب تركه هكذا ، وهو رأي جلال الدّين البلقينيّ والأذرعيّ من الشّافعيّة .
القول الثّاني : فرّق أبو عليٍّ الجبّائيّ من المعتزلة بين الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وقال : إنّ الأمر بالواجب واجب ، وبالنّافلة نافلة ، وأمّا المنكر فكلّه من بابٍ واحدٍ ، ويجب النّهي عن جميعه .
القول الثّالث : لابن تيميّة وابن القيّم وعزّ الدّين بن عبد السّلام ، قالوا : إنّ مقصود النّهي عن المنكر أن يزول ويخلفه ضدّه ، أو يقلّ وإن لم يزل بجملته ، أو يخلفه ما هو مثله ، أو يخلفه ما هو شرّ منه ، والأوّلان مشروعان ، والثّالث موضع اجتهادٍ ، والرّابع محرّم .
أركان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر :
4 - عقد الغزاليّ في إحياء علوم الدّين مبحثاً جيّداً لأركانه ، وحاصله ما يلي : الأركان اللّازمة للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أربعة ، وهي :
( أ ) الأمر .
( ب ) ما فيه الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ( المأمور فيه ) .
( ج ) نفس الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ( الصّيغة ) .
( د ) المأمور . ثمّ بيّن أنّ لكلّ ركنٍ من الأركان شروطه الخاصّة به على النّحو التّالي :
أوّلاً : الآمر وشروطه :
أ - التّكليف ، ولا يخفى وجه اشتراطه ، فإنّ غير المكلّف لا يلزمه أمر ، وما ذكر يراد به شرط الوجوب ، فأمّا إمكان الفعل وجوازه فلا يستدعي إلاّ العقل .
ب - الإيمان ، ولا يخفى وجه اشتراطه ، لأنّ هذا نصرة للدّين ، فكيف يكون من أهله من هو جاحد لأصله ومن أعدائه .
ج - العدالة : وقد اختلفوا في هذا الشّرط ، فاعتبرها قوم ، وقالوا : ليس للفاسق أن يأمر وينهى ، واستدلّوا بقوله تعالى : { أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم } . وقوله تعالى : { كبر مقتاً عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون } . وقال آخرون : لا تشترط في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر العصمة من المعاصي كلّها ، وإلاّ كان خرقاً للإجماع ، ولهذا قال سعيد بن جبيرٍ : إذا لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر إلاّ من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيءٍ . وقد ذكر ذلك عند مالكٍ فأعجبه .
واستدلّ أصحاب هذا الرّأي بأنّ لشارب الخمر أن يجاهد في سبيل اللّه ، وكذلك ظالم اليتيم ، ولم يمنعوا من ذلك لا في عهد الرّسول صلى الله عليه وسلم ولا بعده .
ثانياً : محلّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وشروطه :
أ - كون المأمور به معروفاً في الشّرع ، وكون المنهيّ عنه محظور الوقوع في الشّرع .
ب - أن يكون موجوداً في الحال ، وهذا احتراز عمّا فرغ منه .
ج - أن يكون المنكر ظاهراً بغير تجسّسٍ ، فكلّ من أغلق بابه لا يجوز التّجسّس عليه ، وقد نهى اللّه عن ذلك فقال : { ولا تجسّسوا } وقال : { وأتوا البيوت من أبوابها } وقال : { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها } .
د - أن يكون المنكر متّفقاً على تحريمه بغير خلافٍ معتبرٍ ، فكلّ ما هو محلّ اجتهادٍ فليس محلّاً للإنكار ، بل يكون محلّاً للإرشاد ، ينظر مصطلح ( إرشاد ) .
ثالثاً : الشّخص المأمور أو المنهيّ :
وشرطه أن يكون بصفةٍ يصير الفعل الممنوع منه في حقّه منكراً ، ولا يشترط كونه مكلّفاً ، إذ لو شرب الصّبيّ الخمر منع منه وأنكر عليه ، وإن كان قبل البلوغ . ولا يشترط كونه مميّزاً ، فالمجنون أو الصّبيّ غير المميّز لو وجدا يرتكبان منكراً لوجب منعهما منه .

رابعاً : نفس الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر :
وله درجات وآداب . أمّا الدّرجات فأوّلها التّعريف ، ثمّ النّهي ، ثمّ الوعظ والنّصح ، ثمّ التّعنيف ، ثمّ التّغيير باليد ، ثمّ التّهديد بالضّرب ، ثمّ إيقاع الضّرب ، ثمّ شهر السّلاح ، ثمّ الاستظهار فيه بالأعوان والجنود . وسيأتي تفصيل ذلك .
مراتب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر :
5 - يرى جمهور الفقهاء أنّ المراتب الأساسيّة للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ثلاث ، وذلك لحديث أبي سعيدٍ الخدريّ ، قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان »
فمن وسائل الإنكار التّعريف باللّطف والرّفق ، ليكون أبلغ في الموعظة والنّصيحة ، وخاصّةً لأصحاب الجاه والعزّة والسّلطان وللظّالم المخوف شرّه ، فهو أدعى إلى قبوله الموعظة . وأعلى المراتب اليد ، فيكسر آلات الباطل ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله ، وينزع المغصوب ، ويردّه إلى أصحابه بنفسه ، فإذا انتهى الأمر بذلك إلى شهر السّلاح ربط الأمر بالسّلطان . وقد فصّل الغزاليّ في الإحياء مراتب الأمر والنّهي وقسّمها إلى سبع مراتب ، تنظر في مصطلح ( حسبة ) .
هذا ويجب قتال المقيمين على المعاصي الموبقات ، المصرّين عليها المجاهرين بها على كلّ أحدٍ من النّاس إذا لم يرتدعوا - وهذا بالنّسبة للإمام - لأنّنا مأمورون بوجوب التّغيير عليهم ، والنّكير بما أمكن باليد ، فإذا لم يستطع فلينكر بلسانه ، وذلك إذا رجا أنّه إن أنكر عليهم بالقول أن يزولوا عنه ويتركوه ، فإن خاف على نفسه أو على عضوٍ من أعضائه ، أنكر بقلبه . فلو قدر واحد باليد وآخرون باللّسان تعيّن على الأوّل ، إلاّ أن يكون التّأثير باللّسان أقرب ، أو أنّه يتأثّر به ظاهراً وباطناً ، في حين لا يتأثّر بذي اليد إلاّ ظاهراً فقط ، فيتعيّن على ذي اللّسان حينئذٍ .
6- ولا يسقط الإنكار بالقلب عن المكلّف باليد أو اللّسان أصلاً ، إذ هو كراهة المعصية ، وهو واجب على كلّ مكلّفٍ ، فإن عجز المكلّف عن الإنكار باللّسان وقدر على التّعبيس والهجر والنّظر شزراً لزمه ، ولا يكفيه إنكار القلب ، فإن خاف على نفسه أنكر بالقلب واجتنب صاحب المعصية . قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه :" جاهدوا الكفّار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلاّ أن تكفهرّوا في وجوههم فافعلوا ".
أخذ الأجر على القيام بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر :
7 - الأصل أنّ كلّ طاعةٍ لا يجوز الاستئجار عليها ، كالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والأذان والحجّ وتعليم القرآن والجهاد . وهو رأي للحنفيّة ومذهب الإمام أحمد ، لما روي عن عثمان بن أبي العاص قال : « إنّ آخر ما عهد إليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن اتّخذ مؤذّناً لا يأخذ على أذانه أجراً » وما رواه « عبادة بن الصّامت قال : علّمت ناساً من أهل الصّفّة القرآن والكتابة ، فأهدى إليّ رجل منهم قوساً ، قلت : قوس وليس بمالٍ ، أتقلّدها في سبيل اللّه ، فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : إن كنت تحبّ أن تطوّق طوقاً من نارٍ فاقبلها »
وأجاز الشّافعيّ ومالك ومتأخّرو الحنفيّة ذلك ، وهو رواية عن أحمد ، وقال به أبو قلابة وأبو ثورٍ وابن المنذر ، " لأنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً بما معه من القرآن » وجعل ذلك يقوم مقام المهر . وقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أحقّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب اللّه » على أنّ المحتسب المعيّن يفرض له كفايته من بيت المال ، ما يفرض للقضاة وأصحاب الولايات ، بخلاف المتطوّع لأنّه غير متفرّغٍ لذلك . ( ر : إجارة ) .

أمرد *
التّعريف :
1 - الأمرد في اللّغة من المرد ، وهو نقاء الخدّين من الشّعر ، يقال : مرد الغلام مرداً : إذا طرّ شاربه ولم تنبت لحيته .
وفي اصطلاح الفقهاء هو : من لم تنبت لحيته ، ولم يصل إلى أوان إنباتها في غالب النّاس والظّاهر أنّ طرور الشّارب وبلوغه مبلغ الرّجال ليس بقيدٍ ، بل هو بيان لغايته ، وأنّ ابتداءه حين بلوغه سنّاً تشتهيه النّساء .
الألفاظ ذات الصّلة :
الأجرد :
2 - الأجرد في اللّغة هو : من لا شعر على جسده ، والمرأة جرداء . وفي الاصطلاح : الّذي ليس على وجهه شعر ، وقد مضى أوان طلوع لحيته . ويقال له في اللّغة أيضاً : ثطّ وأثطّ . ( ر : أجرد ) أمّا إذا كان على جميع بدنه شعر فهو : أشعر .
المراهق :
3 - إذا قارب الغلام الاحتلام ولم يحتلم فهو مراهق . فيقال : جارية مراهقة ، وغلام مراهق ، ويقال أيضاً : جارية راهقة وغلام راهق .
الأحكام الإجماليّة المتعلّقة بالأمرد :
أوّلاً : النّظر والخلوة :
4 - إن كان الأمرد غير صبيحٍ ولا يفتن ، فقد نصّ الحنفيّة والشّافعيّة على أنّه يأخذ حكم غيره من الرّجال . أمّا إن كان صبيحاً حسناً يفتن ، وضابطه أن يكون جميلاً بحسب طبع النّاظر ولو كان أسود ، لأنّ الحسن يختلف باختلاف الطّباع فله في هذه الصّورة حالتان : الأولى : أن يكون النّظر والخلوة وغير ذلك من الأمور المتعلّقة بالأمر بلا قصد الالتذاذ ، والنّاظر مع ذلك آمن الفتنة ، كنظر الرّجل إلى ولده أو أخيه الأمرد الصّبيح ، فهو في غالب الأحوال لا يكون بتلذّذٍ ، فهذا مباح ولا إثم فيه عند جمهور الفقهاء .
الثّانية : أن يكون ذلك بلذّةٍ وشهوةٍ ، فالنّظر إليه حرام .
وقد ذكر الحنفيّة والشّافعيّة أنّ الأمرد يلحق بالمرأة في النّظر إن كان بشهوةٍ ، ولو مع الشّكّ في وجودها ، وحرمة النّظر إليه بشبهةٍ أعظم إثماً ، قالوا : لأنّ خشية الفتنة به عند بعض النّاس أعظم منها .
أمّا الخلوة بالأمرد فهي كالنّظر ، بل أقرب إلى المفسدة حتّى رأى الشّافعيّة حرمة خلوة الأمرد بالأمرد وإن تعدّد ، أو خلوة الرّجل بالأمرد وإن تعدّد . نعم إن لم تكن هناك ريبة فلا تحرم كشارعٍ ومسجدٍ مطروقٍ .
ثانياً : مصافحة الأمرد :
5 - جمهور الفقهاء على حرمة مسّ ومصافحة الأمرد الصّبيح بقصد التّلذّذ ، وذلك لأنّ المسّ بشهوةٍ عندهم كالنّظر بل أقوى وأبلغ منه .
ويرى الحنفيّة كراهة مسّ الأمرد ومصافحته .
ثالثاً : انتقاض الوضوء بمسّ الأمرد :
6 - يرى المالكيّة ، وهو قول للإمام أحمد إنّه ينتقض الوضوء بلمس الأمرد الصّبيح لشهوةٍ . ويرى الشّافعيّة ، وهو القول الآخر لأحمد عدم انتقاضه .
رابعاً : إمامة الأمرد :
7 - جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) على أنّه تكره الصّلاة خلف الأمرد الصّبيح ، وذلك لأنّه محلّ فتنةٍ . ولم نجد نصّاً للمالكيّة في هذه المسألة .
خامساً : ما يراعى في التّعامل مع الأمرد وتطبيبه :
8 - التّعامل مع الأمرد الصّبيح من غير المحارم ينبغي أن يكون مع شيءٍ من الحذر غالباً ولو في مقام تعليمهم وتأديبهم لما فيه من الآفات .
وعند الحاجة إلى معاملة الأمرد للتّعليم أو نحوه ينبغي الاقتصار على قدر الحاجة ، وبشرط السّلامة وحفظ قلبه وجوارحه عند التّعامل معهم ، وحملهم على الجدّ والتّأدّب ومجانبة الانبساط معهم . والأصل : أنّ كلّ ما كان سبباً للفتنة فإنّه لا يجوز ، حيث يجب سدّ الذّريعة إلى الفساد إذا لم يعارضها مصلحة .

إمساك *
التّعريف :
1 - من معاني الإمساك في اللّغة القبض . يقال : أمسكته بيدي إمساكاً : قبضته ، ومن معانيه أيضاً الكفّ يقال : أمسكت عن الأمر : كففت عنه .
واستعمله الفقهاء أيضاً في هذين المعنيين في مواضع مختلفةٍ ، لأنّ مرادهم بالإمساك في الجنايات القبض باليد . فإذا أمسك رجل آخر فقتله الثّالث يقتل الممسك قصاصاً عند المالكيّة إذا كان الإمساك بقصد القتل ، وعند غيرهم لا يقتل كما سيأتي . ومرادهم بالإمساك في الصّيام : الكفّ عن المفطرات والامتناع عن الأكل والشّرب والجماع ، كما صرّحوا بذلك .
الألفاظ ذات الصّلة :
الاحتباس :
2 - الاحتباس لغةً : هو المنع من حرّيّة السّعي ، ويختصّ بما يحبسه الإنسان لنفسه . تقول : احتبست الشّيء : إذا اختصصته لنفسك خاصّةً .
ويطلق الاحتباس عند الفقهاء على تسليم المرأة نفسها لزوجها ، كما قالوا : إنّ النّفقة جزاء الاحتباس . كما يطلقون الاحتباس أو الحبس على الوقف ، لما فيه من منع التّصرّف فيه ، وعلى هذا فالاحتباس أخصّ من الإمساك .
الحكم الإجماليّ :
يختلف حكم الإمساك باختلاف الموضوعات الّتي ذكر فيها : من الصّيام ، والصّيد ، والطّلاق ، والقصاص .
أوّلاً : إمساك الصّيد :
3 - يطلق إمساك الصّيد على الاصطياد ، وعلى إبقاء الصّيد في اليد بدلاً من إرساله ، وقد اتّفق الفقهاء على أنّ إمساك صيد البرّ حرام إذا كان في حالة الإحرام ، أو كان في داخل حدود الحرم . وكذلك الدّلالة والإشارة إلى الصّيد والإعانة في قتله ، كما هو مبيّن في مصطلح ( إحرام ) على تفصيلٍ في ذلك .
4 - ويجوز الاصطياد بجوارح السّباع والطّير ، كالكلب والفهد والبازي والشّاهين ، ويشترط في الجارح أن يمسك الصّيد على صاحبه . بشرط كونه معلّماً .
والإمساك على صاحبه شرط من شروط كون الكلب معلّماً عند الجمهور ، فإنّهم صرّحوا أنّ تعليم الكلب هو أنّه إذا أرسل اتّبع الصّيد . وإذا أخذه أمسكه على صاحبه . ولا يأكل منه شيئاً . حتّى لو أخذ صيداً فأكل منه لا يؤكل عند الجمهور ، بدليل قوله تعالى : { فكلوا ممّا أمسكن عليكم } إشارةً إلى أنّ حدّ تعليم الكلب وما هو في معناه هو الإمساك على صاحبه وترك الأكل منه ، والكلب الّذي يأكل إنّما أمسك على نفسه لا على صاحبه ، فكان فعله مضافاً إليه لا إلى المرسل فلا يجوز أكله . واستدلّ لذلك بحديث « عديّ بن حاتمٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له : فإن أكل فلا تأكل ، فإنّي أخاف أن يكون إنّما أمسك على نفسه » .
وقال مالك وهو رواية عن أحمد : إنّ الإمساك ليس شرطاً في تعليم الحيوان الّذي يرسل إلى الصّيد . فالحيوان المعلّم هو الّذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر ، لأنّ التّعليم إنّما شرط حالة الاصطياد وهي حالة الاتّباع . أمّا الإمساك على صاحبه وترك الأكل فيكونان بعد الفراغ عن الاصطياد فلا يشترطان . وتفصيله في مصطلح ( صيد ) .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:31 PM

ثانياً : الإمساك في الصّيام :
5 - الإمساك عن الأكل والشّرب والجماع بشرائط مخصوصةٍ هو معنى الصّيام عند الفقهاء . وهناك إمساك لا يعدّ صوماً ، لكنّه واجب في أحوالٍ منها : ما إذا أفطر لاعتقاده أنّ اليوم من شعبان ، فتبيّن أنّه من رمضان ، لزمه الإمساك عن جميع المفطرات لحرمة الشّهر ، وإن كان لا يحتسب إمساكه هذا صوماً .
كذلك يلزم إمساك بقيّة اليوم لكلّ من أفطر في نهار رمضان والصّوم لازم له ، كالمفطر بغير عذرٍ ، والمفطر يظنّ أنّ الفجر لم يطلع وقد كان طلع ، أو ظنّ أنّ الشّمس قد غابت ولم تغب ، مع وجوب القضاء عند عامّة الفقهاء .
6- أمّا من يباح له الفطر وزال عذره في نهار رمضان كما لو بلغ الصّبيّ ، أو أفاق المجنون ، أو أسلم الكافر ، أو صحّ المريض أو أقام المسافر ، أو طهرت الحائض والنّفساء ، فالمالكيّة وكذا الشّافعيّة في الأصحّ والحنابلة في روايةٍ على عدم وجوب الإمساك عليهم بقيّة يومهم . وصرّح بعضهم باستحباب إمساكهم لحرمة الشّهر .
أمّا الحنفيّة والشّافعيّة في قولهم الثّاني والحنابلة في روايةٍ فقد صرّحوا بوجوب الإمساك عليهم بقيّة يومهم ، كما إذا قامت البيّنة على رؤية هلال رمضان في أثناء النّهار . وللفقهاء في صوم يوم الشّكّ خلاف وتفصيل ، لكن المالكيّة صرّحوا بأنّه يندب الإمساك عن المفطر في يوم الشّكّ بقدر ما جرت العادة بالثّبوت فيه ليتحقّق الحال .
وللتّفصيل في هذه المسائل يرجع إلى مصطلح ( صيام ) .
ثالثاً : الإمساك في القصاص :
7 - إن أمسك شخص إنساناً وقتله آخر فلا خلاف أنّ القاتل يقتل قصاصاً . أمّا الممسك فإن لم يعلم أنّ الجاني كان يريد القتل فلا قصاص عليه اتّفاقاً ، لأنّه متسبّب والقاتل مباشر ، والقاعدة الفقهيّة تقول : ( إذا اجتمع المباشر والمتسبّب يضاف الحكم إلى المباشر ) .
كذلك إذا كان الإمساك بقصد القتل بحيث لولا إمساكه له لما أدركه القاتل مع علم الممسك بأنّ الجاني قاصد قتله فقتله الثّالث فالحنفيّة والشّافعيّة على أنّه لا يقتصّ من الممسك ، لتقديم المباشر على المتسبّب .
وقال مالك وهو رواية عن أحمد : يقتصّ من الممسك لتسبّبه كما يقتصّ من القاتل لمباشرته ، لأنّه لو لم يمسكه لما قدر القاتل على قتله ، وبإمساكه تمكّن من قتله ، فيكونان شريكين . وروي عن أحمد أنّ من أمسك شخصاً ليقتله الطّالب يحبس الممسك حتّى يموت . لأنّه أمسك القتيل حتّى الموت . وتفصيله في مصطلح ( قصاص )
رابعاً : الإمساك في الطّلاق :
8 - الإمساك من صيغ الرّجعة في الطّلاق الرّجعيّ عند الجمهور ( الحنفيّة والحنابلة وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ) فتصحّ الرّجعة بقوله : مسكتك أو أمسكتك بدون حاجةٍ إلى النّيّة ، لأنّه ورد به الكتاب لقوله تعالى : { فأمسكوهنّ بمعروفٍ } يعني الرّجعة .
وقال المالكيّة وهو القول الثّاني للشّافعيّة : إن قال : أمسكتها ، يكون مراجعاً بشرط النّيّة . ويصير مراجعاً بالإمساك الفعليّ إذا كان بشهوةٍ عند الحنفيّة ، وهو رواية عن أحمد ، وكذلك عند المالكيّة إذا اقترن الإمساك بالنّيّة . وقال الشّافعيّة : لا تحصل الرّجعة بفعلٍ كوطءٍ ومقدّماته ، لأنّ ذلك حرّم بالطّلاق ومقصود الرّجعة حلّه ، فلا تحصل به .
أمّا الإمساك لغير شهوةٍ فليس برجعةٍ عند عامّة الفقهاء .
9- وذكر الفقهاء أنّ الطّلاق في الحيض طلاق بدعةٍ لكنّه إن حصل وقع ، وتستحبّ مراجعتها عند الجمهور . وقال مالك : يجبر على الرّجعة ، لحديث ابن عمر « مره فليراجعها ثمّ ليمسكها حتّى تطهر ثمّ تحيض ثمّ تطهر » .
فإذا راجعها وجب إمساكها عند عامّة الفقهاء حتّى تطهر من الحيض وندب إمساكها حتّى تحيض حيضةً أخرى . وتفصيله في مصطلح ( رجعة ) .

إمضاء *
انظر : إجازة .

إملاك *
التّعريف :
1 - الإملاك هو : التّزويج وعقد النّكاح
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - الإملاك بمعنى : عقد النّكاح ، وله مصطلح خاصّ به تذكر فيه أحكامه .
ووليمة الإملاك بمعنى وليمة العقد ، فهي سنّة عند الشّافعيّة والحنابلة ، والإجابة إليها سنّة عند الشّافعيّة ، وهو قول ابن قدامة وغيره من الحنابلة ، وقال بعض الحنابلة : إنّها مباحة . وهل تتعدّد مع وليمة الدّخول ؟ قال الشّافعيّة : المعتمد أنّها واحدة . ولم نطّلع على حكم وليمة الإملاك عند المالكيّة والحنفيّة . ويتكلّم الفقهاء عن الإملاك في باب الوليمة من كتاب النّكاح ، وتفصيله في مصطلح ( وليمة ) .

أمّ *
التّعريف :
1 - أمّ الشّيء في اللّغة : أصله ، والأمّ : الوالدة ، والجمع أمّهات وأمّات ولكن كثر ( أمّهات ) في الآدميّات ( وأمّات ) في الحيوان .
ويقول الفقهاء : إنّ من ولدت الإنسان فهي أمّه حقيقةً ، أمّا من ولدت من ولده فهي أمّه مجازاً ، وهو الجدّة ، وإن علت كأمّ الأب وأمّ الأمّ .
ومن أرضعت إنساناً ولم تلده فهي أمّه من الرّضاع .
الحكم الإجماليّ :
للأمّ أحكام خاصّة في الفقه الإسلاميّ تفصيلها فيما يلي :
برّ الوالدين :
2 - ومن الواجب على المسلم برّ الوالدين وإن كانا فاسقين أو كافرين ، ويجب طاعتهما في غير معصية اللّه تعالى ، فإن كانا كافرين فليصاحبهما في الدّنيا معروفاً ، ولا يطعهما في كفرٍ ولا في معصية اللّه تعالى قال سبحانه وتعالى : { وقضى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه وبالوالدين إحساناً } وقال تعالى : { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدّنيا معروفاً }
وهي أولى من الأب بالبرّ لقوله تعالى : { ووصّينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمّه وهناً على وهنٍ وفصاله في عامين } ولأنّ« النّبيّ صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال : يا رسول اللّه من أحقّ بحسن صحابتي ؟ قال : أمّك . قال : ثمّ من ؟ قال : أمّك . قال : ثمّ من ؟ قال : أمّك قال : ثمّ من ؟ قال : أبوك » وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال : « سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أيّ العمل أفضل ؟ قال : الصّلاة لأوّل وقتها ، وبرّ الوالدين»
تحريم الأمّ :
3 - أجمعوا على تحريم نكاح الأمّ النّسبيّة وإن علت على ابنها لقوله تعالى : { حرّمت عليكم أمّهاتكم } ومثلها الأمّ من الرّضاع لقوله تعالى : { وأمّهاتكم اللّاتي أرضعنكم } .
النّظر إلى الأمّ والمسافرة بها :
4 - اتّفق الفقهاء على جواز النّظر إلى الأمّ ، ولكن اختلفوا في محلّ جواز النّظر ، فذهب الحنفيّة إلى جواز النّظر من الأمّ إلى الرّأس والوجه والصّدر والسّاق والعضدين ، فلا يجوز النّظر إلى الظّهر والبطن والفخذ .
وذهب المالكيّة إلى أنّه ينظر إلى الوجه والأطراف ، فلا يجوز النّظر إلى الصّدر والظّهر والثّدي والسّاق ، وإن لم يلتذّ به .
والحنابلة في المعتمد عندهم كالمالكيّة إلاّ أنّهم أجازوا النّظر إلى السّاق من المحرم ، وذهب الشّافعيّة والقاضي من الحنابلة إلى تحريم النّظر من المحرم إلى ما بين السّرّة والرّكبة ويحلّ ما عداه . واتّفق الفقهاء أيضاً على أنّ هذا التّحديد في النّظر على اختلاف المذاهب مشروط بعدم النّظر بشهوةٍ ، فإن كان بشهوةٍ حرم . ويجوز للأمّ أن تسافر مع ولدها لأنّه من أقوى المحارم لها ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لامرأةٍ تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومٍ وليلةٍ ليس معها حرمة » .
النّفقة :
5 - قال ابن المنذر : أجمع العلماء على وجوب النّفقة للوالدين اللّذين لا كسب لهما ولا مال ، سواء أكان الوالدان مسلمين أو كافرين ، وسواء كان الفرع ذكراً أم أنثى ، لقوله تعالى :
{ وصاحبهما في الدّنيا معروفاً } ولقوله عليه الصلاة والسلام : « إنّ أطيب ما يأكل الرّجل من كسبه ، وولده من كسبه » . وللتّفصيل انظر ( نفقة ) .
الحضانة :
6 - تثبت الحضانة للأمّ المسلمة اتّفاقاً ما لم يكن مانع ، بل هي أولى من غيرها ، وكذا الأمّ الكتابيّة - على خلافٍ وتفصيلٍ فيها - وتجب عليها الحضانة إذا تعيّنت بألاّ يكون غيرها . وللتّفصيل : انظر مصطلح ( حضانة ) .
الميراث :
7 - للأمّ في الميراث ثلاثة أحوالٍ :
الأوّل : استحقاق السّدس فرضاً ، وذلك إذا كان للميّت فرع وارث ، أو اثنان من الإخوة والأخوات من أيّ جهةٍ كانوا .
الثّاني : استحقاق ثلث التّركة كلّها فرضاً ، وذلك عند عدم الفرع الوارث أصلاً ، وعدم اثنين فأكثر من الإخوة والأخوات .
الثّالث : استحقاق ثلث الباقي من التّركة ، وذلك في مسألتين :
أ - أن يكون الورثة زوجاً وأمّا وأباً ، فللأمّ ثلث الباقي بعد فرض الزّوج ، وهو يساوي هنا السّدس .
ب - أن يكون الورثة زوجةً وأمّاً وأباً ، فللأمّ ثلث الباقي بعد فرض الزّوجة ، وهو يساوي هنا الرّبع . وقد سمّى الفقهاء هاتين المسألتين بالغرّاوين أو العمريّتين ، لقضاء عمر رضي الله عنه فيهما بذلك .
الوصيّة :
8 - لا يدخل الوالدان والولد في الوصيّة للأقرباء ، لأنّهم يرثون في كلّ حالٍ ، ولا يحجبون ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا وصيّة لوارثٍ »
الولاية :
9 - يرى جمهور الفقهاء أنّه لا ولاية للأمّ على مال الصّغير ، لأنّ الولاية ثبتت بالشّرع فلم تثبت للأمّ كولاية النّكاح ، لكن يجوز أن يوصى إليها فتصير وصيّةً بالإيصاء .
وفي رأيٍ للشّافعيّة - خلاف الأصحّ - وهو قول ذكره القاضي والشّيخ تقيّ الدّين بن تيميّة من الحنابلة تكون لها الولاية بعد الأب والجدّ ، لأنّها أكثر شفقةً على الابن .
وكذلك لا ولاية لها في النّكاح عند الجمهور لأنّ المرأة لا تملك تزويج نفسها ولا غيرها ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا تزوّج المرأة المرأة ولا تزوّج المرأة نفسها » .
وعند أبي حنيفة وزفر والحسن وهو ظاهر الرّواية عن أبي يوسف أنّه تجوز ولاية الأمّ في النّكاح عند عدم العصبة .
إقامة الحدّ والتّعزير على الأمّ :
10 - لا يقام حدّ السّرقة على الأمّ إذا سرقت من مال ولدها . ولا تحدّ حدّ القذف أيضاً إذا قذفت ولدها ، وخلاف الرّاجح عند المالكيّة تحدّ ، وكذا لا يعزّر الوالدان لحقوق الأولاد .
القصاص :
11 - لا يقتصّ للقتيل من قبل أصوله ، ومنهم الأمّ لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا يقاد الوالد بولده » ومثله بقيّة الأصول ، ولأنّ الأصل سبب لإحياء الفرع فمن المحال أن يستحقّ له إفناؤه . وذهب المالكيّة إلى ما ذهب إليه جمهور العلماء ، إلاّ إذا قصد الأصل إزهاق روح الفرع ، كأن يرمي عنق الفرع بالسّيف ، أو يضجعه ويذبحه .
شهادة الفرع للأمّ وعكسه :
12 - أ - لا تقبل شهادة أحدهما للآخر عند جماهير العلماء ، وبه قال شريح والحسن والشّعبيّ والنّخعيّ وأبو حنيفة ومالك والشّافعيّ وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه - وهي المذهب - وإسحاق وأبو عبيدٍ وأصحاب الرّأي .
وفي روايةٍ أخرى عن أحمد أنّ شهادة الابن لأصله مقبولة بخلاف العكس ، وروي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّ شهادة كلٍّ منهما للآخر مقبولة وروي ذلك عن شريحٍ ، وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو ثورٍ والمزنيّ وداود وإسحاق وابن المنذر .
ب - أمّا شهادة أحدهما - أي الفرع والأصل - على صاحبه فتقبل ، وهو قول عامّة أهل العلم ، لانتفاء التّهمة ، وصرّح الشّافعيّة بأنّ محلّ قبول الشّهادة حيث لا عداوة وإلاّ لم تقبل . وللتّفصيل انظر مصطلح ( شهادة ) .
إذن الأمّ لولدها في الجهاد :
13 - اتّفقوا على أنّه لا يجوز الجهاد للولد في حال كونه فرض كفايةٍ إلاّ بإذن والديه إذا كانا مسلمين ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم للرّجل الّذي استأذنه في الجهاد : أحيّ والداك ؟ قال : نعم . قال : ففيهما فجاهد » .
تأديب الأمّ لولدها :
14 - يجوز للأب والأمّ ضرب الصّغير والمجنون زجراً لهما عن سيّئ الأخلاق وإصلاحاً لهما . وللتّفصيل : انظر مصطلح ( تعزير )

أمّ الأرامل *
التّعريف :
1- الأمّ لغةً الوالدة ، والأرامل جمع أرملةٍ وهي الّتي مات زوجها . ومسألة أمّ الأرامل عند الفرضيّين : إحدى المسائل الملقّبات وهي جدّتان ، وثلاثة زوجاتٍ ، وأربع أخواتٍ لأمٍّ ، وثماني أخواتٍ لأبوين أو لأبٍ ، وتسمّى أيضاً بأمّ الفروج لأنوثة الجميع ، وتسمّى أيضاً السّبعة عشريّة ، لنسبتها إلى سبعة عشر ، وهو عدد أسهمها .
بيان الأنصبة فيها :
2 - أصل المسألة من اثني عشر ( وتعول إلى سبعة عشر ) فيكون للجدّتين السّدس ، وهو اثنان ، لكلّ واحدةٍ سهم ، وللزّوجات الرّبع ، ثلاثة ، لكلّ واحدةٍ منهنّ سهم ، وللأخوات لأمٍّ الثّلث ، أربعة ، لكلّ واحدةٍ منهنّ سهم ، والثّلثان وهو ثمانية أسهمٍ للأخوات الثّماني لكلّ واحدةٍ سهم ، ويفصّل الفقهاء هذه المسألة في المواريث في باب العول .

أمّ الدّماغ *
التّعريف :
1 - أمّ الدّماغ لغةً : الهامة : وقيل الجلدة الرّقيقة المشتملة على الدّماغ .
وعند الفقهاء : الجلدة الّتي تحت العظم فوق الدّماغ ، وتسمّى بأمّ الرّأس ، وخريطة الدّماغ .
الحكم الإجماليّ :
2 - الشّجّة الّتي تصل إلى أمّ الدّماغ دون أن تخرقها تسمّى آمّةً ومأمومةً ، وفيها ثلث الدّية ، ولا قصاص فيها عند الفقهاء ، روى ابن ماجه في سننه عن العبّاس بن عبد المطّلب عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لا قود في المأمومة ولا الجائفة ولا المنقّلة » ، وفي المغني : " وليس فيها قصاص عند أحدٍ من أهل العلم نعلمه إلاّ ما روي عن ابن الزّبير أنّه قصّ من المأمومة فأنكر النّاس عليه ، وقالوا ما سمعنا أحداً قصّ منها قبل ابن الزّبير .
3 - فإن خرقت الشّجّة أمّ الدّماغ سمّيت الدّامغة ، وللفقهاء فيها عدّة آراءٍ .
منها : أنّه يجب فيها ما يجب في الآمّة ولا يزاد لها شيء .
ومنها : أنّه يزاد فيها حكومة بالإضافة إلى دية الآمّة .
ومنها : أنّه يجب فيها ما يجب في النّفس إذ لا يعيش الإنسان معها غالباً . ويفصّل الفقهاء ذلك في كتاب الجنايات : ( القصاص فيما دون النّفس ، دية الأطراف والمنافع ) .
4 - وبالإضافة إلى ما تقدّم يتكلّم الفقهاء عن إفطار الصّائم بوصول شيءٍ إلى أمّ الدّماغ ، فمنهم من يرى بطلان صومه بوصول شيءٍ إلى أمّ الدّماغ ، ومنهم من لا يرى بطلان صومه إلاّ إذا وصل إلى الدّماغ نفسه .
وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في كتاب الصّيام باب ( ما يفطر الصّائم )

أمّ الفروخ
التّعريف :
1 - الأمّ لغةً الوالدة ، والفروخ : جمع فرخٍ ، وهو ولد الطّائر ، وقد استعمل في كلّ صغيرٍ من الحيوان والنّبات والشّجر وغيرها .
2 - وأمّ الفروخ عند الفرضيّين لقب لمسألةٍ من مسائل الميراث هي : زوج ، وأمّ ، وأختان شقيقتان أو لأبٍ ، واثنان فأكثر من أولاد الأمّ ، وسمّيت بأمّ الفروخ لكثرة السّهام العائلة فيها ، شبّهت بطائرٍ حولها أفراخها ، وقيل : إنّه لقب لكلّ مسألةٍ عائلةٍ إلى عشرةٍ . ويقال لهذه المسألة أيضاً ( البلجاء ) لوضوحها لأنّها عالت بثلثيها ، وهو أكثر ما تعول إليه مسألة في الفرائض ، وتلقّب أيضاً ( الشّريحيّة ) لوقوعها في زمن القاضي شريحٍ .
روي أنّ رجلاً أتاه وهو قاضٍ بالبصرة فسأله عنها ، فجعلها من عشرةٍ كما تقدّم ، فكان الزّوج يلقى الفقيه فيستفتيه قائلاً : رجل ماتت امرأته ، ولم تترك ولداً ولا ولد ابنٍ ، فيجيبه الفقيه : له النّصف ، فيقول : واللّه ما أعطيت نصفاً ولا ثلثاً ، فيقول له : من أعطاك ذلك ؟ فيقول : شريح ، فيلقى الفقيه شريحاً فيسأله عن ذلك فيخبره الخبر ، فكان شريح إذا لقي الزّوج يقول له : إذا رأيتني ذكرت في حكماً جائراً إذا رأيتك ذكرت رجلاً فاجراً تبيّن لي فجوره ، إنّك تذيع الشّكوى وتكتم الفتوى .
كيفيّة التّوريث فيها :
3 - للزّوج النّصف ، وللأختين لغير أمٍّ الثّلثان ، وللأمّ السّدس ، ولأولاد الأمّ الثّلث ، ومجموع ذلك عشرة ، وأصلها من ستّةٍ هذا على قول الجمهور .
ويفصّل الفقهاء هذه المسألة في باب العول من كتب الفرائض .

أمّ الكتاب *
التّعريف :
1 - أمّ الشّيء في اللّغة : أصله ، وأمّ الكتاب هي : أصله .
وبهذا المعنى وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى : { منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب } أي أصله الّذي يرجع إليه عند الاشتباه ، وأطلق في قوله جلّ شأنه : { يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب } على اللّوح المحفوظ الّذي فيه علم اللّه تعالى .
وقد ورد في عددٍ من الأحاديث والآثار إطلاق ( أمّ الكتاب ) على سورة الفاتحة . من ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من قرأ بأمّ الكتاب فقد أجزأت عنه » وقوله صلى الله عليه وسلم : « من صلّى صلاةً لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداج »
وينظر تفصيل أحكام ( أمّ كتاب ) بالإطلاق الأخير في مصطلح ( الفاتحة ، وقراءة ) .

أمّ الولد *
انظر : استيلاد .

أمّهات المؤمنين *
التّعريف :
1 - يؤخذ من استعمال الفقهاء أنّهم يريدون ب " أمّهات المؤمنين " كلّ امرأةٍ عقد عليها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ودخل بها ، وإن طلّقها بعد ذلك على الرّاجح .
وعلى هذا فإنّ من عقد عليها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها فإنّها لا يطلق عليها لفظ " أمّ المؤمنين " .
ومن دخل بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على وجه التّسرّي ، لا على وجه النّكاح ، لا يطلق عليها " أمّ المؤمنين " كمارية القبطيّة .
ويؤخذ ذلك من قوله تعالى في سورة الأحزاب { وأزواجه أمّهاتهم } .
عدد أمّهات المؤمنين :
2 - النّساء اللّاتي عقد عليهنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ودخل بهنّ - وهنّ أمّهات المؤمنين - اثنتا عشرة امرأةً ، هنّ على ترتيب دخوله بهنّ كما يلي :
- 1 - خديجة بنت خويلدٍ .
- 2 - سودة بنت زمعة ، وقيل : إنّه دخل بها بعد عائشة .
- 3 - عائشة بنت أبي بكرٍ الصّدّيق التّيميّة .
- 4 - حفصة بنت عمر بن الخطّاب العدويّة .
- 5 - زينب بنت خزيمة الهلاليّة .
- 6 - أمّ سلمة ، واسمها : هند بنت أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّة .
- 7 - زينب بنت جحشٍ الأسديّة .
- 8 - جويرية بنت الحارث الخزاعيّة .
- 9 - ريحانة بنت زيد بن عمرٍو القرظيّة .
- 10 - أمّ حبيبة ، واسمها : رملة بنت أبي سفيان الأمويّة .
- 11 - صفيّة بنت حييّ بن أخطب النّضيريّة .
- 12 - ميمونة بنت الحارث بن حزنٍ الهلاليّة .
وتوفّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن تسعٍ منهنّ ، وهنّ : سودة - وعائشة - وحفصة - وأمّ سلمة - وزينب بنت جحشٍ - وأمّ حبيبة - وجويرية - وصفيّة - وميمونة . وقد وقع الخلاف بين العلماء في ( ريحانة ) فقيل : كان دخول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بها دخول نكاحٍ ، وقيل : كان دخوله بها دخول تسرٍّ بملك اليمين ، والصّحيح الأوّل .
ممّا يجب أن تتّصف به أمّهات المؤمنين :
يجب أن تتّصف أمّهات المؤمنين بالصّفات التّالية :
أ - الإسلام :
3 - لم تكن واحدة من أمّهات المؤمنين كتابيّةً ، بل كنّ كلّهنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ ، وذكر المالكيّة والشّافعيّة : أنّه يحرم على رسول اللّه أن يتزوّج بكتابيّةٍ ، لأنّه عليه الصلاة والسلام أشرف من أن يضع نطفته في رحمٍ كافرةٍ ، بل لو نكح كتابيّةً لهديت إلى الإسلام كرامةً له ، لخبر « سألت ربّي ألاّ أزوّج إلاّ من كان معي في الجنّة فأعطاني » .
ب - الحرّيّة :
4 - ولم تكن واحدة منهنّ رقيقةً ، بل كنّ كلّهنّ حرائر ، بل ذكر المالكيّة والشّافعيّة : أنّه يحرم على رسول اللّه أن يتزوّج بأمةٍ ولو كانت مسلمةً ، لأنّ نكاحها لعدم الطّول ( القدرة على زواج الحرّة ) وخوف العنت ( الزّنى ) ، وهو غنيّ عن الأوّل ابتداءً وانتهاءً ، لأنّ له أن يتزوّج بغير مهرٍ - كما سيأتي - وعن الثّاني للعصمة الّتي عصمه اللّه تعالى بها .
ج - عدم الامتناع عن الهجرة :
5 - لقد حرّم اللّه تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج من وجبت عليها الهجرة فلم تهاجر ، ولو كانت مؤمنةً مسلمةً ، لقوله تعالى في سورة الأحزاب : { يا أيّها النّبيّ إنّا أحللنا لك أزواجك اللّاتي آتيت أجورهنّ وما ملكت يمينك ممّا أفاء اللّه عليك وبنات عمّك وبنات عمّاتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللّاتي هاجرن معك } . ولما رواه التّرمذيّ وحسّنه وابن أبي حاتمٍ عن عبد اللّه بن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : « نهي رسول اللّه عن أصناف النّساء ، إلاّ ما كان من المؤمنات المهاجرات » ولحديث « أمّ هانئٍ قالت : خطبني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه بعذرٍ فعذرني ، فأنزل اللّه تعالى : { إنّا أحللنا لك أزواجك ... } الآية إلى قوله تعالى { اللّاتي هاجرن معك } قالت : فلم أكن أحلّ له ، لأنّي لم أهاجر معه ، كنت من الطّلقاء » .
وقال الإمام أبو يوسف - من الحنفيّة - : لا دلالة في الآية الكريمة على أنّ اللّاتي لم يهاجرن كنّ محرّماتٍ على الرّسول عليه الصلاة والسلام ، لأنّ تخصيص الشّيء بالذّكر لا ينفي ما عداه . ويجوز للرّسول صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج من نساء الأنصار ، قد تزوّج عليه الصلاة والسلام من غير المهاجرات صفيّة وجويرية ، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي برزة رضي الله عنه قال : « كانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيّم لم يزوّجها حتّى يعلم هل للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فيها حاجة أم لا » فلو لا علمهم بأنّه يحلّ له التّزوّج من نساء الأنصار لما كان هناك داعٍ للتّربّص والانتظار .
د - التّنزّه عن الزّنى :
6 - أمّهات المؤمنين بحكم كونهنّ زوجات رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منزّهات عن الزّنى ، لما في ذلك من تنفير النّاس عن الرّسول ، ولقوله تعالى : { الطّيّبات للطّيّبين والطّيّبون للطّيّبات } . قال ابن عبّاسٍ : ما بغت امرأة نبيٍّ قطّ ، وما رميت به السّيّدة عائشة من الإفك فرية كاذبة خاطئة برّأها اللّه تعالى منها في القرآن الكريم بقوله جلّ شأنه : { إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرّاً لكم بل هو خير لكم ، لكلّ امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم ، والّذي تولّى كبره منهم له عذاب عظيم } . الآيات إلى قوله { يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين } .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:31 PM

أحكام أمّهات المؤمنين مع الرّسول صلى الله عليه وسلم :
العدل بين الزّوجات :
7 - لا حقّ لأمّهات المؤمنين في القسم في المبيت ولا في العدل بينهنّ ، ولا يطالب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بذلك ، ويجوز له أن يفضّل من شاء منهنّ على غيرها في المبيت والكسوة والنّفقة لقوله تعالى : { ترجي من تشاء منهنّ وتؤوي إليك من تشاء ، ومن ابتغيت ممّن عزلت فلا جناح عليك } .
وأخرج ابن سعدٍ عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ قال : « كان رسول اللّه موسّعاً عليه في قسم أزواجه يقسم بينهنّ كيف شاء » .
وعلّل ذلك بعضهم بأنّ في وجوب القسم عليه شغلاً عن لوازم الرّسالة .
وقد صرّح العلماء أنّ القسم لم يكن واجباً عليه لكنّه كان يقسم من نفسه تطييباً لقلوبهنّ .
تحريم نكاح أمّهات المؤمنين على التّأبيد :
8 - ثبت ذلك بنصّ القرآن الكريم ، فقال جلّ شأنه { وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً ، إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيماً } .
وأمّا اللّاتي فارقهنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبل الدّخول كالمستعيذة - وهي أسماء بنت النّعمان ، وكالتي رأى في كشحها بياضاً - وهي عمرة بنت يزيد عندما دخل عليها ، فللفقهاء في تأبيد التّحريم رأيان :
أحدهما : أنّهنّ يحرمن ، وهو الّذي عليه الشّافعيّ وصحّحه في الرّوضة لعموم الآية السّابقة ، وذلك لأنّ المراد من قوله تعالى : { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده } أي من بعد نكاحه . والثّاني : لا يحرمن . لما روي أنّ الأشعث بن قيسٍ نكح المستعيذة في زمن عمر بن الخطّاب ، فقام عمر برجمه ورجمها ، فقالت له : كيف ترجمني ولم يضرب عليّ حجاب ، ولم أسمّ للمؤمنين أمّاً ؟ فكفّ عمر عن ذلك .
وفي وجوب عدّة الوفاة على أمّهات المؤمنين واستمرار حقّهنّ في النّفقة والسّكنى خلاف .
علوّ منزلتهنّ :
9 - إذا عقد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على امرأةٍ ودخل بها صارت أمّاً للمؤمنين والمؤمنات عند البعض ، ورجّحه القرطبيّ بدلالة صدر الآية { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } .
وعند البعض الآخر : تصبح أمّاً للمؤمنين دون المؤمنات ، ورجّحه ابن العربيّ مستدلّاً بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت لها امرأة : يا أمّه ، فقالت لها عائشة : لست لك بأمٍّ ، إنّما أنا أمّ رجالكم .
دخولهنّ في آل بيت الرّسول صلى الله عليه وسلم :
10 - اختلف العلماء في دخول أمّهات المؤمنين في أهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فمنهم من قال : يدخل نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم في أهل البيت ، وبه قالت عائشة وابن عبّاسٍ وعكرمة وعروة وابن عطيّة ، وابن تيميّة وغيرهم ، ويستدلّ هؤلاء بما رواه الخلّال بإسناده عن ابن أبي مليكة أنّ خالد بن سعيد بن العاص بعث إلى عائشة سفرةً من الصّدقة فردّتها وقالت : إنّا آل محمّدٍ لا تحلّ لنا الصّدقة ، وكان عكرمة ينادي في السّوق { إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً } نزلت في نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّةً . وهذا القول هو الّذي يدلّ عليه سياق الآية ، لأنّ ما قبلها وما بعدها خطاب لأمّهات المؤمنين . قال اللّه تعالى : { وقرن في بيوتكنّ ولا تبرّجن تبرّج الجاهليّة الأولى وأقمن الصّلاة وآتين الزّكاة وأطعن اللّه ورسوله ، إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً واذكرن ما يتلى في بيوتكنّ من آيات اللّه والحكمة إنّ اللّه كان لطيفاً خبيراً } ومنهم من قال : لا يدخل نساء النّبيّ في آل بيت رسول اللّه ، ويستدلّ هؤلاء بما رواه التّرمذيّ عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول اللّه قال : « نزلت هذه الآية على النّبيّ صلى الله عليه وسلم { إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً } في بيت أمّ سلمة ، فدعا النّبيّ فاطمة وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساءٍ وعليّ خلف ظهره ، فجلّلهم بكساءٍ ثمّ قال : اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً ، قالت أمّ سلمة : وأنا معهم يا نبيّ اللّه ؟ قال أنت على مكانك ، وأنت إلى خيرٍ » .
حقوق أمّهات المؤمنين :
11 - من حقّ أمّهات المؤمنين أن يحترمن ويعظّمن ، ويصنّ عن الأعين والألسن ، وذلك واجب على المسلمين نحوهنّ .
فإن تطاول من لا خلاق له على تناولهنّ بالقذف أو السّبّ ، ففي القذف يفرّق جمهور الفقهاء بين قذف عائشة رضي الله عنها ، وقذف غيرها من أمّهات المؤمنين .
فمن قذف عائشة رضي الله عنها بما برّأها اللّه تعالى منه - من الزّنى - فقد كفر ، وجزاؤه القتل ، وقد حكى القاضي أبو يعلى وغيره الإجماع على ذلك ، لأنّ من أتى شيئاً من ذلك فقد كذّب القرآن ، ومن كذّب القرآن قتل ، لقوله تعالى : { يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين } . أمّا من قذف واحدةً من أمّهات المؤمنين غير عائشة فقد اختلف العلماء في عقوبته ، فقال بعضهم ومنهم ابن تيميّة : إنّ حكم قذف واحدةٍ منهنّ كحكم قذف عائشة رضي الله عنها - أي يقتل - لأنّ فيه عاراً وغضاضةً وأذًى لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم بل في ذلك قدح بدين رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه .
وقال بعضهم : إنّ قذف واحدةٍ من أمّهات المؤمنين غير عائشة كقذف واحدٍ من الصّحابة رضي الله عنه ، أو واحدٍ من المسلمين ، أي يحدّ القاذف حدّاً واحداً لعموم قوله تعالى : { والّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً } لأنّه لا يقتضي شرفهنّ زيادةً في حدّ من قذفهنّ ، لأنّ شرف المنزلة لا يؤثّر في الحدود . وقال بعضهم ومنهم مسروق بن الأجدع وسعيد بن جبيرٍ : من قذف أمّهات المؤمنين غير عائشة يحدّ حدّين للقذف - أي يجلد مائةً وستّين جلدةً -
أمّا سبّ واحدةٍ من أمّهات المؤمنين - بغير الزّنى - من غير استحلالٍ لهذا السّبّ ، فهو فسق ، وحكمه حكم سبّ واحدٍ من الصّحابة رضوان الله عليهم ، يعزّر فاعله .

أمّيّ *
التّعريف :
1- الأمّيّ : المنسوب إلى الأمّ ، ويطلق على من لا يقرأ ولا يكتب ، نسب إلى الأمّ لأنّه بقي على ما ولدته عليه أمّه . لأنّ الكتابة والقراءة مكتسبة .
صلاة الأمّيّ :
2 - الأمّيّ الّذي لا يحسن قراءة الفاتحة ، ويحسن قراءة آيةٍ منها ويريد الصّلاة ، قال البعض : إنّه يكرّر هذا الّذي يحسنه سبع مرّاتٍ ، ليكون بمنزلة سبع آيات الفاتحة ، وقال آخرون : لا يكرّره .
وإن كان لا يحسن الفاتحة ويحسن غيرها ، قرأ ما يحسنه من القرآن الكريم .
فإن كان لا يحسن شيئاً واجتهد آناء اللّيل والنّهار فلم يقدر على التّعلّم ، قال أبو حنيفة وبعض المالكيّة : يصلّي دون أن يقرأ شيئاً لا من القرآن ولا من الأذكار . وقال الشّافعيّ وأحمد بن حنبلٍ وبعض المالكيّة : يصلّي ويحمد اللّه تعالى ويهلّله ويكبّره بدل القراءة ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا قمت إلى الصّلاة فإن كان معك قرآن فاقرأ به ، وإلاّ فاحمده وهلّله وكبّره » .
وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب ( الصّلاة ) عند كلامهم على القراءة في الصّلاة .

أمن *
التّعريف :
1 - الأمن ضدّ الخوف ، وهو : عدم توقّع مكروهٍ في الزّمان الآتي ، ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - أمان :
2 - الأمان : ضدّ الخوف ، يقال : أمّنت الأسير : أعطيته الأمان فأمن ، فهو كالأمن .
وأمّا عند الفقهاء ، فله معنًى يختلف عن الأمن ، إذ هو عندهم ، عقد يفيد ترك القتال مع الكفّار فرداً أو جماعةً مؤقّتاً أو مؤبّداً .
ب - خوف :
3 - الخوف : الفزع ، وهو ضدّ الأمن
ج - إحصار :
4 - الإحصار : المنع والحبس .
ويستعمله الفقهاء في منع الحاجّ بعدوٍّ ونحوه من بعض أعمالٍ معيّنةٍ في الحجّ أو العمرة ، كالوقوف بعرفة والطّواف .
حاجة النّاس إلى الأمن وواجب الإمام تجاه ذلك :
5 - الأمن للفرد وللمجتمع وللدّولة من أهمّ ما تقوم عليه الحياة ، إذ به يطمئنّ النّاس على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، ويتّجه تفكيرهم إلى ما يرفع شأن مجتمعهم وينهض بأمّتهم . ومن طبائع المجتمعات البشريّة - كما يقول ابن خلدونٍ - حدوث الاختلاف بينهم ، ووقوع التّنازع الّذي يؤدّي إلى المشاحنات والحروب ، وإلى الهرج وسفك الدّماء والفوضى ، بل إلى الهلاك إذا خلّي بينهم وبين أنفسهم بدون وازعٍ .
وبيّن الماورديّ أنّ وجود الإمام هو الّذي يمنع الفوضى ، فيقول : الإمامة موضوعة لخلافة النّبوّة في حراسة الدّين وسياسة الدّنيا ، ولولا الولاة لكان النّاس فوضى مهملين وهمجاً مضيّعين . ثمّ يوضّح الماورديّ واجبات الإمام في ذلك فيقول : الّذي يلزم الإمام من الأمور العامّة عشرة أشياء :
أحدها : حفظ الدّين على أصوله المستقرّة وما أجمع عليه سلف الأمّة ، فإن نجم مبتدع أو زاغ . ذو شبهةٍ عنه أوضح له الحجّة ، وبيّن له الصّواب ، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ، ليكون الدّين محروساً من خللٍ ، والأمّة ممنوعةً من زللٍ .
الثّاني : تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين ، وقطع الخصام بين المتنازعين ، حتّى تعمّ النّصفة ، فلا يتعدّى ظالم ، ولا يضعف مظلوم .
الثّالث : حماية البيضة والذّبّ عن الحريم ليتصرّف النّاس في المعايش وينتشروا في الأسفار ، آمنين من تغريرٍ بنفسٍ أو مالٍ .
الرّابع : إقامة الحدود لتصان محارم اللّه تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلافٍ واستهلاكٍ .
الخامس : تحصين الثّغور بالعدّة المانعة والقوّة الدّافعة ، حتّى لا تظفر الأعداء بغرّةٍ ، ينتهكون فيها محرماً ، أو يسفكون فيها لمسلمٍ أو معاهدٍ دماً .
السّادس : جهاد من عاند الإسلام بعد الدّعوة حتّى يسلم ، أو يدخل في الذّمّة ، ليقام بحقّ اللّه تعالى في إظهاره على الدّين كلّه .
السّابع : جباية الفيء والصّدقات على ما أوجبه الشّرع نصّاً واجتهاداً من غير خوفٍ ولا عسفٍ .
الثّامن : تقدير العطايا وما يستحقّ في بيت المال من غير سرفٍ ولا تقتيرٍ ، ودفعه في وقتٍ لا تقديم فيه ولا تأخير .
التّاسع : استكفاء الأمناء وتقليد النّصحاء فيما يفوّض إليهم من الأعمال ويوكّل إليهم من الأموال ، لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطةً ، والأموال بالأمناء محفوظةً .
العاشر : أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفّح الأحوال ، لينهض بسياسة الأمّة وحراسة الملّة ، ولا يعوّل على التّفويض تشاغلاً بلذّةٍ أو عبادةٍ ، فقد يخون الأمين ، ويغشّ النّاصح .
اشتراط الأمن بالنّسبة لأداء العبادات :
6 - الأمن مقصود به سلامة النّفس والمال والعرض والدّين والعقل ، وهي الضّروريّات الّتي لا بدّ منها لقيام مصالح الدّين والدّنيا ، وقد اتّفق الفقهاء على أنّ أمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه شرط في التّكليف بالعبادات . لأنّ المحافظة على النّفوس والأعضاء للقيام بمصالح الدّنيا والآخرة أولى من تعريضها للضّرر بسبب العبادة .
ويتّضح ذلك من الأمثلة الآتية :
أوّلاً : في الطّهارة :
7 - الطّهارة بالماء الطّهور من الحدث الأصغر أو الأكبر من شرائط الصّلاة لكن من كان بينه وبين الماء عدوّ أو لصّ أو سبع أو حيّة يخاف على نفسه الهلاك أو الضّرر الشّديد أبيح له التّيمّم ، لأنّ إلقاء النّفس إلى التّهلكة حرام ، وكذا من كان به جراحة أو مرض ويخشى على نفسه التّلف باستعمال الماء فإنّه يتيمّم ، لقوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النّساء فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّباً } وقوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } وقد روى ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ « رجلاً أصابه جرح في رأسه على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ أصابه احتلام فأمر بالاغتسال ، فاغتسل فكزّ فمات ، فبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : قتلوه قتلهم اللّه » .
( ر : طهارة - وضوء - غسل - تيمّم ) .
ثانياً : في الصّلاة :
8 - أ - من شرائط الصّلاة استقبال القبلة مع الأمن ، فإذا لم يتحقّق الأمن بأن خاف من نحو عدوٍّ أو سبعٍ سقط الاستقبال وصلّى على حاله لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم » ( ر : استقبال ) .
ب - صلاة الجمعة فرض إلاّ أنّها لا تجب على خائفٍ على نفسه أو ماله إجماعاً .
ج - صلاة الجماعة سنّة أو فرض على الكفاية على اختلافٍ بين الفقهاء ، ولكن الجماعة تسقط لخوفٍ على نفسٍ أو مالٍ أو عرضٍ ، لما روى ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من سمع المنادي فلم يمنعه من اتّباعه عذر - قالوا : وما العذر ؟ قال : خوف أو مرض- لم تقبل منه الصّلاة الّتي صلّى » .
ثالثاً : في الحجّ :
9 - يشترط لوجوب الحجّ أمن الطّريق في النّفس والمال والعرض ، فمن خاف على ذلك من عدوٍّ أو سبعٍ أو لصٍّ أو غير ذلك لم يلزمه الحجّ إن لم يجد طريقاً آخر آمناً . وإذا لم يكن للحجّ مثلاً طريق إلاّ بالبحر ، وكان الغالب عدم سلامة الوصول لم يجب الحجّ . لقوله تعالى : { وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً } وقوله : { لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها } ( ر حجّ ) .
رابعاً : في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر :
10 - الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجب على . سبيل الكفاية لقوله تعالى : { ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } وشرط وجوبه أن يأمن الإنسان على نفسه أو ماله وإن قلّ أو غير ذلك . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » ( ر : أمر بالمعروف )
اشتراط الأمن بالنّسبة للامتناع عن المحرّمات :
11 - الحفاظ على النّفس والمال والعرض من مقاصد الشّريعة ، وقد تبيّن ممّا تقدّم ، أنّه لو كان في القيام بعبادةٍ ما تلف للإنسان في نفسه أو ماله فإنّه يرخّص ويخفّف عنه فيها . ومثل ذلك يقال في المحرّمات . فلو كان فيما حرّمه الشّارع ضرر يلحق الإنسان في نفسه لو امتنع عنه امتثالاً للنّهي ، فإنّه حينئذٍ يباح له ما حرم في الأصل ولا إثم عليه .
والأصل في ذلك قوله تعالى : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه } وقوله تعالى :
{ إلاّ ما اضطررتم إليه } ومن القواعد الفقهيّة في ذلك : الضّرر يزال ، والضّرورات تبيح المحظورات . والأمثلة على ذلك كثيرة في الفقه الإسلاميّ ، ومنها :
أ - يجوز بل يجب تناول الميتة والدّم والخنزير عند المخمصة إذا لم يجد الإنسان غيرها لقوله تعالى : { إنّما حرّم عليكم الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير اللّه به فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه } .
ب - يباح تناول الخمر لإزالة الغصّة .
ج - يجوز التّلفّظ بكلمة الكفر عند الإكراه الملجئ إلى ذلك
د - يجوز إلقاء المتاع من السّفينة المشرفة على الغرق .
هـ - يجوز دفع الصّائل ولو أدّى إلى قتله . وغير ذلك كثير ، وينظر تفصيله والخلاف فيه في بحث ( ضرورة ) ( وإكراه ) .
اشتراط الأمن في سكن الزّوجة :
12 - من حقوق الزّوجة على زوجها وجوب توفير المسكن الملائم ، لقوله تعالى في شأن المعتدّات من الطّلاق : { أسكنوهنّ من حيث سكنتم من وجدكم } . فإنّه يدلّ على وجوب إسكان المطلّقة أثناء العدّة ، وإذا كان إسكان المطلّقة أثناء العدّة واجباً ، كان إسكان الزّوجة حال قيام الزّوجيّة واجباً بالطّريق الأولى .
ومن شروط المسكن أن تأمن فيه الزّوجة على نفسها ومالها ، ولو أسكنها في بيتٍ من الدّار مفرداً وله غلق كفاها ، وليس لها أن تطالبه بمسكنٍ آخر ، لأنّ الضّرر بالخوف على المتاع وعدم التّمكّن من الاستمتاع قد زال . وإن أساء الزّوج عشرتها ولم تستطع إثبات ذلك أسكنها القاضي إلى جانب ثقةٍ يمنعه من الإضرار بها والتّعدّي عليها . وهذا باتّفاقٍ في الجملة . ( ر : سكنى - نفقة - نكاح )
اشتراط الأمن في القصاص فيما دون النّفس وعند إقامة حدّ الجلد :
13 - القصاص في الجروح والأطراف أمر مقرّر في الشّريعة ، لقوله تعالى : { والجروح قصاص } إلاّ أنّه يشترط للقصاص فيما دون النّفس إمكان استيفاء المثل من غير حيفٍ ولا زيادةٍ مع الأمن من السّراية ، لقوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ، ولأنّ دم الجاني معصوم إلاّ في قدر جنايته ، فما زاد عليها يبقى على العصمة ، فيحرم استيفاؤه بعد الجناية لتحريمه قبلها ، ومن ضرورة المنع من الزّيادة المنع من القصاص ، لأنّها من لوازمه . وهكذا كلّ ما كان فيه القود فيما دون النّفس متلفاً ، فلا قود فيه . كما أنّه لا يستوفى القصاص بآلةٍ يخشى منها الزّيادة ، كأن تكون سامّةً أو كالّةً ، لما روى شدّاد بن أوسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ اللّه كتب الإحسان على كلّ شيءٍ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبح ، وليحدّ أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته » . ولخوف التّلف يؤخّر القصاص فيما دون النّفس للحرّ المفرط والبرد المفرط ، ومرض الجاني ، وحتّى تضع الحامل . وهذا باتّفاق الفقهاء في الجملة ، وينظر تفصيل ذلك في ( قصاص ) . وكذلك الأمر بالنّسبة لإقامة حدّ الجلد ، إذ يشترط ألاّ يكون في إقامة حدّ الجلد خوف الهلاك ، لأنّ هذا الحدّ شرع زاجراً لا مهلكاً ، وعلى ذلك فلا يقام حدّ الجلد في الحرّ الشّديد والبرد الشّديد ، ولا على مريضٍ حتّى يبرأ ، ولا على حاملٍ حتّى تضع . ( ر : حدّ وجلد )
اشتراط الأمن لمريد السّفر بمال الشّركة أو المضاربة أو الوديعة :
أ - في الشّركة والمضاربة :
14 - لا يجوز لأيٍّ من الشّريكين أن يسافر بمال الشّركة ، إذا كان الطّريق مخوفاً إلاّ بإذن شريكه باتّفاق الفقهاء ، لأنّ السّفر بمال الشّركة في الطّريق المخوف يؤدّي إلى تعريضه للأخطار ، وتعريض مال الغير للخطر لا يجوز دون إذن صاحبه . ومثل ذلك مال المضاربة ، فإنّه لا يجوز لعامل المضاربة السّفر بمال المضاربة إلاّ عند أمن الطّريق .
ب - في الوديعة :
15 - عند الحنفيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة : يجوز السّفر بمال الوديعة إن كان الطّريق آمناً ولم يخف عليها ، فإن كان الطّريق مخوفاً فلا يجوز له السّفر بها ، وإلاّ ضمن . ومذهب الشّافعيّة والمالكيّة : أنّ من كانت عنده وديعة ، وأراد السّفر ، وجب عليه تسليمها لصاحبها أو وكيله أو أمينٍ ، فإن سافر بها مع وجود أحدٍ من هؤلاء ضمن ، لأنّ الإيداع يقتضي الحفظ في الحرز ، وليس السّفر من مواضع الحفظ ، لأنّه إمّا أن يكون مخوفاً أو آمناً لا يوثق بأمنه ، ولذلك لا يجوز السّفر الوديعة مع عدم الضّرورة . ( ر : وديعة ) .
استفادة أمن الطّريق في القرض :
16 - الأصل أنّ كلّ قرضٍ جرّ منفعةً فهو ممنوع ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن قرضٍ جرّ منفعةً » وعلى هذا تخرج مسألة السّفاتج . وهي : اشتراط القضاء ببلدٍ آخر ، لانتفاع المقرض بدفع خطر الطّريق .
والقرض بهذا الشّرط ممنوع عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة ورواية عن الإمام أحمد - لأنّ القرض عقد إرفاقٍ وقربةٍ ، فإذا شرط فيه منفعة خرج عن موضوعه ، إلاّ إذا عمّ الخوف برّاً وبحراً فإنّ المالكيّة يجيزونه في هذه الحالة للضّرورة صيانةً للأموال . وإن كان بدون شرطٍ فهو جائز باتّفاقٍ ، لأنّه من حسن القضاء ، وقد روي أنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استلف من رجلٍ بكراً ، فقدمت عليه إبل من إبل الصّدقة ، فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرّجل بكره ، فرجع إليه أبو رافعٍ ، فقال : لم أجد فيها إلاّ خياراً رباعيّاً فقال : أعطه إيّاه ، إنّ خيار النّاس أحسنهم قضاءً » ( 34 م 2 ) وروي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّه " كان يستقرض بالمدينة ويردّ بالكوفة " وذلك بدون شرطٍ .
والصّحيح عند الحنابلة أنّه جائز ولو بشرطٍ ، لأنّه مصلحة للمقرض والمقترض من غير ضررٍ بواحدٍ منها ، والشّرع لا يرد بتحريم المصالح الّتي لا مضرّة فيها بل بمشروعيّتها ، ولأنّ هذا ليس بمنصوصٍ على تحريمه ، ولا في معنى المنصوص ، فوجب بقاؤه على الإباحة . وذكر القاضي : أنّ للوصيّ قرض مال اليتيم في بلدٍ أخرى ليربح خطر الطّريق . وقال عطاء : كان ابن الزّبير رضي الله عنهما يأخذ من قومٍ بمكّة دراهم ، ثمّ يكتب لهم بها إلى أخيه مصعب بالعراق ، فيأخذونها منه ، فسئل عن ذلك ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما فلم ير به بأساً ، وروي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّه سئل عن مثل هذا فلم ير به بأساً .
تحقّق الأمن بالنّسبة للمحرم
17 - كان الحرم موضع أمنٍ لأهله ومن لجأ إليه ، وكان هذا معروفاً في الجاهليّة واستمرّ في الإسلام . قال اللّه تعالى : { وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا بلداً آمناً } ، وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكّة : « إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السّموات والأرض ، فهو حرام يحرّمه اللّه تعالى إلى يوم القيامة ، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحدٍ قبلي ، ولم يحلّ لي إلاّ ساعةً من نهارٍ ، فهو حرام بحرمة اللّه تعالى إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ، ولا ينفّر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلاّ من عرفها ، ولا يختلى خلاه ، فقال العبّاس : يا رسول اللّه إلاّ الإذخر فإنّه لقينهم وبيوتهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : إلاّ الإذخر »
ولاستيفاء باقي أحكام الحرم ، وتفاصيله ( ر : حرم ) .
تحقّق الأمن لغير المسلمين :
18 - من المقرّر أنّ حكم الإسلام بالنّسبة للمسلمين في الدّنيا هو عصمة النّفس والمال ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا : لا إله إلاّ اللّه فإذا قالوا لا إله إلاّ اللّه عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها ، وحسابهم على اللّه » .
وبهذا يتقرّر الأمن للمسلم في نفسه وماله . أمّا غير المسلم فإنّه يتحقّق له الأمن بتأمين المسلمين له وإعطائه الأمان ، لأنّ حكم الأمان هو ثبوت الأمن للكفرة عن القتل والسّبي والاستغنام ، فيحرم على المسلمين قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريّهم واستغنام أموالهم . والأصل في إعطاء الأمان للكفّار قوله تعالى : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه ، ثمّ أبلغه مأمنه } .
19 - والأمان قسمان :
الأوّل : أمان يعقده الإمام أو نائبه ، وهو نوعان :
مؤقّت ، وهو ما يسمّى بالهدنة وبالمعاهدة وبالموادعة - وهو عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدّةً معلومةً - مع اختلاف الفقهاء في مقدار مدّة الموادعة . وقد روي أنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وادع أهل مكّة عام الحديبية على أن توضع الحرب بين الفريقين عشر سنين » .
والنّوع الثّاني : الأمان المؤبّد ، وهو ما يسمّى عقد الذّمّة ، وهو إقرار بعض الكفّار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الإسلام والأصل فيه قوله تعالى : { قاتلوا الّذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الّذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون } .
هذا مع اختلاف الفقهاء في غير أهل الكتاب ، هل تقبل منهم الجزية ويقرّون على حالهم أم لا يقبل منهم إلاّ الإسلام ، فإن لم يسلموا قتلوا .
والقسم الثّاني من الأمان : هو الأمان الّذي يصدر من أحد المسلمين لعددٍ محصورٍ من الكفّار ، ويدلّ عليه حديث : « المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، ويسعى بذمّتهم أدناهم » . وأخبار أخرى ، وينظر تفصيل ذلك في ( أمان ، وذمّة ، ومعاهدة ) .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:32 PM

أمة *
انظر : رقّ .

إمهال *
التّعريف :
1 - الإمهال لغةً : الإنظار وتأخير الطّلب .
وعند الفقهاء يستعمل كذلك بمعنى : الإنظار والتّأجيل . والإمهال ينافي التّعجيل .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - أ - الإعذار : وهو سؤال الحاكم من توجّه عليه موجب الحكم : هل له ما يسقطه ؟ وينظر مصطلح : ( إعذار ) .
ب - التّنجيم : هو تأجيل العوض بأجلين فصاعداً .
ج - التّلوّم : وهو التّمكّث والتّمهّل والتّصبّر ، ومنه أن يتصبّر الحاكم مثلاً للزّوج مدّةً قبل التّطليق عليه للإعسار .
د - التّربّص : وهو بمعنى الانتظار . ومدّة الإمهال تارةً تكون مقدّرةً كإمهال المولى ، وتارةً تكون غير مقدّرةٍ ، وقد يختلف ذلك عند بعض الفقهاء عن البعض الآخر .
الحكم الإجماليّ :
3 - يجب إنظار من ثبت إعساره عند الأئمّة الأربعة إلى وقت اليسار ، ولا يحبس ، لقول اللّه سبحانه { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرة إلى ميسرةٍ } .
والعنّين يضرب له القاضي سنةً عند الجمهور ، " كما فعل عمر رضي الله عنه " رواه الشّافعيّ وغيره ، فقد يكون تعذّر الجماع لعارض حرارةٍ فيزول في الشّتاء ، أو برودةٍ فيزول في الصّيف ، أو يبوسةٍ فتزول في الرّبيع ، أو رطوبةٍ فتزول في الخريف ، فإذا مضت السّنة ولم يطأ ، علمنا أنّه عجز خلقيّ . ( ر : عنّين ) .
4 - وأجل المولي أربعة أشهرٍ ، لقول اللّه سبحانه { للّذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهرٍ فإن فاءوا فإنّ اللّه غفور رحيم } ( ر : إيلاء ) .
5 - وفي القضاء لو استمهل المدّعي لإحضار بيّنته ، فإنّ أغلب الفقهاء على أنّه يمهل ، وهل هذا الإمهال واجب أو مستحبّ ، خلاف بين الفقهاء .
وقدّر بعضهم مدّة الإمهال ثلاثة أيّامٍ ، وبعضهم جعلها إلى اجتهاد القاضي .
وانظر للتّفصيل مصطلح ( قضاء ) .
وفي الإمهال لعذرٍ ، وفي منعه عند طلب الخصم ، يراجع ( قضاء ، ودعوى ) .
والإمهال يمتنع فيما تشترط فيه الفوريّة ، كاستمهال من طلّق إحدى زوجتيه : لتعيين المطلّقة منهما ، واستمهال المشتري ردّ المبيع بالعيب ، والشّفيع في طلب الشّفعة ، وغير ذلك من الأمور الّتي تشترط فيها الفوريّة .
مواطن البحث :
6 - من المواطن الّتي يذكر فيها الإمهال : مباحث الكفالة ، فيمهل الكفيل لإحضار المكفول عنه من مسافة القصر فما دونها . ومنها : النّفقة ، فيمهل الزّوج لإحضار ماله الّذي في مسافة القصر . وفي الصّداق تمهل الزّوجة للدّخول ، وكذا يمهل الزّوج لوجود بعض الأعذار كالتّنظيف ونحوه .

أموال *
انظر : مال .

أموال الحربيّين *
انظر : أنفال .

أمير *
انظر : إمارة .

أمين *
انظر : أمانة .

إناء *
انظر : آنيّة .

إنابة *
انظر : نيابة - توبة .

إنبات *
انظر : بلوغ .

أنبياء *
انظر : نبيّ .

انتباذ *
انظر : أشربة .

انتحار *
التّعريف :
1 - الانتحار في اللّغة مصدر : انتحر الرّجل ، بمعنى نحر نفسه أي : قتلها .
ولم يستعمله الفقهاء بهذا المعنى . لكنّهم عبّروا عنه بقتل الإنسان نفسه .
وفي حديث أبي هريرة : « أنّ رجلاً قاتل في سبيل اللّه أشدّ القتال ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إنّه من أهل النّار ، فبينما هو على ذلك إذ وجد الرّجل ألم الجرح ، فأهوى بيده إلى كنانته ، فانتزع منها سهماً فانتحر بها » .
وفي الحديث نفسه : « انتحر فلان فقتل نفسه » رواه البخاريّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - النّحر والذّبح :
2 - النّحر عند الفقهاء هو : فري الأوداج وقطع كلّ الحلقوم ، ومحلّه من أسفل الحلقوم . ويطلق الانتحار على قتل الإنسان نفسه بأيّ وسيلةٍ كانت .
ولهذا ذكروا أحكامه باسم ( قتل الشّخص نفسه )
بم يتحقّق الانتحار :
3 - الانتحار نوع من القتل فيتحقّق بوسائل مختلفةٍ . ويتنوّع بأنواعٍ متعدّدةٍ كالقتل .
فإذا كان إزهاق الشّخص نفسه بإتيان فعلٍ منهيٍّ عنه ، كاستعمال السّيف أو الرّمح أو البندقيّة أو أكل السّمّ أو إلقاء نفسه من شاهقٍ أو في النّار " ليحترق أو في الماء ليغرق وغير ذلك من الوسائل ، فهو انتحار بطريق الإيجاب .
واذا كان الإزهاق بالامتناع عن الواجب ، كالامتناع من الأكل والشّرب وترك علاج الجرح الموثوق ببرئه بما فيه من خلافٍ سيأتي ، أو عدم الحركة في الماء أو في النّار أو عدم التّخلّص من السّبع الّذي يمكن النّجاة منه ، فهو انتحار بطريق السّلب .
4- ويقسّم الانتحار بحسب إرادة المنتحر إلى نوعين : الانتحار عمداً والانتحار خطأً .
فإذا ارتكب الشّخص عملاً حصل منه قتل نفسه ، وأراد النّتيجة الحاصلة من العمل ، يعتبر القتل انتحاراً عمداً . كرمي نفسه بقصد القتل مثلاً .
وإذا أراد صيداً أو قتل العدوّ فأصاب نفسه ، ومات ، يعتبر انتحاراً خطأً .
وستأتي أحكامهما قريباً .
ويمكن أن يحصل الانتحار بطريقٍ يعتبر شبه العمد عند غير المالكيّة ، كقتل الإنسان نفسه بما لا يقتل غالباً ، كالسّوط والعصا . ر : ( قتل ) .
أمثلة من الانتحار بطريق السّلب :
أوّلاً : الامتناع من المباح :
5 - من امتنع من المباح حتّى مات كان قاتلاً نفسه ، متلفاً لها عند جميع أهل العلم . لأنّ الأكل للغذاء والشّرب لدفع العطش فرض بمقدار ما يدفع الهلاك ، فإن ترك الأكل والشّرب حتّى هلك فقد انتحر ، لأنّ فيه إلقاء النّفس إلى التّهلكة المنهيّ عنه في محكم التّنزيل .
وإذا اضطرّ الإنسان للأكل أو الشّرب من المحرّم كالميتة والخنزير والخمر حتّى ظنّ الهلاك جوعاً لزمه الأكل والشّرب ، فإذا امتنع حتّى مات صار قاتلاً نفسه ، بمنزلة من ترك أكل الخبز وشرب الماء في حال الإمكان ، لأنّ تاركه ساعٍ في إهلاك نفسه ، وقد قال اللّه تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } .
وكذلك حكم الإكراه على أكل المحرّم ، فلا يباح للمكره الامتناع من أكل الميتة أو الدّم أو لحم الخنزير في حالة الإكراه ، لأنّ هذه الأشياء ممّا يباح عند الاضطرار لقوله تعالى : { إلاّ ما اضطررتم إليه } والاستثناء من التّحريم إباحة ، وقد تحقّق الاضطرار بالإكراه ، ولو امتنع عنه حتّى قتل يؤاخذ به ويعدّ منتحراً ، لأنّه بالامتناع عنه صار ملقياً نفسه إلى التّهلكة .
ثانياً : ترك الحركة عند القدرة :
6 - من ألقي في ماءٍ جارٍ أو راكدٍ لا يعدّ مغرقاً ، كمنبسطٍ يمكنه الخلاص منه عادةً ، فمكث فيه مضطجعاً مثلاً مختاراً لذلك حتّى هلك ، يعتبر منتحراً وقاتلاً نفسه ، ولذلك لا قود ولا دية على الّذي ألقاه في الماء عند عامّة العلماء ، لأنّ هذا الفعل لم يقتله ، وإنّما حصل الموت بلبثه فيه ، وهو فعل نفسه ، فلم يضمنه غيره . كذلك إن تركه في نارٍ يمكنه الخلاص منها لقلّتها ، أو لكونه في طرفٍ منها يمكنه الخروج بأدنى حركةٍ ، فلم يخرج حتّى مات . وفي وجهٍ عند الحنابلة : لو تركه في نارٍ يمكنه التّخلّص منها فلم يخرج يضمن ، لأنّه جانٍ بالإلقاء المفضي إلى الموت . وفارق الماء ، لأنّه غير مهلكٍ بنفسه ، ولهذا يدخله النّاس للسّباحة ، أمّا النّار فيسيرها يهلك ، ولأنّ النّار لها حرارة شديدة ، فربّما أزعجته حرارتها عن معرفة ما يتخلّص به ، أو أذهبت عقله بألمها وروعتها .
ثالثاً : ترك العلاج والتّداوي :
7 - الامتناع من التّداوي في حالة المرض لا يعتبر انتحاراً عند عامّة الفقهاء ، فمن كان مريضاً وامتنع من العلاج حتّى مات ، لا يعتبر عاصياً ، إذ لا يتحقّق بأنّه يشفيه .
كذلك لو ترك المجروح علاج جرحٍ مهلكٍ فمات لا يعتبر منتحراً ، بحيث يجب القصاص على جارحه ، إذ البرء غير موثوقٍ به وإن عالج .
أمّا إذا كان الجرح بسيطاً والعلاج موثوقاً به ، كما لو ترك المجنيّ عليه عصب العرق ، فإنّه يعتبر قد قتل نفسه ، حتّى لا يسأل جارحه عن القتل عند الشّافعيّة . وصرّح الحنابلة بخلافه ، وقالوا : إن ترك شدّ الفصاد مع إمكانه لا يسقط الضّمان ، كما لو جرح فترك مداواة جرحه . ومع تصريح الحنفيّة بأنّ ترك العلاج لا يعتبر عصياناً ، لأنّ البرء غير موثوقٍ به ، قالوا : إن ضرب رجلاً بإبرةٍ في غير المقتل عمداً فمات ، لا قود فيه فقد فصّلوا بين الجرح المهلك وغير المهلك الشّافعيّة ، فيفهم منه أنّ ترك الجرح اليسير لنزف الدّم حتّى الموت يشبه الانتحار . ولم نعثر على نصٍّ للمالكيّة في هذه المسألة .
حكمه التّكليفيّ :
8 - الانتحار حرام بالاتّفاق ، ويعتبر من أكبر الكبائر بعد الشّرك باللّه . قال اللّه تعالى : { ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ } وقال : { ولا تقتلوا أنفسكم إنّ اللّه كان بكم رحيماً } .
وقد قرّر الفقهاء أنّ المنتحر أعظم وزراً من قاتل غيره ، وهو فاسق وباغٍ على نفسه ، حتّى قال بعضهم : لا يغسّل ولا يصلّى عليه كالبغاة ، وقيل : لا تقبل توبته تغليظاً عليه .
كما أنّ ظاهر بعض الأحاديث يدلّ على خلوده في النّار . منها قوله « من تردّى من جبلٍ فقتل نفسه فهو في نار جهنّم يتردّى فيها خالداً مخلّداً فيها أبداً » .
وهناك حالات خاصّة تشبه الانتحار ، لكنّه لا عقاب على مرتكبها ، ولا يأثم فاعلها ، لأنّها ليست انتحاراً في الواقع كالآتي :
أوّلاً : الانتقال من سبب موتٍ إلى آخر :
9 - إذا وقع حريق في سفينةٍ ، وعلم أنّه لو ظلّ فيها احترق ، ولو وقع في الماء غرق . فالجمهور ( المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة ، وهو قول أبي حنيفة ) على أنّ له أن يختار أيّهما شاء . فإذا رمى نفسه في الماء ومات جاز ، ولا يعتبر ذلك انتحاراً محرّماً إذا استوى الأمران . وقال الصّاحبان من الحنفيّة ، وهو رواية عن أحمد : أنّه يلزمه المقام والصّبر ، لأنّه إذا رمى نفسه في الماء كان موته بفعله ، وإن أقام فموته بفعل غيره .
كذلك جاز له الانتقال من سبب موتٍ إلى سبب موتٍ آخر ، إذا كان في السّبب الّذي ينتقل إليه نوع خفّةٍ مع التّأكّد من القتل فيهما عند أبي حنيفة ، قال الزّيلعيّ : ولو قال له : لتلقين نفسك في النّار أو من الجبل ، أو لأقتلنك ، وكان الإلقاء بحيث لا ينجو منه ، ولكن فيه نوع خفّةٍ ، فله الخيار إن شاء فعل ذلك ، وإن شاء لم يفعل وصبر حتّى يقتل ، لأنّه ابتلي ببليّتين فيختار ما هو الأهون في زعمه ، وهذا هو مذهب الشّافعيّة . وعند الصّاحبين من الحنفيّة يصبر ولا يفعل ذلك ، لأنّ مباشرة الفعل سعي في إهلاك نفسه فيصبر تحامياً عنه .
أمّا إذا ظنّ السّلامة في الانتقال من سببٍ إلى سببٍ آخر للموت ، أو رجا طول الحياة ولو مع موتٍ أشدّ وأصعب من الموت المعجّل ، قد صرّح المالكيّة بوجوبه ، لأنّ حفظ النّفوس واجب ما أمكن ، وعبّر الحنابلة بأنّه هو الأولى ، ممّا يدلّ على عدم الوجوب .
10 - ومن أمثلة الانتقال من سبب موتٍ إلى سبب موتٍ آخر ما ذكروا من أنّه لو تبع بسيفٍ ونحوه مميّزاً هارباً منه فرمى نفسه بماءٍ أو نارٍ من سطحٍ فمات ، فلا ضمان عليه في قولٍ عند الشّافعيّة ، وهو قياس مذهب الحنفيّة ، لمباشرته إهلاك نفسه عمداً ، كما لو أكره إنساناً على أن يقتل نفسه فقتلها . فكأنّه يشبه الانتحار عندهم . والقول الآخر عند الشّافعيّة أنّ عليه نصف الدّية . أمّا لو وقع بشيءٍ ممّا ذكر جاهلاً به ، لعمًى أو ظلمةٍ مثلاً أو تغطية بئرٍ ، أو ألجأه إلى السّبع
بمضيقٍ ضمن من تبعه ، لأنّه لم يقصد إهلاك نفسه وقد ألجأه التّابع إلى الهرب المفضي للهلاك . وكذا لو انخسف به سقف في هربه في الأصحّ .
وقال الحنابلة : إذا طلب إنساناً بسيفٍ مشهورٍ فهرب منه ، فتلف في هربه ضمنه ، سواء أكان من الشّاهق ، أم انخسف به سقف أم خرّ في بئرٍ ، أم لقيه سبع ، أم غرق في ماءٍ ، أم احترق بنارٍ . وسواء أكان المطلوب صغيراً أم كبيراً ، أعمى أم بصيراً ، عاقلاً أم مجنوناً . وفصّل المالكيّة في الموضوع فقالوا : من أشار إلى رجلٍ بسيفٍ ، وكانت بينهما عداوة ، فتمادى بالإشارة إليه وهو يهرب منه ، فطلبه حتّى مات فعليه القصاص بدون القسامة إذا كان الموت بدون السّقوط ، وإذا سقط ومات فعليه القصاص مع القسامة .
أمّا إذا كان بدون عداوةٍ فلا قصاص ، وفيه الدّية على العاقلة .
ثانياً : هجوم الواحد على صفّ العدوّ :
11 - اختلف الفقهاء في جواز هجوم رجلٍ من المسلمين وحده على جيش العدوّ ، مع التّيقّن بأنّه سيقتل .
فذهب المالكيّة إلى جواز إقدام الرّجل المسلم على الكثير من الكفّار ، إن كان قصده إعلاء كلمة اللّه ، وكان فيه قوّة وظنّ تأثيره فيهم ، ولو علم ذهاب نفسه ، فلا يعتبر ذلك انتحاراً . وقيل إذا طلب الشّهادة ، وخلصت النّيّة فليحمل ، لأنّ مقصوده واحد من الأعداء ، وذلك بيّن في قوله تعالى : { ومن النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه } .
وقيّده بعضهم بأن يكون قد غلب على ظنّه أن سيقتل من حمل عليه وينجو ، وكذلك لو علم وغلب على ظنّه أنّه يقتل ، لكن سينكي نكايةً أو سيبلي أو يؤثّر أثراً ينتفع به المسلمون . ولا يعتبر هذا إلقاء النّفس إلى التّهلكة المنهيّ عنه بقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } لأنّ معنى التّهلكة - كما فسّرها أكثر المفسّرين - هو الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الجهاد . لما روى التّرمذيّ عن أسلم أبي عمران حكايةً عن غزو القسطنطينيّة أنّه « حمل رجل من المسملين على صفّ الرّوم حتّى دخل فيهم ، فصاح النّاس ، وقالوا : سبحان اللّه ، يلقي بيديه إلى التّهلكة ، فقام أبو أيّوب الأنصاريّ فقال : يا أيّها النّاس ، إنّكم تتأوّلون هذه الآية هذا التّأويل ، وإنّما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لمّا أعزّ اللّه الإسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعضٍ سرّاً دون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّ أموالنا قد ضاعت ، وإنّ اللّه قد أعزّ الإسلام وكثر ناصروه ، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل على نبيّه صلى الله عليه وسلم يردّ على ما قلنا { وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } فكانت التّهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو » .
ونقل الرّازيّ روايةً عن الشّافعيّ أنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر الجنّة ، فقال له رجل : أرأيت إن قتلت في سبيل اللّه فأين أنا ؟ قال : في الجنّة ، فألقى تمراتٍ في يديه ثمّ قاتل حتّى قتل » .
كذلك قال ابن العربيّ : والصّحيح عندي جوازه ، لأنّ فيه أربعة أوجهٍ :
الأوّل : طلب الشّهادة .
الثّاني : وجود النّكاية .
الثّالث : تجرئة المسلمين عليهم .
الرّابع : ضعف نفوس الأعداء ، ليروا أنّ هذا صنع واحدٍ منهم فما ظنّك بالجميع .
وصرّح الحنفيّة بأنّه : إن علم أنّه إذا حارب قتل ، وإذا لم يحارب أسر لم يلزمه القتال ، لكنّه إذا قاتل حتّى قتل جاز بشرط أن ينكي فيهم .
أمّا إذا علم أنّه لا ينكي فيهم فإنّه لا يحلّ له أن يحمل عليهم ، لأنّه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدّين كما نقل عن محمّد بن الحسن أنّه قال : لو حمل رجل واحد على ألف رجلٍ من المشركين ، وهو وحده ، لم يكن بذلك بأس ، إذا كان يطمع في نجاةٍ أو نكايةٍ في العدوّ .
ثالثاً : الانتحار لخوف إفشاء الأسرار :
12 - إذا خاف المسلم الأسر ، وعنده أسرار هامّة للمسلمين ، ويتيقّن أنّ العدوّ سوف يطّلع على هذه الأسرار ، ويحدث ضرراً بيّناً بصفوف المسلمين وبالتّالي يقتل ، فهل له أن يقتل نفسه وينتحر أو يستسلم ؟ .
لم نجد في جواز الانتحار خوف إفشاء الأسرار ، ولا في عدم جوازه نصّاً صريحاً في كتب الفقه . إلاّ أنّ جمهور الفقهاء أجازوا قتال الكفّار إذا تترّسوا بالمسلمين ولو تأكّدوا أنّ المسلمين سيقتلون معهم ، بشرط أن يقصد بالرّمي الكفّار ، ويتوقّى المسلمين بقدر الإمكان ، وقيّده بعضهم بما إذا كانت الحرب قائمةً ، وعلمنا أنّنا لو كففنا عنهم ظفروا بنا أو عظمت نكايتهم فينا ، وجعلوا هذا من تطبيقات قاعدة : ( يتحمّل الضّرر الخاصّ لدفع الضّرر العامّ ) . والمعروف أنّ الفقهاء لم يجوّزوا إلقاء شخصٍ في البحر لخفّة ثقل السّفينة المشرفة للغرق ، لأجل نجاة ركّابها مهما كثر عددهم ، إلاّ ما نقل الدّسوقيّ المالكيّ عن اللّخميّ من جواز ذلك بالقرعة .
أمر الشّخص لغيره بقتله :
إذا قال الرّجل لآخر : اقتلني ، أو قال للقائل إن قتلتني أبرأتك ، أو قد وهبت لك دمي ، فقتله عمداً ، اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال :
الأوّل :
13 - أنّ القتل في هذه الحال لا يعتبر انتحاراً ، لكن لا يجب به القصاص ، وتجب الدّية في مال القاتل . هذا هو المذهب عند الحنفيّة - ما عدا زفر - وإليه ذهب بعض الشّافعيّة ، ورواه سحنون عن مالكٍ ، ووصفه بأنّه أظهر الأقوال ، لأنّ الإباحة لا تجري في النّفوس ، وإنّما سقط القصاص للشّبهة باعتبار الإذن ، والشّبهة لا تمنع وجوب المال ، فتجب الدّية في مال القاتل لأنّه عمد ، والعاقلة لا تحمل دية العمد .
وفصّل الحنفيّة في وجوب الدّية فقالوا : إن قتله بالسّيف فلا قصاص ، لأنّ الإباحة لا تجري في النّفس ، وسقط القصاص لشبهة الإذن ، وتجب الدّية في ماله ، وإن قتله بمثقلٍ فلا قصاص لكنّه تجب الدّية على العاقلة .
الثّاني :
14 - أنّ القتل في هذه الحال قتل عمدٍ ، ولا يأخذ شيئاً من أحكام الانتحار ، ولهذا يجب القصاص . وهذا قول عند المالكيّة حسّنه ابن القاسم ، وهو قول عند الشّافعيّة ، وإليه ذهب زفر من الحنفيّة ، لأنّ الأمر بالقتل لم يقدح في العصمة ، لأنّ عصمة النّفوس ممّا لا تحتمل الإباحة بحالٍ ، وإذنه لا يعتبر ، لأنّ القصاص لوارثه لا له ، ولأنّه أسقط حقّاً قبل وجوبه . الثّالث :
15 - أنّ القتل في هذه الحال له حكم الانتحار ، فلا قصاص على من قتله ولا دية .
وهذا مذهب الحنابلة ، والأظهر عند الشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنفيّة ، وصحّحه القدوريّ ، وهو رواية مرجوحة في مذهب مالكٍ .
أمّا سقوط القصاص فللإذن له في القتل والجناية ، ولأنّ صيغة الأمر تورث شبهةً ، والقصاص عقوبة مقدّرة تسقط بالشّبهة .
وأمّا سقوط الدّية فلأنّ ضمان نفسه هو حقّ له فصار كإذنه بإتلاف ماله ، كما لو قال : اقتل دابّتي ففعل فلا ضمان إجماعاً ، فصحّ الأمر ، ولأنّ المورث أسقط الدّية أيضاً فلا تجب للورثة . وإذا كان الآمر أو الآذن مجنوناً أو صغيراً فلا يسقط إذنه شيئاً من القصاص ولا الدّية ، لأنّه لا اعتبار بإذنهما .
16 - لو قال : اقطع يدي ، فإن كان لمنع السّراية كما إذا وقعت في يده آكلة فلا بأس بقطعه اتّفاقاً . وإن كان لغير ذلك فلا يحلّ ، ولو قطع بإذنه فلم يمت من القطع فلا قصاص ولا دية على القاطع عند الجمهور ، لأنّ الأطراف يسلك بها مسلك الأموال ، فكانت قابلةً للسّقوط بالإباحة والإذن ، كما لو قال له : أتلف مالي فأتلفه .
وقال المالكيّة : إن قال له : اقطع يدي ولا شيء عليك ، فله القصاص إن لم يستمرّ على الإبراء بعد القطع ، ما لم يترام به القطع حتّى مات منه ، فلوليّه القسامة والقصاص أو الدّية .
17 - ولو أمره أن يشجّه فشجّه عمداً ، ومات منها ، فلا قصاص عليه عند الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) .
واختلفوا في وجوب الدّية على الجارح : فقال الحنابلة وأبو حنيفة وهو رواية مرجوحة عند الشّافعيّة : يجب على القاتل الدّية ، لأنّ العفو عن الشّجّة لا يكون عفواً عن القتل ، فكذا الأمر : بالشّجّة لا يكون أمراً بالقتل ، وكان القياس وجوب القصاص ، إلاّ أنّه سقط لوجود الشّبهة ، فتجب الدّية . ولأنّه لمّا مات تبيّن أنّ الفعل وقع قتلاً ، والمأمور به هو القطع لا القتل . أمّا لو عفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدث منه فهو عفو عن النّفس .
وقال الشّافعيّ في الرّاجح ، وهو ما ذهب إليه الصّاحبان من الحنفيّة : إن سرى القطع المأذون به إلى النّفس فهدر ، لأنّ القتل الحاصل من القطع والشّجّة المأذون فيهما يشبه الانتحار ، فلا يجب فيه قصاص ولا دية ، ولأنّ العفو عن الشّجّة يكون عفواً عن القتل ، فكذا الأمر بالشّجّة يكون أمراً بالقتل . ولأنّ الأصحّ ثبوت الدّية للمورث ابتداءً ، وقد أسقطها بإذنه . وما تقدّم عن المالكيّة يفيد ثبوت القصاص في هذه الحال إن لم يستمرّ على الإبراء .
أمر الإنسان غيره بأن يقتل نفسه :
18 - إذا أمر الإنسان غيره - أمراً لم يصل إلى درجة الإكراه - بقتل نفسه فقتل نفسه ، فهو منتحر عند جميع الفقهاء ، ولا شيء على الآمر ، لأنّ المأمور قتل نفسه باختياره ، وقد قال اللّه تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } ومجرّد الأمر لا يؤثّر في الاختيار ولا في الرّضى ، ما لم يصل إلى درجة الإكراه التّامّ الّذي سيأتي بيانه .
الإكراه على الانتحار :
19 - الإكراه هو : حمل المكره على أمرٍ يكرهه . وهو نوعان : ملجئ وغير ملجئٍ . فالملجئ : هو الإكراه الكامل ، وهو أن يكره بما يخاف على نفسه أو على تلف عضوٍ من أعضائه . وهذا النّوع يعدم الرّضى ، ويوجب الإلجاء ، ويفسد الاختيار .
وغير الملجئ : هو أن يكرهه بما لا يخاف على نفسه ، ولا يوجب الإلجاء ولا يفسد الاختيار . والمراد هنا الإكراه الملجئ الّذي يعدم الرّضى ويفسد الاختيار.
20- إذا أكره إنسان غيره إكراهاً ملجئاً ليقتل المكره ، بأن قال له : اقتلني وإلاّ قتلتك ، فقتله فهو في حكم الانتحار ، حتّى لا يجب على القاتل القصاص ولا الدّية عند الجمهور ( الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ) لأنّ المكره ( بفتح الرّاء ) كالآلة بيد المكره في الإكراه التّامّ ( الملجئ ) فينسب الفعل إلى المكره وهو المقتول ، فصار كأنّه قتل نفسه ، كما استدلّ به الحنفيّة ، ولأنّ إذن المكلّف يسقط الدّية والقصاص معاً كما قال الشّافعيّة ، فكيف إذا اشتدّ الأمر إلى درجة الإكراه الملجئ ؟ وفي قولٍ عند الشّافعيّة : تجب الدّية على المكره ، لأنّ القتل لا يباح بالإذن ، إلاّ أنّه شبهة تسقط القصاص . ولم نعثر للمالكيّة على نصٍّ في الموضوع ، وقد سبق رأيهم بوجوب القصاص على القاتل إذا أمره المقتول بالقتل . 21 -إذا أكره شخص غيره إكراهاً ملجئاً ليقتل الغير نفسه ، بأن قال له : اقتل نفسك وإلاّ قتلتك ، فليس له أن يقتل نفسه ، وإلاّ يعدّ منتحراً وآثماً ، لأنّ المكره عليه لا يختلف عن المكره به ، فكلاهما قتل ، فلأن يقتله المكره أولى من أن يقتل هو نفسه .
ولأنّه يمكن أن ينجو من القتل بتراجع المكره ، أو بتغيّر الحالة بأسبابٍ أخرى ، فليس له أن ينتحر ويقتل نفسه .
ويتفرّع على هذا أنّه إذا قتل نفسه فلا قصاص على المكره في الأظهر عند الشّافعيّة ، لانتفاء كونه إكراهاً حقيقةً ، لاتّحاد المأمور به والمخوّف به ، فكأنّه اختار القتل كما علّله الشّافعيّة ، لكنّه يجب على الآمر نصف الدّية ، بناءً على أنّ المكره شريك ، وسقط عنه القصاص للشّبهة بسبب مباشرة المكره قتل نفسه .
وقال الحنابلة ، وهو قول عند الشّافعيّة : يجب القصاص على المكره ، إذا قتل المكره نفسه ، كما لو أكرهه على قتل غيره .
ولو أكرهه على قتل نفسه بما يتضمّن تعذيباً شديداً كإحراقٍ أو تمثيلٍ إن لم يقتل نفسه ، كان إكراهاً كما جرى عليه البزّار ، ومال إليه الرّافعيّ من علماء الشّافعيّة ، وإن نازع فيه البلقينيّ . وفصّل الحنفيّة في الموضوع فقالوا : لو قال لتلقين نفسك في النّار أو من رأس الجبل أو لأقتلنّك بالسّيف ، فألقى نفسه من الجبل ، فعند أبي حنيفة تجب الدّية على عاقلة المكره ، لأنّه لو باشر بنفسه لا يجب عليه القصاص عنده ، لأنّه قتل بالمثقل ، فكذا إذا أكره عليه . وعند أبي يوسف تجب الدّية على المكره في ماله ، وعند محمّدٍ يجب القصاص ، لأنّه كالقتل بالسّيف عنده . أمّا إذا ألقى نفسه في النّار فاحترق ، فيجب القصاص على المكره عند أبي حنيفة أيضاً . هذا ، ولم نجد في المسألة نصّاً عند المالكيّة ، وانظر ( إكراه ) .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:32 PM

اشتراك المنتحر مع غيره :
22-اختلف الفقهاء فيمن جرح نفسه، ثم جرحه غيره فمات منهما، فهل يعتبر انتحاراً ؟
وهل يجب على المشارك له قصاص أو دية ؟ يختلف الحكم عندهم بحسب الصور :
أ-فلو جرح نفسه عمداً أوخطأً ، كأن أراد ضرب من اعتدى عليه بجرح فأصاب نفسه ، أو خاط جرحه فصادف اللحم الحي ، ثم جرحه شخص آخر خطأً ، فمات منهما ، فلا قصاص عند عامة الفقهاء ، لأنه لاقصاص على المخطئ بالإجماع ، ويلزم عاقلة الشريك نصف الدية ،كما لو قتله اثنان خطأً .
ب-أما لوجرح نفسه خطأً ، وجرحه شخص آخر عمداً ، فلا قصاص عليه عند الجمهور ( الحنفية والمالكية والشافعية ، وهو أصح الوجهين عند الحنابلة ) بناء على القاعدة التي تقول :لايقتل شريك من لاقصاص عليه كالمخطئ والصغير ، وعلى المتعمد نصف دية العمد في ماله ، إذ لا يدرى من أي الأمرين مات .وفي وجه آخر للحنابلة : يقتص من الشريك العامد ، لأنه قصد القتل ، وخطأ شريكه لايؤثر في قصده .
ج-وإذا جرح نفسه عمداً ، وجرحه آخر عمداً ، ومات منهما ، يقتص من الشريك العامد في وجه عند الحابلة ، وهو الأظهر عند الشافعية ، وقول عند المالكية بشرط القسامة ، لأنه قتل عمد متمحض ، فوجب القصاص على الشريك فيه كشريك الأب .
وقال الحنفية ، وهو قول عند المالكية ، ومقابل الأظهر عند الشافعية ، ووجه عند الحنابلة :
لاقصاص على شريك قاتل نفسه ، وإن كان جرحاهما عمداً ، لأنه أخف من شريك المجطئ ، كما يقول الشافعية ، ولأنه شارك من لايجب عليه القصاص ، فلم يلزمه القصاص ، كشريك المخطئ ، ولأنه قتل تركب من موجب وغير موجب ، كما استدل به الحنفية .
وإذا لم يجب القصاص فعلى الجارح نصف الدية في ماله ، ولا يشترط القسامة في وجوب نصف الدية عند المالكية ، لكنهم أضافوا : أن الجارح يضرب مائة ويحبس عاماً كذلك .
23- والمعلوم أن الدية تقسم على من اشترك في القتل ، وعلى الأفعال التي تؤدي إلى القتل ، فإذا حصل القتل بفعل نفسه وبفعل الشريك ولم نقل بوجوب القصاص ، يجب على الشريك نصف الدية ، وبهذا صرح الحنفية بأنه إن مات شخص بفعل نفسه وفعل زيد وأسد وحية ضمن زيد ثلث الدية ، لأن فعل الأسد والحية جنس واحد ، وهو هدر في الدارين ، وفعل زيد معتبر في الدارين ، وفعل نفسه هدر في الدنيا لا العقبى ، حتى يأثم بالإجماع .
24- وتعرض الشافعية والحنابلة إلى مسألة أخرى لها أهميتها في اشتراك الشخص في قتل نفسه ، وهي مداواة الجرح بالسم المهلك . فإن جرحه إنسان فتداوى بسم مذفف يقتل في الحال ، فقد قتل نفسه وقطع سراية الجرح ، وجرى مجرى من ذبح نفسه بعد أن جرح ، فلا قصاص ولا دية على جارحه في النفس ، وينظر في الجرح ، فإن كان موجباً للقصاص فلوليه استيفاؤه ، وإلا فلوليه الأرش . وإن كان السم لايقتل في الغالب ، أو لم يعلم حاله ، أو قد يقتل بفعل الرجل في نفسه ، فالقتل شبه عمد ، والحكم في شريكه كالحكم في شريك المخطئ . وإذا لم يجب القصاص على الجارح فعليه نصف الدية .
وإن كان السم يقتل غالباً ، وعلم حاله ، فحكمه كشريك جارح نفسه ، فيلزمه القصاص في الأظهر عند الشافعية ، وهو وجه عند الحنابلة ، أوهو شريك مخطئ في قول آخر للشافعية ،
وهو وجه آخر عند الحنابلة ، فلا قود عليه ، لأنه لم يقصد القتل ، وإنما قصد التداوي .
أما الحنفية فلا قصاص عندهم على الجارح بحال ، سواء أكان التداوي بالسم عمداً أم كان خطأ ، لأن الأصل عندهم أنه لايقتل شريك من لا قصاص عليه كما تقدم .
كذلك لا قصاص على الجارح عند المالكية قولاً واحداً إذا تداوى المقتول بالسم خطأ ، بناء على أصلهم أنه ( لا يقتل شريك مخطئ ) وقد تقدم أن في شريك جارح نفسه عمداً عند المالكية قولين .
الآثار المترتّبة على الانتحار :
أوّلاً : إيمان أو كفر المنتحر :
25 - ورد في الأحاديث الصّحيحة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما يدلّ ظاهره على خلود قاتل نفسه في النّار وحرمانه من الجنّة . منها ما رواه الشّيخان عن أبي هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من تردّى من جبلٍ فقتل نفسه فهو في نارٍ جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً ، ومن قتل نفسه بحديدةٍ فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً » ومنها حديث جندبٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « كان برجلٍ جراح فقتل نفسه ، فقال اللّه : بدرني عبدي نفسه ، حرّمت عليه الجنّة »
وظاهر هذين الحديثين وغيرهما من الأحاديث يدلّ على كفر المنتحر ، لأنّ الخلود في النّار والحرمان من الجنّة جزاء الكفّار عند أهل السّنّة والجماعة . لكنّه لم يقل بكفر المنتحر أحد من علماء المذاهب الأربعة ، لأنّ الكفر هو الإنكار والخروج عن دين الإسلام ، وصاحب الكبيرة - غير الشّرك - لا يخرج عن الإسلام عند أهل السّنّة والجماعة ، وقد صحّت الرّوايات أنّ العصاة من أهل التّوحيد يعذّبون ثمّ يخرجون . بل قد صرّح الفقهاء في أكثر من موضعٍ بأنّ المنتحر لا يخرج عن الإسلام ، ولهذا قالوا بغسله والصّلاة عليه كما سيأتي ، والكافر لا يصلّى عليه إجماعاً . ذكر في الفتاوى الخانيّة : المسلم إذا قتل نفسه في قول أبي حنيفة ومحمّدٍ يغسّل ويصلّى عليه .
وهذا صريح في أنّ قاتل نفسه لا يخرج عن الإسلام ، كما وصفه الزّيلعيّ وابن عابدين بأنّه فاسق كسائر فسّاق المسلمين كذلك نصوص الشّافعيّة تدلّ على عدم كفر المنتحر .
وما جاء في الأحاديث من خلود المنتحر في النّار محمول على من استعجل الموت بالانتحار ، واستحلّه ، فإنّه باستحلاله يصير كافراً ، لأنّ مستحلّ الكبيرة كافر عند أهل السّنّة ، والكافر مخلّد في النّار بلا ريبٍ ، وقيل : ورد مورد الزّجر والتّغليظ وحقيقته غير مرادةٍ . ويقول ابن عابدين في قبول توبته : القول بأنّه لا توبة له مشكل على قواعد أهل السّنّة والجماعة ، لإطلاق النّصوص في قبول توبة العاصي بل التّوبة من الكافر مقبولة قطعاً ، وهو أعظم وزراً . ولعلّ . المراد ما إذا تاب حالة اليأس ، كما إذا فعل بنفسه ما لا يعيش معه عادة ، كجرحٍ مزهقٍ في ساعته ، وإلقائه نفسه في بحرٍ أو نارٍ فتاب .
أمّا لو جرح نفسه فبقي حيّاً أيّاماً مثلاً ثمّ تاب ومات ، فينبغي الجزم بقبول توبته .
وممّا يدلّ على أنّ المنتحر تحت المشيئة ، وليس مقطوعاً بخلوده في النّار ، حديث جابرٍ أنّه قال : « لمّا هاجر النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطّفيل بن عمرٍو ، وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة ، فمرض فجزع ، فأخذ مشاقص ، فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتّى مات ، فرآه الطّفيل بن عمرٍو في منامه وهيئته حسنة ، ورآه مغطّياً يديه ، فقال له : ما صنع بك ربّك ؟ قال : غفر لي بهجرتي إلى نبيّه صلى الله عليه وسلم فقال : مالي أراك مغطّياً يديك ؟ قال : قيل لي : لن نصلح منك ما أفسدت ، فقصّها الطّفيل على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وَلِيَدَيْه فاغفر » وهذا كلّه يدلّ على أنّ المنتحر لا يخرج بذلك عن كونه مسلماً ، لكنّه ارتكب كبيرةً فيسمّي فاسقاً .
ثانياً : جزاء المنتحر :
26 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه إذا لم يمت من حاول الانتحار عوقب على محاولته الانتحار ، لأنّه أقدم على قتل النّفس الّذي يعتبر من الكبائر .
كذلك لا دية عليه سواء أكان الانتحار عمداً أم خطأً عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ورواية عن الحنابلة ) لأنّ العقوبة تسقط بالموت ، ولأنّ عامر بن الأكوع بارز مرحباً يوم خيبر ، فرجع سيفه على نفسه فمات ولم يبلغنا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى فيه بديةٍ ولا غيرها ، ولو وجبت لبيّنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولأنّه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره ، ولأنّ وجوب الدّية على العاقلة في الخطأ إنّما كان مواساةً للجاني وتخفيفاً عنه ، وليس على الجاني هاهنا شيء يحتاج إلى الإعانة والمواساة ، فلا وجه لإيجابه .وفي روايةٍ عند الحنابلة أنّ على عاقلة المنتحر خطأً ديته لورثته ، وبه قال الأوزاعيّ وإسحاق ، لأنّها جناية خطأٍ ، فكان عقلها ( ديتها ) على عاقلته كما لو قتل غيره . فعلى هذه الرّواية إن كانت العاقلة الورثة لم يجب شيء ، لأنّه لا يجب للإنسان شيء على نفسه ، وإن كان بعضهم وارثاً سقط عنه ما يقابل نصيبه ، وعليه ما زاد على نصيبه ، وله ما بقي إن . كان نصيبه من الدّين أكثر من الواجب عليه
27 - اختلفوا في وجوب الكفّارة ، فقال الشّافعيّة في وجهٍ - وهو رأي الحنابلة في قتل الخطأ - تلزم الكفّارة من سوى الحربيّ مميّزاً كان أم لا ، بقتل كلّ آدميٍّ من مسلمٍ - ولو في دار الحرب - وذمّيٍّ وجنينٍ وعبدٍ ونفسه عمداً أو خطأً . هكذا عمّموا في وجوب الكفّارة ، وتخرج من تركة المنتحر في العمد والخطأ . واستدلّوا بعموم قوله تعالى : { ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ ودية مسلّمة إلى أهله } ولأنّه آدميّ مقتول خطأً ، فوجبت الكفّارة على قاتله كما لو قتله غيره .
وقال الحنفيّة والمالكيّة وهو وجه عند الشّافعيّة : لا كفّارة على قاتل نفسه خطأً أو عمداً . وهذا هو قول الحنابلة في العمد ، لسقوط صلاحيّته للخطاب بموته ، كما تسقط ديته عن العاقلة لورثته . قال ابن قدامة : هذا أقرب إلى الصّواب إن شاء اللّه ، فإنّ عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأً ولم يأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه بكفّارةٍ . وقوله تعالى : { ومن قتل مؤمناً خطأً } إنّما أريد به إذا قتل غيره ، بدليل قوله تعالى : { ودية مسلّمة إلى أهله } وقاتل نفسه لا تجب فيه دية . كذلك ردّ المالكيّة وجوب الكفّارة بدليل أنّ قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } مخرج قاتل نفسه ، لامتناع تصوّر هذا الجزء من الكفّارة ، وإذا بطل الجزء بطل الكلّ .
ثالثاً : غسل المنتحر :
28 - من قتل نفسه خطأً ، كأن صوّب سيفه إلى عدوّه ليضربه به فأخطأ وأصاب نفسه ومات ، غسّل وصلّي عليه بلا خلافٍ ، كما عدّه بعضهم من الشّهداء .
وكذلك المنتحر عمداً ، لأنّه لا يخرج عن الإسلام بسبب قتله نفسه عند الفقهاء كما سبق ، ولهذا صرّحوا بوجوب غسله كغيره من المسلمين وادّعى الرّمليّ الإجماع عليه حيث قال : وغسله وتكفينه والصّلاة عليه وحمله ودفنه فروض كفايةٍ إجماعاً ، للأمر به في الأخبار الصّحيحة ، سواء في ذلك قاتل نفسه وغيره .
رابعاً : الصّلاة على المنتحر :
29 - يرى جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ) أنّ المنتحر يصلّى عليه ، لأنّه لم يخرج عن الإسلام بسبب قتله نفسه كما تقدّم ، ولما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « صلّوا على من قال لا إله إلاّ اللّه » ولأنّ الغسل والصّلاة متلازمان عند المالكيّة ، فكلّ من وجب غسله وجبت الصّلاة عليه ، وكلّ من لم يجب غسله لا تجب الصّلاة عليه . وقال عمر بن عبد العزيز والأوزاعيّ - وهو رأي أبي يوسف من الحنفيّة ، وصحّحه بعضهم - لا يصلّى على قاتل نفسه بحالٍ ، لما روى جابر بن سمرة : « أنّه أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلّ عليه » ولما روى أبو داود « أنّ رجلاً انطلق إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره عن رجلٍ قد مات قال : وما يدريك ؟ قال : رأيته ينحر نفسه ، قال : أنت رأيته ؟ قال : نعم . قال . إذن لا أصلّي عليه » . وعلّله بعضهم بأنّ المنتحر لا توبة له فلا يصلّى عليه.
وقال الحنابلة : لا يصلّي الإمام على من قتل نفسه عمداً ، ويصلّي عليه سائر النّاس . أمّا عدم صلاة الإمام على المنتحر فلحديث جابر بن سمرة السّابق ذكره أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصلّ على قاتل نفسه ، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم هو الإمام ، فألحق به غيره من الأئمّة .
وأمّا صلاة سائر النّاس عليه ، فلما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه حين امتنع عن الصّلاة على قاتل نفسه لم ينه عن الصّلاة عليه . ولا يلزم من ترك صلاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ترك صلاة غيره ، فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان في بدء الإسلام لا يصلّي على من عليه دين لا وفاء له ، ويأمرهم بالصّلاة عليه . كما يدلّ على هذا التّخصيص ما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أمّا أنا فلا أصلّي عليه »
وذكر في بعض كتب الحنابلة أنّ عدم صلاة الإمام على المنتحر أمر مستحسن ، لكنّه لو صلّى عليه فلا بأس . فقد ذكر في الإقناع : ولا يسنّ للإمام الأعظم وإمام كلّ قريةٍ - وهو واليها في القضاء - الصّلاة على قاتل نفسه عمداً ، ولو صلّى عليه فلا بأس .
خامساً : تكفين المنتحر ودفنه في مقابر المسلمين :
30 - اتّفق الفقهاء على وجوب تكفين الميّت المسلم ودفنه ، وصرّحوا بأنّهما من فروض الكفاية كالصّلاة عليه وغسله ، ومن ذلك المنتحر ، لأنّ المنتحر لا يخرج عن الإسلام بارتكابه قتل نفسه كما مرّ .

انتساب *
التّعريف :
1 - الانتساب لغةً : مصدر انتسب ، وانتسب فلان إلى فلانٍ : عزا نفسه إليه ، والنّسبة والنّسبة ، والنّسب : القرابة ، ويكون الانتساب إلى الآباء وإلى القبائل ، وإلى البلاد ، ويكون إلى الصّنائع . والانتساب في الاصطلاح لا يخرج عن هذه المعاني
أنواع الانتساب :
أ - الانتساب للأبوين :
2 - ويكون بالبنوّة أو التّبنّي . فإذا كان بالبنوّة فحكمه الوجوب عند الصّدق ، والحرمة عند الكذب ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أيّما امرأةٍ أدخلت على قومٍ من ليس منهم ، فليست من اللّه في شيءٍ ، ولن يدخلها اللّه جنّته ، وأيّما رجلٍ جحد ولده ، وهو ينظر إليه احتجب اللّه منه يوم القيامة ، وفضحه على رءوس الأوّلين والآخرين » . وإذا كان بالتّبنّي - فحكمه الحرمة لقوله تعالى { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه ، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدّين ومواليكم } ( ر : نسب ، وتبنّي )
ب - الانتساب إلى ولاء العتاقة :
3 - من آثاره : الإرث والعقل ( المشاركة في تحمّل الدّية ) في الجملة .
فإذا مات العتيق ولا وارث له بنسبٍ ولا نكاحٍ ، ولم تستغرق فروض الوارثين التّركة ، وليس له عصبة بالنّسب يكون المال كلّه ، أو الباقي بعد الفرض لمن أعتقه ، وفي تقديم ذوي الأرحام ، والرّدّ عليه رأيان ( ر : إرث ، ولاء )
ج - الانتساب إلى ولاء الموالاة :
4 - قال به الحنفيّة ، فإذا أسلم رجل مكلّف على يد آخر ووالاه أو والى غيره على أن يرثه إذا مات ، ويعقل عنه إذا جنى ، صحّ هذا العقد ، وعقله ( ديته ) عليه ، وإرثه له ، وكذا لو شرط الإرث من الجانبين ، وكذا ا لو والى صبيّ عاقل بإذن أبيه أو وصيّه صحّ لعدم المانع
د - الانتساب إلى الصّنعة أو القبيلة أو القرية :
5 - الانتساب إلى الصّنعة أو القبيلة أو القرية كالنّجّار والخزفيّ جائز ، وكفلانٍ القرشيّ والتّميميّ نسبةً إلى قريشٍ وإلى تميمٍ ، والبخاريّ ، والقرطبيّ نسبةً إلى بخارى ، وقرطبة ، وعلى ذلك إجماع الأمّة من غير نكيرٍ .
هـ- انتساب ولد الملاعنة :
6- إذا قذف الرّجل زوجته ، ونفى نسب الولد منه ، وتمّ اللّعان بينهما بشروطه ، نفى الحاكم نسبه عن أبيه وألحقه بأمّه . ر : ( لعان )
و- الانتساب إلى القرابة من جهة الأمّ :
7 - للانتساب إلى الأمّ وأصولها وفروعها أحكام متعدّدة ، مثل حكم النّظر ، والإرث ، والولاية في عقد النّكاح ، والوصيّة ، وحرمة النّكاح ، وغير ذلك من أحكامٍ تترتّب على هذه النّسبة . ويراجع في ذلك تلك الأبواب من كتب الفقه والمصطلحات المختصّة بتلك الأبواب ، نحو ( إرث ، ولاية ، نكاح ، نظر ، سفر )

انتشاء *
انظر : سكر ، مخدّر

انتشار *
التّعريف :
1 - الانتشار مصدر : انتشر ، يقال انتشر الخبر : إذا ذاع . وانتشر النّهار : طال وامتدّ . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
- أ - الاستفاضة :
2- يقال استفاض الخبر : إذا ذاع " وانتشر . ولا تكون الاستفاضة إلاّ في الأخبار ، بخلاف الانتشار
ب - الإشاعة :
- أشاع الخبر بمعنى : أظهره فانتشر
الحكم الإجماليّ :
يطلق الفقهاء لفظ الانتشار على معنيين :
الأوّل : بمعنى إنعاظ الذّكر : أي قيامه .
الثّاني : بمعنى شيوع الشّيء .
3 - فالانتشار بالمعنى الأوّل له أثر في ترتّب الأحكام الفقهيّة عليه ، ومن ذلك :
أ - حلّ المطلّقة ثلاثاً لمن طلّقها فمن طلّق زوجته ثلاثاً لا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره ، ويطأها ، لقوله تعالى : { فلا تحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجاً غيره } ولا تحلّ إلاّ بالوطء في الفرج ، وأدناه تغييب الحشفة ، ولا بدّ من الانتشار ، فإن لم يوجد الانتشار فلا تحلّ ، لما روي « أنّ رفاعة القرظيّ طلّق امرأته وبتّ طلاقها - فتزوّجها عبد الرّحمن بن الزّبير ، فجاءت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول اللّه إنّي كنت عند رفاعة وطلّقني ثلاث تطليقاتٍ ، فتزوّجني عبد الرّحمن بن الزّبير ، وإنّه واللّه يا رسول اللّه ما معه إلاّ مثل هذه الهدبة ، فتبسّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فقال : لعلّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ، لا واللّه حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » ، فقد علّق النّبيّ صلى الله عليه وسلم الحكم بذوق العسيلة وذلك لا يحصل من غير انتشارٍ ، وهذا باتّفاقٍ .
ب - ومن ذلك أثر الانتشار في وجوب الحدّ على من أكره على الزّنا . وفي ذلك خلاف . فعند الحنابلة وبعض المالكيّة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة ، وعند أبي حنيفة في إكراه غير السّلطان ، إذا أكره الرّجل فزنى ، فعليه الحدّ ، لأنّ الوطء لا يكون إلاّ بالانتشار ، والإكراه ينافيه ، فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه ، فيلزمه الحدّ .
وفي الأظهر عند الشّافعيّة ، وبعض المالكيّة ، وأبي يوسف ومحمّدٍ وعند أبي حنيفة ، في إكراه ذي السّلطان ، أنّه إذا أكره الرّجل على الزّنى فلا حدّ عليه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ولأنّ الانتشار متردّد ، لأنّه قد يكون من غير قصدٍ ، لأنّ الانتشار قد يكون طبعاً لا طوعاً كما في النّائم . ر : ( إكراه )
4 - أمّا الانتشار بالمعنى الثّاني : وهو الشّيوع ، فقد ذكره الفقهاء في ثبوت الهلال بالخبر المنتشر ، وينظر تفصيل ذلك في ( استفاضة - صوم ) .
وذكروه في انتشار حرمة النّكاح بسبب الرّضاع إلى أصول المرضعة وفروعها .
وانتشار الحرمة أيضاً بسبب الزّنا - وينظر في ( رضاع - ونكاح ) .
مواطن البحث :
5 - تتعدّد المسائل الفقهيّة الّتي تبنى الأحكام فيها على الانتشار ، وذلك في باب الوضوء ، وباب الغسل ، وباب الصّوم ، وفي النّظر إلى الأجنبيّة ، وفي المحرّمات في باب النّكاح ، وباب الرّضاع .

انتفاع *
التّعريف :
1 - الانتفاع مصدر : انتفع من النّفع ، وهو ضدّ الضّرّ ، وهو ما يتوصّل به الإنسان إلى مطلوبه . فالانتفاع : الوصول إلى المنفعة ، يقال انتفع بالشّيء : إذا وصل به إلى منفعةٍ . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن هذا المعنى اللّغويّ . وذكر الشّيخ محمّد قدري باشا في مرشد الحيران أنّ ( الانتفاع الجائز هو حقّ المنتفع في استعمال العين واستغلالها ما دامت قائمةً على حالها ، وإن لم تكن رقبتها مملوكةً )
2 - واستعمل هذا اللّفظ غالباً مع كلمة ( حقّ ) فيقال : حقّ الانتفاع ويراد به الحقّ الخاصّ بشخص المنتفع غير القابل للانتقال للغير . وقد يستعمل مع كلمتي ( ملك وتمليك ) فيقال : ملك الانتفاع ، وتمليك الانتفاع . ولعلّ المراد بالملك ، والتّمليك أيضاً : حقّ الصّرف الشّخصيّ الّذي يباشر الإنسان بنفسه فقط .
مقارنة بين حقّ الانتفاع وملك المنفعة :
3 - يفرّق الفقهاء بين حقّ الانتفاع وملك المنفعة من ناحية المنشأ والمفهوم والآثار . وخلاصة ما قيل في الفرق بينهما وجهان :
الأوّل : سبب حقّ الانتفاع أعمّ من سبب ملك المنفعة ، لأنّه كما يثبت ببعض العقود كالإجارة والإعارة مثلاً ، كذلك يثبت بالإباحة الأصليّة ، كالانتفاع من الطّرق العامّة والمساجد ومواقع النّسك ، ويثبت أيضاً بالإذن من مالكٍ خاصٍّ . كما لو أباح شخص لآخر أكل طعامٍ مملوكٍ له ، أو استعمال بعض ما يملك .
أمّا المنفعة فلا تملك إلاّ بأسبابٍ خاصّةٍ ، وهي الإجارة والإعارة والوصيّة بالمنفعة والوقف ، على تفصيلٍ وخلافٍ سيأتي . وعلى ذلك ، فكلّ من يملك المنفعة يسوغ له الانتفاع ، ولا عكس ، فليس كلّ من له الانتفاع يملك المنفعة ، كما في الإباحة مثلاً .
الثّاني : أنّ الانتفاع المحض حقّ ضعيف بالنّسبة لملك المنفعة ، لأنّ صاحب المنفعة يملكها ويتصرّف فيها تصرّف الملّاك في الحدود الشّرعيّة ، بخلاف حقّ الانتفاع المجرّد ، لأنّه رخصة ، لا يتجاوز شخص المنتفع .
وعلى هذا فمن ملك منفعة شيءٍ يملك أن يتصرّف فيه بنفسه ، أو أن ينقلها إلى غيره ، ومن ملك الانتفاع بالشّيء لا يملك أن ينقله إلى غيره . فالمنفعة أعمّ أثراً من الانتفاع ، يقول القرافيّ : تمليك الانتفاع نريد به أن يباشره هو بنفسه فقط ، وتمليك المنفعة هو أعمّ وأشمل ، فيباشر بنفسه ، ويمكّن غيره من الانتفاع بعوضٍ كالإجارة وبغير عوضٍ كالعاريّة .
مثال الأوّل : سكنى المدارس ، والرّباطات والمجالس ، في الجوامع ، والمساجد ، والأسواق ، ومواضع النّسك ، كالمطاف والمسعى ونحو ذلك ، فله أن ينتفع بنفسه فقط . ولو حاول أن يؤاجر بيت المدرسة أو يسكن غيره أو يعاوض عليه بطريقٍ من طرق المعاوضات امتنع ذلك . وكذلك بقيّة النّظائر المذكورة معه .
وأمّا مالك المنفعة ، فكمن استأجر داراً أو استعارها ، فله أن يؤاجرها من غيره أو يسكنه بغير عوضٍ ، ويتصرّف في هذه المنفعة تصرّف الملّاك في أملاكهم على جري العادة ، على الوجه الّذي ملكه ومثله ما ذكره ابن نجيمٍ من الحنفيّة من أنّ الموصى له يملك المنفعة ، وله حقّ الإعارة والمستأجر يمكنه الإعارة والإجارة للغير فيما لا يختلف باختلاف المستعملين . ويملك المستعير والموقوف عليه السّكنى المنفعة ، فيمكن لهما نقل المنفعة إلى الغير بدون عوضٍ ، لكن الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة لا يجيزون للمستعير أن يؤجّر المستعار للغير ، خلافاً للمالكيّة
4 - وملك المنفعة قد يكون حقّاً شخصيّاً غير تابعٍ للعين المملوكة ، كما هو ثابت للمستعير والمستأجر في الإعارة والإجارة ، وقد يكون حقّاً عينيّاً تابعاً للعين المملوكة منتقلاً من مالكٍ إلى مالكٍ بالتّبع ضمن انتقال الملكيّة ، ولا يكون إلاّ في العقار ، وهذا ما يسمّى بحقّ الارتفاق . وتفصيله في مصطلح ( ارتفاق ) .
حكمه التّكليفيّ :
5 - الانتفاع إمّا أن يكون واجباً أو حراماً أو جائزاً ، وذلك باعتبار متعلّقه وهو العين المنتفع بها ، ونظراً للشّروط المتعلّقة بالعين وبالشّخص المنتفع بها ، وفيما يلي أمثلة للانتفاع الواجب والحرام والجائز باختصارٍ .
أ - الانتفاع الواجب :
6 - لا خلاف في أنّ الانتفاع يكون واجباً بأكل المباح ، إذا خاف الإنسان على نفسه الهلاك ، لأنّ الامتناع منه إلقاء بالنّفس إلى التّهلكة ، وهو منهيّ عنه بقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } حتّى إنّ الجمهور أوجبوا الأكل والشّرب في حالة الاضطرار ، ولو كانت العين المنتفع بها محرّمةً .
ب - الانتفاع المحرّم :
7 - قد يكون الانتفاع بالشّيء محرّماً ، إذا كانت العين المنتفع بها محرّمةً شرعاً ، كالميتة والدّم ولحم الخنزير والحيوانات والطّيور المحرّمة وأمثال ذلك في غير حالة الاضطرار .
وقد يكون الانتفاع بعينٍ من الأعيان المباحة محرّماً سبب وصفٍ قائمٍ بشخص المنتفع ، كالانتفاع بلحم الصّيد للمحرم ، وكانتفاع باللّقطة للغنيّ عند الحنفيّة . فإذا زال هذا الوصف حلّ الانتفاع عملاً بالقاعدة العامّة : ( إذا زال المانع عاد الممنوع ) .
وقد يكون الانتفاع بالشّيء محرّماً ، إذا كان فيه اعتداء على ملك الغير وعدم إذن المالك ، فيوجب الضّمان والعقاب ، كالانتفاع بالأموال المغصوبة والمسروقة كما هو مبيّن في موضعه .
أسباب الانتفاع :
9 - المراد بأسباب الانتفاع ما يشمل المنفعة الّتي يمكن نقلها إلى الغير ، وما هو خاصّ بشخص المنتفع ولا يقبل التّحويل للغير ، وسواء كانت العين المنتفع بها ممّا يجوز الانتفاع بها ابتداءً ، أم كانت محرّمةً ينتفع بها بشروطٍ خاصّةٍ فأسباب الانتفاع بهذا المعنى عبارة عن الإباحة ، والضّرورة ، والعقد .
أوّلاً : الإباحة
10 - الإباحة : هي الإذن بإتيان الفعل كيف شاء الفاعل . ويعرّفها بعض الفقهاء بأنّها : الإطلاق في مقابلة الحظر الّذي هو المنع . وهي بهذا المعنى تشمل :
أ - الإباحة الأصليّة :
وهي الّتي لم يرد فيها نصّ خاصّ من الشّرع ، لكن ورد بصفةٍ عامّةٍ أنّه يباح الانتفاع بناءً على الإباحة الأصليّة ، حينما تكون الأعيان والحقوق المتعلّقة بها مخصّصةً لمنفعة الكافّة ، ولا يملكها واحد من النّاس ، كالأنهر العامّة ، والهواء ، والطّرق غير المملوكة .
فالانتفاع من الأنهر العامّة مباح لا لحقّ الشّفة ( شرب الإنسان والحيوان ) فحسب ، بل لسقي الأراضي أيضاً كما يقول ابن عابدين : لكلٍّ أن يسقي أرضه من بحرٍ أو نهرٍ عظيمٍ كدجلة والفرات إن لم يضرّ بالعامّة . وكذلك الانتفاع بالمرور في الشّوارع والطّرق غير المملوكة ثابت للنّاس جميعاً بالإباحة الأصليّة ، ويجوز الجلوس فيها للاستراحة والتّعامل ونحوهما ، إذا لم يضيّق على المارّة وله تظليل مجلسه بما لا يضرّ المارّة عرفاً .
ومثله الانتفاع بشمسٍ وقمرٍ وهواءٍ إذا لم يضرّ بأحدٍ لأنّ هواء الطّريق كأصل الطّريق حقّ المارّة جميعاً . والنّاس في المرور في الطّريق شركاء .
ب - الإباحة الشّرعيّة :
11 - الإباحة الشّرعيّة : هي الّتي ورد فيها نصّ خاصّ يدلّ على حلّ الانتفاع بها وذلك إمّا أن يكون بلفظ الحلّ ، كما في قوله تعالى : { أحلّ لكم ليلة الصّيام الرّفث إلى نسائكم } .
أو بالأمر بعد النّهي ، كما في قوله عليه الصلاة والسلام : « كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحيّ ، فكلوا وادّخروا » .
أو بالاستثناء من التّحريم كما في قوله تعالى : { وما أكل السّبع إلاّ ما ذكّيتم } .
أو بنفي الجناح أو الإثم ، أو بغير ذلك من صيغ الإباحة كما بيّنه الأصوليّون .
ج - الإباحة بإذن المالك :
12 - هذه الإباحة تثبت من مالكٍ خاصٍّ لغيره بالانتفاع بعينٍ من الأعيان المملوكة :
إمّا بالاستهلاك ، كإباحة الطّعام والشّراب في الولائم والضّيافات ، أو بالاستعمال كما لو أباح إنسان لآخر استعمال ما يشاء من أملاكه الخاصّة .
فالانتفاع في هذه الحالات لا يتجاوز الشّخص المباح له ، وهو لا يملك الشّيء المنتفع به ، فليس له أن يبيحه لغيره ، كما نصّ عليه في الفتاوى الهنديّة .
وذكر المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة مثل ذلك ، فقال البجيرميّ في شرحه على الخطيب : إنّ من أبيح له الطّعام بالوليمة أو الضّيافة يحرم عليه أن ينقله إلى غيره ، أو بإطعام نحو هرّةٍ منه ، ولا يطعم منه سائلاً إلاّ إذا علم الرّضى . وكذلك من أبيح له الانتفاع بعينٍ من الأعيان المملوكة بإذن المالك ، كالإذن بسكنى داره ، أو ركوب سيّارته ، أو استعمال كتبه ، أو ملابسه الخاصّة ، فليس للمباح له أن يأذن لغيره بالانتفاع بها ، وإلاّ كان ضامناً .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:33 PM

ثانياً : الاضطرار
13 - " الاضطرار هو الخوف على النّفس من الهلاك علماً أو ظنّاً " أو " بلوغ الإنسان حدّاً إن لم يتناول الممنوع يهلك " وهو سبب من أسباب حلّ الانتفاع بالمحرّم لإنقاذ النّفس من الهلاك . وهو في الحقيقة نوع من الإباحة الشّرعيّة للنّصوص الواردة في حال الضّرورة . ويشترط لحلّ الانتفاع به أن يكون الاضطرار ملجئاً ، بحيث يجد الإنسان نفسه في حالةٍ يخشى فيها الموت ، وأن يكون الخوف قائماً في الحال لا منتظراً ، وألاّ يكون لدفعه وسيلة أخرى . فليس للجائع أن ينتفع من الميتة قبل أن يجوع جوعاً يخشى منه الهلاك ، وليس له أن يتناول من مال الغير إذا استطاع شراء الطّعام أو دفع الجوع بفعلٍ مباحٍ . وكذلك يشترط للانتفاع بالحرام حال الاضطرار ألاّ يتجاوز القدر اللّازم لدفعه .
والأصل في حلّ الانتفاع من المحرّم حال الاضطرار قوله تعالى : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه } وقوله تعالى : { وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلاّ ما اضطررتم إليه } . والبحث في الانتفاع بالمحرّم حال الاضطرار يتناول الموضوعات الآتية :
أ - الانتفاع من الأطعمة المحرّمة :
14 - إذا خاف الإنسان على نفسه الهلاك ، ولم يجد من الحلال ما يتغذّى به ، جاز له الانتفاع بالمحرّم لكي ينقذ حياته من الهلاك ، ميتةً كان أو دماً أو مال الغير أو غير ذلك . وهذا ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء .
لكنّهم اختلفوا في صفة الانتفاع من المحرّم حال الاضطرار ، هل هو واجب يثاب عليه فاعله ويعاقب تاركه ، أم هو جائز لا ثواب ولا عقاب في فعله أو تركه . ؟
فالجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ووجه عند الحنابلة ) على الوجوب ، لأنّ الامتناع من الأكل والشّرب حال الاضطرار إلقاء بالنّفس إلى التّهلكة المنهيّ عنه بقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } .
فالأكل للغذاء ولو من حرامٍ أو ميتةٍ أو مال غيره حال الاضطرار واجب يثاب عليه إذا أكل مقدار ما يدفع به الهلاك عن نفسه " ومن خاف على نفسه موتاً أو مرضاً مخوفاً ووجد محرّماً لزمه أكله " . وقال الشّافعيّة في مقابل الأصحّ ، وهو وجه عند الحنابلة ، ورواية عن أبي يوسف من الحنفيّة : إنّ الانتفاع من الأطعمة المحرّمة ليس بواجبٍ ، بل هو مباح فقط ، لأنّ إباحة الأكل في حالة الاضطرار رخصة ، فلا تجب عليه كسائر الرّخص .
15 - واتّفقوا على أنّه إذا لم يكن صاحب المال مضطرّاً إليه لزمه بذله للمضطرّ ، لأنّه يتعلّق به إحياء نفس آدميٍّ معصومٍ فلزمه بذله له . فإن امتنع واحتيج إلى القتال ، فللمضطرّ المقاتلة . فإن قتل المضطرّ فهو شهيد ، وعلى قاتله ضمانه . وإن قتل صاحبه فهو هدر ، لأنّه ظالم بقتاله ، إلاّ أنّ الحنفيّة جوّزوا القتال بغير سلاحٍ . وهذا كلّه إذا لم يستطع المضطرّ شراء الطّعام . فإن استطاع اشتراه ولو بأكثر من ثمن المثل .
ب - الانتفاع بالخمر :
16 - اتّفق الفقهاء على جواز الانتفاع بالخمر لإساغة الغصّة ودفع الهلاك في حالة الاضطرار حتّى إنّ الجمهور على وجوب شربها في هذه الحالة . فمن لم يجد غير الخمر ، فأساغ اللّقمة بها ، فلا حدّ عليه ، لوجوب شربها عليه إنقاذاً للنّفس . ولأنّ شربها في هذه الحالة متحقّق النّفع ، ولذا يأثم بتركه مع القدرة عليه حتّى يموت .
وأمّا شرب الخمر للجوع والعطش فالمالكيّة ، والشّافعيّة على تحريمه لعموم النّهي ، ولأنّ شربها لن يزيده إلاّ عطشاً . وقال الحنفيّة : لو خاف الهلاك عطشاً وعنده خمر فله شرب قدر ما يدفع العطش إن علم أنّه يدفعه . كذلك لو شرب للعطش المهلك مقدار ما يرويه فسكر لم يحدّ . وفرّق الحنابلة بين الممزوجة وغير الممزوجة فقالوا : إن شربها للعطش نظر ، فإن كانت ممزوجةً بما يروي من العطش أبيحت لدفعه عند الضّرورة ، كما تباح الميتة عند المخمصة ، وكما يباح شرب الخمر لدفع الغصّة . وإن شربها صرفاً ، أو ممزوجةً بشيءٍ يسيرٍ لا يروي من العطش لم يبح وعليه الحدّ
17 - وأمّا تعاطي الخمر للتّداوي فالجمهور على تحريمه ، وتفصيله في ( أشربة ) .
ح - الانتفاع بلحم الآدميّ الميّت :
18 - ذهب الجمهور إلى جواز الانتفاع بلحم الآدميّ الميّت حالة الاضطرار ، لأنّ حرمة الإنسان الحيّ أعلى من حرمة الميّت . واستثنى منه بعض الحنفيّة ، وهو قول عند الحنابلة الانتفاع بلحم الميّت المعصوم .
وذهب المالكيّة إلى أنّه لا يجوز . ومثل الميّت كلّ حيٍّ مهدر الدّم عند الشّافعيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة . ويبيح الشّافعيّ للمضطرّ أن يقطع من جسمه فلذةً ليأكلها في حالة الضّرورة إن كان الخوف في قطعها أقلّ منه في تركها . وخالفه في ذلك بقيّة الفقهاء .
د - ترتيب الانتفاع بالمحرّم :
19 - ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والحنابلة وهو الرّاجح عند الشّافعيّة ) إلى أنّه إذا وجدت ميتة ، أو ما صاده محرم ، أو ما صيد في الحرم وطعام شخصٍ غائبٍ فلا يجوز الانتفاع بمال الغير ، لأنّ أكل الميتة منصوص عليه وأكل مال الآدميّ مجتهد فيه ، والعدول إلى المنصوص عليه أولى . ولأنّ حقوق اللّه تعالى مبنيّة على المسامحة والمساهلة ، وحقوق الآدميّ مبنيّة على الشّحّ والتّضييق .
وقال مالك ، وهو قول للشّافعيّ : يقدّم مال الغير على الميتة ، ونحوها ممّا سبق إن أمن أن يعدّ سارقاً ، لأنّه قادر على الطّعام الحلال ، فلم يجز له أكل الميتة ، كما لو بذله له صاحبه . أمّا التّرتيب في الانتفاع بين الميتة وصيد الحرم أو المحرم ، فقد قال أحمد والشّافعيّ وبعض الحنفيّة : تقدّم الميتة ، لأنّ إباحتها منصوص عليها . وقال المالكيّة وبعض الحنفيّة : صيد المحرم للمضطرّ أولى من الميتة . هذا بالنّسبة لأكل لحم الميتة حال الاضطرار .
20 - أمّا الانتفاع بالميتة بغير الأكل ، وفي غير حالة الاضطرار فالجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عن أحمد ) على أنّ كلّ إهابٍ دبغ فقد طهر ، ويجوز الانتفاع به إلاّ جلد الخنزير والآدميّ . أمّا الخنزير فلأنّه نجس العين ، وأمّا الآدميّ فلكرامته ، فلا يجوز الانتفاع به كسائر أجزائه . واستثنى الشّافعيّة جلد الكلب أيضاً لأنّه لا يطهر بالدّبّاغ عندهم . واستثنى الحنابلة جلود السّباع ، فلا يجوز الانتفاع بها قبل الدّبغ ولا بعده .
ونقل عن مالكٍ التّوقّف في جواز الانتفاع بجلود الحمار والبغل والفرس ولو بعد الدّبغ . وفي الانتفاع بعظم الميتة وشعرها وشحمها تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلح ( ميتة ) .
ثالثاً : العقد
21 - العقد من أهمّ أسباب الانتفاع ، لأنّه وسيلة تبادل الأموال والمنافع بين النّاس على أساس الرّضى . وهناك عقود تقع على المنفعة مباشرةً ، فتنقل المنفعة من جهةٍ إلى جهةٍ أخرى ، كالإجارة والإعارة ، والوصيّة بالمنفعة والوقف . وهناك عقود أخرى لا تقع على المنافع بالذّات ، ولكنّه يأتي الانتفاع فيها تبعاً ، وذلك بشروطٍ خاصّةٍ وفي حدودٍ ضيّقةٍ ، كالرّهن الوديعة . وتفصيل كلٍّ من هذه العقود في بابه .
وجوه الانتفاع :
الانتفاع بالشّيء إمّا أن يكون بإتلاف العين أو ببقائها ، وفي هذه الحالة إمّا أن ينتفع الشّخص من العين بالاستعمال أو بالاستغلال . فالحالات ثلاث :
الحالة الأولى : الاستعمال :
22 - يحصل الانتفاع غالباً باستعمال الشّيء مع بقاء عينه ، وذلك كما في العاريّة ، فإنّ المستعير ينتفع بالمستعار باستعماله والاستفادة منه ، ولا يجوز له أن ينتفع باستغلاله ( تحصيل غلّته ) أو استهلاكه ، لأنّ من شروط العاريّة إمكان الانتفاع بها مع بقاء عينها . والمستعير يملك المنافع بغير عوضٍ ، فلا يصحّ أن يستغلّها ويملكها غيره بعوضٍ .
هذا عند الجمهور ، وذهب المالكيّة إلى أنّ مالك المنفعة بالاستعارة له أن يؤجّرها خلال مدّة الإعارة .
وكذلك الإجارة فيما يختلف باختلاف المستعمل أو إذا اشترط المالك على المستأجر الانتفاع بنفسه . فالانتفاع في هذه الحالة قاصر على شخص المستأجر ، ولا يجوز له أن يستهلك المأجور أو يستغلّه بإجارته للغير ، لأنّ عقد الإجارة يقتضي الانتفاع بالمأجور مع بقاء العين . وليس له إيجارها فيما يختلف باختلاف المستعمل .
الحالة الثّانية : الاستغلال :
23 - قد يحصل الانتفاع باستغلال الشّيء وأخذ العوض عنه ، كما في الوقف والوصيّة إذا نصّ عند إنشائهما على أنّ له أن ينتفع كيف شاء ، فإنّ الموقوف عليه والموصى له يستطيعان أن يؤجّرا العين الموقوفة والموصى بمنفعتها للغير إذا أجازهما الواقف والموصي من غير خلافٍ .
الحالة الثّالثة : الاستهلاك :
24 - قد يحصل الانتفاع باستهلاك العين كالانتفاع بأكل الطّعام والشّراب في الولائم والضّيافات ، والانتفاع باللّقطة إذا كانت ممّا يتسارع إليه الفساد . وكذلك عاريّة المكيلات والموزونات والأشياء المثليّة الّتي لا يمكن الانتفاع بها إلاّ باستهلاكها ، فإنّهم قالوا : عاريّة الثّمنين ( الذّهب والفضّة ) والمكيل والموزون والمعدود قرض ، لأنّه لا يمكن الانتفاع بها إلاّ باستهلاك عينها وردّ مثلها .
حدود الانتفاع :
الانتفاع بالشّيء له حدود يجب على المنتفع مراعاتها وإلاّ كان ضامناً . ومن الحدود المقرّرة الّتي بحثها الفقهاء في الانتفاع بالشّيء ما يأتي :
25 - أوّلاً : يجب أن يكون الانتفاع موافقاً للشّروط الشّرعيّة ولا يكون على وجهٍ يبطل حقّ الغير . ولهذا اشترط الفقهاء في جميع عقود الانتفاع ( الإجارة والإعارة والوصيّة بالمنفعة ) أن تكون العين منتفعاً بها انتفاعاً مباحاً . كما اشترطوا في الوقف أن يكون على مصرفٍ مباحٍ ، لأنّ المنافع لا يتصوّر استحقاقها بالمعاصي .
كذلك قالوا : إنّ الانتفاع بالمباح إنّما يجوز إذا لم يضرّ بأحدٍ . والانتفاع بالمنافع العامّة مقيّد بعدم الإضرار بالغير . والجلوس على الطّرق العامّة للاستراحة أو المعاملة ونحوهما ، ووضع المظلّات إنّما يجوز إذا لم يضيّق على المارّة .
وكذلك الانتفاع بالمحرّم حال الاضطرار مقيّد بقيودٍ . فقد اتّفق الفقهاء على أنّ المضطرّ يجوز له الانتفاع بالمحرّمات بمقدار ما يسدّ الرّمق ويأمن معه الموت .
وذهب المالكيّة ، وهو قول عند الشّافعيّة ، ورواية عن أحمد إلى أنّه يأكل من المحرّمات إلى حدّ الشّبع إذا لم يوجد غيرها ، لأنّ ما جاز سدّ الرّمق منه جاز الشّبع منه كالمباح . بل المالكيّة جوّزوا التّزوّد من المحرّمات احتياطاً خشية استمرار حالة الاضطرار ، كما تدلّ عليه نصوصهم . وقال الحنفيّة ، وهو أحد قولين للشّافعيّ ، والأظهر عند الحنابلة : أنّه لا يجوز للمضطرّ الانتفاع من المحرّمات بأكثر ممّا يدفع الهلاك ويسدّ الرّمق ، فليس له أن يأكل إلى حدّ الشّبع ، وليس له أن يتزوّد ، لأنّ الضّرورة تقدّر بقدرها .
26 - ثانياً : يلزم المنتفع أن يراعي حدود إذن المالك ، إذا ثبت الانتفاع بإذنٍ من مالكٍ خاصٍّ ، كإباحة الطّعام والشّراب في الضّيافة ، فإنّه إذا علم أنّ صاحبه لا يرضى بإطعام الغير ، فلا يحلّ له أن يطعم غيره كما تقدّم . وكذلك الإذن بسكنى الدّار وركوب الدّابّة للشّخص ، فإنّ الانتفاع بها محدود بشروط المبيح .
27 - ثالثاً : يلزم المنتفع التّقيّد بالقيود المتّفق عليها في العقد ، إذا كان مسبّب الانتفاع عقداً . لأنّ الأصل مراعاة الشّروط بقدر الإمكان . فإذا حدّد الانتفاع في الإجارة أو العاريّة أو الوصيّة بوقتٍ أو منفعةٍ معيّنةٍ فلا يتجاوزها ما لم تكن الشّروط مخالفةً للشّرع .
28 - رابعاً : يلزم المنتفع أن لا يتجاوز الحدّ المعتاد إذا لم يكن الانتفاع مقيّداً بقيدٍ أو شرطٍ ، لأنّ المطلق يقيّد بالعرف والعادة ، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً كما جرى على ألسنة الفقهاء . فلو أعاره وأطلق فللمستعير الانتفاع بحسب العرف في كلّ ما هو مهيّأ له . وما هو غير مهيّأٍ له يعيّنه العرف ولو قال : آجرتكها لما شئت صحّ ، ويفعل ما يشاء لرضاه به ، لكن يشترط أن ينتفع به على الوجه المعتاد كالعاريّة .
أحكام الانتفاع الخاصّة :
الانتفاع المجرّد ملك ناقص ، وله أحكام وآثار خاصّة تميّزه عن الملك التّامّ .
من هذه الأحكام ما يأتي :
أوّلاً : تقييد الانتفاع بالشّروط :
29 - يقبل حقّ الانتفاع التّقييد والاشتراط ، لأنّه حقّ ناقص ليس لصاحبه إلاّ التّصرّفات الّتي يجيزها المالك ، وعلى الوجه الّذي يعيّنه صفةً وزمناً ومكاناً ، وإلاّ فإنّ الانتفاع موجب للضّمان ، فإذا أعار إنساناً دابّةً على أن يركبها المستعير بنفسه فليس له أن يعيرها غيره ، واذا أعار ثوباً على أن يلبسه بنفسه فليس له أن يلبسه غيره . وكذلك إن قيّدها بوقتٍ أو منفعةٍ أو بهما فلا يتجاوز إلى ما سوى ذلك .
وإن أطلق فله أن ينتفع بأيّ نوعٍ شاء وفي أيّ وقتٍ أراد ، لأنّه يتصرّف في ملك الغير فلا يملك التّصرّف إلاّ على الوجه الّذي أذن له من تقييدٍ أو إطلاقٍ .
ومن استأجر داراً للسّكنى إلى مدّةٍ معيّنةٍ فليس له أن يسكنها بعد انقضاء المدّة إلاّ بأجرة المثل ، لأنّ الانتفاع مقيّد بقيد الزّمان فيجب اعتباره .
كذلك لو قيّد الواقف الانتفاع بالوقف بشروطٍ محدّدةٍ ، فالجمهور على أنّه يرجع إلى شرط الواقف لأنّ الشّروط الّتي يذكرها الواقفون هي الّتي تنظّم طريق الانتفاع به ، وهذه الشّروط معتبرة ما لم تحالف الشّرع . هذا ، وجمهور الفقهاء على أنّ الانتفاع بالمأجور والمستعار بمثل المشروط أو أقلّ منه ضرراً جائز لحصول الرّضى ولو حكماً . وقال بعضهم : إن نهاه عن مثل المشروط أو الأدون منه امتنع .
30 - وقد اتّفق الفقهاء على أنّ التّقييد في الانتفاع لشخصٍ دون شخصٍ معتبر فيما يكون التّقييد فيه مفيداً ، وذلك فيما يختلف باختلاف المستعمل كركوب الدّابّة ولبس الثّوب .
أمّا فيما لا يختلف باختلاف المستعمل كسكنى الدّار مثلاً فقد اختلفوا فيه : فذهب الحنفيّة إلى عدم اعتبار القيد ، لأنّ النّاس لا يتفاوتون فيه عادةً . فلم يكن التّقييد بسكناه مفيداً ، إلاّ إذا كان حدّاداً أو قصّاراً أو نحوهما ممّا يوهن عليه البناء .
وذهب المالكيّة والحنابلة إلى اعتبار القيد مطلقاً ما لم يكن مخالفاً للشّرع . وقال الشّافعيّة : لو شرط المؤجّر على المستأجر استيفاء المنفعة بنفسه فسد العقد ، كما لو شرط على مشترٍ أن لا يبيع العين للغير .
ثانياً : توريث الانتفاع :
31 - إذا كان سبب الانتفاع الإجارة أو الوصيّة ، فقد ذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّه يقبل التّوريث . فالإجارة لا تنفسخ بموت الشّخص المستأجر ، ويقوم وارثه مقامه في الانتفاع بها إلى أن تنتهي المدّة ، أو تفسخ الإجارة بأسبابٍ أخرى ، لأنّ الإجارة عقد لازم ، فلا تنفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه . إلاّ أنّ الحنابلة قالوا : إن مات المكتري ، ولم يكن له وارث تنفسخ الإجارة فيما بقي من المدّة .
وكذلك الوصيّة بالمنفعة لا تنتهي بموت الموصى له ، لأنّها تمليك وليست إباحةً للزومها بالقبول ، فيجوز لورثته أن ينتفعوا بها بالمدّة الباقية ، لأنّه مات عن حقٍّ ، فهو لورثته . 32 - أمّا إذا كان سبب الانتفاع العاريّة ، فقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة بعدم توريث الانتفاع بها ، لأنّها عقد غير لازمٍ ، تنفسخ بموت العاقدين . ولأنّ العاريّة إباحة الانتفاع عندهم ، فلا تصلح أن تنتقل إلى الغير حتّى في حياة المستعير .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ الانتفاع لا يقبل التّوريث مطلقاً . فالوصيّة بالمنفعة تبطل بموت الموصى له ، وليس لورثته الانتفاع بها ، كما تبطل العاريّة بموت المستعير ، والإجارة بموت المستأجر ، لأنّ المنافع لا تحتمل الإرث ، لأنّها تحدث شيئاً فشيئاً ، والّتي تحدث بعد الموت ليست موجودةً حين الموت ، حتّى تكون تركةً على ملك المتوفّى فتورث .
وعلى ذلك يعود ملك المنفعة بعد وفاة الموصى له بالمنفعة إلى الموصى له بالرّقبة ، إن كان قد أوصى بالرّقبة إلى آخر ، وإن لم يكن قد أوصى بها عاد ملك المنفعة إلى ورثة الموصي ، كما صرّح به الكاسانيّ .
ثالثاً : نفقات العين المنتفع بها :
33 - لا خلاف بين فقهاء المذاهب في أنّ نفقات العين المنتفع بها تكون على صاحب العين ، إذا كان الانتفاع بمقابلٍ ، لا على من له الانتفاع . وعلى ذلك فتكسية الدّار المستأجرة وإصلاح مرافقها وما وهن من بنائها على ربّ الدّار ( المؤجّر ) . وكذلك علف الدّابّة المستأجرة ومئونة ردّ العين المستأجرة على الآجر . حتّى إنّ الحنابلة قالوا : إن شرط المكري أنّ النّفقة الواجبة عليه تكون على المكتري فالشّرط فاسد .
وإذا أنفق المكتري على ذلك احتسب به على المكري . لكن الحنفيّة يقولون : إذا أصلح المستأجر شيئاً من ذلك لم يحتسب له بما أنفق ، لأنّه أصلح ملك غيره بغير أمره فكان متبرّعاً . كما ذهب الشّافعيّة والمالكيّة إلى أنّه لا يجبر آجر الدّار على إصلاحها للمكتري ، ويخيّر السّاكن بين الانتفاع بالسّكنى ، فيلزمه الكراء والخروج منها .
34 - أمّا إذا كان الانتفاع بالمجّان ، كما في العاريّة والوصيّة ، فقد ذهب الحنفيّة - وهو قول عند المالكيّة في العاريّة ، والصّحيح عند الحنابلة في الوصيّة - إلى أنّ نفقات العين المنتفع بها تكون على من له الانتفاع . وعلى ذلك فعلف الدّابّة ونفقات الدّار المستعارة على المستعير ، كما أنّ نفقة الدّار الموصى بمنفعتها على الموصى له ، لأنّهما يملكان الانتفاع بالمجّان ، فكانت النّفقة عليهما ، إذ الغرم بالغنم . ولأنّ صاحبها فعل معروفاً فلا يليق أن يشدّد عليه . وقال الشّافعيّة : إنّ مئونة المستعار على المعير دون المستعير ، سواء أكانت العاريّة صحيحةً أم فاسدةً . فإن أنفق المستعير لم يرجع إلاّ بإذن حاكمٍ أو إشهاد بيّنةٍ على الرّجوع عند فقد الحاكم .
كذلك في الوصيّة بالانتفاع ، فإنّ الوارث أو الموصى له بالرّقبة هو الّذي يتحمّل نفقات العين الموصى بمنفعتها ، إن أوصى بمنفعتها مدّةً ، لأنّه هو المالك للرّقبة ، وكذلك للمنفعة فيما عدا تلك المدّة كما علّله الرّمليّ . وهذا هو أحد القولين عند المالكيّة في العاريّة ، وهو وجه عند الحنابلة في الوصيّة . وعلّله الخرشيّ بأنّها لو كانت على المستعير لكان كراءً ، وربّما كان علف الدّابّة ، أكثر من الكراء .
رابعاً : ضمان الانتفاع :
35 - الأصل أنّ الانتفاع المباح والمأذون بعينٍ من الأعيان لا يوجب الضّمان ، وعلى ذلك فمن انتفع بالمأجور على الوجه المشروع ، وبالصّفة الّتي عيّنت في العقد ، أو بمثلها ، أو دونها ضرراً ، أو على الوجه المعتاد فتلف لا يضمن ، لأنّ يد المكتري يد أمانةٍ مدّة الإجارة ، وكذا بعدها إن لم يستعملها استصحاباً لما كان .
ومن استعار عيناً فانتفع بها ، وهلكت بالاستعمال المأذون فيه بلا تعدٍّ لا يضمن عند الحنفيّة والشّافعيّة . وكذلك إذا هلكت بدون استعمالٍ عند الحنفيّة ، لأنّ ضمان العدوان لا يجب إلاّ على المتعدّي ، ومع الإذن بالقبض لا يوصف بالتّعدّي .
وعند الشّافعيّة يضمن إذا هلكت في غير حال الاستعمال ، لأنّه قبض مال الغير لنفسه لا عن استحقاقٍ ، فأشبه الغصب . وقال الحنابلة : العاريّة المقبوضة مضمونة بقيمتها يوم التّلف بكلّ حالٍ ، ولا فرق بين أن يتعدّى فيها أو يفرّط فيها أو لا . أمّا إذا انتفع بها وردّها على صفتها فلا شيء عليه .
وفرّق المالكيّة بين ما يغاب عليه ( يحتمل الإخفاء ) وبين ما لا يغاب عليه ، فقالوا : يضمن المستعير ما يغاب عليه ، كالحليّ والثّياب ، إن ادّعى الضّياع إلاّ ببيّنةٍ على ضياعه بلا سببٍ منه ، كذلك يضمن بانتفاعه بها بلا إذن ربّها إذا تلفت أو تعيّبت بسبب ذلك .
أمّا فيما لا يغاب عليه وفيما قامت البيّنة على تلفه فهو غير مضمونٍ . والانتفاع بالرّهن بإذن الرّاهن حكمه حكم العاريّة ، فلو هلك في حالة الاستعمال والعمل لا يضمن عند عامّة الفقهاء ، لأنّ الانتفاع المأذون لا يوجب الضّمان . وإذا انتفع به بدون إذن الرّاهن يضمن مع تفصيلٍ سبق ذكره .
36 - ويستثن من هذا الأصل الانتفاع بمال الغير حال الاضطرار ، فإنّه وإن كان مأذوناً شرعاً ، لكنّه يوجب الضّمان عند الجمهور ، عملاً بقاعدةٍ فقهيّةٍ أخرى هي : أنّ الاضطرار لا يبطل حقّ الغير . وذهب المالكيّة إلى عدم الضّمان عملاً بالأصل ، وهو أنّ الانتفاع المباح لا يوجب الضّمان . وهذا إذا لم يكن عند المضطرّ ثمن الطّعام ليشتريه ، لأنّه لم يتعلّق بذمّته كما علّل بذلك الدّردير .
37 - أمّا الانتفاع بالمغصوب الوديعة فموجب للضّمان عند جمهور الفقهاء ، لأنّه غير مأذونٍ فيه ، إلاّ ما ذكر الشّافعيّة في الوديعة من عدم ضمان لبس الثّوب لدفع العفونة وركوب ما لا ينقاد للسّقي . كذلك تضمن منفعة الدّار بالتّفويت والفوات ، بأن سكن الدّار وركب الدّابّة ، أو لم يفعل ذلك عند الشّافعيّة ، وهو ما تدلّ عليه نصوص المالكيّة والحنابلة ، ولكنّ المالكيّة قالوا : لو غصب العين لاستيفاء المنفعة ، لا لتملّك الذّات ، فتلفت العين المنتفع بها فلا يضمنها المتعدّي . فمن سكن داراً غاصباً للسّكنى ، فانهدمت من غير فعله فلا يضمن إلاّ قيمة السّكنى .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ منافع الأعيان المنقولة المغصوبة ليست بمضمونةٍ . فإذا غصب دابّةً فأمسكها أيّاماً ولم يستعملها ، ثمّ ردّها إلى يد مالكها لا يضمن ، لأنّه لم يوجد تفويت يد المالك عن المنافع ، لأنّها أعراض تحدث شيئاً فشيئاً . فالمنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودةً في يد المالك ، فلم يوجد تفويت يد المالك عنها . لكن إن كان المغصوب مال وقفٍ أو مال صغيرٍ أو كان معدّاً للاستغلال يلزمه ضمان المنفعة .
ويرجع لتفصيله إلى مصطلح ( ضمان ) .
خامساً : تسليم العين المنتفع بها :
38 - لا خلاف في أنّه يلزم تسليم العين المنتفع بها إلى من له الانتفاع ، إذا ثبت الانتفاع بالعقد اللّازم وبعوضٍ ، كالإجارة . فالمؤجّر مكلّف بعد انعقاد العقد أن يسلّم المأجور إلى المستأجر ، ويمكّنه من الانتفاع به عند عامّة الفقهاء . أمّا الانتفاع بالعقد غير اللّازم فلا يوجب تسليم العين للمنتفع ، كالإعارة ، فلا يلزم المعير أن يسلّم المستعار إلى المستعير ، لأنّ التّبرّع لا أثر له قبل القبض .
39 - أمّا ردّ العين المنتفع بها إلى مالكها ، فقد ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّ الانتفاع إذا كان بدون عوضٍ كالعاريّة فردّ العين واجب على المستعير ، ممّن طلب المعير ذلك ، لأنّ العاريّة من العقود غير اللّازمة ، فلكلّ واحدٍ منهما ردّها متى شاء ، ولو مؤقّتةً بوقتٍ لم ينقض أمده ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « المنحة مردودة ، والعاريّة مؤدّاة » . ولأنّ الإذن هو السّبب لإباحة الانتفاع وقد انقطع بالطّلب . ولهذا لو كانت مؤقّتةً ، فأمسكها بعد مضيّ الوقت ، ولم يردّها حتّى هلكت ضمن .
ولكن إذا أعار أرضاً لزراعةٍ ورجع قبل إدراك الزّرع فعليه الإبقاء إلى الحصاد ، وله الأجرة من وقت وجوب إرجاعها إلى حصاد الزّرع . كما لو أعاره دابّةً ثمّ رجع في أثناء الطّريق ، فإنّ عليه نقل متاعه إلى مأمنٍ بأجر المثل .
وقال المالكيّة : لزمت العاريّة المقيّدة بعملٍ أو أجلٍ لانقضائه ، فليس لربّها أخذها قبله ، سواء كان المستعار أرضاً لزراعةٍ ، أو سكنى ، أو كان حيواناً أو كان عرضاً .
40 - أمّا إذا كان الانتفاع بعوضٍ كالإجارة ، فلا يكلّف المستأجر ردّ المأجور بعد الانقضاء ، وليس للآجر أن يستردّ المأجور قبل استيفاء المنفعة المعقودة ، ولا قبل مضيّ المدّة المقرّرة . وحكم بقاء الزّرع إلى الحصاد بعد انقضاء مدّة الإجارة كحكم العاريّة ، فللمستأجر أن يبقي الزّرع في الأرض إلى إدراكه بأجرة المثل .
لكنّ الشّافعيّة قيّدوه بما إذا لم يكن تأخير الزّراعة بسبب تقصير المستأجر والمستعير .
أمّا مؤنة ردّ العين المنتفع بها ، فقد اتّفقوا على أنّها في الإجارة على المؤجّر ، لأنّ العين المستأجرة مقبوضة لمنفعته بأخذ الأجر ، وعلى المستعير في العاريّة لأنّ الانتفاع له ، عملاً بقاعدة ( الغرم بالغنم ) .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:33 PM

إنهاء الانتفاع وانتهاؤه :
41 - إنهاء الانتفاع معناه وقف آثار الانتفاع في المستقبل بإرادة المنتفع أو مالك الرّقبة أو القاضي ، وعبّر عنه الفقهاء بلفظ ( فسخ ) . وانتهاء الانتفاع معناه أن تتوقّف آثاره بدون إرادة المنتفع أو مالك العين ، وعبّر عنه الفقهاء بلفظ ( انفساخ ) .
أوّلاً : إنهاء الانتفاع : ينهى الانتفاع في الحالات الآتية :
أ - الإرادة المنفردة :
42 - يمكن إنهاء الانتفاع بالإرادة المنفردة في عقود التّبرّع ، سواء أكان من قبل مالك الرّقبة أو المنتفع نفسه . فكما أنّ الوصيّة بالانتفاع يمكن إنهاؤها من قبل الموصى له في حياته ، يصحّ إنهاؤها من قبل الموصى له بعد موت الموصي . وكما أنّ الإعارة يمكن إنهاؤها من قبل المعير ، فله أن يرجع في أيّ وقتٍ شاء على رأي الجمهور ، خلافاً للمالكيّة كما تقدّم . كذلك يسوغ للمستعير أن يردّها أيّ وقتٍ شاء . لأنّ الإعارة والوصيّة من العقود غير اللّازمة من الطّرفين كالوكالة ، فلكلّ واحدٍ منهما فسخها متى شاء ، ولو مؤقّتةً بوقتٍ لم ينقض أمده ، إلاّ في صورٍ مستثناةٍ لدفع الضّرر .
ب - حقّ الخيار :
43 - يصحّ إنهاء الانتفاع باستعمال الخيار في بعض العقود كالإجارة ، فإنّها تفسخ بالعيب ، سواء أكان العيب مقارناً للعقد أو حادثاً بعده ، لأنّ المعقود عليه في الإجارة - وهي المنافع - يحدث شيئاً فشيئاً ، فما وجد من العيب يكون حادثاً قبل القبض في حقّ ما بقي من المنافع ، فيوجد الخيار .
كذلك يمكن إنهاء الانتفاع في الإجارة بفسخها بسبب خيار الشّرط ، وخيار الرّؤية عند من يقول به ، لأنّ الإجارة بيع المنافع ، فكما يجوز فسخ البيع بخيار الشّرط والرّؤية ، كذلك يصحّ إنهاء الانتفاع في الإجارة بسبب هذين الخيارين .
وتفصيل ذلك في خيار الشّرط وخيار الرّؤية .
44 - وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجوز إنهاء الانتفاع في حالة تعذّره ، وذلك في العقود اللّازمة ، كالإجارة . أمّا العقود غير اللّازمة كالإعارة فإنّها قابلة للفسخ بدون التّعذّر كما سبق . والتّعذّر أعمّ من التّلف عند المالكيّة ، فيشمل الضّياع والمرض والغصب وغلق الحوانيت قهراً . وقد توسّع الحنفيّة والحنابلة في إنهاء الانتفاع بسبب العذر . وعرّفه الحنفيّة بأنّه : عجز العاقد عن المضيّ بموجب العقد إلاّ بتحمّل ضررٍ زائدٍ ، كمن استأجر حانوتاً يتّجر فيه فأفلس .
وصرّح الحنابلة بأنّه إن تعذّر الزّرع بسبب غرق الأرض أو انقطاع مائها فللمستأجر الخيار . وإن قلّ الماء بحيث لا يكفي الزّرع فله الفسخ . وكذلك إذا انقطع الماء بالكلّيّة ، أو حدث بها عيب ، أو حدث خوف عامّ يمنع من سكنى المكان الّذي فيه العين المستأجرة . وقال الشّافعيّة : لا تنفسخ الإجارة بعذرٍ ، كتعذّر وقود الحمّام أو خراب ما حول الدّار والدّكّان . ومع ذلك فقد وافقوا الجمهور على جواز إنهاء الانتفاع في بعض الصّور حيث قالوا : إذا انقطع ماء أرضٍ للزّراعة فللمستأجر الخيار في الفسخ ، وما يمنع استيفاء المنفعة شرعاً يوجب الفسخ ، كما لو سكن ألم السّنّ المستأجر على قلعه .
ج - الإقالة :
45 - لا خلاف في أنّ الانتفاع يمكن إنهاؤه بسبب الإقالة ، وهي فسخ العقد بإرادة الطّرفين . وهذا إذا كان الانتفاع حاصلاً بسبب عقدٍ لازمٍ كالإجارة .
أمّا في غير العقد ، وفي العقود غير اللّازمة ، فلا يحتاج للإقالة ، لأنّه يمكن بالرّجوع عن الإذن أو الإرادة المنفردة ، كما تقدّم .
ثانياً : انتهاء الانتفاع :
ينتهي الانتفاع في الحالات الآتية :
أ - انتهاء المدّة :
46 - لا خلاف بين الفقهاء أنّ الانتفاع ينتهي بانتهاء المدّة المعيّنة أيّاً كان سببه ، فإذا أباح شخص لآخر الانتفاع من أملاكه الخاصّة لمدّةٍ معلومةٍ ينتهي الانتفاع بانتهاء تلك المدّة . وإذا آجره أو أعاره دابّةً لشهرٍ فإنّ الانتفاع بها ينتهي بمضيّ هذه المدّة ، وليس له أن ينتفع بها بعدها ، وإلاّ يكون غاصباً كما تقدّم .
ب - هلاك المحلّ أو غصبه :
47 - ينتهي الانتفاع بهلاك العين المنتفع بها عند عامّة الفقهاء . فتنفسخ الإجارة والإعارة والوصيّة بهلاك الدّابّة المستأجرة ، وبتلف العين المستعارة ، وبانهدام الدّار الموصى بمنفعتها . أمّا غصب المحلّ فموجب لفسخ العقد عند الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة ) لا للانفساخ . وقال بعض الحنفيّة : إنّ الغصب أيضاً موجب للانفساخ ، لزوال التّمكّن من الانتفاع .
ج - وفاة المنتفع :
سبق عند الكلام على توريث الانتفاع ما يتّصل بهذا السّبب . انظر فقرة ( 30 ) .
زوال الوصف المبيح :
48 - ينتهي الانتفاع كذلك بزوال الوصف المبيح كما في حالة الاضطرار ، حيث قالوا : إذا زالت حالة الاضطرار زال حلّ الانتفاع .

انتقال *
التّعريف :
1 - الانتقال في اللّغة : التّحوّل من موضعٍ إلى آخر . ويستعمل مجازاً في التّحوّل المعنويّ ، فيقال : انتقلت المرأة من عدّة الطّلاق إلى عدّة الوفاة . ويطلق عند الفقهاء على هذين المعنيين كما سيأتي .
الألفاظ ذات الصّلة :
الزّوال :
2-الزّوال في اللّغة بمعنى : التّنحّي ، ومعنى العدم .
والفرق بين الانتقال والزّوال : أنّ الزّوال يعني العدم في بعض الأحيان ، والانتقال لا يعني ذلك . وأيضاً : أنّ الانتقال يكون في الجهات كلّها ، أمّا الزّوال فإنّه يكون في بعض الجهات دون بعضٍ ، ألا ترى أنّه لا يقال : زال من سفلٍ إلى علوٍ . ويقال : انتقل من سفلٍ إلى علوٍ ، وثمّة فرق ثالث هو أنّ الزّوال لا يكون إلاّ بعد استقرارٍ وثباتٍ صحيحٍ أو مقدّرٍ ، تقول : زال ملك فلانٍ ، ولا تقول : ذلك إلاّ بعد ثبات الملك له ، وتقول : زالت الشّمس ، وهذا وقت الزّوال ، وذلك أنّهم يقدّرون أنّ الشّمس تستقرّ في كبد السّماء ثمّ تزول ، وذلك لما يظنّ من بطء حركتها . وليس كذلك الانتقال . فعلى هذا يكون الانتقال أتمّ من الزّوال .
الحكم التّكليفيّ :
قد يكون الانتقال واجباً ، وقد يكون جائزاً .
أ - الانتقال الواجب :
3 - إذا تعذّر الأصل وجب الانتقال إلى البدل ، والمتتبّع لأحكام الفقه يجد كثيراً من التّطبيقات لهذه القاعدة ، من ذلك أنّه إذا هلك المغصوب في يد الغاصب وجب مثله أو قيمته . وأنّ من عجز عن الوضوء لفقد الماء وجب عليه الانتقال إلى التّيمّم ، ومن عجز عن القيام في الصّلاة انتقل إلى القعود ، ومن عجز عن الصّيام لشيخوخةٍ وجبت عليه الفدية ، ومن عجز عن أداء صلاة الجمعة لمرضٍ أو غيره وجبت عليه صلاة الظّهر ، ومن أتلف لآخر شيئاً لا مثل له وجبت عليه قيمته ، وإذا لم يجد المصدّق - جابي الصّدقة - السّنّ المطلوبة من الإبل أخذ سنّاً أعلى منها ودفع الفرق ، أو أخذ سنّاً أدنى منها وأخذ الفرق ، ومن تزوّج امرأةً على خمرٍ وجب الانتقال إلى مهر المثل . ومن عجز عن خصال كفّارة اليمين انتقل إلى البدل وهو الصّيام ، وهكذا كلّ كفّارةٍ لها بدل ، يصار إلى البدل عند تعذّر الأصل .
ب - الانتقال الجائز :
4 - الانتقال الجائز قد يكون بحكم الشّرع ، وقد يكون باتّفاق الطّرفين ، ويجوز الانتقال من الأصل إلى البدل إذا كان في البدل مصلحة ظاهرة شرعاً ، فيجوز عند بعض الفقهاء الحنفيّة دفع بدل الواجب في الزّكاة ، والصّدقة ، وزكاة الفطر ، والنّذر ، والكفّارة ، والعشر ، والخراج . كما يجوز باتّفاق أصحاب العلاقة الانتقال من الواجب إلى البدل في دين القرض ، وبدل المتلفات مثلاً وقيمته ، وثمن المبيع ، والأجرة ، والصّداق ، وعوض الخلع ، وبدل الدّم ، ولا يجوز ذلك في دين المسلم .
أنواع الانتقال :
يتنوّع الانتقال إلى الأنواع الآتية :
أ - الانتقال الحسّيّ :
5 - إذا انتقلت الحاضنة من بلد الوليّ إلى آخر للاستيطان سقط حقّها في الحضانة . وينتقل القاضي أو نائبه أو من يندبه إلى المخدّرة ( وهي من لا تخرج في العادة لقضاء حاجتها ) والعاجزة لسماع شهادتها ، ولا تكلّف هي بالحضور إلى مجلس القاضي لأداء الشّهادة . ولا تنتقل المعتدّة رجعيّاً من بيعها إلاّ لضرورةٍ اقتضت ذلك
ب - انتقال الدّين :
6 - ينتقل الدّين الثّابت في الذّمّة إلى ذمّة شخصٍ آخر بالحوالة .
ج - انتقال النّيّة :
7 - انتقال النّيّة أثناء أداء العبادات البدنيّة المحضة يفسد تلك العبادة .
وقال الحنفيّة : لا تفسد إلاّ إذا رافقها شروع في غيرها ، ففي الصّلاة مثلاً : إذا انتقل وهو في الصّلاة من نيّة الفرض الّذي نواه إلى نيّة فرضٍ آخر ، أو إلى نفلٍ ، فسدت صلاته عند الجمهور ، وعند الحنفيّة لا تفسد إلاّ إذا كبّر للصّلاة الأخرى .
وإذا فسدت صلاته ، فهل تصحّ الصّلاة الجديدة الّتي انتقل إليها ؟
قال الجمهور : لا تصحّ ، وقال الحنفيّة : تصحّ مستأنفةً من حين التّكبير ، وقال بعضهم : إن نقل نيّة الفرض إلى النّفل صحّ النّفل ، وقال آخرون : لا تصحّ . ومن صور انتقال النّيّة أيضاً نيّة المقتدي الانفصال عن الإمام ، وقد أجاز ذلك بعض الأئمّة ومنعه آخرون ،
وتفصيل ذلك في مصطلح ( اقتداء ) .
د - انتقال الحقوق :
الحقوق من حيث قابليّتها للانتقال على نوعين ، حقوقٍ تقبل الانتقال ، وحقوقٍ لا تقبل الانتقال .
- 1 - الحقوق الّتي لا تقبل الانتقال :
8 - أوّلاً : الحقوق المتعلّقة بشخص الإنسان ، وتتعلّق بإرادته ، وهي حقوق غير ماليّةٍ في الغالب كاللّعان ، والفيء بعد الإيلاء ، والعود في الظّهار ، والاختيار بين النّسوة اللّاتي أسلم عليهنّ إذا كنّ أكثر من أربعٍ ، واختيار إحدى زوجتيه الأختين اللّتين أسلم عليهنّ ، وحقّ الزّوجة في الطّلاق بسبب الضّرر ونحوه ، وحقّ الوليّ في فسخ النّكاح لعدم الكفاءة ، وما فوّض إليه من الولايات والمناصب كالقضاء والتّدريس والأمانات والوكالات ونحو ذلك .
وقد تكون حقوقاً ماليّةً ، كحقّ الفسخ بخيار الشّرط ، وحقّ الرّجوع بالهبة ، وحقّ الخيار في قبول الوصيّة ، إذ لا تنتقل هذه الحقوق إلى الورثة بالموت .
على خلافٍ وتفصيلٍ يعرف في أبوابها
9 - ثانياً : حقوق اللّه تعالى البدنيّة الخالصة المفروضة فرضاً عينيّاً ، كالصّلاة ، والصّيام ، والحدود إلاّ القذف لما فيه من حقّ العبد .
- 2 - الحقوق الّتي تقبل الانتقال :
10 - قال القرافيّ : من الحقوق ما ينتقل إلى الوارث ، ومنها ما لا ينتقل ، فمن حقّ الإنسان أن يلاعن عند سبب اللّعان ، وأن يفيء بعد الإيلاء ، وأن يعود بعد الظّهار ، وأن يختار من نسوةٍ إذا أسلم عليهنّ ، وهنّ أكثر من أربعٍ ، وأن يختار إحدى الأختين إذا أسلم عليهنّ ، وإذا حمل المتبايعان له الخيار فمن حقّه أن يملك إمضاء البيع عليهما وفسخه ، ومن حقّه ما فوّض إليه من الولايات والمناصب ، كالقصاص والإمامة والخطابة وغيرهما ، وكالأمانة والوكالة ، فجميع هذه الحقوق لا ينتقل للوارث منها شيء ، وإن كانت ثابتةً للمورث . بل الضّابط لما ينتقل إليه ما كان متعلّقاً بالمال ، أو يدفع ضرراً عن الوارث في عرضه بتخفيف ألمه . وما كان متعلّقاً بنفس المورث وعقله وشهواته لا ينتقل للوارث . والسّرّ في الفرق أنّ الورثة يرثون المال فيرثون ما يتعلّق به تبعاً له ، ولا يرثون عقله ولا شهوته ولا نفسه ، فلا يرثون ما يتعلّق بذلك ، وما لا يورث لا يرثون ما يتعلّق به ، فاللّعان يرجع إلى أمرٍ يعتقده لا يشاركه فيه غيره غالباً ، والاعتقادات ليست من باب المال ، والفيئة شهوته ، والعود إرادته ، واختيار الأختين والنّسوة إربه وميله ، وقضاؤه على المتبايعين عقله وفكرته ورأيه ومناصبه وولاياته وآراؤه واجتهاداته وأفعاله الدّينيّة فهو دينه ، ولا ينتقل شيء من ذلك للوارث ، لأنّه لم يرث مستنده وأصله .
وانتقل للوارث خيار الشّرط في البيعات ، وقاله الشّافعيّ رحمه الله تعالى ، وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبلٍ : لا ينتقل إليه . وينتقل للوارث خيار الشّفعة عندنا ( عند المالكيّة ) وخيار التّعيين إذا اشترى موروثه عبداً من عبدين على أن يختار ، وخيار الوصيّة إذا مات الموصى له بعد موت الموصي ، وخيار الإقالة والقبول إذا أوجب البيع لزيدٍ فلوارثه القبول والرّدّ . وقال ابن الموّاز : إذا قال : من جاءني بعشرةٍ فغلامي له ، فمتى جاء أحد بذلك إلى شهرين لزمه ، وخيار الهبة وفيه خلاف ، ومنع أبو حنيفة خيار الشّفعة ، وسلّم خيار الرّدّ بالعيب ، وخيار تعدّد الصّفقة ، وحقّ القصاص ، وحقّ الرّهن ، وحبس المبيع ، وخيار ما وجد من أموال المسلمين في الغنيمة فمات ربّه قبل أن يختاره أخذه بعد القسمة ، ووافقناه نحن على خيار الهبة في الأب للابن بالاعتصار ، وخيار العتق واللّعان والكتابة والطّلاق ، بأن يقول : طلّقت امرأتي متى شئت ، فيموت المقول له ، وسلّم الشّافعيّ جميع ما سلّمناه ، وسلّم خيار الإقالة والقبول .
هـ - انتقال الأحكام :
11 - أوّلاً : إذا طلّق الرّجل زوجته غير الحامل ، ثمّ مات عنها وهي في العدّة فإنّها تنتقل من عدّة الطّلاق إلى عدّة الوفاة في الجملة . وإذا طلّقها وهي صغيرة لا تحيض ، فابتدأت عدّتها بالأشهر ثمّ حاضت ، انتقلت عدّتها إلى الحيض .
12 - ثانياً : حجب النّقصان ينتقل فيه الوارث من فرضٍ إلى فرضٍ أقلّ ، فالزّوج - مثلاً - ينتقل فرضه من النّصف إلى الرّبع ، عند وجود الفرع الوارث .

انتهاب *
التّعريف :
1 - الانتهاب في اللّغة من نهب نهباً : إذا أخذ الشّيء بالغارة والسّلب . والنّهبة ، والنّهبى : اسم للانتهاب ، واسم للمنهوب .
ويعرّف الفقهاء الانتهاب بقولهم : أخذ الشّيء قهراً ، أي مغالبةً .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاختلاس :
2 - يفترق الانتهاب عن الاختلاس ، إذ الاعتماد في الاختلاس على سرعة الأخذ ، بخلاف الانتهاب ، فإنّ ذلك غير معتبرٍ فيه . وأيضاً فإنّ الاختلاس يستخفي فيه المختلس في ابتداء اختلاسه ، والانتهاب لا يكون فيه استخفاء في أوّله ولا آخره .
ب - الغصب :
3 - يفترق الانتهاب عن الغصب : في أنّ الغصب لا يكون إلاّ في أخذ ممنوعٍ أخذه ، والانتهاب قد يكون في ممنوعٍ أخذه ، وفيما أبيح أخذه .
ج - الغلول :
4 - الغلول : الأخذ من الغنيمة قبل القسمة ، وليس من الغلول أخذ الغزاة ما يحتاجون إليه من طعامٍ ونحوه ، أو الانتفاع بالسّلاح مع إعادته عند الاستغناء عنه ، فهذا من الانتهاب المأذون به من الشّرع ، وكذلك أخذ السّلب بشروطه ، ر : ( غلول ، سلب ، غنائم ) .
أنواع الانتهاب :
5 - الانتهاب على ثلاثة أنواعٍ :
أ - نوع لا تسبقه إباحة من المالك .
ب - نوع تسبقه إباحة من المالك ، كانتهاب . النّثار الّذي ينثر على رأس العروس ونحو ذلك ، فإنّ ناثره - المالك - أباح للنّاس انتهابه .
ج - نوع أباحه المالك ليؤكل على وجهٍ ما يؤكل به ، فانتهبه النّاس ، كانتهاب المدعوّين طعام الوليمة .
حكمه التّكليفيّ :
6 - اتّفق الفقهاء على تحريم النّوع الأوّل من الانتهاب - وهو انتهاب ما لم يبحه مالكه - لأنّه نوع من الغصب المحرّم بالإجماع . ويجب فيه التّعزير ، وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب السّرقة وكتاب الغصب .
7- أمّا النّوع الثّاني من الانتهاب ، كانتهاب النّثار ، فقد اختلف فيه الفقهاء ، فمنهم من منعه تحريماً له كالشّوكانيّ ، ومنهم من منعه كراهةً له كأبي مسعودٍ الأنصاريّ ، وإبراهيم النّخعيّ وعطاء بن أبي رباحٍ وعكرمة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن سيرين والشّافعيّ ومالكٍ وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه .
واستدلّ القائلون بالتّحريم بما ورد من « نهي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن النّهبى » . واستدلّ الآخرون : بأنّ الانتهاب المحرّم الّذي ورد النّهي عنه هو ما كانت عليه العرب في الجاهليّة من الغارات ، وعلى الامتناع منه وقعت البيعة في حديث عبادة عند البخاريّ « بايعنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ألاّ ننتهب » .
أمّا انتهاب ما أباحه مالكه فهو مباح ، ولكنّه يكره لما في الالتقاط من الدّناءة .
وأمّا من أباح الانتهاب ، فقد قال : إنّ تركه أولى ، ولكن لا كراهة فيه ، ومن هؤلاء : الحسن البصريّ ، وعامر الشّعبيّ وأبو عبيدٍ القاسم بن سلّامٍ وابن المنذر والحنفيّة وبعض الشّافعيّة وبعض المالكيّة وأحمد بن حنبلٍ في روايةٍ ثانيةٍ عنه .
واستدلّ هؤلاء بما روته أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تزوّج بعض نسائه ، فنثر عليه التّمر » . وبما روى عبد اللّه بن قرطٍ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « أحبّ الأيّام إلى اللّه يوم النّحر ثمّ يوم عرفة . فقرّبت إليه بدناتٍ خمساً أو ستّاً فطفقن يزدلفن إليه بأيّتهنّ يبدأ ، فلمّا وجبت - سقطت - جنوبها ، قال كلمةً خفيفةً لم أفهمها - أي لم يفهمها الرّاوي وهو عبد اللّه بن قرطٍ - فقلت للّذي كان إلى جنبي : ما قال رسول اللّه ؟ فقال- قال : من شاء اقتطع » .
« وشهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إملاك شابٍّ من الأنصار فلمّا زوّجوه قال : على الألفة والطّير الميمون والسّعة والرّزق ، بارك اللّه لكم ، دفّفوا على رأس صاحبكم ، فلم يلبث أن جاءت الجواري معهنّ الأطباق عليها اللّوز والسّكّر ، فأمسك القوم أيديهم ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : ألا تنتهبون ، فقالوا : يا رسول اللّه إنّك نهيت عن النّهبة ، قال : تلك نهبة العساكر ، فأمّا العرسات فلا ، فرأيت رسول اللّه يجاذبهم ويجاذبونه » .
8 - أمّا النّوع الثّالث : وهو ما أباحه مالكه لفئةٍ من النّاس ليتملّكوه دون انتهابٍ ، بل على وجه التّساوي ، أو على وجهٍ يقرب من التّساوي - كوضعه الطّعام أمام المدعوّين إلى الوليمة - فإنّ انتهابه حرام لا يحلّ ولا يجوز ، لأنّ مبيحه إنّما أراد أن يتساووا في أكله - مثلاً - فمن أخذ منه أكثر ممّا كان يأكل منه مع أصحابه على وجه الأكل ، فقد أخذ حراماً وأكل سحتاً . وقد ذكر الفقهاء ذلك عند حديثهم عن الوليمة في كتاب النّكاح .
أثر الانتهاب :
9 - يملك المنتهب ما انتهبه ممّا أباحه مالكه بالانتهاب بأخذه ، لأنّه مباح ، وتملك المباحات بالحيازة . أو هو هبة ، فيملك بما تملك به الهبات .

أنثيان *
التّعريف :
1 - الأنثيان : الخصيتان ، وهما في الاصطلاح بهذا المعنى .
الحكم الإجماليّ :
2 - أ - الأنثيان من العورة المغلّظة فتأخذ حكمها ( ر : عورة ) .
ب - الاختصاء والإخصاء والجبّ للإنسان حرام لنهي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عبد اللّه بن مسعودٍ عن الاختصاء ، فعن إسماعيل بن قيسٍ قال : قال عبد اللّه : « كنّا نغزو مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء ، فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك » . وقيل : نزل في هذا { يا أيّها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ اللّه لكم } ،
وفي الباب جملة من الأحاديث الّتي تحرّم ذلك .
ج - في الجناية على الخصيتين في غير العمد الدّية ، وفي إحداهما نصف الدّية ، فإن قطع أنثييه فذهب نسله لم يجب أكثر من الدّية ، وإن ذهب نسله بقطع إحداهما لم يجب أكثر من نصف الدّية . ( ر : دية ) .
أمّا في العمد ففيهما القصاص عند الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة ، وأمّا الحنفيّة فلا يوجبون في الأنثيين القصاص لأنّ ذلك لا يعلم له مفصل فلا يمكن استيفاء المثل . ( ر : قصاص ) .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:33 PM

قطع أنثيي الحيوان :
3 - ذهب بعض الفقهاء إلى جوازه قطع أنثيي الحيوان ، وذهب بعضهم إلى كراهته ، على خلافٍ وتفصيلٍ ينظر في مصطلح ( إخصاء ) .

انحصار *
انظر : حصر .

انحلال *
التّعريف :
1 - الانحلال لغةً : الانفكاك ، وفي دستور العلماء الانحلال : بطلان الصّورة .
والانحلال عند الفقهاء بمعنى البطلان ، والانفكاك ، والانفساخ ، والفسخ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - البطلان :
2 - يطلق الفقهاء الانحلال بمعنى البطلان ، إلاّ أنّ البطلان يكون في المنعقد وغيره ، أمّا الانحلال فلا يتصوّر إلاّ في الشّيء المنعقد ، أمّا غير المنعقد فلا حلّ له .
ب - الانفساخ :
يعبّر الفقهاء في المسألة الواحدة تارةً بالانفساخ وتارةً بالانحلال . ونقل الحطّاب عن بعض المالكيّة أنّ الانفساخ لا يطلق في العقود الجائزة إلاّ مجازاً .
الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث :
3 - يرد لفظ الانحلال في كلام الفقهاء أكثر ما يرد في الأيمان ، والطّلاق ، والعقود .
ففي الأيمان : متى كانت اليمين على فعل واجبٍ أو ترك محرّمٍ كان حلّها محرّماً ، لأنّ حلّها بفعل المحرّم ، وهو محرّم . وإن كانت على فعل مندوبٍ أو ترك مكروهٍ فحلّها مكروه ، وإن كانت على فعل مباحٍ فحلّها مباح ، وإن كانت على فعل مكروهٍ أو ترك مندوبٍ فحلّها مندوب إليه . فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيراً منها فأت الّذي هو خير ، وكفّر عن يمينك » .
وإن كانت اليمين على فعل محرّمٍ أو ترك واجبٍ ، فحلّها واجب لأنّ حلّها بفعل الواجب ، وفعل الواجب واجب .
هذا من حيث أصل الحكم التّكليفيّ لحلّ اليمين . أمّا أثره فهو الكفّارة في اليمين المنعقدة على تفصيلٍ ينظر في ( الأيمان ) .
أسباب انحلال اليمين :
4 - لانحلال اليمين أسباب منها :
أ - حصول ما علّق عليه الحالف : فتنحلّ اليمين بوقوع ما علّق عليه ، إلاّ إن كانت أداة التّعليق تقتضي التّكرار فاليمين تتكرّر معها ، فلو قال لزوجته : إن خرجت بغير إذني فأنت طالق ، انحلّت اليمين بالخروج مرّةً واحدةً .
ب - زوال محلّ البرّ : كما لو قال إن كلّمت فلاناً أو دخلت هذه الدّار فأنت طالق ، فمات فلان أو جعلت الدّار بستاناً بطل اليمين . وانظر بحث ( أيمان )
ج - البرّ ، والحنث : فلو فعل ما حلف على فعله انحلّت يمينه ، وكذا تنحلّ لو انعقدت ثمّ حصل الحنث بوقوع ما حلف على نفيه .
د - الاستثناء : تنحلّ به اليمين بشروطٍ وتفصيلاتٍ تذكر في بابي الطّلاق والأيمان ، وقد يختلف ذلك في اليمين باللّه عن غيرها في بعض الصّور .
هـ- زوال ملك النّكاح : تنحلّ به اليمين بالطّلاق عند بعض الفقهاء ومنعه البعض .
ومن الأمثلة على انفكاك اليمين إذا زال ملك النّكاح : ما إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثاً إن فعلت كذا ، ثمّ خالعها قبل وقوع ما علّق عليه ، فإنّ اليمين تنفكّ ، ولو عقد عليها من جديدٍ فإنّها لا تطلق إن فعلت ما علّق قبل الخلع ، والبعض منع ذلك إن كان بقصد الاحتيال .
و - الرّدّة : تنحلّ بها اليمين عند البعض دون البعض الآخر .
ز - ويتمّ الانحلال في العقود بأسبابٍ منها : حلّ العقد غير اللّازم من كلا المتعاقدين ، أو ممّن هو غير لازمٍ في حقّه ، ومنها الفسخ بالتّراضي أو بحكم القضاء ، ومنها الإقالة . ويرجع إلى كلٍّ من هذه الأسباب في موضعه .

انحناء *
التّعريف :
1 - الانحناء في اللّغة مصدر : حنى ، فالانحناء : الانعطاف والاعوجاج عن وجه الاستقامة . يقال للرّجل إذا انحنى من الكبر حناه الدّهر ، فهو محنيّ ومحنوّ .
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الرّكوع :
2 - الرّكوع نوع من الانحناء ، إلاّ أنّه في الصّلاة على هيئةٍ مخصوصةٍ سيأتي بيانها .
ب - السّجود :
السّجود وضع الجبهة على الأرض ، وهو يجتمع مع الانحناء بجامع الميل ، إلاّ أنّ الميلان في السّجود أكثر بوصول الجبهة إلى الأرض .
ج - الإيماء :
الإيماء هو أن تشير برأسك أو بيدك أو بعينك أو بحاجبك أو بأقلّ من هذا ، كما يومئ المريض برأسه للرّكوع والسّجود . وقد يكون الإيماء بدون انحناءٍ .
الحكم التّكليفيّ :
3 - يختلف حكم الانحناء باختلاف السّبب الباعث عليه :
فقد يكون الانحناء مباحاً ، كالانحناء الّذي يقوم به المسلم في أعماله اليوميّة .
وقد يكون فرضاً في الصّلاة لا تصحّ إلاّ به ، كما هو في الرّكوع في الصّلاة للقادر عليه . وقد نصّ الفقهاء على أنّه يكون على صورةٍ مخصوصةٍ ومقدارٍ معيّنٍ ، وهو عند جمهور الفقهاء بقدر ما يمدّ يديه فتنال ركبتيه عند الشّخص المعتدل القامة . وتفصيل هذا في ( ركوع ) .
وقد يكون محرّماً ، كالانحناء تعظيماً لإنسانٍ أو حيوانٍ أو جمادٍ . وهذا من الضّلالات والجهالات . وقد نصّ الفقهاء على أنّ الانحناء عند الالتقاء بالعظماء ككبار القوم والسّلاطين تعظيماً لهم حرام باتّفاق العلماء . لأنّ الانحناء لا يكون إلاّ للّه تعالى تعظيماً له ، ولقوله لرجلٍ قال له : « يا رسول اللّه ، الرّجل منّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له ؟ قال صلى الله عليه وسلم : لا » .
أمّا إن كان ذلك الانحناء مجرّد تقليدٍ للمشركين ، دون قصد التّعظيم للمنحنى له فإنّه مكروه ، لأنّه يشبه فعل المجوس . قال ابن تيميّة : الانحناء للمخلوق ليس من السّنّة ، وإنّما هو مأخوذ من عادات بعض الملوك والجاهلين .
أمّا لو أكره على الانحناء للسّلطان وغيره فتجري عليه أحكام الإكراه بشروطه ، لما فيه من معنى الكفر . وتفصيله في بحث ( إكراه ) .
انحناء المصلّي أثناء القيام :
القيام المطلوب في الصّلاة وغيرها قد يعتريه شيء من الانحناء لسببٍ أو آخر ، فإن كان قليلاً بحيث يبقى اسم القيام موجوداً ، ولا يصل إلى حدّ الرّكوع المطلوب في الصّلاة فإنّه لا يخلّ بصفة القيام المطلوب في الصّلاة عند جمهور الفقهاء ، وقد سمّاه الحنفيّة قياماً غير تامٍّ . واختلفوا في اقتداء المستوي خلف الأحدب ، فقال الحنفيّة والشّافعيّة بجوازه ، وقيّده بعض الحنفيّة بأن لا تبلغ حدبته حدّ الرّكوع ، وتمييز قيامه عن ركوعه ، وقال المالكيّة بجوازه مع الكراهة ، ومنعه الحنابلة مطلقاً .

اندراس *
التّعريف :
1 - الاندراس : مصدر اندرس ، وأصل الفعل درس ، يقال : درس الشّيء ، واندرس أي : عفا وخفيت آثاره ، ومثله الانمحاء بمعنى ذهاب الأثر .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن هذا ، حيث يستعمله الفقهاء في ذهاب معالم الشّيء وبقاء أثره فقط .
الألفاظ ذات الصّلة :
الإزالة - والزّوال :
2 - الإزالة لغةً : مصدر أزلته إذا نحّيته فزال . ومن معاني الزّوال الهلاك والانتهاء . تقول : زال ملك فلانٍ إذا انتهى ، ولا يكون الزّوال إلاّ بعد الاستقرار والثّبوت ، فالزّوال على هذا يشترك مع الاندراس في الانتهاء ، وإن كان يفترق عنه ، فيطلق على تنحية الشّيء من مكان إلى آخر مع بقاء ذاته . ولا يخرج الاستعمال الفقهيّ عن هذه المعاني .
الحكم الإجماليّ :
للاندراس أحكام تختلف بحسب موضوعه :
أ - اندراس المساجد :
3 - الكلام عن الاندراس في المسجد يتناول ما إذا استغنى النّاس عن المسجد بأن يخلو عن المصلّين في المحلّة ، أو أن يخرب بحيث لا ينتفع به بالكلّيّة ، فذهب أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ ، وهي الرّواية المرجوحة عن أحمد ، ورواية عن أبي يوسف إلى أنّه يبقى مسجداً ، ولا يباح ولا يرجع إلى الواقف ، بل يبقى مسجداً عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلى قيام السّاعة . وذهب محمّد بن الحسن إلى أنّه يعود ملكاً للواقف أو ورثته .
وذهب الحنابلة في الرّواية الرّاجحة عن أحمد ، وهي الرّواية الأخرى عن أبي يوسف إلى جواز بيع بعضه لإصلاح باقيه ، إن أمكن ذلك ، وإن لم يمكن الانتفاع بشيءٍ منه بيع جميعه ، ووضع ثمنه في مسجدٍ آخر .
وهذا الحكم في بقعة المسجد ، أمّا أنقاضه فتنقل إلى أقرب مسجدٍ ، فإن لم يحتج إليها توضع في مدرسةٍ ونحوها من أماكن الخيرات .
وقال الحنابلة ، وهو قول بعض المالكيّة : يجوز بيعها ووضع ثمنها في مسجدٍ آخر .
ب - اندراس الوقف :
4 - معنى اندراس الوقف أنّه أصبح بحالةٍ لا ينتفع به بالكلّيّة ، بألاّ يحصل منه شيء أصلاً ، أو لا يفي بمئونته ، كأوقاف المسجد إذا تعطّلت وتعذّر استغلالها . في هذه الصّورة جوّز جمهور الحنفيّة الاستبدال على الأصحّ عندهم إذا كان بإذن القاضي ورأيه لمصلحةٍ فيه . وأمّا المالكيّة فقد أجاز جمهورهم استبدال الوقف المنقول فقط إذا دعت إلى ذلك مصلحة ، وهي الرّواية المشهورة عن مالكٍ . قال الخرشيّ : إنّ الموقوف إذا لم يكن عقاراً - إذا صار لا ينتفع به في الوجه الّذي وقف فيه كالثّوب يخلق ، والفرس يمرض ، وما أشبه ذلك - فإنّه يباع ويشتري مثله ممّا ينتفع به .
وأمّا العقار فقد منع المالكيّة استبداله مع شيءٍ من التّفصيل . ففي المساجد : أجمع المالكيّة على عدم جواز بيعها . وفي الدّور والحوانيت إذا كانت قائمة المنفعة لا يجوز بيعها ، واستثنوا توسيع المسجد أو المقبرة أو الطّريق العامّ فأجازوا بيعه ، لأنّ هذا من المصالح العامّة للأمّة ، واذا لم تبع الأحباس لأجلها تعطّلت ، وأصاب النّاس ضيق ، ومن الواجب التّيسير على النّاس في عبادتهم وسيرهم ودفن موتاهم .
وأمّا الشّافعيّة فقد شدّدوا كثيراً في استبدال العين الموقوفة ، حتّى أوشكوا أن يمنعوه مطلقاً خشية ضياع الوقف أو التّفريط فيه . قال النّوويّ : والأصحّ جواز بيع حصر المسجد إذا بليت ، وجذوعه إذا انكسرت ، ولم تصلح إلاّ للإحراق . ولو انهدم مسجد وتعذّر إعادته لم يبع بحالٍ ، وتصرف غلّة وقفه إلى أقرب المساجد إليه .
ثمّ إنّ المسجد المنهدم لا ينقض إلاّ إذا خيف على نقضه ، فينقض ويحفظ أو يعمّر به مسجد آخر إن رآه الحاكم ، والأقرب إليه أولى ، ولا يصرف نقضه لنحو بئرٍ وقنطرةٍ ورباطٍ . واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم : « لا يباع أصلها ولا تبتاع ولا توهب ولا تورث » . وأمّا الحنابلة : فلم يفرّقوا بين عقارٍ ومنقولٍ في جواز الاستبدال وعدمه ، وأخذوا حكم العقار من حكم المنقول ، فكما أنّ الفرس الحبيسة على الغزو إذا كبرت ولم تصلح للغزو ، وصلحت لشيءٍ آخر يجوز بيعها ، فكذلك يقاس المنقول الآخر وغير المنقول عليها . فبيع المسجد للحنابلة لهم فيه روايتان :
الرّواية الأولى : يجوز بيع المسجد إذا صار المسجد غير صالحٍ للغاية المقصودة منه ، كأن ضاق المسجد ، أو خربت النّاحية ، وحينئذٍ يصرف ثمنه في إنشاء مسجدٍ آخر يحتاج إليه في مكان آخر . قال ابن قدامة : إنّ الوقف إذا خرب وتعطّلت منافعه ، كدارٍ انهدمت ، أو أرضٍ خربت وعادت مواتاً ولم تمكن عمارتها ، أو مسجدٍ انتقل أهل القرية عنه وصار في موضعٍ لا يصلّى فيه ، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه ، أو تشعّب جميعه ، ولم تمكن عمارته ، ولا عمارة بعضه إلاّ ببيع بعضه ، جاز بيع بعضه لتعمّر به بقيّته ، وإن لم يمكن الانتفاع بشيءٍ منه بيع جميعه .
والرّواية الثّانية : لا يجوز بيع المساجد . روى عليّ بن سعيدٍ أنّ المساجد لا تباع وإنّما تنقل آلتها . وقد رجّح ابن قدامة الرّواية الأولى .
ج - اندراس قبور الموتى :
5 - ذهب جماهير العلماء إلى أنّ الميّت المسلم إذا بلي وصار تراباً جاز نبش قبره ودفن غيره فيه ، أمّا إذا بقي شيء من عظامه - غير عجب الذّنب - فلا يجوز نبشه ولا الدّفن فيه لحرمة الميّت ، ويعرف ذلك أهل الخبرة . إلاّ أنّ صاحب التتارخانية من الحنفيّة يرى أنّ الميّت إذا صار تراباً في القبر يكره دفن غيره في قبره ، لأنّ الحرمة باقية .
قال ابن عابدين معقّباً على هذا : لكن في ذلك مشقّة عظيمة ، فالأولى إناطة الجواز بالبلى ، إذ لا يمكن أن يعدّ لكلّ ميّتٍ قبر لا يدفن فيه غيره وإن صار الأوّل تراباً لا سيّما في الأمصار الكبيرة الجامعة ، وإلاّ لزم أن تعمّ القبور السّهل والوعر . على أنّ المنع من الحفر إلى ألاّ يبقى عظم عسر جدّاً ، وإن أمكن ذلك لبعض النّاس ، لكن الكلام في جعله حكماً عامّاً لكلّ أحدٍ . واختلفوا في جواز الحرث والزّراعة والبناء في المقبرة المندرسة ، فأجازه الحنفيّة والحنابلة ، ومنعه المالكيّة ، ولم نعثر على نصٍّ للشّافعيّة في ذلك . وأمّا قبور المشركين فذهب الفقهاء إلى جواز نبشها ، ليتّخذ مكانها مسجداً ، لأنّ موضع مسجد النّبيّ كان قبوراً للمشركين .
إحياء المندرس :
6 - سبق في إحياء الموات - من أبحاث الموسوعة - أنّ من أحيا أرضاً ميّتةً ثمّ تركها حتّى ، اندرست ، فهل تصير مواتاً إذا أحياها غيره ملكها ، أو تبقى على ملك الأوّل ؟
ذهب الشّافعيّة والحنابلة ، وهو أصحّ القولين عند الحنفيّة ، وأحد أقوالٍ ثلاثةٍ عند المالكيّة إلى أنّها تبقى على ملك الأوّل ، ولا يملكها الثّاني بالإحياء ، مستدلّين بقوله صلى الله عليه وسلم : « من أحيا أرضاً ميّتةً ليست لأحدٍ فهي له » . ولأنّ هذه أرض يعرف مالكها فلم تملك بالإحياء ، كالّتي ملكت بشراءٍ أو عطيّةٍ .
وفي قولٍ ثانٍ للمالكيّة ، وهو قول عند الحنفيّة : إنّ الثّاني يملكها ، قياساً على الصّيد ، إذا أفلت ولحق بالوحش وطال زمانه ، فهو للثّاني . وفي قولٍ ثالثٍ للمالكيّة : التّفريق بين أن يكون الأوّل أحياه أو اختطّه أو اشتراه ، فإن كان الأوّل أحياه كان الثّاني أحقّ به ، وإن كان الأوّل اختطّه أو اشتراه كان الأوّل أحقّ به .

إنذار *
التّعريف :
1 - الإنذار لغةً : مصدر أنذره الأمر ، إذا أبلغه وأعلمه به ، وأكثر ما يستعمل في التّخويف ، يقال : أنذره إذا خوّفه وحذّر بالزّجر عن القبيح .
وفي تفسير القرطبيّ : لا يكاد الإنذار يكون إلاّ في تخويفٍ يتّسع مع زمانه للاحتراز ، فإن لم يتّسع زمانه للاحتراز كان إشعاراً ، ولم يكن إنذاراً .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:33 PM

الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإعذار :
2 - العذر : الحجّة الّتي يعتذر بها ، والجمع أعذار ، وأعذر إعذاراً : أبدى عذراً ، ويكون أعذر بمعنى اعتذر ، وأعذر ثبت له عذر . وفي التّبصرة : الإعذار المبالغة في العذر ، ومنه : قد أعذر من أنذر ، أي قد بالغ في الإعذار من تقدّم إليك فأنذرك .
وقال ابن عرفة : الإعذار سؤال الحاكم من توجّه عليه الحكم : هل له ما يسقطه ؟ وإذن ، فالإنذار يمكن أن يكون إعذاراً إن كان فيه إثبات الحجّة للمنذر ، ودحض حجّة المنذر إذا ما وقع به الضّرر .
ب - النّبذ :
3 - النّبذ : طرح الشّيء ، والنّبذ : إعلام العدوّ بترك الموادعة ، وقوله تعالى : { فانبذ إليهم } أي قل لهم : قد نبذت إليكم عهدكم ، وأنا مقاتلكم ، ليعلموا ذلك .
فالنّبذ مقصود به طرح العهد وعدم الالتزام به . والأمر بالنّبذ في الآية الكريمة يجمع بين الأمرين : طرح العهد ، وإعلامهم بذلك . فهو نوع من الإنذار .
ج - المناشدة :
4 - نشد الضّالّة : طلبها وعرّفها ، ونشدتك اللّه : أي سألتك باللّه ، والمناشدة : المطالبة باستعطافٍ ، وناشده مناشدةً : حلّفه ، وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّي أنشدك عهدك ... » أي أذكّرك ما عاهدتني به ووعدتني وأطلبه منك .
والمناشدة أيضاً تكون بمعنى الإنذار ، لكن مع الاستعطاف ، وهو طلب الكفّ عن الفعل القبيح ، يقول الفقهاء : يقاتل المحارب ( أي قاطع الطّريق ) جوازاً ، ويندب أن يكون قتاله بعد المناشدة ، بأن يقال له ( ثلاث مرّاتٍ ) : ناشدتك اللّه إلاّ ما خلّيت سبيلي .
الحكم الإجماليّ :
5 - يختلف حكم الإنذار باختلاف مواضعه : فقد يكون واجباً : وذلك كإنذار الأعمى مخافة أن يقع في محذورٍ ، كخوف وقوعه في بئرٍ ، فإنّه يجب على من رآه - ولو كان في صلاةٍ - أن يحذّره خشية الضّرر .
وكإنذار الكفّار الّذين لم تبلغهم الدّعوة ، فيحرم الإقدام على قتالهم قبل إبلاغهم بالدّعوة الإسلاميّة . وكإنذار المرتدّ عند من يقول بالوجوب كالحنابلة وغيرهم من العلماء .
وقد يكون مستحبّاً : كإنذار الكفّار الّذين بلغتهم الدّعوة ، فإنّه يستحبّ دعوتهم إلى الإسلام مبالغةً في الإنذار . وكإنذار المرتدّ ، فإنّه يستحبّ أن يستتاب ثلاثة أيّامٍ يوعظ فيها ويخوّف لعلّه يرجع ويتوب . وكتنبيه الإمام في الصّلاة إذا همّ بترك مستحبٍّ .
وقد يكون مباحاً : كإنذار الزّوجة النّاشز بالوعظ أو بغيره كما ورد في الآية الكريمة { واللّاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ ... } الآية . وكإنذار صاحب الحائط المائل .
وقد يكون حراماً : كما إذا كان في الإنذار ضرر أشدّ من ضرر المنكر الواقع .
ما يكون به الإنذار :
6 - الإنذار قد يكون بالقول ، وذلك كوعظ المتشاجرين ، واستتابة المرتدّ ، وعرض الدّعوة على الكفّار ، ووعظ الزّوجة النّاشز .
وقد يكون الإنذار بالفعل في أحوالٍ منها :
أ - أن يكون الكلام غير جائزٍ ، كمن كان في الصّلاة ورأى رجلاً عند بئرٍ ، أو رأى عقرباً تدبّ إلى إنسانٍ ، وأمكن تحذيره بغمزه أو لكزه ، فإنّه لا يجوز الكلام حينئذٍ .
وهناك صورة أخرى للتّحذير بيّنها النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهي - لمن كان في الصّلاة ورأى ما يجب التّحذير منه - أن يسبّح الرّجل وتصفّق المرأة ، ففي البخاريّ : « يا أيّها النّاس : ما لكم حين نابكم شيء في الصّلاة أخذتم في التّصفيق ؟ إنّما التّصفيق للنّساء » ، وفي هذا صورة التّحذير بالفعل بدل القول بالنّسبة للمرأة الّتي في الصّلاة .
ب - أن يكون الكلام غير مجدٍ ، وذلك إذا لم تفلح طريقة الوعظ بالنّسبة للزّوجة النّاشز ، فللزّوج بعد الوعظ أن يهجرها ، فإن لم يفلح الهجر ضربها ضرباً خفيفاً . وكتغيير المنكر باليد لمن يملك ذلك ، عملاً بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » .
من له حقّ الإنذار :
7 - الإنذار في الغالب يكون تحذيراً من شيءٍ ضارٍّ أو عملٍ غير مشروعٍ ، وكلّ ما كان كذلك فهو من حقّ كلّ مسلمٍ ، عملاً بقوله تعالى : { ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » .
وقد ذكر الفقهاء ذلك تحت عنوان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وهو فرض كفايةٍ بشروطه الخاصّة . ر : ( أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ) .
ويتعيّن الإنذار بالنّسبة لوالي الحسبة ، لأنّه خصّص من قبل الإمام لذلك . ر : ( حسبة ) . وتثبت ولاية الحسبة للزّوج والمعلّم والأب . ر : ( حسبة - ولاية ) .
مواطن البحث :
يأتي الإنذار في كلّ ما هو ضارّ أو غير مشروعٍ ، ومسائله متعدّدة في أبواب الفقه ، ومن ذلك : إنذار تارك الصّلاة ، في باب الصّلاة وهكذا بقيّة العبادات . وفي الجنايات في الصّيال ، والحائط المائل ، وفعل ما يضرّ بالمسلمين . وفي باب الأذان ، وهل يجوز قطعه لإنذار غيره . في باب الجمعة حكم قطع الخطبة للإنذار وحكم إنذار المستمع لغيره .
وفي حكم الجوار ، وفي القضاء بالنّسبة للشّهود ، وفي إنذار الزّوج الغائب قبل التّفريق لعدم الإنفاق . وغير ذلك .

إنزاء *
التّعريف :
1 - الإنزاء لغةً : حمل الحيوان على النّزو ، وهو : الوثب ، ولا يقال إلاّ للشّاء ، والدّوابّ ، والبقر ، في معنى السّفاد . ولا يختلف معناه عند الفقهاء عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - عسب الفحل :
2 - قيل هو : الكراء الّذي يؤخذ على ضراب الفحل ، وقيل : هو ضرابه ، وقيل : ماؤه .
الحكم الإجماليّ :
3 - الإنزاء الّذي لا يضرّ - كالإنزاء على مثله أو نحوه أو مقاربه - جائز ، كخيلٍ بمثلها أو بحميرٍ ، أمّا إذا كان يضرّ - كإنزاء الحمير على الخيل - فإنّ من الفقهاء من كرهه ، أخذاً بحديث عليٍّ رضي الله عنه قال : « أهديت لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم بغلة فركبها ، فقلت لو حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذه ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّما يفعل ذلك الّذين لا يعلمون » . وقالوا : وسبب النّهي أنّه سبب لقلّة الخيل وضعفها . قال الخطّابيّ : يشبه أن يكون المعنى في ذلك واللّه أعلم - أنّ الحمر إذا حملت على الخيل تعطّلت منافع الخيل ، وقلّ عددها ، وانقطع نماؤها . والخيل يحتاج إليها للرّكوب والطّلب ، وعليها يجاهد العدوّ وبها تحرز الغنائم ، ولحمها مأكول ، ويسهم للفرس كما يسهم للفارس ، وليس للبغل شيء من هذه الفضائل ، فأحبّ صلى الله عليه وسلم أن ينمو عدد الخيل ويكثر نسلها لما فيها من النّفع والصّلاح . ولكن قد يحتمل أن يكون حمل الخيل على الحمر جائزاً ، لأنّ الكراهة في هذا الحديث إنّما جاءت في حمل الحمر على الخيل ، لئلاّ تشغل أرحامها بنسل الحمر ، فيقطعها ذلك عن نسل الخيل ، فإذا كانت الفحولة خيلاً والأمّهات حمراً فقد يحتمل أن لا يكون داخلاً في النّهي ، إلاّ أن يتأوّل متأوّل ، أنّ المراد بالحديث صيانة الخيل عن مزاوجة الحمر ، وكراهة اختلاط مائها ، لئلاّ يضيع طرقها ، ولئلاّ يكون منه الحيوان المركّب من نوعين مختلفين ، فإنّ أكثر المركّبات المتولّدة بين جنسين من الحيوان أخبث طبعاً من أصولها الّتي تتولّد منها وأشدّ شراسةً كالسّمع ، والعسبار ونحوهما ، وكذلك البغل لما يعتريه من الشّماس والحران والعضاض ، ونحوها من العيوب والآفات ، ثمّ هو حيوان عقيم ليس له نسل ولا نماء ولا يذكّى ولا يزكّى .
قلت : وما أرى هذا الرّأي طائلاً ، فإنّ اللّه سبحانه قال : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً } فذكر البغال وامتنّ علينا . بها كامتنانه بالخيل والحمير ، وأفرد ذكرها بالاسم الخاصّ الموضوع لها ، ونبّه على ما فيها من الإرب والمنفعة ، والمكروه من الأشياء مذموم لا يستحقّ المدح ولا يقع بها الامتنان ، وقد « استعمل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم البغل واقتناه ، وركبه حضراً وسفراً ، وكان يوم حنينٍ على بغلته رمى المشركين بالحصباء . وقال : شاهت الوجوه فانهزموا » ، ولو كان مكروهاً لم يقتنه ولم يستعمله واللّه أعلم . والحنفيّة أجازوا إنزاء الحمير على الخيل وعكسه .
مواطن البحث :
4 - بالإضافة إلى ما تقدّم تكلّم الشّافعيّة في امتناع الإنزاء على الدّابّة المرهونة ، إلاّ إن ظنّ أنّها تلد قبل حلول الدّين . ويفصّل الفقهاء ذلك في باب ( الرّهن ) ، وينظر حكم الإجارة على الإنزاء في مصطلح ( عسب الفحل ) .

إنزال *
التّعريف :
1 - الإنزال لغةً : مصدر أنزل : وهو من النّزول ، ومن معناه الانحدار من علوٍ إلى سفلٍ ، ومنه إنزال الرّجل ماءه إذا أمنى بجماعٍ أو غيره .
وفي الاصطلاح : يطلق الإنزال على خروج ماء الرّجل أو المرأة بجماعٍ أو احتلامٍ أو نظرٍ أو غيره .
الألفاظ ذات الصّلة :
الاستمناء :
2 - الاستمناء لغةً : طلب خروج المنيّ ، واصطلاحاً : إخراج المنيّ بغير جماعٍ ، محرّماً كان أو غير محرّمٍ .
فالاستمناء على هذا أخصّ من الإنزال ، لأنّ الإنزال خروج المنيّ بالجماع أو غيره .
أسباب الإنزال :
3 - يكون الإنزال بالجماع ، أو باليد ، أو بالمداعبة ، أو النّظر ، أو الفكر ، أو الاحتلام .
الحكم الإجماليّ :
4 - تختلف أحكام الإنزال باختلاف مواطنه ، فيكون حلالاً للرّجل والمرأة إذا كان بنكاحٍ صحيحٍ ، أو ملك يمينٍ . ويكون حراماً إذا كان في غير ذلك .
وكلا الإنزالين يكون حراماً في الجملة إذا كان في نهار رمضان .
ويكون حراماً بالنّسبة للمحرم بحجٍّ أو عمرةٍ .
ويحرم في الاعتكاف الواجب الإنزال ، أو فعل ما يؤدّي إليه كلمسٍ وقبلةٍ .
الإنزال بالاستمناء :
5 - اختلف الفقهاء في حكم الإنزال بالاستمناء على أقوالٍ ما بين الحرمة والكراهة ، والجواز والوجوب في حال الضّرورة . وتفصيله في مصطلح : ( استمناء ج 4 /99 ) والإنزال بالاستمناء ، يبطل الصّوم عند جمهور الفقهاء ، وخالف في ذلك أبو بكر بن الإسكاف وأبو القاسم من الحنفيّة ، فقالا بعدم إبطال الصّوم .
وفي وجوب الكفّارة خلاف يرجع إليه في ( صوم ) .
ويبطل الإنزال باليد الاعتكاف ، وفي هذا تفصيل يرجع إليه في مصطلح : ( استمناء ) . والإنزال بالاستمناء لا يفسد الحجّ والعمرة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لكن يجب فيه دم ، لأنّه كالمباشرة فيما دون الفرج في التّحريم والتّعزير ، فكان بمنزلتها في الجزاء ، أمّا المالكيّة فقالوا بفساد الحجّ والعمرة به ، وأوجبوا القضاء والكفّارة ، ولو كان ناسياً ، لأنّه أنزل بفعلٍ محظورٍ ، وتفصيله في ( الاستمناء ) أيضاً .
وفي الإنزال بالنّظر أو الفكر وأثره على الصّوم أو الاعتكاف أو الحجّ خلاف وتفصيل ينظر في مبحث ( الاستمناء ) . والإنزال بالتّفكّر حكمه حكم الإنزال بالنّظر على الخلاف السّابق .
الإنزال بالاحتلام :
6 - الإنزال بالاحتلام لا يبطل الصّوم ، ولا يوجب قضاءً أو كفّارةً ، ولا يفسد الحجّ ولا يلزم به فدية ، ولا يبطل الاعتكاف .
ويعرف الإنزال في الاحتلام بعلاماتٍ معيّنةٍ ، بوجود منيٍّ في ثوب نومه أو فراشه ، أو بللٍ من أثره . فإذا احتلم ولم ينزل فلا غسل عليه ، أجمع على ذلك الفقهاء ، وإذا أنزل فعليه الغسل . وإن وجد منيّاً ولم يذكر احتلاماً فعليه الغسل ، على خلافٍ وتفصيلٍ ينظر في مصطلح : ( احتلام ) .
حكم الاغتسال من الإنزال :
7 - اتّفق الفقهاء على أنّ المنيّ إذا نزل على وجه الدّفق والشّهوة يجب منه الغسل ، أمّا إذا نزل لا على وجه الدّفق والشّهوة فلا يجب منه الغسل عند الجمهور ، وذهب الشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد وقول للمالكيّة إلى وجوب الغسل بذلك ، فإذا سكنت الشّهوة قبل خروج المنيّ إلى الظّاهر ثمّ نزل ففيه خلاف يرجع إليه في مصطلح : ( غسل ) .
إنزال المرأة :
8 - المرأة كالرّجل في الأحكام الّتي تترتّب على إنزال المنيّ ، لما روى مسلم أنّ أمّ سليمٍ حدّثت أنّها « سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم : المرأة ترى في منامها ما يرى الرّجل ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل » .
وفي لفظٍ أنّها قالت : « هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت ؟ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : نعم إذا رأت الماء » .
فخروج المنيّ بشهوةٍ في يقظةٍ أو نومٍ يوجب الغسل على الرّجل والمرأة ، وهذا باتّفاقٍ . ومثل ذلك سائر الأحكام في الصّيام والاعتكاف والحجّ على ما سبق بيانه .
إلاّ أنّ الفقهاء يختلفون فيما يتحقّق به نزول المنيّ من المرأة لترتّب الأحكام عليه .
ويتحقّق ذلك بوصول المنيّ إلى المحلّ الّذي تغسله في الاستنجاء ، وهو ما يظهر عند جلوسها وقت قضاء الحاجة ، وهذا هو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وبهذا قال المالكيّة عدا سندٍ ، والحنابلة الشّافعيّة بالنّسبة للثّيّب . وقال سند من المالكيّة : إنّ بروز المنيّ من المرأة ليس شرطاً ، بل مجرّد الانفصال عن محلّه يوجب الغسل ، لأنّ عادةً منيّ المرأة ينعكس إلى الرّحم ليتخلّق منه الولد ، وهذا ما يقابل ظاهر الرّواية عند الحنفيّة .
وقال الشّافعيّة في البكر : لا يجب عليها الغسل حتّى يخرج المنيّ من فرجها ، لأنّ داخل فرجها في حكم الباطن ر : ( انظر : احتلام ) .
إنزال المنيّ لمرضٍ أو بردٍ ونحو ذلك :
9 - يرى جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) أنّ خروج المنيّ لغير لذّةٍ وشهوةٍ ، بأن كان بسبب بردٍ أو مرضٍ ، أو ضربةٍ على الظّهر ، أو سقوطٍ من علوٍ ، أو لدغة عقربٍ ، أو ما شابه ذلك ، لا يوجب الغسل ، ولكن يوجب الوضوء .
أمّا الشّافعيّة فإنّه يجب الغسل عندهم بخروج المنيّ ، سواء أكان بشهوةٍ ولذّةٍ ، أم كان بغير ذلك ، بأن كان لمرضٍ ونحوه ممّا سبق ، وهذا إذا خرج المنيّ من المخرج المعتاد ، وكذا الحكم إذا خرج من غير مخرجه المعتاد وكان مستحكماً ، أمّا إذا لم يكن مستحكماً مع خروجه من غير المخرج المعتاد فلا يجب الغسل .

انسحاب *
التّعريف :
1 - الانسحاب لغةً : مصدر انسحب ، مطاوع سحب ، أي جرّ .
ويراد به عند الفقهاء والأصوليّين امتداد الفعل في أوقاتٍ متتاليةٍ امتداداً اعتباريّاً ، كحكمنا على نيّة المتوضّئ بالانسحاب في جميع أركان الوضوء ، إذا نوى في أوّل الرّكن الأوّل ، ثمّ ذهل عنها بعد في بقيّة الأركان . وكذا الحكم في العزم على امتثال المأمور في الواجب الموسّع في أجزاء الوقت بمجرّد العزم الأوّل .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستصحاب :
2 - الاستصحاب في اللّغة : ملازمة الشّيء شيئاً آخر . تقول استصحبت الكتاب وغيره : إذا حملته بصحبتك . ومن هنا قيل : استصحبت الحال : إذا تمسّكت بما كان ثابتاً ، كأنّك جعلت تلك الحالة مصاحبةً غير مفارقةٍ .
واستصحاب الحال عند الأصوليّين معناه : إبقاء ما كان على ما كان عليه لانعدام المغيّر . وقد استعمل الفقهاء الاستصحاب بمعناه اللّغويّ حيث قالوا : إنّ الذّهول عن استمرار النّيّة في الوضوء بعد استحضارها مغتفر لمشقّة استصحابها .
ب - الانجرار :
3 - الانجرار : مصدر انجرّ ، مطاوع جرّ . وهو بمعنى الانسحاب في اللّغة ، والفقهاء جرت عادتهم بالتّعبير بالانجرار في باب الولاء ، ومرادهم به : انتقال الولاء من مولًى إلى آخر بعد بطلان ولاء الأوّل ، وعبّروا بالانسحاب أو الاستصحاب في مباحث النّيّة والعزم على العبادة في الوقت الموسّع .
الحكم الإجماليّ :
أ - الانسحاب عند الأصوليّين :
4 - إذا كان الواجب موسّعاً فجميع الوقت وقت لأدائه ، فيتخيّر المكلّف أن يأتي به في أيّ وقتٍ شاء من وقته المقدّر له شرعاً . والواجب عليه في كلّ وقتٍ إمّا الفعل أو العزم على الفعل ، ولا يجب تجديد العزم في كلّ جزءٍ من أجزاء الوقت ، بل يكفي العزم في أوّل الوقت ، ثمّ ينسحب هذا العزم على بقيّة الأجزاء إلى أن يتضيّق الوقت ، على خلافٍ وتفصيلٍ محلّهما الملحق الأصوليّ .
ب - الانسحاب عند الفقهاء :
5 - الأصل في العبادة الواحدة ذات الأفعال المتعدّدة أن يكتفي بالنّيّة في أوّلها ، ولا يحتاج إلى تجديدها في كلّ فعلٍ ، اكتفاءً بانسحابها عليها . فعند الحنفيّة ، قال في الدّرّ المختار : المعتمد إنّ العبادة ذات الأفعال تنسحب نيّتها على كلّها .
قال ابن عابدين : واحترز بذات الأفعال عمّا هي فعل واحد كالصّوم ، فإنّه لا خلاف في الاكتفاء بالنّيّة في أوّله ، ويرد عليه الحجّ ، فإنّه ذو أفعالٍ منها طواف الإفاضة لا بدّ فيه من أصل نيّة الطّواف ، وإن لم يعيّنه عن الفرض ، حتّى لو طاف نفلاً في أيّامه وقع عنه ، والجواب أنّ الطّواف عبادة مستقلّة في ذاته كما هو ركن للحجّ ، فباعتبار ركنيّته يندرج في نيّة الحجّ ، فلا يشترط تعيينه ، وباعتبار استقلاله اشترط فيه أصل نيّة الطّواف ، حتّى لو طاف هارباً أو طالباً لغريمٍ لا يصحّ ، بخلاف الوقوف بعرفة ، فإنّه ليس بعبادةٍ إلاّ في ضمن الحجّ ، فيدخل في نيّته ، وعلى هذا الرّمي والحلق والسّعي . وأيضاً فإنّ طواف الإفاضة يقع بعد التّحلّل بالحلق ، حتّى إنّه يحلّ له سوى النّساء ، وبذلك يخرج من الحجّ من وجهٍ دون وجهٍ ، فاعتبر فيه الشّبهان .
مواطن البحث :
6 - ذكر الأصوليّون الانسحاب في الكلام على الواجب الموسّع من مباحث الأحكام ، كما ذكره الفقهاء في كلامهم على النّيّة في العبادات في كتب الفروع ، وكتب الأشباه والنّظائر .

نهاية الجزء السادس / الموسوعة الفقهية

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:34 PM

الموسوعة الفقهية / الجزء السابع

إنشاء*
التّعريف :
1- الإنشاء : لغةً ابتداء الشّيء ، ورفعه ، ومنه قوله تعالى : { وهو الّذي أنشأ جَنّاتٍ معروشاتٍ وغيرَ معروشاتٍ } وفعله المجرّد : نشأ ينشأ ، ومنه نشأ السّحاب نشئاً ونشوءاً : إذا ارتفع وبدا . وقوله تعالى : { وله الجَوَار المنشئات في البحر كالأعلام } قال الزّجّاج والفرّاء : المنشئات : السّفن المرفوعة الشّرع .
والإنشاء عند أهل الأدب ، قال القلقشنديّ : هو كلّ ما رجع من صناعة الكتابة إلى تأليف الكلام وترتيب المعاني .
وأمّا في اصطلاح البيانيّين والأصوليّين فالإنشاء أحد قسمي الكلام ، إذ الكلام عندهم إمّا : خبر أو إنشاء . فالخبر هو : ما احتمل الصّدق والكذب لذاته ، كقام زيد ، وأنت أخي . والإنشاء : الكلام الّذي لا يحتمل الصّدق والكذب ، إذ ليس له في الخارج نسبة تطابقه أو لا تطابقه . وسمّي إنشاءً لأنّك أنشأته : أي ابتكرته ، ولم يكن له في الخارج وجود .
2 - والإنشاء نوعان :
الأوّل : الإنشاء الطّلبيّ : ويسمّى طلباً ، وهو ما أفاد طلباً بالوضع ، فيطلب به تحصيل غير حاصلٍ في الخارج . فإن كان المطلوب ذكر الماهيّة فهو الاستفهام . وإن كان المطلوب إيجاد الماهيّة فهو أمر ، أو الكفّ عنها فهو نهي . وهكذا .
الثّاني : الإنشاء غير الطّلبيّ .ويذهب بعض الأصوليّين إلى أنّ قسمة الكلام ثلاثيّة ، فهو إمّا خبر ، أو طلب ، أو إنشاء . خصّ أصحاب هذا القول الطّلب بما سمّاه غيرهم الإنشاء الطّلبيّ ، والإنشاء لما عداه ، كألفاظ العقود نحو : بعت واشتريت .
قال التّهانويّ : والمحقّقون على دخول الطّلب في الإنشاء ، وأنّ معنى ( اضرب ) مثلاً وهو طلب الضّرب ، مقترن بلفظه . وأمّا الضّرب الّذي يوجد بعد ذلك فهو متعلّق الطّلب ، لا الطّلب نفسه . هذا ، ويدخل في الإنشاء الطّلبيّ : الأمر والنّهي والاستفهام والتّمنّي والنّداء . ويدخل في الإنشاء غير الطّلبيّ أفعال المدح والذّمّ ، وفعلا التّعجّب ، والقسم .
3 - واختلف الفقهاء والأصوليّون في ألفاظ العقود كبعت واشتريت ، وألفاظ الفسوخ كطلّقت وأعتقت ، ونحوها كظاهرت ، وصيغ قضاء القاضي كقوله : حكمت بكذا ، أهي خبر أم إنشاء ، ومحلّ الخلاف ليس ما أريد به الإخبار عن عقدٍ سابقٍ أو تصرّفٍ سابقٍ ، كقول القائل : أعتقت عبدي أمس ، ووقفت داري اليوم ، بل الخلاف فيما أريد به إنشاء العقد أو التّصرّف ، أي اللّفظ الموجب لذلك ، وهو الإيجاب والقبول في العقد ، كبعت واشتريت مثلاً .
فقال الشّافعيّة : هي إنشاء : لأنّ دلالة لفظ ( بعت ) مثلاً على المعنى الموجب للبيع ، وهو الحادث في الذّهن عند إحداث البيع ، هي دلالة بالعبارة ، فهو منقول عرفاً عن المعنى الخبريّ إلى الإنشاء ، قالوا : ولو كانت خبراً لكانت محتملةً للتّصديق والتّكذيب . ولكنّها لا تحتملهما ، ولكان لها خارج تطابقه أو لا تطابقه .
وعند الحنفيّة : هي إخبار : لأنّ دلالتها بالاقتضاء لا بالعبارة . ووجه كون دلالتها بالاقتضاء : أنّها حكاية عن تحصيل البيع ، وهو متوقّف على حصول المعنى الموجب للبيع . فالمعنى الموجب لازم متقدّم ، أمّا العبارة فهي : إخبار عن ذلك المعنى . واحتجّوا بأنّ الصّيغة موضوعة للإخبار ، والنّقل عنه إلى الإنشاء لم يثبت .
ورجّح التّهانويّ - وهو حنفيّ - قول الشّافعيّة . وهو قول البيانيّين أيضاً . وينظر تفصيل القول في هذا الملحق الأصوليّ .

انشغال الذّمّة *
انظر : ذمّة .

أنصاب *
التّعريف :
1 - الأنصاب : جمع مفرده نصب ، وقيل : النّصب جمع مفرده نصاب ، والنّصب : كلّ ما نصب فجعل علماً . وقيل : النّصب هي الأصنام . وقيل : النّصب كلّ ما عبد من دون اللّه ، قال الفرّاء : كأنّ النّصب الآلهة الّتي كانت تعبد من أحجارٍ .
والأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهلّ ويذبح عليها لغير اللّه تعالى ، وروى مثل ذلك عن مجاهدٍ وقتادة وابن جريجٍ ، قالوا : إنّ النّصب أحجار منصوبة كانوا يعبدونها ويقرّبون الذّبائح لها .
الألفاظ ذات الصّلة :
الأصنام والأوثان :
2 - الأصنام : جمع صنمٍ ، والصّنم : قيل هو الوثن المتّخذ من الحجارة أو الخشب ، ويروى ذلك عن ابن عبّاسٍ .
وقيل الصّنم : جثّة من فضّةٍ أو نحاسٍ أو خشبٍ كانوا يعبدونها متقرّبين بها إلى اللّه تعالى . وقيل : الصّنم ما كان على صورة حيوانٍ .
وقيل : كلّ ما عبد من دون اللّه تعالى يقال له صنم . والفرق بين الأنصاب والأصنام ، أنّ الأصنام مصوّرة منقوشة ، وليس كذلك الأنصاب لأنّها حجارة منصوبة .
وفي أحكام القرآن للجصّاص : الوثن كالنّصب سواء ، ويدلّ على أنّ الوثن اسم يقع على ما ليس بمصوّرٍ ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعديّ بن حاتمٍ حين جاءه وفي عنقه صليب : « ألق هذا الوثن من عنقك » فسمّى الصّليب وثناً ، فدلّ ذلك على أنّ النّصب والوثن اسم لما نصب للعبادة ، وإن لم يكن مصوّراً ولا منقوشاً ، فعلى هذا الرّأي تكون الأنصاب كالأوثان في أنّها غير مصوّرةٍ . وعلى الرّأي الأوّل يكون الفرق بين الأنصاب والأوثان أنّ الأنصاب غير مصوّرةٍ ، والأوثان مصوّرة .
التّماثيل :
3 - التّماثيل : جمع تمثالٍ ، وهو الصّورة من حجرٍ أو غيره سواء عبد من دون اللّه أم لم يعبد .
أنصاب الحرم :
4 - حرم مكّة هو ما أحاط بها من جوانبها ، جعل اللّه حكمه حكمها في الحرمة .
وللحرم علامات مبيّنة ، وهي أنصاب مبنيّة في جميع جوانبه قيل أوّل من نصبها إبراهيم الخليل عليه السلام بدلالة جبريل له ، فقيل نصبها إسماعيل عليه السلام . ثمّ تتابع ذلك حتّى نصبها النّبيّ صلى الله عليه وسلم عام الفتح ، ثمّ الخلفاء من بعده . ( ر : أعلام الحرم ) .
والفرق بينها وبين أنصاب الكفّار : أنّ أعلام الحرم علامات تبيّن حدود الحرم دون تقديسٍ أو عبادةٍ ، أمّا أنصاب الكفّار فكانت تقدّس ويتقرّب بها لغير اللّه ويذبح عليها .
حكم الذّبح على النّصب :
5 - الذّبح على النّصب كان عادةً من عادات أهل الجاهليّة ، ينصبون الأحجار ويقدّسونها ويتقرّبون إليها بالذّبائح . وقد بيّن اللّه تعالى أنّ هذه الذّبائح لا تحلّ . قال اللّه تعالى : { حرّمت عليكم الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع إلاّ ما ذكّيتم وما ذبح على النّصب } .
قال ابن جريجٍ : المعنى : والنّيّة فيها تعظيم النّصب .
وقال ابن زيدٍ : ما ذبح على النّصب وما أهلّ به لغير اللّه شيء واحد .
وقال ابن عطيّة : ما ذبح على النّصب جزء ممّا أهلّ به لغير اللّه ، ولكن خصّ بالذّكر بعد جنسه لشهرة الأمر .
حكم صنعها وبيعها واقتنائها :
6 - الأنصاب بالمعنى العامّ الشّامل لكلّ ما صنع ليعبد من دون اللّه تعتبر رجساً من عمل الشّيطان كما ورد في الآية الكريمة : { إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشّيطان فاجتنبوه } . وكلّ ما حرّمه اللّه تعالى يحرم صنعه وبيعه واقتناؤه .
وقد اتّفق الفقهاء على أنّ صنعة التّصاوير المجسّدة لإنسانٍ أو حيوانٍ حرام على فاعلها ، سواء أكانت من حجرٍ أم خشبٍ أم طينٍ أم غير ذلك ، لما روى ابن عمر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « الّذين يصنعون هذه الصّور يعذّبون يوم القيامة ، يقال لهم : أحيوا ما خلقتم » وعن مسروقٍ قال : دخلنا مع عبد اللّه بيتاً فيه تماثيل ، فقال لتمثالٍ منها : تمثال من هذا ؟ قالوا : تمثال مريم ، قال عبد اللّه : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة المصوّرون » والأمر بعمله محرّم كعمله ، بل إنّ الأجرة على صنع مثل هذه الأشياء لا تجوز وهذا في مطلق التّصاوير المجسّدة ، فإذا كانت ممّا يعبد من دون اللّه فذلك أشدّ تحريماً .
ففي الفتاوى الهنديّة : لو استأجر رجلاً ينحت له أصناماً لا شيء له ، والإجارة على المعاصي لا تصحّ . ويقول بعض الفقهاء : إنّه لا قطع في سرقة صنمٍ وصليبٍ : لأنّ التّوصّل إلى إزالة المعصية مندوب إليه ، فصار شبهةً كإراقة الخمر ( ر : سرقة ) .
7 - كما يحرم صنع هذه الأشياء يحرم بيعها واقتناؤها ، فقد ورد في الصّحيحين من حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما أنّه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول : « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » ، يقول ابن القيّم : يستفاد من هذا الحديث تحريم بيع كلّ آلةٍ متّخذةٍ للشّرك على أيّ وجهٍ كانت ، ومن أيّ نوعٍ كانت . صنماً أو وثناً أو صليباً ، فهذه كلّها يجب إزالتها وإعدامها ، وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتّخاذها ، ولذلك يحرم البيع بل إنّ المادّة الّتي تصنع منها هذه الأشياء سواء كانت حجراً أم خشباً أم غير ذلك - وإن كانت مالاً وينتفع بها - لا يجوز بيعها لمن يتّخذها لمثل ذلك ، كما لا يصحّ عند جمهور الفقهاء بيع العنب لمن يتّخذه خمراً ، ولا بيع أدوات القمار ولا بيع دارٍ لتعمل كنيسةً ، ولا بيع الخشبة لمن يتّخذها صليباً ، ولا بيع النّحاس لمن يتّخذه ناقوساً ، وكذلك كلّ شيءٍ علم أنّ المشتري قصد به أمراً لا يجوز . وفي المبسوط في باب الأشربة أورد السّرخسيّ قوله تعالى : { إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشّيطان فاجتنبوه } ثمّ قال بعد ذلك : بيّن اللّه تعالى أنّ كلّ ذلك رجس ، والرّجس ما هو محرّم العين وأنّه من عمل الشّيطان .
حكم ضمان إتلاف الأنصاب ونحوها :
8 - يقول بعض الفقهاء : من كسر صليباً أو صنماً لم يضمنه ، لأنّه لا يحلّ بيعه لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والخنزير والميتة والأصنام » ( ر : ضمان ) .

إنصات *
التّعريف :
1 - الإنصات لغةً واصطلاحاً : السّكوت للاستماع . وعرّفه البعض بالسّكوت .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستماع :
2 - الاستماع قصد السّماع بغية فهم المسموع أو الاستفادة منه ، فالإنصات سكوت بقصد الاستماع . وفي الفروق في اللّغة : أنّ الاستماع استفادة المسموع بالإصغاء إليه ليفهم ، ولهذا لا يقال إنّ اللّه يستمع .
ب - السّماع :
3 - السّماع مصدر ( سمع ) ولا يشترط في السّماع قصد المسموع ، ويشترط في الإنصات قصده .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
4 - يتناول الفقهاء الإنصات في عدّة مواطن منها :
أ - الإنصات لخطبة الجمعة ، فيرى الجمهور وجوب الإنصات على من حضر الجمعة ، وفيه خلاف وتفصيل وينظر في مصطلح ( استماعٍ ) والإنصات في خطبة العيدين ، حكمه حكم الإنصات في خطبة الجمعة ، صرّح بذلك الحنفيّة ، والشّافعيّة ، ويندب عند المالكيّة .
أمّا الإنصات في الصّلاة عند جهر الإمام بالقراءة ، وكذلك الإنصات لقراءة القرآن الكريم خارجها فهو مطلوب شرعاً لقوله سبحانه : { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } وتفصيل ذلك كلّه في مصطلح ( استماعٍ ) .

انضباط *
التّعريف :
1 - لم يرد الانضباط فيما بين أيدينا من معاجم اللّغة القديمة ، وإنّما ورد فعله في المعجم الوسيط حيث قال : ( انضبط مطاوع ضبط ) . ومعنى الضّبط : الحفظ بالحزم . والضّابطة : القاعدة . والجمع ضوابط .
والانضباط في الاصطلاح : الاندراج والانتظام تحت ضابطٍ أي حكمٍ كلّيٍّ وبه يكون الشّيء معلوماً .
الحكم الإجماليّ :
2 - ذهب الأصوليّون إلى أنّ من شرائط العلّة أن تكون وصفاً ضابطاً للحكمة ، لا حكمةً مجرّدةً لعدم انضباطها . وذلك كالمشقّة ، فإنّه من الواضح البيّن أنّه لم يعتبر كلّ قدرٍ منها ، بل قدر معيّن ، وهو غير مضبوطٍ في ذاته ، فضبط بمظنّته وهي السّفر .
ولو وجدت الحكمة منضبطةً جاز ربط الحكم بها لعدم المانع ، بل يجب ، لأنّها المناسب المؤثّر في الحقيقة . وقيل لا يجوز ربط الحكم بها ولو مع انضباطها . وتمام الكلام فيه محلّه الملحق الأصوليّ .
وإذ قد كان الأمر على ما بيّنّا فقد اعترض على القائلين بالمناسبة بأنّ المناسب وصف غير منضبطٍ مثل الحرج والزّجر ونحوهما ، فإنّها مشكّكات ، ولا يعتبر كلّ قدرٍ من آحادها . والجواب أنّ الوصف المناسب منضبط ، وطرق انضباطه ثلاثة :
الأولى : أن ينضبط بنفسه بأن يعتبر مطلقه كالإيمان لو قيل بتشكيك اليقين ، فالمعتبر مطلق اليقين في أيّ فردٍ تحقّق من أفراده المختلفة .
الثّانية : أن ينضبط في العرف كالمنفعة والمضرّة ، فإنّهما وصفان مضبوطان عرفاً .
الثّالثة : أن ينضبط في الشّرع بالمظنّة كالسّفر ، فإنّ مرتبة الحرج إنّما تتعيّن به ، وكالحدّ فإنّه به يتحدّد مقدار الزّجر .
ومن أمثلة الانضباط عند الفقهاء :
أوّلاً : انضباط المسلم فيه :
3 - يصحّ السّلم في المختلط بسبب الصّنعة ، إذا انضبطت عند أهل تلك الصّنعة الأجزاء المقصودة الّتي صنع منها المسلم فيه ، وذلك كالعتّابيّ ، وهو ما ركّب من قطنٍ وحريرٍ ، وكالخزّ وهو ما ركّب من حريرٍ ووبرٍ وصوفٍ ، فلا بدّ لكلٍّ من المتعاقدين معرفة وزن كلٍّ من هذه الأجزاء لأنّ القيم والأغراض تتفاوت بذلك تفاوتاً ظاهراً ، فإذا لم تضبط هذه الأمور أدّى ذلك إلى النّزاع ، ومن باب أولى إذا كانت بحيث لا يمكن ضبطها .
ثانياً : الانضباط في القصاص :
4 - يشترط في قصاص ما دون النّفس أن تكون الجناية منضبطةً كالقطع من المفصل ، فإن لم يمكن انضباطهما كالجوائف فلا يجب ، بخلاف قصاص النّفس فلا يشترط الانضباط في جراحته الّتي سرت إليها .
ثالثاً : الانضباط في العين المدّعاة :
5 - على المدّعي إذا ادّعى عيناً تنضبط أن يصفها بصفة السّلم ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون العين مثليّةً كالحبوب ، أو قيميّةً كالحيوان ، على خلافٍ وتفصيلٍ يرجع إليه في باب السّلم .
من مواطن البحث :
6 - ذكر الأصوليّون الانضباط في كلامهم على علّة القياس ، وفي آداب المناظرة ضمن الأسئلة الواردة على القياس .
وذكره الفقهاء في كلامهم على شروط المسلم والقصاص والدّعوى .

إنظار *
انظر : إمهال .

أنعام *
التّعريف :
1 - الأنعام لغةً : جمع مفرده نعم ، وهي ذوات الخفّ والظّلف ، وهي الإبل ، والبقر ، والغنم ، وأكثر ما يقع على الإبل . والنّعم مذكّر ، فيقال هذا نعم وارد .
والأنعام تذكّر وتؤنّث ، ونقل النّوويّ عن الواحديّ : اتّفاق أهل اللّغة على إطلاقه على الإبل ، والبقر ، والغنم . وقيل تطلق الأنعام على هذه الثّلاثة ، فإذا انفردت الإبل فهي نعم ، وإن انفردت البقر والغنم لم تسمّ نعماً .
وعند الفقهاء الأنعام هي الإبل ، والبقر ، والغنم سمّيت نعماً لكثرة نعم اللّه تعالى فيها على خلقه بالنّموّ ، والولادة ، واللّبن ، والصّوف ، والوبر ، والشّعر ، وعموم الانتفاع .
الأحكام المتعلّقة بالأنعام ، ومواطن البحث :
2 - تجب الزّكاة في الأنعام إن بلغت نصاباً باتّفاق الفقهاء .
روى أبو ذرٍّ رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ ولا غنمٍ لا يؤدّي زكاتها إلاّ جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمن تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها ، كلّما نفذت أخراها عادت عليه أولاها حتّى يقضى بين النّاس » .
وتفصيل النّصاب في الأنعام بأنواعها الثّلاثة والواجب فيها ينظر في ( الزّكاة ) .
ولا يشرع الهدي والأضحيّة ونحوهما من الذّبائح المسمّاة المطلوبة شرعاً كالعقيقة إلاّ من الأنعام ، لقول اللّه تعالى : { ويذكروا اسم اللّه في أيّامٍ معلوماتٍ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } . والأفضل في الهدي الإبل ثمّ البقر ثمّ الغنم ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثمّ راح فكأنّما قرّب بدنةً ، ومن راح في السّاعة الثّانية فكأنّما قرّب بقرةً ، ومن راح في السّاعة الثّالثة فكأنّما قرّب كبشاً أقرن ، ومن راح في السّاعة الرّابعة فكأنّما قرّب دجاجةً ، ومن راح في السّاعة الخامسة فكأنّما قرّب بيضةً »
وللأنعام الّتي تجعل هدياً أو عقيقةً أو أضحيّةً أحكام خاصّة تنظر في مصطلحاتها .
ويحلّ ذبح الأنعام وأكلها في الحلّ والحرم ، وحالة الإحرام بخلاف الصّيد من الحيوان الوحشيّ ، وبخلاف ما حرم منها من الميتة ونحوها ممّا تفصيله في ( أطعمةٍ ) ، لقول اللّه سبحانه : { أحلّت لكم بهيمة الأنعام إلاّ ما يتلى عليكم غير محلّي الصّيد وأنتم حرم }
والأفضل في تذكية الأنعام : النّحر في الإبل ، والذّبح في البقر والغنم . وبالإضافة إلى ما تقدّم يتكلّم الفقهاء عن وسم إبل الصّدقة عند كلامهم في قسم الصّدقات . وفي خيار الرّدّ بالتّصرية عند من يقول به ، نرى أنّ البعض يجعل الخيار خاصّاً بالنّعم دون غيرها ، والبعض يخيّر في ردّ المصرّاة من نعمٍ وغيره ، وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في خيار العيب .

انعزال *
التّعريف :
1 - الانعزال : انفعال من العزل . والعزل : هو فصل الشّيء عن غيره : تقول : عزلت الشّيء عن الشّيء إذا نحّيته عنه ، ومنه عزلت النّائب أو الوكيل : إذا أخرجته عمّا كان له من الحكم .
ويفهم من استعمال الفقهاء أنّ المراد به عندهم : خروج ذي الولاية عمّا كان له من حقّ التّصرّف . والانعزال قد يكون بالعزل ، أو يكون حكميّاً ، كانعزال المرتدّ والمجنون .
الحكم الإجماليّ :
2 - الأصل أنّ من تولّى عملاً بأهليّةٍ معيّنةٍ ، أو شروطٍ خاصّةٍ ، ثمّ فقد هذه الأهليّة ، أو شرطاً من الشّروط الأساسيّة ( لا شروط الأولويّة ) فإنّه ينعزل حكماً من غير حاجةٍ إلى عزلٍ ، هذا في الجملة .
وفي تطبيقات هذا الأصل تفصيل يرجع إليه في كلّ مصطلحٍ ذي صلةٍ ، كالإمامة ، والقضاء ، والوقف ( النّاظر ) والولاية على اليتيم ونحوه .
هذا ، وهناك فرق بين الانعزال واستحقاق العزل ، فإنّ الانعزال قد لا يحتاج إلى العزل ، ولا ينفذ شيء من تصرّفات من انعزل .
أمّا استحقاق العزل فيكون بأن يرتكب ذو الولاية أمراً يوجب على وليّ الأمر ، أو على الأصيل أن يعزل ، كفسق القاضي ، أو حكمه بالهوى ، أو أخذه الرّشوة .

انعقاد *
التّعريف :
1 - الانعقاد في اللّغة : ضدّ الانحلال ، ومنه انعقاد الحبل ، ومن معانيه أيضاً الوجوب ، والارتباط ، والتّأكّد . وعند الفقهاء يختلف المراد منه باختلاف الموضوع ، فانعقاد العبادة من صلاةٍ ، وصومٍ : ابتداؤها صحيحةً ، وانعقاد الولد حمل الأمّ به ، وانعقاد ما يتوقّف على صيغةٍ من العقود : هو ارتباط الإيجاب بالقبول على الوجه المعتبر شرعاً .
الألفاظ ذات الصّلة :
الصّحّة :
2 - يعبّر جمهور الفقهاء عن الصّحّة بالانعقاد ، فقولهم : تنعقد الصّلاة بقراءة الآية معناه : تصحّ بها ، إلاّ أنّ النّاظر في اللّفظين يجد أنّ هناك فرقاً بين الصّحّة والانعقاد ، فالصّحّة لا تحصل إلاّ بعد تمام الأركان والشّروط ، أمّا الانعقاد فإنّه قد يحصل وإن لم تتمّ الشّروط .
ما يتحقّق به الانعقاد :
3 - انعقاد العقود يكون تارةً بالقول ، وتارةً بالفعل ، فالقول كالارتباط الحاصل بسبب صيغ العقود المعتبرة شرعاً كالنّكاح ونحوه .
والفعل كالمعاطاة عند أغلب الفقهاء ، وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في صيغ العقود .
والانعقاد قد يقع بالكناية مع النّيّة ، وقد يشترط فيه اللّفظ الصّريح .
فالأوّل نحو كلّ تصرّفٍ يستقلّ به الشّخص كالطّلاق ، والعتاق والإبراء ، فإنّ هذه الأشياء تنعقد بالكناية مع النّيّة ، وكذا ما لا يستقلّ به الشّخص من العقود ، وكان ممّا يقبل التّعليق كالمكاتبة والخلع ، فإن كان العقد لا يقبل التّعليق ففي انعقاده خلاف ، ويفصّل الفقهاء ذلك في صيغ العقود .
والباطل من عبادةٍ وعقدٍ وغيرهما غير منعقدٍ اتّفاقاً ، وأمّا المعاملات ففي انعقاد فاسدها خلاف ، وأغلب الفقهاء على أنّ العقد الفاسد غير منعقدٍ كذلك ، وعند الحنفيّة العقد الفاسد ينعقد غير صحيحٍ ، والانعقاد حينئذٍ بمشروعيّة الأصل دون الوصف .
ومن التّصرّفات ما ينعقد مع الهزل كالنّكاح ، والطّلاق ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ : النّكاح ، والطّلاق ، والرّجعة » ، ومنها ما لا ينعقد معه كالبيع ونحوه .
وأغلب العقود والفسوخ تنعقد بإشارة الأخرس ، كالبيع ، والنّكاح والطّلاق ، ونحو ذلك .
أمّا إشارة القادر على النّطق فلا يتمّ بها الانعقاد في الجملة عند جمهور الفقهاء ، إذ لا يعدل عن العبارة إلى الإشارة إلاّ لعذرٍ . وقال المالكيّة إنّ إشارة غير الأخرس يعتدّ بها في سائر العقود .
وانعقاد الإمامة الكبرى يكون باختيار أهل الحلّ والعقد ، غير أنّ الفقهاء يتفاوتون في تحديد أقلّ عددٍ تنعقد به البيعة من أهل الحلّ والعقد ، وموطن ذلك مصطلح ( الإمامة الكبرى ) .
أو يكون بعهدٍ من الإمام لمن بعده مع المبايعة من أهل الحلّ والعقد ، وقد أجمع المسلمون على صحّة العهد بالإمامة لأمرين :
أحدهما : أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه .
والثّاني : أنّ عمر عهد بها إلى أهل الشّورى ، فقبلت الجماعة دخولهم فيها ، وهم أعيان العصر ، اعتقاداً لصحّة العهد بها ، فصار العهد بها إجماعاً في انعقاد الإمامة .
أمّا انعقاد الإمامة بغير عقدٍ ولا اختيارٍ فجمهور الفقهاء على أنّها لا تنعقد ، ويلزم أهل الاختيار عقد الإمامة له ، لكن ذهب بعض الفقهاء إلى انعقادها بالتّغلّب ، وتفصيله في ( الإمامة الكبرى ) .
وتنعقد الولايات مع الحضور باللّفظ مشافهةً ، ومع الغيبة مكاتبةً ، ومراسلةً ، وكيفيّة انعقاد كلّ ولايةٍ تذكر في موطنها ، ويتكلّم الفقهاء عن ذلك غالباً في كتب السّياسة الشّرعيّة والأحكام السّلطانيّة .
مواطن البحث :
4 - يتكلّم الفقهاء في الأيمان عن انعقاد اليمين ، ومواطن الانعقاد يصعب سردها لذا يرجع إلى كلّ عبادةٍ أو تصرّفٍ في موطنه لبيان الانعقاد من عدمه .

انعكاس *
التّعريف :
1 - الانعكاس في اللّغة : مصدر انعكس مطاوع عكس . والعكس : ردّ أوّل الشّيء على آخره . يقال : عكسه يعكسه عكساً من باب ضرب .
ومنه قياس العكس عند الأصوليّين وهو : إثبات عكس حكم شيءٍ لمثله لتعاكسهما في العلّة ، كما في حديث مسلمٍ : « أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزر ؟ » .
والانعكاس عند الأصوليّين : انتفاء الحكم بانتفاء العلّة كانتفاء حرمة الخمر بزوال إسكارها . وضدّ الانعكاس الاطّراد ، كما أنّ ضدّ العكس الطّرد . ( ر : اطّراد ) .
2 - وذهب جمهور الأصوليّين إلى أنّ الانعكاس مع الاطّراد مسلك من المسالك الّتي بها تعرف العلّة . ولم يعتبره الحنفيّة وكثير من الأشعريّة كالغزاليّ والآمديّ من مسالك العلّة . كما ذهب بعض الأصوليّين إلى أنّ الانعكاس من شرائط العلّة ، والآخرون لم يشترطوا فيها هذا الشّرط . وتمام الكلام على ذلك موطنه الملحق الأصوليّ .
مواطن البحث :
3 - ذكر الأصوليّون الانعكاس في مباحث العلّة من القياس ، في شروطها ، وفي مسالكها ، باعتباره أحد شروطها ومسالكها على الخلاف الّذي تقدّم كما ذكروه في مبحث التّرجيحات القياسيّة باعتباره أحد طرق التّرجيح بين الأقيسة ، وفي الكلام على الحكمة والمظنّة ، وأنّه لا يجب في مظنّة الحكمة الطّرد والعكس ، وفي الكلام على قوادح العلّة .

أنف *
التّعريف :
1 - الأنف : المنخر وهو معروف ، والجمع آناف وأنوف .
ما يتعلّق به من الأحكام :
تختلف الأحكام الّتي تتعلّق بالأنف باختلاف مواضعه ، ومن ذلك .
أ - في الوضوء :
2 - غسل الأنف من الدّاخل ( الاستنشاق ) سنّة ، وغسله من الظّاهر فرض باعتباره جزءاً من الوجه ، وتفصيل ذلك في مصطلح ( وضوء ) .
ب - في الغسل :
3 - غسل ظاهر الأنف في الغسل فرض عند جميع الفقهاء . وغسل باطنه ( وهو الاستنشاق ) فرض عند الحنفيّة ، وسنّة عند غيرهم ، وتفصيل ذلك في مصطلح ( غسل ) .
ج - السّجود على الأنف في الصّلاة :
4 - تمكين الأنف مع الجبهة في السّجود سنّة عند جمهور الفقهاء ، لما روى أبو حميدٍ رضي الله تعالى عنه « أنّ النّبيّ سجد ومكّن جبهته وأنفه على الأرض » .
وقال الحنفيّة : إنّه واجب ، وهو رواية للحنابلة والقول المرجوح عند المالكيّة ، لما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « أمرت أن أسجد على سبعة أعظمٍ : الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين والرّكبتين وأطراف القدمين » وإشارته إلى أنفه تدلّ على أنّه أراده .
د - وصول شيءٍ إلى جوف الصّائم عن طريق الأنف :
5 - إذا استعط الصّائم فوصل الدّواء إلى جوفه أو حلقه أو دماغه فسد صومه وعليه القضاء ، وعند المالكيّة لا يفسد إلاّ بالوصول إلى الجوف أو الحلق - كذلك من استنشق فوصل الماء إلى جوفه أو حلقه فسد صومه عند المالكيّة وفي قولٍ للشّافعيّة .
وللحنابلة والشّافعيّة إذا بالغ في الاستنشاق فوصل الماء إلى جوفه أو حلقه رأيان : الفساد وعدمه .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:34 PM

هـ – الجناية على الأنف :
6 – الجناية على الأنف عمداً توجب القصاص متى أمكن استيفاء المثل بلا حيفٍ . والقصاص واجب لقوله تعالى : { والأنف بالأنف } .
فإذا لم يمكن استيفاء المثل أو كانت الجناية خطأً فالواجب هو الدّية ، وفي ذهاب الشّمّ وحده الدّية . وفي ذهاب الشّمّ ومارن الأنف ديتان . وإن قطع جزءاً من الأنف وجب فيه الدّية بقدره . وفي الموضوع تفصيل كثير ( ر : جناية ، ودية ، وأطراف ، وجراح ) .
مواطن البحث :
7 - للأنف أحكام تتعلّق به وترد في مسائل متعدّدةٍ من أبواب الفقه ، وذلك كالاستنشاق في باب الوضوء ، وباب الغسل ، وغسل الميّت ، وفي صبّ لبن المرضع فيه ، وهل يوجب حرمة المصاهرة بذلك أم لا ، وذلك في باب الرّضاع ، واتّخاذ أنفٍ من ذهبٍ أو فضّةٍ ، وذلك في باب اللّباس .

إنفاق *
انظر : نفقة .

أنفال *
التّعريف :
1- النّفل بالتّحريك : الغنيمة ، وفي التّنزيل العزيز : { يسألونك عن الأنفال } سألوا عنها ، لأنّها كانت حراماً على من كان قبلهم فأحلّها اللّه لهم . وأصل معنى الأنفال من النّفل - بسكون الفاء - أي الزّيادة .
واصطلاحاً ، اختلف في تعريفها على خمسة أقوالٍ :
2- الأوّل : هي الغنائم ، وهو قول ابن عبّاسٍ في روايةٍ ، ومجاهدٍ في روايةٍ ، والضّحاك وقتادة وعكرمة وعطاءٍ في روايةٍ .
3 - الثّاني : الفيء ، وهي الرّواية الأخرى عن كلٍّ من ابن عبّاسٍ وعطاءٍ ، وهو ما يصل إلى المسلمين من أموال المشركين بغير قتالٍ ، فذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء .
4 - الثّالث : الخمس ، وهي الرّواية الأخرى عن مجاهدٍ .
5- الرّابع : التّنفيل ، وهو ما أخذ قبل إحراز الغنيمة بدار الإسلام وقسمتها ، فأمّا بعد ذلك فلا يجوز التّنفيل إلاّ من الخمس . وتفصيله في مصطلح ( تنفيلٍ ) .
6- خامساً : السّلب ، وهو الّذي يدفع إلى الفارس زائداً عن سهمه من المغنم ، ترغيباً له في القتال ، كما إذا قال الإمام : ومن قتل قتيلاً فله سلبه " أو قال لسريّةٍ : ما أصبتم فهو لكم ، أو يقول : فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه .
7- فالأنفال بناءً على هذه الأقوال تطلق على أموال الحربيّين الّتي آلت إلى المسلمين بقتالٍ أو غير قتالٍ ، ويدخل فيها الغنيمة والفيء قال ابن العربيّ : قال علماؤنا رحمهم الله : ها هنا ثلاثة أسماءٍ : الأنفال ، والغنائم ، والفيء .
فالنّفل الزّيادة ، وتدخل فيه الغنيمة ، وهي ما أخذ من أموال الكفّار بقتالٍ . والفيء ، وهو ما أخذ بغير قتالٍ ، وسمّي كذلك ، لأنّه رجع إلى موضعه الّذي يستحقّه وهو انتفاع المؤمن به . ويطلق أيضاً على ما بذله الكفّار لنكفّ عن قتالهم ، وكذلك ما أخذ بغير تخويفٍ كالجزية والخراج ، والعشر ، ومال المرتدّ ، ومال من مات من الكفّار ولا وارث له .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الرّضخ :
8 - الرّضخ لغةً : العطاء غير الكثير ، واصطلاحاً : مال من الغنيمة لا يزيد على سهمٍ واحدٍ من الغانمين ، تقديره إلى وليّ الأمر ، أو من ينوب عنه كقائد الجيش يعطى لمن حضر المعركة ، وأعان على القتال ، من النّساء ، والصّبيان ، ونحوهم ، وكذلك الذّمّيّون والعبيد بقدر ما يبذلون من جهدٍ ، مثل مداواة الجرحى والمرضى ، والدّلالة على الطّريق ، وغير ذلك .
الحكم الإجماليّ :
9 - يختلف حكم الأنفال بحسب مفرداتها السّابقة من : غنيمةٍ ، وفيءٍ ، وسلبٍ ، ورضخٍ ، وتنفيلٍ ، وينظر حكم كلٍّ من ذلك في مصطلحه .

انفراد *
التّعريف :
1 - الانفراد في اللّغة : مصدر انفرد وهو بمعنى تفرّد . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستبداد :
2 - الاستبداد : مصدر استبدّ ، يقال استبدّ بالأمر إذا انفرد به من غير مشاركٍ له فيه .
ب : الاستقلال :
3 - من معاني الاستقلال : الاعتماد على النّفس ، والاستبداد بالأمر ، وهو بهذا المعنى يرادف الانفراد ، غير أنّه يخالفه في غير ذلك من إطلاقاته اللّغويّة ، فيكون من القلّة ومن الارتفاع .
ج - الاشتراك :
4 - الاشتراك ضدّ الانفراد .
أحكام الانفراد :
الانفراد في الصّلاة :
5 - صلاة المنفرد جائزة ولو لغير عذرٍ ، والجماعة ليست بشرط لصحّة الصّلوات الخمس عند الجمهور ( إلاّ في الجمعة بالاتّفاق ، والعيدين على خلافٍ ) ، وفي صلاة المنفرد أجر لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر قال : قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم « إنّ صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبعٍ وعشرين درجةً » وفي روايةٍ أخرى « بخمسٍ وعشرين درجةً » لأنّه يلزم من ثبوت النّسبة بينهما - بجزءٍ معلومٍ - ثبوت الأجر فيهما ، وإلاّ فلا نسبة ولا تقدير ، ولا بنقص أجر المصلّي منفرداً مع العذر ، لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا مرض العبد أو سافر كتب اللّه له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً » ولا تجب الإعادة لفرضٍ على من صلّاه وحده .
أمّا صلاة الجماعة فهي سنّة مؤكّدة للرّجال عند الجمهور ، وقيل هي واجبة إلاّ في جمعةٍ فشرط ، وكذا العيد على القول بوجوب العيد عند من يراه واجباً . ( ر : صلاة الجماعة ) .
الانفراد في التّصرّفات :
أ - انفراد أحد الأولياء بالتّزويج :
6 - إن اجتمع اثنان أو أكثر من الأولياء المتساوين في جهة القرابة والدّرجة والقوّة كالإخوة الأشقّاء ، أو الأب والأعمام كذلك ، وتشاحّوا فيما بينهم ، وطلب كلّ منهم أن يتولّى العقد . فعند الشّافعيّة والحنابلة يقرع بينهم قطعاً للنّزاع ، ولتساويهم في الحقّ ، وتعذّر الجمع بينهم ، فمن خرجت قرعته زوّج . فإن سبق غير من خرجت له القرعة فزوّج ، وقالت أذنت لكلّ واحدٍ منهم صحّ التّزويج ، لأنّه صدر من وليٍّ كامل الولاية بإذن مولّيته فصحّ منه ، كما لو انفرد بالولاية ، ولأنّ القرعة شرعت لإزالة المشاحّة لا لسلب الولاية . وعند المالكيّة : عند تساويهم درجةً وقرابةً ينظر الحاكم فيمن يراه أحسنهم رأياً ليتولّى العقد . وعند الحنفيّة : يكون لكلّ واحدٍ منهم أن يتولّى العقد ويزوّج ، رضي الآخر أو سخط ، إذا كان التّزويج من كفءٍ وبمهرٍ وافرٍ . وهذا إذا اتّحد الخاطب .
7- أمّا إذا تعدّد الخاطب ، فالتّزويج لمن ترضاه المرأة ، لأنّ لها الحقّ عندهم أن تزوّج نفسها من كفءٍ إذا كانت بالغةً رشيدةً ، ولا يزوّجها إلاّ الوليّ الّذي ترضاه بوكالةٍ . فإن لم تعيّن المرأة واحداً من المستوين درجةً وقرابةً ، وأذنت لكلٍّ منهم بانفراده ، أو قالت : أذنت في فلانٍ ، فمن شاء منكم فليزوّجني منه ، صحّ التّزويج من كلّ واحدٍ منهم ، لوجود سبب الولاية في كلّ واحدٍ منهم كما يقول المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، فإن بادر أحدهم فزوّجها من كفءٍ ، فإنّه يصحّ ، لأنّه لم يوجد ما يميّز أحدهم عن غيره .
ولو أذنت لهم في التّزويج ، فزوّجها أحد الأولياء المستوين في الدّرجة ، وزوّجها الآخر من غيره ، فإن عرف السّابق فهو الصّحيح والآخر باطل ، وإن وقع العقدان في زمنٍ واحدٍ ، أو جهل السّابق منهما ، فباطلان ، وهذا باتّفاقٍ . والتّفصيل في مصطلحي " نكاح ، وولاية " .
ب - انفراد أحد الأولياء بالتّصرّف في مال الصّغير :
8 - قال فقهاء المالكيّة : إن مات الرّجل عن أولادٍ صغارٍ ، ولم يوص إلى أحدٍ عليهم ، فتصرّف في أموالهم أحد أعمامهم ، أو إخوتهم الكبار بالمصلحة ، فتصرّفه ماضٍ ، لجريان العادة بأنّ من ذكر يقوم مقام الأب . ولم يعثر على تعدّد الأولياء وانفراد أحدهم بالتّصرّف في المال سوى ما سبق ذكره في المذهب المالكيّ .
وإذا تعدّد الأولياء أو الأوصياء فإن اتّفقوا في التّصرّف فالأمر ظاهر ، وإن اختلفوا يرفع للحاكم . وفي المسألة تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلحي ( إيصاء ) ( وولاية ) .
ج - انفراد أحد الوكيلين بالتّصرّف :
9 - لكلٍّ من الوكيلين الانفراد بالتّصرّف ، إن جعل الموكّل الانفراد بالتّصرّف لكلّ واحدٍ منهما ، وبهذا قال الحنابلة والشّافعيّة ، لأنّه مأذون له فيه ، فإن لم يجعل له الانفراد ، فليس له ذلك ، لأنّه لم يأذن له به .
وعند الحنفيّة : يجوز لأحد الوكيلين أن ينفرد بالتّصرّف فيما لا يحتاج فيه إلى اجتماع رأيهما كتوكيل الموكّل لها في الخصومة ، فلا يشترط اجتماعهما ، لأنّ اجتماعهما فيها متعذّر للإفضاء إلى الشّغب في مجلس القضاء ، ولا بدّ من صيانته عن الشّغب ، لأنّ المقصود فيه إظهار الحقّ ، ولهذا لو خاصم أحدهما بدون الآخر جاز ولو لم يحضر الآخر ، عند عامّة مشايخ الحنفيّة . وقال بعضهم : يشترط حضوره أثناء مخاصمة الأوّل ، وكتوكيله لهما بطلاق زوجته بغير عوضٍ ، أو بعتق عبده بغير عوضٍ ، أو بردّ وديعةٍ عنده ، أو بقضاء دينٍ على الموكّل ، لأنّ هذه الأشياء أداء الوكالة فيها تعبير محض لكلام الموكّل ، وعبارة المثنّى والواحد سواء ، لعدم اختلاف المعنى . أمّا ما يحتاج إلى رأيٍ كالبيع والشّراء والتّزويج فلا بدّ من اجتماعهما .
وقال المالكيّة : يجوز لأحد الوكيلين على مالٍ ونحوه الانفراد بما يفعله عن موكّله ، دون إطلاع الوكيل الآخر ، إلاّ لشرطٍ من الموكّل ألاّ يستبدّ أيّ واحدٍ منهما ، أو ألاّ يستبدّ فلان ، فحينئذٍ ليس لواحدٍ منهما الاستبداد ، وسواء فيما ذكر إن كانت وكالتهما على التّعاقب ، علم أحدهما بالآخر أم لا ، أو وكّلا جميعاً .
والوكيل على مالٍ كأن يكون وكّلهما على بيعٍ ، أو شراءٍ ، أو قضاء دينٍ ، ونحو المال : كطلاقٍ وهبةٍ ووقفٍ وغير ذلك . والتّفصيل يكون في مصطلح : ( وكالة ) .
د - انفراد أحد المستحقّين للشّفعة بطلبها :
10 - إن كان أحد الشّفعاء المستحقّين للشّفعة حاضراً أو قدم من السّفر ، وكان بعضهم غائباً وطلب الحاضر الشّفعة ، فليس له إلاّ أخذ الكلّ ، أو تركه لأنّه لم يعلم الآن مطالب سواه ، ولأنّ في أخذه البعض تبعيضاً لصفقة المشتري ، ولا يجوز له ذلك ، ولا يمكن تأخير حقّه إلى أن يقدم شركاؤه لأنّ في التّأخير إضراراً بالمشتري .
وإن كان الشّفعاء كلّهم غائبين لم تسقط الشّفعة لموضع العذر . فإذا أخذ من حضر جميع الشّقص المشفوع ، ثمّ حضر شريك آخر قاسمه إن شاء ، لأنّ المطالبة إنّما وجدت منهما ، وإن عفا بقي الشّقص للأوّل . فإن قاسمه ثمّ حضر الثّالث قاسمهما إن أحبّ الأخذ بالشّفعة ، وبطلت القسمة الأولى ، لأنّه تبيّن أنّ لهما شريكاً لم يقاسم ولم يأذن ، وإن عفا الثّالث عن شفعته بقي الشّقص للأوّلين ، لأنّه لا مشارك لهما وهذا عند جمهور الفقهاء .
والتّفصيل يكون في مصطلح : ( شفعة ) .
هـ – انفراد أحد الشّريكين بالتّصرّف :
11 -إذا كانت الشّركة شركة ملكٍ ، كمن ورثوا داراً ولم يقسموها ، فليس لأحد الشّريكين الانفراد بالتّصرّف في جميع الدّار إلاّ بالتّراضي ، أو بالمهايأة أي استقلال كلّ واحدٍ منهم بالانتفاع بجميعها زمناً محدّداً وهكذا .
أمّا في شركات العقد ، ففي شركة العنان يجوز لأحد الشّركاء عند الإطلاق أن ينفرد بالتّصرّف بإجماع الفقهاء ، لأنّها مبنيّة على الوكالة والأمانة ، لأنّ كلّ واحدٍ منهما بدفع المال إلى صاحبه أمنه ، وبإذنه له في التّصرّف وكّله ، ومن شروط صحّتها ، أن يأذن كلّ واحدٍ منهما لصاحبه في التّصرّف ، فإن أذن له مطلقاً في جميع التّجارات تصرّف فيها ، ويجوز لكلّ واحدٍ منهما أن يبيع ويشتري مساومةً ، ومرابحةً ، وتوليةً ، ومواضعةً ، وكيفما رأى المصلحة ، لأنّ هذا عادة التّجّار ، وأن يقبض المبيع ، والثّمن ، ويقبضهما ، ويخاصم في الدّين ويطالب به ، ويحيل ويقبل الحوالة ، ويردّ بالعيب فيما وليه هو ، وفيما ولي صاحبه ، وأن يستأجر من مال الشّركة ويؤجّر ، وأن يفعل كلّ ما جرت به عادة أمثاله من التّجّار ، إذا رأى فيه مصلحةً ، لتناول الإذن لذلك دون التّبرّع ، والحطيطة ، والقرض ، وتزويجه ، لأنّه ليس بتجارةٍ ، وإنّما فوّض إليه العمل برأيه في التّجارة .
وإن عيّن أحد الشّريكين للآخر جنساً ، أو نوعاً ، أو بلداً ، تصرّف فيه دون غيره ، لأنّه متصرّف بالإذن فوقف عليه .
وإن أذن أحدهما ولم يأذن الآخر تصرّف المأذون له في الجميع ، ولا يتصرّف الآخر إلاّ في نصيبه ، وهذا عند الشّافعيّة . والتّفصيل يكون في مصطلح ( شركة )
و- انفراد أحد الوصيّين أو النّاظرين بالتّصرّف :
12 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الموصي إذا أوصى لاثنين معاً أو على التّعاقب ، وأطلق أو نصّ على وجوب اجتماعهما ، فلا يجوز لأحدهما الانفراد .
أمّا إذا نصّ على جواز الانفراد ، فلكلٍّ منهما أن ينفرد بالتّصرّف ، عملاً بقول الموصي . وذهب أبو يوسف إلى أنّه يجوز الانفراد ، ولو نصّ على الاجتماع ، لأنّه من قبيل الخلافة ، والخليفة ينوب عن المستخلف في كلّ ما يملكه ، وفي المسائل الّتي لا تحتاج إلى تبادل الرّأي كردّ الوديعة ، وشراء حاجات الطّفل ، وشراء كفن الميّت ، وردّ المغصوب ، وقضاء الدّين ، فقد صرّح الفقهاء بجواز انفراد أحد الوصيّين بالتّصرّف فيها .
هذا ، وإنّ أحكام الوقف مستقاة غالباً من أحكام الوصيّة ، وما يجري على الوصيّين هنا يجري كذلك على نظّار الوقف . وتفصيل ذلك في ( وصيّة ، ووكالة ، والوقف ) .
ز - انفراد الزّوجة بمسكنٍ :
13 - للزّوجة حقّ الانفراد بمسكنٍ خاصٍّ بها له غلق ومرافق ، ولو كان في دارٍ واحدةٍ ، وتسكن ضرّتها في جزءٍ مستقلٍّ منه . وكذلك أهل زوجها ، وليس للزّوجة أن تمنع طفل زوجها غير المميّز من السّكنى معهما . وهذا عند جمهور الفقهاء .
وذهب المالكيّة إلى أنّ الزّوجة إذا اشترط عليها سكناها مع أقارب الزّوج أو مع ضرّتها فليس لها أن تطالب بسكنٍ منفردٍ ، وكذلك إذا كان مستواها الاجتماعيّ يسمح بذلك . والشّروط الواجب توافرها في مسكن الزّوجة وتقدير مستواه يكون في مصطلح : ( بيت الطّاعة ) ( ونفقة ) .

انفساخ *
التّعريف :
1- الانفساخ : مصدر انفسخ ، وهو مطاوع فسخ ، ومن معناه : النّقض والزّوال .
يقال : فسخت الشّيء فانفسخ أي : نقضته فانتقض ، وفسخت العقد أي : رفعته .
والانفساخ في اصطلاح الفقهاء : هو انحلال العقد إمّا بنفسه ، وإمّا بإرادة المتعاقدين ، أو بإرادة أحدهما . وقد يكون الانفساخ أثراً للفسخ ، فهو بهذا المعنى مطاوع للفسخ ونتيجة له ، كما سيأتي في أسباب الانفساخ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإقالة :
2 - الإقالة في اللّغة ، عبارة عن الرّفع ، وفي الشّرع : رفع العقد وإزالته برضا الطّرفين ، وهذا القدر متّفق عليه بين الفقهاء ، لكنّهم اختلفوا في اعتبارها فسخاً أو عقداً جديداً . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( إقالة ) .
ب - الانتهاء :
3 - انتهاء الشّيء : بلوغه أقصى مداه ، وانتهى الأمر : بلغ النّهاية . وانتهاء العقد : معناه بلوغه نهايته ، وهذا يكون بتمام المعقود عليه كالاستئجار لأداء عملٍ فأتمّه الأجير ، أو القضاء مدّة العقد كاستئجار مسكنٍ أو أرضٍ لمدّةٍ محدودةٍ . وقد يستعمل في العقود المستمرّة كانتهاء عقد الزّواج بالموت أو الطّلاق . وعلى ذلك فالفرق بين الانفساخ والانتهاء ، أنّ الانفساخ يستعمل في جميع العقود ، ويكون في عقود المدّة قبل نهايتها أيضاً ، بخلاف الانتهاء ، وبعضهم يستعمل الانفساخ مكان الانتهاء وبالعكس .
ج - البطلان :
4 - البطلان لغةً : فساد الشّيء وزواله ، ويأتي بمعنى : النّقض والسّقوط . والبطلان يطرأ على العبادات والمعاملات إذا وجد سبب من أسبابه ، ويرادف الفساد إذا استعمل في العبادات عند الفقهاء إلاّ في الحجّ . أمّا في العقود فالباطل عند الحنفيّة ، هو ما لم يكن مشروعاً لا بأصله ولا بوصفه ، بأن فقد ركناً من أركانه ، أو ورد العقد على غير محلّه ، ولا يترتّب عليه حكم من نقل الملكيّة أو الضّمان أو غيرهما .
وعلى هذا يختلف الانفساخ عن البطلان ، بأنّ الانفساخ يرد على المعاملات دون العبادات ، ويعتبر العقد قبل الانفساخ عقداً موجوداً ذا أثرٍ شرعيٍّ ، بخلاف البطلان ، لأنّ العقد الباطل في اصطلاح الحنفيّة لا وجود له أصلاً ، وكذلك عند غيرهم ممّن لا يفرّق بينه وبين الفاسد .
د - الفساد :
5 - الفساد نقيض الصّلاح ، وفساد العبادة بطلانها إلاّ في بعض مسائل الحجّ كما سبق ، والفاسد من العقود عند الحنفيّة هو : ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه ، وأمّا عند غيرهم فيطلق الفاسد والباطل على كلّ تصرّفٍ غير مشروعٍ ، والفاسد عند الحنفيّة قد تترتّب عليه بعض الأحكام ، فالبيع الفاسد عندهم إذا اتّصل به القبض أفاد الملك ، ولكنّه ملك خبيث ، يجب فسخ العقد ما دامت العين قائمةً ، لحقّ الشّارع . ويعتبر العقد الفاسد عقداً موجوداً ذا أثرٍ ، لكنّه عقد غير لازمٍ ، يجب شرعاً فسخه رفعاً للفساد .
هـ- الفسخ :
6- الفسخ : هو حلّ ارتباط العقد ، وهذا يكون بإرادة أحد العاقدين أو كليهما ، أو بحكم القاضي ، فهو عمل المتعاقدين غالباً ، أو فعل الحاكم في بعض الأحوال كما هو مبيّن في موضعه . أمّا الانفساخ : فهو انحلال ارتباط العقد ، سواء أكان أثراً للفسخ ، أو نتيجةً لعوامل غير اختياريّةٍ . فإذا كان الانحلال أثراً للفسخ كانت العلاقة بين الفسخ والانفساخ علاقة السّبب بالمسبّب ، كما إذا فسخ أحد العاقدين عقد البيع بسبب العيب في المبيع مثلاً ، فالانفساخ في هذه الحالة نتيجة الفسخ الّذي مارسه العاقد اختياراً . يقول القرافيّ : الفسخ قلب كلّ واحدٍ من العوضين لصاحبه ، والانفساخ انقلاب كلّ واحدٍ من العوضين لصاحبه ، فالأوّل فعل المتعاقدين إذا ظفروا بالعقود المحرّمة ، والثّاني صفة العوضين ، فالأوّل سبب شرعيّ ، والثّاني حكم شرعيّ ، فهذان فرعان : فالأوّل من جهة الموضوعات ، والثّاني من جهة الأسباب والمسبّبات . ومثله ما جاء في المنثور للزّركشيّ ، إلاّ أنّه أطلق ولم يقيّد الفسخ بالعقود المحرّمة ، لأنّ الفسخ يمكن أن يقع في العقود غير المحرّمة ، وذلك بإرادة أحد العاقدين أو كليهما كما هو الحال غالباً . أمّا إذا لم يكن الانفساخ أثراً للفسخ ، بل نتيجةً لعوامل خارجةٍ عن إرادة العاقدين ، كموت أحد العاقدين في العقود غير اللّازمة مثلاً ، فلا يوجد بين الفسخ والانفساخ علاقة السّببيّة الّتي قرّرها القرافيّ .
7- ومن الأمثلة الّتي قرّر الفقهاء فيها انفساخ العقد من غير فسخٍ ما يأتي :
أ - اتّفق الفقهاء على أنّه إن تلفت العين المستأجرة انفسخت الإجارة ، كما إذا تلفت الدّابّة المعيّنة ، أو انهدمت الدّار المستأجرة .
ب - لو غصبت العين المستأجرة من يد المستأجر سقط الأجر لزوال التّمكّن من الانتفاع ، وتنفسخ الإجارة عند الحنفيّة والمالكيّة ، لكنّ الشّافعيّة والحنابلة قالوا : لا ينفسخ العقد بنفسه ، بل يثبت خيار الفسخ للمستأجر .
ج - إذا مات أحد العاقدين أو كلاهما في العقود غير اللّازمة ، كالعاريّة والوكالة انفسخ العقد .
د - ينفسخ عقد الإجارة بموت أحد العاقدين أو كليهما عند الحنفيّة ، خلافاً للجمهور ، وكذلك تنفسخ الإجارة بالأعذار ، على خلافٍ وتفصيلٍ يذكر في أسباب الانفساخ .
وسوف يقتصر الكلام في هذا البحث على الانفساخ الّذي لا يكون أثراً للفسخ .
أمّا الانفساخ الّذي هو أثر للفسخ فيرجع إليه تحت عنوان ( فسخ ) .
ما يرد عليه الانفساخ :
8 - محلّ الانفساخ العقد لا غيره ، سواء أكان سببه الفسخ أم غيره ، لأنّهم عرّفوا الانفساخ بانحلال ارتباط العقد ، وهذا المعنى لا يتصوّر إلاّ إذا كان هناك ارتباط بين الطّرفين بواسطة العقد . أمّا إذا أريد من الانفساخ البطلان والنّقض ، فيمكن أن يرد على التّصرّفات الّتي تنشأ عن إرادةٍ واحدةٍ ، وكذلك العهود والوعود ، كما يستعمل أحياناً في العبادات ويرد على النّيّات ، كانفساخ نيّة صلاة الفرض إلى النّفل ، وكذلك انفساخ الحجّ بالعمرة عند الحنابلة ، فإنّهم قالوا : إذا أحرم بالحجّ فصرفه إلى العمرة ينفسخ الحجّ إلى العمرة . وخالفهم في ذلك الحنفيّة والشّافعيّة في الجديد . قال ابن عابدين : ولا يجوز أن يفسخ نيّة الحجّ بعدما أحرم ، ويقطع أفعاله ، ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( إحرام ) .
أسباب الانفساخ :
9 - الانفساخ له أسباب مختلفة : منها ما هو اختياريّ ، وهو ما يأتي بإرادة أحد العاقدين أو بإرادة كليهما أو بحكم القاضي ، ومنها ما هو سماويّ وهو ما يأتي بدون إرادة العاقدين أو القاضي ، بل بعوامل خارجةٍ عن الإرادة لا يمكن استمرار العقد معها .
يقول الكاسانيّ : ما ينفسخ به العقد نوعان : اختياريّ وضروريّ ، فالاختياريّ هو أن يقول : فسخت العقد أو نقضته ونحوه ، والضّروريّ : أن يهلك المبيع قبل القبض مثلاً .
الأسباب الاختياريّة :
أوّلاً : الفسخ :
10 - المراد بالفسخ هنا ما يرفع به حكم العقد بإرادة أحد العاقدين أو كليهما ، وهذا يكون في العقود غير اللّازمة بطبيعتها ، كعقدي العاريّة والوكالة مثلاً ، أو ما يكون فيه أحد الخيارات ، أو بسبب الأعذار الّتي يتعذّر بها استمرار العقد ، أو بسبب الفساد .
وينظر حكم ذلك كلّه في مصطلحي : ( إقالة وفسخ ) .
ثانياً : الإقالة :
11 - الإقالة رفع العقد وإزالته برضى الطّرفين ، وهي سبب من أسباب الانفساخ الاختياريّة ، وترد على العقود اللّازمة ، كالبيع والإجارة . أمّا إذا كان العقد غير لازمٍ كالعاريّة ، أو لازماً بطبيعته ولكن فيه أحد الخيارات فلا حاجة فيه للإقالة ، لجواز فسخه بطريقٍ أخرى ، كما تقدّم . وينظر الكلام فيه تحت عنوان : ( إقالة ) .
أسباب الانفساخ غير الاختياريّة :
أوّلاً : تلف المعقود عليه :
تلف المعقود عليه له أثر في انفساخ بعض العقود ، والعقود نوعان :
12 - الأوّل : العقود الفوريّة : وهي الّتي لا يحتاج تنفيذها إلى زمنٍ ممتدٍّ يشغله باستمرارٍ ، بل يتمّ تنفيذها فوراً دفعةً واحدةً في الوقت الّذي يختاره العاقدان ، كالبيع المطلق والصّلح والهبة وغيرها . وهذا النّوع من العقود لا ينفسخ بتلف المعقود عليه إذا تمّ قبضه . فعقد البيع مثلاً يتمّ بالإيجاب والقبول ، وإذا قبض المشتري المبيع وهلك بيده لا ينفسخ العقد ، لأنّ الهالك ملك المشتري ، والمالك هو الّذي يتحمّل تبعة الهالك كما هو معروف ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء . أمّا إذا هلك المبيع بعد الإيجاب والقبول وقبل القبض ففيه تفصيل وبيان : فقد صرّح المالكيّة - وهو المفهوم من كلام الحنابلة - أنّه إذا كان المبيع ممّا فيه حقّ توفيةً لمشتريه ، وهو المال المثليّ من مكيلٍ أو موزونٍ أو معدودٍ ، ينفسخ العقد بالتّلف والضّمان على البائع . أمّا إذا كان المبيع معيّناً وكان عقاراً ، أو من الأموال القيميّة الّتي ليس لمشتريها حقّ توفيةٍ فلا ينفسخ العقد بالتّلف ، وينتقل الضّمان إلى المشتري بالعقد الصّحيح اللّازم . وأطلق الحنفيّة والشّافعيّة القول بانفساخ البيع إذا هلك المبيع قبل قبضه . قال السّمرقنديّ : ولو هلك المبيع قبل التّسليم فالهلاك يكون على البائع ، يعني يسقط الثّمن وينفسخ العقد . ومثله ما جاء في القليوبيّ : المبيع قبل قبضه من ضمان البائع ، فإن تلف بآفةٍ سماويّةٍ انفسخ البيع وسقط الثّمن عن المشتري .
13 - وهذا كلّه إذا تلف المبيع ، أمّا إذا تلف الثّمن ، فإن كان معيّناً دراهم أو دنانير أو غيرهما فحكمه حكم المبيع ، لو تلف انفسخ عند الشّافعيّة . وقال الحنفيّة : إذا هلك الثّمن قبل القبض فإن كان مثليّاً لا ينفسخ العقد ، لأنّه يمكن تسليم مثله ، بخلاف المبيع ، لأنّه عين وللنّاس أغراض في الأعيان . أمّا إن هلك الثّمن وليس له مثل في الحال ففيه خلاف . ولا أثر لتلف الثّمن في الانفساخ إذا لم يكن عيناً بأن كان نقداً دراهم أو دنانير ، لأنّه ليس مقصوداً بالعقد ، ولأنّ الدّراهم والدّنانير لا تتعيّن بالتّعيين في العقد .
هذا ، وأمّا إتلاف المبيع قبل القبض إن كان من قبل البائع ينفسخ به العقد بلا خلافٍ . وإن كان من قبل المشتري يعتبر قبضاً يوجب الضّمان عليه .
14 - الثّاني : العقود المستمرّة : وهي الّتي يستغرق تنفيذها مدّةً من الزّمن وتمتدّ بامتداد الزّمن حسب الشّروط المتّفق عليها بين الطّرفين والّتي تقتضيها طبيعة هذه العقود ، كالإجارة والإعارة والوكالة وأمثالها .
وهذا النّوع من العقود ينفسخ بتلف المعقود عليه ، سواء أكان قبل القبض أم بعده ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء في الجملة .
فعقد الإجارة مثلاً ينفسخ بهلاك العين المستأجرة . فإن تلفت قبل القبض أو عقيب القبض قبل مضيّ مدّةٍ يتمكّن المستأجر من الانتفاع بها ينفسخ العقد من أصله ويسقط الأجر . وإن تلفت العين المستأجرة بعد مضيّ شيءٍ من المدّة فإنّ الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدّة ، دون ما مضى ، ويكون للمؤجّر من الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة أو بقدر ما مضى من المدّة . وفي إجارة الدّوابّ صرّح الفقهاء : أنّه إذا وقعت الإجارة على دوابّ بعينها لحمل المتاع ، فماتت انفسخت الإجارة ، بخلاف ما إذا وقعت على دوابّ لا بعينها وسلّم الأجر إليه فماتت لا ينفسخ العقد ، وعلى المؤجّر أن يأتي بغير ذلك للمستأجر .
وكذلك إذا وقع على العين ما يمنع نفعها بالكلّيّة ، كما لو أصبحت الدّار المستأجرة غير صالحةٍ للسّكنى عند الجمهور ( المالكيّة والحنابلة وهو ظاهر مذهب الحنفيّة والأصحّ عند الشّافعيّة ) وذلك لزوال الاسم بفوات السّكنى ، لأنّ المنفعة المعقود عليها تلفت فانفسخت الإجارة ، كما لو استأجر دابّةً ليركبها فزمنت ( أي مرضت مرضاً مزمناً ) بحيث لا تصلح إلاّ لتدور في الرّحى . وفي قولٍ عند الحنفيّة ، وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة : لا ينفسخ العقد لكن له الفسخ ، لأنّ أصل المعقود عليه لا يفوت ، لأنّ الانتفاع بالعرصة ( وهي أرض المبنى ) ممكن بدون البناء ، إلاّ أنّه ناقص ، فصار كالعيب ومن العقود المستمرّة الّتي تنفسخ بتلف المعقود عليه عقد الشّركة وعقد المضاربة ، كما هو مبيّن في موضعهما . وكذلك عقد العاريّة بتلف المعار ، وتنتهي الوكالة الخاصّة بفوات محلّ الوكالة ، كما هو مبيّن في مصطلحي ( إعارة ، ووكالة ) . أمّا إذا غصب المحلّ وحيل بين الشّخص المنتفع والعين المنتفع بها فلا ينفسخ به العقد من تلقاء نفسه عند الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة ) بل للمستأجر حقّ الفسخ . وقال بعض الحنفيّة : إنّ الغصب أيضاً موجب للانفساخ ، لزوال التّمكّن من الانتفاع ، كما سيأتي .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:34 PM

ثانياً : موت أحد العاقدين أو كليهما :
15 - لا يؤثّر الموت في انفساخ جميع العقود على حدٍّ سواءٍ ، فبعض العقود يتمّ الغرض منها بعد الإيجاب والقبول فوراً ، فلا يحتاج إلى العاقدين وأهليّتهما بعد انعقادها ، كالبيع الّذي يفيد تملّك المشتري المبيع ، وتملّك البائع الثّمن فور إنشائه إن لم يكن مقروناً بالخيار فإذا مات أحد العاقدين أو كلاهما بعد إتمام العقد وانتقال ملكيّة البدلين لا ينفسخ العقد وعلى عكس ذلك ينتهي عقد النّكاح بموت أحد العاقدين ، لأنّ الغرض منه دوام العشرة وقد زال بالموت . وهذا ممّا اتّفق الفقهاء عليه .
وهناك عقود اختلف الفقهاء في انفساخها بالموت ، كعقد الإجارة والمزارعة والمساقاة ، وعقود أخرى اتّفقوا على انفساخها بالموت في الجملة ولكنّهم اختلفوا في تكييف انفساخها وتعليله ، كعقود العاريّة الوديعة والشّركة ، وتفصيل ذلك فيما يأتي :
أ - انفساخ العقود اللّازمة :
16 - العقود اللّازمة هو ما لا يستبدّ أحد العاقدين بفسخها ، كالبيع والإجارة والصّلح ونحوها . وبعض هذه العقود لا يحتاج إلى امتداد الزّمن ، فلا أثر للموت في انفساخها بعد تمامها ، كعقد البيع ، فإنّه لا ينفسخ بوفاة البائع أو المشتري بعد ما تمّ العقد بينهما ، ويقوم الورثة مقام المورّث فيما نشأ من آثار العقد .
وهناك نوع آخر من العقود اللّازمة يتوقّف آثارها على مرور الزّمن ، كعقد الإجارة ، وفي انفساخ عقد الإجارة بموت أحد العاقدين أو كليهما خلاف بين الفقهاء :
فجمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) على أنّ عقد الإجارة لا ينفسخ بموت العاقدين أو أحدهما ، بل تبقى إلى انقضاء المدّة ، لأنّها عقد لازم ، فلا ينفسخ بالموت ، كعقد البيع . ويخلف المستأجر وارثه في استيفاء المنفعة . وهذا في الجملة مع خلافٍ بينهم في بعض الفروع سيأتي ذكره . وقال الحنفيّة : إنّ الإجارة تنفسخ بموت أحد العاقدين إن عقدها لنفسه ، لأنّها عقد على المنفعة وهي تحدث شيئاً فشيئاً ، فتنعقد الإجارة بحدوثها شيئاً فشيئاً ، فلا تبقى بدون العاقد . وإن عقدها لغيره لم تنفسخ كالوصيّ والوليّ وقيّم الوقف ، ولأنّ من وقع عليه الموت إن كان هو المؤجّر فالعقد يقتضي استيفاء المنافع من ملكه ، ولو بقي بعد موته لاستوفيت المنافع من ملك غيره ، وهذا خلاف مقتضى العقد ، وإن كان هو المستأجر فالعقد يقتضي استحقاق الأجرة من ماله ، ولو بقي العقد بعد موته لاستحقّت الأجرة من مال غيره ، وهذا خلاف مقتضى العقد . بخلاف ما إذا مات من لم يقع له العقد كالوكيل ونحوه ، لأنّه لا يقتضي استحقاق المنافع ولا استحقاق الأجرة من ملكه ، فإبقاء العقد بعد موته لا يوجب تغيير موجب العقد . وأصل الخلاف يرجع إلى تكييف الإجارة في نقل المنافع . فالجمهور على أنّ الإجارة إذا تمّت وكانت على مدّةٍ معيّنةٍ ملك المستأجر المنافع المعقود عليها إلى المدّة ، ويكون حدوثها على ملكه . وكذلك المؤجّر يملك الأجرة بمجرّد العقد عند الشّافعيّة والحنابلة إذا لم يشترط فيها التّأجيل ، كما يملك البائع الثّمن بالبيع . فإذا مات أحد العاقدين بعد تمام العقد وقبل انقضاء المدّة يقوم الورثة مقام المتوفّى ولا ينفسخ العقد . وقال الحنفيّة : إلى المعقود عليه في الإجارة المنفعة ، والأجرة تستحقّ باستيفائها أو باشتراط التّعجيل . ولا يمكن استيفاء المنفعة لدى العقد ، لأنّها تحدث شيئاً فشيئاً ، وهي عقد معاوضةٍ ، فتقتضي المساواة فلا تجب الأجرة بنفس العقد ، فإذا استوفى المعقود عليه استحقّ الأجرة عملاً بالمساواة . وقول الجمهور بعدم انفساخ عقد الإجارة بموت العاقدين لا يعني أنّهم يخالفون في الانفساخ في جميع الحالات . فقد صرّحوا : أنّ عقد الإجارة ينفسخ بموت الأجير المعيّن ، وبموت المرضعة ، وموت الصّبيّ المستأجر لتعليمه وعلى رضاعه . وقد نقل عن الشّافعيّة في موت الصّبيّ المتعلّم أو المرتضع قول آخر بعدم الانفساخ .
ب - الانفساخ بالموت في العقود غير اللّازمة :
17 - العقود غير اللّازمة ( الجائزة ) هي ما يستبدّ أحد العاقدين بفسخها كالعاريّة والوكالة والشّركة الوديعة ونحوها .
وهذه العقود تنفسخ بوفاة أحد العاقدين أو كليهما ، لأنّها عقود جائزة يجوز لكلّ واحدٍ من الطّرفين فسخها في حياته ، فإذا ما توفّي فقد ذهبت إرادته ، وانتهت رغبته ، فبطلت آثار هذه العقود الّتي كانت تستمرّ باستمرار إرادة العاقدين ، وهذا الحكم متّفق عليه بين الفقهاء في الجملة . فعقد الإعارة ينفسخ بموت المعير أو المستعير عند جمهور الفقهاء : ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) ، لأنّها عقد على المنافع ، وهي تحدث شيئاً فشيئاً ، فيتجدّد العقد حسب حدوث المنافع ، ولا يمكن ذلك بعد وفاة أحد العاقدين ، كما علّله الحنفيّة ، ولأنّ العاريّة إباحة المنافع ، وهي تحتاج إلى الإذن ، وقد بطل بالموت ، فانفسخت الإعارة ، كما علّله الشّافعيّة والحنابلة .
أمّا المالكيّة فالعاريّة عندهم عقد لازم ، إذا كانت مقيّدةً بأجلٍ أو عملٍ ، فلا تنفسخ بموت المعير أو المستعير ، وتدوم إلى أن تتمّ المدّة ، أمّا إذا كانت العاريّة مطلقةً ففي انفساخها عند المالكيّة روايتان ظاهرهما عدم الانفساخ إلى العمل أو الزّمن المعتاد .
وكذلك عقد الوكالة ينفسخ بموت الوكيل أو الموكّل عند عامّة الفقهاء ، لأنّها عقد جائز ينفسخ بالعزل ، والموت في حكم عزل الوكيل . وإذا مات الوكيل زالت أهليّته للتّصرّف ، وإذا مات الموكّل زالت صلاحيّته بتفويض الأمر إلى الوكيل فتبطل الوكالة .
هذا ولا يشترط جمهور الفقهاء في انفساخ الوكالة علم الوكيل بموت الموكّل . واشترط بعض المالكيّة ( وهو رواية عند الحنابلة ) علم الوكيل بموت الموكّل في انفساخ الوكالة كما ذكره ابن رشدٍ . وهكذا الحكم في سائر العقود الجائزة كعقد الشّركة ، الوديعة وغيرهما تنفسخ بموت أحد العاقدين على تفصيلٍ في بعض الفروع يرجع إليها في مواضعها .
هذا ، وهناك عقود أخرى تعتبر لازمةً من جانب أحد العاقدين ، جائزةً من جانب العاقد الآخر ، كعقد الكفالة ، فهي لازمة من ناحية الكفيل الّذي لا يستبدّ بفسخها ، دون إذن المكفول له ، لكنّها جائزة من جانب المكفول له يستبدّ بفسخها . وكعقد الرّهن ، فهو لازم من قبل الرّاهن ، جائز من قبل المرتهن الّذي يستطيع فسخه بدون إذن الرّاهن .
وفيما يلي أثر الموت في انفساخ هذين العقدين :
أثر الموت في انفساخ عقد الكفالة :
18 - موت الكفيل أو المكفول لا تنفسخ به الكفالة ، ولا يمنع مطالبة المكفول له بالدّين ، فإذا مات الكفيل أو المكفول يحلّ الدّين المؤجّل على الميّت عند الجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّة ) وهو رواية عند الحنابلة ، تحصّل الدّين من تركة المتوفّى ، ولو ماتا خيّر الطّالب في أخذه من أيّ التّركتين . ولو مات المكفول له يحلّ الورثة محلّه في المطالبة . وفي روايةٍ أخرى عند الحنابلة لا يحلّ الدّين المؤجّل بموت الكفيل أو المكفول ، ويبقى مؤجّلاً كما هو .
أثر الموت في انفساخ عقد الرّهن :
19 - اتّفق الفقهاء على أنّ عقد الرّهن لا ينفسخ بموت أحد العاقدين بعد قبض المرهون ، فإذا مات الرّاهن أو المرهن يقوم الورثة مقام المتوفّى ، وتبقى العين المرهونة تحت يد المرتهن أو ورثته ، ولا سبيل إلى خلاص الرّهن إلاّ بقضاء الدّين أو إبراء من له الحقّ . والمرتهن أحقّ بالرّهن وبثمنه إن بيع في حياة الرّاهن أو بعد وفاته . وعقد الرّهن قبل قبض المرهون عقد غير لازمٍ عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) وكان المفروض أن ينفسخ بموت أحد العاقدين كسائر العقود الجائزة ، إلاّ أنّهم اختلفوا في انفساخه قبل القبض : فقال الحنابلة - وهو الأصحّ عند الشّافعيّة - لا ينفسخ بموت أحد العاقدين . فإن مات المرتهن قام وارثه مقامه في القبض ، لكن إن مات الرّاهن لم يلزم ورثته الإقباض . وقال الحنفيّة : وهي الرّواية الثّانية عند الشّافعيّة - إنّ عقد الرّهن ينفسخ بموت أحد العاقدين قبل القبض ، لأنّه عقد جائز .
أمّا المالكيّة فصرّحوا بأنّ الرّهن يلزم بالعقد ، ويجبر الرّاهن على التّسليم ، إلاّ أن يتراخى المرتهن عن المطالبة ، وعلى ذلك فلا ينفسخ بوفاة المرتهن ، ويقوم ورثته مقام مورّثهم في مطالبة المدين وقبض المرهون ، لكنّهم نصّوا على أنّ الرّهن ينفسخ بموت الرّاهن وفلسه قبل حوزه ولو جدّ فيه .
أثر تغيّر الأهليّة في انفساخ العقود :
20 - الأهليّة : صلاحيّة الإنسان لوجوب الحقوق له وعليه ، ولصدور الفعل منه على وجهٍ يعتدّ به شرعاً . وتعرض للأهليّة أمور تغيّرها وتحدّدها فتتغيّر بها الأحكام الشّرعيّة ، كما سيأتي في الملحق الأصوليّ . وتغيّر الأهليّة بما يعرض من بعض العوارض ، كالجنون أو الإغماء أو الارتداد ونحوها ، له أثر في انفساخ بعض العقود ، فقد صرّح جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) أنّ العقود الجائزة : مثل المضاربة ، والشّركة ، والوكالة ، الوديعة ، والعاريّة ، تنفسخ بجنون أحد العاقدين أو كليهما .
أمّا المالكيّة فعقد المضاربة عندهم عقد لازم بعد الشّروع في العمل ولهذا يورث ، وكذلك عقد العاريّة إذا كانت مقيّدةً بأجلٍ أو عملٍ ، فلا ينفسخان بالجنون .
أمّا في عقد الوكالة فقد صرّح المالكيّة أنّ جنون الوكيل لا يوجب عزله إن برأ ، وكذا جنون الموكّل وإن لم يبرأ ، فإن طال نظر السّلطان في أمره . ويفهم من ذلك حكم الشّركة ، لأنّ الشّريك يعتبر وكيلاً عن صاحبه في تصرّفاته الّتي يقوم بها عنه ، وكلاهما من العقود غير اللّازمة ( الجائزة ) . أمّا العقود اللّازمة كالبيع والإجارة ، فلا تنفسخ بالجنون بعد تمامها عند عامّة الفقهاء . حتّى إنّ الحنفيّة الّذين يقولون بانفساخ الإجارة بالموت ، لأنّها عقد على المنافع - وهي تحدث شيئاً فشيئاً - صرّحوا بعدم انفساخها بالجنون ، ففي الفتاوى الهنديّة : الإجارة لا تنفسخ بجنون الآجر أو المستأجر ولا بارتدادهما ، وإذا ارتدّ الآجر أو المستأجر في مدّة الإجارة ولحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه بطلت الإجارة ، وإن عاد مسلماً إلى دار الإسلام في مدّة الإجارة عادت الإجارة .
ولعلّ دليل التّفرقة بين انفساخ الإجارة بالموت وعدم انفساخها بالجنون عند الحنفيّة هو أنّ الموت سبب نقل الملكيّة ، فلو أبقينا العقد لاستوفيت المنافع أو الأجرة من ملك الغير ( الورثة ) وهذا خلاف مقتضى العقد ، بخلاف الجنون ، لأنّه ليس سبباً لانتقال الملكيّة ، فبقاء الإجارة لأنّ استيفاء المنافع والأجرة من ملك العاقدين .
21 - ومن العقود اللّازمة الّتي لا تنفسخ تلقائيّاً بالجنون عقد النّكاح ، لكنّه يعتبر عيباً يثبت به الخيار في فسخ العقد في الجملة عند جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) ر ( نكاح . فسخ ) .
22 - وردّة أحد الزّوجين موجبة لانفساخ عقد النّكاح عند عامّة الفقهاء . بدليل قوله تعالى : { لا هنّ حلّ لهم ولا هم يحلّون لهنّ } ، وقوله سبحانه : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } . فإذا ارتدّ أحدهما وكان ذلك قبل الدّخول انفسخ النّكاح في الحال ولم يرث أحدهما الآخر ، وإن كان بعد الدّخول قال الشّافعيّة - وهو رواية عند الحنابلة - حيل بينهما إلى انقضاء العدّة ، فإن رجع إلى الإسلام قبل أن تنقضي العدّة فالعصمة باقية ، وإن لم يرجع إلى الإسلام انفسخ النّكاح بلا طلاقٍ . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ، وهو رواية عند الحنابلة : إنّ ارتداد أحد الزّوجين فسخ عاجل بلا قضاءٍ فلا ينقص عدد الطّلاق ، سواء أكان قبل الدّخول أم بعده . وقال المالكيّة ، وهو قول محمّدٍ من الحنفيّة : إذا ارتدّ أحد الزّوجين انفسخ النّكاح بطلاقٍ بائنٍ . أمّا إذا أسلم أحد الزّوجين وتخلّف الآخر - ما لم يكن المتخلّف زوجةً كتابيّةً - حتّى انقضت عدّة المرأة انفسخ النّكاح في قول الجمهور ، سواء أكانا بدار الإسلام أم بدار الحرب . وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن كان المتخلّف عن الإسلام بدار الحرب فالحكم كذلك ، أمّا إن كان بدار الإسلام فلا بدّ من عرض الإسلام عليه ، فإن أسلم وإلاّ فرّق بينهما .
وهل يعتبر هذا الانفساخ طلاقاً أم لا ؟ اختلفوا فيه : فعند أبي حنيفة ومحمّدٍ – وهو رواية عند المالكيّة- إذا امتنع الزّوج عن الإسلام يعتبر هذا التّفريق طلاقاً ينقص العدد ، بخلاف ما إذا امتنعت المرأة عن الإسلام حيث يعتبر التّفريق فسخاً ، لأنّها لا تملك الطّلاق .
وذهب الجمهور ( الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة في المشهور وأبو يوسف من الحنفيّة ) إلى أنّه فسخ لا طلاق في كلتا الحالتين .
أثر تعذّر أو تعسّر تنفيذ العقد :
23 - المراد بذلك صعوبة دوام العقد ، وهو أعمّ من التّلف ، فيشمل الضّياع والمرض والغصب وغير ذلك . وهذا يكون بأمورٍ ، منها هلاك محلّ العقد ، وقد تقدّم الكلام عليه ، ومنها الاستحقاق وبيانه فيما يلي :
أثر الاستحقاق في الانفساخ :
24 - الاستحقاق : ظهور كون الشّيء حقّاً واجباً للغير ، فإذا بيع أو استؤجر شيء ثمّ ظهر بالبيّنة أنّه حقّ لغير البائع أو المؤجّر فهل ينفسخ العقد ؟ .
صرّح الحنفيّة أنّ الحكم بالاستحقاق لا يوجب فسخ العقد ، بل يوجب توقّفه على إجازة المستحقّ . فإذا لم يجز المستحقّ العقد ، أو رجع المشتري على بائعه بالثّمن ، أو طلب المشتري من القاضي أن يحكم على البائع بدفع الثّمن ، فحكم له بذلك ينفسخ العقد فيأخذ المستحقّ المبيع ، ويستردّ المشتري الثّمن من البائع .
وانفساخ البيع باستحقاق المبيع هو ما ذهب إليه المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
هذا إذا كان الاستحقاق قد ثبت بالبيّنة اتّفاقاً ، وكذلك إذا ثبت بإقرار المشتري ، أو نكوله عند بعض الفقهاء . وهذا إذا استحقّ كلّ المبيع . أمّا إذا استحقّ بعض المبيع ، فقيل : ينفسخ العقد في الكلّ ، وقيل : ينفسخ في الجزء المستحقّ فقط ، وقيل : يخيّر المشتري بين فسخ العقد في الجميع وبين فسخه في البعض المستحقّ .
وبعضهم فصّلوا بين ما إذا كان الجزء المستحقّ معيّناً أو مشاعاً .
هذا ، وللاستحقاق أثر في انفساخ عقد الإجارة والرّهن والهبة وعقد المساقاة وغيرها ممّا فصّله الفقهاء في مواضعه . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( استحقاق ) .
ثالثاً - الغصب :
25 - غصب محلّ العقد يوجب الانفساخ في بعض العقود ففي عقد الإجارة مثلاً صرّح الحنفيّة : أن لو غصبت العين المستأجرة من يد المستأجر سقط الأجر كلّه فيما إذا غصبت في جميع المدّة . وإن غصبت في بعضها سقط بحسابها لزوال التّمكّن من الانتفاع . وتنفسخ الإجارة بالغصب في المشهور عند الحنفيّة ، خلافاً لقاضي خان . فلو زال الغصب قبل نهاية المدّة لا تعود الإجارة على المشهور ، وتعود على قول قاضي خان فيستوفي باقي المدّة . وألحق المالكيّة الغصب بتلف المحلّ فحكموا بانفساخ العقد به . فقد صرّحوا أنّ الإجارة تنفسخ بتعذّر ما يستوفي من المنفعة ، والتّعذّر أعمّ من التّلف ، فيشمل الضّياع والمرض والغصب وغلق الحوانيت قهراً وغير ذلك .
أمّا الشّافعيّة والحنابلة فقالوا : إن غصبت العين المستأجرة فللمستأجر الفسخ ، لأنّ فيه تأخير حقّه ، فإن فسخ فالحكم فيه كما لو انفسخ ، وإن لم يفسخ حتّى انقضت مدّة الإجارة فله الخيار بين الفسخ والرّجوع بالمسمّى ، وبين البقاء على العقد ومطالبة الغاصب بأجر المثل . ولمعرفة تأثير الغصب في انفساخ العقود الأخرى يرجع إلى هذه العقود وإلى مصطلح ( غصب ) .
26 - هذا وهناك أنواع أخرى من التّعذّر توجب انفساخ العقد ، أو تعطي للعاقد خيار الفسخ ، منها ما يلي :
أوّلاً : عجز العاقد عن المضيّ في موجب العقد شرعاً ، بأن كان المضيّ فيه حراماً ، كما إذا استأجر شخصاً على قلع الضّرس إذا اشتكت ثمّ سكنت ، أو على قطع اليد المتآكلة إذا برأت ، أو استيفاء القصاص إذا سقط بالعفو ، ففي هذه الحالات تنفسخ الإجارة بنفسها .
ثانياً : تضمّن الضّرر بأن كان المضيّ في موجب العقد غير ممكنٍ إلاّ بتحمّل ضررٍ زائدٍ لم يستحقّ بالعقد ، كما إذا استأجر الطّبّاخ للوليمة ثمّ خالع المرأة ، أو استأجر دابّةً ليسافر عليها ففاته وقت الحجّ أو مرض ، أو استأجر ظئراً فحبلت ، ففي هذه الصّور وأمثالها اختلف الفقهاء بين قائلٍ بانفساخ العقد بنفسه ، وقائلٍ باستحقاق المستأجر الخيار في الفسخ .
ثالثاً : زوال المنفعة المعقود عليها ، كدارٍ انهدمت وأرضٍ غرقت وانقطع ماؤها . فهذه الصّور إن لم يبق فيها نفع أصلاً فهي كالتّالفة ينفسخ بها العقد ، كما سبق . وإن بقي فيها نفع غير ما استأجرها له ، مثل أن يمكنه الانتفاع بعرصة الدّار ، والأرض بوضع حطبٍ فيها ، أو نصب خيمةٍ في أرضٍ استأجرها للزّراعة ، انفسخ العقد فيهما عند البعض لزوال الاسم ، ولأنّ المنفعة الّتي وقع عليها العقد تلفت ، ولا تنفسخ عند الآخرين ، لأنّ المنفعة لم تبطل جملةً ، فأشبه ما لو نقص نفعها مع بقائها . فعلى هذا يخيّر المستأجر بين الفسخ والإمضاء .
الانفساخ في الجزء وأثره في الكلّ :
27 - انفساخ العقد في جزءٍ من المعقود عليه بسببٍ من الأسباب يؤدّي في بعض الأحوال إلى الانفساخ في المعقود عليه كلّه .
وهذا إن لم يكن الجزء الّذي ينفسخ فيه العقد قد قدّر نصيبه من العوض ، أو كان في تجزئة العقد ضرر بيّن لأحد العاقدين ، أو يجمع في عقدٍ واحدٍ بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز .
وهذا ما يعبّر عنه الفقهاء بتفريق الصّفقة . فإذا جمع في العقد ما يجوز عليه وما لا يجوز يبطل فيما لا يجوز بغير خلافٍ . وهل يبطل في الباقي ، يختلف ذلك باختلاف العقود ، وإمكان التّجزئة والاجتناب عن إلحاق الضّرر بأحد الطّرفين . وفي ذلك خلاف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح : ( تفريق الصّفقة ) .
28 - ومن هذا القبيل ما ذكر الفقهاء من المسائل الآتية :
أ - إن وقع العقد على مكيلٍ أو موزونٍ فتلف بعضه قبل قبضه لم ينفسخ العقد في الباقي ، ويأخذ المشتري الباقي بحصّته من الثّمن ، لأنّ العقد وقع صحيحاً ، فذهاب بعض المعقود عليه لا يفسخه ، لإمكان تبعيضه مع عدم إلحاق الضّرر بأحد الجانبين ، كما صرّح به الحنفيّة والحنابلة .
ب - وفي القواعد لابن رجبٍ الحنبليّ أنّه : إذا طرأ ما يقتضي تحريم إحدى المرأتين بعينها ، كردّةٍ ورضاعٍ اختصّت بانفساخ النّكاح وحدها بغير خلافٍ . وإن طرأ ما يقتضي تحريم الجمع بينهما ، فإن لم يكن لإحداهما مزيّة ، بأن صارتا أمّاً وبنتاً بالارتضاع ، ففي ذلك روايتان : أصحّهما يختصّ الانفساخ بالأمّ وحدها إذا لم يدخل بهما ، لأنّ الاستدامة أقوى من الابتداء ، فهو كمن أسلم على أمٍّ وبنتٍ لم يدخل بهما ، فإنّه يثبت نكاح البنت دون الأمّ .
ج - سبق أنّ مذهب الحنفيّة انفساخ عقد الإجارة بموت أحد العاقدين أو كليهما . فإذا أجّر رجلان داراً من رجلٍ ثمّ مات أحد المؤجّرين فإنّ الإجارة تبطل ( تنفسخ ) في نصيبه فقط ، وتبقى بالنّسبة لنصيب الحيّ على حالها . وكذا إذا مات أحد المستأجرين . ولو استأجر دارين فسقطت إحداهما فله أن يتركهما ، لأنّ العقد عليهما صفقةً واحدةً ، وقد تفرّقت ، فيثبت له الخيار .
د - لو باع دابّتين فتلفت إحداهما قبل قبضها انفسخ البيع فيما تلف كما هو معلوم . أمّا فيما لم يتلف فقد صرّح الحنفيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة : أنّه لا ينفسخ وإن لم يقبض ، بل يتخيّر المشتري بين الفسخ والإجازة ، فإن أجازه فبحصّته من المسمّى ، وفي قولٍ عند الشّافعيّة بجميع الثّمن ، وينفسخ في الجميع عندهم في أحد القولين .
هـ - لو استحقّ بعض المبيع انفسخ العقد كلّه في قولٍ عند الشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنابلة كما ذهب إليه المالكيّة إذا كان الجزء المستحقّ هو الأكثر وينفسخ العقد في الجزء المستحقّ وحده في قولٍ آخر عند الشّافعيّة ، وهو ما ذهب إليه الحنفيّة إذا كان الاستحقاق بعد القبض وكان المبيع ممّا لا يضرّ تبعيضه ، كما إذا اشترى ثوبين فاستحقّ أحدهما . وذهب بعض الفقهاء إلى ثبوت الخيار للمشتري بين الفسخ في الكلّ وبين الإمضاء في الباقي على تفصيلٍ ينظر في مصطلح : ( استحقاق ) .
آثار الانفساخ :
29 - آثار الانفساخ تختلف باختلاف العقود واختلاف أسباب الانفساخ ، وطبيعة المعقود عليه ، وهل هو باقٍ على حاله أم طرأ عليه التّغيير من الزّيادة أو النّقصان وغير ذلك . فلا تجمعها قواعد كلّيّة وأحكام شاملة ؟ .
وما أجمله الفقهاء من بعض الآثار في أنواعٍ خاصّةٍ من العقود ، لا يخلو عن استثناءاتٍ حسب طبيعة هذه العقود وما يؤثّر على انفساخها من عوامل ، وفيما يلي تفصيل بعض هذه الآثار .
أوّلاً : إعادة الطّرفين إلى ما قبل العقد :
أ - في العقود الفوريّة :
30 - ذكر الفقهاء في أكثر من موضعٍ أنّ الانفساخ يجعل العقد كأن لم يكن . وهذا صحيح في الجملة في العقود الفوريّة ( الّتي لا تتعلّق بمدّةٍ ) فعقد البيع مثلاً إذا انفسخ بسبب هلاك المبيع قبل القبض يرفع العقد من الأصل ويكون كأن لم يبعه أصلاً ، فيرجع المشتري على البائع بالثّمن إذا سلّمه إيّاه ، لأنّ الضّمان قبل قبض المبيع يكون على البائع على تفصيلٍ بين المنقول والعقار كما تقدّم .
ب - في العقود المستمرّة :
31 - أمّا الانفساخ في العقود المستمرّة ( الّتي تتعلّق بالمدّة ) فإنّه يرفع العقد من حينه قطعاً ، لا من أصله . ففي عقد الإجارة مثلاً ، صرّح الفقهاء أنّ المعقود عليه - الأجير المعيّن والدّابّة المعيّنة - إذا تلف ينفسخ العقد في الزّمان المستقبل لا في الزّمان الماضي ، فيلزمه أجرة ما مضى بحسابه ، وما لم يحصل فلا شيء عليه فيه . وكذلك الحكم في عقود العاريّة والشّركة ، والمضاربة والوكالة ونحوها ، إذا انفسخت فالانفساخ فيها يرفع العقد من حينه لا من أصله . وهذا في الجملة وتفصيله في مصطلحاتها .
ثانياً : أثر تغيير المحلّ قبل الانفساخ :
32 - انفساخ العقد يوجب زوال أثر العقد وردّ المعقود عليه إلى من كان له قبل العقد . فإذا كان قائماً ولم يتغيّر يردّ بعينه كالمبيع إذا انفسخ البيع بسبب الفساد أو الإقالة أو الخيار أو الاستحقاق ونحوها . ففي هذه الحالات وأمثالها تردّ العين المعقود عليها إلى صاحبها الأصليّ ، ويستردّ المشتري الثّمن من البائع . وكذلك إذا انفسخت الإجارة بموت أحد العاقدين أو بالاستحقاق أو بانتهاء المدّة ، فتردّ العين المأجورة إلى صاحبها ، إذا كانت قائمةً ولم تتغيّر . وهكذا الحكم في عقود الإيداع والإعارة والرّهن إذا انفسخت تردّ الوديعة والمعار والمرهون إلى أصحابها بعينها إذا كانت قائمةً .
33 - أمّا لو تغيّر المعقود عليه بأن زاد المبيع مثلاً فالحكم يختلف باختلاف سبب الانفساخ ، ففي انفساخ البيع بسبب الفساد ، إن كانت الزّيادة في المبيع منفصلةً عنه كالثّمرة واللّبن والولد ، أو متّصلةً متولّدةً من الأصل ، فإنّ هذا لا يمنع من ردّ أصل المبيع مع الزّيادة إلى البائع عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) .
ولو حصل التّغيّر بنقصان المبيع بيعاً فاسداً يردّ المبيع مع أرش النّقصان عند الجمهور خلافاً للمالكيّة ، فإنّ التّغيّر بالزّيادة أو النّقصان يعتبر تفويتاً للمبيع عندهم .
34 - وفي عقد الإجارة إذا تغيّر المأجور قبل الانفساخ ثمّ انفسخت الإجارة ، فإن كان التّغيّر بالنّقصان وبتقصيرٍ من المستأجر يلزمه ردّ المأجور مع أرش النّقصان .
وإن كان بالزّيادة كالغرس والبناء في الأرض وقد تمّت مدّة الإجارة ، فعلى المستأجر قلع الغرس وهدم البناء عند الحنفيّة والمالكيّة ، إلاّ إذا رضيا بدفع قيمة الغرس والبناء عند الحنفيّة ، ويخيّر المالك بين تملّك الغرس والبناء بقيمته ، أو تركه بأجرته عند الحنابلة والشّافعيّة . أمّا إذا كان التّغيّر في العين المستأجرة بالزّراعة وانفسخت الإجارة بانقضاء المدّة قبل أن يحين وقت حصادها ، فليس للمؤجّر إجبار المستأجر على تسليم الأرض المستأجرة له ، بل تترك بيد المستأجر إلى وقت الحصاد بأجر المثل . وهكذا الحكم في العاريّة ، لأنّهم صرّحوا أنّه ( إذا استعار أرضاً للزّراعة فزرعها ثمّ أراد صاحب الأرض أن يأخذها لم يكن له ذلك حتّى يحصد الزّرع ، بل يترك إلى وقت الحصاد بأجر المثل ) . ولا خلاف في أصل هذا الحكم بين الفقهاء . إلاّ أنّ الشّافعيّة قيّدوه بأن لا يكون تأخّر الزّرع بتقصير المستأجر أو المستعير . والحنابلة قيّدوه بأن لا يكون ذلك بتفريطهما .
ثالثاً : ضمان الخسارة النّاشئة عن الانفساخ :
35 - إذا انفسخ العقد بالتّلف ، كأن تلف المبيع قبل القبض ، أو تلفت العين المستأجرة بيد المستأجر فضمانها على البائع أو المؤجّر ، لأنّ الهالك من تبعة المالك ، وهذا باتّفاق الفقهاء في الإجارة ، أمّا في البيع فهناك تفصيل وخلاف يرجع إليه في ( بيع ) .
وإذا كان ذلك بالإتلاف والتّعدّي فضمانها على من أتلفها .
ففي عقد البيع مثلاً إتلاف المشتري للمبيع يعتبر قبضاً ، فالملك له والضّمان عليه .
وفي الإجارة يضمن المستأجر كلّ تلفٍ أو نقصٍ يطرأ على المأجور بفعلٍ غير مأذونٍ به .
والأصل أنّ المعقود عليه بعد انفساخ العقد أمانة بيد العاقد غير المالك . فالمبيع والمأجور الوديعة والعاريّة والمرهون ونحوها على خلافٍ فيها ، كلّها أمانة بعد الانفساخ بيد العاقد غير المالك إلاّ إذا امتنع عن تسليمها لأصحابها بدون عذرٍ . فإذا تلفت بغير تعدٍّ أو تقصيرٍ فلا ضمان فيه ، وإلاّ ففيه الضّمان . والمراد بالضّمان أداء المثل في المثليّات وأداء القيمة في القيميّات . وهذا كلّه في الجملة ، وتفصيله في مصطلح : ( ضمان ) .

انفصال *
التّعريف :
1 - الانفصال لغةً : الانقطاع ، يقال : فصل الشّيء فانفصل أي قطعه فانقطع ، فهو مطاوع فصل ، وهو ضدّ الاتّصال . والانفصال هو الانقطاع الظّاهر ، والانقطاع يكون ظاهراً وخافياً ، وهذا من حيث اللّغة . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - البينونة :
2 - البينونة تأتي بمعنى الانفصال ، وكثرت على ألسنة الفقهاء في الطّلاق غير الرّجعيّ .
الحكم الإجماليّ، ومواطن البحث :
4 - الأجزاء الّتي تنفصل من البدن تارةً تبقى لها الأحكام المتعلّقة بها قبل الانفصال ، وتارةً تتغيّر ، فالأوّل نحو كلّ عضوٍ يحرم النّظر إليه قبل الانفصال فإنّه يحرم النّظر إليه بعد الانفصال . فأجزاء العورة لا فرق في حرمة النّظر إليها قبل الانفصال وبعده ، على خلافٍ وتفصيلٍ ينظر في أحكام النّظر من باب الحظر والإباحة .
5- وممّا يتغيّر حكمه بالانفصال استدخال المرأة الذّكر المقطوع ، فلا حدّ فيه ، وإن حرم ذلك الفعل .
6- وما انفصل من أجزاء الميّت أخذ حكمه عند البعض ، يغسّل ويصلّى عليه ، ويدفن ، لإجماع الصّحابة رضي الله عنهم ، قال أحمد : صلّى أبو أيّوب على رِجْلٍ ، وصلّى عمر على عظامٍ بالشّام ، وصلّى أبو عبيدة على رءوسٍ بالشّام ، روى ذلك عبد اللّه بن أحمد بإسناده ، وقال الشّافعيّ : ألقى طائر يداً بمكّة من وقعة الجمل فعرفت بالخاتم ، وكانت يد عبد الرّحمن بن عتّاب بن أسيدٍ ، فصلّى عليها أهل مكّة ، وكان ذلك بمحضرٍ من الصّحابة ، ولم يعرف من الصّحابة مخالف في ذلك .
وقال أبو حنيفة ، ومالك : إن وجد الأكثر صلّي عليه ، وإلاّ فلا ، لأنّه بعض لا يزيد على النّصف فلم يصلّ عليه ، كالّذي بان في حياة صاحبه كالشّعر والظّفر .
ولم يفرّق الحنفيّة والمالكيّة بين أجزاء الحيّ وأجزاء الميّت المنفصلة عنه ، وقال الشّافعيّة : يستحبّ لفّ ودفن ما انفصل من حيٍّ كيد سارقٍ ، وظفرٍ ، وعلقةٍ ، وشعرٍ ، واستظهر بعضهم وجوب لفّ اليد ودفنها . وتنتهي العدّة بانفصال الولد عن رحم أمّه انفصالاً كاملاً ، وفي انفصال المضغة تفصيل يذكر في ( العدّة ) .
انفصال السّقط :
7 - السّقط إن انفصل حيّاً ثمّ مات فإنّه كالكبير في التّسمية ، والإرث ، والجناية عليه ، وفي غسله وتكفينه ، والصّلاة عليه ، ودفنه ، واستثنى بعض المالكيّة من ذلك التّسمية إن مات قبل اليوم السّابع من ولادته .
وإن انفصل ميّتاً ، فإنّه لا يصلّى عليه ، لكنّه يدفن ، وفي غسله خلاف بين الفقهاء : منهم من أوجب الغسل إن نفخ فيه الرّوح ، ومنهم من كره تغسيل السّقط مطلقاً ، وبعض الفقهاء يوجب تكفينه ، والبعض يكتفي بلفّه بخرقةٍ ، ويفصّل الفقهاء ذلك في كتاب ( الجنائز ) . وتسمية من ولد ميّتاً فيها خلاف كذلك ، فالبعض يقول بالتّسمية ، والبعض يمنعها ، ويتكلّمون عن ذلك في مبحث ( العقيقة والجنائز ) .
ولا يرث من انفصل بنفسه ميّتاً باتّفاق الفقهاء ، وكذا إذا انفصل بفعلٍ عند أغلب الفقهاء لا يرث ، وقال الحنفيّة : إنّه من جملة الورثة يرث ويورث ، لأنّ الشّرع لمّا أوجب على الجاني الغرّة فقد حكم بحياته ، ويذكر الفقهاء ذلك في ( الإرث ) ، والبعض يذكره في ( الجنائز ) .
8 - وانفصال الزّوجين يكون بواحدٍ من ثلاثة أمورٍ ، الفسخ أو الانفساخ ، والطّلاق ، والموت .
9 - وانفصال المستثنى عن المستثنى منه زمناً طويلاً في صيغ الإقرار واليمين ونحوهما يبطل الاستثناء ، وقيل يصحّ التّأخير ما دام المجلس ، ويتكلّم الأصوليّون عن ذلك في شرائط الاستثناء ، والفقهاء في الإقرار ، والطّلاق غالباً .
وبالإضافة إلى ما تقدّم بذكر الانفصال في الغسل ، والبيع - الزّيادة المنفصلة - وفي الرّهن - زيادة المرهون المنفصلة ، وفي الوصيّة .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:34 PM

أنقاض *
التّعريف :
1 - أنقاض : جمع مفرده نقض .
والنّقض - بكسر النّون وضمّها - المنقوض أي المهدوم .
والنّقض : اسم لبناء المنقوض إذا هدم ، والنّقض - بالفتح - الهدم .
واستعمله الفقهاء بالمعنى نفسه .
الأحكام الّتي تتعلّق به :
أوّلاً : حكم التّصرّف في أنقاض الوقف :
2 - ما انهدم من بناء الوقف فإنّه ينتفع بأنقاضه في عمارته ، فإن تعذّر إعادة عينه بيع وصرف الثّمن في عمارته .
وكذلك الحكم في المسجد إذا انهدم ، فإذا لم يمكن الانتفاع بالمسجد ولا إعادة بنائه انتفع بأنقاضه أو بثمنها في مسجدٍ آخر .
وهذا عند الحنابلة ، والحنفيّة غير محمّدٍ ، وبعض المالكيّة كابن زربٍ وابن لبابة ، وكذلك عند الشّافعيّة . إلاّ أنّه عندهم إذا لم ينتفع بأنقاض المسجد في مسجدٍ آخر فإنّه يحفظ ولا يباع . وعند محمّد بن الحسن يعود إلى الباني أو إلى الورثة .
وقال الشّيخ خليل والشّيخ عليش من المالكيّة بعدم جواز بيع نقض العقار الموقوف .
ثانياً : حكم نقض الأبنية المقامة :
الأبنية إمّا أن يقيمها الإنسان في ملك نفسه أو في ملك غيره .
ما يقيمه الإنسان في ملك نفسه :
3 - ما يقيمه الإنسان في ملك نفسه وكان فيه ضرر على الغير يجب نقضه ، وذلك كمن أخرج جناحاً إلى الطّريق وكان يضرّ بالمارّة فإنّه يجب نقضه لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضرار » . وهذا باتّفاقٍ . وما تولّد من سقوطه فهو مضمون على صاحبه . وهذا في الجملة وفي ذلك تفصيل : ( ر : جناية - تلف - ضمان ) .
ما يقيمه الإنسان في ملك غيره :
4 - ما يقيمه الإنسان في ملك غيره ، إمّا أن يكون بإذن صاحبه أو بدون إذنه .
أ - ما يقيمه الإنسان في ملك غيره بإذن صاحبه وذلك كمن يستعير أرضاً للبناء بإذن صاحبها . فإن كانت العاريّة مطلقةً أو مؤقّتةً بوقتٍ ، وشرط المعير على المستعير نقض البناء عند انتهاء الوقت أو عند الرّجوع ، فإنّ المستعير يلزم بنقض البناء لحديث :
« المسلمون على شروطهم » .
وإن كان المعير لم يشترط النّقض ، فإن رضي المستعير بالنّقض نقض ، وإن أبي لم يجبر عليه لمفهوم حديث : « ليس لعرقٍ ظالمٍ حقّ » ، ولأنّه بني بإذن ربّ الأرض ، ولم يشترط عليه قلعه ، وفي القلع ضرر بنقص قيمته بذلك . ويكون - في هذه الحالة - الخيار للمعير بين أخذ البناء بقيمته ، وبين قلعه مع ضمان نقصانه جمعاً بين الحقّين ، أو يبقيه بأجر مثله . وهذا عند الحنابلة والشّافعيّة .
وعند الحنفيّة إن كانت العاريّة مطلقةً أو مؤقّتةً وانتهى وقتها فللمالك أن يجبر المستعير على نقض البناء ، لأنّ في التّرك ضرراً بالمعير ، لأنّه لا نهاية له ولا غرر من جهته .
وإن كانت مؤقّتةً وأراد إخراجه قبل الوقت فلا يجبر المستعير على النّقض بل يكون بالخيار إن شاء ضمّن صاحب الأرض قيمة البناء قائماً سليماً وتركه له ، وإن شاء أخذ بناءه ولا شيء على صاحب الأرض . ثمّ إنّما يثبت نقض البناء إذا لم يكن النّقض مضرّاً بالأرض ، فإن كان مضرّاً بها فالخيار للمالك ، لأنّ الأرض أصل والبناء تابع ، فكان المالك صاحب أصلٍ فله الخيار ، إن شاء أمسك البناء بالقيمة ، وإن شاء رضي بالنّقض .
وعند المالكيّة : إذا انقضت مدّة الإعارة المشترطة أو المعتادة وفي الأرض بناء ، فالمعير بالخيار بين إلزام المستعير بالهدم ، وبين أخذ البناء ودفع قيمته منقوضاً .
ب - ما يقيمه الإنسان في ملك غيره بغير إذن صاحبه ، كمن غصب أرضاً وبنى فيها ، فإنّ الغاصب يجبر على نقض البناء متى طالبه ربّ الأرض بذلك ، ويلزم بتسويتها وأرش نقصها ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
إلاّ أنّه عند الحنفيّة إذا كانت الأرض تنقص بالنّقض فللمالك أخذ البناء وضمان قيمته منقوضاً ، وهو أيضاً رأي المجد ابن تيميّة من الحنابلة . وقال الكرخيّ من الحنفيّة : إن كانت قيمة البناء أكثر فإنّ الغاصب يضمن قيمة الأرض ولا يؤمر بالقلع .
وعند المالكيّة يخيّر المالك بين أخذ البناء ودفع قيمته منقوضاً ، وبين أمر الغاصب بهدمه وتسوية أرضه . ومن غصب لبناً أو آجرّاً أو خشبةً فأدخلها في البناء ، فعند الحنابلة والشّافعيّة يلزم الغاصب بردّها وإن انتقض البناء .
وعند الحنفيّة لا يملك المالك الاسترداد لأنّ المغصوب بالإدخال في البناء صار شيئاً آخر غير الأوّل ، ولذلك لا ينقض البناء . وقال الكرخيّ وأبو جعفرٍ : لا ينقض البناء إذا كان البناء حول الخشبة ، لأنّه غير متعدٍّ في البناء ، أمّا إذا بنى عليها ينقض البناء . وعند المالكيّة يخيّر المالك بين هدم البناء وأخذ ما غصب منه ، وبين إبقائه وأخذ قيمته يوم الغصب .
مواطن البحث :
5 - نقض البناء يأتي في مواطن متعدّدةٍ في كتب الفقه ، فهو يرد في إحياء الموات في ملك الغير أو بدون إذن الإمام ، وفي الشّفعة فيمن اشترى أرضاً وبنى فيها ثمّ حضر الشّفيع وقضى له بشفعة الأرض ، وفي باب الإجارة فيما إذا بنى المستأجر وانتهت مدّة الإجارة ، وفي الشّركة إذا طلب الشّريك نقض حائطٍ مشتركٍ ، وفي الصّلح .

انقراض *
التّعريف :
1 - الانقراض لغةً : الانقطاع ، والموت ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك .
الحكم الإجماليّ :
2 - أ - يختلف الأصوليّون في انقراض عصر أهل الإجماع ، أهو شرط في حجّيّة الإجماع ؟ ذهب الجمهور إلى أنّه لا يشترط ، وذهب جماعة من الفقهاء إلى أنّه يشترط ، وقيل إن كان الإجماع بالقول والفعل أو بأحدهما فلا يشترط ، وإن كان الإجماع بالسّكوت عن مخالفة القائل فيشترط ، روي هذا عن أبي عليٍّ الجبّائيّ ، وقال الجوينيّ : إن كان عن قياسٍ كان شرطاً . وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ ( إجماع ) .
3- ب - وفي الوقف ، يرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ الوقف لا يصحّ على من ينقرض كالوقف على الأولاد ، لأنّهم يشترطون التّأبيد في الوقف ، ويصحّ عند المالكيّة ، وفي هذه الحال ، إذا انقرض الموقوف عليهم ، لهم تفصيلات فيمن يرجع إليه الوقف ، تنظر في مصطلح ( وقف ) .

انقضاء *
التّعريف :
1 - الانقضاء : مطاوع القضاء . ومن معانيه لغةً : ذهاب الشّيء وفناؤه ، وانقضى الشّيء : إذا تمّ . ويأتي بمعنى الخروج من الشّيء والانفصال منه . قال الزّهريّ والقاضي عياض : قضى في اللّغة على وجوهٍ ، مرجعها إلى انقطاع الشّيء وتمامه والانفصال منه .
ويستعمله الفقهاء بهذه المعاني .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - إمضاء :
2 - يستعمل لفظ الإمضاء بمعنى الإنهاء ، يقال : أمضت المرأة عدّتها أي أنهتها ،
ويستعمل كذلك في إنفاذ الشّيء ، يقال أمضى القاضي حكمه : بمعنى أنفذه .
ب - انتهاء :
3 - يستعمل لفظ الانتهاء بمعنى الانقضاء فيقال : انتهت المدّة بمعنى انقضت ، وانتهى العقد بمعنى انقضى ، ويستعمل كذلك بمعنى الكفّ عن الشّيء ، وبمعنى بلوغ الشّيء والوصول إليه . يقال : انتهى عن الشّيء وانتهى إليه .
الحكم الإجماليّ :
ما يتعلّق بالانقضاء من أحكامٍ يكاد ينحصر في أسبابه وآثاره ، وبيان ذلك فيما يلي :
أسباب الانقضاء وآثاره :
4 - تختلف أسباب الانقضاء وآثاره باختلاف الموضوعات والمسائل الفقهيّة ، فما قد يكون سبباً لانقضاء شيءٍ لا يكون سبباً لانقضاء غيره ، بل قد تتنوّع الأسباب والآثار في موضوعٍ واحدٍ كما في العقود ، وعدّة المرأة ، وغيرهما . ولمّا كان الانقضاء هو بلوغ النّهاية في كلّ شيءٍ بحسبه ، لأنّ كلّ حادثٍ لا بدّ له من نهايةٍ ، فإنّه من العسير استقصاء ذلك في كلّ الموضوعات . لذلك سنكتفي بذكر الأمثلة الّتي توضّح ذلك .
أوّلاً : العقود :
تنقضي العقود لأسبابٍ متنوّعةٍ . ومنها :
انتهاء المقصود من العقد :
5 - كلّ عقدٍ له غاية أو غرض من إنشائه ، ويعتبر العقد منقضياً بتحقّق الغاية أو الغرض منه ، ومن أمثلة ذلك :
أ - عقد الإجارة :
إذا كان عقد الإجارة لمدّةٍ معيّنةٍ أو لمنفعةٍ معيّنةٍ فإنّ العقد ينقضي بانتهاء ذلك ، لأنّ الثّابت إلى غايةٍ ينتهي عند وجود الغاية . وهكذا كلّ عقدٍ مقيّد بزمنٍ أو منفعةٍ ينقضي بانتهاء ذلك ، مثل عقد الهدنة والعاريّة والمساقاة والمزارعة .
وإذا انقضى العقد ترتّبت عليه أحكامه من وجوب الرّدّ ، وثبوت حقّ الاسترداد ، واستقرار الأجرة ، أو القدر المعقود عليه . والضّمان بالتّعدّي ، أو التّفريط ، وإنذار الأعداء بعد انقضاء الهدنة ، وهكذا . والانقضاء في هذه العقود مقيّد بما إذا لم يكن هناك عذر يستدعي امتدادها فترةً أخرى دفعاً للضّرر . ( ر : إجارة . هدنة . مساقاة ) .
ب - عقد الوكالة :
ينقضي عقد الوكالة بتمام الموكّل فيه . فالوكالة بالشّراء مثلاً تنقضي بشراء الوكيل ما وكّل في شرائه ، لأنّ المقصود قد حصل فينقضي العقد بذلك ، وتترتّب عليه أحكامه من انعزال الوكيل ومنعه من التّصرّف ، ومثل ذلك يقال في الرّهن ينقضي بسداد الدّين ، وكذلك الكفالة تنقضي بالأداء أو الإبراء ، وتترتّب أحكام العقود من سقوط حقّ المطالبة ، وردّ المرهون ، والضّمان بالتّفريط أو التّعدّي وهكذا . ( ر : وكالة . رهن . كفالة ) .
فساد العقد :
6 - إذا كان العقد من العقود اللّازمة كالبيع ، ولكنّه وقع فاسداً ، كان من الواجب على كلٍّ من طرفيه فسخه ، لأنّ العقد الفاسد يستحقّ الفسخ حقّاً للّه عزّ وجلّ لما في الفسخ من رفع الفساد ، ورفع الفساد حقّ للّه تعالى على الخلوص ، فيظهر في حقّ الكلّ فكان فسخاً في حقّ النّاس كافّةً ، فلا تقف صحّته على القضاء ولا على الرّضى . ويجوز للقاضي فسخه جبراً على العاقدين . وينقضي العقد بالفسخ للفساد ، ويترتّب على ذلك وجوب ردّ المبيع ، والثّمن ، والضّمان عند تعذّر الرّدّ . وللفقهاء في ذلك تفصيل ( ر : بيع - فساد - عقود ) .
إنهاء صاحب الحقّ حقّه :
7 - ينقضي العقد بإنهاء من يملك ذلك ، سواء أكان الإنهاء من طرفٍ واحدٍ أم من الطّرفين ، ومن أمثلة ذلك :
أ - العقود الجائزة غير اللّازمة كالوكالة والشّركة والمضاربة والعاريّة :
هذه العقود يجوز فيها لكلّ واحدٍ من المتعاقدين فسخ العقد لأنّه غير لازمٍ ، ويعتبر العقد منقضياً بذلك ، وتترتّب عليه أحكام الفسخ من وجوب الرّدّ ، وثبوت حقّ الاسترداد ، ومن الضّمان بالتّفريط أو التّعدّي ، ومن ثبوت الحقّ في الرّبح .
هذا مع التّفصيل فيما إذا تعلّق بالوكالة حقّ ، أو كان رأس المال في المضاربة لم ينضّ وغير ذلك وينظر في ( وكالةٍ - مضاربةٍ - شركةٍ ) .
ب - الإقالة :
قد يصدر العقد مستكملاً أركانه وشروطه ، ومع ذلك يجوز للمتعاقدين فسخه برضاهما ، وذلك ما يسمّى بالإقالة ، فإذا تقايلا انفسخ العقد عند من يقول بأنّ الإقالة فسخ ، وانقضى العقد بذلك ويترتّب على الإقالة ردّ كلّ حقٍّ لصاحبه . ( ر : إقالة ) .
ج - عقد النّكاح :
ينقضي عقد النّكاح بالفرقة بين الزّوجين ، وذلك بإنهاء الزّوج له بالطّلاق البائن ، وكذلك يملك الزّوجان إنهاءه بالخلع ، وبذلك ينقضي عقد النّكاح وتترتّب أحكام الفرقة من عدّةٍ وغيرها . وينظر تفصيل ذلك في ( نكاحٍ - طلاقٍ ) .
د - العقود الموقوفة :
من العقود ما هو موقوف على إجازة غير العاقد ، كعقد الفضوليّ الّذي يتوقّف على إجازة صاحب الشّأن ، عند من يرى مشروعيّة هذا العقد ، كالحنفيّة والمالكيّة ، وللمالك أيضاً إنهاء العقد بعدم إجازته ، وبذلك ينقضي العقد .
استحالة التّنفيذ :
8 - قد يتعذّر تنفيذ العقد ، وذلك كما إذا هلك المبيع القيميّ في يد البائع قبل أن يتسلّمه المشتري ، وكذهاب محلّ استيفاء المنفعة في الإجارة ، وكموت الموكّل أو الوكيل أو الشّريك ، ففي هذه الحالات ينفسخ العقد وينقضي لاستحالة تنفيذه ، وتترتّب الأحكام المقرّرة في ذلك من سقوط الثّمن والأجرة ، وفي ذلك تفصيل ( ر : هلاك - انفساخ ) .
هذه هي أسباب انقضاء العقود غالباً مع وجود غيرها كالجنون ، وتعدّي الأمين في عقود الأمانات .
ثانياً : العدّة :
9 - تنقضي عدّة المعتدّة ، إمّا بوضع الحمل ، أو بانتهاء الأشهر أو بالأقراء .
وإذا انقضت العدّة ترتّب عليها أحكامه ، من انقطاع الرّجعة للمطلّقة رجعيّاً ، وانقطاع الإرث ، وانقطاع النّفقة ، والسّكنى ، وانتهاء الإحداد للمتوفّى عنها زوجها ، وإباحة الخروج من المنزل ، وحلّها للأزواج . وغير ذلك وينظر تفصيله في ( عدّةٍ ) .
ثالثاً : الحضانة والكفالة :
10 - إذا كان الطّفل بين أبويه فإنّ حضانته تكون لهما ، وتنقضي ببلوغ الطّفل ذكراً كان أو أنثى ، وهذا عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) . وعند المالكيّة تكون حضانة الذّكر لبلوغه ، والأنثى لدخول الزّوج بها .
أمّا إذا افترق الأبوان فإنّ الحضانة تكون للأمّ أوّلاً عند جميع الفقهاء ، لكنّهم يختلفون في وقت انقضاء حضانتها . فعند الشّافعيّة والحنابلة تنقضي حضانة الأمّ عند سنّ التّمييز ، وحدّدها الحنابلة بسبع سنين . قال الشّافعيّة : أو ثماني سنين ، ثمّ تكون الحضانة لمن يختاره الطّفل من أبويه إلى وقت البلوغ ، سواء أكان الطّفل ذكراً أم أنثى كما يقول الشّافعيّة أمّا الحنابلة فيجعلون التّخيير للذّكر ، أمّا الأنثى فتنتقل حضانتها إلى الأب دون تخييرٍ وعند المالكيّة تظلّ الحضانة للأمّ قائمةً بعد طلاقها ، ولا تنقضي حضانتها إلاّ ببلوغ الذّكر ودخول الأنثى . ويقول الحنفيّة . تنقضي حضانة الأمّ ببلوع الأنثى وباستغناء الذّكر ، بأن يأكل وحده ، ويشرب وحده ، ويستنجي وحده ، دون تقدير سنٍّ ، وذكر الخصّاف سبع سنين أو ثماني سنين . وإذا استغنى الذّكر أو بلغ سبع سنين أو ثمانياً كما يقول الخصّاف انعقلت حضانته للأب إلى بلوغه . ( ر : حضانة ) .
رابعاً : الإيلاء :
11 - ينقضي الإيلاء - وهو الحلف على ترك وطء الزّوجة - بالآتي :
أ - تعجيل مقتضي الحنث بالفيء قبل مضيّ مدّة الإيلاء - وهي أربعة أشهرٍ - بأن يفعل ما حلف على تركه وهو الوطء ، ويلزمه التّكفير .
ب - تكفير اليمين والوطء بعد المدّة المحلوف عليها .
ج - مضيّ مدّة الإيلاء وهي الأربعة الأشهر عند الحنفيّة ، إذ تبين الزّوجة منه بذلك من غير حاجةٍ إلى قضاء القاضي ، ويترتّب على انقضاء أجل الإيلاء إمّا وجوب الفيء أو الطّلاق الرّجعيّ كما يقول الجمهور ، أو البائن كما يقول الحنفيّة ، إلاّ إذا رضيت الزّوجة بالمقام معه دون فيءٍ كما يقول الجمهور . وينظر تفصيل ذلك في ( إيلاءٍ ) .
خامساً : المسح على الخفّين :
12 - ينقضي حكم المسح على الخفّين بالغسل الواجب ، وبتخرّق الخفّ كثيراً ، وبنزعه ، وبمضيّ المدّة ، وغير ذلك . ويترتّب على ذلك بطلان المسح . ( ر : المسح على الخفّين ) .
سادساً : صلاة المسافر :
13 - ممّا ينقضي به حكم قصر الصّلاة للمسافر انقضاء مدّة الإقامة المبيحة للقصر ، على خلافٍ بين الفقهاء في كونها أربعة أيّامٍ أو خمسة عشر ، وكذلك ينقضي بنيّة الإتمام ، وبدخول الوطن ، وغير ذلك . ( ر : صلاة المسافر ) .
سابعاً : انقضاء الأجل :
14 - ينقضي الأجل إمّا بالإسقاط أو بالسّقوط . ومثاله في الإسقاط : إسقاط المدين حقّه من الأجل . ويترتّب على ذلك أن يصبح الدّين حالّاً . ومثاله في السّقوط : انتهاء مدّته ، ويترتّب عليه إمّا بدء تنفيذ الالتزام ، كوجوب الزّكاة بانقضاء الحول على ملك النّصاب ، وإمّا إنهاء الالتزام كالإجارة المقيّدة بزمنٍ ، فإنّها تنقضي بانقضاء الأجل . وينظر تفصيل ذلك في ( أجلٍ ) . هذه بعض أمثلةٍ للانقضاء ، وغيرها كثير ، كانقضاء الحيض والنّفاس بانقطاع الدّم ، وانقضاء الحجر بالرّشد ، وانقضاء خيار الشّرط بانتهاء مدّته أو بالتّصرّف ممّن له الحقّ . وينظر تفصيل ذلك في مواضعه .
الاختلاف في الانقضاء :
15 - إذا تنازع طرفان في انقضاء شيءٍ أو بقائه ، فإنّ الحكم بالانقضاء وعدمه يختلف باختلاف التّصرّفات . ومن أمثلة ذلك :
أ - في الهداية : إذا قالت المعتدّة انقضت عدّتي وكذّبها الزّوج ، كان القول قولها مع اليمين ، لأنّها أمينة في ذلك ، وقد اتّهمت في ذلك فتحلف كالمودع .
ب - في جواهر الإكليل : إن اختلف البائع والمشتري في انقضاء الأجل ( بالنّسبة للثّمن ) لاختلافهما في مبدئه بأن قال البائع : أوّل الشّهر وقال المبتاع منتصفه ، ولا بيّنة لأحدهما ، وفاتت السّلعة فالقول لمنكر التّقضّي ، أي انقضاء الأجل مشترياً كان أو بائعاً ، بيمينه إن أشبه سواء أشبه الآخر أم لا ، لأنّ الأصل عدم انقضائه ، فإن لم تفت السّلعة حلفا وفسخ البيع .
ج - في المهذّب : إن اختلف الزّوجان في انقضاء مدّة الإيلاء فادّعت المرأة انقضاءها وأنكر الزّوج فالقول قول الزّوج ، لأنّ الأصل أنّها لم تنقض ، ولأنّ هذا اختلاف في وقت الإيلاء فكان القول فيه قوله .

انقطاع *
التّعريف :
1 - يأتي الانقطاع في اللّغة بمعانٍ عدّةٍ منها : التّوقّف والتّفرّق .
ويستعمله الفقهاء بهذه المعاني ، كما يطلقون لفظ المنقطع على الصّغير الّذي فقد أمّه من بني آدم .
والانقطاع عند المحدّثين : عدم اتّصال سند الحديث ، سواء سقط ذكر الرّاوي من أوّل الإسناد أو وسطه أو آخره ، وسواء أكان الرّاوي واحداً أم أكثر ، على التّوالي أو غيره ، فيشمل المرسل ، والمعلّق ، والمعضل ، والمدلّس ، إلاّ أنّ الغالب استعماله في رواية من دون التّابعيّ عن الصّحابيّ كمالكٍ عن ابن عمر .
وهذا أحد معانيه ، وله بعض المعاني يتكلّم عنها الأصوليّون في مبحث السّنّة ( المرسل ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
الانقراض :
2 - يعبّر الفقهاء بالانقطاع عن الشّيء الّذي لم يوجد أصلاً كالوقف على منقطع الأوّل ، أمّا الانقراض فيكون في الأشياء الّتي وجدت ثمّ انعدمت .
الحكم الإجماليّ :
3 - يختلف الحكم في الانقطاع باختلاف ما يضاف إليه ، ففي انقطاع دم الحيض أو النّفاس يكون الحكم كالآتي :
اتّفق الفقهاء على حرمة وطء الحائض والنّفساء قبل انقطاع دمهما ، واختلفوا هل يكون الغسل شرطاً لحلّ الاستمتاع بعد انقطاع الدّم ، أو يكفي أن تكون في حكم الطّاهرات ؟ . فذهب الجمهور إلى تحريم الوطء حتّى تغتسل أو تتيمّم إن كانت أهلاً له ، وقال أبو حنيفة : إن انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيّامٍ عنده حلّ الوطء في الحال ، وإن انقطع لأقلّه لم يحلّ حتّى تغتسل أو تتيمّم ، أو تصير الصّلاة ديناً في ذمّتها ، بأن يمضي وقت بعد انقطاع الدّم يتّسع للغسل أو التّيمّم والصّلاة ، وتفصيل ذلك في باب الحيض والنّفاس .
انقطاع الاقتداء بنيّة المفارقة :
4 - ينقطع الاقتداء في الصّلاة من جانب المأموم إن نوى مفارقة إمامه ، وفي كون الصّلاة مع المفارقة صحيحةً أو باطلةً خلاف بين الفقهاء ، منهم من يرى أنّها صحيحة مطلقاً ، ومنهم من يرى أنّها باطلة مطلقاً ، ويفرّق البعض بين نيّة المفارقة مع العذر وبدونه ، فهي مع العذر صحيحة ، وباطلة بدونه . ويفصّل الفقهاء ذلك في صلاة الجماعة والاقتداء . وكذلك تنقطع القدوة بخروج الإمام من صلاته ومع خروجه تنشأ بعض الأحكام ، فقد تبطل صلاته وصلاة المأمومين ، وقد يستخلف وتصحّ الصّلاة .
ويفصّل الفقهاء ذلك في ( صلاة الجماعة ، واستخلاف ) .
مواطن البحث :
5 - يذكر الفقهاء الانقطاع في المواضع الآتية : في انقطاع التّتابع في صوم الكفّارات الّتي يجب فيها التّتابع ، ككفّارة القتل والظّهار والإفطار في رمضان . وفي الوقف في شرط الموقوف عليه ، وهل يصحّ الوقف إن كان على منقطع الأوّل أو الآخر أو الوسط ؟ .
وفي إحياء الموات ، وحقوق الارتفاق أو المنافع المشتركة : أثناء الكلام عن بذل مياه الآبار إذا كانت تنقطع أو تستخلف ، وعمّا إذا حفر بئراً فانقطع به ماء بئر جاره .
وفي النّكاح : عند الكلام عن الغيبة المنقطعة ، ونقل الولاية بسببها .
وفي القضاء : عند الكلام على انقطاع الإنسان للقضاء والفتيا ، ورزق القاضي للمنقطع لهما ، وعند الكلام عن انقطاع الخصومة باليمين .

انقلاب العين *
انظر : تحوّل .

إنكار *
التّعريف :
1 - الإنكار لغةً : مصدر أنكر ويأتي في اللّغة لثلاثة معانٍ :
الأوّل : الجهل بالشّخص أو الشّيء أو الأمر . تقول : أنكرت زيداً وأنكرت الخبر إنكاراً ، ونكّرته ، إذا لم تعرفه . قال اللّه تعالى : { وجاء إخوة يوسفَ فدخلوا عليه فعَرَفَهُمْ وهم له مُنْكرون } . وقد يكون في الإنكار مع عدم المعرفة بالشّيء النّفرة منه والتّخوّف ، ومنه قوله تعالى : { فلمّا جاء آل لوطٍ المرسلون . قال إنّكم قوم مُنْكَرون } أي تنكركم نفسي وتنفر منكم ، فأخاف أن تطرقوني بشرٍّ .
الثّاني : نفي الشّيء المدّعى ، أو المسئول عنه .
والثّالث : تغيير الأمر المنكر وعيبه والنّهي عنه .
والمنكر هو الأمر القبيح ، خلاف المعروف .
واسم المصدر هنا ( النّكير ) ، ومعناه ( الإنكار )
أمّا في اصطلاح الفقهاء فيرد استعمال ( الإنكار ) بمعنى الجحد ، وبمعنى تغيير المنكر ، ولم يستدلّ على وروده بمعنى الجهل بالشّيء في كلامهم .
أوّلاً : الإنكار بمعنى الجحد
المقارنة بين الإنكار بهذا المعنى والجحد والجحود :
2 - ساوى بعض علماء اللّغة في المعنى بين الإنكار وبين الجحد والجحود .
قال في اللّسان : الجحد والجحود نقيض الإقرار ، كالإنكار والمعرفة .
وقال الجوهريّ : الجحود الإنكار مع العلم . يقال : جحده حقّه وبحقّه .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - النّفي :
3 - النّفي يكون بمعنى الإنكار أو الجحد ، وهو مقابل الإيجاب : وقيل الفرق بين النّفي وبين الجحد أنّ النّافي إن كان صادقاً سمّي كلامه نفياً ولا يسمّى جحداً ، وإن كان كاذباً سمّي جحداً ونفياً أيضاً ، فكلّ جحدٍ نفي . وليس كلّ نفيٍ جحداً . ذكره أبو جعفرٍ النّحّاس . قالوا : ومنه قوله تعالى : { وجَحَدوا بها واستيقنتها أنفسُهم ظلماً وعلوّاً } .
ب - النّكول :
4 - النّكول أن يمتنع من الحلف من توجّهت عليه اليمين في الدّعوى ، بقوله : أنا ناكل ، أو يقول له القاضي : احلف ، فيقول : لا أحلف . أو سكت سكوتاً يدلّ على الامتناع .
ج - الرّجوع :
5 - الرّجوع عن الشّيء تركه بعد الإقدام عليه . فالرّجوع في الشّهادة أن يقول الشّاهد أبطلت شهادتي ، أو فسختها ، أو رددتها .
وقد يكون الرّجوع عن الإقرار بادّعاء الغلط ونحوه .
د - الاستنكار :
6 - الاستنكار يأتي بمعنى عدّ الشّيء منكراً ، وبمعنى الاستفهام عمّا تنكره ، وبمعنى جهالة الشّيء مع حصول الاشتباه .
وبهذا يتبيّن أنّ الاستنكار يوافق الإنكار في مجيئهما بمعنى الجهالة ، وينفرد الإنكار بمجيئه بمعنى الجحد ، وينفرد الاستنكار بمجيئه بمعنى الاستفهام عمّا ينكر .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:35 PM

الأحكام الشّرعيّة المتعلّقة بالإنكار في الدّعوى .
7- يجب على المدّعي لإثبات حقّه أن يأتي ببيّنةٍ تثبت دعواه ، فإن لم تكن له بيّنة فإنّ المدّعى عليه يلزمه الجواب عمّا ادّعى عليه به ، فإمّا أن يقرّ ، وإمّا أن ينكر .
فإن أقرّ لزمه الحقّ ، وإن أنكر فعلى المدّعي البيّنة ، فإن أقام البيّنة قضى له ، وإن لم يقمها وطلب اليمين من المدّعى عليه حلّفه الحاكم ، فإن حلف برئ من المدّعي ، وإن نكل حكم عليه . وقيل : تردّ اليمين على المدّعي . هذا طريق الحكم إجمالاً ، لقول النّبيّ : « البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر »
وفي ذلك تفصيلات تنظر في ( إثباتٍ ، ودعوى ، حلفٍ ، إقرارٍ ، نكولٍ ) .
ما به يتحقّق الإنكار :
أوّلاً : النّطق :
8 - يتحقّق الإنكار بالنّطق . ويشترط في النّطق أن يكون صريحاً بحيث لا يحتمل إلاّ الإنكار ، كأن يقول لم تسلّفني ما تدّعيه . وهناك ألفاظ اختلف العلماء في كونها صريحةً أو غير صريحةٍ ، كأن يقول : لا حقّ له عندي . فإنّه لا يكون إنكاراً ، وهذا هو القول المقدّم عند المالكيّة ، وهو قول ابن القاسم ، ومذهب الحنفيّة .
والقول الآخر عند المالكيّة ، وهو قول للشّافعيّة ، وقول الحنابلة أن يكون إنكاراً ، لأنّ نفي المطلق يشمل نفي المقيّد ، فقوله ليس له عليّ حقّ نفي مطلق لحقّ المدّعي ، أيّاً كان سببه ، فيعتبر جواباً كافياً وإنكاراً موجباً للحلف بشروطه .
ثانياً : الامتناع من الإقرار والإنكار :
9 - لو قال المدّعى عليه : لا أقرّ ولا أنكر ، فقد اختلفت أقوال الفقهاء في حكم امتناعه هذا . فقال صاحبا أبي حنيفة رحمهم الله : هو إنكار ، فيستحلف بعده .
وعند الحنابلة - وهو قول للمالكيّة - إنّ قوله لا أقرّ ولا أنكر بمنزلة النّكول ، فيقضي بلا استحلافٍ ، كما يقضي على النّاكل عن اليمين ، وذلك بعد أن يعلمه القاضي أنّه إن لم يقرّ ولم ينكر حكم عليه . وقال أبو حنيفة ، وهو قول المالكيّة المقدّم عندهم : إن قال لا أقرّ ولا أنكر لا يستحلف ، لأنّه لم يظهر الإنكار ، ويحبس حتّى يقرّ وينكر .
وفي مذهب المالكيّة التّصريح بأنّ القاضي يؤدّبه حتّى يقرّ أو ينكر ، فإن استمرّ على امتناعه حكم عليه بغير يمينٍ . ونقل الكاسانيّ عن بعض الحنفيّة أنّ قوله لا أقرّ ولا أنكر إقرار .
ولم نر للشّافعيّة نصّاً في هذه المسألة .
ثالثاً : السّكوت :
10 - من ادّعى عليه أمام القضاء فسكت ، ففي اعتبار سكوته إنكاراً أقوال :
الأوّل : إنّ سكوته إنكار ، وهذا قول أبي يوسف من الحنفيّة ، وعليه الفتوى عندهم ، لأنّ الفتوى على قوله فيما يتعلّق بالقضاء ، وهو مذهب الشّافعيّة . قال صاحب البدائع : لأنّ الدّعوى أوجبت الجواب عليه ، والجواب إمّا إقرار وإمّا إنكار ، فلا بدّ من حمل السّكوت على أحدهما ، والحمل على الإنكار أولى ، لأنّ العاقل المتديّن لا يسكت عن إظهار الحقّ المستحقّ لغيره مع القدرة عليه ، فكان حمل السّكوت على الإنكار أولى ، فكان السّكوت إنكاراً دلالةً . وهذا إن كان سكوته لغير عذرٍ ، فإن كان لعذرٍ كما لو كان في لسانه آفة تمنعه عن التّكلّم ، أو في سمعه ما يمنعه من سماع الكلام ، فلا يعدّ سكوته إنكاراً .
وذكر الشّافعيّة من الأعذار أيضاً أن يسكت لدهشةٍ أو غباوةٍ . أمّا الأخرس فقالوا : إنّ تركه الإشارة بمنزله السّكوت . فعلى هذا القول يطلب القاضي من المدّعي البيّنة ، على ما صرّح به في درر الحكّام .
11 - القول الثّاني مذهب المالكيّة والحنابلة ، وهو ثاني قولين للشّافعيّة : أنّ سكوت المدّعى عليه بمنزلة النّكول ، فيحكم عليه القاضي بالسّكوت كما يحكم على المنكر النّاكل عن اليمين ، بعد أن يعلمه القاضي بحكم سكوته ، فيقول له : إن أجبت عن دعواه وإلاّ جعلتك ناكلاً وقضيت عليك ، وهذا هو المذهب عند الحنابلة . على أنّه لا يحكم عليه إلاّ بعد ردّ اليمين على المدّعي عند الشّافعيّة والحنابلة .
12 - القول الثّالث : وهو قول للحنابلة أيضاً : يحبسه القاضي حتّى يجيب عن الدّعوى .
غيبة المدّعى عليه بعد إنكاره :
13 - إذا حضر المدّعى عليه بين يدي القاضي ، فأنكر ما ادّعى عليه به ، ثمّ غاب قبل إقامة البيّنة عليه ، لم يجز الحكم عليه عند أبي حنيفة .
وكذا إذا سمعت البيّنة عليه ثمّ غاب قبل القضاء ، لأنّ الشّرط قيام الإنكار وقت القضاء .
وخالفه أبو يوسف رحمه الله ، فقال بصحّة القضاء في هذه الحال ، لأنّ الشّرط عنده الإصرار على الإنكار إلى وقت القضاء ، والإصرار ثابت بعد غيبته بالاستصحاب .
وكذلك الحكم عند الشّافعيّة القائلين بجواز القضاء على الغائب أصلاً .
وقال الحنابلة : يقضى على الغائب في الحقوق كلّها والمعاملات والمداينات والوكالات وسائر الحقوق إلاّ العقار وحده ، فإنّه لا يحكم عليه فيه إلاّ أن تطول غيبته ويضرّ ذلك بخصمه .
حكم المنكر :
14 - إذا ادّعي على إنسانٍ بشيءٍ فأنكر ، فإنّ البيّنة تطلب من خصمه ، فإن أقامها حكم له ، وإن لم يتمكّن من إقامتها فإنّ القاضي يستحلف المنكر إذا طلب خصمه تحليفه ، فإن حلف حكم ببراءته من المدّعي ، وإن نكل قضى عليه عند الحنفيّة والحنابلة ، أمّا عند المالكيّة والشّافعيّة فلا يقضي عليه حتّى يردّ اليمن على طالب الحقّ ، فإن حلف الطّالب حينئذٍ قضى له . ودليل استحلاف المنكر حديث : « البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر » السّابق ، وحديث وائل بن حجرٍ ، وفيه « أنّ رجلاً من حضرموت ، ورجلاً من كندة أتيا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال الحضرميّ : إنّ هذا غلبني على أرضٍ لي ورثتها عن أبي . وقال الكنديّ : أرضي وفي يدي لا حقّ له فيها . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : شاهداك أو يمينه . قال : إنّه لا يتورّع عن شيءٍ . قال : ليس لك إلاّ ذلك » .
شرط استحلاف المنكر :
15 - انفرد المالكيّة عن بقيّة المذاهب باشتراط شرطين لاستحلاف المنكر ، وعليه فقهاء المدينة السّبعة على ما ذكره ابن حجرٍ الهيتميّ في شرح الأربعين :
أ - أن يكون بين المتخاصمين مخالطة بدينٍ أو تكرّر بيعٍ ولو مرّةً ، فإن لم يكن بينهما مخالطة ، وأنكر ، ولم تكن بيّنة ، لم يثبت على المنكر شيء ، ولم يطالب بيمينٍ .
والمخالطة عندهم في كلّ معاملةٍ بحسبها .
واستثنوا مواضع تجب فيها اليمين بدون خلطةٍ : منها : أهل الظّلم ، والضّيف ، والمتّهم ، والمريض ، والصّنّاع فيما ادّعي عليهم استصناعه ، وأرباب الأسواق والحوانيت فيما ادّعي عليهم بيعه ، والرّفقاء في السّفر يدّعي بعضهم على بعضٍ ، الوديعة إذا ادّعيت على أهلها ، والمزايدة إذا ادّعي على من حضرها أنّه اشترى المعروض للبيع .
ب - أن يكون المدّعى عليه في دعوى التّعدّي والغصب ونحوهما معروفاً بمثل ما ادّعي عليه به ، فإن لم يكن متّهماً بمثله لم يستحلف .
وتفصيل ذلك في : دعوى ، وقضاءٍ ، ويمينٍ .
المواضع الّتي يستحلف فيها المنكر والّتي لا يستحلف فيها :
16- إنّه وإن كانت القاعدة أنّ « اليمين على من أنكر » إلاّ أنّ بعض الأمور لا استحلاف فيها ، لأنّ الحقوق نوعان :
الأوّل : حقوق اللّه تعالى ، كالعبادات والكفّارات والحدود : فيرى أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ واللّيث ، أنّ المنكر يستحلف فيها إذا اتّهم . وقد حكي عن الشّافعيّ فيمن تزوّج من لا تحلّ له ، ثمّ ادّعى الجهل . أنّه يحلف على دعواه . وكذا قال إسحاق في طلاق السّكران : يحلف أنّه ما كان يعقل ، وفي طلاق النّاسي : يحلف على نسيانه .
وقال الحنابلة : لا استحلاف في حقوق اللّه تعالى أصلاً . نصّ عليه أحمد في الزّكاة ، وبه قال طاووس والثّوريّ .
الثّاني : حقوق العباد . أجمع الفقهاء على الاستحلاف في الأموال ، واختلفوا في غيرها : فقال الشّافعيّ وأحمد في إحدى الرّوايات عنه : يستحلف في جميع حقوق الآدميّين .
وقال مالك : لا يستحلف إلاّ في كلّ دعوى لا تحتاج إلى شاهدين .
وعن أحمد : لا يستحلف إلاّ فيما يصحّ بذله . وفي روايةٍ ثالثةٍ : لا يستحلف إلاّ فيما يقضى فيه بالنّكول . ومثّل له ابن القيّم بمن ادّعى ديناً على ميّتٍ ، وللميّت وصيّ بقضاء دينه وتنفيذ وصاياه ، فأنكر . فإن كان للمدّعي بيّنة حكم بها ، وإن لم تكن له بيّنة ، وأراد تحليف الوصيّ على نفي العلم ، لم يكن له ذلك ، لأنّ مقصود التّحليف أن يقضى عليه بالنّكول ، والوصيّ لا يقبل إقراره بالدّين ، ولو نكل لم يقض عليه ، فلا فائدة في تحليفه .
وهذا الخلاف المتقدّم في حقوق الآدميّين هو في غير المؤتمن .
أمّا المؤتمن ففيه للعلماء ثلاثة أقوالٍ :
الأوّل : وهو قول أبي حنيفة ومالكٍ في روايةٍ عنه ، والشّافعيّ وأكثر الحنابلة ، عليه اليمين ، لأنّه منكر فيدخل في عموم الحديث السّابق : « اليمين على من أنكر » .
الثّاني : لا يمين ، لأنّه صدّقه ، ولا يمين مع التّصديق ، وهو قول الحارث العكليّ .
الثّالث : وهو الرّواية الأخرى عن مالكٍ ، وهو نصّ أحمد . لا يمين عليه إلاّ أن يتّهم ، لأنّه إذا قامت قرينة تنافي معنى الائتمان فقد اختلّ الائتمان .
وتفصيل ما عند الحنفيّة في هذه المسألة ، أنّ الاستحلاف لا يكون في الحدود واللّعان ، بأن ادّعت على زوجها أنّه قذفها بما يوجب اللّعان وأنكر الزّوج ذلك ، لأنّ الحدود تندرئ بالشّبهات ، واللّعان في معناها ، فلا يؤخذ فيهما بالنّكول .
واختلف قولهم فيما عدا ذلك . فقال أبو حنيفة : لا يستحلف المنكر في النّكاح والرّجعة والفيء في الإيلاء والرّقّ والاستيلاد والولاء . وقال أبو يوسف ومحمّد : يستحلف فيها . والفتوى على قولهما . وقيل عند المتأخّرين : ينبغي للقاضي أن ينظر في حال المدّعى عليه ، فإن رآه متعنّتاً يحلّفه أخذاً بقولهما ، وإن رآه مظلوماً لا يحلّفه أخذاً بقول أبي حنيفة .
ثمّ قد قال صاحب الأشباه : لا يستحلف في إحدى وثلاثين صورةً .
ونقل هذا صاحب الدّرّ وعدّدها بالتّفصيل ، وأضاف إليها هو وابن عابدين من الصّور ما تمّت به تسعاً وستّين صورةً .
حكم الإنكار كذباً :
17 - يجوز للمدّعى عليه الإنكار إن لم يكن للمدّعي عنده حقّ وكان مبطلاً في دعواه . أمّا إن كان المدّعى عليه عالماً بحقّ المدّعي عنده فلا يحلّ له الإنكار .
واستثنى الحنفيّة مسألتين يجوز فيهما الإنكار ، مع علمه بأنّ المدّعي محقّ :
الأولى : دعوى العيب القديم ، كما إذا ادّعى المشتري أنّ المال الّذي اشتريته منك فيه كذا ، فللبائع - ولو كان واقفاً على العيب القديم - أن ينكر وجوده حتّى يثبته المشتري ، ويردّه إليه ليتمكّن بدوره أن يردّه على من باعه إيّاه .
الثّانية : لوصيّ المتوفّى أن ينكر دين الميّت ولو كان عالماً بذلك .
هذا ما ذكره في درر الحكّام . وفي شرح الأتاسيّ على المجلّة ما يفيد أنّ القاعدة في ذلك أنّه يسوغ له الإنكار إن تحقّقت حاجته إلى البيّنة . قال : وهذا في مسائل منها : استحقّ المبيع في يد المشتري يعذر في الإنكار ، وإن علم صدق المدّعي ، إذ لو أقرّ هو لم يرجع على بائعه باليمين . وعند الشّافعيّة إذا نصب القاضي مسخّراً ( أي ممثّلاً للمدّعى عليه ) ينكر عن البائع جاز للمسخّر الإنكار وإن كان كاذباً . وعلّلوا ذلك بالمصلحة . ولعلّهم يقصدون مصلحة تمكين المدّعي من إقامة البيّنة ، لتكون البيّنة بناءً على إنكار منكرٍ .
وذكر المالكيّة أنّه يجوز الإنكار في حال الخوف على النّفس أو المال ، وجعلوا ذلك من باب الإكراه . قالوا : إذا استخفى الرّجل عند الرّجل من السّلطان الجائر الّذي يريد دمه أو ماله ، فسأله السّلطان عنه ، فستر عليه ، وجحد أن يكون عنده ، فقال له : احلف أنّه ليس عندك ، فحلف أنّه ليس عندي ، ليدفع عن نفسه ودمه ، أو ما دون ذلك من ماله ، فلا شيء عليه إن كان خائفاً على نفسه . أمّا إن كان آمناً على نفسه ، وإنّما أراد أن يقيه بيمينه فقد أجر فيما فعل ، ولزمه الحنث فيما حلف . قالوا : وكذلك فعل مالك في هذا بعينه .
أمّا التّخلّص من مثل هذا المأزق بالتّأويل والتّورية فينظر في مصطلح ( تورية )
جحد من عليه الحقّ كذباً ، إن كان الآخر جاحداً لحقّه :
18 - ذكر المالكيّة والحنابلة أنّ من عليه الدّين ليس له أن يجحده حتّى في حالة ما لو كان له دين قبل المدّعي ، وكان المدّعي قد جحده ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك » .
ولأنّ الدّين الّذي على المدّعى عليه إن كان من غير جنس دينه ، كأن يكون دين أحدهما ذهباً ودين الآخر فضّةً ، فإنّ الجحد هنا يكون كبيع الدّين بالدّين ، وهو لا يجوز ولو تراضيا . وإن كان الدّينان من جنسٍ واحدٍ كان ذلك من قبيل المقاصّة ، وهي لا تجوز إلاّ بالتّراضي . إذن ليس له تعيين حقّه بغير صاحبه .
وأجاز الشّافعيّة للمدين جحد دين من جحد دينه ، إذا كان على الجاحد مثل ما له عليه ، أو أكثر منه ، فتحصل المقاصّة بين الدّينين ، وإن لم توجد شروطها للضّرورة .
فإن كان له دون ما للآخر جحد من حقّة بقدره . ولم نجد للحنفيّة تعرّضاً لهذه المسألة .
تعريض القاضي بالإنكار في الحدود :
19 - للفقهاء في حكم تعريض القاضي بالإنكار للمقرّ بحدٍّ ، ثلاثة أقوالٍ :
الأوّل : وهو قول الحنفيّة والحنابلة وهو اختيار بعض المالكيّة ، والقول الصّحيح عند الشّافعيّة - كما قال النّوويّ - أنّ من أقرّ لدى الحاكم ابتداءً ، أو بعد دعوى بما يستوجب عقوبةً لحقّ اللّه تعالى ، كالزّنى والسّرقة ، فإنّ للحاكم أن يعرض له بالرّجوع عن الإقرار . وهذا عند الشّافعيّة على سبيل الجواز ، وعند الحنفيّة ، والحنابلة على سبيل الاستحباب . واحتجّوا لذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لماعزٍ لمّا أقرّ بالزّنى : « لعلّك قبّلت ، أو غمزت ، أو نظرت » . وقوله صلى الله عليه وسلم للّذي أقرّ بالسّرقة .« ما أخالك سرقت ». القول الثّاني : وهو للشّافعيّة ، أنّه لا يجوز التّعريض بالإنكار في ذلك أصلاً .
والقول الثّالث : وهو للشّافعيّة أيضاً ، أنّه يعرض له بالرّجوع إن كان المقرّ لا يعلم أنّ له الرّجوع . فإن كان يعلم ذلك لا يعرض له .
أمّا التّصريح بالرّجوع عن الإقرار بالحدّ ، وتلقين المقرّ ذلك ، فقد صرّح الشّافعيّة بعدم جوازه . قالوا : لا يقول له : " ارجع عن إقرارك " وأجازه الحنفيّة والحنابلة ، فقالوا : لا بأس بتلقينه الرّجوع . وهذا يفهم منه جواز التّصريح . ويؤيّده احتجاج صاحب المغني من الحنابلة بما رواه سعيد بن منصورٍ عن أبي الدّرداء أنّه أتي بجاريةٍ سوداء قد سرقت ، فقال لها : " أسرقت ؟ قولي : لا " فقالت : لا . فخلّى سبيلها .
الضّمان بعد إنكار الحقّ :
20 - إذا أنكر المودع الوديعة بعد طلب ربّها لها ، دخلت في ضمانه ، فإن تلفت بعد إنكاره ، كأن كانت دابّةً فماتت ، أو داراً فانهدمت ، يتقرّر عليه ضمانها ، ويضمنها بقيمتها ، لأنّه بإنكاره لها يكون غاصباً ، ولأنّ العقد ينفسخ بطلب المالك الوديعة وإنكار المودع لها ، لأنّه بإنكاره عزل نفسه عن الحفظ الّذي هو مقتضى العقد ، فيبقى مال الغير بيده بغير إذنه ، فيكون مضموناً ، فإذا هلك ضمنه .
ولو أنّ المودع عاد بعد إنكاره ، فأقرّ الوديعة ، لم يزل عنه الضّمان .
وقال بعض الحنفيّة : لا يضمن المودع الوديعة بالإنكار ، إلاّ إن نقلها من مكانها الّذي كانت فيه وقت الإنكار ، إن كانت ممّا ينقل ، وإن لم ينقلها من ذلك المكان بعد الجحود ، فهلكت ، لا يضمن . أمّا إن ردّ الوديعة إلى صاحبها بعد الإنكار وقبل تلفها فيزول الضّمان ، فلو أودعه إيّاها مرّةً ثانيةً فتلفت فإنّه لا يضمن .
قطع منكر العاريّة :
مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد : أنّه لا قطع على منكر الوديعة أو العاريّة أو الأمانة ، وكذلك مذهب المالكيّة ، كما يفهم من كلامهم ، وذلك لعدم الأخذ من حرزٍ .
قالوا : ولحديث : « ليس على خائنٍ ، ولا منتهبٍ ، ولا مختلسٍ ، قطع » .
والخائن هو جاحد الوديعة ونحوها .
والرّواية الأخرى عند الحنابلة ، وهي المذهب ، عدم وجوب القطع عليهم ، إلاّ جاحد العاريّة خاصّةً يجب قطعه باعتبار أنّه سارق ، لما ورد « أنّ امرأةً كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقطع يدها » . قال أحمد : لا أعلم شيئاً يدفعه . وقال الجمهور : في حديث المخزوميّة هذا ، إنّ أكثر رواياته أنّها " سرقت " فيؤخذ بها .
ويحتمل أنّها كانت تستعير وتجحد ، وكانت تسرق فقطعت لسرقتها لا لجحودها .
ويرجع في تفصيل هذه المسألة والخلاف فيها إلى مصطلح : ( سرقة ) .
الإنكار بعد الإقرار :
21 - من أقرّ بحقٍّ ثمّ رجع عن إقراره ، فإمّا أن يكون إقراره في الحدود الّتي لحقّ اللّه ، أو في غير ذلك :
أ - الإنكار بعد الإقرار بما هو حقّ للّه :
22 - لو أقرّ رجل بالزّنى أو نحوه ممّا فيه حقّ اللّه ، ثمّ أنكره أو رجع عنه ، فللفقهاء في ذلك اتّجاهات ثلاثة :
الأوّل : وهو قول الحنفيّة والحنابلة ، والقول المقدّم عند كلٍّ من المالكيّة والشّافعيّة : لا يلزمه حكم إقراره ، بل إذا رجع وأنكر السّبب أو أكذب نفسه ، أو أنكر إقراره به ، أو أكذب الشّهود - أي شهود الإقرار - سقط الحدّ ، فلم يقم عليه . ولو كان رجوعه أثناء إقامة الحدّ سقط باقيه . قال المرغينانيّ : لأنّ الرّجوع خبر محتمل للصّدق ، كالإقرار ، وليس أحد يكذّبه فيه ، فتتحقّق الشّبهة في الإقرار ، بخلاف ما فيه حقّ العبد وهو القصاص وحدّ القذف ، لوجود من يكذّبه ، وليس كذلك ما هو حقّ خالص للشّرع .
ومثل حدّ الزّنى في ذلك حدّ السّرقة وشرب الخمر .
الثّاني : أنّ الحدّ إذا ثبت بالإقرار لم يسقط بإنكاره أو الرّجوع عنه .
وهذا قول للشّافعيّة في السّرقة خاصّةً .
الثّالث : وهو قول للمالكيّة قاله أشهب ، وروي عن مالكٍ ، أنّ الرّجوع لا يقبل إلاّ بأمرٍ يعذر به المقرّ - لا مطلقاً - ومثال ما يعذر به المقرّ أن يقول وطئت زوجتي أو أمتي وهي حائض ، فظننت أنّه زنًى .
ب - الإنكار بعد الإقرار فيما هو حقّ للعباد :
23 - قال ابن قدامة : حقوق الآدميّين وحقوق اللّه الّتي لا تدرأ بالشّبهات كالزّكاة والكفّارات لا يقبل رجوعه عن إقراره بها . لا نعلم في هذا خلافاً . حتّى أنّه لو أقرّ بالسّرقة ، ثمّ رجع عنها ثبت المال ، لأنّه حقّ العبد ، وسقط القطع ، لأنّه حقّ اللّه .
غير أنّ الشّبهة الّتي عرضت من احتمال أن يكون صادقاً في رجوعه عن إقراره ، دعت بعض الفقهاء أن يقولوا إنّ القاضي ، إن رجع المقرّ في إقرارٍ ، لا يقضي عليه إلاّ بعد استحلاف خصمه أنّ الإقرار لم يكن باطلاً .
قال ابن قدامة : لو أقرّ أنّه وهب وأقبض الهبة ، أو أنّه قبض المبيع ، أو آجر المستأجر ، ثمّ أنكر ذلك وسأل إحلاف خصمه ، فإنّه لا يستحلف على روايةٍ عن أحمد ، وهو قول أبي حنيفة ومحمّدٍ ، لأنّ دعواه تكذيب لإقراره ، ولأنّ الإقرار أقوى من البيّنة ، ولو شهدت البيّنة فقال : حلّفوه لي مع بيّنته لم يستحلف . فكذلك هنا . قال : وفي الرّواية الثّانية يستحلف وهو قول الشّافعيّ وأبي يوسف ، وعليه الفتوى عند الحنفيّة ، لأنّ العادة جارية بالإقرار قبل القبض ، فيحتمل صحّة ما قاله ، فينبغي أن يستحلف خصمه لنفي الاحتمال .
أثر جحود العقود في انفساخها :
24 - إذا جحد أحد المتبايعين البيع أو غيره من العقود اللّازمة - غير النّكاح - لم يترتّب على إنكاره له انفساخ العقد ، وكان للآخر التّمسّك بالعقد ، وله بعد الإثبات المطالبة بتنفيذه . لكن إن رضي هذا الآخر بالفسخ قولاً ، أو بتركه الخصومة مع فعلٍ يدلّ على الرّضى بالفسخ ، كنقله المبيع إلى منزله ، ينفسخ العقد . فلو قال المالك : اشتريت منّي هذه الدّابّة ، وأنكر الآخر الشّراء ، فرضي البائع ، انفسخ البيع ، وكان له أن يركب الدّابّة ، ولو أنّ المشتري ادّعى الشّراء بعد رضى البائع بالفسخ لا يقبل ، لانفساخ العقد .
أمّا النّكاح فلو جحد الرّجل أنّه تزوّج المرأة ، ثمّ ادّعى الزّواج وبرهن ، يقبل منه برهانه عند الحنفيّة ، لأنّ النّكاح لا يحتمل الفسخ بسائر الأسباب فكذا بهذا السّبب . ويوافق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة الحنفيّة على أنّ إنكار الزّوج النّكاح لا يكون فسخاً .
وليس هو أيضاً طلاقاً عند الحنفيّة ، والشّافعيّة والحنابلة ولو نواه ، لأنّ الجحود هنا لعقد النّكاح ، لا لكونها امرأته . بخلاف ما لو قال : ليست هي امرأتي ، فإنّه إن نوى الطّلاق وقع طلاقاً . وعند المالكيّة : لو نوى الطّلاق بجحد النّكاح يكون طلاقاً ، كأنّهم جعلوه من كنايات الطّلاق .
أثر إنكار الرّدّة في حصول التّوبة منها :
25 - إذا ثبتت ردّة إنسانٍ بالبيّنة ، فأنكر أن يكون ارتدّ ، فللفقهاء في اعتبار ذلك الإنكار منه توبة قولان :
الأوّل : وهو قول الحنفيّة : أنّ من شهدت عليه البيّنة بالرّدّة ، وهو ينكرها ، وهو مقرّ بالتّوحيد وبمعرفة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبدين الإسلام ، فلا يتعرّض له ، لا لتكذيب الشّهود ، بل لأنّ إنكاره توبة ورجوع ، فيمتنع القتل فقط ، وتثبت بقيّة أحكام الرّدّة ، كحبوط عملٍ وبطلان وقفٍ ... إلخ .
الثّاني : وهو قول الشّافعيّة والحنابلة : يحكم بردّته ، ويلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلماً ، فإن لم يفعل استتيب ، فإن تاب وإلاّ قتل .
ولم يتعرّض المالكيّة لهذه المسألة فيما اطّلعنا عليه من كلامهم . هذا وقد نصّ الحنابلة على أنّه إن كان ثبوت ردّته بالإقرار . فإنّ إنكاره يكون توبةً ، ولا يتعرّض له ، كما في سائر الحدود . ولم نجد لغير الحنابلة نصّاً في ذلك ، والظّاهر أنّه موضع اتّفاقٍ .
الصّلح مع الإنكار :
26 - الصّلح عقد يتوصّل به إلى الإصلاح بين المتخاصمين .
والصّلح في الأموال نوعان : صلح مع الإنكار ، وصلح مع الإقرار .
والصّلح مع الإنكار عندما يكون المدّعى عليه يرى أنّه لا حقّ عليه ، فيدفع إلى المدّعي شيئاً افتداءً ليمينه وقطعاً للخصومة ، وصيانةً لنفسه عن التّبذّل بالمخاصمة في مجالس القضاء . وقد اختلف الفقهاء في صحّة مثل هذا الصّلح ، فأجازه الجمهور ، منهم أبو حنيفة ومالك وأحمد ، ومنعه الشّافعيّ . وأمّا متى كان المدّعى عليه مقرّاً بالحقّ فصالح عنه ببعضه ، فهو المسمّى بالصّلح مع الإقرار . وينظر تفصيل القول في نوعي الصّلح تحت عنوان ( صلح ) .
إنكار شيءٍ من أمور الدّين :
27 - لا يجوز للمسلم أن ينكر شيئاً من دين الإسلام . ولكن من أنكر شيئاً من أمور الدّين لا يحكم بكفره ، إلاّ إن كان ما أنكره أمراً مجمعاً عليه قد علم قطعاً مجيء النّبيّ صلى الله عليه وسلم به . كوجوب الصّلاة والزّكاة ، ولم يكن ذلك المنكر جاهلاً بالحكم ولا مكرهاً ، وهذا قول جمهور الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة .
واشترط بعض الحنفيّة وبعض المالكيّة وبعض الشّافعيّة أن يكون المجحود قد علم مجيء النّبيّ صلى الله عليه وسلم به بالضّرورة ، أي علماً ضروريّاً لا يتوقّف على نظرٍ واستدلالٍ . أو كما عبّر البعض : يعرفه كلّ المسلمين .
قال ابن الهمام في المسايرة : وأمّا ما أجمع عليه ، ولم يبلغ حدّ الضّرورة ، كاستحقاق بنت الابن السّدس مع البنت بإجماع المسلمين ، فظاهر كلام جمهور الحنفيّة الإكفار بجحده ، فإنّهم لم يشرطوا سوى القطع في الثّبوت . وأمّا عند من شرط كونه معلوماً بالضّرورة فلا يكفر عنده من جحد مثل هذا الحكم .
ونقل ابن عابدين عن بعض الحنفيّة أنّ المسائل الإجماعيّة تارةً يصحبها التّواتر عن صاحب الشّرع ، وتارةً لا يصحبها . فالأوّل يكفر جاحده لمخالفته التّواتر لا لمخالفته الإجماع . ونقل ابن حجرٍ الهيتميّ مثل ذلك عن بعض الشّافعيّة . وقريب من قول من اشترط في المجحود أن يكون معلوماً من الدّين بالضّرورة قول الحنابلة ، فإنّهم اشترطوا لما يكفر بإنكاره أن يكون ظاهراً بين المسلمين لا شبهة فيه ، وعبارة شرح المنتهى : من جحد حكماً ظاهراً بين المسلمين - بخلاف ( نحو ) فرض السّدس لبنت الابن مع بنت الصّلب ، وكان ذلك الحكم مجمعاً عليه إجماعاً قطعيّاً لا سكوتيّاً ، لأنّ فيه - أي الإجماع السّكوتيّ - شبهةً ، كجحد تحريم الزّنى ، أو جحد تحريم لحم الخنزير ، أو مذكّاة بهيمة الأنعام والدّجاج ، ومثله لا يجهله لكونه نشأ بين المسلمين ، أو كان مثله يجهله وعرف حكمه ، وأصرّ على الجحد ، كفر . وينظر التّفصيل في هذه المسألة تحت عنوان ( ردّة ) .
ثانياً :

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:35 PM

الإنكار في المنكرات
28 - إنكار المنكر هو النّهي عن معصية اللّه باليد أو باللّسان ، أو بالقلب . فمن رأى حدود اللّه تنتهك شرع له التّغيير ، لقول اللّه تعالى : { كنتم خيرَ أمّةٍ أُخْرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » .
وتفصيل القول في هذا الأمر ، وبيان آداب النّهي عن المنكر ينظر تحت عنوان . ( الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ) .
هذا ، وإنّ ترك النّبيّ صلى الله عليه وسلم الإنكار على ما يراه من الأفعال ، أو ما يسمعه من الأقوال ، يدلّ على جواز ذلك الفعل أو القول ، وأنّه لا بأس به شرعاً .
وهذا التّرك هو أحد أصول الأدلّة الشّرعيّة ، وهو نوع من أنواع السّنّة النّبويّة ، ويسمّيه الأصوليّون ( الإقرار ) أو ( التّقرير ) وينظر تفصيل مباحثه تحت عنوان ( تقرير ) وفي باب ( السّنّة ) من الملحق الأصوليّ .

إنماء *
التّعريف :
1 - الإنماء لغةً : مصدر أنمى ، وهو من نمى ينمي نمياً ، ونماءً ، وفي لغةٍ : نما ينمو نموّاً ، أي زاد وكثر ، ونمّيت الشّيء تنميةً جعلته ينمو . فالإنماء والتّنمية : فعل ما به يزيد الشّيء ويكثر . ونمى الصّيد : غاب ، والإنماء أن يرمي الصّيد فيغيب عن عينه ثمّ يدركه ميّتاً ، وعن ابن عبّاسٍ مرفوعاً : « كل ما أصميت ، ودع ما أنميت » .
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عمّا ورد في المعنى اللّغويّ .
ثمّ النّماء هو الزّيادة ، أي ما يكون نتيجة الإنماء غالباً ، كما يقول الفقهاء ، وقد يكون النّماء ذاتيّاً .
والنّماء نوعان : حقيقيّ وتقديريّ ، فالحقيقيّ الزّيادة بالتّوالد والتّناسل والتّجارات . والتّقديريّ : التّمكّن من الزّيادة بكون المال في يده أو يد نائبه .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّثمير والاستثمار :
2 - التّثمير والاستثمار كالإنماء أيضاً ، يقال : ثمّر ماله إذا نمّاه .
ب - التّجارة :
3 - التّجارة تقليب المال بالمعاوضة لغرض الرّبح .
فهي بذلك من الأعمال الّتي يطلب بها زيادة المال وتعتبر وسيلةً من وسائل تنميته .
ج - الاكتساب :
4 - الاكتساب هو طلب الرّزق . وأصل الكسب السّعي في طلب الرّزق والمعيشة ، وفي الحديث : « أطيب ما أكل الرّجل من كسبه ، وولده من كسبه » .
فالاكتساب هو طلب المال ، سواء أكان بتنمية مالٍ موجودٍ ، أم بالعمل بغير مالٍ ، كمن يعمل بأجرةٍ . أمّا الإنماء فهو العمل على زيادة المال ، وبذلك يكون الاكتساب أعمّ من الإنماء .
د - الزّيادة :
5 - الإنماء هو فعل ما يزيد به الشّيء ، كما سبق ، أمّا الزّيادة فهي الشّيء الزّائد أو المزيد على غيره ، وفي الفروق في اللّغة : الفعل نما يفيد زيادةً من نفسه ، وزاد لا يفيد ذلك . يقال : زاد مال فلانٍ بما ورثه عن والده ولا يقال ذلك في نما .
ومعنى ذلك أنّ الإنماء هو العمل على أن تكون الزّيادة نابعةً من نفس الشّيء وليست من خارجٍ ، أمّا الزّيادة فقد تكون من خارجٍ فهي أعمّ .
ويقسّم الفقهاء الزّيادة إلى متّصلةٍ ومنفصلةٍ ، ويقسّمون كلّاً منهما إلى متولّدةٍ وغير متولّدةٍ ، فالزّيادة المتّصلة المتولّدة كالسّمن والجمال ، وغير المتولّدة كالصّبغ والخياطة ، والزّيادة المنفصلة المتولّدة كالولد والثّمر ، وغير المتولّدة كالأجرة .
هـ- الكنز :
6- الكنز مصدر كنز ، وهو أيضاً اسم للمال إذا أحرز في وعاءٍ . وقيل : الكنز المال المدفون ، وتسمّي العرب كلّ كثيرٍ مجموعٍ يتنافس فيه كنزاً ، ويطلق على المال المخزون والمصون ، ومنه قوله تعالى : { والّذين يكنزون الذّهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشّرهم بعذابٍ أليمٍ } وفي الحديث : « كلّ مالٍ لا تؤدّى زكاته فهو كنز » .
فالكنز ضدّ الإنماء .
و- تعطيل :
7 - التّعطيل التّفريغ ، والمعطّل الموات من الأرض ، وإبل معطّلة لا راعي لها ، وعطّل الدّار أخلاها ، وتعطّل الرّجل إذا بقي لا عمل له ، ويقول الفقهاء : من تحجّر أرضاً وترك عمارتها ، قيل له : إمّا أن تعمّر وإمّا أن ترفع يدك ، فإن استمرّ تعطيلها فمن عمّرها فهو أحقّ بها ، لقول عمر رضي الله عنه : من تحجّر أرضاً فعطّلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها فهم أحقّ بها . فالتّعطيل أيضاً ضدّ الإنماء .
ز - القنية :
8 - القنية ( بكسر القاف وضمّها ) الكسبة ، واقتنيته : كسبته ، ويقال : اقتنيته أي اتّخذته لنفسي قنيةً لا للتّجارة ، والقنية الإمساك ، وفي الزّاهر : القنية : المال الّذي يؤثّله الرّجل ويلزمه ، ولا يبيعه ليستغلّه .
والفقهاء يفرّقون في وجوب الزّكاة بين ما يتّخذ للقنية أي للملك وما يتّخذ للتّجارة .
فالقنية أيضاً تعطيل للمال عن الإنماء .
ح - ادّخار :
9 - الادّخار : إعداد الشّيء وإمساكه لاستعماله لوقت الحاجة ، وفي الحديث :
« كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحيّ فوق ثلاثٍ ، فأمسكوا ما بدا لكم » .
فالمال في حال الادّخار معطّل عن الإنماء .
أوّلاً :
الإنماء بمعنى زيادة المال
حكم إنماء المال :
تمهيد :
10 - الإنسان بالنّسبة للمال : إمّا أن يكون مالكاً للرّقبة ( العين ) وللتّصرّف فيها ، كالشّيء الّذي يتملّكه الإنسان بشراءٍ أو هبةٍ أو إرثٍ ويكون تحت يده وأهلاً للتّصرّف فيه ، وإمّا أن يكون مالكاً للرّقبة فقط دون التّصرّف كالمحجور عليه ، وإمّا أن يكون مالكاً للتّصرّف فقط دون الرّقبة كالوليّ والوصيّ والوكيل وناظر الوقف والقاضي والسّلطان فيما يرجع إلى بيت المال ، وإمّا أن يكون لا يملك الرّقبة ولا التّصرّف كالغاصب والفضوليّ والمرتهن والمودع والملتقط في مدّة التّعريف .
حكم الإنماء بالنّسبة لمالك الرّقبة والتّصرّف :
مشروعيّته :
11 - إنماء المال الّذي يملكه الإنسان ويملك التّصرّف فيه جائز مشروع ، والدّليل على مشروعيّته ، أنّ اللّه تعالى أحلّ البيع والتّجارة حتّى في مواسم الحجّ ، وذلك العمل وسيلة للإنماء كما يقول الفقهاء .
يقول اللّه تعالى : { وأحلّ اللّه البيع وحرّم الرّبا } ، ويقول : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم } ويقول : { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللّه } أي يسافرون للتّجارة ، ويقول : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربّكم } يعني في مواسم الحجّ .
كما ورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دفع إلى عروة البارقيّ ديناراً ليشتري له شاةً فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينارٍ وأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بشاةٍ ودينارٍ فدعا له بالبركة » وكذلك يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « التّاجر الصّدوق الأمين مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء » . ويقول : « الجالب مرزوق والمحتكر محروم أو ملعون » ، ويقول : « لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابّة ولا شيء إلاّ كانت له صدقة » . ويقول : « نعم المال الصّالح للرّجل الصّالح » .
ولتحصيل هذا الغرض ( وهو الإنماء ) أباحت الشّريعة أنواعاً من العقود كالشّركات .
وقد روي عن جماعةٍ من الصّحابة أنّهم دفعوا مال اليتيم مضاربةً ، كذلك بعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم والنّاس يتعاملون بالشّركة والمضاربة فأقرّهم ولم ينكر عليهم .
حكمة المشروعيّة :
12 - شرع للإنسان تنمية ماله حفاظاً على المال لمصلحته ومصلحة الجماعة ، والحفاظ على المال مقصد من مقاصد الشّريعة ، ولذلك منع منه السّفهاء حتّى لا يضيّعوه . ومن وسائل حفظه تنميته بتجارةٍ أو زراعةٍ أو صناعةٍ أو غير ذلك ، ولذلك يقول الفقهاء في الحكمة من مشروعيّة الشّركة : الشّركة وضعت لاستنماء المال بالتّجارة لأنّ غالب نماء المال بالتّجارة ، والنّاس في الاهتداء إلى التّجارة مختلفون بعضهم أهدى من بعضٍ ، فشرعت الشّركة لتحصيل غرض الاستنماء ، وحاجة النّاس إلى استنماء المال متحقّقة ، فشرعت هذه العقود لمصالح العباد .
وفي القراض يقول الفقهاء ، إنّ الضّرورة تدعو إليه لاحتياج النّاس إلى التّصرّف في أموالهم وتنميتها بالتّجر فيها ، فهو من المصالح العامّة ، وليس كلّ أحدٍ يقدر عليه بنفسه ، فيضطرّ إلى الاستنابة عليه .
إنماء المال بحسب نيّة الشّخص :
13 - الإنماء نوع من أنواع الاكتساب ، ويختلف حكمه بحسب الغرض منه .
فيفرض إن كان لتحصيل المال بقدر الكفاية لنفسه وعياله وقضاء ديونه .
ويستحبّ الزّائد على الحاجة إذا كان الغرض منه مواساة الفقير ونفع القريب وهو حينئذٍ أفضل من التّفرّغ لنفل العبادة .
ويباح الزّائد إذا كان بغرض التّجمّل والتّنعّم لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم . « نعم المال الصّالح للرّجل الصّالح » .
ويكره ( أي كراهة تحريمٍ ) الزّائد إذا كان للتّفاخر والتّكاثر والبطر والأشر وإن كان من حلٍّ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من طلبها حلالاً مكاثراً لها مفاخراً لقي اللّه تعالى وهو عليه غضبان » .
حكم الإنماء بالنّسبة لمن يملك التّصرّف دون الرّقبة
14 - من يملك التّصرّف في المال دون الرّقبة كالوليّ والوصيّ وناظر الوقف والوكيل والقاضي والسّلطان . هؤلاء يتصرّفون فيما يلونه من أموال اليتامى والقصّر وأموال الوقف والموكّل وبيت المال بإذنٍ شرعيٍّ ، وهم أمناء على هذه الأموال ، ونظرهم فيها يكون بما فيه الحظّ لأربابها ، ولذلك يجوز لهم إنماء هذه الأموال لأنّه أوفر حظّاً .
يقول الفقهاء : الوكيل والوصيّ والوليّ والقاضي والسّلطان فيما يرجع إلى بيت المال يتصرّفون بإذنٍ شرعيٍّ .
وللوصيّ دفع المال إلى من يعمل فيه مضاربةً نيابةً عن اليتيم ، وللقاضي - حيث لا وصيّ - إعطاء مال الوقف والغائب واللّقطة واليتيم مضاربةً . ولناظر الوقف تنميته بإيجارٍ أو زرعٍ أو غير ذلك . وللإمام النّظر فيما يرجع إلى بيت المال بالتّثمير والإصلاح ، وقد استدلّ الفقهاء على جواز تصرّف هؤلاء المذكورين بالإنماء فيما يلونه من أموالٍ بالآتي :
أ - ما رواه عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من ولي يتيماً له مال فليتّجر له بماله ولا يتركه حتّى تأكله الصّدقة » .
ب - ما روي عن جماعةٍ من الصّحابة أنّهم دفعوا مال اليتيم مضاربةً ، منهم : عمر وعثمان وعليّ وعبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنهم .
ج - ما روي أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم : دفع إلى عروة البارقيّ ديناراً ليشتري له شاةً ، فاشترى شاتين ، فباع إحداهما بدينارٍ ، وأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بشاةٍ ودينارٍ ، فدعا له بالبركة » .
د - استدلّوا على أنّ الإمام له النّظر في أموال بيت المال بالتّثمير والإصلاح ، بما روي" أنّ عبد اللّه وعبيد اللّه ابني عمر بن الخطّاب أخذا من أبي موسى الأشعريّ - وهو أمير البصرة - مالاً من بيت المال ليبتاعا ويربحا ، ثمّ يؤدّيا رأس المال إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ، فأبى عمر ، وجعل المال قراضاً ، وأخذ نصف الرّبح لبيت المال وترك لهما النّصف ".
هـ - كما ورد أنّ أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه كان يرسل إبل الصّدقة إذا كانت عجافاً إلى الرّبذة وما والاها ترعى هناك .
حكم الإنماء بالنّسبة لمن يملك الرّقبة دون التّصرّف
من يملك الرّقبة ولا يملك التّصرّف كالسّفيه عند غير الحنفيّة ، وكالصّغير والمجنون يمنع من التّصرّف في المال ، والحجر عليهم إنّما هو للحفاظ على أموالهم ، والأصل في ذلك قوله تعالى : { ولا تُؤتوا السّفهاء أموالكم الّتي جعل اللّه لكم قِياماً } ، فأضاف الأموال إلى الأولياء ، لأنّهم مدبّروها ، كذلك أمر اللّه تعالى باختبار اليتامى وعدم دفع الأموال إليهم إلاّ عند إيناس الرّشد منهم . يقول تعالى : { وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإنْ آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } ، يقول ابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهما : { فإن آنستم منهم رشداً } أي صلاحاً في أموالهم . فالمنع من التّصرّف نظر لهم لأنّه يمكن تبذير المال بما يعقدونه من بياعاتٍ . لكن إذا أذن الوليّ للصّغير المميّز جاز تصرّفه بالإذن ، أمّا الصّغير غير المميّز والمجنون فلا يصحّ تصرّفهما ولو بالإذن .
حكم الإنماء بالنّسبة لمن لا يملك الرقبة ولا التّصرّف :
15 - من لا يملك الرّقبة ولا التّصرّف ، وله يد على المال ، سواء أكانت يد أمانةٍ كالمودع ، أو كانت يداً معتديةً كيد الغاصب ، فإنّه لا يجوز له الإنماء ، إذ الأصل أنّه لا يجوز تصرّف أحدٍ في غير ملكه بغير إذن مالكه . وانظر للتّفصيل ( غصب . وديعة ) .
وسائل الإنماء
ما يجوز منها وما لا يجوز :
16 - تقدّم أنّ الأصل في إنماء المال أنّه مشروع ، إلاّ أنّه يجب أن يقتصر فيه على الوسائل المشروعة ، كالتّجارة والزّراعة والصّناعة ، مع مراعاة القواعد والشّرائط الشّرعيّة الّتي أوردها الفقهاء للتّصرّفات الّتي تكون سبيلاً إلى الإنماء ، كالبيع والشّركة والمضاربة والمساقاة والوكالة ، وذلك لضمان صحّة هذه العقود ، وليخلص الرّبح من شبهة الحرام ( ر : بيع - شركة - مضاربة ... إلخ ) .
ولذلك يحرم تنمية المال عن طريقٍ غير مشروعٍ كالرّبا والقمار والتّجارة بالخمر ونحو ذلك . لقوله تعالى : { وأحلّ اللّه البيع وحرّم الرّبا } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الخمر : « لعن اللّه شاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها ... » الحديث . وقوله : « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » .
ما يتعلّق بالنّماء من أحكامٍ :
17 - المال سواء أكان في يد مالكه أو يد المتصرّف فيه . أم كان أمانةً أو غصباً ، إذا نما ، سواء أكان نماؤه طبيعيّاً أو ناتجاً بعملٍ ، فلنمائه أحكام ، تختلف باختلاف مواضعها . ولمعرفة تفاصيل ذلك ينظر مصطلح ( زيادة ) .
ثانياً :
الإنماء بمعنى تغيّب الصّيد بعد رميه
18 - التّعبير بالإنماء بمعنى رمي الصّيد حتّى غاب عن العين بعد رميه ، ورد منسوباً لابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهما ، والغالب أنّ الفقهاء لا يستعملون هذا اللّفظ ، وإنّما ذكروا المسألة واستدلّوا على رأيهم بقول ابن عبّاسٍ ، جاء في بدائع الصّنائع : إذا رمى الصّيد وتوارى عن عينه وقعد عن طلبه ثمّ وجده لم يؤكل ، فأمّا إذا لم يتوار أو توارى لكنّه لم يقعد عن الطّلب حتّى وجده يؤكل استحساناً ، والقياس أنّه لا يؤكل ، وروي عن ابن عبّاسٍ أنّه سئل عن ذلك فقال : كل ما أصميت ودع ما أنميت .
قال أبو يوسف رحمه الله : الإصماء ما عاينه ، والإنماء ما توارى عنه .
وقال هشام : الإنماء ما توارى عن بصرك ، إلاّ أنّه أقيم الطّلب مقام البصر للضّرورة ، ولا ضرورة عند عدم الطّلب . وفي المغني لابن قدامة : إذا رمى الصّيد فغاب عن عينه فوجده ميّتاً وسهمه فيه ولا أثر به غيره حلّ أكله ، وهذا هو المشهور عن أحمد ، وكذلك لو أرسل كلبه على صيدٍ فغاب عن عينه ثمّ وجده ميّتاً ومعه كلبه حلّ ، وعن أحمد إن غاب نهاراً فلا بأس ، وإن غاب ليلاً لم يأكله ، وعن أحمد ما يدلّ على أنّه إن غاب مدّةً طويلةً لم يبح ، وإن كانت يسيرةً أبيح ، لأنّه قيل له : إن غاب يوماً ؟ قال : يوم كثير . ووجه ذلك قول ابن عبّاسٍ إذا رميت فأقعصت فكل ، وإن رميت فوجدت فيه سهمك من يومك أو ليلتك فكل ، وإن بات عنك ليلةً فلا تأكل ، فإنّك لا تدري ما حدث فيه بعد ذلك .
وللشّافعيّ فيه قولان لأنّ ابن عبّاسٍ قال : كل ما أصميت ، وما أنميت فلا تأكل .
قال الحكم : الإصماء الإقعاص ، يعني أنّه يموت في الحال ، والإنماء أن يغيب عنك يعني أنّه لا يموت في الحال . وينظر تفصيل الموضوع في ( صيد ) .

أنموذج *
التّعريف :
1- للأنموذج معانٍ منها : أنّه ما يدلّ على صفة الشّيء ، كأن يري إنسان إنساناً صاعاً من صبرة قمحٍ مثلاً ، ويبيعه الصّبرة على أنّها من جنس ذلك الصّاع . ويقال له أيضاً نموذج . قال الصّغائيّ : النّموذج : مثال الشّيء الّذي يعمل عليه ، وهو معرّب .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - البرنامج :
2 - البرنامج : هو الورقة الجامعة للحساب وهو معرّب " برنامه " .
وفي المغرب : هي النّسخة المكتوب فيها عدد الثّياب والأمتعة وأنواعها المبعوث بها من إنسانٍ لآخر . فالبرنامج هي تلك النّسخة الّتي فيها مقدار المبعوث ، ومنه قول السّمسار : إنّ وزن الحمولة في البرنامج كذا .
ونصّ فقهاء المالكيّة على أنّ البرنامج : هو الدّفتر المكتوب فيه صفة ما في الوعاء من الثّياب المبيعة . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( برنامج ) .
ب - الرّقم :
3 - الرّقم : من رقّمت الشّيء إذا أعلمته بعلامةٍ تميّزه عن غيره كالكتابة ونحوها .
وفسّره الحنفيّة في قولهم البيع بالرّقم بأنّه علامة يعرف بها مقدار ما يقع به البيع .
وقال الحنابلة : بأنّه الثّمن المكتوب على الثّوب ، وهو أوضح من غيره .
وللتّفصيل ينظر : ( البيع بالرّقم ) .
الحكم الإجماليّ :
4 - أورد الحنفيّة في كتاب البيوع أنّ البيع ينعقد بالإيجاب والقبول . وأنّه لا بدّ للعاقدين من معرفة المبيع معرفةً نافيةً للجهالة المفضية للمنازعة .
فإن كان المبيع حاضراً اكتفي بالإشارة إليه ، لأنّها موجبة للتّعريف قاطعة للمنازعة .
وإن كان غائباً فإن كان ممّا يعرف بالأنموذج كالكيليّ والوزنيّ والعدديّ المتقارب فرؤية الأنموذج كرؤية الجميع إلاّ أن يختلف فيكون له خيار العيب ، أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه . وإن كان ممّا لا يعرف بالأنموذج كالثّياب والحيوان فيذكر له جميع الأوصاف قطعاً للمنازعة ويكون له خيار الرّؤية .
كما أنّه لا بدّ كذلك من معرفة مقدار الثّمن وصفته إذا كان في الذّمّة قطعاً للمنازعة ، وإن أطلق الثّمن فهو على غالب نقد البلد ، وإن لم يتعاملوا بها انصرف إلى المعتاد عندهم . ويكفي أن يرى المشتري من المبيع ما يدلّ على العلم ، لأنّ رؤية جميع المبيع غير مشروطةٍ لتعذّرها كوجه صبرةٍ لا تتفاوت آحادها . فمتى كان الأنموذج قد دلّ على ما في الصّبرة من مبيعٍ دلالةً نافيةً للجهالة ، وكان ممّا لا تتفاوت آحاده ، وكان الثّمن معلوماً ، كان البيع به صحيحاً وبغيره لا . هذا ما عليه الفقهاء ، فقد شرطوا فيما ينعقد به البيع : معرفة العاقدين بالمبيع والثّمن معرفةً نافيةً للجهالة ، وأنّ رؤية بعض المبيع تكفي إن دلّت على الباقي فيما لا يختلف أجزاؤه اختلافاً بيّناً .
وقال الشّافعيّة في الأنموذج المتماثل المتساوي الأجزاء كالحبوب : إنّ رؤيته تكفي عن رؤية باقي المبيع ، والبيع به جائز . وإذا أحضر البائع الأنموذج وقال : بعتك من هذا النّوع كذا فهو باطل ، لأنّه لم يعيّن مالاً ليكون بيعاً ، ولم يراع شرط السّلم ، ولا يقوم ذلك مقام الوصف في السّلم ، لأنّ الوصف باللّفظ يرجع إليه عند النّزاع ، فإن عيّن الثّمن وبيّنه جاز . وقال الحنابلة : إنّ البيع بالأنموذج لا يصحّ إذا لم ير المبيع وقت العقد ، أمّا إذا رئي في وقته وكان على مثاله فإنّه يصحّ .

إنهاء *
التّعريف :
1 - الإنهاء في اللّغة : يكون بمعنى الإعلام ، والإبلاغ ، يقال أنهيت الأمر إلى الحاكم أي أعلمته به . ويكون بمعنى الإتمام والإنجاز . يقال : أنهى العمل إذا أنجزه .
وقد استعمله المالكيّة والشّافعيّة بمعنى إبلاغ القاضي قاضياً آخر بحكمه لينفّذه ، أو بما حصل عنده ممّا هو دون الحكم ، كسماع الدّعوى لقاضٍ آخر ليتمّمه . ويكون إمّا مشافهةً أو بكتابٍ أو بشاهدين . ويرجع في تفصيل ذلك إلى ( دعوى . قضاءٍ ) .
وأمّا بالمعنى الثّاني فقد استعمله الفقهاء كذلك ، ويرجع إلى بحث ( إتمامٍ ) .

أنوثة *
التّعريف :
1 - الأنوثة خلاف الذّكورة ، والأنثى - كما جاء في الصّحاح وغيره من كتب اللّغة - خلاف الذّكر ، قال تعالى : { يا أَيّها النّاسُ إنّا خلقناكم من ذَكَرٍ وَأُنْثَى } ، وتجمع على إناثٍ وأناثى ، وامرأة أنثى . أي كاملة في أنوثتها .
والأنثيان : الخصيتان . ( ر : خصاء ) .
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى . هذا ، ويذكر الفقهاء للأنوثة علاماتٍ وأماراتٍ تميّزها عن الذّكورة فضلاً عن أعضاء الأنوثة ، وتلك الأمارات إمّا حسّيّة كالحيض ، وإمّا معنويّة كالطّباع . وسيأتي بيان ذلك في مصطلح ( خنثى ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
الخنوثة :
2 - الخنوثة حالة بين الذّكورة والأنوثة . وتذكر كتب اللّغة أنّ الخنثى من له ما للرّجال والنّساء جميعاً .
وأمّا عند الفقهاء ، فقد قال النّوويّ : الخنثى ضربان : ضرب له فرج المرأة وذكر الرّجال ، وضرب ليس له واحد منهما . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( خنثى ) .
أحكام الأنوثة :
أنثى الآدميّ :
أوّلاً : تكريم الإسلام للأنثى :
يتمثّل تكريم الإسلام للأنثى فيما يأتي :
حسن استقبالها عند ولادتها :
3 - كان استقبال الأنثى في العرب قبل الإسلام استقبالاً سيّئاً ، يتبرّمون بها ، وتسودّ وجوههم ، ويتوارون عن الأعين ، إذ هي في نظرهم مجلبة للفقر أو للعار ، فكانوا يئدونها حيّةً ، ويستكثر الرّجل عليها النّفقة الّتي لا يستكثرها على عبده أو حيوانه ، فنهى اللّه سبحانه وتعالى المسلمين عن ذلك ، وذمّ هذا الفعل الشّنيع ، وبيّن أنّ من فعل ذلك فقد باء بالخسران المبين ، { قد خَسِرَ الّذين قَتَلُوا أولادَهم سَفَهَاً بغيرِ عِلْمٍ } .
ونبّه الإسلام إلى أنّ حقّ الوجود وحقّ الحياة هبة من اللّه سبحانه وتعالى لكلّ إنسانٍ من ذكرٍ أو أنثى ، قال اللّه تعالى : { يَهَبُ لمن يشاءُ إناثاً ويَهَبُ لمن يشاءُ الذّكورَ } .
قال ابن قيّم الجوزيّة : قدّم اللّه سبحانه وتعالى ما كانت تؤخّره الجاهليّة من أمر البنات حتّى كانوا يئدونهنّ ، أي هذا النّوع المؤخّر الحقير عندكم مقدّم عندي في الذّكر .
والمقصود أنّ التّسخّط بالإناث من أخلاق أهل الجاهليّة الّذين ذمّهم اللّه سبحانه وتعالى في قوله : { وإذا بُشّرَ أحدُهم بالأُنثى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوّداً وهو كَظيم ، يتوارى من القوم من سُوءِ ما بُشّرَ به ، أَيُمْسِكُه على هُونٍ أم يَدُسُّهُ في التّراب ألا ساء ما يَحْكمون } .
وقال قتادة فيما رواه الطّبريّ : أخبر اللّه تعالى بخبث صنيعهم ، فأمّا المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم اللّه له ، وقضاء اللّه له خير من قضاء المرء نفسه ، ولعمري ما يدري أنّه خير ، لربّ جاريةٍ خير لأهلها من غلامٍ ، وإنّما أخبركم اللّه بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه ، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته .
والإسلام لا يكتفي من المسلم بأن يجتنب وأد البنات ، بل يرتقي بالمسلم إلى درجة الإنسانيّة المثلى ، فيأبى عليه أن يتبرّم بذرّيّة البنات ، ويتلقّى ولادتهنّ بالعبوس والانقباض ، بل يتقبّلها بالرّضى والحمد ، قال صالح بن الإمام أحمد : كان أحمد إذا ولد له ابنة يقول : الأنبياء كانوا آباء بناتٍ ، ويقول : قد جاء في البنات ما علمت .
العقّ عنها :
4 - العقيقة عن المولود سنّة ، ويستوي في السّنّة الذّكر والأنثى ، فكما يعقّ الوليّ عن الذّكر يوم السّابع يعقّ عن الأنثى أيضاً ، ولكن يعقّ عن الأنثى شاة ، وعن الذّكر شاتان . وينظر تفصيل ذكر في ( عقيقةٍ ) .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:36 PM

تسميتها باسمٍ حسنٍ :
5 - من السّنّة تسمية المولود باسمٍ حسنٍ ، ويستوي في ذلك الذّكر والأنثى ، وكما كان النّبيّ يغيّر أسماء الذّكور من القبيح إلى الحسن ، فإنّه كذلك كان يغيّر أسماء الإناث من القبيح إلى الحسن ، فقد روى البخاريّ ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ ابنةً لعمر رضي الله تعالى عنه كان يقال لها عاصية فسمّاها النّبيّ صلى الله عليه وسلم جميلة » . والكنية من الأمور المحمودة ، يقول النّوويّ : من الأدب أن يخاطب أهل الفضل ومن قاربهم بالكنية ، وقد كنّي النّبيّ صلى الله عليه وسلم بأبي القاسم ، بابنه القاسم .
والكنية كما تكون للذّكر تكون للأنثى . قال النّوويّ : روينا بالأسانيد الصّحيحة في سنن أبي داود وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت : « يا رسول اللّه كلّ صواحبي لهنّ كنًى ، قال : فاكتنّي بابنك عبد اللّه » قال الرّاوي . يعني عبد اللّه بن الزّبير وهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكرٍ ، وكانت عائشة تكنّى أم عبد اللّه .
لها نصيب في الميراث :
6 - جعل اللّه سبحانه وتعالى للأنثى نصيباً في الميراث كما للذّكر نصيب ، وقد كانوا في الجاهليّة لا يورّثون الإناث . قال سعيد بن جبيرٍ وقتادة : كان المشركون يجعلون المال للرّجال الكبار ولا يورّثون النّساء ولا الأطفال شيئاً ، فأنزل اللّه تعالى : { لِلرّجالِ نصيبٌ ممّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقربونَ وللنّساءِ نصيبٌ ممّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقربونَ مِمّا قلّ منه أو كَثُرَ نصيباً مفروضاً } أي الجميع فيه سواء في حكم اللّه تعالى يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض اللّه لكلٍّ منهم .
وقال الماورديّ في تفسيره : سبب نزول هذه الآية أنّ أهل الجاهليّة كانوا يورّثون الذّكور دون الإناث ، فروى ابن جريجٍ عن عكرمة قال : « نزل قول اللّه تعالى : { للرّجال نصيب } . الآية في أمّ كجّة وبناتها وثعلبة وأوس بن سويدٍ وهم من الأنصار ، وكان أحدهما زوجها والآخر عمّ ولدها ، فقالت : يا رسول اللّه توفّي زوجي وتركني وابنته ولم نُوَرّثْ ، فقال عمّ ولدها يا رسول اللّه : ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلّاً ، ولا يَنْكأ عدوّاً يُكْسب عليها ولا تَكْسِب فنزلت هذه الآية » .
وورد كذلك في سبب نزول قوله تعالى : { يُوصيكم اللّهُ في أولادِكم لِلذّكرِ مثْلُ حَظِّ الأُنثيين } ما روي عن جابرٍ قال : « جاءت امرأة سعد بن الرّبيع إلى رسول اللّه فقالت : يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الرّبيع ، قتل أبوهما معك في يوم أحدٍ شهيداً ، وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً ، ولا ينكحان إلاّ ولهما مال فقال : يقضي اللّه في ذلك ، فنزلت آية الميراث ، فأرسل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى عمّهما فقال : أعط ابنتي سعدٍ الثّلثين ، وأمّهما الثّمن ، وما بقي فهو لك » .
رعاية طفولتها ، وعدم تفضيل الذّكر عليها :
7 - يعتني الإسلام بالأنثى في كلّ أطوار حياتها فيرعاها وهي طفلة ، ويجعل رعايتها ستراً من النّار وسبيلاً إلى الجنّة . فقد روى مسلم والتّرمذيّ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من عال جارتين حتّى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو ، وضمّ أصابعه » .
ولا يجوز أن يفضّل الذّكر عليها في التّربية والعناية ، فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم :« من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده ( يعني الذّكور) عليها أدخله اللّه الجنّة » . وعن أنسٍ « أنّ رجلاً كان جالساً مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبّله وأجلسه في حجره ، ثمّ جاءت بنته فأخذها فأجلسها إلى جنبه فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : فما عَدَلْتَ بينهما » . وفي الفتاوى الهنديّة : لا يجوز تفضيل الذّكر على الأنثى في العطيّة ، وقال المالكيّة : يبطل الوقف إذا وقف على بنيه الذّكور دون بناته ، لأنّه من عمل الجاهليّة . وتشمل العناية بها في طفولتها تأهيلها لحياتها المستقبلة ، فيستثنى ممّا يحرم من الصّور صور لعب البنات فإنّها لا تحرم ، ويجوز استصناعها وصنعها وبيعها وشراؤها لهنّ ، لأنّهنّ يتدرّبن بذلك على رعاية الأطفال ، وقد « كان لعائشة رضي الله تعالى عنها جوارٍ يلاعبنها بصور البنات المصنوعة من نحو خشبٍ ، فإذا رأين الرّسول صلى الله عليه وسلم يستحين منه ويتقمّعن ، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يشتريها لها » . ( ر : تصوير ) .
إكرام الأنثى حين تكون زوجةً :
8 - أمر اللّه تعالى بإحسان معاشرة الزّوجة فقال : { وعاشِرُوهُنَّ بالمعروف } قال ابن كثيرٍ : أي طيّبوا أقوالكم لهنّ ، وحسّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم ، كما تحبّ ذلك منها فافعل أنت بها مثله ، قال تعالى : { ولهنّ مِثْلُ الّذي عليهنّ بالمعروف } . وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي » ، وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنّه جميل العشرة دائم البشر ، يداعب أهله ويتلطّف بهم ويوسّع عليهم في النّفقة ويضاحك نساءه ، حتّى أنّه كان يسابق عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها يتودّد إليها بذلك ، « قالت : سابقني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللّحم ، ثمّ سابقته بعدما حملت اللّحم فسبقني فقال : هذه بتلك » ، و « كان إذا صلّى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام » .
وينبغي الصّبر على الزّوجة حتّى لو كرهها ، قال اللّه تعالى : { فإنْ كَرِهْتمُوهنّ فعسى أن تَكْرهوا شيئاً ويجعَلَ اللّه فيه خيراً كثيراً } قال ابن كثيرٍ ، أي فعسى أن يكون صبركم في إمساكهنّ مع الكراهة فيه خير كثير لكم في الدّنيا والآخرة ، كما قال ابن عبّاسٍ : هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولداً ويكون في ذلك الولد خير كثير ، وفي الحديث الصّحيح : « لا يفرك مؤمن مؤمنةً ، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر » .
هذا ، وحقوق الزّوجة على زوجها مبسوطة في باب النّكاح من كتب الفقه ، ونذكر هنا مثلاً واحداً ممّا ذكره الفقهاء ، يتّصل بإكرام أمومة الأنثى ، فقد أكثر النّبيّ صلى الله عليه وسلم من الوصاية بالأمّ وقدّمها في الرّعاية على الأب ، روى البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : « جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه مَنْ أحقّ بِحُسْن صحابتي ؟ قال : أمّك ، قال : ثمّ من ؟ قال : أمّك ، قال : ثمّ من ؟ قال : أمّك ، قال : ثمّ من ؟ قال : أبوك » . وجعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم رضاها طريقاً إلى الجنّة ، فقد قال رجل : « يا رسول اللّه أردت الغزو وجئت أستشيرك ، فقال : فهل لك من أمٍّ ؟ قال : نعم ، قال : فالزمها ، فإنّ الجنّة عند رجليها » .
ثانياً : الحقوق الّتي تتساوى فيها مع الرّجل :
تتساوى المرأة والرّجل في كثيرٍ من الحقوق العامّة مع التّقييد في بعض الفروع بما يتلاءم مع طبيعتها . وفيما يأتي بعض هذه الحقوق :
أ - حقّ التّعليم :
9- للمرأة حقّ التّعليم مثل الرّجل : فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « طلب العلم فريضة على كلّ مسلمٍ » . وهو يصدق على المسلمة أيضاً ، فقد قال الحافظ السّخاويّ : قد ألحق بعض المصنّفين بآخر هذا الحديث ( ومسلمةٍ ) وليس لها ذكر في شيءٍ من طرقه وإن كان معناها صحيحاً .
وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من كانت له بنت فأدّبها فأحسن أدبها ، وعلّمها فأحسن تعليمها ، وأسبغ عليها من نعم اللّه الّتي أسبغ عليه كانت له ستراً أو حجاباً من النّار » . وقد كان النّساء في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسعين إلى العلم . روى البخاريّ عن أبي سعيدٍ الخدريّ قال : « قالت النّساء للنّبيّ صلى الله عليه وسلم : غلبنا عليك الرّجال فاجعل لنا يوماً من نفسك ، فواعدهنّ يوماً لقيهنّ فيه فوعظهنّ وأمرهنّ » . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « نعم النّساء نساء الأنصار لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدّين » . وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مروا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشرٍ ، وفرّقوا بينهم في المضاجع » .
قال النّوويّ : والحديث يتناول بمنطوقه الصّبيّ والصّبيّة ، وأنّه لا فرق بينهما بلا خلافٍ ، ثمّ قال النّوويّ : قال الشّافعيّ والأصحاب رحمهم اللّه تعالى : على الآباء والأمّهات تعليم أولادهم الصّغار الطّهارة والصّلاة والصّوم ونحوها ، وتعليمهم تحريم الزّنى واللّواط والسّرقة ، وشرب المسكر والكذب والغيبة وشبهها ، وأنّهم بالبلوغ يدخلون في التّكليف ، وهذا التّعليم واجب على الصّحيح ، وأجرة التّعليم تكون في مال الصّبيّ ، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته ، وقد جعل الشّافعيّ والأصحاب للأمّ مدخلاً في وجوب التّعليم ، لكونه من التّربية وهي واجبة عليها كالنّفقة .
ومن العلوم غير الشّرعيّة ما يعتبر ضرورةً بالنّسبة للأنثى كطبّ النّساء حتّى لا يطّلع الرّجال على عورات النّساء . جاء في الفتاوى الهنديّة : امرأة أصابتها قرحة في موضعٍ لا يحلّ للرّجل أن ينظر إليه ، لا يحلّ أن ينظر إليها ، لكن يعلّم امرأةً تداويها ، فإن لم يجدوا امرأةً تداويها ولا امرأةً تتعلّم ذلك إذا علّمت ، وخيف عليها البلاء أو الوجع أو الهلاك فإنّه يستر منها كلّ شيءٍ إلاّ موضع تلك القرحة ، ثمّ يداويها الرّجل ، ويغضّ بصره ما استطاع إلاّ عن ذلك الموضع .
10- وإذن ، فلا خلاف في مشروعيّة تعليم الأنثى . لكن في الحدود الّتي لا مخالفة فيها للشّرع وذلك من النّواحي الآتية :
أ - أن تحذر الاختلاط بالشّباب في قاعات الدّرس ، فلا تجلس المرأة بجانب الرّجل ، « فقد جعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم للنّساء يوماً غير يوم الرّجال يعظهنّ فيه » ، بل حتّى في العبادة لا يخالطن الرّجال ، بل يكن في ناحيةٍ منهم يستمعن إلى الوعظ ويؤدّين الصّلاة ، ولا يجب استحداث مكان خاصٍّ لصلاتهنّ ، أو إقامة حاجزٍ بين صفوفهنّ وصفوف الرّجال .
ب - أن تكون محتشمةً غير متبرّجةً بزينتها لقول اللّه تعالى : { ولا يُبْدِين زِينَتَهنّ إلاّ ما ظَهَرَ منها } وفي اتّباع ذلك ما يمنع من الفتنة ومن إشاعة الفساد .
ب - أهليّتها للتّكاليف الشّرعيّة :
11 - المرأة أهل للتّكاليف الشّرعيّة مثل الرّجل ، ووليّ أمرها مطالب بأمرها بأداء العبادات ، وتعليمها لها منذ الصّغر ، لما جاء في قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « مروا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشرٍ ، وفرّقوا بينهم في المضاجع » والحديث يتناول الأنثى بلا خلافٍ كما قال النّوويّ .
وهي بعد البلوغ مكلّفة بالعبادات من صلاةٍ وصومٍ وزكاةٍ وحجٍّ ، وليس لأحدٍ - زوجٍ أو غيره - منعها من أداء الفرائض . فجملة العقائد والعبادات والأخلاق والأحكام الّتي شرعها اللّه للإنسان يستوي في التّكليف بها والجزاء عليها الذّكر والأنثى .
يقول اللّه تعالى : { مَنْ عمل صالحاً مِنْ ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فَلَنُحْيِيَنّهُ حياةً طَيّبةً وَلَنَجزِينّهم أجرَهم بأحسنِ ما كانوا يعملون } . ويؤكّد اللّه سبحانه وتعالى هذا المعنى في قوله : { إنّ المسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ والقانتينَ والقانتاتِ والصّادقينَ والصّادقاتِ والصّابرينَ والصّابراتِ والخاشعينَ والخاشعاتِ والمتصدّقينَ والمتصدّقاتِ والصّائمينَ والصّائماتِ والحافظينَ فروجَهُم والحافظاتِ والذّاكرينَ اللّه كثيراً والذّاكراتِ أعدّ اللّه لهم مغفرةً وأجراً عظيماً } ويروى في سبب نزول هذه الآية أنّ ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : « قال النّساء للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات ، فنزلت » . وعن أمّ سلمة أنّها قالت : « قلت يا رسول اللّه : أيذكر الرّجال في كلّ شيءٍ ولا نذكر ؟! ، فنزلت هذه الآية » .
وفي استجابة اللّه تعالى لسؤال المؤمنين قال : { فاستجابَ لهم ربُّهم أَنّي لا أُضِيعُ عملَ عاملٍ منكم مِنْ ذكرٍ أو أنثى بعضُكم من بعضٍ } . ولقد روي في سبب نزولها ما روي في سبب نزول الآية السّابقة ، ويقول ابن كثيرٍ : { بعضكم من بعضٍ } أي جميعكم في ثوابي سواء . وبيّن اللّه سبحانه وتعالى أنّ الّذي يؤذي المؤمنات هو في الإثم كمن يؤذي المؤمنين ، يقول اللّه تعالى { والّذين يُؤْذُون المؤمنينَ والمؤمناتِ بغيرِ ما اكتسبوا فقد احتَمَلوا بُهتاناً وإثْماً مبيناً } .
وهي مطالبة بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كالرّجل ، يقول اللّه تعالى : { والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعضٍ يأمرونَ بالمعروفِ ويَنْهون عن المنكر ويقيمونَ الصّلاةَ ويُؤْتون الزّكاةَ ويُطيعونَ اللّهَ ورسولَه أولئك سَيَرْحمهم اللّهُ إنّ اللّهَ عزيزٌ حكيمٌ } .
والجهاد كذلك يتعيّن على المرأة إذا هاجم العدوّ البلاد . يقول الفقهاء : إذا غشي العدوّ محلّة قومٍ كان الجهاد فرض عينٍ على الجميع ذكوراً وإناثاً وتخرج المرأة بغير إذن الزّوج ، لأنّ حقّ الزّوج لا يظهر في مقابلة فرض العين .
وقد خفّف اللّه عنها في العبادات في فترات تعبها من الحيض والحمل والنّفاس والرّضاع . وتنظر الأحكام الخاصّة بذلك في ( حيض ، حمل ، نفاس ، رضاع ) .
ج - احترام إرادتها :
12 - للأنثى حرّيّة الإرادة والتّعبير عمّا في نفسها ، وقد منحها اللّه سبحانه وتعالى هذا الحقّ الّذي سلبته منها الجاهليّة وحرمتها منه ، فقد كانت حين يموت زوجها لا تملك من أمر نفسها شيئاً ، وكان يرثها من يرث مال زوجها . روى البخاريّ عن ابن عبّاسٍ في قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا يَحلّ لكم أن تَرِثُوا النّساءَ كَرْهاً } قال : كانوا إذا مات الرّجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوّجها وإن شاءوا زوّجوها ، وإن شاءوا لم يزوّجوها فهم أحقّ بها من أهلها . فنزلت هذه الآية ، وقال زيد بن أسلم كان أهل يثرب إذا مات الرّجل منهم في الجاهليّة ورث امرأته من يرث ماله ، وكان يعضلها حتّى يرثها أو يزوّجها من أراد ، وكان أهل تهامة يسيء الرّجل صحبة المرأة حتّى يطلّقها ويشترط عليها ألاّ تنكح إلاّ من أراد حتّى تفتدي منه ببعض ما أعطاها ، فنهى اللّه المؤمنين عن ذلك .
وقال ابن جريجٍ : نزلت هذه الآية في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس ، توفّي عنها أبو قيس بن الأسلت ، فجنح عليها ابنه ، فجاءت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت : « يا رسول اللّه لا أنا ورثت زوجي ، ولا أنا تركت فأنكح ، فأنزل اللّه هذه الآية » .
قال ابن كثيرٍ : فالآية تعمّ ما كان يفعله أهل الجاهليّة ، وكلّ ما كان فيه نوع من ذلك .
وإرادتها كذلك معتبرة في نكاحها ، فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاريّ : « لا تنكح الأيّم حتّى تُسْتَأْمر ، ولا تنكح البكر حتّى تُسْتَأذن » .
والاستئمار في حقّ الثّيّب الكبيرة العاقلة واجب باتّفاق الفقهاء ، وإذا زوّجت بغير إذنها فنكاحها موقوف على إجازتها ، على ما هو معلوم في باب النّكاح .
وهو في حقّ البكر البالغة العاقلة مستحبّ عند جمهور الفقهاء .
روي عن عطاءٍ قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستأمر بناته إذا أنكحهنّ » . واستئذانها واجب عند الحنفيّة . بل إنّها يجوز لها تزويج نفسها عند الحنفيّة . جاء في الاختيار : عبارة النّساء معتبرة في النّكاح ، حتّى لو زوّجت الحرّة العاقلة البالغة نفسها جاز ، وكذلك لو زوّجت غيرها بالولاية أو الوكالة ، وكذا إذا وكّلت غيرها في تزويجها ، أو زوّجها غيرها فأجازت ، وهذا قول أبي حنيفة وزفر والحسن وظاهر الرّواية عن أبي يوسف ، ويستدلّون بما في البخاريّ « أنّ خنساء بنت حزامٍ أنكحها أبوها وهي كارهة ، فردّه النّبيّ صلى الله عليه وسلم » وروي أنّ امرأةً زوّجت بنتها برضاها فجاء الأولياء وخاصموها إلى عليٍّ رضي الله تعالى عنه فأجاز النّكاح . هذا دليل الانعقاد بعبارة النّساء ، وأنّه أجاز النّكاح بغير وليٍّ ، لأنّهم كانوا غائبين ، لأنّها تصرّفت في خالص حقّها ، ولا ضرر فيه لغيرها فينفذ ، كتصرّفها في مالها .
هذا ما انفرد به الحنفيّة ، وتفصيل الخلاف في هذا ينظر في ( نكاحٍ ) .
وللمرأة أيضاً مشاركة زوجها الرّأي بل ومعارضته ، قال عمر بن الخطّاب : « واللّه إن كنّا في الجاهليّة ما نعدّ للنّساء أمراً ، حتّى أنزل اللّه فيهنّ ما أنزل ، وقسم لهنّ ما قسم ، قال : فبينا أنا في أمرٍ أتأمّره إذ قالت امرأتي : لو صنعت كذا وكذا ، قال : فقلت لها : ما لك ولما ها هنا ، فيما تكلُّفك في أمرٍ أريده ؟ فقالت لي : عجباً لك يا ابن الخطّاب ، ما تريد أن تراجع أنت ، وإنّ ابنتك لتراجع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتّى يظلّ يومه غضبان . فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتّى دخل على حفصة ، فقال لها : يا بنيّة إنّك لتراجعين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتّى يظلّ يومه غضبان ؟ فقالت حفصة : واللّه إنّا لنراجعه . فقلت : تعلمين أنّي أحذّرك عقوبة اللّه ، وغضب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . يا بنيّة لا يغرّنّك هذه الّتي أعجبها حسنها حبّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إيّاها - يريد عائشة - قال : خرجت حتّى دخلت على أمّ سلمة لقرابتي منها فكلّمتها ، فقالت أمّ سلمة : عجباً لك يا ابن الخطّاب ، دخلت في كلّ شيءٍ ، حتّى تبتغي أن تدخل بين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأزواجه . فأخذتني واللّه أخذاً كسرتني عن بعض ما كنت أجد ، فخرجت من عندها ، وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر ، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر ، ونحن نتخوّف ملكاً من ملوك غسّان ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا ، فقد امتلأت صدورنا منه ، فإذا صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب ، فقال : افتح افتح ، فقلت : جاء الغسّانيّ ؟ فقال : بل أشدّ من ذلك ، اعتزل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أزواجه ، فقلت رغم أنف حفصة وعائشة . فأخذت ثوبي ، فأخرج حتّى جئت ، فإذا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في مشربةٍ له يرقى عليها بعجلةٍ ، وغلام لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أسود على رأس الدّرجة ، فقلت له : قل هذا عمر بن الخطّاب . فأذن لي . قال عمر : فقصصت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ، فلمّا بلغت حديث أمّ سلمة تبسّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وإنّه لعلى حصيرٍ ما بينه وبينه شيء ، وتحت رأسه وسادة من أَدَمٍ حشوها ليف ، وإن عند رجليه قَرَظاً مصبوباً ، وعند رأسه أهب معلّقة ، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت ، فقال : ما يبكيك ؟ فقلت : يا رسول اللّه ، إنّ كسرى وقيصر فيما هما فيه ، وأنت رسول اللّه ، فقال : أمّا ترضى أن تكون لهم الدّنيا ولنا الآخرة ؟ »
واستشارة المرأة فيما يتّصل بشئون النّساء أو فيما لديها خبرة به مطلوبة ، بأصل ندب المشورة في قوله تعالى : { وأَمْرُهم شورى بينهم } ولحديث أمّ سلمة أنّه : « لمّا فرغ النّبيّ صلى الله عليه وسلم من كتاب الصّلح قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثمّ احلقوا ، فما قام منهم رجل حتّى قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرّاتٍ ، فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أمّ سلمة فذكر لها ما لقي من النّاس ، قالت له : يا نبيّ اللّه أتحبّ ذلك ؟ اخرج ثمّ لا تكلّم أحداً منهم كلمةً ، حتّى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك ، فخرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلم يكلّم أحداً منهم حتّى فعل ذلك ، نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً » .
وللمرأة أن تعقد الأمان مع الكفّار ، ويسري ذلك على المسلمين ، ففي المغني : إذا أعطت المرأة الأمان للكفّار جاز عقدها ، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز ، وعن أمّ هانئٍ أنّها قالت : « يا رسول اللّه إنّي أجرت أحمائي وأغلقت عليهم ، وإنّ ابن أمّي أراد قتلهم ، فقال لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : قد أجرنا من أجرت يا أمّ هانئٍ » ، « وأجارت زينب بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زوجها أبا العاص بن الرّبيع قبل أن يسلم فأمضاه رسول اللّه » .
د - ذمّتها الماليّة :
13 - للأنثى ذمّة ماليّة مستقلّة كالرّجل ، وحقّها في التّصرّف في مالها أمر مقرّر في الشّريعة ما دامت رشيدةً ، لقوله تعالى : { فإن آنَسْتم منهم رُشْداً فادفعوا إليهم أموالَهم } . ولها أن تتصرّف في مالها كلّه عن طريق المعاوضة بدون إذنٍ من أحدٍ ، وهذا باتّفاق الفقهاء . أمّا تصرّفها في مالها عن طريق التّبرّع به ، فعند جمهور الفقهاء : يجوز لها التّصرّف في كلّ مالها بالتّبرّع عند الحنفيّة والشّافعيّة وابن المنذر وروايةٍ عن الإمام أحمد ، لما روي أنّ النّبيّ قال : « يا معشر النّساء تصدّقن ولو من حُليّكنّ » وأنّهنّ تصدّقن فقبل صدقتهنّ ، ولم يسأل ولم يستفصل . ولهذا جاز لها التّصرّف بدون إذنٍ لزوجها في مالها ، فلم يملك الحجر عليها في التّصرّف بجميعه .
وعند الإمام مالكٍ ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد : أنّه يجوز لها التّبرّع في حدود الثّلث ، ولا يجوز لها التّبرّع بزيادةٍ على الثّلث إلاّ بإذن زوجها .
ولأنّ للمرأة ذمّةً ماليّةً مستقلّةً فقد أجاز الفقهاء لها أن تضمن غيرها ، جاء في المغني : يصحّ ضمان كلّ جائز التّصرّف في ماله ، سواء كان رجلاً أو امرأةً ، لأنّه عمد يقصد به المال ، فصحّ من المرأة كالبيع .
وهذا عند من يجيز لها التّبرّع بكلّ مالها ، أمّا من لا يجيز لها التّبرّع بأكثر من الثّلث إلاّ بإذن زوجها ، فإنّهم يجيزون لها الضّمان في حدود ثلث مالها أو بزائدٍ يسيرٍ باعتبار أنّ الضّمان من التّبرّعات ، وأمّا ما زاد على الثّلث فإنّه يصحّ ويتوقّف على إجازة الزّوج .
هـ- حقّ العمل :
14 – الأصل أنّ وظيفة المرأة الأولى هي إدارة بيتها ورعاية أسرتها وتربية أبنائها وحسن تبعّلها ، يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيّتها » . وهي غير مطالبةٍ بالإنفاق على نفسها ، فنفقتها واجبة على أبيها أو زوجها ، لذلك كان مجال عملها هو البيت ، وعملها في البيت يساوي عمل المجاهدين .
ومع ذلك فالإسلام لا يمنع المرأة من العمل فلها أن تبيع وتشتري ، وأن توكّل غيرها ، ويوكّلها غيرها ، وأن تتاجر بمالها ، وليس لأحدٍ منعها من ذلك ما دامت مراعيةً أحكام الشّرع وآدابه ، ولذلك أبيح لها كشف وجهها وكفّيها ، قال الفقهاء : لأنّ الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشّراء ، وإلى إبراز الكفّ للأخذ والإعطاء .
وفي الاختيار : لا ينظر الرّجل إلى الحرّة الأجنبيّة إلاّ إلى الوجه والكفّين .. ، لأنّ في ذلك ضرورةً للأخذ والإعطاء ومعرفة وجهها عند المعاملة مع الأجانب ، لإقامة معاشها ومعادها لعدم من يقوم بأسباب معاشها .
والنّصوص الدّالّة على جواز عمل المرأة كثيرة ، والّذي يمكن استخلاصه منها ، أنّ للمرأة الحقّ في العمل بشرط إذن الزّوج للخروج ، إن استدعى عملها الخروج وكانت ذات زوجٍ ، ويسقط حقّه في الإذن إذا امتنع عن الإنفاق عليها .
جاء في نهاية المحتاج : إذا أعسر الزّوج بالنّفقة وتحقّق الإعسار فالأظهر إمهاله ثلاثة أيّامٍ ، ولها الفسخ صبيحة الرّابع ، وللزّوجة - وإن كانت غنيّةً - الخروج زمن المهلة نهاراً لتحصيل النّفقة بنحو كسبٍ ، وليس له منعها لأنّ المنع في مقابل النّفقة .
وفي منتهى الإرادات : إذا أعسر الزّوج بالنّفقة خيّرت الزّوجة بين الفسخ وبين المقام معه مع منع نفسها ، فإن لم تمنع نفسها منه ومكّنته من الاستمتاع بها فلا يمنعها تكسّباً ، ولا يحبسها مع عسرته إذا لم تفسخ لأنّه إضرار بها وسواء كانت غنيّةً أو فقيرةً ، لأنّه إنّما يملك حبسها إذا كفاها المئونة وأغناها عمّا لا بدّ لها منه .
وكذلك إذا كان العمل من فروض الكفايات . جاء في فتح القدير : إن كانت المرأة قابلةً ، أو كان لها حقّ على آخر ، أو لآخر عليها حقّ تخرج بالإذن وبغير الإذن ، ومثل ذلك في حاشية سعدي جلبي عن مجموع النّوازل . إلاّ أنّ ابن عابدين بعد أن نقل ما في الفتح قال : وفي البحر عن الخانيّة تقييد خروجها بالإذن ، لأنّ حقّه مقدّم على فرض الكفاية .
هذا ، وإذا كان لها مال فلها أن تتاجر به مع غيرها ، كأن تشاركه أو تدفعه مضاربةً دون إذنٍ من أحدٍ . جاء في جواهر الإكليل : قراض الزّوجة أي دفعها مالاً لمن يتّجر فيه ببعض ربحه ، فلا يحجر عليها فيه اتّفاقاً ، لأنّه من التّجارة .
15 - ثمّ إنّها لو عملت مع الزّوج كان كسبها لها . جاء في الفتاوى البزّازيّة : أفتى القاضي الإمام في زوجين سعيا وحصّلا أموالاً أنّها له ، لأنّها معينة له ، إلاّ إذا كان لها كسب على حدةٍ فلها ذلك . وفي الفتاوى : امرأة معلّمة ، يعينها الزّوج أحياناً فالحاصل لها ، وفي التقاط السّنبلة إذا التقطا فهو بينهما أنصافاً .
كما أنّ للأب أن يوجّه ابنته للعمل : جاء في حاشية ابن عابدين : للأب أن يدفع ابنته لامرأةٍ تعلّمها حرفةً كتطريزٍ وخياطةٍ . وإذا عملت المرأة فيجب أن يكون في حدودٍ لا تتنافى مع ما يجب من صيانة العرض والعفاف والشّرف . ويمكن تحديد ذلك بما يأتي :
- 1 - ألاّ يكون العمل معصيةً كالغناء واللّهو ، وألاّ يكون معيباً مزرياً تعيّر به أسرتها . جاء في البدائع والفتاوى الهنديّة : إذا آجرت المرأة نفسها بما يعاب به كان لأهلها أن يخرجوها من تلك الإجارة ، وفي المثل السّائر : تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها ، وعن محمّدٍ رحمه الله تعالى في امرأةٍ نائحةٍ أو صاحب طبلٍ أو مزمارٍ اكتسب مالاً فهو معصية .
- 2 - ألاّ يكون عملها ممّا يكون فيه خلوة بأجنبيٍّ . جاء في البدائع : كره أبو حنيفة استخدام المرأة والاختلاء بها ، لما قد يؤدّي إلى الفتنة ، وهو قول أبي يوسف ومحمّدٍ ، أمّا الخلوة ، فلأنّ الخلوة بالأجنبيّة معصية ، وأمّا الاستخدام ، فلأنّه لا يؤمن معه الاطّلاع عليها والوقوع في المعصية . وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يخلونّ رجل بامرأةٍ إلاّ كان الشّيطان ثالثهما » ولأنّه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور .
- 3 - ألاّ تخرج لعملها متبرّجةً متزيّنةً بما يثير الفتنة ، قال ابن عابدين : وحيث أبحنا لها الخروج فإنّما يباح بشرط عدم الزّينة وتغيير الهيئة إلى ما يكون داعيةً لنظر الرّجال والاستمالة ، قال اللّه تعالى : { ولا تَبرَّجْنَ تبرّجَ الجاهليّةِ الأولى } وقال تعالى : { ولا يُبْدِينَ زينَتَهنّ إلاّ ما ظهرَ منها } ، وفي الحديث : « الرّافلةُ في الزّينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها » .


الساعة الآن 06:06 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009