الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد

الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد (http://www.quran-university.com/vb/index.php)
-   ركن البيان فى تفسير القرآن (http://www.quran-university.com/vb/forumdisplay.php?f=170)
-   -   سلسلة ميسرة لتفسير القران (http://www.quran-university.com/vb/showthread.php?t=13650)

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:30 PM

تتمة تفسير سورة الحاقة

( فأمّا من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه
) بعد مجيء الربّ تبارك و تعالى لفصل القضاء يوم القيامة تُعْطى الكتب , فمن آخذ كتابه بيمينه – و هم الفائزون – و من آخذ كتابه بشماله – و هم الهالكون - , فأما من أوتي كتابه بيمينه يفرح بنجاته و فوزه , حتى يقول من شدة السعادة لكل من لقيه , خذوا اقرءوا كتابيه , لأنه يعلم أن الذي فيه خير و حسنات محضة , لأنه ممّن بَدَّل الله سيئاته حسنات .

(
إنّي ظننت أنّي ملاق حسابيه
) أي : قد كنت موقنا في الدنيا أن يوم القيامة و الحساب و الجزاء كائن لا محالة , فأعددت له عدته من الإيمان و العمل الصالح .

(
فهو في عيشته راضية
) أي : جامعة لما تشتهيه الأنفس , و تلذ الأعين , وقد رضوها , و لم يختاروا عليها غيرها .

(
في جنّة عالية ) أي : رفيعة قصورها , حسان حورها , نعيمة دورها , دائم حبورها . و قد ثبت في صحيح البخاري : " أن الجنّة مائة درجة , ما بين كل درجتين كما بين المساء و الأرض
" .

(
قطوفها دانية
) أي : ثمرها وجناها , من أنواع الفواكه , قريبة , سهلة التناول على أهلها , يتناولها أحدهم , و هو نائم على سريره .

(
كلوا و اشربوا هنيئا لكم بما أسلفتم في الأيّام الخالية
) أي : كلوا و اشربوا من كل طعام لذيذ , و شراب شهيّ , من غير مكدّر و لا منغص , و هذا الجزاء و النعيم حصل لكم بما قدمتم من الأعمال الصالحة , و ترك الأعمال السيئة .
فهذه الأعمال جعلها الله تعالى سببا فقط لدخول الجنة , و إلا فقد ثبت
في الصحيحين , عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : " اعملوا و سدّدوا و قاربوا و اعلموا أن أحدا منكم لن يدخِلَه عمله الجنة " قالوا : و لا أنت يا رسول الله ؟ قال : " و لا أنا , إلاّ أن يتغمّدني الله برحمة منه و فضل
" .

يتبع ..

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:30 PM

و أما من أوتي كتابه بشماله ) هذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في عرصات القيامة بشماله و وراء ظهره . و هو كتاب سيئاته من الشرك و المعاصي كبيرها و صغيرها .

(
فيقول ياليتني لم أوت كتابيه و لم أدر ما حسابيه
) بعد نظره في كتابه الذي أخذه بشماله , و ما يلوح له فيه من السيئات , يتمنى لو أنه لم يعطى كتابه و لم يدر ما حسابه , و ذلك من عظم ما يشاهد من شدة الحساب و شناعته .

(
ياليتها كانت القاضية ) قال ابن جرير : أي ياليت الموتة التي متّها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها , و لم يكن بعدها حياة و لا بعث . قال قتادة
: تمنى الموت , و لم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه .

(
ما أغنى عني ماليه , هلك عنّي سلطانيه
) أي : لم يدفع عني مالي و لا جاهي عذاب الله و بأسه , بل خلص الأمر إليّ وحدي , فلا معين لي و لا مجير .

(
خذوه فغلّوه , ثمّ الجحيم صلّوه
) يأمر الله تعالى الزبانية أن تأخذه بعنف و شدّة , و أن تضمّ يديه إلى عنقه بالأغلال , ثم تدخله إلى جهنم و تغمره فيها .

(
ثمّ في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ) ثم في سلسلة – من سلاسل الجحيم و هي في غاية الحرارة – ذَرعها – عن ابن عباس و ابن جرير
: بذراع الملَك – سبعون ذراعا .
"
فاسلكوه
" أي أدخلوه فيها , فتدخل من فمه و تخرج من دبره كسلك الخرزة في الخيط .

(
إنّه كان لا يؤمن بالله العظيم
) أي : كان كافرا بربه , معاندا لرسله , رادًّا ما جاؤوا به من الحق .

(
و لا يحضّ على طعام المسكين
) أي : ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء و المساكين , فلا يطعمهم من ماله , و لا يحض غيره على إطعامهم , لعدم الوازع في قلبه , و ذلك لأن مدار السعادة و مادتها أمران : الإخلاص لله , الذي أصله الإيمان بالله , و الإحسان إلى الخلق , بوجوه الإحسان , الذي من أعظمها , دفع ضرورة المحتاجين , بإطعامهم ما يتقوتون به , و هؤلاء لا إخلاص و لا إحسان , فلذلك استحقوا ما استحقوا .

(
فليس له اليوم ها هنا حميم ) أي ليس له يوم القيامة من ينقذه من عذاب الله , لا قريب أو صديق ينتفع به فيدفع عنه العذاب أو يخففه , أو شفيع يطاع , فينجيه من عذاب الله , و يفوز بثواب الله , قال تعالى " ما للظالمين من حميم و لا شفيع يطاع
" .

(
و لا طعام إلاّ من غسلين ) و ليس له طعام إلا من غسلين و هو صديد أهل النار , الذي هو في غاية الحرارة , و نتن الريح , و قبح الطعم و مرارته . قال قتادة
: هو شر طعام أهل النار .

(
لا ياكله إلاّ الخاطئون
) لا يأكل هذا الطعام الذميم إلا الذين أخطؤوا الصراط المستقيم , و سلكوا سبل الجحيم , فلذلك استحقوا العذاب الأليم .

يتبع ..

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:31 PM

تتمة تفسير سورة الحاقة

( فلا أقسم بما تبصرون و ما لا تبصرون , إنّه لقول رسول كريم ) أقسم الله تعالى لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه و صفاته , و ما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم – قال الرازي
: و هذا القسم يعم جميع الأشياء على الشمول , لأنها لا تخرج من قسمين : مبصر و غير مبصر , فشمل الخالق و الخلق , و الدنيا و الآخرة , و العالم العلويّ و السفليّ , و هكذا – إن القرآن كلامُه و وحيه و تنزيله على عبده و رسوله , الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة و أداء الأمانة , و هو محمد صلى الله عليه و سلم .

(
و ما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون , و لا بقول كاهن قليلا ما تذكّرون
) نزه الله رسوله الكريم عما رماه به أعداؤه , من أنه شاعر أو ساحر , و أن القرآن ليس من الشعر لمخالفته له نظما و معنى , و أنه أيضا ليس بكلام الكهان لملازمته للصدق و الحق و الهدى , و أن الذي حملهم على ذلك , عدم إيمانهم , و تذكرهم , فلو آمنوا و تذكروا , لعلموا ما ينفعهم و يضرهم .

(
تنزيل من رب العالمين
) هذا القرآن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم تنزيل من رب العالمين , لا يليق أن يكون قول البشر , بل هو كلام دال على عظمة من تكلم به , و جلالة أوصافه , و كمال تربيته لعباده , و علوه فوق عباده .

(
و لو تقول علينا بعض الأقاويل
) لو كان محمد صلى الله عليه و سلم كما يزعمون مفتريا علينا , فزاد في الرسالة أو نقص منها , أو قال شيئا من عنده فنسبه إلينا , و ليس كذلك , لعاجلناه بالعقوبة , و لهذا قال :

(
لأخذناه منه باليمين ) قيل : معناه : لانتقمنا منه باليمين , لأنها أشد في البطش . و قيل : لأخذنا منه بيمينه . قال الزمخشري
: المعنى لو ادّعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا , كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم , معاجلة بالسخط و الإنتقام . فصوّر قتل الصبر بصورته ليكون أهول , و هو أن يؤخذ بيده , و تضرب رقبته . و خص اليمين عن اليسار , لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره , و إذا أراد أن يوقعه في جِيده , و أن يكفحه بالسيف , و هو أشد على المصبور , لنظره إلى السيف , أخذ بيمينه .

(
ثم لقطعنا منه الوتين ) قال ابن عباس
: " و هو نياط القلب , و هو العرق الذي القلب معلق فيه " . إذا انقطع , مات الإنسان منه .

(
فما منكم من أحد عنه حاجزين
) أي : ليس أحد منكم يحجزنا عنه , و يحول بيننا و بين عقوبته , لو تقوَّل علينا .

و المعنى في هذا : بل هو صادق بار راشد , لأن الله عز و جل , مقرر له ما يبلغه عنه , مؤيد له بالمعجزات الباهرات و الدلالات القاطعات .

(
و إنّه لتذكرة للمتقين
) و إن القرآن عظة لمن يتقي عقاب الله بالإيمان به و حده , و ما نزل من عنده .

(
و إنّا لنعلم أنّ منكم مّكذبين
) مع هذا البيان و الوضوح , سيوجد منكم من يكذب بالقرآن . و هذا فيه تهديد و وعيد للمكذبين . فإنه سيعاقبهم على تكذيبهم بالعقوبة البليغة .

(
و إنّه لحسرة على الكافرين
) فإنهم لما كفروا به , و رأوا ما وعدهم به , تحسروا إذ لم يهتدوا به , و لم ينقادوا لأمره , ففاتهم الثواب , و حصلوا على أشد العذاب , و تقطعت بهم الأسباب .

(
و إنّه لحق اليقين
) أي – القرآن - : الخبر الصدق الحق الذي لا مرية فيه , و لا شك و لا ريب .

(
فسبّح باسم ربك العظيم ) أي : نزهه عما لا يليق بجلاله , و قدّسه بذكر أوصاف جلاله و جماله و كماله , و ادأب على الدعوة إليه وحده , و إلى ما أوحاه إليك . فالعاقبة لك , و لمن اتبعك من المؤمنين

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:31 PM

تفسير سورة القلم

مكية و آياتها اثنتان و خمسون آيه , و تعرف بسورة " ن "

(
ن
) هذا أحد الحروف المقطعة نحو ق , ص , حم , الله أعلم بمراده به .

(
و القلم و ما يسطرون
) يقسم الله تعالى بالقلم , و هو إسم جنس شامل للأقلام , التي يكتب بها أنواع العلوم , و يسطر بها المنثور , و المنظوم . و ذلك أن القلم و ما يسطرون به من أنواع الكلام , من آيات الله العظيمة , التي تستحق أن يقسم الله بها .
و قال آخرون
: بل المراد ها هنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات و الأرضين بخمسين ألف عام , و أوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم .

(
ما أنت بنعمة ربك بمجنون
) أي : لست , و لله الحمد , بمجنون , كما يقول الجهلة من قومك , و المكذبون بما جئتهم به من الهدى و الحق المبين . بل أنت قد مَنَّ الله عليك بالعقل الكامل , و الرأي الجزل , و الكلام الفصل , الذي هو أحسن ما جرت به الأقلام , و سطره الأنام .

(
و إنّ لك لأجرا غير ممنون
) إن لك الأجر العظيم , و الثواب الجزيل الذي لا ينقطع و لا يبيد على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق , و صبرك على أذاهم , ثم بسبب ما قدمه من أعمال صالحة , و أخلاق كريمة , و قدوة حسنة , و ما سنّه من طرق الخير , إذ من سنّ سنّة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم الدين .

(
و إنك لعلى خلق عظيم ) قال ابن جرير : أي أدب عظيم , و ذلك أدب القرآن الذي أدبه الله به , و هو الإسلام و شرائعه . قالت عائشة رضي الله عنها : " كان خلقه القرآن " رواه مسلم
. فصار امتثال القرآن أمرا و نهيا , سجيةٌ له , و خلقا تطَبَّعَه , و ترك طبعه الجبِلِّي , فمهما أمره القرآن فعله , و مهما نهاه عنه تركه . هذا مع ما جَبَله الله عليه من الخلق العظيم , من الحياء و الكرم و الشجاعة , و الصفح و الحلم , و كل خلق جميل .
قال الرازي : و هذا كالتفسير لقوله " بنعمة ربّك
" و الدلالة القاطعة على براءته مما رمي به , لأن الأخلاق الحميدة , و الأفعال المرضية , و الفصاحة التامة , و العقل الكامل , و البراءة من كل عيب , و الإتصاف بكل مكرمة , كانت ظاهرة منه , و إذا كانت ظاهرة و محسوسة فوجودها ينافي حصول الجنون . فكذب من أضافه إليه و ضل , بل هو الأحرى بأن يرمى بما قذف به .

و هذه الآيات الثلاث هي جواب القسم الذي جاء في أول السورة .

يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:32 PM

( فستبصر و يبصرون , بأيكم المفتون ) أي : فستعلم يا محمد , و سيعلم مخالفوك و مكذبوك يوم القيامة – حين يتميز الحق من الباطل – من الضال المفتون , هل أنت – و حاشاك – أم هم ؟ . و بما أنه قد تبيّن لنا أنه صلى الله عليه و سلم أهدى الناس , و أكملهم لنفسه و لغيره , فإن أعداءه و مخالفوه سيكونون أضل النّاس , و شر النّاس للنّاس , و أنهم هم الذين فتنوا عباد الله , و أضلوهم عن سبيله . و هذه الآية كقوله تعالى : " سيعلمون غذا من الكذّاب الأشر " , و كقوله : " و إنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مّبين " .

(
إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين
) أي : هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم و منهم هو المهتدي , و يعلم الحزب الضال عن الحق .
و في هذا الخبر تعزية لرسول الله صلى الله عليه و سلم و تسلية له ليصبر على دعوة الله , و فيه تهديد و وعيد للمشركين المكذبين , فكون الله تعالى أعلم من كُل أحد بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين , معناه أنه سيعذب حسب سنّته الضال و سيرحم المهتدي .

(
فلا تطع المكذبين
) أي : بناءً على أنك أيها الرسول مهتد و قومك ضالون فلا تطع هؤلاء الضالين المكذبين بالله و لقائه و بك و بما جئت به من الدين الحق , فإنهم ليسوا أهلا لأن يطاعوا , لأنهم لا يأمرون إلا بما يوافق أهواءهم , و هم لا يريدون إلا الباطل , فالمطيع لهم مُقْدِم على ما يضره , و هذا عام في كل مكذب , و في كل طاعة ناشئة عن التكذيب , و إن كان السياق في شيء خاص , و هو أن المشركين طلبوا من النبي صلى الله عليه و سلم أن يسكت عن عيب آلهتهم و دينهم , و يسكتوا عنه .

(
ودوا لو تدهن فيدهنون
) و مما يؤكد لك عدم مشروعية طاعتهم فيما يطالبون و يقترحونه عليك أنهم تمنوا و أحبوا لو تلين لهم و توافقهم على بعض ما هم عليه , إما بالقول أو بالفعل أو بالسكوت عن آلهتهم , و بالمقابل يلينون لك و يكفوا عن أذيتك بترك السبّ و الشتم .

يتبع ..

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:33 PM

و لا تطع كلّ حلاّف مهين ) بعدما نهاه عن إطاعة الكافرين عامة نهاه عن طاعة كل من كان كثير الحلف – فإنه لا يكون كذلك إلا و هو كذاب , و ذلك أن الكاذب لضعفه و مهانته إنما يتقى بأيمانه الكاذبة التي يجترئ بها على أسماء الله تعالى , و استعمالها في كل وقت في غير محلها – بالباطل حقير خسيس النفس .
قال الزمخشري : و كفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف , و مثله قوله تعالى : " و لا تجعلوا الله عُرْضة لأيمانكم
" .

(
همّاز
) أي : يطعن في أعراض الناس بما يكرهون , بالغيبة و الإستهزاء , و غير ذلك .

(
مشّاء بنميم ) و هو الذي يمشي بين الناس بالنميمة , و هي : نقل كلام بعض الناس لبعض , لقصد الإفساد بينهم , و إلقاء العداوة و البغضاء . و قد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بقبرين فقال : " إنهما ليعذبان و ما يعذبان في كبير , أما أحدهما فكان لا يستتر من البول , و أما الآخر فكان يمشي بالنميمة ..." . و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا يدخل الجنّة قتَّات " أي نمَّام . رواه البخاري و مسلم
.

(
منّاع للخير
) أي : يبخل بالمال أشدّ البخل .

(
معتد
) أي : ظالم للناس , معتدٍ على أموالهم و أنفسهم .

(
أثيم
) أي : كثير الإثم و الذنوب المتعلقة في حق الله تعالى .

(
عُتلّ بعد ذلك ) أي : غليظ الطبع , شرس الخلق قاس غير منقاد للحق . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ألا أخبركم بأهل النّار ؟ كلّ عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر " رواه البخاري
.

(
زنيم ) روى البخاري عن ابن عباس " عتلّ بعد ذلك زنيم " قال : رجل من قريش له زنمة , مثل زنمة الشاة
. و معنى هذا : أنه كان مشهورا بالسوء , الذي يعرف به من بين الناس , كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين إخواتها . و الزنيم في لغة العرب : هو الدعيُّ في القوم , الملصق فيهم بالنسب , و هو ليس منهم .

(
أن كان ذا مال و بنين , إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين
) أي : لأجل كثرة ماله و ولده , طغى و استكبر عن الحق , حتى حمله ذلك على التكذيب بآيات الله , فإذا تليت عليه و سمعها قال : أساطير الأولين , ردًّا لها و وصفها بأنها أكذوبة مسطرة و مكتوبة من أساطير الأمم الماضية .

(
سنسمه على الخرطوم
) أي : نجعل له علامة شر و قبح يُعرف بها مدى حياته تكون بمثابة من جُدع أنفه أو وُسم على أنفه فكل من رآه استقبح منظره .

يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:35 PM

( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) أي : أفنساوي بين هؤلاء و هؤلاء في الجزاء ؟ كلا و رب الأرض و السماء . فإن حكمته تعالى لا تقتضي أن يجعل المسلمين القانتين لربهم , المنقادين لأوامره , المتبعين لمراضيه كالمجرمين الذين أجرموا على أنفسهم بارتكاب أكبر الكبائر كالشرك و سائر الموبقات , بل إن للمسلمين المؤمنين جنات النعيم , و للكافرين المشركين سواء الجحيم .

( مالكم كيف تحكمون ) أي : أي شيء حصل لكم حتى ادعيتم هذه الدعوى ؟ . و أن من كان ظنه هكذا فإنه قد أساء الحكم , و أن حكمه حكم باطل , و رأيه رأي فاسد .

( أم لكم كتاب فيه تدرسون ) أي : أعندكم كتاب جاءكم به رسول من عند الله تقرؤون فيه هذا الحكم الذي حكمتم به لأنفسكم بأنكم تعطون يوم القيامة أفضل مما يعطى المؤمنون ؟

( إنّ لكم فيه لما تخيّرون ) أي : من الأمور لأنفسكم , و تشتهونه لكم , كقوله تعالى " أم ءاتيناهم كتابا فهم على بيّنات منه " و هذا توبيخ لهم و تقريع فيما كانوا يقولون من الباطل , و يتمنون من الأمانيّ الكاذبة .

( أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إنّ لكم لما تحكمون ) أي : ألكم عهود موثقة بأيمان لا نتحلل منها إلى يوم القيامة بأن لكم ما حكمتم به لأنفسكم من أنكم تعطون أفضل مما يعطى المؤمنون .

( سلهم أيّهم بذلك زعيم ) أي : سلهم يا رسولنا عن زعيمهم الذي يكفل لهم مضمون الحكم الذي يحكمون به لأنفسهم من أنهم يعطون في الآخرة أفضل مما يعطى المؤمنون . و الإستفهام هنا مستعمل للتهكم .

( أم لهم شركاء , فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ) أي : ألهم شركاء موافقون لهم في هذا الذي قالوه يكفلونه لهم ؟ فإن كان لهم ذلك فليأتوا بهم إن كانوا صادقين .

إذا بهذه الإستفهامات الإنكارية التقريعية السبعة نفى الله تعالى عنهم كل ما يمكنهم أن يتشبثوا به في تصحي دعواهم الباطلة عقلا و شرعا .

يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:53 PM

يوم يكشف عن ساق و يُدعون إلى السّجود فلا يستطيعون ) أي : إذا كان يوم القيامة , و انكشف فيه من الأهوال و الزلازل و البلاء و الإمتحان و الأمور العظام , و أتى الله تعالى لفصل القضاء بين عباده و مجازاتهم , فكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء , و رأى الخلائق من جلال الله و عظمته ما لا يمكن التعبير عنه , فحينئذ يدعون إلى السجود لله , فيسجد المؤمنون الذين كانوا يسجدون لله طوعا و اختيارا – في الدنيا - , و يذهب الفجار و المنافقون ليسجدوا , فلا يقدرون على السجود , إذ يكون ظهر أحدهم عظما واحدا لا يستطيعون الإنحناء , كلما أراد أحدهم أن يسجد خرَّ لقفاه , عكس السجود , كما كانوا في الدنيا , بخلاف ما عليه المؤمنون .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "
يكشف ربّنا عن ساقه , فيسجد له كلّ مؤمن و مؤمنة , فيبقى كلّ من كان يسجد في الدّنيا رياء و سمعة , فيذهب ليسجد , فيعود ظهره طبقا واحدا " . رواه البخاري
.

(
خاشعة أبصارهم
) لا تطرف من شدة الخوف .

(
ترهقهم ذلة
) في الدار الآخرة تغشاهم ذلة عظيمة بسبب إجرامهم و تكبرهم في الدنيا , فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه .

(
و قد كانوا يدعون إلى السجود و هم سالمون
) إنهم كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود لله و توحيده و عبادته و هم سالمون معافون في أبدانهم لا علّة فيهم , فيستكبرون عن ذلك و يأبون .

يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:56 PM

( فذرني و من يكذب بهذا الحديث ) يقول الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه و سلم : دعني و المكذبين بالقرآن العظيم , و كِلْهُمْ إليّ فإني أكفيكهم . و هذا من بليغ الكناية , كأنه يقول : حسبك انتقاما منهم , أن تكل أمرهم إليّ , و تخلّي بيني و بينهم , فإني عالم بما يجب أن يُفعل بهم , قادر على ذلك .

(
سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) أي : سنكيدهم بالإمهال و إدامة الصحة , و زيادة النعم , من حيث لا يعلمون أنه استدراج , و سبب لهلاكهم , بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة , قال تعالى : " أيحسبون أنّما نمدُّهم به من مال و بنين , نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " , و قال : " فلمّا نسُوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مُّبلسون
" .

(
و أُملي لهم إنّ كيدي متين ) أي : أمهلهم و أُنسىءُ في آجالهم مدة من الزمان , و ذلك من كيدي و مكري بهم , إن كيدي عظيم لمن خالف أمري , و كذب رسلي , و اجترأ على معصيتي . و في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : " إن الله ليُملي للظالم , حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ " . ثم قرأ : " و كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى و هي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد
" .
قال الزمخشري
: الصحة و الرزق و المدّ في العمر , إحسان من الله و إفضال , يوجب عليهم الشكر و الطاعة , و لكنهم يجعلونه سببا في الكفر باختيارهم . فلما تدرجوا به إلى الهلاك , وصف النعم بالإستدراج . و قيل : كم من مستدرج بالإحسان إليه , و كم من مفتون بالثناء عليه , و كم من مغرور بالستر عليه .
و سمى إحسانه و تمكينه " كيدا " , كما سماه استدراجا , لكونه في صورة الكيد , حيث كان سببا للتورط في الهلكة . و وصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك .

(
أم تسألهم أجرا فهم من مّغرم مُّثقلون
) أي : لم تطلب منهم على الهداية و التعليم مالا , فيثقل عليهم دفعه حتى يثبطهم عن الإيمان , بل إنك تعلمهم و تدعوهم إلى الله , لمحض مصلحتهم راجيا في ذلك ثوابا من عند الله عز و جل . و هم ما كذبوك إلا بمجرد الجهل و الكفر و العناد .

(
أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) أي : ما كان عندهم من الغيوب ما يحكمون به , فيجادلونك بما فيه , و يزعمون أنهم على كفرهم بربهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به , و أنهم مستغنون عن وحيه و تنزيله . فهذا أمر ما كان , و إنما كانت حالهم حال معاند ظالم , فلم يبق إلا الصبر لأذاهم , و التحمل لما يصدر منهم , و الإستمرار على دعوتهم , و لهذا قال : " فاصبر لحكم ربك
" .

(
فاصبر لحكم ربك
) فاصبر يا محمد على أذى قومك لك و تكذيبهم , و اصبر على إمهالهم , و تأخير ظهورك عليهم . و لا يثنيك – هذا و ذاك – عن تبليغ ما أمرت به , بل إمض صابرا عليه , فإن الله سيحكم لك عليه , و يجعل العاقبة لك و لأتباعك في الدنيا و الآخرة .


(
و لا تكن كصاحب الحوت إذ نادى و هو مكظوم ) أي : لا يُوجد منك يا محمد مثل ما وُجد من رسولنا يونس بن متى عليه السلام من الضجر و الونى عن التبليغ , فتبتلى ببلائه , حيث إنه لم يصبر على قومه الصبر المطلوب منه , فذهب مغاضبا لربه , حتى ركب في البحر , فالتقمه الحوت الذي شرد به في البحار و ظلمات و غمرات اليم , و سماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير , الذي لا يُرَدّ ما أنفذه من التقدير , فحينئذ نادى في الظلمات و هو مغموم مهموم " أنّ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
" .

(
لولا أن تداركه نعمة من ربّه ,لنُبذ بالعراء و هو مذموم ) أي : لولا أن أدركته رحمة الله تعالى حيث ألهمه الله التوبة و وفقه لها , لطرح في العراء – و هي الأرض الخالية – و هو مذموم . لكن لما تاب الله عليه طُرح على ساحل البحر و هو محمود , و صارت حاله أحسن من حاله الأولى و لهذا قال " فاجتباه ربه فجعله من الصالحين
" .

(
فاجتباه ربه ) أي : اختاره و اصطفاه و نقاه من كل كدر , و هذا الإجتباء الثاني , لأن الإجتباء الأول إذ كان رسولا في أهل نينوى و غاضبوه فتركهم ضجرا منهم فعوقب , و بعد العقاب و العتاب اجتباه مرة أخرى و أرسله إلى أهل بلاده بعد ذلك الإنقطاع , قال تعالى : " فنبذناه بالعراء و هو سقيم و أنبتنا عليه شجرة من يقطين و أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين
" .

(
فجعله من الصالحين
) أي : الكاملي الصلاح من الأنبياء و المرسلين .

فامتثل نبينا محمد صلى الله عليه و سلم أمر ربه , فصبر لحكم ربه صبرا لا يدركه فيه أحد من العالمين .

(
و إن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم
) و إن يكاد الذين كفروا أن يصيبوك بأعينهم , من حسدهم و غيضهم و حنقهم و بغضهم إياك , لولا وقاية الله لك , و حمايته إياك منهم .
و في هذه الآية دليل على أن العين إصابتها و تأثيرها حق , بأمر الله عز و جل . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
في صحيح مسلم : " العين حق , و لو كان شيء سابق القدر سبقت العين
" .

(
لمّا سمعوا الذكر
) أي : القرآن تقرأه عليهم .

(
و يقولون إنّه لمجنون
) لعدم تمالك أنفسهم من الحسد , و من أجل صرف الناس عنك , و تنفيرهم عن الهدى الذي جئت به .

(
و ما هو إلا ذكر للعالمين ) و ما هذا القرآن الكريم و الذكر الحكيم , إلا عظة و حكمة و تذكير للإنس و الجن , يتذكرون به مصالح دينهم و دنياهم .

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:56 PM

تفسير سورة الملك

و تسمى سورة تبارك , و الواقية , و المنجية , و هي مكية و آياتها ثلاثون آية .

فضلها :

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غُفِر له " تبارك الذي بيده الملك " . صححه الألباني
.


مجَّد الرب تعالى نفسه و عظمها و أثنى عليها بما هو أهله , و أخبر بأنه هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه , و لا يسأل عما يفعل لقهره و حكمته و عدله . فقال عز و جل :

(
تبارك الذي بيده الملك و هو على كلّ شيء قدير ) قال ابن جرير
: أي تعاظم الذي بيده ملك الدنيا و الآخرة , و سلطانهما , نافذ فيهما أمره و قضاؤه , و هو على ما يشاء فعله ذو قدرة , لا يمنعه مانع , و لا يحول بينه و بينه عجز .

(
الذي خلق الموت و الحياة
) أي أوجد الموت و الحياة , فكل حيّ هو بالحياة التي خلق الله , و كل ميت هو بالموت الذي خلق الله , و هذا مظهر من مظاهر القدرة , أن يخلق الشيء و ضدّه .
لكن لماذا قدّم ذكر الموت على الحياة ؟
قال العلماء : في ذلك سِرَّان – و الله أعلم بأسرار كلامه - : 1 – أن الله سبحانه و تعالى خلق الموت قبل الحياة , فالموت سبق الحياة , و العدم سبق الوجود , قال الله تعالى " كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون " , و قال تعالى " هل أتى على الإنسان حين من الدَّهر لم يكن شيئا مذكورا , إنّا خلقنا الإنسان .." . 2 – أن يُكثر الإنسان من ذكر الموت و أن يكون متعلقا بالموت أكثر من تعلقه بالحياة , و هذه وصية رسول الله صلى الله عليه و سلم , حيث قال عليه الصلاة و السلام : " أكثروا ذكر هاذم اللذات " , يعني : الموت . قال الألباني : حسن صحيح . و جعل عليه الصلاة و السلام الإكثار من ذكر الموت عنوان العقل . سُئل عليه الصلاة و السلام : أيُّ المؤمنين أَكْيَس ؟ قال : " أكثرهم للموت ذكرا , و أحسنهم لما بَعْدَهُ استعدادا , أولئك الأكياس " حسنه الألباني . قاله الشيخ عبد العظيم بدوي
.

(
ليبلوكم أيّكم أحسن عملا
) أي : أحياكم ليختبركم و يمتحنكم أيكم خير عملا . و خير العمل و أحسنه أخلصه و أصوبه , أي أخلصه لله تعالى , و أصوبه أي : أدائه كما شرعه بلا زيادة و لا نقصان .

(
و هو العزيز الغفور
) و هو العزيز الذي له العزة كلها , التي قهر بها جميع الأشياء , و انقاد له المخلوقات . الغفور عن المسيئين و المقصرين و المذنبين , خصوصا إذا تابوا و أنابوا , فإنه يغفر ذنوبهم , و لو بلغت عنان السماء , و يستر عيوبهم , و لو كانت ملء الدنيا .

يتبع ....

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:57 PM

الذي خلق سبع سماوات طباقا ) أي سماء فوق سماء , لكن من غير مماسة , إذا ما بين كل سماء و أخرى هواء و فراغ مسيرة خمسمائة عام .

(
ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت
) أي ليس في خلق الله تعالى نقص أو عيب أو خلل .

(
فارجع البصر هل ترى من فُطور
) أي : إن شككت , فكرر النظر إلى السماء و تأملها , هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا أو شقوق .

(
ثم ارجع البصر كرتين
) أي مرتين , مرة بعد مرة . و المراد بذلك كثرة التكرار , ابتغاء الخلل و الفساد و العبث .

(
ينقلب إليك البصر خاسئا
) يرجع إليك البصر ذليلا عاجزا عن أن يرى خللا أو عيبا , و لو حرصت غاية الحرص .

(
و هو حسير
) أي : كليل تعب , و قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرار , و لا يرى نقصا .

يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:57 PM

و لقد زيّنّا السّماء الدنيا بمصابيح ) و لقد جمّلنا السماء التي ترونها – و هي الدانية من الأرض القريبة منها – بالنجوم و الكواكب التي وضعت فيها من السيارات و الثوابت , لأنه لولا ما فيها من النجوم و الكواكب لكان سقفا مظلما , لا حسن فيه و لا جمال . و سميت الكواكب و النجوم بمصابيح لإضاءتها . و كذلك الصبح , إنما قيل له صبح , للضوء الذي يضيء للناس من النهار .

(
و جعلناها رجوما للشياطين ) أي هذه النجوم و الكواكب جعلناها رجوما للشياطين ترجم بها الملائكة شياطين الجن الذين يريدون استراق السمع من كلام الملائكة – في السماء الدنيا – حتى لا يفتنوا الناس في الأرض عن دين الله عز وجل . و هذه الآية مثل قوله تعالى في سورة الصافات " إنّا زيّنّا السماء الدنيا بزينة الكواكب , و حفظا من كلّ شيطان مّارد , لا يسّمّعون إلى الملأ الأعلى و يقذفون من كلّ جانب , دُحورا و لهم عذاب واصب , إلاّ من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب
" .
قال قتادة
: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال : خلقها زينة للسماء , و رجوما للشياطين , و علامات يهتدى بها , فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه و أخطأ حظه , و أضاع نصيبه , و تكلف ما لا علم له به .

هذه الشهب التي ترمى من النجوم , أعدها الله في الدنيا للشياطين , أما في الآخرة فقد قال الله تعالى (
و أعتدنا لهم عذاب السعير
) أي : و هيأنا للشياطين – لأنهم تمردوا على الله , و أضلوا عباده – عذاب السعير يعذبون به يوم القيامة كسائر الكافرين من الإنس و الجن .

يتبع ..

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:58 PM

( و للذين كفروا بربّهم عذاب جهنّم و بئس المصير ) إن للذين جحدوا – من الإنس و الجن – ألوهية الله سبحانه و تعالى و لقاءه , فما عبدوه و لا آمنوا به , عذاب جهنم , و بئس المآل و المنقلب .

(
إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا
) إذا ألقي الكافرون في النار – على وجه الإهانة و الذل – سمعوا لها صوتا عاليا فظيعا مزعجا كصوت الحمار إذا شهق أو نهق .

(
و هي تفور ) قال الثوري
: تغلي بهم كما يغلي الحَبّ القليل في الماء الكثير .

(
تكاد تميّز من الغيظ
) تكاد جهنم على اجتماعها أن يفارق بعضها بعضا , و تتقطع من شدة غيظها و حنقها على الكفار , فما ظنك ما تفعل بهم , إذا حصلوا فيها ؟!!

(
كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير , قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذّبنا و قلنا ما نزّل الله من شيء إن أنتم إلاّ في ضلال كبير
) كلما ألقي في جهنم جماعة من الكفرة سألهم الملائكة الموكلون بالنار و عذابها – و هم الزبانية و عددهم تسعة عشر ملكا – سؤال توبيخ و تقريع , ألم يأتكم رسول من الله في الدنيا يدعوكم إلى الإيمان و الطاعة , و ينذركم هذا العذاب ؟ فأجابوا قائلين : نعم قد جاءنا نذير و لكن كذبنا الرسل و أفرطنا في التكذيب , حتى نفينا الإنزال و الإرسال رأسًا , و بالغنا في نسبتهم إلى الضلال .

(
و قالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السّعير
) و قالوا معترفين بعدم أهليتهم للهدى و الرشاد : لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزل الله من الحق , لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله و الإغترار به , و ما كنّا في أصحاب النار , و لكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل , و لا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم .

(
فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ) أي : فأقروا بجحدهم الحق , و تكذيبهم الرسل , فبعدا لهم بعدا من رحمة الله . لأنهم سواء اعترفوا بذنبهم أو أنكروه , فإن ذلك لا ينفعهم , و أن مقرهم سيبقى هو هو جهنم و بئس المصير . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لن يهلِك الناس حتى يَعذِروا – أو يُعذِروا – من أنفسهم " رواه أبو داود و صححه الألباني
.


يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:58 PM

لما ذكر الله تعالى حالة الأشقياء الفجار , ذكر حالة السعداء الأبرار , فقال :

(
إن الذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرة و أجر كبير
) إن الذين يخافون الله تعالى في جميع أحوالهم - حتى في الحالة التي لا يطلع عليهم فيها إلا هو سبحانه و تعالى , فإنهم لا يقدمون على معاصيه , و لا يقصرون فيما أمر به - لهم مغفرة لذنوبهم , و إذا غفر الله ذنوبهم , و قاهم شرها , و وقاهم عذاب الجحيم . و لهم أجر كبير و هو ما أعده الله لهم في الجنة , من النعيم المقيم , و الملك الكبير , و اللذات المتواصلات و المشتهيات , و القصور و المنازل العاليات , و الحور الحسان , و الخدم و الولدان . و أعظم من ذلك و أكبر رضا الرحمن , الذي يحله الله على أهل الجنان .

(
و أسروا قولكم أو اجهروا به إنّه عليم بذات الصّدور
) هذا إخبار من الله تعالى بسعة علمه , و شمول لطفه , فسواء جهرتم بالقول أو أخفيتموه عن الناس أو في الصدور , فإنه سبحانه و تعالى مطلع على ذلك , عالم به , لا يخفى عليه منها شيء . بل إن الجهر و السر عنده سواء .

(
و هو اللطيف الخبير
) أي : اللطيف بعباده , الخبير بأعمالهم , حتى أدرك السرائر و الضمائر , و الخبايا و الخفايا و الغيوب .
و من معاني اللطيف , أنه الذي يلطف بعبده و وليه , فيسوق إليه البر و الإحسان من حيث لا يشعر , و يعصمه من الشر من حيث لا يحتسب , و يرقيه إلى أعلى المراتب بأسباب لا تكون من العبد على بال , حتى إنه يذيقه المكاره , ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة , و المقامات النبيلة .
قال الغزالي
: إنما يستحق اسم اللطيف من يعلم دقائق الأمور و غوامضها , و ما لطف منها , ثم يسلك في إيصال ما يصلحها سبيل الرفق , دون العنف , و الخبير هو الذي لا يعزب عن علمه الأمور الباطنة , فلا تتحرك في الملك و الملكوت ذرة , و لا تسكن أو تضطرب نفس , إلا و عنده خبرها , و هو بمعنى العليم .

يتبع ....

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:58 PM

لما ذكر الله تعالى حالة الأشقياء الفجار , ذكر حالة السعداء الأبرار , فقال :

( إن الذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرة و أجر كبير ) إن الذين يخافون الله تعالى في جميع أحوالهم - حتى في الحالة التي لا يطلع عليهم فيها إلا هو سبحانه و تعالى , فإنهم لا يقدمون على معاصيه , و لا يقصرون فيما أمر به - لهم مغفرة لذنوبهم , و إذا غفر الله ذنوبهم , و قاهم شرها , و وقاهم عذاب الجحيم . و لهم أجر كبير و هو ما أعده الله لهم في الجنة , من النعيم المقيم , و الملك الكبير , و اللذات المتواصلات و المشتهيات , و القصور و المنازل العاليات , و الحور الحسان , و الخدم و الولدان . و أعظم من ذلك و أكبر رضا الرحمن , الذي يحله الله على أهل الجنان .

( و أسروا قولكم أو اجهروا به إنّه عليم بذات الصّدور ) هذا إخبار من الله تعالى بسعة علمه , و شمول لطفه , فسواء جهرتم بالقول أو أخفيتموه عن الناس أو في الصدور , فإنه سبحانه و تعالى مطلع على ذلك , عالم به , لا يخفى عليه منها شيء . بل إن الجهر و السر عنده سواء .

( ألا يعلم من خلق ) أي : كيف لا يعلم سركم كما يعلم جهركم و هو الخالق لكم , فالخالق يعرف مخلوقه .

( و هو اللطيف الخبير ) أي : اللطيف بعباده , الخبير بأعمالهم , حتى أدرك السرائر و الضمائر , و الخبايا و الخفايا و الغيوب .
و من معاني اللطيف , أنه الذي يلطف بعبده و وليه , فيسوق إليه البر و الإحسان من حيث لا يشعر , و يعصمه من الشر من حيث لا يحتسب , و يرقيه إلى أعلى المراتب بأسباب لا تكون من العبد على بال , حتى إنه يذيقه المكاره , ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة , و المقامات النبيلة . قال الغزالي : إنما يستحق اسم اللطيف من يعلم دقائق الأمور و غوامضها , و ما لطف منها , ثم يسلك في إيصال ما يصلحها سبيل الرفق , دون العنف , و الخبير هو الذي لا يعزب عن علمه الأمور الباطنة , فلا تتحرك في الملك و الملكوت ذرة , و لا تسكن أو تضطرب نفس , إلا و عنده خبرها , و هو بمعنى العليم .

يتبع ....

اِبن الصالحين 04-07-2012 05:59 PM

( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ) أي : هو الذي سخر لكم الأرض فجعلها ساكنة لينة سهلة المسالك و سهلة للمشي و السير عليها , و أنبع فيها من العيون , و هيأ فيها من المنافع و مواضع الزروع و الثمار , حتى تدركوا منها كل ما تعلقت به حاجاتكم , من غرس و بناء و حرث , و طرق يتوصل بها إلى الأقطار النائية و البلدان الشاسعة .

(
فامشوا في مناكبها
) فامشوا و سافروا حيث شئتم من أقطارها , و ترددوا في أقاليمها و أرجائها - شرقا و غربا - في طلب الرزق و أنواع المكاسب و التجارات .

(
و كلوا من رزقه ) أي : إلتمسوا من نعمه تعالى و كلوا من رزقه الذي خلق لكم . قال الشهاب : فالأكل و الرزق , أريد به طلب النعم مطلقا , و تحصيلها أكلا و غيره . قال
: و أنت إذا تأملت نعيم الدنيا , و ما فيها , لم تجد شيئا منها على المرء غير ما أكله , و ما سواه متمم له , أو دافع للضرر عنه .

(
و إليه النشور
) أي : إليه سبحانه و تعالى المرجع يوم القيامة , فتبعثون بعد موتكم , و تحشرون إليه عز و جل , ليجازيكم بأعمالكم الحسنة و السيئة .

يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 06:00 PM

( أأمنتم من في السّماء أن يخسف بكم الأرض ) هذا تهديد و وعيد من الله تعالى لمن استمر في طغيانه و تعدِّيه , و عصيانه الموجب للنكال و حلول العقوبة . و معناه : أأمنتم عذاب من في السماء – و هو الله تعالى العليُّ الأعلى – أن يخسف بكم الأرض لتهلكوا كلكم في جوفها , فيغيبكم إلى أسفل سافلين .
و في هذا الإستفهام ينكر عليهم أمنهم من الخسوف بهم و هم قائمون على معاصي توجب لهم ذلك .

(
فإذا هي تمور
) أي تضطرب و تهتز هزا شديدا بكم , و ترتفع فوقكم , و تنقلب عليكم حتى تتلفكم و تهلككم .

(
أم أمنتم مّن في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ) أن يرسل عليكم ريحا عاصفا ترميكم بالحصباء الصغار فتهلككم . قال تعالى " أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البرّ أو يرسل عليكم حاصبا ثمّ لا تجدوا لكم وكيلا
" .
و الإستفهام الذي في الآية هو إنكاري تعجبي , ينكر عليهم أمنهم من عذاب الله بإرسال حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط فتهلكهم كما أهلكتهم , إذ هم قائمين على تكذيبهم و شركهم و كفرهم .

(
فستعلمون كيف نذير ) قال ابن جرير
: أي عاقبة نذيري لكم , إذا كذّبتم به , و رددتموه على رسولي .

(
و لقد كذب الذين من قبلهم
) و لقد كذب أقوام من الأمم السابقة و القرون الخالية – مع كونهم أشد منهم عددا و عُددا – رسلي حينما أنكروا عليهم الشرك و الكفر , فأهلكناهم .

(
فكيف كان نكير ) فانظروا كيف كان إنكار الله عليهم , عاجلهم بالعقوبة الدنيوية قبل عقوبة الآخرة , فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم . قال القاضي
: هو تسلية للرسول صلى الله عليه و سلم , و تهديد لقومه المشركين .

يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 06:00 PM

( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات و يقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن ) أولم ينظروا إلى الطير الذي سخر الله له الجو و الهواء , تبسط و تقبض أجنحتها للطيران , فما يمسكها عن الوقوع من السماء في حالة البسط أو القبض إلا الرحمن – جل جلاله و عظم سلطانه – بما شاء من السنن و النواميس التي يحكم بها خلقه و يدبر بها ملكوته , قال تعالى : " أولم يروا إلى الطير مُسخَّرات في جو السّماء ما يمسكهن إلاّ الله إنّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون " .
و هذا دال على قدرة الله تعالى و علمه و رحمته الموجبة لعبادته وحده , فكيف ينكر المشركون و الكفار ألوهيته و رحمته ؟! إنّ هذا لعجب العجاب .

(
إنّه بكل شيء بصير ) أي : بما يصلح كل شيء من مخلوقاته . قال القاشاني
: فيعطيه ما يليق به , و يسوِّيه بحسب مشيئته , و يودع فيه ما يريده بمقتضى حكمته , ثم يهديه إليه بتوفيقه .

(
أمّن هذا الذي هو جُندٌ لكم ينصركم مّن دون الرحمن
) يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا غيره , يبتغون عندهم نصرا و رزقا , مُنكرا عليهم فيما اعتقدوه , و مُخبرا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه : من هذا الذي يعينكم و ينصركم - من دون الله تعالى – إذا أراد بكم الرحمن – سبحانه و تعالى – سوءًا , فيدفعه عنكم ؟ و من الذي ينصركم على أعدائكم غير الرحمن ؟ فإنه تعالى هو الناصر المعز المذل , و غيره من الخلق لو اجتمعوا على نصر عبد , لم ينفعوه مثقال ذرة , على أيّ عدوّ كان .
و الإستفهام للتبكيت و التأنيب و الإضراب الإنتقالي إذ تنقل من توبيخهم على عدم التأمل فيما يشاهدونه من أحوال الطير المُنْبئة عن آثار قدرة الله و رحمته إلى التبكيت بضعفهم و قلة الناصر لهم سوى الرحمن الذي يكفرون به .

(
إنّ الكافرون إلاّ في غرور
) إن استمرار الكافرين على كفرهم , بعد أن علموا أنه لا ينصرهم أحد من دون الرحمن , غرور و سَفَهٌ .

(
أمّن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه
) من هذا الذي يطعمكم و يسقيكم و يأتي بأقواتكم إن أمسك الله ربكم رزقه عنكم , فلو قطع عليكم المطر ما أتاكم به أحد غير الله , لأن لا أحد يعطي و يمنع و يخلق و يرزق , و ينصر إلا الله عز وجل , وحده لا شريك له .
و أصلا الخلق لا يقدرون على رزق أنفسهم , فكيف بغيرهم ؟

(
بل لّجّوا في عتُّوٍّ و نفور
) بالرغم من علمهم أن الله تعالى هو الناصر الرازق و بالرغم من هذا التبكيت و التأنيب , استمر الكافرون في طغيانهم و إفكهم و ضلالهم , معاندة و استكبارا و نفورا على أدبارهم عن الحق , لا يسمعون له و لا يتبعونه , و أصرّوا على اعتقاد أنهم يُحفظون من النوائب , و يُرزقون ببركة آلهتهم , و أنهم الجند الناصر الرازق , مكابرة و عنادًا .

يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 06:01 PM

أفمن يمشي مُكبّا على وجهه أهدى , أمّن يمشي سويّا على صراط مّستقيم ) أي : أيّ الرجلين أهدى ؟ من كان تائها في الضلال , غارقا في الكفر قد انتكس قلبه , فصار الحق عنده باطلا , و الباطل حقا ؟ و من كان عالما بالحق , مؤثرا له , عاملا به , يمشي على الصراط المستقيم في أقواله و أعماله و جميع أحواله ؟ فبمجرد النظر إلى حال هذين الرجلين , يعلم الفرق بينهما , و المهتدي و الضال منهما , و الأحوال أكثر شاهد من الأقوال . ثم إن في الآخرة أيضا , المؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم , مُفضى به إلى الجنة الفيحاء , و أما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجه إلى نار جهنم .
عن أنس بن مالك قال : قيل يا رسول الله , كيف يحشر الناس على وجوههم ؟ فقال : "
أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم " رواه البخاري و مسلم
.

(
قُل هو الذي أنشأكم و جعل لكم السّمع و الأبصار و الأفئدة
) أي : هو المستحق للعبادة وحده , و سلوك صراطه , لأنه هو الذي أوجدكم من العدم - أي بعد أن لم تكونو شيئا مذكورا - من غير معاون له و لا مُظاهر , و لما خلقكم , كمّل لكم الوجود بالسمع و الأبصار و القلوب , التي هي أنفع أعضاء البدن , و أكمل القوى الجسمانية .

(
قليلا ما تشكرون
) أي : قلّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته و امتثال أوامره و ترك زواجره .

(
قل هو الذي ذرأكم في الأرض
) هو الذي خلقكم في الأرض و بثكم و نشركم في أقطارها و أرجائها , مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم , و ألوانكم و أشكالكم , لتعبدوه , و تقوموا بالقسط الذي أمر به .

(
و إليه تحشرون
) أي : تُجمعون بعد هذا التفرق و الشتات - للحساب و الجزاء - , يجمعكم كما فرقكم و يعيدكم كما بدأكم .

يتبع ...

اِبن الصالحين 04-07-2012 06:01 PM

( و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) أي : و يقول الكافرون لرسول الله صلى الله عليه و سلم و المؤمنين : متى يجيء هذا الوعد الذي تعدوننا به و هو يوم القيامة ؟

(
قل إنّما العلم عند الله ) و هي كقوله تعالى " قل إنما علمها عند ربي
" فلا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله عز و جل , و لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن و واقع لا محالة فاحذروه .

(
و إنما أنا نذير مبين
) و إنما أنا عليَّ البلاغ , و قد أديته إليكم .

(
فلمّا رأوه زلفة سيئة وجوه الذين كفروا و قيل هذا الذي كنتم به تدَّعون ) لما قامت القيامة و شاهدها الكفار , و رأوا أن الأمر كان قريبا , لأن كل ما هو آتٍ آتٍ و إن طال زمنه , فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك و أفظعهم , و قلقل أفئدتهم , فتغيرت وجوههم من الكآبة و الغم و الإنكسار و الحزن . لما يعلمون ما لهم هناك من شر . قال تعالى : " و بدا لهم سيئات ما كسبوا و حاق بهم مّا كانوا به يستهزئون
" , و لهذا يقال لهم على وجه التقريع و التوبيخ , هذا الذي كنتم به تكذبون , و هذا الذي كنتم به تطلبون و تستعجلون , متحدّين رسولنا و المؤمنين , فاليوم رأيتموه عيانا , و انجلى لكم الأمر , و تقطعت بكم الأسباب و لم يبق إلا مباشرة العذاب .

(
قل أرءيتم إن أهلكني الله و من معيَّ أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم
) لما كان المكذبون للرسول صلى الله عليه و سلم , الذين يردون رسالته , و ينتظرون هلاكه و موته , تخلصًا من دعوته و انتشارها . أمره الله تعالى أن يقول لهم : خلِّصوا أنفسكم , فإنه لا منقذ لكم من الله إلا التوبة و الإنابة , و الرجوع إلى دينه , و لا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب و النَّكال , فسواء عذبنا الله أو رحمنا , فلا مناص لكم من نكاله و عذابه الأليم الواقع بكم .

(
قل هو الرَّحمن ءامنَّا به و عليه توكلنا , فستعلمون من هو في ضلال مبين
) أي : آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم , و عليه اعتمدنا في جميع أمورنا , لا على ما تتكلون عليه من رجالكم و أموالكم , و إنه في يوم ما سوف تعلمون من هو في ضلال ممن هو على صراط مستقيم .

(
قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بما معين ) أي : قل لهؤلاء المشركين يا رسولنا تذكيرا لهم : أخبروني إن أصبح ماؤكم الذي تشربون منه , ذاهبا في الأرض إلى أسفل , فلا يُنال بالفئوس الحداد , و لا السواعد الشداد , فمن يأتيكم بماء نابع سائح جار على وجه الأرض ؟ الجواب : لا أحد . لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عز و جل , إذا فلم لا تؤمنون به و توحدونه في عبادته و تتقربون إليه بالعبادات التي شرع لعباده أن يعبدوه بها ؟


الساعة الآن 03:30 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009