الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد

الجامعة العالمية للقراءات القرآنية و التجويد (http://www.quran-university.com/vb/index.php)
-   ركن الفقة وأصوله (http://www.quran-university.com/vb/forumdisplay.php?f=148)
-   -   الموسوعة الفقهية (http://www.quran-university.com/vb/showthread.php?t=13996)

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:25 AM

أنواعه
5 - أ - إحياء ليال مخصوصة ورد نصّ بإحيائها كالعشر الأواخر من رمضان ، والعشر الأول من ذي الحجّة .
ب - إحياء ما بين المغرب والعشاء من كلّ ليلة ، وهذان النّوعان موضوع البحث .
الاجتماع لإحياء اللّيل :
6 - كره الحنفيّة والشّافعيّة الاجتماع لإحياء ليلة من اللّيالي في المساجد غير التّراويح ، ويرون أنّ من السّنّة إحياء النّاس اللّيل فرادى . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يكره ذلك ، ويصحّ مع الكراهة . وأجاز الحنابلة إحياء اللّيل بصلاة قيام اللّيل جماعةً ، كما أجازوا صلاته منفرداً ، لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين ، ولكن كان أكثر تطوّعه منفرداً ، فصلّى بحذيفة مرّةً ، وبابن عبّاس مرّةً ، وبأنس وأمّه مرّةً . وفرّق المالكيّة في الاجتماع على إحياء اللّيل بقيامه بين الجماعة الكثيرة والجماعة القليلة ، وبين المكان المشتهر والمكان غير المشتهر ، فأجازوا - بلا كراهة - اجتماع العدد القليل عليه إن كان اجتماعهم في مكان غير مشتهر ، إلاّ أن تكون اللّيلة الّتي يجتمعون لإحيائها من اللّيالي الّتي صرّح ببدعة الجمع فيها ، كليلة النّصف من شعبان ، وليلة عاشوراء ، فيكره .
إحياء اللّيل كلّه :
7 - صرّح الشّافعيّة والحنابلة بكراهة قيام اللّيل كلّه لحديث عائشة : « ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قام ليلةً حتّى الصّباح » . رواه مسلم . واستثنوا إحياء ليال مخصوصة ، لحديث عائشة : « كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا اللّيل كلّه » . متّفق عليه .
كيفيّته
8 - يكون إحياء اللّيل بكلّ عبادة ، كالصّلاة ، وقراءة القرآن والأحاديث ، وسماعها ، وبالتّسبيح والثّناء والصّلاة والسّلام على النّبيّ صلى الله عليه وسلم . ويصلّي في إحياء اللّيل ولو ركعتين . والتّفصيل في عدد ما يصلّي وكونه مثنى أو رباع ، موطنه " قيام اللّيل » . وكما يجوز له أن يحيي اللّيل بالصّلاة يجوز له أن يحييه بالدّعاء والاستغفار ، فيستحبّ لمن أحيا اللّيل أن يكثر من الدّعاء والاستغفار في ساعات اللّيل كلّها . وآكده النّصف الأخير ، وأفضله عند الأسحار . وكان أنس بن مالك يقول : أمرنا أن نستغفر بالسّحر سبعين مرّةً . وقال نافع : كان ابن عمر يحيي اللّيل ، ثمّ يقول : يا نافع ، أسحرنا ؟ فأقول : لا ، فيعاود الصّلاة . ثمّ يسأل ، فإذا قلت : نعم ، قعد يستغفر . وعن إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال : سمعت رجلاً في السّحر في ناحية المسجد يقول : يا ربّ أمرتني فأطعتك ، وهذا سحر ، فاغفر لي ، فنظرت فإذا هو ابن مسعود .
إحياء اللّيالي الفاضلة :
9 - اللّيالي الفاضلة الّتي وردت الآثار بفضلها هي : ليلة الجمعة ، وليلتا العيدين ، وليالي رمضان ، ويخصّ منها ليالي العشر الأواخر منه ، ويخصّ منها ليلة القدر ، وليالي العشر الأول من ذي الحجّة ، وليلة نصف شعبان ، واللّيلة الأولى من رجب . وحكم إحياء هذه اللّيالي فيما يلي : إحياء ليلة الجمعة :
10 - نصّ الشّافعيّة على كراهة تخصيص ليلة الجمعة بقيام بصلاة ، لما رواه مسلم في صحيحه من قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا تخصّوا ليلة الجمعة بقيام من بين اللّيالي » . أمّا إحياؤها بغير صلاة فلا يكره ، لا سيّما الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّ ذلك مطلوب فيها . ولا يكره إحياؤها مضمومةً إلى ما قبلها ، أو إلى ما بعدها ، أو إليهما ، قياساً على ما ذكروه في الصّوم . وظاهر كلام بعض الحنفيّة ندب إحيائها بغير الصّلاة ؛ لأنّ صاحب مراقي الفلاح ساق حديث : « خمس ليال لا يردّ فيهنّ الدّعاء : ليلة الجمعة ، وأوّل ليلة من رجب ، وليلة النّصف من شعبان ، وليلتا العيد » . ولم يعلّق عليه .
إحياء ليلتي العيد
11 - يندب إحياء ليلتي العيدين ( الفطر ، والأضحى ) باتّفاق الفقهاء . لقوله عليه الصلاة والسلام : « من قام ليلتي العيد محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب » . وذهب الحنفيّة اتّباعاً لابن عبّاس إلى أنّه يحصل له ثواب الإحياء بصلاة العشاء جماعةً ، والعزم على صلاة الصّبح جماعةً .
إحياء ليالي رمضان
12 - أجمع المسلمون على سنّيّة قيام ليالي رمضان عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم : « من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه » . ويخصّ منها العشر الأخير ، لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « كان إذا كان العشر الأواخر طوى فراشه ، وأيقظ أهله ، وأحيا ليله » . وذلك طلباً لليلة القدر الّتي هي إحدى ليالي العشر الأخير من رمضان . قال صلى الله عليه وسلم : « اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر » . وكلّ هذا لا خلاف فيه .
إحياء ليلة النّصف من شعبان
13 - ذهب جمهور الفقهاء إلى ندب إحياء ليلة النّصف من شعبان ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « إذا كانت ليلة النّصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها ، فإنّ اللّه ينزل فيها لغروب الشّمس إلى السّماء الدّنيا ، فيقول : ألا من مستغفر فأغفر له ، ألا مسترزق فأرزقه ، ألا مبتلًى فأعافيه . . . كذا . . . كذا . . . حتّى يطلع الفجر » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه يطّلع ليلة النّصف من شعبان ، فيغفر لجميع خلقه إلاّ لمشرك أو مشاحن » . وبيّن الغزاليّ في الإحياء كيفيّةً خاصّةً لإحيائها ، وقد أنكر الشّافعيّة تلك الكيفيّة واعتبروها بدعةً قبيحةً ، وقال الثّوريّ هذه الصّلاة بدعة موضوعة قبيحة منكرة .
الاجتماع لإحياء ليلة النّصف من شعبان :
14 - جمهور الفقهاء على كراهة الاجتماع لإحياء ليلة النّصف من شعبان ، نصّ على ذلك الحنفيّة والمالكيّة ، وصرّحوا بأنّ الاجتماع عليها بدعة وعلى الأئمّة المنع منه . وهو قول عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة . وذهب الأوزاعيّ إلى كراهة الاجتماع لها في المساجد للصّلاة ؛ لأنّ الاجتماع على إحياء هذه اللّيلة لم ينقل عن الرّسول صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه . وذهب خالد بن معدان ولقمان بن عامر وإسحاق بن راهويه إلى استحباب إحيائها في جماعة .
إحياء ليالي العشر من ذي الحجّة :
15 - نصّ الحنفيّة والحنابلة على ندب إحياء اللّيالي العشر الأول من ذي الحجّة . لما رواه التّرمذيّ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ما من أيّام أحبّ إلى اللّه أن يتعبّد له فيها من عشر ذي الحجّة ، يعدل صيام كلّ يوم منها بصيام سنة ، وقيام كلّ ليلة منها بقيام ليلة القدر » .
إحياء أوّل ليلة من رجب :
16 - ذكر بعض الحنفيّة وبعض الحنابلة من جملة اللّيالي الّتي يستحبّ إحياؤها أوّل ليلة من رجب ، وعلّل ذلك بأنّ هذه اللّيلة من اللّيالي الخمس الّتي لا يردّ فيها الدّعاء ، وهي : ليلة الجمعة ، وأوّل ليلة من رجب ، وليلة النّصف من شعبان ، وليلتا العيد .
إحياء ليلة النّصف من رجب :
17 - ذهب بعض الحنابلة إلى استحباب إحياء ليلة النّصف من رجب .
إحياء ليلة عاشوراء :
18 - ذهب بعض الحنابلة إلى استحباب إحياء ليلة عاشوراء .
إحياء ما بين المغرب والعشاء : مشروعيّته :
19 - الوقت الواقع بين المغرب والعشاء من الأوقات الفاضلة ، ولذلك شرع إحياؤه بالطّاعات ، من صلاة - وهي الأفضل - أو تلاوة قرآن ، أو ذكر للّه تعالى من تسبيح وتهليل ونحو ذلك . وقد كان يحييه عدد من الصّحابة والتّابعين وكثير من السّلف الصّالح . كما نقل إحياؤه عن الأئمّة الأربعة . وقد ورد في إحياء هذا الوقت طائفة من الأحاديث الشّريفة ، وإن كان كلّ حديث منها على حدة لا يخلو من مقال ، إلاّ أنّها بمجموعها تنهض دليلاً على مشروعيّتها ، منها :
1 - ما روته السّيّدة عائشة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من صلّى بعد المغرب عشرين ركعةً بنى اللّه له بيتاً في الجنّة » .
2 - وعن ابن عمر ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من صلّى بعد المغرب ستّ ركعات كتب من الأوّابين » . حكمه :
20 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ إحياء ما بين المغرب والعشاء مستحبّ . وهو عند الشّافعيّة والمالكيّة مستحبّ استحباباً مؤكّداً . وكلام الحنابلة يفيده . عدد ركعاته :
21 - اختلف في عدد ركعات إحياء ما بين العشاءين تبعاً لما ورد من الأحاديث فيها . فذهب جماعة إلى أنّ إحياء ما بين العشاءين ، يكون بستّ ركعات ، وبه أخذ أبو حنيفة ، وهو الرّاجح من مذهب الحنابلة . واستدلّوا على ذلك بحديث ابن عمر السّابق . وفي رواية عند الحنابلة أنّها أربع ركعات ، وفي رواية ثالثة أنّها عشرون ركعةً . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ أقلّها ركعتان وأكثرها عشرون ركعةً . وذلك جمعاً بين الأحاديث الواردة في عدد ركعاتها . وذهب المالكيّة إلى أنّه لا حدّ لأكثرها ولكن الأولى أن تكون ستّ ركعات . وتسمّى هذه الصّلاة بصلاة الأوّابين ، للحديث السّابق . وتسمّى صلاة الغفلة . وتسميتها بصلاة الأوّابين لا تعارض ما في الصّحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم : صلاة الأوّابين إذا رمضت الفصال " ، لأنّه لا مانع أن تكون كلّ من الصّلاتين صلاة الأوّابين .
صلاة الرّغائب :
22 - ورد خبر بشأن فضل صلاة تسمّى صلاة الرّغائب في أوّل ليلة جمعة من رجب ، بين العشاءين . وممّن ذكره الغزاليّ في الإحياء . وقد قال عنه الحافظ العراقيّ : إنّه موضوع . وقد نبّه الحجّاويّ في الإقناع على أنّ تلك الصّلاة بدعة لا أصل لها .
إحياء الموات
1 - الإحياء في اللّغة جعل الشّيء حيّاً ، والموات : الأرض الّتي خلت من العمارة والسّكّان . وهي تسمية بالمصدر . وقيل : الموات الأرض الّتي لا مالك لها ، ولا ينتفع بها أحد . وإحياء الموات في الاصطلاح هو كما قال الأتقانيّ شارح الهداية : التّسبّب للحياة النّامية ببناء أو غرس أو كرب ( حراثة ) أو سقي . وعرّفه ابن عرفة بأنّه لقب لتعمير داثر الأرض بما يقتضي عدم انصراف المعمر عن انتفاعه بها . وعرّفه الشّافعيّة بأنّه عمارة الأرض الخربة الّتي لا مالك لها ، ولا ينتفع بها أحد . وعرّفه الحنابلة بأنّه عمارة ما لم يجر عليه ملك لأحد ، ولم يوجد فيه أثر عمارة .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
2 - من الألفاظ ذات الصّلة : التّحجير أو الاحتجار ، والحوز ، والارتفاق ، والاختصاص ، والإقطاع ، والحمى .
أ - التّحجير :
3 - التّحجير أو الاحتجار لغةً واصطلاحاً : منع الغير من الإحياء بوضع علامة ، كحجر أو غيره ، على الجوانب الأربعة وهو يفيد الاختصاص لا التّمليك .
ب - الحوز والحيازة :
4 - الحوز والحيازة لغةً الضّمّ والجمع . وكلّ من ضمّ إلى نفسه شيئاً فقد حازه . والمراد من الحيازة اصطلاحاً وضع اليد على الشّيء المحوز . وهي لا تفيد الملك عند الجمهور خلافاً لبعض المالكيّة . وتفصيله في مصطلح : « حيازة » .
ج - الارتفاق :
5 - الارتفاق بالشّيء لغةً الانتفاع به . وهو في الاصطلاح لا يخرج - في الجملة - عن المعنى اللّغويّ ، على خلاف فيما يرتفق به . وموضعه مصطلح : ( ارتفاق ) .
د - الاختصاص :
6 - الاختصاص بالشّيء في اللّغة : كونه لشخص دون غيره . وهو في الاصطلاح لا يخرج عن ذلك . والاختصاص أحد الطّرق المؤدّية إلى إحياء الموات .
هـ - الإقطاع :
7 - الإقطاع في اللّغة والاصطلاح : جعل الإمام غلّة أرض رزقاً للجند أو غيرهم . ونصّ الحنابلة وغيرهم على أنّ للإمام إقطاع الموات لمن يحييه ، فيكون أحقّ به كالمتحجّر الشّارع في الإحياء . وهو نوع من أنواع الاختصاص . وتفصيله في مصطلح ( إقطاع ) .
صفة الإحياء ( حكمه التّكليفيّ ) :
8 - حكمه الجواز ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أحيا أرضاً ميّتةً فهي له » . على أنّ الشّافعيّة ذهبوا إلى أنّه مستحبّ ، للحديث الّذي رواه النّسائيّ : « من أحيا أرضاً ميّتةً فله فيها أجر » . وحكمة مشروعيّته أنّه سبب لزيادة الأقوات والخصب للأحياء .
أثر الإحياء
( حكمه الوضعيّ )
9 - ذهب الجمهور إلى أنّ المحيي يملك ما أحياه إذا توافرت الشّروط ، وذلك للحديث السّابق ، خلافاً لبعض الحنفيّة ، كالفقيه أبي القاسم أحمد البلخيّ ، إذ قالوا : إنّه يثبت ملك الاستغلال لا ملك الرّقبة ، قياساً على السّبق للانتفاع بالمرافق العامّة ، كالمجالس ، وخلافاً لبعض الحنابلة الّذين ذهبوا إلى أنّ الذّمّيّ لا يملك الإحياء في دار الإسلام ، إنّما يملك الانتفاع .
أقسام الموات :
10 - الموات قسمان : أصليّ وهو ما لم يعمر قطّ ، وطارئ : وهو ما خرب بعد عمارته . الأراضي الّتي كانت جزائر وأنهاراً :
11 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأنهار والجزائر ونحوهما إذا انحسر عنها الماء فصارت أرضاً يابسةً ترجع إلى ما كانت عليه . فإن كانت مملوكةً لأحد أو وقفاً أو مسجداً عادت إلى المالك أو الوقف أو المسجد ، ولا يجوز إحياؤها ، لكن قيّد المالكيّة ذلك بما إذا كان المالك ملك الأرض بالشّراء ، فإن كان ملكها بالإحياء جاز للغير إحياؤها . واختلفوا فيما إذا لم تكن مملوكةً لأحد أو لم يعرف للأرض مالك : فذهب الحنفيّة إلى أنّ النّهر إذا كان بعيداً ، بحيث لا يعود إليه الماء ، تكون أرضه مواتاً يجوز إحياؤها . وكذلك الحكم إذا كان النّهر قريباً في ظاهر الرّواية ، وهو الصّحيح ؛ لأنّ الموات اسم لما لا ينتفع به ، فإذا لم يكن ملكاً لأحد ، ولا حقّاً خاصّاً له ، لم يكن منتفعاً به ، فكان مواتاً ، بعيداً عن البلد ، أو قريباً منها . وعلى رواية أبي يوسف رحمه الله تعالى - وهو قول الطّحاويّ الّذي اعتمده شمس الأئمّة - لا يكون مواتاً إذا كان قريباً ، وذلك لأنّ ما يكون قريباً من القرية لا ينقطع ارتفاق أهلها عنه ، فيدار الحكم عليه . وعند محمّد يعتبر حقيقة الانتفاع ، حتّى لا يجوز إحياء ما ينتفع به أهل القرية وإن كان بعيداً ، ويجوز إحياء ما لا ينتفعون به وإن كان قريباً من العامر .
12 - واختلفوا في حدّ القرب والبعد . وأصحّ ما قيل فيه أن يقوم الرّجل على طرف عمران القرية ، فينادي بأعلى صوته ، فأيّ موضع ينتهي إليه صوته يكون من فناء العمران ؛ لأنّ أهل القرية يحتاجون إلى ذلك الموضع لرعي المواشي أو غيره ، وما وراء ذلك يكون من الموات . ورأى سحنون من المالكيّة ومن وافقه كمطرّف وأصبغ مثل ظاهر الرّواية في مذهب الحنفيّة ، غير أنّه لم يقيّد بجواز عود المياه ، لأنّ الأنهار الّتي لم ينشئها النّاس ليست ملكاً لأحد ، وإنّما هي طريق للمسلمين لا يستحقّها من كان يلي النّهر من جهتيه . وعند غيرهم أنّ باطن النّهر إذا يبس يكون ملكاً لصاحبي الأرض الّتي بجنب النّهر ، لكلّ واحد منهما ما يجاور أرضه مناصفةً . والحكم كذلك إذا مال النّهر عن مجراه إلى الأرض المجاورة له . ويستخلص من نصوص المالكيّة أنّهم لا يفرّقون في الحكم بين النّهر القريب والبعيد . وعند الشّافعيّة والحنابلة أنّ ما نضب عنه الماء من الأنهار والجزائر لا يجوز إحياؤه برغم أنّه لم يكن مملوكاً من قبل . وصرّح الشّافعيّة بأنّه ليس للسّلطان إعطاؤه لأحد . قالوا : « ولو ركب الأرض ماء أو رمل أو طين فهي على ما كانت عليه من ملك أو وقف . فإن لم يعرف مالك للأرض وانحسر ماء النّهر عن جانب منه لم يخرج عن كونه من حقوق المسلمين العامّة ، وليس للسّلطان إقطاعه - أي إعطاؤه - لأحد ، كالنّهر وحريمه . ولو زرعه أحد لزمه أجرته لصالح المسلمين ، ويسقط عنه قدر حصّته إن كانت له في مصالح المسلمين . نعم للإمام دفعه لمن يرتفق به بما لا يضرّ المسلمين . ومثله ما ينحسر عنه الماء من الجزائر في البحر . ويجوز زرعه ونحوه لمن لم يقصد إحياءه . ولا يجوز فيه البناء ولا الغراس ولا ما يضرّ المسلمين . وكلّ هذا إذا رجي عود مالك الأرض ، فإن لم يرج عوده كانت لبيت المال فللإمام إقطاعها رقبةً أو منفعةً إن لم يكن في تصرّفه جور ، لكن المقطع يستحقّ الانتفاع بها مدّة الإقطاع خاصّةً » .
13 - وفي المغني : وما نضب عنه الماء من الجزائر لم يملك بالإحياء . قال أحمد في رواية العبّاس بن موسى : إذا نضب الماء عن جزيرة إلى فناء رجل لم يبن فيها ، لأنّ فيه ضرراً ، وهو أنّ الماء يرجع . يعني أنّه يرجع إلى ذلك المكان . فإذا وجده مبنيّاً رجع إلى الجانب الآخر فأضرّ بأهله ؛ ولأنّ الجزائر منبت الكلأ والحطب فجرت مجرى المعادن الظّاهرة . وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا حمى في الأراك » . وقال أحمد في رواية حرب : يروى عن عمر أنّه أباح الجزائر . يعني أباح ما ينبت في الجزائر من النّبات . وقال : « إذا نضب الفرات عن شيء ، ثمّ نبت عن نبات ، فجاء رجل يمنع النّاس منه فليس له ذلك ، فأمّا إن غلب الماء على ملك إنسان ثمّ عاد فنضب عنه فله أخذه ، فلا يزول ملكه بغلبة الماء عليه . وإن كان ما نضب عنه الماء لا ينتفع به أحد فعمره رجل عمارةً لا تردّ الماء ، مثل أن يجعله مزرعةً ، فهو أحقّ به من غيره ؛ لأنّه متحجّر لما ليس لمسلم فيه حقّ ، فأشبه التّحجّر في الموات » .
إذن الإمام في الإحياء :
14 - فقهاء المذاهب مختلفون في أرض الموات هل هي مباحة فيملك كلّ من يحقّ له الإحياء أن يحييها بلا إذن من الإمام ، أم هي ملك للمسلمين فيحتاج إحياؤها إلى إذن ؟ ذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد إلى أنّ الإحياء لا يشترط فيه إذن الإمام ، فمن أحيا أرضاً مواتاً بلا إذن من الإمام ملكها . وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنّه يشترط إذن الإمام ، سواء أكانت الأرض الموات قريبةً من العمران أم بعيدةً . واشترط المالكيّة إذن الإمام في القريب قولاً واحداً . ولهم في البعيد طريقان : طريق اللّخميّ وابن رشد أنّه لا يفتقر لإذن الإمام ، والطّريق الآخر أنّه يحتاج للإذن . والمفهوم من نصوص المالكيّة أنّ العبرة بما يحتاجه النّاس وما لا يحتاجونه ، فما احتاجوه فلا بدّ فيه من الإذن ، وما لا فلا . احتجّ الجمهور بعموم قوله صلى الله عليه وسلم : « من أحيا أرضاً فهي له » ؛ ولأنّ هذه عين مباحة فلا يفتقر ملكها إلى إذن الإمام كأخذ الحشيش ، والحطب . واحتجّ أبو حنيفة بقوله صلى الله عليه وسلم : « ليس للمرء إلاّ ما طابت به نفس إمامه » ، وبأنّ هذه الأراضي كانت في أيدي الكفرة ثمّ صارت في أيدي المسلمين ، فصارت فيئاً ، ولا يختصّ بالفيء أحد دون رأي الإمام ، كالغنائم ؛ ولأنّ إذن الإمام يقطع المشاحّة . والخلاف بين الإمام وصاحبيه في حكم استئذان الإمام في تركه من المحيي المسلم جهلاً . أمّا إن تركه متعمّداً تهاوناً بالإمام ، كان له أن يستردّ الأرض منه زجراً له . وكلّ هذا في المحيي المسلم في بلاد الإسلام .
15 - أمّا بالنّسبة لإحياء الذّمّيّ في بلاد الإسلام فقال الحنابلة : الذّمّيّ كالمسلم في الإحياء بالنّسبة لإذن الإمام . وقال المالكيّة : الذّمّيّ كالمسلم فيه إلاّ في الإحياء في جزيرة العرب فلا بدّ فيه من الإذن . واشترط الحنفيّة في إحياء الذّمّيّ إذن الإمام اتّفاقاً بين أبي حنيفة وصاحبيه حسبما ورد في شرح الدّرّ . ومنعوا الإحياء للمستأمن في جميع الأحوال . ولم يجوّز الشّافعيّة إحياء الذّمّيّ في بلاد الإسلام مطلقاً .
ما يجوز إحياؤه وما لا يجوز :
16 - أجمع فقهاء المذاهب على أنّ ما كان مملوكاً لأحد أو حقّاً خاصّاً له أو ما كان داخل البلد لا يكون مواتاً أصلاً فلا يجوز إحياؤه . ومثله ما كان خارج البلد من مرافقها محتطباً لأهلها أو مرعًى لمواشيهم ، حتّى لا يملك الإمام إقطاعها . وكذلك أرض الملح والقار ونحوهما ، ممّا لا يستغني المسلمون عنه ، ولا يجوز إحياء ما يضيق على وارد أو يضرّ بماء بئر . ونصّ الشّافعيّة في الأصحّ عندهم ، والحنابلة ، على أنّه لا يجوز إحياء في عرفة ولا المزدلفة ولا منًى ، لتعلّق حقّ الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنًى بالمسلمين ، ولما فيه من التّضييق في أداء المناسك ، واستواء النّاس في الانتفاع بهذه المحالّ . وقال الزّركشيّ من الشّافعيّة : وينبغي إلحاق المحصّب بذلك لأنّه يسنّ للحجيج المبيت به . وقال الوليّ العراقيّ : ليس المحصّب من مناسك الحجّ . فمن أحيا شيئاً منه ملكه .
17 - وأجمع الفقهاء أيضاً على أنّ الأرض المحجّرة لا يجوز إحياؤها ؛ لأنّ من حجّرها أولى بالانتفاع بها من غيره . فإن أهملها فلفقهاء المذاهب تفصيلات : فالحنفيّة وضعوا مدّةً قصوى للاختصاص الحاصل بالتّحجير هي ثلاث سنوات ، فإن لم يقم بإحيائها أخذها الإمام ودفعها إلى غيره . والتّقدير بذلك مرويّ عن عمر ، فإنّه قال : ليس لمتحجّر بعد ثلاث سنين حقّ . وذهب المالكيّة إلى أنّ من أهمل الأرض الّتي حجّرها بأن لم يعمل فيها ، مع قوّته على العمل من ذلك الحين إلى ثلاث سنوات ، فإنّها تؤخذ منه ، عملاً بالأثر السّابق ، ولم يعتبروا التّحجّر إحياءً إلاّ إذا جرى العرف باعتباره كذلك . وذهب الحنابلة في أحد وجهين عندهم إلى أنّ التّحجير بلا عمل لا يفيد ، وأنّ الحقّ لمن أحيا تلك الأرض ؛ لأنّ الإحياء أقوى من التّحجير . وذهب الشّافعيّة ، وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة إلى أنّه إذا أهمل المتحجّر إحياء الأرض مدّةً غير طويلة عرفاً ، وجاء من يحييها ، فإنّ الحقّ للمتحجّر ؛ لأنّ مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام : « من أحيا أرضاً ميّتةً ليست لأحد » - وقوله : « في غير حقّ مسلم فهي له » أنّها لا تكون له إذا كان فيها حقّ . وكذلك قوله : « من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحقّ به » . وروى سعيد بن منصور في سننه أنّ عمر رضي الله عنه قال : من كانت له أرض - يعني من تحجّر أرضاً - فعطّلها ثلاث سنين ، فجاء قوم فعمروها ، فهم أحقّ بها وهذا يدلّ على أنّ من عمّرها قبل ثلاث سنين لا يملكها ؛ لأنّ الثّاني أحيا في حقّ غيره ، فلم يملكه ، كما لو أحيا ما يتعلّق به مصالح ملك غيره ؛ ولأنّ حقّ المتحجّر أسبق ، فكان أولى ، كحقّ الشّفيع ، يقدّم على شراء المشتري . فإن مضت مدّة طويلة على الإهمال بحسب العرف بلا عذر أنذره الإمام ؛ لأنّه ضيّق على النّاس في حقّ مشترك بينهم ، فلم يمكّن من ذلك ، كما لو وقف في طريق ضيّق أو شرعة ماء أو معدن ، لا ينتفع ، ولا يدع غيره ينتفع . فإن استمهل بعذر أمهله الإمام والإمهال لعذر يكون الشّهر والشّهرين ونحو ذلك . فإن أحيا غيره في مدّة المهلة فللحنابلة فيه الوجهان السّابقان . وإن انقضت المدّة ولم يعمر فلغيره أن يعمره ويملكه ؛ لأنّ المدّة ضربت له لينقطع حقّه بمضيّها .
حريم العامر والآبار والأنهار وغيرها :
18 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز إحياء حريم المعمور ، وأنّه لا يملك بالإحياء . وكذلك حريم البئر المحفورة في الموات وحريم النّهر . والمراد بحريم المعمور ما تمسّ الحاجة إليه لتمام الانتفاع به ، وهو ملك لمالك المعمور ، بمعنى أنّ له أن يمنع غيره من إحيائه بجعله داراً مثلاً ، وليس له منع المرور فيه ، ولا المنع من رعي كلأ فيه ، والاستقاء من ماء فيه ، ونحو ذلك . والدّار المحفوفة بدور لا حريم لها . وحريم البئر ما لو حفر فيه نقص ماؤها ، أو خيف انهيارها . ويختلف ذلك بصلابة الأرض ورخاوتها .
19 - واختلف الفقهاء في مقدار حريم البئر والعين والنّهر والشّجر . فقال الحنفيّة : إنّ حريم بئر العطن ( وهي الّتي يستقى منها للمواشي ) أربعون ذراعاً . قيل : الأربعون من الجوانب الأربع من كلّ جانب عشرة . والصّحيح أنّ المراد أربعون ذراعاً من كلّ جانب . وأمّا حريم البئر النّاضح ( وهي أن يحمل البعير الماء من نهر أو بئر لسقي الزّرع ) فهو ستّون ذراعاً في قول أبي يوسف ومحمّد . وقال أبو حنيفة : لا أعرف إلاّ أنّه أربعون ذراعاً . وبه يفتى . ومن أحيا نهراً في أرض موات فقال بعضهم : إنّ عند أبي حنيفة لا يستحقّ له حريماً ، وعندهما يستحقّ . والصّحيح أنّه يستحقّ له حريماً بالإجماع . وذكر في النّوازل : وحريم النّهر من كلّ جانب نصفه عند أبي يوسف . وقال محمّد من كلّ جانب بمقدار عرض النّهر . والفتوى على قول أبي يوسف . ومن أخرج قناةً في أرض موات استحقّ الحريم بالإجماع . وحريمها عند محمّد حريم البئر . إلاّ أنّ المشايخ زادوا على هذا فقالوا : القناة في الموضع الّذي يظهر فيه الماء على وجه الأرض منزلة العين الفوّارة ، حريمها خمسمائة ذراع بالإجماع . أمّا في الموضع الّذي لا يقع الماء على الأرض فحريمها مثل النّهر . وقالوا : إنّ حريم الشّجرة خمسة أذرع . المالكيّة والشّافعيّة متّفقون على أنّ البئر ليس لها حريم مقدّر ، فقد قال المالكيّة : « أمّا البئر فليس لها حريم محدود لاختلاف الأرض بالرّخاوة والصّلابة ، ولكن حريمها ما لا ضرر معه عليها . وهو مقدار ما لا يضرّ بمائها ، ولا يضيّق مناخ إبلها ولا مرابض مواشيها عند الورود . ولأهل البئر منع من أراد أن يحفر بئراً في ذلك الحريم . وقالوا : إنّ للنّخلة حريماً ، وهو قدر ما يرى أنّ فيه مصلحتها ، ويترك ما أضرّ بها ، ويسأل عن ذلك أهل العلم . وقد قالوا : من اثني عشر ذراعاً من نواحيها كلّها إلى عشرة أذرع ، وذلك حسن . ويسأل عن الكرم أيضاً وعن كلّ شجرة أهل العلم به ، فيكون لكلّ شجرة بقدر مصلحتها » . وقال الشّافعيّة : إنّ حريم البئر المحفورة في الموات ( هي ما كانت مطويّةً ، وينبع الماء منها ) : موقف النّازح منها ، والحوض الّذي يصبّ فيه النّازح الماء ، وموضع الدّولاب ( وهو ما يستقي به النّازح ، وما يستقي به بالدّابّة ) والموضع الّذي يجتمع فيه لسقي الماشية والزّرع من حوض ونحوه ، ومتردّد الدّابّة ، والموضع الّذي يطرح فيه ما يخرج من الحوض ونحوه ، كلّ ذلك غير محدّد ، وإنّما هو بحسب الحاجة . وحريم آبار القناة ( وهي المحفورة من غير طيّ ليجتمع الماء فيها ويؤخذ لنحو المزارع ) : ما لو حفر فيه نقص ماؤها ، أو خيف سقوطها . ويختلف ذلك بصلابة الأرض ورخاوتها . ومذهب الحنابلة كمذهب الجمهور في أنّه لا يجوز إحياء حريم البئر والنّهر والعين ، غير أنّهم انفردوا بأنّه بحفر بئر يملك حريمها . أمّا تقدير الحنابلة للحريم من كلّ جانب في بئر قديمة فهو خمسون ذراعاً وفي غيرها خمس وعشرون . وحريم عين وقناة خمسمائة ذراع ، ونهر من جانبيه : ما يحتاج إليه لطرح كرايته ( أي ما يلقى من النّهر طلباً لسرعة جريه ) ، وحريم شجرة : قدر مدّ أغصانها ، وحريم أرض تزرع : ما يحتاج إليه لسقيها وربط دوابّها وطرح سبخها ونحوه .
إحياء الموات المقطّع :
20 - يقال في اللّغة : أقطع الإمام الجند البلد إقطاعاً أي جعل لهم غلّتها رزقاً ، واصطلاحاً إعطاء موات الأرض لمن يحييها ، وذلك جائز لما روى وائل بن حجر « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضاً ، فأرسل معه معاوية : أن أعطها إيّاه ، أو أعلمها إيّاه » . ولا بدّ قبل بيان حكم هذا الإحياء من بيان حكم الإقطاع ؛ لأنّه إمّا أن يكون بصيغته إقطاع تمليك ، أو إقطاع إرفاق ( انتفاع ) . فإن كان إقطاع إرفاق فالكلّ مجمع على أنّه لا يفيد بذاته تمليكاً للرّقبة ، إن كان إقطاع تمليك فإنّه يمتنع به إقدام غير المقطع على إحيائه ؛ لأنّه ملك رقبته بالإقطاع نفسه ، خلافاً للحنابلة ، فإنّهم ذهبوا إلى أنّ إقطاع الموات مطلقاً لا يفيد تملّكاً ، لكنّه يصير أحقّ به من غيره . أمّا إذا كان الإقطاع مطلقاً ، أو مشكوكاً فيه ، فإنّه يحمل على إقطاع الإرفاق ؛ لأنّه المحقّق .
الحمى :
21 - الحمى لغةً : ما منع النّاس عنه ، واصطلاحاً : أن يمنع الإمام موضعاً لا يقع فيه التّضييق على النّاس للحاجة العامّة لذلك ، لماشية الصّدقة ، والخيل الّتي يحمل عليها . وقد كان للرّسول صلى الله عليه وسلم أن يحمي لنفسه وللمسلمين ، لقوله في الخبر : { لا حمى إلاّ للّه ولرسوله } ، لكنّه لم يحم لنفسه شيئاً ، وإنّما حمى للمسلمين ، فقد روى ابن عمر ، قال : « حمى النّبيّ صلى الله عليه وسلم النّقيع لخيل المسلمين » . وأمّا سائر أئمّة المسلمين فليس لهم أن يحموا لأنفسهم شيئاً ، ولكن لهم أن يحموا مواضع لترعى فيها خيل المجاهدين ، ونعم الجزية ، وإبل الصّدقة ، وضوالّ النّاس ، على وجه لا يتضرّر به من سواه من النّاس . وهذا مذهب الأئمّة أبي حنيفة ومالك وأحمد والشّافعيّ في صحيح قوليه . وقال في الآخر : ليس لغير النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يحمي ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « لا حمى إلاّ للّه ورسوله » . واستدلّ الجمهور بأنّ عمر وعثمان حميا ، واشتهر ذلك في الصّحابة ، فلم ينكر عليهما ، فكان إجماعاً . وما حماه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فليس لأحد نقضه ولا تغييره مع بقاء الحاجة إليه ، ومن أحيا منه شيئاً لم يملكه . وإن زالت الحاجة إليه ، ودعت حاجة لنقضه ، فالأظهر عند الشّافعيّة جواز نقضه . وعند الحنابلة وجهان . واستظهر الحطّاب من المالكيّة جواز نقضه إن لم يقم الدّليل على إرادة الاستمرار . وما حماه غيره من الأئمّة فغيره هو أو غيره من الأئمّة جاز ، وإن أحياه إنسان ملكه في أحد الوجهين للحنابلة ؛ لأنّ حمى الأئمّة اجتهاد ، وملك الأرض بالإحياء نصّ ، والنّصّ يقدّم على الاجتهاد . والوجه الآخر للحنابلة : لا يملكه ؛ لأنّ اجتهاد الإمام لا يجوز نقضه ، كما لا يجوز نقض حكمه . ومذهب الشّافعيّ ، كذلك .
من يحقّ له الإحياء
أ - في بلاد الإسلام :
22 - والمراد بها كما بيّن القليوبيّ : ما بناه المسلمون ، كبغداد والبصرة ، أو أسلم أهله عليه ، كالمدينة واليمن ، أو فتح عنوةً ، كخيبر ومصر وسواد العراق ، أو صلحاً والأرض لنا وهم يدفعون الجزية . والحكم في هذه البلاد أنّ عمارتها فيء ، ومواتها متحجّر لأهل الفيء . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ المسلم البالغ العاقل الحرّ له الحقّ في أن يحيي الأرض الموات الّتي في بلاد الإسلام على نحو ما سبق . واختلفوا فيما وراء ذلك ، فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الذّمّيّ كالمسلم في حقّ الإحياء في بلاد الإسلام ، لكنّ مطرّفاً وابن الماجشون من المالكيّة منعا من إحيائه في جزيرة العرب ( مكّة والمدينة والحجاز كلّه والنّجود واليمن ) . وقال غيرهما : لو قيل إنّ حكم الذّمّيّين في ذلك حكم المسلمين لم يبعد ، كما كان لهم ذلك فيما بعد من العمران . وجاء في شرح الهداية : « أنّ الذّمّيّ يملك بالإحياء كما يملكه المسلم " من غير تقييد بإذن الإمام في ذلك عند الصّاحبين اللّذين لا يشترطان إذن الإمام للمسلم . وعلّل الشّارح ذلك بأنّ الإحياء سبب الملك ، فيستوي في ذلك المسلم والذّمّيّ كما في سائر أسباب الملك . والاستواء في السّبب يوجب الاستواء في الحكم ، لكن الّذي في شرح الدّرّ كما سبق أنّ الخلاف بين الإمام وصاحبيه في اشتراط إذن الإمام في الإحياء إنّما هو بالنّسبة للمسلم ، أمّا بالنّسبة للذّمّيّ فيشترط الإذن اتّفاقاً عند الحنفيّة . وذهب الشّافعيّة إلى عدم جواز إحياء الذّمّيّ في بلاد الإسلام ، فقد نصّوا على أنّ الأرض الّتي لم تعمّر قطّ إن كانت ببلاد الإسلام فللمسلم تملّكها بالإحياء ، أذن فيه الإمام أم لا ، وليس ذلك لذمّيّ وإن أذن الإمام ، فغير الذّمّيّ من الكفّار أولى بالمنع ، فلا عبرة بإحيائه ، وللمسلم أن يأخذه منه ويملكه ، فإن كان له عين فيه كزرع ردّه المسلم إليه ، فإن أعرض عنه فهو لبيت المال ، وليس لأحد التّصرّف فيه ، ولا أجرة عليه مدّة إحيائه لأنّه ليس ملكاً لأحد . وقد نصّ الشّافعيّة على أنّ الصّبيّ المسلم ، ولو غير مميّز يملك ما أحياه ، وأنّه يجوز للعبد أن يحيي ، لكن ما يحييه يملكه سيّده . ولم يذكروا شيئاً عن إحياء المجنون . وباقي المذاهب لم يستدلّ على أحكام إحياء المذكورين عندهم ، ولكن الحديث : « من أحيا أرضاً ميّتةً فهي له » يدلّ بعمومه على أنّ الصّغير والمجنون يملكان ما يحييانه .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:26 AM

ب - في بلاد الكفّار :
23 - مذهب الحنفيّة والحنابلة والباجيّ من المالكيّة أنّ موات أهل الحرب يملكه المسلمون بالإحياء ، سواء أفتحت بلادهم فيما بعد عنوةً ( وهي الّتي غلب عليها قهراً ) أم صلحاً . وقال سحنون : ما كان من أرض العنوة من موات لم يعمل فيها ولا جرى فيها ملك لأحد فهي لمن أحياها . ومذهب الشّافعيّة أنّه يجوز للمسلم وللذّمّيّ إحياء موات بلاد الكفر ، لكنّهم قيّدوا جواز إحياء المسلم بعدم منعه من ذلك ، فإن منعه الكفّار فليس له الإحياء . وقد صرّح ابن قدامة من الحنابلة أنّ المسلم إذا أحيا مواتاً في دار الحرب قبل فتحها عنوةً تبقى على ملكه ؛ لأنّ دار الحرب على أصل الإباحة . وكذلك إن كان الإحياء قبل فتحها صلحاً على أن تبقى الأرض لهم ، وللمسلمين الخراج ، ففي هذه الصّورة يحتمل عدم إفادة الإحياء الملك ؛ لأنّها بهذا الصّلح حرّمت على المسلمين ، ويحتمل أن يملكها من أحياها ؛ لعموم الخبر ؛ ولأنّها من مباحات دارهم ، فجاز أن يملكها من وجد منه سبب تملّكها .
ما يكون به الإحياء :
24 - يكاد يتّفق الحنفيّة والمالكيّة فيما يكون به الإحياء ، فقد نصّ الحنفيّة على أنّ الإحياء يكون بالبناء على الأرض الموات ، أو الغرس فيها ، أو كريها ( حرثها ) ، أو سقيها . ونصّ مالك على أنّ إحياء الأرض أن يحفر فيها بئراً أو يجري عيناً أو يغرس شجراً أو يبني أو يحرث ، ما فعل من ذلك فهو إحياء . وقاله ابن القاسم وأشهب . وقال عياض : اتّفق على أحد سبعة أمور : تفجير الماء ، وإخراجه عن غامرها به ، والبناء والغرس والحرث ، ومثله تحريك الأرض بالحفر ، وقطع شجرها ، وسابعها كسر حجرها وتسوية حفرها وتعديل أرضها . أمّا الشّافعيّة فقد نصّوا على أنّ ما يكون به الإحياء يختلف بحسب المقصود منه ، فإن أراد مسكناً اشترط لحصوله تحويط البقعة بآجر أو لبن أو محض الطّين أو ألواح الخشب والقصب بحسب العادة ، وسقف بعضها لتتهيّأ للسّكنى ، ونصب باب لأنّه المعتاد في ذلك . وقيل لا يشترط ؛ لأنّ السّكنى تتحقّق بدونه . وإن كان المقصود زريبةً للدّوابّ فيشترط التّحويط ، ولا يكفي نصب سعف أو أحجار من غير بناء ، ولا يشترط السّقف ؛ لأنّ العادة في الزّريبة عدمه ، والخلاف في الباب كالخلاف فيه بالنّسبة للمسكن . والإحياء في المزرعة يكون بجمع التّراب حولها ، لينفصل المحيا عن غيره . وفي معنى التّراب قصب وحجر وشوك ، ولا حاجة إلى تحويط وتسوية الأرض بطمّ المنخفض وكسح المستعلي . فإن لم يتيسّر ذلك إلاّ بما يساق إليها فلا بدّ منه لتتهيّأ للزّراعة . ولا تشترط الزّراعة بالفعل على أحد قولين ؛ لأنّها استيفاء منفعة ، وهو خارج عن الإحياء . والقول الثّاني : لا بدّ منها ؛ لأنّ الدّار لا تصير محياةً إلاّ إذا حصل فيها عين مال المحيي ، فكذا الأرض . وللحنابلة فيما يكون به الإحياء روايتان ، إحداهما ، وهي ظاهر كلام الخرقيّ ورواية عن القاضي : أنّ تحويط الأرض إحياء لها سواء أرادها للبناء أو الزّرع أو حظيرةً للغنم أو الخشب أو غير ذلك ونصّ عليه أحمد في رواية عليّ بن سعيد ، فقال : الإحياء أن يحوّط عليها حائطاً ، أو يحفر فيها بئراً أو نهراً . ولا يعتبر في ذلك تسقيف ، وذلك لما روى الحسن عن سمرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : قال « من أحاط حائطاً على أرض فهي له » . رواه أبو داود والإمام أحمد في مسنده ، ويروى عن جابر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مثله ؛ ولأنّ الحائط حاجز منيع ، فكان إحياءً ، أشبه ما لو جعلها حظيرةً للغنم . ويبيّن من هذا أنّ القصد لا اعتبار له . ولا بدّ أن يكون الحائط منيعاً يمنع ما وراءه ، ويكون ممّا جرت به العادة بمثله . ويختلف باختلاف البلدان . ورواية القاضي الثّانية : « أنّ الإحياء ما تعارفه النّاس إحياءً ، لأنّ الشّرع ورد بتعليق الملك على الإحياء ، ولم يبيّنه ولا ذكر كيفيّته ، فيجب الرّجوع فيه إلى ما كان إحياءً في العرف ، ولا يعتبر في إحياء الأرض حرثها ولا زرعها ؛ لأنّ ذلك ممّا يتكرّر كلّما أراد الانتفاع بها فلم يعتبر في الإحياء كسقيها » .
إهمال المحيا :
25 - من أحيا أرضاً ميّتةً ، ثمّ تركها ، وزرعها غيره ، فهل يملكها الثّاني ، أو تبقى على ملك الأوّل ؟ مذهب الشّافعيّة والحنابلة وأصحّ القولين عند الحنفيّة وأحد أقوال ثلاثة عند المالكيّة : أنّها تبقى على ملك الأوّل ، ولا يملكها الثّاني بالإحياء ، مستدلّين بقوله صلى الله عليه وسلم : « من أحيا أرضاً ميّتةً ليست لأحد فهي له » ، وقوله : « في غير حقّ مسلم » ؛ ولأنّ هذه أرض يعرف مالكها ، فلم تملك بالإحياء ، كالّتي ملكت بشراء أو عطيّة . وفي قول للمالكيّة ، وهو قول عند الحنفيّة : أنّ الثّاني يملكها ، قياساً على الصّيد إذا أفلت ولحق بالوحش وطال زمانه ، فهو للثّاني . والقول الثّالث عند المالكيّة : الفرق بين أن يكون الأوّل أحياه ، أو اختطّه أو اشتراه ، فإن كان الأوّل أحياه كان الثّاني أحقّ به . وإن كان الأوّل اختطّه أو اشتراه كان أحقّ به .
التّوكيل في الإحياء :
26 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للشّخص أن يوكّل غيره في إحياء الأرض الموات ، ويقع الملك للموكّل ؛ لأنّ ذلك ممّا يقبل التّوكيل فيه .
توفّر القصد في الإحياء :
27 - لا بدّ من القصد العامّ للإحياء اتّفاقاً . واختلفوا هل يشترط في الإحياء أن يقصد المحيي منفعةً خاصّةً في المحيا ، أو يكفي أن يهيّئ الأرض تهيئةً عامّةً بحيث تصير صالحةً لأيّ انتفاع من زراعة أو بناء أو حظيرة للغنم ونحو ذلك . فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يشترط في الإحياء توفّر القصد الخاصّ ، بل يكفي القصد العامّ ، وهو الانتفاع على أيّ وجه . وقال الشّافعيّة : إنّ الإحياء يختلف باختلاف المقصود منه ، ممّا يدلّ على أنّهم يعتبرون القصد الخاصّ ، في الإحياء ، لكنّهم قالوا : لو شرع في الإحياء لنوع ، فأحياه لنوع آخر ، كأن قصد إحياءه للزّراعة بعد أن قصده للسّكنى ، ملكه اعتباراً بالقصد الطّارئ ، بخلاف ما إذا قصد نوعاً ، وأحياه بما لا يقصد به نوع آخر ، كأن حوّط البقعة بحيث تصلح زريبةً ، بقصد السّكنى لم يملكها ، خلافاً للإمام .
الوظيفة على الأرض المحياة :
28 - المراد بالوظيفة : ما يجب في الأرض المحياة للدّومة من عشر أو خراج . ذهب الحنفيّة إلى أنّ الأرض المحياة إن كانت في أرض العشر أدّى عنها العشر ، وإن كانت في أرض الخراج أدّى عنها الخراج ، وإن احتفر فيها بئراً ، أو استنبط لها قناةً ، كانت أرض عشر ، وإن أحياها ذمّيّ فهي خراجيّة كيفما كانت . وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الأرض المحياة فيها الخراج مطلقاً فتحت عنوةً أو صولح أهلها .
المعادن في أرض الموات :
29 - المعادن الّتي توجد في الأرض المحياة قسمان : ظاهرة وباطنة . فالظّاهرة هي الّتي يتوصّل إليها بعمل يسير ، كحفر مقدار أصبع لأنبوب ، ونحو ذلك كالنّفط والكبريت والقار والكحل والياقوت وأشباه ذلك . والحكم فيها عند الحنفيّة والحنابلة أنّها لا تملك بالإحياء ، ولا يجوز إقطاعها لأحد من النّاس ، ولا احتجارها دون المسلمين ؛ لأنّ في ذلك ضرراً بهم وتضييقاً عليهم ، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقطع أبيض بن حمّال معدن الملح ، فلمّا قيل له إنّه بمنزلة الماء العدّ ردّه . وعند الشّافعيّة يملكها المحيي بشرط عدم علمه بوجودها قبل الإحياء ، فأمّا إن علمها فلا يملكها ، وعلّلوا ملكها أنّها من أجزاء الأرض ، وقد ملكها بالإحياء ، فيملك المعادن تبعاً . وعند المالكيّة أنّها إلى الإمام ، يعطيها لمن شاء من المسلمين ، سواء أكانت بأرض غير مملوكة ، كالفيافي أو ما جلا عنها أهلها ولو مسلمين ، أم مملوكةً لغير معيّن ، أم لمعيّن . أمّا المعادن الباطنة ، وهي الّتي لا تخرج إلاّ بعمل ومئونة ، كالذّهب والفضّة والحديد والنّحاس والرّصاص ، فهي ملك لمن استخرجها عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو احتمال عند الحنابلة ؛ لأنّها مستخرجة من موات لا ينتفع به إلاّ بالعمل والمئونة ، فيملك بالإحياء ، كالأرض ؛ ولأنّه بإظهار المعادن أمكن الانتفاع بالموات من غير حاجة إلى تكرار ذلك العمل ، فأشبه الأرض إذا جاءها بماء أو حائط . ووجه عدم الملك عند الحنابلة أنّ الإحياء الّذي يملك به هو العمارة الّتي تهيّأ بها المحيا للانتفاع من غير تكرار عمل ، وإخراج المعادن حفر وتخريب يحتاج إلى تكرار عند كلّ انتفاع . وعند المالكيّة أنّ المعادن الباطنة كالظّاهرة أمرها إلى الإمام . ومواطن التّفصيل في المصطلحات الخاصّة .
أخ
التّعريف
1 - الأخ لغةً من ولده أبوك وأمّك ، أو أحدهما . فإن كانت الولادة لأبوين فهو الشّقيق ، ويقال للأشقّاء الإخوة الأعيان . وإن كانت الولادة من الأب فهو الأخ لأب ، ويقال للإخوة والأخوات لأب أولاد علاّت . وإن كانت الولادة من الأمّ فهو الأخ لأمّ ، ويقال للإخوة والأخوات لأمّ : الأخياف . والأخ من الرّضاع هو من أرضعتك أمّه ، أو أرضعته أمّك ، أو أرضعتك وإيّاه امرأة واحدة ، أو أرضعت أنت وهو من لبن رجل واحد ، كرجل له امرأتان لهما منه لبن ، أرضعتك إحداهما وأرضعته الأخرى .
( الحكم الإجماليّ )
2 - المذاهب الأربعة على أنّه يجوز دفع الزّكاة إلى الأخ بأنواعه ، غير أنّ الحنابلة جعلوا ذلك في حالة عدم إرثه . فإن كان وارثاً فلا يجزئ دفعها إليه . وفي الميراث يحجب الأخ بأنواعه بالأب وبالفرع الوارث الذّكر باتّفاق ، وكذلك يحجب الأخ لأمّ بالجدّ والفرع الوارث ولو أنثى . أمّا الأخ الشّقيق أو لأب فإنّ كلّاً منهما يرث مع الجدّ عند أغلب الفقهاء ، وكذلك مع الفرع الوارث المؤنّث والأخ لأب مع الجدّ والأخ الشّقيق يحسب على الجدّ أي يعدّ ليقلّ نصيب الجدّ ، ونصيبه للأخ الشّقيق ولا يشارك الأخ غير شقيقه من الإخوة إلاّ في المسألة الحجريّة . ( ر : الحجريّة ) . وجهه الأخوّة تتفاوت من حيث قوّة القرابة ، فالشّقيق يقدّم على غيره ، لكن يسوّي بين الأخ لأب والأخ لأمّ في الوصيّة لأقرب الأقارب عند الشّافعيّة والحنابلة . ويقدّم الّذي لأب على الأخ لأمّ عند المالكيّة ، وهو ما يفهم من قواعد الحنفيّة ، إذ قاسوا الوصيّة على الإرث . وفي ولاية النّكاح وفي الحضانة يقدّم الجدّ على الأخ الشّقيق أو لأب عند غير المالكيّة ويقدّم الأخ فيهما عند المالكيّة . وتختلف آراء الفقهاء في تقديم الأخ على الجدّ في الوصيّة لأقرب الأقارب ، وفي وجوب نفقة الأخ على أخيه ، وعتقه عليه ، وفي قبول شهادته ، وفي القضاء له .
( مواطن البحث )
3 - بالإضافة إلى ما تقدّم يتكلّم الفقهاء عن الأخ ضمن الأقارب في الوقف .
أخ لأمّ
انظر : أخ .
إخالة
التّعريف
1 - الإخالة مصدر أخال الأمر أي اشتبه . ويقال : هذا الأمر لا يخيل على أحد ، أي لا يشكل . ويستعمل الأصوليّون لفظ الإخالة في باب القياس وباب المصلحة المرسلة . والإخالة كون الوصف بحيث تتعيّن علّيّته للحكم بمجرّد إبداء مناسبة بينه وبين الحكم ، لا بنصّ ولا غيره . وإنّما قيل له مخيّل لأنّه يوقع في النّفس خيال العلّة .
( الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث ) :
2 - يكون الوصف مناسباً فيما لو عرض على العقول فتلقّته بالقبول ، وهو الوصف الّذي يفضي إلى ما يجلب للإنسان نفعاً أو يدفع عنه ضرراً ، كقتل مسلم تترّس به الكفّار في حربهم مع المسلمين ، فإنّ في قتله مصلحة قهر العدوّ ، ومنع قتلهم للمسلمين . والوصف الطّرديّ ليس مخيّلاً ، كلون الخمر وقوامها ، فلا يقع في القلب علّيّته للتّحريم ، لعدم تضمّنه ضرراً يستدعي تحريمها . وأمّا الإسكار في الخمر ، فإنّه مع تضمّنه مفسدة تغطية العقل ، ليس وصفاً مخيّلاً كذلك ، لورود النّصّ بالتّعليل به . والنّصّ هو قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كلّ مسكر حرام » . ولو افترض عدم ورود هذا النّصّ وأمثاله لكان وصف الإسكار مخيّلاً . ومن هذا يتبيّن أنّ المناسب أعمّ من المخيّل . وفي جواز تعليل حكم الأصل بالوصف المخيّل لأجل القياس ، خلاف . وكذلك في إثبات الحكم به على أنّه مصلحة مرسلة . راجع " الملحق الأصوليّ : القياس ، والمصلحة المرسلة » .
إخبار
التّعريف
1 - الإخبار في اللّغة مصدر ، أخبره بكذا أي نبّأه . والاسم منه الخبر ، وهو ما يحتمل الصّدق والكذب لذاته ، مثل : العلم نور . ويقابله الإنشاء ، وهو الكلام الّذي لا يحتمل الصّدق والكذب لذاته ، كاتّق اللّه . والإخبار له أسماء مختلفة باعتبارات متعدّدة : فإن كان إخباراً عن حقّ للمخبر على الغير أمام القضاء فيسمّى : « دعوى » . وإن كان إخباراً بحقّ للغير على المخبر نفسه فهو " إقرار » . وإن كان إخباراً بحقّ للغير على الغير أمام القضاء فهو " شهادة » . وإن كان إخباراً بثبوت حقّ للغير على الغير من القاضي على سبيل الإلزام فهو " قضاء » . وإن كان إخباراً عن قول أو فعل أو صفة أو تقرير منسوب إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فهو " رواية " أو " حديث " أو " أثر " أو " سنّة » . وإن كان إخباراً عن مساوئ الشّخص فهو " غيبة » . وإن كان إخباراً عن كلام الصّديق لصديقه الآخر على وجه الإفساد بينهما فهو " نميمة » . وإن كان إخباراً عن سرّ فهو " إفشاء » . وإن كان إخباراً عمّا يضرّ بالمسلمين فهو " خيانة " وهكذا .
( الحكم الإجماليّ )
2 - إذا أخبر العدل بخبر وجب قبول خبره . وقد يكتفى بالعدل الواحد ، كما في الإخبار بالنّجاسة ، وقد يشترط التّعدّد كما في الشّهادة . أمّا الفاسق إذا أخبر بخبر فلا يقبل خبره في الدّيانات ، فإن كان إخباره في الطّهارات والمعاملات ونحوها لم يقبل خبره أيضاً إلاّ إن وقع في القلب صدقه .
( مواطن البحث )
3 - يفصل الأصوليّون أحكام الإخبار وأحواله في باب مستقلّ هو باب الإخبار ، أو في بحث السّنّة . ويتعرّضون لحكم رواية الكافر والفاسق وخبر الآحاد إلى غير ذلك . أمّا الفقهاء فيتعرّضون لأحكام الإخبار في الطّهارات بمناسبة ما إذا أخبر الشّخص بنجاسة الماء أو الإناء وفي استقبال القبلة إذا أخبر بها ، وفي الشّفعة حين الكلام على تأخير طلبها إذا أخبره بالبيع فاسق ، وفي الذّبائح إذا أخبر الفاسق عمّن قام بالذّبح ، وفي النّكاح فيما إذا أخبر الفاسق برضا المرأة بالزّواج ، وفي الحظر والإباحة فيما إذا أخبر الصّبيّ عن الهديّة أنّها هديّة ، أو أخبر عن إذن صاحب البيت . وبما أنّ الإخبار تتنوّع أحكامه بحسب ما يضاف إليه فيرجع في كلّ بحث إلى موضعه الخاصّ به .
أخت
التّعريف
1 - الأخت هي : من ولدها أبوك وأمّك أو أحدهما . وقد يطلق أيضاً على الأخت من الرّضاع بقرينة قوليّة أو حاليّة . ولا يخرج الاستعمال الشّرعيّ عن الاستعمال اللّغويّ . والأخت من الرّضاع عند الفقهاء هي : من أرضعتك أمّها ، أو أرضعتها أمّك ، أو أرضعتك وإيّاها امرأة واحدة ، أو أرضعت أنت وهي من لبن رجل واحد ، كرجل له امرأتان لهما منه لبن ، أرضعتك إحداهما وأرضعتها الأخرى . والأخت إن كانت من الأب والأمّ يقال لها : الأخت الشّقيقة ، وإن كانت من الأب فقط يقال لها : الأخت لأب ، وإن كانت من الأمّ فقط يقال لها : الأخت لأمّ . وأختك لأمّ من الرّضاعة هي : من أرضعتها أمّك بلبن من زوج غير أبيك ، أو رضعت أنت من أمّها بلبن غير أبيها ، أو رضعت أنت وهي من امرأة أجنبيّة عنكما لكن بلبن من زوجين مختلفين . ويعبّر الفقهاء عن الإخوة والأخوات الشّقيقات بأولاد الأبوين ، والإخوة الأعيان ، وعن الإخوة والأخوات لأب بأولاد الأب وأولاد العلاّت ، وعن الإخوة والأخوات لأمّ بأولاد الأمّ ، والإخوة الأخياف . الحكم الإجماليّ :
2 - الأخت من ذوي الرّحم المحرم . وتأخذ حكم ذي الرّحم المحرم في وجوب الصّلة ، وفي جواز النّظر وما في حكمه ، وفي حرمة النّكاح ، والجمع بين المحارم بنكاح أو ملك يمين ، وفي النّفقة ، وفي تغليظ الدّية ، واستحقاق العتق إذا ملكها أخوها أو أختها . غير أنّها قد تختصّ ببعض الأحكام دون بعض الأقارب ، فالزّكاة يجزئ دفعها للأخت باتّفاق - غير أنّ البعض اشترط لذلك عدم إرثها بالفعل - وقد لا يجزئ دفعها لبعض المحارم كالبنت .
3 - وفي الإرث تحجب الأخت بما يحجب الأخ ، فهي بأنواعها تحجب بالأب وبالفرع الوارث الذّكر ، وكذلك تحجب الأخت لأمّ بالجدّ . والأخت لأبوين أو لأب ترث بالفرض ، أو بالتّعصيب ، بخلاف الأخت لأمّ فإنّها لا ترث إلاّ الفرض . ولا تكون الأخت عصبةً بنفسها ، بل بالغير أو مع الغير ، ولا تحجب غيرها ممّن هو أضعف منها إن كانت ذات فرض . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( إرث ) . وفي الحضانة تقدّم الأخت على الأخ ، وتؤخّر عن الأمّ باتّفاق ، وتؤخّر كذلك عن الأب عند غير الحنفيّة . والأخت لأمّ كسائر الأخوات النّسبيّة في الأحكام ، إلاّ في الميراث ، فهي لا ترث إلاّ بالفرض ، ولا ترث بالتّعصيب ، وهي مع أخيها الذّكر من ولد الأمّ - على التّساوي ، تأخذ مثله . وتحجب بالفرع الوارث مطلقاً والأصل الوارث المذكّر كالأب والجدّ ( ر : إرث ) .
أخت رضاعيّة
انظر : أخت .
أخت لأب
انظر : أخت .
أختان
انظر : أخت .
اختصاء
انظر : خصاء .
اختصاص
التّعريف
1 - الاختصاص في اللّغة : الانفراد بالشّيء دون الغير ، أو إفراد الشّخص دون غيره بشيء ما . وهو عند الفقهاء كذلك ، فهم يقولون : هذا ممّا اختصّ به الرّسول صلى الله عليه وسلم أو ممّا اختصّه اللّه به ، ويقولون فيمن وضع سلعته في مقعد من مقاعد السّوق المباحة : إنّه اختصّ بها دون غيره ، فليس لأحد مزاحمته حتّى يدع .
من له حقّ الاختصاص
2 - الاختصاص إمّا للمشرّع أو لأحد من العباد بما له من ولاية أو ملك . الاختصاص من المشرّع .
3 - الاختصاص من المشرّع لا تشترط له شروط ؛ لأنّه هو واضع الشّروط والأحكام ، وهو واجب الطّاعة ، كاختصاصه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بإباحة الزّواج بأكثر من أربع نساء ، واختصاصه الكعبة بوجوب التّوجّه إليها في الصّلاة . ومحلّ الاختصاص - في هذا البحث - قد يكون شخصاً ، أو زماناً ، أو مكاناً .
اختصاصات الرّسول صلى الله عليه وسلم
4 - الحكم التّكليفيّ في بحث اختصاصات الرّسول : اختلف الفقهاء في جواز البحث في خصائص الرّسول صلى الله عليه وسلم ، فأجازه الجمهور ورجّحه النّوويّ ، وقال : الصّواب الجزم بجواز ذلك ، بل باستحبابه ، بل لو قيل بوجوبه لم يكن بعيداً ؛ لأنّ في البحث في الخصائص زيادة العلم ؛ ولأنّه ربّما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتةً في الحديث الصّحيح ، فعمل به أخذاً بأصل التّأسّي بالرّسول عليه الصلاة والسلام ، فوجب بيانها لتعرف فلا يعمل بها . وأمّا ما يقع في ضمن الخصائص ممّا لا فائدة فيه اليوم فقليل ، لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتّدرّب ، ومعرفة الأدلّة وتحقيق الشّيء على ما هو عليه . ومنعه بعضهم كإمام الحرمين الجوينيّ . وحجّة هؤلاء أنّه لا يتعلّق بهذه الخصائص حكم ناجز تمسّ الحاجة إليه .
أنواع اختصاصات الرّسول صلى الله عليه وسلم :
5 - أ - الأحكام التّكليفيّة الّتي لا تتعدّاه إلى أمّته ككونه لا يورث ، وغير ذلك .
ب - المزايا الأخرويّة ، كإعطائه الشّفاعة ، وكونه أوّل من يدخل الجنّة وغير ذلك .
ج - الفضائل الدّنيويّة ، ككونه أصدق النّاس حديثاً .
د - المعجزات كانشقاق القمر ، وغيره .
هـ - الأمور الخلقيّة ، ككونه يرى من خلفه ونحو ذلك . وسيقتصر البحث على النّوع الأوّل من هذه الاختصاصات - اختصاصه صلى الله عليه وسلم ببعض الأحكام التّكليفيّة . أمّا موطن الاطّلاع على الخصائص الأخرى فهو كتب العقائد ، وكتب السّيرة النّبويّة ، والكتب المؤلّفة في خصائصه صلى الله عليه وسلم وفضائله . ما اختصّ به صلى الله عليه وسلم من الأحكام التّكليفيّة :
6 - هذه الاختصاصات لا تخرج عن كونها واجبةً أو محرّمةً أو مباحةً . الاختصاصات الواجبة :
7 - فرض اللّه على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما هو مباح أو مندوب على أمّته ، إعلاءً لمقامه عنده وإجزالاً لثوابه ؛ لأنّ ثواب الفرض أكبر من ثواب النّفل ، وفي الحديث : « ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه » ومن ذلك :
أ - قيام اللّيل :
8 - اختلف العلماء في قيام اللّيل ، هل كان فرضاً عليه صلوات اللّه وسلامه عليه أو لم يكن فرضاً ، مع اتّفاقهم على عدم فرضيّته على الأمّة . فذهب عبد اللّه بن عبّاس إلى أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قد اختصّ بافتراض قيام اللّيل عليه ، وتابع ابن عبّاس على ذلك كثير من أهل العلم ، منهم الشّافعيّ في أحد قوليه ، وكثير من المالكيّة ، ورجّحه الطّبريّ في تفسيره . واستدلّ على ذلك بقوله تعالى في سورة الإسراء : { ومن اللّيل فتهجّد به نافلةً لك } أي نفلاً لك ، أي فضلاً : ( زيادةً ) عن فرائضك الّتي فرضتها عليك ، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى : { قم اللّيل إلاّ قليلاً ، نصفه أو انقص منه قليلاً ، أو زد عليه } . قال الطّبريّ : « خيّره اللّه تعالى حين فرض عليه قيام اللّيل بين هذه المنازل » . ويعضّد هذا ويؤيّده ما رواه الطّبرانيّ في معجمه الأوسط والبيهقيّ في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاث هنّ عليّ فرائض ولكم سنّة ، الوتر والسّواك وقيام اللّيل » . وذهب مجاهد بن جبر إلى أنّ قيام اللّيل ليس بفرض على ، رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بل هو نافلة ، وإنّما قال اللّه تعالى : { نافلةً لك } من أجل أنّه صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهو نافلة ؛ لأنّه لا يعمل ذلك في كفّارة الذّنوب ، فهي نافلة وزيادة ، والنّاس يعملون ما سوى المكتوبة لتكفير ذنوبهم فليس للنّاس - في الحقيقة - نوافل . وتبع مجاهداً جماعة من العلماء ، منهم الشّافعيّ في قوله الآخر ، فقد نصّ على أنّ وجوب قيام اللّيل قد نسخ في حقّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كما نسخ في حقّ غيره . واستدلّوا على ذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم : « خمس صلوات فرضهنّ اللّه على العباد » ، خاصّةً أنّ الآية محتملة ، والحديث الّذي استدلّ به من قال بفرضيّة قيام اللّيل على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حديث ضعيف .
ب - صلاة الوتر :
9 - اختلف الفقهاء في اختصاص رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بافتراض صلاة الوتر عليه ، مع اتّفاقهم على أنّ الوتر ليس بفرض على أمّته . فذهب الشّافعيّة إلى أنّ الوتر كان واجباً على رسول اللّه وقال الحليميّ والعزّ بن عبد السّلام والغزاليّ من الشّافعيّة وكذلك المالكيّة : إنّ هذا الوجوب خاصّ بالحضر دون السّفر ، لما روى البخاريّ ومسلم عن ابن عمر « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يصلّي الوتر على راحلته ولا يصلّي عليها المكتوبة » . وقال النّوويّ : المذهب أنّ صلاة الوتر واجبة على رسول اللّه ، ولكن جواز صلاتها على الرّاحلة خاصّ به عليه الصلاة والسلام . ويرى العينيّ الحنفيّ في عمدة القاريّ والحنفيّة يقولون بوجوب الوتر - إنّ صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الوتر على الرّاحلة كان قبل أن يفترض عليه الوتر .
ج - صلاة الضّحى :
10 - اختلف العلماء في وجوب صلاة الضّحى على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، مع اتّفاقهم على عدم وجوبها على المسلمين . فذهب جماعة ، منهم الشّافعيّة وبعض المالكيّة إلى أنّ صلاة الضّحى مفروضة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . واستدلّوا على ذلك بحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ثلاث هنّ عليّ فرائض ، ولكم تطوّع : النّحر والوتر وركعتا الضّحى » . وأقلّ الواجب منها عليه ركعتان لحديث : « أمرت بركعتي الضّحى ولم تؤمروا بها » . وذهب الجمهور إلى أنّ صلاة الضّحى ليست مفروضةً على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم : « أمرت بالوتر والأضحى ولم يعزم عليّ » .
د - سنّة الفجر :
11 - اختلف العلماء في فرضيّة سنّة الفجر على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع اتّفاقهم على عدم وجوبها على غيره . فنصّ الحنابلة وبعض السّلف على فرضيّتها عليه صلى الله عليه وسلم واستدلّوا على ذلك بحديث ابن عبّاس : « ثلاث كتبت عليّ وهنّ لكم تطوّع : الوتر والنّحر وركعتا الفجر » .
هـ - السّواك :
12 - الجمهور على أنّ السّواك لكلّ صلاة مفترض على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لحديث عبد اللّه بن حنظلة « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكلّ صلاة ، طاهراً وغير طاهر ، فلمّا شقّ عليه ذلك أمر بالسّواك لكلّ صلاة » . وفي لفظ : « وضع عنه الوضوء إلاّ من حدث » .
و - الأضحيّة :
13 - الأضحيّة فرض على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون أمّته لحديث ابن عبّاس المتقدّم : « ثلاث هنّ عليّ فرائض ولكم تطوّع : النّحر والوتر وركعتا الضّحى » .
ز - المشاورة :
14 - اختلف العلماء في فرضيّة المشاورة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، مع اتّفاقهم على سنّيّتها على غيره . فقال بعضهم بفرضيّتها عليه ، واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى : { وشاورهم في الأمر } . وقال هؤلاء : إنّما وجب ذلك على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تطييباً للقلوب ، وتعليماً للنّاس ليستنّوا به عليه الصلاة والسلام . وقال بعضهم : إنّ المشاورة لم تكن فرضاً عليه صلوات اللّه وسلامه عليه لفقدان دليل يصلح لإثبات الفرضيّة . وحملوا الأمر في الآية السّابقة على النّدب أو الإرشاد . ثمّ اختلفوا فيما يشاور فيه : بعد اتّفاقهم على أنّه لا يشاور فيما نزل عليه فيه وحي . فقال فريق من العلماء : يشاور في أمور الدّنيا ، كالحروب ومكايدة العدوّ ؛ لأنّ استقراء ما شاور فيه الرّسول ( ص ) أصحابه يدلّ على ذلك . وقال فريق آخر : يشاور في أمور الدّين والدّنيا . أمّا في أمور الدّنيا فظاهر ، وأمّا في أمور الدّين فإنّ استشارته لهم تكون تنبيهاً لهم على علل الأحكام وطريق الاجتهاد .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:26 AM

ح - مصابرة العدوّ الزّائد على الضّعف :
15 - ممّا فرض على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون أمّته مصابرة العدوّ وإن كثر وزاد على الضّعف ، لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم محفوظ بحفظ اللّه تعالى . قال تعالى : { واللّه يعصمك من النّاس } .
ط - تغيير المنكر :
16 - ممّا فرض على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تغيير المنكر ، ولا يسقط عنه هذا للخوف ، بخلاف أمّته الّتي يسقط عنها بالخوف . وذلك لأنّ اللّه تعالى قد تكفّل بحفظ رسوله كما تقدّم ، كما لا يسقط عنه إذا كان المرتكب يزيده الإنكار إغراءً ، لئلاّ يتوهّم إباحته بخلاف أمّته . وإذا كان إنكار المنكر فرض كفاية على أمّته فإنّه فرض عين عليه صلى الله عليه وسلم . وقد استدلّ البيهقيّ على ذلك بعدّة أحاديث في سننه الكبرى .
ي - قضاء دين من مات معسراً من المسلمين :
17 - اختلف العلماء في قضاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دين الميّت المعسر . فقال بعضهم : كان فرضاً عليه صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون : لم يكن ذلك فرضاً عليه ، بل كان منه عليه الصلاة والسلام تطوّعاً . ثمّ اختلفوا أيضاً هل القضاء من بيت مال المسلمين أم من مال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فإن كان من مال نفسه فهي خصوصيّة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمّا إن كان من بيت مال المسلمين فليست بخصوصيّة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم بل يشاركه فيها جميع ولاة المسلمين . والأصل في هذا ما رواه البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان يؤتى بالرّجل يتوفّى وعليه دين ، فيسأل : هل ترك لدينه فضلاً ، فإن حدّث أنّه ترك له وفاءً صلّى عليه ، وإلاّ قال للمسلمين : صلّوا على صاحبكم ، فلمّا فتح اللّه عليه الفتوح قال عليه الصلاة والسلام : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفّي من المسلمين فترك ديناً فعليّ قضاؤه ، ومن ترك مالاً فلورثته » .
ك - وجوب تخييره نساءه وإمساك من اختارته :
18 - طالبه أزواجه صلى الله عليه وسلم بالتّوسّع في النّفقة - كما في بعض الرّوايات - حتّى تأذّى من ذلك فأمر اللّه تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام أن يخيّرهنّ فقال جلّ شأنه : { يا أيّها النّبيّ قل لأزواجك إن كنتنّ تردن الحياة الدّنيا وزينتها فتعالين أمتّعكنّ وأسرّحكنّ سراحاً جميلاً وإن كنتنّ تردن اللّه ورسوله والدّار الآخرة فإنّ اللّه أعدّ للمحسنات منكنّ أجراً عظيماً } . فخيّرهنّ ، فاخترنه كلّهنّ إلاّ العامريّة اختارت قومها ، فأمر صلى الله عليه وسلم بإمساك من اختارته منهنّ بقوله تعالى : { لا يحلّ لك النّساء من بعد ولا أن تبدّل بهنّ من أزواج ولو أعجبك حسنهنّ } ، وذلك مكافأة لهنّ على إيثارهنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
الاختصاصات المحرّمة
19 - قد حرّم اللّه تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما أحلّه لأمّته ، تنزيهاً له عليه الصلاة والسلام عن سفاسف الأمور ، وإعلاءً لشأنه ، ولأنّ أجر ترك المحرم أكبر من أجر ترك المكروه ، وبذلك يزداد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم علوّاً عند اللّه يوم القيامة . ومن ذلك :
أ - الصّدقات :
20 - اتّفق العلماء على أنّ اللّه تعالى قد حرّم على رسوله صلى الله عليه وسلم أخذ شيء من صدقات النّاس ، سواء أكانت مفروضةً أو تطوّعاً ، كالزّكاة ، والكفّارة ، والنّذر والتّطوّع ، صيانةً لمنصبه الشّريف ، ولأنّها تنبئ عن ذلّ الآخذ وعزّ المأخوذ منه ، وقد أبدل اللّه تعالى رسوله بها الفيء الّذي يؤخذ على سبيل الغلبة والقهر ، المنبئ عن عزّ الآخذ وذلّ المأخوذ منه . روى مسلم في صحيحه من حديث عبد المطّلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ هذه الصّدقات إنّما هي أوساخ النّاس ، وإنّها لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمّد » . هذا ، وإنّ تحريم الصّدقات على آل البيت إنّما هو لقرابتهم منه صلى الله عليه وسلم .
ب - الإهداء لينال أكثر ممّا أهدى :
21 - حرّم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يهدي ليعطى أكثر ممّا أهدى لقوله تعالى : { ولا تمنن تستكثر } ؛ لأنّه صلوات الله وسلامه عليه مأمور بأشرف الآداب وأجلّ الأخلاق ، نقل ذلك عن عبد اللّه بن عبّاس وتبعه على ذلك عطاء ومجاهد وإبراهيم النّخعيّ وقتادة والسّدّيّ والضّحّاك وغيرهم .
ج - أكل ما له رائحة كريهة :
22 - اختلف العلماء في تحريم نحو الثّوم والبصل وما له رائحة كريهة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال جماعة منهم المالكيّة : إنّ ذلك كان محرّماً عليه . واستدلّوا على ذلك بما رواه البخاريّ ومسلم . « أنّ رسول اللّه أتي بقدر فيه خضرات من بقول ، فوجد لها ريحاً ، فسأل فأخبر بما فيها . من البقول ، فقال : قرّبوها أي إلى بعض أصحابه فلمّا رآه كره أكلها قال : كل فإنّي أناجي من لا تناجي » . وقال جماعة منهم الشّافعيّة : لم يكن ذلك محرّماً عليه ، ولكن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يكره أكله لتعرّضه لنزول الوحي عليه في كلّ ساعة ، وإنّ الملائكة لتتأذّى بالرّيح الخبيثة . وقد استدلّ هؤلاء ما رواه مسلم « أنّ أبا أيّوب الأنصاريّ صنع للنّبيّ صلى الله عليه وسلم طعاماً فيه ثوم ، وفي رواية : أرسل إليه بطعام من خضرة فيه بصل وكرّاث ، فردّه عليه الصلاة والسلام ولم يأكل منه شيئاً فقال : أحرام هو ؟ قال : لا ، ولكنّي أكرهه » .
د - نظم الشّعر :
23 - هو ممّا حرّم عليه صلى الله عليه وسلم بالاتّفاق ، لكن فرّق البيهقيّ وغيره بين الرّجز وغيره من البحور ، فقال : الرّجز جائز عليه ؛ لأنّه ليس بشعر ، وغيره لا يجوز . واستشهد على ذلك بما أنشده عليه الصلاة والسلام من الرّجز وهو يشارك في حفر الخندق ، ومن قال إنّ الرّجز من الشّعر قال : إنّ هذا خاصّة ليس بشعر ؛ لأنّ الشّعر لا يكون شعراً إلاّ إن صدر عن قائله بقصد الإشعار ، وما كان ذلك في ذكر النّبيّ صلى الله عليه وسلم لهذا الرّجز الّذي قاله .
هـ - نزع لامته إذا لبسها للقتال حتّى يقاتل :
24 - ممّا حرّم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون أمّته أنّه إذا لبس لأمة الحرب يحرم عليه أن ينزعها حتّى يلقى العدوّ ؛ لقوله صلوات الله وسلامه عليه : « لا ينبغي لنبيّ إذا أخذ لأمة الحرب وأذّن في النّاس بالخروج إلى العدوّ أن يرجع حتّى يقاتل » . وواضح أنّه يشترك معه في هذه الخصوصيّة الأنبياء عليهم صلوات اللّه وسلامه .
!!- وخائنة الأعين :
25 - المراد بها الإيماء بما يظهر خلافه ، وهو ممّا حرّم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون أمّته إلاّ في محظور ، والأصل في هذا التّحريم عليه هو تنزّه مقام النّبوّة عنه ، فقد أخرج أبو داود والنّسائيّ والحاكم وصحّحه والبيهقيّ عن سعد بن أبي وقّاص « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أمّن النّاس إلاّ أربعة نفر منهم عبد اللّه بن أبي سرح ، فاختبأ عند عثمان ، فلمّا دعا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى البيعة ، جاء به فقال : يا رسول اللّه بايع عبد اللّه ، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً ، كلّ ذلك يأبى ، فبايعه بعد ثلاث ، ثمّ أقبل على أصحابه فقال : أما فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يديّ عن بيعته ليقتله ؟ قالوا : ما يدرينا يا رسول اللّه ما في نفسك ، هلاّ أومأت بعينك . قال : إنّه لا ينبغي أن تكون لنبيّ خائنة الأعين » . وهذا يدلّ على أنّه ممّا اختصّ به هو والأنبياء دون الأمم .
ز - نكاح الكافرة والأمة ، والممتنعة عن الهجرة :
26 - ممّا حرّم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نكاح الكتابيّة ، لخبر : « سألت ربّي ألاّ أزوّج إلاّ من كان معي في الجنّة فأعطاني » ، - أخرجه الحاكم وصحّح إسناده - ولأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة ؛ ولأنّ الكافرة تكره صحبة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . كما حرّم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نكاح الأمة ، ولو كانت مسلمةً ؛ لأنّ نكاحها معتبر لخوف العنت ( أي الزّنا ) وهو معصوم عنه ، أو لفقدان مهر الحرّة ، ونكاح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم غنيّ عن المهر ابتداءً ، إذ يجوز له أن ينكح بغير مهر ؛ ولأنّ نكاحها يؤدّي إلى رقّ الولد ومقام النّبوّة منزّه عن هذا . ويحرم عليه نكاح من وجبت عليها الهجرة ولم تهاجر ، لقوله تعالى في سورة الأحزاب : « يا أيّها النّبيّ إنّا أحللنا لك أزواجك اللاّتي آتيت أجورهنّ وما ملكت يمينك ممّا أفاء اللّه عليك وبنات عمّك وبنات عمّاتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاّتي هاجرن معك » ، وفي قراءة عبد اللّه بن مسعود : ( وبنات خالاتك واللاّتي هاجرن معك ) ، ولما رواه التّرمذيّ وحسّنه وابن أبي حاتم عن عبد اللّه بن عبّاس قال : « نهي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن أصناف النّساء إلاّ ما كان من المؤمنات المهاجرات » ، ولحديث « أمّ هانئ قالت : خطبني رسول اللّه فاعتذرت إليه ، فعذرني ، فأنزل اللّه تعالى : { إنّا أحللنا لك أزواجك . . } الآية إلى قوله تعالى : { اللاّتي هاجرن معك } . قالت : فلم أكن أحلّ له ؛ لأنّي لم أكن ممّن هاجر معه ، كنت من الطّلقاء » . وقال الإمام أبو يوسف : لا دلالة في الآية على أنّ اللاّتي لم يهاجرن كنّ محرّمات عليه ، لأنّ تخصيص الشّيء بالذّكر لا ينفي ما عداه .
ح - إمساك من كرهته :
27 - ممّا حرّم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إمساك كارهته ولم يحرم ذلك على أمّته ، حفظاً لمقام النّبوّة ، فقد روى البخاريّ وغيره عن عائشة رضي الله عنها « أنّ ابنة الجون لمّا أدخلت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ودنا منها قالت : أعوذ باللّه منك ، فقال عليه الصلاة والسلام : لقد عذت بعظيم ، الحقي بأهلك » . ويشهد لذلك وجوب تخييره نساءه الّذي تقدّم الحديث عنه .
الاختصاصات المباحة
أ - الصّلاة بعد العصر :
28 - ذهب من كره الصّلاة بعد العصر إلى أنّه أبيح لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يصلّي بعد العصر ، وكره ذلك لأمّته ، فقد روى البيهقيّ في سننه عن عائشة رضي الله عنها « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يصلّي بعد العصر وينهى عنها » .
ب - الصّلاة على الميّت الغائب :
29 - من منع الصّلاة على الميّت الغائب كالحنفيّة قال : أبيح لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يصلّي على الميّت الغائب دون أمّته لأمر خصّه اللّه تعالى به .
ج - صيام الوصال :
30 - جمهور الفقهاء على اختصاص رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بإباحة صيام الوصال له دون أمّته ، لما رواه البخاريّ ومسلم « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ، فقيل له : إنّك تواصل ، فقال : إنّي لست كهيئتكم ، إنّي أطعم وأسقى » .
د - القتال في الحرم :
31 - اتّفق الفقهاء على إباحة القتال لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم في مكّة دون أمّته ، لما رواه الشّيخان من قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ مكّة حرّمها اللّه ولم يحرّمها النّاس ، فلا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ، ولا يعضد بها شجرةً ، فإن أحد ترخّص بقتال رسول اللّه فقولوا : إنّ اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم » .
هـ - دخول مكّة بغير إحرام :
32 - من قال من الفقهاء لا يجوز لمكلّف أن يدخل مكّة بغير إحرام قال : إنّ دخول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مكّة يوم فتحها بغير إحرام كان خاصّاً به صلوات الله وسلامه عليه .
و - القضاء بعلمه :
33 - من منع القاضي أن يقضي بعلمه جعل ما قضى به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعلمه لهند بنت عتبة وقوله لها : « خذي من ماله ما يكفيك » من خصوصيّاته عليه الصلاة والسلام .
ز - القضاء لنفسه :
34 - خصّ عليه الصلاة والسلام بإباحة القضاء لنفسه ، لأنّ المنع من ذلك في حقّ الأمّة للرّيبة وهي منتفية عنه قطعاً ، ومثل ذلك القضاء في حالة الغضب .
ح - أخذ الهديّة :
35 - من خصائصه عليه الصلاة والسلام أنّ الهديّة حلال له ، بخلاف غيره من الحكّام وولاة الأمور من رعاياهم .
ط - في الغنيمة والفيء :
36 - أبيح لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم خمس الغنيمة وإن لم يحضر الوقعة ، لقوله تعالى : { واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه وللرّسول } . وأبيح له الصّفيّ من المغنم ، وهو ما يختاره قبل القسمة من الغنيمة ، كسيف ودرع ونحوهما ، ومنه صفيّة أمّ المؤمنين الّتي اصطفاها من المغنم لنفسه .
ي - في النّكاح :
37 - ممّا اختصّ به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأبيح له دون أمّته أن يتزوّج أكثر من أربع نساء ، وأن يتزوّج بغير مهر ، وأن يتزوّج المرأة بغير إذن وليّها . ويباح له ألاّ يقسم بين أزواجه عند البعض ، مع أنّه عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على القسم ، حتّى في السّفر ، حيث كان يقرع بينهنّ ، ولمّا اشتدّ عليه المرض استأذن أن يمرّض في بيت عائشة .
الخصائص من الفضائل
38 - هناك أمور اختصّ بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمزيد فضل ومنها :
أ - اختصاص من شاء بما شاء من الأحكام :
39 - لمّا كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مشرّعاً لا ينطق عن الهوى ، فإنّ له أن يخصّ من شاء بما شاء من الأحكام ، كجعله شهادة خزيمة بشهادة رجلين ، وإجازته الأضحيّة بالعناق ( الجذع ) لأبي بردة ولعقبة بن عامر ، وتزويجه رجلاً على سورة من القرآن ، وتزويجه أمّ سليم أبا طلحة على إسلامه .
ب - الرّسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم :
40 - خصّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون أحد من أمّته بأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؛ لقوله تعالى : { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم } . ويترتّب على ذلك كثير من الأحكام : من ذلك وجوب محبّته أكثر من النّفس والمال والولد ، لما رواه البخاريّ عن « عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم : لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلاّ نفسي الّتي بين جنبيّ ، فقال له صلى الله عليه وسلم : لن يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه ، فقال عمر : والّذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحبّ إليّ من نفسي الّتي بين جنبيّ ، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم : الآن يا عمر » . ومن ذلك وجوب فدائه بالنّفس والمال والولد . ومن ذلك وجوب طاعته وإن خالفت هوى النّفس ، وغير ذلك .
ج - الجمع بين اسم الرّسول وكنيته لمولود :
41 - ذهب الشّافعيّ وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد وهو قول طاوس وابن سيرين إلى أنّه لا يحلّ التّكنّي بكنية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في عصره ، سواء كان اسمه محمّداً ، أو لا ، لما رواه جابر قال : « ولد لرجل من الأنصار غلام فسمّاه محمّداً فغضب الأنصار وقالوا : حتّى نستأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال : قد أحسنت الأنصار ، ثمّ قال : تسمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي ، فإنّي أبو القاسم أقسم بينكم » - أخرجه البخاريّ ومسلم . وذهب البعض - منهم الإمام أحمد في إحدى الرّوايتين عنه - إلى أنّه لا يجوز الجمع بين اسم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكنيته ، لما رواه أبو داود في سننه من قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من تسمّى باسمي فلا يتكنّى بكنيتي ، ومن تكنّى بكنيتي فلا يتسمّى باسمي » . وهؤلاء المانعون : منهم من جعل المنع منع تحريم ، ومنهم من جعل المنع منع كراهة . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الجمع بين اسم رسول اللّه وكنيته كان ممنوعاً ثمّ نسخ المنع وثبت الحلّ ، لما رواه أبو داود عن عائشة قالت : « جاءت امرأة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه إنّي قد ولدت غلاماً فسمّيته محمّداً وكنّيته أبا القاسم ، فذكر لي أنّك تكره ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم : ما الّذي أحلّ اسمي وحرّم كنيتي ، أو ما الّذي حرّم كنيتي وأحلّ اسمي » ، ولذلك كان الصّحابة لا يرون بأساً في تسمية أولادهم باسم " محمّد " وتكنيتهم ب " أبي القاسم " حتّى قال راشد بن حفص الزّهريّ : أدركت أربعةً من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كلّهم يسمّى محمّداً ويكنّى أبا القاسم : محمّد بن طلحة بن عبيد اللّه ، ومحمّد بن أبي بكر ، ومحمّد بن عليّ بن أبي طالب ، ومحمّد بن سعد بن أبي وقّاص . وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ النّهي كان مخصوصاً بحياة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمّا بعد وفاته فتباح التّسمية باسمه والتّكنّي بكنيته . يدلّ على ذلك سبب المنع ، وهو أنّ اليهود تكنّوا بكنية رسول اللّه ، وكانوا ينادون يا أبا القاسم ، فإذا التفت النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا : لم نعنك ، إظهاراً للإيذاء ، وقد زال هذا المنع بوفاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ويدلّ على ذلك أيضاً ما رواه ابن أبي شيبة في مصنّفه « أنّ عليّاً قال : يا رسول اللّه : أرأيت إن ولد لي بعدك ولد أسمّيه محمّداً وأكنّيه بكنيتك ؟ قال : نعم » .
د - التّقدّم بين يديه ورفع الصّوت بحضرته :
42 - خصّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون أمّته بأنّه لا يجوز التّقدّم بين يديه - أي سبقه بالاقتراح عليه - لأنّ رسول اللّه مسدّد بالوحي ، ولقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله } كما لا يجوز رفع الصّوت بحضرته عليه الصلاة والسلام حتّى يعلو صوت المتكلّم على صوت رسول اللّه ، لقوله تعالى في سورة الحجرات : { يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } .
هـ - قتل من سبّه :
43 - ممّا اختصّ به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ من سبّه أو قذفه فعقوبته القتل .
و - إجابة من دعاه :
44 - من خصائصه عليه الصلاة والسلام أنّه إذا دعا أحداً فعليه أن يجيبه ولو كان في الصّلاة ، فإن أجابه في الصّلاة فإنّه لا تفسد صلاته ، لما روى البخاريّ عن أبي سعيد بن المعلّى الأنصاريّ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دعاه وهو يصلّي ، فصلّى ثمّ أتاه ، فقال : ما منعك أن تجيبني ؟ قال : إنّي كنت أصلّي ، فقال : ألم يقل اللّه عزّ وجلّ : { يا أيّها الّذين آمنوا استجيبوا للّه وللرّسول إذا دعاكم } » .
ز - نسب أولاد بناته إليه :
45 - ممّا اختصّ به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون النّاس جميعاً أنّ أولاد بناته ينتسبون إليه في الكفاءة وغيرها . لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ ابني هذا سيّد » ، ولما ذكره السّيوطيّ في الخصائص الصّغرى من حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه لم يبعث نبيّاً قطّ إلاّ جعل ذرّيّته في صلبه غيري ، فإنّ اللّه جعل ذرّيّتي من صلب عليّ » .
ح - لا يورث :
46 - ممّا اختصّ به صلوات الله وسلامه عليه دون أمّته أنّه لا يورث ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة » . وما تركه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينفق منه على عياله ، وما فضل فهو صدقة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : « ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة » . وليس ذلك لأمّته ، وفي الواضح مشاركة الأنبياء له في ذلك .
ط - أزواجه أمّهات المؤمنين :
47 - ممّا اختصّ به رسول اللّه أنّ أزواجه أمّهات المؤمنين ، لا ينكحن بعده ، ولا ترى أشخاصهنّ لغير المحارم ، وعليهنّ الجلوس في بيوتهنّ ، لا يخرجن إلاّ لضرورة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام . وتفصيله في مصطلح « أمّهات المؤمنين » .
الفصل الثّاني
اختصاص الأزمنة
هناك أزمنة اختصّت بأحكام دون غيرها هي :
أ - ليلة القدر :
48 - اختصّت هذه اللّيلة باستحباب تحرّيها وقيام ليلها - كما سيأتي ذلك مفصّلاً في « ليلة القدر » « وقيام اللّيل » .
ب - شهر رمضان اختصاص :
49 - اختصّ شهر رمضان بافتراض صيامه بقوله تعالى : { فمن شهد منكم الشّهر فليصمه } ، وسنّيّة قيامه بصلاة التّراويح ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه » .
ج - يوما العيدين :
50 - اختصّت ليلتا العيدين بندب إحيائهما ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : « من قام ليلتي العيد محتسباً للّه لم يمت قلبه يوم تموت القلوب » ، كما اختصّ يوماهما بصلاة خاصّة - هي صلاة العيد - وحرمة الصّيام فيهما ، وبالتّكبير في صبحيّتهما .
د - أيّام التّشريق :
51 - اختصّت أيّام التّشريق بالتّكبير عقب صلاة الفرائض وجواز ذبح الأضحيّة ، وتحريم الصّيام ، كما سيأتي ذلك في " أيّام التّشريق » . وانظر كذلك مصطلح « أضحيّة » .
هـ - يوم الجمعة :
52 - اختصّ يوم الجمعة بوجوب صلاة خاصّة فيه تقوم مقام صلاة الظّهر هي صلاة الجمعة ، واستنان الغسل فيه ، واستحباب الدّعاء فيه ؛ لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلّي يسأل اللّه شيئاً إلاّ أعطاه إيّاه » وكراهة إفراده بالصّيام والقيام .
و - اليوم التّاسع من ذي الحجّة :
53 - اختصّ يوم عرفة بوجوب وقوف الحجّاج فيه في عرفة وكراهة صومه للحاجّ .
ز - يوم نصف شعبان وليلته :
54 - اختصّت ليلة النّصف من شعبان باستحباب قيامها عند الجمهور ؛ لما ورد من أحاديث صحيحة في فضلها من قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا كانت ليلة النّصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها ، فإنّ اللّه ينزل فيها لغروب الشّمس إلى السّماء الدّنيا فيقول : ألا من مستغفر لي فأغفر له ، ألا مسترزق فأرزقه ، ألا مبتلًى فأعافيه ألا كذا . . . ألا كذا . . . حتّى يطلع الفجر » .
ح - أوّل ليلة من رجب :
55 - اختصّت أوّل ليلة من ليالي رجب باستحباب قيامها ، كما ذكر ذلك بعض الحنفيّة وبعض الحنابلة ؛ لأنّها من اللّيالي الّتي لا يردّ فيها الدّعاء .
ط - يوما عاشوراء وتاسوعاء :
56 - اختصّ يوما تاسوعاء وعاشوراء باستحباب صيامهما ، لما رواه مسلم وأبو داود عن ابن عبّاس قال : « حين صام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه ، قالوا يا رسول اللّه : إنّه يوم تعظّمه اليهود والنّصارى ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : فإذا كان العام القابل - إن شاء اللّه - صمت اليوم التّاسع ، فلم يأت العام المقبل حتّى توفّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم » . وذهب بعض الحنابلة إلى استحباب قيام ليلة عاشوراء .
ي - يوم الشّكّ :
57 - يوم الشّكّ ، وهو يوم الثّلاثين من شعبان إذا غمّ على النّاس فلم يروا الهلال اختصّ تحريم صيامه ، لما رواه صلة بن زفر قال : « كنّا عند عمّار في اليوم الّذي يشكّ فيه فأتى بشاة مصليّة ، فتنحّى بعض القوم ، فقال عمّار : من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم .
ك - الأيّام البيض :
58 - اختصّت الأيّام البيض باستحباب صيامها ، لما رواه أبو داود والنّسائيّ عن عبد الملك بن ملحان القيسيّ عن أبيه قال : « كان رسول اللّه يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة قال : وقال : هنّ كهيئة الدّهر » .
ل - العشر الأوائل من ذي الحجّة :
59 - اختصّت باستحباب صيامها وقيامها ، لما رواه التّرمذيّ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ما من أيّام أحبّ إلى اللّه أن يتعبّد له فيها من عشر ذي الحجّة ، يعدل صيام كلّ يوم منها بصيام سنة . وقيام كلّ ليلة منها بقيام ليلة القدر » . هذا مع مراعاة النّهي عن صوم يوم العيد ، لما ورد من حكم خاصّ به .
م - شهر المحرّم :
60 - اختصّ شهر المحرّم باستحباب صومه ، لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصّيام بعد رمضان شهر اللّه المحرّم » .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:27 AM

ن - شهر شعبان :
61 - اختصّ شعبان باستحباب الصّيام فيه ؛ لحديث عائشة رضي الله عنها : « ما رأيت رسول اللّه استكمل صيام شهر قطّ إلاّ شهر رمضان ، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان » . واختصّ آخره بكراهة الصّيام فيه . قال صلى الله عليه وسلم : « لا يتقدّمنّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلاّ أن يكون رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه » .
س - وقت صلاة الجمعة :
62 - اختصّ وقت صلاة الجمعة بتحريم البيع والشّراء فيه لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه وذروا البيع } .
ع - أوقات أخرى :
63 - وقت طلوع الشّمس ، ووقت استوائها ، ووقت غروبها وبعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر : اختصّت هذه الأوقات بمنع الصّلاة فيها ، على اختلاف بين الفقهاء وتفصيل في صحّة الصّلاة منها مع الكراهة أو عدم الصّحّة في الثّلاثة الأولى منها دون غيرها .
اختصاص الأماكن
أ - الكعبة المشرّفة :
64 - اختصّت الكعبة المشرّفة بما يلي : أوّلاً - افتراض إحيائها بالحجّ والعمرة ، وتفصيله في " إحياء البيت الحرام » . ثانياً - تكون تحيّتها بالطّواف عند البعض من الشّافعيّة ، وقال غيرهم كالحنفيّة والحنابلة : الطّواف هو تحيّة المسجد الحرام . ثالثاً - المصلّون حولها يجوز أن يتقدّم منهم المأموم على الإمام ، إن لم يكن في جانبه ، على أنّ المالكيّة أجازوا تقدّم المأموم على الإمام مطلقاً ، وكرهوه لغير ضرورة . وقد فصّل ذلك الفقهاء في كتاب الصّلاة . رابعاً - اختلف الفقهاء في جواز الصّلاة في جوف الكعبة وعلى ظهرها ، فلم يجزها ابن جرير الطّبريّ ، ومنع الإمام أحمد الفرض ، وأجاز النّفل ، ومنع الإمام مالك الفرائض والسّنن وأجاز التّطوّع ، وأجاز الحنفيّة والشّافعيّة الفرائض والنّوافل جميعاً ، وتفصيل ذلك سيأتي في الصّلاة . فإن صلّى في جوف الكعبة أو على ظهرها اتّجه إلى أيّ جهة شاء . خامساً - افتراض التّوجّه إليها في الصّلاة بالإجماع فإنّها قبلة المسلمين في صلاتهم ، وتفصيله في " استقبال » . سادساً - كراهة استقبالها في بول أو غائط ( أي حين التّخلّي ) . وذهب الشّافعيّة إلى تحريم ذلك والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرّقوا أو غرّبوا » وتفصيله في مصطلح « قضاء الحاجة » .
ب - حرم مكّة :
65 - اختصّ حرم مكّة المكرّمة بما يلي : أوّلاً : عدم جواز دخول الكفّار إليه عند الجمهور لقوله تعالى : { إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } وقد أجلاهم عمر عنه ، وأجاز الحنفيّة لهم دخوله دون الإقامة فيه كالحجاز . ثانياً : اختلف الفقهاء في جواز دخوله بغير إحرام على تفصيل في مصطلح ( إحرام ) . ثالثاً : إنّ الصّلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة في ثوابها لا في إسقاط الفرائض ؛ لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلاّ المسجد الحرام » وحرم مكّة كمسجدها في مضاعفة الثّواب . رابعاً : عدم كراهة الصّلاة فيه في الأوقات الّتي تكره فيها الصّلاة ؛ لحديث جبير بن مطعم « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلّى أيّة ساعة شاء من ليل أو نهار » . خامساً : تحريم صيده ، فمن صاد فعليه الجزاء ، كما هو مفصّل في بحث " إحرام » . سادساً : تحريم القتال فيه ، وسفك الدّماء ، وحمل السّلاح وكذلك إقامة الحدود ، على من ارتكب موجباتها خارج الحرم عند الحنفيّة والحنابلة ، خلافاً للمالكيّة والشّافعيّة الّذين أجازوا إقامتها فيه مطلقاً . أمّا من ارتكب ذلك داخل الحرم فيجوز إقامة الحدود عليه اتّفاقاً لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ مكّة حرّمها اللّه ولم يحرّمها النّاس ، فلا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً » وقوله صلوات اللّه وسلامه عليه : « لا يحلّ لأحدكم أن يحمل السّلاح بمكّة » . سابعاً : تغليظ دية الجناية فيه ، فقد قضى عمر بن الخطّاب ، فيمن قتل في الحرم ، بالدّية وثلث الدّية ، وقال بعضهم : لا تغلّظ ، كما هو مفصّل في مصطلح ( دية ) . ثامناً : قطع أشجاره : ولا يجوز قطع شيء من أشجار حرم مكّة بالاتّفاق ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ مكّة حرّمها اللّه ولم يحرّمها النّاس ، فلا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً ولا يعضد فيها شجرةً » . تاسعاً : اختلف الفقهاء في لقطة الحرم ، فقال الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهي إحدى الرّوايتين عن الشّافعيّ أنّها كلقطة الحلّ ، وظاهر كلام أحمد وهو إحدى الرّوايتين عن الشّافعيّ أنّ من التقط لقطةً من الحرم كان عليه أن يعرّفها أبداً حتّى يأتي صاحبها ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تلتقط لقطته إلاّ من عرّفها » . عاشراً : لا يصحّ ذبح الهدي إلاّ فيه ، كما هو مبيّن في الحجّ ، ولا يجوز إخراج شيء من ترابه .
ج - مسجد مكّة :
66 - يختصّ مسجد مكّة المكرّمة بما يختصّ به حرمها لأنّه جزء من حرمها ، ويزيد عليه ما يلي : أوّلاً : جواز قصده بالزّيارة وشدّ الرّحال إليه لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا تشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجد الرّسول ، والمسجد الأقصى » ثانياً : تقدّم المأموم فيه على الإمام - وقد تقدّم فيما تختصّ به الكعبة المشرّفة ، كما اختصّت مواطن بأعمال في الحجّ تتعيّن وجوباً أو ندباً ، كعرفة ، ومنًى ، ومزدلفة ، والمواقيت المكانيّة للإحرام . وتفصيله في مصطلحي : ( الحجّ - والإحرام ) .
د - المدينة المنوّرة :
67 - أوّلاً : المدينة المنوّرة حرم ، ما بين عير إلى ثور ، لا يحلّ صيدها ولا يعضد شجرها ، كما ذهب إلى ذلك الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة ، والزّهريّ وغيرهم لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ إبراهيم حرّم مكّة ودعا لها ، وإنّي حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة ، وإنّي دعوت في صاعها ومدّها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكّة » . خالف في ذلك الحنفيّة وسفيان الثّوريّ وعبد اللّه بن المبارك ، فقالوا : ليس للمدينة المنوّرة حرم ، ولا يمنع أحد من أخذ صيدها وشجرها ، وما أراد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بحديثه المتقدّم تحريمها ، ولكنّه أراد بقاء زينتها ليألفها النّاس ، لما رواه الطّحاويّ والبزّار من قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا تهدموا الآطام فإنّها زينة المدينة » ، ولما رواه مسلم من قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « يا أبا عمير ما فعل النّغير ؟ » والنّغير صيد . ثانياً : يمنع الذّمّيّ من الاستيطان بها ولا يمنع من دخولها . ثالثاً : قدّم الإمام مالك العمل بما أجمع عليه فقهاء المدينة المنوّرة في عصره على خبر الواحد . رابعاً : الإقامة في المدينة المنوّرة أحبّ من الإقامة في غيرها ولو كانت مكّة ؛ لأنّها مهاجر المسلمين ، لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « تفتح اليمن فيأتي قوم يبسّون ، فيتحمّلون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح الشّام فيأتي قوم يبسّون فيتحمّلون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح العراق فيأتي قوم يبسّون فيتحمّلون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » . خامساً : يستحبّ للمؤمن الانقطاع بها ليحصّل الموت فيها ، فقد كان عمر بن الخطّاب يدعو اللّه ويقول : اللّهمّ ارزقني شهادةً في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك ، وذلك لما رواه التّرمذيّ عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها ، فإنّي أشفع لمن يموت بها » .
هـ - مسجد الرّسول صلى الله عليه وسلم :
68 - يختصّ مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأنّ الصّلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام ، لما في الصّحيحين من قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام » . ويختصّ بجواز شدّ الرّحال إليه ، وقد تقدّم حديث : « لا تشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاث مساجد » وذكر منها مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
و - مسجد قباء :
69 - يختصّ مسجد قباء بأنّ من أتاه فصلّى فيه كانت له كعمرة ، لما رواه النّسائيّ عن سهل بن حنيف قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من خرج حتّى يأتي هذا المسجد - مسجد قباء - فصلّى فيه كان له عدل عمرة » وفي سنن التّرمذيّ عن أسيد بن ظهير أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « الصّلاة في مسجد قباء كعمرة » ولذلك استحبّ إتيان هذا المسجد والصّلاة فيه .
ز - المسجد الأقصى :
70 - يختصّ المسجد الأقصى بجواز شدّ الرّحال إليه ، وقد تقدّم . واختلفوا في كراهة التّوجّه إلى بيت المقدس في البول والغائط ، فكرهه بعضهم ؛ لأنّ بيت المقدس كان قبلةً ، وأباحه آخرون ، وقد ذكر ذلك الفقهاء عند حديثهم عن آداب الاستنجاء في كتاب الطّهارة .
ح - بئر زمزم :
71 - اختصّ ماء زمزم عن غيره من المياه بأنّ لشربه آداباً خاصّةً ، ولا يجوز استعماله في مواضع الامتهان كإزالة النّجاسة الحقيقيّة ، على خلاف وتفصيل سبق في مصطلح « آبار » ( ف 33 - 35 ) ( في الجزء الأوّل ) .
الاختصاص بالولاية أو الملك
72 - المخصّص إمّا أن يكون الشّرع ، وقد سبق بيانه ، أو الشّخص بملك أو ولاية . وهذا الأخير يشترط فيه ما يلي :
شروط الشّخص المخصّص :
73 - أ - أن يكون أهلاً للتّصرّف .
ب - أن يكون ذا ولاية ، سواء أكانت ولايةً عامّةً كالأمير والقاضي ونحوهما ، أم ولايةً خاصّةً كالأب ونحوه .
ج - أن يكون ذا ملك ، إذ لصاحب الملك أن يختصّ بملكه من يشاء بشروطه .
اختصاص ذي الولاية :
74 - إذا كان المخصّص صاحب الولاية فإنّه يشترط في الاختصاص أن يكون محقّقاً لمصلحة المولى عليه ، ومن هنا قالوا : تصرّف ذي الولاية منوط بالمصلحة ؛ لأنّ الولاية أمانة ، قال صلى الله عليه وسلم : « إنّها أمانة ، وأنّها يوم القيامة خزي وندامة إلاّ من أخذها بحقّها وأدّى الّذي عليه فيها » . وقال ابن تيميّة في السّياسة الشّرعيّة : « إنّ وصيّ اليتيم وناظر الوقف عليه أن يتصرّف له بالأصلح فالأصلح » . ومن ذلك اختصاص بعض القضاة بالقضاء في بلد معيّن ، أو في جانب معيّن من بلد دون الجوانب الأخرى ، أو في مذهب معيّن ، أو النّظر في نوع من الدّعاوى دون الأنواع الأخرى كالمناكحات أو الحدود أو المظالم ونحو ذلك ، وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب القضاء ، وفي كتب الأحكام السّلطانيّة . ويجب مراعاة المصلحة في اختصاص الرّجال ، في الولايات أو منح الأموال ونحوها ، كالحمى ، وهو في حقيقته اختصاص أرض معيّنة لترعى فيها أنعام الصّدقة ، أو خيل الجهاد ، واختصاص بعض الأراضي بإقطاعها للإحياء ، واختصاص بعض المرافق العامّة بإقطاعها إقطاع إرفاق كالطّرقات ومقاعد الأسواق ونحو ذلك . واختصاص بعض الموادّ الضّروريّة برفع العشور عنها ، أو تخفيض العشور عنها ؛ ليكثر جلبها إلى أسواق المسلمين ، فقد كان عمر رضي الله عنه يأخذ من النّبط من الحنطة والزّيت نصف العشر ، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة المنوّرة ويأخذ من القطنيّة - الحمّص والعدس - العشر .
( اختصاص المالك ) :
75 - أمّا إذا كان المخصّص صاحب ملك ، فإنّه يشترط لاختصاصه بعض ملكه بشيء من التّصرّفات دون بعض ألاّ ينشأ عن اختصاصه هذا ضرر أو مفسدة ولذلك منع من الوصيّة بأكثر من الثّلث لما فيه من الإضرار بالورثة ، ومنع من إعطاء بعض أولاده عطيّته لغير سبب مشروع دون باقيهم لما فيه من إيغار صدور بعضهم على بعض .
اختضاب
التّعريف
1 - الاختضاب لغةً : استعمال الخضاب . والخضاب هو ما يغيّر به لون الشّيء من حنّاء وكتم ونحوهما . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - الصّبغ والصّباغ :
2 - الصّبغ ما يصطبغ به من الإدام ، ومنه قوله تعالى : { وشجرةً تخرج من طور سيناء تنبت بالدّهن وصبغ للآكلين } . قال المفسّرون : المراد بالصّبغ في الآية الزّيت ؛ لأنّه يلوّن الحبّ إذا غمس فيه ، والمراد أنّه إدام يصبغ به .
ب - التّطريف :
3 - التّطريف لغةً : خضب أطراف الأصابع ، يقال : طرفت الجارية بنانها إذا خضّبت أطراف أصابعها بالحنّاء ، وهي مطرّفة .
ج - النّقش :
4 - النّقش لغةً . النّمنمة ، يقال : نقشه ينقشه نقشاً وانتقشه : نمنمه فهو منقوش . صفته ( حكمه التّكليفيّ ) :
5 - يختلف حكم الخضاب تبعاً للونه ، وللمختضب ، رجلاً كان أو امرأةً . وسيأتي . المفاضلة بين الاختضاب وعدمه :
6 - نقل الشّوكانيّ عن القاضي عياض قوله : اختلف السّلف من الصّحابة والتّابعين في الاختضاب ، وفي جنسه ، فقال بعضهم : ترك الاختضاب أفضل ، استبقاءً للشّيب ، وروى حديثاً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في النّهي عن تغيير الشّيب . وقال بعضهم : الاختضاب أفضل لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « غيّروا الشّيب ، ولا تشبّهوا باليهود » . وفي رواية زيادة « والنّصارى » ، ولقوله : « إنّ اليهود والنّصارى لا يصبغون فخالفوهم » فهذه الأحاديث تدلّ على أنّ العلّة في الصّباغ وتغيير الشّيب هي مخالفة اليهود والنّصارى . وبهذا يتأكّد استحباب الاختضاب . وقد كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يبالغ في مخالفة أهل الكتاب ويأمر بها . واختضب جماعة من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم للأحاديث الواردة في ذلك . ثمّ قد كان أكثرهم يختضب بالصّفرة ، منهم ابن عمر وأبو هريرة ، واختضب جماعة منهم بالحنّاء والكتم ، وبعضهم بالزّعفران ، واختضب جماعة بالسّواد ، منهم عثمان بن عفّان والحسن والحسين وعقبة بن عامر وغيرهم . ونقل الشّوكانيّ عن الطّبريّ قوله : الصّواب أنّ الأحاديث الواردة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بتغيير الشّيب وبالنّهي عنه كلّها صحيحة ، وليس فيها تناقض . بل الأمر بالتّغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة ، والنّهي لمن له شمط فقط ، واختلاف السّلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك ، مع أنّ الأمر والنّهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع ، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض .
7 - وقد جاءت أحاديث في صحيح البخاريّ تدلّ على اختضاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجاءت أحاديث تنفي اختضابه ، فمن الأولى : ما ورد عن عثمان بن عبد اللّه بن موهب قال : « دخلنا على أمّ سلمة فأخرجت إلينا من شعر رسول اللّه فإذا هو مخضوب » . ومنها ما ورد أنّ ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصّفرة حتّى تملأ ثيابه ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنّي رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصبغ بها ، ولم يكن شيء أحبّ إليه منها ، وكان يصبغ بها ثيابه حتّى عمامته . ومن الثّانية قول أنس رضي الله عنه : « ما خضّب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأنّه لم يبلغ منه الشّيب إلاّ قليلاً ، ولو شئت أن أعدّ شمطات كنّ في رأسه لفعلت » . ومنها قول أبي جحيفة رضي الله عنه : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذه منه بيضاء » يعني عنفقته . وقال الشّوكانيّ : « لو فرض عدم ثبوت اختضاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما كان قادحاً في سنّيّة الاختضاب ، لورود الإرشاد إليها قولاً في الأحاديث الصّحيحة » . وقال الطّبريّ في الجمع بين الأحاديث المثبتة لاختضاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم والأحاديث النّافية لاختضابه : « من جزم بأنّه خضّب فقد حكى ما شاهد ، وكان ذلك في بعض الأحيان ، ومن نفى ذلك فهو محمول على الأكثر الغالب من حاله " صلى الله عليه وسلم .
بم يكون الاختضاب ؟
8 - كون الاختضاب بالحنّاء ، وبالحنّاء مع الكتم ، وبالورس والزّعفران ، والسّواد ، بغير ذلك . أوّلاً - الاختضاب بغير السّواد الاختضاب بالحنّاء والكتم :
9 - يستحبّ الاختضاب بالحنّاء والكتم ، لحديث : « غيّروا الشّيب » ، فهو أمر ، وهو للاستحباب ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ أحسن ما غيّرتم به الشّيب الحنّاء والكتم » ، فإنّه يدلّ على أنّ الحنّاء والكتم من أحسن الصّباغات الّتي يغيّر بها الشّيب . وأنّ الصّبغ غير مقصور عليهما ، بل يشاركهما غيرهما من الصّباغات في أصل الحسن لما ورد من حديث أنس رضي الله عنه قال : اختضب أبو بكر بالحنّاء والكتم ، واختضب عمر بالحنّاء بحتاً .
الاختضاب بالورس والزّعفران
10 - الاختضاب بالورس والزّعفران يشارك الاختضاب بالحنّاء والكتم في أصل الاستحباب . وقد اختضب بهما جماعة من الصّحابة . روى أبو مالك الأشجعيّ ، عن أبيه ، قال : « كان خضابنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الورس والزّعفران » ، وقال الحكم بن عمرو الغفاريّ : دخلت أنا وأخي رافع على أمير المؤمنين عمر ، وأنا مخضوب بالحنّاء ، وأخي مخضوب بالصّفرة ، فقال عمر : هذا خضاب الإسلام . وقال لأخي رافع : هذا خضاب الإيمان .
الاختضاب بالسّواد
11 - اختلف الفقهاء في حكم الاختضاب بالسّواد : فالحنابلة والمالكيّة والحنفيّة - ما عدا أبا يوسف - يقولون : بكراهة الاختضاب بالسّواد في غير الحرب . أمّا في الحرب فهو جائز إجماعاً ، بل هو مرغّب فيه ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم شأن أبي قحافة والد أبي بكر رضي الله عنه لمّا جيء إليه عام الفتح ، ورأسه يشتعل شيباً : اذهبوا به إلى بعض نسائه فلتغيّره ، وجنّبوه السّواد » . وقال الحافظ في الفتح : إنّ من العلماء من رخّص في الاختضاب بالسّواد للمجاهدين ، ومنهم من رخّص فيه مطلقاً ، ومنهم من رخّص فيه للرّجال دون النّساء ، وقد استدلّ المجوّزون للاختضاب بالسّواد بأدلّة : منها : قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ أحسن ما اختضبتم به لهذا السّواد ، أرغب لنسائكم فيكم ، وأهيب لكم في صدور أعدائكم » . ومنها ما روي عن عمر بن الخطّاب أنّه كان يأمر بالخضاب بالسّواد ، ويقول : هو تسكين للزّوجة ، وأهيب للعدوّ . ومنها أنّ جماعةً من الصّحابة اختضبوا بالسّواد ، ولم ينقل الإنكار عليهم من أحد ، منهم عثمان وعبد اللّه بن جعفر والحسن والحسين . وكان ممّن يختضب بالسّواد ويقول به محمّد بن إسحاق صاحب المغازي ، وابن أبي عاصم ، وابن الجوزيّ . ومنها ما ورد عن ابن شهاب قال : « كنّا نختضب بالسّواد إذ كان الوجه جديداً ( شباباً ) فلمّا نفض الوجه والأسنان ( كبرنا ) تركناه » . وللحنفيّة رأي آخر بالجواز ، ولو في غير الحرب ، وهذا هو مذهب أبي يوسف . وقال الشّافعيّة بتحريم الاختضاب بالسّواد لغير المجاهدين ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « يكون قوم في آخر الزّمان يخضبون بالسّواد ، لا يريحون رائحة الجنّة » ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : « في شأن أبي قحافة : وجنّبوه السّواد » ، فالأمر عندهم للتّحريم ، وسواء فيه عندهم الرّجل والمرأة .
اختضاب الأنثى
12 - اتّفق الفقهاء على أنّ تغيير الشّيب بالحنّاء أو نحوه مستحبّ للمرأة كما هو مستحبّ للرّجل ، للأخبار الصّحيحة في ذلك . وتختصّ المرأة المزوّجة ، والمملوكة باستحباب خضب كفّيها وقدميها بالحنّاء أو نحوه في كلّ وقت عدا وقت الإحرام ؛ لأنّ الاختضاب زينة ، والزّينة مطلوبة من الزّوجة لزوجها ومن المملوكة لسيّدها ، على أن يكون الاختضاب تعميماً ، لا تطريفاً ولا نقشاً ؛ لأنّ ذلك غير مستحبّ . ويجوز لها - بإذن زوجها أو سيّدها تحمير الوجنة ، وتطريف الأصابع بالحنّاء مع السّواد . وفي استحباب خضب المرأة المزوّجة لكفّيها ما ورد عن « ابن ضمرة بن سعيد عن جدّته عن امرأة من نسائه قال : وقد كانت صلّت القبلتين مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قالت : دخل عليّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقال لي : اختضبي ، تترك إحداكنّ الخضاب حتّى تكون يدها كيد الرّجل ؟ » قال : فما تركت الخضاب حتّى لقيت اللّه عزّ وجلّ ، وإن كانت لتختضب وإنّها لابنة ثمانين . أمّا المرأة غير المزوّجة وغير المملوكة فيرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة : كراهة اختضابها في كفّيها وقدميها لعدم الحاجة مع خوف الفتنة ، وحرمة تحمير وجنتيها وحرمة تطريف أصابعها بالحنّاء مع السّواد . . ويرى الحنابلة جواز الاختضاب للأيّم ، لما ورد عن جابر مرفوعاً : « يا معشر النّساء اختضبن ، فإنّ المرأة تختضب لزوجها ، وإنّ الأيّم تختضب تعرّض للرّزق من اللّه عزّ وجلّ » أي لتخطب وتتزوّج .
وضوء المختضب وغسله :
13 - اتّفق الفقهاء على أنّ وجود مادّة على أعضاء الوضوء أو الغسل تمنع وصول الماء إلى البشرة - حائل بين صحّة الوضوء وصحّة الغسل . والمختضب وضوءه وغسله صحيحان ؛ لأنّ الخضاب بعد إزالة مادّته بالغسل يكون مجرّد لون ، واللّون وحده لا يحول بين البشرة ووصول الماء إليها ، ومن ثمّ فهو لا يؤثّر في صحّة الوضوء أو الغسل .
الاختضاب للتّداوي :
14 - اتّفق الفقهاء على جواز الاختضاب للتّداوي ، لخبر سلمى - مولاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم - « أنّه كان إذا اشتكى أحد رأسه قال : اذهب فاحتجم ، وإذا اشتكى رجله قال : اذهب فاخضبها بالحنّاء » ، وفي لفظ لأحمد : قالت : « كنت أخدم النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فما كانت تصيبه قرحة ولا نكتة إلاّ أمرني أن أضع عليها الحنّاء » .
الاختضاب بالمتنجّس وبعين النّجاسة
15 - يرى الأحناف والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ ما خضّب أو صبغ بمتنجّس يطهر بغسله ثلاثاً فلو اختضب الرّجل أو اختضبت المرأة بالحنّاء المتنجّس وغسل كلّ ثلاثاً طهر . أمّا إذا كان الاختضاب بعين النّجاسة فلا يطهر إلاّ بزوال عينه وطعمه وريحه وخروج الماء صافياً ، ويعفى عن بقاء اللّون ؛ لأنّ الأثر الّذي يشقّ زواله لا يضرّ بقاؤه . ومن هذا القبيل المصبوغ بالدّم ( فهو نجس ) ، والمصبوغ بالدّودة غير المائيّة الّتي لها دم سائل فإنّها ميتة يتجمّد الدّم فيها وهو نجس .
الاختضاب بالوشم :
16 - الوشم هو غرز الجلد بالإبرة حتّى يخرج الدّم ثمّ يذرّ عليه كحل أو نيلة ليخضرّ أو يزرقّ وهو حرام مطلقاً لخبر الصّحيحين : « لعن اللّه الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنّامصة والمتنمّصة » ؛ ولأنّه إذا غرز محلّ الوشم بإبرة ثمّ حشي بكحل أو نيلة ليخضرّ تنجّس الكحل بالدّم فإذا جمد الدّم والتأم الجرح بقي محلّه أخضر ، فإذا غسل ثلاثاً طهر . ويرى الأحناف والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ الوشم كالاختضاب أو الصّبغ بالمتنجّس ، فإذا غسل ثلاثاً طهر ؛ لأنّه أثر يشقّ زواله إذ لا يزول إلاّ بسلخ الجلد أو جرحه .
الاختضاب بالبياض
17 - يكره خضب اللّحية السّوداء بالبياض كالكبريت ونحوه إظهاراً لكبر السّنّ ترفّعاً على الشّباب من أقرانه ، وتوصّلاً إلى التّوقير والاحترام من إخوانه ، وأمثال ذلك من الأغراض الفاسدة . ويفهم من هذا أنّه إذا كان لغرض صحيح فهو جائز .
اختضاب الحائض :
18 - جمهور الفقهاء على جواز اختضاب الحائض لما ورد « أنّ امرأةً سألت عائشة - رضي الله عنها - قالت : تختضب الحائض ؟ فقالت : قد كنّا عند النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ونحن نختضب فلم يكن ينهانا عنه » ، ولما ورد أنّ نساء ابن عمر كنّ يختضبن وهنّ حيّض . وقد قال ابن رشد : لا إشكال في جواز اختضاب الحائض والجنب لأنّ صبغ الخضاب الّذي يحصل في يديها لا يمنع من رفع حدث الجنابة والحيض عنها بالغسل إذا اغتسلت . ولا وجه للقول بالكراهة .
اختضاب المرأة المحدّة
19 - اتّفق الفقهاء على أنّ المرأة المحدّة على زوجها يحرم عليها أن تختضب مدّة عدّتها ؛ لما ورد من حديث لأمّ سلمة قالت : « دخل عليّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حين توفّي أبو سلمة فقال لي : لا تمتشطي بالطّيب ولا بالحنّاء فإنّه خضاب . قالت : قلت : بأيّ شيء أمتشط ؟ قال : بالسّدر تغلّفين به رأسك » .
خضاب رأس المولود :
20 - اتّفق الفقهاء - مالك والشّافعيّ - وأحمد والزّهريّ وابن المنذر على كراهة تلطيخ رأس الصّبيّ بدم العقيقة ؛ لقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : « مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً ، وأميطوا عنه الأذى » ، فهذا يقتضي ألاّ يمسّ بدم لأنّه أذًى ، ولما روي عن يزيد بن عبد المزنيّ عن أبيه أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال : « يعقّ عن الغلام ولا يمسّ رأسه بدم » ولأنّ هذا تنجيس له فلا يشرع . واتّفقوا على جواز خضب رأس الصّبيّ بالزّعفران وبالخلوق ( أي الطّيب ) ، لقول بريدة : كنّا في الجاهليّة إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاةً ولطّخ رأسه بدمها ، فلمّا جاء اللّه بالإسلام كنّا نذبح شاةً ونحلق رأسه ونلطّخه بزعفران ، ولقول عائشة رضي الله عنها « : كانوا في الجاهليّة إذا عقّوا عن الصّبيّ خضّبوا قطنةً بدم العقيقة ، فإذا حلقوا رأس المولود وضعوها على رأسه ، فقال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوا مكان الدّم خلوقاً » زاد أبو الشّيخ « : ونهى أن يمسّ رأس المولود بدم » . أمّا الحنفيّة فإنّ العقيقة عندهم غير مطلوبة .
اختضاب الرّجل والخنثى :
21 - اتّفق الفقهاء على أنّه يستحبّ للرّجل أن يختضب في رأسه ولحيته لتغيير الشّيب بالحنّاء ونحوه للأحاديث الواردة في ذلك ، وجوّزوا له أن يختضب في جميع أجزاء بدنه ما عدا الكفّين والقدمين ، فلا يجوز له أن يختضب فيهما إلاّ لعذر ؛ لأنّ في اختضابه فيهما تشبّهاً بالنّساء ، والتّشبّه بالنّساء محظور شرعاً . وقال أكثر الشّافعيّة وبعض الحنابلة بحرمته . وقال بعض الحنابلة وصاحب المحيط من الحنفيّة بكراهته وقد قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - « لعن اللّه المتشبّهات من النّساء بالرّجال والمتشبّهين من الرّجال بالنّساء » . وحكم الخنثى المشكل كحكم الرّجل في هذا .
اختضاب المحرم
22 - ذهب الحنابلة إلى أنّه يجوز للمحرم الاختضاب بالحنّاء في أيّ جزء من البدن ما عدا الرّأس ؛ لأنّ ستر الرّأس في الإحرام بأيّ ساتر ممنوع . وقد ذكر القاضي أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال : « إحرام الرّجل في رأسه ، وإحرام المرأة في وجهها » . ولا بأس باختضاب المرأة بالحنّاء ونحوه ، لما روي عن عكرمة أنّه قال : « كانت عائشة وأزواج النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يختضبن بالحنّاء وهنّ حرم » . وقال الشّافعيّة : يجوز للرّجل الاختضاب بالحنّاء ونحوه حال الإحرام في جميع أجزاء جسده ، ما عدا اليدين والرّجلين فيحرم خضبهما بغير حاجة . وكرهوا للمرأة الاختضاب بالحنّاء ونحوه حال الإحرام ، إلاّ إذا كانت معتدّةً من وفاة فيحرم عليها ذلك ، كما يحرم عليها الاختضاب إذا كان نقشاً ، ولو كانت غير معتدّة . وقال الأحناف والمالكيّة : لا يجوز للمحرم أن يختضب بالحنّاء ونحوه في أيّ جزء من البدن سواء أكان رجلاً أم امرأةً ؛ لأنّه طيب والمحرم ممنوع من الطّيب ، وقد روي « أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لأمّ سلمة : لا تطيّبي وأنت محرمة ولا تمسّي الحنّاء فإنّه طيب » .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:27 AM

اختطاط
التّعريف
1 - الاختطاط مصدر اختطّ . واختطاط الأرض هو أن يعلّم عليها علامةً بالخطّ ليعلم أنّه قد احتازها لينتفع بها . واختطّ فلان خطّةً إذا تحجّر موضعاً وخطّ عليه بجدار . وكلّ ما حظرته فقد خططت عليه . والخطّة : الأرض يختطّها الرّجل في أرض غير مملوكة ليتحجّرها ويبني فيها ، وذلك إذا أذن السّلطان لجماعة من المسلمين أن يختطّوا الدّور في موضع بعينه ، ويتّخذوا فيه مساكن لهم ، كما فعلوا بالكوفة والبصرة وبغداد ومعنى الاختطاط الوارد في اللّغة هو ما يعبّر عنه الفقهاء بالتّحجير أو الاحتجار بقصد إحياء الموات . وتفصيل أحكامه هناك ( ر : إحياء الموات ) . الحكم الإجماليّ :
2 - الاختطاط كما تبيّن يرادفه التّحجير عند الفقهاء ، والتّحجير لا يعتبر إحياءً ، إنّما هو شروع في الإحياء . ولذلك لا يثبت به الملك ، ولا يصحّ بيع المتحجّر من الموات ، وإنّما يكون المتحجّر أحقّ به من غيره ، فإذا لم يعمر كان غيره أحقّ به . وهذا في الجملة . وتفصيل ذلك في إحياء الموات .
اختطاف
التّعريف
1 - الاختطاف : أخذ الشّيء بسرعة واستلاب . ويقول بعض الفقهاء : الاختطاف هو الاختلاس ، والاختلاس هو أخذ الشّيء علانيةً بسرعة . والفرق بين الاختطاف والاغتصاب والسّرقة والحرابة والخيانة كالفرق بين الاختلاس وبين هذه المصطلحات ، ( ر : اختلاس ) . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا قطع على المختطف ؛ لأنّ الاختلاس والاختطاف واحد ، ولا قطع على المختلس ؛ لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع » . وقد فصّل الفقهاء أحكام الاختطاف في كتاب الحدود - باب حدّ السّرقة .
اختفاء
التّعريف
1 - الإخفاء لغةً السّتر والكتمان . وفي التّنزيل : { يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك } . فهو متعدّ ، بخلاف الاختفاء بمعنى التّواري ، فإنّه لازم ومطاوع للإخفاء .
( الألفاظ ذات الصّلة ) : أ - الإسرار :
2 - الإسرار لغةً واصطلاحاً هو الإخفاء . وقد يأتي بمعنى الإظهار أيضاً كما قال بعضهم في تفسير قوله تعالى : { وأسرّوا النّدامة } أي أظهروها ، فهو من الأضداد .
ب - النّجوى :
3 - النّجوى اسم للكلام الخفيّ الّذي تناجي به صاحبك ، كأنّك ترفعه عن غيره ، وذلك أنّ أصل الكلمة الرّفعة ، ومنه النّجوة من الأرض ، وسمّى اللّه تعالى تكليم موسى عليه السلام مناجاةً ، لأنّه كان كلاماً أخفاه عن غيره . والفرق بينها وبين الإخفاء أنّ النّجوى لا تكون إلاّ كلاماً ، أمّا الإخفاء فيكون للكلام والعمل كما هو واضح ، فالعلاقة بينهما العموم والخصوص .
( الحكم الإجماليّ )
يتعدّد الحكم الإجماليّ للإخفاء بحسب المواطن الّتي يكون فيها :
أ - إخفاء النّيّة :
4 - لم يؤثر عن الرّسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشروعيّة التّلفّظ بالنّيّة ، ولهذا استحبّ إخفاؤها ، لأنّ محلّها القلب ولأنّ حقيقتها القصد مطلقاً ، وخصّت في الشّرع بالإرادة المتوجّهة نحو الفعل مقترنةً به ابتغاء رضاء اللّه تعالى وامتثال حكمه . وقيل : يستحبّ التّلفّظ بها باللّسان . لكن للنّيّة في الحجّ والعمرة حكم خاصّ فقد قال الحنفيّة والشّافعيّة : يسنّ التّلفّظ بالنّيّة في الحجّ والعمرة . وقال الحنابلة وهو رأي للمالكيّة : يستحبّ النّطق بما جزم به ليزول الالتباس . وقال المالكيّة في رأي لهم : إنّ ترك التّلفّظ بها أفضل وفي رأي آخر كراهة التّلفّظ بها . وقيل يستحبّ التّلفّظ باللّسان . وتفصيله في مصطلح ( نيّة ) .
ب - إخفاء الصّدقة والزّكاة :
5 - نقل الطّبريّ وغيره الإجماع على أنّ الإخفاء في صدقة التّطوّع أفضل ، والإعلان في صدقة الفرض أفضل ، لقوله تعالى : { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » . وقال ابن عطيّة : يشبه في زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض ( الزّكاة ) أفضل ، فقد كثر المانع لها ، وصار إخراجها عرضةً للرّياء . وقيل : إن كان المتصدّق ممّن يقتدى به ويتبع ، وسلم قصده ، فالإظهار أولى . وتفصيله في مصطلح ( صدقة ) .
ج - اختفاء الهلال :
6 - إذا اختفى الهلال ، وغمّ على النّاس ، في شعبان أو رمضان ، وجب أن يكمل النّاس عدّة الشّهر ثلاثين يوماً ؛ لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين » . وتفصيله في مصطلح : ( صوم ) .
د - إخفاء الإيمان :
7 - في اعتبار إيمان من أخفى إيمانه وصدّق بقلبه رأيان : الأوّل : من صدّق بقلبه بما علم مجيء الرّسول به وأخفى إيمانه ولم يتلفّظ به ، اعتبر مؤمناً . الثّاني : اعتبر البعض أنّ التّلفّظ بالشّهادتين شرط للإيمان أو شطر منه .
هـ - إخفاء الذّكر :
8 - اختلف السّلف في الذّكر الخفيّ والذّكر باللّسان من حيث الأفضليّة بينهما ، فقال عزّ الدّين بن عبد السّلام وابن حجر الهيتميّ : ذكر القلب أفضل من ذكر اللّسان ، وذهب القاضي عياض والبلقينيّ إلى ترجيح عمل اللّسان . وتفصيله في مصطلح ( ذكر ) .
اختلاس
التّعريف
1 - الاختلاس والخلس في اللّغة : أخذ الشّيء مخادعةً عن غفلة . قيل الاختلاس أسرع من الخلس ، وقيل الاختلاس هو الاستلاب . ويزيد استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللّغويّ أنّه : أخذ الشّيء بحضرة صاحبه جهراً مع الهرب به سواء جاء المختلس جهاراً أو سرّاً ، مثل أن يمدّ يده إلى منديل إنسان فيأخذه .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - أ - الغصب أو الاغتصاب : هو أخذ الشّيء قهراً وعدواناً .
ب - السّرقة : هي أخذ النّصاب من حرزه على استخفاء .
ج - الحرابة : هي الاستيلاء على الشّيء مع تعذّر الغوث .
د - الخيانة : هي جحد ما اؤتمن عليه .
هـ - الانتهاب : هو أخذ الشّيء قهراً ، فالانتهاب ليس فيه استخفاء مطلقاً ، في حين أنّ الاختلاس يستخفى في أوّله .
الحكم الإجماليّ :
3 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا قطع في الاختلاس ؛ لحديث جابر رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع » ، ولأنّه يأخذ المال على وجه يمكن انتزاعه منه بالاستغاثة بالنّاس وبالسّلطان فلم يحتج في ردعه إلى القطع .
مواطن البحث :
4 - يفصّل الفقهاء أحكام الاختلاس في السّرقة عند الحديث عن الأمور الّتي فيها قطع وما لا قطع فيه ، وفي الغصب عند الحديث عمّا يغايره من أنواع أخذ الحقوق من الغير .
اختلاط
التّعريف
1 - الاختلاط ضمّ الشّيء إلى الشّيء ، وقد يمكن التّمييز بينهما كما في الحيوانات ، وقد لا يمكن كما في المائعات فيكون مزجاً . ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن هذا المعنى . الألفاظ ذات الصّلة :
2 - الامتزاج هو انضمام شيء إلى شيء بحيث لا يمكن التّمييز بينهما ، ويختلف عنه الاختلاط بأنّه أعمّ ؛ لشموله ما يمكن التّمييز فيه وما لا يمكن . الحكم الإجماليّ :
3 - يختلف الحكم بحسب المسائل الّتي يجري فيها الاختلاط ، فقد يكون أثر الاختلاط هو الحرمة . وذلك تبعاً لقاعدة : إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام ، كما لو اختلطت المساليخ المذكّاة بمساليخ الميتة دون تمييز ، فإنّه لم يجز تناول شيء منها ، ولا بالتّحرّي إلاّ عند المخمصة . ويجوز التّحرّي إذا كانت الغلبة للمذكّاة كما يقول الحنفيّة . وكذلك لو اختلطت زوجته بغيرها فليس له الوطء ولا بالتّحرّي ، ومثل ذلك من طلّق إحدى زوجتيه مبهماً ، يحرم عليه الوطء قبل التّعيين . وقد يكون أثر الاختلاط هو الاجتهاد والتّحرّي غالباً فالأواني إذا كان بعضها طاهراً وبعضها نجساً ولم تتميّز ، وكذلك الثّياب إذا اختلط الطّاهر بالنّجس فإنّه يتحرّى للطّهارة واللّبس . وهذا عند الجمهور وبعض الفقهاء يقول عدم التّحرّي وهم الحنابلة إلاّ بعضهم . وقد يكون أثر الاختلاط هو الضّمان . ومن ذلك ما إذا خلط المودع الوديعة بماله ولم تتميّز فإنّه يضمن لأنّ الخلط إتلاف . وقد يعتبر الاختلاط إبطالاً لبعض العقود كالوصيّة ، فمن وصّى بشيء معيّن خلطه بغيره على وجه لا يتميّز منه كان رجوعاً في الوصيّة . ومن صور الاختلاط :
اختلاط الرّجال بالنّساء :
4 - يختلف حكم اختلاط الرّجال بالنّساء بحسب موافقته لقواعد الشّريعة أو عدم موافقته ، فيحرم . الاختلاط إذا كان فيه : أ - الخلوة بالأجنبيّة ، والنّظر بشهوة إليها .
ب - تبذّل المرأة وعدم احتشامها .
ج - عبث ولهو وملامسة للأبدان كالاختلاط في الأفراح والموالد والأعياد ، فالاختلاط الّذي يكون فيه مثل هذه الأمور حرام ، لمخالفته لقواعد الشّريعة . قال تعالى : { قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم } . . . { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ } . وقال تعالى عن النّساء : { ولا يبدين زينتهنّ } وقال : { إذا سألتموهنّ متاعاً فاسألوهنّ من وراء حجاب } . ويقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يخلونّ رجل بامرأة فإنّ ثالثهما الشّيطان » « وقال صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلاّ هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفّيه » . كذلك اتّفق الفقهاء على حرمة لمس الأجنبيّة ، إلاّ إذا كانت عجوزاً لا تشتهى فلا بأس بالمصافحة . ويقول ابن فرحون : في الأعراس الّتي يمتزج فيها الرّجال والنّساء ، لا تقبل شهادة بعضهم لبعض إذا كان فيه ما حرّمه الشّارع ؛ لأنّ بحضورهنّ هذه المواضع تسقط عدالتهنّ . ويستثنى من الاختلاط المحرّم ما يقوم به الطّبيب من نظر ولمس ؛ لأنّ ذلك موضع ضرورة ، والضّرورات تبيح المحظورات .
5 - ويجوز الاختلاط إذا كانت هناك حاجة مشروعة مع مراعاة قواعد الشّريعة ولذلك جاز خروج المرأة لصلاة الجماع وصلاة العيد ، وأجاز البعض خروجها لفريضة الحجّ مع رفقة مأمونة من الرّجال . كذلك يجوز للمرأة معاملة الرّجال ببيع أو شراء أو إجارة أو غير ذلك . ولقد سئل الإمام مالك عن المرأة العزبة الكبيرة تلجأ إلى الرّجل ، فيقوم لها بحوائجها ، ويناولها الحاجة ، هل ترى ذلك له حسناً ؟ قال : لا بأس به ، وليدخل معه غيره أحبّ إليّ ، ولو تركها النّاس لضاعت ، قال ابن رشد : هذا على ما قال إذا غضّ بصره عمّا لا يحلّ له النّظر إليه .
مواطن البحث :
6 - الأشياء الّتي يتمّ فيها الاختلاط تشمل مواطن متعدّدةً في كثير من المسائل الفقهيّة ولكلّ مسألة حكمها بحسب أثر الاختلاط فيها ومن هذه المواطن : اختلاط المغصوب بغيره في باب الغصب . واختلاط موتى المسلمين بغيرهم في باب الجنائز . واختلاط الحادث بالموجود في بيع الثّمار . واختلاط الماشية الّتي تجب فيها الزّكاة في باب الزّكاة . واختلاط المحلوف عليه في باب الإيمان . واختلاط النّجس بالطّاهر في المائعات ، وغير ذلك . وفي الموضوع فروع متعدّدة . ( ر : نظر - خلوة - محرم - أجنبيّ ) .
اختلاف
التّعريف
1 - الاختلاف لغةً : مصدر اختلف . والاختلاف نقيض الاتّفاق . جاء في اللّسان ما مفاده : اختلف الأمران لم يتّفقا . وكلّ ما لم يتساو فقد اختلف . والخلاف : المضادّة ، وخالفه إلى الشّيء عصاه إليه ، أو قصده بعد أن نهاه عنه . ويستعمل الاختلاف عند الفقهاء بمعناه اللّغويّ وكذلك الخلاف . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الخلاف :
2 - جاء في فتح القدير والدّرّ المختار وحاشية ابن عابدين ، ونقله التّهانويّ عن بعض أصحاب الحواشي ، التّفريق بين ( الاختلاف ) ( والخلاف ) بأنّ الأوّل يستعمل في قول بني على دليل ، والثّاني فيما لا دليل عليه . وأيّده التّهانويّ بأنّ القول المرجوح في مقابلة الرّاجح يقال له خلاف ، لا اختلاف . قال : والحاصل منه ثبوت الضّعف في جانب المخالف في ( الخلاف ) ، كمخالفة الإجماع ، وعدم ضعف جانبه في ( الاختلاف ) . وقد وقع في كلام بعض الأصوليّين والفقهاء عدم اعتبار هذا الفرق ، بل يستعملون أحياناً اللّفظين بمعنًى واحد ، فكلّ أمرين خالف أحدهما الآخر خلافاً ، فقد اختلفا اختلافاً . وقد يقال : إنّ الخلاف أعمّ مطلقاً من الاختلاف . وينفرد الخلاف في مخالفة الإجماع ونحوه . هذا ويستعمل الفقهاء ( التّنازع ) أحيانا بمعنى الاختلاف .
ب - الفرقة ، والتّفرّق :
3 - ( الافتراق ) ( والتّفرّق ) ( والفرقة ) بمعنى أن يكون كلّ مجموعة من النّاس وحدهم . ففي القاموس : الفريق القطيع من الغنم ، والفريقة قطعة من الغنم تتفرّق عنها فتذهب تحت اللّيل عن جماعتها . فهذه الألفاظ أخصّ من الاختلاف .
الاختلاف في الأمور الاجتهاديّة ( علم الخلاف )
حقيقة الاختلاف وأنواعه :
4 - على المجتهد تحقيق موضع الاختلاف ، فإنّ نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها خطأ ، كما أنّ نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصحّ فليس كلّ تعارض بين قولين يعتبر اختلافاً حقيقاً بينهما ، فإنّ الاختلاف إمّا أن يكون اختلافاً في العبارة ، أو اختلاف تنوّع ، أو اختلاف تضادّ . وهذا الأخير هو الاختلاف الحقيقيّ .
5 - أمّا الاختلاف في العبارة فأن يعبّر كلّ من المختلفين عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه . مثال ذلك تفسير الصّراط المستقيم . قال بعضهم : هو القرآن ، وقال بعضهم : هو الإسلام . فهذان القولان متّفقان ، لأنّ دين الإسلام هو اتّباع القرآن الكريم . وكذلك قول من قال : هو السّنّة والجماعة .
6 - وأمّا اختلاف التّنويع ، فأن يذكر كلّ من المختلفين من الاسم العامّ بعض أنواعه على سبيل التّمثيل وتنبيه المستمع ، لا على سبيل الحدّ المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه . مثال ذلك تفسير قوله تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } قال بعضهم : السّابق الّذي يصلّي أوّل الوقت ، والمقتصد في أثنائه ، والظّالم لنفسه الّذي يؤخّر العصر إلى الاصفرار . وقيل : السّابق المحسن بالصّدقة ، والمقتصد بالبيع ، والظّالم بأكل الرّبا . واختلاف التّنوّع في الأحكام الشّرعيّة قد يكون في الوجوب تارةً وفي الاستحباب أخرى : فالأوّل مثل أن يجب على قوم الجهاد ، وعلى قوم الصّدقة ، وعلى قوم تعليم العلم . وهذا يقع في فروض الأعيان كما مثّل . وفي فروض الكفايات ، ولها تنوّع يخصّها ، وهو أنّها تتعيّن على من لم يقم بها غيره : فقد تتعيّن في وقت ، أو مكان ، وعلى شخص أو طائفة كما يقع مثل ذلك في الولايات والجهات والفتيا والقضاء . قال ابن تيميّة : وكذلك كلّ تنوّع في الواجبات يقع مثله في المستحبّات .
7 - وقد نظر الشّاطبيّ في المسألة ، وحصر الخلاف غير الحقيقيّ في عشرة أنواع . منها : ما تقدّم من الاختلاف في العبارة . ومنها : أن لا يتوارد الخلاف على محلّ واحد . ومنها : اختلاف أقوال الإمام الواحد ، بناءً على تغيّر الاجتهاد ، والرّجوع عمّا أفتى به أوّلاً . ومنها : أن يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم ، بأن يكون كلّ من العملين جائزاً ، كاختلاف القرّاء في وجوه القراءات ، فإنّهم لم يقرءوا بما قرءوا به على إنكار غيره ، بل على إجازته والإقرار بصحّته ، فهذا ليس في الحقيقة باختلاف ، فإنّ المرويّات على الصّحّة لا خلاف فيها ، إذ الكلّ متواتر . وهذه الأنواع السّابقة تقع في تفسير القرآن ، وفي اختلافهم في شرح السّنّة ، وكذلك في فتاوى الأئمّة وكلامهم في مسائل العلم . وهي أنواع - وإن سمّيت خلافاً - إلاّ أنّها ترجع إلى الوفاق . الحكم التّكليفيّ للاختلاف بحسب أنواعه : أمور الدّين الّتي يمكن أن يقع فيها الخلاف إمّا أصول الدّين أو فروعه ، وكلّ منهما إمّا أن يثبت بالأدلّة القاطعة أو لا . فهي أربعة أنواع :
8 - النّوع الأوّل : أصول الدّين الّتي تثبت بالأدلّة القاطعة ، كوجود اللّه تعالى ووحدانيّته ، وملائكته وكتبه ورسالة محمّد صلى الله عليه وسلم والبعث بعد الموت ونحو ذلك . فهذه أمور لا مجال فيها للاختلاف ، من أصاب الحقّ فيها فهو مصيب ، ومن أخطأه فهو كافر .
9 - النّوع الثّاني : بعض مسائل أصول الدّين ، مثل مسألة رؤية اللّه في الآخرة ، وخلق القرآن ، وخروج الموحّدين من النّار ، وما يشابه ذلك ، فقيل يكفر المخالف ، ومن القائلين بذلك الشّافعيّ . فمن أصحابه من حمله على ظاهره . ومنهم من حمله على كفران النّعم . وشرط عدم التّكفير أن يكون المخالف مصدّقاً بما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم . والتّكذيب المكفّر أن ينفي وجود ما أخبر به الرّسول ويزعم أنّ ما قاله كذب محض أراد به صرف النّاس عن شيء يريده ، كذا قال الغزاليّ .
10 - النّوع الثّالث : الفروع المعلومة من الدّين بالضّرورة كفرضيّة الصّلوات الخمس ، وحرمة الزّنا ، فهذا ليس موضعاً للخلاف . ومن خالف فيه فقد كفر .
11 - النّوع الرّابع : الفروع الاجتهاديّة الّتي قد تخفى أدلّتها . فهذه الخلاف فيها واقع في الأمّة . ويعذر المخالف فيها ؛ لخفاء الأدلّة أو تعارضها ، أو الاختلاف في ثبوتها . وهذا النّوع هو المراد في كلام الفقهاء إذا قالوا : في المسألة خلاف . وهو موضوع هذا البحث على أنّه الخلاف المعتدّ به في الأمور الفقهيّة . فأمّا إن كان في المسألة دليل صحيح صريح لم يطّلع عليه المجتهد فخالفه ، فإنّه معذور بعد بذل الجهد ، ويعذر أتباعه في ترك رأيه أخذاً بالدّليل الصّحيح الّذي تبيّن أنّه لم يطّلع عليه . فهذا النّوع لا يصحّ اعتماده خلافاً في المسائل الشّرعيّة ، لأنّه اجتهاد لم يصادف محلّاً ، وإنّما يعدّ في مسائل الخلاف الأقوال الصّادرة عن أدلّة معتبرة في الشّريعة . أدلّة جواز الاختلاف في المسائل الفرعيّة :
12 - أوّلاً : ما وقع من الصّحابة في غزوة بني قريظة : روى البخاريّ عن ابن عمر قال : « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : لا يصلّينّ أحد العصر إلاّ في بني قريظة ، فأدرك بعضهم العصر في الطّريق . فقال بعضهم : لا نصلّي حتّى نأتيها . وقال بعضهم : بل نصلّي ، لم يرد منّا ذلك ، فذكر ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يعنّف واحداً منهم » . ثانياً : اتّفاق الصّحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كلّ فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم ، كمسائل في العبادات والنّكاح والمواريث والعطاء والسّياسة وغير ذلك .
الاختلاف فيما لا فائدة فيه
13 - قال ابن تيميّة : قد يقع الاختلاف في ألفاظ من تفسير القرآن ما لا مستند له من النّقل عن الرّسول صلى الله عليه وسلم أو بنقل لا يمكن تمييز الصّحيح منه من الضّعيف ، ودون استدلال مستقيم . وهذا النّوع من الاختلاف لا فائدة من البحث عنه ، والكلام فيه من فضول الكلام . وأمّا ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فإنّ اللّه نصب على الحقّ فيه دليلاً . فمثال ما لا فائدة فيه اختلافهم في أصحاب الكهف ، وفي البعض الّذي ضرب به موسى من البقرة ، ومقدار سفينة نوح ، ونحو ذلك . فهذه الأمور طريق العلم بها النّقل . فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحاً ، كاسم صاحب موسى أنّه الخضر ، فهذا معلوم ، وما لم يكن كذلك بل كان ممّا ينقل عن أهل الكتاب ككعب ووهب ، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلاّ بحجّة .
الاختلاف الجائز هل هو نوع من الوفاق :
14 - يرى الشّاطبيّ أنّ ما يعتدّ به من الخلاف في ظاهر الأمر يرجع في الحقيقة إلى الوفاق . فإنّ الاختلاف في بعض المسائل الفقهيّة راجع إمّا إلى دورانها بين طرفين واضحين يتعارضان في أنظار المجتهدين ، وإمّا إلى خفاء بعض الأدلّة ، أو إلى عدم الاطّلاع على الدّليل . وهذا الثّاني ليس في الحقيقة خلافاً ، إذ لو فرضنا اطّلاع المجتهد على ما خفي عليه لرجع عن قوله ، فلذا ينقض لأجله قضاء القاضي . أمّا الأوّل فإنّ تردّده بين الطّرفين تحرّ لقصد الشّارع المبهم بينهما من كلّ واحد من المجتهدين ، واتّباع للدّليل المرشد إلى تعرّف قصده . وقد توافقوا في هذين القصدين توافقاً لو ظهر معه لكلّ واحد منهما خلاف ما رآه لرجع إليه ، ولوافق صاحبه . وسواء قلنا بالتّخطئة أو بالتّصويب ، إذ لا يصحّ للمجتهد أن يعمل على قول غيره وإن كان مصيباً أيضاً . فالإصابة على قول المصوّبة إضافيّة . فرجع القولان إلى قول واحد بهذا الاعتبار . فهم في الحقيقة متّفقون لا مختلفون . ومن هنا يظهر وجه التّحابّ والتّآلف بين المختلفين في مسائل الاجتهاد ؛ لأنّهم مجتمعون على طلب قصد الشّارع ، فلم يصيروا شيعاً ، ولا تفرّقوا فرقاً . هذا وقد سلك الشّعرانيّ مسلكاً آخر في إرجاع مسائل الخلاف إلى الوفاق ، بأن يحمل كلّ قول من أقوال المختلفين على حال من أحوال المكلّفين . فمن قال من الأئمّة : بأنّ الأمر في باب من أبواب العبادة للوجوب ، وخالفه غيره فقال : إنّه للنّدب ، وكذلك اختلافهم في النّهي بأنّه للكراهة أو للتّحريم ، فلكلّ من المرتبتين رجال ، فمن قوي منهم من حيث إيمانه وجسمه خوطب بالعزيمة والتّشديد الوارد في الشّريعة صريحاً أو ضمناً . ومن ضعف منهم خوطب بالرّخصة . فالمرتبتان عنده على التّرتيب الوجوبيّ لا التّخيير .
الاختلاف الفقهيّ هل هو رحمة :
15 - المشهور أنّ اختلاف مجتهدي الأمّة في الفروع رحمة لها وسعة . والّذين صرّحوا بذلك احتجّوا بما رواه ابن عبّاس مرفوعاً « مهما أوتيتم من كتاب اللّه فالعمل به لا عذر لأحد في تركه . فإن لم يكن في كتاب اللّه فسنّة منّي ماضية . فإن لم تكن سنّة منّي فما قال أصحابي . إنّ أصحابي بمنزلة النّجوم في السّماء ، فأيّما أخذتم به اهتديتم ، واختلاف أصحابي لكم رحمة » . وفي الحديث أيضاً « وجعل اختلاف أمّتي رحمةً وكان فيمن كان قبلنا عذاباً » . واستأنسوا لذلك بما روي عن بعض التّابعين من مثل قول القاسم بن محمّد : لقد نفع اللّه باختلاف أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في أعمالهم ، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلاّ رأى أنّه في سعة ، ورأى أنّ خيراً منه قد عمله . وعن عمر بن عبد العزيز : ما أحبّ أنّ أصحاب رسول اللّه لم يختلفوا ؛ لأنّه لو كان قولاً واحداً كان النّاس في ضيق ، وأنّهم أئمّة يقتدى بهم ، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة . وعن يحيى بن سعيد أنّه قال : اختلاف أهل العلم توسعة ، وما برح المفتون يختلفون ، فيحلّل هذا ويحرّم هذا ، فلا يعيب هذا على هذا ، ولا هذا على هذا . وقال ابن عابدين : الاختلاف بين المجتهدين في الفروع - لا مطلق الاختلاف - من آثار الرّحمة فإنّ اختلافهم توسعة للنّاس . قال : فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرّحمة أوفر . وهذه القاعدة ليست متّفقاً عليها ، فقد روى ابن وهب عن مالك أنّه قال . ليس في اختلاف أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سعة ، وإنّما الحقّ في واحد . وقال المزنيّ صاحب الشّافعيّ : ذمّ اللّه الاختلاف وأمر بالرّجوع عنده إلى الكتاب والسّنّة . وتوسّط ابن تيميّة بين الاتّجاهين ، فرأى أنّ الاختلاف قد يكون رحمةً ، وقد يكون عذاباً . قال : النّزاع في الأحكام قد يكون رحمةً إذا لم يفض إلى شرّ عظيم من خفاء الحكم . والحقّ في نفس الأمر واحد ، وقد يكون خفاؤه على المكلّف - لما في ظهوره من الشّدّة عليه - من رحمة اللّه به ، فيكون من باب { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } . وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطّعام والثّياب قد يكون في نفس الأمر مغصوباً ، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كلّه حلالاً لا شيء عليه فيه بحال ، بخلاف ما إذا علم . فخفاء العلم بما يوجب الشّدّة قد يكون رحمةً ، كما أنّ خفاء العلم بما يوجب الرّخصة قد يكون عقوبةً ، كما أنّ رفع الشّكّ قد يكون رحمةً وقد يكون عقوبةً . والرّخصة رحمة . وقد يكون مكروه النّفس أنفع كما في الجهاد .
أسباب اختلاف الفقهاء :
16 - الاختلاف إمّا أن يكون ناشئاً عن هوًى ، أو عن الاجتهاد المأذون فيه . فأمّا ما كان ناشئاً عن هوًى فهو موضع الذّمّ ، إذ أنّ الفقيه تابع لما تدلّ عليه الأدلّة الشّرعيّة فإن صرف الأدلّة إلى ما تهواه نفسه فقد جعل الأدلّة تابعةً لهواه . وذكر الشّاطبيّ أنّ الخلاف النّاشئ عن الهوى هو الخلاف حقيقةً . وإذا دخل الهوى أدّى إلى اتّباع المتشابه حرصاً على الغلبة والظّهور بإقامة العذر في الخلاف ، وأدّى إلى الفرقة والبغضاء ، لاختلاف الأهواء وعدم اتّفاقها . فأقوال أهل الأهواء غير معتدّ بها في الخلاف المقرّر في الشّرع وإنّما يذكرها بعض النّاس ليردّوا عليها ويبيّنوا فسادها ، كما فعلوا بأقوال اليهود والنّصارى ليوضّحوا ما فيها .
17 - أمّا النّوع الثّاني وهو الاختلاف النّاشئ عن الاجتهاد المأذون فيه فله أسباب مختلفة ، يتعرّض لها الأصوليّون لماماً . وقد أفردها بالتّأليف قديماً وحاول الوصول إلى حصر لها ابن السّيّد البطليوسيّ في كتابه " الإنصاف في أسباب الخلاف " وابن رشد في مقدّمة " بداية المجتهد " وابن حزم في " الإحكام " والدّهلويّ في " الإنصاف " وغيرهم . ويرجع الاختلاف إمّا إلى الدّليل نفسه ، وإمّا إلى القواعد الأصوليّة المتعلّقة به .
أسباب الخلاف الرّاجع إلى الدّليل :
18 - ممّا ذكره ابن السّيّد من ذلك :
1 - الإجمال في الألفاظ واحتمالها للتّأويلات .
2 - دوران الدّليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه .
3 - دورانه بين العموم والخصوص ، نحو { لا إكراه في الدّين } اختلف فيه هل هو عامّ أو خاصّ بأهل الكتاب الّذين قبلوا الجزية .
4 - اختلاف القراءات بالنّسبة إلى القرآن العظيم ، واختلاف الرّواية بالنّسبة إلى الحديث النّبويّ .
5 - دعوى النّسخ وعدمه .
6 - عدم اطّلاع الفقيه على الحديث الوارد أو نسيانه له .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:27 AM

أسباب الخلاف الرّاجع إلى القواعد الأصوليّة :
19 - من العسر بمكان حصر الأسباب الّتي من هذا النّوع ، فكلّ قاعدة أصوليّة مختلف فيها ينشأ عنها اختلاف في الفروع المبنيّة عليها .
الإنكار والمراعاة في المسائل الخلافيّة :
أوّلاً : الإنكار في المسائل الخلافيّة :
20 - ذكر السّيوطيّ في الأشباه والنّظائر قاعدة : « لا ينكر المختلف فيه ولكن ينكر المجتمع عليه » . وقال إنّه يستثنى منها صور ينكر فيها المختلف فيه : إحداها : أن يكون ذلك المذهب بعيد المأخذ . ومن ثمّ وجب الحدّ على المرتهن بوطء الأمة المرهونة ولم ينظر للخلاف الشّاذّ في ذلك . الثّانية : أن يترافع فيه لحاكم ، فيحكم بعقيدته . إذ لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف معتقده . الثّالثة : أن يكون للمنكر فيه حقّ ، كالزّوج المسلم يمنع زوجته الذّمّيّة من شرب الخمر بالرّغم من وجود خلاف في حقّه بمنعها وعدمه . وذكر ابن تيميّة أنّ للمجتهد أن يعتقد في الأمور المختلف فيها بين الحلّ والتّحريم أنّ مخالفه قد ارتكب ( الحرام ) في نحو ( لعن اللّه المحلّل والمحلّل له ) ولكن لا يلحقه الوعيد واللّعن إن كان قد اجتهد الاجتهاد المأذون فيه . بل هو معذور مثاب على اجتهاده . وكذلك من قلّده التّقليد السّائغ .
ثانياً : مراعاة الخلاف :
21 - يراد بمراعاة الخلاف أنّ من يعتقد جواز الشّيء يترك فعله إن كان غيره يعتقده حراماً . كذلك في جانب الوجوب يستحبّ لمن رأى إباحة الشّيء أن يفعله إن كان من الأئمّة من يرى وجوبه . كمن يعتقد عدم وجوب الوتر يستحبّ له المحافظة على عدم تركه ، خروجاً من خلاف من أوجبه . ولا يتأتّى ممّن اعتقد الوجوب مراعاة قول من يرى التّحريم ، ولا ممّن اعتقد التّحريم مراعاة قول من يرى الوجوب . حكم مراعاة الخلاف :
22 - ذكر السّيوطيّ من الشّافعيّة أنّ الخروج من الخلاف مستحبّ .
شروط الخروج من الخلاف :
23 - قال السّيوطيّ : لمراعاة الخلاف شروط : أحدها : أن لا توقع مراعاته في خلاف آخر . الثّاني : أن لا يخالف سنّةً ثابتةً ومن ثمّ سنّ رفع اليدين في الصّلاة . ولم يبال بقول من قال بإبطاله الصّلاة من الحنفيّة ؛ لأنّه ثابت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من رواية خمسين صحابيّاً . الثّالث : أن يقوى مدركه - أي دليله - بحيث لا يعدّ هفوةً . ومن ثمّ كان الصّوم في السّفر أفضل لمن قوي عليه ، ولم يبال بقول داود : إنّه لا يصحّ . وقال ابن حجر في هذا الشّرط الثّالث : أن يقوى مدركه بأن يقف الذّهن عنده ، لا بأن تنهض حجّته .
أمثلة على الخروج من الخلاف :
24 - جمع السّيوطيّ لذلك أمثلةً من فقه الشّافعيّة منها :
1 - أمثلة على الخروج من خلاف من يقول بالوجوب : استحباب الدّلك في الطّهارة ، واستيعاب الرّأس بالمسح ، والتّرتيب في قضاء الفوائت ، وترك الأداء خلف من يصلّي القضاء ، وترك القصر فيما دون ثلاث مراحل ، وترك الجمع ، وقطع المتيمّم الصّلاة إذا رأى الماء .
2 - أمثلة على الخروج من خلاف من يقول بالتّحريم : كراهة الحيل في باب الرّبا ، وكراهة نكاح المحلّل ، وكراهة مفارقة الإمام بلا عذر ، وكراهة صلاة المنفرد خلف الصّفّ . وذكر ابن عابدين من الحنفيّة أمثلةً منها : ندب الوضوء للخروج من خلاف العلماء ، كما في مسّ الذّكر أو المرأة . وذكر صاحب المغني من الحنابلة : استحباب السّجود على الأنف خروجاً من خلاف من أوجبه . وذكر الشّيخ عليش من المالكيّة : أنّه لا تكره البسملة في الفرض إذا قصد بها الخروج من خلاف من أوجبها .
مراعاة الخلاف فيما بعد وقوع المختلف فيه :
25 - ذكر الشّاطبيّ نوعاً آخر من مراعاة الخلاف . وذلك فيما لو ارتكب المكلّف فعلاً مختلفاً في تحريمه وجوازه ، فقد ينظر المجتهد الّذي يرى تحريم هذا الفعل ، فيجيز ما وقع من الفساد " على وجه يليق بالعدل ، نظراً إلى أنّ ذلك الفعل وافق فيه المكلّف دليلاً على الجملة ، وإن كان مرجوحاً ، فهو راجح بالنّسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه ؛ لأنّ ذلك أولى من إزالتها ، مع دخول ضرر على الفاعل أشدّ من مقتضى النّهي » . وضرب مثلاً لذلك بالنّكاح بلا وليّ . ففي الحديث : « أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل باطل باطل » . فلو تزوّج رجل امرأةً بلا وليّ ، فإنّ هذا النّكاح يثبت به الميراث ، ويثبت به نسب الأولاد ، ولا يعامل معاملة الزّنا لثبوت الخلاف فيه ، وثبوت الميراث والنّسب تصحيح للمنهيّ عنه من وجه ، " وإجراؤهم النّكاح الفاسد مجرى الصّحيح في هذه الأحكام ، وفي حرمة المصاهرة ، وغير ذلك دليل على الحكم بصحّته على الجملة ، وإلاّ لكان في حكم الزّنا . وليس في حكمه بالاتّفاق » . وقد وجّهه بأنّ " العامل بالجهل مخطئاً له نظران : نظر من جهة مخالفته للأمر والنّهي . وهذا يقتضي الإبطال ، ونظر من جهة قصده الموافقة في الجملة ؛ لأنّه داخل مداخل أهل الإسلام ، ومحكوم له بأحكامهم ، وخطؤه أو جهله لا يجني عليه أن يخرج به عن حكم أهل الإسلام ، بل يتلافى له حكم يصحّح ما أفسده بجهله أو خطئه . . . إلاّ أن يترجّح جانب الإبطال بالأمر الواضح » .
العمل في المسائل الخلافيّة المقلّد بين التّخيّر والتّحرّي :
26 - ذهب بعض الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العامّيّ إذا اختلف عليه فتوى علماء عصره فهو مخيّر يأخذ بأيّها شاء قال الشّوكانيّ : واستدلّوا بإجماع الصّحابة على عدم إنكار العمل بقول المفضول مع وجود الأفضل . وقيل : ليس هو على التّخيير ، بل لا بدّ من مرجّح . وبه قال الحنفيّة والمالكيّة وأكثر الشّافعيّة وأحمد في رواية وكثير من الفقهاء . ثمّ قد قيل : يأخذ بالأغلظ ، وقيل : بالأخفّ ، وقيل : بقول الأعلم . وقال الغزاليّ : يأخذ بقول أفضلهم عنده وأغلبهم صواباً في قلبه . وقد أيّد الشّاطبيّ القول الثّاني من أنّ المقلّد ليس على التّخيير . قال : ليس للمقلّد أن يتخيّر في الخلاف ؛ لأنّ كلّ واحد من المفتين متّبع لدليل عنده يقتضي ضدّ ما يقتضيه دليل صاحبه . فهما صاحبا دليلين متضادّين . فاتّباع أحدهما بالهوى اتّباع للهوى . فليس إلاّ التّرجيح بالأعلميّة ونحوها . فكما يجب على المجتهد التّرجيح ، أو التّوقّف ، فكذلك المقلّد . وأيضاً فإنّ ذلك يؤدّي إلى تتبّع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعيّ .
ما يصنع القاضي والمفتي في المسائل الخلافيّة :
27 - يجب عند الشّافعيّة والحنابلة وهو قول للمالكيّة أن يكون القاضي مجتهداً . وقد صرّح صاحب المغني من الحنابلة أنّ القاضي لا يحكم بتقليد غيره مطلقاً سواء أظهر له الحقّ فخالفه فيه غيره ، أم لم يظهر له شيء ، وسواء أضاق الوقت أم لم يضق . وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتّقليد . وعند الشّافعيّة إن تعذّر هذا الشّرط فولّى سلطان أو من له شوكة مقلّداً نفذ قضاؤه للضّرورة . والمعتمد عند المالكيّة جواز كون القاضي مقلّداً . والاجتهاد عند الحنفيّة شرط أولويّة فقط . فعلى قول من اشترط الاجتهاد ، فإنّ القاضي في المسائل المختلف فيها ممّا ليس فيه نصّ ولا إجماع لا يحكم إلاّ بما ترجّح عنده حسب أصول الاجتهاد . وعلى قول من يجيز كون القاضي مقلّداً ، ذهب المالكيّة إلى أنّه يحكم المقلّد بقول مقلّده أي بالرّاجح من مذهبه سواء أكان قوله - يعني إمام المذهب - أم قول أصحابه ، لا بالضّعيف ، ولا بقول غيره من المذاهب ، وإلاّ نقض حكمه ، إلاّ أن يكون للضّعيف مدرك ترجّح عنده وكان من أهل التّرجيح ، وكذلك المفتي . ويجوز للإنسان أن يعمل بالضّعيف لأمر اقتضى ذلك عنده . وقيل : بل يقلّد قول الغير إذا كان راجحاً في مذهب ذلك الغير ، قال الصّاويّ : وهو المعتمد لجواز التّقليد ولو لم تكن ضرورة . أمّا الحنفيّة فلهم في المسائل الخلافيّة تفصيل : ففي الفتاوى الهنديّة : يحكم القاضي بما في كتاب اللّه ، فإن لم يجد فبسنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فإن لم يجد فبما ورد عن الصّحابة ، فإن اختلفت أقوالهم يجتهد في ذلك . فيرجّح قول بعضهم على بعض باجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد ، وليس له أن يخالفهم جميعاً . وإن اجتمعوا على قول واحد ، وخالفهم واحد من التّابعين لا يعتبر خلافه إلاّ إن كان ممّن أدرك عهدهم وزاحمهم في الفتيا كشريح والشّعبيّ . فإن لم يأت عن الصّحابة شيء فبإجماع التّابعين . فإن كان بينهم خلاف رجح قول بعضهم على بعض فقضى به . فإن لم يجئ عنهم شيء اجتهد إن كان من أهل الاجتهاد . وإذا اختلف أبو حنيفة وأصحابه ، قال ابن المبارك : يأخذ بقول أبي حنيفة لأنّه كان من التّابعين . ولو اختلف المتأخّرون فيه يختار واحداً من ذلك . ولو أنّ قاضياً استفتي في حادثة وأفتى ، ورأيه بخلاف رأي المفتي ، فإنّه يعمل برأي نفسه إن كان من أهل الرّأي . فإن ترك رأيه وقضى برأي المفتي لم يجز عند أبي يوسف ومحمّد . أمّا عند أبي حنيفة فإنّه ينفذ لمصادفته فصلاً مجتهداً فيه . أمّا إن لم يكن القاضي من أهل الاجتهاد فإن عرف أقاويل الأصحاب ، وحفظها على الإحكام والإتقان ، عمل بقول من يعتقد قوله حقّاً على التّقليد .
ارتفاع الخلاف بحكم الحاكم :
28 - إذا حكم القاضي في واقعة من الوقائع بحكم مختلف فيه ممّا يسوغ فيه الخلاف لعدم مخالفته لنصّ أو إجماع ، فإنّ النّزاع يرتفع بالحكم فيما يختصّ بتلك الواقعة ، ويعود الحكم في تلك الواقعة كالمجمع عليه ، فليس لأحد نقضه حتّى ولا القاضي الّذي قضى به نفسه . كما لو حكم بلزوم الوقف . أمّا في غير تلك الواقعة فإنّ الخلاف لا يرتفع بالقضاء ، وهذه إحدى القواعد الفقهيّة المشهورة ، وتعنون عادةً بعنوان ( الاجتهاد لا ينقض بمثله ) وعلّتها أنّه يؤدّي إلى أن لا يستقرّ حكم ، وفيه مشقّة شديدة ، فلو نقض لنقض النّقض أيضاً . ولأنّه ليس الثّاني بأقوى من الأوّل . وقد ترجّح الأوّل باتّصال القضاء به ، فلا ينقض بما هو دونه . وهذه المسألة إجماعيّة . وقد حكم أبو بكر رضي الله عنه في مسائل ، وخالفه فيها بعده عمر رضي الله عنه ولم ينقض حكمه ، وحكم عمر في المشركة بعدم المشاركة ، ثمّ حكم في واقعة أخرى بالمشاركة ، وقال : تلك على ما قضينا ، وهذه على ما نقضي . ومن هذه القضيّة يتبيّن أنّ القاضي لا ينقض الماضي ، وأمّا في المستقبل فيجوز أن يحكم فيه بما يخالف ما مضى . ومن شرط نفاذ الحكم في المسائل الخلافيّة أن يكون في حادثة ودعوى صحيحة وإلاّ كان فتوى لا حكماً .
ارتفاع الخلاف بتصرّف الإمام أو نائبه :
29 - إذا تصرّف الإمام أو نائبه بما تختلف فيه الاجتهادات طبقاً لأحد الأقوال المعتبرة ، فلا ينقض ما فعله كذلك ، ويصير كالمتّفق عليه ( أي بالنّسبة لما مضى . وأمّا في المستقبل فله أن يتصرّف تصرّفاً مغايراً إذا تغيّر وجه المصلحة في رأيه ) . وقد قرّر أبو بكر رضي الله عنه العطاء بالسّويّة ، ولمّا جاء عمر رضي الله عنه فاضل بين النّاس بحسب سابقتهم وقربهم من النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وذكر الفقهاء أنّ للإمام أن ينقض حمى من قبله من الأئمّة ؛ لأنّه يتبع المصلحة ، والمصلحة قد تتغيّر . قال ابن نجيم : « إذا رأى الإمام شيئاً ثمّ مات أو عزل فللثّاني تغييره حيث كان من الأمور العامّة . ويستثنى هذا من قاعدة عدم نقض الاجتهاد بالاجتهاد ، لأنّ هذا حكم يدور مع المصلحة ، فإذا رآها الثّاني وجب اتّباعها » . وقال ابن تيميّة : إذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد الّتي شاع فيها النّزاع لم يكن لأحد أن ينكر على الإمام ولا على نائبه من حاكم أو غيره ، ولا ينقض ما فعله الإمام ونوّابه من ذلك . ومع هذا يذكر ابن تيميّة أنّ الواحد من العلماء والأمراء ليس معصوماً ، ولهذا يسوغ لنا أن نبيّن الحقّ الّذي يجب اتّباعه ، وإن كان فيه بيان خطأ من أخطأ من العلماء والأمراء .
الصّلاة خلف المخالف في أحكامها :
30 - ورد عن الأئمّة ما يدلّ على أنّ المصلّي يأتمّ بمن يخالف اجتهاده في أحكام الصّلاة ، ولو كان يرى أنّ مثل ذلك مفسد للصّلاة ، أو غيره أولى منه . لأنّه لمّا كان الإمام مجتهداً اجتهاداً سائغاً ، أو مقلّداً تقليداً سائغاً ، فإنّ الانفراد عنه نوع من الفرقة ، واختلاف الظّواهر تؤدّي إلى اختلاف البواطن . وممّا ورد من ذلك : أ - كان أبو حنيفة وأصحابه يرون الوضوء من خروج الدّم . ورأى أبو يوسف هارون الرّشيد احتجم ولم يتوضّأ - أفتاه مالك بذلك - فصلّى أبو يوسف خلفه ولم يعد الصّلاة .
ب - الشّافعيّ رضي الله عنه ترك القنوت في الصّبح لمّا صلّى مع جماعة من الحنفيّة في مسجدهم بضواحي بغداد . فقال الحنفيّة : فعل ذلك أدباً مع الإمام ، وقال الشّافعيّة بل تغيّر اجتهاده في ذلك الوقت .
ج - كان الإمام أحمد يرى الوضوء من الحجامة والفصد . فسئل عمّن رأى الإمام قد احتجم ثمّ قام إلى الصّلاة ولم يتوضّأ أيصلّي خلفه ؟ فقال : كيف لا أصلّي خلف مالك وسعيد بن المسيّب ؟ إلاّ أنّ بعض المتأخّرين الفقهاء مالوا إلى التّشدّد في ذلك .
مراعاة الإمام للمصلّين خلفه إن كانوا يخالفونه في أحكام الصّلاة :
31 - تقدّم ذكر مراعاة الخلاف وشروطها ، وأنّها مستحبّة . ومراعاة إمام الصّلاة أن يأتي بما يعتقده المأموم شرطاً أو ركناً أو واجباً ، ولو لم يعتقده الإمام كذلك . وكذلك فيما يعتقده المأموم من سنّة الصّلاة . ولا تتأتّى المراعاة ، على ما صرّح به بعض الحنفيّة ، فيما هو سنّة عند المأموم ومكروه عند الإمام ، كرفع اليدين في الانتقالات ، وجهر البسملة . فهذا وأمثاله لا يمكن الخروج فيه من عهدة الخلاف " فكلّهم يتبع مذهبه " ولكن قال ابن تيميّة : « إن كان الخلاف في الأفضل فقد استحبّ الأئمّة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف للمأمومين . فإذا لم يمكنه نقلهم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقتهم أرجح » .
الاختلاف بين المتعاقدين :
32 - قد يتنازع شخصان في إثبات حقّ من الحقوق للّه تعالى ، أو لأحدهما قبل الآخر ، ناشئ عن عقد من العقود ، كالبيع أو الإجارة أو النّكاح ، أو في فسخ من الفسوخ ، كالإقالة والطّلاق ، أو غير ذلك من التّصرّفات . والطّريق إلى رفع ذلك الاختلاف الادّعاء به لدى القضاء ليفصل في شأنه ، ويحكم بأداء الحقّ لصاحبه ، بالطّريقة الصّحيحة شرعاً . وكلّ نوع من أنواع التّصرّفات تقع فيه اختلافات تخصّه . ويذكر الفقهاء هذه الاختلافات ، وطريق الحكم في كلّ منها ، في أثناء عرضهم للعقد أو الفسخ . وتذكر القاعدة العامّة لذلك في باب ( الدّعوى ) .
اختلاف الشّهود :
33 - إذا اختلف شاهدا البيع أو شهود الزّنا أو نحو ذلك فإنّ اختلافهم يمنع من كمال الشّهادة ، والحكم بموجبها ، في بعض الأحوال . وفي ذلك اختلاف وتفصيل يرجع إليه تحت عنوان ( شهادة ) .
اختلاف الحديث وسائر الأدلّة :
34 - إذا اختلفت الأدلّة وجب الجمع بينها إن أمكن ، وإلاّ يرجّح بينها ، فإن لم يمكن التّرجيح يعتبر المتأخّر منهما ناسخاً للمتقدّم ، وينظر ذلك في باب التّرجيح بين الأدلّة من الملحق الأصوليّ .
اختلاف الدّار
التّعريف
1 - الدّار لغةً : المحلّ . وتجمع العرصة والبناء ، وتطلق أيضاً على البلدة . واختلاف الدّارين عند الفقهاء بمعنى اختلاف الدّولتين اللّتين ينتسب إليهما الشّخصان . فإن كان اختلاف الدّارين بين مسلمين لم يؤثّر ذلك شيئاً ؛ لأنّ ديار الإسلام كلّها دار واحدة . قال السّرخسيّ : « أهل العدل مع أهل العدل يتوارثون فيما بينهم ؛ لأنّ دار الإسلام دار أحكام ، فباختلاف المنعة والملك لا تتباين الدّار فيما بين المسلمين ؛ لأنّ حكم الإسلام يجمعهم » . وهذا الّذي قاله السّرخسيّ في حقّ المسلمين لم ينقل فيه خلاف ، إلاّ ما قال العتّابيّ : إنّ من أسلم ولم يهاجر إلينا لا يرث من المسلم الأصليّ سواء كان في دارنا ، أو كان مستأمناً بدار الحرب . قال ابن عابدين : وقول العتّابيّ مدفوع بأنّ هذا كان في ابتداء الإسلام حين كانت الهجرة فريضةً . فقد نفى اللّه تعالى الولاية بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال : { والّذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتّى يهاجروا } ، فلمّا كانت الولاية بينهما منتفيةً كان الميراث منتفياً ؛ لأنّ الميراث على الولاية . فأمّا اليوم فإنّ حكم الهجرة قد نسخ . قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا هجرة بعد الفتح » . قال السّرخسيّ : « فأمّا دار الحرب فليست بدار أحكام ، ولكن دار قهر . فباختلاف المنعة والملك تختلف الدّار فيما بينهم ، وبتباين الدّار ينقطع التّوارث . وكذلك إذا خرجوا إلينا بأمان ، لأنّهم من دار الحرب وإن كانوا مستأمنين فينا ، فيجعل كلّ واحد في الحكم كأنّه في منعة ملكه الّذي خرج منه بأمان » . أمّا أهل الذّمّة فإنّهم من أهل دار الإسلام ، ولذا فهم مخالفون في الدّار لأهل الحرب . أمّا الحربيّون فيما بينهم فإنّ دورهم قد تتّفق وقد تختلف . قال ابن عابدين شارحاً معنى اختلاف الدّارين : « اختلافهما باختلاف المنعة أي العسكر ، واختلاف الملك ، كأن يكون أحد الملكين في الهند ، وله دار ومنعة ، والآخر في التّرك ، وله دار ومنعة أخرى ، وانقطعت العصمة بينهم حتّى يستحلّ كلّ منهم قتال الآخر . فهاتان الدّاران مختلفتان ، فتنقطع باختلافهما الوراثة ؛ لأنّها تنبني على العصمة والولاية . أمّا إن كان بينهما تناصر وتعاون على أعدائهما كانت الدّار والوراثة ثابتةً » : ( وانظر : دار الإسلام ودار الكفر ) . ودار الإسلام مخالف لدار الحرب ولو كان بينهما تناصر وتعاون .
أنواع اختلاف الدّارين :
2 - عند الحنفيّة : قد تختلف الدّاران حقيقةً فقط ، أو حكماً فقط ، أو حقيقةً وحكماً : فاختلافهما حقيقةً فقط ، كمستأمن في دارنا وحربيّ في دارهم ، فإنّ الدّار وإن اختلفت حقيقةً لكن المستأمن من أهل الحرب حكماً . فهما متّحدان حكماً . وأمّا اختلافهما حكماً فكمستأمن وذمّيّ في دارنا ، فإنّهما وإن كانا في دار واحدة حقيقةً إلاّ أنّهما في دارين حكماً ؛ لأنّ المستأمن من أهل الحرب حكماً ، لتمكّنه من الرّجوع إلى دار الحرب . وأمّا اختلافهما حقيقةً وحكماً فكالحربيّ في دارهم والذّمّيّ في دارنا . وكالحربيّين في دارين مختلفتين . هذا وإنّ اختلاف الدّارين بين كافر وكافر يستتبع في الفقه الإسلاميّ أحكاماً مختلفةً نعرض جملةً منها فيما يلي : التّوارث :
3 - اختلاف الدّارين حكماً فقط ، أو حكماً وحقيقةً ، أحد موانع التّوارث عند الحنفيّة ، فلا يرث الذّمّيّ حربيّاً ولا مستأمناً ، ولا الحربيّ والمستأمن ذمّيّاً ولو اتّفق دينهما ، ولا يرث الحربيّ حربيّاً إن اختلفت داراهما . ويثبت التّوارث بين مستأمنين في دارنا إن كانا من دار واحدة ، كما يثبت بين مستأمن في دارنا وحربيّ في دارهم لاتّحاد الدّار بينهما حكماً . ومذهب الشّافعيّة قريب من مذهب الحنفيّة ، فلا توارث عندهم بين ذمّيّ وحربيّ ، أمّا المستأمن والمعاهد فهما على الأصحّ عند الشّافعيّ في حكم أهل الذّمّة ، للقرب بينهم ولعصمتهم بالعهد والأمان ، كالذّمّيّ ، فيرثان الذّمّيّ ويرثهما ، ولا توارث بين أحدهما وبين الحربيّين . وفي قول آخر : المستأمن والمعاهد كالحربيّ . أمّا مذهب الحنابلة ، ومثله مذهب المالكيّة - فيما نقله صاحب العذب الفائض ولم نجدهم صرّحوا به فيما اطّلعت عليه من كلامهم - فلا يمنع اختلاف الدّارين التّوارث ما دامت الملل متّفقةً . وعند الحنابلة قول آخر هو للقاضي أبي يعلى : إنّ الحربيّ لا يرث ذمّيّاً ، ولا الذّمّيّ حربيّاً ، فأمّا المستأمن فيرثه أهل دار الحرب وأهل دار الإسلام ، ويرث أهل الحرب بعضهم بعضاً سواء اتّفقت ديارهم أو اختلفت .
دين الولد :
4 - بيان من يتبعه الولد في دينه يذكر في موضع آخر ( ر : اختلاف الدّين ) ، وقد اشترط الحنفيّة في تبعيّة الولد لخير والديه في الدّين أن تتّحد الدّار بين التّابع والمتبوع ، وإلاّ فلا تبعيّة . فلو كان الولد في دار الحرب ، ووالده في دار الإسلام ، فأسلم الوالد ، لا يتبعه الولد ، ولا يكون مسلماً ؛ لأنّه لا يمكن جعل الوالد من أهل دار الحرب ، بخلاف ما إذا كان الوالد في دار الحرب فأسلم ، وولده في دار الإسلام ، فإنّه يتبعه ؛ لأنّ الوالد المسلم من أهل دار الإسلام حكماً .
الفرقة بين الزّوجين :
5 - يرى المالكيّة والشّافعيّ والحنابلة أنّ الفرقة لا تقع بين الزّوجين لمجرّد اختلافهما داراً . ويرى الحنفيّة أنّ اختلاف داري الزّوجين حقيقةً وحكماً موجب للفرقة بينهما . فلو تزوّج حربيّ حربيّةً ثمّ دخل أحدهما دار الإسلام فأسلم أو عقد الذّمّة ، وترك زوجه الآخر في دار الحرب ، انفسخ نكاحه لاختلاف الدّارين حقيقةً وحكماً . بخلاف ما لو دخل أحدهما مستأمناً فإنّ نكاحه لا ينفسخ . ولو تزوّج مسلم حربيّةً في دار الحرب ثمّ خرج عنها وحده بانت . ويقتضي مذهب أبي حنيفة - كما قال ابن قدامة - أنّ أحد الزّوجين الذّمّيّين إذا دخل دار الحرب ناقضاً للعهد ، وترك زوجه الآخر في دار الإسلام ، ينفسخ نكاحهما ؛ لأنّ الدّارين اختلفتا بهما فعلاً وحكماً ، فوجب أن تقع الفرقة بينهما ، كما لو أسلمت في دار الإسلام قبل الدّخول . واحتجّ الحنفيّة بأنّه مع تباين الدّارين حقيقةً وحكماً لا تنتظم المصالح ، والنّكاح شرع لمصالحه لا لعينه ، فلا يبقى عند عدمها ، كالمحرميّة إذا اعترضت عليه . وهذا لأنّ أهل الحرب كالموتى - أي بالنّسبة إلى أهل دار الإسلام - فلا يشرع النّكاح بين الحيّ والميّت . واحتجّ الجمهور بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ردّ ابنته زينب على زوجها بالنّكاح الأوّل ، وكانت قد أسلمت قبله بسنتين ، وقيل بستّ سنين ، وهاجرت وبقي هو بمكّة . وأسلمت امرأة صفوان وامرأة عكرمة عام الفتح ، وفرّا هما وغيرهما دون أن يسلموا ، ثمّ أسلموا فأقرّوا على أنكحتهم .
النّفقة :
6 - لا يمنع اختلاف الدّار وجوب نفقة الزّوجة عند أحد ممّن أثبت النّكاح مع اختلاف الدّارين . أمّا نفقة الأقارب فعند الحنفيّة يمنع اختلاف الدّارين وجوب نفقة القرابة على الأصول والفروع والحواشي . قال الزّيلعيّ : لا يجب على المسلم نفقة أبويه الحربيّين ، ولا يجبر الحربيّ على نفقة أبيه المسلم أو الذّمّيّ ؛ لأنّ الاستحقاق بطريق الصّلة ، ولا تستحقّ الصّلة للحربيّ أو الذّمّيّ للنّهي عن برّهم . وفي الفتاوى الهنديّة : لا يجبر أحدهما على النّفقة ولو كان الحربيّ مستأمناً بدار الإسلام . وصرّح بعضهم بأن لا نفقة بين الحربيّ الّذي أسلم بدار الحرب ولم يهاجر ، وبين قريبه المسلم بدار الإسلام ؛ لاختلاف الدّارين . وهذا الّذي نقلناه من مذهب الحنفيّة خالف في بعضه صاحب البدائع ، فرأى أنّ نفقة الأصول والفروع خاصّةً لا يمنع وجوبها اختلاف الدّارين . قال : لأنّ وجوب نفقة غير الأصول والفروع بطريق الصّلة ، ولا تجب الصّلة مع اختلاف الدّارين ، وتجب في قرابة الولادة ؛ ولأنّ وجوب النّفقة هناك بحقّ الوراثة ، ولا وراثة - أي عندهم - مع اختلاف الدّارين ، والوجوب في قرابة الولادة بحقّ الولادة ، وهو لا يختلف . والظّاهر أنّ مذهب الشّافعيّة وجوب النّفقة بين الذّمّيّ والمستأمن في قرابة الأصول والفروع ، وكذا بين المسلم والمستأمن . أمّا الحربيّ غير المستأمن فلا تجب النّفقة بينه وبين قريبه المسلم أو الذّمّيّ لعدم عصمته . وأمّا قرابة ما عدا الأصول والفروع فلا يجب بها نفقة عند الشّافعيّة أصلاً . وظاهر مذهب الحنابلة أنّ اختلاف الدّار لا يمنع وجوب نفقة الأقارب إذا تحقّقت شروطها . ولم يتّضح لنا قول المالكيّة في هذه المسألة .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:28 AM

الوصيّة :
7 - اختلف الفقهاء في وصيّة المسلم أو الذّمّيّ للحربيّ ، فرأى الحنابلة جوازها مطلقاً . وللشّافعيّة قولان أصحّهما الصّحّة . وهي المذهب . وللمالكيّة قولان ، وعدم الصّحّة هو المعتمد . ومنعها الحنفيّة إذا كان الموصي في دار الإسلام والموصى له حربيّ في دار الحرب . فإن كان الموصي والموصى له في دار الحرب فقد اختلف قول الحنفيّة في ذلك . ووجهة من منع الوصيّة لهم أنّ التّبرّع لهم بتمليكهم المال إعانة لهم على حرب المسلمين . وأيضاً نحن قد أمرنا بقتل الحربيّ وأخذ ماله ، فلا معنى للوصيّة له . ومن أجل هذا صرّح الحنفيّة بعدم جواز هذه الوصيّة ولو أجازها الورثة ، ولو جاء الحربيّ لدار الإسلام لأخذ وصيّته لم يكن له ذلك . والّذين أجازوها نظروا إلى أنّ الوصيّة تمليك ، ولا يمتنع التّمليك للحربيّ ، قياساً له على البيع . أمّا الحربيّ المستأمن في دار الإسلام ، لو أوصى له مسلم أو ذمّيّ صحّت الوصيّة له على ظاهر الرّواية عند الحنفيّة . وروي أنّها لا تجوز ؛ لأنّ المستأمن على قصد الرّجوع ، ويمكّن منه ، ولا يمكّن من زيادة المقام على السّنة إلاّ بجزية . ولو أوصى المستأمن لمسلم أو ذمّيّ فقد صرّح الحنفيّة بجوازه - وهو ما يقتضيه كلام غيرهم - لأنّ المستأمن ملتزم لأحكام الإسلام . ويقول الحنفيّة : إنّ المستأمن لو أوصى لمسلم أو ذمّيّ بكلّ ماله ، ولم يكن معه من ورثته بدار الإسلام أحد جاز ، ولا عبرة بورثته الّذين في دار الحرب ؛ لأنّهم أموات في حقّنا ؛ ولأنّه لا عصمة لأنفسهم ولا لأموالهم ، فلأن لا يكون لحقّهم الّذي في مال مورّثهم عصمة أولى . فإن كان أحد من ورثته معه وقف الجواز على إجازتهم .
القصاص :
8 - إذا قتل الذّمّيّ مستأمناً وجب عليه القصاص وكذلك إذا قتل المستأمن ذمّيّاً . وهذا باتّفاق المذاهب الأربعة ، إلاّ أنّ الحنفيّة استثنوا حالة كون القاتل ذمّيّاً والمقتول مستأمناً ، فلا قصاص عندهم ، قال صاحب البدائع : لأنّ عصمة المستأمن لم تثبت مطلقاً ، بل موقوتة إلى غاية مقامه بدار الإسلام ؛ لأنّ المستأمن من أهل دار الحرب وإنّما دخل دار الإسلام لا بقصد الإقامة بل لحاجة يقضيها ثمّ يعود إلى وطنه . فكان في عصمته شبهة الإباحة . وروي عن أبي يوسف أنّه قال : يقتل به قصاصاً لقيام العصمة وقت القتل . ولا يقتل الذّمّيّ بالحربيّ اتّفاقاً ؛ لأنّه لا عصمة له أصلاً ، ولا خلاف في ذلك ، كما في المغني . ولم يصرّحوا بحكم المستأمن إذا قتل حربيّاً ، والظّاهر أنّه لا يقتل به ؛ لأنّ الحربيّ لا عصمة له أصلاً .
العقل ( حمل الدّية ) :
9 - عند الشّافعيّة : يعقل الذّمّيّ اليهوديّ أو المعاهد أو المستأمن عن النّصرانيّ المعاهد أو المستأمن ، وبالعكس ، في الأظهر عندهم . أمّا الحربيّ فلا يعقل عن نحو ذمّيّ ، وعكسه ؛ لانقطاع النّصرة بينهما ؛ لاختلاف الدّار . والمقدّم عند الحنابلة أنّ الذّمّيّ لا يعقل عن الحربيّ ، كما لا يعقل الحربيّ عن الذّمّيّ . والقول الآخر : إن توارثا تعاقلا وإلاّ فلا . والظّاهر أنّ الحربيّ في كلامهم هذا شامل للمستأمن . ولم نجد في كلام كلّ من الحنفيّة والمالكيّة تعرّضاً لهذه المسألة .
حدّ القذف :
10 - لا حدّ على المسلم أو الذّمّيّ إذا قذف حربيّاً ولو مستأمناً ، باتّفاق المذاهب الأربعة ؛ لعدم إحصان المقذوف ، بسبب كفره . أمّا لو قذف المستأمن مسلماً فعليه الحدّ ؛ لأنّه بدخوله دار الإسلام بالأمان التزم إيفاء حقوق العباد ، وحدّ القذف حقّ للعبد ، وهذا ما اتّفق عليه الفقهاء عند الحنفيّة والمالكيّة - ما عدا أشهب - وعند الشّافعيّة والحنابلة . وفي المدوّنة : إذا قذف الحربيّ في دار الحرب مسلماً بالزّنا ثمّ أسلم ودخل دار الإسلام فإنّه لا حدّ عليه .
اختلاف الدّين
1 - اختلاف الدّين يستتبع أحكاماً شرعيّةً معيّنةً ، كامتناع التّوارث . واختلاف الدّين الّذي يستتبع تلك الأحكام إمّا أن يكون اختلافاً بالإسلام والكفر ، فهذا يستتبع أحكام اختلاف الدّين اتّفاقاً ، وإمّا أن يكون الشّخصان كافرين ، إلاّ أنّ كلّاً منهما يتبع غير ملّة صاحبه ، كأن يكون أحدهما يهوديّاً والآخر مجوسيّاً . وفي هذا النّوع اختلاف يتبيّن ممّا يلي :
ومن أهمّ الأحكام الّتي تبنى على اختلاف الدّين :
أ - التّوارث :
2 - اختلاف الدّين أحد موانع التّوارث ، لبناء التّوارث على النّصرة ، فلا يرث الكافر المسلم اتّفاقاً . إلاّ أنّ أحمد يرى توريث الكافر بالولاء من عتيقه المسلم . وروي مثله عن عليّ وعمر بن عبد العزيز . ولو أسلم الكافر قبل قسمة التّركة ورث عند أحمد ترغيباً له في الإسلام . وفي ميراث المسلم من المرتدّ خلاف . ولا يرث المسلم كافراً ، عند الجمهور ، وروي توريثه عن بعض الصّحابة ، لما في الحديث « الإسلام يعلو ولا يعلى » والحديث الآخر « الإسلام يزيد ولا ينقص » . وأمّا توارث أهل الكفر فيما بينهم ، فعند الإمامين أبي حنيفة والشّافعيّ وفي رواية عن أحمد : يثبت التّوارث بينهم وإن اختلفت مللهم ؛ لقول اللّه تعالى : { والّذين كفروا بعضهم أولياء بعض } ولأنّ الكفّار على اختلاف مللهم كالنّفس الواحدة في معاداة المسلمين . وعند مالك : هم ثلاث ملل : فاليهود ملّة ، والنّصارى ملّة ، ومن عداهم ملّة . وعند أحمد في رواية عنه : هم ملل شتّى ؛ لقول اللّه تعالى : { لكلّ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً } ولحديث : « لا يتوارث أهل ملّتين شتّى » .
ب - النّكاح :
3 - لا يتزوّج كافر مسلمةً ، ولا يتزوّج مسلم كافرةً إلاّ أن تكون من أهل الكتاب . وإن أسلم أحد الزّوجين الكافرين فرّق بينهما إن كان لا يحلّ ابتداءً النّكاح بينهما . وتفصيل ذلك موطنه ( النّكاح ) .
ج - ولاية التّزويج .
4 - اختلاف الدّين بالإسلام والكفر أحد موانع ولاية التّزويج باتّفاق المذاهب الأربعة . فلا يلي كافر تزويج مسلمة ، ولا مسلم تزويج كافرة ، لقول اللّه تعالى : { والّذين كفروا بعضهم أولياء بعض } وقوله : { إنّما وليّكم اللّه ورسوله والّذين آمنوا } . واستثنوا جميعاً تزويج المسلم أمته الكافرة ؛ لأنّه إنّما يزوّجها بالملك لا بالولاية ، وتزويج السّلطان المسلم أو نائبه المرأة الكافرة إن تعذّر وليّها الخاصّ . وعند المالكيّة : إن زوّج المسلم ابنته الكافرة لكافر ، يترك فلا يتعرّض له ، وقد ظلم نفسه . أمّا إن اختلف الدّين بغير الإسلام والكفر ، كتزويج اليهوديّ مولّيته النّصرانيّة ، وعكسه ، فقد صرّح الشّافعيّة بجواز ذلك . ولم يصرّح به غيرهم ، وعند الحنابلة يتخرّج على الرّوايتين في التّوريث ، والمقدّم منعه .
د - الولاية على المال :
5 - لا تثبت هذه الولاية لغير المسلم على المسلم ، لقول اللّه تعالى . { ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً } صرّح بذلك الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . ولم يصرّحوا بمنع ولاية المسلم على الكافر ، إلاّ أنّهم صرّحوا بولاية القاضي المسلم على المحجور عليه الذّمّيّ . ولم يتعرّض المالكيّة لهذه المسألة وإن صرّحوا في الوصيّ خاصّةً أنّ من شرطه الإسلام .
هـ - الحضانة :
6 - للفقهاء في أثر اختلاف الدّين في إسقاط حقّ الحضانة ثلاث اتّجاهات : فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الحضانة لا تثبت للكافر على المسلم ولو كان الكافر أمّاً ، وتثبت للمسلم على الكافر . وذهب المالكيّة إلى أنّه لا أثر لاختلاف الدّين في إسقاط حقّ الحضانة حتّى ولو كان الحاضن كافراً مجوسيّاً أو غيره ، وكان المحضون مسلماً . وسواء أكان الحاضن ، ذكراً أو أنثى . فإن خيف على المحضون من الحاضن فساد ، كأن يغذّيه بلحم خنزير أو خمر ، ضمّ إلى مسلم ليكون رقيباً عليه ، ولا ينزع منه . وذهب الحنفيّة إلى التّفريق بين حضانة النّساء وحضانة الرّجال ، فلا يشترط عندهم اتّحاد الدّين بين المرأة الحاضنة وبين المحضون . كذا في بدائع الصّنائع نقلاً عن الأصل . وعلّله بأنّ الشّفقة على المحضون المطلوبة لا تختلف في الحاضنة باختلاف الدّين . قال : وكان الرّازيّ من الحنفيّة يقول بالنّسبة لحضانة الأمّ إذا كانت كتابيّةً وولدها مسلم : إنّها أحقّ بالصّغير والصّغيرة حتّى يعقلا . فإذا عقلا سقط حقّها لأنّها تعوّدهما أخلاق الكفرة . وقيّده في النّهر بسبع سنين . وإن خيف منها أن يألف الكفر ينزع منها وإن لم يعقل . أمّا حضانة الرّجل فيمنع استحقاقها عند الحنفيّة اختلاف الدّين ، فلا حقّ للعصبة في حضانة الصّبيّ إلاّ أن يكون على دينه ، لأنّ هذا الحقّ لا يثبت إلاّ للعصبة ، واختلاف الدّين يمنع التّعصيب ، فلو كان للصّبيّ اليهوديّ أخوان أحدهما مسلم والآخر يهوديّ فحضانته لأخيه اليهوديّ لأنّه عصبته .
و - تبعيّة الولد في الدّين :
7 - أوّلاً : إذا اختلف دين الوالدين بأن كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً فإنّ ولدهما الصّغير ، أو الكبير الّذي بلغ مجنوناً ، يكون مسلماً تبعاً لخيرهما ديناً . هذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . واشترط الحنفيّة أن يكون الولد وخير أبويه متحدّي الدّار حقيقةً وحكماً كأن يكون خير الأبوين مع الولد في دار الإسلام أو دار الحرب ، أو حكماً فقط بأن كان الصّغير في دارنا والأب في دار الحرب . فإن اختلفت الدّار حقيقةً وحكماً بأن كان الأب في دارنا والولد في دار الحرب لم يتبعه . أمّا عند المالكيّة فإنّ الولد غير المميّز يتبع في الإسلام أباه فقط لا أمّه ولا جدّه .
8 - ثانياً : إذا اختلف دين الوالدين ولم يكن أحدهما مسلماً ، فإنّ الولد غير المميّز يتبع خيرهما ديناً عند الحنفيّة . ومقتضى قول المالكيّة أنّ الولد تبع لأبيه في الدّين دون أمّه ، واضح . وعند الشّافعيّة إذا لم يكن أحدهما مسلماً واختلفت ملّتهما فإنّ الولد يتخيّر بعد بلوغه حتّى لو كان أحد الأبوين نصرانيّاً والآخر يهوديّاً وكان لهما ولدان فاختار أحدهما اليهوديّة والآخر النّصرانيّة حصل التّوارث بينهم . ولم يعثر للحنابلة على نصّ في هذه المسألة .
ز - النّفقة :
9 - لا يمنع اختلاف الدّين وجوب نفقة الزّوجيّة اتّفاقاً ، وكذلك نفقة المماليك . أمّا النّفقة على الأقارب فيمنعها اختلاف الدّين . فلا يجب على الشّخص نفقة قريبه إن لم يكن دينهما واحداً . ولم يختلف في هذا في غير عمودي النّسب .
10 - أمّا عمودا النّسب ، وهما الأصول والفروع ففيهما اتّجاهان : الأوّل : تجب النّفقة لهم سواء اتّفق الدّين أم اختلف وهذا مذهب جمهور العلماء : الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رواية مرجوحة عند الحنابلة ، إلاّ أنّ المالكيّة يقصرون نفقة الأصول والفروع على الوالدين والولد ، ولا يوجبونها للأجداد والجدّات وولد البنين . واستثنى ابن الهمام الحربيّين منهم فلا تجب نفقتهم على المسلم وإن كانوا مستأمنين ؛ لأنّا نهينا عن البرّ في حقّ من يقاتلنا في الدّين . ودليل هذا الاتّجاه أنّ هذا القريب يعتق على قريبه فيجب عليه نفقته ، وأنّ وجوب النّفقة هنا بحقّ الجزئيّة والبعضيّة بين الوالد والولد ، ولا يختلف ذلك باختلاف الدّين ، وجزء المرء في معنى نفسه . والاتّجاه الثّاني : لا تجب نفقتهم مع اختلاف الدّين . وهو مذهب الحنابلة . ودليله أنّها مواساة تجب على سبيل البرّ والصّلة ، فلم تجب مع اختلاف الدّين كنفقة غير عمودي النّسب ؛ ولأنّهما غير متوارثين ، فلم يجب لأحدهما نفقة على الآخر .
ح - العقل ( حمل الدّية ) :
11 - اختلاف الدّين بالإسلام والكفر يمنع العقل ، فلا يعقل كافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر ، باتّفاق المذاهب الأربعة ، حتّى لقد نصّ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ بيت مال المسلمين يعقل عن المسلم إن عجزت عاقلته ، ولا يعقل عن كافر ذمّيّ أو معاهد ، أو مرتدّ ؛ لاختلاف الدّين . ثمّ قد صرّح المالكيّة والحنابلة أنّه لا يعقل يهوديّ عن نصرانيّ ، ولا نصرانيّ عن يهوديّ . وخالفهم الحنفيّة والشّافعيّة ، فالكفّار عندهم يتعاقلون وإن اختلفت مللهم . قال صاحب الدّرّ : لأنّ الكفر ملّة واحدة ، وفي نهاية المحتاج اشتراط اتّحاد الدّار .
ط - الوصيّة :
12 - يتّفق الحنفيّة والحنابلة وأكثر الشّافعيّة على صحّة الوصيّة إذا صدرت من مسلم لذمّيّ ، أو من ذمّيّ لمسلم ، واحتجّ لذلك بقول اللّه تعالى : { لا ينهاكم اللّه عن الّذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ اللّه يحبّ المقسطين } ، ولأنّ الكفر لا ينافي أهليّة التّملّك ، فكما يصحّ بيع الكافر وهبته فكذلك الوصيّة . ورأى بعض الشّافعيّة أنّها إنّما تصحّ للذّمّيّ إذا كان معيّناً ، كما لو قال : أوصيت لفلان . أمّا لو قال : أوصيت لليهود أو للنّصارى أو حتّى لو قال : أوصيت لفلان الكافر فلا تصحّ ؛ لأنّه جعل الكفر حاملاً على الوصيّة . أمّا المالكيّة فيوافقون من سواهم على صحّة وصيّة الذّمّيّ لمسلم . أمّا وصيّة المسلم لذمّيّ فيرى ابن القاسم وأشهب الجواز إذا كانت على وجه الصّلة ، بأن كانت لأجل قرابة ، وإلاّ كرهت . إذ لا يوصي للكافر ويدع المسلم إلاّ مسلم مريض الإيمان . وصرّح الحنفيّة كما في الطّحاويّ على الدّرّ ، وغيره ، بأنّ الكافر إذا أوصى لكافر من ملّة أخرى جاز ، اعتباراً للإرث ، إذ الكفر كلّه ملّة واحدة .
ي - الشّركة :
13 - لا يمنع اختلاف الدّين قيام الشّركة بين المسلم والكافر . واشترط المالكيّة والحنابلة ألاّ ينفرد الكافر بالتّصرّف لأنّه يعمل بالرّبا ولا يحترز ممّا يحترز منه المسلم . قال الحنابلة : وما يشتريه الكتابيّ أو يبيعه من الخمر بمال الشّركة أو المضاربة فإنّه يقع فاسداً وعليه ضمانه . وقال المالكيّة : شركة الذّمّيّ لمسلم صحيحة بقيد حضور المسلم لتصرّف الكافر . وأمّا عند غيبته عنه وقت البيع والشّراء فلا يجوز ، ويصحّ بعد الوقوع . وبعد ذلك إن حصل للمسلم شكّ في عمل الذّمّيّ بالرّبا استحبّ له التّصدّق بالرّبح فقط لقوله تعالى : { فلكم رءوس أموالكم } وإن شكّ في عمله بالخمر استحبّ له التّصدّق بالرّبح ورأس المال جميعاً لوجوب إراقة الخمر على المسلم . وإن تحقّق وجب التّصدّق . وذكر الحنابلة أنّ الذّمّيّ المجوسيّ تكره مشاركته أصلاً وتصحّ بالقيود السّابقة . والشّافعيّة يعمّمون الكراهة في مشاركة كلّ كافر . أمّا الحنفيّة فإنّهم اشترطوا في المفاوضة خاصّةً التّساوي في الدّين ، فتصحّ بين مسلمين ، وبين نصرانيّين ولا تصحّ بين مسلم ونصرانيّ ؛ لأنّ من شرطها التّساوي في التّصرّف " لأنّ الكافر إذا اشترى خمراً أو خنزيراً لا يقدر المسلم أن يبيعه وكالةً من جهته فيفوت شرط التّساوي في التّصرّف » . وأجازها أبو يوسف مع الكراهة ، وعلّل الكراهة بأنّ الكافر لا يهتدي إلى الجائز من العقود . وأمّا بين كافرين مختلفي الملّة كيهوديّ ونصرانيّ فتصحّ عند الحنفيّة وأمّا شركة العنان فتصحّ بين المسلم والكافر أيضاً . وفي البدائع أنّ شركة المضاربة تصحّ بينهما أيضاً ولم يتعرّضوا لاختلاف الدّين في شركة الوجوه وشركة الأعمال .
ك - حدّ القذف :
14 - إذا قذف الذّمّيّ بالزّنا مسلماً أو مسلمةً فعليه حدّ القذف ، إذا تمّت شروطه ، باتّفاق المذاهب . وإذا قذف المسلم أو المسلمة كافراً ، ذمّيّاً أو غيره ، فلا حدّ عليه اتّفاقاً كذلك ؛ لأنّ إحصان المقذوف شرط إقامة الحدّ ، والإحصان شرطه الإسلام . وفي هذه الحالة يعزّر القاذف لأجل الفرية . وخالف سعيد بن المسيّب وابن أبي ليلى فيمن قذف ذمّيّةً لها ولد مسلم ، فقالا : يحدّ لذلك .
اختلاف المطالع
انظر : مطالع .
اختلال
التّعريف
1 - الاختلال لغةً مصدر اختلّ . وأصله يكون من الخلل ، وهو الفساد والوهن في الرّأي والأمر ، كأنّه ترك منه موضع لم يبرم ولا أحكم . ومن هنا فإنّ الاختلال إمّا حسّيّ وإمّا معنويّ . فالحسّيّ نحو اختلال الجدار والبناء . والمعنويّ بمعنى الفقر والحاجة . والاختلال في اصطلاح الفقهاء لا يبعد عن المعنى اللّغويّ المذكور ، إذ يأتي بمعنى مداخلة الوهن والنّقص للشّيء أو الأمر . ومنه " اختلال العقل " ، وهو العته الّذي يختلط معه كلام صاحبه فيشبه مرّةً كلام العقلاء ، ومرّةً كلام المجانين ، " واختلال العبادة أو العقد " بفقد شرط أو ركن أو فسادهما ، " واختلال الرّضا " بالإكراه أو تفريق الصّفقة أو غيرهما ، " واختلال الضّبط " لدى الرّاوي الّذي يتبيّن بمخالفته روايات الثّقات .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
2 - أ - الإخلال : هو فعل الشّخص إذا أوقع الخلل بشيء ما ، والاختلال مطاوعة ، " والإخلال " بالعهد والعقد عدم الوفاء بهما ، وإخلال التّصرّف بالنّظام العام أو الآداب كونه مخالفاً لهما .
ب - الفساد والبطلان : الاختلال أعمّ من الفساد والبطلان ، إذ يدخل فيه اختلال العبادة أو العقد أو غيرهما بنقص بعض المكمّلات الّتي لا يقتضي نقصها بطلاناً ولا فساداً ، كترك إزالة النّجاسة نسياناً بالنّسبة إلى الصّلاة ، وترك المبيت بمنًى للحاجّ ، وترك الإشهاد على البيع ، أو بفعل مخالف لمقتضى الكمال في العبادة أو التّصرّف ، كالحركة اليسيرة في الصّلاة ، وكإيقاع البيع بعد نداء الجمعة عند من لا يبطله بذلك . فإنّ كلّ ذلك لا يقتضي فساداً ولا بطلاناً ، ولا تخرج به العبادة أو التّصرّف عن الصّحّة ، ولكن تفقد بعض الكمال .
( الحكم الإجماليّ )
يتعرّض الفقهاء للاختلال في مواضع كثيرة من كلامهم ، ومن أبرزها ما يلي :
3 - أ - قسّم الشّاطبيّ وغيره التّكاليف الشّرعيّة ثلاثة أقسام : الضّروريّات ، والحاجيّات ، والتّحسينات ( أو التّكميليّات ) ، ثمّ قعّد الشّاطبيّ لتأثير اختلال كلّ منها فيما سواه ممّا له ارتباط به خمس قواعد :
1 - أنّ الضّروريّ أصل لما سواه من الحاجيّ والتّكميليّ .
2 - أنّ اختلال الضّروريّ يلزم منه اختلال الباقيين بإطلاق .
3 - أنّه لا يلزم من اختلال الباقيين بإطلاق اختلال الضّروريّ .
4 - أنّه قد يلزم من اختلال التّحسينيّ بإطلاق ، أو الحاجيّ بإطلاق ، اختلال الضّروريّ بوجه ما .
5 - أنّه ينبغي المحافظة على الحاجيّ والتّحسينيّ والضّروريّ . ثمّ أطال في بيان ذلك فليرجع إليه من شاء .
ب - الاختلال في العبادات :
4 - الخلل في العبادة إمّا أن يكون بترك شرط فيها أو ركن أو واجب أو مستحبّ ، أو بارتكاب محظور فيها أو مكروه . وقد يترك ذلك ، أو يفعل عمداً أو خطأً أو نسياناً . ثمّ قد يؤدّي بعض ذلك إلى بطلان العبادة أو فسادها . وقد يمكن تدارك المتروك أحياناً أو يجبر بنحو سجود سهو أو فدية أو قضاء أو غيرهما . وينظر تفصيل كلّ ذلك في مواضعه ( ر : استدراك . بطلان . سهو . فدية . فساد . . إلخ ) .
ج - اختلال العقود :
5 - اختلال العقد إن كان بخلل في ركن العقد فإنّه يمنع انعقاده . فبيع الصّبيّ غير المميّز وبيع المجنون وشراؤهما باطل . وإن كان بخلل في غير الرّكن بل في بعض أوصافه الخارجة ، كما إذا كان المبيع مجهولاً ، أو كان الخلل في أوصاف الثّمن ، فإنّ ذلك لا يوجب البطلان بل قد يوجب الفساد . وهذا مذهب الحنفيّة . وقد يختلّ تنفيذ العقد نتيجةً لحادث لا مجال معه لتنفيذ العقد على الصّورة الّتي تمّ التّعاقد عليها ، كما في حالة تفرّق الصّفقة بهلاك بعض المبيع أو استحقاقه . وهذا يؤدّي إلى تعيّب رضا الطّرف الآخر ، فيوجب الخيار . وكذلك قد يختلّ رضا أحد العاقدين بوجود العيب في المبيع أو الثّمن المعيّن ، فيثبت الخيار ، جبراً لذلك . قال الكاسانيّ : « لأنّ السّلامة لمّا كانت مرغوبةً للمشتري ، ولم تحصل ، فقد اختلّ رضاه . وهذا يوجب الخيار ؛ لأنّ الرّضا شرط صحّة البيع ؛ لقول اللّه تعالى : { يأيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارةً عن تراض منكم } فامتناع الرّضا يمنع صحّة البيع ، واختلاله يوجب الخيار فيه ، إثباتاً للحكم على قدر الدّليل » . وللتّوسّع في ذلك ( ر : خيار ) .
اختيار
التّعريف
1 - الاختيار لغةً : تفضيل الشّيء على غيره . واصطلاحاً : القصد إلى أمر متردّد بين الوجود والعدم داخل في قدرة الفاعل بترجيح أحد الجانبين على الآخر . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الخيار :
2 - الخيار حقّ ينشأ بتخويل من الشّارع ، كخيار البلوغ ، أو من العاقد ، كخيار الشّرط . فالفرق بينه وبين الاختيار أنّ بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً ، فكلّ خيار يعقبه اختيار ، وليس كلّ اختيار يكون مبنيّاً على خيار .
ب - الإرادة :
3 - الإرادة لغةً : المشيئة ، وفي استعمال الفقهاء هي " القصد " ، أي اعتزام الفعل والاتّجاه إليه ، فيقولون في طلاق الكناية مثلاً : إن أراد به الطّلاق وقع طلاقاً ، وإن لم يرد به طلاقاً لم يقع طلاقاً . ويقولون في العقود : يشترط لصحّتها تلاقي الإرادتين . ويقولون في الأيمان : يسأل الحالف عن مراده . . . وهكذا . ومن هنا يتبيّن أنّ كلّ اختيار لا بدّ أن يشتمل على إرادة ، وليس من الضّروريّ أن يكون في كلّ إرادة اختيار .
ج - الرّضا :
4 - يفرّق الحنفيّة دون غيرهم بين الاختيار والرّضا . وإذا كان الاختيار كما تقدّم ترجيح أحد الجانبين على الآخر ، فإنّ الرّضا . هو الانشراح النّفسيّ ، ولا تلازم بينهما بوجه عامّ ، فقد يختار المرء أمراً لا يرضاه . ويظهر هذا التّفريق عندهم - أي الحنفيّة - في مسائل الإكراه ، فالإكراه غير الملجئ - كالضّرب المحتمل ، والقيد ، ونحوهما - يفسد الرّضا ولكنّه لا يفسد الاختيار ، أمّا الإكراه الملجئ فإنّه يعدم الرّضا ويفسد الاختيار .
شروط الاختيار
5 - لكي يكون الاختيار صحيحاً لا بدّ أن يكون من له الاختيار مكلّفاً ، وأن يكون في قصده مستبدّاً ، أي : لا سلطان لأحد عليه . وعلى هذا فإنّ الاختيار يكون فاسداً إذا اختلّ شرط من شروط التّكليف ، بأن كان من له الاختيار مجنوناً ، أو صغيراً غير مميّز ، أو كان اختياره مبنيّاً على اختيار غيره ، فإذا اضطرّ إلى مباشرة أمر بالإكراه الملجئ ، كان قصده بالمباشرة دفع الإكراه حقيقةً ، فيصير الاختيار فاسداً ؛ لابتنائه على اختيار المكره - بالكسر - وإن لم ينعدم أصلاً .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:28 AM

تعارض الاختيار الصّحيح مع الاختيار الفاسد
6 - إذا تعارض الاختيار الفاسد والاختيار الصّحيح ، وجب ترجيح الاختيار الصّحيح على الاختيار الفاسد إن أمكن نسبة الفعل إلى الاختيار الصّحيح . وإن لم يمكن نسبته إلى الاختيار الصّحيح بقي منسوباً إلى الاختيار الفاسد ، كما هو الحال في الإكراه على الأقوال وعلى الأفعال الّتي لا يصلح أن يكون فيها الإنسان آلةً لغيره ، كالأكل والوطء ونحوهما . ومحلّ تفصيل ذلك بحث ( إكراه ) .
المخيّر
7 - التّخيير إمّا أن يكون صادراً عن الشّارع ، كتخيير المستنجي بين استعمال الماء أو الحجارة ونحوها للاستنجاء ، وتخيير الحانث في التّكفير عن يمينه بين ما تضمّنته الآية من خصال . وإمّا أن يكون صادراً عن غيره كتخيير الشّريك شريكه بين شراء حصّته من الدّكّان أو بيع حصّته له ، أو بيع الدّكّان كاملاً لشخص ثالث . ولا يملك التّخيير إلاّ صاحب الحقّ أو من ينوب عنه شرعاً . وسيأتي الكلام على ذلك مفصّلاً في مصطلح ( تخيير ) إن شاء اللّه تعالى .
ما يرد عليه الاختيار
8 - أ - الحقوق على نوعين ، حقوق اللّه تعالى ، وحقوق العباد . أمّا ما يتعلّق بحقوق اللّه تعالى من الواجب المعيّن كالصّلاة ومن المحرّم كالزّنى ، فلا اختيار للعبد فيها من النّاحية التّكليفيّة . أمّا ما يتعلّق بحقوق العباد كالدّين ، والهبة ، والرّدّ بالعيب ، والأخذ بالشّفعة ، ونحو ذلك ، فإنّ له فيه اختياراً . قال الشّاطبيّ : « ما كان من حقوق اللّه فلا خيرة فيه للمكلّف على حال ، وأمّا ما كان من حقّ العبد في نفسه فله فيه الخيرة " ، من حيث جعل اللّه له ذلك لا من جهة أنّه مستقلّ بالاختيار .
ب - والتّخيير قد يرد على شيئين كلاهما حلال ، وفي هذه الحالة يجوز أن يرد الاختيار على أيّ الشّيئين يريده المخيّر ( بكسر الياء ) . وقد يرد على شيئين كلاهما محرّم ، فإذا ما أكره المخيّر ( بفتح الياء ) على اختيار واحد منهما لزمه اختيار ما كان أخفّ ضرراً ؛ لأنّه يرتكب أخفّ الضّررين لاتّقاء أشدّهما . وقد يرد على شيئين أحدهما حلال والآخر حرام ، وفي هذه الحالة لا يجوز أن يرد الاختيار على غير الحلال .
اشتراط الاختيار لترتيب الثّواب والعقاب
9 - الاختيار شرط لترتّب الثّواب والعقاب في الآخرة ، وهو شرط لترتّب العقوبة على الفعل في الدّنيا ، ومحلّ بحث ذلك كلّه مصطلح ( إكراه ) .
حكمة مشروعيّة الاختيار
10 - شرع الاختيار لتحقيق مصالح العباد الّتي هي غاية من غايات الشّريعة ، وهذه المصلحة قد تكون مصلحةً فرديّةً للمختار نفسه أو غيره عندما يكون محلّ الاختيار قاصراً عليه لا يتعدّاه إلى غيره . وقد تكون المصلحة الّتي يجب توخّيها في الاختيار مصلحةً جماعيّةً .
مواطن البحث
11 - اختيار المستنجي بين استعمال الماء وغيره من أدوات التّطهير ، ذكره الفقهاء في كتاب الطّهارة ، باب الاستنجاء . واختيار المنفرد بين الجهر والإسرار في الصّلوات الجهريّة ، ذكره الفقهاء في كتاب الصّلاة . واختيار من رخّص له في الجمع بين الصّلاتين بين الجمع وعدمه ذكره الفقهاء في كتاب الصّلاة ، باب صلاة المسافر . واختيار الّذي قرأ آية السّجدة في الصّلاة بين السّجود حالاً والإرجاء ، ذكره الفقهاء في كتاب الصّلاة باب سجود التّلاوة . واختيار الحاجّ بين الإفراد والتّمتّع والقران ، واختياره في فدية حلق الشّعر بين الصّيام والصّدقة والنّسك ، واختياره بين الحلق والتّقصير في التّحلّل من الإحرام ، واختياره بين التّعجّل في يومين - من أيّام منًى - وبين التّأخّر ، ذكر الفقهاء ذلك كلّه في كتاب الحجّ . واختيار دافع الزّكاة - عند البعض - إن لم يجد السّنّ المطلوبة في زكاة الإبل أن يدفع السّنّ الأدنى مع دفع الفرق - وهو عشرة دراهم - أو يدفع السّنّ الأعلى مع أخذ الفرق . كما نصّوا على ذلك في كتاب الزّكاة . واختيار المسافر بين الصّوم والفطر ، عند البعض ، كما ذكروا ذلك في كتاب الصّيام . - واختيار الحانث بين الإعتاق والكسوة والإطعام في الكفّارة كما نصّوا على ذلك في كتاب الأيمان . واختيار الزّوج في الطّلاق الرّجعيّ بين إرجاع زوجته أو بتّ طلاقها ، واختيار الزّوجة الّتي خيّرت بين إيقاع الطّلاق وعدمه كما هو منصوص عليه في كتاب الطّلاق من كتب الفقه . واختيار الصّغير عند انتهاء مدّة الحضانة أحد والديه ليكون معه - عند البعض - كما هو منصوص عليه في كتاب الحضانة من كتب الفقه . واختيار صاحب الحقّ بين مطالبة الأصيل أو الوكيل ، أو مطالبة أيّ الكفيلين شاء كما هو مذكور في كتاب الوكالة ، وفي كتاب الكفالة من كتب الفقه . واختيار الصّغيرة المتزوّجة حين بلوغها بين البقاء على النّكاح أو فسخه ، كما هو مذكور في خيار البلوغ من كتب الفقه . واختيار الأمة المتزوّجة إذا عتقت بين البقاء على النّكاح أو فسخه كما هو مذكور في خيار العتق من كتب الفقه . والاختيار يبحث أيضاً " في العيب وفي تفرّق الصّفقة وغيرها من الخيارات العقديّة . واختيار من له الشّفعة بين الأخذ بالشّفعة والتّرك كما هو مذكور في كتاب الشّفعة من كتب الفقه . واختيار الإمام في الأراضي المفتوحة عنوةً بين قسمتها ووقفها كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الجهاد باب الغنائم . واختيار الإمام بين التّنفيل وعدمه في الجهاد كما هو مذكور في بابه . واختيار الإمام بين الإجابة إلى الهدنة وعدمها كما هو مذكور في كتاب الجهاد من كتب الفقه . واختيار القاضي العقوبة الرّادعة في التّعزير كما هو مذكور في باب التّعزير من كتب الفقه .
اختيال
التّعريف
1 - الاختيال في اللّغة يطلق بمعنى الكبر ، كما يطلق بمعنى العجب ، ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن هذين الإطلاقين .
( الألفاظ ذات الصّلة ) : أ - الكبر :
2 - من المعلوم أنّ الكبر ينقسم إلى باطن ، وظاهر فالباطن هو خلق في النّفس ، والظّاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح . واسم الكبر بالخلق الباطن أحقّ ، وأمّا الأعمال فإنّها ثمرات لذلك الخلق . وخلق الكبر موجب للأعمال ، ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال : تكبّر ، وإذا لم يظهر يقال : في نفسه كبر ، فالأصل هو الخلق الّذي في النّفس ، وهو الاسترواح والرّكون إلى رؤية النّفس فوق المتكبّر عليه . ولهذا فإنّ الكبر يستدعي متكبّراً عليه ؛ لأنّه لا يتصوّر أن يكون متكبّر ، إلاّ أن يكون مع غيره ، وهو يرى نفسه فوق هذا الغير في صفات الكمال ، فعندئذ يكون متكبّراً ، ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متكبّراً ، فإنّه قد يستعظم نفسه ، ولكنّه يرى غيره أعظم من نفسه ، أو مثل نفسه ، فلا يتكبّر عليه . ولا يكفي أن يستحقر غيره . فإنّه مع ذلك لو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبّر . بل ينبغي ليكون متكبّراً أن يرى لنفسه مرتبةً ولغيره مرتبةً ، ثمّ يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره ، فعند هذه الاعتقادات الثّلاثة يحصل فيه خلق الكبر . بل إنّ هذه العقيدة تنفخ فيه ، فيحصل في قلبه اعتداد ، وهزّة ، وفرح ، وركون إلى ما اعتقده ، وعزّ في نفسه بسبب ذلك ، فتلك العزّة ، والهزّة ، والرّكون إلى العقيدة هو خلق الكبر .
ب - العجب :
3 - العجب في اللّغة هو : الزّهوّ ، يقال رجل معجب : يعني مزهوّ بما يكون منه حسناً أو قبيحاً . وأصل العجب عند العلماء هو حمد النّفس ، ونسيان النّعمة ، وهو نظر العبد إلى نفسه ، وأفعاله ، وينسى أنّ ذلك إنّما هو منّة من اللّه تعالى عليه ، فيحسن حال نفسه عنده ، ويقلّ شكره ، وينسب إلى نفسه شيئاً هو من غيرها ، وهي مطبوعة على خلافه . ح - التّبختر :
4 - التّبختر مشية خاصّة ، وهي مشية المتكبّر المعجب بنفسه . والتّبختر آفة من الآفات المهلكة ؛ لأنّه مظهر من مظاهر العجب والكبر .
5 - وهذه الألفاظ المتشابهة يفرّق بينها بأنّ الكبر يكون بالمنزلة ، والعجب يكون بالفضيلة ، فالمتكبّر يجلّ نفسه ، والمعجب يستكثر فضله . والكبر يستلزم متكبّراً عليه ؛ لأنّه لا يتحقّق إلاّ بذلك ، أمّا العجب فلا يستلزمه ؛ لأنّ العجب صفة نفسيّة ، فقد يعجب الشّخص بلبسه أو مشيته أو علمه . . . إلخ . كما أنّ العجب قد يحدث بأسباب الكبر كالعلم ، والعمل ، والنّسب ، والجمال ، والمال . . . إلخ ، وقد يحدث بغير أسباب الكبر كعجبه برأيه الخطأ الّذي يزيّن له بجهله . والاختيال أحد مظاهر الكبر ، سواء في المشي ، أو الرّكوب ، أو اللّباس ، أو البنيان . وقد يكون مظهراً لإعجاب المرء بنفسه ، ذلك أنّ من أسباب العجب الجمال ، والمال . واللّباس والرّكوب والمشي من الجمال والزّينة . وكذلك فإنّ العجب آفة نفسيّة تحتاج إلى إظهار آثارها ، ولهذا فقد يظهر العجب في صورة اختيال في المشي أو اللّباس . . إلخ . أمّا التّبختر فهو مظهر من مظاهر الكبر ، والعجب ، والاختيال ، وهو خاصّ بالمشي ، يقال : فلان يمشي البختري ، أي مشيةً حسنةً . فأهل هذا الخلق ملازمون للفخر ، والخيلاء . فالمرح مختال في مشيته . صفة الاختيال ( حكمه التّكليفيّ ) :
6 - الأصل في الاختيال أنّه حرام ، وهو من الكبائر ، لنهي اللّه ورسوله ( ص ) عنه ، وسيأتي دليل كلّ مظهر من مظاهر الاختيال عند بيانه . ومظاهر الاختيال كثيرة ، منها الاختيال في المشي والرّكوب ، ومنها الاختيال في اللّباس ، ومنها الاختيال في البنيان .
أ - الاختيال في المشي :
7 - الاختيال في المشي يحدث بتجاوز الإنسان حدّ القصد والاعتدال في مشيته . والقصد في المشي يكون بين الإسراع والبطء . والمعنى أنّ الإنسان لا يسرع في مشيته بأن يثب وثب الشّطّار ، لقوله عليه السلام : « سرعة المشي مذهب بهاء المؤمن » كما أنّه لا يبطئ في مشيته بحيث يدبّ على الأرض دبيب المتماوتين المتثاقلين . ولهذا أمر اللّه بالقصد في المشي ، فقال تعالى : { واقصد في مشيك } ، كما امتدح اللّه تعالى من يقتصد في مشيته ولا يتجاوز الاعتدال بقوله : { وعباد الرّحمن الّذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً } . ومن ثمّ إذا تجاوز الإنسان حدّ الاعتدال والقصد في المشي يكون قد وقع في المحظور ، وهو الاختيال . والأصل في تحريم الاختيال في المشي وأنّه من الكبائر قوله تعالى : { ولا تمش في الأرض مرحاً إنّك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً . كلّ ذلك كان سيّئه عند ربّك مكروهاً } . والمراد بالمرح المنهيّ عنه في الآية الكريمة هو الخيلاء في المشي . والمعنى أنّ اللّه نهى عن الخيلاء وأمر بالتّواضع . وقد استدلّ العلماء بالآية على ذمّ الاختيال . ووجه الاستدلال أنّ اللّه تعالى قد أعقب النّهي عن المرح بأنّ ذلك عمل سيّئ مكروه ، في : { كلّ ذلك كان سيّئه عند ربّك مكروهاً } فهذا يدلّ على حظره وتحريمه ، كما أنّه قرنه بالزّنا والقتل وسائر الكبائر ، فدلّ على أنّه من جملة هذه الكبائر . ومن معاني المرح : الكبر ، وتجاوز الإنسان قدره ، وذلك مذموم ، ومن أدلّة تحريمه أيضاً ما روي أنّه عليه السلام قال : « من تعظّم في نفسه ، واختال في مشيته ، لقي اللّه وهو عليه غضبان » .
ب - الاختيال في اللّباس :
8 - الاختيال في اللّباس يحدث بسبب تجاوز حدّ الاعتدال والقصد فيه ، مع عدم وجود الدّاعية إلى ذلك . والنّيّة والقصد هما الأصل في ذلك . وحدّ الاعتدال والقصد في اللّباس يكون باتّباع ما ورد في صفة اللّباس من آثار صحيحة ، واجتناب ما ورد النّهي عنه . وللعرف مدخل في ذلك ، ما لم يلغه الشّرع . وفي المواهب : ما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شكّ في تحريمه ، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه ، ما لم يصل إلى جرّ الذّيل الممنوع منه . ونقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كلّ ما زاد على العادة في اللّباس لمثل لابسه في الطّول والسّعة .
ما يحلّ من ثياب الزّينة ولا يعتبر اختيالاً :
9 - الأصل في لبس الثّياب الجميلة للتّزيّن بها الإباحة ، لقوله تعالى : { قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق } ، ولما روي عن عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر ، فقال رجل : يا رسول اللّه إنّ الرّجل منّا يحبّ أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسنةً قال عليه الصلاة والسلام : إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال ، الكبر بطر الحقّ ، وغمط النّاس » رواه مسلم . وبطر الحقّ هو دفعه وإنكاره ترفّعاً وتجبّراً ، قاله النّوويّ . وفي القاموس : بطر الحقّ أن يتكبّر عنده فلا يقبله ، والغمط والغمص بمعنًى واحد . وقيل غمص النّاس احتقارهم . والحديث يدلّ على أنّ محبّة لبس الثّوب الحسن ، والنّعل الحسنة ، وتخيّر اللّباس الجميل ، ليس من الكبر في شيء ، قال الشّوكانيّ : وهذا ممّا لا خلاف فيه فيما أعلم . وفي سبل السّلام قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده » ، وفيه دليل على أنّ اللّه إذا أنعم على عبد نعمةً فإنّه يحبّ أن يرى أثرها عليه في مأكله ، وملبسه ، فإنّه شكر للنّعمة ؛ ولأنّه إذا رآه المحتاج في هيئة حسنة قصده ليتصدّق عليه ؛ ولأنّ بذاذة الهيئة سؤال وإظهار للفقر بلسان الحال ، ولذا قيل : ولسان حالي بالشّكاية ينطق وقيل : وكفاك شاهد منظري عن مخبري ، وقد يكون التّزيّن باللّباس واجباً . كتوقّف تنفيذ الواجب عليه ، في نحو ولاة الأمور وغيرهم ، فإنّ الهيئة الرّثّة لا تحصل معها مصالح العامّة من ولاة الأمور . وقد يكون مندوباً ، كما في الصّلوات . قال اللّه تعالى : { خذوا زينتكم عند كلّ مسجد } ، وفي الجماعات ؛ لحديث : « إنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده » ، وحديث « إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال » . رواه مسلم ، وكما في الحروب لإرهاب العدوّ ، وفي المرأة لزوجها ، وفي العلماء لتعظيم العلم في نفوس النّاس ، وقد قال عمر بن الخطّاب : أحبّ أن أنظر إلى قارئ القرآن أبيض الثّياب . وقد يكون حراماً إذا كان وسيلةً لمحرّم ، كمن يتزيّن للنّساء الأجنبيّات ، وكمن تتزيّن للرّجال الأجانب .
إطالة المرأة ثيابها :
10 - شرع للنّساء إسبال الإزار والثّياب وكلّ ما يستر جميع أبدانهنّ . يدلّ على ذلك حديث « أمّ سلمة أنّها قالت حين ذكر الإزار فالمرأة يا رسول اللّه . قال : ترخيه شبراً . قالت أمّ سلمة : إذن ينكشف عنها . قال : فذراعاً ، لا تزد عليه » ، إذ به يحصل أمن الانكشاف . والحاصل أنّ لها حالة استحباب ، وهو قدر شبر ، وحالة جواز ، بقدر الذّراع . قال الإمام الزّرقانيّ : ويؤخذ من ذلك أنّ للمرأة أن تسبل إزارها ، أي تجرّه على الأرض ذراعاً . والمراد ذراع اليد - وهو شبران - لما روى ابن ماجه عن ابن عمر ، قال : « رخّص صلى الله عليه وسلم لأمّهات المؤمنين شبراً ، ثمّ استزدنه فزادهنّ شبراً » . فدلّ على أنّ الذّراع المأذون فيه شبران . وإنّما جاز ذلك لأنّ المرأة كلّها عورة إلاّ وجهها وكفّيها .
ج - الاختيال في الرّكوب :
11 - قد يكون في استعمال المركوب واقتنائه خيلاء ، وقد يكون تحدّثاً بنعمة اللّه وإظهاراً لها ، مثلها مثل الثّياب الجميلة . ولهذا وجب على كلّ مسلم يتّخذ مركوباً للزّينة ألاّ يكون قاصداً به الخيلاء . والأصل في إباحة اتّخاذ المركوب الجميل للزّينة إذا لم يكن بغرض الخيلاء قوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون } ، وقوله تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } . وهذا الجمال والتّزيّن ، وإن كان من متاع الدّنيا ، فقد أذن اللّه سبحانه وتعالى لعباده فيه .
د - الاختيال في البنيان :
12 - يباح للمسلم أن يتّخذ له داراً يسكنها يدفع بها الحرّ والبرد والمطر ويدفع بها الأذى والأعين ، وينبغي ألاّ يقصد بها الاختيال أو تؤدّي إليه .
هـ - الاختيال لإرهاب العدوّ :
13 - من الاختيال ما يكون محموداً يحبّه اللّه تعالى ، وهو الاختيال لإرهاب العدوّ الكافر وإغاظته في الملبس والمشي والرّكوب .
إخدام
التّعريف
1 - الإخدام لغةً : إعطاء خادم . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى . الحكم الإجماليّ :
2 - إعطاء الخادم إمّا أن يكون من الزّوج إلى زوجته ممّن يخدم مثلها أو غير ذلك . فجمهور الفقهاء يرون أنّه يجب الإخدام على الزّوج لزوجته إن كانت ممّن يخدم مثلها ، والإنفاق على خادمها الّذي معها لحصول المقصود بذلك .
( مواطن البحث )
3 - يذكر الفقهاء الإخدام في مواضع عدّة : فإخدام الزّوج زوجته يذكر في أبواب النّفقات ، وإخدام المفلس لزمانته - أي إن كان مريضاً مزمناً ، ويحتاج فضلاً عن النّفقة إلى الخادم ، أو إن اقتضى ذلك منصبه - يبحث في التّفليس ، عند الحديث عمّا يفعل بمال المحجور عليه للفلس ، وإخدام المحبوس في التّفليس عند الحديث عن حبس الفلس ليقرّ بما عليه ، أو بمال ثبت كتمانه .
إخراج
التّعريف
1 - الإخراج لغةً الدّفع من الدّاخل . وهو أيضاً الإبعاد والتّنحية . وهو عند الفقهاء كذلك .
( الألفاظ ذات الصّلة ) : التّخارج :
2 - يفرّق الفقهاء بين الإخراج والتّخارج ، فيجعلون بينهما عموماً وخصوصاً فيخصّون التّخارج بتصالح الورثة على إخراج بعضهم من الميراث بشيء معلوم من التّركة . الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث :
3 - ما يكون به الإخراج : يتبيّن من استقراء كلام الفقهاء أنّهم يعتبرون إخراج كلّ شيء بحسبه : أ - فالإخراج للإنسان القائم من الدّار يكون بإخراج قدميه عند البعض ، وعند البعض الآخر يكون بإخراج إحدى قدميه إن كان يعتمد عليها ، وإن كان قاعداً يكون بإخراج رجليه وبدنه ، وإن كان مستلقياً يكون بإخراج أكثر بدنه ، كما فصّل ذلك الفقهاء في كتاب الأيمان عند كلامهم على اليمين على الدّخول والخروج .
ب - والإخراج من المدينة يكون بمجاوزة عمرانها ببدنه .
ج - والإخراج من الدّار المسكونة يكون بإخراج السّاكن بنفسه ومتاعه وعياله .
د - وإخراج الزّكاة والكفّارات يكون بتمليكها للفقير عند البعض ، حتّى لو تلفت قبل ذلك وجب عليه إخراجها ثانيةً . وعند البعض الآخر يكون إخراجها بالعزل دون اشتراط التّمليك ، حتّى لو تلفت بعد العزل بغير تعدّ لم يكلّف المزكّي إخراجها ثانيةً ، كما ذكر الفقهاء ذلك في كتاب الزّكاة ، وفي كتاب الكفّارات .
هـ - وإخراج المسروق من الحرز يكون بإخراجه ظاهراً - أي مظهراً - عند الحنفيّة ، ولا يشترط ظهوره عند غيرهم ، فمن ابتلع جوهرةً وخرج بها لا يقطع عند الحنفيّة ، ويقطع عند غيرهم ، كما ذكر الفقهاء ذلك في كتاب السّرقة . وذهب جمهور الفقهاء خلافاً للحنفيّة إلى أنّ الإخراج ينسب إلى الفاعل إذا كان ابتداء الإخراج منه ، ولا يضرّ انقطاعه بعد ذلك ، ولذلك قالوا في إخراج المسروق من الحرز وإلقائه بعيداً ثمّ أخذه إيّاه إنّه يقطع ، كما فسّر الفقهاء ذلك في باب السّرقة عند كلامهم على شروط الإخراج من الحرز .
الحكم التّكليفيّ للإخراج :
4 - يتبيّن من استقراء الأحكام المتّصلة بالإخراج أنّه لا ينتظمه حكم واحد ، بل يكون حكمه حسب أحواله . فأحياناً يكون الإخراج واجباً - أي فرضاً - كإخراج الزّكاة ، والكفّارات وما قام الدّليل على فرضيّته - كما هو مذكور في كتاب الزّكاة وكتاب الكفّارات من كتب الفقه ، وإخراج من استحقّ الحدّ من المسجد لإقامة الحدّ عليه ، كما هو مذكور في كتاب الحدود من كتب الفقه ، وكإخراج المحترفين في المسجد منه . وأحياناً يكون حراماً كإخراج المعتدّة من بيتها بغير حقّ ، كما هو مذكور في كتاب العدّة من كتب الفقه ، وفي شرح قوله تعالى { لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ } من كتب التّفسير ، وكإخراج المتاع من الحرز بنيّة السّرقة ، كما هو مذكور في حدّ السّرقة من كتب الفقه .
إخلاف
التّعريف
1 - من معاني الإخلاف في اللّغة عدم الوفاء بالعهد قال الزّجّاج : والعقود أوكد من العهود ، إذ العهد إلزام ، والعقود إلزام على سبيل الإحكام والاستيثاق ، من عقد الشّيء بغيره : وصله به كما يعقد الحبل بالحبل . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ المذكور .
( الألفاظ ذات الصّلة ) : الكذب 2 - من الفقهاء من سوّى بين الكذب والإخلاف ، ومنهم من فرّق بينهما فجعل الكذب في الماضي والحاضر ، وإخلاف الوعد في المستقبل . ما يقع فيه الإخلاف :
3 - يقع الإخلاف في الوعد وفي العهد ومن الفقهاء من جعل الوعد والعهد واحداً ، ومنهم من جعل الوعد غير العهد ، فخصّ العهد بما أوجبه اللّه تعالى أو حرّمه ، وجعل الوعد فيما عدا ذلك .
الحكم التّكليفيّ للإخلاف :
4 - على التّفرقة بين العهد والوعد يكون إخلاف العهد حراماً أمّا الإخلاف بالوعد فقد قال النّوويّ : وقد أجمع العلماء على أنّ من وعد إنساناً شيئاً ليس بمنهيّ عنه فينبغي أن يفي بوعده وهل ذلك واجب أم مستحبّ ؟ فيه خلاف بينهم . ذهب الشّافعيّ وأبو حنيفة والجمهور إلى أنّه مستحبّ ، فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة ، ولكن لا يأثم . وذهب جماعة إلى أنّه واجب ، قال الإمام أبو بكر بن العربيّ المالكيّ : أجلّ من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبد العزيز . قال : وذهبت المالكيّة مذهباً ثالثاً أنّه إن ارتبط الوعد بسبب كقوله : تزوّج ولك كذا ، أو احلف أنّك لا تشتمني ولك كذا ، أو نحو ذلك ، وجب الوفاء ، وإن كان وعداً مطلقاً لم يجب . واستدلّ من لم يوجبه بأنّه في معنى الهبة ، والهبة لا تلزم إلاّ بالقبض عند الجمهور ، وعند المالكيّة : تلزم قبل القبض . هذا ، وإنّ من وعد وفي نيّته الإخلاف فهو آثم قطعاً ، ويصدق عليه أنّه على شعبة من النّفاق ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : « آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان » .
آثار الإخلاف
أ - إخلاف الوعد :
5 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ الوعد لا يلزم قضاءً إلاّ إذا كان معلّقاً . أمّا المالكيّة ففي رواية عندهم أنّ الوعد بالعقد ملزم للواعد قضاءً إذا دخل الموعود تحت التزام ماليّ بناءً على ذلك الوعد ، كما إذا قال له : اهدم دارك وأنا أسلّفك ما تبني به . فإذا ما أخلف وعده - ضمن الشّروط الّتي اشترطها الحنفيّة أو المالكيّة - أجبر على التّنفيذ . وأمّا الحنابلة فقد صرّح الرّحيبانيّ منهم بأنّه لا يلزم الوفاء بالوعد حكماً ( وفسّره بقوله : أي في الظّاهر ) . وهو الصّحيح عندهم . ومقتضى حكم الشّافعيّة بكراهة الإخلاف عدم إجبار المخلف على التّنفيذ .
ب - إخلاف الشّرط : الأصل في الشّرط أن يكون ملزماً ، فإذا أخلفه ، اعتبر إخلافه إخلالاً بالعقد أو مثبتاً خياراً ، عدا بعض الشّروط الّتي لا يضرّ الإخلال بها في النّكاح خاصّةً ؛ لأنّها تعتبر ملغاةً منذ اشتراطها عند البعض ، كما ذكر الفقهاء ذلك في كتاب النّكاح .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:29 AM

أداء
التّعريف
1 - الأداء : الإيصال يقال : أدّى الشّيء أوصله ، وأدّى دينه تأديةً أي قضاه . والاسم : الأداء . كذلك الأداء والقضاء يطلقان في اللّغة على الإتيان بالمؤقّتات ، كأداء صلاة الفريضة وقضائها ، وبغير المؤقّتات ، كأداء الزّكاة والأمانة ، وقضاء الحقوق ونحو ذلك . وفي اصطلاح الجمهور من الأصوليّين والفقهاء : الأداء فعل بعض ( وقيل كلّ ) ما دخل وقته قبل خروجه واجباً كان أو مندوباً ، أمّا ما لم يقدّر له زمان في الشّرع ، كالنّفل والنّذر المطلق والزّكاة ، فلا يسمّى فعله أداءً ولا قضاءً . وعند الحنفيّة : الأداء تسليم عين ما ثبت بالأمر . ولم يعتبر في التّعريف التّقييد بالوقت ليشمل أداء الزّكاة والأمانات والمنذورات والكفّارات ، كما أنّه يعمّ فعل الواجب والنّفل . وقد يطلق كلّ من الأداء والقضاء على الآخر مجازاً شرعيّاً ، كقوله تعالى : { فإذا قضيتم مناسككم } أي أدّيتم ، وكقولك : نويت أداء ظهر الأمس .
2 - والأداء إمّا محض ، سواء أكان كاملاً كصلاة المكتوبة في جماعة ، أم قاصراً كصلاة المنفرد ؛ وإمّا غير محض ، وهو الشّبيه بالقضاء ، كفعل اللاّحق الّذي أدرك أوّل الصّلاة بالجماعة ، وفاته الباقي فأتمّ صلاته بعد فراغ الإمام ، ففعله أداء باعتبار كونه في الوقت ، قضاء باعتبار فوات ما التزمه من الأداء مع الإمام ، فهو يقضي ما انعقد له إحرام الإمام ، من المتابعة والمشاركة معه بمثله .
( الألفاظ ذات الصّلة ) : أ - القضاء :
3 - القضاء لغةً : معناه الأداء . واستعمله الفقهاء بالمعنى الاصطلاحيّ الآتي ، خلافاً للوضع اللّغويّ للتّمييز بينه وبين الأداء . واصطلاحاً : ما فعل بعد خروج وقت أدائه استدراكاً لما سبق لفعله مقتض ، أو تسليم مثل ما وجب بالأمر ، كما يقول الحنفيّة . فالفرق بينه وبين الأداء عند الجمهور مراعاة قيد الوقت في الأداء دون القضاء ، وعند الحنفيّة مراعاة العين في الأداء والمثل في القضاء ، إذ الأداء كما سبق هو فعل المأمور به في وقته بالنّسبة لما له وقت ، عند الجمهور ، وفي أيّ وقت بالنّسبة لما ليس له وقت محدّد ، عند الحنفيّة .
ب - الإعادة :
4 - الإعادة لغةً : ردّ الشّيء ثانياً ، واصطلاحاً : ما فعل في وقت الأداء ثانياً لخلل في الأوّل وقيل لعذر . فالصّلاة بالجماعة بعد الصّلاة منفرداً تكون إعادةً باعتبار أنّ طلب الفضيلة عذر ، فالفرق بينها وبين الأداء السّبق وعدمه .
الأداء في العبادات :
5 - العبادات الّتي لم تحدّد بوقت لا توصف بالأداء بالمعنى الاصطلاحيّ ، أي الّذي يقابل القضاء ، وذلك عند غير الحنفيّة ، إلاّ أنّهم يطلقون عليها لفظ الأداء إطلاقاً لغويّاً بمعنى الإتيان بالمأمور به الأعمّ من الأداء الّذي يقابل القضاء . ولذلك يقول الشبراملسي عند الكلام على أداء الزّكاة - أي دفعها : ليس المراد بالأداء المعنى المصطلح عليه ؛ لأنّ الزّكاة لا وقت لها محدّداً حتّى تصير قضاءً بخروجه . أمّا الحنفيّة فغير الوقت عندهم يسمّى أداءً شرعاً وعرفاً ، والقضاء يختصّ بالواجب الموقّت .
أقسام العبادات باعتبار وقت الأداء :
6 - العبادات باعتبار وقت الأداء نوعان : مطلقة ومؤقّتة . فالمطلقة : هي الّتي لم يقيّد أداؤها بوقت محدّد له طرفان ؛ لأنّ جميع العمر فيها بمنزلة الوقت فيما هو موقّت ، وسواء أكانت العبادة واجبةً كالزّكاة والكفّارات ، أم مندوبةً كالنّفل المطلق . وأمّا العبادات الموقّتة : فهي ما حدّد الشّارع وقتاً معيّناً لأدائها ، لا يجب الأداء قبله ، ويأثم بالتّأخير بعد أن كان المطلوب واجباً ، وذلك كالصّلوات الخمس وصوم رمضان . ووقت الأداء إمّا موسّع وأمّا مضيّق . فالمضيّق : هو ما كان الوقت فيه يسع الفعل وحده ، ولا يسع غيره معه ، وذلك كرمضان فإنّ وقته لا يتّسع لأداء صوم آخر فيه ، ويسمّى معياراً أو مساوياً . والموسّع : هو ما كان الوقت فيه يفضل عن أدائه ، أي أنّه يتّسع لأداء الفعل وأداء غيره من جنسه ، وذلك كوقت الظّهر مثلاً ، فإنّه يسع أداء صلاة الظّهر وأداء صلوات أخرى ، ولذلك يسمّى ظرفاً . والحجّ من العبادات الّتي يشتبه وقت أدائه بالموسّع والمضيّق ؛ لأنّ المكلّف لا يستطيع أن يؤدّي حجّتين في عام واحد ، فهو بهذا يشبه المضيّق ، ولكن أعمال الحجّ لا تستوعب وقته ، فهو بهذا يشبه الموسّع ، هذا على اعتباره من الوقت ، وقيل إنّه من المطلق باعتبار أنّ العمر وقت للأداء كالزّكاة .
صفة الأداء ( حكمه التّكليفيّ ) :
7 - العبادات إمّا فرض أو مندوب ، فإن كانت فرضاً كالصّلاة والصّيام والزّكاة والحجّ والجهاد والنّذور والكفّارات فإنّه يجب على المكلّف الأهل أداؤها على الوجه المشروع ، إذا تحقّق سببها ، وتوفّرت شروطها . فإن كانت العبادة محدّدةً بوقت له طرفان ، سواء أكان الوقت موسّعاً ، كوقت الصّلاة ، أم كان مضيّقاً كرمضان فإنّه يجب أداؤها في الوقت المحدّد ، ولا يجوز أن تتقدّم عليه ولا أن تتأخّر عنه إلاّ لعذر ؛ لأنّها تفوت بفوات الوقت المحدّد دون أداءً ، وتتعلّق بالذّمّة إلى أن تقتضي . ولا خلاف بين الفقهاء في تحديد الوقت الّذي يجب فيه الأداء فيما كان وقته مضيّقاً ؛ لأنّ الوقت كلّه مشغول بالعبادة ، وليس فيه زمن فارغ منها ، إلاّ أنّهم يختلفون في تعيين النّيّة لصحّة الأداء فعند الحنفيّة يكفي مطلق النّيّة ؛ لأنّ الوقت لمّا كان معياراً فلا يصلح لعمل آخر من جنسه ، وعند الجمهور لا بدّ من التّعيين ، فإن لم يعيّن لم يجزه . أمّا ما كان وقته موسّعاً فقد اختلف الفقهاء في تحديد الجزء الّذي يتعلّق به وجوب الأداء ، فعند الجمهور هو الكلّ لا جزء منه ؛ لأنّ الأمر يقتضي إيقاع الفعل في أيّ جزء من أجزاء الوقت ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الوقت ما بين هذين » ، وهو يتناول جميع أجزائه ، وليس تعيين بعض الأجزاء لوجوب الأداء بأولى من تعيين البعض الآخر ، إلاّ أنّ الأداء يجب في أوّل الوقت مع الإمكان ، وقيل يستحبّ ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أوّل الوقت رضوان اللّه ، وآخره عفو اللّه » . ويجوز التّأخير إلى آخر الوقت المختار ؛ لأنّ عدم جواز التّأخير فيه ضيق على النّاس ، فسمح لهم بالتّأخير ، وعند الحنابلة وبعض الشّافعيّة يجوز التّأخير لكن مع العزم على الفعل ، فإن لم يعزم أثم . وإن ظنّ المكلّف أنّه لا يعيش إلى آخر الوقت ، الموسّع تضيّق عليه الوقت وحرم عليه التّأخير اعتباراً بظنّه ، فإن أخّره ومات عصى اتّفاقاً ، فإن لم يمت بل عاش وفعل في آخر الوقت فهو قضاء عند القاضي أبي بكر الباقلاّنيّ أداء عند الجمهور ، لصدق تعريف الأداء عليه ، ولا عبرة بالظّنّ البيّن خطؤه . وعند المحقّقين من الحنفيّة وقت الأداء هو الجزء الّذي يقع فيه الفعل ، وأنّ الصّلاة لا تجب في أوّل الوقت على التّعيين ، وإنّما تجب في جزء من الوقت غير معيّن ، وإنّما التّعيين إلى المصلّي من حيث الفعل حتّى إنّه إذا شرع في أوّل الوقت يجب في ذلك الوقت ، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره ، ومتى لم يعيّن حتّى بقي من الوقت مقدار ما يصلّي فيه أربعاً - وهو مقيم - يجب عليه تعيين ذلك الوقت للأداء فعلاً ويأثم بترك التّعيين . وقال بعض الحنفيّة العراقيّين : إنّ وجوب الأداء يتعلّق بآخر الوقت ، فعلى هذا ، فإن قدّمه ثمّ زالت أهليّته قبل آخر الوقت فالمؤدّى نفل . وقال بعض أصحاب الشّافعيّ : إنّ الوجوب يتعلّق بأوّل الوقت فإن أخّره فهو قضاء . وكلا الفريقين ممّن ينكرون التّوسّع في الوجوب .
بم يتحقّق الأداء إذا تضيّق الوقت ؟
8 - اختلف الفقهاء فيما يمكن به إدراك الفرض إذا تضيّق الوقت ، فعند الجمهور يمكن إدراكه بركعة بسجدتيها في الوقت ، فمن صلّى ركعةً في الوقت ثمّ خرج الوقت يكون مؤدّياً للجميع ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . قال : « من أدرك ركعةً من الصّبح قبل أن تطلع الشّمس فقد أدرك الصّبح ، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشّمس فقد أدرك العصر » ، وذهب أشهب إلى أنّها تدرك بالرّكوع وحده وعند الحنفيّة وبعض الحنابلة يمكن إدراك الصّلاة بتكبيرة الإحرام ، لما روى أبو هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا أدرك أحدكم أوّل سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشّمس فليتمّ صلاته ، وإذا أدرك أوّل سجدة من صلاة الصّبح قبل أن تطلع الشّمس فليتمّ صلاته » وفي رواية « : فقد أدرك » ؛ ولأنّ الإدراك إذا تعلّق به حكم في الصّلاة استوى فيه الرّكعة وما دونها . وقال بعض الحنفيّة والشّافعيّة : إنّه يكون مؤدّياً لما صلّى في الوقت قاضياً لما صلّى بعد خروج الوقت ، اعتباراً لكلّ جزء بزمانه ، واستثنى الحنفيّة من ذلك صلاة الصّبح وحدها ، فإنّها لا تدرك إلاّ بأدائها كلّها قبل طلوع الشّمس ، وعلّلوا ذلك بطروء الوقت النّاقص على الوقت الكامل ، ولذا عدّوا ذلك من مبطلات الصّلاة وأمّا ما كان وقته مطلقاً كالزّكاة والكفّارات والنّذور المطلقة فقد اختلف الفقهاء في وقت وجوب الأداء بناءً على اختلافهم في الأمر به ، هل هو على الفور أو على التّراخي ؟ والكلام فيه على مثال ما قيل فيما كان وقته موسّعاً في أنّه يجب تعجيل الأداء في أوّل أوقات الإمكان ، ويأثم بالتّأخير بدون عزم على الفعل ، أو أنّه على التّراخي ولا يجب التّعجيل ولا يأثم بالتّأخير عن أوّل أوقات الإمكان ، لكن الجميع متّفقون على أنّ وجوب الأداء يتضيّق في آخر عمره في زمان يتمكّن فيه من الأداء قبل موته بغالب ظنّه ، وأنّه إن لم يؤدّ حتّى مات أثم بتركه . هذا بالنّسبة للعبادات الواجبة سواء أكانت موقّتةً أم مطلقةً .
9 - أمّا المندوب من العبادات فمن المقرّر أنّ المندوب حكمه الثّواب على الفعل وعدم اللّوم على التّرك ، لكن فعله أولى من تركه . ومن المندوب ما هو موقّت كالرّكعتين قبل الظّهر والرّكعتين بعده ، وما بعد المغرب والعشاء ، وركعتي الفجر ، ومنه ما هو مسبّب كصلاة الخسوف والكسوف ، ومنه ما هو مطلق كالتّهجّد . ومثل ذلك في الصّوم أيضاً ، فمنه ما هو موقّت ، كصيام يوم عرفة لغير الحاجّ ، وصيام يوم عاشوراء ، ومنه ما يتطوّع به الإنسان في أيّ يوم . وقد وردت آثار كثيرة في فضل ما زاد على الفرض من العبادات من صلاة وصوم وحجّ وزكاة ، ومن ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصّلاة بعد الفريضة صلاة اللّيل » . وقوله : « صوم يوم عاشوراء كفّارة سنة » . وكذلك روي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول اللّه أنّه قال : « من ثابر على اثنتي عشرة ركعةً في اليوم واللّيلة بنى اللّه له بيتاً في الجنّة » . وهذه العبادات المندوبة يطلب أداؤها طلباً للثّواب ولا يجب الأداء إلاّ ما شرع فيه ، فيجب إتمامه ، وإذا فسد قضاه ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة . أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فيستحبّ الإتمام إلاّ في تطوّع الحجّ والعمرة ، فإنّه إذا شرع فيهما فيجب إتمامهما باتّفاق الجميع .
أداء أصحاب الأعذار :
10 - يشترط لأداء العبادة أهليّة الأداء مع الإمكان والقدرة . وقد اختلف الفقهاء في وجوب الأداء بالنّسبة لمن كان أهلاً للأداء في أوّل الوقت ، ثمّ طرأ عليه عذر في آخره ، كمن كان أهلاً للصّلاة في أوّل الوقت ، فلم يصلّ حتّى طرأ عليه آخر الوقت عذر يمنع من الأداء ، كما إذا حاضت الطّاهرة في آخر الوقت أو نفست أو جنّ العاقل أو أغمي عليه ، أو ارتدّ المسلم والعياذ باللّه وقد بقي من الوقت ما يسع الفرض . فعند الجمهور يلزمهم الفرض ؛ لأنّ الوجوب والأهليّة ثابتة في أوّل الوقت فيلزمهم القضاء . أمّا عند الحنفيّة فلا يلزمهم الفرض ؛ لأنّ الوجوب يتعيّن في آخر الوقت إذا لم يوجد الأداء قبله ، فيستدعي الأهليّة فيه ؛ لاستحالة الإيجاب على غير الأهل ، ولم يوجد ، فلم يكن عليه قضاء . وهو أيضاً رأي الإمام مالك وابن الحاجب وابن عرفة ، خلافاً لبعض أهل المدينة وابن عبد البرّ حيث القضاء عندهم أحوط . أمّا من لم يكن أهلاً في أوّل الوقت ، ثمّ زال العذر في آخر الوقت ، كما إذا طهرت الحائض في آخر الوقت وأسلم الكافر وبلغ الصّبيّ وأفاق المجنون والمغمى عليه وأقام المسافر أو سافر المقيم فللحنفيّة قولان : أحدهما وهو قول زفر أنّه لا يجب الفرض ولا يتغيّر الأداء إلاّ إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكن فيه أداء الفرض . والقول الثّاني للكرخيّ وأكثر المحقّقين : أنّه يجب الفرض ويتغيّر الأداء إذا بقي من الوقت مقدار ما يسع التّحريمة فقط ، وهو قول الحنابلة وبعض الشّافعيّة . وعند المالكيّة يجب الفرض إذا بقي من الوقت مقدار ركعة مع زمن يسع الطّهر ، وهو قول لبعض الشّافعيّة ، وفي قول آخر للشّافعيّة إذا بقي مقدار ركعة فقط . هذا مثال لاعتبار أهليّة الأداء في بعض العبادات البدنيّة . ولمعرفة التّفاصيل ( ر : أهليّة . حجّ . صلاة . صوم ) .
11 - أمّا بالنّسبة للقدرة على الأداء فإنّ المطلوب أداء العبادة على الصّفة الّتي ورد بها الشّرع ، ففي الصّلاة مثلاً يجب أن يكون أداؤها على الصّفة الّتي وردت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وذلك لما جاء في قوله : « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » ، فمن عجز عن أداء الصّلاة على الصّفة المشروعة جاز له أن يصلّي بالصّفة الّتي يستطيع بها أداء الصّلاة ، فمن عجز عن القيام صلّى جالساً ، ومن لم يستطع فعلى جنب . وهذا باتّفاق « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين : صلّ قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب » ، وهكذا ، وكذلك العاجز عن الصّوم لشيخوخة أو مرض لا يرجى برؤه لا يجب عليه الصّوم ؛ لقول اللّه تعالى : { وما جعل عليكم في الدّين من حرج } مع الاختلاف في وجوب الفدية وعدمها ، فقيل : تجب عن كلّ يوم مدّ من طعام ، وقيل : لا تجب . والحجّ أيضاً لا يجب أداؤه إلاّ على المستطيع بالمال والبدن والمحرم أو الرّفقة المأمونة بالنّسبة للمرأة . فمن عجز عن ذلك فلا يجب عليه الحجّ ؛ لقول اللّه تعالى : { وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً } .
12 - وأمّا بالنّسبة للعبادات الماليّة كالزّكاة فنظراً للأهليّة اختلف الفقهاء في وجوب الزّكاة على الصّبيّ والمجنون ، فعند الجمهور تجب الزّكاة في مال الصّبيّ والمجنون ، لأنّه حقّ يتعلّق بالمال ، ويؤدّي عنهما وليّهما ، وتعتبر نيّة الوليّ في الإخراج . وعند الحنفيّة لا يجب عليهما الزّكاة ؛ لأنّ الزّكاة عبادة ، وهما ليسا من أهلها . وكذلك من عجز عن أداء ما وجب عليه من الكفّارة وقت الوجوب ، ثمّ تغيّر حاله ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك . فعند الحنفيّة والمالكيّة : العبرة بوقت الأداء لا بوقت الوجوب ، وهو أحد الأقوال عند الشّافعيّة ، فلو كان موسراً وقت الوجوب جاز له الصّوم . وعند الحنابلة وفي قول عند الشّافعيّ أنّ العبرة بوقت الوجوب لا بوقت الأداء . وفي قول آخر للشّافعيّة والحنابلة أنّه يعتبر أغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التّكفير .
تعجيل الأداء عن وقت الوجوب أو سببه :
13 - العبادات الموقّتة بوقت ، والّتي يعتبر الوقت سبباً لوجوبها ، كالصّلاة والصّيام فإنّ الوقت فيهما سبب الوجوب ؛ لقول اللّه تعالى : { أقم الصّلاة لدلوك الشّمس } ، وقوله تعالى : { فمن شهد منكم الشّهر فليصمه } . هذه العبادات لا يجوز تعجيل الأداء فيها عن وقت الوجوب ، وهذا باتّفاق . أمّا العبادات الّتي لا يعتبر الوقت سبباً لوجوبها ، وإن كان شرطاً فيها ، كالزّكاة ، أو المطلقة الوقت كالكفّارات ، فإنّ الفقهاء يختلفون في جواز تعجيل الأداء عن وقت وجوبها أو عن أسبابها : ففي الزّكاة مثلاً يجوز تعجيل الأداء قبل الحول متى تمّ النّصاب ، وذلك عند جمهور الفقهاء ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تسلّف من العبّاس رضي الله عنه زكاة عامين ؛ ولأنّه حقّ مال أجّل للرّفق ، فجاز تعجيله قبل محلّه ، كالدّين المؤجّل . أمّا المالكيّة فإنّه لا يجوز عندهم إخراج الواجب قبل تمام الحول إلاّ بالزّمن اليسير كالشّهر . وصدقة الفطر يجوز تعجيلها عن وقتها عند الحنفيّة والشّافعيّة ، أمّا عند المالكيّة والحنابلة فلا يجوز إخراجها قبل وقتها إلاّ بالزّمن اليسير ، كاليوم واليومين . وكفّارة اليمين يجوز تعجيلها قبل الحنث عند الجمهور ، مع تخصيص الشّافعيّة التّقديم إذا كان بغير الصّوم ، ولا يجوز التّقديم على الحنث عند الحنفيّة . وفي الموضوع تفصيلات كثيرة تنظر في مواضعها .
النّيابة في أداء العبادات :
14 - العبادات الماليّة المحضة كالزّكاة والصّدقات والكفّارات تجوز فيها النّيابة ، سواء كان من هي عليه قادراً على الأداء بنفسه أم لا ؛ لأنّ الواجب فيها إخراج المال ، وهو يحصل بفعل النّائب .
15 - أمّا العبادات البدنيّة المحضة كالصّلاة والصّوم فلا تجوز فيها النّيابة حال الحياة باتّفاق ؛ لقول اللّه تعالى : { وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى } ، وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يصوم أحد عن أحد ، ولا يصلّي أحد عن أحد » ، أي في حقّ الخروج عن العهدة ، لا في حقّ الثّواب . أمّا بعد الممات فكذلك الحكم عند الحنفيّة والمالكيّة ، إلاّ ما قاله ابن عبد الحكم من المالكيّة من أنّه يجوز أن يستأجر عن الميّت من يصلّي عنه ما فاته من الصّلوات . وعند الشّافعيّة لا تجوز النّيابة عن الميّت في الصّلاة . أمّا بالنّسبة للصّوم فعندهم أنّ من فاته شيء من رمضان ، ومات قبل إمكان القضاء ، فلا شيء عليه ، أي لا يفدى عنه ولا إثم عليه ، أمّا إذا تمكّن من القضاء ، ولم يصم حتّى مات ، ففيه قولان : أحدهما أنّه لا يصحّ الصّوم عنه ، لأنّه عبادة بدنيّة ، فلا تدخلها النّيابة في حال الحياة فكذلك بعد الموت . والقول الثّاني : أنّه يجوز أن يصوم وليّه عنه ، بل يندب ، لخبر الصّحيحين أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من مات وعليه صوم صام عنه وليّه » وهذا الرّأي هو الأظهر . قال السّبكيّ : ويتعيّن أن يكون هو المختار والمفتى به ، والقولان يجريان في الصّيام المنذور إذا لم يؤدّ . وعند الحنابلة لا تجوز النّيابة عن الميّت في الصّلاة أو الصّيام الواجب بأصل الشّرع - أي الصّلاة المفروضة وصوم رمضان - لأنّ هذه العبادات لا تدخلها النّيابة حال الحياة ، فبعد الموت كذلك . أمّا ما أوجبه الإنسان على نفسه بالنّذر ، من صلاة أو صوم ، فإن كان لم يتمكّن من فعل المنذور ، كمن نذر صوم شهر معيّن ومات قبل حلوله ، فلا شيء عليه ، فإن تمكّن من الأداء ولم يفعل حتّى مات سنّ لوليّه فعل النّذر عنه ؛ لحديث ابن عبّاس : « جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه إنّ أمّي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها ؟ قال : أرأيت لو كان على أمّك دين فقضيتيه أكان يؤدّي ذلك عنها ؟ قالت : نعم ، قال : فصومي عن أمّك » . ولأنّ النّيابة تدخل في العبادة بحسب خفّتها ، والنّذر أخفّ حكماً ؛ لأنّه لم يجب بأصل الشّرع . ويجوز لغير الوليّ فعل ما على الميّت من نذر بإذنه وبدون إذنه .
16 - وقد اختلف الفقهاء بالنّسبة للحجّ باعتبار ما فيه من جانب ماليّ وجانب بدنيّ . والمالكيّة - في المشهور عندهم - هم الّذين يقولون بعدم جواز النّيابة في الحجّ . أمّا بقيّة الفقهاء فتصحّ عندهم النّيابة في الحجّ ، لكنّهم يقيّدون ذلك بالعذر ، وهو العجز عن الحجّ بنفسه ؛ لما رواه ابن عبّاس « أنّ امرأةً من خثعم قالت : يا رسول اللّه إنّ فريضة اللّه على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الرّاحلة أفأحجّ عنه ؟ قال : نعم » . وفي حديث آخر قال لرجل : « أرأيتك لو كان على أبيك دين ، فقضيته عنه قبل منك ؟ قال : نعم ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : فاللّه أرحم . حجّ عن أبيك » . وضابط العذر الّذي تصحّ معه النّيابة هو العجز الدّائم إلى الموت ، وذلك كالشّيخ الفاني والزّمن والمريض الّذي لا يرجى برؤه . فهؤلاء إذا وجدوا مالاً يلزمهم الاستنابة في الحجّ عنهم . ومن أحجّ عن نفسه للعذر الدّائم ، ثمّ زال العذر قبل الموت ، فعند الحنفيّة لم يجز حجّ غيره عنه ، وعليه الحجّ ؛ لأنّ جواز الحجّ عن الغير ثبت بخلاف القياس ، لضرورة العجز الّذي لا يرجى زواله ، فيتقيّد الجواز به . وعند الحنابلة يجزئ حجّ الغير ، ويسقط عنه الفرض ؛ لأنّه أتى بما أمر به فخرج من العهدة ، كما لو لم يبرأ . لكن ذلك مقيّد بما إذا عوفي بعد فراغ النّائب من الحجّ ، فإذا عوفي قبل فراغ النّائب فينبغي أن لا يجزئه الحجّ ؛ لأنّه قدر على الأصل قبل تمام البدل ، ويحتمل أن يجزئه ، وإن برأ قبل إحرام النّائب لم يجزئه بحال . وللشّافعيّة قولان بالإجزاء وعدمه والمريض الّذي يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه إذا أحجّ عنه فعند الحنفيّة هذا الحجّ موقوف . إن مات المحجوج عنه وهو مريض أو محبوس جاز الحجّ ، وإن زال المرض أو الحبس قبل الموت لم يجز . وعند الحنابلة وفي قول للشّافعيّة : ليس له أن يستنيب أصلاً ؛ لأنّه لم ييأس من الحجّ بنفسه ، فلا تجوز فيه النّيابة كالصّحيح ، فإن خالف وأحجّ عن نفسه ، لم يجزئه ولو لم يبرأ ؛ لأنّه يرجو القدرة على الحجّ بنفسه فلم يكن به الاستنابة ، وعليه أن يحجّ عن نفسه مرّةً أخرى ، وفي القول الثّاني للشّافعيّة أنّه يجزئه إذا مات ؛ لأنّه لمّا مات تبيّنّا أنّه كان مأيوساً منه . والمشهور عند المالكيّة أنّه لا تجوز النّيابة في الحجّ مطلقاً . وقيل تصحّ النّيابة في الحجّ لغير المستطيع ، قال الباجيّ : تجوز النّيابة للمعضوب كالزّمن والهرم . وقال أشهب : إن آجر صحيح من يحجّ عنه لزمه للخلاف . وسواء فيما مرّ في المذاهب حجّ الفريضة وحجّ النّذر . والعمرة في ذلك كالحجّ .
17 - أمّا بالنّسبة لحجّ التّطوّع فعند الحنفيّة تجوز فيه الاستنابة بعذر وبدون عذر ، وعند الحنابلة إن كان لعذر جاز وإن كان لغير عذر ففيه روايتان : إحداهما يجوز ؛ لأنّها حجّة لا تلزمه بنفسه ، فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب . والرّواية الثّانية لا يجوز ، لأنّه قادر على الحجّ بنفسه ، فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض ، وللشّافعيّة قولان فيما إذا كان بعذر : أحدهما لا يجوز ؛ لأنّه غير مضطرّ إلى الاستنابة فيه ، فلم تجز الاستنابة فيه كالصّحيح ، والثّاني يجوز ، وهو الصّحيح ؛ لأنّ كلّ عبادة جازت النّيابة في فرضها جازت النّيابة في نفلها . وتكره الاستنابة في التّطوّع عن المالكيّة .
18 - وما مرّ إنّما هو بالنّسبة للحيّ . أمّا الميّت فعند الحنابلة والشّافعيّة : من مات قبل أن يتمكّن من أداء الحجّ سقط فرضه ، ولا يجب القضاء عنه ، وإن مات بعد التّمكّن من الأداء ولم يؤدّ لم يسقط الفرض ، ويجب القضاء من تركته ، لما روى بريدة قال : « أتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت : يا رسول اللّه إنّ أمّي ماتت ، ولم تحجّ فقال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم : حجّي عن أمّك » ، ولأنّه حقّ تدخله النّيابة حال الحياة ، فلم يسقط بالموت ، كدين الآدميّ ، ومثل ذلك الحجّ المنذور ؛ لما روى ابن عبّاس قال : « أتى رجل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له : إنّ أختي نذرت أن تحجّ ، وإنّها ماتت ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : لو كان عليها دين أكنت قاضيه ؟ قال : نعم . قال : فاقض اللّه فهو أحقّ بالقضاء » . وعند الحنفيّة والمالكيّة : من مات ولم يحجّ فلا يجب الحجّ عنه ، إلاّ أن يوصي بذلك ، فإذا أوصى حجّ من تركته . وإذا لم يوص بالحجّ عنه ، فتبرّع الوارث بالحجّ بنفسه ، أو بالإحجاج عنه رجلاً جاز ، ولكن مع الكراهة عند المالكيّة .
تأخير الأداء عن وقت الوجوب :
19 - تأخير أداء العبادات عن وقت الوجوب دون عذر يوجب الإثم ، فإن كان من العبادات المؤقّتة بوقت محدّد ، كالصّلاة والصّيام وجب قضاؤها ، وكذلك النّذر المعيّن إذا لم يؤدّ . وإن كانت العبادات وقتها العمر ، كالزّكاة والحجّ فإنّه متى توفّرت شروط الأداء ، كحولان الحول وكمال النّصاب في الزّكاة مع إمكان الأداء ، ولم يتمّ الأداء ترتّب المال في الذّمّة ، وكذلك الحجّ إذا وجدت الاستطاعة الماليّة والبدنيّة ، ولم يؤدّ الحجّ فهو باق في ذمّته . ومثل ذلك الواجبات المطلقة كالنّذور والكفّارات مع اختلاف الفقهاء فيمن مات ، ولم يؤدّ الزّكاة أو الحجّ أو النّذر أو الكفّارة ، وكلّ ما كان واجباً ماليّاً ، وأمكن أداؤه ، ولم يؤدّ حتّى مات المكلّف ، فعند الحنفيّة والمالكيّة لا تؤدّى من تركته ، إلاّ إذا أوصى بها ، فإذا لم يوص فقد سقطت بالنّسبة لأحكام الدّنيا ، وعند الحنابلة والشّافعيّة تؤدّى من تركته وإن لم يوص . وهذا في الجملة وللتّفصيل ( ر : قضاء . حجّ . زكاة . نذر ) . هذا بالنّسبة للعبادات الواجبة سواء كانت مؤقّتةً أو غير مؤقّتة .
20 - أمّا النّفل - سواء منه المطلق أو المترتّب بسبب أو وقت - فقد اختلف الفقهاء في قضائه إذا فات : فعند الحنفيّة والمالكيّة لا يقضى شيء من السّنن سوى سنّة الفجر . واستدلّ الحنفيّة على ذلك بما روت أمّ سلمة « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل حجرتي بعد العصر ، فصلّى ركعتين ، فقلت : يا رسول اللّه : ما هاتان الرّكعتان اللّتان لم تكن تصلّيهما من قبل ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ركعتان كنت أصلّيهما بعد الظّهر » ، وفي رواية : « ركعتا الظّهر شغلني عنهما الوفد ، فكرهت أن أصلّيهما بحضرة النّاس ، فيروني . فقلت : أفأقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : لا . » وهذا نصّ على أنّ القضاء غير واجب على الأمّة ، وإنّما هو شيء اختصّ به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وقياس هذا الحديث أنّه لا يجب قضاء ركعتي الفجر أصلاً ، إلاّ أنّا استحسنّا القضاء إذا فاتتا مع الفرض ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعلهما مع الفرض ليلة التّعريس ، فنحن نفعل ذلك لنكون على طريقته ، وهذا بخلاف الوتر ؛ لأنّه واجب عند أبي حنيفة ، والواجب ملحق بالفرض في حقّ العمل . وعند الحنابلة قال الإمام أحمد : لم يبلغنا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى شيئاً من التّطوّع إلاّ ركعتي الفجر والرّكعتين بعد العصر ، وقال القاضي وبعض الأصحاب : لا يقضى إلاّ ركعتا الفجر وركعتا الظّهر . وقال ابن حامد : تقضى جميع السّنن الرّواتب ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى بعضها وقسنا الباقي عليه . وفي شرح منتهى الإرادات : يسنّ قضاء الرّواتب إلاّ ما فات مع فرضه وكثر فالأولى تركه ، إلاّ سنّة فجر ، فيقضيها مطلقاً لتأكّدها . وللشّافعيّة قولان : أحدهما أنّ السّنن الرّاتبة لا تقضى ؛ لأنّها صلاة نفل ، فلم تقض ، كصلاة الكسوف والاستسقاء ، والثّاني تقضى لقوله صلى الله عليه وسلم : « من نام عن صلاة أو سها فليصلّها إذا ذكرها . » 21 - وأمّا قضاء سنّة الفجر إذا فاتت فعند الحنفيّة لا تقضى إلاّ إذا فاتت مع الفجر ، وإذا فاتت وحدها فلا تقضى . وعند جمهور الفقهاء تقضى سواء فاتت وحدها أو مع الفجر . واختلف في الوقت الّذي يمتدّ إليه القضاء ، فعند الحنفيّة والمالكيّة : تقضى إلى الزّوال ، وعند الحنابلة إلى الضّحى ، وعند الشّافعيّة تقضى أبداً . وهذا في الجملة . وينظر تفصيل ذلك في مكان آخر ( ر : نفل . قضاء ) .
22 - وما شرع فيه من النّفل المطلق فإنّه يجب إتمامه ، وإذا فسد يقضى . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة . وعند الحنابلة والشّافعيّة يستحبّ الإتمام ولا يجب ، كما أنّه يستحبّ القضاء إلاّ في تطوّع الحجّ والعمرة فيجب إتمامهما إذا شرع فيهما .
الامتناع عن الأداء :
23 - العبادات الواجبة وجوباً عينيّاً أو كفائيّاً كالصّلاة والصّيام والزّكاة والحجّ والجهاد وصلاة الجنازة تعتبر من فرائض الإسلام ومعلومة من الدّين بالضّرورة ، وقد ورد الأمر بها في كثير من آيات القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله تعالى : { وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة } وقوله تعالى : { كتب عليكم القتال } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة ، والحجّ ، وصوم رمضان » . وهذه العبادات يجب على كلّ مكلّف أداؤها على الصّفة الّتي ورد بها الشّرع . ومن امتنع عن أدائها فإن كان جاحداً لها فإنّه يعتبر كافراً يقتل كفراً بعد أن يستتاب . وإن امتنع عن أدائها كسلاً ففي العبادات البدنيّة ، كالصّلاة يؤدّب ويعزّر ، ويترك إلى أن يتضيّق الوقت ، فإن ظلّ على امتناعه قتل حدّاً لا كفراً ، وهذا عند الجمهور . وعند الحنفيّة يحبس أبداً حتّى يصلّي . وفي العبادات الماليّة كالزّكاة إن امتنع عن أدائها بخلاً فإنّها تؤخذ منه كرهاً ، ويقاتل عليها كما فعل أبو بكر رضي الله عنه بمانعي الزّكاة ، أمّا تارك الحجّ كسلاً فسواء أكان على الفور أم على التّراخي فإنّه يترك ، ولكن يؤمر به ويديّن لأنّ شرطه الاستطاعة ، وقد يكون له عذر باطنيّ لم يعرف .
24 - أمّا غير الواجبات من العبادات وهو ما يسمّى مندوباً أو سنّةً أو نافلةً فهو ما يثاب فاعله ولا يذمّ تاركه ، وهذا على الجملة ؛ لأنّ من السّنّة ما يعتبر إظهاراً للدّين ، وتركها يوجب إساءةً وكراهيةً ، وذلك كالجماعة والأذان والإقامة وصلاة العيدين ؛ لأنّها من شعائر الإسلام ، وفي تركها تهاون بالشّرع ، ولذلك لو اتّفق أهل بلدة على تركها وجب قتالهم بخلاف سائر المندوبات ؛ لأنّها تفعل فرادى .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:30 AM



أثر الأداء في العبادات :
25 - أداء العبادة على الوجه المشروع باستيفاء أركانها وشرائطها يستلزم الإجزاء وهذا باتّفاق على تفسير الإجزاء بمعنى الامتثال بالإتيان بالمأمور به . وأنّ ذلك يبرّئ الذّمّة بغير خلاف ، وعلى تفسير الإجزاء بمعنى إسقاط القضاء فالمختار أنّه يستلزمه ، خلافاً لعبد الجبّار المعتزليّ من أنّه لا يستلزمه . والفعل المؤدّى على وجهه المشروع يوصف بالصّحّة ، وإلاّ فبالفساد أو البطلان ، مع تفريق الحنفيّة بين الفاسد والباطل . والصّحّة أعمّ من الإجزاء ؛ لأنّها تكون صفةً للعبادات والمعاملات ، أمّا الإجزاء فلا يوصف به إلاّ العبادات . وإذا كانت العبادات المستجمعة شرائطها وأركانها تبرّئ الذّمّة بلا خلاف فإنّه قد اختلف في ترتّب الثّواب على هذه العبادة أو عدم ترتّبه ، فقيل : إنّه لا يلزم من إبراء الذّمّة ترتّب الثّواب على الفعل ، فإنّ اللّه قد يبرّئ الذّمّة بالفعل ولا يثيب عليه في بعض الصّور ، وهذا هو معنى القبول ، وهذا بناءً على قاعدة أنّ القبول والثّواب غير الإجزاء وغير الفعل الصّحيح . وقيل : إنّه لم يكن في الشّرع واجب صحيح يجزئ إلاّ وهو مقبول مثاب عليه ، كما هو مقتضى قاعدة سعة الثّواب ، والآيات والأحاديث المتضمّنة لوعد المطيع بالثّواب .
أداء الشّهادة حكم أداء الشّهادة :
26 - أداء الشّهادة فرض كفاية ؛ لقول اللّه تعالى : { وأقيموا الشّهادة للّه } ، وقوله : { ولا يأب الشّهداء إذا ما دعوا } ، فإذا تحمّلها جماعة وقام بأدائها منهم من فيه كفاية سقط الأداء عن الباقين ، لأنّ المقصود بها حفظ الحقوق وذلك يحصل ببعضهم ، وإن امتنع الكلّ أثموا جميعاً لقول اللّه تعالى : { ولا تكتموا الشّهادة ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه } ، ولأنّ الشّهادة أمانة فلزم الأداء عند الطّلب . وقد يكون أداء الشّهادة فرض عين إذا كان لا يوجد غيره ممّن يقع به الكفاية ، وتوقّف الحقّ على شهادته فإنّه يتعيّن عليه الأداء ؛ لأنّه لا يحصل المقصود إلاّ به . إلاّ أنّه إذا كانت الشّهادة متعلّقةً بحقوق العباد وأسبابها أي في محض حقّ الآدميّ ، وهو ما له إسقاطه كالدّين والقصاص فلا بدّ من طلب المشهود له لوجوب الأداء ، فإذا طلب وجب عليه الأداء ، حتّى لو امتنع بعد الطّلب يأثم ، ولا يجوز له أن يشهد قبل طلب المشهود له ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « خير النّاس قرني ، ثمّ الّذين يلونهم ، ثمّ الّذين يلونهم ، ثمّ يفشو الكذب حتّى يشهد الرّجل قبل أن يستشهد » . ولأنّ أداءها حقّ للمشهود له ، فلا يستوفى إلاّ برضاه ، وإذا لم يعلم ربّ الشّهادة بأنّ الشّاهد تحمّلها استحبّ لمن عنده الشّهادة إعلام ربّ الشّهادة بها . وإذا كانت الشّهادة متعلّقةً بحقوق اللّه تعالى ، وفيما سوى الحدود ، كالطّلاق والعتق وغيرها من أسباب الحرمات فيلزمه الأداء حسبةً للّه تعالى عند الحاجة إلى الأداء من غير طلب من أحد من العباد . وأمّا في أسباب الحدود من الزّنا والسّرقة وشرب الخمر فالسّتر أمر مندوب إليه ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ستر مسلماً ستره اللّه في الدّنيا والآخرة » ، ولأنّه مأمور بدرء الحدّ . وصرّح الحنفيّة بأنّ الأولى السّتر إلاّ إذا كان الجاني متهتّكاً ، وبمثل ذلك قال المالكيّة .
27 - وإذا وجب أداء الشّهادة على إنسان ولكنّه عجز لبعد المسافة ، كأن دعي من مسافة القصر أو كان سيلحقه ضرر في بدنه أو ماله أو أهله فلا يلزمه الأداء لقول اللّه تعالى : { ولا يضارّ كاتب ولا شهيد } ، وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضرار » . ولأنّه لا يلزمه أن يضرّ نفسه لنفع غيره . كذلك قال بعض الفقهاء : لا يجب الأداء إذا كان الحاكم غير عدل ، قال الإمام أحمد : كيف أشهد عند رجل ليس عدلاً ، لا أشهد .
كيفيّة أداء الشّهادة :
28 - يعتبر لفظ الشّهادة في أدائها عند جمهور الفقهاء ، فيقول : أشهد أنّه أقرّ بكذا ونحوه ؛ لأنّ الشّهادة مصدر شهد يشهد ، فلا بدّ من الإتيان بفعلها المشتقّ منها ؛ ولأنّ فيها معنًى لا يحصل في غيرها من الألفاظ ، ولو قال : أعلم أو أتيقّن أو أعرف لم يعتدّ به ولا تقبل شهادته ، إلاّ أنّ من المالكيّة من لم يشترط لأداء الشّهادة صيغةً مخصوصةً بل قالوا : المدار فيها على ما يدلّ على حصول علم الشّاهد بما شهد به كرأيت كذا أو سمعت كذا وهو الأظهر عندهم . ولتحمّل الشّهادة وأدائها شروط تفصيلها في مصطلح ( شهادة ) .
أداء الدّين مفهوم الدّين :
29 - الدّين هو الوصف الثّابت في الذّمّة ، أو هو اشتغال الذّمّة بمال وجب بسبب من الأسباب ، سواء أكان عقداً كالبيع والكفالة والصّلح والخلع ، أم تبعاً للعقد كالنّفقة ، أم بغير ذلك كالغصب والزّكاة وضمان المتلفات ، ويطلق على المال الواجب في الذّمّة مجازاً ، لأنّه يؤول إلى المال . حكم أداء الدّين :
30 - أداء الدّين على الوصف الّذي وجب فرض بالإجماع ؛ لقول اللّه تعالى : { فليؤدّ الّذي اؤتمن أمانته } . وهو يعتبر كما قال بعض الفقهاء من الحوائج الأصليّة . وإذا كان الدّين حالّاً فإنّه يجب أداؤه على الفور عند الطّلب ، ويقال له الدّين المعجّل وذلك متى كان قادراً على الأداء لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مطل الغنيّ ظلم » أمّا إذا كان الدّين مؤجّلاً فلا يجب أداؤه قبل حلول الأجل ، لكن لو أدّى قبله صحّ وسقط عن ذمّة المدين . وقد يصبح المؤجّل حالّاً فيجب أداؤه على الفور وذلك بالرّدّة أو بالموت أو بالتّفليس . وللفقهاء تفصيلات كثيرة في ذلك تنظر في ( دين . أجل . إفلاس ) .
كيفيّة أداء الدّين :
31 - الأداء هو تسليم الحقّ لمستحقّه ، وتسليم الحقّ في الدّيون إنّما يكون بأمثالها ؛ لأنّه لا طريق لأداء الدّيون سوى هذا ، ولهذا كان للمقبوض في الصّرف والسّلم حكم عين الحقّ إذ لو لم يكن كذلك لصار استبدالاً ببدل الصّرف ورأس مال السّلم والمسلم فيه قبل القبض وهو حرام ، وكذا له حكم عين الحقّ في غير الصّرف والسّلم ، بدليل أنّه يجبر ربّ الدّين على القبض ، ولو كان غير حقّه لم يجبر عليه ، وفيما لا مثل له ممّا تعلّق بالذّمّة تجب القيمة كما في الغصب والمتلفات . وقيل إنّه في القرض إذا تعذّر المثل فإنّه يجب ردّ المثل في الخلقة والصّورة ؛ لحديث أبي رافع « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمره أن يقضي البكر بالبكر » ؛ ولأنّ ما ثبت في الذّمّة بعقد السّلم ثبت بعقد القرض قياساً على ما له مثل . ويجوز الأداء بالأفضل إذا كان بدون شرط ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « استسلف من رجل بكراً فقدمت عليه إبل من إبل الصّدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرّجل بكره ، فرجع إليه رافع فقال : لم أجد فيها إلاّ خياراً رباعيّاً ، فقال : أعطه إيّاه ، إنّ خيار النّاس أحسنهم قضاءً » . ومن طولب بالأداء ببلد آخر فيما لا حمل له ولا مؤنة وجب الأداء .
ما يقوم مقام الأداء
32 - إذا أدّى المدين ما عليه بالصّفة الواجبة سقط عنه الدّين ، وبرئت ذمّته ، ويقوم مقام الأداء في إسقاط الدّين وبراءة الذّمّة إبراء صاحب الدّين للمدين ممّا عليه أو هبته له أو تصدّقه به عليه ، كذلك يقوم مقام الأداء من حيث الجملة الحوالة بالدّين أو المقاصّة ، أو انقضاء المدّة أو الصّلح أو تعجيز العبد نفسه في بدل الكتابة ، وذلك كلّه بالشّروط الخاصّة الّتي ذكرها الفقهاء لكلّ حالة من ضرورة القبول أو عدمه ، وفيما يجوز فيه من الدّيون وما لا يجوز وغير ذلك من الشّروط . وينظر التّفصيل في ذلك في ( إبراء ، دين ، حوالة ، هبة ، إلخ ) .
الامتناع عن الأداء :
33 - من كان عليه دين وكان موسراً فإنّه يجب عليه أداؤه ، فإن ماطل ولم يؤدّ ألزمه الحاكم بالأداء بعد طلب الغرماء ، فإن امتنع حبسه لظلمه بتأخير الحقّ من غير ضرورة ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته » ، والحبس عقوبة ، فإن لم يؤدّ وكان له مال ظاهر باعه الحاكم عليه ؛ لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم باع على معاذ ماله وقضى ديونه » . وكذلك روي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه باع مال أسيفع وقسمه بين غرمائه .
34 - وإن كان للمدين مال ولكنّه لا يفي بديونه وطلب الغرماء الحجر عليه لزم القاضي إجابتهم ، وله منعه من التّصرّف حتّى لا يضرّ بالغرماء ، ويبيع ماله إن امتنع هو عن بيعها ، ويقسمها بين الغرماء بالحصص . وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة وأبي يوسف ومحمّد ، وخالف أبو حنيفة فقال : لا يحجر على المدين ، لأنّ الحجر فيه إهدار لآدميّته ، وإنّما يحبسه القاضي إذا كان له مال حتّى يبيع ويوفّي دينه ، إلاّ إن كان ماله دراهم أو دنانير ، والدّين مثله ، فإنّ القاضي يقضي الدّين منه بغير أمره ؛ لأنّ ربّ الدّين له أخذه بغير أمره فالقاضي يعينه عليه .
35 - وإن كان المدين معسراً وثبت ذلك خلّى سبيله ، ووجب إنظاره ؛ لقول اللّه تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } .
36 - والمدين المعسر يجب عليه التّكسّب لوفاء ما عليه ، ولكنّه لا يجبر على التّكسّب ولا على قبول الهدايا والصّدقات ، لكن ما يجدّ له من مال من كسبه فإنّ حقّ الغرماء يتعلّق به .
37 - والغارم إن استدان لنفسه في غير معصية يؤدّي دينه من الزّكاة ؛ لأنّه من مصارفها .
38 - هذا بالنّسبة للحيّ ، أمّا من مات وعليه دين فإنّ الدّين يتعلّق بالتّركة ، ويجب الأداء منها قبل تنفيذ الوصايا وأخذ الورثة نصيبهم ؛ لأنّ الدّين مستحقّ عليه ؛ ولأنّ فراغ ذمّته من أهمّ حوائجه ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الدّين حائل بينه وبين الجنّة » وأداء الفرض أولى من التّبرّعات ، وقد قدّمه اللّه تعالى على القسمة في قوله تعالى : { من بعد وصيّة يوصي بها أو دين } . فتجب المبادرة بأداء دينه تعجيلاً للخير لحديث : « نفس المؤمن معلّقة بدينه حتّى يقضى عنه » . وما مرّ إنّما هو بالنّسبة لديون الآدميّ . أمّا ديون اللّه تعالى كالزّكاة والكفّارات والنّذور فقد سبق بيانه . ( ف / 14 ، 16 )
أداء القراءة معنى الأداء في القراءة
39 - الأداء عند القرّاء يطلق على أخذ القرآن عن المشايخ . والفرق بينه وبين التّلاوة والقراءة ، أنّ التّلاوة هي قراءة القرآن متتابعاً كالأوراد والأحزاب ، والأداء هو الأخذ عن المشايخ ، والقراءة تطلق على الأداء والتّلاوة فهي أعمّ منهما . والأداء الحسن في القراءة هو تصحيح الألفاظ وإقامة الحروف على الصّفة المتلقّاة من أئمّة القراءة المتّصلة بالرّسول ( صلى الله عليه وسلم ) الّتي لا تجوز مخالفتها ، ولا العدول عنها إلى غيرها ، ولذلك فإنّ من اللّحن الخفيّ ما يختصّ بمعرفته علماء القراءة وأئمّة الأداء الّذين تلقّوا من أقوال العلماء ، وضبطوا عن ألفاظ أهل الأداء الّذين ترتضى تلاوتهم ، ويوثق بعربيّتهم ، ولم يخرجوا عن القواعد الصّحيحة فأعطوا كلّ حرف حقّه من التّجويد والإتقان . حكم حسن الأداء في القراءة :
40 - قال الشّيخ الإمام أبو عبد اللّه بن نصر عليّ بن محمّد الشّيرازيّ في كتابه ( الموضّح في وجوه القراءات ) : إنّ حسن الأداء فرض في القراءة ، ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حقّ تلاوته صيانةً للقرآن عن أن يجد اللّحن والتّغيير إليه سبيلاً . وقد اختلف العلماء في الحالات الّتي يجب فيها حسن الأداء ، فذهب بعضهم إلى أنّ ذلك مقصور على ما يلزم المكلّف قراءته في المفترضات ، فإنّ تجويد اللّفظ وتقويم الحروف واجب فيه فحسب . وذهب آخرون إلى أنّ ذلك واجب على كلّ من قرأ شيئاً من القرآن كيفما كان ، لأنّه لا رخصة في تغيير النّطق بالقرآن واتّخاذ اللّحن إليه سبيلاً إلاّ عند الضّرورة وقد قال اللّه تعالى : { قرآناً عربيّاً غير ذي عوج } وينظر التّفصيل في مصطلحي " تجويد ، تلاوة » .
أداة
انظر : آلة .
أدب
التّعريف
1 - أصل معنى كلمة " أدب " في اللّغة : « الجمع " ، ومنه : الأدب بمعنى الظّرف وحسن التّناول . سمّي أدباً ؛ لأنّه يأدب - أي يجمع - النّاس إلى المحامد . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عند الفقهاء عن المعنى اللّغويّ ، فللأدب عند الفقهاء والأصوليّين عدّة إطلاقات : أ - قال الكمال بن الهمام : الأدب : الخصال الحميدة ، ولذلك بوّبوا فقالوا : « أدب القاضي " ، وتكلّموا في هذا الباب عمّا ينبغي للقاضي أن يفعله وما ينبغي أن ينتهي عنه . وكذلك قالوا : « آداب الاستنجاء " ، " وآداب الصّلاة » . وعرّفه بعضهم بقوله : الأدب : وضع الأشياء موضعها .
ب - كما يطلق الفقهاء والأصوليّون لفظ « أدب " أيضاً أصالةً على المندوب ، ويعبّرون عن ذلك بتعبيرات متعدّدة منها : النّفل ، والمستحبّ ، والتّطوّع ، وما فعله خير من تركه ، وما يمدح به المكلّف ولا يذمّ على تركه ، والمطلوب فعله شرعاً من غير ذمّ على تركه ، وكلّها متقاربة .
ج - وقد يطلق بعض الفقهاء كلمة " آداب " على كلّ ما هو مطلوب سواء أكان مندوباً أم واجباً . ولذلك بوّبوا فقالوا : « آداب الخلاء والاستنجاء " وأتوا في هذا الباب بما هو مندوب وما هو واجب ، وقالوا : إنّ المراد بكلمة " آداب " هو كلّ ما هو مطلوب .
د - ويطلق الفقهاء أحياناً ( الأدب ) على الزّجر والتّأديب بمعنى التّعزير . ( ر : تعزير ) .
حكمه
2 - الأدب في الجملة هو مرتبة من مراتب الحكم التّكليفيّ ، وهو غالباً يرادف المندوب ، وفاعله يستحقّ الثّواب بفعله ، ولا يستحقّ اللّوم على تركه .
( مواطن البحث )
3 - لقد نثر الفقهاء الآداب على أبواب الفقه ، فذكروا في كلّ باب ما يخصّه من الآداب ، ففي الاستنجاء ذكروا آداب الاستنجاء ، وفي الطّهارة بأقسامها ذكروا آدابها ، وفي القضاء ذكروا آداب القضاء ، بل صنّف بعضهم كتباً خاصّةً في الآداب الشّرعيّة ، كالآداب الشّرعيّة لابن مفلح ، وأدب الدّنيا والدّين للماورديّ ، وغيرهما .
ادّخار
التّعريف
1 - أصل كلمة " ادّخار " في اللّغة هو " اذتخار " فقلب كلّ من الذّال والتّاء دالاً مع الإدغام فتحوّلت الكلمة إلى ( ادّخار ) . ومعنى ادّخر الشّيء : خبّأه لوقت الحاجة . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الاكتناز :
2 - الاكتناز لغةً : إحراز المال في وعاء أو دفنه ، وشرعاً : هو المال الّذي لم تؤدّ زكاته ولو لم يكن مدفوناً . فالادّخار أعمّ في اللّغة والشّرع من الاكتناز .
ب - الاحتكار :
3 - الاحتكار لغةً : حبس الشّيء انتظاراً لغلائه . وشرعاً : اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء . فالادّخار أعمّ من الاحتكار ؛ لأنّه يكون فيما يضرّ حبسه وما لا يضرّ .
ادّخار الدّولة الأموال من غير الضّروريّات :
4 - الأموال إمّا أن تكون بيد الدّولة ، أو بيد الأفراد . فإن كانت بيد الدّولة ، وقد فاضت عن مصارف بيت المال ، ففي جواز ادّخار الدّولة لها اتّجاهات : الاتّجاه الأوّل : لا يجوز للدّولة ادّخار شيء من الأموال ، بل عليها تفريقها على من يعمّ به صلاح المسلمين ، ولا تدّخرها ، وهو ما ذهب إليه الشّافعيّة ، وهو قول للحنابلة . وقد استدلّوا على ذلك بفعل الخلفاء الرّاشدين وبمبادئ الشّريعة ، أمّا فعل الخلفاء الرّاشدين : فقد روي ذلك عن عمر وعليّ وصنيعهما ببيت المال ، قال عمر بن الخطّاب لعبد اللّه بن أرقم : « اقسم بيت مال المسلمين في كلّ شهر مرّةً ، اقسم بيت مال المسلمين في كلّ جمعة مرّةً ، اقسم بيت مال المسلمين في كلّ يوم مرّةً " ، ثمّ قال رجل من القوم : يا أمير المؤمنين لو أبقيت في بيت المال بقيّةً تعدّها لنائبة أو صوت مستغيث ، فقال عمر للرّجل الّذي كلّمه : جرى الشّيطان على لسانك ، لقّنني اللّه حجّتها ووقاني شرّها ، أعدّ لها ما أعدّ لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم طاعة اللّه ورسوله . وكان عليّ بن أبي طالب كما كان عمر ، فقد ورد أنّ عليّاً رضي الله عنه أعطى العطاء في سنة ثلاث مرّات ، ثمّ آتاه مال من أصبهان ، فقال : اغدوا إلى عطاء رابع ، إنّي لست بخازن . وأمّا مبادئ الشّريعة ، فإنّها تفرض على أغنياء المسلمين القيام برفع النّوائب عند نزولها . الاتّجاه الثّاني : أنّ على الدّولة ادّخار هذا الفائض عن مصارف بيت المال لما ينوب المسلمين من حادث ، لأنّ ذلك تقتضيه مصلحة المسلمين من سرعة التّصرّف لرفع النّائبات عنهم . وإلى هذا ذهب الحنفيّة ، وهو قول للحنابلة . الاتّجاه الثّالث : وهو للمالكيّة ، فإنّهم قالوا : إذا استوت الحاجة في كلّ البلدان فإنّ الإمام يبدأ بمن جبي فيهم المال حتّى يغنوا غنى سنة ، ثمّ ينقل ما فضل لغيرهم ويوقف لنوائب المسلمين ، فإن كان غير فقراء البلد أكثر حاجةً فإنّ الإمام يصرف القليل لأهل البلد الّذي جبي فيهم المال ثمّ ينقل الأكثر لغيرهم .
ادّخار الأفراد :
5 - الأموال في يد الأفراد إمّا أن تكون أقلّ من النّصاب أو أكثر ، فإن كانت أكثر من النّصاب فإمّا أن تكون قد أدّيت زكاتها أو لم تؤدّ ، فإن أدّيت زكاتها فإمّا أن تكون زائدةً عن حاجاته الأصليّة أو غير زائدة عن حاجاته الأصليّة .
6 - فإن كانت الأموال الّتي بيد الفرد دون . النّصاب حلّ ادّخارها ؛ لأنّ ما دون النّصاب قليل ، والمرء لا يستغني عن ادّخار القليل ولا تقوم حاجاته بغيره .
7 - وإن كانت أكثر من النّصاب ، وصاحبها لا يؤدّي زكاتها ، فهو ادّخار حرام ، وهو اكتناز بالاتّفاق . قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : أيّ مال أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً في الأرض ، وأيّ مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض . وروي نحوه عن عبد اللّه بن عبّاس وجابر بن عبد اللّه ، وأبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً . واكتناز المال حرام بنصّ القرآن الكريم حيث قال اللّه تعالى : { والّذين يكنزون الذّهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشّرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } .
8 - وإن كانت الأموال المدّخرة أكثر من النّصاب ، وصاحبها يؤدّي زكاتها ، وهي فائضة عن حاجاته الأصليّة ، فقد وقع الخلاف في حكم ادّخارها : فذهب جمهور العلماء من الصّحابة وغيرهم إلى جوازه ، ومنهم عمر وابنه وابن عبّاس وجابر . ويستدلّ لما ذهبوا إليه بآيات المواريث ؛ لأنّ اللّه جعل في تركة المتوفّي أنصباء لورثته ، وهذا لا يكون إلاّ إذا ترك المتوفّون أموالاً مدّخرةً ، كما يستدلّ لهم بحديث سعد بن أبي وقّاص المشهور « إنّك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكفّفون النّاس في أيديهم » . وهذا نصّ في أنّ ادّخار شيء للورثة بعد أداء الحقوق الماليّة الواجبة من زكاة وغيرها خير من عدم التّرك . وذهب أبو ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه إلى أنّ ادّخار المال الزّائد عن حاجة صاحبه - من نفقته ونفقة عياله - هو ادّخار حرام وإن كان يؤدّي زكاته وكان رضي الله عنه يفتي بذلك ، ويحثّ النّاس عليه ، فنهاه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما - وكان أميراً على الشّام - عن ذلك ؛ لأنّه خاف أن يضرّه النّاس في هذا ، فلم يترك دعوة النّاس إلى ذلك ، فشكاه إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ، فاستقدمه عثمان إلى المدينة المنوّرة ، وأنزله الرّبذة ، فبقي فيها إلى أن توفّاه اللّه تعالى . وكان أبو ذرّ رضي الله عنه يحتجّ لما ذهب إليه بجملة من الأدلّة ، منها قوله تعالى في سورة التّوبة : { والّذين يكنزون الذّهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشّرهم بعذاب أليم } ، ويقول : إنّ هذه الآية محكمة غير منسوخة . ويحتجّ بما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عليّ رضي الله عنه أنّه مات رجل من أهل الصّفّة ، وترك دينارين ، أو درهمين ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « كيّتان ، صلّوا على صاحبكم » وبما رواه ابن أبي حاتم عن ثوبان مولى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض إلاّ جعل اللّه بكلّ قيراط صفحةً من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه » . وعن ثوبان قال : « كنّا في سفر ونحن نسير مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال المهاجرون : لوددنا أنّا علمنا أيّ المال نتّخذه ، إذ نزل في الذّهب والفضّة ما نزل ، فقال عمر : إن شئتم سألت رسول اللّه عن ذلك ، فقالوا : أجل ، فانطلق ، فتبعته أوضع على بعيري ، فقال يا رسول اللّه : إنّ المهاجرين لمّا أنزل اللّه في الذّهب والفضّة ما أنزل قالوا : وددنا أنّا علمنا أيّ المال خير نتّخذه ، قال : نعم ، فيتّخذ أحدكم لساناً ذاكراً ، وقلباً شاكراً ، وزوجةً تعين أحدكم على إيمانه » .
9 - وذهب البعض إلى أنّ ادّخار الأموال يكون حراماً وإن أدّى المدّخر زكاتها إذا لم يؤدّ صاحبها الحقوق العارضة فيها ، كإطعام الجائع ، وفكّ الأسير وتجهيز الغازي ونحو ذلك . وذهب عليّ بن أبي طالب إلى أنّه لا يحلّ لرجل أن يدّخر أربعة آلاف درهم فما فوق وإن أدّى زكاتها ، وكان رضي الله عنه يقول : « أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ، وما فوقها كنز » . وكأنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه رأى أنّ القيام بالحاجات الأصليّة للمرء لا يتطلّب أكثر من أربعة آلاف درهم في أحسن الأحوال ، فإن حبس الشّخص مبلغاً أكبر من هذا فقد حبس خيره عن النّاس ، وعن الفقراء بشكل خاصّ ، وهو أمر لا يجوز ، فقد كان رضي الله عنه يقول : « إنّ اللّه فرض على الأغنياء في أموالهم ما يكفي فقراءهم ، وإن جاعوا وعروا وجهدوا فبمنع الأغنياء ، وحقّ على اللّه أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذّبهم عليه .











اِبن الصالحين 05-03-2012 08:30 AM

صفته ( حكمه التّكليفيّ ) :
10 - يختلف حكم الادّخار باختلاف الباعث عليه : فإن كان ادّخار ما يتضرّر النّاس بحبسه طلباً للرّبح ، فذلك ممّا يدخل في باب الاحتكار ( ر : احتكار ) . وإن كان لتأمين حاجات نفسه وعياله فهو الادّخار . واتّفق الفقهاء على جواز الادّخار في الجملة دون تقييد بمدّة عند الجمهور ، وهو الأوجه عند الشّافعيّة - ولهم وجه آخر أنّه يكره ادّخار ما فضل عن كفايته لمدّة سنة . ودليلهم في ذلك : ما رواه البخاريّ في كتاب النّفقات عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثمّ يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال اللّه ، فعمل بذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حياته » . وبما رواه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النّضير ويحبس ؛ لأهله قوت سنتهم » . على أنّ الحطّاب نقل عن النّوويّ إجماع العلماء على أنّه إن كان عند إنسان ( أي ما يحتاجه النّاس ) أو اضطرّ النّاس إليه ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه دفعاً للضّرر عن النّاس . وهو ما يتّفق مع قاعدة : ( يتحمّل الضّرر الخاصّ لدفع ضرر عامّ ) .
ادّخار لحوم الأضاحيّ :
11 - يجوز ادّخار لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث في قول عامّة أهل العلم . ولم يجزه عليّ ولا ابن عمر رضي الله عنهما ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن ادّخار لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث . وللجمهور أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم » رواه مسلم - وروت عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّما نهيتكم للدّافّة الّتي دفّت . فكلوا وتزوّدوا وتصدّقوا وادّخروا » . وقال أحمد فيه أسانيد صحاح . أمّا عليّ وابن عمر فلم يبلغهما ترخيص رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد كانوا سمعوا النّهي فرووا على ما سمعوا .
ادّخار الدّولة الضّروريّات لوقت الحاجة :
12 - إذا توقّعت الدّولة نزول نازلة بالمسلمين من جائحة أو قحط أو حرب أو نحو ذلك وجب عليها أن تدّخر لهم من الأقوات والضّروريّات ما ينهض بمصالحهم ، ويخفّف عنهم شدّة هذه النّازلة ، واستدلّ لذلك بقصّة يوسف عليه السلام مع ملك مصر . وقد قصّ اللّه تعالى علينا ذلك من غير نكير ، وليس في شرعنا ما يخالفه ، فقال جلّ شأنه : { يوسف أيّها الصّدّيق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلّي أرجع إلى النّاس لعلّهم يعلمون قال : تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلاّ قليلاً ممّا تأكلون ثمّ يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدّمتم لهنّ إلاّ قليلاً ممّا تحصنون } . قال القرطبيّ في تفسيره لهذه الآيات : « وهذا يدلّ على جواز احتكار الطّعام لوقت الحاجة » .
إخراج المدّخرات وقت الضّرورة :
13 - يتّفق الفقهاء على أنّ من ادّخر شيئاً من الأقوات الضّروريّة لنفسه أو لعياله واضطرّ إليه أحد غيره كان عليه بذله له إن لم يكن محتاجاً إليه حالاً ؛ لأنّ الضّرر لا يزال بالضّرر . ويأثم بإمساكه عنه مع استغنائه ، وإن كانوا قد اختلفوا هل يبذله له بالقيمة أو بدونها . ومحلّ تفصيل ذلك مصطلح : ( اضطرار ) . دليل وجوب الإخراج في هذه الحال من السّنّة ما رواه أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له » . وعن جابر بن عبد اللّه قال « : بعث رسول اللّه بعثاً قبل السّاحل فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح ، وهم ثلاثمائة وأنا فيهم ، فخرجنا حتّى إذا كنّا ببعض الطّريق فني الزّاد ، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش ، فجمع ذلك كلّه ، فكان مزودي تمر ، فكان يقوتنا كلّ يوم قليلاً قليلاً حتّى فني ، فلم يكن يصيبنا إلاّ تمرة تمرة ، فقلت : وما تغني تمرة ، فقال : لقد وجدنا فقدها حين فنيت » - أخرجه البخاريّ في أوّل كتاب الشّركة . قال في عمدة القاريّ : قال القرطبيّ : جمع أبي عبيدة الأزواد وقسمها بالسّويّة إمّا أن يكون حكماً حكم به لمّا شاهد من الضّرورة ، وخوفه من تلف من لم يبق معه زاد ، فظهر أنّه وجب على من معه أن يواسي من ليس له زاد ، أو يكون عن رضاً منهم ، وقد فعل ذلك غير مرّة سيّدنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
ادّخار غير الأقوات :
14 - ادّخار غير الأقوات الضّروريّة جائز بالاتّفاق كالأمتعة والأواني ونحو ذلك . وعلى الدّولة أن تدّخر من غير الضّروريّة ما قد ينقلب ضروريّاً في وقت من الأوقات كالخيل مثلاً والكراع والسّلاح ونحو ذلك ، فإنّه غير ضروريّ في أوقات السّلم ، ولكنّه يصبح ضروريّاً أيّام الحرب ، وعلى الدّولة بذله للمحتاج حين اضطراره إليه .
ادّعاء
انظر : دعوى .
ادّهان
التّعريف
1 - الادّهان في اللّغة : الاطّلاء بالدّهن ، والدّهن ما يدهن به من زيت وغيره . والاطّلاء أعمّ من الادّهان ؛ لأنّه يكون بالدّهن وغيره ، كالاطّلاء بالنّورة . ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ . الحكم الإجماليّ :
2 - الادّهان بالطّيب أو بغيره ممّا لا نجاسة فيه مستحبّ في الجملة بالنّسبة للإنسان ، إذ هو من التّجمّل المطلوب لكلّ مسلم ، وهو من الزّينة الّتي يشملها قول اللّه تعالى : { قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده } . وقد رويت في الحثّ على الادّهان أحاديث كثيرة ، منها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « استاكوا عرضاً وادّهنوا غبّاً » وورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يكثر دهن رأسه ولحيته . ويستحبّ أن يكون الادّهان غبّاً ، وهو أن يدهن ، ثمّ يترك حتّى يجفّ الدّهن ، ثمّ يدهن ثانياً ، وقيل : يدهن يوماً ويوماً لا . ويتأكّد استحباب الادّهان لصلاة الجمعة ، والعيد ، ومجامع النّاس . وسواء في ذلك الرّجال والصّبيان والعبيد ، إلاّ النّساء ، فلا يجوز لمن أراد منهنّ حضور الجمعة . ويستثنى من الحكم بعض الحالات الّتي يحرم فيها الادّهان أو يكره ، كحالات الإحرام بالحجّ أو العمرة والاعتكاف ، والصّوم ، والإحداد بالنّسبة للمرأة .
3 - أمّا الادّهان بالنّسبة لغير الإنسان ، كدهن الحبل ، والعجلة ، والسّفينة ، والنّعل ، وغير ذلك ، فهو جائز بما لا نجاسة فيه ، أمّا المتنجّس ففيه خلاف على أساس جواز الانتفاع بالمتنجّس أو عدم الانتفاع به . مواطن البحث :
4 - للادّهان أحكام متعدّدة في كثير من المسائل الفقهيّة مفصّلة أحكامها في أبوابها ، ومن ذلك ادّهان المحرم في باب الحجّ ، والمعتكف في باب الاعتكاف ، والصّائم في باب الصّوم ، والمحدّة في باب العدّة . كذلك الادّهان بالمتنجّس في باب الطّهارة والنّجاسة .
إدراك
التّعريف
1 - يطلق الإدراك في اللّغة ويراد به اللّحوق والبلوغ في الحيوان ، والثّمر ، والرّؤية . واسم المصدر منه الدّرك بفتح الرّاء . والمدرك بضمّ الميم يكون مصدراً واسم زمان ومكان ، تقول : أدركته مدركاً ، أي إدراكاً ، وهذا مدركه ، أي موضع إدراكه أو زمانه . وقد استعمل الفقهاء الإدراك في هذه المعاني اللّغويّة ، ومن ذلك قولهم : أدركه الثّمن ، أي لزمه ، وهو لحوق معنويّ ، وأدرك الغلام : أي بلغ الحلم ، وأدركت الثّمار : أي نضجت . والدّرك بفتحتين ، وسكون الرّاء لغة فيه : اسم من أدركت الشّيء ، ومنه ضمان الدّرك . ويطلق بعض الفقهاء الإدراك ويريد به الجذاذ . وقد استعمل الأصوليّون والفقهاء ( مدارك الشّرع ) بمعنى مواضع طلب الأحكام ، وهي حيث يستدلّ بالنّصوص ، كالاجتهاد ، فإنّه مدرك من مدارك الشّرع .
( الألفاظ ذات الصّلة )
اللاّحق والمسبوق :
2 - يفرّق بعض الفقهاء بين المدرك للصّلاة مثلاً واللاّحق بها والمسبوق ، مع أنّ الإدراك واللّحاق في اللّغة مترادفان . فالمدرك للصّلاة من صلاّها كاملةً مع الإمام ، أي أدرك جميع ركعاتها معه ، سواء أدرك التّحريمة أو أدركه في جزء من ركوع الرّكعة الأولى . واللاّحق من فاتته الرّكعات كلّها أو بعضها بعذر بعد اقتدائه . أمّا المسبوق فهو من سبقه الإمام بكلّ الرّكعات أو بعضها .
( الحكم الإجماليّ )
3 - يختلف الحكم الإجماليّ للإدراك تبعاً للاستعمالات الفقهيّة أو الأصوليّة ، فاستعماله الأصوليّ سبقت الإشارة إليه عند الكلام عن مدارك الشّريعة ، وتفصيله في الملحق الأصوليّ . أمّا الاستعمال الفقهيّ فيصدق على أمور عدّة . فإدراك الفريضة : اللّحوق بها وأخذ أجرها كاملاً عند إتمامها على الوجه الأكمل ، مع الخلاف بأيّ شيء يكون الإدراك . وإدراك فضيلة صلاة الجماعة عند جمهور الفقهاء يكون باشتراك المأموم مع الإمام في جزء من صلاته ، ولو آخر القعدة الأخيرة قبل السّلام ، فلو كبّر قبل سلام إمامه فقد أدرك فضل الجماعة . أمّا المالكيّة فعندهم تدرك الصّلاة ويحصل فضلها بإدراك ركعة كاملة مع الإمام .
4 - وفي المعاملات نجد في الجملة القاعدة التّالية : وهي أنّ من أدرك عين ماله عند آخر فهو أحقّ به من كلّ أحد ، إذا ثبت أنّه ملكه بالبيّنة ، أو صدّقه من في يده العين . ويندرج تحت هذه القاعدة مسألة ( ضمان الدّرك ) وهو الرّجوع بالثّمن عند استحقاق المبيع . فعند جمهور الفقهاء يصحّ ضمان الدّرك ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من وجد عين ماله عند رجل فهو أحقّ به ، ويتبع البيع من باعه » ، ولكون الحاجة تدعو إليه . مواطن البحث :
5 - يبحث الفقهاء مصطلح ( إدراك ) في كثير من المواطن . فمسألة إدراك الصّلاة بحثت في الصّلاة عند الحديث عن إدراك ركعة في آخر الوقت : ( إدراك الفريضة ، صلاة الجمعة ، صلاة الجماعة ، صلاة الخوف ) ، ومسألة إدراك الوقوف بعرفة في الحجّ عند الحديث عن الوقوف بعرفة ، ومسألة زكاة الثّمرة إذا أدركت في الزّكاة عند الحديث عن زكاة الثّمار ، وضمان الدّرك عند الشّافعيّة في الضّمان ، وعند المالكيّة في البيع ، وعند الحنفيّة في الكفالة ، أمّا الحنابلة ويسمّونه عهدة المبيع - فبحثوه في السّلم ، عند الحديث عن أخذ الضّمان على عهدة المبيع ، ومسألة إدراك الغلام والجارية في الحجر ، عند الحديث عن بلوغ الغلام ، ومسألة بيع الثّمر على الشّجر قبل الإدراك وبعده في المساقاة ، عند الحديث عن إدراك الثّمر ، ومسألة إدراك الصّيد حيّاً في الصّيد والذّبائح .
إدلاء
التّعريف
1 - في اللّغة : أدلى الدّلو أرسلها في البئر ليستقي بها ، وأدلى بحجّته أحضرها ، وأدلى إليه بماله دفعه ، وأدلى إلى الميّت بالبنوّة وصل بها ، والإدلاء إرسال الدّلو في البئر ، ثمّ استعير في إرسال كلّ شيء مجازاً . ولا يخرج استعمال الفقهاء للإدلاء عن المعنى اللّغويّ . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - أغلب استعمال الفقهاء للفظ : ( إدلاء ) في بابي الإرث والحضانة ، فيذكرون الإدلاء بالنّسب وهم يقصدون الصّلة الّتي تصل الإنسان بالميّت أو بالمحضون ، ويقدّمون من يدلي بنفسه على من يدلي بغيره ، ومن يدلي بجهتين على من يدلي بجهة واحدة .
إدمان
انظر : خمر - مخدّر .
أذًى
التّعريف
1 - الأذى في اللّغة يطلق على الشّيء تكرهه ولا تقرّه ، ومنه القذر . ويطلق أيضاً على الأثر الّذي يتركه ذلك الشّيء إذا كان أثراً يسيراً ، جاء في تاج العروس عن الخطّابيّ : الأذى : المكروه اليسير . والأذى يرد في استعمال الفقهاء بهذين المعنيين أيضاً ، فهم يطلقونه على الشّيء المؤذي ، وقد ورد في حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق » .
( الألفاظ ذات الصّلة ) : أ - الضّرر :
2 - الشّرّ عندما يكون يسيراً يسمّيه أهل اللّغة " أذًى " ، وعندما يكون جسيماً يسمّونه " ضرراً » . قال في تاج العروس : « الأذى : الشّرّ الخفيف ، فإن زاد فهو ضرر » . أمّا الفقهاء فإنّ استعمالهم العامّ لهاتين الكلمتين ( أذًى ، ضرر ) يدلّ على أنّهم يعتمدون هذا الفرق ويراعونه في كلامهم ، فهم يقولون : على الطّائف حول الكعبة ألاّ يؤذي في طوافه أحداً ، ويقولون : على المسلمين ألاّ يؤذوا أحداً من أهل الهدنة ما داموا في هدنتهم ، ونحو ذلك كثير في كتب الفقه . بينما هم يقولون : لا يجوز لمريض أن يفطر إن كان لا يتضرّر بالصّوم . ويقولون : ضمان الضّرر ، ولا يقولون : ضمان الأذى ، كما هو معروف في كتاب الضّمان من كتب الفقه . فنسبة الأذى للضّرر كنسبة الصّغائر إلى الكبائر . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث : أ - الأذى بمعنى الضّرر البسيط :
3 - الأذى حرام ، وتركه واجب بالاتّفاق ما لم يعارض بما هو أشدّ ، فعندئذ يرتكب الأذى ، عملاً بالقاعدة المتّفق عليها : يرتكب أخفّ الضّررين لاتّقاء أشدّهما . وقد ذكر الفقهاء ذلك في مواطن كثيرة منها : كتاب الحجّ ، عند كلامهم على لمس الحجر الأسود ، وفي كتاب الرّقّ ، عند كلامهم على معاملة الرّقيق ، وفي كتاب الحظر والإباحة عند الحنفيّة الكثير من هذا القبيل .
ب - الأذى بمعنى الشّيء المؤذي :
4 - يندب إزالة الأشياء المؤذية للمسلمين أينما وجدت ، فقد اعتبر الرّسول صلى الله عليه وسلم إماطة الأذى عن الطّريق من الإيمان بقوله : « الإيمان بضع وسبعون شعبةً أفضلها لا إله إلاّ اللّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق » . « وقال أبو برزة : يا رسول اللّه دلّني على عمل يدخلني الجنّة . قال : اعزل الأذى عن طريق المسلمين » . ومن أراد أن يمرّ بنبله في مكان يكثر فيه النّاس فعليه أن يمسك بنصله ؛ لئلاّ يؤذي أحداً من المسلمين . ومن رأى على أخيه أذًى فعليه أن يميطه عنه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ أحدكم مرآة أخيه ، فإن رأى به أذًى فليمطه عنه » . والمولود يحلق شعره في اليوم السّابع ويماط عنه الأذى . ويقتل الحيوان المؤذي ولو وجد في الحرم ، كفّاً لأذاه عن النّاس .
5 - الأشياء المؤذية إذا وجدت في بلاد الحرب فإنّها لا تزال إضعافاً للكفّار المحاربين ، فلا يقتل الحيوان المؤذي في بلادهم ، كما نصّ على ذلك الفقهاء في كتاب الجهاد .
أذان
التّعريف
1 - الأذان لغةً : الإعلام ، قال اللّه تعالى : { وأذّن في النّاس بالحجّ } أي أعلمهم به وشرعاً : الإعلام بوقت الصّلاة المفروضة ، بألفاظ معلومة مأثورة ، على صفة مخصوصة . أو الإعلام باقترابه بالنّسبة للفجر فقط عند بعض الفقهاء .
( الألفاظ ذات الصّلة ) : أ - الدّعوة - النّداء :
2 - كلا اللّفظين يتّفق مع الأذان في المعنى العامّ وهو النّداء والدّعاء وطلب الإقبال .
ب - الإقامة :
3 - للإقامة في اللّغة معان عدّة ، منها الاستقرار ، والإظهار ، والنّداء وإقامة القاعد . وهي في الشّرع : إعلام بالقيام إلى الصّلاة بألفاظ معلومة مأثورة على صفة مخصوصة .
ج - التّثويب :
4 - التّثويب في اللّغة : الرّجوع ، وهو في الأذان : العود إلى الإعلام بعد الإعلام ، وهو زيادة عبارة : ( الصّلاة خير من النّوم ) مرّتين بعد الحيعلتين في أذان الصّبح عند جميع الفقهاء ، أو زيادة عبارة ( حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح ) بين الأذان والإقامة ، كما يقول الحنفيّة . صفته ( حكمه التّكليفيّ ) :
5 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأذان من خصائص الإسلام وشعائره الظّاهرة ، وأنّه لو اتّفق أهل بلد على تركه قوتلوا ، ولكنّهم اختلفوا في حكمه ، فقيل : إنّه فرض كفاية ، وهو الصّحيح عند كلّ من الحنابلة في الحضر والمالكيّة على أهل المصر ، واستظهره بعض المالكيّة في مساجد الجماعات ، وهو رأي للشّافعيّة ورواية عن الإمام أحمد . كذلك نقل عن بعض الحنفيّة أنّه واجب على الكفاية ، بناءً على اصطلاحهم في الواجب . واستدلّ القائلون بذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا حضرت الصّلاة فليؤذّن لكم أحدكم وليؤمّكم أكبركم » ، والأمر هنا يقتضي الوجوب على الكفاية ؛ ولأنّه من شعائر الإسلام الظّاهرة ، فكان فرض كفاية كالجهاد وقيل : إنّه سنّة مؤكّدة وهو الرّاجح عند الحنفيّة ، والأصحّ عند الشّافعيّة وبه قال بعض المالكيّة للجماعة الّتي تنتظر آخرين ليشاركوهم في الصّلاة ، وفي السّفر على الصّحيح عند الحنابلة ، ومطلقاً في رواية عن الإمام أحمد ، وهي الّتي مشى عليها الخرقيّ . واستدلّ القائلون بذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم للأعرابيّ المسيء صلاته : افعل كذا وكذا ولم يذكر الأذان مع أنّه صلى الله عليه وسلم ذكر الوضوء واستقبال القبلة وأركان الصّلاة . وعلى كلا الرّأيين لو أنّ قوماً صلّوا بغير أذان صحّت صلاتهم وأثموا ، لمخالفتهم السّنّة وأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وقيل هو فرض كفاية في الجمعة دون غيرها وهو رأي للشّافعيّة والحنابلة ؛ لأنّه دعاء للجماعة ، والجماعة واجبة في الجمعة ، سنّة في غيرها عند الجمهور .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:31 AM

بدء مشروعيّة الأذان :
6 - شرع الأذان بالمدينة في السّنة الأولى من الهجرة على الأصحّ ؛ للأحاديث الصّحيحة الواردة في ذلك ، ومنها ما رواه مسلم عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال : « كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصّلاة وليس ينادي بها أحد فتكلّموا يوماً في ذلك ، فقال بعضهم : اتّخذوا ناقوساً مثل ناقوس النّصارى ، وقال بعضهم : قرناً مثل قرن اليهود ، فقال عمر رضي الله عنه : أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصّلاة ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : يا بلال قم فناد بالصّلاة » ، « ثمّ جاءت رؤيا عبد اللّه بن زيد قال : لمّا أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالنّاقوس ليعمل حتّى يضرب به ليجتمع النّاس للصّلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً ، فقلت له : يا عبد اللّه أتبيع النّاقوس ؟ فقال : ما تصنع به ؟ قلت : ندعو به للصّلاة ، فقال : ألا أدلّك على ما هو خير من ذلك ؟ ، قلت : بلى ، قال : تقول : اللّه أكبر اللّه أكبر ، فذكر الأذان والإقامة ، فلمّا أصبحت أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت ، فقال : إنّها لرؤيا حقّ إن شاء اللّه ، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذّن به » . وقيل : إنّ الأذان شرع في السّنة الثّانية من الهجرة . وقيل : إنّه شرع بمكّة قبل الهجرة ، وهو بعيد لمعارضته الأحاديث الصّحيحة . وقد اتّفقت الأمّة الإسلاميّة على مشروعيّة الأذان ، والعمل به جار منذ عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بلا خلاف .
حكمة مشروعيّة الأذان :
7 - شرع الأذان للإعلام بدخول وقت الصّلاة ، وإعلاء اسم اللّه بالتّكبير ، وإظهار شرعه ورفعة رسوله ، ونداء النّاس إلى الفلاح والنّجاح . فضل الأذان :
8 - الأذان من خير الأعمال الّتي تقرّب إلى اللّه تعالى ، وفيه فضل كثير وأجر عظيم ، وقد وردت في فضله أحاديث كثيرة ، منها ما رواه أبو هريرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لو يعلم النّاس ما في النّداء والصّفّ الأوّل ثمّ لم يجدوا إلاّ أن يستهموا عليه لاستهموا » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « المؤذّنون أطول النّاس أعناقاً يوم القيامة » . وقد فضّله بعض فقهاء الحنابلة والمالكيّة والشّافعيّة على الإمامة للأخبار الّتي وردت فيه قالوا : ولم يتولّه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه لضيق وقتهم ، ولهذا قال عمر بن الخطّاب : لولا الخلافة لأذّنت .
9 - ونظراً لما فيه من فضل ودعوة الرّسول صلى الله عليه وسلم إلى الإقبال عليه فقد ذكر الفقهاء أنّه إذا تشاحّ أكثر من واحد على الأذان قدّم من توافرت فيه شرائط الأذان ، فإن تساووا أقرع بينهم ، كما ورد في الحديث السّابق . وقد تشاحّ النّاس في الأذان يوم القادسيّة فأقرع بينهم سعد .
ألفاظ الأذان :
10 - ألفاظ الأذان الّتي وردت في حديث عبد اللّه بن زيد في رؤياه الّتي قصّها على النّبيّ صلى الله عليه وسلم هي الّتي أخذ بها الحنفيّة والحنابلة وهي : اللّه أكبر اللّه أكبر ، اللّه أكبر اللّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ، حيّ على الصّلاة ، حيّ على الصّلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح اللّه أكبر اللّه أكبر ، لا إله إلاّ اللّه . هكذا حكى عبد اللّه بن زيد أذان ( الملك ) النّازل من السّماء ، ووافقه عمر وجماعة من الصّحابة ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت ، فليؤذّن به فإنّه أندى صوتاً منك " وأخذ الشّافعيّة بحديث أبي محذورة ، وهو بنفس الألفاظ الّتي وردت في حديث عبد اللّه بن زيد ، مع زيادة التّرجيع . وذهب المالكيّة وأبو يوسف ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة إلى أنّ التّكبير في أوّل الأذان مرّتان فقط مثل آخره وليس أربعاً ؛ لأنّه عمل السّلف بالمدينة ، ولرواية أخرى عن عبد اللّه بن زيد فيها التّكبير في أوّل الأذان مرّتين فقط .
التّرجيع في الأذان :
11 - التّرجيع هو أن يخفض المؤذّن صوته بالشّهادتين مع إسماعه الحاضرين ، ثمّ يعود فيرفع صوته بهما . وهو مكروه تنزيهاً في الرّاجح عند الحنفيّة ؛ لأنّ بلالاً لم يكن يرجّع في أذانه ، ولأنّه ليس في أذان الملك النّازل من السّماء . وهو سنّة عند المالكيّة وفي الصّحيح عند الشّافعيّة ؛ لوروده في حديث أبي محذورة ، وهي الصّفة الّتي علّمها له النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، وعليها السّلف والخلف . وقال الحنابلة : إنّه مباح ولا يكره الإتيان به لوروده في حديث أبي محذورة . وبهذا أيضاً قال بعض الحنفيّة والثّوريّ وإسحاق ، وقال القاضي حسين من الشّافعيّة : إنّه ركن في الأذان .
التّثويب :
12 - التّثويب هو أن يزيد المؤذّن عبارة ( الصّلاة خير من النّوم ) مرّتين بعد الحيعلتين في أذان الفجر ، أو بعد الأذان كما يقول بعض الحنفيّة ، وهو سنّة عند جميع الفقهاء ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة : فإذا كان صلاة الصّبح قلت : الصّلاة خير من النّوم ، الصّلاة خير من النّوم » ، كذلك « لمّا أتى بلال رضي الله عنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصّبح فوجده راقداً فقال : الصّلاة خير من النّوم مرّتين ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا يا بلال ، اجعله في أذانك » . وخصّ التّثويب بالصّبح لما يعرض للنّائم من التّكاسل بسبب النّوم . وأجاز بعض الحنفيّة وبعض الشّافعيّة التّثويب في الصّبح والعشاء ؛ لأنّ العشاء وقت غفلة ونوم كالفجر وأجازه بعض الشّافعيّة في جميع الأوقات ؛ لفرط الغفلة على النّاس في زماننا ، وهو مكروه في غير الفجر عند المالكيّة والحنابلة ، وهو المذهب عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وذلك لما روي عن بلال أنّه قال : « أمرني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن أثوّب في الفجر ونهاني أن أثوّب في العشاء » . ودخل ابن عمر مسجداً يصلّي فيه فسمع رجلاً يثوّب في أذان الظّهر فخرج ، فقيل له : أين ؟ فقال : أخرجتني البدعة . هذا هو التّثويب الوارد في السّنّة .
13 - وقد استحدث علماء الكوفة من الحنفيّة بعد عهد الصّحابة تثويباً آخر ، وهو زيادة الحيعلتين أي عبارة " حيّ على الصّلاة ، حيّ على الفلاح " مرّتين بين الأذان والإقامة في الفجر ، واستحسنه متقدّمو الحنفيّة في الفجر فقط ، وكره عندهم في غيره ، والمتأخّرون منهم استحسنوه في الصّلوات كلّها - إلاّ في المغرب لضيق الوقت - وذلك لظهور التّواني في الأمور الدّينيّة وقالوا : إنّ التّثويب بين الأذان والإقامة في الصّلوات يكون بحسب ما يتعارفه أهل كلّ بلد ، بالتّنحنح ، أو الصّلاة ، الصّلاة ، أو غير ذلك . كذلك استحدث أبو يوسف جواز التّثويب ؛ لتنبيه كلّ من يشتغل بأمور المسلمين ومصالحهم ، كالإمام والقاضي ونحوهما ، فيقول المؤذّن بعد الأذان : السّلام عليك أيّها الأمير ، حيّ على الصّلاة ، حيّ على الفلاح ، الصّلاة يرحمك اللّه وشارك أبا يوسف في هذا الشّافعيّة وبعض المالكيّة ، وكذلك الحنابلة إن لم يكن الإمام ونحوه قد سمع الأذان ، واستبعده محمّد بن الحسن ؛ لأنّ النّاس سواسية في أمر الجماعة وشاركه في ذلك بعض المالكيّة .
14 - وأمّا ما يقوم به بعض المؤذّنين من التّسبيح والدّعاء والذّكر في آخر اللّيل فقد اعتبره بعض فقهاء المالكيّة بدعةً حسنةً ، وقال عنه الحنابلة : إنّه من البدع المكروهة ، ولا يلزم فعله ولو شرطه الواقف لمخالفته السّنّة .
الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد الأذان :
15 - يرى الشّافعيّة والحنابلة أنّ الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم من المؤذّن بعد الأذان سنّة ، وعندهم يسنّ للمؤذّن متابعة قوله سرّاً مثله كالمستمع ليجمع بين أداء الأذان والمتابعة ، وروي عن الإمام أحمد أنّه كان إذا أذّن فقال كلمةً من الأذان قال مثلها سرّاً ؛ ليكون ما يظهره أذاناً ودعاءً إلى الصّلاة ، وما يسرّه ذكراً للّه تعالى فيكون بمنزلة من سمع الأذان . بذلك يمكن أن يشمل المؤذّن الأمر الوارد في قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول ، ثمّ صلّوا عليّ فإنّه من صلّى عليّ صلاةً صلّى اللّه عليه بها عشراً ، ثمّ سلوا اللّه لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنّة لا ينبغي أن تكون إلاّ لعبد من عباد اللّه وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل اللّه لي الوسيلة حلّت عليه الشّفاعة » . واعتبره الحنفيّة والمالكيّة بدعةً حسنةً وقد ذكر الشّيخ أحمد البشبيشيّ في رسالته المسمّاة بالتّحفة السّنّيّة في أجوبة الأسئلة المرضيّة أنّ أوّل ما زيدت الصّلاة والسّلام على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد كلّ أذان على المنارة زمن السّلطان المنصور حاجي بن الأشرف شعبان وذلك في شعبان سنة 791 هـ وكان قد حدث قبل ذلك في أيّام السّلطان يوسف صلاح الدّين بن أيّوب أن يقال قبل أذان الفجر في كلّ ليلة بمصر والشّام : السّلام عليك يا رسول اللّه واستمرّ ذلك إلى سنة 777 هـ فزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدّين البرلّسيّ أن يقال : الصّلاة والسّلام عليك يا رسول اللّه ثمّ جعل ذلك عقب كلّ أذان سنة ( 791 ) هـ .
النّداء بالصّلاة في المنازل :
16 - يجوز للمؤذّن أن يقول عند شدّة المطر أو الرّيح أو البرد : ألا صلّوا في رحالكم ، ويكون ذلك بعد الأذان ، وقد روي أنّ ابن عمر أذّن بالصّلاة في ليلة ذات برد وريح ، ثمّ قال : ألا صلّوا في الرّحال ، ثمّ قال : « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذّن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر أن يقول : ألا صلّوا في الرّحال » ، وروي أيضاً أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا ابتلّت النّعال فالصّلاة في الرّحال » .
شرائط الأذان
يشترط في الأذان للصّلاة ما يأتي : دخول وقت الصّلاة :
17 - دخول وقت الصّلاة المفروضة شرط للأذان ، فلا يصحّ الأذان قبل دخول الوقت - إلاّ في الأذان لصلاة الفجر على ما سيأتي - لأنّ الأذان شرع للإعلام بدخول الوقت ، فإذا قدّم على الوقت لم يكن له فائدة ، وإذا أذّن المؤذّن قبل الوقت أعاد الأذان بعد دخول الوقت ، إلاّ إذا صلّى النّاس في الوقت وكان الأذان قبله فلا يعاد . وقد روي « أنّ بلالاً أذّن قبل طلوع الفجر فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي : ألا إنّ العبد قد نام ، فرجع فنادى : ألا إنّ العبد قد نام » . والمستحبّ إذا دخل الوقت أن يؤذّن في أوّله ، ليعلم النّاس فيأخذوا أهبتهم للصّلاة ، وكان بلال لا يؤخّر الأذان عن أوّل الوقت أمّا بالنّسبة للفجر فذهب مالك والشّافعيّ وأحمد وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّه يجوز الأذان للفجر قبل الوقت ، في النّصف الأخير من اللّيل عند الشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ، وفي السّدس الأخير عند المالكيّة . ويسنّ الأذان ثانياً عند دخول الوقت لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ بلالاً يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتّى يؤذّن ابن أمّ مكتوم » . وعند الحنفيّة - غير أبي يوسف - لا يجوز الأذان لصلاة الفجر إلاّ عند دخول الوقت ، ولا فرق بينها وبين غيرها من الصّلوات ؛ لما روى شدّاد مولى عياض بن عامر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لبلال : « لا تؤذّن حتّى يستبين لك الفجر » .
18 - وأمّا الجمعة فمثل باقي الصّلوات لا يجوز الأذان لها قبل دخول الوقت ، وللجمعة أذانان ، أوّلهما عند دخول الوقت ، وهو الّذي يؤتى به من خارج المسجد - على المئذنة ونحوها - وقد أمر به سيّدنا عثمان رضي الله عنه حين كثر النّاس . والثّاني وهو الّذي يؤتى به إذا صعد الإمام على المنبر ، ويكون داخل المسجد بين يدي الخطيب ، وهذا هو الّذي كان في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر حتّى أحدث عثمان الأذان الثّاني . وكلا الأذانين مشروع إلاّ ما روي عن الشّافعيّ من أنّه استحبّ أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر . هذا وقد اختلف الفقهاء فيما يتعلّق بأذاني الجمعة من أحكام وأيّهما المعتبر في تحريم البيع ( ر : بيع ، وصلاة الجمعة ) .
النّيّة في الأذان :
19 - نيّة الأذان شرط لصحّته عند المالكيّة والحنابلة لحديث : « إنّما الأعمال بالنّيّات » ، ولذلك لو أخذ شخص في ذكر اللّه بالتّكبير ثمّ بدا له عقب ما كبّر أن يؤذّن فإنّه يبتدئ الأذان من أوّله ، ولا يبني على ما قال . والنّيّة ليست شرطاً عند الشّافعيّة على الأرجح ولكنّها مندوبة ، إلاّ أنّه يشترط عندهم عدم الصّارف فلو قصد تعليم غيره لم يعتدّ به . أمّا الحنفيّة فلا تشترط عندهم النّيّة لصحّة الأذان وإن كانت شرطاً للثّواب عليه .
أداء الأذان باللّغة العربيّة :
20 - اشترط الحنفيّة والحنابلة كون الأذان باللّفظ العربيّ على الصّحيح ولا يصحّ الإتيان به بأيّ لغة أخرى ولو علم أنّه أذان . أمّا الشّافعيّة فعندهم إن كان يؤذّن لجماعة وفيهم من يحسن العربيّة لم يجز الأذان بغيرها ، ويجزئ إن لم يوجد من يحسنها ، وإن كان يؤذّن لنفسه فإن كان يحسن العربيّة لا يجزئه الأذان بغيرها وإن كان لا يحسنها أجزأه . ولم يظهر للمالكيّة نصّ في هذه المسألة .
خلوّ الأذان من اللّحن :
21 - اللّحن الّذي يغيّر المعنى في الأذان كمدّ همزة اللّه أكبر أو بائه يبطل الأذان ، فإن لم يغيّر المعنى فهو مكروه وهذا عند الجمهور ، وهو مكروه عند الحنفيّة قال ابن عابدين : اللّحن الّذي يغيّر الكلمات لا يحلّ فعله .
التّرتيب بين كلمات الأذان :
22 - يقصد بالتّرتيب أن يأتي المؤذّن بكلمات الأذان على نفس النّظم والتّرتيب الوارد في السّنّة دون تقديم أو تأخير لكلمة أو جملة على الأخرى ، ومذهب الجمهور أنّ التّرتيب عندهم واجب فإن فعل المؤذّن ذلك استأنف الأذان من أوّله ؛ لأنّ ترك التّرتيب يخلّ بالإعلام المقصود ، ولأنّه ذكر يعتدّ به فلا يجوز الإخلال بنظمه ، وقيل : إنّه يجوز أن يبني على المنتظم منه ، فلو قدّم الشّهادة بالرّسالة على الشّهادة بالتّوحيد أعاد الشّهادة بالرّسالة ، وإن كان الاستئناف أولى . أمّا الحنفيّة فعندهم التّرتيب سنّة ، فلو قدّم في الأذان جملةً على الأخرى أعاد ما قدّم فقط ولا يستأنفه من أوّله .
الموالاة بين ألفاظ الأذان :
23 - الموالاة في الأذان هي المتابعة بين ألفاظه بدون فصل بقول أو فعل ، ومن الفصل بين ألفاظه ما يحدث دون إرادة كالإغماء أو الرّعاف أو الجنون . والفصل بين كلمات الأذان بأيّ شيء كسكوت أو نوم أو كلام أو إغماء أو غيره ، إن كان يسيراً فلا يبطل الأذان ويبني على ما مضى ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، أمّا عند الشّافعيّة فيسنّ استئناف الأذان في غير السّكوت والكلام . هذا مع اتّفاق الفقهاء على كراهة الكلام اليسير إن كان لغير سبب أو ضرورة . أمّا إذا طال الفصل بين كلمات الأذان بكلام كثير ، ولو مضطرّاً إليه كإنقاذ أعمى ، أو نوم طويل أو إغماء أو جنون فيبطل الأذان ويجب استئنافه ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو طريقة الخراسانيّين من الشّافعيّة ، قال الرّافعيّ : والأشبه وجوب الاستئناف عند طول الفصل ، وقطع العراقيّون من الشّافعيّة بعدم البطلان مع استحباب الاستئناف . وألحق الحنابلة بحالات بطلان الأذان ووجوب استئنافه الفصل بالكلام اليسير الفاحش كالشّتم والقذف .
رفع الصّوت بالأذان :
24 - أوجب الشّافعيّة والحنابلة رفع الصّوت بالأذان ؛ ليحصل السّماع المقصود للأذان ، وهو كذلك رأي للحنفيّة ، وهذا إذا كان الغرض إعلام غير الحاضرين بصلاة الجماعة ، أمّا من يؤذّن لنفسه أو لحاضر معه فلا يشترط رفع الصّوت به إلاّ بقدر ما يسمع نفسه أو يسمعه الحاضر معه ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدريّ « إنّي أراك تحبّ الغنم والبادية ، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذّنت بالصّلاة فارفع صوتك بالنّداء ، فإنّه لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنّ ولا إنس إلاّ شهد له يوم القيامة » وهو سنّة عند المالكيّة وهو الرّاجح عند الحنفيّة ، فإنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعبد اللّه بن زيد : علّمه بلالاً فإنّه أندى وأمدّ صوتاً منك » .
25 - هذا وقد اتّفق الفقهاء على أنّه لا ينبغي أن يجهد المؤذّن نفسه بما فوق طاقته مبالغةً في رفع صوته بالأذان خشية حدوث بعض الأمراض له .
26 - ولكي يكون الأذان مسموعاً ومحقّقاً للغرض منه استحبّ الفقهاء أن يكون الأذان من فوق مكان مرتفع يساعد على انتشار الصّوت بحيث يسمعه أكبر عدد ممكن من النّاس كالمئذنة ونحوها .
سنن الأذان استقبال القبلة :
27 - يسنّ استقبال القبلة حال الأذان ، وهو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو الرّاجح عند المالكيّة ، ولو ترك الاستقبال يجزئه ويكره ، لتركه السّنّة المتواترة ؛ لأنّ مؤذّني النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذّنون مستقبلي القبلة ، وجاز عند بعض كلّ من المالكيّة والحنابلة الدّوران حال الأذان إذا كان ذلك أسمع لصوته ، لأنّ المقصود هو الإعلام ، وعند الحنفيّة وبعض المالكيّة إذا لم يتمّ الإعلام بتحويل وجهه عند الحيعلتين فقط مع ثبات قدميه فإنّه يستدير بجسمه في المئذنة . وعند الحيعلتين أي قوله ( حيّ على الصّلاة ، حيّ على الفلاح ) يسنّ أن يلتفت المؤذّن فيحوّل وجهه - فقط دون استدارة جسمه - يميناً ويقول : حيّ على الصّلاة مرّتين ، ثمّ يحوّل وجهه شمالاً وهو يقول : حيّ على الفلاح مرّتين ، هكذا كان أذان بلال وبهذا قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض المالكيّة .
التّرسّل أو التّرتيل :
28 - التّرسّل هو التّمهّل والتّأنّي ، ويكون بسكتة - تسع الإجابة - بين كلّ جملتين من جمل الأذان ، على أن يجمع بين كلّ تكبيرتين بصوت ويفرد باقي كلماته ؛ للأمر بذلك في قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا أذّنت فترسّل » ، ولأنّ المقصود من الأذان هو إعلام الغائبين بدخول وقت الصّلاة ، والتّرسّل أبلغ في ذلك من الإسراع وقد لخصّ ابن عابدين ما في مسألة حركة راء التّكبيرات فقال " الحاصل أنّ التّكبيرة الثّانية في الأذان ساكنة الرّاء للوقف حقيقةً ورفعها خطأ ، وأمّا التّكبيرة الأولى من كلّ تكبيرتين منه وجميع تكبيرات الإقامة فقيل محرّكة الرّاء بالفتحة على نيّة الوقف ، وقيل بالضّمّة إعراباً ، وقيل ساكنة بلا حركة على ما هو ظاهر كلام الأمداد والزّيلعيّ والبدائع وجماعة من الشّافعيّة ، والّذي يظهر الإعراب لما ذكره عن الطّلبة ، ولما في الأحاديث المشتهرة للجراحيّ أنّه سئل السّيوطيّ عن هذا الحديث فقال هو غير ثابت كما قال الحافظ ابن حجر ، وإنّما هو من قول إبراهيم النّخعيّ ، ومعناه كما قال جماعة منهم الرّافعيّ وابن الأثير أنّه لا يمدّ . وإطلاق الجزم على حذف الحركة الإعرابيّة لم يكن معهوداً في الصّدر الأوّل ، وإنّما هو اصطلاح حادث فلا يصحّ الحمل عليه » .
صفات المؤذّن ما يشترط فيه من الصّفات : الإسلام :
29 - إسلام المؤذّن شرط لصحّته ، فلا يصحّ أذان الكافر ؛ لأنّه ليس من أهل العبادة ؛ ولأنّه لا يعتقد الصّلاة الّتي يعتبر الأذان دعاءً لها ، فإتيانه بالأذان ضرب من الاستهزاء ، وهذا باتّفاق ، ولا يعتدّ بأذانه ، وفي حكم إسلامه لو أذّن ينظر مصطلح : ( إسلام ) .
الذّكورة :
30 - من الشّروط الواجبة في المؤذّن أن يكون رجلاً ، فلا يصحّ أذان المرأة ؛ لأنّ رفع صوتها قد يوقع في الفتنة ، وهذا عند الجمهور في الجملة ، ولا يعتدّ بأذانها لو أذّنت . واعتبر الحنفيّة الذّكورة من السّنن ، وكرهوا أذان المرأة ، واستحبّ الإمام أبو حنيفة إعادة الأذان لو أذّنت ، وفي البدائع : لو أذّنت للقوم أجزأ ، ولا يعاد ، لحصول المقصود ، وأجاز بعض الشّافعيّة أذانها لجماعة النّساء دون رفع صوتها .
العقل :
31 - يشترط في المؤذّن أن يكون عاقلاً ، فلا يصحّ الأذان من مجنون وسكران لعدم تمييزهما ، ويجب إعادة الأذان لو وقع منهما ؛ لأنّ كلامهما لغو ، وليسا في الحال من أهل العبادة ، وهذا عند الجمهور ، وكره الحنفيّة أذان غير العاقل ، واستحبّ في ظاهر الرّواية إعادة أذانه .
البلوغ :
32 - الصّبيّ غير العاقل ( أي غير المميّز ) لا يجوز أذانه باتّفاق ؛ لأنّ ما يصدر منه لا يعتدّ به ، أمّا الصّبيّ المميّز فيجوز أذانه عند الحنفيّة ( مع كراهته عند أبي حنيفة ) والشّافعيّة ، وهو إحدى الرّوايتين عند الحنابلة ، وهو أيضاً مذهب المالكيّة إذا اعتمد على بالغ عدل في معرفة دخول الوقت .
ما يستحبّ أن يتّصف به المؤذّن :
33 - يستحبّ أن يكون المؤذّن طاهراً من الحدث الأصغر والأكبر ؛ لأنّ الأذان ذكر معظّم ، فالإتيان به مع الطّهارة أقرب إلى التّعظيم ، ولحديث أبي هريرة مرفوعاً : « لا يؤذّن إلاّ متوضّئ » ، ويجوز أذان المحدث مع الكراهة بالنّسبة للحدث الأكبر عند جميع الفقهاء ، وعند المالكيّة والشّافعيّة بالنّسبة للحدث الأصغر كذلك .
34 - ويستحبّ أن يكون عدلاً ؛ لأنّه أمين على المواقيت ، وليؤمّن نظره إلى العورات . ويصحّ أذان الفاسق مع الكراهة ، وفي وجه عند الحنابلة لا يعتدّ بأذان ظاهر الفسق ؛ لأنّه لا يقبل خبره ، وفي الوجه الآخر يعتدّ بأذانه ؛ لأنّه تصحّ صلاته بالنّاس ، فكذا أذانه .
35 - ويستحبّ أن يكون صيّتاً ، أي حسن الصّوت ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن زيد : فقم مع بلال ، فألق عليه ما رأيت ، فإنّه أندى صوتاً منك » ؛ ولأنّه أبلغ في الإعلام ، هذا مع كراهة التّمطيط والتّطريب .
36 - ويستحبّ أن يجعل أصبعيه في أذنيه حال الأذان ؛ لما روي « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً بذلك وقال : إنّه أرفع لصوتك » .
37 - ويستحبّ أن يؤذّن قائماً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لبلال : « قم فأذّن بالصّلاة » ، قال ابن المنذر : أجمع كلّ من نحفظ عنه أنّه من السّنّة ؛ لأنّه أبلغ في الإسماع . ولا يؤذّن قاعداً إلاّ لعذر ، أو كان الأذان لنفسه كما يقول الحنفيّة ، ويكره أن يؤذّن راكباً إلاّ في سفر ، وأجاز أبو يوسف والمالكيّة أذان الرّاكب في الحضر 38 - ويستحبّ أن يكون عالماً بأوقات الصّلاة ؛ ليتحرّاها فيؤذّن في أوّلها ، حتّى كان البصير أفضل من الضّرير ، لأنّ الضّرير لا علم له بدخول الوقت 39 - ويستحبّ أن يكون المؤذّن هو المقيم ؛ لما ورد في حديث « زياد بن الحارث الصّدائيّ ، حين أذّن فأراد بلال أن يقيم ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إنّ أخا صداء قد أذّن ، ومن أذّن فهو يقيم » .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:33 AM

- ويستحبّ أن يؤذّن محتسباً ، ولا يأخذ على الأذان أجراً ؛ لأنّه استئجار على الطّاعة ، وقد ورد في الخبر : « من أذّن سبع سنين محتسباً كتبت له براءة من النّار » ، وإذا لم يوجد متطوّع رزق الإمام من بيت المال من يقوم به ؛ لحاجة المسلمين إليه . 41 - وبالنّسبة للإجارة على الأذان فقد أجازه متأخّرو الحنفيّة ، للحاجة إليه ، وأجازه كذلك الإمام مالك وبعض الشّافعيّة ، وهو رواية عن الإمام أحمد ( ر : إجارة ) .
ما يشرع له الأذان من الصّلوات :
42 - الأصل أنّ الأذان شرع للصّلوات المفروضة في حال الحضر والسّفر والجماعة والانفراد ، أداءً وقضاءً ، وهذا باتّفاق ، إلاّ ما قاله المالكيّة من أنّه يكره الأذان للفائتة ، وما قاله بعضهم من أنّه لا أذان في الحضر للمنفرد ، وللجماعة غير المسافرة المجتمعين بموضع ولا يريدون دعاء غيرهم ؛ لأنّ الأذان إنّما جعل ليدعى به الغائب ، ولا غائب حتّى يدعى . ويندب لهم الأذان في السّفر ويتفرّع على هذا الأصل بعض الفروع الّتي اختلف فيها الفقهاء وهي : الأذان للفوائت :
43 - سبق أنّ مذهب المالكيّة كراهة الأذان للفوائت ، وأمّا غيرهم فإنّ الفائتة الواحدة يؤذّن لها عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة ؛ لما روى أبو قتادة الأنصاريّ رضي الله عنه وفيه قال : « فمال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الطّريق ، فوضع رأسه ، ثمّ قال : احفظوا علينا صلاتنا ، فكان أوّل من استيقظ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والشّمس في ظهره . قال : فقمنا فزعين . ثمّ قال : اركبوا فركبنا ، فسرنا ، حتّى إذا ارتفعت الشّمس نزل . ثمّ دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء . قال فتوضّأ منها وضوءاً دون وضوء . قال : وبقي فيها شيء من ماء . ثمّ قال لأبي قتادة : احفظ علينا ميضأتك ، فسيكون لها نبأ ثمّ أذّن بلال بالصّلاة ، فصلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ثمّ صلّى الغداة ، فصنع كما كان يصنع كلّ يوم » .
44 - أمّا إذا تعدّدت الفوائت فعند الحنفيّة : الأولى أن يؤذّن ويقيم لكلّ صلاة ، وعند الحنابلة وهو المعتمد عند الشّافعيّة يستحبّ أن يؤذّن للأولى فقط ويقيم لما بعدها ، وذلك جائز عند الحنفيّة أيضاً . وقد اختلفت الرّوايات في قضاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الصّلوات الّتي فاتته يوم الخندق ، ففي بعضها أنّه أمر بلالاً ، فأذّن وأقام لكلّ صلاة ، وفي بعضها أنّه أذّن وأقام للأولى ، ثمّ أقام لكلّ صلاة بعدها ، وفي بعضها أنّه اقتصر على الإقامة لكلّ صلاة . وبهذه الرّواية الأخيرة أخذ الشّافعيّ على ما جاء في الأمّ ، ولكن المعتمد في المذهب خلاف ذلك ، وورد عن الشّافعيّ في الإملاء أنّه إن أمل اجتماع النّاس أذّن وأقام ، وإن لم يؤمّل أقام ؛ لأنّ الأذان يراد لجمع النّاس ، فإذا لم يؤمل الجمع لم يكن للأذان وجه .
الأذان للصّلاتين المجموعتين :
45 - إذا جمعت صلاتان في وقت إحداهما ، كجمع العصر مع الظّهر في وقت الظّهر بعرفة ، وكجمع المغرب مع العشاء بمزدلفة ، فإنّه يؤذّن للأولى فقط ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « صلّى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين » . وهذا عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة ، وهو قول بعض المالكيّة ، ولكن الأشهر عندهم أنّه يؤذّن لكلّ صلاة منهما .
الأذان في مسجد صلّيت فيه الجماعة
46 - لو أقيمت جماعة في مسجد فحضر قوم لم يصلّوا فالصّحيح عند الشّافعيّة أنّه يسنّ لهم الأذان دون رفع الصّوت لخوف اللّبس - سواء أكان المسجد مطروقاً أم غير مطروق ، وعند الحنابلة يستوي الأمر ، إن أرادوا أذّنوا وأقاموا ، وإلاّ صلّوا بغير أذان ، وقد روي عن أنس أنّه دخل مسجداً قد صلّوا فيه فأمر رجلاً فأذّن وأقام فصلّى بهم في جماعة . ويفصّل الحنفيّة فيقولون : إن كان المسجد له أهل معلومون وصلّى فيه غير أهله بأذان وإقامة لا يكره لأهله أن يعيدوا الأذان والإقامة إذا صلّوا ، وإن صلّى فيه أهله بأذان وإقامة أو بعض أهله يكره لغير أهله وللباقين من أهله أن يعيدوا الأذان والإقامة إذا صلّوا ، وإن كان المسجد ليس له أهل معلومون بأن كان على الطّريق لا يكره تكرار الأذان والإقامة فيه . ويقول المالكيّة : من أتى بعد صلاة الجماعة صلّى بغير أذان .
تعدّد المؤذّنين :
47 - يجوز أن يتعدّد المؤذّن في المسجد الواحد ، ولا يستحبّ الزّيادة على اثنين ؛ لأنّ الّذي حفظ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كان له مؤذّنان بلال وابن أمّ مكتوم ، إلاّ أن تدعو الحاجة إلى الزّيادة عليهما فيجوز ، فقد روي عن عثمان أنّه كان له أربعة مؤذّنين ، وإن دعت الحاجة إلى أكثر من ذلك كان مشروعاً . وكيفيّة أذانهم أنّه إذا كان الواحد يسمع النّاس فالمستحبّ أن يؤذّن واحد بعد واحد ، لأنّ مؤذّني النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان أحدهما يؤذّن بعد الآخر ، وإذا كان الإعلام لا يحصل بواحد أذّنوا بحسب ما يحتاج إليه ، إمّا أن يؤذّن كلّ واحد في منارة أو ناحية أو أذّنوا دفعةً واحدةً في موضع واحد ، وإن خافوا من تأذين واحد بعد الآخر فوات أوّل الوقت أذّنوا جميعاً دفعةً واحدةً .
ما يعلن به عن الصّلوات الّتي لم يشرع لها الأذان :
48 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأذان إنّما شرع للصّلوات المفروضة ، ولا يؤذّن لصلاة غيرها كالجنازة والوتر والعيدين وغير ذلك ؛ لأنّ الأذان للإعلام بدخول وقت الصّلاة ، والمكتوبات هي المخصّصة بأوقات معيّنة ، والنّوافل تابعة للفرائض ، فجعل أذان الأصل أذاناً للتّبع تقديراً ، أمّا صلاة الجنازة فليست بصلاة على الحقيقة ، إذ لا قراءة فيها ولا ركوع ولا سجود . وممّا ورد في ذلك ما في مسلم عن جابر بن سمرة قال : « صلّيت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم العيد غير مرّة ولا مرّتين بغير أذان ولا إقامة » .
49 - أمّا كيفيّة النّداء لهذه الصّلوات الّتي لا أذان لها فقد ذكر الشّافعيّة أنّه بالنّسبة للعيدين والكسوف والاستسقاء والتّراويح إذا صلّيت جماعةً - وفي وجه للشّافعيّة بالنّسبة لصلاة الجنازة - فإنّه ينادى لها : الصّلاة جامعة ، وهو رأي الحنابلة بالنّسبة للعيد والكسوف والاستسقاء ، وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة بالنّسبة لصلاة الكسوف ، وعند بعض المالكيّة بالنّسبة لصلاة العيدين ، واستحسن عياض ما استحسنه الشّافعيّ ، وهو أن ينادى لكلّ صلاة لا يؤذّن لها : الصّلاة جامعة . وممّا استدلّ به الفقهاء حديث عائشة قالت : « خسفت الشّمس على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فبعث منادياً ينادي الصّلاة جامعة » .
إجابة المؤذّن والدّعاء بعد الإجابة
50 - يسنّ لمن سمع الأذان متابعته بمثله ، وهو أن يقول مثل ما يقول ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول المؤذّن » ويسنّ أن يقول عند الحيعلة : لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه . فقد روى عمر بن الخطّاب ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا قال المؤذّن : اللّه أكبر اللّه أكبر فقال أحدكم : اللّه أكبر اللّه أكبر . ثمّ قال : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه قال : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه . ثمّ قال : أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه . قال : أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه . ثمّ قال : حيّ على الصّلاة . قال : لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه . ثمّ قال : حيّ على الفلاح . قال : لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه . ثمّ قال : اللّه أكبر اللّه أكبر . قال : اللّه أكبر اللّه أكبر . ثمّ قال : لا إله إلاّ اللّه . قال : لا إله إلاّ اللّه ، من قلبه - دخل الجنّة » . ولأنّ حيّ على الصّلاة ، حيّ على الفلاح خطاب فإعادته عبث . وفي التّثويب وهو قول : « الصّلاة خير من النّوم " في أذان الفجر يقول : صدقت وبررت - بكسر الرّاء الأولى - ثمّ يصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ يقول : اللّهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة والصّلاة القائمة آت محمّداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الّذي وعدته . والأصل في ذلك حديث ابن عمر مرفوعاً : « إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول ، ثمّ صلّوا عليّ فإنّه من صلّى عليّ صلاةً صلّى اللّه عليه بها عشراً ، ثمّ سلوا اللّه لي الوسيلة ، فإنّها منزلة في الجنّة لا ينبغي أن تكون إلاّ لعبد من عباد اللّه ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل اللّه لي الوسيلة حلّت عليه الشّفاعة » ، ثمّ يدعو بعد الأذان بما شاء ، لحديث أنس مرفوعاً : « الدّعاء لا يردّ بين الأذان والإقامة » " ، ويقول عند أذان المغرب : اللّهمّ هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي . ولو سمع مؤذّناً ثانياً أو ثالثاً استحبّ له المتابعة أيضاً . وما سبق هو باتّفاق إلاّ أنّ المشهور عند المالكيّة أن يحكي السّامع لآخر الشّهادتين فقط ، ولا يحكي التّرجيع ، ولا يحكي الصّلاة خير من النّوم ولا يبدّلها بصدقت وبررت ، ومقابل المشهور أنّه يحكي لآخر الأذان .
الأذان لغير الصّلاة :
51 - شرع الأذان أصلاً للإعلام بالصّلاة إلاّ أنّه قد يسنّ الأذان لغير الصّلاة تبرّكاً واستئناساً أو إزالةً لهمّ طارئ والّذين توسّعوا في ذكر ذلك هم فقهاء الشّافعيّة فقالوا : يسنّ الأذان في أذن المولود حين يولد ، وفي أذن المهموم فإنّه يزيل الهمّ ، وخلف المسافر ، ووقت الحريق ، وعند مزدحم الجيش ، وعند تغوّل الغيلان وعند الضّلال في السّفر ، وللمصروع ، والغضبان ، ومن ساء خلقه من إنسان أو بهيمة ، وعند إنزال الميّت القبر قياساً على أوّل خروجه إلى الدّنيا . وقد رويت في ذلك بعض الأحاديث منها ما روى أبو رافع : « رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم أذّن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة » ، كذلك روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من ولد له مولود فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى لم تضرّه أمّ الصّبيان » . وروى أبو هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ الشّيطان إذا نودي بالصّلاة أدبر » ... إلخ . وقد ذكر الحنابلة مسألة الأذان في أذن المولود فقط ونقل الحنفيّة ما ذكره الشّافعيّ ولم يستبعدوه ، قال ابن عابدين : لأنّ ما صحّ فيه الخبر بلا معارض مذهب للمجتهد وإن لم ينصّ عليه ، وكره الإمام مالك هذه الأمور واعتبرها بدعةً ، إلاّ أنّ بعض المالكيّة نقل ما قاله الشّافعيّة ثمّ قالوا : لا بأس بالعمل به .
إذخر
التّعريف
1 - الإذخر نبات طيّب الرّائحة . الحكم الإجماليّ :
2 - لا يحلّ قطع شيء من شجر حرم مكّة الّذي نبت دون تدخّل الإنسان ، ويستثنى من ذلك الإذخر ، فإنّه يجوز قطعه ، لاستثناء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إيّاه للحاجة إليه فيما رواه البخاريّ ومسلم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال « : حرّم اللّه مكّة فلم تحلّ لأحد قبلي ولا لأحد بعدي ، أحلّت لي ساعة من نهار ، لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ، ولا ينفّر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلاّ لمعرّف ، قال العبّاس : إلاّ الإذخر لصاغتنا وقبورنا ، فقال : إلاّ الإذخر » ، وفي رواية « لقبورنا وبيوتنا » . وإذا جاز قطعه واستعماله فإنّ هذا الاستعمال يشترط ألاّ يكون في التّطيّب . وقد ذكر ذلك الفقهاء في الحجّ في باب ما يحظر في الحرم من الصّيد وقطع الشّجر ونحو ذلك .
!إذكار
انظر : ذكر .
أذن
التّعريف
1 - الأذن : بضمّ الذّال وسكونها ، عضو السّمع ، وهو معنًى متّفق عليه بين الفقهاء وأهل اللّغة . وإذا كانت الأذن عضو السّمع ، فإنّ السّمع هو إدراك الأصوات المسموعة وشتّان ما بينهما . الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث :
2 - الأذن عضو السّمع ، وفي الجسد منه اثنتان في العادة . ويترتّب على ذلك أحكام هي : أ - يطلب الأذان في أذن المولود اليمنى ، والإقامة في أذنه اليسرى ، ليكون الأذان بما فيه من التّوحيد الخالص أوّل ما يقرع سمعه ، وقد ورد الحديث الشّريف بذلك ، ويذكر الفقهاء هذا غالباً في الأذان عند كلامهم على المواطن الّتي يسنّ فيها الأذان ، وذكره بعضهم في الأضحيّة عند كلامهم على العقيقة .
ب - يرى الفقهاء عدم إباحة سماع المنكر ، ويرون وجوب كفّ السّمع عن سماعه ، حتّى إذا مرّ المرء بمكان لا مناص له من المرور فيه ، وفيه شيء من هذه المنكرات ، وضع أصابعه في آذانه لئلاّ يسمع شيئاً منها . كما فعل ابن عمر رضي الله عنه ، فقد روى نافع قال : إنّ ابن عمر سمع صوت مزمار راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطّريق وهو يقول : يا نافع أتسمع ؟ فأقول : نعم ، فيمضي ، حتّى قلت : لا ، فرفع يده وعدل راحلته إلى الطّريق وقال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سمع زمّارة راع فصنع مثل هذا » .
ج - وإذا كانت الأذن غير السّمع وهي آلته ، فإنّ الجناية على الأذن الواحدة توجب القصاص في العمد ، ونصف الدّية في الخطأ حتّى ولو بقي السّمع سليماً . فإن ذهب السّمع أيضاً مع الأذن بجناية واحدة لم يجب أكثر من نصف الدّية . وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب الجنايات ، وفي الدّيات .
هل الأذنان من الرّأس ؟
3 - في اعتبار الأذنين من الرّأس أو من الوجه خلاف بين الفقهاء ويترتّب على ذلك الاختلاف في حكم مسح الأذنين ، هل هو واجب أم غير واجب ؟ وهل يجزئ مسحهما بماء الرّأس أم لا يجزئ ؟ وفصّل الفقهاء القول في ذلك في كيفيّة المسح في باب الوضوء .
داخل الأذنين :
4 - اختلف الفقهاء في اعتبار داخل الأذن من الجوف . وبناءً على ذلك اختلفوا في إفطار الصّائم بإدخال شيء إلى باطن الأذن إذا لم يصل إلى حلقه . وفصّلوا الكلام في ذلك في كتاب الصّيام في باب ما يفطر الصّائم .
هل يعبّر بالأذن عن الجسد كلّه ؟
5 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأذن عضو من البدن لا يعبّر به عن الكلّ ، وفرّعوا على ذلك أنّ المرء إذا أضاف الظّهار أو الطّلاق أو العتق ونحوها إلى الأذن لا يقع ما قصد إليه . كما يؤخذ ذلك من كلامهم في الأبواب المذكورة .
هل الأذن من العورة ؟
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأذن في المرأة من العورة ، ولا يجوز إظهارها للأجنبيّ . وما اتّصل بها من الزّينة - كالقرط - هو من الزّينة الباطنة الّتي لا يجوز إظهارها أيضاً إلاّ ما حكاه القرطبيّ عن ابن عبّاس والمسور بن مخرمة وقتادة من اعتبار القرط من الزّينة الظّاهرة الّتي يجوز إظهارها . واتّفقوا كذلك على أنّ الأذن موضع للزّينة في المرأة دون الرّجل ، ولذلك أباحوا ثقب أذن الجارية لإلباسها القرط . وليس لذلك مكان محدّد في كتب الفقه ، وقد ذكره الحنفيّة في كتاب الحظر والإباحة ، وذكره القليوبيّ في كتاب الصّيال ، وذكره بعضهم فيما يحقّ للوليّ فعله في الصّغير المولى عليه .
7 - واتّفق الفقهاء على عدم إجزاء مقطوعة الأذن في الأضحيّة والهدي ، واختلفوا فيما لو تعيّبت أذنها عيباً فاحشاً ، فأجازها البعض ولم يجزها البعض الآخر . ومحلّ تفصيل ذلك في كتاب الأضاحيّ من كتب الفقه .
8 - يستحبّ للمؤذّن أن يضع يديه في أذنيه أثناء الأذان . وقد نصّ الفقهاء على ذلك في كتاب الأذان عند كلامهم على ما يستحبّ للمؤذّن .
9 - ويسنّ للرّجل رفع يديه إلى حذاء أذنيه ، عند البعض ، في تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال في الصّلاة . وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتاب الصّلاة .
10 - ذكر الفقهاء أنّ وسم الحيوانات لغاية مشروعة - كعدم اختلاطها بغيرها - مباح ، ويرى الشّافعيّة أنّ أفضل مكان لوسم الغنم هو آذانها ، لقلّة الشّعر فيها . وقد ذكروا هذه المسألة في باب قسم الصّدقات .
11 - وما يسيل من الأذن في حالة المرض نجس ، وفي انتقاض الوضوء به خلاف بين الفقهاء مبنيّ على خلافهم في انتقاض الوضوء بكلّ خارج نجس من البدن ، وقد تكلّموا على ذلك في باب الوضوء عند كلامهم على نواقض الوضوء .
إذن
التّعريف
1 - من معاني الإذن في اللّغة : إطلاق الفعل والإباحة . ولم يخرج الفقهاء في استعمالهم للإذن عن المعنى اللّغويّ . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الإباحة :
2 - الإباحة هي التّخيير بين الفعل والتّرك دون ترتّب ثواب أو عقاب . ويذكرها الأصوليّون عند الكلام على الحكم وأقسامه باعتبارها من أقسام الحكم الشّرعيّ عند جمهور الأصوليّين . ولهم في ذلك تفصيلات كثيرة من حيث تقسيم الإباحة ، وتقسيم متعلّقها وهو المباح ( انظر : الملحق الأصوليّ ) . والفقهاء كذلك يفسّرون الإباحة بالمعنى السّابق الّذي ذكره الأصوليّون . وأيضاً يستعمل الفقهاء الإذن والإباحة بمعنًى واحد ، وهو ما يفيد إطلاق التّصرّف فقد قال الجرجانيّ : الإباحة هي الإذن بالإتيان بالفعل كيف شاء الفاعل . وقال ابن قدامة : من نثر على النّاس نثاراً كان إذناً في التقاطه وأبيح أخذه ، وفسّر الشّيخ عليش : المباح بالمأذون فيه . وإذا كان الإذن يستعمل بمعنى الإباحة فلأنّ الإباحة مرجعها الإذن . فالإذن هو أصل الإباحة . ولولا صدور ما يدلّ على الإذن لما كان الفعل جائز الوقوع ، فالإباحة الشّرعيّة حكم شرعيّ عند جمهور الأصوليّين ، ويتوقّف وجوده على الشّرع . وبذلك يتبيّن أنّ الإباحة تكون بمقتضى الإذن سواء أكان صريحاً أم ضمناً ، وسواء أكان من الشّارع أم من العباد بعضهم لبعض .
ب - الإجازة :
3 - الإجازة معناها الإمضاء يقال : أجاز أمره إذا أمضاه وجعله جائزاً ، وأجزت العقد جعلته جائزاً ونافذاً . والإذن هو إجازة الإتيان بالفعل . فالإجازة والإذن كلاهما يدلّ على الموافقة على الفعل إلاّ أنّ الإذن يكون قبل الفعل ، والإجازة تكون بعد وقوعه .
ج - الأمر :
4 - الأمر من معانيه لغةً : الطّلب ، واصطلاحاً : طلب الفعل على سبيل الاستعلاء . فكلّ أمر يتضمّن إذناً بالأولويّة .
أقسام الإذن
الإذن قد يكون عامّاً وقد يكون خاصّاً ، والعموم والخصوص قد يكون بالنّسبة للمأذون له ، وقد يكون بالنّسبة للموضوع أو الوقت أو الزّمان .
أ - الإذن بالنّسبة للمأذون له :
5 - الإذن قد يكون عامّاً بالنّسبة للشّخص المأذون له ، وذلك كمن ألقى شيئاً وقال : من أخذه فهو له فلمن سمعه أو بلغه ذلك القول أن يأخذه ، وكمن وضع الماء على بابه ، فإنّه يباح الشّرب منه لمن مرّ به من غنيّ أو فقير ، وكذا من غرس شجرةً في موضع لا ملك فيه لأحد ، ولم يقصد الإحياء ، فقد أباح للنّاس ثمارها . وكأن يجعل الإمام للمسلمين موضعاً لوقوف الدّوابّ فيه ، فلكلّ مسلم حقّ الوقوف فيه ؛ لأنّه مأذون من السّلطان . ومن ذلك الدّعوة العامّة للوليمة . وقد يكون الإذن خاصّاً بشخص ، كمن يقول : هذا الشّيء صدقة لفلان ، أو كالوقف على أهل مذهب معيّن لصرف غلّة الوقف عليهم ، أو تخصيص أحد الضّيفان بطعام خاصّ ، أو اقتصار الدّعوة على بعض النّاس .
ب - الإذن بالنّسبة للتّصرّف والوقت والمكان :
6 - قد يكون الإذن عامّاً بالنّسبة للتّصرّف والوقت والمكان ، وقد يكون خاصّاً ، فإذن السّيّد لعبده في التّجارة يعتبر عند الحنفيّة والمعتمد عند المالكيّة إذناً عامّاً يجيز للعبد المأذون له التّصرّف في سائر التّجارات ما عدا التّبرّعات ، حتّى لو أذن له في نوع من أنواع التّجارات فهو مأذون في جميعها ، خلافاً لزفر ؛ لأنّ الإذن عند الحنفيّة إسقاط الحقّ ، والإسقاطات لا تتوقّت بوقت ، ولا تتخصّص بنوع دون نوع ، ولا بمكان دون مكان ، فلو أذن له يوماً صار مأذوناً مطلقاً حتّى يحجر عليه ، وكذلك لو قال له : أذنت لك في التّجارة في البرّ دون البحر ، إلاّ أنّه إذا أمره بشراء شيء خاصّ كأن يقول له : اشتر بدرهم لحماً لنفسك أو اشتر كسوةً ففي الاستحسان يقتصر على ما أذن له فيه ؛ لأنّ هذا من باب الاستخدام ، يقول ابن عابدين : اعلم أنّ الإذن بالتّصرّف إذن بالتّجارة وبالشّخص استخدام . وعند الشّافعيّة والحنابلة وبعض المالكيّة وزفر من الحنفيّة يتقيّد الإذن بالنّسبة للعبد ، فلا يصير العبد مأذوناً إلاّ فيما أذن له فيه سيّده ؛ لأنّ تصرّفه مستفاد من الإذن ، فاقتصر على المأذون فيه ، فإذا أذن له في التّجارة في نوع ، كالثّياب ، أو في وقت كشهر كذا أو في بلد فلا يجوز له أن يتجاوزه ، كالوكيل وعامل القراض ؛ لأنّه متصرّف بالإذن من جهة الآدميّ ، فوجب أن يختصّ بما أذن له فيه ، فإن لم ينصّ على شيء وتصرّف حسب المصلحة عند الشّافعيّة فيتصرّف في كلّ الأنواع والأزمنة والبلدان . وأمثلة الإذن الخاصّ والعامّ كثيرة كما في الوكالة والقراض والشّركة والإعارة والإجارة وغيرها ، وتنظر في أبوابها .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:33 AM

من له حقّ الإذن : إذن الشّارع :
7 - إذن الشّارع يكون إمّا بنصّ ، أو باجتهاد من الحاكم فيما يتعلّق بمصالح العباد ، مع مراعاة القواعد العامّة لمقاصد الشّريعة ، كجلب المصالح ودرء المفاسد . ووجوه الإذن من الشّارع متعدّدة الأسباب لتفرّع مناحي الشّريعة في الحفاظ على كيان الفرد والمجتمع .
8 - فالإذن من الشّارع قد يكون للتّوسعة والتّيسير على العباد في حياتهم ، كالبيع والشّراء والإجارة والرّهن ، كما جاء في قوله تعالى : { وأحلّ اللّه البيع وحرّم الرّبا } ، وقوله تعالى : { فرهان مقبوضة } . . . إلخ . وكذلك الإذن بالتّمتّع بالطّيّبات ، كالمأكل والمشرب والمسكن والملبس ، كما جاء في قوله تعالى : { قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق } . والإذن بالنّكاح للتّمتّع والتّناسل على ما جاء في قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النّساء } . ومن ذلك أيضاً الإذن بالصّيد إلاّ في حالة الإحرام والإذن بإحياء الموات ، والإذن بالانتفاع بالطّريق العامّ والمسيل العامّ وهكذا .
9 - وقد يكون إذن الشّارع بالانتفاع على وجه التّعبّد والقربة ، كالانتفاع بالمساجد والمقابر والرّباطات . والإذن في كلّ ما سبق يجب أن يقتصر فيه على الأصل الّذي ورد من الشّارع مقيّداً بعدم الضّرر بالغير ، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام . وقد وضع الفقهاء لكلّ هذه التّصرّفات قواعد وشرائط لا بدّ من مراعاتها ، ومخالفة ذلك تبطل التّصرّف .
10 - وقد يكون الإذن من الشّارع رفعاً للحرج ودفعاً للمشقّة ؛ لأنّ الشّارع لم يقصد إلى التّكليف بالشّاقّ والإعنات فيه والنّصوص الدّالّة على ذلك كثيرة ، منها قوله تعالى : { لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها } ، وقوله : { يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ، وقوله : { يريد اللّه أن يخفّف عنكم } . كذلك ورد أنّ « الرّسول صلى الله عليه وسلم ما خيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً » ، وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن الوصال في العبادة ويقول : « خذوا من الأعمال ما تطيقون فإنّ اللّه لن يملّ حتّى تملّوا » . وعلى هذا الأساس كان الإذن للمسافر والمريض بالفطر في رمضان . ولقد نقل عن مالك والشّافعيّ منع الصّوم إذا خاف التّلف به وأنّه لا يجزئه إن فعل ، ونقل المنع في الطّهارة عند خوف التّلف والانتقال إلى التّيمّم . والدّليل على المنع قوله : { ولا تقتلوا أنفسكم } ، وجاء في حديث النّاذر للصّيام قائماً في الشّمس حيث قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين علم بذلك : « مروه فليستظلّ وليتكلّم وليتمّ صومه » . وكذلك كان الإذن بإباحة ما كان محرّماً لذاته وأذن به لعارض كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر لإزالة الغصّة وذلك إذا عرضت ضرورة وهي خشية الموت أو التّلف ، وكذلك الإذن بإباحة ما كان محرّماً لغيره كالإذن بنظر الأجنبيّة للزّواج وبنظر العورة إذا عرضت حاجة كالعلاج . وكلّ ما كان من هذا القبيل ممّا فيه مشقّة وحرج سواء أكانت المشقّة حاصلةً باختيار المكلّف كالنّاذر الصّيام قائماً في الشّمس ، أم كانت المشقّة تابعةً للفعل كالمريض غير القادر على الصّوم أو الصّلاة ، والحاجّ الّذي لا يقدر على الحجّ ماشياً أو راكباً إلاّ بمشقّة خارجة عن المعتاد ، فهذا هو الّذي ورد فيه اليسر ومشروعيّة الرّخص . ولقد وضع الفقهاء بعض القواعد العامّة لذلك ، كقولهم : الضّرورات تبيح المحظورات . المشقّة تجلب التّيسير . الضّرر يزال . أمّا إذا كانت المشقّة الدّاخلة على المكلّف ليست بسببه ، ولا بسبب دخوله في عمل تنشأ عنه فلقد فهم من مجموع الشّريعة الإذن في دفعها على الإطلاق رفعاً للمشقّة ، بل إنّ الشّارع أذن في التّحرّز منها عند توقّعها وإن لم تقع ، ومن ذلك الإذن في دفع ألم الجوع والعطش والحرّ والبرد ، والإذن في التّداوي عند وقوع الأمراض ، وفي التّوقّي من كلّ مؤذ آدميّاً كان أو غيره . ولذلك يقول الفقهاء : لا ضمان في قتل الصّائل على نفس أو طرف أو بضع أو مال .
إذن المالك :
11 - الملك - كما جاء في دستور العلماء - هو اتّصال شرعيّ بين الإنسان وبين شيء يكون سبباً لتصرّفه فيه ومانعاً من تصرّف غيره فيه . ويقول ابن نجيم : الملك قدرة يثبتها الشّارع ابتداءً على التّصرّف . والأصل أنّ كلّ مملوك لشخص لا يجوز تصرّف غيره فيه بدون إذنه إلاّ لحاجة ، كأن يحتاج المريض لدواء ، فإنّه يجوز للولد والوالد الشّراء من مال المريض ما يحتاج إليه المريض بدون إذنه . وإذن المالك لغيره فيما يملكه يكون على الوجوه الآتية :
أ - الإذن بالصّرف :
12 - يجوز للمالك أن يأذن لغيره بالتّصرّف فيما يملكه ، وذلك كما في الوكالة والقراض ( المضاربة ) فإنّ الوكيل وعامل القراض يتصرّفان في ملك غيرهما بإذن المالك على ما يقع عليه الإذن من تصرّفات ، ومن ذلك أيضاً الوصيّ وناظر الوقف ، ولذلك شروط مفصّلة في كتب الفقه في الوكالة والقراض والوصيّة والوقف .
ب - الإذن بانتقال الملك إلى الغير :
13 - كما في البيع والهبة والوقف بشروطه .
ج - الإذن بالاستهلاك :
14 - وذلك بأن يأذن المالك باستهلاك ما هو مملوك له من رقبة العين ، حيث يأذن لغيره بتناولها وأخذها وذلك كالطّعام الّذي يقدّم في الولائم والمنائح والضّيافات ، وما ينثر على النّاس في الأحفال من دراهم وورود ، ويشمل ذلك أيضاً الإذن بالاستهلاك ببدل كما في القرض .
د - الإذن بالانتفاع :
15 - وذلك كأن يأذن بعض النّاس لبعضهم بالانتفاع بالشّيء المملوك ، والإذن بالانتفاع لا يقتضي ملكيّة الآذن للعين بل يكفي كونه مالكاً للمنفعة ، والإذن بالانتفاع قد يكون بدون عوض كما في العاريّة ، وقد يكون بعوض كما في الإجارة . وقد يتنوّع الإذن بالانتفاع حسب كون الآذن مالكاً للعين ملكيّةً تامّةً أو مالكاً لمنفعتها فقط وقت الإذن ، فقد يكون الآذن مستأجراً ويأذن لغيره بالانتفاع في الجملة على تفصيل في المذاهب ، ومثل ذلك الإعارة والوصيّة بالمنفعة والوقف فيكون للمستعير والموقوف عليه والموصى له بالمنفعة - إذا كان في صيغها ما يفيد الإذن بذلك - حقّ الإذن للغير بالانتفاع . ومن ذلك أيضاً إذن الأفراد بعضهم لبعض بالانتفاع بالطّريق الخاصّ والمجرى الخاصّ . فالإذن في كلّ ذلك إذن بالانتفاع ، إلاّ أنّه يجب أن يراعى أن يكون الإذن لا معصية فيه كإعارة الجارية للوطء وأن يكون الانتفاع على الوجه الّذي أذن فيه المالك أو دونه في الضّرر وإلاّ كان متعدّياً .
إذن صاحب الحقّ :
16 - حقّ الإنسان هو ما تتعلّق به مصلحة خاصّة مقرّرة بمقتضى الشّريعة ، سواء أكان ماليّاً أم غير ماليّ . والأصل أنّ كلّ تصرّف إذا كان يمسّ حقّاً لغير من يباشره وجب لنفاذه الإذن فيه من صاحب هذا الحقّ . وصور ذلك كثيرة في مسائل الفقه ومنها الأمثلة الآتية :
17 - أ - من حقوق الزّوج على الزّوجة منعها من الخروج من منزلها ، وعلى ذلك فلا يجوز لها الخروج إلاّ بإذنه ، ويستثنى من ذلك الخروج لحقّ أقوى من حقّه كحقّ الشّرع ( مثل حجّة الفريضة ) ، أو للعلاج ، أو لزيارة أبويها على تفصيل في المذاهب .
18 - ب - للمرتهن حقّ حبس المرهون ، حتّى يستوفي دينه ، وعلى ذلك فلا يجوز للرّاهن بيع المرهون إلاّ بإذن المرتهن ، وإذا باعه فهو موقوف على إجازة المرتهن أو قضاء دينه وذلك عند الحنفيّة وللفقهاء في ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ( رهن ) .
19 - ج - للواهب قبل إقباض الهبة أو الإذن في الإقباض حقّ الملكيّة ، وعلى ذلك فلا يجوز للموهوب له قبض الهبة إلاّ بإذن الواهب ، فلو قبض بلا إذن أو إقباض لم يملكه ، وذلك عند الشّافعيّة ، خلافاً للمالكيّة على تفصيل للفقهاء في ذلك .
20 - د - للزّوجة حقّ في الوطء والاستمتاع ولذلك لا يجوز للزّوج أن يعزل عن الحرّة إلاّ بإذنها .
21 - هـ - للمرأة حقّ في أمر نفسها عند إنكاحها ، ولذلك تستأذن عند إنكاحها على الوجوب بالإجماع إن كانت ثيّباً ، وعلى الاختلاف بين الفقهاء بين الوجوب والاستحباب إن كانت بكراً . 22 ولصاحب البيت حقّ في عدم دخول أحد إلاّ بإذنه ، وعلى ذلك فلا يجوز لأحد دخول بيت إلاّ بإذن من ساكنه لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا } ، أي تستأذنوا . والصّور من هذا النّوع كثيرة تنظر في مواضعها .
إذن القاضي :
23 - القضاء من الولايات العامّة ، والغرض منه إقامة العدل وإيصال الحقّ إلى مستحقّه ، ولمّا كانت تصرّفات النّاس بعضهم مع بعض قد يشوبها الجور وعدم الإنصاف ممّا يكون محلّ نزاع بينهم كان لا بدّ لنفاذ هذه التّصرّفات من إذن القاضي تحقيقاً للعدل ومنعاً للتّنازع ومن أمثلة ذلك ما يأتي :
24 - تجب النّفقة على الزّوج لزوجته ، فإذا أعسر الزّوج بالنّفقة فعند الحنفيّة لا يفرّق بينهما ، بل يفرض القاضي لها النّفقة ، ثمّ يأمرها بالاستدانة ، فإذا استدانت بأمر القاضي صارت ديناً على الزّوج ويطالب بها ، أمّا لو استدانت بغير أمر القاضي فتكون المطالبة عليها وينظر التّفصيل في مصطلحي ( نفقة وإعسار ) .
25 - تجب الزّكاة في مال الصّغير عند المالكيّة ، فإذا كان للصّغير وصيّ فقد قال متأخّرو المذهب : لا يزكّي عنه الوصيّ إلاّ بإذن من الحاكم ، خروجاً من الخلاف وخاصّةً إذا كان هناك حاكم حنفيّ يرى عدم وجوب الزّكاة في مال المحجور عليه ، كذلك قال الإمام مالك : إذا وجد الوصيّ في التّركة خمراً فلا يريقها إلاّ بعد مطالعة السّلطان لئلاّ ، يكون مذهبه جواز تخليلها .
26 - يقول الحنابلة : من غاب وله وديعة أو نحوها وأولاد فإنّ الإنفاق عليهم لا يكون إلاّ بإذن الحاكم أمّا الإنفاق على اللّقيط فلا يشترط فيه إذن الحاكم وإن كان الأولى إذنه احتياطاً . ( ر : وديعة - نفقة ) . والصّور من هذا النّوع كثيرة وتنظر في مواضعها .
إذن الوليّ
27 - الوليّ هو من له ولاية التّصرّف على غيره ، في النّفس أو في المال ؛ لصغر أو سفه أو رقّ أو غير ذلك ويظلّ الحجر قائماً إلى أن يزول سببه . ولمّا كان المحجور عليهم قد يعود تصرّفهم بالضّرر عليهم ، أو على السّيّد بالنّسبة للعبد ، كان لا بدّ من نظر الوليّ وإذنه منعاً للضّرر . وفي الجملة فإنّ تصرّفات السّفيه والمميّز والعبد في المال والنّكاح لا بدّ فيها من إذن الوليّ عند جمهور الفقهاء ، وعند أبي حنيفة لا حجر على السّفيه والصّغير عند الشّافعيّة ، وفي رأي للحنابلة ، لا يجوز تصرّفه ولو بالإذن ؛ لأنّه يشترط البلوغ لصحّة عقدي النّكاح والبيع ، وكذلك السّفيه في الأصحّ عند الشّافعيّة ، وفي رأي للحنابلة لا يصحّ تصرّفه في المال ولو أذن له المولى لأنّ الحجر عليه لتبذيره وسوء تصرّفه ، فإذا أذن له فقد أذن فيما لا مصلحة فيه ، وقيل يصحّ بالإذن ، أمّا نكاحه فيصحّ . أمّا غير المميّز والمجنون فلا يصحّ تصرّفهما ولو بالإذن ، وقد اختلف الفقهاء إذا تصرّف المميّز والسّفيه والعبد بدون إذن الوليّ بين الإجازة والرّدّ والبطلان .
28 - والمرأة وإن كانت رشيدةً لا بدّ من إذن الوليّ عند نكاحها - بكراً كانت أو ثيّباً - عند جمهور الفقهاء ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أيّما امرأة نكحت بدون إذن وليّها فنكاحها باطل » . وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - في ظاهر الرّواية - ينعقد نكاح الحرّة العاقلة البالغة برضاها وإن لم يعقد عليها وليّ - بكراً كانت أو ثيّباً ؛ لأنّها تصرّفت في خالص حقّها ، وهي من أهله ؛ لكونها عاقلةً مميّزةً ، ولها اختيار الأزواج ، وإنّما يطالب الوليّ بالتّزويج كي لا تنسب إلى الوقاحة .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:34 AM

إذن متولّي الوقف :
29 - متولّي الوقف أو ناظر الوقف هو من يتولّى القيام بشئون الوقف وحفظه وعمارته وتنفيذ شرط الواقف ، ولا يتصرّف إلاّ بما فيه مصلحة الوقف ، ولا يجوز للموقوف عليهم أو لغيرهم إحداث شيء فيه ، من بناء أو غرس إلاّ بإذن ناظر الوقف - إذا رأى فيه مصلحةً ، ولا يحلّ للمتولّي الإذن إلاّ فيما يزيد الوقف به خيراً . كذلك من وظيفة النّاظر تحصيل الغلّة ، وقسمتها على مستحقّيها ، وتنزيل الطّلبة منازلهم ، ولا يجوز مثل ذلك للجابي ، ولا للعامل ولا للمدرّس إلاّ بإذن النّاظر . ومنافع الموقوف ملك للموقوف عليه ، يستوفيها بنفسه وبغيره ، بإعارة أو إجارة ، كما يقول الشّافعيّة ، ولكنّه لا يمكّن من ذلك إلاّ بإذن النّاظر ، مع تفصيل كثير للفقهاء في ذلك ، وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( وقف ) .
إذن المأذون له :
30 - غالباً ما يطلق الفقهاء لفظ المأذون له على العبد الّذي أذن له سيّده في التّجارة ، ولذلك يعقدون له باباً يسمّى باب المأذون . ولقد اختلف الفقهاء بالنّسبة للعبد المأذون : هل يملك أن يأذن لغيره في التّجارة أم لا ؟ فعند الحنفيّة والمالكيّة يجوز أن يأذن العبد المأذون له لغيره في التّجارة ؛ لأنّ الإذن في التّجارة تجارة . أمّا الشّافعيّة والحنابلة فإنّهم يرون أنّه لا يجوز له أن يأذن لغيره بالتّجارة بدون إذن سيّده ، فإذا أذن له سيّده بذلك جاز ، قال الشّافعيّة : وهذا في التّصرّف العامّ ، فإن أذن له في تصرّف خاصّ كشراء ثوب جاز .
31 - وممّا يدخل في ذلك أيضاً عامل القراض باعتباره مأذوناً من ربّ المال في التّجارة . ويرى جمهور الفقهاء أنّه لا يجوز لعامل المضاربة أن يضارب غيره إلاّ بإذن ربّ المال ، فإن أذن له جاز . ويرى الحنفيّة أنّ ربّ المال لو فوّض الأمر للعامل ، بأن قال له اعمل برأيك مثلاً ، فإنّه يجوز للعامل أن يضارب بدون إذن ربّ المال . أمّا إذا قيّده بشيء فلا يجوز له . والأصحّ عند الشّافعيّة أنّه لا يجوز أن يقارض غيره ولو بالإذن ، لأنّ القراض على خلاف القياس . والرّأي الثّاني : يجوز بالإذن ، وقوّاه السّبكيّ ، وقال إنّه الّذي قطع به الجمهور . ومن ذلك أيضاً الوكيل والوصيّ والقاضي ، وتنظر في مصطلحاتها .
التّعارض في الإذن :
32 - إذا اجتمع اثنان أو أكثر ، ممّن لهم حقّ الإذن في تزويج المرأة مثلاً ، وكانوا في درجة واحدة ، كإخوة أو بنيهم أو أعمام ، وتشاحّوا فيما بينهم ، وطلب كلّ منهم أن يزوّج ، فعند الحنابلة والشّافعيّة يقرع بينهم ، قطعاً للنّزاع ، ولتساويهم في الحقّ وتعذّر الجمع بينهم ، فمن خرجت قرعته زوّج ، وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه . وعند المالكيّة : ينظر الحاكم فيمن يراه أحسنهم رأياً من الأولياء ، وعند الحنفيّة : يكون لكلّ واحد منهم أن يزوّجها على حياله - رضي الآخر أو سخط - إذا كان التّزويج من كفء بمهر وافر . وهذا إذا اتّحد الخاطب ، أمّا إذا تعدّد الخاطب فإنّه يعتبر رضاها ، وتزوّج بمن عيّنته ، فإن لم تعيّن المرأة واحداً ورضيت بأيّ واحد منهم ، نظر الحاكم في تزويجها من الأصلح ، كما يقول المالكيّة والشّافعيّة فإن بادر أحدهم فزوّجها من كفء فإنّه يصحّ ؛ لأنّه لم يوجد ما يميّز أحدهم على غيره . ولو أذنت لهم في التّزويج ، فزوّجها أحد الأولياء المستوين في الدّرجة من واحد ، وزوّجها الآخر من غيره ، فإن عرف السّابق فهو الصّحيح والآخر باطل ، وإن وقع العقدان في زمن واحد ، أو جهل السّابق منهما فباطلان ، وهذا باتّفاق ، مع تفصيل في ذلك . ( ر : نكاح وليّ ) .
33 - وفي الوصيّة لو أوصي لاثنين معاً فهما وصيّان ، ولا يجوز لواحد منهما الانفراد بالتّصرّف ، فإن اختلف الوصيّان في أمر ، كبيع وشراء ، نظر الحاكم فيما فيه الأصلح ، كما يقول المالكيّة . وعند الحنفيّة - ما عدا أبا يوسف - لا ينفرد أحد الوصيّين بالتّصرّف إلاّ إذا كانا من جهة قاضيين من بلدتين ، فإنّه حينئذ يجوز أن ينفرد أحدهما بالتّصرّف . وقال أبو يوسف يجوز أن ينفرد كلّ واحد منهما بالتّصرّف في جميع الأمور .
بم يكون الإذن ؟
34 - للتّعبير عن الإذن وسائل متعدّدة ، ومن ذلك اللّفظ الصّريح الدّالّ على الإذن ، كقول الأب لولده المميّز : أذنت لك في التّجارة ، أو اشتر لي ثوباً وبعه ، أو اتّجر في كذا .
35 - وقد يكون الإذن بالإشارة أو الكتابة أو الرّسالة وذلك كإذن المرأة في إنكاحها إذا كانت خرساء ، أو إذن الوليّ بالإشارة إذا كان أخرس ، فإنّ الإذن هنا يصحّ بالإشارة إذا كانت الإشارة معهودةً مفهومةً ، وكذلك الدّعوة إلى الوليمة بكتاب أو رسول تعتبر إذناً في الدّخول والأكل ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا دعي أحدكم فجاء مع الرّسول فإنّ ذلك له إذن » وكما يكون الإذن مباشرةً ممّن يملكه فإنّه يكون بالإنابة منه . كذلك التّوكيل بالكتابة والرّسالة يعتبر إذناً .
36 - وقد يعتبر السّكوت إذناً في بعض التّصرّفات . والأصل أنّ السّكوت لا يعتبر إذناً ، وذلك لقاعدة : « لا ينسب لساكت قول » ولكن خرج عن هذه القاعدة بعض الصّور الّتي يعتبر السّكوت فيها إذناً ، ومن ذلك سكوت البكر عند وليّها ، فإنّ سكوتها يعتبر إذناً ، وذلك بمقتضى الحديث : « استأمروا النّساء في أبضاعهنّ فإنّ البكر تستحي فتسكت فهو إذنها » وهذا باتّفاق الفقهاء سواء أكان الاستئذان مستحبّاً أم واجباً .
37 - وقد اختلف الفقهاء في سكوت الوليّ عند رؤيته مولّيه يبيع ويشتري فسكت هل يعتبر سكوته إذناً أم لا ؟ فعند الحنفيّة وفي قول للمالكيّة يعتبر إذناً ، وعند الشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة ، وفي قول للمالكيّة لا يعتبر إذناً ؛ لأنّ ما يكون الإذن فيه شرطاً لا يعتبر فيه السّكوت ، كمن يبيع مال غيره وصاحبه ساكت فلا يعتبر إذناً ؛ ولأنّ السّكوت يحتمل الرّضا ويحتمل السّخط ، فلا يصلح دليل الإذن عند الاحتمال .
38 - وقد يكون الإذن بطريق الدّلالة ، وذلك كتقديم الطّعام للضّيوف ، فإنّه قرينة تدلّ على الإذن وكشراء السّيّد لعبده بضاعةً ووضعها في حانوته ، وأمره بالجلوس فيه ، وكبناء السّقايات والخانات للمسلمين وأبناء السّبيل .
تقييد الإذن بالسّلامة :
39 - من القواعد الفقهيّة أنّ المتولّد من مأذون فيه لا أثر له ، أي لا يكون مضموناً ، ويستثنى من هذه القاعدة ما كان مشروطاً بسلامة العاقبة . ويقسم الحنفيّة الحقوق الّتي تثبت للمأذون إلى قسمين : حقوق واجبة ، سواء أكانت بإيجاب الشّارع ، كحقّ الإمام في إقامة الحدّ ، وفي القصاص والتّعزير ، أم كانت واجبةً بإيجاب العقد ، كعمل الفصّاد والحجّام والختّان . وهذه الحقوق لا يشترط فيها سلامة العاقبة إلاّ بالتّجاوز عن الحدّ المعتاد . حقوق مباحة ، كحقّ الوليّ في التّأديب عند أبي حنيفة ، وحقّ الزّوج في التّعزير فيما يباح له ، وحقّ الانتفاع بالطّريق العامّ ، وهذه الحقوق تتقيّد بوصف السّلامة . وبالنّظر في ذلك عند بقيّة الفقهاء يتبيّن أنّهم يسايرون الحنفيّة في هذا المعنى ، إلاّ أنّ الفقهاء جميعاً - ومنهم الحنفيّة - يختلفون في تحديد الحقوق الّتي تتقيّد بوصف السّلامة ، والّتي لا تتقيّد بها ، تبعاً لاختلاف وجهتهم في تعليل الفعل ، حتّى بين فقهاء المذهب الواحد نجد ذلك في الفعل الواحد كالخلاف بين الإمام أبي حنيفة وصاحبيه في اقتصاص الإنسان لنفسه . وبيان ذلك فيما يأتي :
أوّلاً - ما لا يتقيّد بوصف السّلامة :
أ - الحقوق الواجبة بإيجاب الشّارع ومن أمثلتها :
40 - إذا أقام الإمام الحدّ ، فجلد شارب الخمر ، أو قطع يد السّارق ، فمات المحدود فلا ضمان لأنّ الحدود إذا أتي بها على الوجه المشروع فلا ضمان فيما تلف بها ؛ لأنّ الإمام فعل ذلك بأمر اللّه وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يؤاخذ . وكذلك إذا اقتصّ من الجاني فيما دون النّفس دون تجاوز ، فسرت الجراحة ، فمات فلا ضمان ؛ لأنّه بفعل مأذون فيه ، فلا يتقيّد بوصف السّلامة . وهذا باتّفاق الفقهاء .
41 - وإذا عزّر الإمام فيما شرع فيه التّعزير ، فمات المعزّر لم يجب ضمانه ؛ لأنّه فعل ما فعل بأمر الشّرع ، وفعل المأمور لا يتقيّد بشرط السّلامة ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة والمالكيّة . وفي قول للمالكيّة إنّه لا يضمن إن ظنّ السّلامة ، أمّا عند الشّافعيّة فإنّه يضمن ؛ لأنّ تعزير الإمام عندهم مشروط بسلامة العاقبة .
42 - وإذا اقتصّ المجنيّ عليه بنفسه ، فقطع يد القاطع ، فسرت الجراحة ، فمات فلا ضمان ؛ لأنّه قطع مستحقّ مقدّر فلا تضمن سرايته كقطع السّارق ، وهذا عند جميع الفقهاء ، ما عدا أبا حنيفة ، فإنّه يضمن عنده ، وتكون الدّية على عاقلته ؛ لأنّ القطع ليس بمستحقّ على من له القصاص ، بل هو مخيّر فيه والعفو أولى ، وعند المالكيّة والحنابلة يؤدّب لافتياته على الإمام ، ولا ضمان عليه .
ب - الحقوق الواجبة بإيجاب العقد ومن أمثلتها :
43 - الحجّام والفصّاد والختّان والطّبيب لا ضمان عليهم فيما يتلف بفعلهم ، إذا كان ذلك بالإذن ولم يجاوزوا الموضع المعتاد ، وكانت لهم بصنعتهم بصارة ومعرفة ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة والمالكيّة والشّافعيّة في الأصحّ . 44 - وفي عقد الإجارة يد المستأجر يد أمانة ، ولا يضمن المستأجر ما تلف بالاستعمال المأذون فيه ، وأمّا لو فرّط أو جاوز ما أذن له فيه ، بأن ضرب الدّابّة أو كبحها فوق العادة فتلفت ضمن ، وهذا باتّفاق .
ثانياً - ما يتقيّد بوصف السّلامة :
45 - وهو الحقوق المباحة ومن أمثلتها : ضرب الزّوجة للنّشوز ، فيه الضّمان فيما ينشأ منه من تلف عند الحنفيّة والشّافعيّة ، ولا ضمان فيه عند الحنابلة والمالكيّة إن ظنّ السّلامة . 46 - والانتفاع بالطّريق العامّة من سير وسوق مأذون فيه لكلّ النّاس بشرط سلامة العاقبة ، فما لم تسلم عاقبته لم يكن مأذوناً فيه ، فالمتولّد منه يكون مضموناً ، إلاّ إذا كان ممّا لا يمكن الاحتراز منه ، وعلى ذلك فالرّاكب إذا وطئت دابّته رجلاً فهو ضامن لما أصابت يدها أو رجلها أو رأسها أو صدمت ؛ لأنّ هذه أفعال يمكن الاحتزاز عنها . ولا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها ؛ لأنّه لا يمكن الاحتزاز عنه ، ولو وقّفها في الطّريق فهو ضامن للنّفحة أيضاً ؛ لأنّ المأذون فيه شرعاً هو المرور ، وليس الوقوف إلاّ ما قاله بعض الحنابلة والمالكيّة من أنّ وقوف الدّابّة في الطّريق الواسع لغير شيء لا ضمان فيه . ولو وقّفها أمام باب المسجد فهو كالطّريق ، فيضمن ولو خصّص الإمام للمسلمين موقفاً فلا ضمان إلاّ إذا كان راكباً . ولو كان سائراً أو سائقاً أو قائداً في مواضع أذن الإمام للنّاس فيها بالوقوف ضمن ، لأنّ أثر الإذن في سقوط ضمان الوقوف ، لا في السّير والسّوق ، وهذا عند جميع الفقهاء . 47 - ومن حفر بئراً في طريق العامّة ، فإن لم تكن لمصلحة ففيها الضّمان بما تلف منها ، وإن كانت لمصلحة المسلمين ، فوقع فيها إنسان ومات فإن كان الحفر بإذن السّلطان فلا ضمان ، وإن كان بغير إذنه يضمن ؛ لأنّ أمر العامّة إلى الإمام ، فلا بدّ من إذنه ، وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة والحنفيّة عدا أبي يوسف فعنده لا يضمن ؛ لأنّ ما كان من مصالح المسلمين كان الإذن فيه ثابتاً دلالةً ، وهو أيضاً رأي للشّافعيّة ، ولم يقيّد المالكيّة ذلك بالإذن . ومن حفر في ملكه أو في موات فلا ضمان عليه اتّفاقاً . ويرى أبو حنيفة أنّ الواقع في الحفر لو مات جوعاً أو غمّاً فلا ضمان على الحافر ويوافقه أبو يوسف في الموت جوعاً أمّا إن مات غمّاً فالضّمان على الحافر . 48 - ومن أخرج جناحاً إلى طريق المسلمين ، أو نصب ميزاباً أو بنى دكّاناً أو وضع حجراً أو خشبةً أو قشر بطّيخ أو صبّ ماءً ، فزلق به إنسان فما نشأ من ذلك فهو مضمون على فاعله ، وهذا عند الحنابلة والحنفيّة والشّافعيّة . وعند المالكيّة يضمن فيما وضعه في الطّريق ، كقشر البطّيخ أو صبّ الماء ، أمّا من وضع ميزاباً للمطر ، ونصبه على الشّارع ، ثمّ بعد مدّة سقط على رأس إنسان فقتله ، أو على مال فأتلفه فلا ضمان ، لأنّه فعل مأذون فيه . 49 - ومن بنى جداراً مائلاً إلى الشّارع فتلف به شيء ففيه الضّمان ، وإن بناه مستوياً أو مائلاً إلى ملكه فسقط فلا ضمان ، وإن مال قبل وقوعه إلى هواء الطّريق ، أو إلى ملك إنسان فإن لم يمكن نقضه ولا فرّط في ترك نقضه لعجزه فلا ضمان ، فإن أمكنه وطولب بذلك ولم يفعل ضمن ، وإن لم يطالب لم يضمن .
أثر الإذن في دخول البيوت :
50 - لا يجوز لأحد دخول دار غيره بدون إذنه ولذلك وجب الاستئذان عند إرادة الدّخول لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها } ، فإن أذن له دخل وإن لم يؤذن له رجع . وللإذن في دخول البيوت أثر في حدّ السّرقة ، إذ يعتبر الإذن بالدّخول شبهة دارئة للحدّ ؛ لأنّ الدّار قد خرجت من أن تكون حرزاً بالإذن ، ولأنّه لمّا أذن له بالدّخول فقد صار في حكم أهل الدّار ، فإذا أخذ شيئاً فهو خائن لا سارق ، إلاّ أنّ الفقهاء يختلفون في تحديد ما يعتبر سرقةً وما لا يعتبر ، على تفصيل موطنه مصطلح ( سرقة ) .
51 - وكذلك للإذن في دخول البيوت أثر في الجناية والضّمان ، ومن ذلك من دخل دار غيره بإذنه فعقره كلبه ، فعند الحنابلة والمالكيّة وفي القول الثّاني للشّافعيّة فيه الضّمان على صاحبه ، لأنّه تسبّب في إتلافه بعدم كفّ الكلب عنه خلافاً للحنفيّة وقول للشّافعيّة . وكذلك من حفر بئراً في داره ، ودخل الدّار رجل بإذن صاحب الدّار ، فوقع فيها ، فلا ضمان على صاحب الدّار عند المالكيّة والحنفيّة ، وعند الحنابلة والشّافعيّة إن كانت البئر مكشوفةً والدّاخل بصير يبصرها فلا ضمان ، وإن كان الدّاخل أعمى ، أو كانت البئر في ظلمة لا يبصرها ، فعلى صاحب الدّار الضّمان عند الحنابلة ، والأظهر عند الشّافعيّة ، وفي القول الثّاني للشّافعيّة لا ضمان . وللتّفصيل يرجع إلى مصطلح ( جناية ) .
أثر الإذن في العقود :
52 - الأصل أنّ المأذون له في التّصرّفات ينفذ تصرّفه فيما له فيه نفع ، كالصّبيّ المأذون عند من يجيز تصرّف الصّبيّ . أمّا التّصرّفات الضّارّة فلا تصحّ ولو بالإذن ، ولذلك لا يصحّ تبرّعه . والصّبيّ المميّز المأذون له يملك ما يملكه البالغ لكن يشترط لصحّة الإذن أن يعقل أنّ البيع سالب للملك عن البائع ، والشّراء جالب له ، ويعرف الغبن اليسير من الفاحش . 53 - والإذن في العقود يفيد ثبوت ولاية التّصرّف الّذي تناوله الإذن ، وذلك كالوكالة والشّركة والقراض ( المضاربة ) ، فإنّه بمقتضى هذه العقود يثبت لكلّ من الوكيل وعامل القراض والشّريك ولاية التّصرّف الّذي تناوله الإذن ، كالوكالة في عقد البيع أو في عقد النّكاح وهكذا ، ولا يجوز له مباشرة أيّ عقد يخالف نصّ الإذن . وأمّا حقوق ما يباشرونه من عقود مأذون فيها فبالنّسبة للشّريك ترجع إليهما ، وبالنّسبة لعامل المضاربة ترجع إلى ربّ المال . أمّا بالنّسبة للوكيل فقد اختلف الفقهاء في ذلك : فعند الحنابلة وهو الأصحّ عند الشّافعيّة تكون العهدة على الموكّل ، ويرجع بالحقوق إليه ، وكذلك الحكم عند المالكيّة بالنّسبة للوكيل الخاصّ . أمّا الوكيل المفوّض عندهم فالطّلب عليه . ويقول الحنفيّة : كلّ عقد لا يحتاج فيه إلى إضافته إلى الموكّل ، ويكتفي الوكيل فيه بالإضافة إلى نفسه فحقوقه راجعة إلى العاقد ، كالبياعات والأشرية والإجارات ، فحقوق هذه العقود ترجع للوكيل وهي عليه أيضاً ، ويكون الوكيل في هذه الحقوق كالمالك والمالك كالأجنبيّ ، حتّى لا يملك الموكّل مطالبة المشتري من الوكيل بالثّمن ، وإذا استحقّ المبيع في يد المشتري يرجع بالثّمن على الوكيل . وكلّ عقد يحتاج فيه الوكيل إلى إضافته إلى الموكّل فحقوقه ترجع إلى الموكّل ، كالنّكاح والطّلاق والعتاق على مال والخلع ، فحقوق هذه العقود تكون للموكّل وهي عليه أيضاً ، والوكيل فيها سفير ومعبّر محض ، حتّى إنّ وكيل الزّوج في النّكاح لا يطالب بالمهر وإنّما يطالب به الزّوج إلاّ إذا ضمن المهر فحينئذ يطالب به لكلّ بحكم الضّمان . 54 - وقد يقوم إذن الشّارع مقام إذن المالك فيصحّ العقد وإن لم يأذن المالك ، وذلك كمن توجّه عليه دين وامتنع من الوفاء والبيع ، فإن شاء القاضي باع ماله بغير إذنه لوفاء دينه ، وإن شاء عزّره وحبسه إلى أن يبيعه . 55 - أمّا التّصرّف في مال الغير بدون إذنه ، وذلك كالفضوليّ يبيع مال غيره بغير إذنه فإنّه يتوقّف على الإجازة عند غير الشّافعيّة ، والإجازة اللاّحقة كالوكالة السّابقة ، والوكالة إذن ، وعند الشّافعيّة وفي رأي للحنابلة البيع باطل . 56 - وإذن المالك في العقود الّتي يباشرها بنفسه قد يفيد تمليك العين ، سواء أكان على سبيل البدل كما في القرض ، أم بدون عوض كما في الهبة والوصيّة بالعين . وقد يفيد تمليك المنفعة أو الانتفاع كالإجارة والإعارة أو تمليك الانتفاع بالبضع كما في عقد النّكاح وقد سبق بيان ذلك .
أثر الإذن في الاستهلاك :
57 - الإذن قد يرد على استهلاك رقبة الشّيء ومنافعه ، وهو من الشّارع يفيد التّملّك بالاستيلاء الحقيقيّ ، وذلك كالإذن بصيد البحر وصيد البرّ في غير الحرم ، ومن ذلك الماء والكلأ والنّار وهي المشتركات الثّلاث الّتي نصّ عليها الحديث : « المسلمون شركاء في ثلاث ، في الماء والكلأ والنّار » . أمّا الإذن بالاستهلاك من العباد بعضهم لبعض فإنّه يختلف أثره . فقد يفيد التّمليك على سبيل العوض كما في قرض الخبز والدّراهم والدّنانير . وقد يفيد الإذن التّمليك من غير عوض كما في هبة المأكول والمشروب والدّراهم والدّنانير . وقد لا يكون الإذن بالاستهلاك تمليكاً ، وإنّما يكون طريقاً إليه ، وذلك كما في الولائم والمنائح والضّيافات .
أثر الإذن في الجنايات :
58 - الأصل أنّ الدّماء لا تجري فيها الإباحة ، ولا تستباح بالإذن وإنّما يكون الإذن - إذا كان معتبراً - شبهةً تسقط القصاص ، ومن ذلك من قال لغيره : اقتلني فقتله ، فإنّ القود يسقط لشبهة الإذن ، وذلك عند الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في الأظهر ، وهو قول للمالكيّة ، وفي قول آخر للمالكيّة أنّه يقتل وفي قول ثالث أنّه يضرب مائةً ويحبس عاماً . واختلف في وجوب الدّية ، فتجب عند الحنفيّة وهو قول للمالكيّة والشّافعيّة . وكذلك من قال لغيره : اقطع يديّ فقطع يده فلا ضمان فيه ، وذلك عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، ورجّحه البلقينيّ ، وقال المالكيّة أيضاً : يعاقب ولا قصاص عليه ، وتنظر التّفصيلات في مصطلح : ( جناية ) . 59 - ومن أمر إنساناً بقتل غيره فإن كان بلا إكراه ففيه القصاص على المأمور واختلف في الآمر . أمّا إذا كان الأمر بإكراه ملجئ فإنّ القصاص على الآمر ، واختلف في المأمور ، فعند الحنابلة والمالكيّة وهو الصّحيح عند الشّافعيّة وقول زفر من الحنفيّة ، أنّه يقتل لمباشرته القتل ، وقال أبو يوسف : لا قصاص على واحد منهما ، والمذهب أنّ المأمور لا يقتل . وفي الموضوع تفصيلات كثيرة ( ر : إكراه - قتل - جناية ) . 60 - ولا قصاص على من قتل غيره دفاعاً عن نفسه أو عرضه أو ماله ؛ لأنّ الدّفاع عن ذلك مأذون فيه لكن ذلك مشروط بما إذا كان الدّفع لا يتأتّى إلاّ بالقتل .
أثر الإذن في الانتفاع :
61 - الانتفاع إذا كان بإذن من الشّارع فإنّه قد يفيد التّمليك بالاستيلاء الحقيقيّ كما في تملّك الحيوان المباح بالصّيد ، وكما في تملّك الأرض الموات بالإحياء . وقد يفيد اختصاصاً لمن سبق ، كالسّبق إلى مقاعد المساجد للصّلاة والاعتكاف ، والسّبق إلى المدارس والرّبط ومقاعد الأسواق . وقد يفيد ثبوت حقّ الانتفاع المجرّد ، كالانتفاع بالطّريق العامّ والمسيل العامّ ، والانتفاع بذلك مشروط بسلامة العاقبة . 62 - وإذا كان الانتفاع بإذن من العباد بعضهم لبعض ، فإن كان الإذن بدون عقد كإذن صاحب الطّريق الخاصّ والمجرى الخاصّ لغيره بالانتفاع فإنّه لا يفيد تمليكاً ، وإنّما يترتّب عليه الضّمان بسوء الاستعمال . 63 - أمّا إذا كان منشأ الانتفاع عن عقد كالإجارة والإعارة ، فإنّ الفقهاء يتّفقون على أنّ عقد الإجارة يفيد ملك المنفعة ، فيكون للمستأجر أن يستوفي المنفعة بنفسه ، ويكون له أن يؤجّر فيملك المنفعة لغيره . أمّا عقد الإعارة فإنّهم يختلفون في إفادته ملك المنفعة . فعند الحنابلة والشّافعيّة على الصّحيح لا تفيد ذلك إلاّ بإذن من المالك ، وعلى ذلك فلا يجوز للمستعير أن يعير غيره وإنّما يستوفي المنفعة بنفسه ، وعند الحنفيّة والمالكيّة تفيد الإعارة ملك المنفعة فيجوز للمستعير أن يعير غيره . 64 - ويترتّب الضّمان على الانتفاع النّاشئ عن مثل هذه العقود بمجاوزة الانتفاع المأذون فيه أو بالتّفريط . على تفصيل في ذلك ، يرجع إليه في مصطلح : ( ضمان ) .
انتهاء الإذن :
65 - الإذن إذا كان من الشّارع فليس فيه إنهاء له ولا يتصوّر ذلك ؛ لأنّ إذن الشّارع في الأموال المباحة يفيد تملّكها ملكيّةً مستقرّةً بالاستيلاء . أمّا إذن العباد بعضهم لبعض ، فإن كان إذناً بالانتفاع ، وكان منشأ الانتفاع عقداً لازماً كالإجارة فإنّه ينتهي بانتهاء المدّة ، أو بانتهاء العمل وفق الإذن الصّادر له ومدّة قيام الإذن . وإن كان منشأ الانتفاع عقداً جائزاً كالإعارة فإنّ الإذن ينتهي برجوع المعير في أيّ وقت شاء سواء أكانت العاريّة مطلقةً أم مؤقّتةً ؛ لأنّها إباحة ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، إلاّ أنّ الحنفيّة يقولون : إن كانت الإعارة مؤقّتةً وفي الأرض غرس أو بناء فلا يجوز رجوعه قبل الوقت . ويقول الحنابلة والشّافعيّة : إن أعاره أرضاً للزّراعة فعليه الإبقاء إلى الحصاد . وإن أعاره أرضاً ليدفن فيها فلا يرجع حتّى يندرس أثر المدفون ، أمّا المالكيّة فعندهم لا يجوز الرّجوع في العاريّة المؤقّتة قبل انتهاء وقتها ، وإن كانت مطلقةً لزمه أن يتركه مدّةً معتادةً ينتفع بها في مثلها . وإن كان إذناً بالتّصرّف كالوكالة والشّركة والمضاربة فإنّ الإذن ينتهي بالعزل ، لكن بشرط أن يعلم المأذون بذلك ، وأن لا يتعلّق بالوكالة حقّ للغير . وينتهي الإذن كذلك بالموت ، وبالجنون المطبق وبالحجر على الموكّل ، وبهلاك ما وكّل فيه ، وبتصرّف الموكّل بنفسه فيما وكّل فيه ، وباللّحاق بدار الحرب مرتدّاً . ومثل ذلك ناظر الوقف والوصيّ فإنّهما ينعزلان بالرّجوع وبالخيانة وبالعجز .
الموسوعة الفقهية / نهاية الجزء الثاني

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:34 AM

الموسوعة الفقهية/ الجزء الثالث
*استئنافٌ
التّعريف
1 - من معاني الاستئناف لغةً : الابتداء والاستقبال ، وقد استأنف الشّيء أخذ أوّله وابتدأه . وبتتبّع استعمالات هذا المصطلح لدى الفقهاء ، يمكن الوصول إلى تعريفٍ بأنّه : البدء بالماهيّة الشّرعيّة من أوّلها ، بعد التّوقّف فيها وقطعها لمعنًى خاصٍّ . فالاستئناف لا يكون إلاّ بعد قطع الماهيّة الأولى ؛ لما جاء في ردّ المحتار : « قوله ( واستئنافه أفضل ) أي : بأن يعمل عملاً يقطع الصّلاة ثمّ يشرع بعد الوضوء ، شرنبلاليّةٌ عن الكافي ، وفي حاشية أبي السّعود عن شيخه : فلو لم يعمل ما يقطع الصّلاة ، بل ذهب على الفور فتوضّأ ، ثمّ كبّر ينوي الاستئناف ، لم يكن مستأنفاً بل بانياً . اهـ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - البناء :
2 - من معاني البناء لغةً : أنّه ضدّ الهدم ، واصطلاحاً : يأتي بمعنى المضيّ في الماهيّة الشّرعيّة المبدوء بها إلى نهايتها ، بعد زوال العارض الّذي قطعها بسببه ، ومثاله : أن يسبق المصلّي حدثٌ ، بعد أن صلّى ركعةً ، فيتوضّأ ، ويبني على صلاته بإكمال ما بقي ، وذلك عند الحنفيّة . وفيه خلافٌ تفصيله في مباحث ( الصّلاة ) فالبناء مباينٌ للاستئناف .
ب - الاستقبال :
3 - الاستقبال لغةً : المواجهة ، أمّا شرعاً : فيأتي مرادفاً للاستئناف ، ومثاله قول الكاسانيّ : إذا أيست المعتدّة بالأقراء ، تنتقل عدّتها إلى الأشهر ، فتستقبل العدّة بها . ويأتي بمعنى الاتّجاه إلى القبلة أو غيرها .
ج - الابتداء :
4 - من معاني الابتداء لغةً : التّقديم ، والأخذ في الشّيء من أوّله ، ولا يخرج التعريف الاصطلاحيّ عن ذلك . فالفرق بينه وبين الاستئناف ، أنّ الابتداء أعمّ .
د - الإعادة :
5 - من معاني الإعادة لغةً : فعل الشّيء ثانيةً ، ومنه التّكرار . واصطلاحاً : عرّفها الغزاليّ عند كلامه عن إعادة الموقّت : بأنّها فعل الشّيء ثانياً في الوقت بعد فعله على نوعٍ من الخلل . وتفترق الإعادة عن الاستئناف بأنّها لا تكون إلاّ بعد فعل العمل الأوّل مع خللٍ ما ، أمّا الاستئناف فلا يكون إلاّ بعد قطع العمل قبل تمامه .
هـ : القضاء :
6 - القضاء لغةً : أداء الشّيء ، واصطلاحاً : عرّفه الغزاليّ : بأنّه فعل مثل ما فات وقته المحدّد ، فالفرق بينه وبين الاستئناف ، أنّ القضاء لا يكون إلاّ بعد الوقت ، ولا يكون إلاّ في الأفعال ذات الوقت المحدّد . أمّا الاستئناف فقد يكون في الوقت ، وقد يكون بعده ، وقد يكون في غير الوقت .
صفته : الحكم التّكليفيّ :
7 - الاستئناف تعتريه بضعة أحكامٍ تكليفيّةٍ . فقد يكون واجباً اتّفاقاً ، وذلك كما لو تعمّد الحدث وهو في الصّلاة . وهو أيضاً واجبٌ عند المالكيّة ، إذا سبقه حدثٌ غير الرّعاف ، إذ لا بناء عندهم إلاّ في الرّعاف ؛ لأنّه رخصةٌ فيتوقّف فيها على مورد النّصّ . وقد يكون مستحبّاً ، كمن أحدث وهو يؤذّن ، واحتاج لفاصلٍ طويلٍ للتّطهّر ، فإنّ استئناف الأذان أولى . وقد يكون مكروهاً كما في الصّورة السّابقة إذا كان الفاصل للتّطهّر يسيراً ؛ لأنّ البناء هنا أولى ، لئلاّ يوهم التّلاعب إذا استأنف . وقد يكون الاستئناف مباحاً ، كالبيع الصّحيح والإجارة الصّحيحة - إذا جرت فيها الإقالة أو كان البيع فاسداً - فإنّه يصحّ استئناف العقد .
مواطن الاستئناف :
الاستئناف مصطلحٌ يرد في كثيرٍ من أبواب الفقه ، إلاّ أنّ استعماله في أبواب العبادات أكثر منه في غيرها ، وفيما يلي بعض الصّور .
الاستئناف في الوضوء :
8 - جاء في الفروع لابن مفلحٍ في معرض بيان أثر نسيان التّسمية على صحّة الوضوء : « وإن ذكر في بعضه ابتدأ ، وقيل بنى ، وعنه تستحبّ » أي أنّ المتوضّئ إذا ذكر التّسمية في أثناء الوضوء استأنف وضوءه وجوباً في قولٍ لدى الحنبليّة ، وفي قولٍ آخر لا يجب الاستئناف ، ويجوز البناء .
الاستئناف في الغسل :
9 - جاء في الفروع لابن مفلحٍ في الغسل : « وحيث فاتت الموالاة فيه أو في وضوءٍ ، وقلنا يجوز فلا بدّ للإتمام من نيّةٍ مستأنفةٍ ، بناءً على أنّ من شرط النّيّة الحكميّة : قرب الفعل منها ، كحالة الابتداء ... » .
الاستئناف في الأذان والإقامة :
10 - جاء في الدّرّ المختار في الأذان والإقامة : « إن تكلّم في الأذان أو الإقامة - ولو بردّ سلامٍ - استأنف » .
الاستئناف في الصّلاة :
11 - قال الزّيلعيّ : « ( وإن سبقه حدثٌ ) أي المصلّي ( توضّأ وبنى ) ، والقياس أن يستقبل ( يستأنف ) وهو قول الشّافعيّ ؛ لأنّ الحدث ينافيها ، والمشي والانحراف يفسدانها ، فأشبه الحدث العمد ، ولنا قوله عليه الصلاة والسلام : « من أصابه قيءٌ أو رعافٌ أو قلسٌ أو مذيٌ فلينصرف فليتوضّأ ، ثمّ ليبن على صلاته ، وهو في ذلك لا يتكلّم » . وقال عليه الصلاة والسلام : « إذا رعف أحدكم في صلاته أو قلس ، فلينصرف فليتوضّأ وليرجع فليتمّ صلاته ، على ما مضى منها ما لم يتكلّم » . والاستئناف أفضل تحرّزاً عن شبهة الخلاف . وهذا الحكم على سبيل الوجوب عند المالكيّة في غير الرّعاف ، إذ البناء رخصةٌ .
الاستئناف في التّيمّم :
12 - وقال الكاسانيّ : « وإن وجد الماء في الصّلاة ، فإن وجده قبل أن يقعد قدر التّشهّد الأخير انتقض تيمّمه ، وتوضّأ واستقبل ( استأنف ) الصّلاة عندنا ، وللشّافعيّ ثلاثة أقوالٍ : في قولٍ مثل قولنا ، وفي قولٍ يقرّب الماء منه حتّى يتوضّأ ويبني ، وفي قولٍ يمضي على صلاته وهو أظهر أقواله » .
الاستئناف في الكفّارات :
13 - ومن أمثلة الاستئناف في الكفّارات ما قال صاحب الدّرّ المختار في كفّارة اليمين : « ( والشّرط استمرار العجز إلى الفراغ من الصّوم ، فلو صام المعسر يومين ثمّ ) قبل فراغه ولو بساعةٍ ( أيسر ) ولو بموت مورّثه موسراً ( لا يجوز له الصّوم ) ، ويستأنف بالمال » ، والعجز المراد به هنا العجز عن الإطعام والكسوة والتّحرير ؛ لأنّ الصّوم لا يقبل هنا إلاّ بعد العجز عن تلك الثّلاثة .
الاستئناف في العدّة :
14 - جاء في بدائع الصّنائع : « ... إذا طلّق امرأته ثمّ مات ، فإن كان الطّلاق رجعيّاً انتقلت عدّتها إلى عدّة الوفاة ، سواءٌ طلّقها في حالة المرض أو الصّحّة ، وانهدمت عدّة الطّلاق ، وعليها أن تستأنف عدّة الوفاة في قولهم جميعاً » . وقال في الدّرّ المختار : « ( والصّغيرة ) لو حاضت بعد تمام الأشهر ( لا ) تستأنف ( إلاّ إذا حاضت في أثنائها ) فتستأنف بالحيض ( كما تستأنف ) العدّة ( بالشّهور من حاضت حيضةً ) أو اثنتين ( ثمّ أيست ) ، تحرّزاً عن الجمع بين الأصل والبدل » .


*أستارٌ
انظر : استتارٌ .


*استباقٌ
انظر : سباقٌ .


*استبدادٌ
التعريف
1 - الاستبداد في اللّغة : مصدر استبدّ ، يقال : استبدّ بالأمر ، إذا انفرد به من غير مشاركٍ له فيه . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن ذلك .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستقلالٌ :
2 - من معاني الاستقلال : الاعتماد على النّفس ، والاستبداد بالأمر ، وهو بهذا المعنى يرادف الاستبداد ، غير أنّه يخالفه في غير ذلك من إطلاقاته اللّغويّة ، فيكون من القلّة ومن الارتفاع .
ب - المشورةٌ :
3 - الشّورى لغةً وشرعاً : عدم الاستئثار بالرّأي ، وهي ضدّ الاستبداد بالرّأي .
صفته : الحكم التّكليفيّ :
4 - الاستبداد المفضي إلى الضّرر أو الظّلم ممنوعٌ ، كالاستبداد في احتكار الأقوات ، واستبداد أحد الرّعيّة فيما هو من اختصاص الإمام مثل الجهاد ، والاستبداد في إقامة الحدود بغير إذن الإمام . ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح ( احتكارٌ ، وحدودٌ ، وجهادٌ ) وإلى كتب الفقه في المواطن المبيّنة بالهوامش . أمّا ما كان لتحقيق واجبٍ لا يتمّ إلاّ به فهو جائزٌ ، كاستبداد المرأة بالخروج مع المحرم بغير إذن زوجها . لتحجّ الفريضة .


*استبدالٌ
انظر : إبدالٌ .


*استبراءٌ
التعريف
1 - الاستبراء لغةً : طلب البراءة ، وبرئ تطلق بإزاء ثلاث معانٍ : برئ إذا تخلّص ، وبرئ إذا تنزّه وتباعد ، وبرئ إذا أعذر وأنذر . أمّا الاستبراء فيقال : استبرأ الذّكر استنقاه ، أي استنظفه من البول . واستبرأ من بوله إذا استنزه .
وللاستبراء استعمالان شرعيّان : الأوّل : يتّصل بالطّهارة كشرطٍ لصحّتها ، فهو بهذا من مباحث العبادة ، وهو داخلٌ تحت قسم التّحسين . يقول الشّاطبيّ : ( وأمّا التّحسينات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات . ففي العبادات كإزالة النّجاسة ) الثّاني : يتّصل بالاطمئنان على سلامة الأنساب ، وعدم اختلاطها ، فهو بهذا من مباحث النّكاح ، وهو داخلٌ تحت قسم الضّروريّ ، كما ذهب إليه الشّاطبيّ .
أوّلاً : الاستبراء في الطّهارة :
2 - عرّف ابن عرفة الاستبراء بالاستعمال الأوّل بقوله : ( إزالة ما بالمخرجين من الأذى ) ، فالاستبراء على هذا يكون من البول ، والغائط ، والمذي ، والودي ، والمنيّ . وهو ما يفهم من كلام الشّافعيّة والحنابلة . وعرّفه الحنفيّة : بأنّه طلب البراءة من الخارج ، وصرّحوا بأنّه لا يتصوّر في المرأة .
الألفاظ ذات الصّلة :
الاستنقاء ، والاستنجاء ، والاستنزاه ، والاستنثار .
أ - الاستنقاء :
3 - الاستنقاء : هو طلب النّقاوة ، وهو أن يدلّك المقعدة بالأحجار ، أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء .
ب - الاستنجاء :
4 - الاستنجاء : هو استعمال الأحجار أو الماء .
ج - الاستنزاه :
5 - الاستنزاه : هو التّحفّظ من البول والتّوقّي منه .
د - الاستنثار :
6 - الاستنثار : قال النّوويّ في تهذيب الأسماء : استنثر الرّجل من بوله اجتذبه واستخرج بقيّته من الذّكر . فالصّلة بين هذه الألفاظ وبين الاستبراء ، هي أنّها كلّها تتعلّق بإنقاء المخرجين من الخارج منهما .
صفته : الحكم التّكليفيّ :
7 - ذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، وبعض الشّافعيّة ( منهم القاضي حسينٌ ) إلى أنّ الاستبراء فرضٌ ، وذهب جمهور الشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّه مستحبٌّ ؛ لأنّ الظّاهر من انقطاع البول عدم عوده . واستدلّ القائلون بالوجوب بحديث الدّارقطنيّ : « تنزّهوا من البول فإنّ عامّة عذاب القبر منه » ويحمل الحديث على ما إذا ظنّ أو تحقّق بمقتضى عادته أنّه إن لم يستبرئ خرج منه شيءٌ . ويقول ابن عابدين : وعبّر بعضهم بلفظ ينبغي ، وعليه فهو مندوبٌ كما صرّح به بعض الشّافعيّة ، ومحلّه إذا أمن خروج شيءٍ بعده ، فيندب ذلك مبالغةً في الاستبراء .
8 - ودليل الاستبراء حديثان : الدّليل الأوّل : الحديث الّذي أخرجه السّتّة عن ابن عبّاسٍ قال : « مرّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بحائطٍ أي بستانٍ من حيطان المدينة أو مكّة ، فسمع صوت إنسانين يعذّبان في قبورهما ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : يعذّبان وما يعذّبان في كبيرٍ ، ثمّ قال : بلى ، كان أحدهما لا يستتر من بوله ، وكان الآخر يمشي بالنّميمة ، ثمّ دعا بجريدةٍ فكسرها كسرتين ، فوضع على كلّ قبرٍ منهما كسرةً ، فقيل : له يا رسول اللّه ؛ لم فعلت هذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : لعلّه يخفّف عنهما ما لم تيبسا » رواه البخاريّ . وعلّق ابن حجرٍ على الحديث بقوله : لا يستتر في أكثر الرّوايات بمثناتين من فوق : الأولى مفتوحةٌ والثّانية مكسورةٌ . وفي رواية ابن عساكر : يستبرئ بموحّدةٍ ساكنةٍ من الاستبراء ، ثمّ قال : وأمّا رواية الاستبراء فهي أبلغ في التّوقّي . الدّليل الثّاني : عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « تنزّهوا من البول فإنّ عامّة عذاب القبر منه » .
حكمة تشريعه :
9 - يقول عليٌّ الأجهوريّ : إنّ الاستبراء معقول المعنى ، وليس من التّعبّد ؛ لأنّه بالاستبراء ينتهي خروج الحدث المنافي للوضوء . وبناءً على ذلك فجميع المذاهب تتّفق على أنّ المحدث إذا غلب على ظنّه عدم انقطاع الخارج فإنّه لا يصحّ وضوءه ؛ لأنّ الأحكام تبنى على غلبة الظّنّ اتّفاقاً .
كيفيّة الاستبراء :
10 - الاستبراء إمّا أن يكون من الغائط ، وإمّا أن يكون من البول ، فإذا كان من الغائط فإنّه يكفيه أن يحسّ من نفسه أنّه لم يبق شيءٌ في المخرج ممّا هو بصدد الخروج . وأمّا إذا كان من البول ، فهو إمّا من المرأة ، وإمّا من الرّجل ، فأمّا المرأة فإنّه لا استبراء عليها عند الحنفيّة ، ولكن إذا فرغت تنتظر قليلاً ثمّ تستنجي ، وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المرأة تستبرئ بعصر عانتها . وأمّا الرّجل فاستبراؤه يحصل بأيّ أمرٍ اعتاده دون أن يجرّه ذلك إلى الوسوسة .
آداب الاستبراء :
11 - للاستبراء آدابٌ منها : أن يطرد الوسواس عن نفسه . قال الغزاليّ : ولا يكثر التّفكّر في الاستبراء ، فيتوسوس ويشقّ عليه الأمر . ومن وسائل طرد الوسواس النّضح ، وهو رشّ الماء ، واختلف في موضع النّضح ، فحكى النّوويّ أنّه نضح الفرج بماءٍ قليلٍ بعد الوضوء لدفع الوسواس . وقيل : هو أن ينضح ثوبه بالماء ، بعد الفراغ من الاستنجاء ؛ لدفع الوسواس أيضاً . قال الغزاليّ : وما يحسّ به من بللٍ ، فليقدّر أنّه بقيّة الماء ، فإن كان يؤذيه فليرشّ عليه الماء حتّى يقوى في نفسه ذلك ، ولا يسلّط عليه الشّيطان بالوسواس ، وفي الخبر أنّه صلى الله عليه وسلم فعله . وهذا الحديث أخرجه النّسائيّ عن الحكم عن أبيه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « كان إذا توضّأ أخذ حفنةً من ماءٍ فقال بها هكذا » وفي روايةٍ أخرى عن الحكم بن سفيان قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم توضّأ ونضح فرجه » قال أحمد : فنضح فرجه ، علّق عليه السّنديّ فقال : وقيل : نضح أي استنجى بالماء ، وعلى هذا فمعنى إذا توضّأ أراد أن يتوضّأ ، وقيل : رشّ الفرج بالماء بعد الاستنجاء ليدفع به وسوسة الشّيطان ، وعليه الجمهور وكأنّه يؤخّره أحياناً إلى الفراغ من الوضوء .
ثانياً : الاستبراء في النّسب :
12 - معنى الاستبراء في النّسب ، طلب براءة المرأة من الحبل ، يقال : استبرأت المرأة : طلبت براءتها من الحبل . وعرّفه ابن عرفة بما توضيحه : ترك السّيّد جاريته مدّةً مقدّرةً شرعاً يستدلّ بها على براءة الرّحم .
13 - ويكون تارةً بحيضها ، إذ الحيض دليلٌ على براءة الرّحم ، وقد يكون بانتظارها مدّةً من الزّمن توجب الاطمئنان بعدم الحمل ، وقد يكون بوضع الحمل الّذي علق بها ، حيّاً أو ميّتاً ، تامّ الخلقة أو غير تامٍّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
العدّة :
14 - العدّة تربّصٌ يلزم المرأة عند زوال النّكاح ، فتشترك العدّة والاستبراء في أنّ كلاًّ منهما مدّةٌ تتربّص فيها المرأة لتحلّ للاستمتاع بها .
15 - ومع هذا فهما يفترقان في النّواحي التّالية :
( أ ) يقول القرافيّ : إنّ العدّة تجب ولو تيقّنّا براءة الرّحم ، كمن طلّقها زوجها بعد أن غاب عنها عشر سنواتٍ ، وكذا إذا توفّي عنها ، وكذا الصّغيرة في المهد إذا توفّي عنها زوجها ، أمّا الاستبراء فليس كذلك . والعدّة واجبةٌ على كلّ حالٍ لتغليب جانب التّعبّد فيها .
( ب ) اعتبر القرء الواحد كافياً في الاستبراء ولم يعتبر كافياً في العدّة .
( ج ) القرء في الاستبراء هو الحيض ، وأمّا القرء في العدّة فمختلفٌ فيه بين الحيض والطّهر .
( د ) الوطء في العدّة يوجب تحريم المدخول بها تحريماً مؤبّداً عند بعض العلماء ، أمّا وطء المملوكة في مدّة الاستبراء ، فالاتّفاق على أنّه لا يحرم تحريماً مؤبّداً .
استبراء الحرّة :
16 - اتّفق الفقهاء على الاستبراء في الحرّة ، على خلافٍ بينهم في الوجوب والنّدب ، وفي الأحوال الّتي يطلب فيها . ففي المزنيّ بها ، استبراءٌ على سبيل الوجوب عند المالكيّة ، وهو ما نقل عن محمّد بن الحسن ، ونقل عنه الاستحباب ، كالمنقول عن أبي حنيفة وأبي يوسف . وصرّح الشّافعيّة : بأنّه إن علّق طلاق امرأته على وجود حملٍ بها فتستبرأ ندباً ، أمّا إن علّقه على أنّها حائلٌ ( غير حاملٍ ) فتستبرأ وجوباً . وصرّح الحنابلة بطلب الاستبراء في صورةٍ من الميراث ، فيما إذا مات ولد الزّوجة من غير زوجٍ سابقٍ ، ولم يكن لهذا الولد أصلٌ أو فرعٌ وارثٌ ، فإنّه تستبرأ زوجته لتبيّن حملها من عدمه لمعرفة ميراث الحمل . كما اتّفق الفقهاء على وجوب استبراء الحرّة الّتي وجب عليها إقامة الحدّ أو القصاص ، نظراً لحقّ الحمل في الحياة . ودليل ذلك خبر الغامديّة المعروف .
17 - ومن المسائل الّتي صرّح المالكيّة فيها بوجوب استبراء الحرّة ما يأتي :
( أ ) إذا ظهر حملٌ بالمعقود عليها عقداً صحيحاً ، ولم تعلم خلوةٌ ، وأنكر الوطء ، ونفى الحمل بلعانٍ ، فتستبرأ بوضع الحمل .
( ب ) إذا وطئت الزّوجة الحرّة بزناً . وبمثل ذلك قال الحنفيّة .
( ج ) إذا وطئت بشبهةٍ بأن اعتقد المستمتع بها أنّها زوجته .
( د ) الوطء بنكاحٍ فاسدٍ مجمعٍ على فساده لا يدرأ الحدّ ، كمحرّمٍ بنسبٍ أو رضاعٍ .
( هـ ) إذا غصبها غاصبٌ وغاب عليها ( أي مكثت عنده مدّةً وخلا بها ) ولو ادّعى أنّه لم يطأها وصدّقته ؛ وذلك لاتّهامه بتخفيف عقوبته ، واتّهامها بحفظ شرفها ظاهراً ؛ ولأنّ ذلك حقّ اللّه ؛ ولأنّ الغيبة مظنّة الوطء .
حكمة تشريع الاستبراء :
18 - إنّ حكمة مشروعيّة الاستبراء ، سواءٌ أكان في الحرائر أم الإماء هي : تعرّف براءة الرّحم احتياطاً لمنع اختلاط الأنساب . وحفظ النّسب من أهمّ مقاصد الشّريعة الإسلاميّة .
استبراء الأمة :
يكون استبراء الأمة واجباً ، ويكون مستحبّاً ، فيكون واجباً في الصّور الآتية :
( أ ) عند حصول الملك للّتي يقصد وطؤها :
19 - إذا حصل الملك للأمة الّتي يقصد وطؤها بسببٍ من أسباب الملك ، فاستبراؤها واجبٌ . وهذا القدر متّفقٌ عليه بين المذاهب إجمالاً ، وذلك للحديث الّذي رواه أبو سعيدٍ الخدريّ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاسٍ : لا توطأ حاملٌ حتّى تضع ، ولا غير ذات حملٍ حتّى تحيض » ومن القياس ما يقوله السّرخسيّ : والمعنى في المسبيّة حدوث ملك الحلّ فيها لمن وقعت في سهمه بسبب ملك الرّقبة ، ويتعدّى الحكم إلى المشتراة أو الموهوبة . والحكمة صيانة ماء نفسه عن الخلط . وبعد الاتّفاق في الأصل اختلفوا في التّفصيل : فالمالكيّة اشترطوا لتحقّق وجوب الاستبراء شروطاً خلاصتها :
أوّلاً : ألاّ يتيقّن براءة رحمها من الحمل ، وهذا الشّرط قال به أيضاً ابن سريجٍ ، وابن تيميّة ، وابن القيّم ، ورجّحه جماعةٌ من المتأخّرين كما روي عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة . وذهب أبو حنيفة وجمهور الشّافعيّة وأحمد في أكثر الرّوايات عنه إلى أنّه لا بدّ من الاستبراء ، لوجود العلّة ، وهي ملك حلٍّ بسبب ملك الرّقبة .
ثانياً : ألاّ يكون وطؤها مباحاً لمن انتقل ملكها إليه قبل الانتقال ، كما لو اشترى السّيّد زوجته الّتي عقد عليها قبل الشّراء ، فإنّه غير مطالبٍ بأن يستبرئها على سبيل الوجوب . والإباحة هي الإباحة المعتدّ بها المطابقة للواقع ، أمّا إذا كشف الغيب عن عدم حلّيّةٌ وطئه فلا بدّ من استبرائها ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة والحنابلة .
ثالثاً : ألاّ يحرم عليه الاستمتاع بها بعد ملكها ، فإن حرّمت في المستقبل لم يجب استبراؤها ، وذلك كمن اشترى أخت زوجته ، أو متزوّجةً بغيره ، دخل بها أم لم يدخل .
ب - قصد تزويج الأمة :
20 - يجب على السّيّد أن يستبرئ أمته إذا أراد تزويجها وذلك إذا وطئها ، أو إذا زنت عنده إذا اشتراها ممّن لم ينف وطأه لها ، وفي غير هذه لا يجب عليه أن يستبرئها . وفصّل الحنفيّة ، والشّافعيّة بين الزّنا وبين الوطء ، فإذا وطئها السّيّد وجب استبراؤها ، وإذا زنت عنده لم يلزم باستبرائها قبل التّزويج .
ج - زوال الملك بالموت أو العتق :
21 - إذا مات السّيّد يجب على وارثه أن يستبرئ الأمة الّتي ورثها عنه ، ولا يحلّ له أن يستمتع بها إلاّ بعد استبرائها ، سواءٌ أكان سيّدها حاضراً ، أم غائباً يمكنه الوصول إليها ، أقرّ بوطئها أم لا ، وكذلك إذا كانت متزوّجةً وانقضت عدّتها ومات السّيّد بعد انقضاء العدّة ، وذلك لأنّها حلّت للسّيّد زمناً . أمّا لو لم تنقض العدّة ، أو كانت وقت الموت ذات زوجٍ فلا يجب الاستبراء ، كما لا يجب الاستبراء إذا كان السّيّد غائباً عنها غيبةً لا يمكنه الوصول إليها ، وامتدّ غيابه بمقدار الاستبراء فأكثر . وأمّا أمّ الولد فلا بدّ لها أن تستأنف الاستبراء بعد العتق . وفي مذهب الشّافعيّ : أنّ السّيّد إذا زال فراشه عن الأمة الّتي كان يطؤها فالاستبراء واجبٌ ، استولدها أو لم يستولدها ، وسواءٌ في ذلك زال فراشه بعتقٍ أم موتٍ ، وسواءٌ مضت عليها مدّة الاستبراء أم لم تمض .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:35 AM

د - زوال الملك بالبيع :
22 - إذا أراد السّيّد بيع الأمة فلا يخلو حاله من أمرين : إمّا أن يكون قد وطئها قبل ذلك أو لا . أمّا الأمة الّتي لم يطأها فيجوز له أن يبيعها بدون استبراءٍ . واستحبّ الإمام أحمد استبراءها . وأمّا الأمة الّتي كان يستمتع بها سيّدها ويطؤها ، فمذهب مالكٍ أنّ استبراءها واجبٌ على السّيّد قبل البيع . ويفصّل أحمد بين اليائسة وغيرها . ودليله : أنّ عمر بن الخطّاب أنكر على عبد الرّحمن بن عوفٍ بيع جاريةٍ كان يطؤها قبل استبرائها . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الاستبراء في هذه الحالة سنّةٌ ، وذلك قبل بيعه لها ؛ ليكون على بصيرةٍ منها . وقال الحنفيّة : إنّه مستحبٌّ .
هـ - الاستبراء بسوء الظّنّ :
23 - قال المازريّ : وكلّ من جاز حملها ففي استبرائها قولان . ومثّل له بأمثلةٍ منها : استبراء الأمة خوف أن تكون زنت ، وهو المعبّر عنه بالاستبراء لسوء الظّنّ .
مدّة الاستبراء :
المستبرأة لها أحوالٌ منها : الحرّة ، والأمة الّتي بلغت المحيض وهي تحيض فعلاً ، والحامل ، والّتي لا تحيض لصغرٍ أو كبرٍ .
استبراء الحرّة :
24 - استبراء الحرّة كعدّتها ، إلاّ في ثلاث مسائل يكتفى فيها بحيضةٍ واحدةٍ ، وهي استبراؤها لإقامة الحدّ عليها في الزّنا أو الرّدّة ؛ ليتبيّن عدم حملها ؛ لأنّ ذلك مانعٌ من إقامة الحدّ ، أو في الملاعنة لنفي حملها . والاكتفاء في المزنيّ بها بحيضةٍ واحدةٍ هو مذهب الحنفيّة ، وروايةٌ عن كلٍّ من الشّافعيّة والحنابلة . ولهما روايةٌ أخرى أنّها تستبرأ بثلاثٍ . استبراء الأمة الحائض :
25 - ذهب مالكٌ ، والشّافعيّ ، وأحمد في روايةٍ ، وعثمان ، وعائشة ، والحسن ، والشّعبيّ ، والقاسم بن محمّدٍ ، وأبو قلابة ، ومكحولٌ ، وأبو ثورٍ ، وأبو عبيدٍ ، إلى أنّ الأمة إذا كانت ممّن تحيض كعادة النّساء كلّ شهرٍ أو نحوه ، فاستبراؤها يقع بحيضةٍ كاملةٍ ، سواءٌ في ذلك استبراء البيع والعتق والوفاة ، أمّ ولدٍ كانت أو لا . وفرّق الحنفيّة بين أمّ الولد وغيرها ، فإذا كانت المستبرأة غير أمّ ولدٍ ، فاستبراؤها بحيضةٍ كاملةٍ ، أمّا أمّ الولد ، إذا أعتقت بإعتاق المولى أو بموته ، فإنّها تعتدّ بثلاثة قروءٍ ؛ لما روي عن عمر وغيره أنّهم قالوا : عدّة أمّ الولد ثلاث حيضٍ .
استبراء الحامل :
26 - ذهب المالكيّة ، والحنفيّة ، والحنابلة ، إلى أنّ المستبرأة إذا كانت حاملاً فاستبراؤها يكون بوضع حملها كلّه ، ولو وضعته بعد لحظةٍ من وجوبه . ومذهب الشّافعيّة أنّ الأمة المسبيّة ، أو الّتي زال عنها فراش السّيّد يحصل استبراؤها بوضع حملها ، وإن كانت مشتراةً - وهي حاملٌ من زوجٍ أو وطءٍ بشبهةٍ - فلا استبراء في الحال ، ويجب بعد زوال العدّة أو النّكاح ، لأنّ حدوث حلّ الاستمتاع إنّما وجد بعد ذلك ، وإن تقدّم عليه الملك ؛ لأنّه ملكٌ مشغولٌ بحقّ الغير . والحامل من زناً إذا كانت لا تحيض في أثناء مدّة الحمل تستبرأ بوضع الحمل ، وإن كانت تحيض فكذلك على الأصحّ ، وفي قولٍ يحصل استبراؤها بحيضةٍ على الحمل .
استبراء الأمة الّتي لا تحيض لصغرٍ أو كبرٍ :
27 - مذهب مالكٍ أنّ الأمة الّتي لا تحيض لصغرٍ أو كبرٍ : أنّها تتربّص ثلاثة أشهرٍ ، ونقل ابن رشدٍ في المقدّمات أنّه قد جرى اختلافٌ في مذهب مالكٍ ، فقيل : استبراؤها شهرٌ ، وقيل شهرٌ ونصفٌ ، وقيل شهران ، وقيل ثلاثة أشهرٍ ، وهو المشهور في المذهب الحنبليّ ، وهو قول الحسن ، وابن سيرين ، والنّخعيّ ، وأبي قلابة ، وهو قولٌ ثانٍ في المذهب الشّافعيّ . ومذهب أبي حنيفة ، والرّاجح عن الشّافعيّ ، أنّها تستبرأ بشهرٍ فقط ، وعلّل ذلك بأنّ الشّهر يتحقّق فيه في غيرها طهرٌ وحيضٌ ، ولأنّ الشّهر قائمٌ مقام الطّهر والحيض شرعاً .
الاستمتاع بالأمة المستبرأة :
28 - مذهب أبي حنيفة ، ومالكٍ ، والشّافعيّ في روايةٍ أنّ المستبرأة لا يقبّلها ، ولا يباشرها ، ولا ينظر منها إلى عورةٍ ، حتّى ينتهي أمد الاستبراء ، وذلك لأنّه من الجائز أنّها حملت من البائع ، وأنّ البيع باطلٌ . وهذه التّصرّفات لا تحلّ إلاّ في الملك . ووافقهم أحمد ، وله روايةٌ بالتّفصيل بين المطيقة وغيرها .
أثر العقد والوطء زمن الاستبراء :
29 - العقد على المستبرأة حرامٌ في جميع المذاهب ، وكذلك الوطء بالأولى ، وتفصيل أثره من حيث نشر الحرمة في كتب الفقه .
إحداد المستبرأة :
30 - اتّفق الفقهاء على أنّ المستبرأة لا يجب عليها الإحداد ولا يستحبّ لها ؛ لأنّ الإحداد شرع لزوال نعمة الزّواج .


*استبضاعٌ
التّعريف
1 - أ - الاستبضاع في اللّغة : من البضع ، بمعنى القطع والشّقّ ، ويستعمل استعمالاً مجازيّاً في النّكاح والمجامعة . والبضع - بالضّمّ - الجماع ، والفرج نفسه ، وعلى هذا فالاستبضاع هو : طلب الجماع ، ومنه نكاح الاستبضاع ، الّذي عرّفه ابن حجرٍ بقوله : وهو قول الرّجل لزوجته في الجاهليّة : « أرسلي إلى فلانٍ ، فاستبضعي منه » أي اطلبي منه المباضعة ، وهو الجماع . وهذا كان في الجاهليّة ، وقد أبطله الإسلام .
ب - ويأتي الاستبضاع في اللّغة بمعنًى آخر ، وهو : استبضاع الشّيء ، أي جعله بضاعةً ؛ لأنّ البضاعة هي طائفةٌ من مال الرّجل يبعثها للتّجارة .
الحكم الإجماليّ لنكاح الاستبضاع :
2 - طالما أنّ نكاح الاستبضاع هو زنًى محضٌ ، فإنّ الآثار المترتّبة عليه هي نفس الآثار المترتّبة على الزّنى ، من حيث العقوبة ، وضمان العقر ، ووجوب الاستبراء ، وعدم إلحاق نسب المولود من ذلك بالزّاني ، بل يلحق بصاحب الفراش ، إلاّ أن ينفيه بشروطه ، وغير ذلك . ( ر : زنًى ) .
الاستبضاع في التّجارات :
3 - يطلق بعض الفقهاء كلمة استبضاعٍ أيضاً على : دفع الرّجل مالاً لآخر ليعمل فيه ، على أن يكون الرّبح كلّه لربّ المال ، ولا شيء للعامل . فيقال لصاحب المال مستبضعٌ ، ومبضعٌ ، ( بالكسر ) ، ويقال للعامل مستبضعٌ ، ومبضعٌ معه ( بالفتح ) ، وهذه المعاملة هي استبضاعٌ وإبضاعٌ . ولمعرفة أحكامه ( ر : إبضاعٌ ) .


*استتابةٌ
التّعريف
1 - الاستتابة في اللّغة : طلب التّوبة ، يقال استتبت فلاناً : عرضت عليه التّوبة ممّا اقترف . والتّوبة هي : الرّجوع والنّدم على ما فرّط منه ، واستتابه : سأله أن يتوب . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
صفتها : الحكم التّكليفيّ :
2 - استتابة المرتدّ واجبةٌ عند المالكيّة ، وهو المعتمد عند كلٍّ من الشّافعيّة ، والحنابلة ؛ لاحتمال أن تكون عنده شبهةٌ فتزال . وذهب الحنفيّة وهو قولٌ آخر للشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّها : مستحبّةٌ ؛ لأنّ الدّعوة قد بلغته .
استتابة الزّنادقة والباطنيّة :
3 - في استتابة الزّنادقة وفرق الباطنيّة رأيان .
الأوّل : للمالكيّة ، وفي الظّاهر عند الحنفيّة ، رأيٌ للشّافعيّة ، والحنابلة ، لا يستتابون ولا يقبل منهم ، ويقتلون لقول اللّه تعالى : { إلاّ الّذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا } ، والزّنديق لا تظهر منه علامةٌ تبيّن رجوعه وتوبته ؛ لأنّه كان مظهراً للإسلام ، مسرّاً للكفر ، فإذا وقف على ذلك ، فأظهر التّوبة ، لم يزد على ما كان منه قبلها ، وهو إظهار الإسلام ؛ ولأنّهم يعتقدون في الباطن خلاف ما يظهرون .
الثّاني : وهو للحنفيّة في غير الظّاهر ، ورأيٌ للشّافعيّة والحنابلة ، يستتاب ؛ لأنّه كالمرتدّ ، فتجري عليه أحكامه . ( ر : زندقةٌ ) .
استتابة السّاحر :
4 - استتابة السّاحر فيها روايتان .
الأولى : للحنفيّة وهو ظاهر المذهب ، وهو رأيٌ للمالكيّة ، ورأيٌ للحنابلة ، أنّه لا يستتاب وهو ظاهر ما نقل عن الصّحابة . فإنّه لم ينقل عن أحدٍ منهم أنّه استتاب ساحراً ، لخبر عائشة : إنّ السّاحرة سألت أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون : هل لها من توبةٍ ؟ فما أفتاها أحدٌ ولأنّ السّحر معنًى في نفسه ، ولسعيه بالفساد .
الثّانية : للشّافعيّة ورأيٌ للمالكيّة والحنابلة ، أنّه يستتاب . فإن تاب قبلت توبته ؛ لأنّه ليس بأعظم من الشّرك ، ولأنّ اللّه قبل توبة سحرة فرعون ؛ ولأنّ السّاحر لو كان كافراً فأسلم صحّ إسلامه وتوبته ، فإذا صحّت التّوبة منهما ( أي السّاحر والكافر ) صحّت من أحدهما ( السّاحر المسلم ) ، ( ر : سحرٌ ) ويأخذ حكم المرتدّ ، فيحبس حتّى يتوب .
استتابة تارك الفرض :
5 - اتّفقت المذاهب على استتابة تارك الفرض من غير جحودٍ أو استخفافٍ ، حيث تقبل توبته . فإن أبى أن يتوب ، قال الحنفيّة في المذهب ، والحنابلة في رأيٍ عندهم : يحبس حتّى يتوب أو يموت . وقال المالكيّة ، والشّافعيّة وهو رأيٌ للحنابلة : إن أبى يقتل ، وهو اختيار الجمهور .


*استتارٌ
التّعريف
1 - الاستتار في اللّغة : التّغطّي والاختفاء . يقال : استتر وتستّر أي تغطّى ، وجاريةٌ مستترةٌ أي مخدّرةٌ . وقد استعمله الفقهاء بهذا المعنى ، كما استعملوه بمعنى اتّخاذ السّترة في الصّلاة . والسّترة ( بالضّمّ ) هي في الأصل : ما يستتر به مطلقاً ، ثمّ غلب في الاستعمال الفقهيّ على : ما ينصب أمام المصلّي ، من عصاً أو تسنيم ترابٍ أي تكويمه ونحوه ، لمنع المرور أمامه . ويسمّى ستر الصّدقة إخفاؤها .
صفته : الحكم التّكليفيّ :
2 - يختلف حكم الاستتار تبعاً للأحوال والأفعال الّتي يكون فيها ، على ما سيأتي : الاستتار ( بمعنى اتّخاذ المصلّي سترةً ) 3 - اتّخاذ السّترة للمصلّي مشروعٌ اتّفاقاً ؛ لحديث : « ليستتر أحدكم ولو بسهمٍ » . ثمّ اختلف الفقهاء في حكمه بين الوجوب والسّنّة أو الاستحباب ، على تفصيلٍ موطنه مصطلح : ( سترة المصلّي ) .
الاستتار حين الجماع :
4 - يشمل الاستتار هنا أمرين : الأوّل : الاستتار عن أعين النّاس حين الوطء . الثّاني : عدم التّجرّد حين الوطء .
أمّا الأوّل : فإمّا أن يكون الوطء في حالة انكشاف العورة ، أو في حالة عدم انكشافها . ففي حالة انكشاف العورة انعقد الإجماع على فرضيّة الاستتار ، أمّا في حالة عدم ظهور شيءٍ من العورة فقد اتّفق الفقهاء على أنّ الاستتار سنّةٌ . وأنّ من يتهاون فيه فقد خالف السّنّة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا أتى أحدكم أهله فليستتر » . وحملوا الأمر على النّدب ولما في ذلك من الدّناءة والإخلال بالمروءة .
وأمّا الثّاني : ( عدم التّجرّد حين الجماع ) وإن لم يكن معهما أحدٌ يطّلع عليهما ، فقد اختلف الفقهاء فيه ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يجوز للرّجل أن يجرّد زوجته للجماع ، وقيّده الحنفيّة بكون البيت صغيراً ، ويستدلّ لذلك بحديث بهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جدّه قال : « قلت : يا رسول اللّه عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال احفظ عورتك إلاّ من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك ، قلت : يا رسول اللّه ، أرأيت إن كان القوم بعضهم من بعضٍ ؟ قال : إن استطعت ألاّ تريها أحداً فلا ترينّها . قلت يا رسول اللّه ، فإن كان أحدنا خالياً ، قال : فاللّه أحقّ أن يستحيا منه من النّاس » وبحديث عبد اللّه بن عمر قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إيّاكم والتّعرّي ، فإنّ معكم من لا يفارقكم إلاّ عند الغائط ، وحين يفضي الرّجل إلى أهله ، فاستحيوهم وأكرموهم » . وذهب الحنابلة إلى أنّه يكره ، لحديث عتبة بن عبدٍ السّلميّ ، قال : « قال رسول اللّه : إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ، ولا يتجرّدا تجرّد العيرين » .
ما يخلّ بالاستتار :
5 -أ - يخلّ بالاستتار وجود شخصٍ مميّزٍ مستيقظٍ معهما في البيت ، سواءٌ أكان زوجةً ، أم سرّيّةً ، أم غيرهما ، يرى أو يسمع الحسّ ، وبه قال الجمهور ، وقد سئل الحسن البصريّ عن الرّجل يكون له امرأتان في بيتٍ ، قال : كانوا يكرهون أن يطأ إحداهما والأخرى ترى أو تسمع .
ب - ويخلّ بالاستتار وجود نائمٍ ، نصّ على ذلك المالكيّة ، فقال الرّهونيّ في حاشيته على شرح الزّرقانيّ لمتن خليلٍ : لا يجوز للرّجل أن يصيب زوجته أو أمته ومعه في البيت أحدٌ يقظان أو نائمٌ ، لأنّ النّائم قد يستيقظ فيراهما على تلك الحال .
ج - ويخلّ بالاستتار عند جمهور المالكيّة وجود صغيرٍ غير مميّزٍ ، اتّباعاً لابن عمر الّذي كان يخرج الصّبيّ في المهد عندما يريد الجماع . وذهب الجمهور - ومنهم بعض المالكيّة - إلى أنّ وجود غير المميّز لا يخلّ بالاستتار ؛ لما فيه من مشقّةٍ وحرجٍ .
الآثار المرتّبة على ترك الاستتار في الجماع :
6 - من حقّ المرأة الامتناع عن إجابة طلب زوجها إلى فراشه ، إن كان ممّن لا يستتر عن النّاس حين الجماع ، ولا تصير ناشزاً بهذا الامتناع ؛ لأنّه امتناعٌ بحقٍّ ؛ ولأنّ الحياء والمروءة يأبيان ذلك ، نصّ على ذلك الحنفيّة ، والشّافعيّة ، وقواعد المالكيّة والحنابلة لا تأباه .
الاستتار عند قضاء الحاجة :
7 - يشمل هذا أمرين : الاستتار عن النّاس ، والاستتار عن القبلة إن كان خارج البنيان . أمّا الأوّل ، فالأصل وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة ، بحضور من لا يحلّ له النّظر إليها ، وتفصيله في مصطلح ( عورةٌ ) ، كما أنّه يسنّ عند بعض الفقهاء استتار شخص الإنسان عند إرادة الغائط .
وأمّا الاستتار عن القبلة بساترٍ فإنّ بعض الفقهاء يرى جواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة ، إن استتر عن القبلة بساترٍ . ويرى بعضهم تحريم استقبال القبلة واستدبارها مطلقاً ، وتفصيل ما يتّصل بالاستتار عن القبلة في مصطلح : ( قضاء الحاجة ) .
الاستتار حين الاغتسال :
أ - وجوب الاستتار عمّن لا يحلّ له النّظر إليه :
8 - الأمر الّذي لا خلاف فيه هو : افتراض الاستتار حين الاغتسال ، بحضرة من لا يجوز له النّظر إلى عورة المغتسل ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « احفظ عورتك إلاّ من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك » . وعن أمّ هانئٍ قالت : « ذهبت إلى رسول اللّه عام الفتح فوجدته يغتسل ، وفاطمة تستره فقال : من هذه ؟ فقلت : أنا أمّ هانئٍ » . ( ر : عورةٌ ) فإذا لم يمكنه الاغتسال إلاّ بكشف عورته أمام واحدٍ من هؤلاء ، فقد صرّح الحنفيّة بأنّ كشف العورة حينئذٍ لا يسقط وجوب الغسل عليه – إن كان رجلاً بين رجالٍ ، أو امرأةً بين نساءٍ – لأمرين . الأوّل : نظر الجنس إلى الجنس أخفّ من النّظر إلى الجنس الآخر .
والثّاني : أنّ الغسل فرضٌ فلا يترك لكشف العورة . أمّا إن كانت امرأةٌ بين رجالٍ ، أو رجلٌ بين نساءٍ ، أو خنثى بين رجالٍ أو نساءٍ ، أو هما معاً ، فلا يجوز لهؤلاء الكشف عن عوراتهم للغسل ، بل يتيمّمون ، لكن شارح منية المصلّي لم يسلّم بهذا التّفصيل ؛ لأنّ ترك المنهيّ عنه مقدّمٌ على فعل المأمور ، وللغسل خلفٌ وهو التّيمّم . وعموم كلام الحنابلة ، في تحريم كشف العورة عند الاغتسال بحضور من يحرم نظره إليها ، يشعر بأنّهم يخالفون الحنفيّة . والّذي يؤخذ من كلام المالكيّة ، والشّافعيّة أنّه لو ترتّب على القيام بالطّهارة المائيّة كشف العورة ، فإنّه يصار إلى التّيمّم ؛ لأنّ ستر العورة لا بدل له ؛ ولأنّه واجبٌ للصّلاة والصّيانة عن العيون ، ويباح فعل المحظور من أجله ، كاستتار الرّجل بالحرير إذا تعيّن . أمّا الطّهارة المائيّة فلها بدلٌ ، ولا يباح فعل المحظور من أجلها ومن هنا كان السّلف والأئمّة الأربعة يتشدّدون في المنع من دخول الحمّام إلاّ بمئزرٍ . وروى ابن أبي شيبة في ذلك آثاراً عن عليّ بن أبي طالبٍ ومحمّد بن سيرين وأبي جعفرٍ محمّد بن عليٍّ وسعيد بن جبيرٍ ، حتّى بلغ الأمر بعمر بن الخطّاب أنّه كتب : لا يدخلنّ أحدٌ الحمّام إلاّ بمئزرٍ ، وبعمر بن عبد العزيز أن كتب إلى عامله بالبصرة أمّا بعد : فمر من قبلك ألاّ يدخلوا الحمّام إلاّ بمئزرٍ ، وأخذ يفرض العقوبات الرّادعة على من دخل الحمّام بغير مئزرٍ ، وعلى صاحب الحمّام الّذي أدخله . وعن عبادة قال : رأيت عمر بن عبد العزيز يضرب صاحب الحمّام ومن دخله بغير إزارٍ .
ب - استتار المغتسل بحضور الزّوجة :
9 - ممّا لا خلاف فيه أيضاً : أنّ لكلّ واحدٍ من الزّوجين أن يغتسل بحضور الآخر ، وهو بادي العورة . للحديث المتقدّم : « احفظ عورتك إلاّ من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك » . ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت : « كنت أغتسل أنا والنّبيّ صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحدٍ من قدحٍ ، يقال له : الفرق » ، متّفقٌ عليه .
استتار المغتسل منفرداً :
10 - ذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّه يجوز للمنفرد أن يغتسل عرياناً . واستدلّوا على ذلك بما رواه البخاريّ عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « قال : كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراةً ، ينظر بعضهم إلى بعضٍ ، وكان موسى يغتسل وحده ، فقالوا : واللّه ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنّه آدرّ - منفوخ الخصية - فذهب مرّةً يغتسل ، فوضع ثوبه على حجرٍ ، ففرّ الحجر بثوبه ، فخرج موسى في إثره يقول : ثوبي يا حجر ، حتّى نظر بنو إسرائيل إلى موسى فقالوا : واللّه ما بموسى من بأسٍ ، وأخذ ثوبه ، فطفق بالحجر ضرباً » . وعن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « قال : بينا أيّوب يغتسل عرياناً فخرّ عليه جرادٌ من ذهبٍ ، فجعل أيّوب يحتشي في ثوبه ، فناداه ربّه : يا أيّوب ألم أكن أغنيتك عمّا ترى ؟ قال : بلى وعزّتك ، ولكن لا غنى بي عن بركتك » . فقد قصّ علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذلك دون نكيرٍ ، فهو دليلٌ على الجواز ؛ لأنّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه . وسئل الإمام مالكٌ عن الغسل في الفضاء ، فقال : لا بأس به ، فقيل : يا أبا عبد اللّه إنّ فيه حديثاً ، فأنكر ذلك ، وقال تعجّباً : لا يغتسل الرّجل في الفضاء ؟ ، وجه إجازة مالكٍ للرّجل أن يغتسل في الفضاء إذا أمن أن يمرّ به أحدٌ ، وأنّ الشّرع إنّما قرّر وجوب ستر العورة عن المخلوقين من بني آدم دون سواهم من الملائكة ، إذ لا يفارقه الحفظة الموكّلون به في حالٍ من الأحوال ، قال تعالى : { ما يلفظ من قولٍ إلاّ لديه رقيبٌ عتيدٌ } . وقال تعالى : { وإنّ عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون } : ولهذا قال مالكٌ تعجّباً : لا يغتسل الرّجل في الفضاء ، إذ لا فرق في حقّ الملائكة بين الفضاء وغيره . ولكن هذا جوازٌ مقرونٌ بالكراهة التّنزيهيّة ، ولذلك يندب له الاستتار . لما رواه البخاريّ تعليقاً ، ووصله غيره ، عن معاوية بن حيدة ، عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « احفظ عورتك إلاّ من زوجتك أو ما ملكت يمينك . قلت : يا رسول اللّه فإن كان أحدنا خالياً ؟ قال : فاللّه أحقّ أن يستحيا منه من النّاس » . وذهب عبد الرّحمن بن أبي ليلى إلى وجوب الاستتار حين الغسل ، ولو كان في خلوةٍ . مستدلاًّ بالحديث الّذي أخرجه أبو داود والنّسائيّ « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يغتسل بالبراز - أي بالخلاء - فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وقال : إنّ اللّه عزّ وجلّ حليمٌ حييٌّ ستّيرٌ ، يحبّ الحياء والسّتر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر » .
استتار المرأة المتزيّنة :
11 - يجب على المرأة الاستتار عن غير الزّوج والمحارم ، بستر عورتها وعدم إبداء زينتها ، لقوله تعالى : « يا أيّها النّبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ » . وفيما يجب ستره عن المحارم وغيرهم ، وفي ستر الوجه والكفّين والقدمين خلافٌ وتفصيلٌ موطنه مصطلح : ( تزيّنٌ ) ( وعورةٌ ) .
الاستتار من عمل الفاحشة :
12 - من ابتلي بمعصيةٍ ، كشرب الخمر والزّنا ، فعليه أن يستتر بذلك ، ولا يجاهر بفعله السّيّئ ، كما ينبغي لمن علم بفاحشته أن يستر عليه وينصحه ، ويمنعه عن المنكر بالوسيلة الّتي يستطيعها .
13 - وقد اتّفق الفقهاء على أنّ المرء إذا وقع منه ما يعاب عليه يندب له السّتر على نفسه ، فلا يعلم أحداً ، حتّى القاضي ، بفاحشته لإقامة الحدّ أو التّعزير عليه ، لما رواه البخاريّ وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « كلّ أمّتي معافًى إلاّ المجاهرين ، وإنّ من المجاهرة أن يعمل الرّجل باللّيل عملاً ، ثمّ يصبح وقد ستره اللّه تعالى ، فيقول : يا فلان عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره ربّه ويصبح يكشف ستر اللّه عنه » . وقوله صلى الله عليه وسلم « من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر اللّه ، فإنّه من يبدي لنا من صفحته نقم عليه كتاب اللّه » . وقال أبو بكرٍ الصّدّيق : لو أخذت شارباً لأحببت أن يستره اللّه ، ولو أخذت سارقاً لأحببت أن يستره اللّه ، وأنّ الصّحابة أبا بكرٍ وعمر وعليّاً وعمّار بن ياسرٍ وأبا هريرة وأبا الدّرداء والحسن بن عليٍّ وغيرهم ، قد أثر عنهم السّتر على معترفٍ بالمعصية ، أو تلقينه الرّجوع من إقراره بها ، ستراً عليه ، وستر معترف المعصية على نفسه أولى من ستر غيره عليه . والجهر بالمعصية عن جهلٍ ، ليس كالجهر بالمعصية تبجّحاً . قال ابن حجرٍ : فإنّ من قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربّه . وقال الخطيب الشّربينيّ : وأمّا التّحدّث بها تفكّهاً فحرامٌ قطعاً .
أثر الاستتار بالمعصية :
14 - يترتّب على الاستتار بالمعصية :
أ - عدم إقامة العقوبة الدّنيويّة ؛ لأنّ العقوبات لا تجب إلاّ بعد إثباتها . ( ر : إثباتٌ ) فإذا استتر بها ولم يعلنها ولم يقرّ بها ولم ينله أيّ طريقٍ من طرق الإثبات ، فلا عقوبة .
ب - عدم شيوع الفاحشة ، قال اللّه تعالى : { إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدّنيا والآخرة واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون } .
ج - من ارتكب معصيةً فاستتر بها فهو أقرب إلى أن يتوب منها ، فإن تاب سقطت عنه المؤاخذة ، فإن كانت المعصية تتعلّق بحقّ اللّه تعالى فإنّ التّوبة تسقط المؤاخذة ؛ لأنّ اللّه أكرم الأكرمين ، ورحمته سبقت غضبه ، فلذلك إذا ستره في الدّنيا لم يفضحه في الآخرة . وإن كانت تتعلّق بحقٍّ من حقوق العباد ، كقتلٍ وقذفٍ ونحو ذلك ، فإنّ من شروط التّوبة فيها أداء هذه الحقوق لأصحابها ، أو عفو أصحابها عنها ، ولذلك وجب على من استتر بالمعصية المتعلّقة بحقّ آدميٍّ أن يؤدّي هذا الحقّ لصاحبه . ( ر : التّوبة ) .


*استثمارٌ
التّعريف
1 - الاستثمار في اللّغة : من ( ثمر ) ، وثمر الشّيء : إذا تولّد منه شيءٌ آخر ، وثمّر الرّجل ماله : أحسن القيام عليه ونمّاه ، وثمر الشّيء : هو ما يتولّد منه ، وعلى هذا فإنّ الاستثمار هو : طلب الحصول على الثّمرة . والفقهاء يستعملون هذا اللّفظ بهذا المعنى أيضاً .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الانتفاع :
2 - الانتفاع هو الحصول على المنفعة ، فالفرق بينه وبين الاستثمار ، أنّ الانتفاع أعمّ من الاستثمار ؛ لأنّ الانتفاع قد يكون بالاستثمار ، وقد لا يكون .
ب - الاستغلال :
3 - الاستغلال طلب الغلّة ، والغلّة هي : كلّ عينٍ حاصلةٍ من ريع الملك ، وهذا هو عين الاستثمار ، فما تخرجه الأرض هو ثمرةٌ ، وهو غلّةٌ ، وهو ريعٌ . وللحنفيّة تفرقةٌ خاصّةٌ بين الثّمرة والغلّة في باب الوصيّة ، فإذا أوصى بثمرة بستانه انصرف إلى الموجود خاصّةً ، وإذا أوصى بغلّته شمل الموجود وما هو بعرض الوجود .
صفته الحكم التّكليفيّ :
4 - الأصل استحباب استثمار الأموال القابلة لذلك ؛ لما فيه من وجوه النّفع .
أركان الاستثمار :
كلّ استثمارٍ لا يخلو من ركنين اثنين : المستثمر ( بكسر الميم ) ، والمستثمر ( بفتح الميم ) .
أوّلاً : المستثمر ( بكسر الميم ) :
5 - الأصل أن يتمّ استثمار المال من قبل مالكه ، ولكن قد يحدث ما يجعل الغير يقوم بهذا الاستثمار عن المالك ، وهذا على صورتين :
أ - الاستثمار بالإنابة : والإنابة قد تكون من المالك كالوكالة ، أو من الشّارع كالقيّم .
ب - الاستثمار بالتّعدّي : وقد يقدم على استثمار المال أجنبيٌّ بغير إذن صاحب المال ، وبغير إعطاء الشّرع هذا الحقّ له ، وعندئذٍ يعتبر غاصباً ( ر : غصبٌ ) .
ثانياً : المال المستثمر :
6 - لكي يكون الاستثمار حلالاً يشترط في المال المستثمر أن يكون مملوكاً ، ملكاً مشروعاً للمستثمر ( بكسر الميم ) ، أو لمن كان المستثمر نائباً عنه نيابةً شرعيّةً أو تعاقديّةً ، فإن لم يكن كذلك لم يحلّ استثماره ، كالمال المغصوب أو المسروق . وكذلك لا يحلّ استثمار الوديعة ؛ لأنّ يد الوديع يد حفظٍ .
ملك الثّمرة :
7 - إذا كان الاستثمار مشروعاً ، كانت الثّمرة ملكاً للمالك ، أمّا إذا كان الاستثمار غير مشروعٍ ، كمن غصب أرضاً واستغلّها ، فإنّ الثّمرة عند الحنفيّة يملكها الغاصب ملكاً خبيثاً ، ويؤمر بالتّصدّق بها . وذهب المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى : أنّ الغلّة للمالك ، وفي روايةٍ عن أحمد : أنّه يتصدّق بها .
طرق الاستثمار :
8 - يجوز استثمار الأموال بأيّ طريقٍ مشروعٍ .


*استثناءٌ
التّعريف
1 - الاستثناء لغةً : مصدر استثنى ، تقول : استثنيت الشّيء من الشّيء إذا أخرجته ، ويقال : حلف فلانٌ يميناً ليس فيها ثنيا ، ولا مثنويّةً ، ولا استثناء ، كلّه واحدٌ . وذكر الشّهاب الخفاجيّ أنّ الاستثناء في اللّغة والاستعمال يطلق على : التّقييد بالشّرط ، ومنه قوله تعالى { ولا يستثنون } أي لا يقولون : « إن شاء اللّه » . والاستثناء في اصطلاح الفقهاء والأصوليّين إمّا أن يكون لفظيّاً أو معنويّاً أو حكميّاً ، فالاستثناء اللّفظيّ هو : الإخراج من متعدّدٍ بإلاّ ، أو إحدى أخواتها ، ويلحق به في الحكم الإخراج بأستثني وأخرج ونحوهما على لفظ المضارع ، وعرّفه السّبكيّ بأنّه : الإخراج بإلاّ أو إحدى أخواتها من متكلّمٍ واحدٍ . وعرّفه صدر الشّريعة الحنفيّ بأنّه : المنع من دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بإلاّ أو إحدى أخواتها ، فعرّفه بالمنع ، ولم يعرّفه بالإخراج ؛ لأنّ الاستثناء عند الحنفيّة لا إخراج به ، إذ لم يدخل المستثنى في المستثنى منه أصلاً حتّى يكون مخرجاً . فالاستثناء لمنعه من الدّخول ، والفقهاء يستعملون الاستثناء أيضاً بمعنى قول : « إن شاء اللّه » في كلامٍ إنشائيٍّ أو خبريٍّ . وهذا النّوع ليس استثناءً حقيقيّاً بل هو من متعارف النّاس . فإن كان بإلاّ ونحوها فهو استثناءٌ حقيقيٌّ ، أو « استثناءٌ وضعيٌّ » ، كأن يقول : لا أفعل كذا إلاّ أن يشاء اللّه ، أو : لأفعلنّ كذا إلاّ أن يشاء اللّه ، ومن العرفيّ قول النّاس : إن يسّر اللّه ، أو إن أعان اللّه ، أو ما شاء اللّه . وإنّما سمّي هذا التّعليق - ولو كان بغير إلاّ - استثناءً لشبهه بالاستثناء المتّصل في صرفه الكلام السّابق له عن ظاهره . والاستثناء المعنويّ هو : الإخراج من الجملة بغير أداة استثناءٍ ، كقول المقرّ : « له الدّار ، وهذا البيت منها لي » . وإنّما أعطوه حكم الاستثناء ؛ لأنّه في قوّة قوله : « له جميع الدّار إلاّ هذا البيت » . والاستثناء الحكميّ يقصد به أن يرد التّصرّف مثلاً على عينٍ فيها حقٌّ للغير ، كبيع الدّار المؤجّرة ، فإنّ الإجارة لا تنقطع بذلك ، والبيع صحيحٌ ، فكأنّ البيع ورد على العين باستثناء منفعتها مدّة الإجارة . وهذا الإطلاق قليلٌ في متعارف الفقهاء والأصوليّين ، وقد ورد في الأشباه والنّظائر للسّيوطيّ والقواعد لابن رجبٍ ، إلاّ أنّ هذا النّوع لا يدخل في مفهوم الاستثناء المصطلح عليه ، ولذا فلا تنطبق عليه أحكام الاستثناء فيما يلي من هذا البحث .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:35 AM

الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّخصيص :
2 - التّخصيص : قصر العامّ على بعض أفراده ، فهو يبيّن كون اللّفظ قاصراً عن البعض . وقال الغزاليّ : إنّ الاستثناء يفارق التّخصيص في أنّ الاستثناء يشترط اتّصاله ، وأنّه يتطرّق إلى الظّاهر والنّصّ جميعاً ، إذ يجوز أن يقول : له عليّ عشرةٌ إلاّ ثلاثةً ، كما يقول : اقتلوا المشركين إلاّ زيداً ، والتّخصيص لا يتطرّق إلى النّصّ أصلاً ، ومن الفرق بينهما أيضاً أنّ الاستثناء لا بدّ أن يكون بقولٍ ، ويكون التّخصيص بقولٍ أو قرينةٍ أو فعلٍ أو دليلٍ عقليٍّ . هذا وإنّ الفرق الأوّل الّذي ذكره الغزاليّ من اشتراط الاتّصال في الاستثناء ، وعدم اشتراطه في التّخصيص ، لا يجري عند الحنفيّة ، لقولهم بوجوب اتّصال المخصّصات أيضاً .
ب - النّسخ :
3 - النّسخ : رفع الشّارع حكماً من أحكامه بدليلٍ لاحقٍ ، والفرق بينه وبين الاستثناء : أنّ النّسخ رفعٌ لما دخل تحت اللّفظ ، والاستثناء يدخل على الكلام فيمنع أن يدخل تحت اللّفظ ما كان يدخل لولاه ، فالنّسخ قطعٌ ورفعٌ ، والاستثناء منعٌ أو إخراجٌ ، وأنّ الاستثناء متّصلٌ ، والنّسخ لا بدّ أن يكون منفصلاً .
ج - الشّرط :
4 - يشبه الاستثناء بإلاّ وأخواتها الشّرط ( التّعليق ) ، لاشتراكهما في منع الكلام من إثبات موجبه ، ويفترقان في أنّ الشّرط يمنع الكلّ ، والاستثناء يمنع البعض . ويشابه الاستثناء بالمشيئة الشّرط ، لاشتراكهما في منع الكلّ وذكر أداة التّعليق ، ولكنّه ليس على طريقه ؛ لأنّه منعٌ لا إلى غايةٍ ، والشّرط منعٌ إلى غاية تحقّقه ، كما في قولك . أكرم بني تميمٍ إن دخلوا داري . ومن هذه الحيثيّة لا يدخل الاستثناء بالمشيئة في بحث التّعليق والشّرط . ولا يورده الفقهاء في مباحث تعليق الطّلاق ، وإنّما في باب الاستثناء ، لمشاركته له في الاسم .
5 - القاعدة الأصيلة في الاستثناء : الاستثناء من النّفي إثباتٌ ، والاستثناء من الإثبات نفيٌ ، فنحو : ما قام أحدٌ إلاّ زيداً ، يدلّ على إثبات القيام لزيدٍ ، ونحو : قام القوم إلاّ زيداً ، يدلّ على نفي القيام عنه ، وفي هذا خلاف أبي حنيفة ومالكٍ . فأمّا أبو حنيفة فقد قيل : خلافه في المسألتين . وقيل : بل في الثّانية فقط ، فقد قال : إنّ المستثنى من حيث الحكم مسكوتٌ عنه غير محكومٍ عليه ، فزيدٌ في المثال المتقدّم غير محكومٍ بقيامه ولا بعدمه . وحاصل الخلاف في نحو : قام القوم إلاّ زيداً ، أنّ الجمهور يقولون : إنّ زيداً بالاستثناء دخل في عدم القيام . وعند الحنفيّة انتقل إلى عدم الحكم . وعند الفريقين هو مخرجٌ من الكلام الأوّل . وأمّا مالكٌ فيوافق الجمهور على أنّ الاستثناء من النّفي إثباتٌ في غير الأيمان ، أمّا في الأيمان فليس الاستثناء إثباتاً . فمن حلف : لا يلبس اليوم ثوباً إلاّ الكتّان ، يحنث عند الجمهور إذا قعد ذلك اليوم عاريّاً فلم يلبس شيئاً ؛ لأنّه لمّا كان النّفي إثباتاً فقد حلف أن يلبس الكتّان ، فإذا لم يلبسه وقعد عاريّاً حنث . أمّا عند مالكٍ فلا يحنث ، وهو أحد الوجهين عند الشّافعيّة ، ووجّه القرافيّ ذلك بأنّ ( إلاّ ) في هذا المثال ونحوها صفةٌ ، فهي بمعنى غير ، فيكون قد حلف على ألاّ يلبس ثياباً مغايرةً للكتّان . ووجّهه أيضاً بأنّ معنى الكلام : أنّ جميع الثّياب محلوفٌ عليها غير الكتّان .
أنواع الاستثناء :
6 - الاستثناء إمّا متّصلٌ وإمّا منفصلٌ . فالاستثناء المتّصل : ما كان فيه المستثنى بعض المستثنى منه نحو جاء القوم إلاّ زيداً . والاستثناء المنقطع : ( ويسمّى المنفصل أيضاً ) ما لم يكن فيه المستثنى بعض المستثنى منه ، مثل قوله تعالى : { ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ } فإنّ اتّباع الظّنّ ليس علماً . ويتبيّن من هذا أنّ الاستثناء المنقطع لا إخراج به ، ولا يكون من المخصّصات ؛ لأنّ المستثنى لم يدخل أصلاً . هذا ولا بدّ للاستثناء المنقطع من المخالفة بين المستثنى والمستثنى منه بوجهٍ من الوجوه ، فيما يتوهّم فيه الموافقة . والفائدة فيه دفع هذا التّوهّم ، وهو في ذلك شبيهٌ ب ( لكنّ ) ، فإنّه للاستدراك ، أي دفع التّوهّم من السّابق . وأشهر صور المخالفة : أن ينفي عن المستثنى الحكم الّذي ثبت للمستثنى منه ، نحو : جاءني المدرّسون إلاّ طالباً ، فقد نفينا المجيء عن الطّالب بعدما أثبتناه للمدرّسين . ولمّا كان الاستثناء المنقطع لا إخراج به ، فإنّه لا يكون استثناءً حقيقةً ، بل هو مجازٌ . قال المحلّيّ : هذا هو الأصحّ ، بدليل أنّه يتبادر إلى الذّهن المتّصل دون المنقطع . وعلى هذا جاء حدّ الاستثناء فيما سبق ، فقد عرّف بما لا يشمل المنقطع وفي المسألة أقوالٌ أخرى موطن تفصيلها كتب الأصول .
صيغة الاستثناء :
أ - ألفاظ الاستثناء :
7 - يذكر اللّغويّون والأصوليّون للاستثناء الحقيقيّ الألفاظ التّالية : إلاّ ، وغير ، وسوى ، وخلا ، وعدا ، وحاشا ، وبيد ، وليس ، ولا يكون .
ب - الاستثناء بالمشيئة ونحوها :
8 - شرع اللّه تبارك وتعالى هذا النّوع من الاستثناء ، فقد قال لنبيّه صلى الله عليه وسلم : { ولا تقولنّ لشيءٍ إنّي فاعلٌ ذلك غداً إلاّ أن يشاء اللّه } . قال القرطبيّ : عاتب اللّه تعالى نبيّه عليه الصلاة والسلام على قوله للكفّار حين سألوه عن الرّوح ، والفتية ، وذي القرنين : ( ائتوني غداً ) ولم يستثن في ذلك . فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً ، حتّى شقّ ذلك عليه ، وأرجف الكفّار به ، فنزلت عليه سورة الكهف ، وأمر في هذه الآية منها : ألاّ يقول في أمرٍ من الأمور : إنّي أفعل غداً كذا وكذا إلاّ أن يعلّق ذلك بمشيئة اللّه عزّ وجلّ ، حتّى لا يكون محقّقاً لحكم الخبر ، فإنّه إذا قال : لأفعلنّ ذلك ولم يفعل كان كاذباً ، وإذا قال لأفعلنّ ذلك إن شاء اللّه خرج عن أن يكون محقّقاً للمخبر عنه . قال القرطبيّ : وقال ابن عطيّة : في الكلام حذفٌ ، تقديره إلاّ أن تقول : إلاّ أن يشاء اللّه . أو : إلاّ أن تقول : إن شاء اللّه . وقال : والآية ليست في الأيمان ، وإنّما هي في سنّة الاستثناء في غير اليمين ، وأوضح كذلك أنّ آخر الآية ، وهو قوله تعالى : { واذكر ربّك إذا نسيت } . يدلّ - على أحد الأقوال في تفسيرها - أنّه إذا نسي الاستثناء بالمشيئة يقوله بعد ذلك إذا تذكّره . فعن الحسن أنّه قال : ما دام في مجلس الذّكر ، وعن ابن عبّاسٍ ومجاهدٍ : ولو بعد سنةٍ ، وعن ابن عبّاسٍ : سنتين . فيحمل على تدارك التّبرّك بالاستثناء . فأمّا الاستثناء المفيد حكماً - يعني في اليمين ونحوها - فلا يصحّ إلاّ متّصلاً . هذا ، وإنّ الاستثناء بالمشيئة ونحوها يدخل في كلام النّاس في الأخبار ، والأيمان ، والنّذور ، والطّلاق ، والعتاق ، والوعد ، والعقد ، وغير ذلك . ثمّ يكون له أثره في حلّ اليمين ونحوها .
استثناء عددين بينهما حرف الشّكّ :
9 - إذا قال : له عليّ ألف درهمٍ إلاّ مائة درهمٍ أو خمسين درهماً ، فقد اختلف في الحاصل على قولين : الأوّل : وهو الأصحّ عند الحنفيّة : يلزمه تسعمائةٍ ؛ ووجهه أنّه لمّا كان الاستثناء تكلّماً بالباقي بعد الثّنيا شككنا في المتكلّم به ، والأصل عدم شغل الذّمم ، فثبت الأقلّ . والثّاني : وهو ظاهر مذهب الشّافعيّ ، وروايةٌ عند الحنفيّة : أنّ الاستثناء « خروجٌ بعد دخولٍ » . يلزمه تسعمائةٍ وخمسون ؛ فإنّه لمّا دخل الألف صار الشّكّ في المخرج ، فيخرج الأقلّ . وتفصيل ذلك في الإقرار والملحق الأصوليّ .
الاستثناء بعد جملٍ متعاطفةٍ :
10 - إذا ورد الاستثناء بإلاّ ونحوها بعد جملٍ متعاطفةٍ بالواو فعند الحنفيّة والفخر الرّازيّ من الشّافعيّة : الظّاهر أنّه يتعلّق بالجملة الأخيرة فقط . وعند جمهور الشّافعيّة ومن وافقهم : الظّاهر أنّه يعود إلى الكلّ . وقال الباقلاّنيّ بالتّوقّف في عوده إلى ما عدا الأخير . وقال الغزاليّ بالتّوقّف مطلقاً . وقال أبو الحسين المعتزليّ : إن ظهر الإضراب عن الأولى ، كما لو اختلف بالإنشائيّة والخبريّة ، أو الأمريّة والنّهييّة ، أو لم يكن اشتراكٌ في الغرض المسوق له الكلام ، فإنّه يعود للأخيرة فقط ، وإلاّ فللجميع . والنّزاع كما ترى في الظّهور . ولا تتأتّى دعوى النّصوصيّة في واحدٍ من الاحتمالات المذكورة . ولم ينازع أحدٌ أيضاً في إمكان عود الاستثناء إلى الأخيرة وحدها ، وإمكان عوده إلى الكلّ ، فقد ثبت ذلك في اللّغة ، هذا إذا كان العطف بالواو ، أمّا إذا كان العطف بالفاء أو ثمّ فالخلاف قائمٌ أيضاً ، لكن ذهب بعض الشّافعيّة - كإمام الحرمين والآمديّ - إلى أنّه يعود حينئذٍ إلى الأخير . واحتجّ الحنفيّة بأنّ حكم الجملة الأولى ، ظاهرٌ في الثّبوت عموماً ، ورفعه عن البعض بالاستثناء مشكوكٌ فيه لجواز كونه للأخيرة فقط ، فلا يرفع حكم الأولى ؛ لأنّ الظّاهر لا يعارضه المشكوك . بخلاف الأخيرة ، فإنّ حكمها غير ظاهرٍ ؛ لأنّ الرّفع ظاهرٌ فيها فيما لا صارف له ، فيتعلّق بها . واحتجّوا ثانياً بأنّ الاتّصال من شرط الاستثناء ، والاتّصال ثابتٌ في الجملة الأخيرة ، أمّا فيما قبلها فإنّها متّصلةٌ بالعطف ، إلاّ أنّ الاتّصال بالعطف فقط ضعيفٌ ، فلا يعتبر إلاّ بدليلٍ آخر موجبٍ لاعتبار هذا الاتّصال . والشّافعيّة ومن معهم احتجّوا بالقياس على الشّرط ، فإنّه إذا تعقّب جملاً رجع إليها اتّفاقاً . واحتجّوا أيضاً بأنّ العطف يجعل المتعدّد كالمفرد ، فالمتعلّق بالواحد هو المتعلّق بالكلّ . وبأنّ الغرض من الاستثناء قد يتعلّق بالكلّ ، فإمّا أن يكرّر الاستثناء بعد كلّ جملةٍ ، وإمّا أن يؤتى به بعد واحدةٍ فقط ، أو يؤتى به بعد الجميع . فالتّكرار مستهجنٌ ، فبطل الأوّل وفي الثّاني ترجيحٌ من غير مرجّحٍ ، فبقي الوجه الثّالث ، فيلزم الظّهور فيه .
11 - وممّا اختلف فيه بناءً على هذه القاعدة قول اللّه تبارك وتعالى : { والّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون إلاّ الّذين تابوا } ... قال الحنفيّة : الّذين تابوا من القاذفين لا تقبل شهادتهم ، والاستثناء عائدٌ على الحكم بفسقهم . وقال الشّافعيّة ومن وافقهم : تقبل شهادتهم ؛ لأنّ الاستثناء يعود على الجمل الثّلاث . أمّا الجلد فاتّفق على عدم سقوطه بالتّوبة لأجل الدّليل المانع من تعلّق الاستثناء بقوله تعالى : { فاجلدوهم ثمانين جلدةً } والمانع هو كون الجلد حقّاً للآدميّ ، وحقّ الآدميّ لا يسقط بالتّوبة .
الاستثناء بعد المفردات المتعاطفة :
12 - إن كان الاستثناء بعد مفرداتٍ متعاطفةٍ فالخلاف فيه كالخلاف في الجمل ، ولكن صرّح الشّافعيّة بأنّه أولى بعوده للكلّ من الوارد بعد الجمل المتعاطفة ، وذلك لعدم استقلال المفردات . نحو : تصدّق على الفقراء والمساكين وابن السّبيل إلاّ الفسقة منهم .
الاستثناء العرفيّ بعد المتعاطفات :
13 - أمّا الاستثناء العرفيّ بإن شاء اللّه ونحوها ، فإنّه إذا تعقّب جملاً نحو : واللّه لا آكل ولا أشرب إن شاء اللّه ، فيتعلّق بالجميع اتّفاقاً . ووجهه أنّه شرطٌ وليس من حقيقة الاستثناء ، والشّرط مقدّمٌ تقديراً ؛ لأنّ له صدر الكلام باتّفاق النّحاة ، فيصحّ تعلّقه بالأوّل ؛ لأنّه مقارنٌ له تقديراً . بخلاف الاستثناء فإنّه مؤخّرٌ لفظاً أو تقديراً .
الاستثناء بعد الاستثناء :
14 - هذا النّوع من الاستثناء ينقسم قسمين : الأوّل : الاستثناءات المتعدّدة المتعاطفة نحو : له عليّ عشرةٌ إلاّ أربعةً ، وإلاّ ثلاثةً ، وإلاّ اثنين . وحكمها أن تعود كلّها إلى المستثنى منه المذكور قبلها . فيلزمه في المثال المذكور واحدٌ فقط . الثّاني : الاستثناءات المتوالية بدون عاطفٍ إن لم يكن أحدها مستغرقاً لما قبله ، فإنّ كلاًّ منها يعود إلى ما قبله . فلو قال : له عليّ عشرةٌ إلاّ سبعةً ، إلاّ خمسةً إلاّ درهمين ، صحّ ، وكان مقرّاً بستّةٍ ، فإنّ خمسة إلاّ درهمين عبارة عن ثلاثةٍ استثناها من سبعةٍ بقي أربعةٌ ، استثناها من عشرةٍ بقي ستّةٌ . وإن كان أحد الاستثناءات مستغرقاً لما قبله فإنّها لا تبطل ، بل تعود جميعها إلى المستثنى منه ، وفي ذلك تفصيلٌ واختلافٌ .
شروط الاستثناء
15 - شروط الاستثناء عامّةٌ ، ما عدا شرط الاستغراق ، فإنّه لا يأتي في الاستثناء بالمشيئة ، وقد صرّح بذلك الرّمليّ ، وسيأتي أيضاً أنّ شرط القصد مختلفٌ فيه في الاستثناء بالمشيئة . الشّرط الأوّل :
16 - يشترط في الاستثناء أن يكون متّصلاً بالمستثنى منه ، بألاّ يكون مفصولاً بما يعدّ في العادة فاصلاً . فلو كان مفصولاً بتنفّسٍ أو سعالٍ أو نحوهما لم يمنع الاتّصال ، وكذلك إن حال بين المستثنى والمستثنى منه كلامٌ غير أجنبيٍّ ، ومنه النّداء ؛ لأنّه للتّنبيه والتّأكيد . أمّا إن سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ، أو فصل بكلامٍ أجنبيٍّ ، أو عدل إلى شيءٍ آخر استقرّ حكم المستثنى فلم يرتفع ، بخلاف ما لا يمكن ، كما لو أخذ آخذٌ بفمه فمنعه الكلام . هذا هو القول المقدّم عند الأصوليّين والفقهاء ، ويشترط لتحقّق الاتّصال أن ينوي الاستثناء في الكلام السّابق ، فلو لم ينو إلاّ بعد فراغ المستثنى منه لم يصحّ . وعند المالكيّة : العمدة مجرّد الاتّصال سواءٌ نوى أوّل الكلام ، أو أثناءه ، أو بعد فراغ المستثنى منه . وقد نقل خلاف هذا عن قومٍ . فعن ابن عبّاسٍ يجوز الاستثناء إلى شهرٍ ، وقيل أبداً . وعن سعيد بن جبيرٍ : إلى أربعة أشهرٍ ، وعن عطاءٍ والحسن : يجوز في المجلس ، وأومأ إليه أحمد في الاستثناء في اليمين ، وعن مجاهدٍ : إلى سنتين . وقيل : ما لم يأخذ في كلامٍ آخر . وقيل : إن نوى الاستثناء في أثناء الكلام جاز التّأخير بعده . ونسب هذا القول إلى الإمام أحمد . وقيل : يجوز التّأخير في كلام اللّه تعالى خاصّةً . وما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا حرّم مكّة ، وقال : « لا يختلى شوكها ، ولا يعضد شجرها ، قال العبّاس : يا رسول اللّه إلاّ الإذخر ، فإنّه لقينهم وبيوتهم ، فقال : إلاّ الإذخر » فهذا ظاهره أنّه استثناءٌ منفصلٌ . فحمل على أنّه استثناءٌ من محذوفٍ مقدّرٍ . فكأنّه كرّر القول ، فلا يتعلّق بالكلام المذكور أوّلاً وحجّة الجمهور القائلين بوجوب الاتّصال ؛ أنّ القول بجواز الاستثناء غير المتّصل يستلزم ألاّ يجزم بصدقٍ أو كذبٍ في شيءٍ من الأخبار لاحتمال الاستثناء ، وكذلك لا يثبت عقدٌ من العقود ، ولإجماع أئمّة اللّغة على وجوب الاتّصال . فلو قال : له عشرةٌ ، ثمّ زاد بعد شهرٍ : إلاّ ثلاثةً يعدّ لغواً . ولعلّ ما روي عن ابن عبّاسٍ ، ومن قال شبه قوله ، إنّما قصد به أنّ من نسي أن يقول : « إن شاء اللّه » يقولها متى تذكّر ذلك ، ولو بعد مدّةٍ طويلةٍ ، امتثالاً للآية ، وليس في الاستثناء الموجب رفع حكم المستثنى كما تقدّم .
الشّرط الثّاني :
17 - ويشترط في الاستثناء ألاّ يكون المستثنى مستغرقاً للمستثنى منه ، فإنّ الاستثناء المستغرق للمستثنى منه باطلٌ اتّفاقاً ، إلاّ عند من شذّ . وادّعى البعض الإجماع عليه . فلو قال : « له عليّ عشرةٌ إلاّ عشرةً » لغا قوله « إلاّ عشرةً » ولزمه عشرةٌ كاملةٌ . وممّن شذّ ابن طلحة المالكيّ في المدخل ، نقل عنه القرافيّ أنّه قال فيمن قال لزوجته : « أنت طالقٌ ثلاثاً إلاّ ثلاثاً » : لا يقع عليه طلاقٌ . وعند الحنفيّة في ذلك تفصيلٌ ، فهم يوافقون على بطلان الاستثناء إن كان بعين لفظ المستثنى منه ، كقوله : عبيدي أحرارٌ إلاّ عبيدي ، أو بلفظٍ مساوٍ له ، كقوله : نسائي طوالق إلاّ زوجاتي . أمّا إن كان بغيرهما كقوله : ثلث مالي لزيدٍ إلاّ ألفاً ، والثّلث ألفٌ . فيصحّ الاستثناء ولا يستحقّ زيدٌ شيئاً . فالشّرط عند الحنفيّة إيهام البقاء لا حقيقته ، حتّى لو طلّقها ستّاً إلاّ أربعاً صحّ ، ووقع ثنتان . وإن كانت السّتّة لا صحّة لها من حيث الحكم ؛ لأنّ الطّلاق لا يزيد عن ثلاثٍ ، ومع هذا لا يجعل كأنّه قال : أنت طالقٌ ثلاثاً إلاّ أربعاً ، فكأنّ اعتبار اللّفظ أولى . وجعل صاحب المغني من الحنابلة من الاستثناء المستغرق أن يقول مثلاً : « له عليّ ثلاثة دراهم ودرهمان إلاّ درهمين » فلا يصحّ الاستثناء ، ويلزمه جميع ما أقرّ به ، وهو في مثالنا خمسة دراهم .
استثناء الأكثر والأقلّ :
18 - أكثر العلماء على أنّه يجوز استثناء النّصف ، وما زاد على النّصف ، ما لم يكن مستغرقاً كما تقدّم ، نحو : « له عليّ عشرةٌ إلاّ ستّةً أو : له عليّ عشرةٌ إلاّ خمسةً » . ونسب صاحب فواتح الرّحموت هذا القول إلى الحنفيّة ، والأكثر من المالكيّة والشّافعيّة . وخالف في ذلك الحنابلة ، والقاضي أبو بكرٍ الباقلاّنيّ من المالكيّة . قيل : إنّما يمنع الحنابلة استثناء أكثر من النّصف ، ويجيزون استثناء النّصف . وقيل : يمنعون النّصف أيضاً . وفي المسألة قولٌ ثالثٌ : أنّه يمنع استثناء الأكثر إن كان كلٌّ من المستثنى والمستثنى منه عدداً صريحاً . قيل وبهذا قال القاضي الباقلاّنيّ آخراً . وقد احتجّ لجواز استثناء الأكثر في غير العدد بقول اللّه تعالى : { إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلاّ من اتّبعك من الغاوين } والغاوون هم الأكثر لقوله تعالى : { وما أكثر النّاس ولو حرصت بمؤمنين } واحتجّ لجوازه أيضاً في العدد باتّفاق الفقهاء جميعاً على لزوم واحدٍ في الإقرار بلفظ : « له عليّ عشرةٌ إلاّ تسعةً » واحتجّ الحنابلة بأنّ أئمّة اللّغة أنكروا أن يكون استثناء الأكثر جائزاً لغةً ، منهم ابن جنّيٍّ ، والزّجّاج ، والقتيبيّ . قال الزّجّاج : لم يأت الاستثناء إلاّ في قليلٍ من الكثير .
الشّرط الثّالث :
19 - ويشترط في الاستثناء أن يكون المستثنى ممّا يدخل تحت المستثنى منه ، واختلف العلماء في صحّة الاستثناء إذا كان المستثنى من غير جنس المستثنى منه ، فجوّزه مالكٌ ، والشّافعيّ ، والباقلاّنيّ ، وجماعةٌ من المتكلّمين . ومثال ذلك قوله : له عليّ ألفٌ من الدّنانير إلاّ فرساً » . وكذا لو قال : له عليّ فرسٌ إلاّ عشرة دنانير ، فيجبر على البيان فإن استغرقت القيمة المقرّ به بطل الاستثناء . ولزمه الألف بتمامها . وأمّا الحنفيّة ، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يصحّ استحساناً استثناء المقدّر من المقدّر الكيليّ والوزنيّ ، والمعدود الّذي لا تتفاوت آحاده ، كالفلوس والجوز ، من الدّراهم والدّنانير . وذلك لأنّها تثبت في الذّمّة فاعتبرت جنساً واحداً ، فكانت كالذّهب والفضّة . وتطرح قيمة المستثنى ممّا أقرّ به . ويصحّ عندهما هذا النّوع من الاستثناء ولو استغرقت القيمة جميع ما أقرّ به ، لاستغراقه بغير المساوي . والقول الآخر للحنفيّة أنّه لا يصحّ ، وهو قول محمّدٍ وزفر . وهو القياس . أمّا في غير المقدّرات ، كما لو قال : له عليّ مائة درهمٍ إلاّ ثوباً ، فلا يصحّ عند الحنفيّة جميعاً ، قياساً واستحساناً . وعند الحنابلة الاستثناء من غير الجنس لا يصحّ إلاّ أن يستثنى الدّراهم من الدّنانير ، أو الدّنانير من الدّراهم . وفي روايةٍ عندهم لا يصحّ مطلقاً . وحجّة المجيزين أنّ الاستثناء من غير الجنس ورد في القرآن ، منه قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس كان من الجنّ } . وقال اللّه تعالى : { لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلاّ قيلاً سلاماً سلاماً } . وحجّة المانعين أنّ الاستثناء صرف اللّفظ بحرف الاستثناء عمّا كان يقتضيه لولاه . وغير الجنس المذكور ليس بداخلٍ في الكلام ، فإذا ذكره فما صرف الكلام عن صوبه ، ولا ثناه عن وجه استرساله ، فلا يكون استثناءً ، وإنّما يسمّى هذا النّوع استثناءً مجازاً ، وهو ما تقدّم بيانه في الاستثناء المنقطع ( ف / 6 ) وإنّما هو في الحقيقة استدراكٌ ، وتكون إلاّ بمعنى لكنّ ، فإذا ذكر الاستدراك بعد الإقرار ، كأن قال : له عندي مائة درهمٍ إلاّ ثوباً لي عليه كان باطلاً ؛ لأنّه يكون مقرّاً بشيءٍ ، مدّعياً لشيءٍ سواه ، فيقبل إقراره ، وتبطل دعواه وهي الاستثناء . وحجّة من فرّق بين الأثمان وغيرها أنّ قدر الدّنانير من الدّراهم معلومٌ ، ويعبّر بأحدهما عن الآخر ، فإذا استثنى أحدهما من الآخر علم أنّه أراد التّعبير بأحدهما عن الآخر ، فإنّ قوماً يسمّون عشرة دراهم ديناراً ، وفي بلادٍ أخرى يسمّون ثمانية دراهم ديناراً .
الشّرط الرّابع : التّلفّظ بالاستثناء
20 - ذهب ابن حبيبٍ من المالكيّة إلى أنّه يجزئ في الاستثناء تحريك الشّفتين إن لم يكن مستحلفاً ، فإن كان مستحلفاً لم يجزئه إلاّ الجهر . وقال ابن القاسم : ينفعه وإن لم يسمعه المحلوف له . واشترط الشّافعيّة للاستثناء أن يتلفّظ به بحيث يسمع غيره ، وإلاّ فالقول قول خصمه في النّفي ، وحكم بالوقوع إذا حلف الخصم على نفي الاستثناء . هذا فيما يتعلّق به حقّ الغير ، أمّا فيما عداه فيكفي أن يسمع نفسه ، إن اعتدل سمعه ولا عارض ، ويديّن فيما بينه وبين اللّه تعالى . ولم يظهر للحنابلة تعرّضٌ لصفة النّطق المعتبرة في الاستثناء ، غير أنّهم فرّقوا في نيّة الاستثناء بالقلب بين أن يكون المستثنى منه المنطوق به عامّاً ، كقوله : نسائي طوالق ، واستثنى بقلبه واحدةً ، فيكون له استثناؤه ديانةً لا قضاءً ؛ لأنّ قوله « نسائي » اسمٌ عامٌّ يجوز التّعبير به عن بعض ما وضع له ، وبين أن يكون نصّاً فيما يتناوله لا يحتمل غيره كالعدد ، فلا يرتفع بالنّيّة ما ثبت باللّفظ ، كقوله : نسائي الأربع أو الثّلاث طوالق ، فلا يقبل استثناؤه ظاهراً ، وقيل لا يقبل ولا باطناً . وعند الحنفيّة الصّحيح أنّه إذا تكلّم بالطّلاق واستثنى فلا بدّ أن يكون استثناؤه مسموعاً ، والمراد ما شأنه أن يسمع ، بحيث لو قرّب شخصٌ أذنه إلى فمه يسمع استثناءه ، ولو حال دون سماع المنشئ للكلام صممٌ أو كثرة أصواتٍ . وفي قول الكرخيّ من الحنفيّة ليس من شرط صحّة الاستثناء أن يكون بلفظٍ مسموعٍ ويقول الحنفيّة أيضاً : إنّ الاستثناء بالكتابة صحيحٌ ، حتّى لو تلفّظ بالطّلاق وكتب الاستثناء موصولاً ، أو عكس ، أو أزال الاستثناء بعد الكتابة لم يقع الطّلاق . وجاء في التتارخانية من كتب الحنفيّة : أنّ الزّوجة إذا سمعت الطّلاق ولم تسمع الاستثناء لا يسعها أن تمكّنه من الوطء ، ويلزمها منازعته .
21 - ولو اختلف الزّوجان في صدور الاستثناء ، فادّعاه الزّوج وأنكرته الزّوجة ، فيقبل قوله . وهذا ظاهر الرّواية عن أبي حنيفة . وهو المذهب . وفي قولٍ عند الحنفيّة : لا يقبل إلاّ ببيّنةٍ ، عليه الاعتماد والفتوى احتياطاً لغلبة الفساد ، إذ قد يعلّمه ذلك حيلةً بعض من لا يخاف اللّه تعالى ، ولأنّ دعوى الزّوج خلاف الظّاهر ، فإنّه بدعوى الاستثناء يدّعي إبطال الموجب بعد الاعتراف به . فالظّاهر خلاف قوله ، وإذا عمّ الفساد ينبغي الرّجوع إلى الظّاهر . وفي قولٍ ثالثٍ عندهم نقله ابن الهمام عن المحيط إن عرف الزّوج بالصّلاح فالقول قوله تصديقاً له ، وإن عرف بالفسق أو جهل حاله فلا ؛ لغلبة الفساد . وأيّده ابن عابدين . ولم نطّلع على نصوصٍ لغير الحنفيّة في هذه المسألة .
الشّرط الخامس : القصد :
22 - اشترط المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة لصحّة الاستثناء في اليمين والطّلاق القصد ، سواءٌ أكان الاستثناء حقيقيّاً ، بإلاّ أو إحدى أخواتها ، أم عرفيّاً ، بإن شاء اللّه ونحوه . فلا يفيد الاستثناء الحالف إلاّ أن يقصد معنى الاستثناء أي : حلّ اليمين ، لا أن يقصد مجرّد التّبرّك ، أو لم يقصد شيئاً . وكذا لا بدّ أن يقصد التّلفّظ به ، فلو جرى الاستثناء على ، لسانه سهواً لم ينفعه . وقد اتّفقوا أيضاً على صحّة هذا القصد إن تحقّق في أوّل النّطق بالكلام المشتمل على الاستثناء ، أو في أثنائه وقبل الفراغ منه . أمّا إن وجدت النّيّة بعد الفراغ منه فهي صحيحةٌ عند الحنابلة بشرط الاتّصال . أمّا المالكيّة ، والشّافعيّة فلكلٍّ منهم قولان : الأوّل وهو المقدّم عند المالكيّة ، ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة : أنّ النّيّة صحيحةٌ وينحلّ بها اليمين أو الطّلاق بشرط الاتّصال كما تقدّم ، والقول الثّاني ، وهو غير المقدّم عند المالكيّة وهو الأصحّ عند الشّافعيّة : أنّ القصد بعد الفراغ لا يصحّ ، فتنعقد اليمين ، ويقع الطّلاق . أمّا الحنفيّة فقد صرّحوا بعدم اشتراط القصد في الاستثناء بالمشيئة ، فيكون عدم اشتراطه في الاستثناء بإلاّ وأخواتها من باب أولى . وهذا ما قاله ( أسدٌ ) من الحنفيّة ، وهو ظاهر المذهب ؛ لأنّ الطّلاق مع الاستثناء ليس طلاقاً . وكذا إذا قال : « إن شاء اللّه » من لا يعرف معناها . والقول الآخر عندهم أنّه يفتقر إلى نيّةٍ ، وهو قول ( خلفٍ ) .
جهالة المستثنى بإلاّ وأخواتها :
23 - الاستثناء من حيث الجهالة نوعان : الأوّل : ما سوى العقود ، كالإقرار ، فيجوز أن يستثني المتكلّم شيئاً مجهولاً كأن يقول المقرّ : له عندي ألف دينارٍ إلاّ شيئاً ، أو : إلاّ قليلاً ، أو : إلاّ بعضها ، أو يقرّ له بدارٍ ويستثني غرفةً منها دون أن يعيّنها . وكما يجري في الإقرار يجري في غيره من النّذر واليمين والطّلاق وغيرها . ويطالب المتكلّم ببيان ما أبهمه ، ويلزمه ذلك إن تعلّق به حقّ الغير ، وفي حكم ذلك في الأبواب المختلفة تنظر المصطلحات الخاصّة بتلك الأبواب . النّوع الثّاني : العقود ، والاستثناء المبهم في العقود باطلٌ ومفسدٌ للعقد . وفي الحديث « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الثّنيا إلاّ أن تعلم » . وعلّة ذلك أنّ المعقود عليه يشترط أن يكون معلوماً ، فلو كان ما استثنى غير معلومٍ عاد المستثنى منه غير معلومٍ ، كمن باع ثوباً إلاّ شيئاً منه .
24 - وقد وضع الحنفيّة قاعدةً لما يجوز استثناؤه في العقود بأنّ « ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده صحّ استثناؤه من العقد » فبيع قفيزٍ من صبرةٍ جائزٌ ، فكذا استثناؤه . واشترط المالكيّة كذلك معلوميّة المستثنى ، فلو استثنى جزءاً شائعاً فله استثناء ما شاء ، أمّا إن استثنى قدراً معلوماً بالكيل من صبرةٍ باعها جزافاً ، أو أرطالاً من لحم شاةٍ ، لم يجز أن يستثني أكثر من قدر الثّلث ، ويجوز عندهم استثناء جلدٍ وساقطٍ من رأسٍ وأكارع ، في السّفر فقط ، وإنّما جاز استثناؤهما في السّفر فقط لخفّة ثمنهما فيه دون الحضر . والحنابلة في اشتراط كون المستثنى معلوماً يوافقون الحنفيّة ، ويقولون بالقاعدة الّتي قرّروها في هذه المسألة ، وإن كانوا يخالفونهم في بعض آحاد المسائل ، لمخالفتهم في تحقّق مناط الحكم فيها ، فهم مثلاً يجيزون استثناء الرّأس والأطراف من الشّاة المبيعة ؛ لأنّهم اعتبروها معلومةً . واحتجّوا بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « لمّا هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكرٍ وعامر بن فهيرة ، مرّوا براعي غنمٍ ، فذهب أبو بكرٍ وعامرٌ ، فاشتريا منه شاةً وشرطا له سلبها » .
ما يثبت فيه حكم الاستثناء الحقيقيّ :
25 - حكم الاستثناء الحقيقيّ عند الجمهور التّخصيص ، وعند الحنفيّة القصر ، لأنّهم يشترطون في المخصّص أن يكون مستقلاًّ . ويثبت حكمه هذا حيثما تمّت شروطه المعتبرة الّتي تقدّم ذكرها ، فيثبت في العقود والوعود والنّذور والأيمان والطّلاق ، وسائر التّصرّفات القوليّة ، فلو استثنى من المبيع جزءاً معلوماً من العين ، أو منفعةً معلومةً لمدّةٍ معلومةٍ جاز ، إلاّ أنّه قد يعرض لبعض الاستثناءات البطلان لمانعٍ .
ما يثبت فيه حكم الاستثناء بالمشيئة :
26 - الاستثناء بالمشيئة إذا تمّت شروطه يستتبع أثره وهو : إبطال حكم ما قبله . وهذا الإبطال إمّا بمعنى الحلّ بعد الانعقاد ، وإمّا بمعنى منع الانعقاد ، فإذا بدا للحالف مثلاً أن يستثني بعد تمام يمينه تنحلّ يمينه باستثنائه عند من أجاز نيّة الاستثناء بعد تمام اليمين . والّذي ينويه الحالف قبل الفراغ من يمينه ثمّ يأتي به يمنع انعقاد يمينه .
27 - أمّا ما يبطله الاستثناء ، فقد اتّفق الفقهاء على أنّه يبطل اليمين ، لما ورد من الأحاديث الّتي قدّم ذكرها . وأمّا ما عدا ذلك فقد اختلفوا فيه على اتّجاهين : الاتّجاه الأوّل : أنّ الاستثناء بالمشيئة يمنع انعقاد ما اقترن به من التّصرّفات القوليّة . وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة . غير أنّ الحنفيّة نصّوا على أنّ حكم الاستثناء يثبت في صيغ الإخبار ، وإن كان إنشاء إيجابٍ ، لا في الأمر والنّهي . فلو قال : اعطوا ثلث مالي لفلانٍ بعد موتي إن شاء اللّه بطل الاستثناء وصحّت الوصيّة . وعن الحلوانيّ من الحنفيّة : أنّ كلّ ما يختصّ باللّسان يبطله الاستثناء ، كالطّلاق والبيع ، بخلاف ما لا يختصّ به كنيّة الصّوم ، فلا يرفعها الاستثناء فلو قال : نويت صيام غدٍ إن شاء اللّه ، له أداؤه بتلك النّيّة الاتّجاه الثّاني : أنّ الاستثناء بالمشيئة لا يمنع انعقاد أيّ تصرّفٍ ما عدا الأيمان ، وهو مذهب المالكيّة ، والحنابلة . وبه قال الأوزاعيّ والحسن وقتادة ، فعند المالكيّة - باستثناء ابن الموّاز - أنّ الاستثناء ( بإن شاء اللّه ) يبطل الأيمان ، ولا يبطل ما قبله في غير الأيمان ، فلو أقرّ قائلاً : له في ذمّتي ألفٌ إن شاء اللّه ، أو : إن قضى اللّه ، لزمه الألف ؛ لأنّه لمّا أقرّ علمنا أنّ اللّه شاء أو قضى . وسواءٌ عند المالكيّة أكان الطّلاق والعتاق منجّزاً أم كان معلّقاً . قال ابن عبد البرّ من المالكيّة في المشيئة بعد تعليق الطّلاق : إنّما ورد التّوقيف بالاستثناء في اليمين باللّه تعالى ، وقول المتقدّمين : الأيمان بالطّلاق والعتاق إنّما جاز على التّقريب والاتّساع ، ولا يمين في الحقيقة إلاّ باللّه ، وهذا طلاقٌ وعتاقٌ . أمّا الحنابلة فقد نصّوا على أنّ اليمين يبطلها الاستثناء . وأمّا غيرها فلا يؤثّر فيه ، كما لو قال : بعتك أو وهبتك كذا إن شاء اللّه ، فيثبت حكم البيع والهبة وهذا هو القول المقدّم عندهم . أمّا الطّلاق والعتاق ففي روايةٍ : توقّف أحمد عن القول فيهما . وفي روايةٍ أخرى : قطع أنّه لا ينفعه الاستثناء فيهما ، وقال : من حلف فقال : إن شاء اللّه لم يحنث ، وليس له استثناءٌ في الطّلاق والعتاق لأنّهما ليسا من الأيمان . ونقله صاحب المغني أيضاً عن الحسن وقتادة ، وقال : إنّ الحديث إنّما تناول الأيمان ، وليس هذا بيمينه ، إنّما هو تعليقٌ على شرطٍ .
28 - وذكر متأخّرو الحنابلة في الاستثناء في الطّلاق والعتاق وغيرهما قولاً ثالثاً ، قال ابن تيميّة ، ونقله روايةً عن أحمد - وهو أنّ إيقاع الطّلاق والعتاق لا يدخل فيما يبطله الاستثناء ، أمّا الحلف بالطّلاق والعتاق فيدخل - قال : ومن أصحابه من قال : إن كان الحلف بصيغة القسم ( كما لو قال : عليّ الطّلاق لأفعلنّ كذا ) دخل في حديث الاستثناء ، ونفعته المشيئة روايةٌ واحدةٌ . وإن كان بصيغة الجزاء كما لو قال لزوجته : إن فعلت كذا فأنت طالقٌ ففيه روايتان . قال ابن تيميّة : وهذا القول هو الصّواب المأثور عن أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجمهور التّابعين كسعيدٍ والحسن ، لم يجعلوا في الطّلاق استثناءً ، ولم يجعلوه من الأيمان . ثمّ نقل عن الصّحابة وجمهور التّابعين أنّهم جعلوا الحلف بالصّدقة والهدي والعتاق ونحو ذلك يميناً مكفّرةً . وقال أحمد : إنّما يكون الاستثناء فيما فيه كفّارةٌ . وتمام القول في الاستثناء في الطّلاق المعلّق ينظر في بحث الأيمان ، وتمام الكلام على تفريع مسائل الاستثناء وتفصيل الكلام فيها في أبواب الفقه المختلفة ، فيرجع في كلّ مسألةٍ منها إلى بابها في الطّلاق والعتاق والهبة واليمين والنّذر وغير ذلك ، وما يتعلّق منه بالمباحث الأصوليّة يرجع إليه في الملحق الأصوليّ .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:35 AM

*استجمارٌ
التّعريف
1 - الاستجمار لغةً : الاستنجاء بالحجارة ، مأخوذٌ من الجمرات والجمار ، وهي الأحجار الصّغيرة . واستجمر واستنجى واحدٌ .
صفته : الحكم التّكليفيّ :
2 - الاستنجاء بالحجر ونحوه وحده ، أو بالماء وحده واجبٌ عند الجمهور على التّخيير ، وسنّةٌ مؤكّدةٌ عند الحنفيّة ، والجمع بينهما أفضل . ولكن يتعيّن الاستنجاء بالماء في المنيّ ، والحيض ، والنّفاس ، وفي البول ، والغائط إذا انتشر انتشاراً كثيراً ، واختلف في بول المرأة . وتفصيل أحكام الاستجمار في مصطلح « استنجاءٌ » .


*استحاضةٌ
التعريف
1 - الاستحاضة لغةً : مصدر استحيضت المرأة فهي مستحاضةٌ . والمستحاضة من يسيل دمها ولا يرقأ ، في غير أيّامٍ معلومةٍ ، لا من عرق الحيض بل من عرقٍ يقال له : العاذل . وعرّف الحنفيّة الاستحاضة بأنّها : دم عرقٍ انفجر ليس من الرّحم . وعرّفها الشّافعيّة بأنّها : دم علّةٍ يسيل من عرقٍ من أدنى الرّحم يقال له العاذل ، قال الرّمليّ : الاستحاضة دمٌ تراه المرأة غير دم الحيض والنّفاس ، سواءٌ اتّصل بهما أم لا . وجعل من أمثلتها الدّم الّذي تراه الصّغيرة .
الألفاظ ذات الصّلة

أ - الحيض :
2 - الحيض دمٌ ينفضه رحم امرأةٍ بالغةٍ لا داء بها ولا حبل ، ولم تبلغ سنّ الإياس
ب - النّفاس :
3 - النّفاس دمٌ يخرج عقب الولادة ، وهذا القدر لا خلاف فيه ، وزاد المالكيّة في الأرجح : ومع الولادة ، وزاد الحنابلة : مع ولادةٍ وقبلها بيومين أو ثلاثةٍ .
4 - وتفترق الاستحاضة عن الحيض والنّفاس بأمورٍ منها :
أ - الحيض له وقتٌ ، وذلك حين تبلغ المرأة تسع سنين فصاعداً ، فلا يكون المرئيّ فيما دونه حيضاً ، وكذلك ما تراه بعد سنّ اليأس لا يكون حيضاً عند الأكثر ، أمّا الاستحاضة فليس لها وقتٌ معلومٌ .
ب - الحيض دمٌ يعتاد المرأة في أوقاتٍ معلومةٍ من كلّ شهرٍ ، أمّا الاستحاضة فهي دمٌ شاذٌّ يخرج من فرج المرأة في أوقاتٍ غير معتادةٍ .
ج - الحيض دمٌ طبيعيٌّ لا علاقة له بأيّ سببٍ مرضيٍّ ، في حين أنّ دم الاستحاضة دمٌ ناتجٌ عن فسادٍ أو مرضٍ أو اختلال الأجهزة أو نزف عرقٍ .
د - لون دم الحيض أسود ثخينٌ منتنٌ له رائحةٌ كريهةٌ غالباً ، بينما لون دم الاستحاضة أحمر رقيقٌ لا رائحة له .
هـ – دم النّفاس لا يكون إلاّ مع ولادةٍ . الاستمرار عند الحنفيّة :
5 – الاستحاضة غالباً ما تحصل بالاستمرار ، وهو : زيادة الدّم عن أكثر مدّة الحيض أو النّفاس ، وهذا عند الحنفيّة إذ لم يعتبر الاستمرار بهذا المعنى غيرهم ، والاستمرار إمّا أن يكون في المعتادة أو في المبتدأة .
الاستمرار في المعتادة :
6 - إذا استمرّ دم المعتادة وجاوز أكثر الحيض فطهرها وحيضها ما اعتادت ، وتردّ إلى عادتها في الحيض والطّهر في جميع الأحكام ، بشرط أن يكون طهرها المعتاد أقلّ من ستّة أشهرٍ ، أمّا إذا كان طهرها أكثر من ستّة أشهرٍ فلا تردّ إلى عادتها في الطّهر ، وقد بيّن ابن عابدين سبب ذلك فقال : لأنّ الطّهر بين الدّمين أقلّ من أدنى مدّة الحمل عادةً ، وأدنى مدّة الحمل كما هو معلومٌ ستّة أشهرٍ . وللعلماء عدّة أقوالٍ لتقدير طهر المرأة في مثل هذه الحالة أقواها قولان ، وهما :
أ - يقدّر طهرها بستّة أشهرٍ إلاّ ساعةً ؛ تحقيقاً للتّفاوت بين طهر الحمل وطهر الحيض .
ب - يقدّر طهرها بشهرين ، وهو ما اختاره الحاكم الشّهيد . قال ابن عابدين : إنّ أكثر العلماء يقولون بالأوّل ، ولكن الفتوى على الثّاني ؛ لأنّه أيسر على المفتي والنّساء .
الاستمرار في المبتدأة :
7 - ذكر البركويّ أربع حالاتٍ للمبتدأة ، وهذا عند الحنفيّة ، أمّا عند الأئمّة الثّلاثة : الشّافعيّ ، وأحمد ، ومالكٍ ، فسيأتي بيان أحوالها في الموضع التّالي . وثلاثٌ من حالات المبتدأة تتّصل بموضوع الاستمرار ، أمّا الحالة الرّابعة للمبتدأة عند الحنفيّة فستأتي ف 13 حالات الاستمرار في المبتدأة :
8 - الأولى : أن يستمرّ بها الدّم من أوّل ما بلغت ، فحينئذٍ يقدّر حيضها من أوّل الاستمرار عشرة أيّامٍ ، وطهرها عشرين ثمّ ذلك دأبها ، وإذا صارت نفساء فنفاسها يقدّر بأربعين يوماً ، ثمّ بعد النّفاس يقدّر بعشرين يوماً طهراً ، إذ لا يتوالى نفاسٌ وحيضٌ عند الحنفيّة ، بل لا بدّ من طهرٍ تامٍّ بينهما ، ولمّا كان تقديره بين الحيضتين عشرين ، فليكن كذلك بين النّفاس والحيض تقديراً مطّرداً .
الثّانية : أن ترى دماً وطهراً فاسدين ، والدّم الفاسد عند الحنفيّة ما زاد على عشرة أيّامٍ ، والطّهر الفاسد ما نقص عن خمسة عشر يوماً ، فلا يعتدّ بما رأت من حيث نصب العادة به ، بل يكون حيضها عشرةً ، ولو حكماً ، من حين استمرّ بها الدّم ، ويكون طهرها عشرين ، وذلك دأبها حتّى ترى دماً وطهراً صحيحين . بيان ذلك : مراهقةٌ ( أي مقاربةٌ للبلوغ ) رأت أحد عشر يوماً دماً وأربعة عشر طهراً ، ثمّ استمرّ بها الدّم ، فحيضها عشرةٌ وطهرها عشرون ، والطّهر النّاقص الفاصل بين الدّمين يعتبر كالدّم المستمرّ حكماً ، وعليه تكون هذه كالّتي استمرّ بها الدّم من أوّل ما بلغت ، فيكون حيضها عشرة أيّامٍ من أوّل أيّام الدّم الأحد عشر وطهرها عشرين . هذا إذا كان الطّهر فاسداً بأن كان أقلّ من خمسة عشر يوماً ، أمّا إذا كان خمسة عشر يوماً فأكثر وقد فسد بمخالطته دم الاستحاضة ، كمبتدأةٍ رأت أحد عشر دماً وخمسة عشر طهراً ثمّ استمرّ بها الدّم ، فالدّم الأوّل فاسدٌ لزيادته على العشرة ، والطّهر صحيحٌ ظاهراً لأنّه تامٌّ إذ هو خمسة عشر يوماً ، ولكنّه فاسدٌ في المعنى لأنّ أوّله دمٌ ، وهو اليوم الزّائد على العشرة ، وليس من الحيض عند الحنفيّة ؛ لأنّ أكثر الحيض عشرة أيّامٍ فقط عندهم فهو من الطّهر ، وبما أنّ الطّهر خالطه الدّم في أوّله فلا يصلح أن يكون عادةً . قال ابن عابدين في شرح رسالة الحيض : والحاصل أنّ فساد الدّم يفسد الطّهر المتخلّل فيجعله كالدّم المتوالي ، فتصير المرأة كأنّها ابتدئت بالاستمرار ، ويكون حيضها عشرةً وطهرها عشرين ، ولكن إن لم يزد الدّم والطّهر على ثلاثين يعتبر ذلك من أوّل ما رأت ، وإن زاد يعتبر من أوّل الاستمرار الحقيقيّ ، ويكون جميع ما بين دم الحيض الأوّل ودم الاستمرار طهراً .
الثّالثة : أن ترى دماً صحيحاً ، وطهراً فاسداً ، فإنّ الدّم الصّحيح يعتبر عادةً لها فقط ، فتردّ إليه في زمن الاستمرار ، ويكون طهرها أثناء الاستمرار بقيّة الشّهر . فلو رأت المبتدأة خمسةً دماً وأربعة عشر طهراً ثمّ استمرّ الدّم ، فحيضها خمسةٌ وطهرها بقيّة الشّهر خمسةٌ وعشرون ، فتصلّي من أوّل الاستمرار أحد عشر يوماً تكملة الطّهر ، ثمّ تترك الصّلاة خمسةً ، ثمّ تغتسل وتصلّي خمسةً وعشرين وهكذا ، وكذلك الحكم إذا كان الطّهر فاسداً في المعنى فقط ، كما لو رأت المبتدأة ثلاثةً دماً وخمسة عشر طهراً ، ثمّ يوماً دماً ثمّ خمسة عشر طهراً ثمّ استمرّ بها الدّم ، فإنّ اليوم الّذي رأت فيه الدّم - وقد توسّط بين الطّهرين - أفسدهما معاً لأنّه لا يعتبر حيضاً فهو من الطّهر ، وعليه : فالأيّام الثّلاثة الأولى حيضٌ ، وواحدٌ وثلاثون يوماً طهرٌ ، ثمّ تستأنف من أوّل الاستمرار فثلاثةٌ حيضٌ ، وسبعةٌ وعشرون طهرٌ ، وهكذا دأبها ، وبهذا تشترك هذه المسألة مع السّابقة في الحكم ، من حيث نصب العادة عند الاستمرار في كلّ شهرٍ . وإذا كان الطّهر الثّاني الّذي مرّ بها قبل الاستمرار طهراً فاسداً - لأنّه أقلّ من خمسة عشر يوماً - فالحكم يختلف عمّا تقرّر ؛ لأنّه أمكن اعتبار اليوم الّذي رأت فيه الدّم بعد الخمسة عشر الأولى من أيّام الحيض . فلو رأت المراهقة ثلاثة أيّامٍ دماً ، ثمّ خمسة عشر يوماً طهراً ، ثمّ يوماً دماً ، ثمّ أربعة عشر يوماً طهراً ، ثمّ استمرّ بها الدّم ، فالأيّام الثّلاثة الأول دمٌ صحيحٌ ، فهو حيضٌ ، والخمسة عشر بعدها طهرٌ صحيحٌ ، واليوم الّذي بعدها مع اثنين ممّا بعده حيضٌ ، ثمّ طهرها خمسة عشر ، اثنا عشر من أيّام الانقطاع الّتي سبقت الاستمرار ، وثلاثةٌ من أوّل الاستمرار ، ولهذا تصلّي من أوّل الاستمرار ثلاثةً ثمّ تعتبر حائضاً ثلاثةً فتترك فيها الصّلاة ، ثمّ تغتسل وتصلّي خمسة عشر يوماً ، وهكذا يقدّر حيضها بثلاثةٍ وطهرها بخمسة عشر .
أمّا الحالة الرّابعة فستبحث في الفقرة استحاضة المبتدأة بالحمل .
استحاضة المبتدأة بالحيض ، والمبتدأة بالحمل :
9 - المبتدأة بالحيض هي الّتي كانت في أوّل حيضٍ فابتدأت بالدّم ، واستمرّ بها . فعند الحنفيّة تقدّم تفصيل حكمها .
10 - وعند المالكيّة تعتبر المبتدأة بأترابها ، فإن تجاوزتهنّ فرواية ابن القاسم في المدوّنة : تتمادى إلى تمام خمسة عشر يوماً ، ثمّ هي مستحاضةٌ تغتسل وتصلّي وتصوم . وفي رواية ابن زيادٍ عن مالكٍ : أنّها تقتصر على عوائد أترابها أي في السّنّ ، فتأخذ بعوائدهنّ في الحيض من قلّة الدّم وكثرته ، يقال إنّها تقيم قدر أيّام لدّاتها ، ثمّ هي مستحاضةٌ بعد ذلك تصلّي وتصوم ، إلاّ أن ترى دماً تستكثره لا تشكّ فيه أنّه دم حيضةٍ . وقالوا أيضاً : إنّ المستحاضة إذا عرفت أنّ الدّم النّازل هو دم الحيض ، بأن ميّزته بريحٍ أو ثخنٍ أو لونٍ أو تألّمٍ ، فهو حيضٌ بشرط أن يتقدّمه أقلّ الطّهر ، وهو خمسة عشر يوماً ، فإن لم تميّز ، أو ميّزت قبل تمام أقلّ الطّهر فهي مستحاضةٌ أي باقيةٌ على أنّها طاهرةٌ ، ولو مكثت على ذلك طول حياتها .
11 - وأمّا المبتدأة بالحيض عند الشّافعيّة ، فقد قالوا : المبتدأة إمّا أن تكون مميّزةً لما تراه أو لا ، فإذا كانت المبتدأة مميّزةً لما تراه بأن ترى في بعض الأيّام دماً قويّاً وفي بعضها دماً ضعيفاً ، أو في بعضها دماً أسود وفي بعضها دماً أحمر ، وجاوز الدّم أكثر الحيض ، فالضّعيف أو الأحمر استحاضةٌ وإن طال ، والأسود أو القويّ حيضٌ إن لم ينقص الأسود أو القويّ عن أقلّ الحيض ، وهو يومٌ وليلةٌ عندهم ، ولا جاوز أكثر الحيض وهو خمسة عشر يوماً أيضاً ، حتّى لو رأت يوماً وليلةً أسود ثمّ اتّصل به الضّعيف ، وتمادى سنين كان طهراً ، وإن كانت ترى الدّم دائماً ؛ لأنّ أكثر الطّهر لا حدّ له ، فإن فقد شرطٌ من ذلك كأن رأت الأسود أقلّ من يومٍ وليلةٍ أو ستّة عشر ، أو رأت الضّعيف أربعة عشر ، أو رأت أبداً يوماً أسود ويومين أحمر فحكمها كحكم غير المميّزة لما تراه . والمبتدأة غير المميّزة عند الشّافعيّة ، بأن رأت الدّم بصفةٍ واحدةٍ أو بصفاتٍ مختلفةٍ لكن فقدت شرطاً من شروط التّمييز الّتي ذكرت ، فإن لم تعرف وقت ابتداء دمها فحكمها حكم المتحيّرة ، كما ذكره الرّافعيّ وسيأتي بيانه ، وإن عرفته فالأظهر أنّ حيضها يومٌ وليلةٌ من أوّل الدّم وإن كان ضعيفاً ؛ لأنّ ذلك هو المتيقّن ، وما زاد مشكوكٌ فيه ، فلا يحكم بأنّه حيضٌ ، وطهرها تسعةٌ وعشرون يوماً تتمّة الشّهر .
12 - وأمّا الحنابلة فقالوا : إنّ المبتدأة إمّا أن تكون مميّزةً لما تراه أو لا ، فإن كانت مميّزةً عملت بتمييزها إن صلح الأقوى أن يكون حيضاً ، بأن لم ينقص عن يومٍ وليلةٍ ، ولم يزد على خمسة عشر يوماً ، وإن كانت غير مميّزةٍ قدّر حيضها بيومٍ وليلةٍ ، وتغتسل بعد ذلك وتفعل ما تفعله الطّاهرات . وهذا في الشّهر الأوّل والثّاني والثّالث ، أمّا في الشّهر الرّابع فتنتقل إلى غالب الحيض ، وهو ستّة أيّامٍ أو سبعةٌ باجتهادها أو تحرّيها . وقال صاحب مطالب أولي النّهى في شرح غاية المنتهى : لو رأت يوماً وليلةً دماً أسود ، ثمّ رأت دماً أحمر ، وجاوز خمسة عشر يوماً ، فحيضها زمن الدّم الأسود ، وما عداه استحاضةٌ لأنّه لا يصلح حيضاً . أو رأت في الشّهر الأوّل خمسة عشر يوماً دماً أسود ، وفي الشّهر الثّاني أربعة عشر ، وفي الشّهر الثّالث ثلاثة عشر ، فحيضها زمن الأسود . وإن لم يكن دمها متميّزاً ، بأن كان كلّه أسود أو أحمر ونحوه ، أو كان متميّزاً ، ولم يصلح الأسود ونحوه أن يكون حيضاً بأن نقص عن يومٍ وليلةٍ ، أو زاد عن الخمسة عشر يوماً ، فتجلس أقلّ الحيض من كلّ شهرٍ لأنّه اليقين حتّى تتكرّر استحاضتها ثلاثاً ؛ لأنّ العادة لا تثبت بدونها ، ثمّ تجلس بعد التّكرار من مثل أوّل وقت ابتداءٍ بها إن علمته من كلّ شهرٍ ستّاً أو سبعاً بتحرٍّ ، أو تجلس من أوّل كلّ شهرٍ هلاليٍّ إن جهلته ، أي : وقت ابتدائها بالدّم ستّاً أو سبعاً من الأيّام بلياليها بتحرٍّ في حال الدّم وعادة أقاربها النّساء ، ونحوه ، لحديث « حمنة بنت جحشٍ قالت : يا رسول اللّه إنّي أستحاض حيضةً كبيرةً شديدةً ، قد منعتني الصّوم والصّلاة ، فقال : تحيضي في علم اللّه ستّاً أو سبعاً ثمّ اغتسلي » . ويتّجه احتمالٌ قويٌّ بوجوب قضاء من جهلت وقت ابتدائها بالدّم نحو صومٍ كطوافٍ واعتكافٍ واجبين فيما فعلته أي الصّوم ونحوه قبل التّحرّي ، كمن جهل القبلة وصلّى بلا تحرٍّ فيقضي ولو أصاب .
13 - وأمّا المبتدأة بالحمل : وهي الّتي حملت من زوجها قبل أن تحيض إذا ولدت فرأت الدّم زيادةً عن أربعين يوماً عند الحنفيّة ، والحنابلة فالزّيادة استحاضةٌ عند الحنفيّة ؛ لأنّ الأربعين للنّفاس كالعشرة للحيض ، فالزّيادة في كلٍّ منهما استحاضةٌ دون نظرٍ إلى تمييزٍ أو عدمه . أمّا عند الحنابلة فإن أمكن أن يكون حيضاً فحيضٌ ، وإلاّ فاستحاضةٌ ؛ لأنّه يتصوّر عندهم اقتران الحيض بالنّفاس . وعند المالكيّة ، والشّافعيّة الزّيادة على السّتّين استحاضةٌ ، وفرّقوا بين المميّزة لما ترى وغير المميّزة ، كما في الحيض . فإذا بلغت بالحمل وولدت واستمرّ بها الدّم ، ولم تر طهراً صحيحاً بعد ولادتها وانتهاء مدّة نفاسها - وهي أربعون يوماً عند الحنفيّة ، والحنابلة - فيقدّر طهرها بعد الأربعين بعشرين يوماً ، ثمّ بعده يكون حيضها عشرةً وطهرها عشرين ، وهذا شأنها ما دامت حالة الاستمرار قائمةً بها . وإذا ولدت فرأت أربعين يوماً دماً ، ثمّ خمسة عشر طهراً ، ثمّ استمرّ بها الدّم ، فحيضها عشرةٌ من أوّل الاستمرار ، وطهرها خمسة عشر ، أي تردّ إلى عادتها في الطّهر إذا كان طهراً صحيحاً خمسة عشر يوماً فأكثر ، وكذلك يكون هذا الرّدّ إذا رأت ستّة عشر يوماً طهراً فما فوقها إلى واحدٍ وعشرين ، فعندئذٍ يقدّر حيضها بتسعةٍ وطهرها بواحدٍ وعشرين ، ثمّ كلّما زاد الطّهر نقص من الحيض مثله إلى أن يكون حيضها ثلاثةً ، وطهرها سبعةً وعشرين ، فإذا زاد الطّهر على سبعةٍ وعشرين فحيضها عشرةٌ من أوّل الاستمرار ، وطهرها مثل ما رأيت قبل الاستمرار كائناً ما كان عدده . بخلاف ما إذا كان طهرها ناقصاً عن خمسة عشر يوماً فإنّه يقدّر بعد الأربعين - الّتي هي مدّة نفاسها - بعشرين وحيضها بعشرةٍ ، فهي بمنزلة الّذي وضعت واستمرّ بها الدّم ابتداءً ، وإذا كان طهرها الّذي رأته بعد الأربعين الّتي للنّفاس كاملاً خمسة عشر يوماً فأكثر ، وقد زاد دمها على أربعين في النّفاس بيومٍ مثلاً ، فسد هذا الطّهر في المعنى ؛ لأنّه خالطه دمٌ يوم تؤمر بالصّلاة فيه ، ولهذا لا يصلح لاعتباره عادةً لها ، فيقدّر حيضها وطهرها حسب التّفصيل التّالي : فإذا كان بين نهاية النّفاس - الأربعين - وأوّل الاستمرار عشرون يوماً فأكثر ، كأن زاد دمها على الأربعين بخمسةٍ أو ستّةٍ وطهرت بعده خمسة عشر ثمّ استمرّ بها الدّم ، فإنّه يقدّر حيضها من أوّل الاستمرار بعشرة أيّامٍ ، وطهرها بعشرين ، وهكذا دأبها . وإن كان بين النّفاس وأوّل الاستمرار أقلّ من عشرين كأن زاد دمها على الأربعين بيومٍ أو يومين فإنّه يكمل طهرها إلى العشرين ، ويؤخذ من أوّل الاستمرار ما يتمّ به تكميل هذه العشرين ، ثمّ يقدّر حيضها بعد ذلك بعشرةٍ وطهرها بعشرين وهكذا . والجدير بالذّكر أنّ المبتدأة بالحيض أو النّفاس إذا انقطع دمها لأقلّ من عشرة أيّامٍ في الحيض ، ولأقلّ من أربعين في النّفاس ، فإنّها تغتسل وتصلّي في آخر الوقت ، وتصوم احتياطاً ، ولا يحلّ لزوجها وطؤها حتّى يستمرّ الانقطاع إلى تمام العشرة في الحيض ، هذا إذا انقطع لتمام ثلاثة أيّامٍ ، أمّا إذا انقطع لأقلّ من ثلاثةٍ فهو استحاضةٌ وليس بحيضٍ ، فتتوضّأ وتصلّي في آخر الوقت . وهذا كلّه عند الحنفيّة .
14 - أمّا أحكام المبتدأة بالحمل عند الشّافعيّة والمالكيّة فقولهم هنا كأقوالهم في المبتدأة بالحيض . والمالكيّة قالوا : تعتبر المبتدأة بأترابها ، فإن تمادى بها الدّم فالمشهور أنّها تعتكف ستّين يوماً ، ثمّ هي مستحاضةٌ تغتسل ، وتصوم وتصلّي ، وتوطأ . فإذا عبر الدّم السّتّين عند الشّافعيّة فينزل منزلة عبوره أكثر الحيض ؛ لأنّ النّفاس كالحيض في غالب أحكامه ، فكذلك في الرّدّ إليه ، فيقاس بما ذكر في الحيض وفاقاً وخلافاً ، فينظر هنا أيضاً إذا كانت المرأة مبتدأةً في النّفاس أم معتادةً ، مميّزةً لما تراه أم غير مميّزةٍ ، ويقاس بما تقدّم في الحيض ، فتردّ المبتدأة المميّزة إلى التّمييز شرط ألاّ يزيد القويّ على ستّين عند الشّافعيّة والمالكيّة ، وغير المميّزة تردّ إلى لحظةٍ في الأظهر عند الشّافعيّة ، والمعتادة المميّزة تردّ إلى التّمييز لا العادة في الأصحّ ، وغير المميّزة الحافظة تردّ إلى العادة ، وتثبت العادة بمرّةٍ في الأصحّ عند الشّافعيّة ، وأمّا النّاسية لعادتها فتردّ إلى مردّ المبتدأة في قولٍ ، وتحتاط في القول الآخر . أمّا الحنابلة فيرون أنّ النّفساء إذا زاد دمها على الأربعين ، ووافق عادة حيضٍ فهو حيضٌ ، وما زاد فهو استحاضةٌ . وإن لم يوافق عادة حيضٍ فما زاد على الأربعين استحاضةٌ ، ولم يفرّقوا بين مبتدأةٍ بالحمل أو معتادةٍ له .
استحاضة ذات العادة :
أ - ذات العادة بالحيض :
15 - مذهب الحنفيّة في ذات العادة بالحيض - وهي الّتي تعرف شهرها ووقت حيضها وعدد أيّامها أنّه : إذا رأت المعتادة ما يوافق عادتها من حيث الزّمن والعدد ، فكلّ ما رأته حيضٌ . وإذا رأت ما يخالف عادتها من حيث الزّمن أو العدد أو كلاهما ، فحينئذٍ قد تنتقل العادة وقد لا تنتقل ، ويختلف حكم ما رأت ، فتتوقّف معرفة حال ما رأت من الحيض والاستحاضة على انتقال العادة . فإن لم تنتقل كما إذا زاد الدّم عن العشرة ردّت إلى عادتها ، فيجعل المرئيّ في العادة حيضاً ، والباقي الّذي جاوز العادة استحاضةً . وإن انتقلت العادة فكلّ ما رأته حيضٌ . وتفصيل قاعدة انتقال العادة وحالاتها وأمثلتها في مصطلح ( حيضٌ ) .
16 - وعند المالكيّة : أقوالٌ متعدّدةٌ أشار إليها ابن رشدٍ في المقدّمات أشهرها : أنّها تبقى أيّامها المعتادة ، وتستظهر ( أي تحتاط ) بثلاثة أيّامٍ ، ثمّ تكون مستحاضةً تغتسل وتصلّي وتصوم وتطوف ويأتيها زوجها ، ما لم تر دماً تنكره بعد مضيّ أقلّ مدّة الطّهر من يوم حكم باستحاضتها ، وهو ظاهر رواية ابن القاسم عن مالكٍ في المدوّنة . وعلى هذه الرّواية تغتسل عند تمام الخمسة عشر يوماً استحباباً لا إيجاباً . وهذا كلّه إذا لم تكن مميّزةً ، أمّا المميّزة فتعمل بتمييزها من رؤية أوصاف الدّم وأحواله من التّقطّع والزّيادة واللّون ، فتميّز به ما هو حيضٌ ، وما هو استحاضةٌ . وإذا أتاها الحيض في وقته ، وانقطع بعد يومٍ أو يومين أو ساعةٍ ، وأتاها بعد ذلك قبل طهرٍ تامٍّ ، فإنّها تلفّق أيّام الدّم بعضها إلى بعضٍ ، فإن كانت معتادةً فتلفّق عادتها واستظهارها ، وإن كانت مبتدأةً لفّقت نصف شهرٍ ، وإن كانت حاملاً في ثلاثة أشهرٍ فأكثر لفّقت نصف شهرٍ ونحوه ، أو بعد ستّة أشهرٍ لفّقت عشرين يوماً ونحوها . والأيّام الّتي استظهرت بها هي فيها حائضٌ ، وهي مضافةٌ إلى الحيض ، إن رأت الدّم فيها بعد ذلك وإن لم تره ، وأيّام الطّهر الّتي كانت تلغيها عند انقطاع الدّم في خلال ذلك ، وكانت لا ترى فيها دماً هي فيها طاهرةٌ ، تصلّي فيها ويأتيها زوجها وتصومها ، وليست تلك الأيّام بطهرٍ تعتدّ به في عدّةٍ من طلاقٍ ؛ لأنّ الّذي قبل تلك الأيّام من الدّم ، والّتي بعد تلك الأيّام قد أضيفت بعضها إلى بعضٍ وجعل حيضةً واحدةً ، وكلّ ما بين ذلك من الطّهر ملغًى ، ثمّ تغتسل بعد الاستظهار ، وتصلّي ، وتتوضّأ لكلّ صلاةٍ ، إن رأت الدّم في تلك الأيّام ، وتغتسل كلّ يومٍ إذا انقطع عنها الدّم من أيّام الطّهر .
17 - أمّا عند الشّافعيّة فالمعتادة بالحيض إمّا أن تكون غير مميّزةٍ لما ترى بأن كان الدّم بصفةٍ واحدةٍ ، أو كان بصفاتٍ متعدّدةٍ ، وفقدت شرط التّمييز ، ولكن سبق لها حيضٌ وطهرٌ ، وهي تعلم أيّام حيضها وطهرها قدراً ووقتاً فتردّ إليهما قدراً ووقتاً ، وتثبت العادة بمرّةٍ في الأصحّ . وأمّا المعتادة المميّزة فيحكم بالتّمييز لا بالعادة في الأصحّ ، كما لو كانت عادتها خمسةً من أوّل كلّ شهرٍ وباقيه طهرٌ ، فاستحيضت فرأت عشرةً سواداً من أوّل الشّهر وباقيه حمرةً ، فحيضتها العشرة السّواد وما يليه استحاضةٌ . والقول الثّاني يحكم بالعادة ، فيكون حيضها الخمسة الأولى . والأوّل أصحّ لأنّ التّمييز علامةٌ قائمةٌ في شهر الاستحاضة ، فكان اعتباره أولى من اعتبار عادةٍ انقضت .
18 - أمّا الحنابلة : فقالوا لا تخلو المستحاضة من أربعة أحوالٍ : مميّزةٍ لا عادة لها ، ومعتادةٍ لا تمييز لها ، ومن لها عادةٌ وتمييزٌ ، ومن لا عادة لها ولا تمييز . أمّا المميّزة : وهي الّتي لدمها إقبالٌ وإدبارٌ ، بعضه أسود ثخينٌ منتنٌ ، وبعضه أحمر مسرّقٌ أو أصفر أو لا رائحة له ، ويكون الدّم الأسود أو الثّخين لا يزيد عن أكثر الحيض ، ولا ينقص عن أقلّه ، فحكم هذه : أنّ حيضها زمان الدّم الأسود أو الثّخين أو المنتن ، فإن انقطع فهي مستحاضةٌ ، تغتسل للحيض ، وتتوضّأ بعد ذلك لكلّ صلاةٍ وتصلّي . أمّا المستحاضة الّتي لها عادةٌ ولا تمييز لها ؛ لكون دمها غير منفصلٍ أي على صفةٍ لا تختلف ، ولا يتميّز بعضه من بعضٍ ، أو كان منفصلاً ، إلاّ أنّ الدّم الّذي يصلح للحيض دون أقلّ الحيض ، أو فوق أكثره ؟ فهذه لا تمييز لها ، فإن كانت لها عادةٌ قبل أن تستحاض جلست أيّام عادتها ، واغتسلت عند انقضائها ، ثمّ تتوضّأ بعد ذلك لوقت كلّ صلاةٍ . والقسم الثّالث : من لها عادةٌ وتمييزٌ ، فاستحيضت ، ودمها متميّزٌ ، بعضه أسود وبعضه أحمر ، فإن كان الأسود في زمن العادة فقد اتّفقت العادة والتّمييز في الدّلالة فيعمل بهما ، وإن كان أكثر من العادة أو أقلّ - ويصلح أن يكون حيضاً - ففيه روايتان : الرّواية الأولى : اعتبار العادة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم لأمّ حبيبة إذ سألته عن الدّم : « امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثمّ اغتسلي وصلّي » ولأنّ العادة أقوى . والثّانية : يقدّم التّمييز فيعمل به وتدع العادة . أمّا القسم الرّابع : وهي الّتي لا عادة لها ولا تمييز فسيأتي تفصيله في موضوع ( استحاضة من ليس لها عادةٌ ) .
ب - ذات العادة في النّفاس :
19 - إذا رأت ذات العادة بالنّفاس زيادةً عن عادتها ، فإن كانت عادتها أربعين فعند الحنفيّة الزّيادة استحاضةٌ ، وإن كانت عادتها دون الأربعين ، وكانت الزّيادة إلى الأربعين أو دونها ، فما زاد يكون نفاساً ، وإن زاد على الأربعين تردّ إلى عادتها فتكون عادتها نفاساً ، وما زاد على العادة يكون استحاضةً . أمّا عند المالكيّة والشّافعيّة فما ذكر في الحيض للمعتادة يذكر هنا أيضاً . حيث ذهب مالكٌ والشّافعيّ إلى أنّ أكثر النّفاس ستّون يوماً . فعند المالكيّة الزّائد عن السّتّين كلّه استحاضةٌ ولا تستظهر ، فإنّ الاستظهار خاصٌّ بالحيض ، وأمّا عند الشّافعيّة فما زاد على السّتّين فهو استحاضةٌ فإذا عبر دم النّفساء السّتّين ففيه طريقان : أصحّهما أنّه كالحيض إذا عبر الخمسة عشر في الرّدّ إلى التّمييز إن كانت مميّزةً لما ترى ، أو العادة إن كانت معتادةً غير مميّزةٍ ، والثّاني له ثلاثة أوجهٍ : الأوّل : أصحّهما كالطّريق الأوّل أي أنّه كالحيض . الثّاني : أنّ السّتّين كلّها نفاسٌ ، وما زاد على السّتّين استحاضةٌ ، اختاره المزنيّ . الثّالث : أنّ السّتّين نفاسٌ ، والّذي بعده حيضٌ فعلى هذا قال أبو الحسن بن المرزبانيّ : قال صاحبا التّتمّة والعدّة : إن زاد الدّم بعد السّتّين حكمنا بأنّها مستحاضةٌ في الحيض . وهذا الوجه ضعيفٌ جدّاً ، وهو أضعف من الّذي قبله . وقالت الحنابلة : إن زاد دم النّفساء على أربعين يوماً وأمكن جعله حيضاً فهو حيضٌ ، وإلاّ فهو استحاضةٌ . ولم نقف فيما بين أيدينا من مراجع الحنابلة أنّهم تحدّثوا عن عادة في النّفاس .
استحاضة من ليس لها عادةٌ معروفةٌ :
20 - من لم يكن لها عادةٌ معروفةٌ في الحيض - بأن كانت ترى شهراً ستّاً وشهراً سبعاً - فاستمرّ بها الدّم ، فإنّها تأخذ في حقّ الصّلاة والصّوم والرّجعة بالأقلّ ، وفي حقّ انقضاء العدّة والوطء بالأكثر ، فعليها أن تغتسل في اليوم السّابع لتمام اليوم السّادس وتصلّي فيه ، وتصوم إن كان دخل عليها شهر رمضان احتياطاً . وإذا كانت هذه تعتبر حيضةً ثالثةً يكون قد سقط حقّ الزّوج في مراجعتها . وأمّا في انقضاء العدّة للزّواج من آخر ، وحلّ استمتاع الزّوج بها فتأخذ بالأكثر ؛ لأنّ تركها التّزوّج مع جوازه أولى من أن تتزوّج بدون حقّ التّزوّج ، وكذا ترك الوطء مع احتمال الحلّ ، أولى من الوطء مع احتمال الحرمة ، فإذا جاء اليوم الثّامن فعليها أن تغتسل ثانياً ، وتقضي اليوم السّابع الّذي صامته ؛ لأنّ الأداء كان واجباً ، ووقع الشّكّ في السّقوط ، إن لم تكن حائضاً فيه صحّ صومها ولا قضاء عليها ، وإن كانت حائضاً فعليها القضاء ، فلا يسقط القضاء بالشّكّ . وليس عليها قضاء الصّلوات ؛ لأنّها إن كانت طاهرةً في هذا اليوم فقد صلّت ، وإن كانت حائضاً فيه فلا صلاة عليها ، وبالتّالي لا قضاء عليها . ولو كانت عادتها خمسةً فحاضت ستّةً ، ثمّ حاضت حيضةً أخرى سبعةً ، ثمّ حاضت حيضةً أخرى ستّةً ، فعادتها ستّةٌ بالإجماع حتّى ينبني الاستمرار عليها . أمّا عند أبي يوسف فلأنّ العادة تنتقل بالمرّة الواحدة ، وإنّما ينبني الاستمرار على المرّة الأخيرة لأنّ العادة انتقلت إليها ، وأمّا عند أبي حنيفة ومحمّدٍ فلأنّ العادة وإن كانت لا تنتقل إلاّ بالمرّتين فقد رأت السّتّة مرّتين . وكذلك الحكم في جميع ما ذكر لمن ليس لها عادةٌ معروفةٌ في النّفاس .
استحاضة المتحيّرة :
21 - المتحيّرة : هي الّتي نسيت عادتها بعد استمرار الدّم وتوصف بالمحيّرة بصيغة اسم الفاعل ، لأنّها تحيّر المفتي ، وبصيغة اسم المفعول لأنّها حيّرت بسبب نسيانها ، وتدعى أيضاً المضلّة ؛ لأنّها أضلّت عادتها . ومسائل المحيّرة من أصعب مسائل الحيض وأدقّها ، ولها صورٌ كثيرةٌ وفروعٌ دقيقةٌ ، ولهذا يجب على المرأة حفظ عادتها في الزّمان والعدد . وجميع الأحكام في هذه المسألة تبنى على الاحتياط ، وإن كان هناك تشديدٌ في بعض الصّور فليس القصد التّشديد لأنّها لم ترتكب محظوراً . وتفصيل أحكام المتحيّرة في مصطلحها .
ما تراه المرأة الحامل من الدّم أثناء حملها :
22 - إذا رأت المرأة الحامل الدّم حال الحبل وقبل المخاض ، فليس بحيضٍ وإن كان ممتدّاً بالغاً نصاب الحيض ، بل هو استحاضةٌ عند الحنفيّة والحنابلة . وكذلك ما تراه حالة المخاض وقبل خروج أكثر الولد عند الحنفيّة ، أمّا الحنابلة فقد نصّوا على أنّ الدّم الّذي تراه الحامل قبل الولادة بيومين أو ثلاثةٍ دم نفاسٍ وإن كان لا يعدّ من مدّة النّفاس . واستدلّ الحنفيّة : بقول عائشة الحامل لا تحيض ومثل هذا لا يعرف بالرّأي . وقال الشّافعيّ : هو حيضٌ في حقّ ترك الصّوم والصّلاة وحرمة القربان ، لا في حقّ أقراء العدّة ، واحتجّ بما يروى عنه صلى الله عليه وسلم « أنّه قال لفاطمة بنت أبي حبيشٍ : إذا أقبل قرؤك فدعي الصّلاة » من غير فصلٍ بين حالٍ وحالٍ . ولأنّ الحامل من ذوات الأقراء إلاّ أنّ حيضها لا يعتبر في حقّ أقراء العدّة ؛ لأنّ المقصود من أقراء العدّة فراغ الرّحم ، وحيضها لا يدلّ على ذلك . أمّا المالكيّة فإنّهم نصّوا على أنّ الحامل إذا رأت دماً في الشّهر الأوّل أو الثّاني يعتبر حيضاً ، وتعامل كأنّها حاملٌ ؛ لأنّ الحمل لا يستبين - عادةً - في هذه المدّة ، وأمّا إذا رأت دماً في الشّهر الثّالث أو الرّابع أو الخامس واستمرّ كان أثر حيضها عشرين يوماً ، وما زاد فهو استحاضةٌ . وإنّما فرّقوا في أكثر الحيض بين الحامل وغيرها ؛ لأنّ الحمل يحبس الدّم ، فإذا خرج كان زائداً ، وربّما استمرّ لطول المكث . وأمّا إن رأته في الشّهر السّابع أو الثّامن أو التّاسع واستمرّ نازلاً كان أكثر الحيض في حقّها ثلاثين يوماً . وأمّا إن رأته في الشّهر السّادس فظاهر المدوّنة أنّ حكمها حكم ما إذا حاضت في الشّهر الثّالث ، وخالف في ذلك شيوخ إفريقيّة فرأوا أنّ حكمه حكم ما بعده وهو المعتمد . وبعد هذه المدّة يعتبر استحاضةً .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:36 AM

ما تراه المرأة من الدّم بين الولادتين : إن كانت حاملاً بتوأمين :
23 - التّوأم : اسم ولدٍ إذا كان معه آخر في بطنٍ واحدٍ ، فالتّوأمان هما الولدان في بطنٍ واحدٍ إذا كان بينهما أقلّ من ستّة أشهرٍ ، يقال لكلّ واحدٍ توأمٌ ، وللأنثى توأمةٌ . فإن كان بين الأوّل والثّاني أقلّ من ستّة أشهرٍ فالدّم الّذي تراه النّفساء بين الولادتين دمٌ صحيحٌ ، أي نفاسٌ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمّدٍ وزفر دمٌ فاسدٌ أي استحاضةٌ ، وذلك بناءً على أنّ المرأة إذا ولدت وفي بطنها ولدٌ آخر ، فالنّفاس من الولد الأوّل عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمّدٍ وزفر من الولد الثّاني ، وانقضاء العدّة بالولد الثّاني بالإجماع . وجه قول محمّدٍ وزفر : أنّ النّفاس يتعلّق بوضع ما في البطن ، كانقضاء العدّة ، فيتعلّق بالولد الأخير ، وهذا لأنّها لا تزال حبلى ، وكما لا يتصوّر انقضاء عدّة الحمل بدون وضع الحمل ، لا يتصوّر وجود النّفاس من الحبلى ؛ لأنّ النّفاس بمنزلة الحيض ، فكان الموجود قبل وضع الولد الثّاني نفاساً من وجهٍ دون وجهٍ ، فلا تسقط الصّلاة عنها بالشّكّ . ولأبي حنيفة وأبي يوسف : أنّ النّفاس إن كان دماً يخرج عقيب الولادة فقد وجد بولادة الأوّل ، بخلاف انقضاء العدّة ؛ لأنّه يتعلّق بفراغ الرّحم ولم يوجد ، وبقاء الولد الثّاني في البطن لا ينافي النّفاس . ويتّفق الحنابلة في إحدى الرّوايتين مع الشّيخين ، وفي الرّواية الثّانية مع محمّدٍ وزفر وذكر أبو الخطّاب أنّ أوّل النّفاس من الولد الأوّل . وتبدأ للثّاني بنفاسٍ جديدٍ .
24 - وعند المالكيّة : الدّم الّذي بين التّوأمين نفاسٌ ، وقيل حيضٌ ، والقولان في المدوّنة . وعند الشّافعيّة : ثلاثة أوجهٍ كالّتي رويت عن الحنابلة .
أحكام المستحاضة :
25 - دم الاستحاضة حكمه كالرّعاف الدّائم ، أو كسلس البول ، حيث تطالب المستحاضة بأحكامٍ خاصّةٍ تختلف عن أحكام الأصحّاء ، وعن أحكام الحيض والنّفاس ، وهي :
أ - يجب ردّ دم الاستحاضة ، أو تخفيفه إذا تعذّر ردّه بالكلّيّة ، وذلك برباطٍ أو حشوٍ أو بالقيام أو بالقعود ، كما إذا سال أثناء السّجود ولم يسل بدونه ، فتومئ من قيامٍ أو من قعودٍ ، وكذا لو سال الدّم عند القيام صلّت من قعودٍ ؛ لأنّ ترك السّجود أو القيام أو القعود أهون من الصّلاة مع الحدث . وهكذا إذا كانت المستحاضة تستطيع منع سيلان الدّم بالاحتشاء فيلزمها ذلك ، فإذا نفذت البلّة أو أخرجت الحشوة المبتلّة انتقض وضوءها . فإذا ردّت المستحاضة الدّم بسببٍ من الأسباب المذكورة أو نحوها خرجت عن أن تكون صاحبة عذرٍ . واعتبر المالكيّة المستحاضة صاحبة عذرٍ كمن به سلسٌ ، فإذا فارقها الدّم أكثر زمن وقت الصّلاة لم تعدّ صاحبة عذرٍ . ونصّ المالكيّة على أنّها إذا رأت الدّم عند الوضوء فإذا قامت ذهب عنها ، قال مالكٌ : تشدّ ذلك بشيءٍ ولا تترك الصّلاة . ويستثنى من وجوب الشّدّ أو الاحتشاء أمران : الأوّل : أن تتضرّر المستحاضة من الشّدّ أو الاحتشاء . الثّاني : أن تكون صائمةً فتترك الاحتشاء نهاراً لئلاّ يفسد صومها . وإذا قامت المستحاضة ومن في حكمها من المعذورين بالشّدّ أو الاحتشاء ثمّ خرج الدّم رغم ذلك ولم يرتدّ ، أو تعذّر ردّه واستمرّ وقت صلاةٍ كاملٍ ، فلا يمنع خروج الدّم أو وجوده من صحّة الطّهارة والصّلاة ، فقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : « قالت فاطمة بنت أبي حبيشٍ لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّي امرأةٌ أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصّلاة ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّ ذلك عرقٌ ، وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصّلاة ، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدّم وصلّي » ، وفي روايةٍ : « توضّئي لكلّ صلاةٍ » ، وفي روايةٍ : « توضّئي لوقت كلّ صلاةٍ » ، وفي روايةٍ أخرى : « وإن قطر الدّم على الحصير » . وذكر الحنفيّة للمستحاضة ولغيرها من المعذورين ثلاثة شروطٍ : الأوّل : شرط الثّبوت : حيث لا يصير من ابتلي بالعذر معذوراً ، ولا تسري عليه أحكام المعذورين ، حتّى يستوعبه العذر وقتاً كاملاً لصلاةٍ مفروضةٍ ولو حكماً ، وليس فيه انقطاعٌ - في جميع ذلك الوقت - زمناً بقدر الطّهارة والصّلاة ، وهذا شرطٌ متّفقٌ عليه بين الفقهاء . الثّاني : شرط الدّوام ، وهو أن يوجد العذر في كلّ وقتٍ آخر ، سوى الوقت الأوّل الّذي ثبت به العذر ولو مرّةً واحدةً . الثّالث : شرط الانقطاع ، وبه يخرج صاحبه عن كونه معذوراً ، وذلك بأن يستمرّ الانقطاع وقتاً كاملاً فيثبت له حينئذٍ حكم الأصحّاء من وقت الانقطاع .
ما تمتنع عنه المستحاضة :
26 - قال البركويّ من علماء الحنفيّة : الاستحاضة حدثٌ أصغر كالرّعاف . فلا تسقط بها الصّلاة ولا تمنع صحّتها أي على سبيل الرّخصة للضّرورة ، ولا تحرّم الصّوم فرضاً أو نفلاً ، ولا تمنع الجماع - لحديث حمنة : أنّها كانت مستحاضةً وكان زوجها يأتيها - ولا قراءة قرآنٍ ، ولا مسّ مصحفٍ ، ولا دخول مسجدٍ ، ولا طوافاً إذا أمنت التّلويث . وحكم الاستحاضة كالرّعاف الدّائم ، فتطالب المستحاضة بالصّلاة والصّوم . وكذلك الشّافعيّة ، والحنابلة ، قالوا : لا تمنع المستحاضة عن شيءٍ ، وحكمها حكم الطّاهرات في وجوب العبادات ، واختلف عن أحمد في الوطء ، فهناك روايةٌ أخرى عنه بالمنع كالحيض ما لم يخف على نفسه الوقوع في محظورٍ . وقال المالكيّة كما في الشّرح الصّغير : هي طاهرٌ حقيقةً . وهذا في غير المستحاضة المتحيّرة ، فإنّ لها أحكاماً خاصّةً تنظر تحت عنوان ( متحيّرةٌ ) .
طهارة المستحاضة :
27 - يجب على المستحاضة عند الشّافعيّة ، والحنابلة الاحتياط في طهارتي الحدث والنّجس ، فتغسل عنها الدّم ، وتحتشي بقطنةٍ أو خرقةٍ دفعاً للنّجاسة أو تقليلاً لها ، فإن لم يندفع الدّم بذلك وحده تحفّظت بالشّدّ والتّعصيب . وهذا الفعل يسمّى استثفاراً وتلجّماً ، وسمّاه الشّافعيّ التّعصيب . قال الشّافعيّة : وهذا الحشو والشّدّ واجبٌ إلاّ في موضعين : أحدهما أن تتأذّى بالشّدّ . والثّاني : أن تكون صائمةً فتترك الحشو نهاراً وتقتصر على الشّدّ والتّلجّم فإذا استوثقت على الصّفة المذكورة ، ثمّ خرج دمها بلا تفريطٍ لم تبطل طهارتها ولا صلاتها 28 - وأمّا إذا خرج الدّم لتقصيرها في التّحفّظ فإنّه يبطل طهرها . وأمّا عند الحنفيّة فيجب على المعذور ردّ عذره ، أو تقليله إن لم يمكن ردّه بالكلّيّة . وبردّه لا يبقى ذا عذرٍ . أمّا إن كان لا يقدر على الرّبط أو منع النّشّ فهو معذورٌ . وأمّا غسل المحلّ وتجديد العصابة والحشو لكلّ فرضٍ ، فقال الشّافعيّة : ينظر إن زالت العصابة عن موضعها زوالاً له تأثيرٌ ، أو ظهر الدّم على جوانبها ، وجب التّجديد بلا خلافٍ ؛ لأنّ النّجاسة كثرت وأمكن تقليلها والاحتراز عنها . فإن لم تزل العصابة عن موضعها ولا ظهر الدّم ، فوجهان عند الشّافعيّة ، أصحّهما : وجوب التّجديد كما يجب تجديد الوضوء ، والثّاني : إذ لا معنى للأمر بإزالة النّجاسة مع استمرارها ، بخلاف الأمر بتجديد طهارة الحدث مع استمراره فإنّه معهودٌ في التّيمّم . وعند الحنابلة لا يلزمها إعادة الغسل والعصب لكلّ صلاةٍ إن لم تفرّط ، قالوا : لأنّ الحدث مع قوّته وغلبته لا يمكن التّحرّز منه ، ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت « اعتكف مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم امرأةٌ من أزواجه ، فكانت ترى الدّم والصّفرة والطّست تحتها وهي تصلّي » رواه البخاريّ .
ب - حكم ما يسيل من دم المستحاضة على الثّوب :
28ـ إذا أصاب الثّوب من الدّم مقدار مقعّر الكفّ فأكثر وجب عند الحنفيّة غسله ، إذا كان الغسل مفيداً ، بأن كان لا يصيبه مرّةً بعد أخرى ، حتّى لو لم تغسل وصلّت لا يجوز ، وإن لم يكن مفيداً لا يجب ما دام العذر قائماً . أي إن كان لو غسلت الثّوب تنجّس ثانياً قبل الفراغ من الصّلاة ، جاز ألاّ تغسل ؛ لأنّ في إلزامها التّطهير مشقّةً وحرجاً . وإن كان لو غسلته لا يتنجّس قبل الفراغ من الصّلاة ، فلا يجوز لها أن تصلّي مع بقائه ، إلاّ في قولٍ مرجوحٍ . وعند الشّافعيّة إذا تحفّظت لم يضرّ خروج الدّم ، ولو لوّث ملبوسها في تلك الصّلاة خاصّةً . ولا يضرّ كذلك عند الحنابلة ؛ لقولهم : إن غلب الدّم وقطر بعد ذلك لم تبطل طهارتها .
متى يلزم المستحاضة أن تغتسل :
29 - نقل صاحب المغني في ذلك أقوالاً : الأوّل : تغتسل عندما يحكم بانقضاء حيضها أو نفاسها . وليس عليها بعد ذلك إلاّ الوضوء ويجزيها ذلك . وهذا رأي جمهور العلماء . « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيشٍ : إنّما ذلك عرقٌ وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت فدعي الصّلاة ، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدّم وصلّي ، وتوضّئي لكلّ صلاةٍ » قال التّرمذيّ : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . ولحديث عديّ بن ثابتٍ عن أبيه عن جدّه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في المستحاضة : تدع الصّلاة أيّام أقرائها ثمّ تغتسل وتصلّي ، وتتوضّأ لكلّ صلاةٍ » . الثّاني : أنّها تغتسل لكلّ صلاةٍ . روي ذلك عن عليٍّ وابن عمر وابن عبّاسٍ وابن الزّبير ، وهو أحد قولي الشّافعيّ في المتحيّرة ؛ لأنّ عائشة روت « أنّ أمّ حبيبة استحيضت ، فأمرها النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكلّ صلاةٍ » متّفقٌ عليه . إلاّ أنّ أصحاب القول الأوّل قالوا : إنّ ذكر الوضوء لكلّ صلاةٍ زيادةٌ يجب قبولها . ومن هنا قال المالكيّة والحنابلة : يستحبّ لها أن تغتسل لكلّ صلاةٍ . ويكون الأمر في الحديث للاستحباب . الثّالث : أنّها تغتسل لكلّ يومٍ غسلاً واحداً ، روي هذا عن عائشة وابن عمر وسعيد بن المسيّب . الرّابع : تجمع بين كلّ صلاتي جمعٍ بغسلٍ واحدٍ ، وتغتسل للصّبح .
وضوء المستحاضة وعبادتها :
30 - قال الشّافعيّ : تتوضّأ المستحاضة لكلّ فرضٍ وتصلّي ما شاءت من النّوافل ، لحديث فاطمة بنت أبي حبيشٍ السّابق ؛ ولأنّ اعتبار طهارتها ضرورةٌ لأداء المكتوبة ، فلا تبقى بعد الفراغ منها . وقال مالكٌ في أحد قولين : تتوضّأ لكلّ صلاةٍ ، واحتجّ بالحديث المذكور . فمالكٌ عمل بمطلق اسم الصّلاة ، والشّافعيّ قيّده بالفرض ؛ لأنّ الصّلاة عند الإطلاق تنصرف إلى الفرض ، والنّوافل أتباع الفرائض ؛ لأنّها شرعت لتكميل الفرائض جبراً للنّقصان المتمكّن فيها ، فكانت ملحقةً بأجزائها ، والطّهارة الواقعة لصلاةٍ مفروضةٍ واقعةٌ لها بجميع أجزائها ، بخلاف فرضٍ آخر لأنّه ليس بتبعٍ ، بل هو أصلٌ بنفسه . والقول الثّاني للمالكيّة : أنّ تجديد الوضوء لوقت كلّ صلاةٍ مستحبٌّ ، وهو طريقة العراقيّين من المالكيّة . وعند الحنفيّة والحنابلة : تتوضّأ المستحاضة وأمثالها من المعذورين لوقت كلّ صلاةٍ مفروضةٍ ، وتصلّي به في الوقت ما شاءت من الفرائض والنّذور والنّوافل والواجبات ، كالوتر والعيد وصلاة الجنازة والطّواف ومسّ المصحف . واستدلّ الحنفيّة بقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيشٍ : « وتوضّئي لوقت كلّ صلاةٍ » . ولا ينتقض وضوء المستحاضة بتجدّد العذر ، بعد أن يكون الوضوء في حال سيلان الدّم . قال الحنفيّة : فلو توضّأت مع الانقطاع ثمّ سال الدّم انتقض الوضوء . ولو توضّأت من حدثٍ آخر - غير العذر - في فترة انقطاع العذر ، ثمّ سال الدّم انتقض الوضوء أيضاً . وكذا لو توضّأت من عذر الدّم ، ثمّ أحدثت حدثاً آخر انتقض الوضوء . بيان ذلك : لو كان معها سيلانٌ دائمٌ مثلاً ، وتوضّأت له ، ثمّ أحدثت بخروج بولٍ انتقض الوضوء .
31 - ثمّ اختلف الحنفيّة في طهارة المستحاضة ، هل تنتقض عند خروج الوقت ؟ أم عند دخوله ؟ أم عند كلٍّ من الخروج والدّخول ؟ قال أبو حنيفة ومحمّدٌ : تنتقض عند خروج الوقت لا غير ؛ لأنّ طهارة المعذور مقيّدةٌ بالوقت فإذا خرج ظهر الحدث . وقال زفر : عند دخول الوقت لا غير ، وهو ظاهر كلام أحمد ؛ لحديث « توضّئي لكلّ صلاةٍ » وفي روايةٍ « لوقت كلّ صلاةٍ » . وقال أبو يوسف : عند كلٍّ منهما ، أي للاحتياط . وهو قول أبي يعلى من الحنابلة . وثمرة الخلاف تظهر في موضعين : أحدهما : أن يوجد الخروج بلا دخولٍ ، كما إذا توضّأت في وقت الفجر ثمّ طلعت الشّمس ، فإنّ طهارتها تنتقض عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّدٍ لوجود الخروج ، وعند زفر وأحمد لا تنتقض لعدم دخول الوقت ؛ لأنّ من طلوع الشّمس إلى الظّهر ليس بوقت صلاةٍ ، بل هو وقتٌ مهملٌ . والثّاني : أن يوجد الدّخول بلا خروجٍ ، كما إذا توضّأت قبل الزّوال ثمّ زالت الشّمس ، فإنّ طهارتها لا تنتقض عند أبي حنيفة ومحمّدٍ لعدم الخروج ، وعند أبي يوسف وزفر وأحمد تنتقض لوجود الدّخول . فلو توضّأت لصلاة الضّحى أو لصلاة العيد فلا يجوز لها أن تصلّي الظّهر بتلك الطّهارة ، على قول أبي يوسف وزفر وأحمد ، بل تنتقض الطّهارة لدخول وقت الظّهر . وأمّا على قول أبي حنيفة ومحمّدٍ فتجوز لعدم خروج الوقت . أمّا عند الشّافعيّة فينتقض وضوءها بمجرّد أداء أيّ فرضٍ ، ولو لم يخرج الوقت أو يدخل كما تقدّم . وأمّا عند المالكيّة فهي طاهرٌ حقيقةً على ما سبق .
برء المستحاضة وشفاؤها :
32 - عند الشّافعيّة إذا انقطع دم المستحاضة انقطاعاً محقّقاً حصل معه برؤها وشفاؤها من علّتها ، وزالت استحاضتها ، نظر : إن حصل هذا خارج الصّلاة :
أ - فإن كان بعد صلاتها ، فقد مضت صلاتها صحيحةً ، وبطلت طهارتها فلا تستبيح بها بعد ذلك نافلةً .
ب - وإن كان ذلك قبل الصّلاة بطلت طهارتها ، ولم تستبح تلك الصّلاة ولا غيرها . أمّا إذا حصل الانقطاع في نفس الصّلاة ففيه قولان : أحدهما : بطلان طهارتها وصلاتها . والثّاني : لا تبطل كالتّيمّم . والرّاجح الأوّل . وإذا تطهّرت المستحاضة وصلّت فلا إعادة عليها . ولا يتصوّر هذا التّفصيل عند الحنفيّة ؛ لأنّهم يعتبرونها معذورةً لوجود العذر في الوقت ولو لحظةً كما سبق . ولا يتصوّر هذا عند المالكيّة أيضاً ؛ لأنّها طاهرٌ حقيقةً . أمّا الحنابلة فعندهم تفصيلٌ . قالوا : إن كان لها عادةٌ بانقطاعٍ زمناً يتّسع للوضوء والصّلاة تعيّن فعلهما فيه . وإن عرض هذا الانقطاع لمن عادتها الاتّصال بطلت طهارتها ، ولزم استئنافها . فإن وجد الانقطاع قبل الدّخول في الصّلاة لم يجز الشّروع فيها . وإن عرض الانقطاع في أثناء الصّلاة أبطلها مع الوضوء . ومجرّد الانقطاع يوجب الانصراف إلاّ أن يكون لها عادةٌ بانقطاعٍ يسيرٍ . ولو توضّأت ثمّ برئت بطل وضوءها إن وجد منها دمٌ بعد الوضوء .
عدّة المستحاضة :
33 - سبقت الإشارة إلى بعض أحكامها . وتفصيل ذلك في مصطلح ( عدّةٌ ) .


*استحالةٌ
التّعريف
1 - من معاني الاستحالة لغةً : تغيّر الشّيء عن طبعه ووصفه ، أو عدم الإمكان . ولا يخرج استعمال الفقهاء والأصوليّين للفظ ( استحالةٍ ) عن هذين المعنيين اللّغويّين .
الحكم الإجماليّ وموطن البحث :
يختلف الحكم تبعاً للاستعمالات الفقهيّة أو الأصوليّة :
2 - الاستعمال الفقهيّ الأوّل : بمعنى تحوّل الشّيء وتغيّره عن وصفه . ومن ذلك استحالة العين النّجسة . وبم تكون الاستحالة ؟ الأعيان النّجسة ، كالعذرة ، والخمر ، والخنزير ، قد تتحوّل عن أعيانها وتتغيّر أوصافها ، وذلك بالاحتراق أو بالتّخليل ، أو بالوقوع في شيءٍ طاهرٍ ، كالخنزير يقع في الملاحة ، فيصير ملحاً . وقد اتّفق الفقهاء على طهارة الخمر باستحالتها بنفسها خلاًّ ، ويختلفون في طهارتها بالتّخليل . أمّا النّجاسات الأخرى الّتي تتحوّل عن أصلها فقد اختلفوا في طهارتها . ويفصّل ذلك الفقهاء في مبحث الأنجاس ، وكيفيّة تطهيرها ، فمن يحكم بطهارتها يقول : إنّ استحالة العين تستتبع زوال الوصف المرتّب عليها عند بعض الفقهاء . ويرتّبون على ذلك فروعاً كثيرةً ، تفصيلها في مصطلح ( تحوّلٌ ) .
3 - الاستعمال الفقهيّ الثّاني : بمعنى عدم إمكان الوقوع . ومن ذلك استحالة وقوع المحلوف عليه ، أو استحالة الشّرط الّذي علّق عليه الطّلاق ونحوه . فمن الشّرائط الّتي ذكرها الفقهاء في المحلوف عليه : ألاّ يكون مستحيل التّحقّق عقلاً أو عادةً ، أي بأن يكون متصوّر الوجود حقيقةً أو عادةً ، ويضربون لذلك أمثلةً ، كمن يحلف : لأشربنّ الماء الّذي في الكوز ، ولا ماء فيه ، وهذا في المستحيل حقيقةً . وكحلفه ليصعدنّ إلى السّماء ، فهو مستحيلٌ عادةً . وهم يختلفون في الحنث وعدمه ، والكفّارة وعدمها ، وهل يكون ذلك في يمين البرّ أو الحنث ؟ وهل الحكم يستوي في ذلك إن كانت اليمين مؤقّتةً أو مطلقةً ؟ ويفصّل الفقهاء ذلك في مسائل الأيمان ، ومسائل الطّلاق ، ومسائل العتق .
الاستعمال الأصوليّ :
4 - يستعمل الأصوليّون لفظ استحالةٍ بمعنى : عدم إمكان الوقوع ، ومن ذلك حكم التّكليف بالمستحيل لذاته أو لغيره وقد اختلف الأصوليّون في جواز التّكليف بالممتنع ، وقسّموه إلى : ممتنعٍ لذاته ، وممتنعٍ لغيره . فالممتنع لذاته ، كالجمع بين الضّدّين . اختار جمهور الأصوليّين أنّه لا يجوز التّكليف به . والمستحيل لغيره إن كانت استحالته عادةً ، كالتّكليف بحمل الجبل ، فالجمهور على جواز التّكليف به عقلاً ، وعدم وقوعه شرعاً . وإن كانت استحالته لعدم تعلّق إرادة اللّه به ، كإيمان أبي جهلٍ ، فالكلّ مجمعٌ على جوازه عقلاً ، ووقوعه شرعاً . وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .


*استحبابٌ
التّعريف
1 - الاستحباب في اللّغة : مصدر استحبّه إذا أحبّه ، ويكون الاستحباب بمعنى الاستحسان ، واستحبّه عليه : آثره . والاستحباب عند الأصوليّين غير الحنفيّة : اقتضاء خطاب اللّه العقل اقتضاءً غير جازمٍ ، بأن يجوز تركه . وضدّه الكراهية .
2 - ويرادف المستحبّ : المندوب والتّطوّع والطّاعة والسّنّة والنّافلة والنّفل والقربة والمرغّب فيه والإحسان والفضيلة والرّغيبة والأدب والحسن . وخالف بعض الشّافعيّة في التّرادف المذكور - كالقاضي حسينٍ وغيره - فقالوا : إنّ الفعل إن واظب عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فهو السّنّة ، وإن لم يواظب عليه - كأن فعله مرّةً أو مرّتين - فهو المستحبّ ، وإن لم يفعله - وهو ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد - فهو التّطوّع ، ولم يتعرّضوا للمندوب هنا لعمومه للأقسام الثّلاثة بلا شكٍّ . وهذا الخلاف لفظيٌّ ، إذ حاصله أنّ كلاًّ من الأقسام الثّلاثة ، كما يسمّى باسمٍ من الأسماء الثّلاثة كما ذكر ، هل يسمّى بغيره منها ؟ فقال البعض : لا يسمّى ، إذ السّنّة : الطّريقة والعادة ، والمستحبّ : المحبوب ، والتّطوّع : الزّيادة . والأكثر قالوا : نعم يسمّى ، ويصدق على كلٍّ من الأقسام الثّلاثة أنّه طريقةٌ أو عادةٌ في الدّين ، ومحبوبٌ للشّارع بطلبه ، وزائدٌ على الواجب . وذهب الحنفيّة إلى أنّ المستحبّ هو ما فعله النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّةً وتركه أخرى ، فيكون دون السّنن المؤكّدة كما قال التّهانويّ ، بل دون سنن الزّوائد كما قال أبو البقاء الكفويّ . ويسمّى عندهم بالمندوب لدعاء الشّارع إليه ، وبالتّطوّع لكونه غير واجبٍ ، وبالنّفل لزيادته على غيره . وإنّما سمّي المستحبّ مستحبّاً لاختيار الشّارع إيّاه على المباح . وهم بهذا يقتربون ممّا ذهب إليه القاضي حسينٌ ، لولا أنّهم يختلفون معه في التّطوّع ، حيث يجعلونه مرادفاً للمستحبّ ، ويجعله قسيماً له على ما تقدّم ، ويفرّقون بين المستحبّ وبين السّنّة بأنّها هي : الطّريقة المسلوكة في الدّين من غير التزامٍ على سبيل المواظبة ، فيخرج المستحبّ بالقيد الأخير ، إذ لا مواظبة عليه من قبل النّبيّ عليه الصّلاة والتّسليم . وبعض الحنفيّة لم يفرّق بين المستحبّات وسنن الزّوائد ، فقال : المستحبّ هو الّذي يكون على سبيل العادة ، سواءٌ أترك أحياناً أم لا . وفي نور الأنوار شرح المنار : السّنن الزّوائد في معنى المستحبّ ، إلاّ أنّ المستحبّ ما أحبّه العلماء ، والسّنن الزّوائد ما اعتاده النّبيّ عليه السلام . هذا وقد يطلق المستحبّ على كون الفعل مطلوباً ، طلباً جازماً أو غير جازمٍ ، فيشمل الفرض والسّنّة والنّدب ، وعلى كونه مطلوباً طلباً غير جازمٍ فيشمل الأخيرين فقط . حكم المستحبّ :
3 - ذهب الأصوليّون - من غير الحنفيّة - إلى أنّ المستحبّ يمدح فاعله ويثاب ، ولا يذمّ تاركه ولا يعاقب . وذلك لأنّ ترك المستحبّ جائزٌ . غير أنّ هذا التّرك إن ورد فيه نهيٌ غير جازمٍ نظر : فإن كان مخصوصاً ، كالنّهي في حديث الصّحيحين : « إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتّى يصلّي ركعتين » كان مكروهاً ، وإن كان نهياً غير مخصوصٍ ، وهو النّهي عن ترك المندوبات عامّةً المستفاد من أوامرها ، فإنّ الأمر بالشّيء يفيد النّهي عن تركه ، فيكون خلاف الأولى ، كترك صلاة الضّحى . وذلك لأنّ الطّلب بدليلٍ خاصٍّ آكد من الطّلب بدليلٍ عامٍّ . والمتقدّمون يطلقون المكروه على ذي النّهي المخصوص وغير المخصوص ، وقد يقولون في الأوّل : مكروهٌ كراهةً شديدةً ، كما يقال في المندوب : سنّةٌ مؤكّدةٌ . أمّا الحنفيّة فإنّهم ينصّون على أنّ الشّيء إذا كان مستحبّاً أو مندوباً عندهم وليس سنّةً فلا يكون تركه مكروهاً أصلاً ، ولا يوجب تركه إساءةً أيضاً فلا يوجب عتاباً في الآخرة ، كترك سنن الزّوائد ، بل أولى في عدم الإساءة وعدم استحقاق العتاب ؛ لأنّه دونها في الدّوام والمواظبة ، وإن كان فعله أفضل ولمعرفة ما تبقّى من مباحث الاستحباب ، ككون المستحبّ مأموراً به ، وهل يلزم بالشّروع فيه ؟ يرجع إلى الملحق الأصوليّ .


*استحدادٌ
التّعريف
1 - الاستحداد لغةً : مأخوذٌ من الحديدة ، يقال : استحدّ إذا حلق عانته . استعمل على طريق الكناية والتّورية . والتعريف الاصطلاحيّ لا يفترق عن المعنى اللّغويّ ، حيث عرّفه الفقهاء بقولهم : الاستحداد حلق العانة ، وسمّي استحداداً ، لاستعمال الحديدة وهي : الموسى .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإحداد :
2 - الإحداد : مصدر أحدّ . وإحداد المرأة على زوجها تركها للزّينة ، فعلى هذا يكون الاستحداد مخالفاً للإحداد ، ولا يشترك معه في وجهٍ من الوجوه .
ب - التّنوّر :
3 - التّنوّر هو : الطّلاء بالنّورة . يقال : تنوّر . تطلّى بالنّورة ليزيل الشّعر . والنّورة من الحجر الّذي يحرق ، ويسوّى من الكلس ، ويزال به الشّعر . فعلى هذا يكون الاستحداد أعمّ في الاستعمال من التّنوّر ، لأنّه كما يكون بالحديدة يكون بغيرها كالنّورة وغيرها .
حكمه التّكليفيّ :
4 - اتّفق الفقهاء على أنّ الاستحداد سنّةٌ للرّجال والنّساء على السّواء . وصرّح الشّافعيّة ، والمالكيّة دون غيرهم بالوجوب للمرأة إذا طلب منها زوجها ذلك .
دليل مشروعيّته :
5 - يستدلّ على مشروعيّة الاستحداد بالسّنّة ؛ لما روى سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه قال : الفطرة خمسٌ ، أو خمسٌ من الفطرة : الختان ، والاستحداد ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظافر ، وقصّ الشّارب » . ولما روي عن عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : عشرٌ من الفطرة : قصّ الشّارب ، وإعفاء اللّحية ، والسّواك ، والاستنشاق ، وقصّ الأظافر ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء » - قال زكريّا - ( الرّاوي ) : ونسيت العاشرة إلاّ أن تكون المضمضة .
ما يتحقّق به الاستحداد :
6 - اختلف الفقهاء فيما يتحقّق به الاستحداد على أقوالٍ . فقال الحنفيّة : السّنّة الحلق للرّجل ، والنّتف للمرأة . وقال المالكيّة : الحلق للرّجل والمرأة ، ويكره النّتف للمرأة ؛ لأنّه يعدّ من التّنمّص المنهيّ عنه ، وهذا رأي بعض الشّافعيّة . وقال جمهور الشّافعيّة : النّتف للمرأة الشّابّة ، والحلق للعجوز . ونسب هذا الرّأي إلى ابن العربيّ . وقال الحنابلة : لا بأس بالإزالة بأيّ شيءٍ ، والحلق أفضل .
وقت الاستحداد :
7 - يكره تركه بعد الأربعين ، كما أخرجه مسلمٌ من حديث أنسٍ : « وقّت لنا في قصّ الشّارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألاّ يترك أكثر من أربعين يوماً » . والضّابط في ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان والأماكن ، بشرط ألاّ يتجاوز الأربعين يوماً ، وهو التّوقيت الّذي جاء في الحديث الصّحيح .
الاستعانة بالآخرين في الاستحداد :
8 - الأصل عند الفقهاء جميعاً أنّه يحرم على الإنسان ذكراً كان أو أنثى أن يظهر عورته لأجنبيٍّ إلاّ لضرورةٍ . ويرجع إلى تفصيل ذلك في : ( استتارٌ ، وعورةٌ ) . واعتبر الفقهاء حلق العانة لمن لا يستطيع أن يحلقها بالحديدة أو يزيلها بالنّورة ضرورةً .
آداب الاستحداد :
9 - تكلّم الفقهاء على آداب الاستحداد في ثنايا الكلام على الاستحداد ، وخصال الفطرة ، والعورة . فقالوا : يستحبّ أن يبدأ في حلق العانة من تحت السّرّة ، كما يستحبّ أن يحلق الجانب الأيمن ، ثمّ الأيسر ، كما يستحبّ أن يستتر ، وألاّ يلقي الشّعر في الحمّام أو الماء ، وأن يواري ما يزيله من شعرٍ وظفرٍ .
مواراة الشّعر المزال أو إتلافه :
10 - صرّح الفقهاء باستحباب مواراة شعر العانة بدفنه ؛ لما روى الخلاّل بإسناده عن ممل بنت مشرّحٍ الأشعريّة قالت : « رأيت أبي يقلّم أظافره ، ويدفنها ويقول : رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك » . وسئل أحمد ، يأخذ الرّجل من شعره وأظافره أيلقيه أم يدفنه ؟ قال : يدفنه ، قيل : بلغك في ذلك شيءٌ ؟ قال : كان ابن عمر يدفنه . وروي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بدفن الشّعر والأظافر » ، قال الحافظ ابن حجرٍ : وقد استحبّ أصحابنا دفنها ؛ لكونها أجزاءٍ من الآدميّ ، ونقل ذلك عن ابن عمر وهو متّفقٌ عليه بين المذاهب .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:36 AM

*استحسانٌ
التّعريف
1 - الاستحسان في اللّغة : هو عدّ الشّيء حسناً ، وضدّه الاستقباح . وفي علم أصول الفقه عرّفه بعض الحنفيّة بأنّه : اسمٌ لدليلٍ يقابل القياس الجليّ يكون بالنّصّ أو الإجماع أو الضّرورة أو القياس الخفيّ . كما يطلق عند الحنفيّة - في كتاب الكراهية والاستحسان - على استخراج المسائل الحسان ، فهو استفعالٌ بمعنى إفعالٍ ، كاستخراجٍ بمعنى إخراجٍ . قال النّجم النّسفيّ : فكأنّ الاستحسان هاهنا إحسان المسائل ، وإتقان الدّلائل .
حجّيّة الاستحسان عند الأصوليّين :
2 - اختلف الأصوليّون في قبول الاستحسان ، فقبله الحنفيّة ، وردّه الشّافعيّة وجمهور الأصوليّين . أمّا المالكيّة فقد نسب إمام الحرمين القول به إلى مالكٍ ، وقال بعضهم : الّذي يظهر من مذهب مالكٍ القول بالاستحسان لا على ما سبق ، بل حاصله : استعمال مصلحةٍ جزئيّةٍ في مقابلة قياسٍ كلّيٍّ ، فهو يقدّم الاستدلال المرسل على القياس . وأمّا الحنابلة فقد حكي عنهم القول به أيضاً . والتّحقيق أنّ الخلاف لفظيٌّ ؛ لأنّ الاستحسان إن كان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليلٍ فهو باطلٌ ، ولا يقول به أحدٌ ، وإن كان هو العدول عن دليلٍ إلى دليلٍ أقوى منه ، فهذا ممّا لا ينكره أحدٌ .
أقسام الاستحسان :
ينقسم الاستحسان بحسب تنوّع الدّليل الّذي يثبت به إلى أربعة أنواعٍ :
أوّلاً - استحسان الأثر أو السّنّة :
3 - وهو أن يرد في السّنّة النّبويّة حكمٌ لمسألةٍ ما مخالفٌ للقاعدة المعروفة في الشّرع في أمثالها ؛ لحكمةٍ يراعيها الشّارع ، كبيع السّلم ، جوّزته السّنّة نظراً للحاجة ، على خلاف الأصل في بيع ما ليس عند الإنسان وهو المنع .
ثانياً - استحسان الإجماع :
4 - وهو أن ينعقد الإجماع في أمرٍ على خلاف مقتضى القاعدة ، كما في صحّة عقد الاستصناع ، فهو في الأصل أيضاً بيع معدومٍ لا يجوز ، وإنّما جوّز بالإجماع استحساناً للحاجة العامّة إليه .
ثالثاً - استحسان الضّرورة :
5 - وهو أن يخالف المجتهد حكم القاعدة نظراً إلى ضرورةٍ موجبةٍ من جلب مصلحةٍ أو دفع مفسدةٍ ، وذلك عندما يكون اطّراد الحكم القياسيّ مؤدّياً إلى حرجٍ في بعض المسائل ، كتطهير الآبار والحياض ؛ لأنّ القياس ألاّ تطهر إلاّ بجريان الماء عليها ، وفيه حرجٌ شديدٌ . رابعاً - الاستحسان القياسيّ :
6 - وهو أن يعدل عن حكم القياس الظّاهر المتبادر إلى حكمٍ مخالفٍ بقياسٍ آخر هو أدقّ وأخفى من القياس الأوّل ، لكنّه أقوى حجّةً وأسدّ نظراً . فهو على الحقيقة قياسٌ سمّي استحساناً أي قياساً مستحسناً للفرق بينهما . وذلك كالحكم على سؤر سباع الطّير ، فالقياس نجاسة سؤرها قياساً على نجاسة سؤر سباع البهائم كالأسد والنّمر ؛ لأنّ السّؤر معتبرٌ باللّحم ، ولحمها نجسٌ . والاستحسان طهارة سؤرها قياساً على طهارة سؤر الآدميّ ، فإنّ ما يتّصل بالماء من كلٍّ منهما طاهرٌ . وإنّما رجح القياس الثّاني لضعف المؤثّر في الحكم في القياس الأوّل ، وهو مخالطة اللّعاب النّجس للماء في سؤر سباع البهائم ، فإنّه منتفٍ في سباع الطّير إذ تشرب بمنقارها ، وهو عظمٌ طاهرٌ جافٌّ لا لعاب فيه ، فانتفت علّة النّجاسة فكان سؤرها طاهراً كسؤر الآدميّ ، لكنّه مكروهٌ ؛ لأنّها لا تحترز عن الميتة فكانت كالدّجاجة المخلاة . ولبيان أقسام الاستحسان الأخرى من حيث قوّته وترجيحه على القياس وبقيّة مباحثه ينظر الملحق الأصوليّ .


*استحقاقٌ
التعريف
1 - الاستحقاق لغةً : إمّا ثبوت الحقّ ووجوبه ، ومنه قوله تعالى : « فإن عثر على أنّهما استحقّا إثماً » أي : وجبت عليهما عقوبةٌ ، وإمّا بمعنى طلب الحقّ . واصطلاحاً عرّفه الحنفيّة بأنّه : ظهور كون الشّيء حقّاً واجباً للغير . وعرّفه ابن عرفة من المالكيّة بأنّه : رفع ملك شيءٍ بثبوت ملكٍ قبله بغير عوضٍ . والشّافعيّة ، والحنابلة يستعملونه بالمعنى اللّغويّ . ولم نقف للشّافعيّة والحنابلة على تعريفٍ للاستحقاق ، ولكن باستقراء كلامهم وجد أنّهم يستعملونه بالمعنى الاصطلاحيّ ، ولا يخرجون فيه عن الاستعمال اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّملّك :
2 - التّملّك ثبوت ملكيّةٍ جديدةٍ ، إمّا بانتقالها من مالكٍ إلى مالكٍ جديدٍ ، أو بالاستيلاء على مباحٍ ، والاستحقاق إخراج المستحقّ من غير المالك إلى المالك ، فالاستحقاق يختلف عن التّملّك ؛ لأنّ التّملّك يحتاج إلى إذن المالك ورضاه ، أو حكم حاكمٍ في خروج الملكيّة ، بخلاف الاستحقاق فإنّ المستحقّ يعود لمالكه ولو دون رضا المستحقّ منه .
حكم الاستحقاق :
3 - الأصل في الاستحقاق ( بمعنى الطّلب ) الجواز ، وقد يصير واجباً إذا تيسّرت أسبابه وترتّب على عدم القيام به الوقوع في الحرام ، نصّ عليه المالكيّة ، وقواعد المذاهب الأخرى لا تأبى ذلك .
إثبات الاستحقاق :
4 - يثبت الاستحقاق بالبيّنة عند عامّة الفقهاء ، والبيّنة تختلف من حقٍّ لآخر ، ومنها ما هو مختلفٌ فيه بين المذاهب في الحقّ الواحد . كذلك يثبت بإقرار المشتري للمستحقّ ، أو بنكوله عن يمين نفي العلم بالاستحقاق . هذا في الجملة ، وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في البيّنات .
ما يظهر به الاستحقاق :
5 - ذكر المالكيّة أنّ سبب الاستحقاق ( بمعنى ثبوت الحقّ ) قيام البيّنة على عين الشّيء المستحقّ أنّه ملكٌ للمدّعي ، لا يعلمون خروجه ، ولا خروج شيءٍ منه عن ملكه حتّى الآن ، وبقيّة الفقهاء لا يخالفون في ذلك ، فالبيّنة سبب إظهار الواجب لغير حائزه ، ولا بدّ من إقامتها حتّى يظهر الاستحقاق ؛ لأنّ الثّبوت كان بسببٍ سابقٍ على الشّهادة . وأمّا سبب ادّعاء العين المستحقّة فهو سبب تملّك العين المدّعاة من إرثٍ ، أو شراءٍ ، أو وصيّةٍ ، أو وقفٍ ، أو هبةٍ إلى غير ذلك من أسباب الملكيّة . وهل يشترط في دعوى الاستحقاق بيان سببه وشروطه في كلّ الدّعاوى ؟ أم في بعضها كالمال والنّكاح ونحو ذلك ؟ للفقهاء خلافٌ وتفصيلٌ . موضع استيفائه مصطلح ( دعوى ) .
موانع الاستحقاق :
6 - موانع الاستحقاق ، كما صرّح بها المالكيّة نوعان : فعلٌ ، وسكوتٌ . فالفعل : مثل أن يشتري ما ادّعاه من عند حائزه من غير بيّنةٍ - يشهدها سرّاً - قبل الشّراء بأنّي إنّما اشتريته خوف أن يغيب عليّ ، فإذا أثبته رجعت عليه بالثّمن . ولو اشتراه وهو يرى أن لا بيّنة له ، ثمّ وجد بيّنةً ، فله المطالبة . وأمّا السّكوت : فمثل أن يترك المطالبة من غير مانعٍ أمد الحيازة . وبقيّة الفقهاء لم يصرّحوا بذكر موانع الاستحقاق إلاّ أنّ قواعدهم لا تأبى المانع الأوّل . وهو الفعل ، أمّا السّكوت مدّة أمد الحيازة وكونه يبطل الاستحقاق ، فلم نقف على من صرّح به غيرهم سوى الحنفيّة ، على تفصيلٍ عندهم في مدّته ، وفي الحقوق الّتي تسقط به والّتي لا تسقط ، ويتعرّضون لذلك في باب الدّعوى .
شروط الحكم بالاستحقاق :
7 - عدّد المالكيّة للحكم بالاستحقاق ثلاثة شروطٍ ، شاركهم بعض الفقهاء في اثنين منها : الشّرط الأوّل : الإعذار إلى الحائز لقطع حجّته ، فإن ادّعى الحائز ما يدفع به الدّعوى أجّله القاضي بحسب ما يراه للإثبات . وقد صرّح الحنفيّة والمالكيّة بهذا الشّرط ، وأشار إليه غيرهم في البيّنات . الشّرط الثّاني : يمين الاستبراء ( وتسمّى أيضاً يمين الاستظهار ) ، وللمالكيّة في لزومها ثلاثة آراءٍ أشهرها : أنّه لا بدّ منها في جميع الأشياء ، قاله ابن القاسم وابن وهبٍ وابن سحنونٍ ، وهو قول أبي يوسف ، والمفتى به عند الحنفيّة . وكيفيّة الحلف كما في الحطّاب وجامع الفصولين وغيرهما : أن يحلف المستحقّ باللّه أنّه ما باعه ، ولا وهبه ، ولا فوّته ، ولا خرج عن ملكه بوجهٍ من الوجوه حتّى الآن . والشّرط الثّالث الّذي تفرّد المالكيّة بالقول به هو : الشّهادة على العين المستحقّة إن أمكن ، وهو في المنقول ، وإلاّ فعلى الحيازة ، وهو في العقار ، وكيفيّتها أن يبعث القاضي عدلين ، وقيل : أو عدلاً مع الشّهود الّذين شهدوا بالملكيّة ، فإن كانت داراً قالوا لهما مثلاً : هذه الدّار هي الّتي شهدنا فيها عند القاضي الشّهادة المقيّدة أعلاه .
الاستحقاق في البيع علم المشتري باستحقاق المبيع :
8 - يحرم شراء الشّيء المستحقّ عند العلم بالاستحقاق ، فإن حصل البيع مع علم المشتري بالاستحقاق ، فللمشتري الرّجوع بالثّمن على البائع عند الاستحقاق إذا ثبت بالبيّنة ، فإن ثبت بإقرار المشتري أو نكوله عن اليمين بالاستحقاق ، فإنّه لا يرجع عند جمهور الفقهاء ، وهو خلاف المشهور عند المالكيّة . والمشهور عند المالكيّة أنّه يرجع . وفي هذه المسألة تفصيلٌ يرد فيما يأتي .
استحقاق المبيع كلّه .
9 - إذا استحقّ المبيع كلّه فذهب الشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّ البيع يبطل ، وهو قول الحنفيّة إن كان الاستحقاق مبطلاً للملك ، وهو الاستحقاق الّذي يرد على محلٍّ لا يقبل التّملّك . وهو المفهوم من فروع مذهب المالكيّة . فإن كان الاستحقاق ناقلاً للملكيّة - وهو الّذي يرد على محلٍّ قابلٍ للتّملّك - كان العقد موقوفاً على إجازة المستحقّ ، فإن أجازه نفذ ، وإن لم يجزه انفسخ ، وهذا عند الحنفيّة ، ولهم في وقت الانفساخ بالاستحقاق ثلاثة أقوالٍ ، الصّحيح منها : أنّه لا ينفسخ العقد ما لم يرجع المشتري على البائع بالثّمن ، وقيل : ينفسخ بنفس القضاء ، وقيل : إذا قبضه المستحقّ .
الرّجوع بالثّمن :
10 - عند الفسخ يختلف الفقهاء في رجوع المشتري بالثّمن على البائع وعدمه إذا بطل البيع بالاستحقاق ، ولهم في ذلك رأيان : الأوّل : أنّ المشتري يرجع بالثّمن على البائع مطلقاً ، سواءٌ أثبت الاستحقاق بالبيّنة أم بالإقرار أم بالنّكول ، وهو قول الحنابلة ، وهو أيضاً قول الحنفيّة ، والشّافعيّة إن ثبت الاستحقاق بالبيّنة . وقال المالكيّة : إن لم يعلم المشتري بصحّة ملك البائع ولا عدمه يرجع . وكذلك إن علم عدم ملك البائع على المشهور نظراً لسبق ظلم البائع ، لبيعه ما ليس في ملكه ، فهو أحقّ بالحمل عليه . الثّاني : أنّ المشتري لا يرجع على البائع إن أقرّ المشتري باستحقاق المبيع ، أو نكل عن اليمين ، وهو قول الحنفيّة ، والشّافعيّة ، وقد علّل الشّافعيّة ذلك بتقصير المشتري باعترافه بالاستحقاق مع الشّراء ، أو بنكوله . وهو قول ابن القاسم من المالكيّة ، إن أقرّ المشتري أنّ جميع المبيع للبائع ، وقال أشهب وغيره : لا يمنع إقراره من الرّجوع .
استحقاق بعض المبيع :
11 - يختلف الفقهاء كذلك إن حصل الاستحقاق في البعض دون الكلّ حسب الأقوال التّالية :
أ - بطلان البيع في الجميع سواءٌ أكان المبيع قيميّاً أم مثليّاً ، وهو روايةٌ عند الحنابلة ، وقولٌ للشّافعيّة ، واقتصر عليه الشّافعيّ في الأمّ ؛ لأنّ الصّفقة جمعت شيئين : حراماً وهو المستحقّ ، وحلالاً وهو الباقي ، فبطل بيع الجميع وهو أيضاً قول المالكيّة إن استحقّ الأكثر .
ب - تخيير المشتري بين ردّ المبيع بالفسخ ، وبين التّمسّك بالباقي والرّجوع بحصّة القدر المستحقّ والثّمن . وهو الرّواية الثّانية للحنابلة . والتّخيير أيضاً هو قول الحنفيّة لو استحقّ المبيع قبل قبضه ، سواءٌ أورث الاستحقاق في الباقي عيباً أم لا ؛ لتفرّق الصّفقة قبل التّمام ، وكذا لو استحقّ : البعض بعد القبض وأورث في الباقي عيباً .
ج - بطلان البيع في القدر المستحقّ وصحّته في الباقي ، وهو القول الآخر للشّافعيّة ، وهو أيضاً قول الحنفيّة إن استحقّ البعض بعد قبض الكلّ ، ولم يحدث الاستحقاق عيباً في الباقي ، كثوبين استحقّ أحدهما ، أو كيليٍّ أو وزنيٍّ استحقّ بعضه ، وكذا كلّ ما لا يضرّ تبعيضه . وأمّا المالكيّة فقد فرّقوا بين الاستحقاق في الشّائع وغيره ، وكون المستحقّ الثّلث أو أقلّ من الثّلث . قال البنانيّ : حاصل استحقاق البعض أن تقول : لا يخلو إمّا أن يكون شائعاً أو معيّناً فإن كان شائعاً ممّا لا ينقسم ، وليس من رباع الغلّة - أي العقارات المستغلّة - خيّر المشتري في التّمسّك والرّجوع بحصّة المستحقّ من الثّمن ، وفي ردّه لضرر الشّركة ، سواءٌ استحقّ الأقلّ أو الأكثر . وإن كان ممّا ينقسم ، أو كان متّخذاً لغلّةٍ خيّر في استحقاق الثّلث ، ووجب التّمسّك فيما دون الثّلث . وإن استحقّ جزءٌ معيّنٌ ، فإن كان مقوّماً كالعروض والحيوان رجع بحصّة البعض المستحقّ بالقيمة لا بالتّسمية . وإن استحقّ وجه الصّفقة تعيّن ردّ الباقي ، ولا يجوز التّمسّك بالأقلّ . وإن كان الجزء المعيّن مثليّاً ، فإن استحقّ الأقلّ رجع بحصّته من الثّمن ، وإن استحقّ الأكثر خيّر في التّمسّك والرّجوع بحصّته من الثّمن ، وفي الرّدّ .
12 - وكيفيّة الرّجوع هي : أن ينظر لقيمة المبيع كلّه يوم استحقاقه ، فيرجع المشتري على البائع بما يخصّه من الثّمن بميزان القيمة . مثلاً إذا قيل : قيمة المبيع كلّه ( 1000 ) وقيمة المستحقّ ( 200 ) وقيمة الباقي ( 800 ) فيكون الرّجوع عليه بخمس الثّمن .
استحقاق الثّمن :
13 - أكثر الفقهاء - خلافاً لروايةٍ ضعيفةٍ عند الحنابلة - على بطلان البيع إن استحقّ الثّمن المعيّن . قال الحنفيّة ، والمالكيّة : يرجع البائع بعين المبيع إن كان قائماً ، وبقيمته إن كان تالفاً ، ولا يرجع بقيمة المستحقّ . غير أنّ بعض الشّافعيّة قيّد التّعيين بكونه في العقد لا بعده . فإن كان الثّمن غير معيّنٍ فلا يفسد العقد باستحقاقه ، ويرجع بقيمته إن كان مقوّماً ، وبمثله إن كان مثليّاً ، مع ملاحظة خلاف الفقهاء فيما يتعيّن بالتّعيين وما لا يتعيّن به .
زيادة المبيع المستحقّ :
14 - زيادة المبيع المستحقّ محلّ خلافٍ وتفصيلٍ بين الفقهاء على النّحو التّالي : ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا كانت الزّيادة منفصلةً متولّدةً - كالولد والثّمر - وثبت الاستحقاق بالبيّنة فهي للمستحقّ . واختلف هل يجب القضاء بالزّيادة مقصوداً أو يكتفى بالقضاء بالأصل ؟ على رأيين . أمّا إذا كانت الزّيادة متّصلةً غير متولّدةٍ - كالبناء والغرس - واستحقّ الأصل ، فإنّه يخيّر المستحقّ بين أخذ الزّيادة بقيمتها مقلوعةً ، وبين أمر المأخوذ منه بقلعها مع تضمينه نقصان الأرض . ولهذا الأخير الرّجوع على البائع بالثّمن . وإذا كانت الزّيادة متّصلةً متولّدةً كالسّمن فاستحقّ الأصل فهي للمستحقّ ، وجاء في الحامديّة أنّ المأخوذ منه يرجع على بائعه بما زاد ، بأن تقوّم قبل الزّيادة وبعدها ويرجع بالفرق ( ولا يرجع المشتري على البائع بما أنفق ) . وذهب المالكيّة إلى أنّ غلّة المستحقّ من أجرةٍ أو استعمالٍ ، أو لبنٍ ، أو صوفٍ ، أو ثمرةٍ هي للمستحقّ منه من يوم وضع يده إلى يوم الحكم . وهذا في غير الغصب ، فإن كان المستحقّ مغصوباً والمشتري من الغاصب يجهل ذلك ، فالزّيادة للمستحقّ . والحنابلة كالحنفيّة في أنّ الزّيادة للمستحقّ ، سواءٌ أكانت متّصلةً أم منفصلةً ، فإن أحدث فيها شيئاً كأن أتلفها أو أكل الثّمرة أخذت منه القيمة ، وإن تلفت بغير فعل المستحقّ منه فإنّه لا يغرم شيئاً ، فإن ردّت الزّيادة على المستحقّ ، فالمأخوذ منه يردّ له النّفقة أو قيمة الغراس ، إن كان قد غرس أو زرع ، والعبرة في القيمة بيوم الاستحقاق ، وذكر القاضي أبو يعلى أنّ الّذي يدفع النّفقة هو المالك ( المستحقّ ) ، ويرجع بها على من غرّ المأخوذ منه . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الزّيادة للمأخوذ منه ، وقيّدوا ذلك بما إذا أخذت العين المستحقّة ببيّنةٍ مطلقةٍ لم تصرّح بتاريخ الملك ، ولا يرجع بالنّفقة عندهم ، لأنّه بيعٌ فاسدٌ . وفصّل المالكيّة في ذلك فقالوا : إنّ الغلّة للمستحقّ مطلقاً إلاّ كانت غير ثمرةٍ ، أو ثمرةً غير مؤبّرةٍ ، ( وفي المدوّنة : إن يبست ، وفي رواية ابن القاسم : إن جذّت ) . واختلفوا في رجوع المستحقّ منه بما سقى وعالج إن كان فيه سقيٌ وعلاجٌ ، وكانت الثّمرة لم تؤبّر - كاختلافهم في الرّجوع في الرّدّ بالعيب على رأيين .
استحقاق الأرض المشتراة :
15 - إذا كانت الزّيادة غرساً أو بناءً ، كما لو اشترى أرضاً فبنى فيها أو غرس ، فأكثر الفقهاء ( الحنفيّة ، والحنابلة ، وظاهر الشّافعيّة ) على أنّ للمستحقّ قلع الزّرع والبناء . وصرّح الحنابلة ، وهو ظاهر الشّافعيّة بأنّ المشتري يرجع على البائع بما غرم من ثمنٍ أقبضه ، وأجرة الباني ، وثمن مؤنٍ مستهلكةٍ ، وأرش نقصٍ بقلعٍ ونحو ذلك ؛ لأنّ البائع غرّ المشتري ببيعه إيّاها ، وأوهمه أنّها ملكه ، وكان سبباً في غراسه وبنائه وانتفاعه فرجع عليه بما غرمه ، قال الحنابلة : والقيمة تعتبر بيوم الاستحقاق . أمّا عند الحنفيّة فيرجع بالثّمن ، ولا يرجع بقيمة الشّجرة ، ولا بما ضمن من نقصان الأرض ، هذا إن استحقّت قبل ظهور الثّمر ، فإن كان الاستحقاق بعد ظهور الثّمر - بلغ الجذاذ أو لم يبلغ - كان للمستحقّ قلع الشّجر أيضاً ، فإن كان بائع الأرض حاضراً كان للمشتري أن يرجع على البائع بقيمة الشّجر نابتاً في الأرض ، ويسلّم الشّجر قائماً إلى البائع ، ولا يرجع على البائع بقيمة الثّمر ، ويجبر المشتري على قطع الثّمر بلغ أو لم يبلغ . ويجبر البائع على قلع الشّجر ، وإن اختار المستحقّ أن يدفع إلى المشتري قيمة الشّجر مقلوعاً ويمسك الشّجر ، وأعطاه القيمة ثمّ ظفر المشتري بالبائع ، فإنّه يرجع على البائع بالثّمن ، ولا يرجع بقيمة الشّجر ، ولا يكون للمستحقّ أن يرجع على البائع ولا على المشتري بنقصانٍ . وأمّا المالكيّة فليس للمستحقّ عندهم قلع البناء والغرس والزّرع ، وقال الدّردير من المالكيّة : إن غرس ذو الشّبهة أو بنى ، وطالبه المستحقّ ، قيل للمالك : أعطه قيمته قائماً منفرداً عن الأرض ، فإن أبى المالك فللغارس أو الباني دفع قيمة الأرض بغير غرسٍ وبناءٍ ، فإن أبى فهما شريكان بالقيمة ، هذا بقيمة أرضه ، وهذا بقيمة غرسه أو بنائه ، ويعتبر التّقويم يوم الحكم لا يوم الغرس والبناء . ويستثنى من ذلك الأرض الموقوفة ، وتفصيله في موطنه . وقد صرّح المالكيّة بأنّ للمستحقّ كراء تلك السّنة ، إن كانت تزرع مرّةً واحدةً في السّنة ، وكان الاستحقاق قبل فوات وقت ما تراد تلك الأرض لزراعته ، فلو استحقّت بعد فوات إبّان الزّرع فلا شيء لمستحقّها ؛ لأنّ الزّارع قد استوفى المنفعة ، والغلّة له . وغرس المكتري ، والموهوب له ، والمستعير ، كغرس المشتري عند المالكيّة والحنابلة في امتناع القلع . وهذا كلّه إذا كان هناك شبهةٌ ، كأن لم يعلم أنّها ليست للبائع ، أو المؤجّر ونحوهما . وقد نقل ابن رجبٍ مثل هذا في قواعده عن أحمد ، وقال : لم يصحّ عن أحمد غيره .
الاستحقاق في الصّرف :
16 - إذا استحقّ العوضان في الصّرف ( بيع النّقد بالنّقد ) أو أحدهما ، فللفقهاء في بطلانه وعدمه ثلاثة آراءٍ :
أ - بطلان العقد وهو قول الشّافعيّة ، والمذهب عند الحنابلة ، وهو قول المالكيّة أيضاً في المصوغ مطلقاً ، سواءٌ أكان قبل التّفرّق وطول المجلس أم بعده ؛ لأنّ المصوغ يراد لعينه فغيره لا يقوم مقامه ، وفي المس****ن ، أو المسكوك والمصوغ إن استحقّ المسكوك بعد افتراق المتصارفين ، أو قبل أن يفترقا ولكن بعد طول المجلس طولاً لا يصحّ معه الصّرف ، ومع البطلان لا يجوز البدل ، ويعني بالمسكوك ما قابل المصوغ ، فيشمل التّبر والمصوغ المكسور .
ب - صحّة العقد وهو مذهب الحنفيّة ، وروايةٌ عن أحمد ، وهو قول المالكيّة أيضاً في المسكوك إن كان الاستحقاق قبل التّفرّق وطول المجلس . وللعاقد إعطاء بدل المستحقّ ، وهل الإبدال على سبيل التّراضي أو الإجبار ؟ لم أجد من صرّح بالإجبار إلاّ متأخّري المالكيّة في طريقةٍ من طريقتين لهم ، والأخرى بالتّراضي .
ج - البطلان في الدّراهم المعيّنة ، وعدمه في غيرها قبل التّفرّق وطول المجلس ، وهو قول أشهب من المالكيّة .
استحقاق المرهون :
17 - إن استحقّ المرهون المعيّن كلّه بطل الرّهن اتّفاقاً ، وإن استحقّ المرهون المعيّن قبل القبض خيّر المرتهن بين فسخ عقد المداينة من بيعٍ ونحوه ، وبين إمضائه مع إبقاء الدّين بلا رهنٍ ، وكذلك يخيّر المرتهن إن كان الاستحقاق بعد القبض وغرّه . الرّاهن ، فإن لم يغرّه بقي الدّين بلا رهنٍ ، وإن كان المرهون غير معيّنٍ واستحقّ بعد قبضه أجبر الرّاهن على الإتيان برهنٍ بدله على القول الرّاجح ، ولا يتصوّر استحقاق غير المعيّن قبل قبضه .
18 - لو استحقّ بعض المرهون ففي بطلان الرّهن وبقائه ثلاثة آراءٍ :
أ - صحّة الرّهن ، والباقي من المرهون رهن جميع الدّين ، وهو قول المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة .
ب - بطلان الرّهن ، وهو قول الحنفيّة ، إن كان الباقي ممّا لا يجوز رهنه ابتداءً عندهم ، كأن كان مشاعاً .
ج - بطلان الرّهن بحصّته ، والباقي من المرهون رهنٌ بحصّته من الدّين ، وهو قول ابن شعبان من المالكيّة ، وهو قول الحنفيّة إن كان الباقي ممّا يجوز رهنه ابتداءً .
تلف المرهون المستحقّ في يد المرتهن :
19 - لو تلفت العين المرهونة في يد المرتهن ، ثمّ استحقّت ، فللعلماء فيمن يضمن العين التّالفة المرهونة ثلاثة آراءٍ :
أ - للمستحقّ تضمين الرّاهن أو المرتهن ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما متعدٍّ ، أمّا الرّاهن فإنّه متعدٍّ بالتّسليم ، وأمّا المرتهن فإنّه متعدٍّ بالقبض ، واستقرار الضّمان على الرّاهن فلا يرجع على غيره لو ضمن ، فإن ضمن المرتهن رجع على الرّاهن بما ضمن وبدينه ، وهو قول الحنفيّة ، والشّافعيّة ، إلاّ أنّ الشّافعيّة اشترطوا أن يكون المرتهن جاهلاً ، فإن كان عالماً فالقرار عليهما .
ب - للمستحقّ تضمين الرّاهن أو المرتهن واستقرار الضّمان على المرتهن ، فإن ضمن لم يرجع على أحدٍ ، وهو قول الحنابلة إن علم المرتهن بالغصب ، وإن ضمن الرّاهن رجع على المرتهن ، فإن لم يعلم بالغصب حتّى تلف بتفريطٍ فالحكم كذلك ؛ لأنّ الضّمان يستقرّ عليه ، فإن تلف بغير تفريطٍ ففيه ثلاثة أوجهٍ : أحدها : يضمن المرتهن ويستقرّ الضّمان عليه ؛ لأنّ مال غيره تلف تحت يده العادية . والثّاني : لا ضمان عليه لأنّه قبضه على أنّه أمانةٌ من غير علمه ، فلم يضمنه كالوديعة ، فعلى هذا يرجع المالك على الغاصب لا غيره . والثّالث : أنّ للمالك تضمين أيّهما شاء ، ويستقرّ الضّمان على الغاصب ، فإن ضمن الغاصب لم يرجع على أحدٍ ، وإن ضمن المرتهن رجع على الغاصب لأنّه غرّه فرجع عليه .
ج - للمستحقّ تضمين المرتهن إن حدث التّلف قبل ظهور الاستحقاق ، فإن حصل الاستحقاق وتركها المستحقّ تحت يد المرتهن بلا عذرٍ فلا يضمن ، لأنّ المرهون خرج عن الرّهنيّة بالاستحقاق وصار المرتهن أميناً فلا يضمن ، وهذا ما صرّح به المالكيّة .
استحقاق المرهون بعد بيع العدل له :
20 - إذا وضع المرهون بيد عدلٍ ، وباعه العدل برضا الرّاهن والمرتهن ، وأوفى المرتهن الثّمن ، ثمّ استحقّ المرهون المبيع ، فللفقهاء فيمن يرجع وعلى من يرجع آراءٌ :
أ - رجوع المستحقّ على العدل أو الرّاهن ، وهو قول الحنفيّة إن كان المبيع هالكاً ، فإن ضمن الرّاهن قيمته صحّ البيع والقبض ؛ لأنّه ملكه بأداء الضّمان فتبيّن أنّه باع ملك نفسه ، وإن ضمن العدل كان العدل بالخيار إن شاء رجع على الرّاهن بالقيمة ؛ لأنّه وكيلٌ من جهته عاملٌ له ، فيرجع عليه بما لحقه من العهدة ، ونفذ البيع وصحّ اقتضاء المرتهن لدينه ، وإن شاء العدل رجع على المرتهن ؛ لأنّه تبيّن أنّه أخذ الثّمن بغير حقٍّ ، وإذا رجع بطل اقتضاء المرتهن دينه منه ، فيرجع على الرّاهن بدينه . فإن كان المبيع قائماً أخذه المستحقّ من المشتري ؛ لأنّه وجد عين ماله ، ثمّ يرجع المشتري على العدل بالثّمن ، لأنّه العاقد ، فتتعلّق به حقوق العقد لصيرورته وكيلاً بعد الإذن بالبيع ، وهذا من حقوقه حيث وجب له بالبيع ، وإنّما أدّاه ليسلم له المبيع ولم يسلم . ثمّ العدل بالخيار إن شاء رجع على الرّاهن بالقيمة ؛ لأنّه هو الّذي أدخله في هذه العهدة فيجب عليه تخليصه ، وإذا رجع عليه صحّ قبض المرتهن ؛ لأنّ المقبوض سلم له ، وإن شاء رجع على المرتهن ؛ لأنّه إذا انتقض العقد بطل الثّمن ، وقد قبض ثمناً فيجب نقض قبضه ضرورةً ، وإذا رجع عليه عاد حقّ المرتهن كما كان فيرجع به على الرّاهن .
ب - رجوع المشتري على الرّاهن ؛ لأنّ المبيع له ، فالعهدة عليه ، ولا يرجع على العدل إن علم أنّه وكيلٌ ، فإن لم يعلم بالمال رجع عليه ، وهو مذهب الحنابلة .
ج - رجوع المستحقّ على المرتهن بالثّمن وإجازة البيع ، ويرجع المرتهن على الرّاهن ، وهو قولٌ للمالكيّة ، وقال ابن القاسم ، يرجع على الرّاهن إلاّ أن يكون مفلساً فيرجع على المرتهن ، ورأى المالكيّة هذا عند تسليم السّلطان الثّمن للمرتهن ، إذ لم يظهر نصٌّ صريحٌ لهم في ضمان العدل غير السّلطان .
د - تخيير المشتري في الرّجوع على العدل ، ( ما لم يكن العدل حاكماً أو مأذوناً من قبل الحاكم ) أو الرّاهن ، أو المرتهن إذا كان المرتهن قد تسلّم الثّمن ، وهو قول الشّافعيّة .
استحقاق ما باعه المفلس :
21 - المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة على أنّه لو استحقّ ما باعه المفلس قبل الحجر فالمشتري يشارك الغرماء من غير نقص القسمة ، إن كان الثّمن تالفاً وتعذّر ردّه ، وإن كان غير تالفٍ فالمشتري أولى به . وإن استحقّ شيءٌ بعد أن باعه الحاكم قدّم المشتري بالثّمن على باقي الغرماء ، صرّح بذلك الشّافعيّة والمالكيّة ، وفي قولٍ عند الشّافعيّة يحاصّ الغرماء . وهذه المسألة لا يمكن تصوّرها على قول أبي حنيفة إذ لا يرى جواز الحجر بالإفلاس ، ولكن يمكن تصوّرها على قول الصّاحبين ، إذ أنّهما قالا بالحجر على المفلس بشروطه ، ولكن لم يتعرّض الحنفيّة لهذه المسألة بالذّات تفريعاً على قولهما فيما اطّلعنا عليه .
الاستحقاق في الصّلح :
22 - يفرّق الحنفيّة والحنابلة في الصّلح بين أن يكون عن إقرارٍ ، أو عن إنكارٍ ، أو سكوتٍ . فإن كان الصّلح عن إقرارٍ ، فهو بمنزلة البيع عندهم ، بالنّسبة لطرفي الصّلح ، وقد تقدّم حكم الاستحقاق في المبيع . أمّا إذا كان الصّلح عن إنكارٍ أو سكوتٍ ، فهو في حقّ المدّعي معاوضةٌ ، وفي حقّ المدّعى عليه افتداءٌ لليمين وقطعٌ للخصومة ، وينبني عليه أنّه إذا استحقّ بدل الصّلح كلّه يبطل الصّلح ، ويعود المدّعي إلى الخصومة ، وإذا استحقّ بعضه عاد المدّعي للخصومة في ذلك البعض . أمّا إذا استحقّ محلّ النّزاع ( المصالح عنده ) فإنّ المدّعى عليه يرجع على المدّعي بكلّ البدل أو بعضه ؛ لأنّ المدّعي إنّما أخذ البدل بدون وجه حقٍّ فلصاحبه استرداده . وعند المالكيّة إن كان الصّلح عن إقرارٍ فاستحقّ بدل الصّلح رجع المدّعي بالعين المدّعاة إن كانت قائمةً ، فإن فاتت رجع بعوضها - وهو القيمة - إن كانت قيميّةً ، والمثل إن كانت مثليّةً ... فإن كان الصّلح عن إنكارٍ واستحقّ بدل الصّلح رجع بالعوض مطلقاً ، ولا يرجع بالعين ولو كانت قائمةً . أمّا إن استحقّ المصالح عنه وهو محلّ النّزاع ، فإن كان الصّلح عن إنكارٍ رجع المدّعى عليه على المدّعي بما دفع له إن كان قائماً ، فإن فات رجع بقيمته إن كان قيميّاً ، وبمثله إن كان مثليّاً . وإن كان الصّلح عن إقرارٍ لا يرجع المقرّ على المدّعي بشيءٍ لاعترافه أنّه ملكه ، وأنّ المستحقّ أخذه منه ظلماً . وعند الشّافعيّة لا صلح إلاّ مع الإقرار ، فإن استحقّ بدل الصّلح وكان معيّناً بطل الصّلح ، سواءٌ استحقّ كلّه أو بعضه ، وإن كان بدل الصّلح غير معيّنٍ ، أي موصوفاً في الذّمّة أخذ المدّعي بدله ، ولا ينفسخ الصّلح .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:36 AM

استحقاق عوض الصّلح عن دم العمد :
23 - يصحّ الصّلح عن دم العمد على مالٍ ، فإن استحقّ العوض فلا يبطل الصّلح ، ويأخذ المستحقّ عوض المستحقّ عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة . وعند الشّافعيّة يرجع إلى أرش الجناية .
ضمان الدّرك :
24 - من الفقهاء من قال : إنّ ضمان الدّرك استعمل في ضمان الاستحقاق عرفاً ، وهو أن يضمن الثّمن عند استحقاق المبيع ، ومنهم من جعله نوعاً من ضمان العهدة ، ومنهم من قال : إنّ ضمان الدّرك هو ضمان العهدة . ويتّفق الفقهاء على أنّه يجوز ضمان الثّمن عند استحقاق المبيع لمسيس الحاجة إلى ذلك ، في نحو غريبٍ لو خرج مبيعه أو ثمنه مستحقّاً لم يظفر به . ولتفصيل القول في ضمان الدّرك ( ر : ضمان الدّرك ) .
الاستحقاق في الشّفعة :
25 - يتّفق الفقهاء على أنّه لو استحقّ المشفوع بطلت الشّفعة ، ورجع الشّفيع بالثّمن على من أخذه منه ، وقرار الضّمان ( أي نهايته ) على البائع . ويختلفون عند استحقاق الثّمن الّذي وقع عليه البيع الأوّل ، ولهم في ذلك رأيان :
أ - الأوّل : بطلان البيع والشّفعة ، وهو قول الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وقول غير المقدّم عند المالكيّة إن كان الثّمن معيّناً ؛ لأنّ مالكه لم يأذن فيه ، ويرجع الشّفيع بمثل ما دفع ، وهو قول المالكيّة إن كان الاستحقاق قبل الأخذ بالشّفعة حيث كان الثّمن غير نقدٍ .
ب - والثّاني : صحّة الشّفعة ، وهو قول المالكيّة الّذي هو المذهب إن حصل الاستحقاق بعد الأخذ بالشّفعة ، ويرجع البائع بقيمة الشّفعة لا بقيمة المستحقّ ، إلاّ إن كان المستحقّ نقداً مسكوكاً فيرجع بمثله . أمّا إن كان الثّمن غير معيّنٍ فيصحّ البيع والشّفعة اتّفاقاً - كأن اشترى في الذّمّة ودفع عمّا فيها فخرج المدفوع مستحقّاً - وأبدل الثّمن بما يحلّ محلّه في الأخذ بالشّفعة عند صحّة البيع والشّفعة . فإن استحقّ بعض الثّمن المعيّن بطل البيع فيه عند الشّافعيّة والحنابلة ، وصحّ في الباقي عند الشّافعيّة ، وفيه خلافٌ عند الحنابلة بناءً على روايتي تفريق الصّفقة . وإن دفع الشّفيع بدلاً مستحقّاً لم تبطل شفعته عند الشّافعيّة والمالكيّة ، زاد الشّافعيّة : وإن علم أنّه مستحقٌّ ، لأنّه لم يقصّر في الطّلب والأخذ ، سواءٌ أكان بمعيّنٍ أم لا ، فإن كان بمعيّنٍ احتاج إلى تملّكٍ جديدٍ .
الاستحقاق في المساقاة :
26 - الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة على أنّ المساقاة تنفسخ باستحقاق الأشجار ، ولا حقّ للعامل في الثّمرة حينئذٍ ؛ لأنّه عمل فيها بغير إذن المالك . وللعامل على من تعاقد معه أجرة المثل ، غير أنّ الحنفيّة اشترطوا لوجوب الأجرة ظهور الثّمر ، فإن لم تظهر الثّمار حتّى استحقّت الأشجار فلا أجرة ، وقال الشّافعيّة : إنّ الأجرة تستحقّ في حالة جهله بالاستحقاق ؛ لأنّ الّذي تعاقد معه غرّه ، فإن علم فلا أجرة له . ولو خرج الثّمر في الشّجر ثمّ استحقّت الأرض ، فالكلّ للمستحقّ ( الأرض والشّجر والثّمر ) ويرجع العامل على من تعاقد معه بأجر مثل عمله . وقال المالكيّة : إنّ المستحقّ مخيّرٌ بين إبقاء العامل وبين فسخ عقده ، فإن فسخ دفع له أجر عمله . والحكم في ضمان تلف الأشجار والثّمار - بعد الاستحقاق - يرجع فيه إلى باب الضّمان .
الاستحقاق في الإجارة استحقاق العين المكتراة :
27 - يختلف الفقهاء عند استحقاق العين المكتراة ، فمنهم من يقول ببطلان الإجارة ، ومنهم من يقول بتوقّفها على إجازة المستحقّ ، بالأوّل قال الشّافعيّة ، والحنابلة ، وبالثّاني قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، وهو احتمالٌ عند الحنابلة ، بناءً على جواز بيع الفضوليّ وتوقّفه على إجازة المالك كذلك يختلفون فيمن يستحقّ الأجرة ، ولهم في هذا ثلاثة آراءٍ :
أ - الأجرة للعاقد ، وهو قول الحنفيّة إن كانت الإجازة بعد استيفاء المنفعة ، ولا اعتبار للإجازة حينئذٍ ، وهو قول المالكيّة إن كان الاستحقاق بعد الأمد ، وهو قول الشّافعيّة إن كانت العين المكتراة غير مغصوبةٍ ؛ لأنّه استحقّها بالملك ظاهراً .
ب - إنّ الأجرة للمستحقّ ، وهو قول الحنابلة ، وهو قول الحنفيّة إن كانت الإجازة قبل استيفاء المنفعة ، وكذا إن كانت بعد استيفاء بعض المنفعة في قول أبي يوسف ، وهو قول الشّافعيّة إن كانت العين المؤجّرة مغصوبةً ويجهل المستأجر الغصب . ويرجع المالك على الغاصب أو المستأجر عند الشّافعيّة بالمنفعة الّتي استوفاها ، والقرار ( أي نهاية الضّمان ) على المستأجر إن كان قد استوفى المنفعة ، فإن لم يستوفها فقرار الضّمان على المؤجّر الغارّ . ويرجع المستحقّ عليهما أيضاً عند الحنابلة والقرار على المستأجر ، وفي المواهب السّنيّة أنّ الأرض الموقوفة المستحقّة إن آجرها النّاظر وأخذ الأجرة وسلّمها للمستحقّين ، فإنّ المالك يرجع على المستأجر لا على النّاظر ، ورجوع المستأجر على من أخذ دراهمه .
ج - أجر ما مضى للعاقد ، وما بعده للمستحقّ ، وهو قول المالكيّة ، وهو قول محمّد بن الحسن من الحنفيّة ، ويتصدّق العاقد عنده بنصيبه بعد ضمان النّقص . والمراد بما مضى عند المالكيّة ما قبل الحكم بالاستحقاق .
تلف العين المستحقّة المكتراة :
28 - لو تلفت العين المؤجّرة أو نقصت ثمّ ظهر أنّها مستحقّةٌ فللمستحقّ تضمين المستأجر أو المؤجّر ، والقرار على المؤجّر ، هذا عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة . والرّجوع يكون بأعلى قيمةٍ من يوم الغصب إلى يوم التّلف عند الشّافعيّة ، والحنابلة ؛ لأنّها مغصوبةٌ في الحال الّتي زادت فيها قيمتها ، فالزّيادة لمالكها مضمونةٌ على الغاصب . وقال المالكيّة : يرجع المستحقّ على المكتري إن كان متعدّياً ، ولا يرجع عليه إذا لم يتعدّ وفعل ما يجوز له ، فلو اكترى داراً فهدمها ، ثمّ ظهر مستحقٌّ ، فله أخذ النّقص إن وجده وقيمة الهدم من الهادم ، أي قيمة ما أفسد الهدم من البناء .
استحقاق الأجرة :
29 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ الأجرة لو استحقّت فإمّا أن تكون مثليّةً أو عيناً قيميّةً ، فإن كانت الأجرة عيناً قيميّةً واستحقّت بطلت الإجارة ، وتجب قيمة المنفعة ( أجر المثل ) لا قيمة البدل ، وإن كانت الأجرة مثليّةً لم تبطل الإجارة ويجب المثل . فلو دفع عشرة دراهم أجرةً فاستحقّت ينبغي أن تجب عشرةٌ مثلها لا قيمة المنفعة . وقال المالكيّة : إن استحقّت الأجرة المعيّنة من يد المؤجّر ، كالدّابّة ونحوها ، فإن كان الاستحقاق قبل حرث الأرض المؤجّرة أو قبل زرعها ، فإنّ الإجارة تنفسخ من أصلها ، ويأخذ الأرض صاحبها ، وإن استحقّت بعد حرث الأرض أو زرعها فإنّ الإجارة بين المؤجّر والمستأجر لا تنفسخ ، وفي هذه الحالة إن أخذ المستحقّ ماله من المؤجّر ، ولم يجز الإجارة ، كان للمؤجّر على المستأجر أجرة المثل ، وتبقى الأرض له ، كما كانت أوّلاً . وإن لم يأخذ المستحقّ ماله من المؤجّر وأبقاه له وأجاز الإجارة ، فإن دفع للمستأجر أجرة حرثه كان الحقّ له في منفعة الأرض مدّة الإجارة ، وإن أبى المستحقّ دفع أجرة الحرث قيل للمستأجر : ادفع للمستحقّ أجرة الأرض ، ويكون لك منفعتها ، فإن دفع انتهى الأمر ، وإن لم يدفع قيل له : سلّم الأرض له مجّاناً مدّة الإجارة بلا مقابلٍ عن الحرث . أمّا إذا كانت الأجرة شيئاً غير معيّنٍ كالنّقود والمكيل والموزون واستحقّ ، فإنّ الإجارة لا تنفسخ ، سواءٌ أكان الاستحقاق قبل الحرث أم بعده ، وذلك لقيام عوضه مقامه .
استحقاق الأرض الّتي بها غراسٌ أو بناءٌ للمستأجر :
30 - لو استحقّت الأرض المؤجّرة وقد غرس فيها المستأجر ، فإنّ الفقهاء يختلفون في قلع الغراس ، وفي إبقائه وتملّكه ، ولهم في ذلك ثلاثة آراءٍ :
أحدها : للمستحقّ قلع الغراس دون مقابلٍ . وهو قول الحنفيّة فيما بعد انقضاء المدّة والشّافعيّة . قال الشّافعيّة : وليس للمالك تملّك الغراس بالقيمة أو الإبقاء له بالأجرة ؛ لتمكّن الغاصب من القلع . ويغرّم المستأجر المؤجّر قيمة الشّجر مقلوعاً عند الحنفيّة ، وعند الشّافعيّة يرجع المستأجر بالأرش على الغاصب لشروعه في العقد على ظنّ السّلامة . والثّاني : للمستحقّ تملّك الغراس بقيمته قائماً ، وهو قول المالكيّة إن فسخ المستحقّ قبل مضيّ المدّة ، وليس له قلع الغراس ولا دفع قيمته مقلوعاً ، لأنّ المكتري غرس بوجه شبهةٍ ، فإن أبى المستحقّ دفع قيمة الغراس قائماً قيل للمكتري : ادفع له قيمة الأرض ، فإن أبى كانا شريكين : المكتري بقيمة غرسه ، والمستحقّ بقيمة أرضه ، فإن أجاز بعد مضيّ المدّة يدفع قيمة الغراس مقلوعاً بعد طرح أجر القلع .
الثّالث : تملّك المستحقّ للغراس بما أنفقه المستأجر على الغراس ، وهو المنصوص عند الحنابلة ، والمتوجّه على قول القاضي ومن وافقه أنّ غرسه كغرس الغاصب ، ولهم قولٌ آخر ، وهو أنّ الغراس للمستأجر ، وعليه الأجرة لصاحب الأرض ، ويرجع على من آجره . والبناء كالغراس عند فقهاء المذاهب الأربعة .
استحقاق الهبة بعد التّلف :
31 - للعلماء عند استحقاق الهبة التّالفة اتّجاهان :
أ - تخيير المستحقّ بين الرّجوع على الواهب أو على الموهوب له ، أمّا على الواهب فلأنّه سبب إتلاف ماله ، وأمّا على الموهوب له فلأنّه هو المستهلك له ، وهو قول المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، غير أنّ المالكيّة جعلوا الرّجوع على الموهوب له عند تعذّر الرّجوع على الواهب ، ويكون للموهوب له من الغلّة قيمة عمله وعلاجه . فإن رجع على الواهب فلا شيء له على الموهوب له ، صرّح بذلك الشّافعيّة ، والحنابلة . وإن رجع على الموهوب له رجع هذا على الواهب عند الحنابلة ، ذكر ذلك صاحب كشّاف القناع قولاً واحداً ، وشهّره ابن رجبٍ لأنّه دخل على أنّه غير ضامنٍ لشيءٍ فهو مغرورٌ . والخلاف يجري كذلك في رجوع الموهوب له على الواهب عند الشّافعيّة ، وقيل : لا يرجع على الواهب ؛ لأنّ الواهب لم يأخذ منه عوضاً فيرجع بعوضه ، وإنّما هو رجلٌ غرّه من أمرٍ قد كان له ألاّ يقبله .
ب - الرّجوع على الموهوب له دون الواهب ، وهو قول الحنفيّة ؛ لأنّ الهبة عقد تبرّعٍ والواهب غير عاملٍ له ، فلا يستحقّ الموهوب له السّلامة ، ولا يثبت به الغرور ؛ ولأنّ الموهوب له يقبض لنفسه .
استحقاق الموصى به :
32 - تبطل الوصيّة باستحقاق الموصى به ، فإن استحقّ بعضه بقيت الوصيّة في الباقي ، لأنّها تبطل بخروج الموصى به عن ملك الموصي ، وبالاستحقاق تبيّن أنّه أوصى بمالٍ غير مملوكٍ له ، والوصيّة بما لا يملك باطلةٌ .
استحقاق الصّداق :
33 - يتّفق الفقهاء على أنّ النّكاح لا يبطل باستحقاق الصّداق ، لأنّه ليس شرطاً لصحّة النّكاح . لكنّهم يختلفون فيما يجب للزّوجة عند الاستحقاق ، ولهم في ذلك اتّجاهان :
الأوّل : الرّجوع بقيمة المتقوّم ومثل المثليّ وهو مذهب الحنفيّة ، والحنابلة ، وهو قولٌ للشّافعيّة ، والمالكيّة معهم في المثليّ مطلقاً ، وفي المتقوّم إن كان معيّناً ، فإن كان متقوّماً موصوفاً رجعت بالمثل .
والثّاني : الرّجوع بمهر المثل ، وهو قول الشّافعيّة .
استحقاق العوض في الخلع :
34 - اتّفق فقهاء المذاهب المشهورة على أنّ الخلع لا يبطل بخروج العوض مستحقّاً ، واختلفوا فيما يجب للزّوج عند الاستحقاق ، ولهم في ذلك اتّجاهان :
أحدهما : الرّجوع بالقيمة أو بالمثل ، وهو مذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ؛ لتعذّر تسليم العوض مع بقاء السّبب الموجب تسليمه ، وهو الخلع إذ هو لا يقبل النّقض بعد تمامه . إلاّ أنّ الحنابلة قالوا بالقيمة إن كان العوض مقوّماً ، وبالمثل إن كان مثليّاً ، وقال المالكيّة بوجوب القيمة إن كان معيّناً ، فإن كان موصوفاً ففيه المثل .
والثّاني : بينونة المرأة بمهر المثل ، وهو قول الشّافعيّة ، لأنّه المراد عند فساد العوض .
استحقاق الأضحيّة :
35 - الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة على أنّ الأضحيّة المستحقّة لا تجزئ عن الذّابح ولا عن المستحقّ ، استثنى الحنفيّة من ذلك ما لو ضمّنه المالك قيمتها فإنّها تجزئ عن الذّابح . وفي لزوم البدل قال الحنفيّة ، يلزم كلاًّ منهما أن يضحّي عند عدم الإجزاء ، فإن فات وقت النّحر فعلى الذّابح أن يتصدّق بقيمة شاةٍ وسطٍ ، وقال الحنابلة يلزمه بدلها إن تعيّنت قبل الاستحقاق ، وكانت واجبةً قبل التّعيين ، كأن نذرها للأضحيّة ، فإن كان الاستحقاق قبل التّعيين فلا يلزمه بدلها لعدم صحّة التّعيين حينئذٍ . وقال المالكيّة : تتوقّف الأضحيّة المستحقّة على إجازة المستحقّ ، فإن أجاز البيع أجزأت قطعاً .
استحقاق بعض المقسوم :
36 - للفقهاء في بطلان القسمة وبقائها صحيحةً - عند استحقاق بعض المقسوم - اتّجاهاتٌ :
أ - أوّلها : بقاء القسمة صحيحةً إن كان المستحقّ بعضاً معيّناً وهو قول الحنفيّة ، سواءٌ عندهم في ذلك كون الجزء المستحقّ المعيّن في نصيب أحد الشّريكين أم في نصيب كلٍّ منهما ، فإن كان في نصيب أحدهما رجع على شريكه بحصّته من المستحقّ . والشّافعيّة والحنابلة يرون بقاءها صحيحةً إن كان الاستحقاق في نصيب الشّريكين على السّواء .
ب - بطلان القسمة وهو قول الحنفيّة إن كان الاستحقاق شائعاً في الكلّ ، أو شائعاً في أحد الأنصبة عند أبي يوسف . والبطلان أيضاً قول الشّافعيّة ، والحنابلة إن كان المستحقّ بعضاً شائعاً ؛ لأنّ المستحقّ شريكٌ لهما وقد اقتسما من غير حضوره ولا إذنه ، فأشبه ما لو كان لهما شريكٌ يعلّمانه فاقتسما دونه ، ومثل الشّائع عند الشّافعيّة والحنابلة أيضاً المعيّن المستحقّ في نصيب أحدهما فقط أو في نصيب أحدهما أكثر من الآخر ؛ لأنّها قسمةٌ لم تعدل فيها السّهام فكانت باطلةً .
ج - بطلان القسمة في القدر المستحقّ إن كان شائعاً وثبوت الخيار في الباقي بين إنفاذه القسمة أو إلغائها . وهو أظهر الطّريقين عند الشّافعيّة .
د - التّخيير بين التّمسّك بالباقي وعدم الرّجوع بشيءٍ ، وبين رجوعه فيما بيد شريكه بنصف قدر المستحقّ إن كان قائماً ، وإلاّ فبنصف قيمته يوم قبضه ، وهو قول المالكيّة إن استحقّ النّصف أو الثّلث ، فإن كان المستحقّ الرّبع فلا خيار له والقسمة باقيةٌ لا تنقض ، وليس له الرّجوع إلاّ بنصف قيمة ما استحقّ .
هـ - التّخيير بين إبقاء القسمة على حالها فلا يرجع بشيءٍ وبين فسخ القسمة ، وهو قول المالكيّة إن استحقّ الأكثر ، وهو ما زاد عن النّصف و - التّخيّر بين ردّ الباقي والاقتسام ثانياً ، وبين الإبقاء على القسمة والرّجوع على الشّريك بقدر ما استحقّ ، وهو قول أبي حنيفة إن استحقّ جزءٌ شائعٌ من نصيب أحدهما وحده ، وتنتقض القسمة عند أبي يوسف كما تقدّم .


*استحلالٌ
التّعريف
1 - هو مصدر استحلّ الشّيء : بمعنى اتّخذه حلالاً ، أو سأل غيره أن يحلّه له وتحلّلته واستحللته : إذا سألته أن يجعلك في حلٍّ من قبله . ويستعمله الفقهاء بالمعنى اللّغويّ ، وبمعنى اعتقاد الحلّ .
الحكم الإجماليّ :
2 - الاستحلال بمعنى : اعتبار الشّيء حلالاً ،
فإن كان فيه تحليل ما حرّمه الشّارع فهو حرامٌ ، وقد يكفر به إذا كان التّحريم معلوماً من الدّين بالضّرورة . فمن استحلّ على جهة الاعتقاد محرّماً - علم تحريمه من الدّين بالضّرورة - دون عذرٍ يكفر وسبب التّكفير بهذا أنّ إنكار ما ثبت ضرورةً أنّه من دين محمّدٍ صلى الله عليه وسلم فيه تكذيبٌ له صلى الله عليه وسلم ، وقد ضرب الفقهاء أمثلةً لذلك باستحلال القتل والزّنى ، وشرب الخمر ، ، والسّحر . وقد يكون الاستحلال حراماً ، ويفسق به المستحلّ ، لكنّه لا يكفر ، كاستحلال البغاة أموال المسلمين ودماءهم . ووجه عدم التّكفير أنّهم متأوّلون . ويترتّب على الفسق بالاستحلال حينئذٍ عدم قبول قضاء قاضيهم عند عامّة الفقهاء ، إلاّ رأياً للمالكيّة يقضي بتعقّب أقضيتهم ، فما كان منها صواباً نفذ ، وما كان على خلاف كذلك ردّ . وردّ شهادتهم كنقض قضائهم كما صرّح بذلك كثيرٌ من الفقهاء . ولتفصيل هذه الأحكام ( ر : بغيٌ ) .
وأمّا الاستحلال بمعنى : اتّخاذ الشّيء حلالاً . كاستحلال الفروج بطريق النّكاح ، فقد يكون مكروهاً ، أو مباحاً ، أو مستحبّاً .
وأمّا الاستحلال بمعنى : طلب جعل الشّخص في حلٍّ فقد يكون واجباً ، كالاستحلال من الغيبة إن علم بها المغتاب ، وقد يكون مباحاً كاستحلال الغاصب من المغصوب بدلاً من ردّ المغصوب ، وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في أحكام الغيبة والغصب .
مواطن البحث :
3 - جاء لفظ الاستحلال في كثيرٍ من المواطن ، كالقتل ، وحدّ الزّنى ، وشرب الخمر ، والبغي ، والرّدّة ، والتّوبة ، والغيبة . ويرجع في كلّ محرّمٍ إلى موطنه لمعرفة حكم استحلاله .


*استحياءٌ
التّعريف
1 - الاستحياء يأتي في اللّغة بمعانٍ متعدّدةٍ منها :
أ - بمعنى الحياء ، وهو : الانزواء والانقباض ، وقيّد بعضهم هذا الانقباض ليكون استحياءً بأن يكون انقباضاً عن القبائح . وقد ورد الاستحياء بهذا المعنى في عددٍ من آيات القرآن الكريم ، منها قوله جلّ شأنه في سورة القصص : { فجاءته إحداهما تمشي على استحياءٍ قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } وقوله عزّ وجلّ في سورة البقرة : { إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها } وقوله عزّ من قائلٍ في سورة الأحزاب { واللّه لا يستحيي من الحقّ } والاستحياء - بهذا المعنى - مرغّبٌ فيه في الجملة ، وتفصيله في مصطلح ( حياءٌ ) .
ب - بمعنى الإبقاء على الحياة ، فيقال : استحييت فلاناً إذا تركته حيّاً ولم أقتله ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة القصص : { يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم } أي يبقيهم أحياءً . واستعمل الفقهاء كلمة استحياءٍ بهذين المعنيين ، فقالوا في البكر : تستأذن في النّكاح ، وإذنها صماتها ، لأنّها تستحيي من النّطق . وقالوا في الأسرى يقعون في يد المسلمين : إن شاء أمير المؤمنين استحياهم ، وإن شاء قتلهم . وكثيراً ما يعبّرون عن الاستحياء بلفظ الإبقاء على الحياة ، فيقولون في الصّغير يأبى الرّضاع من غير أمّه : تجبر أمّه على إرضاعه إبقاءً على حياته الاستحياء بمعنى إدامة الحياة .
الألفاظ ذات الصّلة
الإحياءٌ :
2 - كلمة « إحياءٌ » تستعمل في إيجاد الحياة فيما لا حياة فيه ، كقوله تعالى : { كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً فأحياكم } . أمّا كلمة « استحياءٍ » فإنّها تستعمل في إدامة الحياة الموجودة ، وعدم إعدامها ، كما تقدّم في الأمثلة السّابقة . فالفرق بينهما أنّ الإحياء مسبوقٌ بالعدم ، بخلاف الاستحياء .
صفته : الحكم التّكليفيّ :
3 - لا يمكن اطّراد الاستحياء على حكمٍ واحدٍ ، نظراً لاختلاف أحوال الاستحياء ، بل تتعاقبه أكثر الأحكام التّكليفيّة .
فأحياناً يكون الاستحياء واجباً ، كما هو الحال في استحياء من بذلنا له الأمان ( ر : أمانٌ ) ، واستحياء الصّغير بالإجبار على الرّضاعة ( ر : رضاعٌ ) ، واستحياء الإنسان العاجز عن الكسب ، والحيوان المحبوس بالإنفاق عليه ( ر : نفقةٌ ) ، واستحياء الذّراريّ والنّساء من السّبي ( ر : سبيٌ ) ، واستحياء الجنين في بطن أمّه ( ر : إجهاضٌ ) .
وأحياناً يكون الاستحياء مكروهاً ، كاستحياء الحيوان المؤذي بطبعه .
وأحياناً يكون الاستحياء محرّماً ، كاستحياء من وجب قتله في حدٍّ ( ر : حدٌّ ) ، واستحياء ما يستفيد منه جنود العدوّ قطعاً في حربهم لنا ، كالحيوانات الّتي عجزنا عن حملها إلى بلاد المسلمين ( ر : جهادٌ ) .
وأحياناً يكون الاستحياء مباحاً ، كتخيير الإمام في أسرى المشركين بين القتل أو المنّ أو الفداء أو الاسترقاق .
المستحيي :
إمّا أن يكون هو نفس المستحيا ( كاستحياء الإنسان نفسه ) أو غيره .
استحياء الإنسان نفسه :
4 - يجب على المرء أن يعمل على استحياء نفسه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، ويكون ذلك بأمرين :
أوّلهما : بدفع التّلف عنها بإزالة سببه ، كالجوع والعطش ، وإطفاء الحريق أو الهرب منه ، كما إذا احترقت سفينةٌ ولم يمكن إطفاؤها ، وغلب على الظّنّ أنّ ركابها لو ألقوا أنفسهم في الماء نجوا ، وجب عليهم ذلك .
وليس من هذا تناول الدّواء ؛ لأنّ المرض غير مفضٍ إلى الموت حتماً ؛ ولأنّ الشّفاء بتناول الدّواء غير مقطوعٍ به ، لكن التّداوي مطلوبٌ شرعاً ؛ لحديث « تداووا عباد اللّه » فإن لم يكن في دفع التّلف عن نفسه إتلافٌ للغير ، أو لعضوٍ من أعضائه ، أو كان فيه إتلافٌ لنفسٍ غير محترمةٍ وجب عليه استحياء نفسه ، كما هو الحال في طلب الزّاد ممّن هو معه وهو مستغنٍ عنه ، أو في دفع الصّائل على النّفس . وإن كان في إحياء نفسه إتلافٌ لنفسٍ محترمةٍ ، فإنّه لا يجوز له الإقدام على هذا الإتلاف إحياءً لنفسه ؛ لأنّ الضّرر لا يزال بضرر مثله .
ثانيهما : عدم الإقدام على إماتة نفسه بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ ، أمّا إماتة نفسه بشكلٍ مباشرٍ كما إذا بعج بطنه بحديدةٍ ، أو ألقى نفسه من شاهقٍ ليموت ، فمات ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من تردّى من جبلٍ فهو في نار جهنّم ، يتردّى خالداً مخلّداً فيها أبداً ، ومن تحسّى سمّاً فسمّه بيده ، يتحسّاه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً ، ومن وجأ بطنه بحديدةٍ فحديدته في يده ، يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً » وتفصيل ذلك في كتاب الجنايات من كتب الفقه ، أو كتاب الحظر والإباحة ، عند كلامهم على الانتحار ( ر : انتحارٌ ) .
وأمّا إماتة نفسه بشكلٍ غير مباشرٍ ، كما إذا اقتحم عدوّاً ، أو مجموعةً من اللّصوص ، وهو موقنٌ أنّه مقتولٌ لا محالة ، دون أن يقتل منهم أحداً ، أو يوقع فيهم نكايةً ، أو يؤثّر فيهم أثراً ينتفع به المسلمون ؛ لأنّ هذا إلقاءٌ للنّفس في التّهلكة ، واللّه تعالى يقول : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } ، ومحلّ تفصيل ذلك كتاب الجهاد من كتب الفقه ( ر : جهادٌ ) .
5 - واستحياء نفسه مقدّمٌ على استحياء غيره ؛ لأنّ حرمة نفسه عليه فوق حرمة نفسٍ أخرى ، وبناءً على ذلك فإنّ من قتل نفسه كان إثمه أكثر ممّن قتل غيره ، ومن هنا قرّر الفقهاء أنّ المرء يكلّف بالإنفاق على نفسه أوّلاً ، ثمّ على غيره كما هو معروفٌ في النّفقات ( ر : نفقةٌ ) ، وكمن اضطرّ إلى طعام غيره استحياءً لنفسه ، وصاحب الطّعام مضطرٌّ لطعامه استحياءً لنفسه أيضاً ، فصاحب الطّعام أولى به من غيره .
استحياء الإنسان غيره :
6 - يشترط في المستحيي لغيره حتّى يجب عليه الاستحياء ما يلي :
1 - أن يكون المستحيي مكلّفاً عالماً بحاجة المستحيا إلى الاستحياء ؛ لأنّه لا يثبت الوجوب على غير المكلّف .
2 - أن يكون قادراً على الاستحياء ، فإن لم يكن قادراً عليه فإنّه لا يكلّف به ، لقوله تعالى : { لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها } ، قال في المغني : « كلّ من رأى إنساناً في مهلكةٍ فلم ينجّه منها مع قدرته على ذلك لم يلزمه ضمانه وقد أساء » وقال أبو الخطّاب : يضمنه لأنّه لم ينجّه من الهلاك مع قدرته عليه ، كما لو منعه من الطّعام والشّراب ، فالخلاف واقعٌ في الضّمان ، لا في الاستحياء ، وتفصيل ذلك في الجنايات ( ر : جنايةٌ ) . فإذا تحقّقت هذه الشّروط في مجموعةٍ من النّاس وجب الاستحياء على الأقرب منهم إلى المستحيا فالأقرب ، على حسب ترتيبهم في النّفقة ( ر : نفقةٌ ) . فإذا امتنع أحدهم عن الاستحياء انتقل الوجوب إلى من يليه ، إن كان الوقت لا يتّسع إلى إجباره على الاستحياء ، وكذا إن اختلّ فيه شرطٌ من الشّروط السّابقة ، إلى أن يصل الوجوب إلى من علم من النّاس .
المستحيا :
7 - يشترط في المستحيا حتّى يجب استحياؤه أن يكون ذا حياةٍ محترمةٍ - سواءٌ أكان إنساناً أم حيواناً - وتبدأ الحياة المحترمة بنفخ الرّوح في الجنين بلا خلافٍ . وفي ابتدائها قبل نفخ الرّوح خلافٌ . ( ر : إجهاضٌ ) . وتهدر هذه الحرمة للحياة ويسقط وجوب الاستحياء بما يلي :
أ - بإهدار اللّه تعالى لها أصلاً ، كما هو الحال في إهدار حرمة حياة الخنزير .
ب - أو بتصرّفه تصرّفاً اعتبره الشّارع موجباً لإهدار دمه ، كقتال المسلمين ( ر : بغيٌ ) ( وجهادٌ ) والقتل ( ر : جنايةٌ ) والرّدّة ( ر : ردّةٌ ) وزنى المحصن ( ر : إحصانٌ ) والسّحر عند البعض ( ربّ سحرٍ ) .
ج - أو بالضّرر ، بأصل خلقته ، كالحيوانات المؤذية بأصل خلقتها ، كالخمس الفواسق الّتي نصّ عليها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقوله : « خمسٌ من الدّوابّ ليس على المحرم في قتلهنّ جناحٌ : الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور » وزاد أبو داود « السّبع العادي » ( المتعدّي ) ونحو ذلك .
د - أو بالضّرر وقوعاً إذا لم يمكن دفع ضرره إلاّ بقتله ، كالصّائل من الحيوان والإنسان .
الإجبار على الاستحياء :
9 - إذا تعيّن وجوب الاستحياء أجبر عليه عند توفّر الشّروط السّابقة وتعيّن لذلك ، كما إذا رفض الصّغير الرّضاع من ثديٍ غير ثدي أمّه ، فإنّها تجبر على إرضاعه استحياءً له . ( ر : رضاعٌ ) .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:37 AM

وجوب الاستحياء في الزّمن الّذي يتّسع له :
10 - يجب الاستحياء في الزّمن الّذي يمكن أن يتحقّق به الاستحياء ، وأوّله وقت الحاجة إلى الاستحياء ، وآخره هو الفراغ من الاستحياء ، فإنقاذ الغريق حدّد له الشّرع الزّمان ، فأوّله : ما يلي زمن السّقوط ، وآخره الفراغ من إنقاذه .


*استخارةٌ
التّعريف
1 - الاستخارة لغةً : طلب الخيرة في الشّيء . يقال : استخر اللّه يخر لك . وفي الحديث : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها » .
واصطلاحاً : طلب الاختيار . أي طلب صرف الهمّة لما هو المختار عند اللّه والأولى ، بالصّلاة ، أو الدّعاء الوارد في الاستخارة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الطّيرة :
2 - الطّيرة : ما يتشاءم به من الفأل الرّديء ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم « أنّه كان يحبّ الفأل ، ويكره الطّيرة » .
ب - الفأل :
3 - الفأل ما يستبشر به ، كأن يكون مريضاً فيسمع من يقول : يا سالمٌ ، أو يكون طالباً فيسمع من يقول : يا واجدٌ ، وفي الحديث : « كان صلى الله عليه وسلم يحبّ الفأل » .
ج - الرّؤيا :
4 - الرّؤيا بالضّمّ مهموزاً ، وقد يخفّف : ما رأيته في منامك .
د - الاستقسام :
5 - الاستقسام بالأزلام : هو ضربٌ بالقداح ليخرج له قدحٌ منها يأتمر بما كتب عليه ، وهو منهيٌّ عنه لقوله تعالى : { وأن تستقسموا بالأزلام } .
هـ - الاستفتاح :
6 - الاستفتاح : طلب النّصر وفي الحديث : « كان صلى الله عليه وسلم يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين » وبعض النّاس قد يستفتح ويستطلع الغيب من المصحف أو الرّمل أو القرعة ، وهذا لا يجوز لحرمته . قال الطّرطوشي وأبو الحسن المغربيّ وابن العربيّ : هو من الأزلام ، لأنّه ليس لأحدٍ أن يتعرّض للغيب ويطلبه ؛ لأنّ اللّه قد رفعه بعد نبيّه صلى الله عليه وسلم إلاّ في الرّؤيا .
صفتها : حكمها التّكليفيّ :
7 - أجمع العلماء على أنّ الاستخارة سنّةٌ ، ودليل مشروعيّتها ما رواه البخاريّ عن جابرٍ رضي الله عنه قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها ، كالسّورة من القرآن : إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثمّ يقول » : إلخ ، وقال صلى الله عليه وسلم : « من سعادة ابن آدم استخارة اللّه عزّ وجلّ » .
حكمة مشروعيّتها :
8 - حكمة مشروعيّة الاستخارة ، هي التّسليم لأمر اللّه ، والخروج من الحول والطّول ، والالتجاء إليه سبحانه . للجمع بين خيري الدّنيا والآخرة . ويحتاج في هذا إلى قرع باب الملك ، ولا شيء أنجع لذلك من الصّلاة والدّعاء ؛ لما فيها من تعظيم اللّه ، والثّناء عليه ، والافتقار إليه قالاً وحالاً .
سببها : ما يجري فيه الاستخارة :
9 - اتّفقت المذاهب الأربعة على أنّ الاستخارة تكون في الأمور الّتي لا يدري العبد وجه الصّواب فيها ، أمّا ما هو معروفٌ خيره أو شرّه كالعبادات وصنائع المعروف والمعاصي والمنكرات فلا حاجة إلى الاستخارة فيها ، إلاّ إذا أراد بيان خصوص الوقت كالحجّ مثلاً في هذه السّنّة ؛ لاحتمال عدوٍّ أو فتنةٍ ، والرّفقة فيه ، أيرافق فلاناً أم لا ؟ وعلى هذا فالاستخارة لا محلّ لها في الواجب والحرام والمكروه ، وإنّما تكون في المندوبات والمباحات . والاستخارة في المندوب لا تكون في أصله ؛ لأنّه مطلوبٌ ، وإنّما تكون عند التّعارض ، أي إذا تعارض عنده أمران أيّهما يبدأ به أو يقتصر عليه ؟ أمّا المباح فيستخار في أصله . وهل يستخير في معيّنٍ أو مطلقٍ ؟ اختار بعضهم الأوّل ؛ لظاهر الحديث . لأنّ فيه « إن كنت تعلم أنّ هذا الأمر » إلخ ، واختار ابن عرفة الثّاني ، وقال الشّعرانيّ : وهو أحسن ، وقد جرّبناه فوجدناه صحيحاً .
متى يبدأ الاستخارة ؟
10 - ينبغي أن يكون المستخير خالي الذّهن ، غير عازمٍ على أمرٍ معيّنٍ ، فقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث : « إذا همّ » يشير إلى أنّ الاستخارة تكون عند أوّل ما يرد على القلب ، فيظهر له ببركة الصّلاة والدّعاء ما هو الخير ، بخلاف ما إذا تمكّن الأمر عنده ، وقويت فيه عزيمته وإرادته ، فإنّه يصير إليه ميلٌ وحبٌّ ، فيخشى أن يخفى عنه الرّشاد ؛ لغلبة ميله إلى ما عزم عليه . ويحتمل أن يكون المراد بالهمّ العزيمة ؛ لأنّ الخاطر لا يثبت فلا يستمرّ إلاّ على ما يقصد التّصميم على فعله من غير ميلٍ . وإلاّ لو استخار في كلّ خاطرٍ لاستخار فيما لا يعبأ به ، فتضيع عليه أوقاته . ووقع في حديث أبي سعيدٍ « إذا أراد أحدكم أمراً فليقل ... » .
الاستشارة قبل الاستخارة :
11 - قال النّوويّ : يستحبّ أن يستشير قبل الاستخارة من يعلم من حاله النّصيحة والشّفقة والخبرة ، ويثق بدينه ومعرفته . قال تعالى : { وشاورهم في الأمر } وإذا استشار وظهر أنّه مصلحةٌ ، استخار اللّه تعالى في ذلك . قال ابن حجرٍ الهيثميّ : حتّى عند المعارض ( أي تقدّم الاستشارة ) لأنّ الطّمأنينة إلى قول المستشار أقوى منها إلى النّفس لغلبة حظوظها وفساد خواطرها . وأمّا لو كانت نفسه مطمئنّةً صادقةٌ إرادتها متخلّيةً عن حظوظها ، قدّم الاستخارة .
كيفيّة الاستخارة :
12 - ورد في الاستخارة حالاتٌ ثلاثٌ :
الأولى : وهي الأوفق ، واتّفقت عليها المذاهب الأربعة ، تكون بركعتين من غير الفريضة بنيّة الاستخارة ، ثمّ يكون الدّعاء المأثور بعدها .
الثّانية : قال بها المذاهب الثّلاثة : الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، تجوز بالدّعاء فقط من غير صلاةٍ ، إذا تعذّرت الاستخارة بالصّلاة والدّعاء معاً .
الثّالثة : ولم يصرّح بها غير المالكيّة ، والشّافعيّة ، فقالوا : تجوز بالدّعاء عقب أيّ صلاةٍ كانت مع نيّتها ، وهو أولى ، أو بغير نيّتها كما في تحيّة المسجد . ولم يذكر ابن قدامة إلاّ الحالة الأولى ، وهي الاستخارة بالصّلاة والدّعاء . وإذا صلّى الفريضة أو النّافلة ، ناوياً بها الاستخارة ، حصل له بها فضل سنّة صلاة الاستخارة ، ولكن يشترط النّيّة ؛ ليحصل الثّواب قياساً على تحيّة المسجد ، وعضّد هذا الرّأي ابن حجرٍ الهيثميّ ، وقد خالف بعض المتأخّرين في ذلك ونفوا حصول الثّواب واللّه أعلم .
وقت الاستخارة :
13 - أجاز القائلون بحصول الاستخارة بالدّعاء فقط وقوع ذلك في أيّ وقتٍ من الأوقات ؛ لأنّ الدّعاء غير منهيٍّ عنه في جميع الأوقات . أمّا إذا كانت الاستخارة بالصّلاة والدّعاء فالمذاهب الأربعة تمنعها في أوقات الكراهة . نصّ المالكيّة والشّافعيّة صراحةً على المنع غير أنّ الشّافعيّة أباحوها في الحرم المكّيّ في أوقات الكراهة ، قياساً على ركعتي الطّواف . لما روي عن جبير بن مطعمٍ : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : يا بني عبد منافٍ لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلّى في أيّ ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ » . وأمّا الحنفيّة والحنابلة فلعموم المنع عندهم . فهم يمنعون صلاة النّفل في أوقات الكراهة ، لعموم أحاديث النّهي ، ومنها : روى ابن عبّاسٍ قال : « شهد عندي رجالٌ مرضيّون ، وأرضاهم عندي عمر رضي الله عنه ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الصّلاة بعد الصّبح حتّى تشرق الشّمس ، وبعد العصر حتّى تغرب » . وعن « عمرو بن عبسة قال : قلت يا رسول اللّه : أخبرني عن الصّلاة . قال : صلّ صلاة الصّبح ، ثمّ اقصر عن الصّلاة حين تطلع الشّمس حتّى ترتفع ، فإنّها تطلع بين قرني الشّيطان ، وحينئذٍ يسجد لها الكفّار ، ثمّ صلّ فإنّ الصّلاة محضورةٌ مشهودةٌ حتّى يستقلّ الظّلّ بالرّمح ، ثمّ اقصر عن الصّلاة فإنّه حينئذٍ تسجر جهنّم ، فإذا أقبل الفيء فصلّ ، فإنّ الصّلاة مشهودةٌ محضورةٌ حتّى تصلّي العصر ، ثمّ اقصر عن الصّلاة حتّى تغرب الشّمس ، فإنّها تغرب بين قرني الشّيطان ، وحينئذٍ يسجد لها الكفّار »
كيفيّة صلاة الاستخارة :
14 - اتّفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنّ الأفضل في صلاة الاستخارة أن تكون ركعتين . ولم يصرّح الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، بأكثر من هذا ، أمّا الشّافعيّة فأجازوا أكثر من الرّكعتين ، واعتبروا التّقييد بالرّكعتين لبيان أقلّ ما يحصل به .
القراءة في صلاة الاستخارة :
15 - فيما يقرأ في صلاة الاستخارة ثلاثة آراءٍ :
أ - قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة : يستحبّ أن يقرأ في الرّكعة الأولى بعد الفاتحة { قل يا أيّها الكافرون } ، وفي الثّانية { قل هو اللّه أحدٌ } . وذكر النّوويّ تعليلاً لذلك فقال : ناسب الإتيان بهما في صلاةٍ يراد منها إخلاص الرّغبة وصدق التّفويض وإظهار العجز ، وأجازوا أن يزاد عليهما ما وقع فيه ذكر الخيرة من القرآن الكريم .
ب - واستحسن بعض السّلف أن يزيد في صلاة الاستخارة على القراءة بعد الفاتحة بقوله تعالى : { وربّك يخلق ما يشاء ويختار . ما كان لهم الخيرة سبحان اللّه وتعالى عمّا يشركون . وربّك يعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون . وهو اللّه لا إله إلاّ هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون } . في الرّكعة الأولى ، وفي الرّكعة الثّانية قوله تعالى : { وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً }
ج - أمّا الحنابلة وبعض الفقهاء فلم يقولوا بقراءةٍ معيّنةٍ في صلاة الاستخارة .
دعاء الاستخارة :
16 - روى البخاريّ ومسلمٌ عن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها ، كالسّورة من القرآن إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثمّ ليقل : اللّهمّ إنّي أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنّك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علاّم الغيوب . اللّهمّ إن كنت تعلم أنّ هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسّره لي ، ثمّ بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أنّ هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاصرفه عنّي واصرفني عنه . واقدر لي الخير حيث كان ، ثمّ رضّني به . قال : ويسمّي حاجته » . قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة : يستحبّ افتتاح الدّعاء المذكور وختمه بالحمد للّه والصّلاة والتّسليم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
استقبال القبلة في الدّعاء :
17 - يستقبل القبلة في دعاء الاستخارة رافعاً يديه مراعياً جميع آداب الدّعاء .
موطن دعاء الاستخارة :
18 - قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة : يكون الدّعاء عقب الصّلاة ، وهو الموافق لما جاء في نصّ الحديث الشّريف عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وزاد الشّوبريّ وابن حجرٍ من الشّافعيّة ، والعدويّ من المالكيّة جوازه في أثناء الصّلاة في السّجود ، أو بعد التّشهّد .
ما يطلب من المستخير بعد الاستخارة :
19 - يطلب من المستخير ألاّ يتعجّل الإجابة ؛ لأنّ ذلك مكروهٌ ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل . يقول : دعوت فلم يستجب لي » . كما يطلب منه الرّضا بما يختاره اللّه له .
تكرار الاستخارة :
20 - قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة : ينبغي أن يكرّر المستخير الاستخارة بالصّلاة والدّعاء سبع مرّاتٍ ؛ لما روى ابن السّنّيّ عن أنسٍ . قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : يا أنس إذا هممت بأمرٍ فاستخر ربّك فيه سبع مرّاتٍ ، ثمّ انظر إلى الّذي يسبق إلى قلبك فإنّ الخير فيه » . ويؤخذ من أقوال الفقهاء أنّ تكرار الاستخارة يكون عند عدم ظهور شيءٍ للمستخير ، فإذا ظهر له ما ينشرح به صدره لم يكن هناك ما يدعو إلى التّكرار . وصرّح الشّافعيّة بأنّه إذا لم يظهر له شيءٌ بعد السّابعة استخار أكثر من ذلك . أمّا الحنابلة فلم نجد لهم رأياً في تكرار الاستخارة في كتبهم الّتي تحت أيدينا رغم كثرتها .
النّيابة في الاستخارة :
21 - الاستخارة للغير قال بجوازها المالكيّة ، والشّافعيّة أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم « من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه » . وجعله الحطّاب من المالكيّة محلّ نظرٍ . فقال : هل ورد أنّ الإنسان يستخير لغيره ؟ لم أقف في ذلك على شيءٍ ، ورأيت بعض المشايخ يفعله . ولم يتعرّض لذلك الحنابلة ، والحنفيّة .
أثر الاستخارة :
أ - علامات القبول :
22 - اتّفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنّ علامات القبول في الاستخارة انشراح الصّدر ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدّم في ( فقرة 20 ) : « ثمّ انظر إلى الّذي سبق إلى قلبك فإنّ الخير فيه » أي فيمضي إلى ما انشرح به صدره ، وشرح الصّدر : عبارةٌ عن ميل الإنسان وحبّه للشّيء من غير هوًى للنّفس ، أو ميلٍ مصحوبٍ بغرضٍ ، على ما قرّره العدويّ . قال الزّملكانيّ من الشّافعيّة : لا يشترط شرح الصّدر . فإذا استخار الإنسان ربّه في شيءٍ فليفعل ما بدا له ، سواءٌ انشرح له صدره أم لا ، فإنّ فيه الخير ، وليس في الحديث انشراح الصّدر .
ب - علامات عدم القبول :
23 - وأمّا علامات عدم القبول فهو : أن يصرف الإنسان عن الشّيء ، لنصّ الحديث ، ولم يخالف في هذا أحدٌ من العلماء ، وعلامات الصّرف : ألاّ يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه معلّقاً به ، وهذا هو الّذي نصّ عليه الحديث : « فاصرفه عنّي واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثمّ رضّني به » .


*استخدامٌ
التّعريف
1 - الاستخدام لغةً : سؤال الخدمة ، أو اتّخاذ الخادم . ولا يخرج الاستعمال الفقهيّ عن هذين المعنيين .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستعانة :
2 - الاستعانة لغةً واصطلاحاً : طلب الإعانة . فيتّفق الاستخدام مع الاستعانة في أنّ كلاًّ منهما فيه نوع معاونةٍ ، غير أنّ الاستخدام يكون من العبد وله ، وتكون الاستعانة باللّه تعالى ، وقد تكون بالعبد .
ب - الاستئجار :
3 - الاستئجار لغةً واصطلاحاً : طلب إجارة العين أو الشّخص . فبين الاستئجار والاستخدام عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ ، فالاستئجار للزّراعة ، ورعي الأغنام لا يسمّى خدمةً ، وكذلك لا يقال للمستأجر لتعليم القرآن خادمٌ ، وينفرد الاستخدام إن كان بغير أجرةٍ .
الحكم الإجماليّ :
4 - يختلف حكم الاستخدام باختلاف الخادم والمخدوم ، والغرض الدّاعي إلى الاستخدام ، ممّا يجعل الأحكام الخمسة تعتريه . فالوالي يباح أن يخصّص له خادمٌ - كجزءٍ من عمالته الّتي هي أجرة مثله - ما لم يكن ذلك ترفّهاً » . ويكون خلاف الأولى إن استعان بمن يصبّ عليه ماء الوضوء دون عذرٍ . فإن استعان بدون عذرٍ في غسل أعضاء الوضوء كره ويكون واجباً ، كالعاجز عن الوضوء يستخدم من يعينه على تلك العبادة . ويكون مندوباً كخدمة أهل المجاهد وخدمة المسجد . ويكون حراماً ، كاستئجار الكافر للمسلم ، والابن أباه عند من يقول بذلك على ما سيأتي ، ويجب على الحاكم منع الاستخدام المحرّم . وفي استخدام المسلم للكافر وعكسه ، واستخدام الذّكر للأنثى وعكسه تجري القاعدة في أمن الفتنة وعدمه ، وفي الامتهان والإذلال وعدمه ، وتفصيل ذلك في مصطلح إجارةٌ ( ف / 102 )
5 - ويمتنع استخدام الابن أباه سواءٌ أكان على سبيل الاستعارة أم على سبيل الاستئجار ؛ صيانةً له عن الإذلال .
6 - والاستخدام حقٌّ للزّوجة ، ويجب على الزّوج للزّوجة إخدامها إن كان موسراً ، وكانت شريفةً يخدم مثلها ، ولا يحلّ للزّوجة استخدام زوجها إذا كان للإهانة والإذلال .


*استخفافٌ
التّعريف
1 - من معاني الاستخفاف لغةً : الاستهانة . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن ذلك . وقد يعبّر الفقهاء عن الاستخفاف بالاحتقار ، والازدراء ، والانتقاص .
حكمه التّكليفيّ :
2 - ليس للاستخفاف حكمٌ عامٌّ جامعٌ ، وإنّما يختلف حكمه باختلاف ما يتعلّق به . فقد يكون محظوراً ، وقد يكون مطلوباً .
فمن المطلوب : الاستخفاف بالكافر لكفره ، والمبتدع لبدعته ، والفاسق لفسقه . وكذلك الاستخفاف بالأديان الباطلة والملل المنحرفة ، وعدم احترامها ، واعتقاد ذلك بين المسلمين أفراداً وجماعاتٍ إذا علم تحريفها ، وهذا من الدّين ؛ لأنّه استخفافٌ بكفرٍ أو بباطلٍ . وأمّا المحظور : فهو ما سيأتي .
ما يكون به الاستخفاف :
يكون الاستخفاف بالأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات .
أ - الاستخفاف باللّه تعالى :
3 - قد يكون بالقول ، مثل الكلام الّذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف في مفهوم النّاس على اختلاف اعتقاداتهم ، كاللّعن والتّقبيح ، سواءٌ أكان هذا الاستخفاف القوليّ باسمٍ من أسمائه أم صفةٍ من صفاته تعالى ، منتهكاً لحرمته انتهاكاً يعلم هو نفسه أنّه منتهكٌ مستخفٌّ مستهزئٌ . مثل وصف اللّه بما لا يليق ، أو الاستخفاف بأمرٍ من أوامره ، أو وعدٍ من وعيده ، أو قدره . وقد يكون بالأفعال ، وذلك بكلّ عملٍ يتضمّن الاستهانة ، أو الانتقاص ، أو تشبيه الذّات المقدّسة بالمخلوقات ، مثل رسم صورةٍ للحقّ سبحانه ، أو تصويره في مجسّمٍ كتمثالٍ وغيره . وقد يكون بالاعتقاد ، مثل اعتقاد حاجة اللّه تعالى إلى الشّريك حكم الاستخفاف باللّه تعالى :
4 - أجمع الفقهاء على أنّ الاستخفاف باللّه تعالى بالقول ، أو الفعل ، أو الاعتقاد حرامٌ ، فاعله مرتدٌّ عن الإسلام تجري عليه أحكام المرتدّين ، سواءٌ أكان مازحاً أم جادّاً . قال تعالى : { ولئن سألتهم ليقولنّ إنّما كنّا نخوض ونلعب قل أباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } .
الاستخفاف بالأنبياء :
5 - الاستخفاف بالأنبياء وانتقاصهم والاستهانة بهم ، كسبّهم ، أو تسميتهم بأسماءٍ شائنةٍ ، أو وصفهم بصفاتٍ مهينةٍ ، مثل وصف النّبيّ بأنّه ساحرٌ ، أو خادعٌ ، أو محتالٌ ، وأنّه يضرّ من اتّبعه ، وأنّ ما جاء به زورٌ وباطلٌ ونحو ذلك . فإنّ نظم ذلك شعراً كان أبلغ في الشّتم ؛ لأنّ الشّعر يحفظ ويروى ، ويؤثّر في النّفوس كثيراً – مع العلم ببطلانه – أكثر من تأثير البراهين ، وكذلك إذا استعمل في الغناء أو الإنشاد .
حكم الاستخفاف بالأنبياء :
6 - اتّفق العلماء على أنّ الاستخفاف بالأنبياء حرامٌ ، وأنّ المستخفّ بهم مرتدٌّ ، وهذا فيمن ثبتت نبوّته بدليلٍ قطعيٍّ ، لقوله تعالى : { ومنهم الّذين يؤذون النّبيّ } ، وقوله تعالى : { إنّ الّذين يؤذون اللّه ورسوله لعنهم اللّه في الدّنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً } . وقوله تعالى : { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } . وسواءٌ أكان المستخفّ هازلاً أم كان جادّاً ، لقوله تعالى ، { قل أباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } . إلاّ أنّ العلماء اختلفوا في استتابته قبل القتل ، فالرّاجح عند الحنفيّة ، وقولٌ للمالكيّة ، والصّحيح عند الحنابلة ، أنّ المستخفّ بالرّسول والأنبياء لا يستتاب بل يقتل ، ولا تقبل توبته في الدّنيا ؛ لقوله تعالى : { إنّ الّذين يؤذون اللّه ورسوله لعنهم اللّه في الدّنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً } . وقال المالكيّة ، وهو الرّاجح عندهم ، والشّافعيّة ، وهو رأيٌ للحنفيّة ، والحنابلة : يستتاب مثل المرتدّ ، وتقبل توبته إن تاب ورجع ، لقوله تعالى : { قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ولخبر : « فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم » .
7 - وفرّق بعض الفقهاء بين الاستخفاف بالسّلف ، وبين الاستخفاف بغيرهم ، وأرادوا بالسّلف الصّحابة والتّابعين . فقال الحنفيّة والشّافعيّة في سابّ الصّحابة وسابّ السّلف : إنّه يفسّق ويضلّل ، والمعتمد عند المالكيّة أنّه يؤدّب . ولكن من سبّ السّيّدة عائشة - بالإفك الّذي برّأها اللّه منه - أو أنكر صحبة أبي بكرٍ الّتي ثبتت بنصّ القرآن يكفر ؛ لإنكاره تلك النّصوص الدّالّة على براءتها وصحبة أبيها ، ولما روي عن ابن عبّاسٍ أنّه قال في قوله تعالى : { إنّ الّذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدّنيا والآخرة ولهم عذابٌ عظيمٌ } قال : هذا في شأن عائشة وأزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّةً ، وليس فيها توبةٌ . وأمّا الاستخفاف بغيرهم من المسلمين ، ولو كان مستور الحال ، فقد قال فقهاء المذاهب الأربعة : إنّه ذنبٌ يوجب العقاب والزّجر على ما يراه السّلطان ، مع مراعاة قدر القائل وسفاهته ، وقدر المقول فيه ؛ لأنّ الاستخفاف والسّخرية من المسلم منهيٌّ عنه ، لقوله تعالى : { لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنّ خيراً منهنّ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب . بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } .
حكم الاستخفاف بالملائكة :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ من استخفّ بملكٍ ، بأن وصفه بما لا يليق به ، أو سبّه ، أو عرّض به كفر وقتل . وهذا كلّه فيما تحقّق كونه من الملائكة بدليلٍ قطعيٍّ كجبريل ، وملك الموت ، ومالكٍ خازن النّار .
حكم الاستخفاف بالكتب والصّحف السّماويّة :
9 - اتّفق الفقهاء على أنّه من استخفّ بالقرآن ، أو بالمصحف ، أو بشيءٍ منه ، أو جحد حرفاً منه ، أو كذب بشيءٍ ممّا صرّح به من حكمٍ أو خبرٍ ، أو شكّ في شيءٍ من ذلك ، أو حاول إهانته بفعلٍ معيّنٍ ، مثل إلقائه في القاذورات كفر بهذا الفعل . وقد أجمع المسلمون على أنّ القرآن هو المتلوّ في جميع الأمصار ، المكتوب في المصحف الّذي بأيدينا ، وهو ما جمعته الدّفّتان من أوّل { الحمد للّه ربّ العالمين } إلى آخر { قل أعوذ بربّ النّاس } . وكذلك من استخفّ بالتّوراة والإنجيل ، أو كتب اللّه المنزّلة ، أو كفر بها ، أو سبّها فهو كافرٌ . والمراد بالتّوراة والإنجيل وكتب الأنبياء ما أنزله اللّه تعالى ، لا ما في أيدي أهل الكتاب بأعيانها ؛ لأنّ عقيدة المسلمين المأخوذة من النّصوص فيها : أنّ بعض ما في تلك الكتب باطلٌ قطعاً ، وبعضٌ منه صحيح المعنى وإن حرّفوا لفظه . وكذلك من استخفّ بالأحاديث النّبويّة الّتي ظهر له ثبوتها .
الاستخفاف بالأحكام الشّرعيّة :
10 - اتّفق الفقهاء على كفر من استخفّ بالأحكام الشّرعيّة من حيث كونها أحكاماً شرعيّةً ، مثل الاستخفاف بالصّلاة ، أو الزّكاة ، أو الحجّ ، أو الصّيام ، أو الاستخفاف بحدود اللّه كحدّ السّرقة والزّنى .
الاستخفاف بالأزمنة والأمكنة الفاضلة وغيرها :
11 - منع العلماء سبّ الدّهر والزّمان والاستخفاف بهما ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « لا تقولوا خيبة الدّهر ، فإنّ اللّه هو الدّهر » وحديث « يؤذيني ابن آدم يسبّ الدّهر وأنا الدّهر ، بيدي اللّيل والنّهار » . وكذلك الأزمنة والأمكنة الفاضلة والاستخفاف بها ، فإنّه يأخذ الحكم السّابق من المنع والحرمة . أمّا إذا قصد من ذلك الاستخفاف بالشّريعة ، كأن يستخفّ بشهر رمضان ، أو بيوم عرفة ، أو بالحرم والكعبة ، فإنّه يأخذ حكم الاستخفاف بالشّريعة أو بحكمٍ من أحكامها ، وقد مرّ حكم ذلك .


*استخلافٌ
التّعريف
1 - الاستخلاف لغةً : مصدر استخلف فلانٌ فلاناً إذا جعله خليفةً ، ويقال : خلف فلانٌ فلاناً على أهله وماله صار خليفته ، وخلفته جئت بعده ، فخليفةٌ يكون بمعنى فاعلٍ ، وبمعنى مفعولٍ . وفي الاصطلاح : استنابة الإنسان غيره لإتمام عمله ، ومنه استخلاف الإمام غيره من المأمومين لتكميل الصّلاة بهم لعذرٍ قام به ، ومنه أيضاً إقامة إمام المسلمين من يخلفه في الإمامة بعد موته ، ومنه الاستخلاف في القضاء على ما سيأتي . وسيقتصر البحث هنا على الاستخلاف في الصّلاة والقضاء ، وأمّا الاستخلاف في الإمامة العظمى فموضع بيانه مصطلح ( خلافةٌ ) ومصطلح ( ولاية العهد ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّوكيل :
2 - التّوكيل في اللّغة : التّفويض ونحوه الإنابة أو الاستنابة أو النّيابة . وفي الاصطلاح : إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرّفٍ جائزٍ معلومٍ ممّن يملكه . ويتبيّن من هذا أنّ الاستخلاف والتّوكيل لفظان متقاربان ، إلاّ أنّ مجال الاستخلاف أوسع ، إذ هو في بعض إطلاقاته يظهر أثره بعد وفاة المستخلف ، ويشمل الصّلاة وغيرها . في حين أنّ التّوكيل يقتصر أثره على حياة الموكّل .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:37 AM

صفة الاستخلاف : حكمه التّكليفيّ :
3 - يختلف حكم الاستخلاف باختلاف الأمر المستخلف فيه ، والشّخص المستخلف . فقد يكون واجباً على المستخلف والمستخلف ، كما إذا تعيّن شخصٌ للقضاء ، بأن لم يوجد من يصلح ليكون قاضياً غيره ، فحينئذٍ يجب على من بيده الاستخلاف أن يستخلفه ، ويجب على المستخلف أن يجيبه . وقد يكون حراماً كاستخلاف من لا يصلح للقضاء لجهله ، أو لطلبه القضاء بالرّشوة . وقد يكون مندوباً في مثل ما ذهب إليه المالكيّة من استخلاف الإمام غيره في الصّلاة إذا سبقه حدثٌ ليتمّ الصّلاة بالنّاس ، فهو مندوبٌ عندهم على الإمام ، وواجبٌ على المأمومين إن لم يستخلف في الجمعة ، ومندوبٌ في غيرها . وقد يكون الاستخلاف جائزاً ، كاستخلاف إمام المسلمين عليهم من يخلفه بعد وفاته ، إذ يجوز له أن يترك لهم الاختيار بعده .
أوّلاً : الاستخلاف في الصّلاة :
4 - مذهب الحنفيّة ، والأظهر عند الشّافعيّة ، وهو المذهب القديم للشّافعيّ ، وإحدى روايتين للإمام أحمد : أنّ الاستخلاف جائزٌ في الصّلاة . وغير الأظهر عند الشّافعيّة ، وروايةٌ أخرى عن الإمام أحمد : أنّه غير جائزٍ . وقال أبو بكرٍ من الحنابلة : إذا سبق الإمام في الصّلاة حدثٌ بطلت صلاته وصلاة المأمومين روايةٌ واحدةٌ . ومذهب المالكيّة أنّ استخلاف الإمام لغيره مندوبٌ في الجمعة وغيرها ، وواجبٌ على المأمومين ، في الجمعة إن لم يستخلف الإمام . لأنّه ليس لهم أن يصلّوا الجمعة أفذاذاً ، بخلاف غيرها . وذهب الحنفيّة إلى أنّه لو أحدث الإمام وكان الماء في المسجد فإنّه يتوضّأ ويبني ، ولا حاجة إلى الاستخلاف ، وإن لم يكن في المسجد ماءٌ ، فالأفضل الاستخلاف . وظاهر المتون أنّ الاستخلاف أفضل في حقّ الكلّ استدلّ المجوّزون بأنّ عمر لمّا طعن - وهو في الصّلاة - أخذ بيد عبد الرّحمن بن عوفٍ فقدّمه ، فأتمّ بالمأمومين الصّلاة ، وكان ذلك بمحضرٍ من الصّحابة وغيرهم ، ولم ينكر ، فكان إجماعاً . واستدلّ المانعون بأنّ صلاة الإمام قد بطلت ؛ لأنّه فقد شرط صحّة الصّلاة ، فتبطل صلاة المأمومين كما لو تعمّد الحدث .
كيفيّة الاستخلاف :
5 - قال صاحب الدّرّ المختار من الحنفيّة : يأخذ الإمام بثوب رجلٍ إلى المحراب ، أو يشير إليه ، ويفعله محدودب الظّهر ، آخذاً بأنفه ، يوهم أنّه رعف ، ويشير بأصبعٍ لبقاء ركعةٍ ، وبأصبعين لبقاء ركعتين ، ويضع يده على ركبته لترك ركوعٍ ، وعلى جبهته لترك سجودٍ ، وعلى فمه لترك قراءةٍ ، وعلى جبهته ولسانه لسجود تلاوةٍ ، وصدره لسجود سهوٍ . ولم يذكر هذا غير الحنفيّة ، إلاّ أنّ المالكيّة ذكروا أنّه يندب للإمام إذا خرج أن يمسك بيده على أنفه ستراً على نفسه . وإذا حصل للإمام سبب الاستخلاف في ركوعٍ أو سجودٍ فإنّه يستخلف ، كما يستخلف في القيام وغيره ، ويرفع بهم من السّجود الخليفة بالتّكبير ، ويرفع الإمام رأسه بلا تكبيرٍ ؛ لئلاّ يقتدوا به ، ولا تبطل صلاة المأمومين إن رفعوا رءوسهم برفعه ، وقيل تبطل صلاتهم .
أسباب الاستخلاف :
6 - جمهور الفقهاء يجوّزون الاستخلاف لعذرٍ لا تبطل به صلاة المأمومين ، والعذر إمّا خارجٌ عن الصّلاة أو متعلّقٌ بها ، والمتعلّق بها إمّا مانعٌ من الإمامة دون الصّلاة ، وإمّا مانعٌ من الصّلاة . والقائلون بجواز الاستخلاف اتّفقوا على أنّ الإمام إذا سبقه الحدث في الصّلاة من بولٍ ، أو ريحٍ أو غيرهما ، انصرف واستخلف ، وفي كلّ مذهبٍ أسبابٌ وشروطٌ .
7 - فعند الحنفيّة أنّ لجواز البناء شروطاً ، وأنّ الأسباب المجوّزة للاستخلاف هي المجوّزة للبناء . والشّروط هي :
( أ ) أن يكون سبب الاستخلاف حدثاً ، فلو كانت نجاسةً لم يجز الاستخلاف ، حتّى لو كانت من بدنه ، خلافاً لأبي يوسف الّذي أجاز الاستخلاف إن كانت النّجاسة خارجةً من بدنه .
( ب ) كون الحدث سماويّاً ، وفسّروا السّماويّ بأنّه : ما ليس للعبد - ولو غير المصلّي - اختيارٌ فيه ، ولا في سببه ، فلو أحدث عمداً لا يجوز له الاستخلاف ، وكذلك الحكم لو أصابته شجّةٌ أو عضّةٌ ، أو سقط عليه حجرٌ من رجلٍ مثلاً عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، لأنّه حدثٌ حصل بصنع العباد . وعند أبي يوسف يجوز الاستخلاف ؛ لأنّه لا صنع فيه فصار كالسّماويّ .
( ج ) أن يكون الحدث من بدنه ، فلو أصابته نجاسةٌ من خارجٍ ، أو كان من جنونٍ فلا استخلاف .
( د ) أن يكون الحدث غير موجبٍ للغسل .
( هـ ) ألاّ يكون الحدث نادر الوجود .
( و ) وألاّ يؤدّي المستخلف ركناً مع حدثٍ ، ويحترز بذلك عمّا إذا سبقه الحدث وهو راكعٌ أو ساجدٌ فرفع رأسه قاصداً الأداء .
( ز ) وألاّ يؤدّي ركناً مع مشيٍ ، كما لو قرأ وهو آيبٌ بعد الطّهارة .
( ح ) وألاّ يفعل فعلاً منافياً ، فلو أحدث عمداً بعد سبق الحدث لا يجوز الاستخلاف .
( ط ) وألاّ يفعل فعلاً له منه بدٌّ ، فلو تجاوز ماءً إلى أبعد منه بأكثر من قدر صفّين بلا عذرٍ فلا يجوز الاستخلاف .
( ي ) وألاّ يتراخى قدر أداء الرّكن بلا عذرٍ . أمّا لو تراخى بعذرٍ كزحمةٍ أو نزول دمٍ فإنّه يبني .
( ك ) وألاّ يظهر حدثه السّابق ، كمضيّ مدّة مسحه على الخفّين .
( ل ) وألاّ يتذكّر فائتةً وهو ذو ترتيبٍ ، فلو تذّكّرها فلا يصحّ بناؤه حتماً .
( م ) أن يتمّ المؤتمّ في مكانه ، وذلك يشمل الإمام الّذي سبقه الحدث ، فإنّه يصير مؤتمّاً بعد أن كان إماماً ، فإذا توضّأ وكان إمامه لم يفرغ من صلاته فعليه أن يعود ليتمّ صلاته خلف إمامه ، إن كان بينهما ما يمنع الاقتداء ، فلو أتمّ في مكانه مع وجود ما يمنع الاقتداء فسدت صلاته خاصّةً ، وهذا شرطٌ لصحّة بناء من سبقه الحدث على ما سبق من صلاته ، لا لصحّة الاستخلاف .
( ن ) أن يستخلف الإمام من يصلح للإمامة ، فلو استخلف صبيّاً أو امرأةً أو أمّيّاً - وهو من لا يحسن شيئاً من القرآن - فسدت صلاة الإمام والمأمومين . واختلفوا فيما إذا حصر الإمام عن قراءة ما تصحّ به الصّلاة ، هل له أن يستخلف أو لا ؟ فقال أبو يوسف ومحمّدٌ : لا يجوز الاستخلاف ، لأنّ الحصر عن القراءة يندر وجوده فأشبه الجنابة في الصّلاة ، ويتمّ الصّلاة بلا قراءةٍ كالأمّيّ إذا أمّ قوماً أمّيّين ، وعنهما روايةٌ أخرى : أنّ الصّلاة تفسد ، وقال الإمام أبو حنيفة : يجوز الاستخلاف ؛ لأنّه في باب الحدث جاز للعجز عن المضيّ في الصّلاة ، والعجز هنا ألزم ؛ لأنّ المحدث قد يجد في المسجد ماءً فيمكنه إتمام صلاته من غير استخلافٍ ، أمّا الّذي نسي جميع ما يحفظ فلا يستخلف بإجماع الحنفيّة ، لأنّه لا يقدر على الإتمام إلاّ بالتّعلّم والتّعليم والتّذكير ، ومتى عجز عن البناء لم يصحّ الاستخلاف عندهم ، وذكر الإمام التّمرتاشيّ أنّ الرّازيّ قال : إنّما يستخلف إذا لم يمكنه أن يقرأ شيئاً ، فإن أمكنه قراءة آيةٍ فلا يستخلف ، وإن استخلف فسدت صلاته ، وقال صدر الإسلام : صورة المسألة إذا كان حافظاً للقرآن إلاّ أنّه لحقه خجلٌ أو خوفٌ فامتنعت عليه القراءة ، أمّا إذا نسي فصار أمّيّاً لم يجز الاستخلاف .
8 - وعند المالكيّة : أنّه يندب لمن ثبتت إمامته بالنّيّة وتكبيرة الإحرام أن يستخلف في ثلاثة مواضع : الأوّل : إذا خشي تلف نفسٍ محترمةٍ - ولو كافرةً - أو تلف مالٍ ، سواءٌ أكان المال له أم لغيره ، قليلاً كان المال أم كثيراً ، ولو كان المال لكافرٍ ، وقيّد بعضهم المال بكونه ذا بالٍ بحسب الأشخاص . والثّاني : إذا طرأ على الإمام ما يمنع الإمامة لعجزٍ عن ركنٍ يعجزه عن الرّكوع أو عن القراءة في بقيّة صلاته ، وأمّا عجزه عن السّورة فلا يجيز الاستخلاف . والثّالث : ما اتّفق عليه جمهور الفقهاء من سبق الحدث أو الرّعاف . وإذا طرأ على الإمام ما يمنعه الإمامة كالعجز عن بعض الأركان فإنّه يستخلف ويتأخّر وجوباً بالنّيّة ، بأن ينوي المأموميّة ، فإن لم ينوها بطلت صلاته .
9 - وعند الشّافعيّة : للإمام أن يستخلف إذا بطلت صلاته ، أو أبطلها عمداً ، جمعةً كانت أو غيرها ، بحدثٍ أو غيره ، بشروطٍ هي : أن يكون الاستخلاف قبل أن يأتي المأمومون بركنٍ ، وأن يكون المستخلف صالحاً للإمامة ، وأن يكون مقتدياً بالإمام قبل حدثه ، ولو صبيّاً أو متنفّلاً .
10 - وعند الحنابلة : للإمام أن يستخلف إذا سبقه الحدث في الرّواية المقدّمة عندهم ، كأن قاء أو رعف ، وكذلك إذا تذكّر نجاسةً ، أو جنابةً لم يغتسل منها ، أو تنجّس في أثناء الصّلاة ، أو عجز عن إتمام الفاتحة ، أو عن ركنٍ يمنع الائتمام كالرّكوع والسّجود .
ثانياً : الاستخلاف لإقامة الجمعة ونحوها :
11 - اختلف فقهاء الحنفيّة في جواز الاستخلاف ( بمعنى الإنابة ) من الخطيب المأذون له من وليّ الأمر بالخطبة ( بناءً على اشتراطهم الإذن لإقامة الجمعة ) وهل يملك الاستنابة للخطبة ؟ وهذا الاختلاف بين المتأخّرين ناشئٌ من اختلافهم في فهم عبارات مشايخ المذهب . فقال صاحب الدّرّ : لا يملك ذلك مطلقاً ، أي سواءٌ أكان الاستخلاف لضرورةٍ أم لا ، إلاّ أن يفوّض إليه ذلك . وقال ابن كمالٍ باشا : إن دعت إلى الاستخلاف ضرورةٌ جاز ، وإلاّ لا ، وقال قاضي القضاة محبّ الدّين بن جرباشٍ والتمرتاشي والحصكفيّ والبرهان الحلبيّ وابن نجيمٍ والشرنبلالي : يجوز مطلقاً بلا ضرورةٍ ، وهذه المسألة خاصّةٌ بالحنفيّة ؛ لعدم اشتراط غيرهم إذن وليّ الأمر في الخطبة .
الاستخلاف في أثناء خطبة الجمعة :
12 - يرى الحنفيّة أنّ الطّهارة في الخطبة سنّةٌ مؤكّدةٌ ، فلو أنّ الخطيب سبقه الحدث وهو يخطب ، فإمّا أن يتمّ الخطبة وهو محدثٌ ، وذلك جائزٌ ، وإمّا أن يستخلف فيكون حكمه على الخلاف السّابق في جواز الاستنابة في الخطبة . أمّا المذاهب الأخرى فالصّحيح عندهم أنّ الطّهارة سنّةٌ وليست واجبةً لصحّة الخطبة ، فإذا أحدث جاز له إتمام خطبته ، لكن الأفضل الاستخلاف وأمّا على القول بوجوب طهارة الخطيب فإذا أحدث وجب الاستخلاف منه أو من المأمومين ، وهل يبدأ المستخلف من حيث انتهى الخطيب الأوّل أم يستأنف الخطبة من أوّلها ؟ صرّح المالكيّة بأنّه من حيث انتهى الأوّل إن علم ، وإلاّ ابتدأ الخطبة .
الاستخلاف في صلاة الجمعة :
13 - ذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة - في الجديد - والحنابلة في روايةٍ هي المذهب إلى : جواز الاستخلاف في صلاة الجمعة لعذرٍ ، هذا إذا أحدث الإمام بعد الخطبة وقبل الشّروع في الصّلاة فقدّم رجلاً يصلّي بالنّاس ، فإن كان المقدّم ممّن شهد الخطبة أو شيئاً منها جاز اتّفاقاً ، وإن لم يكن شهد شيئاً من الخطبة ، أو كان الحدث في أثناء الصّلاة فهناك تفصيلٌ في المذاهب إليك بيانه :
14 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه إن لم يكن المقدّم قد شهد شيئاً من الخطبة فإن استخلفه الإمام قبل أن يشرع في الصّلاة لم يجز الاستخلاف ، وعلى من يؤمّهم أن يصلّي بهم الظّهر أربعاً ؛ لأنّه منشئٌ للجمعة ، وليس ببانٍ تحريمته على تحريمة الإمام ، والخطبة شرط إنشاء الجمعة ولم توجد . أمّا لو شرع الإمام في الصّلاة ثمّ أحدث ، فقدّم رجلاً جاء ساعة الإقامة ، أي لم يشهد شيئاً من الخطبة جاز وصلّى بهم الجمعة ؛ لأنّ تحريمة الأوّل انعقدت للجمعة لوجود شرطها وهو الخطبة ، والثّاني بنى تحريمته على تحريمة الإمام . والخطبة شرط انعقاد الجمعة في حقّ من ينشئ التّحريمة في الجمعة ، لا في حقّ من يبني تحريمته على تحريمة غيره ، بدليل أنّ المقتدي بالإمام تصحّ جمعته وإن لم يدرك الخطبة لهذا المعنى ، فكذا إذا استخلف الإمام بعدما شرع في الصّلاة . وذكر الحاكم في المختصر : أنّ الإمام إذا أحدث وقدّم رجلاً لم يشهد الخطبة ، فأحدث المقدّم قبل الشّروع لم يجز للثّاني الاستخلاف ؛ لأنّه ليس من أهل إقامة الجمعة بنفسه .
15 - وذهب المالكيّة إلى أنّه لو أحدث بعد الخطبة ، أو بعدما أحرم ، فاستخلف من لم يشهدها فصلّى بهم أجزأتهم ، وإن خرج الإمام ولم يستخلف لم يصلّوا أفذاذاً ، ويستخلفون من يتمّ بهم ، وأولى أن يقدّموا من شهد الخطبة ، وإن استخلفوا من لم يشهدها أجزأتهم ، ولا يجوز استخلاف من لا تجب عليه الجمعة كالمسافر ، وقال مالكٌ : أكره استخلاف من لم يشهد الخطبة .
16 - وذهب الشّافعيّ في القديم إلى أنّه لا يستخلف ، وفي الجديد يستخلف ، فعلى القول القديم إن أحدث الإمام بعد الخطبة وقبل الإحرام لم يجز له أن يستخلف ؛ لأنّ الخطبتين مع الرّكعتين كالصّلاة الواحدة ، فلمّا لم يجز أن يستخلف في صلاة الظّهر بعد الرّكعتين - كما لا يجوز فيهما - لم يجز له أن يستخلف في صلاة الجمعة بعد الخطبتين ، وإن أحدث بعد الإحرام ففيه قولان . أحدهما : يتمّون الجمعة فرادى ؛ لأنّه لمّا لم يجز الاستخلاف بقوا على حكم الجماعة ، فجاز لهم أن يصلّوا فرادى . والثّاني : أنّه إذا كان الحدث قبل أن يصلّي بهم ركعةً صلّوا الظّهر ، وإن كان بعض الرّكعة صلّوا ركعةً أخرى فرادى ( كالمسبوق إذا لم يدرك ركعةً أتمّ الظّهر ، وإن أدرك ركعةً أتمّ جمعةً ) . أمّا في المذهب الجديد فإن استخلفه من لم يحضر الخطبة لم يجز ؛ لأنّ من حضر كمّل - أي العدد المطلوب وهو أربعون - بالسّماع فانعقدت به الجمعة ، ومن لم يحضر لم يكمل ، فلم تنعقد به الجمعة ، ولهذا لو خطب بأربعين فقاموا وصلّوا الجمعة جاز ، ولو حضر أربعون لم يحضروا الخطبة فصلّوا الجمعة لم يجز . وإن كان الحدث بعد الإحرام . فإن كان في الرّكعة الأولى فاستخلف من كان معه قبل الحدث جاز ؛ لأنّه من أهل الجمعة ، وإن استخلف مسبوقاً لم يكن معه قبل الحدث لم يجز ؛ لأنّه ليس من أهل الجمعة ، ولهذا لو صلّى المستخلف المسبوق بانفراده الجمعة لم تصحّ . وإن كان الحدث في الرّكعة الثّانية . فإن كان قبل الرّكوع فاستخلف من كان معه قبل الحدث جاز ، وإن استخلف من لم يكن معه قبل الحدث لم يجز ، وإن كان بعد الرّكوع فاستخلف من لم يحضر قبل الحدث لم يجز .
17 - وعند الحنابلة : السّنّة أن يتولّى الصّلاة من يتولّى الخطبة ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتولاّهما بنفسه ، وكذلك خلفاؤه من بعده . فإن خطب رجلٌ وصلّى آخر لعذرٍ جاز ، نصّ عليه أحمد وهو المذهب . وإن لم يوجد عذرٌ فقال أحمد : لا يعجبني من غير عذرٍ فيحتمل المنع ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتولاّهما ، وقد قال : « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » . ولأنّ الخطبة أقيمت مقام ركعتين ، ويحتمل الجواز – مع الكراهة – لأنّ الخطبة منفصلةٌ عن الصّلاة فأشبهتا صلاتين .
وهل يشترط أن يكون المستخلف ممّن حضر الخطبة ؟ فيه روايتان :
إحداهما : يشترط ذلك ، وهو قول كثيرٍ من الفقهاء ؛ لأنّه إمامٌ في الجمعة فاشترط حضوره الخطبة ، كما لو لم يستخلف .
والثّانية : لا يشترط ؛ لأنّه ممّن تنعقد به الجمعة ، فجاز أن يؤمّ فيها كما لو حضر الخطبة . وقد روي عن أحمد أنّه لا يجوز الاستخلاف لعذرٍ ولا لغيره ، قال في رواية حنبلٍ : في الإمام إذا أحدث بعدما خطب ، فقدّم رجلاً يصلّي بهم ، لم يصلّ بهم إلاّ أربعاً ، إلاّ أن يعيد الخطبة ثمّ يصلّي بهم ركعتين ، وذلك لأنّ هذا لم ينقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من خلفائه .
الاستخلاف في العيدين :
18 - إذا أحدث الإمام في أثناء صلاة العيد فإنّه تجري عليه الأحكام السّابقة في الاستخلاف في أيّ صلاةٍ . أمّا إذا أحدث الإمام يوم العيد قبل الخطبة بعد الصّلاة فقد صرّح المالكيّة : أنّه يخطب النّاس على غير وضوءٍ ، ولا يستخلف . وقواعد غيرهم لا تأبى ذلك ، على ما مرّ في الاستخلاف في خطبة الجمعة .
الاستخلاف في صلاة الجنازة :
19 - ذهب الحنفيّة في الصّحيح عندهم ، والمالكيّة ، والحنابلة إلى جواز الاستخلاف في صلاة الجنازة . وعند المالكيّة : أنّ للإمام إذا استخلف فذهب فتوضّأ ، وقد بقي بعض التّكبير من الصّلاة على الجنازة ، أن يرجع فيصلّي ما أدرك ، ويقضي ما فاته ، وإن شاء ترك . وقال الشّافعيّة : إذا اجتمع وليّان في درجةٍ واحدةٍ ، وكان أحدهما أفضل ، كان أولى بالصّلاة ، فإن أراد أن يستنيب أجنبيّاً - أي غير وليٍّ - ففي تمكينه من ذلك وجهان ، حكاهما صاحب العدّة : أحدهما : أنّه لا يمكّن إلاّ برضاء الآخر .
الاستخلاف في صلاة الخوف :
20 - المالكيّة ، والشّافعيّة هم الّذين تكلّموا عن الاستخلاف في صلاة الخوف في السّفر ، ولم نقف للحنفيّة والحنابلة على نصٍّ في هذا الموضوع .
21 - فعند المالكيّة : إذا صلّى الإمام ركعةً من صلاة الخوف ، ثمّ أحدث قبل قيامه إلى الثّانية ، فليقدّم من يؤمّهم ، ثمّ يثبت المستخلف ، ويتمّ من خلفه صلاتهم ، وهو قائمٌ ساكتاً أو داعياً ، ثمّ تأتي الطّائفة الأخرى فيصلّي بهم ركعةً ويسلّم ، ثمّ تتمّ هذه الطّائفة الرّكعة الثّانية . ولو أحدث بعد قيامه إلى الثّانية فلا يستخلف ؛ لأنّ من خلفه خرجوا من إمامته بالاقتداء به في ركعةٍ ، حتّى لو تعمّد حينئذٍ الحدث أو الكلام لم تفسد عليهم . فإذا أتمّ هؤلاء الرّكعة الثّانية وذهبوا أتت الطّائفة الأخرى بإمامٍ فقدّموه .
22 - وقال الإمام الشّافعيّ : إذا أحدث الإمام في صلاة الخوف فهو كحدثه في غيرها ، وأحبّ إليّ ألاّ يستخلف أحداً . فإن كان أحدث في الرّكعة الأولى أو بعدما صلاّها ، وهو واقفٌ في الرّكعة الثّانية فقرأ ولم تدخل معه الطّائفة الثّانية ، قضت الطّائفة الأولى ما عليهم من الصّلاة ، وأمّ الطّائفة الأخرى إمامٌ منهم ، أو صلّوا فرادى ، ولو قدّم رجلاً فصلّى بهم أجزأ عنهم إن شاء اللّه تعالى . وإذا أحدث الإمام وقد صلّى ركعةً وهو قائمٌ يقرأ - ينتظر فراغ الّتي خلفه - وقف الّذي قدّم كما يقف الإمام ، وقرأ في وقوفه ، فإذا فرغت الطّائفة الّتي خلفه . ودخلت الطّائفة الّتي وراءه قرأ بأمّ القرآن وقدر سورةٍ ، ثمّ ركع بهم ، وكان في صلاته لهم كالإمام الأوّل لا يخالفه في شيءٍ إذا أدرك الرّكعة الأولى مع الإمام الأوّل ، وانتظرهم حتّى يتشهّدوا ثمّ يسلّم بهم ، وهناك صورٌ أخرى نادرةٌ ، موطن بيانها صلاة الخوف .
من يحقّ له الاستخلاف :
23 - مذهب الحنفيّة : أنّ الاستخلاف حقّ الإمام . فلو استخلف هو شخصاً ، واستخلف المأمومون سواه ، فالخليفة من قدّمه الإمام ، فمن اقتدى بمن قدّمه المأمومون فسدت صلاته ، وإن قدّم الإمام واحداً ، أو تقدّم بنفسه لعدم استخلاف الإمام جاز إن قام مقام الأوّل قبل أن يخرج من المسجد ، ولو خرج منه فسدت صلاة الكلّ دون الإمام ، ولو تقدّم رجلان فالأسبق أولى .
24 - ومذهب المالكيّة : أنّ استخلاف الإمام لغيره مندوبٌ ، وللإمام ترك الاستخلاف ، ويترك المصلّين ليستخلفوا بأنفسهم أحدهم ، وإنّما ندب له الاستخلاف ؛ لأنّه أعلم بمن يستحقّ التّقديم فهو من التّعاون على البرّ ؛ ولئلاّ يؤدّي تركه إلى التّنازع فيمن يتقدّم فتبطل صلاتهم ، فإن لم يستخلف ندب ذلك للمأمومين ، وإن تقدّم غير من استخلفه الإمام وأتمّ بهم صحّت صلاتهم .
25 - ومذهب الشّافعيّة : أنّ الإمام أو القوم إن قدّموا رجلاً فأتمّ لهم ما بقي من الصّلاة أجزأتهم صلاتهم ، على أنّ من قدّمه المأمون أولى ممّن قدّمه الإمام لأنّ الحظّ لهم ، إلاّ إذا كان الإمام راتباً فمقدّمه أولى . وإن تقدّم واحدٌ بنفسه جاز .
26 - ومذهب الحنابلة : وهو إحدى روايتين عندهم ، أنّ للإمام أن يستخلف من يتمّ الصّلاة بالمأمومين ، فإن لم يفعل فقدّم المأمون رجلاً فأتمّ بهم جاز .
من يصحّ استخلافه ، وأفعال المستخلف :
27 - المنصوص عليه في مذاهب الفقهاء : أنّ كلّ من يصلح إماماً ابتداءً يصحّ استخلافه ، ومن لا يصلح ابتداءً لا يصحّ استخلافه ، وفي كلّ مذهبٍ تفصيلاتٌ :
28 - فعند الحنفيّة : الأولى للإمام ألاّ يستخلف مسبوقاً ، وإن استخلفه ينبغي له ألاّ يقبل ، وإن قبل جاز ، ولو تقدّم يبتدئ من حيث انتهى إليه الإمام ، وإذا انتهى إلى السّلام يقدّم مدركاً يسلّم بهم ، ولو أنّ الخليفة المسبوق حين أتمّ الصّلاة الّتي ابتدأها الإمام المستخلف أتى بمبطلٍ لصلاته - كأن قهقه أو أحدث متعمّداً أو تكلّم أو خرج من المسجد - فسدت صلاته ، وصلاة القوم تامّةٌ . أمّا فساد صلاته فلأنّه أتى بمبطلٍ قبل إكمال ما سبق به ، وأمّا صحّة صلاة القوم فلأنّ المبطل المتعمّد تمّت به صلاتهم لتحقّق الرّكن ، وهو الخروج بالصّنع ، والإمام إن كان فرغ من صلاته فصلاته صحيحةٌ ، وإن لم يكن فرغ تفسد صلاته في الأصحّ . ولو اقتدى رجلٌ بالإمام في صلاةٍ رباعيّةٍ فأحدث الإمام ، وقدّم الإمام هذا الرّجل ، والمقتدي لا يدري كم صلّى الإمام وكم بقي عليه ؟ فإنّ المقتدي يصلّي أربع ركعاتٍ ، ويقعد في كلّ ركعةٍ احتياطاً . ولو استخلف لاحقاً فللخليفة أن يشير للمأمومين حتّى يؤدّي ما عليه من الصّلاة ، ثمّ يتمّ بهم الصّلاة . ولو لم يفعل ذلك ومضى على صلاة الإمام ، وأخّر ما عليه حتّى انتهى إلى موضع السّلام ، واستخلف من سلّم بهم جاز . وإذا كان خلف الإمام شخصٌ واحدٌ ، وأحدث الإمام تعيّن ذلك الواحد للإمامة ، عيّنه الإمام بالنّيّة أو لم يعيّنه . ولو اقتدى مسافرٌ بمسافرٍ فأحدث الإمام ، فاستخلف مقيماً لم يلزم المسافر الإتمام .
29 - وقال المالكيّة : إنّه يشترط فيمن يصحّ استخلافه أن يدرك مع الإمام الأصليّ قبل العذر جزءاً يعتدّ به من الرّكعة المستخلف هو فيها ، قبل الاعتدال من الرّكوع ، وإذا استخلف الإمام مسبوقاً صلّى بهم على نظام صلاة الإمام الأوّل ، فإذا انتهى إلى الرّكعة الرّابعة بالنّسبة لهم أشار إليهم فجلسوا ، وقام ليتمّ صلاته ثمّ يسلّم معهم .
30 - وعند الشّافعيّة : يصحّ استخلاف مأمومٍ يصلّي صلاة الإمام أو مثلها في عدد الرّكعات بالاتّفاق ، سواءٌ أكان مسبوقاً أم غيره ، وسواءٌ استخلفه في الرّكعة الأولى أم في غيرها ؛ لأنّه ملتزمٌ بترتيب الإمام باقتدائه ، فلا يؤدّي إلى المخالفة . وإذا استخلف مأموماً مسبوقاً لزمه مراعاة ترتيب الإمام ، فيقعد موضع قعوده ، ويقوم موضع قيامه ، كما كان يفعل لو لم يخرج الإمام من الصّلاة . فلو اقتدى المسبوق في ثانية الصّبح ، ثمّ أحدث الإمام فيها فاستخلفه فيها قنت ، وقعد وتشهّد ، ثمّ يقنت في الثّانية لنفسه ، ولو كان الإمام قد سها قبل اقتداء المستخلف أو بعده ، سجد في آخر صلاة الإمام ، وأعاد في آخر صلاة نفسه ، على أصحّ القولين . وإذا أتمّ بالقوم صلاة الإمام قام لتدارك ما عليه ، والمأمومون بالخيار إن شاءوا فارقوه وسلّموا ، وتصحّ صلاتهم بلا خلافٍ للضّرورة ، وإن شاءوا صبروا جلوساً ليسلّموا معه ، هذا كلّه إذا عرف المسبوق نظم صلاة الإمام وما بقي منها ، فإن لم يعرف فقولان حكاهما صاحب التّلخيص وآخرون ، وقيل : هما وجهان أقيسهما لا يجوز ، وقال الشّيخ أبو عليٍّ : أصحّهما الجواز ، ونقله ابن المنذر عن الشّافعيّ ولم يذكر غيره ، فعلى هذا يراقب المستخلف المأمومين إذا أتمّ الرّكعة ، فإن همّوا بالقيام قام وإلاّ قعد .
31 - وقال الحنابلة : يجوز استخلاف المسبوق ببعض الصّلاة ، ولمن جاء بعد حدث الإمام ، فيبني على ما مضى من صلاة الإمام من قراءةٍ أو ركعةٍ أو سجدةٍ ، ويقضي بعد فراغ صلاة المأمومين ، وحكي هذا القول عن عمر وعليٍّ وأكثر من وافقهما في الاستخلاف . وفيه روايةٌ أخرى أنّه مخيّرٌ بين أن يبني أو يبتدي ، فإذا فرغوا من صلاتهم قعدوا وانتظروه حتّى يتمّ ويسلّم معهم ؛ لأنّ اتّباع المأمومين للإمام أولى من اتّباعه لهم . فإنّ الإمام إنّما جعل ليؤتمّ به وعلى كلتا الرّوايتين إذا فرغ المأمومون قبل فراغ إمامهم ، وقام لقضاء ما فاته فإنّهم يجلسون وينتظرون حتّى يتمّ ويسلّم بهم ؛ لأنّ الإمام ينتظر المأمومين في صلاة الخوف ، فانتظارهم له أولى ، وإن سلّموا ولم ينتظروه جاز . وقال ابن عقيلٍ : يستخلف من يسلّم بهم ، والأولى انتظاره . وإن سلّموا لم يحتاجوا إلى خليفةٍ . فإنّه لم يبق من الصّلاة إلاّ السّلام ، فلا حاجة إلى الاستخلاف فيه ، ويقوى عندي أنّه لا يصحّ الاستخلاف في هذه الصّورة ؛ لأنّه إن بنى جلس في غير موضع جلوسه وصار تابعاً للمأمومين ، وإن ابتدأ جلس المأمومون في غير موضع جلوسهم ، ولم يرد الشّرع بهذا ، وإنّما ثبت الاستخلاف في موضع الإجماع حيث لم يحتج إلى شيءٍ من هذا ، فلا يلحق به ما ليس في معناه . وإذا استخلف من لا يدري كم صلّى الإمام ، احتمل أن يبني على اليقين ، فإن وافق الحقّ وإلاّ سبّحوا به فرجع إليهم ، ويسجد للسّهو . وفي روايةٍ : إنّ المستخلف إن شكّ في عدد الرّكعات الّتي صلاّها الإمام لم يجز له الاستخلاف للشّكّ ، كغير المستخلف ، ورواية البناء على اليقين بنيت على أنّه شكٌّ ممّن لا ظنّ له فوجب البناء على اليقين كسائر المصلّين .
ثالثاً : استخلاف القاضي
32 - اتّفق فقهاء المذاهب على أنّ الإمام إذا أذن للقاضي في الاستخلاف فله ذلك ، وعلى أنّه إذا نهاه فليس له أن يستخلف ، وذلك لأنّ القاضي إنّما يستمدّ ولايته من الإمام ، فلا يملك أن يخالفه إذا نهاه ، كالوكيل مع الموكّل ، فإنّ الموكّل إذا نهى الوكيل عن تصرّفٍ ما فليس له أن يخالفه . قال الدّسوقيّ : وينبغي أنّ العرف بالاستخلاف وعدمه كالنّصّ على ذلك . أمّا إن أطلق الإمام فلم يأذن ولم ينه فهناك اتّجاهاتٌ في المذاهب . ذهب الحنفيّة ، وابن عبد الحكم ، وسحنونٌ من المالكيّة ، وهو احتمالٌ في مذهب الحنابلة إلى : أنّه لا يجوز أن يستخلف ؛ لأنّه يتصرّف بإذن الإمام ولم يأذن له . وذهب الحنابلة ، وهو وجهٌ للشّافعيّة إلى : أنّه يجوز له أن يستخلف مطلقاً . والمشهور عند المالكيّة ، وهو الوجه الآخر للشّافعيّة أنّه يجوز الاستخلاف لعذرٍ كمرضٍ ، أو سفرٍ ، أو سعة الجهات المولّى عليها ، وذلك لأنّ القاضي في هذه الحالة يحتاج إلى الاستخلاف ؛ ولأنّ قرينة الحال تقتضي ذلك ، فإن استخلف القاضي - بغير إذنٍ - وقضى المستخلف فإنّ قضاءه ينفذ عند الحنفيّة إذا أنفذه القاضي المستخلف بشرط أن يكون المستخلف بحالٍ يصلح معها أن يكون قاضياً ؛ لأنّه بإجازة القاضي المستخلف صار كأنّه هو الّذي قضى .
33 - ما يثبت به الاستخلاف في القضاء : كلّ لفظٍ يفيد الاستخلاف يصحّ به وينعقد ، سواءٌ أكان ممّا قاله الفقهاء في ألفاظ تولية القضاء أم لا ، وكذلك أيّ دليلٍ أو قرينةٍ يثبت بها الاستخلاف يعمل بها ويعوّل عليها .


*استدانةٌ
التعريف
1 - الاستدانة لغةً : الاستقراض وطلب الدّين ، أو : صيرورة الشّخص مديناً ، أو : أخذه . والمداينة : التّبايع بالأجل . والقرض : هو ما يعطى من المال ليقضى . وأمّا في الشّرع فتطلق الاستدانة ويراد بها : طلب أخذ مالٍ يترتّب عليه شغل الذّمّة ، سواءٌ كان عوضاً في مبيعٍ أو سلمٍ أو إجارةٍ ، أو قرضاً ، أو ضمان متلفٍ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستقراض :
2 - الاستقراض : طلب القرض ، وكلٌّ من القرض والدّين لا بدّ أن يكون ممّا يثبت في الذّمّة . وعلى هذا فالاستدانة أعمّ من الاستقراض ، إذ الدّين شاملٌ عامٌّ للقرض وغيره . وفرّق المرتضى الزّبيديّ بين الاستدانة والاستقراض ، بأنّ الاستدانة لا بدّ أن تكون إلى أجلٍ ، في حين أنّ الاستقراض لا يكون إلى أجلٍ عند الجمهور ، أمّا المالكيّة فيقولون بلزوم الأجل في القرض بالنّسبة للمقرض ( ر . أجلٌ ) .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:38 AM

ب - الاستلاف :
3 - الاستلاف لغةً : أخذ السّلف ، وسلف في كذا وأسلف : إذا قدّم الثّمن فيه . والسّلف كالسّلم والقرض بلا منفعةٍ أيضاً . يقال : أسلفه مالاً إذا أقرضه . صفة الاستدانة
حكمها التّكليفيّ :
4 - الأصل في الاستدانة الإباحة ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمًّى فاكتبوه } . ولأنّ النّبيّ كان يستدين .
وقد تعتريها أحكامٌ أخرى بحسب السّبب الباعث ، كالنّدب في حال عسر المدين ، وكالوجوب للمضطرّ ، وكالتّحريم فيمن يستدين قاصداً المماطلة ، أو جحد الدّين . وكالكراهة إذا كان غير قادرٍ على الوفاء ، وليس مضطرّاً ولا قاصداً المماطلة .
صيغة الاستدانة :
5 - تكون الاستدانة بكلّ ما يدلّ على التزام الذّمّة بدينٍ ، قرضاً كان أو سلماً ، أو ثمناً لمبيعٍ بأجلٍ ويفصّل الفقهاء ذلك عند الكلام في مصطلح : ( عقدٌ ) ( وقرضٌ ) ( ودينٌ ) .
الأسباب الباعثة على الاستدانة :
أوّلاً : الاستدانة لحقوق اللّه تعالى :
6 - حقوق اللّه تعالى الماليّة ، كالزّكاة ، لا تثبت في الذّمّة إلاّ على الغنيّ القادر عليها - والغنيّ في كلّ تكليفٍ بحسبه - فلا يكلّف بالاستدانة ليصير ملزماً بشيءٍ منها بالاتّفاق . أمّا ما شرط اللّه لوجوبه الاستطاعة ، كالحجّ ، فإن كان لا يرجو الوفاء فالاستدانة لأجله مكروهةٌ أو حرامٌ عند المالكيّة ، وخلاف الأفضل عند الحنفيّة . أمّا إن كان يرجو الوفاء فيجب عليه عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، وهو الأفضل عند الحنفيّة . وعند الحنابلة - يفهم ممّا في المغني - أنّه إن أمكنه الحجّ بالاستدانة لم يلزمه ذلك ، ولكن يستحبّ له إن لم يكن عليه في ذلك ضررٌ أو على غيره . فإذا وجبت حقوق اللّه تعالى الماليّة على عبدٍ حال غناه ، ثمّ افتقر قبل أدائها ، فهل يكلّف بالاستدانة لأدائها ؟ يفرّق فقهاء الحنفيّة في ذلك بين الحالتين : إن لم يكن عنده مالٌ وأراد أن يستقرض ، فإن كان في أكبر رأيه أنّه إذا استقرض وأدّى الزّكاة ، واجتهد لقضاء دينه يقدر على ذلك ، كان الأفضل له أن يستقرض ، فإن استقرض وأدّى ولم يقدر على قضاء الدّين حتّى مات ، يرجى أن يقضي اللّه تعالى دينه في الآخرة . وإن كان أكبر رأيه أنّه إذا استقرض لا يقدر على قضاء الدّين ، كان الأفضل له ألاّ يستقرض ، لأنّ خصومة صاحب الدّين أشدّ . وظاهر هذا أنّه لا يجب عليه الاستقراض على كلّ حالٍ . ومذهب الحنابلة أنّه إذا وجبت عليه الزّكاة ، فتلف المال بعد وجوبها ، فأمكنه أداؤها أدّاها ، وإلاّ أمهل إلى ميسرته وتمكّنه من أدائها من غير مضرّةٍ عليه ولا على غيره ، قالوا : لأنّه إذا لزم الإنظار في دين الآدميّ المعيّن فهذا أولى . ولم يتعرّض الشّافعيّة لهذه المسألة فيما اطّلعنا عليه .
ثانياً : الاستدانة لأداء حقوق العباد :
أ - الاستدانة لحقّ النّفس :
7 - تجب الاستدانة على المضطرّ لإحياء نفسه ؛ لأنّ حفظ النّفس مقدّمٌ على حفظ المال ، صرّح به الشّافعيّة ، وقواعد غيرهم لا تأباه ؛ لما ورد في الضّرورة من نصوصٍ معروفةٍ . أمّا الاستدانة لسدّ حاجةٍ من الحاجيّات ، فهو جائزٌ إن كان يرجو وفاءً ، وإن كان الأولى له أن يصبر . لما في الاستدانة من المنّة ، قال في الفتاوى الهنديّة . لا بأس أن يستدين الرّجل إذا كانت له حاجةٌ لا بدّ منها ، وهو يريد قضاءها . وكلمة « لا بأس » إذا أطلقها فقهاء الحنفيّة فإنّهم يعنون بها : ما كان تركه أولى من فعله . أمّا إذا كان لا يرجو وفاءً فتحرم عليه الاستدانة ، والصّبر واجبٌ ؛ لما في الاستدانة من تعريض مال الغير إلى الإتلاف . أمّا الاستدانة من أجل غايةٍ غير مشروعةٍ فإنّه لا يجوز ، كما إذا استدان لينفق في وجهٍ غير مشروعٍ ، مثل أن يكون عنده من المال ما يكفيه ، فيتوسّع في النّفقة . ويستدين لأجل أن يأخذ من الزّكاة ، فإنّه لا يعطى منها ؛ لأنّ قصده مذمومٌ .
ب - الاستدانة لحقّ الغير :
أوّلاً - الاستدانة لوفاء الدّين :
8 - لا يلزم المعسر بالاستدانة لقضاء دين غرمائه ، لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } . ولما في ذلك من منّةٍ . ولأنّ الضّرر لا يزال بمثله ، صرّح بذلك المالكيّة والحنابلة ، وقواعد غيرهم لا تأباه .
ثانياً : الاستدانة للنّفقة على الزّوجة :
9 - اتّفق الفقهاء على أنّ نفقة الزّوجة واجبةٌ ، سواءٌ أكان الزّوج موسراً أم معسراً ، فإن كان الزّوج حاضراً ، وله مالٌ ، أنفق من ماله جبراً عنه ، وإن كان معسراً فإنّ أئمّة الحنفيّة يرون أنّ القاضي يفرض لها النّفقة ، ثمّ يأمرها بالاستدانة عليه ، فإن لم تجد من تستدين منه أوجب القاضي نفقتها على من تجب عليه من أقاربها لو لم تكن متزوّجةً ، أمّا إن كان غائباً وليس له مالٌ حاضرٌ ، فإنّه لا تفرض لها نفقةٌ عليه ، خلافاً لزفر ، وقوله هو المفتى به عند الحنفيّة . وذهب الحنابلة إلى أنّ لها الاستدانة ، لها ولأولادها ولو بغير إذنٍ ، وترجع عليه بما استدانت . ومذهب المالكيّة أنّ نفقة الزّوجة تسقط بالإعسار إذا ثبت ، أمّا إذا لم يثبت إعساره فلها أن تستدين عليه . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا كان له مالٌ حاضرٌ ينفق عليها منه جبراً عنه . وإذا كان لا مال له وهو قادرٌ على الكسب ، أجبر على التّكسّب ، ويستدين للنّفقة الحاضرة ، أمّا إن كان ماله غائباً فإنّه يجبر على الاستدانة ، فإن لم يستدن كان لها طلب الفسخ .
ثالثاً : الاستدانة للإنفاق على الأولاد والأقارب :
10 - نفقة الصّغار من الأولاد الفقراء غير المتكسّبين واجبةٌ في الجملة على الوالد دون غيره في الأصل ، فإن امتنع عن الإنفاق عليهم ، وكان موسراً ، أجبر على ذلك ، ويؤمرون بالاستدانة عليه . وإن كان معسراً فعند الحنفيّة : تؤمر الأمّ بالإنفاق عليهم من مالها إن كانت موسرةً ، وإلاّ ألزم بنفقتهم من تجب عليه لو كان الأب ميّتاً ، ثمّ يرجع المنفق على الأب إن أيسر . وإن كان الأب زمناً اعتبر كالميّت ، فلا رجوع للمنفق بل هو تبرّعٌ . ومذهب المالكيّة كالحنفيّة في حال اليسار ، وينوب عن إذن القاضي عندهم إشهاد المنفق على أنّه أنفق على سبيل الرّجوع ، أو يحلف على ذلك . أمّا إذا كان معسراً فيعتبر الإنفاق على أولاده تبرّعاً من المنفق ، لا رجوع له ولو أيسر الأب بعدئذٍ . وعند الشّافعيّة : للأولاد الاستدانة بإذن القاضي ، ولا رجوع إلاّ إذا حصل الاقتراض بالفعل للمنفق المأذون . وذهب الحنابلة إلى أنّه يستدان للأولاد بإذنٍ ، لكن لو استدانت الأمّ لها ولأولادها بلا إذنٍ جاز تبعاً للأمّ . أمّا الاستدانة لغير الزّوجة والأولاد ففي ذلك تفصيلٌ وخلافٌ كبيرٌ ، موطنه « نفقةٌ » .
الاستدانة ليتمحّض المال حلالاً :
11 - إذا أراد أن يحجّ فيستحبّ أن يحجّ بمالٍ حلالٍ ، فإن لم يتوفّر له إلاّ مالٌ فيه شبهةٌ ، وأراد أن يحجّ بمالٍ حلالٍ ، ففي فتاوى قاضي خان : يستدين للحجّ ، ويقضي دينه من ماله .
شروط صحّة الاستدانة :
الشّرط الأوّل : عدم انتفاع الدّائن :
12 - إنّ انتفاع الدّائن من عمليّة الاستدانة إمّا أن يتمّ بشرطٍ في العقد ، أو بغير شرطٍ ، فإن كان بشرطٍ فهو حرامٌ بلا خلافٍ ، قال ابن المنذر : أجمعوا على أنّ المسلف - أي الدّائن - إذا شرط على المستلف زيادةً أو هديّةً ، فأسلف على ذلك ، أنّ أخذ الزّيادة على ذلك رباً ، وقد روى عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قوله : « كلّ قرضٍ جرّ منفعةً فهو رباً » . وهو وإن كان ضعيف السّند إلاّ أنّه صحيحٌ معنًى ، وروي عن أبيّ بن كعبٍ ، وعبد اللّه بن عبّاسٍ ، وعبد اللّه بن مسعودٍ ، أنّهم نهوا عن كلّ قرضٍ جرّ منفعةً للمقرض . ولأنّ عقد الاستدانة عقد إرفاقٍ وقربةٍ ، واشتراط المنفعة فيه للدّائن إخراجٌ له عن موضوعه ، وهو شرطٌ لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ، وقد أورد الفقهاء كثيراً من التّطبيقات العمليّة على القرض الّذي يجرّ نفعاً للدّائن . ومن ذلك : أن يشترط الدّائن أن يردّ له المدين أكثر ممّا أخذ ، أو أجود ممّا أخذ ، وهذا هو الرّبا بعينه ( ر : رباً ) . وليس من ذلك اشتراط الدّائن على المدين أن يعطيه رهناً بالدّين ، أو كفيلاً ضماناً لدينه ؛ لأنّ هذا شرطٌ يلائم العقد كما سيأتي . أمّا إن كانت المنفعة الّتي حصل عليها الدّائن من المدين غير مشروطةٍ ، فيجوز ذلك عند جمهور الفقهاء : الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة . وهو مرويٌّ عن عبد اللّه بن عمر ، وسعيد بن المسيّب ، والحسن البصريّ ، وعامرٍ الشّعبيّ ، والزّهريّ ، ومكحولٍ ، وقتادة ، وإسحاق بن راهويه ، وهو إحدى الرّوايتين عن إبراهيم النّخعيّ . واستدلّ هؤلاء بما رواه مسلمٌ في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه قال : « أقبلنا من مكّة إلى المدينة مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاعتلّ جملي » . وساق الحديث بقصّته ، وفيه « ثمّ قال : بعني جملك هذا ، قال : فقلت : لا ، بل هو لك ، قال : بل بعنيه ، قال : قلت : لا ، بل هو لك يا رسول اللّه ، قال : لا ، بل بعنيه ، قال : قلت : فإنّ لرجلٍ عليّ أوقيّة ذهبٍ فهو لك بها ، قال : قد أخذته ، فتبلّغ عليه إلى المدينة ، ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لبلالٍ : أعطه أوقيّةً من ذهبٍ وزيادةً ، قال : فأعطاني أوقيّةً من ذهبٍ وزادني قيراطاً » وهذه زيادةٌ في القدر .
13 - أمّا الزّيادة في الصّفة : فعن أبي رافعٍ مولى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « أنّ رسول اللّه استسلف من رجلٍ بكراً ، فقدمت عليه إبلٌ من إبل الصّدقة ، فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرّجل بكره ، فرجع أبو رافعٍ فقال : لم أجد فيها إلاّ خياراً بعيراً رباعيّاً ، فقال : أعطه إيّاه ، إنّ خير النّاس أحسنهم قضاءً » . ولأنّه لم يجعل تلك الزّيادة عوضاً عن القرض ، ولا وسيلةً إليه ، ولا إلى استيفاء دينه . وقال بعض المالكيّة ، وهي إحدى الرّوايتين عند الحنابلة ، وهو المرويّ عن أبيٍّ ، وابن عبّاسٍ ، وابن عمر ، وإحدى الرّوايتين عن النّخعيّ : لا يجوز للمقرض قبول هديّة المقترض ، ولا الحصول على ما به الانتفاع له ، كركوب دابّته ، وشرب شيءٍ عنده في بيته ، إن لم يكن ذلك معروفاً بينهما قبل القرض ، أو حدث ما يستدعي ذلك ؛ لزواجٍ وولادةٍ ونحو ذلك . قال الدّسوقيّ : « والمعتمد جواز الشّرب والتّظلّل ، وكذلك الأكل إن كان لأجل الإكرام لا لأجل الدّين » لأنّه إن أخذ فضلاً ، أو حصل على منفعةٍ يكون قد تعاطى قرضاً جرّ منفعةً بالفعل ، فقد روى الأثرم أنّ رجلاً كان له على ، سمّاكٍ عشرون درهماً ، فجعل يهدي إليه السّمك ويقوّمه ، حتّى بلغ ثلاثة عشر درهماً ، فسأل ابن عبّاسٍ ، فقال له : أعطه سبعة دراهم . وعن ابن سيرين أنّ عمر أسلف أبيّ بن كعبٍ عشرة دراهم ، فأهدى إليه أبيّ بن كعبٍ من ثمرة أرضه ، فردّها عليه ولم يقبلها ، فأتاه أبيٍّ فقال : لقد علم أهل المدينة أنّي من أطيبهم ثمرةً ، وأنّه لا حاجة لنا ، فبم منعت هديّتنا ؟ ثمّ أهدى إليه بعد ذلك فقبل . وهذا يدلّ على ردّها عند الشّبهة ، وقبولها عند انتفائها . وعن زرّ بن حبيشٍ قال : قلت لأبيّ بن كعبٍ : إنّي أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق ، فقال : إنّك تأتي أرضاً فاشٍ فيها الرّبا ، فإن أقرضت رجلاً قرضاً فأتاك بقرضك ، ومعه هديّةٌ ، فاقبض قرضك ، وأردد عليه هديّته . الشّرط الثّاني : عدم انضمام عقدٍ آخر :
14 - يشترط لصحّة الاستدانة ألاّ ينضمّ إليها عقدٌ آخر ، سواءٌ اشترط ذلك في عقد الاستدانة ، أم تمّ التّوافق عليه خارجه ، كأن يؤجّر المستقرض داره للمقرض ، أو يستأجر المستقرض دار المقرض ، لأنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعٍ وسلفٍ » . وفي ذلك تفصيلٌ وخلافٌ يرجع إليه في ( البيوع المنهيّ عنها ) .
الاستدانة من بيت المال ، ولبيت المال ، ونحوه ، كالوقف :
15 - الأصل في ذلك أنّ الاستدانة لبيت المال ، أو منه جائزةٌ شرعاً . أمّا الاستدانة منه : فلما ورد أنّ أبا بكرٍ استقرض من بيت المال سبعة آلاف درهمٍ ، فمات وهي عليه ، فأوصى أن تقضى عنه . وقال عمر : إنّي أنزلت مال اللّه منّي منزلة مال اليتيم ، إن احتجت إليه أخذت منه ، فإذا أيسرت قضيت . أمّا الاستدانة عليه : فلما روى أبو رافعٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استسلف من رجلٍ بكراً ، فقدمت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم إبل الصّدقة ، فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرّجل بكره » ... الحديث . فهذه استدانةٌ على بيت المال ؛ لأنّ الرّدّ كان من مال الصّدقة ، وكلّ هذا يراعى فيه المصلحة العامّة ، والحيطة الشّديدة في توثيق الدّين ، والقدرة على استيفائه . ويشترط لذلك على ما صرّح به الحنفيّة في الوقف - وبيت المال مثله - أن يكون بإذن من له الولاية ، وأن يكون الإقراض لمليءٍ مؤتمنٍ ، وألاّ يوجد من يقبل المال مضاربةً ، وألاّ يوجد مستغلاّتٌ تشترى بذلك المال . وقد صرّح الشّافعيّة بالنّسبة للوقف بأنّه يستغنى بشرط الواقف عن إذن القاضي . وكذلك الحكم في مال اليتيم ومال الغائب واللّقطة . وفي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ ، موطنه مصطلح : ( قرضٌ ) ( ودينٌ ) .
آثار الاستدانة :
أ - ثبوت الملك :
16 - يملك المستدين المحلّ المقابل للدّين بالعقد نفسه إلاّ في القرض ، ففيه ثلاثة اتّجاهاتٍ هي : أنّه يملك بالعقد ، أو بالقبض ، أو بالاستهلاك ، على تفصيلٍ موطنه مصطلح : ( قرضٌ ) .
ب - حقّ المطالبة ، وحقّ الاستيفاء :
17 - من آثار الاستدانة وجوب الوفاء على المستدين عند حلول الأجل ، لقوله تعالى : { وأداءٌ إليه بإحسانٍ } ولقوله صلى الله عليه وسلم : « مطل الغنيّ ظلمٌ » . وندب الإحسان في المطالبة ، ووجوب إنظار المدين المعسر إلى حين الميسرة بالاتّفاق . واستدلّ لذلك بقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } وأنّها عامّةٌ في الدّيون كلّها وليست خاصّةً بالرّبا .
ج - حقّ المنع من السّفر :
18 - للدّائن في الجملة حقّ منع المدين من السّفر في الدّين الحالّ ، إن لم يكن للمدين مالٌ حاضرٌ يمكنه الاستيفاء منه ، أو كفيلٌ ، أو رهنٌ . وإنّما ثبت هذا الحقّ لأنّ سفر المدين قد يفوّت على الدّائن حقّ المطالبة والملازمة ، وفي ذلك تفصيلٌ تبعاً لنوع الدّين ، والأجل ، والسّفر ، والمدين . ( ر : دينٌ ) .
د - حقّ ملازمة المدين :
19 - من حقّ الدّائن أن يلازم المدين - على تفصيلٍ في هذه الملازمة - إلاّ إذا كان الدّائن رجلاً والمدين امرأةً ؛ لما في ملازمتها من الإفضاء إلى الخلوة بالأجنبيّة ، ولكن يجوز للدّائن أن يبعث بالمرأة تنوب عنه في ملازمتها ، وكذلك العكس .
هـ - طلب الإجبار على الوفاء :
20 - يلزم المدين وفاء دينه ما دام قادراً على ذلك ، فإن امتنع وكان الدّين الّذي عليه مثليّاً وعنده مثله ، قضى القاضي الدّين ممّا عنده جبراً عنه . وأمّا إن كان الدّين مثليّاً ، وما عنده قيميٌّ ، فقد ذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ، ومحمّد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة ) إلى أنّ القاضي يبيع ما عند المدين جبراً عنه - عدا حاجاته الضّروريّة - ويقضي دينه . وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا يجبره القاضي على البيع ، ولكن يحبسه إلى أن يؤدّي الدّين .
و - الحجر على المدين المفلس :
21 - الحجر على المدين المفلس أجازه جمهور الفقهاء ، ومنعه الإمام أبو حنيفة ، وتفصيل ذلك سيأتي في ( حجرٌ ) ( وإفلاسٌ ) .
ز - حبس المدين :
22 - للدّائن أن يطلب حبس المدين الغنيّ الممتنع عن الوفاء .
اختلاف الدّائن والمدين :
23 - إذا اختلف الدّائن والمدين ولا بيّنة لهما ، فالقول قول المدين مع يمينه في الصّفة ، والقدر ، واليسار . وإن كانت لهما بيّنةٌ ، فالبيّنة بيّنة الدّائن في اليسار والإعسار ، وتفصيل ذلك مكانه مبحث ( دعوى ) .


*استدراكٌ
التّعريف
1 - الاستدراك لغةً : استفعالٌ من ( درك ) . والدّرك الدّرك : اللّحاق والبلوغ . يقال : أدرك الشّيء إذا بلغ وقته وانتهى ، وعشت حتّى أدركت زمانه . وللاستدراك في اللّغة استعمالان : الأوّل : أن يستدرك الشّيء بالشّيء ، إذا حاول اللّحاق به ، يقال : استدرك النّجاة بالفرار . والثّاني : في مثل قولهم : استدرك الرّأي والأمر ، إذا تلافى ما فرّط فيه من الخطأ أو النّقص . وللاستدراك في الاصطلاح معنيان :
الأوّل . وهو للأصوليّين والنّحويّين : رفع ما يتوهّم ثبوته من كلامٍ سابقٍ . أو إثبات ما يتوهّم نفيه . وزاد بعضهم : ( باستعمال أداة الاستدراك وهي لكنّ ، أو ما يقوم مقامها من أدوات الاستثناء ) .
الثّاني : وهو ما يرد في كلام الفقهاء كثيراً وهو : إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خللٍ أو قصورٍ أو فواتٍ . ومنه عندهم : استدراك نقص الصّلاة بسجود السّهو ، واستدراك الصّلاة إذا بطلت بإعادتها ، واستدراك الصّلاة المنسيّة بقضائها ، والاستدراك بإبطال خطأ القول وإثبات صوابه . ويخصّ الاستدراك الّذي بمعنى فعل الشّيء المتروك بعد محلّه بعنوان « التّدارك » سواءٌ ترك سهواً أو ترك عمداً . كقول الرّمليّ : « إذا سلّم الإمام من صلاة الجنازة تدارك المسبوق باقي التّكبيرات بأذكارها » وقوله : « لو نسي تكبيرات صلاة العيد فتذّكّرها - وقد شرع في القراءة - فاتت فلا يتداركها » .
الألفاظ ذات الصّلة :
أـ الإضراب :
2 - وهو لغةً : الإعراض عن الشّيء والكفّ عنه ، بعد الإقبال عليه . وفي اصطلاح النّحويّين قد يلتبس بالاستدراك « بالمعنى الأوّل » فالإضراب : إبطال الحكم السّابق ببل ، أو نحوها من الأدوات الموضوعة لذلك ، أو ببدل الإضراب . والفرق بينه وبين الاستدراك ، أنّك في الاستدراك لا تبطل الحكم السّابق ، كما في قولك : جاء زيدٌ لكنّ أخاه لم يأت ، فإثبات المجيء لزيدٍ لم يلغ ، بل نفي المجيء عن أخيه ، وفي الإضراب تبطل الحكم السّابق ، فإذا قلت : جاء زيدٌ ، ثمّ ظهر لك أنّك غلطت فيه فقلت : بل عمرٌو أبطلت حكمك الأوّل بإثبات المجيء لزيدٍ ، وجعلته في حكم المسكوت عنه .
ب ـ الاستثناء :
3 - حقيقة الاستثناء : إخراج بعض ما دخل في الكلام السّابق بإلاّ ، أو إحدى أخواتها . ومن هنا كان الاستثناء معيار العموم . أمّا الاستدراك فهو إثبات نقيض الحكم السّابق لما يتوهّم انطباق الحكم عليه . فالفرق أنّ الاستثناء للدّاخل في الأوّل ، وأنّ الاستدراك لما لم يدخل في الأوّل ، ولكن توهّم دخوله ، أو سريان الحكم عليه . ولأجل هذا التّقارب تستعمل أدوات الاستثناء مجازاً في الاستدراك . وهو ما يسمّى في عرف النّحاة : الاستثناء المنقطع ، وحقيقته الاستدراك ( ر : استثناءٌ ) كقوله تعالى : { ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ } كما يجوز استعمال لكنّ - مثل غيرها ممّا يؤدّي مؤدّاها - في الاستثناء بالمعنى ، إذ الاستثناء بالمعنى ليس له صيغةٌ محدّدةٌ ، كقولك : ما جاء القوم لكن جاء بعضهم .
ج ـ القضاء :
4 - المراد به هنا : فعل العبادة إذا خرج وقتها المقدّر لها شرعاً قبل فعلها صحيحةً ، سواءٌ أتركت عمداً أم سهواً ، وسواءٌ أكان المكلّف قد تمكّن من فعلها في الوقت ، كالمسافر بالنّسبة إلى الصّوم . أم لم يتمكّن ، كالنّائم والنّاسي بالنّسبة للصّلاة . أمّا الاستدراك فهو أعمّ من القضاء ، إذ أنّه يشمل تلافي النّقص بكلّ وسيلةٍ مشروعةٍ ، ومنه قول صاحب مسلّم الثّبوت وشارحه : « القضاء فعل الواجب بعد وقته المقدّر شرعا استدراكاً لما فات » فجعل القضاء استدراكاً .
د ـ الإعادة :
5 - هي : فعل العبادة ثانياً في الوقت لخللٍ واقعٍ في الفعل الأوّل والاستدراك أعمّ من الإعادة كذلك .
هـ ـ التّدارك :
6 - لم نجد أحداً من الفقهاء عرّف التّدارك ، ولكنّه دائرٌ في كلامهم كثيراً ، ويعنون به في الأفعال : فعل العبادة أو فعل جزئها إذا ترك المكلّف فعل ذلك في محلّه المقرّر شرعاً ما لم يفت . كما في قول صاحب كشّاف القناع : « لو دفن الميّت قبل الغسل وقد أمكن غسله لزم نبشه ، وأن يخرج ويغسّل تداركاً لواجب غسله » . وقد يقع الغلط في الأقوال فيحتاج الإنسان إلى تداركه ، بأن يبطله ويثبت الصّواب ، ولذلك طرقٌ منها : بدل الغلط ، ومنها « بل » في الإيجاب والأمر . وفسّر بعضهم التّدارك ببل بكون الإخبار الأوّل أولى منه الإخبار الثّاني ، فيعرض عن الأوّل إلى الثّاني ، لا أنّه إبطال الأوّل وإثبات الثّاني .
و ـ الإصلاح :
7 - وهو اصطلاحٌ للمالكيّة ذكروه في باب سجود السّهو في مواضع منها : قول الدّردير « من كثر منه الشّكّ فلا إصلاح عليه ، فإن أصلح بأن أتى بما شكّ فيه لم تبطل صلاته » ( فهو بمعنى التّدارك ) .
ز ـ الاستئناف :
8 – استئناف العمل : ابتداؤه ، أي فعله مرّةً أخرى إذا نقض الفعل الأوّل قبل تمامه . فاستئناف الصّلاة تجديد التّحريمة بعد إبطال التّحريمة الأولى ، وبهذا المعنى وقع في قولهم : « المصلّي إذا سبقه الحدث يتوضّأ ، ثمّ يبني على صلاته ، أو يستأنف ، والاستئناف أولى » وكاستئناف الأذان إذا قطعه بفاصلٍ طويلٍ ، واستئناف الصّوم في كفّارة الظّهار إذا انقطع التّتابع . فالاستئناف على هذا طريقةٌ من طرق الاستدراك ، والتّفصيل في مصطلح ( استئنافٌ ) .
هذا وبسبب استعمال هذا المصطلح « الاستدراك » بمعنيين :
أحدهما : الاستدراك القوليّ بأداة الاستدراك وما يقوم مقامها ،
والآخر : الاستدراك بإصلاح الخلل في الأفعال والأقوال ، ينقسم البحث قسمين تبعاً لذلك . القسم الأوّل الاستدراك القوليّ بـ « لكنّ » وأخواتها
صيغ الاستدراك :
هي : لكنّ ( مشدّدةٌ ) ولكن ( مخفّفةٌ ) وبل وعلى ، وأدوات الاستثناء .
9 - أ - لكنّ : وهي أمّ الباب . وهي الموضوعة له . وقد ذكر بعض الأصوليّين أنّه يشترط في استعمال « لكنّ » وما في معناها للاستدراك : الاختلاف بين ما قبل ( لكنّ ) وما بعدها بالإيجاب والسّلب لفظاً ، نحو ما جاء زيدٌ لكنّ أخاه جاء . ولو كان الاختلاف معنويّاً جاز أيضاً . كقول القائل : عليٌّ حاضرٌ لكنّ أخاه مسافرٌ ، أي ليس بحاضرٍ .
ب - لكن : « بسكون النّون » فهي في الأصل مخفّفةٌ من « لكنّ » ، وتكون على حالين : أحدهما : وهو الأغلب أن تكون ابتدائيّةً فتليها جملةٌ ، كقوله تعالى : { وإن من شيءٍ إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } والحال الثّاني : أن تكون عاطفةً ، ويشترط لذلك : أن يسبقها نفيٌ أو نهيٌ ، وأن يليها مفردٌ ، وألاّ تدخل عليها الواو مثل : ما جاء زيدٌ لكن عمرٌو . ولا تخلو في كلا الحالين من معنى الاستدراك ، فتقرّر حكم ما قبلها ، وتثبت نقيضه لما بعدها .
ج - بل : إذا سبقها نفيٌ أو نهيٌ تكون حرف استدراكٍ مثل ( لكن ) تقرّر حكم ما قبلها ، وتثبت نقيضه لما بعدها . فإن وقعت بعد إيجابٍ أو أمرٍ لم تفد ذلك ، بل تفيد الإضراب عن الأوّل ، حتّى كأنّه مسكوتٌ عنه ، وتنقل حكمه لما بعدها ، كقولك : جاء زيدٌ بل عمرٌو ، وهذا ما يسمّى بالإضراب الإبطاليّ . قال السّعد : « أي إنّ الإخبار عنه ما كان ينبغي أن يقع . وإذا انضمّ إليه « لا » صار نصّاً في نفي الأوّل » . ولذا لا يقع مثله في القرآن ولا في السّنّة ، إلاّ على سبيل الحكاية . وقد تكون للإضراب الانتقاليّ ، أي من غرضٍ إلى آخر ، ومنه قوله تعالى : { قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلّى بل تؤثرون الحياة الدّنيا } .
د - على : تستعمل للاستدراك ، كما في قول الشّاعر : بكلٍّ تداوينا فلم يشف ما بنا على أنّ قرب الدّار خيرٌ من البعد على أنّ قرب الدّار ليس بنافعٍ إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ .
هـ - ( أدوات الاستثناء ) : قد تستخدم أدوات الاستثناء في الاستدراك ، فيقولون : زيدٌ غنيٌّ غير أنّه بخيلٌ ، ومنه قوله تعالى { قال لا عاصم اليوم من أمر اللّه إلاّ من رحم } وهذا ما يسمّى الاستثناء المنقطع ( ر : استثناءٌ ) ، فيستعمل في ذلك ( إلاّ وغير ) ، ويستعمل فيه أيضاً ( سوى ) على الأصحّ عند أهل اللّغة .
شروط الاستدراك :
10 - يشترط لصحّة الاستدراك شروطٌ ، وهي : الشّرط الأوّل : اتّصاله بما قبله ولو حكماً . فلا يضرّ انفصاله بما له تعلّقٌ بالكلام الأوّل ، أو بما لا بدّ له منه ، كتنفّسٍ وسعالٍ ونحو ذلك . فإن حال بينه وبين الأوّل سكوتٌ يمكنه الكلام فيه ، أو كلامٌ أجنبيٌّ عن الموضوع ، استقرّ حكم الكلام الأوّل ، وبطل الاستدراك . فلو أقرّ لزيدٍ بثوبٍ ، فقال زيدٌ : ما كان لي قطّ ، لكن لعمرٍو ، فإن وصل فلعمرٍو ، وإن فصل فللمقرّ ، لأنّ النّفي يحتمل أمرين : يحتمل أن يكون تكذيباً للمقرّ وردّاً لإقراره ، وهو الظّاهر من الكلام ، فيكون النّفي ردّاً إلى المقرّ . ويحتمل ألاّ يكون تكذيباً ، إذ يجوز أن يكون الثّوب معروفاً بكونه لزيدٍ ، ثمّ وقع في يد المقرّ فأقرّ به لزيدٍ ، فقال زيدٌ : الثّوب معروفٌ بكونه لي ، لكنّه في الحقيقة لعمرٍو ، فقوله : « لكنّه لعمرٍو » بيان تغييرٍ لذلك النّفي ، فيتوقّف على الاتّصال ؛ لأنّ بيان التّغيير عند الحنفيّة لا يصحّ إلاّ موصولاً ، ولا يصحّ متراخياً ، فإن وصل يثبت النّفي عن زيدٍ والإثبات لعمرٍو معاً ، إذ صدر الكلام موقوفٌ على آخره فيثبت حكمهما معاً . ولو فصل يصير النّفي ردّاً للإقرار . ثمّ لا تثبت الملكيّة لعمرٍو بمجرّد إخباره بذلك . الشّرط الثّاني : اتّساق الكلام أي انتظامه وارتباطه . والمراد أن يصلح للاستدراك ، بأن يكون الكلام السّابق للأداة بحيث يفهم منه المخاطب عكس الكلام اللاّحق لها ، أو يكون فيما بعد الأداة تداركٌ لما فات من مضمون الكلام . نحو : ما قام زيدٌ لكن عمرٌو ، بخلاف نحو : ما جاء زيدٌ لكن ركب الأمير ، وفسّر صاحب المنار الاتّساق : بكون محلّ النّفي غير محلّ الإثبات ، ليمكن الجمع بينهما ولا يناقض آخر الكلام أوّله ، ثمّ إن اتّسق الكلام فهو استدراكٌ ، وإلاّ فهو كلامٌ مستأنفٌ . ومثّل في التّوضيح للمتّسق من الاستدراك بما لو قال المقرّ : لك عليّ ألفٌ قرضٌ ، فقال له المقرّ له : لا ، لكن غصبٌ . الكلام متّسقٌ فصحّ الوصل على أنّه نفيٌ لسبب الحقّ ، وهو كون المقرّ به عن قرضٍ ، لا نفيٍ للواجب وهو الألف . فإنّ قوله : « لا » لا يمكن حمله على نفي الواجب ؛ لأنّ حمله على نفي الواجب لا يستقيم مع قوله : « لكن غصبٌ » ولا يكون الكلام متّسقاً مرتبطاً . فلمّا نفى كونه قرضاً تدارك بكونه غصباً ، فصار الكلام مرتبطاً ، ولا يكون ردّاً لإقراره بل يكون لمجرّد نفي السّبب . ومن أمثلة ما يجب حمله على الاستئناف عند الحنفيّة : ما إذا تزوّجت الصّغيرة المميّزة من كفءٍ بغير إذن وليّها بمائةٍ ، فقال الوليّ : لا أجيز النّكاح لكن أجيزه بمائتين . قالوا : ينفسخ النّكاح ، ويجعل « لكن » وما بعدها كلاماً مبتدأً ؛ لأنّه لمّا قال : « لا أجيز النّكاح » انفسخ النّكاح الأوّل ، فإنّ النّفي انصرف إلى أصل النّكاح ، فلا يمكن إثبات ذلك النّكاح بعد ذلك بمائتين ؛ لأنّه يكون نفي النّكاح وإثباته بعينه ، فيعلم أنّه غير متّسقٍ ، فيحمل « لكن بمائتين » على أنّه كلامٌ مستأنفٌ ، فيكون إجازةً لنكاحٍ آخر ، المهر فيه مائتان . وإنّما يكون كلامه متّسقاً لو قال بدل ذلك : لا أجيز هذا النّكاح بمائةٍ لكن أجيزه بمائتين ؛ لأنّ النّفي ينصرف إلى القيد وهو كونه بمائةٍ ، لا إلى أصل النّكاح ، فيكون الاستدراك في المهر لا في أصل النّكاح . وبذلك لا يكون قوله إبطالاً للنّكاح ، فلا ينفسخ به . وفي عدم الاتّساق في هذا المثال اختلافٌ بين الأصوليّين من الحنفيّة . الشّرط الثّالث : أن يكون الاستدراك بلفظٍ مسموعٍ إن تعلّق به حقٌّ . وأدناه أن يسمع نفسه ومن بقربه . قال الحصكفيّ : يجري ذلك في كلّ ما يتعلّق بنطقٍ كتسميته على ذبيحةٍ ، وطلاقٍ ، واستثناءٍ وغيرها . فلو طلّق أو استثنى ولم يسمع نفسه ، لم يصحّ في الأصحّ . وقيل في نحو البيع : يشترط سماع المشتري .
القسم الثّاني
الاستدراك بمعنى تلافي النّقص والقصور .
11 -الاستدراك إمّا أن يكون لما فعله الإنسان ناقصاً عن الوضع الشّرعيّ المقرّر للعبادة ، كمن ترك ركعةً من الصّلاة أو سجوداً فيها ، وإمّا أن يكون فيما أخبر به ، ثمّ تبيّن له خطؤه ، أو فيما فعله من التّصرّفات ، ثمّ تبيّن له أنّ التّصرّف على غير ذلك الوضع أتمّ وأولى ، كمن باع شيئاً ولم يشترط ، ثمّ بدا له أن . يشترط شرطاً لمصلحته . فالكلام في هذا القسم يرجع إلى مبحثين : الأوّل : الاستدراك بمعنى تلافي القصور عن الوضع الشّرعيّ . والثّاني : تلافي القصور عن الحقيقة ، حقيقةً أو ادّعاءً في باب الإخبار ، أو عمّا فيه المصلحة للمكلّف بحسب تصوّره ، في باب الإنشاء .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:38 AM

أوّلاً : الاستدراك بمعنى تلافي النّقص عن الأوضاع الشّرعيّة :
12 - هذا النّقص يقع في العبادات الّتي لها أوضاعٌ شرعيّةٌ مقرّرةٌ ، كالوضوء والصّلاة ، فإنّ لكلٍّ منهما أركاناً وسنناً وهيئاتٍ ، تفعل بترتيباتٍ معيّنةٍ . ثمّ قد يترك المكلّف فعل شيءٍ منها في محلّه لسببٍ من الأسباب الخارجة عن إرادته ، كالمسبوق في الصّلاة أو النّاسي أو المكره ، وقد يترك ذلك عمداً ، وقد يفعل المكلّف الفعل عمداً على غير الوجه المطلوب شرعاً ، أو يقع عليه بغير إرادته ما يمنع صحّة العبادة أو صحّة جزءٍ منها . والشّريعة قد أتاحت الفرصة في كثيرٍ من الصّور لاستدراك النّقص الحاصل في العمل .
وسائل استدراك النّقص في العبادة :
13 - لاستدراك النّقص في العبادة طرقٌ مختلفةٌ بحسب أحوال ذلك النّقص . ومن تلك الوسائل :
( أ ) القضاء : ويكون الاستدراك بالقضاء في العبادة الواجبة أو المسنونة بعد خروج وقتها المقدّر لها شرعاً ، سواءٌ فاتت عمداً ، أو سهواً كما تقدّم . وسواءٌ كان المكلّف لم يفعل العبادة أصلاً ، أو فعلها على فسادٍ ؛ لترك ركنٍ ، أو لفوات شرطٍ من شروط الصّحّة ، أو لوجود مانعٍ . وفي استدراك العبادة المسنونة بالقضاء خلافٌ بين الفقهاء ، وتفصيله في ( قضاء الفوائت ) .
( ب ) الإعادة : وهي فعل العبادة مرّةً أخرى في وقتها لما وقع في فعلها أوّلاً من الخلل . ولمعرفة مواقع الاستدراك بالإعادة وأحكام الإعادة ( ر : إعادةٌ )
( ج ) الاستئناف : فعل العبادة من أوّلها مرّةً أخرى بعد قطعها والتّوقّف فيها لسببٍ من الأسباب ، ولمعرفة مواقع الاستدراك بالاستئناف ( ر : استئنافٌ ) .
( د ) الفدية : كاستدراك فائت الصّوم بفدية طعام مسكينٍ لكلّ يومٍ ممّن لم يستطع الصّوم ؛ لكبرٍ أو مرضٍ مزمنٍ . وكاستدراك النّقص الحاصل في الإحرام ممّن قصّ شعره ، أو لبس ثياباً بفديةٍ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ ( ر : إحرامٌ ) وشبيهٌ بذلك هدي الجبران في الحجّ . وتفصيل ذلك في ( الحجّ ) .
(هـ ) الكفّارة : كاستدراك المكلّف ما أفسده من الصّوم بالجماع بالكفّارة ( ر : كفّارةٌ ) .
( و ) سجود السّهو : يستدرك به النّقص الحاصل في الصّلاة في بعض الأحوال . ( ر : سجود السّهو ) .
( ز ) التّدارك : هو الإتيان بجزء العبادة بعد موضعه المقرّر شرعاً . ثمّ قد يكون الاستدراك بواحدٍ ممّا ذكر ، وقد يكون بأكثر ، كما في ترك شيءٍ من أركان الصّلاة ، فإنّ المكلّف يتداركه ويسجد للسّهو ، وكما في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما لو صامتا ، فإنّ لهما الإفطار ، ويلزمهما القضاء والفدية على قول الحنابلة ، والشّافعيّة على المشهور عندهم .
ثانياً : تلافي القصور في الإخبار والإنشاء .
14 - من تكلّم بكلامٍ خبريٍّ أو إنشائيٍّ ثمّ بدا له أنّه غلط في كلامه ، أو نقص من الحقيقة ، أو زاد عليها ، أو بدا له أن ينشئ كلاماً مخالفاً لما كان قد قاله فله أن يفعل ذلك ، بل قد يجب عليه في بعض الأحوال ، وخاصّةً في الكلام الخبريّ ، إذ أنّه بذلك يتدارك ما وقع في كلامه من الكذب والإخبار بخلاف الحقّ ، ولكن إن ثبت بالكلام الأوّل حقٌّ ، كمن حلف يميناً ، أو قذف غيره ، أو أقرّ له ، ففي حكم الكلام المخالف التّالي له تفصيلٌ ، فإنّ له صورتين . الصّورة الأولى : أن يكون متّصلاً بالأوّل . فله حالتان .
الحالة الأولى : أن يرتبط الثّاني بالأوّل بطريقٍ من طرق التّخصيص ، فيثبت حكمهما تبعاً حيث أمكن ، سواءٌ أكان ممّا يمكن الرّجوع عنه كالوصايا ، أم كان ممّا لا رجوع فيه كالإقرار ، فلو كان الثّاني استثناءً ثبت حكم المستثنى ، وخرج من حكم المستثنى منه ، كمن قال : له عليّ عشرةٌ إلاّ ثلاثةً ، أو قال : أعطه عشرةً إلاّ ثلاثةً ، كان الباقي سبعةً في كلٍّ من المسألتين . وهكذا في كلّ ما يتغيّر به الحكم في المتكلّم به ، كالشّرط والصّفة والغاية وسائر المخصّصات المتّصلة . فالشّرط كما لو قال : وهبتك مائة دينارٍ إن نجحت . والصّفة كما لو قال : أبرأتك من ثمن الإبل الّتي هلكت عندك . والغاية كما لو قال للوصيّ : أعطه كلّ يومٍ درهماً إلى شهرٍ ، فإنّ كلاًّ من هذه المخصّصات تغيّر به الحكم كلاًّ أو بعضاً . قال القرافيّ : القاعدة أنّ كلّ كلامٍ لا يستقلّ بنفسه إذا اتّصل بكلامٍ مستقلٍّ بنفسه صيّره غير مستقلٍّ بنفسه ، وكذلك الصّفة والاستثناء والشّرط والغاية ونحوها . وجعل منه ما لو قال المقرّ : « له عليّ ألفٌ من ثمن خمرٍ » فقال فيها : لا يلزمه شيءٌ ، وتقييد حكم هذه الحالة بأنّه « حيث أمكن » ليخرج نحو قول المقرّ : له عليّ عشرةٌ إلاّ تسعةً ، إذ تلزمه عند الحنابلة العشرة ويسقط حكم الاستثناء ؛ لأنّه لا يجوز عندهم استثناء أكثر من النّصف . ومثلها عندهم لو قال : له عليّ ألفٌ من ثمن خمرٍ . ولا خلاف في ذلك في المخصّصات .
الحالة الثّانية : أن يتغيّر الحكم بكلامٍ مستقلٍّ ، ومثاله ما لو قال المقرّ : له الدّار وهذا البيت منها لي ، فيؤخذ بإقراره ، ويعمل بالقيد في الجملة الثّانية ، وهو المذهب عند الحنابلة ؛ لأنّ المعطوف بالواو مع المعطوف عليه في حكم الجملة الواحدة ، خلافاً لاختيار ابن عقيلٍ بأنّه لا يعمل القيد قضاءً ؛ لأنّ المعطوف بالواو جملةٌ مستقلّةٌ . وعند المالكيّة ما يفيد أنّ مذهبهم كمذهب الحنابلة . لكن لو عطف في الإثبات أو الأمر بـ « بل » . قال صدر الشّريعة « إنّ ( بل ) للإعراض عمّا قبله وإثبات ما بعده على سبيل التّدارك » فإن كان فيما يقبل الرّجوع فيه كالوصيّة أو التّولية أو الخبر المجرّد ، لغا الأوّل وثبت الثّاني ، كما لو قال : أوصيت لزيدٍ بألفٍ بل بألفين ، يثبت ألفان فقط . أو قول الإمام : ولّيت فلاناً قضاء كذا بل فلاناً ، أو قول القائل : ذهبت إلى زيدٍ بل إلى عمرٍو . وإن كان ممّا لا رجوع فيه كالإقرار والطّلاق ثبت حكم الأوّل ، ولم يمكن إبطاله ، فلو قال المقرّ : له عليّ ألف درهمٍ ، بل ألف ثوبٍ ، يلزمه الجميع ؛ لأنّهما من جنسين . ولو قال : له عليّ ألف درهمٍ ، بل ألفان يثبت الألفان ، قال التّفتازانيّ : « لأنّ التّدارك في الأعداد يراد به نفي انفراد ما أقرّ به أوّلاً ، لا نفي أصله ، فكأنّه قال أوّلاً : له عليّ ألفٌ ليس معه غيره ، ثمّ تدارك ذلك الانفراد وأبطله » ، وفي هذه المسألة خلاف زفر إذ قال : « بل يثبت ثلاثة آلافٍ » . ولم يختلف قول الحنفيّة في أنّه لو قال : أنت طالقٌ طلقةً بل طلقتين أنّه يقع به – في المدخول بها – ثلاث طلقاتٍ . ووجّه صاحب مسلّم الثّبوت وشارحه الفرق بين مسألتي الإقرار والطّلاق بأنّ الإقرار إخبارٌ على الأصحّ فلا يثبت شيئاً ، فله أن يعرض عن خبرٍ كان أخبر به ، ويخبر بدله بخبرٍ آخر ، بخلاف الإنشاء إذ به يثبت الحكم ، وليس في يده بعد ثبوته أن يعرض عنه . أمّا عند الحنابلة : فلا يقع في مسألة الطّلاق المذكورة إلاّ طلقتان ، كما لا يلزمه في مسألة الإقرار إلاّ ألفان .
الصّورة الثّانية : أن يكون الكلام الثّاني متراخياً عن الأوّل منفصلاً عنه . فله حالتان :
الحالة الأولى : أن يكون في كلامٍ لا يمكن الرّجوع عنه ، ولا يقبل منه ، كالأقارير والعقود ، فلا يكون الإقرار الثّاني ولا العقد الثّاني رجوعاً عن الأوّل . فلو أقرّ له بمائة درهمٍ ، ثمّ سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ، ثمّ قال « زائفةٌ » أو « إلى شهرٍ » لزمه مائةٌ جيّدةٌ حالّةٌ .
الحالة الثّانية : أن يكون رجوعه ممكناً ، كالوصيّة وعزل الإمام أحداً ممّن يمكنه عزلهم وتوليتهم ، فإن صرّح برجوعه عن الأوّل ، أو بإلحاقه شرطاً ، أو تقييده بحالٍ ، أو غير ذلك لحق - وإن لم يتبيّن أنّه قصد الرّجوع - فهذا يشبه التّعارض في الأدلّة الشّرعيّة ، فهو تبديلٌ عند الحنفيّة مطلقاً . ولو كان خاصّاً بعد عامٍّ أو عكسه فالعمل بالثّاني بكلّ حالٍ . وعند غيرهم قد يجري فيه تقديم الخاصّ على العامّ سواءٌ أكان الخاصّ سابقاً أم متأخّراً .


*استدلالٌ
التعريف
1 - الاستدلال لغةً : طلب الدّليل ، وهو من دلّه على الطّريق دلالةً : إذا أرشده إليه . وله في عرف الأصوليّين إطلاقاتٌ . أهمّها اثنان : الأوّل : أنّه إقامة الدّليل مطلقاً ، أي سواءٌ أكان الدّليل نصّاً ، أم إجماعاً ، أم غيرهما . والثّاني : أنّه الدّليل الّذي ليس بنصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ . وفي قولٍ : الدّليل الّذي ليس بنصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ علّةٌ . قال الشّربينيّ : « الاستفعال يرد لمعانٍ . وعندي أنّ المراد منها هنا ( أي في هذا الإطلاق الثّاني ) الاتّخاذ . والمعنى أنّ هذه الأشياء اتّخذت أدلّةً ، أمّا الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس فقيامها أدلّةً لم ينشأ عن صنيع المجتهدين واجتهادهم ، أمّا الاستصحاب ونحوه ممّا اعتبر استدلالاً فشيءٌ قاله كلّ إمامٍ بمقتضى اجتهاده ، فكأنّه اتّخذه دليلاً » .
2 - فعلى هذا الإطلاق الثّاني يدخل في الاستدلال الأدلّة التّالية :
( أ ، ب ) - القياس الاقترانيّ ، والقياس الاستثنائيّ ، وهما نوعا القياس المنطقيّ . مثال الاقترانيّ : النّبيذ مسكرٌ ، وكلّ مسكرٍ حرامٌ ، ينتج : النّبيذ حرامٌ . ومثال الاستثنائيّ : إن كان النّبيذ مسكراً فهو حرامٌ ، لكنّه مسكرٌ ، ينتج : فهو حرامٌ . أو : إن كان النّبيذ مباحاً فهو ليس بمسكرٍ ، لكنّه مسكرٌ ، ينتج : فهو ليس بمباحٍ .
( ج ) وقياس العكس : ذكر السّبكيّ أنّه من الاستدلال . وقياس العكس هو : إثبات عكس حكم شيءٍ لمثله ، لتعاكسهما في العلّة ، كما في حديث مسلمٍ : « وفي بضع أحدكم صدقةٌ قالوا : أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجرٌ ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ »
( د ) وقول العلماء : الدّليل يقتضي ألاّ يكون الأمر كذا ، خولف في صورة كذا ، لمعنًى مفقودٍ في صورة النّزاع ، فتبقى هي على الأصل الّذي اقتضاه الدّليل .
( هـ ) انتفاء الحكم لانتفاء دليله ، بأن لم يجده المجتهد بعد الفحص الشّديد ، فعدم وجدانه دليلٌ على انتفاء الحكم . قال في المحلّى : خلافاً للأكثر .
( و ) قول العلماء : وجد السّبب فوجد الحكم ، أو وجد المانع أو فقد الشّرط فانتفى الحكم ، قال السّبكيّ : خلافاً للأكثر .
( ز ) الاستقراء وهو : الاستدلال بالجزئيّ على الكلّيّ . قال السّبكيّ : فإن كان تامّاً بكلّ الجزئيّات إلاّ صورة النّزاع ، فهو دليلٌ قطعيٌّ عند الأكثر ، وإن كان ناقصاً ، أي بأكثر الجزئيّات ، فدليلٌ ظنّيٌّ . ويسمّى هذا عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأغلب .
( ح ) الاستصحاب وهو كما عرّفه السّعد : الحكم ببقاء أمرٍ كان في الزّمان الأوّل ، ولم يظنّ عدمه ، وينظر تفصيل القول فيه في بحث الاستصحاب ، وفي الملحق الأصوليّ . ونفى قومٌ أن يكون استدلالاً .
( ط ) شرع من قبلنا ، على تفصيلٍ فيه ، يرجع إليه في الملحق الأصوليّ . ونفى قومٌ أن يكون استدلالاً . ذكر هذه الأنواع التّسعة السّبكيّ في جمع الجوامع .
( ي ) وزاد الحنفيّة الاستحسان ، واستدلّ به غيرهم لكن سمّوه بأسماءٍ أخرى .
( ك ) وزاد المالكيّة المصالح المرسلة . وسمّاه الغزاليّ الاستدلال المرسل . وسمّاه أيضاً الاستصلاح ، واستدلّ به غيرهم .
( ل ) ويدخل في الاستدلال أيضاً : القياس في معنى الأصل ، وهو المسمّى بتنقيح المناط .
( م ) وفي كشف الأسرار للبزدويّ : الاستدلال هو : انتقال الذّهن من المؤثّر إلى الأثر ، وقيل بالعكس ، وقيل مطلقاً . وقيل : بل الانتقال من المؤثّر إلى الأثر يسمّى تعليلاً ، والانتقال من الأثر إلى المؤثّر يسمّى استدلالاً .
3 - وأكثر هذه الأنواع يفصّل القول فيها تحت مصطلحاتها الخاصّة ، ويرجع إليها أيضاً في الملحق الأصوليّ .
مواطن البحث في كلام الفقهاء :
4 - يرد عند الفقهاء ذكر الاستدلال في مواطن كثيرةٍ . منها في مبحث استقبال القبلة : الاستدلال بالنّجوم ، ومهابّ الرّياح ، والمحاريب المنصوبة وغير ذلك ، على القبلة . ومنها في مبحث مواقيت الصّلاة : الاستدلال بالنّجوم ومقادير الظّلال على ساعات اللّيل والنّهار ، ومواعيد الصّلاة . ومنها في مبحث الدّعاوى والبيّنات : الاستدلال على الحقّ بالشّهادات ، والقرائن والفراسة ونحو ذلك .


*استراق السّمع
التعريف
1 - قال أهل اللّغة : استراق السّمع يعني التّسمّع مستخفياً . وقال القرطبيّ في تفسيره : هو الخطفة اليسيرة .
الألفاظ ذات الصّلة

أ - التّجسّس :
2 - التّجسّس هو : التّفتيش عن بواطن الأمور ، ومن الفروق بين التّجسّس واستراق السّمع ما يلي : أنّ التّجسّس هو التّنقيب عن أمورٍ معيّنةٍ ، يبغي المتجسّس الحصول عليها ، أمّا استراق السّمع فيكون بحمل ما يقع له من معلوماتٍ . وأنّ التّجسّس مبناه على الصّبر والتّأنّي للحصول على المعلومات المطلوبة ، أمّا استراق السّمع فإنّ مبناه على التّعجّل . ويرى البعض : أنّ التّجسّس يعني البحث عن العورات ، وأنّه أكثر ما يقال في الشّرّ . أمّا استراق السّمع فيكون فيه حمل ما يقع له من أقوالٍ ، خيراً كانت أم شرّاً .
ب - التّحسّس :
3 - التّحسّس أعمّ من استراق السّمع ، قال في عون المعبود في شرح قوله صلى الله عليه وسلم : « ولا تحسّسوا » أي : لا تطلبوا الشّيء بالحاسّة ، كاستراق السّمع . ويقرب من هذا ما في شرح النّوويّ لصحيح مسلمٍ ، وما في فتح الباري وعمدة القاريّ لشرح صحيح البخاريّ .
الحكم التّكليفيّ :
4 - الأصل تحريم استراق السّمع ، وقد ورد النّهي عنه على لسان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : « من استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون ، أو يفرّون منه ، صبّ في أذنيه الآنك يوم القيامة » . ولقوله صلى الله عليه وسلم « إيّاكم والظّنّ ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث ، ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا » ولأنّ الأسرار الشّخصيّة للنّاس محترمةٌ لا يجوز انتهاكها إلاّ بحقٍّ مشروعٍ .
5 - يستثنى من هذا النّهي : الحالات الّتي يشرع فيها التّجسّس ( الّذي هو أشدّ تحريماً من استراق السّمع ) كما لو تعيّن التّجسّس أو استراق السّمع طريقاً إلى إنقاذ نفسٍ من الهلاك ، كأن يخبر ثقةٌ بأنّ فلاناً خلا بشخصٍ ليقتله ظلماً ، فيشرع في هذه الصّورة التّجسّس ، وما هو أدنى منه من استراق السّمع . كما يستثنى من ذلك أيضاً : استراق وليّ الأمر السّمع بنيّة معرفة الخلل الواقع في المجتمع ؛ ليقوم بإصلاحه ، فيحلّ للمحتسب استراق السّمع ، كما يحلّ له أن ينشر عيونه ؛ لينقلوا له أخبار النّاس وأحوال السّوقة ، ليعرف ألاعيبهم وطرق تحايلهم ، فيضع لهم من أساليب القمع ما يدرأ ضررهم عن المجتمع ، قال في نهاية الرّتبة في طلب الحسبة : « ويلازم المحتسب الأسواق والدّروب في أوقات الغفلة عنه ، ويتّخذ له فيها عيوناً يوصّلون إليه الأخبار وأحوال السّوقة » . وقد كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يعسّ في شوارع المدينة المنوّرة ليلاً يسترق السّمع ، ويتسقّط أخبار المسلمين لمعرفة أحوالهم ، ويعين ذا الحاجة ، ويرفع الظّلم عن المظلوم ، ويكتشف الخلل ليسارع إلى إصلاحه ، وقصصه في ذلك كثيرةٌ لا تحصى .
عقوبة استراق السّمع :
6 - إذا كان استراق السّمع منهيّاً عنه في الجملة إلاّ في حالاتٍ - وإتيان المنهيّ عنه يوجب التّعزير - فإنّ استراق السّمع في غير الحالات المسموح به فيها يستحقّ فاعله التّعزير . ويرجع في تفصيل أحكام استراق السّمع إلى مصطلح ( تجسّسٌ ) . وإلى باب الجهاد ( قتل الجاسوس ) وإلى الحظر والإباحة ( أحكام النّظر ) .


*استرجاعٌ
التعريف
1 - الاسترجاع لغةً : مادّتها رجع ، أي : انصرف . واسترجعت منه الشّيء : إذا أخذت منه ما دفعته إليه . واسترجع الرّجل عند المصيبة : قال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون .
ويستعمل عند الفقهاء بمعنيين :
أ - بمعنى استردادٍ ، ومن ذلك قولهم : للمشتري - بعد فسخه بالعيب - حبس المبيع إلى حين استرجاع ثمنه من البائع . وقولهم : السّلع المبيعة أو المجعولة ثمناً إذا علم بعيوبها من صارت إليه بعد العقد فإنّ له الفسخ ، واسترجاع عوضها من قابضه إن كان باقياً ، أو بدله إن تعذّر ردّه . ( ر : استردادٌ ) .
ب - بمعنى قول : « إنّا للّه وإنّا إليه راجعون » ، عند المصيبة . وتفصيل الكلام في ذلك على الوجه الآتي :
متى يشرع الاسترجاع عند المصيبة ؟ ومتى لا يشرع ؟ .
2 - يشرع الاسترجاع عند كلّ ما يبتلى به الإنسان من مصائب ، عظمت أو صغرت . والأصل فيه قول اللّه عزّ وجلّ : { ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون } وإنّما يشرع الاسترجاع عند كلّ شيءٍ يؤذي الإنسان ويضرّه ؛ لما روي « أنّه طفئ سراج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون فقيل : أمصيبةٌ هي ؟ قال : نعم ، كلّ شيءٍ يؤذي المؤمن فهو له مصيبةٌ » وقال صلى الله عليه وسلم : « ليسترجع أحدكم في كلّ شيءٍ ، حتّى في شسع نعله ، فإنّها من المصائب » . وغير ذلك كثيرٌ ممّا روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
3 - والحكمة في الاسترجاع عند المصائب : الإقرار بعبوديّة اللّه ووحدانيّته ، والتّصديق بالمعاد ، والرّجوع إليه ، والتّسليم بقضائه ، والرّجاء في ثوابه . ولذلك يقول النّبيّ : « من استرجع عند المصيبة جبر اللّه مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه » .
4 - أمّا متى لا يشرع : فمعلومٌ أنّ الاسترجاع بعض آيةٍ من القرآن الكريم ، وأنّه يحرم على غير الطّاهر قراءة أيّ شيءٍ منه ، ولو بعض آيةٍ . وقد ذكر الفقهاء في كتبهم : أنّه يحرم على الجنب والحائض والنّفساء قراءة شيءٍ من القرآن وإن قلّ ، حتّى بعض آيةٍ ، ولو كان يقرأ في كتاب فقهٍ أو غيره فيه احتجاجٌ بآيةٍ حرم عليه قراءتها ؛ لأنّه يقصد القرآن للاحتجاج ، أمّا إذا كان لا يقصد القرآن فلا بأس ؛ لأنّهم قالوا : يجوز للجنب والحائض والنّفساء أن تقول عند المصيبة : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، إذا لم تقصد القرآن .
حكمه التّكليفيّ :
5 - يذكر الفقهاء أنّ الاسترجاع ينطوي على أمرين :
أ - قولٍ باللّسان ، وهو أن يقول عند المصيبة : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون . وهذا مستحبٌّ .
ب - عملٍ بالقلب ، وهو الاستسلام والصّبر والتّوكّل ، وما يتبع ذلك ، وهذا واجبٌ .


*استردادٌ
التعريف
1 - الاسترداد في اللّغة : طلب الرّدّ ، يقال : استردّ الشّيء وارتدّه : طلب ردّه عليه ، ويقال : وهب هبةً ثمّ ارتدّها أي : استردّها ، واستردّه الشّيء : سأله أن يردّه عليه . ولم يخرج الفقهاء في استعمالهم عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الردٌّ :
2 - الرّدّ : هو صرف الشّيء ورجعه . فالرّدّ قد يكون أثراً للاسترداد ، وقد يحصل الرّدّ بلا استردادٍ .
ب - الارتجاعٌ - الاسترجاعٌ :
3 - يقال رجع في هبته : إذا أعادها إلى ملكه ، وارتجعها واسترجعها كذلك ، واسترجعت منه الشّيء : إذا أخذت منه ما دفعته إليه . ويتبيّن من ذلك أنّ الاسترداد والارتجاع والاسترجاع بمعنًى واحدٍ لغةً واصطلاحاً .
صفته : حكمه التّكليفيّ :
4 - الاسترداد من التّصرّفات الجائزة ، وقد يعرض له الوجوب ، كما في البيوع الفاسدة ، حيث يجب الفسخ ، فإن كانت السّلعة قائمةً ردّت بعينها ، وإن كانت فائتةً ردّت قيمتها على البائع بالغةً ما بلغت ، وردّ الثّمن على المشتري ، وذلك في الجملة ، على خلافٍ تفصيله في مصطلحي : ( فسادٌ - وبطلانٌ ) لأنّ الفسخ حقّ الشّرع . وقد يحرم الاسترداد ، كمن أخرج صدقةً ، فإنّه يحرم عليه استردادها ؛ لقول عمر : من وهب هبةً على وجه صدقةٍ فإنّه لا يرجع فيها ولأنّ المقصود هو الثّواب وقد حصل .
أسباب حقّ الاسترداد :
للاسترداد أسبابٌ متنوّعةٌ منها : الاستحقاق ، والتّصرّفات الّتي لا تلزم ، وفساد العقد .. إلخ وبيان ذلك فيما يأتي :
أوّلاً : الاستحقاق :
5 - الاستحقاق - بمعناه الأعمّ - ظهور كون الشّيء حقّاً واجباً للغير . وهذا التعريـف يشمل الغصب والسّرقة ، فالمغصوب منه والمسروق منه يثبت لهما حقّ الاسترداد ، ويجب على الغاصب والسّارق ردّ المغصوب والمسروق لربّه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » . ويشمل استحقاق المبيع على المشتري ، أو الموهوب على المتّهب ، فيوجب الفسخ والاسترداد ، لفساد العقد في الأصحّ عند الشّافعيّة والحنابلة ، ويتوقّف العقد على إجازة ربّه عند الحنفيّة والمالكيّة . والقول بالتّوقّف هو أيضاً مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة والحنابلة . وإذا فسخ البيع ثبت للمشتري في الجملة حقّ استرداد الثّمن ، على تفصيلٍ بين ما إذا كان ثبوت الاستحقاق بالبيّنة ، أو بالإقرار . وينظر تفصيل ذلك في ( استحقاقٌ ) .
ثانياً : التّصرّفات الّتي لا تلزم : التّصرّفات الّتي لا تلزم متنوّعةٌ ، منها :
أ - العقود غير اللاّزمة :
6 - وهي الّتي تقبل بطبيعتها أن يرجع فيها أحد العاقدين كالوديعة ، والعاريّة ، والمضاربة ، والشّركة ، والوكالة . فهذه العقود غير لازمةٍ ، ويجوز الرّجوع فيها في الجملة ، ويثبت عند فسخها حقّ الاسترداد للمالك ، ويجب الرّدّ عند الطّلب ؛ لأنّها أماناتٌ يجب ردّها ؛ لقول اللّه تعالى : { إنّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها } ، ولذلك لو حبسها بعد الطّلب فضاعت ضمن ، ولو هلكت بلا تعدٍّ أو تفريطٍ لم يضمن . وهذه الأحكام متّفقٌ عليها في الجملة ، إذا توافرت الشّروط المعتبرة شرعاً ، كنضو رأس المال في المضاربة ، أي تحوّل السّلع إلى نقودٍ . ولو كان في الاسترداد ضررٌ فإنّه يتوقّف حتّى يزول الضّرر ، كالأرض إذا استعيرت للزّراعة ، وأراد المعير الرّجوع ، فيتوقّف الاسترداد حتّى يحصد الزّرع . والعاريّة المقيّدة بعملٍ أو أجلٍ عند المالكيّة لا تستردّ حتّى ينقضي الأجل أو العمل . هذا حكم الاسترداد في الجملة في هذه التّصرّفات ، وفي ذلك تفاصيل كثيرةٌ يرجع إليها في موضوعاتها .
ب - العقود الّتي يدخلها الخيار :
7 -كخيار الشّرط ، وخيار العيب ونحوهما كثيرةٌ من أهمّها : البيع ، والإجارة . ففي البيع : بكون العقد في مدّة خيار الشّرط غير لازمٍ ، ولمن له الخيار حقّ الفسخ والرّدّ . جاء في بدائع الصّنائع : البيع بشرط الخيار بيعٌ غير لازمٍ ، لأنّ الخيار يمنع لزوم الصّفقة ، قال سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه : البيع صفقةٌ أو خيارٌ ولأنّ الخيار هو التّخيير بين الفسخ والإجازة ، وهذا يمنع اللّزوم ، ومثل ذلك في بقيّة المذاهب مع التّفاصيل . كذلك خيار العيب يجعل العقد غير لازمٍ وقابلاً للفسخ ، فإذا نقض المشتري البيع بخيار العيب انفسخ العقد ، وردّ المشتري البيع معيباً إلى البائع واستردّ الثّمن . ويختلف الفقهاء في حقّ المشتري في إمساك المبيع معيباً ، والرّجوع على البائع بأرش العيب في المعيب ، فالحنفيّة والشّافعيّة لا يعطونه هذا الحقّ ، وإنّما له أن يردّ السّلعة ويستردّ الثّمن ، أو يمسك المعيب ولا رجوع له بنقصانٍ ؛ لأنّ الأوصاف لا يقابلها شيءٌ من الثّمن في مجرّد العقد ؛ ولأنّه لم يرض بزواله عن ملكه بأقلّ من المسمّى ، فيتضرّر به ، ودفع الضّرر عن المشتري ممكنٌ بالرّدّ بدون تضرّره . أمّا الحنابلة فإنّه يكون للمشتري عندهم الخيار بين الرّدّ والرّجوع بالثّمن ، وبين الإمساك والرّجوع بأرش العيب . ويفصّل المالكيّة بين العيب اليسير غير المؤثّر ، فلا شيء فيه ولا ردّ به ، وبين العيب المؤثّر الّذي له قيمةٌ فيرجع بأرشه ، وبين العيب الفاحش فيجب هنا الرّدّ ، حتّى إذا أمسكه ليس له الرّجوع بالنّقصان ، وفي خيار العيب تفصيلٌ يرجع إليه في مصطلحه . هذه أمثلةٌ لبعض الخيارات الّتي تجعل العقد غير لازمٍ ، ويثبت بها حقّ الاسترداد وهناك خياراتٌ أخرى تسير على هذا النّمط ، كخيار التّعيين ، وخيار الغبن ، وخيار التّدليس ، وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( خيارٌ ) .
8 - ويدخل الخيار كذلك عقد الإجارة ، فيثبت به حقّ الفسخ والرّدّ ، فمن استأجر داراً فوجد بها عيباً حادثاً يضرّ بالسّكنى ، فله الفسخ والرّدّ .
ثالثاً : العقد الموقوف عند عدم الإجازة :
9 - ومن أشهر أمثلته : بيع الفضوليّ ، فإنّه لا ينفذ لانعدام الملك ، لكنّه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك عند الحنفيّة والمالكيّة ، فإن أمضاه مضى ، وإن ردّه ردّ . وإذا أجاز المالك البيع صار الفضوليّ بمنزلة الوكيل ، وينتقل ملك المبيع إلى المشتري ، ويكون الثّمن للمالك ؛ لأنّه بدل ملكه . وبيع الفضوليّ قابلٌ للفسخ من جهة المشتري وجهة الفضوليّ عند الحنفيّة ، فلو فسخه الفضوليّ قبل الإجازة انفسخ ، واستردّ المبيع إن كان قد سلّم ، ويرجع المشتري بالثّمن على البائع إن كان قد نقده ، وكذا إذا فسخه المشتري ينفسخ . أمّا عند المالكيّة : فهو لازمٌ من جهة الفضوليّ ومن جهة المشتري ، منحلٌّ من جهة المالك . أمّا عند الشّافعيّة ، والحنابلة : فبيع الفضوليّ باطلٌ في الأصحّ ويجب ردّه ، وفي الرّواية الأخرى : أنّه يتوقّف على إجازة المالك . وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ( ر : فضوليٌّ - بيعٌ ) .
رابعاً : فساد العقد :
10 - يفرّق الحنفيّة بين العقد الباطل والعقد الفاسد ، فالعقد الباطل عندهم : هو ما لم يشرع بأصله ولا وصفه ، والعقد الفاسد : هو ما شرع بأصله دون وصفه . أمّا حكم الاسترداد بالنّسبة لكلٍّ من الباطل والفاسد فيظهر فيما يأتي : العقد الباطل لا وجود له شرعاً ، ولا يفيد الملك ؛ لأنّه لا أثر له ، ولا يملك أحد العاقدين أن يجبر الآخر على تنفيذه . ففي البيع يقول الكاسانيّ : لا حكم لهذا البيع ( الباطل ) أصلاً ؛ لأنّ الحكم للموجود ، ولا وجود لهذا البيع إلاّ من حيث الصّورة ؛ لأنّ التّصرّف الشّرعيّ لا وجود له بدون الأهليّة والمحلّيّة شرعاً ، كما لا وجود للتّصرّف الحقيقيّ إلاّ من الأهل في المحلّ حقيقةً ، وذلك نحو بيع الميتة ، والدّم ، وكلّ ما ليس بمالٍ . وما دام العقد الباطل لا وجود له شرعاً ، ولا ينتج أيّ أثرٍ ، فإنّه يترتّب على ذلك أنّ البائع لو سلّم المبيع باختياره للمشتري ، أو دفع المشتري باختياره الثّمن للبائع ، كان للبائع أن يستردّ المبيع ، وللمشتري أن يستردّ الثّمن ؛ لأنّ البيع الباطل لا يفيد الملك ولو بالقبض ، ولذلك لو تصرّف المشتري فيه ببيعٍ ، أو هبةٍ ، أو عتقٍ ، فإنّ هذا التّصرّف لا يمنع البائع من استرداد المبيع من يد المشتري الثّاني ، ذلك أنّ البيع الباطل لم ينقل الملكيّة للمشتري ، فيكون المشتري قد باع مالاً غير مملوكٍ له .
11 - أمّا العقد الفاسد فإنّه وإن كان مشروعاً بأصله لكنّه غير مشروعٍ بوصفه ، فلذلك يفيد الملك بالقبض في الجملة ، إلاّ أنّه ملكٌ غير لازمٍ ، بل هو مستحقٌّ الفسخ ، حقّاً للّه تعالى ؛ لما في الفسخ من رفع الفساد ، ورفع الفساد حقّ اللّه تعالى ، والفسخ في البيع الفاسد يستلزم ردّ المبيع على بائعه ، وردّ الثّمن على المشتري ، هذا إذا كان المبيع قائماً في يد المشتري . أمّا إذا تصرّف فيه ببيعٍ أو هبةٍ ، فليس لواحدٍ منهما فسخه ؛ لأنّ المشتري ملكه بالقبض ، فتنفذ فيه تصرّفاته كلّها ، وينقطع به حقّ البائع في الاسترداد ؛ لأنّه تعلّق به حقّ العبد ، والاسترداد حقّ الشّرع ، وما اجتمع حقّ اللّه وحقّ العبد إلاّ غلب حقّ العبد لحاجته . وسواءٌ أكان التّصرّف يقبل الفسخ ، أو لا يقبله ، إلاّ الإجارة فإنّها لا تقطع حقّ البائع في الاسترداد ؛ لأنّ الإجارة عقدٌ ضعيفٌ يفسخ بالأعذار ، وفساد الشّراء عذرٌ ، هذا هو مذهب الحنفيّة .
12 - أمّا الجمهور : فإنّهم لا يفرّقون بين العقد الفاسد والعقد الباطل . فالفاسد والباطل عندهم شيءٌ واحدٌ ، ولا يحصل به الملك ، سواءٌ اتّصل به القبض ، أم لم يتّصل ، ويلزم ردّ المبيع على بائعه ، والثّمن على المشتري هذا إذا كان المبيع قائماً في يد المشتري . أمّا إذا تصرّف فيه المشتري ببيعٍ أو هبةٍ فقد اختلفوا في ذلك . فعند الشّافعيّة والحنابلة : لا ينفذ تصرّف المشتري بذلك ، ويكون من حقّ البائع استرداد المبيع ، ومن حقّ المشتري استرداد الثّمن . أمّا المالكيّة : فإنّه يجب عندهم ردّ المبيع الفاسد لربّه إن لم يفت ، كأن لم يخرج عن يده ببيعٍ ، أو بنيانٍ ، أو غرسٍ ، فإن فات بيد المشتري مضى المختلف فيه - ولو خارج المذهب المالكيّ - بالثّمن الّذي وقع به البيع ، وإن لم يكن مختلفاً فيه بل متّفقاً على فساده ، ضمن المشتري قيمته إن كان مقوّماً حين القبض ، وضمن مثل المثليّ إذا بيع كيلاً أو وزناً ، وعلم كيله أو وزنه ، ولم يتعذّر وجوده ، وإلاّ ضمن قيمته يوم القضاء عليه بالرّدّ .
خامساً : انتهاء مدّة العقد :
13 - انتهاء مدّة العقد في العقود المقيّدة بمدّةٍ يثبت حقّ الاسترداد ، ففي عقد الإجارة يكون للمؤجّر أن يستردّ ما آجره إذا انقضت مدّة الإجارة ، فمن استأجر أرضاً للبناء ، وغرس الأشجار ، ومضت مدّة الإجارة ، لزم المستأجر أن يقلع البناء والغرس ويسلّمها إلى ربّها فارغةً ، لأنّه يجب عليه ردّها إلى صاحبها غير مشغولةٍ ببنائه وغرسه ؛ لأنّ البناء والغرس ليس لهما حالةٌ منتظرةٌ ينتهيان إليها . وفي تركهما على الدّوام بأجرٍ أو بغير أجرٍ يتضرّر صاحب الأرض ، فيتعيّن القلع في الحال ، إلاّ أن يختار صاحب الأرض أن يغرم له قيمة ذلك مقلوعاً ، ويتملّكه ، ( وذلك برضى صاحب الغرس والشّجر ، إلاّ أن تنقص الأرض بقلعهما ، فحينئذٍ يتملّكهما بغير رضاه ) أو يرضى بتركه على حاله ، فيكون البناء لهذا ، والأرض لهذا ؛ لأنّ الحقّ له ، فله ألاّ يستوفيه . هذا مذهب الحنفيّة . وعند الحنابلة : يخيّر المالك بين تملّك الغراس والبناء بقيمته ، أو تركه بأجرته ، أو قلعه وضمان نقصه ، ما لم يقلعه مالكه . ومثل ذلك مذهب الشّافعيّة ، إلاّ إذا كان صاحب الأرض شرط القلع عند انتهاء المدّة ، فإنّه يعمل بشرطه . وعند المالكيّة : يجبر صاحب الغرس على القلع بعد انتهاء المدّة ، ويجوز لربّ الأرض كراؤها له مدّةً مستقبلةً ، وهذا بالنّسبة للغرس والبناء . أمّا بالنّسبة للزّراعة إذا انقضت المدّة والزّرع لم يدرك ، فليس للمؤجّر في هذه الحالة أن يستردّ أرضه ، وإنّما يترك الزّرع على حاله إلى أن يستحصد ، ويكون للمالك أجر المثل ؛ لأنّ للزّرع نهايةً معلومةً ، فأمكن رعاية الجانبين . وهذا هو الحكم في الجملة عند الفقهاء . غير أنّ الحنابلة يقيّدون ذلك بعدم التّفريط من المستأجر ، فإن كان بتفريطٍ أجبر على القلع . وهذا هو رأي الشّافعيّة في الزّرع المطلق ، أي الّذي لم يحدّد نوعه ، فيكون للمالك عندهم أن يتملّكه بنقله . وأمّا في الزّرع المعيّن إن كان هناك شرطٌ بالقلع ، فله جبر صاحب الزّرع على قلعه ، وإن لم يكن هناك شرطٌ فقولان : بالجبر وعدمه . وعند المالكيّة : يلزمه البقاء إلى الحصاد . وينظر تفصيل ذلك في ( إجارةٌ ) .
سادساً : الإقالة :
14 - الإقالة - سواءٌ اعتبرت فسخاً أم بيعاً - يثبت بها حقّ الاسترداد ، لأنّها من التّصرّفات الجائزة ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أقال مسلماً أقال اللّه عثرته يوم القيامة » . والقصد من الإقالة هو : ردّ كلّ حقٍّ إلى صاحبه . ففي البيع يعود بمقتضاها المبيع إلى البائع ، والثّمن إلى المشتري . وبالجملة فإنّه يجب ردّ الثّمن الأوّل ، أو مثله ، ولا يجوز ردّ زيادةٍ على الثّمن ، أو نقصه ، أو ردّ غير جنسه ؛ لأنّ مقتضى الإقالة ردّ الأمر إلى ما كان عليه ، ورجوع كلٍّ منهما إلى ما كان له . وهذا بالاتّفاق في الجملة . وعند أبي يوسف : الإقالة جائزةٌ بما سمّيا كالبيع الجديد .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:39 AM

سابعاً : الإفلاس :
15 - حقّ الغرماء يتعلّق بمال المفلس ، ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ المشتري إذا حجر عليه لفلسٍ قبل أداء الثّمن الحالّ - والمبيع بيد البائع - فإنّ للبائع أن يحبسه عن المشتري ، ويكون أحقّ به من سائر الغرماء . أمّا إذا كان المشتري قد قبض المبيع ، ولم يدفع الثّمن ، ثمّ حجر عليه لفلسٍ ، ووجد البائع عين ماله الّذي باعه للمفلس ، فإنّه يكون أحقّ بالمبيع من سائر الغرماء ، ولا يسقط حقّه بقبض المشتري للمبيع ، لحديث أبي هريرة مرفوعاً : « من أدرك ماله عند إنسانٍ أفلس فهو أحقّ به » ، وبه قال عثمان وعليٌّ . قال ابن المنذر : لا نعلم أحداً من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خالفهما . فإن شاء البائع استردّه من المشتري وفسخ البيع ، وإن شاء تركه وحاصّ باقي الغرماء بثمنه . وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . هذا مع مراعاة الشّروط الّتي وضعت لاسترداد عين المبيع ، ككونه باقياً في ملك المشتري ، ولم يتغيّر ، ولم يتعلّق به حقٌّ ... إلخ . وذهب الحنفيّة إلى أنّ حقّ البائع في المبيع يسقط بقبض المشتري له بإذنه ، ويصير أسوةً بالغرماء ، فيباع ويقسم ثمنه بالحصص ؛ لأنّ ملك البائع قد زال عن المبيع ، وخرج من ضمانه إلى ملك المشتري وضمانه ، فساوى باقي الغرماء في سبب الاستحقاق ، وإن كان المشتري قبضه بغير إذن البائع كان له استرداده . وإن كان البائع قبض بعض الثّمن ، فقال مالكٌ : إن شاء ردّ ما قبض وأخذ السّلعة كلّها ، وإن شاء حاصّ الغرماء فيما بقي . وقال الشّافعيّ : يأخذ من سلعته بما بقي من الثّمن . وقال جماعةٌ من أهل العلم : إسحاق وأحمد : هو أسوة الغرماء . ولو بذل الغرماء للبائع الثّمن فيلزمه أخذ الثّمن عند المالكيّة ، ولا كلام له فيه ، وعند الشّافعيّة : له الفسخ ؛ لما في التّقديم من المنّة ، وخوف ظهور غريمٍ آخر ، وقيل : ليس له الفسخ . وعند الحنابلة : لا يلزمه القبول من الغرماء ، إلاّ إذا بذله الغريم للمفلس ، ثمّ بذله المفلس لربّ السّلعة . وفي الموضوع تفصيلاتٌ كثيرةٌ تنظر في ( حجرٌ - إفلاسٌ ) .
ثامناً : الموت :
16 - من مات وعليه ديونٌ تعلّقت الدّيون بماله ، وإذا مات مفلساً قبل تأدية ثمن ما اشتراه وقبضه ، ووجد البائع عين ماله في التّركة ، فقال الشّافعيّة : يكون البائع بالخيار ، بين أن يضرب مع الغرماء بالثّمن ، وبين أن يفسخ ، ويرجع في عين ماله ؛ لما روي عن « أبي هريرة أنّه قال في رجلٍ أفلس : هذا الّذي قضى فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أيّما رجلٍ مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقّ بمتاعه إذا وجده بعينه » فإن كانت التّركة تفي بالدّين ففيه وجهان : أحدهما ، وهو قول أبي سعيدٍ الإصطخريّ : له أن يرجع في عين ماله ، لحديث أبي هريرة ، والثّاني : لا يجوز أن يرجع في عين ماله ، وهو المذهب ؛ لأنّ المال يفي بالدّين ، فلم يجز الرّجوع في المبيع ، كالحيّ المليء . وعند الحنابلة والمالكيّة والحنفيّة : ليس للبائع الرّجوع في عين ماله ، بل يكون أسوة الغرماء ؛ لحديث أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « أيّما رجلٍ باع متاعه فأفلس الّذي ابتاعه ، ولم يقبض الّذي باعه من ثمنه شيئاً ، فوجد متاعه بعينه فهو أحقّ به ، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء » . ولأنّ الملك انتقل عن المفلس إلى الورثة فأشبه . ما لو باعه .
تاسعاً : الرّشد :
17 - يجب دفع المال إلى المحجور عليه إذا بلغ ورشد ، لقوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } حتّى لو منعه الوليّ ، أو الوصيّ منه حين طلبه ماله يكون ضامناً . وفي ذلك تفصيلٌ ( ر : رشدٌ - حجرٌ ) .
صيغة الاسترداد :
18 - في العقد الفاسد ( وهو ما يجب فيه الفسخ والرّدّ ) يكون الفسخ بالقول ، كفسخت العقد أو نقضت أو رددت ، فينفسخ ولا يحتاج إلى قضاء القاضي ، ولا إلى رضى البائع ؛ لأنّ هذا البيع استحقّ الفسخ حقّاً للّه تعالى . ويكون الرّدّ بالفعل ، وهو أن يردّ المبيع على بائعه على أيّ وجهٍ ردّه . والرّجوع في الهبة - وهو استردادٌ - يكون بقول الواهب : رجعت في هبتي ، أو ارتجعتها ، أو رددتها ، أو عدت فيها . أو يكون بالأخذ بنيّة الرّجوع ، أو الإشهاد ، أو بقضاء القاضي كما هو عند الحنفيّة .
كيفيّة الاسترداد :
إذا ثبت حقّ الاسترداد لإنسانٍ في شيءٍ ما ، بأيّ سببٍ من الأسباب السّابق ذكرها ، فإنّ الاسترداد يتحقّق بعدّة أمورٍ :
الأوّل : استرداد عين الشّيء :
19 - إذا كان ما يستحقّ استرداده قائماً بعينه فإنّه يردّ بعينه ، فالمغصوب ، والمسروق ، والمبيع بيعاً فاسداً ، والمفسوخ لخيارٍ ، أو لانقطاع مسلمٍ فيه ، أو لإقالةٍ ، كلّ هذا يستردّ بعينه ما دام قائماً . وكذلك الأمانات ، كالودائع والعواريّ تردّ بعينها ما دامت قائمةً ، ومثل ذلك ما انتهت مدّته في العقد كالإجارة ، والعاريّة المقيّدة بأجلٍ ، وما وجد بعينه عند المفلس وثبت استحقاقه ، وما يجوز الرّجوع فيه كالهبة . والأصل في ذلك قول اللّه تعالى : { إنّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « على اليد ما أخذت حتّى تردّ » . وقوله : « من وجد ماله بعينه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحقّ به » . وردّ العين هو الواجب الأصليّ ( إلاّ ما جاء في القرض من أنّه لا يجب ردّ العين ، ولو كانت قائمةً ، وإن كان ذلك جائزاً ) على ما ذهب إليه الحنابلة والمالكيّة ، وفي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وفي قولٍ للشّافعيّة . هذا إذا كانت العين قائمةً بعينها دون حدوث تغييرٍ فيها ، لكنّها قد تتغيّر بزيادةٍ ، أو نقصٍ ، أو تغيير صورةٍ ، فهل يؤثّر ذلك على استرداد العين ؟ أورد الفقهاء في ذلك صوراً كثيرةً ، وفروعاً متعدّدةً ، وأهمّ ما ورد فيه ذلك : البيع الفاسد ، والغصب والهبة . ونورد فيما يلي بعض القواعد الكلّيّة الّتي يندرج تحتها كثيرٌ من الفروع والمسائل .
أوّلاً : بالنّسبة للبيع الفاسد والغصب :
20 - يتشابه الحكم في البيع الفاسد والغصب ، حيث إنّ البيع الفاسد يجب فيه الفسخ والرّدّ حقّاً للشّرع ، وكذلك المغصوب يجب ردّه ، وبيان ذلك فيما يلي :
أ - التّغيير بالزّيادة :
21 - إذا تغيّر المبيع بيعاً فاسداً أو المغصوب بالزّيادة ، فإن كانت الزّيادة متّصلةً متولّدةً من الأصل ، كالسّمن والجمال ، أو كانت منفصلةً ، سواءٌ أكانت متولّدةً من الأصل ، كالولد واللّبن والثّمرة ، أم غير متولّدةٍ من الأصل ، كالهبة والصّدقة والكسب ، فإنّها لا تمنع الرّدّ ، وللمستحقّ أن يستردّ الأصل مع الزّيادة ؛ لأنّ الزّيادة نماء ملكه ، وتابعةٌ للأصل ، والأصل مضمون الرّدّ ، فكذلك التّبع . وهذا باتّفاق الفقهاء في الغصب ، وعند غير المالكيّة في المبيع بيعاً فاسداً . أمّا عند المالكيّة فإنّ المبيع بيعاً فاسداً يفوت بالزّيادة ، ولا يجب ردّ عينه . وإن كانت الزّيادة متّصلةً غير متولّدةٍ من الأصل ، كمن غصب ثوباً فصبغه ، أو سويقاً فلتّه بسمنٍ . فعند الحنفيّة : يمتنع الرّدّ في البيع الفاسد ؛ لتعذّر الفصل ، أمّا في الغصب فإنّ المالك بالخيار إن شاء ضمّنه قيمة الثّوب دون صبغٍ ، ومثله السّويق ، وإن شاء أخذهما وغرم ما زاد الصّبغ والسّمن فيهما ، وذلك رعايةٌ للجانبين . وعند المالكيّة . لا ردّ في البيع الفاسد ، وفي الغصب يخيّر المالك في الثّوب فقط ، أمّا السّويق فلا يستردّ ؛ لأنّه تفاضل طعامين . وعند الحنابلة والشّافعيّة : يردّ لصاحبه ، ويكونان شريكين في الزّيادة إن زاد بذلك ، ويقول الشّافعيّة : إن أمكن قلع الصّبغ أجبر عليه .
ب - التّغيير بالنّقص :
22 - إذا كان التّغيير بالنّقص ، كما إذا نقص العقار بسكناه وزراعته ، وكتخرّق الثّوب ، فإنّه يردّ مع أرش النّقصان ، وسواءٌ أكان النّقصان بآفةٍ سماويّةٍ ، أم بفعل الغاصب والمشتري شراءً فاسداً ، وهذا باتّفاقٍ في الغصب ، وعند غير المالكيّة في البيع الفاسد حيث يعتبر التّغيير بالنّقص مانعاً للرّدّ وفوتاً عند المالكيّة ، كالزّيادة .
ج - التّغيير بالصّورة والشّكل :
23 - وإذا تغيّرت صورة المستحقّ ، بأن كان شاةً فذبحها وشواها ، أو حنطةً فطحنها ، أو غزلاً فنسجه ، أو قطناً فغزله ، أو ثوباً فخاطه قميصاً ، أو طيناً جعله لبناً أو فخّاراً ، فعند الشّافعيّة والحنابلة : لا ينقطع حقّ صاحبه في الاسترداد ، ويجب ردّه لصاحبه ؛ لأنّه عين ماله ، وله مع ذلك أرش نقصه إن نقص بذلك . وعند الحنفيّة والمالكيّة : ينقطع حقّ صاحبه في استرداد عينه ، لأنّ اسمه قد تبدّل .
د - التّغيير بالغرس والبناء في الأرض :
24 - والغرس والبناء في الأرض لا يمنع الاسترداد ، ويؤمر صاحب الغرس والبناء بقلع غرسه ، ونقض بنائه ، وردّ الأرض لصاحبها ، وهذا عند الحنابلة والشّافعيّة وأبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ، وهو الحكم أيضاً عند أبي حنيفة والمالكيّة في الغصب دون البيع الفاسد . فعند المالكيّة : يعتبر فوتاً في البيع الفاسد ، وعند أبي حنيفة : البناء والغرس حصلا بتسليطٍ من البائع ، فينقطع حقّه في الاسترداد . وعلى الجملة فإنّه عند الحنابلة والشّافعيّة : لا ينقطع حقّ المالك في استرداد العين إلاّ بالهلاك الكلّيّ ، وعند الحنفيّة : لا ينقطع حقّ الاسترداد في المستحقّ إلاّ إذا تغيّرت صورته وتبدّل اسمه . والأمر كذلك عند المالكيّة في الغصب ، أمّا في البيع الفاسد فإنّ الزّيادة والنّقصان والتّغيير يعتبر فوتاً ، ولا يردّ به المبيع . وفي الموضوع تفاصيل كثيرةٌ ومسائل متعدّدةٌ . ( ر : غصبٌ - بيعٌ - فسادٌ - فسخٌ ) .
ثانياً : بالنّسبة للهبة :
25 - من وهب لمن يجوز الرّجوع عليه - على خلافٍ بين الفقهاء في ذلك ، تفصيله في الهبة - فإنّه يجوز للواهب أن يرجع في هبته ، ويستردّها ما دامت قائمةً بعينها . فإن زادت الهبة في يد الموهوب له ، فإمّا أن تكون زيادةً متّصلةً أو منفصلةً ، فإن كانت الزّيادة منفصلةً - كالولد والثّمرة - فهذه الزّيادة لا تمنع الاسترداد ، لكنّه يستردّ الأصل فقط ، دون الزّيادة . وهذا عند الحنابلة والشّافعيّة والحنفيّة . وإن كانت الزّيادة متّصلةً ، فإنّها لا تمنع الرّجوع عند الشّافعيّة ويرجع بالزّيادة . أمّا عند الحنابلة والحنفيّة : فإنّ الزّيادة المتّصلة تمنع الرّجوع في الهبة . وإذا نقصت الهبة في يد الواهب فإنّها لا تمنع الرّجوع ، وللواهب أن يستردّها من غير أرش ما نقص . والهبة بشرط ثوابٍ معلومٍ تصحّ ، فإن كان الثّواب مجهولاً لم تصحّ ، كما يقول الحنابلة والشّافعيّة ، وصارت كالبيع الفاسد ، وحكمها حكمه ، وتردّ بزوائدها المتّصلة والمنفصلة ؛ لأنّها نماء ملك الواهب . ومذهب المالكيّة يجيز للأب ، ولمن وهب هبةً لثوابٍ الرّجوع فيها ، إذا كانت قائمةً بعينها ، فإن حدث فيها تغييرٌ بزيادةٍ أو نقصٍ فلا تستردّ ، أو كان الولد الموهوب له تزوّج لأجل الهبة ، فذلك يمنع الرّجوع فيها .
الثّاني : الإتلاف بواسطة المستحقّ :
26 - يعتبر إتلاف المالك ما يستحقّه عند واضع اليد عليه استرداداً له ، فالطّعام المغصوب إذا أطعمه الغاصب لمالكه ، فأكله عالماً أنّه طعامه برئ الغاصب من الضّمان ، واعتبر المالك مستردّاً لطعامه ؛ لأنّه أتلف ماله عالماً من غير تغريرٍ ، وهذا باتّفاقٍ . فإن لم يعلم المالك أنّه طعامه ، فعند الحنابلة ، وغير الأظهر عند الشّافعيّة : لا يبرأ الغاصب من الضّمان . وإذا قبض المشتري المبيع ، وثبت للبائع حقّ الاسترداد فيه لأيّ سببٍ ، فأتلفه في يد المشتري ، صار مستردّاً للمبيع بالاستهلاك . وإذا هلك الباقي من سراية جناية البائع يصير مستردّاً للجميع ، ويسقط عن المشتري جميع الثّمن ؛ لأنّ تلف الباقي حصل مضافاً إلى فعله فصار مستردّاً للكلّ . ولو قتل البائع المبيع يعتبر مستردّاً بالقتل ، وكذلك لو حفر البائع بئراً فوقع فيه ومات ؛ لأنّ ذلك في معنى القتل فيصير مستردّاً .
من له حقّ الاسترداد :
27 - يثبت للمالك - إن كان أهلاً للتّصرّف - استرداد ما يستحقّ له عند غيره . وكما يثبت هذا الحقّ للمالك ، فإنّه يثبت لمن يقوم مقامه ، فالوليّ أو الوصيّ يقوم مقام المحجور عليه في تخليص حقّه من ردّ وديعةٍ ، ومغصوبٍ ، ومسروقٍ ، وما يشترى شراءً فاسداً ، وجمع الأموال الضّائعة ، وهو الّذي يقوم بالرّفع للحاكم إذا لم يمكنه الاسترداد . وإذا تبرّع الصّبيّ لا تنفذ تبرّعاته ، ويتعيّن على الوليّ ردّها . وكذلك الوكيل يقوم مقام موكّله فيما وكّل فيه ، والرّدّ على الوكيل حينئذٍ يكون كالرّدّ على الموكّل ، حيث إنّ الوكالة تجوز في الفسوخ ، وفي قبض الحقوق . ومثل ذلك ناظر الوقف ، فإنّه يملك ردّ التّصرّفات الّتي تضرّ بالوقف . والحاكم أو القاضي له النّظر في مال الغائب ، ويأخذ له المال من الغاصب والسّارق ويحفظه عليه ؛ لأنّ القاضي ناظرٌ في حقّ العاجز .
28 - كذلك للإمام حقّ الاسترداد ، فمن أقطعه الإمام شيئاً من الموات لم يملكه بذلك ، لكن يصير أحقّ به ، كالمتحجّر الشّارع في الإحياء ؛ لما روي من حديث بلال بن الحارث حيث استرجع عمر منه ما عجز عن إحيائه ، من العقيق الّذي أقطعه إيّاه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، ولو ملكه لم يجز استرجاعه . وكذلك ردّ عمر قطيعة أبي بكرٍ لعيينة بن حصنٍ ، فسأل عيينة أبا بكرٍ أن يجدّد له كتاباً فقال : لا ، واللّه لا أجدّد شيئاً ردّه عمر . لكن المقطع يصير أحقّ به من سائر النّاس ، وأولى بإحيائه ، فإن أحياه وإلاّ قال له السّلطان : ارفع يدك عنه .
موانع الاسترداد :
29 - سقوط حقّ المالك أو من يقوم مقامه في الاسترداد لمانعٍ من الموانع يشمل ما يأتي :
أ - سقوط الحقّ في استرداد العين مع سقوط الضّمان .
ب - سقوط الحقّ في استرداد العين مع بقاء الحقّ في الضّمان .
ج - سقوط الحقّ في استرداد العين والضّمان قضاءً لا ديانةً .
أوّلاً : يسقط الحقّ في استرداد العين والضّمان بما يأتي :
أ - حكم الشّرع :
30 - وذلك كالصّدقة ، فمن تصدّق بصدقةٍ فإنّه لا يجوز الرّجوع فيها ؛ لأنّ الصّدقة لإرادة الثّواب من اللّه عزّ وجلّ ، وقد قال سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه : من وهب هبةً على وجه الصّدقة فإنّه لا يرجع فيها . وهذا في الجملة ، لأنّ الرّأي الرّاجح عند الشّافعيّة أنّ الصّدقة للتّطوّع على الولد يجوز الرّجوع فيها . وكذلك لا يجوز الرّجوع في الهبة لغير الولد عند الجمهور ، وفي إحدى الرّوايتين عند أحمد : لا يجوز رجوع المرأة فيما وهبته لزوجها . ولذي الرّحم المحرم عند الحنفيّة ، وكذلك هبة أحد الزّوجين للآخر عندهم ، واستدلّ الجمهور بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لرجلٍ أن يعطي عطيّةً فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده » . واستدلّ الحنفيّة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الرّجل أحقّ بهبته ما لم يثب منها » أي لم يعوّض ، وصلة الرّحم عوضٌ معنًى ؛ لأنّ التّواصل سبب الثّواب في الدّار الآخرة ، فكان أقوى من المال . وكذلك الوقف إذا تمّ ولزم ، لا يجوز الرّجوع فيه ؛ لأنّه من الصّدقة ، وقد روى عبد اللّه بن عمر قال : « أصاب عمر أرضاً بخيبر ، فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها ، فقال : يا رسول اللّه إنّي أصبت أرضاً بخيبر لم أصب قطّ مالاً أنفس عندي منه ، فما تأمرني فيها ؟ فقال : إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها ، غير أنّه لا يباع أصلها ، ولا يبتاع ، ولا يوهب ، ولا يورث » . والخمر لا تستردّ ؛ لحرمة تملّكها للمسلم ، فلا يجوز له استردادها إن غصبت منه ، ويجب إراقتها ؛ لما روي أنّ أبا طلحة « سأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن أيتامٍ ورثوا خمراً ، فأمر بإراقتها » .
ب - التّصرّف والإتلاف :
31 - الهبة الّتي يجوز الرّجوع فيها سواءٌ أكانت للابن أم للأجنبيّ - على اختلاف الفقهاء في ذلك - إذا تصرّف فيها الموهوب له أو أتلفها ، فإنّه يسقط حقّ الواهب في الرّجوع فيها مع سقوط الضّمان .
ج - التّلف :
32 - ما كان أمانةً ، كالمال تحت يد الوكيل وعامل القراض ، وكالوديعة ، وكالعاريّة عند الحنفيّة والمالكيّة - إذا تلف دون تعدٍّ أو تفريطٍ - فإنّه يسقط حقّ المالك في الاسترداد مع سقوط الضّمان .
ثانياً : ما يسقط الحقّ في استرداد العين مع بقاء الحقّ في الضّمان :
33 - استرداد العين هو الأصل لما يجب فيه الرّدّ ، كالمغصوب ، والمبيع بيعاً فاسداً ، فما دام قائماً بعينه فإنّه يجب ردّه . بل إنّ القطع في السّرقة لا يمنع الرّدّ ، فيجتمع على السّارق : القطع وضمان ما سرقه ؛ لأنّهما حقّان لمستحقّين ، فجاز اجتماعهما ، فيردّ السّارق ما سرقه لمالكه إن بقي ؛ لأنّه عين ماله . وقد يحدث في العين ما يمنع ردّها وذلك باستهلاكها ، أو تلفها ، أو تغيّرها تغيّراً يخرجها عن اسمها ، وعندئذٍ يثبت الحقّ في الضّمان ( المثل أو القيمة ) وتفصيله في مصطلح ( ضمانٌ ) .
ثالثاً : سقوط الحقّ في استرداد العين والضّمان قضاءً لا ديانةً :
34 - وذلك كما لو أنّ مسلماً دخل دار الحرب بأمانٍ ، فأخذ شيئاً من أموالهم لا يحكم عليه بالرّدّ ولا بالضّمان ، ويلزمه ذلك فيما بينه وبين اللّه جلّ جلاله .
عودة حقّ الاسترداد بعد زوال المانع :
35 - ما وجب ردّه ثمّ بطل حقّ الاسترداد فيه لمانعٍ ، فإنّ هذا الحقّ يعود إذا زال المانع ؛ لأنّ المانع إذا زال عاد الممنوع ، ومن أمثلة ذلك : البيع الفاسد - حيث يجب فيه الرّدّ - إذا تصرّف فيه المشتري ببيعٍ سقط حقّ الرّدّ ، فإن ردّ على المشتري بخيار شرطٍ ، أو رؤيةٍ ، أو عيبٍ بقضاء قاضٍ ، وعاد على حكم الملك الأوّل عاد حقّ الفسخ والرّدّ ؛ لأنّ الرّدّ بهذه الوجوه فسخٌ محضٌ ، فكان دفعاً للعقد من الأصل وجعلاً له كأن لم يكن . أمّا لو اشتراه ثانياً ، أو عاد إليه بسببٍ مبتدأٍ لا يعود حقّ الفسخ ؛ لأنّ الملك اختلف لاختلاف السّبب ، فكان اختلاف الملكين بمنزلة اختلاف العقدين . هذا هو مذهب الحنفيّة ، ويسايره مذهب المالكيّة في عودة حقّ الاسترداد إذا زال المانع ، غير أنّهم يخالفون الحنفيّة في أنّه لو عاد المبيع الفاسد إلى المشتري بأيّ وجهٍ كان - سواءٌ كان عوده اختياريّاً أو ضروريّاً كإرثٍ - فإنّه يعود حقّ الاسترداد ، ما لم يحكم حاكمٌ بعدم الرّدّ ، أو كان الفوات راجعاً لتغيّر السّوق ، ثمّ عاد السّوق إلى حالته الأولى ، فلا يرتفع حكم السّبب المانع ، ولا يجب على المشتري الرّدّ . أمّا الحنابلة والشّافعيّة : فإنّ البيع الفاسد عندهم لا يحصل به الملك للمشتري ، ولا ينفذ فيه تصرّف المشتري ببيعٍ ولا هبةٍ ولا عتقٍ ولا غيره ، هو واجب الرّدّ ما لم يتلف فيكون فيه الضّمان . ومن ذلك : أنّه إذا وجبت الدّية في الجناية على منافع الأعضاء ، ثمّ عادت إلى حالتها الطّبيعيّة فإنّ الدّية تستردّ . وعلى ذلك : من جنى على سمع إنسانٍ فزال السّمع ، وأخذت منه الدّية ، ثمّ عاد السّمع ، وجب ردّ الدّية ؛ لأنّ السّمع لم يذهب ؛ لأنّه لو ذهب لما عاد . ومن جنى على عينين فذهب ضوءهما وجبت الدّية ، فإن أخذت الدّية ، ثمّ عاد الضّوء وجب ردّ الدّية . وهذا عند الجمهور ، وعند الحنفيّة خلافٌ بين أبي حنيفة وصاحبيه . ( ر : جنايةٌ - ديةٌ ) .
أثر الاسترداد :
36 - الاسترداد حقٌّ من الحقوق الّتي تثبت نتيجةً لبعض التّصرّفات ، ففي الغصب يثبت للمغصوب منه حقّ الاسترداد من الغاصب ، وفي العاريّة يثبت للمعير حقّ الاسترداد من المستعير ، وفي الوديعة يثبت للمودع حقّ الاسترداد من المودع ، وفي الرّهن يثبت للرّاهن حقّ استرداد المرهون من المرتهن بعد وفاء الدّين . وما وجب ردّه بعينه كالمغصوب ، والمبيع بيعاً فاسداً ، والأمانات حين طلبها إذا ردّت أو استردّها كلّها فإنّه يترتّب على ذلك ما يأتي :
أ - البراءة من الضّمان ، فالغاصب يبرأ بردّ المغصوب ، والمودع يبرأ بردّ الوديعة ، وهكذا .
ب - يعتبر الرّدّ فسخاً للعقد ، فردّ العاريّة الوديعة والمبيع بيعاً فاسداً يعتبر فسخاً للعقد .
ج - ترتّب بعض الحقوق ، كثبوت الرّجوع بالثّمن لمن استحقّ بيده شيءٌ على من اشتراها منه .


*استرسالٌ
التعريف
1 - الاسترسال أصله في اللّغة : السّكون والثّبات . ومن معانيه لغةً : الاستئناس والطّمأنينة إلى الإنسان والثّقة به . ويستعمله الفقهاء بعدّة معانٍ :
أ - بمعنى الطّمأنينة إلى الإنسان والثّقة به ، وذلك في البيع .
ب - بمعنى الانسحاب واللّحاق والانجرار من الشّيء إلى غيره ، وذلك في الولاء .
ج - بمعنى الانطلاق والانبعاث بدون باعثٍ ، وذلك في الصّيد .
الحكم الإجماليّ :
أوّلاً - بالنّسبة للبيع :
2 - المسترسل هو الجاهل بقيمة السّلعة ، ولا يحسن المبايعة ، قال الإمام أحمد : المسترسل : هو الّذي لا يماكس ، فكأنّه استرسل إلى البائع ، فأخذ ما أعطاه ، من غير مماكسةٍ ولا معرفةٍ بغبنه . وقد اختلف الفقهاء في ثبوت الخيار للمسترسل إذا غبن غبناً يخرج عن العادة . فعند المالكيّة والحنابلة : يثبت له الخيار بين الفسخ والإمضاء ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « غبن المسترسل حرامٌ » . وعند الشّافعيّة ، وفي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة : لا يثبت له الرّدّ ؛ لأنّ المبيع سليمٌ ، ولم يوجد من جهة البائع تدليسٌ ، وإنّما فرّط المشتري في ترك التّأمّل ، فلم يجز له الرّدّ . وفي روايةٍ أخرى عند الحنفيّة : أنّه يفتى بالرّدّ إن حدث غررٌ ، وذلك رفقاً بالنّاس . وللفقهاء تفصيلٌ فيما يعتبر غبناً وما لا يعتبر ، وهل يقدّر بالثّلث أو أقلّ أو أكثر وغير ذلك ، يرجع إليه في مصطلح ( غبنٌ - خيارٌ ) .
ثانياً : بالنّسبة للصّيد :
3 - يشترط لإباحة ما قتله الحيوان الجارح إرسال الصّائد له . فإذا استرسل من نفسه دون إرسال الصّائد فلا يحلّ ما قتله ، إلاّ إذا وجده غير منفوذ المقاتل فذكّاه . وهذا باتّفاق الفقهاء ، إلاّ أنّهم يختلفون فيما إذا أشلاه الصّائد - أي أغراه - أو زجره أثناء استرساله ، هل يحلّ أو لا ؟ على تفصيلٍ موطنه مصطلح ( صيدٌ - وإرسالٌ ) .
ثالثاً : بالنّسبة للولاء :
4 - إذا تزوّج المملوك حرّةً مولاةً لقومٍ أعتقوها ، فولدت له أولاداً فهم موالٍ لموالي أمّهم ، ما دام الأب رقيقاً مملوكاً ، فإذا عتق الأب استرسل الولاء ( انجرّ وانسحب ) من موالي الأمّ إلى موالي العبد . أمّا لو ولدت الأمة قبل عتقها ، ثمّ عتقت بعد ذلك فلا ينسحب الولاء ؛ لأنّ الولد مسّه رقٌّ ، وهذا باتّفاقٍ .
مواطن البحث :
5 - ينظر تفصيل هذه المواضيع في باب الخيار في البيع ، وفي باب الولاء ، وفي شروط حلّ الصّيد في باب الصّيد .


*استرقاقٌ
التعريف
1 - الاسترقاق لغةً : الإدخال في الرّقّ ، والرّقّ : كون الآدميّ مملوكاً مستعبداً . ولا يخرج الاستعمال الفقهيّ عن ذلك .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الأسر والسّبي :
2 - الأسر هو : الشّدّ بالإسار ، والإسار : ما يشدّ به ، وقد يطلق الأسر على الأخذ ذاته . والسّبي هو : الأسر أيضاً ، ولكن يغلب إطلاق السّبي على أخذ النّساء والذّراريّ . والأسر والسّبي مرحلةٌ متقدّمةٌ على الاسترقاق في الجملة . وقد يتبعها استرقاقٌ أو لا يتبعها ، إذ قد يؤخذ المحارب ، ثمّ يمنّ عليه ، أو يفدى ، أو يقتل ولا يسترقّ .
الحكم التّكليفيّ للاسترقاق :
3 - يختلف حكم الاسترقاق باختلاف المسترقّ ( بالفتح ) ، فإن كان الأسير ممّن يجوز قتله في الحرب فلا يجب استرقاقه ، بل يجوز ، ويكون النّظر فيه إلى الإمام ، إن رأى في قتله مصلحةً للمسلمين قتله ، وإن رأى في استرقاقه مصلحةً للمسلمين استرقّه ، كما يجوز المنّ والفداء أيضاً . أمّا إن كان ممّن لا يجوز قتله في الحرب فقد اختلف الفقهاء فيه على اتّجاهين : فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب استرقاقه ، بل إنّهم قالوا : إنّه يسترقّ بنفس الأسر . وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى جواز استرقاقه ، حيث يخيّر الإمام بين الاسترقاق وغيره ، كجعلهم ذمّةً للمسلمين ، أو المفاداة بهم ، أو المنّ عليهم - كما فعل الرّسول صلى الله عليه وسلم في فتح مكّة - على ما يرى من المصلحة في ذلك . وللتّفصيل ( ر : أسرى )
حكمة تشريع الاسترقاق :
4 - قال محمّد بن عبد الرّحمن البخاريّ شيخ صاحب الهداية : « الرّقّ إنّما ثبت في بني آدم لاستنكافهم من عبوديّتهم للّه تعالى الّذي خلقهم ، وكلّهم عبيده وأرقّاؤه ، فإنّه خلقهم وكوّنهم ، فلمّا استنكفوا عن عبوديّتهم للّه تعالى جزاهم برقّهم لعباده ، فإذا أعتقه فقد أعاده المعتق إلى رقّه حقّاً للّه تعالى خالصاً ، فعسى يرى هذه المنّة : أنّه لو استنكف من عبوديّته للّه تعالى لابتلي برقٍّ لعبيده ، فيقرّ للّه تعالى بالوحدانيّة ، ويفتخر بعبوديّته ، قال اللّه تعالى : { لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً للّه } .
5 - وكان طريق التّخلّص من الرّقّ الّذي انتهجه الإسلام يتلخّص في أمرين : الأمر الأوّل : حصر مصادر الاسترقاق بمصدرين اثنين لا ثالث لهما ، وإنكار أن يكون أيّ مصدر غيرهما مصدراً مشروعاً للاسترقاق : أحدهما : الأسرى والسّبي من حربٍ لعدوٍّ كافرٍ إذا رأى الإمام أنّ من المصلحة استرقاقهم . وثانيهما : ما ولد من أمٍّ رقيقةٍ من غير سيّدها ، أمّا لو كان من سيّدها فهو حرٌّ . الأمر الثّاني : فتح أبواب تحرير الرّقيق على مصاريعها ، كالكفّارات ، والنّذور ، والعتق تقرّباً إلى اللّه تعالى ، والمكاتبة ، والاستيلاد ، والتّدبير ، والعتق بملك المحارم ، والعتق بإساءة المعاملة ، وغير ذلك .
من له حقّ الاسترقاق :
6 - اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ الّذي له حقّ الاسترقاق أو المنّ أو الفداء هو الإمام الأعظم للمسلمين ، بحكم ولايته العامّة ، أو من ينيبه ، ولذلك جعل إليه أمر الخيار في الاسترقاق وعدمه .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:39 AM

أسباب الاسترقاق :
أوّلاً - من يضرب عليه الرّقّ :
7 - لا يجوز ضرب الرّقّ على النّساء إلاّ إذا توفّرت فيمن يسترقّ صفتان : الصّفة الأولى الكفر ، والصّفة الثّانية الحرب ، سواءٌ أكان محارباً بنفسه ، أم تابعاً لمحاربٍ ، على التّفصيل التّالي :
أ - الأسرى من الّذين اشتركوا في حرب المسلمين فعلاً .
8 - وهؤلاء إمّا أن يكونوا من أهل الكتاب ، أو من المشركين ، أو من المرتدّين ، أو من البغاة .
( أ ) فإن كانوا من أهل الكتاب : جاز استرقاقهم بالاتّفاق ، والمجوس يعاملون مثلهم في هذا .
( ب ) أمّا إن كانوا من المشركين : فإمّا أن يكونوا من العرب أو من غيرهم ، فإن كانوا من غير العرب فقد قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، وبعض الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة : يجوز استرقاقهم . وقال بعض الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة : لا يجوز . أمّا إن كانوا من العرب : فقد ذهب المالكيّة ، وبعض الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة إلى جواز استرقاقهم . واستثنى المالكيّة من ذلك القرشيّين ، فقالوا : لا يجوز استرقاقهم . وذهب الحنفيّة ، وبعض الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة إلى أنّه لا يجوز استرقاقهم ، بل لا يقبل منهم إلاّ الإسلام ، فإن رفضوه قتلوا ؛ وعلّل الحنفيّة هذا التّفريق في الحكم بين العربيّ وغيره من المشركين بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم ، والقرآن نزل بلغتهم ، فالمعجزة في حقّهم أظهر ، فكان كفرهم - والحالة هذه - أغلظ من كفر العجم .
( ج ) وأمّا إن كانوا من المرتدّين : فإنّه لا يجوز استرقاقهم بالاتّفاق ، ولا يقبل منهم إلاّ الإسلام ، فإن رفضوه قتلوا لغلظ كفرهم .
( د ) وأمّا إن كانوا من البغاة : فإنّه لا يجوز استرقاقهم بالاتّفاق ؛ لأنّهم مسلمون ، والإسلام يمنع ابتداء الرّقّ .
ب - الأسرى من الّذين أخذوا في الحرب ممّن لا يجوز قتلهم ، كالنّساء والذّراريّ وغيرهم :
9 - وهؤلاء يجوز استرقاقهم بالاتّفاق ، إن كانوا من أهل الكتاب ، أو من الوثنيّين المشركين ، سواءٌ أكانوا من العرب أو من غيرهم . واستثنى المالكيّة من ذلك الرّهبان المنقطعين عن النّاس في الجبال ، إن لم يكن لهم رأيٌ في الحرب ، وإنّما كان الاسترقاق لهؤلاء دون القتل للتّوسّل إلى إسلامهم ؛ لأنّهم ليسوا من أهل الحرب . واستدلّوا على جواز استرقاق أهل الكتاب « باسترقاق رسول اللّه نساء بني قريظة وذراريّهم » ، واستدلّوا على جواز استرقاق سبي المرتدّين باسترقاق أبي بكرٍ الصّدّيق نساء المرتدّين من العرب ، واستدلّوا على جواز استرقاق سبي المشركين « باسترقاق رسول اللّه نساء هوازن وذراريّهم ، وهم من صميم العرب » . أمّا من يؤخذ من نساء البغاة وذراريّهم ، فلا يسترقّون بالاتّفاق ؛ لأنّهم مسلمون ، والإسلام يمنع ضرب الرّقّ ابتداءً .
ج - استرقاق من أسلم من الأسرى أو السّبي :
10 - من أسلم من الأسرى بعد الأخذ فيجوز استرقاقه ؛ لأنّ الإسلام لا ينافي الرّقّ جزاءً على الكفر الأصليّ ، وقد وجد الإسلام بعد انعقاد سبب الملك ، وهو الأخذ .
د - المرأة المرتدّة في بلاد الإسلام :
11 - ذهب الجمهور إلى أنّ المرأة إذا ارتدّت ، وأصرّت على ردّتها لا تسترقّ ، بل تقتل كالمرتدّ ، ما دامت في دار الإسلام . وعن الحسن ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبي حنيفة في النّوادر : تسترقّ في دار الإسلام أيضاً . قيل : لو أفتي بهذه لا بأس به فيمن كانت ذات زوجٍ ، حسماً لقصدها السّيّئ بالرّدّة من إثبات الفرقة .
هـ - استرقاق الذّمّيّ النّاقض للذّمّة :
12 - إذا أتى الذّمّيّ ما يعتبر نقضاً للذّمّة - على اختلاف الاجتهادات فيما يعتبر نقضاً للذّمّة وما لا يعتبر ( ر : ذمّةٌ ) - فإنّه يجوز استرقاقه وحده ، دون نسائه وذراريّه ؛ لأنّه بنقضه الذّمّة قد عاد حربيّاً ، فيطبّق عليه ما يطبّق على الحربيّين . أمّا نساؤه وذراريّه فيبقون على الذّمّة ، إن لم يظهر منهم نقضٌ لها .
و - الحربيّ الّذي دخل إلينا بغير أمانٍ .
13 - إذا دخل الحربيّ بلادنا بغير أمانٍ ، فمقتضى قول أبي حنيفة ، والشّافعيّة ، والحنابلة في الجملة : أنّه يصير فيئاً بالدّخول ، ويجوز عندئذٍ استرقاقه ، إلاّ الرّسل فإنّهم لا يرقّون بالاتّفاق ( ر : رسولٌ ) . ويقول الشّافعيّة : إن ادّعى أنّه إنّما دخل ليسمع كلام اللّه ، وليتعرّف على شريعة الإسلام فإنّه لا يصير فيئاً .
ز - التّولّد من الرّقيقة :
14 - من المقرّر في الفقه الإسلاميّ أنّ الولد يتبع أمّه في الحرّيّة ، فإذا كانت الأمّ حرّةً كان ولدها حرّاً ، وإن كانت أمةً كان ولدها رقيقاً ، وهذا ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء . ويستثنى من ذلك ما لو كان التّولّد من سيّد الأمة ، إذ يولد حرّاً وينعقد لأمّه سبب الحرّيّة ، فتصبح حرّةً بموت سيّدها .
انتهاء الاسترقاق :
15 - ينتهي الاسترقاق بالعتق . والعتق قد يكون بحكم الشّرع ، كمن ولدت من سيّدها تعتق بموته ، وكمن ملك ذا رحمٍ منه فإنّه يعتق عليه بمجرّد الملك . وقد يكون العتق بالإعتاق لمجرّد التّقرّب إلى اللّه تعالى ، أو لسببٍ موجبٍ للعتق ، كأن يعتقه في كفّارةٍ ( ر : كفّارةٌ ) ، أو نذرٍ ( ر : نذرٌ ) . كما تنتهي بالتّدبير ، وهو أن يجعله حرّاً دبر وفاته أي بعدها ( ر : تدبيرٌ ) ، أو بالمكاتبة ، أو إجبار وليّ الأمر سيّداً على إعتاق عبده لإضراره به ( ر : عتقٌ ) .
آثار الاسترقاق :
16 - أ - يترتّب على الاسترقاق آثارٌ كثيرةٌ ، منها ما يتعلّق بالعبادات البدنيّة المسنونة إذا كانت مخلّةً بحقّ السّيّد ، كصلاة الجماعة مثلاً ( ر : صلاة الجماعة ) ، أو الواجبات الكفائيّة ؛ لإخلالها بحقّ السّيّد أيضاً ، أو لأمرٍ آخر كالجهاد ، فإنّه يرخّص للعبد في تركها . ومنها جميع العبادات الماليّة ، فإنّها تسقط عن المرء باسترقاقه ، لأنّ العبد لا يملك المال ، كالزّكاة ، وصدقة الفطر ، والصّدقات والحجّ .
17 - ب - الواجبات الماليّة على من استرقّ إن كان لها بدلٌ بدنيٌّ ، فإنّه يصار إلى بدلها ، كالكفّارات ، فالرّقيق لا يكفّر في الحنث في اليمين بالعتق ولا بالإطعام ولا بالكسوة ، ولكنّه يكفّر بالصّيام . أمّا إن لم يكن لهذه الواجبات الماليّة بدلٌ بدنيٌّ ، فإنّها تتعلّق بعين المسترقّ ، فإذا جنى العبد على يد إنسانٍ فقطعها خطأً ، وكانت ديتها أكثر من قيمة العبد ، لم يكلّف المالك بأكثر من دفع العبد إلى المجنيّ عليه ، كما يذكر في أبواب الجنايات . وكذا إذا استدان من شخصٍ بغير إذن سيّده ، فإنّ هذا الدّين يتعلّق بعينه ، ويبقى في ذمّته ، ولا يكلّف سيّده بوفائه . فإن استرقّ وعليه دينٌ لمسلمٍ أو ذمّيٍّ لم يسقط الدّين عنه ؛ لأنّ شغل ذمّته قد حصل ، ولم يوجد ما يسقطه ، بخلاف ما إذا كان الدّين لحربيٍّ ، فإنّه يسقط ؛ لعدم احترام الحربيّ .
18 - ج - والاسترقاق يمنع المسترقّ من سائر التّبرّعات كالهبة ، والصّدقة ، والوصيّة ونحو ذلك .
19 - د - كما يمنع الاسترقاق من سائر الاستحقاقات الماليّة ، فإن وقع شيءٌ منها استحقّه المالك لا الرّقيق ، فالرّقيق لا يرث ، وما يستحقّه من أرش الجناية عليه فهو لسيّده . وإن استرقّ وله دينٌ على مسلمٍ أو ذمّيٍّ ، فإنّ سيّده هو الّذي يطالب بهذا الدّين ، أمّا إن كان الدّين على حربيٍّ فيسقط .
20 - هـ - وإذا سبي الصّبيّ الصّغير دون والديه ، حكم بإسلامه تبعاً للسّابي ؛ لأنّ له عليه ولايةً ، وليس معه من هو أقرب إليه منه فيتبعه .
21 - و - والاسترقاق يمنع الرّجل من أن تكون له ولايةٌ على غيره ، وعلى هذا فإنّ الرّقيق لا يكون أميراً ولا قاضياً ؛ لأنّه لا ولاية له على نفسه ، فكيف تكون له الولاية على غيره ، وبناءً على ذلك فإنّه لا يصحّ أمان الرّقيق ، ولا تقبل شهادته أيضاً ، على خلافٍ في ذلك .
22 - ز - والاسترقاق مخفّضٌ للعقوبة ، فتنصّف الحدود في حقّ الرّقيق ، إن كانت قابلةً للتّنصيف .
23 - ح - وللاسترقاق أثرٌ في النّكاح ، إذ العبد ليس بكفءٍ للحرّة ، ولا بدّ فيه من إذن السّيّد ، ولا يملك العبد نكاح أكثر من امرأتين ، ولا تنكح أمةٌ على حرّةٍ .
24 - ط - وله أثرٌ في الطّلاق أيضاً ، إذ لا يملك الرّقيق من الطّلاق أكثر من طلقتين ، وإذا نكح بغير إذن سيّده فالطّلاق بيد سيّده .
25 - ي - وله أثرٌ في العدّة ، إذ عدّة الأمة في الطّلاق حيضتان ، لا ثلاث حيضٍ ، وفي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ ينظر في مصطلحاته .


*استسعاءٌ
التعريف
1 - الاستسعاء لغةً : سعي الرّقيق في فكاك ما بقي من رقّه إذا عتق بعضه ، فيعمل ويكسب ، ويصرف ثمنه إلى مولاه . واستسعيته في قيمته : طلبت منه السّعي . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك وإعتاق المستسعى غير الإعتاق بالكتابة ، فالمستسعى لا يردّ إلى الرّقّ ، لأنّه إسقاطٌ لا إلى أحدٍ ، والإسقاط لا إلى أحدٍ ليس فيه معنى المعاوضة ، بخلاف المكاتب ؛ لأنّ الكتابة عقدٌ ترد عليه الإقالة والفسخ ، لكنّه يشبه الكتابة في أنّه إعتاقٌ بعوضٍ . ومحلّ الاستسعاء : من أعتق بعضه .
الحكم الإجماليّ :
2 - أغلب الفقهاء على أنّ المولى لو أعتق جزءاً من عبده فإنّه يسري العتق إلى باقيه ، ولا يستسعى ؛ لأنّ العتق لا يتبعّض ابتداءً ، ولحديث أبي المليح عن أبيه : « أنّ رجلاً أعتق شقصاً له من غلامٍ ، فذكر ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : ليس للّه شريكٌ » ، وأجاز عتقه . رواه أحمد وأبو داود ، وفي لفظٍ : « هو حرٌّ كلّه ، ليس للّه شريكٌ » . وقال أبو حنيفة : يستسعى في الباقي .
3 - أمّا إذا كان العبد مشتركاً ، وأعتق أحد الشّركاء نصيبه ، فإنّ الفقهاء يفرّقون بين ما إذا كان المعتق موسراً أو معسراً ، فإن كان موسراً فقد خيّر أبو حنيفة الشّريك الآخر بين ثلاثة أمورٍ : العتق ، أو تضمين الشّريك المعتق ، أو استسعاء العبد . وإن كان معسراً فالشّريك بالخيار ، بين الإعتاق وبين الاستسعاء فقط ، وقال أبو يوسف ومحمّدٌ هنا : ليس له إلاّ الضّمان مع اليسار ، والسّعاية مع الإعسار ، وقولهما هو روايةٌ عن أحمد ، لما رواه أبو هريرة قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من أعتق شقصاً في مملوكه فعليه أن يعتقه كلّه إن كان له مالٌ ، وإلاّ استسعى العبد غير مشقوقٍ عليه » أي لا يغلي عليه الثّمن . والمالكيّة ، والشّافعيّة ، وظاهر مذهب الحنابلة على أنّه مع اليسار يسري العتق إلى الباقي ، ويغرم المعتق قيمة حصّة الشّركاء ، فإن كان معسراً فلا سراية ولا استسعاء .
4 - ويقع الخلاف بين الفقهاء كذلك إذا أعتق في مرض موته أو دبّر ، أو أوصى بعبيده ، ولم يكن له مالٌ سواهم ، فقال أبو حنيفة : يعتق جزءٌ من كلّ واحدٍ ، ويستسعى في باقيه ، وقال غيره : يعتق ثلثهم بالاقتراع بينهم ، فمن خرج له سهم الحرّيّة عتق ، وقيمة العبد المستسعى دينٌ في ذمّته ، يقدّرها عدلٌ ، وأحكامه أحكام الأحرار ، وقال البعض : لا يأخذ حكم الحرّ إلاّ بعد الأداء . وتعتبر القيمة وقت الإعتاق ؛ لأنّه وقت الإتلاف .
مواطن البحث :
5 - الكلام عن الاستسعاء منثورٌ في كتاب العتق ، وأغلب ذكره مع السّراية ، وفي باب ( العبد يعتق بعضه ) ( والإعتاق في مرض الموت ) كما يذكر في الكفّارة .


*استسقاءٌ
التعريف
1 - الاستسقاء لغةً : طلب السّقيا ، أي طلب إنزال الغيث على البلاد والعباد . والاسم : السّقيا بالضّمّ ، واستسقيت فلاناً : إذا طلبت منه أن يسقيك . والمعنى الاصطلاحيّ للاستسقاء هو : طلب إنزال المطر من اللّه بكيفيّةٍ مخصوصةٍ عند الحاجة إليه .
صفته : حكمه التّكليفيّ :
2 - قال الشّافعيّة ، والحنابلة ، ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة : الاستسقاء سنّةٌ مؤكّدةٌ ، سواءٌ أكان بالدّعاء والصّلاة أم بالدّعاء فقط ، فعله رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وصحابته والمسلمون من بعدهم . وأمّا أبو حنيفة فقال بسنّيّة الدّعاء فقط ، وبجواز غيره . وعند المالكيّة تعتريه الأحكام الثّلاثة التّالية : الأوّل : سنّةٌ مؤكّدةٌ ، إذا كان للمحلّ والجدب ، أو للحاجة إلى الشّرب لشفاههم ، أو لدوابّهم ومواشيهم ، سواءٌ أكانوا في حضرٍ ، أم سفرٍ في صحراء ، أو سفينةٍ في بحرٍ مالحٍ . الثّاني : مندوبٌ ، وهو الاستسقاء ممّن كان في خصبٍ لمن كان في محلٍّ وجدبٍ ؛ لأنّه من التّعاون على البرّ والتّقوى . ولما روى ابن ماجه « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر جسده بالسّهر والحمّى » . وصحّ : « دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابةٌ ، عند رأسه ملكٌ موكّلٌ كلّما دعا لأخيه بخيرٍ قال الملك الموكّل به : آمين ولك بمثلٍ » . ولكنّ الأوزاعيّ والشّافعيّة قيّدوه بألاّ يكون الغير صاحب بدعةٍ أو ضلالةٍ وبغيٍ . وإلاّ لم يستحبّ زجراً وتأديباً ؛ ولأنّ العامّة تظنّ بالاستسقاء لهم حسن طريقهم والرّضى بها ، وفيها من المفاسد ما فيها . مع أنّهم قالوا : لو احتاجت طائفةٌ من أهل الذّمّة وسألوا المسلمين الاستسقاء لهم فهل ينبغي إجابتهم أم لا ؟ الأقرب : الاستسقاء لهم وفاءً بذمّتهم . ثمّ علّلوا ذلك بقولهم : ولا يتوهّم مع ذلك أنّا فعلناه لحسن حالهم ؛ لأنّ كفرهم محقّقٌ معلومٌ . ولكن تحمل إحابتنا لهم على الرّحمة بهم ، من حيث كونهم من ذوي الرّوح ، بخلاف الفسقة والمبتدعة . الثّالث : مباحٌ ، وهو استسقاء من لم يكونوا في محلٍّ ، ولا حاجة إلى الشّرب ، وقد أتاهم الغيث ، ولكن لو اقتصروا عليه لكان دون السّعة ، فلهم أن يسألوا اللّه من فضله . دليل المشروعيّة :
3 - ثبتت مشروعيّته بالنّصّ والإجماع ، أمّا النّصّ فقوله تعالى : { فقلت استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً يرسل السّماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جنّاتٍ ويجعل لكم أنهاراً } . كما استدلّ له بعمل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وخلفائه والمسلمين من بعده ، فقد وردت الأحاديث الصّحيحة في استسقائه صلى الله عليه وسلم . روى أنسٌ رضي الله عنه : « أنّ النّاس قد قحطوا في زمن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فدخل رجلٌ من باب المسجد ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب . فقال : يا رسول اللّه هلكت المواشي ، وخشينا الهلاك على أنفسنا ، فادع اللّه أن يسقينا . فرفع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يديه فقال : اللّهمّ اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً غدقاً مغدقاً عاجلاً غير رائثٍ . قال الرّاوي : ما كان في السّماء قزعةٌ ، فارتفعت السّحاب من هنا ومن هنا حتّى صارت ركاماً ، ثمّ مطرت سبعاً من الجمعة إلى الجمعة . ثمّ دخل ذلك الرّجل ، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب ، والسّماء تسكب ، فقال : يا رسول اللّه تهدّم البنيان ، وانقطعت السّبل ، فادع اللّه أن يمسكه ، فتبسّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لملالة بني آدم . قال الرّاوي : واللّه ما نرى في السّماء خضراء . ثمّ رفع يديه ، فقال : اللّهمّ حوالينا ولا علينا ، اللّهمّ على الآكام والظّراب ، وبطون الأودية ، ومنابت الشّجر . فانجابت السّماء عن المدينة حتّى صارت حولها كالإكليل » . واستدلّ أبو حنيفة بهذا الحديث وجعله أصلاً ، وقال : إنّ السّنّة في الاستسقاء هي الدّعاء فقط ، من غير صلاةٍ ولا خروجٍ . واستدلّ الجمهور بحديث عائشة رضي الله عنها قالت : « شكا النّاس إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قحوط المطر ، فأمر بمنبرٍ فوضع له في المصلّى ، ووعد النّاس يوماً يخرجون فيه ، قالت عائشة : فخرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشّمس ، فقعد على المنبر ، فكبّر وحمد اللّه عزّ وجلّ ثمّ قال : إنّكم شكوتم جدب دياركم ، واستئخار المطر عن إبّان زمانه عنكم ، وقد أمركم اللّه عزّ وجلّ أن تدعوه ، ووعدكم أن يستجيب لكم . ثمّ قال : الحمد للّه ربّ العالمين ، الرّحمن الرّحيم ، مالك يوم الدّين ، لا إله إلاّ اللّه يفعل ما يريد ، اللّهمّ أنت اللّه لا إله إلاّ أنت ، أنت الغنيّ ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلت لنا قوّةً وبلاغاً إلى حينٍ . ثمّ رفع يديه فلم يزل في الرّفع حتّى بدا بياض إبطيه ، ثمّ حوّل إلى النّاس ظهره ، وقلب أو حوّل رداءه وهو رافعٌ يديه ، ثمّ أقبل على النّاس ، ونزل فصلّى ركعتين ، فأنشأ اللّه سحابةً فرعدت وبرقت ثمّ أمطرت بإذن اللّه تعالى ، فلم يأت مسجده حتّى سالت السّيول ، فلمّا رأى سرعتهم إلى الكنّ ضحك حتّى بدت نواجزه فقال : أشهد أنّ اللّه على كلّ شيءٍ قديرٍ ، وأنّي عبد اللّه ورسوله » . وقد استسقى عمر رضي الله عنه بالعبّاس ، وقال : اللّهمّ إنّا كنّا إذا قحطنا توسّلنا إليك بنبيّك فتسقينا ، وإنّا نتوسّل بعمّ نبيّك فاسقنا فيسقون . وكذلك روي أنّ معاوية استسقى بيزيد بن الأسود . فقال : اللّهمّ إنّا نستسقي بخيرنا وأفضلنا ، اللّهمّ إنّا نستسقي بيزيد بن الأسود ، يا يزيد ارفع يديك إلى اللّه تعالى » فرفع يديه ، ورفع النّاس أيديهم . فثارت سحابةٌ من الغرب كأنّها ترسٌ ، وهبّ لها ريحٌ ، فسقوا حتّى كاد النّاس ألاّ يبلغوا منازلهم .
حكمة المشروعيّة :
4 - إنّ الإنسان إذا نزلت به الكوارث ، وأحدقت به المصائب فبعضها قد يستطيع إزالتها ، وبعضها لا يستطيع بأيّ وسيلةٍ من الوسائل ، ومن أكبر المصائب والكوارث الجدب المسبّب عن انقطاع الغيث ، الّذي هو حياة كلّ ذي روحٍ وغذاؤه ، ولا يستطيع الإنسان إنزاله أو الاستعاضة عنه ، وإنّما يقدر على ذلك ويستطيعه ربّ العالمين فشرع الشّارع الحكيم سبحانه الاستسقاء ، طلباً للرّحمة والإغاثة بإنزال المطر الّذي هو حياة كلّ شيءٍ ممّن يملك ذلك ، ويقدر عليه ، وهو اللّه جلّ جلاله .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:39 AM

أسباب الاستسقاء :
5 - الاستسقاء يكون في أربع حالاتٍ : الأولى : للمحلّ والجدب ، أو للحاجة إلى الشّرب لشفاههم ، أو دوابّهم ومواشيهم ، سواءٌ أكانوا في حضرٍ ، أم سفرٍ في صحراء ، أم سفينةٍ في بحرٍ مالحٍ . وهو محلّ اتّفاقٍ . الثّانية : استسقاء من لم يكونوا في محلٍّ ، ولا حاجة إلى الشّرب ، وقد أتاهم الغيث ، ولكن لو اقتصروا عليه لكان دون السّعة ، فلهم أن يستسقوا ويسألوا اللّه المزيد من فضله . وهو رأيٌ للمالكيّة والشّافعيّة . الثّالثة : استسقاء من كان في خصبٍ لم كان في محلٍّ وجدبٍ ، أو حاجةٍ إلى شربٍ . قال به الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة . الرّابعة : إذا استسقوا ولم يسقوا . اتّفقت المذاهب الأربعة : الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة على تكرار الاستسقاء ، والإلحاح في الدّعاء ؛ لأنّ اللّه تعالى يحبّ الملحّين في الدّعاء ، ولقوله تعالى : { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قست قلوبهم } ولأنّ الأصل في تكرار الاستسقاء قوله صلى الله عليه وسلم : « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، يقول : دعوت فلم يستجب لي » ولأنّ العلّة الموجبة للاستسقاء هي الحاجة إلى الغيث ، والحاجة إلى الغيث قائمةٌ . قال أصبغ في كتاب ابن حبيبٍ : وقد فعل عندنا بمصر ، واستسقوا خمسةً وعشرين يوماً متواليةً يستسقون على سنّة الاستسقاء ، وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهبٍ . إلاّ أنّ الحنفيّة قالوا بالخروج ثلاثة أيّامٍ فقط ، وقالوا : لم ينقل أكثر من ذلك . ولكن صاحب الاختيار قال : يخرج النّاس ثلاثة أيّامٍ متتابعةٍ . وروي أكثر من ذلك .
أنواعه وأفضله :
6 - والاستسقاء على ثلاثة أنواعٍ . اتّفق على ذلك فقهاء المذاهب الأربعة ؛ لثبوت ذلك عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وقد فضّل بعض الأئمّة بعض الأنواع على بعضٍ ، ورتّبوها حسب أفضليّتها . فقال الشّافعيّة والحنابلة : الاستسقاء ثلاثة أنواعٍ :
النّوع الأوّل : وهو أدناها ، الدّعاء بلا صلاةٍ ، ولا بعد صلاةٍ ، فرادى ومجتمعين لذلك ، في المسجد أو غيره ، وأحسنه ما كان من أهل الخير .
النّوع الثّاني : وهو أوسطها ، الدّعاء بعد صلاة الجمعة أو غيرها من الصّلوات ، وفي خطبة الجمعة ونحو ذلك . قال الشّافعيّ في الأمّ : وقد رأيت من يقيم مؤذّناً فيأمره بعد صلاة الصّبح والمغرب أن يستسقي ، ويحضّ النّاس على الدّعاء ، فما كرهت ما صنع من ذلك . وخصّ الحنابلة هذا النّوع بأن يكون الدّعاء من الإمام في خطبة الجمعة على المنبر .
النّوع الثّالث : وهو أفضلها ، الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين ، وتأهّبٍ لها قبل ذلك ، على ما سيأتي في الكيفيّة . يستوي في ذلك أهل القرى والأمصار والبوادي والمسافرون ، ويسنّ لهم جميعاً الصّلاة والخطبتان ، ويستحبّ ذلك للمنفرد إلاّ الخطبة . وقال المالكيّة : الاستسقاء بالدّعاء سنّةٌ ، أي : سواءٌ أكان بصلاةٍ أم بغير صلاةٍ ، ولا يكون الخروج إلى المصلّى إلاّ عند الحاجة الشّديدة إلى الغيث ، حيث فعله رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وأمّا الحنفيّة : فأبو حنيفة يفضّل الدّعاء والاستغفار في الاستسقاء ؛ لأنّه السّنّة ، وأمّا الصّلاة فرادى فهي مباحةٌ عنده ، وليست بسنّةٍ ، لفعل الرّسول لها مرّةً وتركها أخرى . وأمّا محمّدٌ فقد قال : الاستسقاء يكون بالدّعاء ، أو بالصّلاة والدّعاء ، والكلّ عنده سنّةٌ ، وفي مرتبةٍ واحدةٍ وأمّا أبو يوسف فالنّقل عنه مختلفٌ في المسألة ، فقد روى الحاكم أنّه مع الإمام ، وروى الكرخيّ أنّه مع محمّدٍ ، ورجّح ابن عابدين أنّه مع محمّدٍ .
وقت الاستسقاء
7 - إذا كان الاستسقاء بالدّعاء فلا خلاف في أنّه يكون في أيّ وقتٍ ، وإذا كان بالصّلاة والدّعاء ، فالكلّ مجمعٌ على منع أدائها في أوقات الكراهة ، وذهب الجمهور إلى أنّها تجوز في أيّ وقتٍ عدا أوقات الكراهة . والخلاف بينهم إنّما هو في الوقت الأفضل ، ما عدا المالكيّة فقالوا : وقتها من وقت الضّحى إلى الزّوال ، فلا تصلّى قبله ولا بعده ، وللشّافعيّة في الوقت الأفضل ثلاثة أوجهٍ : الأوّل : ووافقهم عليه المالكيّة ، وهو الأولى عند الحنابلة : وقت صلاة الاستسقاء وقت صلاة العيد . وبهذا قال الشّيخ أبو حامدٍ الإسفرايينيّ وصاحبه المحامليّ في كتبه : المجموع ، والتّجريد ، والمقنع ، وأبو عليٍّ السّنجيّ ، والبغويّ . وقد يستدلّ له بحديث ابن عبّاسٍ الّذي روته السّنن الأربع عن إسحاق بن عبد اللّه بن كنانة قال : « أرسلني الوليد بن عتبة - وكان أمير المدينة - إلى ابن عبّاسٍ أسأله عن استسقاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم متبذّلاً متواضعاً متضرّعاً ، حتّى أتى المصلّى ، فلم يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير ، وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد » . الثّاني : أوّل وقتها وقت صلاة العيد ، وتمتدّ إلى صلاة العصر . وهو الّذي ذكره البندنيجيّ ، والرّويانيّ وآخرون . لما روت عائشة : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج حين بدا حاجب الشّمس » لأنّها تشبهها في الوضع والصّفة ، فكذلك في الوقت ، إلاّ أنّ وقتها لا يفوت بالزّوال . الثّالث : وعبّر عنه الشّافعيّة بالصّحيح والصّواب ، وهو الرّأي المرجوح عند الحنابلة أيضاً : أنّها لا تختصّ بوقتٍ معيّنٍ ، بل تجوز في كلّ وقتٍ من ليلٍ أو نهارٍ ، إلاّ أوقات الكراهة على أحد الوجهين ، وهو الّذي نصّ عليه الشّافعيّ ، وبه قطع الجمهور ، وصحّحه المحقّقون . وممّن قطع به صاحب الحاوي ، وصحّحه الرّافعيّ في المحرّر ، وصاحب جمع الجوامع ، واستصوبه إمام الحرمين . واستدلّوا له بأنّها لا تختصّ بيومٍ كصلاة الاستخارة ، وركعتي الإحرام وغيرهما . وقالوا : إنّ تخصيصها بوقتٍ كصلاة العيد ليس له وجهٌ أصلاً . ولأنّ الشّافعيّ نصّ على ذلك وأكثر الأصحاب . وقال ابن عبد البرّ : الخروج إليها عند زوال الشّمس عند جماعةٍ من العلماء . وأمّا الحنفيّة : فلم يذكر عندهم وقتٌ لها ، ولم يتكلّموا في تحديده . وقد يكون هذا ؛ لأنّ السّنّة عند الإمام في الاستسقاء الدّعاء ، والدّعاء في كلّ وقتٍ ، وليس له زمانٌ معيّنٌ .
مكان الاستسقاء :
8 - اتّفقت المذاهب الأربعة على أنّ الاستسقاء يجوز في المسجد ، وخارج المسجد . إلاّ أنّ المالكيّة لا تقول بالخروج إلاّ في وقت الشّدّة إلى الغيث ، والشّافعيّة والحنابلة يفضّلون الخروج مطلقاً ، لحديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما . « خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متبذّلاً متواضعاً متضرّعاً حتّى أتى المصلّى ، فلم يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير ، وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد » . وقال الشّافعيّة : يصلّي الإمام في الصّحراء ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلاّها في الصّحراء ؛ ولأنّه يحضرها غالب النّاس والصّبيان والحيّض والبهائم وغيرهم ، فالصّحراء أوسع لهم وأرفق . وقال الحنفيّة بالخروج أيضاً ، إلاّ أنّهم قالوا : إنّ أهل مكّة وبيت المقدس يجتمعون في المسجدين ، وقال بعضهم : ينبغي كذلك لأهل المدينة أن يجتمعوا في المسجد النّبويّ ؛ لأنّه من أشرف بقاع الأرض ، إذ حلّ فيه خير خلق اللّه صلى الله عليه وسلم وعلّل ابن عابدين جواز الاجتماع في مسجد الرّسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ينبغي الاجتماع للاستسقاء فيه ، إذ لا يستغاث وتستنزل الرّحمة في المدينة المنوّرة بغير حضرته ومشاهدته صلى الله عليه وسلم في كلّ حادثةٍ .
الآداب السّابقة على الاستسقاء :
9 - أورد الفقهاء آداباً يستحبّ فعلها قبل الاستسقاء ، فقالوا : يعظ الإمام النّاس ، ويأمرهم بالخروج من المظالم ، والتّوبة من المعاصي ، وأداء الحقوق ؛ ليكونوا أقرب إلى الإجابة ، فإنّ المعاصي سبب الجدب ، والطّاعة سبب البركة .. قال تعالى : { ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السّماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } وروى أبو وائلٍ عن عبد اللّه قال : « إذا بخس المكيال حبس القطر » وقال مجاهدٌ في قوله تعالى : { ويلعنهم اللاعنون } قال : دوابّ الأرض تلعنهم يقولون : يمنع القطر بخطاياهم . كما يترك التّشاحن والتّباغض ؛ لأنّها تحمل على المعصية والبهت ، وتمنع نزول الخير . بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : « خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلانٌ وفلانٌ فرفعت » .
الصّيام قبل الاستسقاء :
10 - اتّفقت المذاهب على الصّيام ، ولكنّهم اختلفوا في مقداره ، والخروج به إلى الاستسقاء . لأنّ الصّيام مظنّة إجابة الدّعاء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة لا تردّ دعوتهم : الصّائم حين يفطر ... » ولما فيه من كسر الشّهوة ، وحضور القلب ، والتّذلّل للرّبّ . قال الشّافعيّة ، والحنفيّة ، وبعض المالكيّة : يأمرهم الإمام بصوم ثلاثة أيّامٍ قبل الخروج ، ويخرجون في اليوم الرّابع وهم صيامٌ . وقال بعض المالكيّة بالخروج بعد الصّيام في اليوم الرّابع مفطرين ؛ للتّقوّي على الدّعاء ، كيوم عرفة . وقال الحنابلة بالصّيام ثلاثة أيّامٍ ، ويخرجون في آخر أيّام صيامهم .
الصّدقة قبل الاستسقاء :
11 - اتّفقت المذاهب على استحباب الصّدقة قبل الاستسقاء ، ولكنّهم اختلفوا في أمر الإمام بها ، قال الشّافعيّة ، والحنابلة ، والحنفيّة ، وهو المعتمد عند المالكيّة : يأمرهم الإمام بالصّدقة في حدود طاقتهم . وقال بعض المالكيّة : لا يأمرهم بها ، بل يترك هذا للنّاس بدون أمرٍ ؛ لأنّه أرجى للإجابة ، حيث تكون صدقتهم بدافعٍ من أنفسهم ، لا بأمرٍ من الإمام .
آدابٌ شخصيّةٌ :
12 - اتّفق الفقهاء على آدابٍ شخصيّةٍ ، يستحبّ أن يفعلها النّاس قبل الاستسقاء ، بعد أن يعدهم الإمام يوماً يخرجون فيه ؛ لحديث عائشة المتقدّم عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « وعد النّاس يوماً يخرجون فيه » فيستحبّ عند الخروج للاستسقاء : التّنظّف بغسلٍ وسواكٍ ؛ لأنّها صلاةٌ يسنّ لها الاجتماع والخطبة ، فشرع لها الغسل ، كصلاة الجمعة . ويستحبّ : أن يترك الإنسان الطّيب والزّينة ، فليس هذا وقت الزّينة ، ولكنّه يقطع الرّائحة الكريهة ، ويخرج في ثيابٍ بذلةٍ ، وهي ثياب مهنته ، ويخرج متواضعاً خاشعاً متذلّلاً متضرّعاً ماشياً ، ولا يركب في شيءٍ من طريقه ذهاباً إلاّ لعذرٍ ، كمرضٍ ونحوه . والأصل في هذا حديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : « خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم متواضعاً متبذّلاً متخشّعاً متضرّعاً » وهي مستحبّاتٌ لم يرد فيها خلافٌ .
الاستسقاء بالدّعاء :
13 - قال أبو حنيفة : إنّ الاستسقاء هو دعاءٌ واستغفارٌ ، وليس فيه صلاةٌ مسنونةٌ في جماعةٍ . فإن صلّى النّاس وحداناً جاز ، لقوله تعالى : { فقلت استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً يرسل السّماء عليكم مدراراً } الآية ، وقد استدلّ له كذلك بحديث عمر رضي الله عنه واستسقائه بالعبّاس رضي الله عنه من غير صلاةٍ ، مع حرصه على الاقتداء برسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وقد علّل ابن عابدين رأي أبي حنيفة فقال : الحاصل أنّ الأحاديث لمّا اختلفت في الصّلاة بالجماعة وعدمها على وجهٍ لا يصحّ معه إثبات السّنّيّة ، لم يقل أبو حنيفة بسنّيّتها ، ولا يلزم من قوله هذا أنّها بدعةٌ ، كما نقل بعض المتعصّبين ، بل هو قال بالجواز ، والظّاهر أنّ المراد النّدب والاستحباب ، لقوله في الهداية : لمّا فعله الرّسول صلى الله عليه وسلم مرّةً وتركه أخرى لم يكن سنّةً ؛ لأنّ السّنّة ما واظب عليه . والفعل مرّةً والتّرك أخرى يفيد النّدب . وأمّا المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ومحمّدٌ من الحنفيّة : فقالوا بسنّيّة الدّعاء وحده ، وبسنّيّته مع صلاةٍ له على التّفصيل الّذي تقدّم .
الاستسقاء بالدّعاء والصّلاة :
14 - المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ، ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة قالوا : الاستسقاء يكون بالصّلاة والدّعاء والخطبة ، للأحاديث الواردة في ذلك . وقال أبو حنيفة : لا خطبة في الاستسقاء ، وما تقدّم من رواية أنسٍ لا يثبت الخطبة ؛ لأنّ طلب السّقيا من رسول اللّه وقع له صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، فالخطبة سابقةٌ في هذه الحادثة على الإخبار بالجدب .
تقديم الصّلاة على الخطبة وتأخيرها :
15 - في المسألة ثلاثة آراءٍ :
الأوّل : تقديم الصّلاة على الخطبة ، وهو قول المالكيّة ، ومحمّد بن الحسن ، والرّاجح عند الحنابلة ، وهو الأولى عند الشّافعيّة ، وعليه جماعة الفقهاء ؛ لقول أبي هريرة : « صلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ركعتين ثمّ خطبنا » ولقول ابن عبّاسٍ : صنع في الاستسقاء كما يصنع في العيد ؛ ولأنّها صلاةٌ ذات تكبيراتٍ ، فأشبهت صلاة العيد .
الثّاني : تقديم الخطبة على الصّلاة وهو رأيٌ للحنابلة ، وخلاف الأولى عند الشّافعيّة ، وروي ذلك عن ابن الزّبير ، وأبان بن عثمان ، وهشام بن إسماعيل ، واللّيث بن سعدٍ ، وابن المنذر ، وعمر بن عبد العزيز . ودليله ما روي عن أنسٍ وعائشة : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطب وصلّى » ، وروي عن عبد اللّه بن زيدٍ قال : « رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا خرج يستسقي حوّل إلى النّاس ظهره ، واستقبل القبلة يدعو ، ثمّ حوّل رداءه ، ثمّ صلّى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة » . متّفقٌ عليه .
الثّالث : هو مخيّرٌ في الخطبة قبل الصّلاة أو بعدها ، وهو رأيٌ للحنابلة ؛ لورود الأخبار بكلا الأمرين ، ودلالتها على كلتا الصّفتين .
كيفيّة صلاة الاستسقاء :
16 - لا يعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافٌ في أنّها ركعتان ، واختلف في صفتها على رأيين :
الرّأي الأوّل ، وهو للشّافعيّة ، والحنابلة ، وقولٌ لمحمّدٍ ، وسعيد بن المسيّب ، وعمر بن عبد العزيز : يصلّيها ركعتين يكبّر في الأولى سبعاً ، وخمساً في الثّانية مثل صلاة العيد ، لقول ابن عبّاسٍ في حديثه المتقدّم : وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد ، ولما روي عن جعفر بن محمّدٍ عن أبيه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ وعمر كانوا يصلّون صلاة الاستسقاء يكبّرون فيها سبعاً وخمساً » .
الرّأي الثّاني : وهو للمالكيّة ، والقول الثّاني لمحمّدٍ ، وهو قول الأوزاعيّ ، وأبي ثورٍ ، وإسحاق : تصلّى ركعتين كصلاة النّافلة والتّطوّع ؛ لما روي عن عبد اللّه بن زيدٍ : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استسقى فصلّى ركعتين » وروى أبو هريرة نحوه ، ولم يذكرا التّكبير ، فتنصرف إلى الصّلاة المطلقة . واتّفقت المذاهب على الجهر بالقراءة في الاستسقاء ؛ لأنّها صلاةٌ ذات خطبةٍ ، وكلّ صلاةٍ لها خطبةٌ فالقراءة فيها تكون جهراً ؛ لاجتماع النّاس للسّماع ، ويقرأ بما شاء ، ولكن الأفضل أن يقرأ فيهما بما كان يقرأ في العيد ، وقيل : يقرأ بسورتي ق ونوحٍ ، أو يقرأ بسورتي الأعلى والغاشية ، أو بسورتي الأعلى والشّمس . وحذف التّكبيرات أو بعضها أو الزّيادة فيها لا تفسد الصّلاة . وقال الشّافعيّة : ولو ترك التّكبيرات أو بعضها أو زاد فيهنّ لا يسجد للسّهو ، ولو أدرك المسبوق بعض التّكبيرات الزّائدة فهل يقضي ما فاته من التّكبيرات ؟ قالوا : فيها القولان ، مثل صلاة العيد .
كيفيّة الخطبة ومستحبّاتها :
17 - قال الشّافعيّة ، والمالكيّة ، ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة : يخطب الإمام خطبتين كخطبتي العيد بأركانهما وشروطهما وهيئاتهما ، وفي الجلوس إذا صعد المنبر وجهان كما في العيد أيضاً ، لحديث ابن عبّاسٍ المتقدّم ؛ ولأنّها أشبهتها في التّكبير وفي صفة الصّلاة . وقال الحنابلة ، وأبو يوسف من الحنفيّة ، وعبد الرّحمن بن مهديٍّ : يخطب الإمام خطبةً واحدةً يفتتحها بالتّكبير ، لقول ابن عبّاسٍ : لم يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير ، وهذا يدلّ على أنّه ما فصل بين ذلك بسكوتٍ ولا جلوسٍ ؛ ولأنّ كلّ من نقل الخطبة لم ينقل خطبتين . ولا يخرج المنبر إلى الخلاء في الاستسقاء ؛ لأنّه خلاف السّنّة . وقد عاب النّاس على مروان بن الحكم عند إخراجه المنبر في العيدين ، ونسبوه إلى مخالفة السّنّة . ويخطب الإمام على الأرض معتمداً على قوسٍ أو سيفٍ أو عصاً ، ويخطب مقبلاً بوجهه إلى النّاس . وقد صرّح المالكيّة بأنّ الخطبة على الأرض مندوبةٌ ، وعلى المنبر مكروهةٌ . أمّا إذا كان المنبر موجوداً في الموضع الّذي فيه الصّلاة ، ولم يخرجه أحدٌ ففيه رأيان : الجواز ، والكراهة . وقال الحنفيّة ، والحنابلة ، والشّافعيّة في القول المرجوح : يكبّر في الخطبة كما في صلاة العيد . وقال المالكيّة ، والشّافعيّة في الرّاجح عندهم : يستبدل بالتّكبير الاستغفار ، فيستغفر اللّه في أوّل الخطبة الأولى تسعاً ، وفي الثّانية سبعاً ، يقول : أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ، ويختم كلامه بالاستغفار ، ويكثر منه في الخطبة ، ومن قوله تعالى : { استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً } الآية ، ويخوّفهم من المعاصي الّتي هي سبب الجدب ، ويأمرهم بالتّوبة ، والإنابة والصّدقة والبرّ . وقال الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والمالكيّة : يستقبل الإمام النّاس في الخطبة مستدبراً القبلة ، حتّى إذا قضى خطبته توجّه بوجهه إلى القبلة يدعو . وقال الحنابلة : يستحبّ للخطيب استقبال القبلة في أثناء الخطبة ؛ لما روى عبد اللّه بن زيدٍ : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي ، فتوجّه إلى القبلة يدعو » وفي لفظٍ : « فحوّل إلى النّاس ظهره واستقبل القبلة يدعو » .
صيغ الدّعاء المأثورة :
18 - يستحبّ الدّعاء بما أثر عن النّبيّ ، ومن ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم « أنّه كان يدعو في الاستسقاء فيقول : اللّهمّ اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً غدقاً مجلّلاً سحّا عامّاً طبقاً دائماً . اللّهمّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين . اللّهمّ إنّ بالبلاد والعباد والخلق من اللّأواء والضّنك ما لا نشكو إلاّ إليك . اللّهمّ أنبت لنا الزّرع ، وأدرّ لنا الضّرع ، واسقنا من بركات السّماء ، وأنبت لنا من بركات الأرض . اللّهمّ إنّا نستغفرك إنّك كنت غفّاراً ، فأرسل السّماء علينا مدراراً ، فإذا مطروا . قالوا : اللّهمّ صيّباً نافعاً . ويقولون : مطرنا بفضل اللّه وبرحمته » . وروي « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر ، حين قال له الرّجل : يا رسول اللّه هلكت الأموال ، وانقطعت السّبل ، فادع اللّه أن يغيثنا . فرفع يديه وقال : اللّهمّ أغثنا ، اللّهمّ أغثنا ، اللّهمّ أغثنا » . وروي عن الشّافعيّ قوله : « ليكن من دعائهم في هذه الحالة : اللّهمّ أنت أمرتنا بدعائك ، ووعدتنا إجابتك ، وقد دعوناك كما أمرتنا ، فأجبنا كما وعدتنا ، اللّهمّ امنن علينا بمغفرة ما قارفنا ، وإجابتك في سقيانا ، وسعة رزقنا ، فإذا فرغ من دعائه أقبل على النّاس بوجهه ، وحثّهم على الطّاعة ، وصلّى على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ودعا للمؤمنين والمؤمنات ، وقرأ آيةً من القرآن أو آيتين ، ويكثر من الاستغفار ، ومن قوله تعالى : { استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً ، يرسل السّماء عليكم مدراراً ، ويمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جنّاتٍ ويجعل لكم أنهاراً } . وروي عن عمر رضي الله عنه أنّه استسقى فكان أكثر دعائه الاستغفار ، وقال : لقد استسقيت بمجاديح السّماء .
رفع اليدين في الدّعاء في الاستسقاء :
19 - استحبّ الأئمّة رفع اليدين إلى السّماء في الدّعاء ، لما روى البخاريّ عن أنسٍ قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيءٍ من دعائه إلاّ في الاستسقاء » . وأنّه يرفع حتّى يرى بياض إبطيه . وفي حديثٍ لأنسٍ « فرفع الرّسول صلى الله عليه وسلم ورفع النّاس أيديهم » وقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قريبٌ من ثلاثين حديثاً في رفع اليدين في الاستسقاء . وذكر الأئمّة : أنّه يدعو سرّاً وجهراً ، فإذا دعا سرّاً دعا النّاس سرّاً ، فيكون أبلغ في البعد عن الرّياء . وإذا دعا جهراً أمّن النّاس على دعاء الإمام . ولهذا يستحبّ أن يدعو بعض الدّعاء سرّاً ، وبعضه جهراً ، ويستقبل القبلة في دعائه متضرّعاً خاشعاً متذلّلاً تائباً .
الاستسقاء بالصّالحين :
20 - اتّفق جمهور الفقهاء على استحباب الاستسقاء بأقارب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبالصّالحين من المسلمين الّذين عرفوا بالتّقوى والاستقامة ، لأنّ عمر رضي الله عنه استسقى بالعبّاس وقال : اللّهمّ إنّا كنّا إذا قحطنا توسّلنا إليك بنبيّك فتسقينا ، وإنّا نتوسّل بعمّ نبيّنا فاسقنا ، فيسقون . وروي أنّ معاوية استسقى بيزيد بن الأسود فقال : « اللّهمّ إنّا نستسقي بخيرنا وأفضلنا ، اللّهمّ إنّا نستسقي بيزيد بن الأسود . يا يزيد ارفع يديك إلى اللّه تعالى ، فرفع يديه ورفع النّاس أيديهم ، فثارت سحابةٌ من المغرب كأنّها ترسٌ ، وهبّ لها ريحٌ ، فسقوا حتّى كاد النّاس ألاّ يبلغوا منازلهم .
التّوسّل بالعمل الصّالح :
20م ـ ويستحبّ أن يتوسّل كلٌّ في نفسه بما قدّم من عملٍ صالحٍ . واستدلّ على هذا بحديث ابن عمر في الصّحيحين عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في قصّة أصحاب الغار ، وهم الثّلاثة الّذين آووا إلى الغار ، فأطبقت عليهم صخرةٌ ، فتوسّل كلّ واحدٍ بصالح عمله ، فكشف اللّه عنهم الصّخرة ، وقشع الغمّة ، وخرجوا يمشون .
تحويل الرّداء في الاستسقاء :
21 - قال الشّافعيّة ، والحنابلة ، والمالكيّة : يستحبّ تحويل الرّداء للإمام والمأموم ، لفعل الرّسول صلى الله عليه وسلم له ، ولأنّ ما فعله الرّسول صلى الله عليه وسلم ثبت في حقّ غيره ، ما لم يقم دليلٌ على اختصاصه به . وقد عقل المعنى في ذلك ، وهو التّفاؤل بقلب الرّداء ، ليقلب اللّه ما بهم من الجدب إلى الخصب . وهو خاصٌّ بالرّجال دون النّساء عند الجميع . وقال محمّد بن الحسن من الحنفيّة ، وابن المسيّب ، وعروة ، والثّوريّ ، واللّيث : إنّ تحويل الرّداء مختصٌّ بالإمام فقط دون المأموم ؛ لأنّه نقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم دون أصحابه . وقال أبو حنيفة : لا يسنّ تقليب الرّداء ؛ لأنّه دعاءٌ فلا يستحبّ تحويل الرّداء فيه ، كسائر الأدعية .
كيفيّة تقليب الرّداء :
22 - قال الحنابلة ، والمالكيّة ، وهو رأيٌ للشّافعيّة ، وقول أبان بن عثمان ، وعمر بن عبد العزيز ، وهشام بن إسحاق ، وأبو بكر بن محمّد بن حزمٍ : يقلب المستسقون أرديتهم ، فيجعلون ما على اليمين على اليسار ، وما على اليسار على اليمين ، ودليلهم في ذلك ما روى أبو داود بإسناده عن عبد اللّه بن زيدٍ ، « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حوّل رداءه ، وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر ، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن » . وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك ، وقد نقل تحويل الرّداء جماعةٌ ، كلّهم نقلوه بهذه الصّفة ، ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنّه جعل أعلاه أسفله . وقال محمّد بن الحسن من الحنفيّة ، والشّافعيّة في الرّأي الرّاجح : إن كان الرّداء مدوّراً بأن كان جبّةً يجعل الأيمن على الأيسر ، والأيسر على الأيمن ، وإن كان الرّداء مربّعاً يجعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أنّه استسقى وعليه رداءٌ ، فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها ، فلمّا ثقلت عليه جعل العطاف الّذي في الأيسر على عاتقه الأيمن ، والّذي على الأيمن على عاتقه الأيسر » ، ويبدأ بتحويل الرّداء عند البدء بالدّعاء والتّضرّع إلى اللّه تعالى .
المستسقون :
23 - اتّفق الفقهاء على ، أنّ السّنّة خروج الإمام للاستسقاء مع النّاس ، فإذا تخلّف فقد أساء بترك السّنّة ، ولا قضاء عليه .

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:40 AM

تخلّف الإمام عن الاستسقاء :
24 - في مسألة تخلّف الإمام رأيان :
الرّأي الأوّل : وهو رأي الشّافعيّة ، ورأيٌ للحنابلة : إذا تخلّف الإمام عن الاستسقاء أناب عنه . فإذا لم ينب لم يترك النّاس الاستسقاء ، وقدّموا أحدهم للصّلاة ، كما إذا خلت الأمصار من الولاة قدّموا أحدهم للجمعة والعيد والكسوف ، كما قدّم النّاس أبا بكرٍ رضي الله عنه حين ذهب النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليصلح بين بني عمر وبني عوفٍ ، وقدّموا عبد الرّحمن بن عوفٍ في غزوة تبوك حين تأخّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم لحاجته ، وكان ذلك في الصّلاة المكتوبة . قال الشّافعيّ : فإذا جاز في المكتوبة فغيرها أولى .
الرّأي الثّاني : لا يستحبّ الاستسقاء بالصّلاة إلاّ بخروج الإمام ، أو رجلٍ من قبله . وهو رأيٌ للحنابلة والحنفيّة ، فإذا خرجوا بغير إذن الإمام دعوا وانصرفوا بلا صلاةٍ ولا خطبةٍ .
من يستحبّ خروجهم ، ومن يجوز ، ومن يكره :
25 - يستحبّ عند المذاهب الأربعة خروج الشّيوخ والضّعفاء والصّبيان والعجزة وغير ذات الهيئة من النّساء . وقال المالكيّة : بخروج من يعقل من الصّبيان ، أمّا من لا يعقل فيكره خروجهم مع الجماعة للصّلاة . واستدلّوا لخروج من ذكر بقول الرّسول عليه الصلاة والسلام : « هل تنصرون وترزقون إلاّ بضعفائكم » .
إخراج الدّوابّ في الاستسقاء :
26 - في المسألة ثلاثة آراءٍ : الأوّل : يستحبّ إخراج الدّوابّ ؛ لأنّه قد تكون السّقيا بسببهم . وهو قول الحنفيّة ، ورأيٌ للشّافعيّة ؛ لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لولا عبادٌ للّه ركّعٌ ، وصبيانٌ رضّعٌ ، وبهائم رتّعٌ لصبّ عليكم العذاب صبّاً ، ثمّ رصّ رصّاً » . ولما روى الإمام أحمد أنّ سليمان عليه السلام « خرج بالنّاس يستسقي ، فإذا هو بنملةٍ رافعةٍ بعض قوائمهما إلى السّماء . فقال : ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النّملة » وقال أصحاب هذا الرّأي : إذا أقيمت في المسجد ، أوقفت الدّوابّ عند باب المسجد . الثّاني : لا يستحبّ إخراج البهائم ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يفعله . وهو قول الحنابلة ، والمالكيّة ، ورأيٌ ثانٍ للشّافعيّة . الثّالث : لا يستحبّ ولا يكره ، وهو رأيٌ ثالثٌ للشّافعيّة .
خروج الكفّار وأهل الذّمّة :
27 - في المسألة رأيان :
الأوّل : وهو للمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة : لا يستحبّ خروج الكفّار وأهل الذّمّة ، بل يكره ، ولكن إذا خرجوا مع النّاس في يومهم ، وانفردوا في مكان وحدهم لم يمنعوا . وجملة ما استدلّوا به أنّه لا يستحبّ إخراج أهل الذّمّة والكفّار ؛ لأنّهم أعداء اللّه الّذين كفروا به وبدّلوا نعمة اللّه كفراً ، فهم بعيدون من الإجابة . وإن أغيث المسلمون فربّما قالوا : هذا حصل بدعائنا وإجابتنا ، وإن خرجوا لم يمنعوا ؛ لأنّهم يطلبون أرزاقهم من ربّهم فلا يمنعون من ذلك ، ولا يبعد أن يجيبهم اللّه تعالى ؛ لأنّه قد ضمن أرزاقهم في الدّنيا ، كما ضمن أرزاق المؤمنين . ولكن يؤمرون بالانفراد عن المسلمين ؛ لأنّه لا يؤمن أن يصيبهم بعذابٍ فيعمّ من حضرهم . ولا يخرجون وحدهم ، فإنّه لا يؤمن أن يتّفق نزول الغيث يوم خروجهم وحدهم ، فيكون أعظم فتنةً لهم ، وربّما افتتن غيرهم .
الرّأي الثّاني : وهو للحنفيّة ، ورأيٌ للمالكيّة ، قال به أشهب وابن حبيبٍ : لا يحضر الذّمّيّ والكافر الاستسقاء ، ولا يخرج له ؛ لأنّه لا يتقرّب إلى اللّه تعالى بدعائه . والاستسقاء لاستنزال الرّحمة ، وهي لا تنزل عليهم ، ويمنعون من الخروج ؛ لاحتمال أن يسقوا فتفتتن به الضّعفاء والعوامّ .


*استسلامٌ
التعريف
1 - الاستسلام في اللّغة : الانقياد والخضوع للغير . ويستعمل الفقهاء كلمة « استسلامٍ » بهذا المعنى أيضاً . ويعبّرون أيضاً عن الاستسلام بـ « النّزول على الحكم وقبول الجزية » .
الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث :
2 - أ - استسلام العدوّ سواءٌ أكان كافراً - ما لم يكن من مشركي العرب - أم مسلماً باغياً موجبٌ للكفّ عن قتاله . وقد أفاض الفقهاء في الحديث عن ذلك في كتاب الجهاد ، وفي كتاب البغاة .
3 - ب - لا يجوز للمسلم أن يستسلم لعدوّه الظّالم - سواءٌ كان مسلماً أو كافراً - إلاّ أن يخاف على نفسه ، أو على عضوٍ من أعضائه ، ولا يجد حيلةً للحفاظ عليها إلاّ بالاستسلام ، فيجوز له الاستسلام حينئذٍ . وقد ذكر الفقهاء في كتاب الجهاد : أنّه لا يجوز للمسلمين الاستسلام لعدوّهم في ساحة المعركة إلاّ بهذا الشّرط . وذكروا في كتاب الصّيال : أنّه لا يجوز للمصول عليه أن يستسلم للصّائل إلاّ بهذا الشّرط أيضاً . وذكروا في كتاب الإكراه : أنّ الإكراه على بعض الأفعال ، لا تترتّب آثاره إلاّ إذا كان الاستسلام للمكره ( بكسر الرّاء ) بهذا الشّرط .


*استشارةٌ
انظر : شورى .


*استشرافٌ
التعريف
1 - الاستشراف في اللّغة : وضع اليد على الحاجب للنّظر ، كالّذي يستظلّ من الشّمس حتّى يستبين الشّيء . وأصله من الشّرف : العلوّ ، وأشرفت عليه بالألف : اطّلعت عليه . ويستعمله الفقهاء بمعنى : التّطلّع إلى الشّيء ، كما في استشراف الأضحيّة . وهو في الأموال بأن يقول : سيبعث إليّ فلانٌ ، أو لعلّه يبعث ، وإن لم يسأل . وقال أحمد : الاستشراف بالقلب وإن لم يتعرّض ، قيل له : إنّ هذا شديدٌ ، قال : وإن كان شديداً فهو هكذا ، قيل له : فإن كان الرّجل لم يودّ في أن يرسل إليّ شيئاً ، إلاّ أنّه قد عرض بقلبي ، فقلت : عسى أن يبعث إليّ ، قال : هذا إشرافٌ ، فإذا جاءك من غير أن تحسّه ، ولا خطر على قلبك ، فهذا الآن ليس فيه إشرافٌ . وقال البعض : الاستشراف هو : التّعرّض للسّؤال .
الحكم الإجماليّ :
2 - ينبغي استشراف الأضحيّة لتعرف سلامتها من العيوب المانعة من الإجزاء ، لحديث عليٍّ رضي الله تعالى عنه « أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن ، وألاّ نضحّي بمقابلةٍ ، ولا مدابرةٍ ، ولا شرقاء ، ولا خرقاء » . رواه أبو داود والنّسائيّ وغيرهما ، وصحّحه التّرمذيّ .
3 - أمّا الاستشراف في الأموال : فإن كان بالقلب فلا يؤاخذ الإنسان عليه ؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ تجاوز لهذه الأمّة عمّا حدّثت به أنفسها ، ما لم ينطق به لسانٌ أو تعمله جارحةٌ ، وما اعتقده القلب من المعاصي – غير الكفر – فليس بشيءٍ حتّى يعمل به ، وخطرات النّفس متجاوزٌ عنها بالإجماع . وعند أحمد : الاستشراف بالقلب كالتّعرّض باللّسان .
وللعلماء في قبول المال دون استشرافٍ - بمعنى التّحدّث في النّفس من غير سؤالٍ - ثلاثة آراءٍ :
4 - أ - جواز القبول وعدمه ، غير أنّ من الفقهاء من أطلق ذلك ، ومنهم من جعله لمن ملك أقلّ من نصابٍ ، وقال قومٌ : إنّ ذلك خاصٌّ بعطيّة غير السّلطان . واستدلّوا بحديث حكيم بن حزامٍ رضي الله عنه قال : « سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأعطاني ، ثمّ سألته فأعطاني ، ثمّ سألته فأعطاني ، ثمّ قال : يا حكيم إنّ هذا المال حلوةٌ خضرةٌ ، فمن أخذه بسخاوة نفسٍ بورك له فيه ، ومن أخذه بإشرافٍ لم يبارك فيه ، وكان كالّذي يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خيرٌ من اليد السّفلى . قال حكيمٌ : فقلت : يا رسول اللّه والّذي بعثك بالحقّ لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتّى أفارق الدّنيا ، فكان أبو بكرٍ رضي الله عنه يدعو حكيماً ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئاً ، ثمّ إنّ عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله ، فقال : يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيمٍ أنّي أعرض عليه حقّه الّذي قسم اللّه له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه ، فلم يرزأ حكيمٌ أحداً من النّاس بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتّى توفّي » رواه البخاريّ .
5 - ب ـ وجوب الآخذ ، وحرمة الرّدّ ، لحديث سالم بن عبد اللّه بن عمر عن أبيه عن عمر رضي الله عنه قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء ، فأقول : أعطه أفقر منّي ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : خذه ، وما جاءك من هذا المال وأنت غير سائلٍ ولا مشرفٍ فخذه ، وما لا فلا تتبعه نفسك ، قال : فكان سالمٌ لا يسأل أحداً شيئاً ، ولا يردّ شيئاً أعطيه » رواه البخاريّ ومسلمٌ .
6 - ج - استحباب الأخذ ، وحمل النّصوص المذكورة للوجوب على الاستحباب ، غير أنّ منهم من أطلق ، ومنهم من قصره على عطيّة غير السّلطان . جاء في شرح مسلمٍ : « الصّحيح الّذي عليه الجمهور : يستحبّ القبول في غير عطيّة السّلطان ، وأمّا عطيّة السّلطان فحرّمها قومٌ ، وأباحها قومٌ ، وكرهها قومٌ ، قال : والصّحيح إن غلب الحرام فيما في يد السّلطان حرّمت ، وإلاّ أبيح ، إن لم يكن في القابض مانعٌ من الاستحقاق » .
7 - والاستشراف بمعنى التّعرّض للسّؤال ، لا تختلف أحكامه عن أحكام السّؤال . ( ر : سؤالٌ ) .
مواطن البحث :
8 - يتكلّم الفقهاء عن الاستشراف في صدقة التّطوّع ، وفي الأضحيّة ، وفي الحظر والإباحة .


*استشهادٌ
التعريف
1 - الاستشهاد في اللّغة : طلب الشّهادة من الشّهود ، فيقال : استشهده : إذا سأله تحمّل أو أداء الشّهادة ، قال تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } واستعمل في القتل في سبيل اللّه ، فيقال : استشهد : قتل في سبيل اللّه . وفي اصطلاح الفقهاء لا يخرج استعمالهم عن هذين المعنيين . ويستعمل الفقهاء في الغالب لفظة إشهادٍ ، ويراد بها : الاستشهاد على حقٍّ من الحقوق .
الحكم الإجماليّ :
2 - الاستشهاد - بمعنى طلب الشّهادة - يختلف من حقٍّ إلى حقٍّ ؛ لذا يختلف الحكم تبعاً للمواطن ، ومن تلك المواطن : الاستشهاد في الرّجعة ، فهو مستحبٌّ عند الحنفيّة ، والحنابلة ، وفي قولٍ عند الشّافعيّة ، ومندوبٌ عند المالكيّة ، وواجبٌ في قولٍ آخر عند الشّافعيّة .
مواطن البحث :
3 - يفصّل الفقهاء أحكام الاستشهاد بالنّسبة لكلّ مسألةٍ في موضعها ، ومن تلك المواطن : النّكاح ، والرّجعة ، والوصيّة ، والزّنا ، واللّقطة ، واللّقيط ، وكتاب القاضي للقاضي ، وغيرها عند الكلام عن الاستشهاد ، أو الإشهاد فيها .
4 - أمّا الاستعمال الثّاني - بمعنى القتل في سبيل اللّه - فيرجع في تفصيل ذلك إلى الجنائز ، عند الكلام عن غسل الميّت وعدم غسله . والجهاد ، عند الحديث عن فضل القتل في سبيل اللّه .


*استصباحٌ
التعريف
1 - الاستصباح في اللّغة : مصدر استصبح بمعنى : أوقد المصباح ، وهو الّذي يشتعل منه الضّوء . واستصبح بالزّيت ونحوه : أي أمدّ به مصباحه ، كما في حديث جابرٍ في السّؤال عن شحوم الميتة .. « ويستصبح بها النّاس » : أي يشعلون بها سرجهم " ولم يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى ، فقد ورد في طلبة الطّلبة الاستصباح بالدّهن : إيقاد المصباح ، وهو السّراج . وفي المصباح المنير استصبحت بالمصباح ، واستصبحت بالدّهن : نوّرت به المصباح .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاقتباس :
2 - الاقتباس له معانٍ عدّةٌ أهمّها : طلب القبس ، وهو الشّعلة من النّار ، فإذا كان بهذا المعنى فهو يختلف عن الاستصباح ، كما ظهر من التعريف . والفرق واضحٌ بين طلب الشّعلة ، وإيقاد الشّيء لتتكوّن لنا شعلةٌ ، فالإيقاد سابقٌ لطلب الشّعلة . أمّا كون الاقتباس بمعنى تضمين المتكلّم كلامه - شعراً كان أو نثراً - شيئاً من القرآن الكريم ، أو الحديث النّبويّ الشّريف ، على وجهٍ لا يكون فيه إشعارٌ بأنّه من القرآن أو الحديث ، فهو بعيدٌ جدّاً عن معنى الاستصباح .
ب - الاستضاءة :
3 - الاستضاءة مصدر : استضاء . والاستضاءة : طلب الضّوء . يقال : استضاء بالنّار : أي استنار بها ، أي انتفع بضوئها ، فإيقاد السّراج غير الانتفاع بضوئه ، إذ أنّه يكون سابقاً للاستضاءة .
حكم الاستصباح :
4 - يختلف حكم الاستصباح باختلاف ما يستصبح به ، والمكان الّذي يستصبح فيه ، فإن كان ما يستصبح به طاهراً فبها ، وإلاّ فيفرّق بين ما هو نجسٌ وما هو متنجّسٌ ، وما إذا كان في المسجد وما إذا كان في غيره .
أ - فإن كان ما يستصبح به نجساً بعينه ، كشحم الخنزير ، أو شحم الميتة ، فجمهور الفقهاء على حرمة الاستصباح به ، سواءٌ أكان في المسجد أم في غيره ، وذلك للأدلّة التّالية : أوّلاً : أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « لمّا سئل عن الانتفاع بشحوم الميتة باستصباحٍ وغيره قال : لا ، هو حرامٌ » .
ثانياً : وقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تنتفعوا من الميتة بشيءٍ » .
ثالثاً : ولأنّه مظنّة التّلوّث به ، ولكراهة دخان النّجاسة .
ب - وإن كان متنجّساً ، أي أنّ الوقود طاهرٌ في الأصل ، وأصابته نجاسةٌ ، فإن كان الاستصباح به في المسجد فجمهور الفقهاء على عدم جواز ذلك . أمّا إن كان الاستصباح بالمتنجّس في غير المسجد ، فيجوز عند جمهور الفقهاء ، لأنّ الوقود يمكن الانتفاع به من غير ضررٍ ، فجاز كالطّاهر . وقد جاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « في العجين الّذي عجن بماءٍ من آبار ثمود أنّه نهاهم عن أكله ، وأمرهم أن يعلفوه النّواضح » ( الإبل الّتي يستقى عليها ) وهذا الوقود ليس بميتةٍ ، ولا هو من شحومها فيتناوله الخبر .
حكم استعمال مخلّفاتهما :
5 - إذا استصبح بالمتنجّس ، أو النّجس فلا بأس بدخانه أو رماده عند الحنفيّة والمالكيّة ، إذا لم يكن يعلق بالثّياب ، وذلك لاضمحلال النّجاسة بالنّار ، وزوال أثرها ، فمجرّد الملاقاة لا ينجّس ، بل ينجّس إذا علق . والظّاهر أنّ المراد بالعلوق أن يظهر أثره ، أمّا مجرّد الرّائحة فلا . وكذلك يرون أنّ العلّة في جواز الانتفاع هي التّغيّر وانقلاب الحقيقة ، وأنّه يفتى به للبلوى . أمّا الشّافعيّة والحنابلة فيرون أنّ المتنجّس كالنّجس ؛ لأنّه جزءٌ يستحيل منه ، والاستحالة لا تطهر ، فإن علق شيءٌ وكان يسيراً عفي عنه ؛ لأنّه لا يمكن التّحرّز منه فأشبه دم البراغيث ، وإن كان كثيراً لم يعف عنه . وقيل أيضاً بأنّ دخان النّجاسة نجسٌ ، ولا شكّ أنّ ما ينفصل من الدّخان يؤثّر في الحيطان ، وذلك يؤدّي إلى تنجيسها فلا يجوز . وينظر تفصيل هذا في ( نجاسةٌ ) .
آداب الاستصباح :
6 - يستحبّ عند جمهور الفقهاء إطفاء المصباح عند النّوم ، خوفاً من الحريق المحتمل بالغفلة ، فإن وجدت الغفلة حصل النّهي . وقد وردت أحاديث كثيرةٌ للرّسول صلى الله عليه وسلم تدلّ على هذا ، منها حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنه قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : خمّروا الآنية » أي غطّوها « وأجيفوا الأبواب » أي أغلقوها « وأطفئوا المصابيح ، فإنّ الفويسقة ربّما جرّت الفتيلة ، فأحرقت أهل البيت » . قال ابن مفلحٍ : يستحبّ إطفاء النّار عند النّوم ؛ لأنّها عدوٌّ مزمومٌ بزمامٍ لا يؤمن لهبها في حالة نوم الإنسان . أمّا إن جعل المصباح في شيءٍ معلّقٍ أو على شيءٍ لا يمكن الفواسق والهوامّ التّسلّق إليه فلا أرى بذلك بأساً .


*استصحابٌ
التعريف
1 - الاستصحاب في اللّغة : الملازمة ، يقال : استصحبت الكتاب وغيره : حملته بصحبتي . وأمّا في الاصطلاح ، فقد عرّف بعدّة تعريفاتٍ منها ما عرّفه به الإسنويّ بقوله : الاستصحاب عبارةٌ عن الحكم بثبوت أمرٍ في الزّمن الآتي ، بناءً على ثبوته في الزّمن الأوّل . ومثاله : أنّ المتوضّئ بيقينٍ يبقى على وضوئه وإن شكّ في نقض طهارته .
الألفاظ ذات الصّلة
الإباحة :
2 - الإباحة الأصليّة - بمعنى براءة الذّمّة - نوعٌ من أنواع الاستصحاب ، وهي ما يسمّى باستصحاب العدم الأصليّ . وأمّا الإباحة الّتي هي قسمٌ من أقسام الحكم التّكليفيّ ، فهي مغايرةٌ للاستصحاب ، إذ الاستصحاب - عند من يقول به - نوعٌ من الأدلّة الّتي تثبت بها الإباحة وغيرها من الأحكام .
أنواع الاستصحاب :
3 - للاستصحاب أنواعٌ ثلاثةٌ متّفقٌ عليها ، هي :
أ - استصحاب العدم الأصليّ ، كنفي وجوب صلاةٍ سادسةٍ ، ونفي وجوب صوم شوّالٍ .
ب - استصحاب العموم إلى أن يرد المخصّص ، كبقاء العموم في قوله تعالى : { وحرّم الرّبا } ، واستصحاب النّصّ إلى أن يرد ناسخٌ ، كوجوب جلد كلّ قاذفٍ زوجاً أو غيره ، إلى أن ورد النّاسخ الجزئيّ ، بالنّسبة للزّوج دون غيره .
ج - استصحاب حكمٍ دلّ الشّرع على ثبوته ودوامه ، كالملك عند جريان العقد الّذي يفيد التّمليك ، وكشغل الذّمّة عند جريان إتلافٍ أو إلزامٍ ، فيبقى الملك والدّين إلى أن يثبت زوالهما بسببٍ مشروعٍ . وهناك نوعان آخران للاستصحاب مختلفٌ في حجّيّتهما ، وموضع تفصيلهما الملحق الأصوليّ .
حجّيّته :
4 - اختلف الأصوليّون في حجّيّة الاستصحاب على أقوالٍ أشهرها :
أ - قال المالكيّة ، وأكثر الشّافعيّة ، والحنابلة بحجّيّته مطلقاً ، أي في النّفي والإثبات .
ب - وقال أكثر الحنفيّة ، والمتكلّمين بعدم حجّيّته مطلقاً .
ج - ومنهم من قال بحجّيّته في النّفي دون الإثبات ، وهم أكثر المتأخّرين من الحنفيّة . وهناك أقوالٌ أخرى موضعها وتفصيلها في الملحق الأصوليّ .
مرتبته في الحجّيّة :
5 - الاستصحاب - عند من يقول بحجّيّته - هو آخر دليلٍ يلجأ إليه المجتهد ، لمعرفة حكم ما يعرض عليه ، ولهذا قال الفقهاء : إنّه آخر مدار الفتوى ، وعليه ثبتت القاعدة الفقهيّة المشهورة : ( الأصل بقاء ما كان على ما كان ، حتّى يقوم الدّليل على خلافه ) والقاعدة : ( ما ثبت باليقين لا يزول بالشّكّ ) .


*استصلاحٌ
التعريف
1 - الاستصلاح في اللّغة : نقيض الاستفساد . وعند الأصوليّين : استنباط الحكم في واقعةٍ لا نصّ فيها ولا إجماع ، بناءً على مصلحةٍ عامّةٍ لا دليل على اعتبارها ولا إلغائها . ويعبّر عنه أيضاً بالمصلحة المرسلة .
2 - والمصلحة في اللّغة : ضدّ المفسدة . وفي الاصطلاح عند الغزاليّ : المحافظة على مقاصد الشّرع الخمسة .
3 - والمصالح المرسلة : ما لا يشهد لها أصلٌ بالاعتبار ولا بالإلغاء ، لا بالنّصّ ولا بالإجماع ، ولا يترتّب الحكم على وفقه .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستحسان :
4 - عرّفه الأصوليّون بتعاريف كثيرةٍ ، المختار منها : العدول إلى خلاف النّظير بدليلٍ أقوى منه ، كدخول الحمّام من غير تقييدٍ بزمان مكثٍ ، ولا مقدار ماءٍ ، لدليل العرف . وعلى ذلك فالاستحسان يكون في مقابلة قياسٍ بقياسٍ ، أو بمقابلة نصٍّ بقاعدةٍ عامّةٍ ، والاستصلاح ليس كذلك .
ب - القياس :
5 - وهو مساواة المسكوت عنه بالمنصوص عليه في علّة الحكم . فالفرق بين الاستصلاح وبين القياس : أنّ للقياس أصلاً يقاس الفرع عليه ، في حين أنّه ليس للاستصلاح هذا الأصل . أقسام المناسب المرسل :
6 - المناسب الّذي يقوم عليه الاستصلاح ينقسم إلى ثلاثة أقسامٍ :
أ - إمّا أن يعتبره الشّارع بأيّ نوعٍ من أنواع الاعتبارات .
ب - وإمّا أن يلغيه .
ج - وإمّا أن يسكت عنه . والأخير هو الاستصلاح .
حجّيّة الاستصلاح :
7 - اختلف في حجّيّته على مذاهب كثيرةٍ ، والحقّ أنّه ما من مذهبٍ من المذاهب إلاّ يأخذ به إجمالاً ، وقد وضع بعضهم قيوداً لجواز الأخذ به ، وبيان ذلك كلّه في الملحق الأصوليّ ، عند الكلام عن المصلحة المرسلة .


*استصناعٌ
التعريف
1 - الاستصناع في اللّغة : مصدر استصنع الشّيء : أي دعا إلى صنعه ، ويقال : اصطنع فلانٌ باباً : إذا سأل رجلاً أن يصنع له باباً ، كما يقال : اكتتب أي أمر أن يكتب له . وفي الاصطلاح هو على ما عرّفه بعض الحنفيّة : عقدٌ على مبيعٍ في الذّمّة شرط فيه العمل . فإذا قال شخصٌ لآخر من أهل الصّنائع : اصنع لي الشّيء الفلانيّ بكذا درهماً ، وقبل الصّانع ذلك ، انعقد استصناعاً عند الحنفيّة ، وكذلك الحنابلة ، حيث يستفاد من كلامهم أنّ الاستصناع : بيع سلعةٍ ليست عنده على غير وجه السّلم ، فيرجع في هذا كلّه عندهم إلى البيع وشروطه عند الكلام عن البيع بالصّنعة . أمّا المالكيّة والشّافعيّة : فقد ألحقوه بالسّلم ، فيؤخذ تعريفه وأحكامه من السّلم ، عند الكلام عن السّلف في الشّيء المسلم للغير من الصّناعات .
الألفاظ ذات الصّلة

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:41 AM

أ - الإجارة على الصّنع :
2 - الإجارة على الصّنع هي عند بعض الفقهاء : بيع عملٍ تكون العين فيه تبعاً . فالإجارة على الصّنع تتّفق مع الاستصناع في كون العمل على العامل ، وهو الصّانع في الاستصناع ، والأجير في الإجارة على الصّنع . ويفترقان في محلّ البيع . ففي الإجارة على الصّنع : المحلّ هو العمل ، أمّا في الاستصناع : فهو العين الموصوفة في الذّمّة ، لا بيع العمل . وفرقٌ آخر هو أنّ الإجارة على الصّنع تكون بشرط : أن يقدّم المستأجر للعامل « المادّة » ، فالعمل على العامل ، والمادّة من المستأجر ، أمّا في الاستصناع : فالمادّة والعمل من الصّانع .
ب - السّلم في الصّناعات :
3 - السّلم في الصّناعات هو نوعٌ من أنواع السّلم ، إذ أنّ السّلم إمّا أن يكون بالصّناعات أو بالمزروعات ، أو غير ذلك . والسّلم هو : « شراء آجلٍ بعاجلٍ » فالاستصناع يتّفق مع السّلم بصورةٍ كبيرةٍ ، فالآجل الّذي في السّلم هو ما وصف في الذّمّة ، وممّا يؤكّد هذا جعل الحنفيّة مبحث الاستصناع ضمن مبحث السّلم ، وهو ما فعله المالكيّة والشّافعيّة ، إلاّ أنّ السّلم عامٌّ للمصنوع وغيره ، والاستصناع خاصٌّ بما اشترط فيه الصّنع ، والسّلم يشترط فيه تعجيل الثّمن ، في حين أنّ الاستصناع التّعجيل - فيه عند أكثر الحنفيّة - ليس بشرطٍ .
ج - الجعالة :
4 - الجعالة هي : التزام عوضٍ معلومٍ على عملٍ معيّنٍ أو مجهولٍ عسر عمله ، وهي عقدٌ على عملٍ . فالجعالة تتّفق مع الاستصناع في أنّهما عقدان شرط فيهما العمل . ويفترقان في أنّ الجعالة عامّةٌ في الصّناعات وغيرها ، إلاّ أنّ الاستصناع خاصٌّ في الصّناعات ، كما أنّ الجعالة العمل فيها قد يكون معلوماً ، وقد يكون مجهولاً ، في حين أنّ الاستصناع لا بدّ أن يكون معلوماً .
معنى الاستصناع :
5 - اختلف المشايخ فيه ، فقال بعضهم : هو مواعدةٌ وليس ببيعٍ . وقال بعضهم : هو بيعٌ لكن للمشتري فيه خيارٌ ، وهو الصّحيح ، بدليل أنّ محمّداً رحمه الله ذكر في جوازه القياس والاستحسان ، وذلك لا يكون في العدّات . وكذا أثبت فيه خيار الرّؤية ، وأنّه يختصّ بالبياعات . وكذا يجري فيه التّقاضي ، وأنّ ما يتقاضى فيه الواجب ، لا الموعود . وهناك رأيٌ عند بعض الحنفيّة أنّه وعدٌ ، وذلك لأنّ الصّانع له ألاّ يعمل ، وبذلك كان ارتباطه مع المستصنع ارتباط وعدٍ لا عقدٍ ؛ لأنّ كلّ ما لا يلزم به الصّانع مع إلزام نفسه به يكون وعداً لا عقداً ، لأنّ الصّانع لا يجبر على العمل بخلاف السّلم ، فإنّه مجبرٌ بما التزم به ؛ ولأنّ المستصنع له الحقّ في عدم تقبّل ما يأتي به الصّانع من مصنوعٍ ، وله أن يرجع عمّا استصنعه قبل تمامه ورؤيته ، وهذا علامة أنّه وعدٌ لا عقدٌ .
الاستصناع بيعٌ أم إجارةٌ :
6 - يرى أكثر الحنفيّة والحنابلة أنّ الاستصناع بيعٌ . فقد عدّد الحنفيّة أنواع البيوع ، وذكروا منها الاستصناع ، على أنّه بيع عينٍ شرط فيه العمل ، أو هو بيعٌ لكن للمشتري خيار الرّؤية ، فهو بيعٌ إلاّ أنّه ليس على إطلاقه ، فخالف البيع المطلق في اشتراط العمل في الاستصناع ، والمعروف أنّ البيع لا يشترط فيه العمل . وقال بعض الحنفيّة : إنّ الاستصناع إجارةٌ محضةٌ ، وقيل : إنّه إجارةٌ ابتداءً ، بيعٌ انتهاءً .
صفة الاستصناع : حكمه التّكليفيّ :
7 - الاستصناع - باعتباره عقداً مستقلاًّ - مشروعٌ عند أكثر الحنفيّة على سبيل الاستحسان ، ومنعه زفر من الحنفيّة أخذاً بالقياس ؛ لأنّه بيع المعدوم . ووجه الاستحسان : استصناع الرّسول صلى الله عليه وسلم الخاتم ، والإجماع من لدن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دون نكيرٍ ، وتعامل النّاس بهذا العقد والحاجة الماسّة إليه . ونصّ الحنابلة على أنّه لا يصحّ استصناع سلعةٍ ، لأنّه بيع ما ليس عنده على وجه غير السّلم ، وقيل : يصحّ بيعه إلى المشتري إن صحّ جمعٌ بين بيعٍ وإجارةٍ منه بعقدٍ واحدٍ ؛ لأنّه بيعٌ وسلمٌ .
حكمة مشروعيّة الاستصناع :
8 - الاستصناع شرع لسدّ حاجات النّاس ومتطلّباتهم ؛ نظراً لتطوّر الصّناعات تطوّراً كبيراً ، فالصّانع يحصل له الارتفاق ببيع ما يبتكر من صناعةٍ هي وفق الشّروط الّتي وضع عليها المستصنع في المواصفات والمقايسات ، والمستصنع يحصل له الارتفاق بسدّ حاجيّاته وفق ما يراه مناسباً لنفسه وبدنه وماله ، أمّا الموجود في السّوق من المصنوعات السّابقة الصّنع فقد لا تسدّ حاجات الإنسان . فلا بدّ من الذّهاب إلى من لديه الخبرة والابتكار .
أركان الاستصناع :
أركان الاستصناع هي : العاقدان ، والمحلّ ، والصّيغة .
9 - أمّا الصّيغة ، أو الإيجاب والقبول فهي : كلّ ما يدلّ على رضا الجانبين « البائع والمشتري » ومثالها هنا : اصنع لي كذا ، ونحو هذه العبارة لفظاً أو كتابةً .
10 - وأمّا محلّ الاستصناع فقد اختلف فقهاء الحنفيّة فيه ، هل هو العين أو العمل ؟ فجمهور الحنفيّة على أنّ العين هي المعقود عليه ، وذلك لأنّه لو استصنع رجلٌ في عينٍ يسلّمها له الصّانع بعد استكمال ما يطلبه المستصنع ، سواءٌ أكانت الصّنعة قد تمّت بفعل الصّانع أم بفعل غيره بعد العقد ، فإنّ العقد يلزم ، ولا تردّ العين لصانعها إلاّ بخيار الرّؤية . فلو كان العقد وارداً على صنعة الصّانع أي « عمله » لما صحّ العقد إذا تمّت الصّنعة بصنع غيره . وهذا دليلٌ على أنّ العقد يتوجّه على العين لا على الصّنعة . ويرون أنّ المتّفق عليه أنّ الاستصناع ثبت فيه للمستصنع خيار الرّؤية ، وخيار الرّؤية لا يكون إلاّ في بيع العين ، فدلّ ذلك على أنّ المبيع هو العين لا الصّنعة . ومن الحنفيّة من يرى أنّ المعقود عليه في الاستصناع هو العمل ، وذلك لأنّ عقد الاستصناع ينبئ عن أنّه عقدٌ على عملٍ ، فالاستصناع طلب العمل لغةً ، والأشياء الّتي تستصنع بمنزلة الآلة للعمل ، ولو لم يكن عقد الاستصناع عقد عملٍ لما جاز أن يفرد بالتّسمية .
الشّروط الخاصّة للاستصناع :
11 - للاستصناع شروطٌ هي :
أ - أن يكون المستصنع فيه معلوماً ، وذلك ببيان الجنس والنّوع والقدر . والاستصناع يستلزم شيئين هما : العين والعمل ، وكلاهما يطلب من الصّانع .
ب - أن يكون ممّا يجري فيه التّعامل بين النّاس ؛ لأنّ ما لا تعامل فيه يرجع فيه للقياس فيحمل على السّلم ويأخذ أحكامه .
ج - عدم ضرب الأجل : اختلف في هذا الشّرط ، فمن الحنفيّة من يرى أنّه يشترط في عقد الاستصناع خلوّه من الأجل ، فإذا ذكر الأجل في الاستصناع صار سلماً ، ويعتبر فيه شرائط السّلم . وقد استدلّوا على اشتراط عدم ضرب الأجل في الاستصناع : بأنّ السّلم عقدٌ على مبيعٍ في الذّمّة مؤجّلاً . فإذا ما ضرب في الاستصناع أجلٌ صار بمعنى السّلم ولو كانت الصّيغة استصناعاً . وبأنّ التّأجيل يختصّ بالدّيون ؛ لأنّه وضع لتأخير المطالبة ، وتأخير المطالبة إنّما يكون في عقدٍ فيه مطالبةٌ ، وليس ذلك إلاّ في السّلم ، إذ لا دين في الاستصناع . وخالف في ذلك أبو يوسف ومحمّدٌ ، إذ أنّ العرف عندهما جرى بضرب الأجل في الاستصناع ، والاستصناع إنّما جاز للتّعامل ، ومن مراعاة التّعامل بين النّاس رأى الصّاحبان : أنّ . الاستصناع قد تعورف فيه على ضرب الأجل ، فلا يتحوّل إلى السّلم بوجود الأجل . وعندهما : أنّ الاستصناع إذا أريد يحمل على حقيقته ، فإنّ كلام المتعاقدين يحمل على مقتضاه ، وإذا كان كذلك فالأجل يحمل على الاستعجال لا الاستمهال ، خروجاً من خلاف أبي حنيفة .
الآثار العامّة للاستصناع :
12 - الاستصناع عقدٌ غير لازمٍ عند أكثر الحنفيّة ، سواءٌ تمّ أم لم يتمّ ، وسواءٌ أكان موافقاً للصّفات المتّفق عليها أم غير موافقٍ . وذهب أبو يوسف إلى أنّه إن تمّ صنعه - وكان مطابقاً للأوصاف المتّفق عليها - يكون عقداً لازماً ، وأمّا إن كان غير مطابقٍ لها فهو غير لازمٍ عند الجميع ؛ لثبوت خيار فوات الوصف .
ما ينتهي به عقد الاستصناع :
13 - ينتهي الاستصناع بتمام الصّنع ، وتسليم العين ، وقبولها ، وقبض الثّمن . كذلك ينتهي الاستصناع بموت أحد العاقدين ؛ لشبهه بالإجارة .


*استطابةٌ
التعريف
1 - الطّيّب لغةً : خلاف الخبث ، يقال : شيءٌ طيّبٌ : أي طاهرٌ نظيفٌ . والاستطابة : مصدر استطاب ، بمعنى : رآه طيّباً ، ومن معانيها : الاستنجاء ؛ لأنّ المستنجي يطهّر المكان وينظّفه من النّجس ، فتطيب نفسه بذلك . ويطلق الفقهاء الاستطابة على الاستنجاء ، ويجعلون الكلمتين مترادفتين . قال ابن قدامة في المغني : « الاستطابة هي : الاستنجاء بالماء أو الأحجار ، سمّي استطابةً ؛ لأنّه يطيّب جسده بإزالة الخبث عنه » . وقد وردت استطابةٌ بمعنى حلق العانة في حديث خبيب بن عديٍّ لمّا أرادوا قتله أنّه قال لامرأة عقبة بن الحارث : « ابغني حديدةً أستطيب بها » .
2 - ولأحكام الاستطابة بمعنى الاستنجاء ( ر : استنجاءٌ ) . ولأحكامها بمعنى حلق العانة ( ر : استحدادٌ ) .


*استطاعةٌ
التّعريف
1 - الاستطاعة في اللّغة : القدرة على الشّيء . والقدرة : هي صفةٌ بها إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل . وهي عند الفقهاء كذلك ، فهم يقولون مثلاً : الاستطاعة شرطٌ لوجوب الحجّ . وإذا كانت الاستطاعة والقدرة بمعنًى واحدٍ ، فإنّه يجدر بنا أن ننوّه أنّ الفقهاء يستعملون كلتا الكلمتين : ( استطاعةٌ ، قدرةٌ ) . وأنّ الأصوليّين يستعملون كلمة : ( قدرةٌ ) . قال في فواتح الرّحموت شرح مسلّم الثّبوت : اعلم أنّ القدرة المتعلّقة بالفعل ، المستجمعة لجميع الشّرائط الّتي يوجد الفعل بها ، أو يخلق اللّه تعالى عندها ، تسمّى : ( استطاعةٌ ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
الإطاقة
2 - لا خلاف في المعنى بين استطاعةٍ وإطاقةٍ ، إذ أنّ كلّ كلمةٍ منهما تدلّ على غاية مقدور القادر ، واستفراغ وسعه في المقدور . إلاّ أنّ ما يفرّقهما عن ( القدرة ) في الاستعمال اللّغويّ هو : أنّ القدرة ليست لغاية المقدور ، ولذلك يوصف اللّه تعالى بالقادر ولا يوصف بالمطيق أو المستطيع .
الاستطاعة شرطٌ للتّكليف :
3 - اتّفق الفقهاء على أنّ الاستطاعة شرطٌ للتّكليف ، فلا يجوز التّكليف بما لا يستطاع عادةً ، دلّ على ذلك كثيرٌ من نصوص القرآن والسّنّة ، فقال جلّ شأنه : { لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها } ، وقال صلى الله عليه وسلم : « إخوانكم خولكم ، جعلهم اللّه تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل ، وليلبسه ممّا يلبس ، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم ، فإن كلّفتموهم فأعينوهم » . وقد حكى في عمدة القاريّ عند كلامه على هذا الحديث الاتّفاق على تحريم التّكليف بغير المستطاع . وإذا صدر التّكليف حين الاستطاعة ، ثمّ فقدت هذه الاستطاعة حين الأداء ، أوقف هذا التّكليف إلى حين الاستطاعة . فقد كلّف اللّه تعالى من أراد الصّلاة بالوضوء ، فإن لم يستطعه سقط عنه الوضوء ، وصيّر إلى البدل ، وهو التّيمّم . وكلّف الحانث في يمينه بكفّارة الإطعام أو الكسوة أو الإعتاق ، فإن لم يستطع واحداً منها حين الأداء سقطت عنه وصير إلى البدل ، وهو الصّيام . وكلّف المسلم بالحجّ ، فإن لم يستطعه حين الأداء لمرضٍ ، أو فقد نفقةٍ ، أو غير ذلك ، سقط هذا التّكليف إلى حين الاستطاعة . وتجد ذلك مبسوطاً في أبوابه من كتب الفقه ، وفي مبحث الحكم من كتب الأصول .
شرط الاستطاعة :
4 - وشرط تحقّق الاستطاعة : وجودها حقيقةً لا حكماً . ومعنى وجودها حقيقةً وجود القدرة على الفعل من غير تعسّرٍ ، ومعنى وجودها حكماً القدرة على الأداء بتعسّرٍ .
أنواع الاستطاعة :
5 - يمكن تقسيم الاستطاعة إلى عدّة تقسيماتٍ بحسب أنواعها :
التّقسيم الأوّل : استطاعةٌ ماليّةٌ ، واستطاعةٌ بدنيّةٌ .
6 - الاستطاعة الماليّة : يشترط توافرها فيما يلي :
أوّلاً : في أداء الواجبات الماليّة المحضة ، كالزّكاة ، وصدقة الفطر ، والهدي في الحجّ ، والنّفقة ، والجزية ، والكفّارات الماليّة ، والنّذر الماليّ ، والكفالة بالمال ، ونحو ذلك .
ثانياً : في الواجبات البدنيّة الّتي يتوقّف القيام بها على الاستطاعة الماليّة ، كقدرة فاقد الماء على شرائه بثمن المثل للوضوء أو الغسل ، وقدرة فاقد ما يستر به عورته على شراء ثوبٍ بثمن المثل ليصلّي فيه ، وقدرة مريد الحجّ على توفير الزّاد والرّاحلة ونفقة العيال ، وقد فصّل ذلك الفقهاء في الأبواب المذكورة .
7 - أمّا الاستطاعة البدنيّة . فإنّها مشترطةٌ في وجوب الواجبات البدنيّة ، كوجوب الطّهارة ، وأداء الصّلاة على الوجه الأكمل ، وفي الصّوم ، وفي الحجّ ، وفي النّذر البدنيّ كالصّلاة والصّوم ، وفي الكفّارات البدنيّة كالصّيام ، وفي النّكاح ، وفي الحضانة ، وفي الجهاد ، وقد فصّلت أحكام ذلك في الأبواب المذكورة في كتب الفقه . التّقسيم الثّاني : استطاعةٌ بالنّفس ، واستطاعةٌ بالغير .
8 - الاستطاعة بالنّفس : تكون بقدرة المكلّف على القيام بما كلّف به بنفسه من غير افتقارٍ إلى غيره .
9 - والاستطاعة بالغير : هي قدرة المكلّف على القيام بما كلّف به بإعانة غيره ، وعدم قدرته بنفسه . وهذا النّوع من الاستطاعة اختلف الفقهاء في تحقّق شرط التّكليف به : فالجمهور من الفقهاء يعتبرون المستطيع بغيره مكلّفاً بمقتضى هذه الاستطاعة ، ذهب إلى ذلك المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ومحمّدٌ ؛ لأنّ المستطيع بغيره يعتبر قادراً على الأداء . وعند أبي حنيفة : المستطيع بغيره عاجزٌ وغير مستطيعٌ ؛ لأنّ العبد يكلّف بقدرة نفسه لا بقدرة غيره ؛ ولأنّه يعدّ قادراً إذا اختصّ بحالةٍ تهيّئ له الفعل متى أراد ، وهذا لا يتحقّق بقدرة غيره . ويستثني أبو حنيفة من ذلك حالتين : الحالة الأولى : ما إذا وجد من كانت إعانته واجبةً عليه ، كولده وخادمه . الحالة الثّانية : ما إذا وجد من إذا استعان به أعانه من غير منّةٍ ، كزوجته ، فإنّه يكون قادراً بقدرة هؤلاء . وقد أورد الفقهاء ذلك في كثيرٍ من أبواب الفقه . واختلفوا في حكمها ، ومنها : العاجز عن الوضوء إذا وجد من يعينه . والعاجز عن التّوجّه إلى القبلة إذا وجد من يوجّهه إليها . والأعمى إذا وجد من يقوده إلى صلاة الجمعة والجماعة . والأعمى والشّيخ الكبير إذا وجدا من يعينهما على أداء أفعال الحجّ . التّقسيم الثّالث : - وهو للحنفيّة - استطاعةٌ ممكنةٌ ، واستطاعةٌ ميسّرةٌ :
10 - الاستطاعة الممكنة مفسّرةٌ بسلامة الآلات وصحّة الأسباب ، وارتفاع الموانع ، إذ عديم الرّجلين لا يستطيع المشي ، ومن حبسه عدوٌّ لا يستطيع الحجّ وهكذا . والاستطاعة الممكنة شرطٌ في أداء الواجب عيناً ، فإن فاتت لا يسقط الواجب عن الذّمّة بفواتها . ولا يشترط توفّرها في قضاء الواجب ؛ لأنّ اشتراطها لتحقّق التّكليف ، وقد وجد ، فإذا لم يتكرّر الوجوب لا يجب تكرّر الاستطاعة الّتي هي شرط الوجوب .
11 - أمّا الاستطاعة الميسّرة ، فهي قدرة الإنسان على الفعل بسهولةٍ ويسرٍ . والاستطاعة الميسّرة شرطٌ في وجوب بعض الواجبات المشروطة بها ، حتّى لو فاتت هذه القدرة سقط الواجب عن الذّمّة . فالزّكاة واجبةٌ بالقدرة الميسّرة ، ومن وجوه اليسر فيها : أنّها قليلٌ من كثيرٍ ، وتؤدّى مرّةً واحدةً في الحول ، ولهذا التّيسير سقط وجوبها بهلاك النّصاب ، إذ لو وجبت مع الهلاك انقلب اليسر عسراً .
اختلاف الاستطاعة من شخصٍ لآخر ، ومن عملٍ لآخر :
12 - الاستطاعة تختلف من شخصٍ إلى شخصٍ آخر ، فتجاه عملٍ معيّنٍ قد يكون شخصٌ مستطيعاً له ، وشخصٌ آخر غير مستطيعٍ له ، كالمرض بأنواعه الّتي يختلف أثرها على القدرة . كما تختلف الاستطاعة من عملٍ إلى عملٍ ، فالأعرج غير مستطيعٍ للجهاد بالنّفس ، ولكنّه مستطيعٌ للجهاد بالمال ، ومستطيعٌ لأداء صلاة الجمعة وهكذا .


*استطلاق البطن
التعريف
1 - استطلاق البطن في اللّغة : هو مشيه ، وكثرة خروج ما فيه . والمعنى الاصطلاحيّ هو المعنى اللّغويّ ، فقد عرّفه الفقهاء بقولهم : استطلاق البطن هو : جريان ما فيه من الغائط .
الحكم الإجماليّ :
2 - استطلاق البطن من الأعذار الّتي تبيح العبادة مع وجود العذر . وشروط اعتباره عذراً هو : أن يستوعب وجوده تمام وقت صلاةٍ مفروضةٍ ، وهذا عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة . وعند المالكيّة : يعتبر عذراً إن لازم الحدث كلّ الوقت ، أو أغلبه ، أو نصفه . ويختلف المالكيّة في المقصود بالوقت ، هل هو وقت الصّلاة أو الوقت مطلقاً ؟ أي غير مقيّدٍ بكونه وقت صلاةٍ ، فيشمل ما بين طلوع الشّمس والزّوال على قولين : أظهرهما : أنّه وقت الصّلاة ؛ لأنّ غير وقت الصّلاة لا عبرة بمفارقته وملازمته ، إذ ليس هو مخاطباً حينئذٍ بالصّلاة . والوضوء واجبٌ لوقت كلّ صلاةٍ عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة . وذلك لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المستحاضة : « أنّها تتوضّأ لكلّ صلاةٍ » . وينتقض الوضوء بخروج الوقت عند الشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبي حنيفة ومحمّدٍ . وينتقض عند زفر بدخول الوقت . وبأيّهما عند أبي يوسف . أمّا المالكيّة : فعندهم أنّ الوضوء لا ينتقض ، وهو ( أي الوضوء ) غير واجبٍ ولا مستحبٍّ لمن لازمه الحدث كلّ الوقت ، ومستحبٌّ فقط لمن لازمه الحدث أكثر الوقت أو نصفه ، وقيل : إن لازمه نصفه وجب الوضوء لكلّ صلاةٍ .


*استظلالٌ
التّعريف
1 - الاستظلال في اللّغة : طلب الظّلّ ، والظّلّ هو : كلّ ما لم تصل إليه الشّمس . وفي الاصطلاح : هو قصد الانتفاع بالظّلّ .
الحكم الإجماليّ :
2 - الاستظلال عموماً - سواءٌ تحت شجرةٍ أو جدارٍ أو سقفٍ وما كان في معناه - مباحٌ لكلّ مسلمٍ محرمٍ أو غير محرمٍ اتّفاقاً . أمّا الاستظلال للمحرم في المحمل خاصّةً - وما كان في معناه - فقد اختلف الفقهاء فيه ، فمنهم من جوّزه مطلقاً ، وهم الشّافعيّة ، ومنهم من اشترط ألاّ يصيب رأسه أو وجهه ، وهم الحنفيّة ... ، وكره ذلك المالكيّة ، والحنابلة .
مواطن البحث :
3 - الاستظلال في الإحرام موطنه مبحث الحجّ ، عند الكلام عن المحرم : ما يجوز له وما لا يجوز . والإجارة على الاستظلال ذكروها في الإجارة ، عند الكلام عن شروطها . والجلوس بين الشّمس والظّلّ ذكر في الآداب الشّرعيّة للمجالس ، عند الكلام عن النّوم والجلوس بين الشّمس والظّلّ . والنّذر بترك الاستظلال ذكر في النّذر ، عند الكلام عن النّذر المباح .


*استظهارٌ
التعريف
1 - ذكر صاحب اللّسان للاستظهار ثلاثة معانٍ :
أ - أن يكون بمعنى : الاستعانة ، أي طلب العون . قال : « استظهر به أي استعانه ، وظهرت عليه : أعنته ، وظاهر فلاناً : أعانه » . وقال أيضاً : « استظهره : استعانه » ، وعلى هذا يكون الفعل ممّا يتعدّى بنفسه وبالباء .
ب - ويكون بمعنى القراءة عن ظهر قلبٍ ، قال : « قرأت القرآن عن ظهر قلبي أي : قرأته من حفظي ، وقد قرأه ظاهراً واستظهره أي : حفظه وقرأه ظاهراً » . وفي القاموس « استظهره : قرأه من ظهر القلب ، أي حفظاً بلا كتابٍ » .
ج - ويكون بمعنى الاحتياط ، قال صاحب اللّسان : « في كلام أهل المدينة إذا استحيضت المرأة ، واستمرّ بها الدّم فإنّها تقعد أيّامها للحيض ، فإذا انقضت استظهرت بثلاثة أيّامٍ ، تقعد فيها للحيض ولا تصلّي ، ثمّ تغتسل وتصلّي . قال الأزهريّ : ومعنى الاستظهار في قولهم هذا : الاحتياط والاستيثاق » . ويستعمل الفقهاء الاستظهار بالمعاني الثّلاثة السّابقة .
الحكم الإجماليّ :
استظهار القرآن :
2 - في كون استظهار القرآن أفضل من قراءته من المصحف ثلاثة أقوالٍ للعلماء : أوّلها : أنّ القراءة في المصحف أفضل من استظهاره ، ونسبه النّوويّ إلى الشّافعيّة ، وقال : إنّه المشهور عن السّلف . ووجهه : أنّ النّظر في المصحف عبادةٌ . واحتجّ له الزّركشيّ والسّيوطيّ برواية أبي عبيدٍ بسنده مرفوعاً : « فضل قراءة القرآن نظراً على من يقرؤه ظاهراً كفضل الفريضة على النّافلة » . قال السّيوطيّ : سنده صحيحٌ . وثانيها : أنّ القراءة عن ظهر قلبٍ أفضل ، ونسب إلى أبي محمّد بن عبد السّلام . وثالثها : واختاره النّوويّ ، إنّ القارئ من حفظه إن كان يحصل له من التّدبّر والتّفكّر وجمع القرآن أكثر ممّا يحصل له من المصحف فالقراءة من الحفظ أفضل ، وإن استويا فمن المصحف أفضل . وبقيّة مباحث الاستظهار تنظر تحت عنوان ( تلاوةٌ ) .
يمين الاستظهار :
3 - ذكر بعض الفقهاء يمين الاستظهار ، وفسّرها الدّسوقيّ المالكيّ بأنّها مقوّيةٌ للحكم فقط ، فلا ينقض الحكم بدونها . وأمّا ما يتوقّف عليه الحكم فهو يمين القضاء ، أو يمين الاستبراء . ويحلف المدّعي يمين الاستظهار إذا ادّعى على ميّتٍ أو غائبٍ ، وأقام شاهدين بالحقّ . فمن يمين الاستظهار ما قال الرّمليّ الشّافعيّ : أنّه لو ادّعى من لزمته الزّكاة ممّن استولى عليهم البغاة دفع الزّكاة إلى البغاة ، فإنّه يصدق بلا يمينٍ لبناء الزّكاة على التّخفيف ، ويندب الاستظهار بيمينه على صدقه إذا اتّهم ، خروجاً من خلاف من أوجبها . وذكر المالكيّة في المرأة تريد الفراق من زوجها الغائب لعدم النّفقة ، فإن كانت الغيبة بعيدةً أجّلها القاضي بحسب ما يراه ، فإذا انقضت المدّة استظهر عليها باليمين . والحنفيّة ، والحنابلة ذكروا استحلاف المدّعي إذا ادّعى على ميّتٍ أو غائبٍ وأقام بيّنةً .
مواطن البحث :
4 - يذكر الفقهاء يمين الاستظهار في مباحث الدّعوى ، ومباحث القضاء ، والقضاء على الغائب . وأمّا الاستظهار - بمعنى الاستعانة - فتذكر أحكامه تحت عنوان : ( استعانةٌ ) . ويذكر الاستظهار - بمعنى الاحتياط - في مباحث الحيض ، وانظر ( احتياطٌ ) .
نهاية الجزء الثالث/ الموسوعة الفقهية

اِبن الصالحين 05-03-2012 08:41 AM

http://www.muslmah.net/imgpost/11/d9...092f3c5044.gif

اِبن الصالحين 05-06-2012 12:59 PM

بعد استراحة نكمل الموسوعة ان شاء الله

http://www9.0zz0.com/2011/04/30/13/389963410.gif

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:00 PM

الموسوعة الفقهية / الجزء الرابع
******************
استعاذةٌ
التعريف :
1 - الاستعاذة لغةً : الالتجاء ، وقد عاذ به يعوذ : لاذ به ، ولجأ إليه ، واعتصم به ، وعذت بفلانٍ واستعذت به : أي لجأت إليه . ولا يختلف معناها اصطلاحاً عن المعنى اللّغويّ ، فقد عرّفها البيجوريّ من الشّافعيّة بأنّها : الاستجارة إلى ذي منعةٍ على جهة الاعتصام به من المكروه . وقول القائل : أعوذ باللّه .. خبرٌ لفظاً دعاءٌ معنًى .
ولكن عند الإطلاق ، ولا سيّما عند تلاوة القرآن أو الصّلاة تنصرف إلى قول : ( أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ) وما بمنزلتها كما سيأتي .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الدّعاء :
2 - الدّعاء أعمّ من الاستعاذة ، فهو لجلب الخير أو دفع الشّرّ والاستعاذة دعاءٌ لدفع الشّرّ . صفتها : حكمها التّكليفيّ :
3 - الاستعاذة سنّةٌ عند أغلب الفقهاء ، وقال البعض بوجوبها عند قراءة القرآن ، وعند الخوف . وسيأتي تفصيل الحكم في كلّ موطنٍ على حدةٍ .
حكمة تشريعها :
4 - طلب اللّه سبحانه من عباده أن يستعيذوا به من كلّ ما فيه شرٌّ ، وشرعها سبحانه عند القيام ببعض الأعمال ، كقراءة القرآن في الصّلاة وخارجها ، وغير ذلك .« واستعاذ الرّسول صلى الله عليه وسلم من الشّرّ كلّه ، بل إنّه استعاذ ممّا عوفي منه وعصم »، إظهاراً للعبوديّة ، وتعليماً لأمّته .
مواطن الاستعاذة :
أوّلاً : الاستعاذة لقراءة القرآن :
5 - أجمع العلماء على أنّ الاستعاذة ليست من القرآن الكريم ، ولكنّها تطلب لقراءته ، لأنّ قراءته من أعظم الطّاعات ، وسعي الشّيطان للصّدّ عنها أبلغ . وأيضاً : القارئ يناجي ربّه بكلامه ، واللّه سبحانه يحبّ القارئ الحسن التّلاوة ويستمع إليه ، فأمر القارئ بالاستعاذة لطرد الشّيطان عند استماع اللّه سبحانه وتعالى له .
حكمها :
6 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها سنّةٌ ، وعن عطاءٍ والثّوريّ : أنّها واجبةٌ أخذاً بظاهر قوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه } « ولمواظبته عليه الصلاة والسلام »، ولأنّها تدرأ شرّ الشّيطان ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجبٌ . واحتجّ الجمهور بأنّ الأمر للنّدب ، وصرفه عن الوجوب إجماع السّلف على سنّيّته ،« ولما روي من ترك النّبيّ صلى الله عليه وسلم لها »، وإذا ثبت هذا كفى صارفاً .
محلّها :
7 - للقرّاء والفقهاء في محلّ الاستعاذة من القراءة ثلاثة آراءٍ :
أحدها : أنّها قبل القراءة ، وهو قول الجمهور ، وذكر ابن الجزريّ الإجماع على ذلك ، ونفى صحّة القول بخلافه . واستدلّوا على ذلك بما رواه أئمّة القرّاء مسنداً عن نافعٍ عن جبير بن مطعمٍ« أنّه صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل القراءة : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ». دلّ الحديث على أنّ التّقديم هو السّنّة ، فبقي سببيّة القراءة لها ،
والفاء في ( فاستعذ ) دلّت على السّببيّة ، فلتقدّر ( الإرادة ) ليصحّ .
وأيضاً الفراغ من العمل لا يناسب الاستعاذة .
الثّاني : أنّها بعد القراءة ، وهو منسوبٌ إلى حمزة ، وأبي حاتمٍ ، ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن سيرين ، وإبراهيم النّخعيّ ، وحكي عن مالكٍ ، عملاً بظاهر الآية { فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه } . فدلّ على أنّ الاستعاذة بعد القراءة ، والفاء هنا للتّعقيب . وردّ صاحب كتاب النّشر صحّة هذا النّقل عمّن روي عنهم .
الثّالث : الاستعاذة قبل القراءة وبعدها ، ذكره الإمام الرّازيّ ، ونفى ابن الجزريّ الصّحّة عمّن نقل عنه أيضاً .
الجهر والإسرار بها :
8 - للفقهاء والقرّاء في الجهر بالاستعاذة ، أو الإسرار بها آراءٌ :
أوّلها : استحباب الجهر بها ، وهو قول الشّافعيّة ، وهو روايةٌ عن أحمد ، وهو المختار عند أئمّة القرّاء ، لم يخالف في ذلك إلاّ حمزة ومن وافقه ، قال الحافظ أبو عمرٍو في جامعه : لا أعلم خلافاً في الجهر بالاستعاذة عند افتتاح القرآن ، وعند ابتداء كلّ قارئٍ بعرضٍ ، أو درسٍ ، أو تلقينٍ في جميع القرآن ، إلاّ ما جاء عن نافعٍ وحمزة . وقيّد الإمام أبو شامة إطلاق اختيار الجهر بما إذا كان ذلك بحضرة من يسمع قراءته ، لأنّ الجهر بالتّعوّذ إظهارٌ لشعائر القراءة كالجهر بالتّلبية وتكبيرات العيد ، ومن فوائده أنّ السّامع ينصت للقراءة من أوّلها لا يفوته منها شيءٌ ، وإذا أخفى التّعوّذ لم يعلم السّامع بالقراءة إلاّ بعد أن يفوته من المقروء شيءٌ ، وهذا المعنى هو الفارق بين القراءة خارج الصّلاة وفي الصّلاة ، فإنّ المختار في الصّلاة الإخفاء ، لأنّ المأموم منصتٌ من أوّل الإحرام بالصّلاة .
الثّاني : التّخيير بين الجهر والإسرار ، وهو الصّحيح عند الحنفيّة ، قال ابن عابدين : لكنّه يتّبع إمامه من القرّاء ، وهم يجهرون بها إلاّ حمزة فإنّه يخفيها ، وهو قول الحنابلة .
الثّالث : الإخفاء مطلقاً ، وهو قولٌ للحنفيّة ، وروايةٌ للحنابلة ، وهو روايةٌ عن حمزة . الرّابع : الجهر بالتّعوّذ في أوّل الفاتحة فقط ، والإخفاء في سائر القرآن ، وهو روايةٌ ثانيةٌ عن حمزة . ولم أقف على رأي المالكيّة في مسألة الاستعاذة خارج الصّلاة ، لكن يستأنس بما روي عن ابن المسيّب أنّه سئل عن استعاذة أهل المدينة أيجهرون بها أم يخفونها ؟ قال http://www.qoranona.net/vbq/images/smilies/frown.gif ما كنّا نجهر ولا نخفي ، ما كنّا نستعيذ ألبتّة ).
بعض المواضع الّتي يستحبّ فيها الإسرار :
9 - ذكر ابن الجزريّ بعض المواضع الّتي يستحبّ فيها الإسرار بالاستعاذة ، منها ما إذا قرأ خالياً ، سواءٌ أقرأ جهراً أمّ سرّاً ، ومنها ما إذا قرأ سرّاً ، ومنها ما إذا قرأ في الدّور ولم يكن في قراءته مبتدئاً يسرّ بالتّعوّذ ، لتتّصل القراءة ، ولا يتخلّلها أجنبيٌّ ، فإنّ المعنى الّذي من أجله استحبّ الجهر - وهو الإنصات - فقد في هذه المواضع .
المراد بالإخفاء :
10 - ذكر ابن الجزريّ اختلاف المتأخّرين في المراد بالإخفاء ، فقال : إنّ كثيراً منهم قالوا : هو الكتمان ، وعليه حمل كلام الشّاطبيّ أكثر الشّرّاح ، فعلى هذا يكفي فيه الذّكر في النّفس من غير تلفّظٍ . وقال الجمهور : المراد به الإسرار وعليه حمل الجعبريّ كلام الشّاطبيّ ، فلا يكفي فيه إلاّ التّلفّظ وإسماع نفسه ، وهذا هو الصّواب ، لأنّ نصوص المتقدّمين كلّها على جعله ضدّاً للجهر ، وكونه ضدّاً للجهر يقتضي الإسرار به .
صيغ الاستعاذة وأفضلها :
11 - وردت صيغتان للاستعاذة عند القرّاء والفقهاء ،
إحداهما :" أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم " كما ورد في سورة النّحل من قوله تعالى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه من الشّيطان الرّجيم } . وهذا اختيار أبي عمرٍو وعاصمٍ وابن كثيرٍ رحمهم الله . قال ابن الجزريّ : إنّه المختار لجميع القرّاء من حيث الرّواية ، وقال أبو الحسن السّخاويّ في كتابة ( جمال القرّاء ) : إنّ إجماع الأمّة عليه . قال في النّشر :« وقد تواتر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم التّعوّذ به للقراءة ولسائر تعوّذاته »، وقال أبو عمرٍو الدّانيّ : هو المأخوذ به عند عامّة الفقهاء ، كأبي حنيفة ، والشّافعيّ ، وأحمد وغيرهم . وفي الصّحيحين وغيرهما قوله صلى الله عليه وسلم في إذهاب الغضب : « لو قال : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم لذهب عنه ما يجد » وفي غير الصّحيح « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ أمامه عبد اللّه بن مسعودٍ فقال : أعوذ باللّه السّميع العليم فقال : قل : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم وهكذا أخذته عن جبريل عن ميكائيل عن اللّوح المحفوظ » .
الثّانية : " أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم إنّ اللّه هو السّميع العليم " ، حكي عن أهل المدينة ، ونقله الرّازيّ في تفسيره عن أحمد ، لقوله تعالى { وإمّا ينزغنّك من الشّيطان نزغٌ فاستعذ باللّه إنّه هو السّميع العليم } وروي عن عمر بن الخطّاب ، ومسلم بن يسارٍ ، وابن سيرين ، والثّوريّ ، وهو اختيار نافعٍ ، وابن عامرٍ ، والكسائيّ .
الثّالثة : أن يقول : " أعوذ بالسّميع العليم من الشّيطان الرّجيم " ، قاله ابن سيرين كما في النّشر .
الرّابعة : أن يقول : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الشّيطان الرّجيم » رواه ابن ماجه بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد اللّه بن مسعودٍ مرفوعاً ، ورواه أبو داود كما في النّشر .
وهناك صيغٌ أخرى أوردها صاحب النّشر .
الوقف على الاستعاذة :
12 - يجوز الوقف عليها والابتداء بما بعدها ، بسملةً كانت أو غيرها ، ويجوز وصلها بما بعدها ، والوجهان صحيحان ، وظاهر كلام الدّانيّ أنّ الأولى وصلها بالبسملة ، ولم يذكر ابن شيطا وأكثر العراقيّين سوى وصل الاستعاذة بالبسملة .
فأمّا من لم يسمّ فالأشبه السّكوت عليها ، ويجوز وصلها .
إعادة الاستعاذة عند قطع القراءة :
13 - إذا قطع القارئ القراءة لعذرٍ ، من سؤالٍ أو كلامٍ يتعلّق بالقراءة ، لم يعد التّعوّذ لأنّها قراءةٌ واحدةٌ . وفي ( مطالب أولي النّهى ) : العزم على الإتمام بعد زوال العذر شرطٌ لعدم الاستعاذة . أمّا إذا كان الكلام أجنبيّاً ، أو كان القطع قطع تركٍ وإهمالٍ فإنّه يعيد التّعوّذ ،
قال النّوويّ : يعتبر السّكوت والكلام الطّويل سبباً للإعادة .
الاستعاذة لدخول الخلاء :
14 - تستحبّ الاستعاذة عند دخول الخلاء ، ويجمع معها التّسمية ، ويبدأ بالتّسمية باتّفاق المذاهب الأربعة . أمّا بعد الدّخول فلا يقولها عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويوافقهم المالكيّة إن كان المحلّ معدّاً لذلك .
وقيل يتعوّذ وإن كان معدّاً لذلك . ونسبه العينيّ إلى مالكٍ .
صيغ الاستعاذة لدخول الخلاء :
15 - يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - وهو المذهب عند الحنابلة - أنّ صيغة الاستعاذة لدخول الخلاء هي :" بسم اللّه اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث "، لما روى أنسٌ رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء يقول : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث » . وروي أيضاً عن أحمد أنّه يقول الرّجل إذا دخل الخلاء : أعوذ باللّه من الخبث والخبائث ، ولم يذكر التّسمية في هذه الرّواية .وزاد الغزاليّ : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الرّجس النّجس الخبيث المخبث الشّيطان الرّجيم ، لما روي عن أبي أمامة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الرّجس النّجس الخبيث المخبث الشّيطان الرّجيم » . والخبث بضمّ الباء : ذكران الشّياطين ، والخبائث : إناثهم ، وقال أبو عبيدٍ : الخبث بإسكان الباء : الشّرّ ، والخبائث : الشّياطين . قال الحطّاب : وخصّ هذا الموضع بالاستعاذة لوجهين .
الأوّل : بأنّه خلاءٌ ، وللشّياطين بقدرة اللّه تعالى تسلّطٌ بالخلاء ما ليس لهم في الملأ . الثّاني : أنّ موضع الخلاء قذرٌ ينزّه ذكر اللّه تعالى فيه عن جريانه على اللّسان ، فيغتنم الشّيطان عدم ذكره ، لأنّ ذكر اللّه تعالى يطرده ، فأمر بالاستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمةً بينه وبين الشّيطان حتّى يخرج .
الاستعاذة للتّطهّر :
16 - عند الحنفيّة ، قال الطّحاويّ : يأتي بها قبل التّسمية ، غير أنّه لم يوضّح حكمها . وتستحبّ الاستعاذة للوضوء سرّاً عند الشّافعيّة قبل التّسمية ، قال الشّروانيّ : وأن يزيد بعدها : الحمد للّه الّذي جعل الماء طهوراً ، والإسلام نوراً ، { ربّ أعوذ بك من همزات الشّياطين ، وأعوذ بك ربّ أن يحضرون } . ولم يثبت عند المالكيّة من الأذكار في الوضوء إلاّ التّشهّدان آخره ، والتّسمية أوّله . ولم نقف للحنابلة على نصٍّ صريحٍ فيها . ولم يتعرّض الفقهاء فيما اطّلعنا عليه للاستعاذة عند الغسل والتّيمّم ، إلاّ أنّهم متّفقون على أنّ الوضوء قبل الغسل مندوبٌ ، فيجري عليه ما تقدّم من أحكام الاستعاذة عند الوضوء . وما أحسن ما جاء في الفروع لابن مفلحٍ : أنّ التّعوّذ يستحبّ عند كلّ قربةٍ فيدخل فيها هذا وما كان مثله .
الاستعاذة عند دخول المسجد والخروج منه :
17 - نصّ المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة على ندب الاستعاذة عند دخول المسجد ، وقد وردت صيغة الاستعاذة لدخول المسجد فيما ورد : « أعوذ باللّه العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم من الشّيطان الرّجيم » الحمد للّه، اللّهمّ صلّ وسلّم على محمّدٍ وعلى آل محمّدٍ . اللّهمّ اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك ، ثمّ يقول : باسم اللّه ، ويقدّم اليمنى في الدّخول ، ويقدّم اليسرى في الخروج ويقول جميع ما ذكرناه إلاّ أنّه يقول : أبواب فضلك بدل رحمتك . وأمّا الحنفيّة فلم نقف لهم على قولٍ في ذلك .
أمّا عند الخروج من المسجد ، فقد نصّ الشّافعيّة ، والحنابلة على ندب الاستعاذة حينئذٍ . قال الشّافعيّة : يستعيذ بما استعاذ به عند الدّخول ، وقد أخذ الحنابلة في ذلك بما ورد من حديث « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من إبليس وجنوده » . ولم يوقف للحنفيّة ، والمالكيّة على شيءٍ في ذلك ، غير أنّ الحنفيّة ذكروا الاستعاذة عند الخروج من المسجد الحرام .
الاستعاذة في الصّلاة :حكمها :
18 - الاستعاذة في الصّلاة سنّةٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وعن أحمد روايةٌ أخرى أنّه واجبٌ . أمّا المالكيّة فقالوا : إنّها جائزةٌ في النّفل ، مكروهةٌ في الفرض . ويكتفى في الاستدلال على هذه الأقوال بما تقدّم في الاستدلال على أحكامها في قراءة القرآن ، فيما عدا دليل المالكيّة على الكراهة ، وحجّتهم أنّ الشّيطان يدبر عند الأذان والتّكبير ، كما استدلّوا بما روي عن أنسٍ قال :« صلّيت خلف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكرٍ وعمر وكانوا يستفتحون القراءة بالحمد للّه ربّ العالمين . »
محلّ الاستعاذة في الصّلاة :
19 - تكون الاستعاذة قبل القراءة عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وهو قولٌ عند المالكيّة ، وهو ظاهر المدوّنة ، والقول الآخر للمالكيّة محلّها بعد أمّ القرآن ، كما في المجموعة . ويستدلّ على ذلك بما تقدّم في محلّ الاستعاذة عند قراءة القرآن ( ف 7 ) .
تبعيّة الاستعاذة في الصّلاة :
20 - الاستعاذة إمّا أن تكون تابعةً لدعاء الاستفتاح ( الثّناء ) أو للقراءة ، وتبعيّتها للقراءة قال به أبو حنيفة ومحمّدٌ والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ودليلهم على ذلك أنّها سنّة القراءة فيأتي بها كلّ قارئٍ ، لأنّها شرعت صيانةً عن وساوس الشّيطان في القراءة .
وقال أبو يوسف : إنّها تبعٌ للثّناء ، لأنّها لدفع الوسواس في الصّلاة مطلقاً . وليس للخلاف ثمرةٌ إلاّ بين أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وبين أبي يوسف ، وتظهر في مسائل منها : أنّه لا يأتي بها المقتدي عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، لأنّه لا قراءة عليه ، ويأتي بها عند أبي يوسف ، لأنّه يأتي بالثّناء وهي تابعةٌ له .
فوات التّعوّذ :
21 - يفوت التّعوّذ بالشّروع في القراءة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وذلك لفوات المحلّ ، وترك الفرض لأجل السّنّة مرفوضٌ . ومقتضى قواعد المالكيّة كذلك في النّفل ، فهي سنّةٌ قوليّةٌ لا يعود إليها .
الإسرار والجهر بالاستعاذة في الصّلاة :
22 - للفقهاء في ذلك ثلاثة آراءٍ :
الأوّل : استحباب الإسرار ، وبه قال الحنفيّة ، وفي الفتاوى الهنديّة : أنّه المذهب ، ومعهم في هذا الحنابلة ، إلاّ ما استثناه ابن قدامة ، وعلى هذا أيضاً المالكيّة في أحد قوليهم ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة . والدّليل على استحباب الإسرار قول ابن مسعودٍ رضي الله عنه أربعٌ يخفيهنّ الإمام ، وذكر منها : التّعوّذ والتّسمية وآمين ، ولأنّه لم ينقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم الجهر .
الرّأي الثّاني : استحباب الجهر ، وهو قول المالكيّة في ظاهر المدوّنة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة ، ويجهر في بعض الأحيان في الجنازة ونحوها ممّا يطلب الإسرار فيه تعليماً للسّنّة ، ولأجل التّأليف ، واستحبّها ابن قدامة وقال : اختار ذلك ابن تيميّة . وقال في الفروع : إنّه المنصوص عن أحمد ، وسندهم في الجهر قياس الاستعاذة على التّسمية وآمين .
الرّأي الثّالث : التّخيير بين الإسرار والجهر ، وهو قولٌ للشّافعيّة ، جاء في الأمّ : كان ابن عمر رضي الله عنهما يتعوّذ في نفسه ، وأبو هريرة رضي الله عنه يجهر به .
تكرار الاستعاذة في كلّ ركعةٍ :
23 - الاستعاذة مشروعةٌ في الرّكعة الأولى باتّفاقٍ ، أمّا تكرارها في بقيّة الرّكعات فإنّ الفقهاء يختلفون فيه على رأيين :
الأوّل : استحباب التّكرار في كلّ ركعةٍ ، وهو قول ابن حبيبٍ من المالكيّة ، ولم ينقل أنّ أحداً منهم خالفه ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، وهو روايةٌ عن أحمد صحّحها صاحب الإنصاف بل قال ابن الجوزيّ : روايةٌ واحدةٌ . والدّليل على ذلك قول اللّه سبحانه وتعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه من الشّيطان الرّجيم } وقد وقع الفصل بين القراءتين ، فأشبه ما لو قطع القراءة خارج الصّلاة بشغلٍ ، ثمّ عاد إليها يستحبّ له التّعوّذ ، ولأنّ الأمر معلّقٌ على شرطٍ فيتكرّر بتكرّره ، كما في قوله تعالى { وإن كنتم جنباً فاطّهّروا } وأيضاً إن كانت مشروعةً في الرّكعة الأولى فهي مشروعةٌ في غيرها من الرّكعات قياساً ، للاشتراك في العلّة . الثّاني : كراهية تكرار الاستعاذة في الرّكعة الثّانية وما بعدها عند الحنفيّة ، وقولٌ للشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة . وحجّتهم أنّه كما لو سجد للتّلاوة في قراءته ثمّ عاد إليها لا يعيد التّعوّذ ، وكأنّ رابطة الصّلاة تجعل الكلّ قراءةً واحدةً ، غير أنّ المسبوق إذا قام للقضاء يتعوّذ عند أبي يوسف .
صيغة الاستعاذة في الصّلاة :
24 - تحصل الاستعاذة في الصّلاة بكلّ ما اشتمل على التّعوّذ من الشّيطان عند الشّافعيّة ، وقيّده البيجوريّ بما إذا كان وارداً . وعلى هذا الحنابلة ، فكيفما تعوّذ من الذّكر الوارد فحسنٌ . واقتصر الحنفيّة على " أعوذ " أو " أستعيذ " . ولم نجد للمالكيّة نصّاً في هذه المسألة . وأفضل الصّيغ على الإطلاق عند الشّافعيّة " أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم " وهو المختار عند الحنفيّة ، وقول الأكثر من الأصحاب منهم ومن الحنابلة ، لأنّه المنقول من استعاذته عليه الصلاة والسلام ، قال ابن المنذر : جاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه كان يقول قبل القراءة : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم » . وجاء عن أحمد أنّه يقول : « أعوذ باللّه السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم » لحديث أبي سعيدٍ فإنّه متضمّنٌ لهذه الزّيادة . ونقل حنبلٌ عنه أنّه يزيد بعد ذلك " إنّ اللّه هو السّميع العليم " .
وفي فتح القدير لا ينبغي أن يزيد عليه " إنّ اللّه هو السّميع العليم " .
استعاذة المأموم :
25 - لا يختلف حكم الاستعاذة بالنّسبة للإمام عمّا لو كان منفرداً . أمّا المأموم فتستحبّ له عند الشّافعيّة سواءٌ أكانت الصّلاة سرّيّةً أم جهريّةً ، ومعهم أبو يوسف من الحنفيّة ، لأنّ التّعوّذ للثّناء عنده ، وهو إحدى رواياتٍ ثلاثٍ عن أحمد .
وتكره للمأموم تحريماً عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، لأنّها تابعةٌ للقراءة ، ولا قراءة على المأموم ، لكن لا تفسد صلاته إذا استعاذ في الأصحّ ، وعلى هذا الرّواية الثّانية عن أحمد ، أمّا الرّواية الثّالثة عنه فهي إن سمع الإمام كرهت وإلاّ فلا ، وذهب المالكيّة إلى جوازها للإمام والمأموم في النّفل . أمّا في الفرض فمكروهةٌ لهما كما سبق .
الاستعاذة في خطبة الجمعة :
26 - من سنن خطبة الجمعة عند الحنفيّة : أن يستعيذ في الخطبة الأولى في نفسه سرّاً قبل الحمد . ويستدلّ لهم بما قال سويدٌ : سمعت أبا بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه يقول على المنبر : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم . ولم نجد عند بقيّة المذاهب كلاماً في ذلك .
محلّ الاستعاذة في صلاة العيد :
27 - يستعيذ بعد تكبيرات الزّوائد عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وكذلك عند الشّافعيّة تكون بعد التّكبير ، وهو قولٌ عن أحمد ، لأنّها تبعٌ للقراءة . وتكون قبل تكبيرات الزّوائد عند المالكيّة ، وأبي يوسف من الحنفيّة ، لأنّها تبعٌ للثّناء ، وهو إحدى الرّوايات عن أحمد .
حكمها ، ومحلّها في صلاة الجنازة :
28 - لا يختلف حكم الاستعاذة في الجنازة عن حكمها في الصّلاة المطلقة ، ويجري فيها الخلاف الّذي جرى في الصّلاة المطلقة .
المستعاذ به :
29 - الاستعاذة تكون باللّه تعالى ، وأسمائه ، وصفاته ، وقال البعض : لا بدّ فيما يقرأ من القرآن للتّعوّذ أن يكون ممّا يتعوّذ به ، لا نحو آية الدّين . ويجوز الاستعاذة بالإنسان فيما هو داخلٌ تحت قدرته الحادثة ، كأن يستجير به من حيوانٍ مفترسٍ ، أو من إنسانٍ يريد الفتك به . ويحرم الاستعاذة بالجنّ والشّياطين ، لأنّ اللّه تعالى أخبر أنّ من استعاذ بهم زادوه رهقاً ، كما في قوله تعالى { وأنّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجنّ فزادوهم رهقاً }
المستعاذ منه :
30 - يصعب ذكر المستعاذ منه تفصيلاً ، وقد عنيت كتب التّفسير ، والحديث ، والأذكار بكثيرٍ من هذه الأمور ، وتكفي الإشارة إلى بعض أنواع المستعاذ منه على سبيل التّمثيل . من ذلك : الاستعاذة من بعض صفات اللّه ببعض صفاته سبحانه . ومنه الاستعاذة من الشّرّ كلّه - شرّ النّفس والحواسّ ، والأماكن والرّيح وغير ذلك . ومن ذلك : الاستعاذة من الهرم وكآبة المنقلب ، ومن الشّقاق ، والنّفاق ، وسوء الأخلاق ، ومن الجبن والبخل .
إجابة المستعيذ :
31 - يندب للإنسان إجابة من استعاذ به في أمرٍ مقدورٍ له ، وقد تكون الإعاذة واجباً كفائيّاً أو عينيّاً ، لما روي عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما« من استعاذكم باللّه فأعيذوه ، ومن سألكم باللّه فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه ، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه إلخ ». وقد يكون المستعيذ باللّه مستغيثاً ، فيكون تفصيل الحكم في مصطلح ( استغاثةٌ ) أولى .
تعليق التّعويذات :
يرجع في حكم تعليق التّعويذات إلى مصطلح ( تميمةٌ ) .

استعارةٌ *
التعريف :
1 - الاستعارة هي : طلب الإعارة ، والإعارة تمليك المنفعة بلا عوضٍ .
صفتها : حكمها التّكليفيّ :
2 - الأصل أنّ من أبيح له أخذ شيءٍ أبيح له طلبه ، ومن لا فلا . ويختلف حكمها بحسب الحالة الّتي يتمّ فيها الطّلب . فقد تكون الاستعارة واجبةً إذا توقّف عليها إحياء نفسٍ ، أو حفظ عرضٍ ، أو نحو ذلك من الأمور الضّروريّة ، لأنّ سدّ الضّرورات واجبٌ لا يجوز التّساهل فيه ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجبٌ .
وقد تكون مندوبةً ليستعين بها على الخير كاستعارة الكتب النّافعة . وتكون الاستعارة مكروهةً ، عندما يكون فيها منّةٌ ، ولحاجةٍ له مندوحةٌ عنها ، وقد عدّ الفقهاء من ذلك استعارة الفرع أصله لخدمته ، لما في ذلك من ذلّ الخدمة الّتي يجب أن ينزّه عنها الآباء . وقد تكون الاستعارة محرّمةً ، كما لو استعار شيئاً ليتعاطى به تصرّفاً محرّماً ، كاستعارته سلاحاً ليقتل به بريئاً ، أو آلة لهوٍ ليجمع عليها الفسّاق ونحو ذلك .
آداب الاستعارة :
3 - من آدابها :
أ - ألا يذلّ نفسه ، بل إن استعار استعار بعزٍّ ، والفرق بين الاستعارة والاستجداء : أنّ الاستجداء يكون مع الذّلّ ، والاستعارة تكون مع العزّ ، ولذلك كان عليه أن يترك الاستعارة ممّن يمنّ عليه طالما له مندوحةٌ عن ذلك كما تقدّم .
ب - وألاّ يلحف في طلب الإعارة ، والإلحاف هو إعادة السّؤال بعد الرّدّ ، وقد ذمّ اللّه الملحفين بالسّؤال بقوله تعالى { تعرفهم بسيماهم لا يسألون النّاس إلحافاً } وإنّما نهى عنه لأنّ هذا الإلحاف قد يخرج المعير عن طوره ، فيقع في شيءٍ من المحظورات ، كالكلام البذيء ونحو ذلك ، وهو أذًى ينزله المستعير بالمعير ، قال عليه الصلاة والسلام : « لا تلحفوا في المسألة » . ولكن يجوز التّكرار لبيان مسيس الحاجة إلى الاستعارة .
ج - وأن يقدّم الاستعارة من الرّجل الصّالح على الاستعارة من غيره ، لما يتحرّاه الصّالحون من المال الحلال ، ولما يحملونه من نفوسٍ طيّبةٍ تجود بالخير .
قال النّبيّ عليه الصلاة والسلام : « إن كنت سائلاً لا بدّ فاسأل الصّالحين » .
د - وألاّ يسأل بوجه اللّه ، ولا بحقّ اللّه ، كقوله : أسألك بوجه اللّه ، أو بحقّ اللّه أن تعيرني كذا ، لما فيه من اتّخاذ اسم اللّه تعالى آلةً .
قال عليه الصلاة والسلام : « لا يسأل بوجه اللّه إلاّ الجنّة » وقال : « ملعونٌ من سأل بوجه اللّه » . وللتّفصيل يرجع إلى ( إعارةٌ ) .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:00 PM

استعانةٌ *
التعريف :
1 - الاستعانة مصدر استعان ، وهي : طلب العون ، يقال : استعنته واستعنت به فأعانني والمعنى الاصطلاحيّ لا يخرج عن المعنى اللّغويّ .
الحكم الإجماليّ :
2 - تنقسم الاستعانة إلى استعانةٍ باللّه ، واستعانةٍ بغيره . فالاستعانة باللّه سبحانه وتعالى مطلوبةٌ في كلّ شيءٍ : مادّيٍّ مثل قضاء الحاجات ، كالتّوسّع في الرّزق ، ومعنويٍّ مثل تفريج الكروب ، مصداقاً لقوله تعالى : { إيّاك نعبد وإيّاك نستعين } . وقوله تعالى : { قال موسى لقومه : استعينوا باللّه واصبروا } . وتكون الاستعانة بالتّوجّه إلى اللّه تعالى بالدّعاء ، كما تكون بالتّوجّه إليه تعالى بفعل الطّاعات ، لقوله تعالى : { واستعينوا بالصّبر والصّلاة } .
3 - أمّا الاستعانة بغير اللّه ، فإمّا أن تكون بالإنس أو بالجنّ . فإن كانت الاستعانة بالجنّ فهي ممنوعةٌ ، وقد تكون شركاً وكفراً ، لقوله تعالى : { وأنّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجنّ فزادوهم رهقاً } .
4 - وأمّا الاستعانة بالإنس فقد اتّفق الفقهاء على أنّها جائزةٌ فيما يقدر عليه من خيرٍ ، لقوله تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } وقد يعتريها الوجوب عند الاضطرار ، كما لو وقع في تهلكةٍ وتعيّنت الاستعانة طريقاً للنّجاة ، لقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } .
استعانة المسلم بغير المسلم في القتال :
5 - أجاز الحنفيّة والحنابلة استعانة المسلم بغيره في القتال عند الضّرورة ، والشّافعيّة بشروطٍ ، والمالكيّة بشرط رضاه وتفصيل ذلك في مصطلح ( جهادٌ )
الاستعانة بغير المسلمين في غير القتال :
6 - تجوز الاستعانة في الجملة بغير المسلم ، سواءٌ أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم في غير القربات ، كتعليم الخطّ والحساب والشّعر المباح ، وبناء القناطر والمساكن والمساجد وغيرها فيما لا يمنع من مزاولته شرعاً . ولا تجوز الاستعانة به في القربات كالأذان والحجّ وتعليم القرآن ، وفي الأمور الّتي يمنع من مزاولتها شرعاً ، كاتّخاذه في ولايةٍ على المسلمين ، أو على أولادهم . وقد تباح الاستعانة بأهل الكتاب ، دون غيرهم من المشركين والمجوس ومن على شاكلتهم في بعض الأمور ، مثل الصّيد والذّبح ،
أمّا المشرك والمجوسيّ فلا يتولّى الاصطياد والذّبح لمسلمٍ ، وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح ( إجارةٌ ) ( وصيدٌ ) ( وذبائح ) ( وأطعمةٌ ) ( ووكالةٌ ) .
الاستعانة بأهل البغي ، وعليهم :
7 - قال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : يجوز الاستعانة بأهل البغي على الكفّار ، ولم يجز الاستعانة بالكفّار عليهم إلاّ الحنفيّة . ولتفصيل ذلك ينظر إلى مصطلح ( بغاةٌ )
الاستعانة بالغير في العبادة :
8 - الاستعانة بالغير في أداء العبادة جائزةٌ ، ولكن هل يعتبر ذلك قدرةً ملزمةً لمن لا يستطيع الأداء إلاّ بها ؟ قال بعض الحنفيّة ، ووافقهم الشّافعيّة والحنابلة : يعتبر الإنسان قادراً ، إذا وجد من يعينه على العبادة ، مثل الوضوء ، أو القيام في الصّلاة .
وقال بعض الحنفيّة ، وهو المفهوم عند المالكيّة : لا يصير قادراً بإعانة غيره ، لأنّ المعونة تعتبر له نافلةً .
استعطاءٌ *
انظر : ( عطاءٌ ) ، ( عطيّةٌ ) .
استعلاءٌ *
التعريف :
1 - الاستعلاء في اللّغة : استفعالٌ من العلوّ ، وهو السّموّ والارتفاع . والمستعلي من الحروف : المفخّم منها ، ومعنى استعلائها : أنّها تتصعّد في الحنك الأعلى ، واستعلى على النّاس : غلبهم وقهرهم وعلاهم .
وفي اصطلاح علماء الأصول يستعمل الاستعلاء بمعنى إظهار العلوّ ، سواءٌ أكان هناك علوٌّ في الواقع أم لا وتفصيل ذلك في مصطلح ( أمرٌ ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - التّكبّر : هو إظهار الكبر أي العظمة . وتعريفه شرعاً : بطر الحقّ وغمط النّاس ، كما جاء في الحديث . وهو في صفات اللّه تعالى مدحٌ ، لأنّ شأنه عظيمٌ ، وفي صفاتنا ذمٌّ ، لأنّ شأننا صغيرٌ ، وهو أهلٌ للعظمة ولسنا بأهلٍ لها .
الحكم الإجماليّ :
3 - يرى جمهور الأصوليّين أنّ الاستعلاء شرطٌ في الأمر ، وذلك احترازاً عن الدّعاء والالتماس .
مواطن البحث :
4 - الاستعلاء كشرطٍ في الأمر يبحثه الأصوليّون في مسألة الأمر عند الحديث عن شروطه ، ودلالة حرف " على " على الاستعلاء يبحث في مسائل حروف الجرّ ، عند الحديث عن حرف الجرّ " على " وتفصيل ذلك في المصطلح الأصوليّ .

استعمالٌ *
التعريف :
1 - الاستعمال في اللّغة : طلب العمل ، أو توليته ، واستعمله : عمل به ، واستعمل فلانٌ : ولي عملاً من أعمال السّلطة ، وحبلٌ مستعملٌ : قد عمل به ومهن .
والاستعمال في عرف الفقهاء لا يخرج عن معناه اللّغويّ ، حيث عبّر الفقهاء عنه بمعانيه اللّغويّة الواردة في التعريف كما سيأتي بعد ، ومن ذلك قولهم الماء المستعمل .
الألفاظ ذات الصّلة :
استئجارٌ :
2 - الاستئجار استفعالٌ من الإجارة ، واستأجره : اتّخذه أخيراً على العمل بأجرٍ . فالاستعمال أعمّ ، لأنّه قد يكون بأجرٍ ، وقد يكون بغير أجرٍ .
الحكم الإجماليّ :
3 - يختلف حكم الاستعمال بحسب نوعه ، وللاستعمال أنواعٌ مختلفةٌ : ومنها استعمال الآلات ، واستعمال الموادّ ، ومنها استعمال الأشخاص .
استعمال الموادّ ، ومن صوره :
أ - استعمال الماء :
4 - إذا استعمل الماء المطلق للطّهارة من أحد الحدثين امتنع إطلاق اسم الماء عليه دون قيدٍ ، وصار له حكمٌ آخر من حيث الطّهوريّة . فيقرّر الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّه طاهرٌ في نفسه غير مطهّرٍ لغيره ، وخالف في هذا المالكيّة ، حيث أجازوا التّطهّر به مع الكراهة إن وجد غيره ، وإلاّ فلا كراهة ، وتفصيل ذلك في بحث المياه من كتب الفقه .
ب - استعمال الطّيب :
5 - استعمال الطّيب مستحبٌّ في الجملة ، إلاّ في الإحرام ، أو الإحداد ، أو خوف الفتنة بالنّساء عند الخروج من البيوت . ولتفصيل ذلك ينظر مصطلح : ( إحرامٌ ) ( وإحدادٌ ) .
ج - استعمال جلود الميتة :
6 - استعمال جلود الميتة عند المالكيّة والحنابلة غير جائزٍ في الجملة ، وكذلك عند الشّافعيّة قبل الدّبغ ، وقد أجاز ذلك الحنفيّة بعد قطع الرّطوبة بالتّشميس أو التّتريب . ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح : ( دباغةٌ ) .
د - استعمال أواني الذّهب والفضّة :
7 - منع العلماء استعمال أواني الذّهب والفضّة في الأكل والشّرب ، لما ورد فيها من نصوصٍ منها : قول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « لا تشربوا في آنية الذّهب والفضّة ، ولا تأكلوا في صحافها ، فإنّها لهم في الدّنيا ولكم في الآخرة » .
ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح : ( آنيةٌ ) .
الاستعمال الموجب للضّمان :
8 - قرّر الفقهاء في الجملة أنّ استعمال المرهون الوديعة يعتبر تعدّياً يضمن بموجبه ، لأنّ التّعدّي سببٌ للضّمان مطلقاً ، ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح : ( رهنٌ ) ( ووديعةٌ ) ( وضمانٌ ) .
استعمال الإنسان :
9 - يجوز استعمال الإنسان متطوّعاً وبأجرٍ ، مثل الاستعمال على الإمامة والقضاء بشروطٍ معيّنةٍ ، يرجع في تفصيلها إلى الولاية والإمامة والقضاء في كتب الفقه .
وكذا استعمال الإنسان في الصّناعة والخدمة والتّجارة . ومنه قول العبّاس بن سهلٍ السّاعديّ في صنع المنبر النّبويّ : " فذهب أبي ، فقطع عيدان المنبر من الغابة ، قال : فما أدري عملها أبي أو استعملها " .
ويرجع في تفصيل ذلك إلى مصطلح ( استصناعٌ ) ( وإجارةٌ ) ( ووكالةٌ )

استغاثةٌ *
التعريف :
1 - الاستغاثة لغةً : طلب الغوث والنّصر . والاستغاثة شرعاً : لا تخرج في المعنى عن التعريف اللّغويّ ، حيث تكون للعون ، وتفريج الكروب .
الألفاظ ذات الصّلة :
الاستخارة :
2 - الاستخارة لغةً : طلب الخيرة في الشّيء . واصطلاحاً : طلب صرف الهمّة لما هو المختار عند اللّه ، والأولى بالصّلاة والدّعاء .
فالاستخارة أخصّ ، لأنّها لا تطلب إلاّ من اللّه .
الاستعانة :
3 - الاستعانة : طلب العون . استعنت بفلانٍ طلبت معونته فأعانني ، وعاونني . وتكون من العباد فيما يقدرون عليه ، ومن اللّه { إيّاك نعبد وإيّاك نستعين } فالفرق أنّ الاستغاثة لا تكون إلاّ في الشّدّة .
حكم الاستغاثة :
4 - للاستغاثة أربعة أحكامٍ :
الأوّل : الإباحة ، وذلك في طلب الحوائج من الأحياء ، إذا كانوا يقدرون عليها - ومن ذلك الدّعاء فإنّه يباح طلبه من كلّ مسلمٍ ، بل يحسن ذلك - فله أن يستغيث بالمخلوقين أو لا يستغيث ، ولكن لا يجب أن يطلب منهم على جهة السّؤال والذّلّ والخضوع والتّضرّع لهم كما يسأل اللّه تعالى ، لأنّ مسألة المخلوقين في الأصل محرّمةٌ ، ولكنّها أبيحت عند الحاجة والضّرورة ، والأفضل الاستعفاف عنها إلاّ إذا ترتّب على ترك الاستغاثة هلاكٌ ، أو حدٌّ ، أو ضمانٌ ، فإنّه يجب عليه أن يدفع بالاستغاثة أوّلاً . فإن لم يفعل أثم وترتّب عليه سبق ضمانٍ للدّماء والحقوق على تفصيلٍ سيأتي .
الثّاني : النّدب ، وذلك إذا استغاث باللّه ، أو بصفةٍ من صفاته في الشّدّة والكرب { أمّن يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السّوء } .
الثّالث : الوجوب ، وذلك إذا ترتّب على ترك الاستغاثة هلاكٌ أو ضمانٌ ، فإن تركه مع وجوبه أثم .
الرّابع : التّحريم ، وذلك إذا استغاث بمن لا يملك في الأمور المعنويّة بالقوّة أو التّأثير ، سواءٌ كان المستغاث به إنساناً ، أو جنّاً ، أو ملكاً ، أو نبيّاً ، في حياته ، أو بعد مماته { ولا تدع من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرّك } .
الاستغاثة باللّه :
5 - أ - في الأمور العادية : أجمع علماء الأمّة على استحباب الاستغاثة باللّه تبارك وتعالى ، سواءٌ أكان ذلك من قتال عدوٍّ أم اتّقاء سبعٍ أم نحوه . لاستغاثة الرّسول صلى الله عليه وسلم باللّه في موقعة بدرٍ ، وقد أخبرنا القرآن بذلك . قال اللّه تعالى : { إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألفٍ من الملائكة مردفين } ، ولما روي عن خولة بنت حكيم بن حزامٍ رضي الله عنها قالت : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من نزل منزلاً ثمّ قال : أعوذ بكلمات اللّه التّامّات من شرّ ما خلق لم يضرّه شيءٌ حتّى يرتحل من منزله » .
ب - وتستحبّ أيضاً الاستغاثة باللّه في الأمور المعنويّة بالقوّة والتّأثير ، وفيما لا يقدر عليه إلاّ اللّه سبحانه وتعالى . مثل إنزال المطر ، وكشف الضّرّ ، وشفاء المرض ، وطلب الرّزق ، ونحو ذلك ممّا لا يقدر عليه إلاّ اللّه تبارك وتعالى ، لقوله تعالى : { ولا تدع من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرّك فإن فعلت فإنّك إذاً من الظّالمين } وقوله تعالى : { وإن يمسسك اللّه بضرٍّ فلا كاشف له إلاّ هو } .
ويستغاث باسم اللّه أو بصفةٍ من صفاته ، لما روي عن أنس بن مالكٍ : قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمرٌ قال : يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث »
الاستغاثة بالرّسول صلى الله عليه وسلم .
6 - الاستغاثة بالرّسول أقسامٌ :
القسم الأوّل : الاستغاثة بالرّسول فيما يقدر عليه .
اتّفق الفقهاء على جواز الاستغاثة برسول اللّه صلى الله عليه وسلم وبكلّ مخلوقٍ حال حياته فيما يقدر عليه ، لقوله تعالى : { وإن استنصروكم في الدّين فعليكم النّصر } ولقوله : { فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوّه } وهي من قبيل العون والنّجدة ، كما قال تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى } .
القسم الثّاني :الاستغاثة بالرّسول صلى الله عليه وسلم بعد موته ، وسيأتي الكلام عليها والخلاف فيها .
القسم الثّالث : أن يستغيث العبد باللّه تعالى متقرّباً برسوله صلى الله عليه وسلم ، كأن يقول : اللّهمّ إنّي أتوجّه إليك بنبيّنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم أن تفعل كذا كما سيأتي .
القسم الرّابع : الاستغاثة بذات الرّسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي .
أنواع الاستغاثة بالخلق :
7 - والاستغاثة بالخلق - فيما لا يقدرون عليه - تكون على أربع صورٍ :
أوّلها : أن يسأل اللّه بالمتوسّل به تفريج الكربة ، ولا يسأل المتوسّل به شيئاً ، كقول القائل : اللّهمّ بجاه رسولك فرّج كربتي . وهو على هذا سائلٌ للّه وحده ، ومستغيثٌ به ، وليس مستغيثاً بالمتوسّل به . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ هذه الصّورة ليست شركاً ، لأنّها استغاثةٌ باللّه تبارك وتعالى ، وليست استغاثةً بالمتوسّل به ؛ ولكنّهم اختلفوا في المسألة من حيث الحلّ والحرمة على ثلاثة أقوالٍ :
8 - القول الأوّل : جواز التّوسّل بالأنبياء والصّالحين حال حياتهم وبعد مماتهم . قال به مالكٌ ، والسّبكيّ ، والكرمانيّ ، والنّوويّ ، والقسطلاّنيّ ، والسّمهوديّ ، وابن الحاجّ ، وابن الجزريّ .
9 - واستدلّ القائلون بجواز الاستغاثة بالأنبياء والصّالحين بأدلّةٍ كثيرةٍ ، منها ما ورد من الأدعية المأثورة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مثل « أسألك بحقّ السّائلين عليك ، وبحقّ ممشاي هذا إليك » . ومنها ما قاله الرّسول صلى الله عليه وسلم في الدّعاء لفاطمة بنت أسدٍ « اغفر لأمّي فاطمة بنت أسدٍ ، ووسّع عليها مدخلها ، بحقّ نبيّك والأنبياء الّذين من قبلي ، فإنّك أرحم الرّاحمين » . ومن الأدلّة حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من زار قبري وجبت له شفاعتي » . وما ورد من حديث المعراج « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ على موسى وهو قائمٌ يصلّي في قبره » والصّلاة تستدعي حياة البدن . وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما عند قوله تعالى { وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا } أنّه قال : كان أهل خيبر تقاتل غطفان ، كلّما التقتا هزمت غطفان اليهود ، فدعت اليهود بهذا الدّعاء : اللّهمّ إنّا نسألك بحقّ الّذي وعدتنا أن تخرجه لنا إلاّ نصرتنا عليهم . فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدّعاء فتهزم اليهود غطفان . وقوله تعالى : { ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرّسول لوجدوا اللّه توّاباً رحيماً } .
وهذا تفخيمٌ للرّسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه صلى الله عليه وسلم لا ينقطع بموته . ويستدلّون« بحديث الأعمى المتوسّل برسول اللّه في ردّ بصره ».
10 - القول الثّاني : أجاز العزّ بن عبد السّلام وبعض العلماء الاستغاثة باللّه متوسّلاً بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم والصّالحين حال حياتهم . وروي عنه أنّه قصر ذلك على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وحده . واستشهد لهذا بحديث الأعمى الّذي دعا اللّه سبحانه متوسّلاً برسول اللّه فردّ اللّه عليه بصره . فعن عثمان بن حنيفٍ أنّ « رجلاً ضريراً أتاه عليه الصلاة والسلام . فقال : ادع اللّه تعالى أن يعافيني ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن شئت أخّرت وهو خيرٌ ، وإن شئت دعوت . فقال : ادع قال : فأمره أن يتوضّأ ويحسن وضوءه ويدعو بهذا الدّعاء : اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بحبيبك محمّدٍ نبيّ الرّحمة ، يا محمّد ، إنّي أتوجّه بك إلى ربّك في حاجتي لتقضى . اللّهمّ شفّعه في » وصحّحه البيهقيّ وزاد : فقام ، وقد أبصر .
11 - القول الثّالث : عدم جواز الاستغاثة إلاّ باللّه سبحانه وتعالى ، ومنع التّوسّل في تلك الاستغاثة بالأنبياء والصّالحين ، أحياءً كانوا أو أمواتاً .
وصاحب هذا الرّأي ابن تيميّة ، ومن سار على نهجه من المتأخّرين . واستدلّوا بقوله تعالى : { ومن أضلّ ممّن يدعو من دون اللّه من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون } . وبما رواه الطّبرانيّ بسنده عن عبادة بن الصّامت رضي الله عنه ، أنّه « كان في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم منافقٌ يؤذي المؤمنين ، فقال بعضهم : قوموا بنا نستغيث برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إنّه لا يستغاث بي وإنّما يستغاث باللّه » .
الصّورة الثّانية :
12 - استغاثةٌ باللّه واستغاثةٌ بالشّفيع أن يدعو اللّه له : وهو أن يسأل اللّه ، ويسأل المتوسّل به أن يدعو له ،« كما كان يفعل الصّحابة ، ويستغيثون ويتوسّلون بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ، ثمّ من بعده بعمّه العبّاس »، ويزيد بن الأسود الجرشيّ رضي الله عنهما ، فهو استغاثةٌ باللّه ، واستغاثةٌ بالشّفيع أن يسأل اللّه له . فهو متوسّلٌ بدعائه وشفاعته ، وهذا مشروعٌ في الدّنيا والآخرة في حياة الشّفيع ، ولا يعلم فيه خلافٌ . فقد روى البخاريّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ألا أخبركم بأهل الجنّة ، كلّ ضعيفٍ مستضعفٍ ، لو أقسم على اللّه لأبرّه » قال العلماء : معناه لو حلف على اللّه ليفعلنّ كذا لأوقع مطلوبه ، فيبرّ بقسمه إكراماً له ، لعظم منزلته عنده . فدلّ ذلك على أنّ بعض ، النّاس خصّه اللّه بإجابة الدّعوة ، فلا بأس أن يسأل فيدعو للمستغيث ، وقد ورد هذا في آثارٍ كثيرةٍ عن الرّسول صلى الله عليه وسلم والصّحابة .
الصّورة الثّالثة : استغاثةٌ في سؤال اللّه :
13 - وهي أن يستغيث الإنسان بغيره في سؤال اللّه له تفريج الكرب ، ولا يسأل اللّه هو لنفسه . وهذا جائزٌ لا يعلم فيه خلافٌ . ومنه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « وهل تنصرون وترزقون إلاّ بضعفائكم » أي بدعائهم ، وصلاتهم ، واستغفارهم . ومن هذا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كان يستفتح بصعاليك المهاجرين » . أي يستنصر بهم . فالاستنصار والاسترزاق يكون بالمؤمنين بدعائهم ، مع أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل منهم . لكنّ دعاءهم وصلاتهم من جملة الأسباب ، ويقتضي أن يكون للمستنصر به والمسترزق به مزيّةً على غيره من النّاس . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ من عباد اللّه من لو أقسم على اللّه لأبرّه . منهم البراء بن مالكٍ » . وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أويسٍ القرنيّ : « فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل » وقول الرّسول صلى الله عليه وسلم لعمر لمّا ودّعه للعمرة : « لا تنسنا من دعائك » .
الصّورة الرّابعة :
14 - أن يسأل المستغاث به ما لا يقدر عليه ، ولا يسأل اللّه تبارك وتعالى ، كأن يستغيث به أن يفرّج الكرب عنه ، أو يأتي له بالرّزق . فهذا غير جائزٍ وقد عدّه العلماء من الشّرك ، " لقوله تعالى { ولا تدع من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرّك فإن فعلت فإنّك إذاً من الظّالمين . وإن يمسسك اللّه بضرٍّ فلا كاشف له إلاّ هو وإن يردك بخيرٍ فلا رادّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرّحيم } . وفي الصّحيح عن أنسٍ رضي الله عنه قال : « شجّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ وكسرت رباعيته ، فقال : كيف يفلح قومٌ شجّوا نبيّهم ؟ فنزلت { ليس لك من الأمر شيءٌ } » ، فإذا نفى اللّه تعالى عن نبيّه ما لا قدرة له عليه من جلب نفع أو دفع ضرٍّ ، فغيره أولى .
الاستغاثة بالملائكة :
15 - الاستغاثة بهم استغاثةٌ بغير اللّه تعالى ، وكلّ استغاثةٍ بغير اللّه ممنوعةٌ ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . « إنّه لا يستغاث بي ، ولكن يستغاث باللّه »
ولحديثه أيضاً عليه السلام « لمّا ألقي إبراهيم في النّار اعترضه جبريل ، فقال له : ألك حاجةٌ ؟ فقال : أمّا إليك فلا » .
الاستغاثة بالجنّ :
16 - الاستغاثة بالجنّ محرّمةٌ ، لأنّها استغاثةٌ بمن لا يملك ، وتؤدّي إلى ضلالٍ ، وقد بيّن اللّه تعالى ذلك بقوله { وأنّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجنّ فزادوهم رهقاً } ويعتبر هذا من السّحر .
المستغيث وأنواعه :
17 - إذا استغاث المسلم لدفع شرٍّ وجبت إغاثته ، لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضّالّ » وقوله عليه السلام « من نفّس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدّنيا نفّس اللّه عنه كربةً من كرب يوم القيامة » وهذا إذا لم يخش المغيث على نفسه ضرّاً ، لأنّ له الإيثار بحقّ نفسه دون حقّ غيره ، وهذا في غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم } . أمّا الإمام ونوّابه فإنّه يجب عليهم الإغاثة ، ولو مع الخشية على النّفس ، لأنّ ذلك مقتضى وظائفهم .
18 - وإذا استغاث الكافر فإنّه يغاث لأنّه آدميٌّ ، ولأنّه يجب الدّفع عن الغير إذا كان آدميّاً محترماً ، ولم يخش المغيث على نفسه هلاكاً ، لأنّ له الإيثار بحقّ نفسه دون حقّ غيره ولحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « إنّ اللّه يحبّ إغاثة الملهوف » ولقوله صلى الله عليه وسلم « لا تنزع الرّحمة إلاّ من شقيٍّ » . وكذلك إذا كان الكافر حربيّاً واستغاث ، فإنّه يجاب إلى طلبه ، لعلّه يسمع كلام اللّه ، أو يرجع عمّا في نفسه من شرٍّ ويأسره المعروف . لقوله تعالى { وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه ثمّ أبلغه مأمنه } " أي فأجره ، وأمّنه على نفسه وأمواله ، فإن اهتدى وآمن عن علمٍ واقتناعٍ فذاك ، وإلاّ فالواجب أن تبلغه المكان الّذي يأمن به على نفسه ، ويكون حرّاً في عقيدته .
الاستعانة بالكافر في حرب الكفّار :
19 - اتّفق العلماء على أنّ الاستغاثة لدفع شرٍّ ، أو جلب نفعٍ ممّا يملكه المخلوق تجوز بالمخلوقين مطلقاً ، فيستغاث بالمسلم والكافر ، والبرّ والفاجر ، كما يستغاث بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم ويستنصر به كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه يؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر » فلم تكن الإغاثة من خصائص المؤمنين فضلاً عن أن تكون من خصائص النّبيّين أو المرسلين ، وإنّما هي وصفٌ مشتركٌ بين جميع الآدميّين .
استغاثة الحيوان :
20 - يجب إغاثة الحيوان ، لما روي من الأحاديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « أنّ رجلاً دنا إلى بئرٍ فنزل ، فشرب منها وعلى البئر كلبٌ يلهث ، فرحمه ، فنزع أحد خفّيه فسقاه ، فشكر اللّه له فأدخله الجنّة » .
حالة المستغيث :
21 - إذا كان المستغيث على حقٍّ وجبت إغاثته ، لما تقدّم من وجوب إغاثة المسلم ، لقوله تعالى : { وإن استنصروكم في الدّين فعليكم النّصر إلاّ على قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ } " أي إن استنقذوكم فأعينوهم بنفيرٍ أو مالٍ ، فذلك فرضٌ عليكم ، فلا تخذلوهم إلاّ أن يستنصروكم على قومٍ كفّارٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ فلا تنصروهم عليهم . إلاّ أن يكونوا أسرى مستضعفين ، فإنّ الولاية معهم قائمةٌ ، والنّصرة لهم واجبةٌ ، حتّى لا تبقى منّا عينٌ تطرف ، حتّى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتّى لا يبقى لأحدٍ درهمٌ ، كذلك قال مالكٌ وجميع العلماء ولحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « من أذلّ عنده مؤمنٌ فلم ينصره ، وهو قادرٌ على أن ينصره ، أذلّه اللّه عزّ وجلّ على رؤوس الخلائق يوم القيامة » .
22 - أمّا إن كان المستغيث على باطلٍ ، فإن أراد النّزوع عنه وأظهر ذلك استنقذ ، وإن كان يريد البقاء على باطله فلا . وكذلك كلّ ظالمٍ فإن نصرته محرّمةٌ ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « مثل الّذي يعين قومه على غير الحقّ كمثل بعيرٍ تردّى في بئرٍ فهو ينزع بذنبه » . وقوله : « من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود اللّه فقد ضادّ اللّه في ملكه ، ومن أعان على خصومةٍ لا يعلم أحقٌّ أو باطلٌ فهو في سخط اللّه حتّى ينزع » . وقال سفيان الثّوريّ : إذا استغاث الظّالم وطلب شربة ماءٍ فأعطيته إيّاها كان ذلك إعانةً له على ظلمه .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:01 PM

ضمان هلاك المستغيث :
23 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ منع المستغيث عمّا ينقذ حياته - مع القدرة على إغاثته بلا ضررٍ يلحقه ، والعلم بأنّه يموت إن لم يغثه - يستوجب القصاص ، وإن لم يباشر قتله بيده . وذهب الحنابلة وأبو يوسف ومحمّدٌ إلى أنّ فيه الضّمان ( الدّية ) ، وسوّى أبو الخطّاب بين طلب الغوث ، أو رؤية من يحتاج للغوث بلا طلبٍ .
وقال أبو حنيفة : لا ضمان ، لأنّه لم يباشر الفعل القاتل .
حكم من أحجم عن إجابة المستغيث :
الاستغاثة عند الإشراف على الهلاك :
24 - إذا استغاث المشرف على الهلاك من الجوع أو العطش وجبت إغاثته ، فإن منع حتّى أشرف على الهلاك ففي المسألة رأيان :
الأوّل قال به الحنفيّة : للمستغيث أن يقاتل بالسّلاح ، إن كان الماء غير محرّزٍ في إناءٍ ، لما ورد عن الهيثم أنّ قوماً وردوا ماءً فسألوا أهله واستغاثوا بهم أن يدلّوهم على بئرٍ فأبوا ، فسألوهم أن يعطوهم دلواً فأبوا ، فقالوا لهم : إنّ أعناقنا وأعناق مطايانا قد كادت أن تقطع ، فأبوا أن يعطوهم ، فذكروا ذلك لعمر رضي الله عنه ، فقال لهم عمر : فهلاّ وضعتم فيهم السّلاح . فيه دليلٌ على أنّ لهم في الماء حقّ الشّفة . فإذا منع المستغاث بهم حقّ المستغيثين بقصد إتلافهم كان للمستغيثين أن يقاتلوهم عن أنفسهم . فأمّا إذا كان الماء محرّزاً ، فليس للّذي يخاف الهلاك من العطش أن يقاتل صاحب الماء بالسّلاح ، بل له أن يقاتله بغير سلاحٍ ، وكذلك في الطّعام ، لأنّه ملكٌ محرّزٌ لصاحبه ، ولهذا كان الآخذ ضامناً . وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : يقاتل بالسّلاح ، ويكون دم المانع هدراً .
الاستغاثة عند إقامة الحدّ :
25 - لإغاثة من سيتعرّض للحدّ حالتان :
الأولى : قبل أن يصل أمره إلى الإمام ، أو الحاكم ، يستحبّ إغاثته بالعفو عنه والشّفاعة له عند صاحب الحقّ ، وعدم رفع أمره للحاكم . لما روي عن « صفوان بن أميّة أنّ رجلاً سرق برده فرفعه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأمر بقطعه ، فقال : يا رسول اللّه قد تجاوزت عنه ، قال : فلولا كان هذا قبل أن تأتيني به يا أبا وهبٍ فقطعه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم » .
والثّانية : إذا وصل أمره إلى الحاكم ، فلا إغاثة ولا شفاعة . لما روت عائشة رضي الله عنها : « أنّ قريشاً أهمّتهم المرأة المخزوميّة الّتي سرقت ، فقالوا : من يكلّم فيها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلاّ أسامة حبّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ؟ فكلّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : أتشفع في حدٍّ من حدود اللّه ؟ ، ثمّ قام فخطب ، قال : يا أيّها النّاس إنّما ضلّ من كان قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه ، وإذا سرق الضّعيف فيهم أقاموا عليه الحدّ ، وأيم اللّه لو أنّ فاطمة بنت محمّدٍ سرقت لقطع محمّدٌ يدها » .
الاستغاثة عند الغصب :
26 - اتّفقت المذاهب على أنّ المغصوب منه والمسروق منه يجب عليه أن يستغيث أوّلاً ، وأن يدفع الصّائل أو السّارق بغير القتل . فإذا لم يندفع ، أو كان ليلاً ، أو لم يغثه أحدٌ ، أو منعه الصّائل ، أو السّارق من الاستغاثة ، أو عاجله ، فله دفعه عن نفسه وعرضه وماله - وإن كان قليلاً - ولو بالقتل ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « من قتل دون ماله فهو شهيدٌ ، ومن قتل دون عرضه فهو شهيدٌ » وقد روي أنّ ابن عمر رأى لصّاً فأصلت عليه السّيف قال : فلو تركناه لقتله . وجاء رجلٌ إلى الحسن فقال : لصٌّ دخل بيتي ومعه حديدةٌ ، أقتله ؟ قال : نعم بأيّ شيءٍ قدرت .
27 – فإذا قتل المغصوب منه الغاصب ، أو المسروق منه السّارق بدون استغاثةٍ واستعانةٍ مع قدرته عليها ، وإمكان دفعه بما هو دون القتل ، ففي المسألة رأيان :
الأوّل للحنفيّة : يجب القود .
الثّاني للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : يضمن القاتل ، لأنّه يمكن دفعه بغير القتل ، لأنّ المقصود دفعه فإذا اندفع بقليلٍ فلا يلزم أكثر منه ، وإن ذهب مولّياً لم يكن له قتله كأهل البغي . فإن فعل غير ذلك كان متعدّياً .
الاستغاثة في الإكراه على الفاحشة :
28 - اتّفق الفقهاء على أنّ الاستغاثة عند الفاحشة علامةٌ من علامات الإكراه الّتي تسقط الحدّ عن المكرهة الأنثى ، لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « عفي عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » .
استغراقٌ *
التعريف :
1 - الاستغراق لغةً : الاستيعاب والشّمول .
واصطلاحاً : هو استيفاء شيءٍ بتمام أجزائه وأفراده .
2 - وقد قسّم صاحب دستور العلماء استغراق اللّفظ إلى : استغراقٍ حقيقيٍّ ، واستغراقٍ عرفيٍّ .
أ - فالاستغراق الحقيقيّ : هو أن يراد باللّفظ كلّ فردٍ ممّا يتناوله بحسب اللّغة ، أو الشّرع ، أو العرف الخاصّ ، مثل قوله تعالى : { عالم الغيب والشّهادة } .
ب - والاستغراق العرفيّ : هو أن يراد باللّفظ كلّ فردٍ ممّا يتناوله بحسب متفاهم العرف ، مثل جمع الأمير الصّاغة ، أي كلّ صاغة بلده .
3 - أمّا الكفويّ ( أبو البقاء ) فقد قسّمه إلى ثلاثة أقسامٍ :
أ - استغراقٌ جنسيٌّ مثل : لا رجل في الدّار .
ب - استغراقٌ فرديٌّ مثل : لا رجل في الدّار .
ج - استغراقٌ عرفيٌّ : وهو ما يكون المرجع في شموله وإحاطته إلى حكم العرف مثل : جمع الأمير الصّاغة .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
4 - ذكر الأصوليّون الاستغراق أثناء الكلام على تعريف العامّ ، فقالوا : العامّ هو اللّفظ المستغرق لجميع ما يصلح له ، أي يتناوله دفعةً واحدةً من غير حصرٍ . واعتبار الاستغراق في العامّ إنّما هو رأي الشّافعيّة وبعض الحنفيّة . أمّا عند عامّتهم فيكفي في العموم انتظام جمعٍ من المسمّيات ، كما صرّح به فخر الإسلام وغيره . وعلى هذا يكون الاستغراق أشمل من العموم . فلفظ الأسد يصدق أن يقال : إنّه مستغرقٌ لجميع ما يصلح له ، وليس بعامٍّ .
الألفاظ الدّالّة على الاستغراق :
5 - هناك بعض الألفاظ تدلّ على الاستغراق ، كلفظ كلٍّ ، فإنّه يفيد استغراق أفراد المضاف إليه المنكّر ، مثل { كلّ نفسٍ ذائقة الموت } كما أنّها تفيد استغراق أجزاء المضاف إليه المفرد المعرفة ، نحو : كلّ زيدٍ حسنٌ ، أي كلّ أجزائه .
كذلك الجمع المحلّى بالألف واللاّم يفيد الاستغراق : نحو : « ما رآه المسلمون حسناً » .
6 - وفي الموضوع تفصيلاتٌ كثيرةٌ تنظر في العموم في الملحق الأصوليّ .
7 - أمّا الفقهاء فيستعملون الاستغراق أيضاً بمعنى الاستيعاب والشّمول .
ومن ذلك قولهم في الزّكاة : استغراق الأصناف الثّمانية في صرف الزّكاة عند البعض ، وللتّفصيل ينظر باب الزّكاة .
استغفارٌ *
التعريف :
1 - الاستغفار في اللّغة : طلب المغفرة بالمقال والفعال .
وعند الفقهاء : سؤال المغفرة كذلك ، والمغفرة في الأصل : السّتر ، ويراد بها التّجاوز عن الذّنب وعدم المؤاخذة به ، وأضاف بعضهم : إمّا بترك التّوبيخ والعقاب رأساً ، أو بعد التّقرير به فيما بين العبد وربّه . ويأتي الاستغفار بمعنى الإسلام .
قال اللّه تعالى : { وما كان اللّه معذّبهم وهم يستغفرون } أي يسلمون قاله مجاهدٌ وعكرمة . كذلك يأتي الاستغفار بمعنى الدّعاء والتّوبة ، وستأتي صلته بهذه الألفاظ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّوبة :
2 - الاستغفار والتّوبة يشتركان في أنّ كلاًّ منهما رجوعٌ إلى اللّه سبحانه ، كذلك يشتركان في طلب إزالة ما لا ينبغي ، إلاّ أنّ الاستغفار طلبٌ من اللّه لإزالته .
والتّوبة سعيٌ من الإنسان في إزالته . وعند الإطلاق يدخل كلٌّ منهما في مسمّى الآخر ، وعند اقترانهما يكون الاستغفار طلب وقاية شرّ ما مضى والتّوبة الرّجوع وطلب وقاية شرّ ما يخافه في المستقبل من سيّئات أعماله ، ففي التّوبة أمران لا بدّ منهما : مفارقة شيءٍ ، والرّجوع إلى غيره ، فخصّت التّوبة بالرّجوع والاستغفار بالمفارقة ، وعند إفراد أحدهما يتناول كلٌّ منهما الآخر . وعند المعصية يكون الاستغفار المقرون بالتّوبة عبارةٌ عن طلب المغفرة باللّسان ، والتّوبة عبارةٌ عن الإقلاع عن الذّنب بالقلب والجوارح .
ب - الدّعاء :
3 - كلّ دعاءٍ فيه سؤال الغفران فهو استغفارٌ . إلاّ أنّ بين الاستغفار والدّعاء عموماً وخصوصاً من وجهٍ ، يجتمعان في طلب المغفرة ، وينفرد الاستغفار إن كان بالفعل لا بالقول ، كما ينفرد الدّعاء إن كان بطلب غير المغفرة .
الحكم التّكليفيّ للاستغفار :
4 - الأصل في الاستغفار أنّه مندوبٌ إليه ، لقول اللّه سبحانه . { واستغفروا اللّه إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } يحمل على النّدب ، لأنّه قد يكون من غير معصيةٍ ، لكنّه قد يخرج عن النّدب إلى الوجوب كاستغفار النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكالاستغفار من المعصية .
وقد يخرج إلى الكراهة كالاستغفار للميّت خلف الجنازة ، صرّح بذلك المالكيّة .
وقد يخرج إلى الحرمة ، كالاستغفار للكفّار .
الاستغفار المطلوب :
5 - الاستغفار المطلوب هو الّذي يحلّ عقدة الإصرار ، ويثبت معناه في الجنان ، لا التّلفّظ باللّسان ، فإن كان باللّسان - وهو مصرٌّ على المعصية - فإنّه ذنبٌ يحتاج إلى استغفارٍ . كما روي : « التّائب من الذّنب ، كمن لا ذنب له ، والمستغفر من الذّنب وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئ بربّه » ويطلب للمستغفر بلسانه أن يكون ملاحظاً لهذه المعاني بجنانه ، ليفوز بنتائج الاستغفار ، فإن لم يتيسّر له ذلك فيستغفر بلسانه ، ويجاهد نفسه على ما هنالك ، فالميسور لا يسقط بالمعسور .
فإن انتفى الإصرار ، وكان الاستغفار باللّسان مع غفلة القلب ، ففيه رأيان :
الأوّل : وصفه بأنّه توبة الكذّابين ، وهو قول المالكيّة ، وقولٌ للحنفيّة والشّافعيّة ، إلاّ أنّ المالكيّة جعلوه معصيةً لاحقةً بالكبائر ، وقال الآخرون : بأنّه لا جدوى منه فقط .
الثّاني : اعتباره حسنةً وهو قول الحنابلة ، وقولٌ للحنفيّة والشّافعيّة ، لأنّ الاستغفار عن غفلةٍ خيرٌ من الصّمت وإن احتاج إلى استغفارٍ ، لأنّ اللّسان إذا ألف ذكراً يوشك أن يألفه القلب فيوافقه عليه ، وترك العمل للخوف منه من مكايد الشّيطان .
صيغ الاستغفار :
6 - ورد الاستغفار بصيغٍ متعدّدةٍ ، والمختار منها ما رواه البخاريّ عن شدّاد بن أوسٍ رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « سيّد الاستغفار أن تقول : اللّهمّ أنت ربّي لا إله إلاّ أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شرّ ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك عليّ ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت » .
7 - ومن أفضل أنواع الاستغفار أن يقول العبد : « أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه » . وهذا على سبيل المثال وليس الحصر كما أنّ بعض الأوقات وبعض العبادات تختصّ بصيغٍ مأثورةٍ تكون أفضل من غيرها وينبغي التّقيّد بألفاظها ، وموطن بيانها غالباً كتب السّنّة والأذكار والآداب ، في أبواب الدّعاء والاستغفار والتّوبة .
وإذا كانت صيغ الاستغفار السّابقة مطلوبةً فإنّ بعض صيغه منهيٌّ عنها ، ففي الصّحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا يقولنّ أحدكم : اللّهمّ اغفر لي إن شئت ، اللّهمّ ارحمني إن شئت ، ليعزم المسألة فإنّ اللّه لا مستكره له »
استغفار النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
8 - استغفار النّبيّ عليه الصلاة والسلام واجبٌ عليه ، لقوله تعالى : { فاعلم أنّه لا إله إلاّ اللّه واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ، وقد ذكر الفقهاء والمفسّرون وجوهاً عديدةً في استغفاره صلى الله عليه وسلم منها : أنّه يراد به ما كان من سهوٍ أو غفلةٍ ، أو أنّه لم يكن عن ذنبٍ ، وإنّما كان لتعليم أمّته ، ورأي السّبكيّ : أنّ استغفار النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يحتمل إلاّ وجهاً واحداً ، وهو : تشريفه من غير أن يكون ذنبٌ ، لأنّه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى . وقد ثبت« أنّه صلى الله عليه وسلم كان يستغفر في اليوم الواحد سبعين مرّةً ، ومائة مرّةٍ »، بل كان أصحابه يعدّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم :
« ربّ اغفر لي وتب عليّ إنّك أنت التّوّاب الغفور مائة مرّةٍ » .
الاستغفار في الطّهارة :
أوّلاً : الاستغفار عقب الخروج من الخلاء :
9 - يندب الاستغفار بعد قضاء الحاجة ، وعند الخروج من الخلاء . روى التّرمذيّ أنّه « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال : غفرانك » .
ووجه سؤال المغفرة هنا كما قال ابن العربيّ - هو العجز عن شكر النّعمة في تيسير الغذاء ، وإيصال منفعته ، وإخراج فضلته .
ثانياً : الاستغفار بعد الوضوء :
10 - يسنّ الاستغفار ضمن الذّكر الوارد عند إتمام الوضوء روى أبو سعيدٍ الخدريّ رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من توضّأ فقال : سبحانك اللّهمّ ، وبحمدك أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك ، وأتوب إليك ، كتب في رقٍّ ، ثمّ جعل في طابعٍ ، فلم يكسر إلى يوم القيامة » وقد وردت صيغٌ أخرى تتضمّن الاستغفار عقب الانتهاء من الوضوء وأثناءه يذكرها الفقهاء في سنن الوضوء .
الاستغفار عند دخول المسجد والخروج منه :
11 - يستحبّ عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، الاستغفار عند دخول المسجد وعند الخروج منه . لما ورد عن فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قالت : « كان رسول اللّه إذا دخل المسجد صلّى على محمّدٍ وسلّم ، وقال : ربّ اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج صلّى على محمّدٍ وسلّم ، وقال : ربّ اغفر لي ، وافتح لي أبواب فضلك » والوارد في كتب الحنفيّة أنّ المصلّي يقول عند دخول المسجد : « اللّهمّ افتح لي أبواب رحمتك » وعند خروجه : « اللّهمّ إنّي أسألك من فضلك » .
الاستغفار في الصّلاة :
أوّلاً - الاستغفار في افتتاح الصّلاة :
12 - جاء الاستغفار في بعض الرّوايات الّتي وردت في دعاء الافتتاح في الصّلاة ،
وأخذ بذلك الشّافعيّة مطلقاً ، والحنفيّة والحنابلة في صلاة اللّيل ، منها ما رواه أبو بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه عن النّبيّ عليه الصلاة والسلام : « اللّهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، ولا يغفر الذّنوب إلاّ أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك ، وارحمني إنّك أنت التّوّاب الرّحيم » . ويكره الافتتاح في المكتوبة عند المالكيّة ومحلّ الاستغفار في دعاء الافتتاح يذكره الفقهاء في سنن الصّلاة ، أو في كيفيّة الصّلاة .
ثانياً : الاستغفار في الرّكوع والسّجود والجلوس بين السّجدتين :
13 يسنّ الدّعاء بالمغفرة في الرّكوع عند الشّافعيّة ، والحنابلة . روت عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللّهمّ وبحمدك اللّهمّ اغفر لي يتأوّل القرآن »، أي يحقّق قوله تعالى : { فسبّح بحمد ربّك واستغفره } » متّفقٌ عليه . إلاّ أنّ الشّافعيّة يجعلون ذلك للمنفرد ، ولإمام قومٍ محصورين رضوا بالتّطويل . ولا يأتي بغير التّسبيح في الرّكوع عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، غير أنّ الحنفيّة يجيزون الاستغفار عند الرّفع من الرّكوع .
14 - وفي السّجود يندب الدّعاء بالمغفرة كذلك عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، لحديث عائشة السّابق .
15 - وفي الجلوس بين السّجدتين يسنّ الاستغفار عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، وهو قولٌ عن أحمد ، والأصل في هذا ما روى حذيفة « أنّه صلّى مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم فكان يقول بين السّجدتين : ربّ اغفر لي ، ربّ اغفر لي » . وإنّما لم يجب الاستغفار ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يعلّمه المسيء صلاته . والمشهور عند الحنابلة أنّه واجبٌ ، وهو قول إسحاق وداود ، وأقلّه مرّةً واحدةً ، وأقلّ الكمال ثلاثٌ ، والكمال للمنفرد ما لا يخرجه إلى السّهو ، وبالنّسبة للإمام : ما لا يشقّ على المصلّين .
الاستغفار في القنوت :
16 - جاء الاستغفار في ألفاظ القنوت ، قنوت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقنوت عمر ، وألفاظه كبقيّة الألفاظ الواردة ، ولم نقف على أمرٍ يخصّه ، إلاّ ما ذكره المالكيّة والحنفيّة بأنّ الدّعاء بالمغفرة يقوم مقام القنوت عند العجز عنه .
الاستغفار بعد التّشهّد الأخير :
17 - يندب الاستغفار بعد التّشهّد الأخير ، ورد في السّنّة « اللّهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، وإنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت ، فاغفر لي مغفرةً من عندك ، وارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم » متّفقٌ عليه . كذلك ورد « اللّهمّ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت ، وما أنت أعلم به منّي أنت المقدّم وأنت المؤخّر لا إله إلاّ أنت »
الاستغفار عقب الصّلاة :
18 - يسنّ الاستغفار عقب الصّلاة ثلاثاً ، لما روي عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه قال :« من قال أستغفر اللّه العظيم الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ، ثلاث مرّاتٍ ، غفر اللّه ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر »
ووردت رواياتٌ أخرى يذكرها الفقهاء في الذّكر الوارد عقب الصّلاة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : « من استغفر اللّه تعالى في دبر كلّ صلاةٍ ثلاث مرّاتٍ فقال : أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه غفر اللّه عزّ وجلّ ذنوبه وإن كان قد فرّ من الزّحف »
الاستغفار في الاستسقاء :
19 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يحصل الاستسقاء بالاستغفار وحده .
غير أنّ أبا حنيفة يقصره على ذلك ، مستدلاًّ بقول اللّه سبحانه { فقلت استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً يرسل السّماء عليكم مدراراً } لأنّ الآية دلّت على أنّ الاستغفار وسيلةٌ للسّقيا . بدليل { يرسل السّماء عليكم مدراراً } ولم تزد الآية الكريمة على الاستغفار ، وروي عن عمر رضي الله عنه أنّه خرج إلى الاستسقاء ولم يصلّ بجماعةٍ ، بل صعد المنبر ، واستغفر اللّه ، وما زاد عليه ، فقالوا : ما استسقيت يا أمير المؤمنين ، فقال : لقد استسقيت بمجاديح السّماء الّتي بها يستنزل الغيث .
20 - وبقيّة الفقهاء والقائلون بندب صلاة الاستسقاء والخطبتين ، أو الخطبة الواحدة ، يسنّ عندهم الإكثار من الاستغفار في الخطبة ، وتبدّل تكبيرات الافتتاح الّتي في خطبتي العيدين بالاستغفار في خطبتي الاستسقاء عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، وصيغته كما أوردها النّوويّ في مجموعه " أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه " . ويكبّر كخطبتي العيدين عند الحنابلة ، ونفى الحنفيّة التّكبير ولم يتعرّضوا للاستغفار في الخطبة .
الاستغفار للأموات :
21 - الاستغفار عبادةٌ قوليّةٌ يصحّ فعلها للميّت . وقد ثبت في السّنّة الاستغفار للأموات ، ففي صلاة الجنازة ورد الدّعاء للميّت بالمغفرة ، لكن لا يستغفر لصبيٍّ ونحوه .
وتفصيل أحكامه يذكرها الفقهاء في صلاة الجنازة . وعقب الدّفن يندب أن يقف جماعةٌ يستغفرون للميّت ، لأنّه حينئذٍ في سؤال منكرٍ ونكيرٍ ، روى أبو داود بإسناده عن عثمان قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دفن الرّجل وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم واسألوا له التّثبّت فإنّه الآن يسأل » وصرّح بذلك جمهور الفقهاء .
22 - ومن آداب زيارة القبور عند الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّة ، الدّعاء بالمغفرة لأهلها عقب التّسليم عليهم ، واستحسن ذلك الحنابلة .
23 - وهذا كلّه يخصّ المؤمن ، أمّا الكافر الميّت فيحرم الاستغفار له بنصّ القرآن والإجماع .
الاستغفار عن الغيبة :
24 - اختلف العلماء في حقّ الّذي اغتاب ، هل يلزمه استحلال من اغتيب ، مع الاستغفار له ، أم يكفيه الاستغفار ؟ .
الأوّل : إذا لم يعلم من اغتيب فيكفي الاستغفار ، وهو مذهب الشّافعيّة ، والحنابلة ، وقولٌ للحنفيّة ، ولأنّ إعلامه ربّما يجرّ فتنةً ، وفي إعلامه إدخال غمٍّ عليه . لما روى الخلاّل بإسناده عن أنسٍ مرفوعاً « كفّارة من اغتيب أن يستغفر له » . فإن علم فلا بدّ من استحلاله مع الاستغفار له .
الثّاني : يكفي الاستغفار سواءٌ علم الّذي اغتيب أم لم يعلم ، ولا يجب استحلاله ، وهو قول الطّحاويّ من الحنفيّة . والمالكيّة على أنّه لا بدّ من استحلال المغتاب إن كان موجوداً ، فإن لم يجده ، أو أحداً من ورثته استغفر له .
وفي استحلال الورثة خلافٌ بين الفقهاء يذكر في التّوبة .
الاستغفار للمؤمنين :
25 - اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ التّعميم في الدّعاء بالمغفرة للمؤمنين والمؤمنات ، لخبر « ما من دعاءٍ أحبّ إلى اللّه تعالى من أن يقول العبد : اللّهمّ اغفر لأمّة محمّدٍ مغفرةً عامّةً » وفي روايةٍ أنّه « قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في صلاةٍ ، وقمنا معه ، فقال أعرابيٌّ وهو في الصّلاة : اللّهمّ ارحمني ومحمّداً ، ولا ترحم معنا أحداً ، فلمّا سلّم النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال للأعرابيّ : لقد حجّرت واسعاً » . ولا بأس أن يخصّ الإنسان نفسه بالدّعاء ، لحديث أبي بكرة ، وأمّ سلمة ، وسعد بن أبي وقّاصٍ : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك ، وأسألك ... » إلخ وهذا يخصّ نفسه الكريمة ، ذلك ما لم يكن في القنوت ، وخلفه من يؤمّن ، لخبر ثوبان « لا يؤمّ رجلٌ قوماً فيخصّ نفسه بدعوةٍ دونهم ، فإن فعل فقد خانهم »
الاستغفار للكافر :
26 - اتّفق الفقهاء على أنّ الاستغفار للكافر محظورٌ ، بل بالغ بعضهم فقال : إنّ الاستغفار للكافر يقتضي كفر من فعله ، لأنّ فيه تكذيباً للنّصوص الواردة الّتي تدلّ على أنّ اللّه تعالى لا يغفر أن يشرك به ، وأنّ من مات على كفره فهو من أهل النّار .
27 - وأمّا من استغفر للكافر الحيّ رجاء أن يؤمن فيغفر له ، فقد صرّح الحنفيّة بإجازة ذلك ، وجوّز الحنابلة الدّعاء بالهداية ، ولا يستبعد ذلك من غيرهم ، كذلك استظهر بعضهم جواز الدّعاء لأطفال الكفّار بالمغفرة ، لأنّ هذا من أحكام الآخرة .
تكفير الذّنوب بالاستغفار :
28 - الاستغفار إن كان بمعنى التّوبة فإنّه يرجى أن يكفّر به الذّنوب إن توافرت فيه شروط التّوبة ، يقول اللّه سبحانه : { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر اللّه يجد اللّه غفوراً رحيماً } ويقول صلى الله عليه وسلم رسول اللّه : « من استغفر اللّه تعالى في دبر كلّ صلاةٍ ثلاث مرّاتٍ ، فقال : أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ، غفر له وإن كان قد فرّ من الزّحف » وقد قيل : لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار فالمراد بالاستغفار هنا التّوبة .
29 - فإن كان الاستغفار على وجه الافتقار والانكسار دون تحقّق التّوبة ،
فقد اختلف الفقهاء في ذلك ، فالشّافعيّة قالوا : إنّه يكفّر الصّغائر دون الكبائر ، وقال المالكيّة والحنابلة : إنّه تغفر به الذّنوب ، ولم يفرّقوا بين صغيرةٍ وكبيرةٍ ، وهو ما صرّحت به بعض كتب الحنفيّة . لقوله صلى الله عليه وسلم : « الاستغفار ممحاةٌ للذّنوب » .
الاستغفار عند النّوم :
30 - يستحبّ الاستغفار عند النّوم مع بعض الأدعية الأخرى ، ليكون الاستغفار خاتمة عمله إذا رفعت روحه ، روى التّرمذيّ عن أبي سعيدٍ : « من قال حين يأوي إلى فراشه أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ثلاث مرّاتٍ غفر اللّه له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر » .
الدّعاء بالمغفرة للمشمّت :
31 - يسنّ للعاطس أن يدعو بالمغفرة لمن شمّته بقوله : " يرحمك اللّه " فيقول له العاطس : " يغفر اللّه لنا ولكم " أو يقول له : " يهديكم اللّه ويصلح بالكم " أو يقول : " يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر لنا ولكم " ، لما في الموطّأ عن نافعٍ أنّ ابن عمر كان إذا عطس فقيل له : يرحمك اللّه ، قال : يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر لنا ولكم .
اختتام الأعمال بالاستغفار :
32 - المتتبّع للقرآن الكريم والأذكار النّبويّة يجد اختتام كثيرٍ من الأعمال بالاستغفار ،
فقد أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم في آخر حياته بالاستغفار بقوله تعالى : { فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّاباً } .
33 - وفي اختتام الصّلاة ، وتمام الوضوء يندب الاستغفار كما تقدّم .
34 - والاستغفار في نهاية المجلس كفّارةٌ لما يقع في المجلس من لغطٍ ، روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من جلس مجلساً فكثر فيه لغطه ، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : سبحانك اللّهمّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك ، إلاّ غفر له ما كان في مجلسه ذلك » .
35 - ومن آكد أوقات الاستغفار : السّحر - آخر اللّيل - لقوله تعالى : { وبالأسحار هم يستغفرون } وللخبر الصّحيح : « ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلةٍ إلى سماء الدّنيا حين يبقى ثلث اللّيل الأخير ، فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ » .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:01 PM

استغلالٌ *
انظر : استثمارٌ .
استفاضةٌ *
التعريف :
1 - الاستفاضة في اللّغة : مصدر استفاض . يقال : استفاض الحديث والخبر وفاض بمعنى : ذاع وانتشر . ولا يخرج استعمال الفقهاء والمحدّثين له عن المعنى اللّغويّ .
الحكم الإجماليّ :
2 - الاستفاضة مستندٌ للشّهادة ، يستند إليها الشّاهد في شهادته ، فتقوم مقام المعاينة في أمورٍ معيّنةٍ يأتي بيانها . ولذلك يطلق عليها الفقهاء " الشّهادة بالاستفاضة " ويطلقون عليها أيضاً " الشّهادة بالسّماع " أو بالتّسامع ، أو بالشّهرة ، أو بالاشتهار ، وهم في كلّ ذلك يقصدون الشّهادة بسماع ما شاع واشتهر بين النّاس .
ويقول عنها ابن عرفة المالكيّ : " شهادة السّماع " لقبٌ لما يصرّح الشّاهد فيه بإسناد شهادته لسماع غير معيّنٍ . ويقول عنها بعض الحنفيّة : الشّهرة الشّرعيّة .
3 - هذا وإنّ شهادة الاستفاضة تكون في الأمور الّتي مبناها على الاشتهار ، كالموت ، والنّكاح ، والنّسب ، لأنّه يتعذّر العلم غالباً بدون الاستفاضة ، ولأنّه يختصّ بمعاينة أسبابها خواصّ من النّاس ، فلو لم تقبل فيها الشّهادة بالتّسامع لأدّى إلى الحرج وتعطيل الأحكام ، كما يقول الفقهاء .
4 - والفقهاء جميعاً متّفقون على جواز الشّهادة بالاستفاضة . إلاّ أنّهم يختلفون في أمورٍ :
5 - أ - شرط التّسامع . وهو الشّهادة بالتّسامع من جماعةٍ يؤمن تواطؤهم على الكذب ، وذلك عند الشّافعيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، ومحمّدٍ من الحنفيّة . وقيل : يكفي رجلان عدلان ، أو رجلٌ وامرأتان ، وهو قول الخصّاف من الحنفيّة ، والقاضي من الحنابلة ، وبعض الشّافعيّة . مع تفصيلٍ للفقهاء في ذلك ينظر في ( شهادةٌ ) .
6 - ب - الأمور الّتي تثبت بها الشّهادة بالتّسامع . وقد اختلفت أقوال الفقهاء في ذلك ، لكنّهم يتّفقون في جوازها : في الموت ، والنّكاح ، والنّسب ، وعدّ ابن عابدين من الحنفيّة عشرة أمورٍ تجوز فيها الشّهادة بالاستفاضة ، وفي مغني المحتاج للشّافعيّة أكثر من عشرةٍ ، ومثلها عند الحنابلة . وقد توسّع المالكيّة في ذلك فعدّوا أشياء كثيرةً تثبت بالسّماع الفاشي ، كالملك ، والوقف ، وعزل القاضي ، والجرح ، والتّعديل ، والكفر ، والإسلام ، والسّفه ، والرّشد ، والهيئة ، والصّدقة ، والولادة ، والحرابة . وغير ذلك ( ر : شهادةٌ ) .
7 - ج - وهل إذا صرّح بأنّه بنى شهادته على السّماع تقبل أو تردّ ؟
فيه خلافٌ بين المذاهب ينظر في مصطلح ( شهادةٌ ) كذلك .
الحديث المستفيض :
8 - الحديث المستفيض اسمٌ من أسماء الحديث ( المشهور ) وهو من الآحاد ، إلاّ أنّه ممّا يقيّد به المطلق ، يخصّص به العامّ عند الحنفيّة ، وغيرهم . وتعريفه عند الحنفيّة : أنّه ما رواه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم واحدٌ أو اثنان من الصّحابة ، أو يرويه عن الصّحابيّ واحدٌ أو اثنان ، ثمّ ينتشر بعد ذلك ، فيرويه قومٌ يؤمن تواطؤهم على الكذب . ويفيد اليقين ، ولكنّه أضعف ممّا لا يفيده الخبر المتواتر . وعند غير الحنفيّة : كلّ حديثٍ لا يقلّ عدد رواته عن ثلاثةٍ في أيّ طبقةٍ من طبقات السّند ، ولم يبلغ مبلغ التّواتر .
9 - وأمّا ذيوع الحدث ، كرؤية الهلال فإنّه يترتّب عليه لزوم الصّوم في رمضان ، ووجوب الفطر في أوّل شوّالٍ ، والوقوف بعرفة في شهر ذي الحجّة ، على تفصيلٍ يرجع إليه في موطنه من كتب الفقه .
مواطن البحث :
10 - مواطن البحث في الاستفاضة ينظر في الشّهادة بالاستفاضة في باب الشّهادة عند الفقهاء ، وفي الصّوم عند الكلام عن رؤية الهلال ، ويرجع إلى الملحق الأصوليّ فيما يتعلّق بالحديث المستفيض .
استفتاءٌ *
انظر : فتوى .
استفتاحٌ *
التعريف : المعنى اللّغويّ :
1 - الاستفتاح : طلب الفتح ، والفتح نقيض الإغلاق . ومنه فتح الباب ، واستفتحه : إذا طرقه ليفتح له . ويكون الفتح أيضاً بمعنى القضاء والحكم ، ومنه قول اللّه تعالى مخبراً عن شعيبٍ : { ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين } . وفي حديث ابن عبّاسٍ : ما كنت أدري ما قول اللّه تعالى : { ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ } حتّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك ، أي أحاكمك .
والاستفتاح طلب القضاء . ويكون الفتح بمعنى النّصر ، واستفتح : طلب النّصر . ومنه الآية : { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } . وفي تاج العروس : في المستدرك على ما قاله الفيروز آباديّ : إنّ فتح عليه يكون بمعنى عرّفه وعلّمه . قال : وقد فسّر به قوله تعالى : { قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم } .
المعنى الاصطلاحيّ :
2 - يستعمل الفقهاء الاستفتاح بمعانٍ :
الأوّل : استفتاح الصّلاة ، وهو الذّكر الّذي الّذي تبدأ به الصّلاة بعد التّكبير . وقد يقال له : دعاء الاستفتاح . وإنّما سمّي بذلك لأنّه أوّل ما يقوله المصلّي بعد التّكبير ، فهو يفتتح به صلاته ، أي يبدؤها به .
الثّاني : استفتاح القارئ إذا ارتجّ عليه ، أي استغلق عليه باب القراءة ، فلم يتمكّن منها ، فهو يعيد الآية ويكرّرها ليفتح عليه من يسمعه .
الثّالث : طلب النّصرة .
استفتاح الصّلاة :
3 - يعبّر عنه بعض الفقهاء أيضاً بدعاء الاستفتاح ، وبالافتتاح ، وبدعاء الافتتاح . إلاّ أنّ الأكثر يقولون : الاستفتاح . واستفتح : أي قال الذّكر الوارد في موضعه بعد التّكبير .
الألفاظ ذات الصّلة :
الثّناء :
4 - الثّناء لغةً : المدح ، وفي الاصطلاح : ما كان من ذكر اللّه تعالى وصفاً له بأوصافه الحميدة ، وشكراً له على نعمه الجليلة ، سواءٌ كان بالصّيغة الواردة : " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... إلخ " ، أو غيرها ممّا يدلّ على المعنى المذكور .
أمّا الدّعاء فليس ثناءً . وهذا هو الجاري مع الاستعمال اللّغويّ .
وفي اصطلاحٍ آخر : الثّناء لكلّ ما يستفتح به ولو كان دعاءً . قال الإمام الرّافعيّ : وكلّ واحدٍ من هذين الذّكرين ، أعنى " وجّهت وجهي ... " وسبحانك اللّهمّ ... " يسمّى دعاء الاستفتاح وثناءه . وعلى ذلك فالاستفتاح أخصّ من الثّناء .
حكم الاستفتاح :
5 - قال جمهور الفقهاء : الاستفتاح سنّةٌ ، لما ورد في الأحاديث الّتي سيأتي ذكرها في الصّيغ المأثورة في الاستفتاح . وذهبت طائفةٌ من أصحاب الإمام أحمد إلى وجوب الذّكر الّذي هو ثناءٌ ، كالاستفتاح بنحو " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... " وهو اختيار ابن بطّة وغيره ، وذكر هذا روايةً عن أحمد . وخالف في ذلك مالكٌ ، ففي المدوّنة قال ابن القاسم : كان مالكٌ لا يرى هذا الّذي يقول النّاس " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدّك ، ولا إله غيرك " . وكان لا يعرفه . ثمّ نقل من رواية ابن وهبٍ بسنده إلى أنس بن مالكٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ وعمر وعثمان كانوا يفتتحون الصّلاة بالحمد للّه ربّ العالمين » : قال : وقال مالكٌ : من كان وراء الإمام ، ومن هو وحده ، ومن كان إماماً فلا يقل : " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك ... إلخ " . ولكن يكبّرون ثمّ يبتدئون القراءة . وقد صرّح فقهاء المالكيّة بأنّ الحكم كراهة الفصل بين التّكبير والقراءة بدعاءٍ . سواءٌ أكان دعاء الاستفتاح أو غيره . إلاّ أنّ في كفاية الطّالب : أنّ هذا هو المشهور عن مالكٍ ، ثمّ قال : واستحبّ بعضهم الفصل بينهما بلفظ : " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... إلخ " .
وقال العدويّ معلّقاً على ذلك : في قوله والمشهور عن مالكٍ إلخ إشارةً إلى أنّ هذا القول لمالكٍ " إلاّ أنّه ليس مشهوراً عنه . ثمّ قد جاء في جواهر الإكليل تعليقاً على قول خليلٍ بالكراهة : أي يكره على المشهور للعمل ، وإن صحّ الحديث به - يعني ما قاله الدّسوقيّ : لأنّه لم يصحبه عملٌ - ثمّ قال : وعن مالكٍ ندب قوله قبلها - أي قبل تكبيرة الإحرام - : سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... إلخ ، وجّهت وجهي ... إلخ ، اللّهمّ باعد ... إلخ . قال ابن حبيبٍ : يقوله بعد الإقامة وقبل الإحرام . قال في البيان : وذلك حسنٌ .. ا هـ . وكذلك نقل الرّافعيّ من الشّافعيّة عن مالكٍ قوله : لا يستفتح بعد التّكبير إلاّ بالفاتحة ، والدّعاء والتّعوّذ يقدمهما على التّكبير . فكأنّ خلاف المالكيّة في الاستفتاح راجعٌ إلى موضعه ، فعندهم يكون قبل التّكبير ، وعند غيرهم بعده . هذا وقد استثنى الشّافعيّة حالة خشية خروج الوقت قبل تمام الصّلاة ، فلا يأتي بدعاء الاستفتاح إلاّ حيث لم يخف خروج شيءٍ من الصّلاة عن وقتها ، فإن خاف خروج شيءٍ من الصّلاة عن الوقت حرم الإتيان بدعاء الاستفتاح . وهو في هذا مخالفٌ لبقيّة سنن الصّلاة ، فإنّ السّنن يأتي بها إذا أحرم في وقتٍ يسعها وإن لزم صيرورتها قضاءً ، قال الشبراملسي : ويمكن الفرق بين الافتتاح وبقيّة السّنن بأنّه عهد طلب ترك دعاء الافتتاح في الجنازة ، وفيما لو أدرك الإمام في ركوعٍ أو اعتدالٍ ، فانحطّت رتبته عن بقيّة السّنن . أو بأنّ السّنن شرعت مستقلّةً وليست مقدّمةً لشيءٍ ، بخلاف دعاء الافتتاح ، فإنّه شرع مقدّمةً لغيره ، يعني للقراءة . قالوا : ولو خشي إن اشتغل بدعاء الاستفتاح فوت الصّلاة لهجوم الموت عليه فيها ، أو خشيت طروّ دم الحيض ، فلا يشتغل به كذلك .
صيغ الاستفتاح المأثورة :
6 - ورد في الحديث عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم استفتاح الصّلاة بصيغٍ مختلفةٍ أشهرها ثلاثٌ :
الأولى : عن عائشة رضي الله عنها " قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصّلاة قال : سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدّك ، ولا إله غيرك » . وصحّ عن عمر أنّه استفتح به . وجمهور الفقهاء لم يذكروا في هذه الصّيغة " وجلّ ثناؤك " ، وذكرها الحنفيّة . ففي شرح منية المصلّي : إن زاد في دعاء الاستفتاح بعد قوله : وتعالى جدّك " وجلّ ثناؤك " لا يمنع من زيادته ، وإن سكت عنه لا يؤمر به ، لأنّه لم يذكر في الأحاديث المشهورة . وقد روي عن بعض الصّحابة من قولهم .
الثّانية : عن عليٍّ رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصّلاة قال : وجّهت وجهي للّذي فطر السّموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين . إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا من المسلمين » - وفي روايةٍ : « وأنا أوّل المسلمين - اللّهمّ أنت الملك لا إله إلاّ أنت ، أنت ربّي ، وأنا عبدك ، ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ذنوبي جميعاً ، إنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت ، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلاّ أنت ، واصرف عنّي سيّئها لا يصرف عنّي سيّئها إلاّ أنت ، لبّيك وسعديك ، والخير كلّه في يديك ، والشّرّ ليس إليك ، أنا بك وإليك ، تباركت وتعاليت ، أستغفرك وأتوب إليك » .
هل يقول ( وأنا من المسلمين ) أو ( أوّل المسلمين ) ؟ :
7 – ودعاء التّوجّه الّذي تضمّنه حديث عليٍّ رضي الله عنه ، وردت فيه هذه الكلمة بروايتين : الأولى " وأنا من المسلمين " والثّانية " وأنا أوّل المسلمين " وكلتا الرّوايتين صحيحتان . فلو قال المستفتح : " وأنا من المسلمين "- وهو الأولى- فهو موافقٌ للسّنّة ، ولا خلاف في ذلك . وإن قال : " وأنا أوّل المسلمين " ففي قولٍ عند الحنفيّة : تفسد صلاته ، لأنّ قوله هذا كذبٌ ، فليس هو أوّل المسلمين من هذه الأمّة ، بل أوّلهم محمّدٌ صلى الله عليه وسلم . والأصحّ عندهم أنّ صلاته لا تفسد ، لأنّه تالٍ للآية وحاكٍ لا مخبرٌ . ومن أجل ذلك إذا قصد الإخبار كان كاذباً ، وتفسد صلاته قطعاً . وكذا قال الإمام الشّافعيّ في الأمّ : يجعل مكان " وأنا أوّل المسلمين : وأنا من المسلمين " . وقال البيجوريّ : أو يقول وأنا أوّل المسلمين ، نظراً للفظ الآية ، ولا يقصد بذلك أنّه أوّل المسلمين حقيقةً وإلاّ كفر . أي لإنكاره إسلام المسلمين قبله . وقال ابن علاّن : ظاهر كلام أئمّتنا أنّ المرأة تقول : " وما أنا من المشركين " ، وتقول : " وأنا من المسلمين " ، لأنّ مثل ذلك سائغٌ لغةً ، شائعٌ استعمالاً .
وفي التّنزيل { وكانت من القانتين } . وقد « لقّن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا من المسلمين وما أنا من المشركين فاطمة رضي الله عنها في ذبح الأضحيّة » . قال : وقياس ذلك أن تأتي المرأة أيضاً بـ ( حنيفاً مسلماً ) بالتّذكير ، على إرادة الشّخص ، محافظةً على الوارد ما أمكن ، فهما حالان من الفاعل أو المفعول .
الثّالثة : حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا كبّر في الصّلاة سكت هنيهةً قبل القراءة . فقلت يا رسول اللّه : بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه ، في إسكاتك بين التّكبير والقراءة ما تقول ؟ قال : أقول : اللّهمّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب . اللّهمّ نقّني من خطاياي كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس . اللّهمّ اغسلني من خطاياي بالثّلج وبالماء والبرد » .
مذاهب الفقهاء في الصّيغة المختارة :
8 - اختلف الفقهاء فيما يختارونه من الصّيغ المأثورة على أقوالٍ :
الأوّل : قال جمهور الحنفيّة ، والحنابلة : يستفتح ب ( سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... إلخ ) مقتصراً عليه ، فلا يأتي ب ( وجّهت وجهي ... إلخ ) ولا غيره في الفريضة .
الثّاني : مذهب الشّافعيّة في معتمدهم ، وقول الآجرّيّ من الحنابلة : اختيار الاستفتاح بما في خبر عليٍّ " وجّهت وجهي ... " . قال النّوويّ من الشّافعيّة : والّذي يلي هذا الاستفتاح في الفضل حديث أبي هريرة يعني " اللّهمّ باعد ... إلخ " .
الثّالث : مذهب أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ، وجماعةٍ من الشّافعيّة ، منهم أبو إسحاق المروزيّ ، والقاضي أبو حامدٍ ، وهو اختيار الوزير ابن هبيرة من أصحاب الإمام أحمد : أن يجمع بين الصّيغتين الواردتين " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... " " ووجّهت وجهي ... " ونسبه صاحب الإنصاف إلى ابن تيميّة هذا ، وقد استحبّ النّوويّ أيضاً أن يكون الاستفتاح بمجموع الصّيغ الواردة كلّها لمن صلّى منفرداً ، وللإمام إذا أذن له المأمومون وجميع الآراء السّابقة إنّما هي بالنّسبة للفريضة .
أمّا في النّافلة ، وخاصّةً في صلاة اللّيل ، فقد اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على الجمع بين الثّناء ودعاء التّوجّه . قال ابن عابدين : لحمل ما ورد من الأخبار عليها ، فيقوله - أي التّوجّه - في صلاة اللّيل ، لأنّ الأمر فيها واسعٌ . وفي صحيح مسلمٍ « أنّه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصّلاة » - وفي روايةٍ « إذا استفتح الصّلاة - كبّر ثمّ قال : وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفاً ... » وكذا قال أحمد عن سائر الأخبار في الاستفتاح سوى " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... " : إنّما هي عندي في التّطوّع .
كيفيّة الإتيان بدعاء الاستفتاح ، وموضعه :
الإسرار بدعاء الاستفتاح :
9 - اتّفق القائلون بسنّيّة الاستفتاح ، على أنّ سنّته أن يقوله المصلّي سرّاً ، سواءٌ أكان إماماً أم مأموماً أم منفرداً ، ودليله حديث أبي هريرة المتقدّم . وأمّا ما ورد من فعل عمر رضي الله عنه أنّه كان يجهر بهذه الكلمات : " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... " فقد حمله الفقهاء على قصد تعليمه النّاس . قال النّوويّ من الشّافعيّة : السّنّة فيه الإسرار ، فلو جهر به كان مكروهاً ، ولا تبطل صلاته .
موضع الاستفتاح من الصّلاة :
10 - تقدّم أنّ المالكيّة يخالفون في موضع الاستفتاح ، فيمنعون وقوعه بين التّكبير والقراءة ، وأنّ ابن حبيبٍ منهم صرّح بأنّه يأتي به قبل تكبيرة الإحرام ( ف 5 ) .
أمّا جمهور الفقهاء غير المالكيّة فعندهم أنّ الاستفتاح في الرّكعة الأولى ، بعد تكبيرة الإحرام ، وقبل التّعوّذ والشّروع في القراءة . وبعض من اختار منهم الاستفتاح " بسبحانك اللّهمّ وبحمدك ... " أجاز أن يقول دعاء التّوجّه قبل تكبيرة الإحرام والنّيّة ( ف 5 ) وقد سبق ما يتّصل بموضع الاستفتاح عند الفقهاء .
ويتعلّق بهذا الأمر مسألتان :
الأولى : عند الشّافعيّة والحنابلة سنّته أن يتّصل بتكبيرة الإحرام ، بمعنى ألاّ يفصل بين تكبيرة الإحرام وبين الاستفتاح تعوّذٌ أو دعاءٌ ، أو قراءةٌ . واستثنى الشّافعيّة - كما في حاشية القليوبيّ - تكبيرات العيد فلا يفوت الاستفتاح بقولها ، لندرتها . أمّا لو كبّر تكبيرة الإحرام ، ثمّ سكت ، ثمّ استفتح فلا بأس . فلو كبّر ، ثمّ تعوّذ سهواً أو عمداً لم يعد إلى الاستفتاح ، لفوات محلّه ، ولا يتداركه في باقي الرّكعات . قال النّوويّ من الشّافعيّة : وهذا هو المذهب ، ونصّ عليه الشّافعيّ في الأمّ ، وقال الشّيخ أبو حامدٍ في تعليقه : إذا تركه وشرع في التّعوّذ يعود إليه . وقال النّوويّ : لكن لو خالف . وأتى به بعد التّعوّذ كره ، ولم تبطل صلاته ، لأنّه ذكرٌ ، كما لو دعا أو سبّح في غير موضعه . وسيأتي لهذا المعنى تكميلٌ واستثناءٌ عن الحنابلة في مسألة استفتاح المسبوق .
الثّانية : لا يشرع لترك الاستفتاح عمداً أو سهواً ، أو لجهر الإمام به أو لغير ذلك سجود سهوٍ . وهذا عند كلّ من يرى أنّ الاستفتاح مستحبٌّ ، وهو قول جمهور الحنابلة . أمّا من قال بأنّه واجبٌ - كما تقدّم نقله عن بعض الحنابلة - فينبغي إذا نسيه أن يسجد للسّهو . والعلّة لترك سجود السّهو أنّ السّجود زيادةٌ في الصّلاة ، فلا يجوز إلاّ بتوقيفٍ .
استفتاح المأموم :
11 - لا إشكال في مشروعيّة استفتاح كلٍّ من الإمام والمنفرد ، إلاّ من حيث إنّ الإمام يراعي من خلفه ، من حيث التّطويل والاختصار فيما يستفتح به .
أمّا المأموم فيتعلّق باستفتاحه مسألتان :
الأولى : يستفتح المأموم سواءٌ استفتح إمامه أم لم يستفتح . قال في شرح منية المصلّي من كتب الحنفيّة : تسعة أشياء إذا لم يفعلها الإمام لا يتركها القوم ، فذكر منها : الاستفتاح . وهو يفهم أيضاً من كلام الشّافعيّة والحنابلة .
الثّانية : إذا لم يستفتح المأموم حتّى شرع الإمام في القراءة ، فقد اختلف الفقهاء في هذا على آراءٍ : الأوّل : قال الحنفيّة : لا يأتي المأموم بدعاء الاستفتاح إذا شرع الإمام في القراءة ، سواءٌ أكان الإمام يجهر بقراءته أم يخافت . وفي قولٍ عندهم : يستفتح المأموم إن كان الإمام يخافت بقراءته قال ابن عابدين : وهذا هو الصّحيح ، وعليه الفتوى . وعلّله في الذّخيرة بما حاصله أنّ الاستماع في غير حالة الجهر ليس بفرضٍ ، بل يسنّ .
الثّاني . قال الشّافعيّة : يسنّ للمأموم أن يستفتح ، ولو كان الإمام يجهر والمأموم يسمع قراءته . وفرّقوا بينه وبين قراءة المأموم للسّورة بعد الفاتحة - فإنّه يسنّ للمأموم الإنصات لها - وبين الافتتاح - فيسنّ أن يقرأه - بأنّ قراءة الإمام تعدّ قراءةً للمأموم ، فأغنت عن قراءته ، وسنّ استماعه لها ، ولا كذلك الافتتاح ، فإنّ المقصود منه الدّعاء للإمام ، ودعاء الشّخص لنفسه لا يعدّ دعاءً لغيره . ومع هذا فقد قالوا : يسنّ له الإسراع به إذا كان يسمع قراءة إمامه .
الثّالث : قال الحنابلة : يستحبّ للمأموم أن يستفتح في الصّلوات الّتي يسرّ فيها الإمام ، أو الّتي فيها سكتاتٌ يمكن فيها القراءة . وفي كشّاف القناع : أنّ المأموم يستفتح أيضاً ولو كان الإمام يجهر ، إذا كان المأموم لا يسمع قراءته . قالوا : أمّا إن لم يسكت الإمام أصلاً فلا يستفتح المأموم . وإن سكت الإمام قدراً يتّسع للاستفتاح استفتح المأموم على الصّحيح ، فإن كان المأموم ممّن يرى القراءة خلف الإمام استفتح .
استفتاح المسبوق :
12 - عند الحنفيّة : لا يستفتح المسبوق إذا أدرك الإمام حال القراءة ، وفي قولٍ : يستفتح إن كان الإمام يخافت . ثمّ إنّه إذا قام يقضي ما فاته يستفتح مرّةً أخرى . ووجهه : أنّ القيام إلى قضاء ما سبق يعتبر كتحريمةٍ أخرى ، للخروج به من حكم الاقتداء إلى حكم الانفراد . أمّا إن أدركه في الرّكوع أو في السّجدة الأولى من الرّكعة فإنّه يتحرّى في الإتيان بالثّناء ( الاستفتاح ) ، فإن كان أكبر رأيه أنّه لو أتى به يدرك الإمام في شيءٍ من الرّكوع فإنّه يأتي به قائماً ثمّ يركع ، لإمكان إحراز الفضيلتين معاً ، فلا يفوت إحداهما . ومحلّ الاستفتاح هو القيام ، فيفعله فيه . أمّا إن كان أكبر رأيه أنّه لو اشتغل بالاستفتاح لا يدرك الإمام في شيءٍ من الرّكوع ، أو السّجدة الأولى من الرّكعة ، فإنّه يركع ، أو يسجد مع الإمام لئلاّ تفوته فضيلة الجماعة في الرّكعة أو السّجدتين ، وذلك أولى من إحراز فضيلة الثّناء ، لأنّ سنّيّة الجماعة آكد وأقوى من سنّيّته . وعند الشّافعيّة : يستفتح المأموم إذا أدرك الإمام في قيام الرّكعة الأولى أو غيرها ، وغلب على ظنّه أنّه مع اشتغاله به يدرك الفاتحة قبل ركوع إمامه . فإن خاف ألاّ يدرك الفاتحة ، فإنّه يشتغل بها ويترك الاستفتاح ، لأنّها واجبةٌ والاستفتاح سنّةٌ . أمّا لو أدرك المسبوق الإمام في غير القيام : إمّا في الرّكوع ، وإمّا في السّجود ، وإمّا في التّشهّد ، فإنّه يحرم معه ، ويأتي بالذّكر الّذي يأتي به الإمام ، ولا يأتي بدعاء الاستفتاح في الحال ولا فيما بعد . واستثنوا من ذلك حالتين . قال النّوويّ : لو أدرك الإمام في القعود الأخير ، فكبّر للإحرام ، فسلّم الإمام قبل قعوده لا يقعد ، ويأتي بدعاء الاستفتاح . فإن قعد قبل أن يستفتح فسلّم الإمام فقام ، فإنّه لا يأتي بدعاء الاستفتاح . وكذلك قالوا : لو أمّن الإمام يؤمّن المسبوق ، ثمّ يأتي بالاستفتاح ، لأنّ التّأمين فاصلٌ يسيرٌ . وعند الحنابلة : إذا أدرك المسبوق الإمام فيما بعد الرّكعة الأولى لم يستفتح ، بناءً على الرّواية المعتمدة من أنّ ما يدركه المسبوق مع إمامه هو آخر صلاته لا أوّلها ، فإذا قام للقضاء استفتح . نصّ عليه أحمد . أمّا على الرّواية الأخرى عن أحمد - أنّ ما يدركه المسبوق مع إمامه هو أوّل صلاته - فإنّه يستفتح بعد تكبيرة الإحرام . أمّا إذا أدركه في قيام الرّكعة الأولى ، فكما تقدّم في استفتاح المأموم ( ف 9 ) .
الصّلوات الّتي يدخلها الاستفتاح والّتي لا يدخلها :
13 - الاستفتاح - عند غير المالكيّة - سنّةٌ في كلّ الصّلوات وفي جميع الأحوال .
قال النّوويّ : الاستفتاح مستحبٌّ لكلّ مصلٍّ ، من إمامٍ ، ومأمومٍ ، ومنفردٍ ، وامرأةٍ ، وصبيٍّ ، ومسافرٍ ، ومفترضٍ ، ومتنفّلٍ ، وقاعدٍ ، ومضطجعٍ ، وغيرهم . قال : ويدخل فيه النّوافل المرتّبة والمطلقة ، والعيد ، والكسوف في القيام الأوّل ، والاستسقاء .
غير أنّ بعضهم استثنى صلاة الجنازة . وفيها - وفي الاستفتاح في صلاة العيدين ، وصلاة قيام اللّيل - كلامٌ نورده فيما يلي :
أوّلاً : الاستفتاح في صلاة الجنازة :
14 - اختلف الفقهاء في الاستفتاح في صلاة الجنازة على أقوالٍ :
القول الأوّل . قول الحنفيّة : إنّ الاستفتاح فيها سنّةٌ بعد التّكبيرة الأولى ، ويقتصر عليه ، فلا يقرأ الفاتحة ، إذ لا تشرع القراءة عندهم في صلاة الجنازة . قالوا : إلاّ أن يقرأ الفاتحة بنيّة الثّناء ، لا بنيّة القراءة ، ولا يكره ذلك . وقالوا : يقدّم الثّناء على اللّه ( أي بعد التّكبيرة الأولى ) والصّلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم ( أي بعد التّكبيرة الثّانية ) على الدّعاء ، لأنّ سنّة الدّعاء أن يتقدّم عليه حمد اللّه والصّلاة على رسوله .
والقول الثّاني ، وهو أصحّ قولي الشّافعيّة ، والرّواية المعتمدة عند الحنابلة : أنّ صلاة الجنازة مستثناةٌ فلا يشرع فيها استفتاحٌ أصلاً ، قال الشّافعيّة : ولو على غائبٍ أو قبرٍ ، قالوا : لأنّها مبنيّةٌ على التّخفيف والاختصار . ولذلك لم يشرع فيها قراءة سورةٍ بعد الفاتحة . والقول الآخر للشّافعيّة ، والرّواية الأخرى عن الإمام أحمد : أنّه يستحبّ الاستفتاح فيها كغيرها من الصّلوات .
ثانياً : الاستفتاح في صلاة العيد :
15 - مذهب الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والمقدّم عند الحنابلة : أنّ الاستفتاح في صلاة العيد بعد تكبيرة الإحرام وقبل التّكبيرات الأخرى ( الزّوائد ) في أوّل الرّكعة . فيكبّر للإحرام ، ثمّ يثني ، ثمّ يكبّر التّكبيرات ، ثمّ يقرأ الفاتحة . وفي روايةٍ أخرى عن أحمد : يستفتح بعد التّكبيرات الزّوائد ، وقبل القراءة ونقله الكاسانيّ عن ابن أبي ليلى .
ثالثاً : الاستفتاح في النّوافل :
16 - يرى الحنابلة : أنّ صلاة النّافلة إذا كانت بأكثر من سلامٍ واحدٍ كما في التّراويح ، والضّحى ، وصلاة السّنّة الرّاتبة ، إذا كانت أربعاً وصلاّها بسلامين ، فإنّه يستفتح في كلّ ركعتين على الأصل ، لأنّ كلّ ركعتين صلاةٌ مستقلّةٌ . وفي قولٍ آخر عندهم : يكتفي باستفتاح واحدٍ في أوّل صلاته . وإن صلّى النّافلة الرّباعيّة بسلامٍ واحدٍ ، فقد قال الحنفيّة : إنّ النّافلة الرّباعيّة نوعان : النّوع الأوّل : شبّهوه بالفريضة لتأكّده ، وهو الأربع قبل صلاة الظّهر ، والأربع قبل صلاة الجمعة ، والأربع بعد صلاة الجمعة ، فهذا النّوع ليس فيه إلاّ استفتاحٌ واحدٌ فقط ، وهو ما يقوله في أوّل الرّكعة الأولى .
والنّوع الثّاني : ما عدا ذلك من النّوافل ، وفي هذا النّوع استفتاحٌ آخر يقوله في أوّل القيام في الرّكعة الثّالثة . قالوا : وهكذا الحكم لو نذر أن يصلّي أربعاً . ووجّهوه بأنّه وإن كان فرضاً ، إلاّ أنّه في الأصل نفلٌ عرض له الافتراض . قالوا : يستفتح المرّة الأخرى ، لأنّ كلّ اثنتين من الأربع صلاةٌ على حدةٍ ، أي من بعض الأوجه . قال ابن عابدين : وهذه المسألة ليست مرويّةً عن المتقدّمين . وإنّما هي اختيار بعض المتأخّرين . قال : وفي المسألة قولٌ ثانٍ : أنّه يستفتح مرّةً واحدةً فقط كالنّوع الأوّل .
استفتاح القارئ :
17 - الاستفتاح أن يطلب القارئ بقوله أو حالة الفتح إذا ارتجّ عليه ، فلم يعلم ما يقرأ ، سواءٌ أكان في قراءةٍ فنسي ما بعد الآية الّتي يقرؤها ، أم أراد ابتداء القراءة فلم يعلم ما يقول . والفتح عليه أن تخبره بما نسيه . وقد ذكر ابن عابدين أنّه يكره للإمام أن يلجئ المأموم إلى الفتح عليه . وللإمام بدل ذلك أن يركع إذا قرأ قدر الفرض . وإن لم يقرأ قدر الفرض فإنّه يستخلف . وانظر تفصيل ذلك في ( إمامةٌ ) ( وفتحٌ على الإمام ) .
الاستفتاح ( بمعنى الاستنصار ) :
18 - يستحبّ عند القتال أن يدعو المسلمون اللّه تعالى أن يفتح عليهم ، وأن ينصرهم على عدوّهم . وقد روي من ذلك عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أذكارٌ معيّنةٌ في وقائع مختلفةٍ ر : ( دعاءٌ ) و ( جهادٌ ) .
الاستفتاح ( بمعنى طلب العلم بالمغيب ) :
19 - تقدّم أوّل هذا البحث أنّ استعمال هذه الكلمة بهذا المعنى دائرٌ في كلام العوّام . وأنّه يقلّ في كلام الفقهاء . وفي حكمه قولان للفقهاء في استفتاح الفأل في المصحف :
الأوّل : أنّه حرامٌ . نقل عن ابن العربيّ المالكيّ ، وهو ظاهر ما نقله البهوتيّ عن الشّيخ ( ابن تيميّة ) . وصرّح به القرافيّ والطّرطوشيّ من المالكيّة ، قال الطّرطوشيّ : لأنّه من باب الاستقسام بالأزلام ، لأنّ المستقسم يطلب قسمه من الغيب ، وكذلك من أخذ الفأل من المصحف أو غيره إنّما يعتقد هذا المقصد إن خرج جيّداً اتّبعه ، أو رديّاً اجتنبه ، فهو عين الاستقسام بالأزلام الّذي ورد القرآن بتحريمه فيحرم .
الثّاني : أنّه مكروهٌ ، وهو ظاهر كلام الشّافعيّة .
الثّالث : الجواز ، ونقل فعله عن ابن بطّة من الحنابلة .

استفراشٌ *
التعريف :
1 - يقول أهل اللّغة : إذا اتّخذ الرّجل امرأةً للذّةٍ " افترشها " ولم أجد من قال : " استفرشها " . ولكنّ الفقهاء يعبّرون عن ذلك بالاستفراش ، ويقولون عن المرأة : مستفرشةٌ ، ولا يكون ذلك إلاّ في الحلّ . ولا يرد ذكر الاستفراش في كلام الفقهاء - فيما نعلم - إلاّ في موضعين : الأوّل : في الكفّارة في النّكاح . والثّاني : للتّعبير عن التّسرّي .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:01 PM

الألفاظ ذات الصّلة :
الاستمتاع :
2 - الاستمتاع : أعمّ من الاستفراش مطلقاً ، إذ يدخل في الاستمتاع بالحلال والحرام ، ومتعة الحجّ وغيرها .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
3 - الأصل في الاستفراش الإباحة ، وتفصيله في مصطلحي ( نكاحٌ ) ( وتسرّي ) .

استفسارٌ *
التعريف :
1 - الاستفسار في اللّغة : مصدر استفسرته كذا إذا سألته أن يفسّره لي . ولا يختلف معناه في الفقه عنه في اللّغة . وهو عند الأصوليّين : طلب ذكر معنى اللّفظ ، حين تكون فيه غرابةٌ أو إجمالٌ . فالاستفسار عند الأصوليّين أخصّ منه عند أهل اللّغة وأهل الفقه .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - السّؤال :
2 - السّؤال هو : الطّلب ، وهو أعمّ من أن يكون طلب توضيحٍ أو غيره ، كقولك : سألته عن كذا ، وسألت اللّه العافية . أمّا الاستفسار فهو خاصٌّ بطلب التّوضيح .
ب - الاستفصال :
3 - الاستفصال هو طلب التّفصيل ( ر : استفصالٌ ) ، فهو أخصّ من الاستفسار ، لأنّ التّفسير قد يكون بغير التّفصيل ، كما في تفسير اللّفظ بمرادفه .
الحكم الإجماليّ :
4 - حكمه عند الأصوليّين : الاستفسار من آداب المناظرة ، فإذا خفي على المناظر مفهوم كلام المستدلّ لإجمالٍ أو غرابةٍ في الاستعمال استفسره ، وعلى المستدلّ بيان مراده عند الاستفسار ، حتّى لا يكون هناك لبسٌ ولا إيهامٌ ، وحتّى تجري المناظرة على خير الوجوه . مثال الإجمال : أن يقول المستدلّ : يلزم المطلّقة أن تعتدّ بالأقراء ، فيطلب المناظر تفسير القرء ، لأنّه يطلق على الطّهر ، كما يطلق على الحيض . ومثال الغرابة قوله : لا يحلّ السّيّد ( بكسر السّين وسكون الياء ) فيستفسر المناظر معناه ، فيجيبه بأنّه الذّئب .
هذا ، ويعدّ الأصوليّون الاستفسار من جملة الاعتراضات بمعنى القوادح ، ويرتّبونه في أوّلها ، وموطن استيفائه الملحق الأصوليّ .
حكمه عند الفقهاء :
5 - على القاضي أن يستفسر ذوي العلاقة الأمور الغامضة ، ليكون في حكمه على بصيرةٍ ، كاستفساره من أقرّ بشيءٍ مبهمٍ ، واستفساره الشّاهد السّبب ، كما إذا شهدا أنّ بينهما رضاعاً ، فالجمهور على أنّه لا بدّ من التّفصيل .
6 - وقد لا يجب الاستفسار لاعتباراتٍ خاصّةٍ ، كاستفسار من أكره على شرب المسكر ، فإنّه يصدق بيمينه ، ولا يستفسر كيفيّة حصول الإكراه ، درءاً للحدود ما أمكن ، خلافاً للأذرعيّ من الشّافعيّة القائل بوجوب الاستفسار .
مواطن البحث :
7 - بعض الأصوليّين أوردوا المبادئ المنطقيّة ، كمقدّمةٍ لعلم الأصول ، وذكروا الاستفسار ضمنها ، وبعضهم يذكره في مباحث القوادح في الدّليل . كما يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار ، حين الكلام على الإقرار بمبهمٍ ، وفي بحث طلاق المكره من كتاب الطّلاق ، بمناسبة كلامهم على من أكره على شرب المسكر ، هل يستفسر ؟ وفي كتاب الشّهادات ، عند الكلام على ما يجب فيه ذكر سبب الشّهادة ، وفي كتاب القضاء كذلك .

استفصالٌ *
التعريف :
1 - يستفاد من سياق عبارات الأصوليّين والفقهاء أنّ الاستفصال : طلب التّفصيل . ولم ترد هذه الكلمة في المعاجم اللّغويّة الّتي بين أيدينا ، وهي مع ذلك صحيحةٌ ، وقد وردت في كلام الشّافعيّ ، وكفى به حجّةً في لغة العرب .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستفسار :
2 - الاستفسار عند الأصوليّين : طلب ذكر معنى اللّفظ حين تكون فيه غرابةٌ أو خفاءٌ ، وهو عند الفقهاء : طلب التّفسير مطلقاً .
ب - السّؤال :
3 - السّؤال : الطّلب ، وهو أعمّ من أن يكون طلب تفصيلٍ أو غيره .
الحكم الإجماليّ :
حكمه عند الأصوليّين :
4 - ذهب الشّافعيّة إلى أنّ ترك الاستفصال في حكاية الحال ، مع قيام الاحتمال ، ينزل منزلة العموم في المقال . ومثاله « أنّ غيلان الثّقفيّ أسلم على عشر نسوةٍ ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أمسك منهنّ أربعاً ، وفارق سائرهنّ » ولم يسأل عن كيفيّة ورود عقده عليهنّ ، أكان مرتّباً أم في وقتٍ واحدٍ ؟ فكان إطلاق القول ، دالاًّ على أنّه لا فرق بين الحالين .
وفي دلالة ذلك على العموم وعدمه خلافٌ ينظر في الملحق الأصوليّ .
حكمه عند الفقهاء :
5 - يجب على القاضي أن يستفصل في الأمور الأساسيّة المجملة الّتي يتوقّف الحكم الصّحيح على معرفتها ، حتّى يكون مبنيّاً على أمورٍ واضحةٍ لا لبس فيها ولا غموض . كما ورد في حديث ماعزٍ إذ أقرّ بالزّنا ، فلم يرجمه النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ بعد أن استفصل منه فقال : « لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت ؟ قال : لا يا رسول اللّه . قال : أنكتها لا يكني قال فعند ذلك أمر برجمه » . فلم يترك النّبيّ صلى الله عليه وسلم مجالاً لاحتمال التّجوّز .
6 - وهناك أمورٌ ليست بهذه الأهمّيّة فيندب فيها للحاكم الاستفصال ولا يجب ، كما إذا لم يبيّن في الشّهادة على الشّهادة جهة تحمّلها ، ووثق القاضي بمعرفة الشّاهد على الشّاهد بشرائط التّحمّل ، وكان موافقاً للقاضي في تلك المسألة ، فيندب له أن يستفصله ، فيسأله : بأيّ سببٍ ثبت هذا المال ؟ وهل أخبرك به الأصل ( الشّاهد الأصليّ ) أوّلاً وكما إذا شهد المغفّل الّذي لا يضبط دائماً أو غالباً ، وبيّن سبب الشّهادة ، كأشهد أنّ لفلانٍ على فلانٍ ألفاً قرضاً ، فيندب للحاكم استفصاله فيه .
7 - على أنّه قد يمتنع الاستفصال لاعتباراتٍ خاصّةٍ ، كما إذا ادّعى السّارق أنّ المسروق ملكٌ له ، أو ادّعى أنّه أخذ من غير حرزٍ ، أو أنّه دون نصابٍ ، أو أنّ المالك أذن له في الأخذ ، لم يقطع ، ولا يستفصل في دعواه بشيءٍ من ذلك وإن علم كذبه ، نظراً إلى أنّ الحدود تدرأ بالشّبهات .
مواطن البحث :
8 - يذكر الأصوليّون الاستفصال في مباحث العامّ مع صيغ العموم . كما يذكره الفقهاء في أبواب : القذف واللّعان ، والسّرقة ، والشّهادات على النّحو الّذي تقدّم .

استقاءةٌ *
التعريف :
1 - الاستقاءة : طلب القيء ، وهو استخراج ما في الجوف عمداً .
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللّغويّ . فإن ذرعه القيء أي : غلبه وسبقه فهو يختلف عن الاستقاءة الّتي بها طلبٌ واستدعاءٌ .
الحكم الإجماليّ :
2 - الاستقاءة الواردة عند الفقهاء أكثر ما يكون ورودها في الصّيام ، لتأثيرها فيه .
ويرى جمهور الفقهاء أنّ الصّائم إذا استقاء متعمّداً أفطر ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ذرعه القيء وهو صائمٌ فليس عليه قضاءٌ ، ومن استقاء فليقض » .
وعند الحنفيّة : إن استقاء عامداً ملء الفم أفطر ، لأنّ ما دون ملء الفم تبعٌ للرّيق .
مواطن البحث :
3 - يأتي الكلام عن الاستقاءة في الغالب في باب الصّوم ، عند الكلام عمّا يفسد الصّيام . كما ترد في نواقض الوضوء .
استقبالٌ *
التعريف :
1 - الاستقبال في اللّغة : مصدر استقبل الشّيء إذا واجهه ، والسّين والتّاء فيه ليستا للطّلب ، فاستفعل هنا بمعنى فعل ، كاستمرّ واستقرّ ومثله المقابلة . ويقابله بهذا المعنى الاستدبار . ويرد الاستقبال في اللّغة أيضاً بمعنى : الاستئناف ، يقال اقتبل الأمر واستقبله : إذا استأنفه . وقد استعمله الفقهاء بهذين الإطلاقين فيقولون : استقبال القبلة أي مقابلتها ويقولون : استقبل حول الزّكاة أي : ابتدأه واستأنفه . وزاد الشّافعيّة إطلاقه على طلب القبول الّذي يقابل الإيجاب في العقود ، فقالوا : يصحّ البيع بالاستقبال ، ومثّلوا له بنحو : اشتر منّي ، فإنّه استقبالٌ قائمٌ مقام الإيجاب ، ومثل البيع الرّهن ، فيصحّ بنحو : ارتهن داري بكذا .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستئناف :
2 - الاستئناف : ابتداء الأمر ، وعليه فهو مرادفٌ للاستقبال في أحد إطلاقاته .
ب - المسامتة :
3 - المسامتة بمعنى : المقابلة والموازاة ، وهي مرادفةٌ للاستقبال عند الّذين فسّروا الاستقبال بمعنى التّوجّه إلى الشّيء بعينه بلا انحرافٍ يمنةً ولا يسرةً .
وأمّا الّذين لم يشترطوا في الاستقبال هذا الشّرط كالمالكيّة فإنّهم فرّقوا بينهما ، فخصّوا المسامتة باستقبال عين الشّيء تماماً بجميع البدن ، وجعلوا الاستقبال أعمّ من ذلك ، لصدقه بخروج شيءٍ من البدن عن محاذاة العين .
ج - المحاذاة :
4 - المحاذاة بمعنى : الموازاة . وما قيل في المسامتة يقال هنا أيضاً .
د - الالتفات :
5 - الالتفات صرف الوجه ذات اليمين أو الشّمال . وقد يراد به الانحراف بالوجه والصّدر أيضاً كما ورد في مسند الإمام أحمد : « فجعلت تلتفت خلفها » ومعلومٌ أنّ التّحوّل إلى خلفٍ لا يكون إلاّ بالوجه والصّدر .
6 - هذا والاستقبال عند الفقهاء قد يكون إلى القبلة ، وقد يكون إلى غير القبلة .
واستقبال القبلة قد يكون في الصّلاة ، وقد يكون في غيرها وسيأتي بيان هذه الأقسام واحداً بعد الآخر .
استقبال القبلة في الصّلاة :
7 - المراد بالقبلة موضع الكعبة ، لأنّه لو نقل بناؤها إلى موضعٍ آخر وصلّي إليه لم يجز . وسمّيت بذلك لأنّ النّاس يقابلونها في صلاتهم .
وما فوق الكعبة إلى السّماء يعدّ قبلةً ، وهكذا ما تحتها مهما نزل ، فلو صلّى في الجبال العالية والآبار العميقة جاز ما دام متوجّهاً إليها ، لأنّها لو زالت صحّت الصّلاة إلى موضعها ، ولأنّ المصلّي على الجبل يعدّ مصلّياً إليها .
استقبال الحجر :
8 - ذكر الحنفيّة والمالكيّة أنّه لو استقبل المصلّي الحجر دون الكعبة لم يجزه ، لأنّ كونه من البيت مظنونٌ لا مقطوعٌ به ، وهو لا يكتفى به في القبلة احتياطاً ، وهذا هو الصّحيح عند الشّافعيّة . وذهب الحنابلة واللّخميّ من المالكيّة إلى جواز الصّلاة إلى الحجر ، لأنّه من البيت ، للحديث الصّحيح أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « الحجر من البيت » .
وفي روايةٍ : « ستّ أذرعٍ من الحجر من البيت » ولأنّه لو طاف فيه لم يصحّ طوافه . وهو وجهٌ مشهورٌ عند الشّافعيّة ، وإن كان خلاف الأصحّ في مذهبهم ، وقدّره الحنابلة بستّ أذرعٍ وشيءٍ ، فمن استقبل عندهم ما زاد على ذلك لم تصحّ صلاته ألبتّة . على أنّ هذا التّقدير بالنّسبة لغير الطّواف ، أمّا بالنّسبة له فلا بدّ من خروجه عن جميعه احتياطاً .
حكم استقبال القبلة في الصّلاة :
9 - لا خلاف في أنّ من شروط صحّة الصّلاة استقبال القبلة ، لقوله تعالى : { فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } أي جهته .
ويستثنى من ذلك أحوالٌ لا يشترط فيها الاستقبال ، كصلاة الخوف ، والمصلوب ، والغريق ، ونفل السّفر المباح وغيرها ، ونصّوا على أنّ نيّة الاستقبال ليست بشرطٍ على الرّاجح ، انظر الكلام على النّيّة في الصّلاة .
ترك الاستقبال :
10 - ذكر الحنفيّة أنّ من مفسدات الصّلاة تحويل المصلّى صدره عن القبلة بغير عذرٍ اتّفاقاً ، وإن تعمّد الصّلاة إلى غير القبلة على سبيل الاستهزاء يكفر ، وهذا متّفقٌ مع القواعد العامّة للشّريعة . وفصّل الحنفيّة فيما إذا صلّى بلا تحرٍّ فظهر أنّه أصاب القبلة أثناء الصّلاة بطلت صلاته ، لبناء القويّ على الضّعيف ، فإن ظهر ذلك بعد الصّلاة صحّت صلاته ، لأنّ ما فرض لغيره - كالاستقبال المشروط لصحّة الصّلاة - يشترط حصوله لا تحصيله ، وقد حصل وليس فيه بناء القويّ على الضّعيف .
وقال المالكيّة : إن أدّاه اجتهاده لجهةٍ فخالفها وصلّى متعمّداً بطلت صلاته وإن صادف القبلة ، ويعيد أبداً . وأمّا لو صلّى لغيرها ناسياً وصادف القبلة فهل يجري فيه من الخلاف ما يجري في النّاسي إذا أخطأ ، أو يجزم بالصّحّة لأنّه صادف وهو الظّاهر ؟ .
وذكر الشّافعيّة أنّه لا يسقط استقبالها بجهلٍ ولا غفلةٍ ولا إكراهٍ ولا نسيانٍ ، فلو استدبر ناسياً لم يضرّ لو عاد عن قربٍ . ويسنّ عند ذلك أن يسجد للسّهو لأنّ تعمّد الاستدبار مبطلٌ . وهذا بخلاف ما لو أميل عنها قهراً فإنّها تبطل ، وإن قلّ الزّمن لندرة ذلك . ولو دخل في الصّلاة باجتهادٍ ثمّ ظهر الخطأ بطلت صلاته .
وأطلق الحنابلة القول بأنّ من مبطلات الصّلاة استدبار القبلة حيث شرط استقبالها . كما نصّوا في باب شروط الصّلاة على أنّ هذه الشّروط لا تسقط عمداً أو سهواً أو جهلاً . هذا ، ولا بدّ من القول أنّ المالكيّة والحنابلة نصّوا على أنّ المصلّي إذا حوّل وجهه وصدره عن القبلة لم تفسد صلاته ، حيث بقيت رجلاه إلى القبلة . ونصّ المالكيّة على أنّه يكره له ذلك بلا ضرورةٍ ، وقالوا : إنّ هذه الكراهة في حقّ معاين الكعبة حيث لم يخرج شيءٌ من بدنه ، فإن خرج منه شيءٌ ولو أصبعاً من سمتها بطلت صلاته .
ما يتحقّق به استقبال القبلة في الصّلاة :
11 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يشترط في استقبال القبلة في الصّلاة أن يكون بالصّدر لا بالوجه ، خلافاً لما قد يتوهّم من ظاهر قوله تعالى : { فولّ وجهك شطر المسجد الحرام } لأنّ المراد بالوجه هنا الذّات ، والمراد من الذّات بعضها وهو الصّدر فهو مجازٌ مبنيٌّ على مجازٍ . ونصّ الشّافعيّة على أنّه لا يشترط الاستقبال بالقدمين .
أمّا الاستقبال بالوجه فهو سنّةٌ ، وتركه مكروهٌ عند الأئمّة الأربعة . وهذا في حقّ القائم والقاعد . أمّا الّذي يصلّي مستلقياً أو مضطجعاً لعجزه فيجب عليهما الاستقبال بالوجه ، على تفصيلٍ يذكر في صلاة المريض . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يشترط في الاستقبال التّوجّه بالصّدر أيضاً ، وإنّما الّذي لا بدّ منه فهو التّوجّه بالرّجلين . على أنّ الفقهاء تعرّضوا لأعضاءٍ أخرى يستقبل بها المصلّي القبلة في مناسباتٍ كثيرةٍ في كتاب الصّلاة ، نكتفي بالإشارة إلى بعضها دون تفصيلٍ لكونها بتلك المواطن ألصق ، ولسياق الفقهاء أنسب من جهةٍ ، وتفادياً للتّكرار من جهةٍ أخرى . ومن ذلك : استحباب الاستقبال ببطون أصابع اليدين في تكبيرة الإحرام وباليدين وبأصابع الرّجلين في السّجود ، وبأصابع يسراه في التّشهّد . وذلك حين الكلام على " صفة الصّلاة " . فمن أرادها بالتّفصيل فليرجع إلى مواطنها هناك .
استقبال المكّيّ للقبلة :
استقبال المكّيّ المعاين :
12 - لا خلاف بين المذاهب الأربعة في أنّ من كان يعاين الكعبة فعليه إصابة عينها في الصّلاة ، أي مقابلة ذات بناء الكعبة يقيناً ، ولا يكفي الاجتهاد ولا استقبال جهتها ، لأنّ القدرة على اليقين والعين تمنع من الاجتهاد والجهة المعرّضين للخطأ . وأيضاً فإنّ من انحرف عن مقابلة شيءٍ فهو ليس متوجّهاً نحوه . وذكر المالكيّة والشّافعيّة وابن عقيلٍ من الحنابلة - وأقرّوه - أنّ المصلّي في مكّة وما في حكمها ممّن تمكنه المسامتة لو استقبل طرفاً من الكعبة ببعض بدنه وخرج باقيه - لو عضواً واحداً - عن استقبالها لم تصحّ صلاته . وفي قولٍ عند الشّافعيّة والحنابلة يكفي التّوجّه ببعض بدنه .
صلاة الجماعة قرب الكعبة :
13 - ذكر الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - وهو ما يستفاد من كلام الحنابلة - أنّه إن امتدّ صفٌّ طويلٌ بقرب الكعبة وخرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلاته ، لعدم استقبالهم لها ، بخلاف البعد عنها ، فيصلّون في حالة القرب دائرةً أو قوساً إن قصروا عن الدّائرة ، لأنّ الصّلاة بمكّة تؤدّى هكذا من لدن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا .
استقبال المكّيّ غير المعاين :
14 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ من بينه وبين الكعبة حائلٌ فهو كالغائب على الأصحّ ، فيكفيه استقبال الجهة ، وسيأتي تفصيل مذهبهم في إصابة الجهة في " استقبال البعيد عن مكّة " . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أن من لم يصلّ بالمسجد من أهل مكّة ومن ألحق بهم عليه إصابة العين ، وهو قولٌ ضعيفٌ عند الحنفيّة . وتفصيل مذهب الحنابلة أنّهم أوجبوا إصابة العين يقيناً على من كان من أهل مكّة أو ناشئاً بها من وراء حائلٍ محدثٍ كالحيطان .
وأمّا من لم يكن من أهلها وهو غائبٌ عن الكعبة ففرضه الخبر ، كما إذا وجد مخبراً يخبره عن يقينٍ ، أو كان غريباً نزل بمكّة فأخبره أهل الدّار بها .
وعند الشّافعيّة يجب على من نشأ بمكّة وهو غائبٌ عن الكعبة إصابة العين إن تيقّن إصابتها ، وإلاّ جاز له الاجتهاد لما في تكليفه المعاينة من المشقّة إذا لم يجد ثقةً يخبره عن علمٍ .
الاستقبال عند صلاة الفريضة في الكعبة :
15 -ذهب جمهور العلماء إلى صحّة صلاة الفريضة داخل الكعبة . منهم الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والثّوريّ ، لحديث بلالٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى في الكعبة » . قال الحنفيّة : ولأنّ الواجب استقبال جزءٍ منها غير معيّنٍ ، وإنّما يتعيّن الجزء قبلةً بالشّروع في الصّلاة والتّوجّه إليه . ومتى صار قبلةً فاستدبار غيره لا يكون مفسداً . وعلى هذا ينبغي أنّه لو صلّى ركعةً إلى جهةٍ أخرى لم يصحّ ، لأنّه صار مستدبراً الجهة الّتي صارت قبلةً في حقّه بيقينٍ بلا ضرورةٍ . ومذهب المالكيّة والحنابلة لا تصلّى الفريضة والوتر في الكعبة ، لأنّها من المواطن السّبع الّتي نهى عنها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كما سيأتي قريباً ، ولما في ذلك من الإخلال بالتّعظيم ، ولقوله تعالى : { وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } قالوا : والشّطر : الجهة . ومن صلّى فيها أو على سطحها فهو غير مستقبلٍ لجهتها ، ولأنّه قد يكون مستدبراً من الكعبة ما لو استقبله منها وهو في خارجها صحّت صلاته ، ولأنّ النّهي عن الصّلاة على ظهرها قد ورد صريحاً في حديث عبد اللّه بن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « سبع مواطن لا تجوز فيها الصّلاة : ظهر بيت اللّه والمقبرة » ... إلخ ، وفيه تنبيهٌ على النّهي عن الصّلاة فيها لأنّها سواءٌ في المعنى . وتوجّه المصلّي في داخلها إلى الجدار لا أثر له ، إذ المقصود البقعة ، بدليل أنّه يصلّي للبقعة حيث لا جدار .
وإنّما جاز على أبي قبيسٍ مع أنّه أعلى من بنائها لأنّ المصلّي عليه مصلٍّ لها ، وأمّا المصلّي على ظهرها فهو فيها . وهناك قولٌ للمالكيّة بجواز الصّلاة في الكعبة مع الكراهة .
الاستقبال عند صلاة الفريضة فوق الكعبة :
16 - وأمّا صلاة الفريضة على ظهر الكعبة فقد أجازها الحنفيّة والشّافعيّة ، لكن مع الكراهة عندهم . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى عدم جواز الفرض والوتر عليها لما تقدّم في المسألة السّابقة .
صلاة النّافلة في الكعبة وعليها :
17 - ذهب الأئمّة الأربعة إلى جواز صلاة النّفل المطلق داخل الكعبة ،« لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى فيها »، وللأدلّة السّابقة على صحّة صلاة الفريضة ، وأمّا السّنن الرّواتب فذهب جمهور الفقهاء إلى جوازها في الكعبة كذلك . وللمالكيّة ثلاثة أقوالٍ : الحرمة بأدلّتهم على منع الفريضة ، والجواز قياساً على النّفل المطلق ، والثّالث الكراهة وهو الرّاجح . وذهب أصبغ من المالكيّة ومحمّد بن جريرٍ وابن عبّاسٍ رضي الله عنهما فيما حكي عنه إلى أنّه لا تصحّ صلاة النّافلة فيها . أمّا صلاة النّافلة على ظهرها فتجوز عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وفي قولٍ للمالكيّة بناءً على أنّه يكفي استقبال الهواء أو استقبال قطعةٍ من البناء ولو من حائط السّطح .
هذا ، وقد نصّ الشّافعيّة على جوازها مع الكراهة لبعده عن الأدب كما تقدّم في الفريضة . هذا ، وما ورد في شأن الصّلاة في الكعبة يرد في الحجر ( الحطيم ) لأنّه جزءٌ من الكعبة .
18 - وذهب الحنفيّة والمالكيّة ، إلى أنّ الصّلاة الّتي تجوز في الكعبة ، تصحّ لأيّ جهةٍ ولو لجهة بابها مفتوحاً ، ولو لم يستقبل شيئاً في هذه الحال ، لأنّ القبلة هي العرصة والهواء إلى عنان السّماء ، وليست هي البناء ، بدليل أنّه لو نقل إلى عرصةٍ أخرى وصلّى إليه لم يجز ، ولأنّه لو صلّى على جبل أبي قبيسٍ جازت بالإجماع ، مع أنّه لم يصلّ إلى البناء . وشرط الشّافعيّة لجواز الصّلاة في الكعبة وعليها أن يستقبل جداراً منها أيّاً كان ، أو يستقبل الباب إن كان مفتوحاً وكان له عتبةٌ قدر ثلثي ذراعٍ بذراع الآدميّ تقريباً على الصّحيح المشهور ، لأنّ هذا المقدار هو سترة المصلّي فاعتبر فيه قدرها . واختار أكثر الحنابلة أن يشترط أن يكون بين يديه شيءٌ منها شاخصٌ يتّصل بها ، كالبناء والباب ولو مفتوحاً ، فلا اعتبار بالآجرّ غير المبنيّ ، ولا الخشب غير المسمور ، لأنّه غير متّصلٍ ، لكنّهم لم يقدّروا ارتفاع الشّاخص . وفي روايةٍ عن أحمد أنّه يكفي أن يكون بين يديه شيءٌ من الكعبة إذا سجد ، وإن لم يكن شاخصٌ ، اختارها الموفّق في المغني وغيره وهي المذهب .
استقبال البعيد عن مكّة :
19 - مذهب الحنفيّة ، وهو الأظهر عند المالكيّة ، والحنابلة ، وهو قولٌ للشّافعيّ : أنّه يكفي المصلّي البعيد عن مكّة استقبال جهة الكعبة باجتهادٍ ، وليس عليه إصابة العين ، فيكفي غلبة ظنّه أنّ القبلة في الجهة الّتي أمامه ، ولو لم يقدّر أنّه مسامتٌ ومقابلٌ لها . وفسّر الحنفيّة جهة الكعبة بأنّها الجانب الّذي إذا توجّه إليه الإنسان يكون مسامتاً للكعبة ، أو هوائها تحقيقاً أو تقريباً . واستدلّوا بالآية الكريمة : { وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } وقالوا : شطر البيت نحوه وقبله ، كما استدلّوا بحديث : « ما بين المشرق والمغرب قبلةٌ » وهذا كلّه في غير المدينة المنوّرة ، وما في حكمها من الأماكن المقطوع بقبلتها ، على ما سيأتي في استقبال المحاريب إن شاء اللّه . والأظهر عند الشّافعيّة ، وهو قولٌ لابن القصّار عند المالكيّة ، وروايةٌ عن أحمد اختارها أبو الخطّاب من الحنابلة : أنّه تلزم إصابة العين . واستدلّوا بقوله تعالى : { وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } أي جهته ، والمراد بالجهة هنا العين ؛ وكذا المراد بالقبلة هنا العين أيضاً ، لحديث الصّحيحين : « أنّه صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين قبل الكعبة ، وقال : هذه القبلة » فالحصر هنا يدفع حمل الآية على الجهة . وإطلاق الجهة على العين حقيقةٌ لغويّةٌ وهو المراد هنا .
استقبال أهل المدينة وما في حكمها :
20 - ذهب الحنفيّة في الأصحّ ، وهو قولٌ للحنابلة إلى أنّ الواجب على أهل المدينة - كغيرها - الاجتهاد لإصابة جهة الكعبة ، وهو جارٍ مع الأصل في أمر القبلة .
وقال الحنفيّة في الرّاجح ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، وهو قولٌ للحنابلة ( وأرادوا بالمدنيّ من في مسجده صلى الله عليه وسلم أو قريباً منه ) : يجب على المصلّي في المدينة إصابة عين القبلة« لثبوت محراب مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالوحي »، فهو كما لو كان مشاهداً للبيت ، بل أورد القاضي عياضٌ في الشّفاء أنّه رفعت له الكعبة حين بنى مسجده صلى الله عليه وسلم .
استقبال محاريب الصّحابة والتّابعين :
21 - ذهب الجمهور إلى أنّ محاريب الصّحابة ، كجامع دمشق ، وجامع عمرٍو بالفسطاط ، ومسجد الكوفة والقيروان والبصرة ، لا يجوز الاجتهاد معها في إثبات الجهة ، لكن لا يمنع ذلك من الانحراف اليسير يمنةً أو يسرةً ، ولا تلحق بمحاريب النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ لا يجوز فيها أدنى انحرافٍ . وكذلك محاريب المسلمين ، ومحاريب جادّتهم أي معظم طريقهم وقراهم القديمة الّتي أنشأتها قرونٌ من المسلمين ، أي جماعاتٌ منهم صلّوا إلى هذا المحراب ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنّه طعن فيها ، لأنّها لم تنصب إلاّ بحضرة جمعٍ من أهل المعرفة بالأدلّة ، فجرى ذلك مجرى الخبر . لكن قال الحنابلة : إن فرض من كان فيها إصابة العين ببدنه بالتّوجّه إلى قبلته ، معلّلين ذلك باتّفاق الصّحابة عليه .
الإخبار عن القبلة :
22 - ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا لم يكن ثمّة محاريب منصوبةً في الحضر ، فيسأل من يعلم بالقبلة ممّن تقبل شهادته من أهل ذلك المكان ممّن يكون بحضرته .
أمّا غير مقبول الشّهادة ، كالكافر والفاسق والصّبيّ فلا يعتدّ بإخباره فيما هو من أمور الدّيانات ما لم يغلب على الظّنّ صدقه . وأمّا إذا لم يكن من أهل ذلك المكان فلأنّه يخبر عن اجتهادٍ ، فلا يترك اجتهاده باجتهاد غيره .
وأمّا إذا لم يكن بحضرته من أهل المسجد أحدٌ فإنّه يتحرّى ولا يجب عليه قرع الأبواب .
وأمّا في المفازة فالدّليل عليها النّجوم كالقطب ، وإلاّ فمن أهلها العالم بها ممّن لو صاح به سمعه ، والاستدلال بالنّجوم في المفازة مقدّمٌ على السّؤال ، والسّؤال مقدّمٌ على التّحرّي .
اختلاف المخبرين :
23 - صرّح الشّافعيّة عند اختلاف اثنين في الإخبار عن القبلة : أنّه يتخيّر فيأخذ بقول أحدهما ، وقيل : يتساقطان ويجتهد لنفسه ، ولا يأخذ بقول أحدهما إلاّ عند العجز عن الاجتهاد ، وفي هذه الحالة اضطرّ للأخذ بقول أحدهما ، أمّا في غير هذه الحالة فالمخبران اختلفا في علامةٍ واحدةٍ لعارضٍ فيها وهو موجبٌ للتّساقط .
وما صرّحوا به لا تأباه قواعد المذاهب الأخرى .
أدلّة القبلة :
24 - سبق ما يتّصل بالاستدلال على القبلة بالمحاريب ، فإن لم توجد فهناك علاماتٌ يمكن الاعتماد عليها عند أهل الخبرة بها ، منها :
أ - النّجوم :
وأهمّها القطب ، لأنّه نجمٌ ثابتٌ ويمكن به معرفة الجهات الأربع ، وبذلك يمكن معرفة القبلة ولو على سبيل التّقريب . وتختلف قبلة البلاد بالنّسبة إليه اختلافاً كبيراً .
ب - الشّمس والقمر :
يمكن التّعرّف بمنازل الشّمس والقمر على الجهات الأربع ، وذلك في أيّام الاعتدالين ( الرّبيعيّ والخريفيّ ) بالنّسبة للشّمس ، واستكمال البدر فيه بالنّسبة للقمر . وفي غير الاعتدالين ينظر إلى اتّجاه تلك المنازل ، وهو معروفٌ لأهل الخبرة فيرجع إليهم فيه ، وفي كتب الفقه تفاصيل عن ذلك . ويتّبع ذلك الاستدلال بمطالع الشّمس والقمر ومغاربهما .
ج - الإبرة المغناطيسيّة :
من الاستقراء المفيد لليقين تبيّن أنّها تحدّد جهة الشّمال تقريباً ، وبذلك تعرف الجهات الأربع وتحدّد القبلة .
ترتيب أدلّة القبلة :
25 - ذكر الحنفيّة أنّ الدّليل على القبلة في المفاوز والبحار النّجوم كالقطب ، فإن لم يمكن لوجود غيمٍ أو لعدم معرفته بها فعليه أن يسأل عالماً بها ، فإن لم يكن من يسأله أو لم يخبره المسئول عنها فيتحرّى . وذكر الشّافعيّة أنّه لو تعارضت الأدلّة على القبلة فينبغي تقديم خبر جمعٍ بلغ عددهم حدّ التّواتر ، لإفادته اليقين ، ثمّ الإخبار عن علمٍ برؤية الكعبة ، ثمّ رؤية المحاريب المعتمدة ، ثمّ رؤية القطب .
وأمّا بيت الإبرة فقد صرّح الشّافعيّة بأنّ المجتهد مخيّرٌ بينها وبين الاجتهاد . وأمّا الحنابلة فإنّهم قالوا : إنّ خبر المخبر عن يقينٍ مقدّمٌ على الاجتهاد .
تعلّم أدلّة القبلة :
26 - تعلّم العلامات الّتي تعرف بها القبلة مطلوبٌ شرعاً ، وقد صرّح الشّافعيّة في الأصحّ عندهم بأنّ هذا واجبٌ على سبيل الكفاية . وقد يصبح تعلّم هذه العلامات واجباً عينيّاً ، كمن سافر سفراً يجهل معه اتّجاه القبلة ، ويقلّ فيها العارفون بها ، وكانت عنده قدرةٌ على تعلّم هذه العلامات ، وكلّ ذلك تحقيقاً لإصابة القبلة . وهل يجوز تعلّمها من كافرٍ ؟ قواعد الشّريعة لا تمنع ذلك . لأنّه لا يعتمد عليه في اتّجاه القبلة ، وإنّما في معرفة العلامات الّتي لا يختلف فيها الكافر عن المسلم ، وذلك كتعلّم سائر العلوم .
الاجتهاد في القبلة :
27 - اتّفقت المذاهب الأربعة على وجوب الاجتهاد في القبلة في الجملة .
قال الشّافعيّة والحنابلة : إن فقد المصلّي ما ذكر من الرّؤية والمحاريب والمخبر وأمكنه الاجتهاد ، بأن كان بصيراً يعرف أدلّة القبلة وجب عليه الاجتهاد وإن كان جاهلاً بأحكام الشّرع ، إذ كلّ من علم أدلّة شيءٍ كان مجتهداً فيه ، ولأنّ ما وجب عليه اتّباعه عند وجوده وجب الاستدلال عليه عند خفائه ، وذكروا أيضاً أنّ من وجب عليه الاجتهاد حرم عليه التّقليد ، لأنّه يتمكّن من استقبالها بدليله . وقالوا : أنّه إذا ضاق عليه الوقت عن الاجتهاد صلّى حسب حاله ولا يقلّد ، كالحاكم لا يسعه تقليد غيره ، ولكنّه يعيد الصّلاة .
وصرّح ابن قدامة بأنّ شرط الاجتهاد لا يسقط بضيق الوقت مع إمكانه .
الشّكّ في الاجتهاد وتغيّره :
28 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا تغيّر اجتهاد المجتهد عمل بالاجتهاد الثّاني حتماً ، إن ترجّح على الأوّل ، وعمل بالأوّل إن ترجّح على الثّاني . وقال الحنابلة : وإن شكّ في اجتهاده لم يزل عن جهته ، لأنّ الاجتهاد ظاهرٌ فلا يزول عنه بالشّكّ . ولا يعيد ما صلّى بالاجتهاد الأوّل ، كالحاكم لو تغيّر اجتهاده في الحادثة الثّانية عمل فيها بالاجتهاد الثّاني ، ولم ينقض حكمه الأوّل بغير خلافٍ ، لأنّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد .
وذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المصلّي بالاجتهاد في القبلة إذا تحوّل رأيه استدار وبنى على ما مضى من صلاته . ولا فرق بين تغيّر اجتهاده في أثناء الصّلاة وبعدها ، فإن كان فيها استدار وبنى على ما مضى من صلاته ، حتّى إنّه لو صلّى أربع ركعاتٍ لأربع جهاتٍ بالاجتهاد جاز ، لأنّه مجتهدٌ أدّاه اجتهاده إلى جهةٍ ، فلم تجز له الصّلاة إلى غيرها ، كما لو أراد صلاةً أخرى ، وليس فيه نقضٌ لاجتهاده ، لأنّا لم نلزمه إعادة ما مضى ، وإنّما نلزمه العمل به في المستقبل .
أمّا عند المالكيّة فإن تبيّن لمن صلّى بالاجتهاد خطأ اجتهاده في الصّلاة يقيناً أو ظنّاً وهو في الصّلاة قطعها وجوباً . أمّا بعد إتمام الصّلاة فإنّه يعيدها ندباً لا وجوباً . قياساً على القاضي إذا تبيّن له خطأ الدّليل قبل بتّ الحكم ، فإنّه لا يجوز له الحكم باجتهاده الأوّل ، وإن حكم به نقض . أمّا إن شكّ وهو في الصّلاة فإنّه يتمّ صلاته على اجتهاده الأوّل .
الاختلاف في الاجتهاد في القبلة :
29 - ذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّه إذا اختلف اجتهاد مجتهدين لم يتّبع أحدهما صاحبه ولا يؤمّه ، لأنّ كلّ واحدٍ منهما يعتقد خطأ الآخر فلم يجز الائتمام . وعند ابن قدامة أنّ قياس المذهب جواز ذلك . وهو مذهب أبي ثورٍ ، ذلك أنّ كلّ واحدٍ منهما يعتقد صحّة صلاة الآخر ، وأنّ فرضه التّوجّه إلى ما توجّه إليه ، فلم يمنع اختلاف الجهة الاقتداء به ، كالمصلّين حول الكعبة . ولو اتّفقا في الجهة واختلفا في الانحراف يميناً أو شمالاً فالمذهب صحّة الائتمام بلا خلافٍ لاتّفاقهما في الجهة ، وهي كافيةٌ في الاستقبال . وقال الشّافعيّة : لو اجتهد اثنان في القبلة ، واتّفق اجتهادهما ، فاقتدى أحدهما بالآخر ، ثمّ تغيّر اجتهاد واحدٍ منهما لزمه الانحراف إلى الجهة الثّانية ، وينوي المأموم المفارقة وإن اختلفا تيامناً وتياسراً ، وذلك عذرٌ في المفارقة فلا تفوته فضيلة الجماعة ، ومحلّ ذلك حيث علم المأموم بانحراف إمامه ، فإن لم يعلم به إلاّ بعد السّلام فالأقرب وجوب الإعادة .
وقال الحنفيّة : لو سلّم الإمام فتحوّل رأي مسبوقٍ ولاحقٍ استدار المسبوق ، لأنّه منفردٌ فيما يقضيه ، واستأنف اللاّحق ، لأنّه مقتدٍ فيما يقضيه .
والمقتدي إذا ظهر له وراء الإمام أنّ القبلة غير الجهة الّتي يصلّي إليها الإمام لا يمكنه إصلاح صلاته ، لأنّه إن استدار خالف إمامه في الجهة قصداً وهو مفسدٌ ، وإلاّ كان متمّاً صلاته إلى ما هو غير القبلة عنده وهو مفسدٌ أيضاً .
خفاء القبلة على المجتهد :
30 - خفاء القبلة على المجتهد إمّا أن يكون قبل الصّلاة أو في أثنائها ، وإمّا أن يكون قبل التّحرّي أو بعده ، وسنتناول بالبحث كلاًّ على حدةٍ .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:02 PM

خفاء القبلة قبل الصّلاة والتّحرّي :
31 - ذكر الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة أنّ من عجز عن معرفة القبلة بالاستدلال ، وخفيت عليه الأدلّة لفقدها أو لغيمٍ أو حبسٍ أو التباسٍ مع ظهورها ، حيث تعارضت عنده الأمارات ، فإنّه يتحرّى ويصلّي ، وتصحّ صلاته عندئذٍ ، لأنّه بذل وسعه في معرفة الحقّ مع علمه بأدلّته ، أشبه الحاكم إذا خفيت عليه النّصوص ، وقد روى عبد اللّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال : « كنّا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ في ليلةٍ مظلمةٍ ، فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كلّ رجلٍ منّا حياله ، فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فنزل : { فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه } » وعرّف الحنفيّة التّحرّي بأنّه بذل الجهود لنيل المقصود . وأفاد ابن عابدين بأنّ قبلة التّحرّي مبنيّةٌ على مجرّد شهادة القلب من غير أمارةٍ ، وعبّر المالكيّة بأنّه يتخيّر جهةً من الجهات الأربع يصلّي إليها صلاةً واحدةً ، ولا إعادة لسقوط الطّلب عنه ، وهذا ما رجّحه ابن عابدين من الحنفيّة على قول بعضهم بتكرار الصّلاة إلى الجهات الأربع في حالة التّحرّي وعدم الرّكون إلى جهةٍ .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يصلّي كيف كان لحرمة الوقت ، ويقضي لندرته .
ترك التّحرّي :
32 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ العاجز عن معرفة القبلة بالأدلّة لا يجوز أن يشرع في الصّلاة دون أن يتحرّى وإن أصاب ، لتركه فرض التّحرّي ، إلاّ أنّه لا يعيد إن علم إصابته بعد فراغه اتّفاقاً عند الحنفيّة ، بخلافٍ إذا علم الإصابة قبل التّمام ، فإنّ صلاته تبطل لأنّه بني قويّاً على ضعيفٍ خلافاً لأبي يوسف . وعند المالكيّة أنّ المجتهد الّذي تخفى عليه أدلّة القبلة يتخيّر جهةً من الجهات الأربع ، ويصلّي إليها ويسقط عنه الطّلب لعجزه ،
وقال الشّافعيّة والحنابلة : يعيد من صلّى بلا تحرٍّ أو تعذّر عليه التّحرّي ، سواءٌ ظهر له الصّواب أثناء الصّلاة أو بعدها .
ظهور الصّواب للمتحرّي :
33 - ذكر الحنفيّة أنّ المتحرّي إن ظهر صوابه في أثناء الصّلاة فالصّحيح أنّها لا تفسد ، وعند بقيّة المذاهب لا خلاف في صحّتها . وعبارة البحر الرّائق : والصّحيح كما في المبسوط والخانيّة أنّه لا يلزمه استئناف الصّلاة ، لأنّ صلاته كانت جائزةً ما لم يظهر الخطأ ،
فإذا تبيّن أنّه أصاب لا يتغيّر حاله . وقيل : تفسد ، لأنّ افتتاح الصّلاة كان ضعيفاً ، وقد قوي حاله بظهور الصّواب ، ولا يبنى القويّ على الضّعيف .
التّقليد في القبلة :
34 - ذكر الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة أنّه لا يقلّد المجتهد مجتهداً غيره ، لأنّ القدرة على الاجتهاد تمنع من التّقليد .
ومن علم أدلّة القبلة لا يجوز له أن يقلّد غيره مطلقاً ، وأمّا غير المجتهد فعليه أن يقلّد المجتهد ، لقوله تعالى : { فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون } . وإذا كان هناك أكثر من مجتهدٍ فالمقلّد له أن يختار أحدهم ، والأولى أن يختار من يثق به أكثر من غيره .
ترك التّقليد :
35 - ليس لمن فرضه التّقليد ووجد من يقلّده أن يستقبل بمجرّد ميل نفسه إلى جهة ، فقد ذكر الحنفيّة ، والمالكيّة : أنّه إن ترك التّقليد واختار له جهةً تركن لها نفسه وصلّى لها كانت صلاته صحيحةً إن لم يتبيّن خطؤه ، وزاد المالكيّة : فإن تبيّن الخطأ في الصّلاة قطعها حيث كان كثيراً ، وإن تبيّن بعدها فقولان بالإعادة أبداً أو في الوقت ، كما سيأتي في " تبيّن الخطأ في الصّلاة " . وذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّه تلزمه الإعادة مطلقاً وإن صادف القبلة .
استقبال الأعمى ومن في ظلمةٍ للقبلة :
36 - ذهب الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّ الأعمى عليه أن يسأل عن القبلة ، لأنّ معظم الأدلّة تتعلّق بالمشاهدة . قال الحنفيّة : فإن لم يجد من يسأله عنها تحرّى ، وكذا لو سأله عنها فلم يخبره ، حتّى إنّه لو أخبره بعدما صلّى لا يعيد . ولو لم يسأله وتحرّى : إن أصاب جاز وإلاّ لا . ولو شرع في الصّلاة إلى غير القبلة فسوّاه رجلٌ إليها ، فإن كان وجد الأعمى وقت الشّروع من يسأله عنها فلم يسأله لم تجز صلاته ، وإلاّ بنى على ما مضى منها ، ولا يجوز لهذا الرّجل الاقتداء به . وذكر المالكيّة أنّه لا يجوز له تقليد المجتهد بل عليه أن يسأل عن الأدلّة عدلاً في الرّواية ليهتدي بها إلى القبلة .
تبيّن الخطأ في القبلة :
37 - أطلق الحنفيّة القول بأنّ المصلّي الّذي لم يشكّ في القبلة ولم يتحرّ إذا ظهر له خطؤه في القبلة وهو في الصّلاة فسدت صلاته ، بخلاف من خفيت عليه القبلة فشكّ فيها وتحرّى ، ثمّ ظهر له خطؤه وهو في الصّلاة استدار إلى الجهة الّتي انتهى إليها تحرّيه ، أمّا إذا ظهر له خطؤه بعد انتهاء الصّلاة فإنّ صلاته صحيحةٌ .
وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب الإعادة على المجتهد والمقلّد إذا كانت علامات القبلة ظاهرةً ثمّ تبيّن الخطأ فيها ، لأنّه لا عذر لأحدٍ في الجهل بالأدلّة الظّاهرة . أمّا دقائق علم الهيئة وصور النّجوم الثّوابت فهو معذورٌ في الجهل بها فلا إعادة عليه . ولم يفرّق الحنابلة والشّافعيّة في مقابل الأظهر عندهم بين ما إذا كانت الأدلّة ظاهرةً فاشتبهت عليه أو خفيت ، وبين ما إذا كانت أدلّةٌ خفيّةٌ ، لأنّه أتى بما أمر في الحالين وعجز عن استقبال القبلة في الموضعين فاستويا في عدم الإعادة .
أمّا في القول الأظهر للشّافعيّة فتلزمه الإعادة لأنّه أخطأ في شرطٍ من شروط الصّلاة .
العجز عن استقبال القبلة في الصّلاة :
38 - ذهب الأئمّة الأربعة إلى أنّ من به عذرٌ حسّيٌّ يمنعه من الاستقبال كالمريض ، والمربوط يصلّي على حسب حاله ، ولو إلى غير القبلة ، لأنّ الاستقبال شرطٌ لصحّة الصّلاة وقد عجز عنه فأشبه القيام . واشترط الشّافعيّة ، والصّاحبان من الحنفيّة لسقوط القبلة عنه أن يعجز أيضاً عمّن يوجّهه ولو بأجر المثل ، كما استظهره . الشّيخ إسماعيل النّابلسيّ وابن عابدين . وبالنّسبة لإعادة الصّلاة فإنّ في ذلك خلافاً تفصيله في مباحث الصّلاة . وأمّا أبو حنيفة فذهب إلى أنّه لا يشترط ذلك ، لأنّ القادر بقدرة غيره عاجزٌ .
وبقولهما جزم في المنية والمنح والدّرّ والفتح بلا حكاية خلافٍ . ولو وجد أجيراً بأجرة مثله فينبغي أن يلزمه استئجاره إذا كانت الأجرة دون نصف درهمٍ ، والظّاهر أنّ المراد به أجرة المثل كما فسّروه في التّيمّم .
أمّا من به عذرٌ شرعيٌّ يمنعه من الاستقبال فقد تعرّض الفقهاء للصّور الآتية منه وهي : الخوف على النّفس ، وذكره الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وذلك كالخوف من سبعٍ وعدوٍّ ، فله حينئذٍ أن يتوجّه إلى جهةٍ قدر عليها ، ومثله الهارب من العدوّ راكباً يصلّي على دابّته . وذكر الحنفيّة من صور العذر : الخوف من الانقطاع عن رفقته ، لما في ذلك من الضّرر . وذكر الشّافعيّة من ذلك : الاستيحاش وإن لم يتضرّر بانقطاعه عن رفقته . وذكر الحنفيّة والمالكيّة من الأعذار : الخوف من أن تتلوّث ثيابه بالطّين ونحوه لو نزل عن دابّته . واشترط الحنفيّة عجزه عن النّزول ، فإن قدر عليه نزل وصلّى واقفاً بالإيماء ، وإن قدر على القعود دون السّجود أومأ قاعداً . وعدّ الحنفيّة والشّافعيّة من الأعذار : ما لو خاف على ماله - ملكاً أو أمانةً - لو نزل عن دابّته . وذكر الحنفيّة والشّافعيّة من الأعذار : العجز عن الرّكوب فيمن احتاج في ركوبه بعد نزوله للصّلاة إلى معينٍ ولا يجده ، كأن كانت الدّابّة جموحاً ، أو كان هو ضعيفاً فله ألاّ ينزل . ومن الأعذار : الخوف وقت التحام القتال ، فقد اتّفقت المذاهب الأربعة على أن يسقط شرط الاستقبال في حال المسايفة وقت التحام الصّفوف في شدّة الخوف إذا عجز المصلّي عنه . ولمعرفة ماهيّة هذا القتال ، وما يلحق به ، ووقت صلاته ، وإعادتها حين الأمن ، وبقيّة أحكامها ( ر : صلاة الخوف ) .
استقبال المتنفّل على الرّاحلة في السّفر :
39 - اتّفق الفقهاء على جواز التّنفّل على الرّاحلة في السّفر لجهة سفره ولو لغير القبلة ولو بلا عذرٍ ، لأنّه صلى الله عليه وسلم : « كان يصلّي على راحلته في السّفر حيثما توجّهت به » وفسّر قوله تعالى : { فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه } بالتّوجّه في نفل السّفر . وفي الشّروط المجوّزة لذلك خلافٌ فصّله الفقهاء في مبحث صلاة المسافر ، والصّلاة على الرّاحلة .
استقبال المتنفّل ماشياً في السّفر :
40 - مذهب أبي حنيفة ، ومالكٍ ، وإحدى الرّوايتين عن أحمد ، وهو كلام الخرقيّ من الحنابلة : أنّه لا يباح للمسافر الماشي الصّلاة في حال مشيه ، لأنّ النّصّ إنّما ورد في الرّاكب ، فلا يصحّ قياس الماشي عليه ، لأنّه يحتاج إلى عملٍ كثيرٍ ، ومشيٌ متتابعٌ ينافي الصّلاة فلم يصحّ الإلحاق . ومذهب عطاءٍ ، والشّافعيّ ، وهو ثانية الرّوايتين عن أحمد اختارها القاضي من الحنابلة : أنّ له أن يصلّي ماشياً قياساً على الرّاكب ، لأنّ المشي إحدى حالتي سير المسافر ، ولأنّهما استويا في صلاة الخوف فكذا في النّافلة .
والمعنى فيه أنّ النّاس محتاجون إلى الأسفار ، فلو شرطا فيها الاستقبال للتّنفّل لأدّى إلى ترك أورادهم أو مصالح معايشهم . ومذهب الحنابلة ، والأصحّ عند الشّافعيّة : أنّ عليه أن يستقبل القبلة لافتتاح الصّلاة ، ثمّ ينحرف إلى جهة سيره ، قال الشّافعيّة : ولا يلزمه الاستقبال في السّلام على القولين .
استقبال المفترض على السّفينة ونحوها :
41 - اتّفقت المذاهب الأربعة على وجوب استقبال المفترض على السّفينة في جميع أجزاء صلاته ، وذلك لتيسّر الاستقبال عليه . ونصّ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على أنّه يدور معها إذا دارت . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( الصّلاة في السّفينة ) .
استقبال القبلة في غير الصّلاة :
42 - قرّر الفقهاء أنّ جهة القبلة هي أشرف الجهات ، ولذا يستحبّ المحافظة عليها حين الجلوس ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ سيّد المجالس ما استقبل القبلة » . قال صاحب الفروع : ويتّجه في كلّ طاعةٍ إلاّ لدليلٍ . وقد يكون المراد من التّوجّه إليها تغليط الأمر وإلقاء الرّهبة في قلب من طلب منه التّوجّه إليها ، كما في تغليظ القاضي اليمين على حالفها بذلك ( ر : إثباتٌ ف 26 ) . على أنّه قد يعرض للإنسان أحوالٌ ترفع هذا الاستحباب ، بل قد يكون استقبالها حراماً أو مكروهاً ( ر : قضاء الحاجة . استنجاءٌ ) .
والجمهور على أنّ زائر قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستدبر القبلة ويستقبل القبر الشّريف .
استقبال غير القبلة في الصّلاة :
43 - الأصل في استقبال المصلّي للأشياء الإباحة ، ما دام متوجّهاً إلى جهة القبلة ، لكن هناك أشياء معيّنةٌ نهي المصلّي عن أن يجعلها أمامه لاعتباراتٍ خاصّةٍ فيها ، كأن يكون في وجودها أمامه تشبّهٌ بالمشركين ، كما في الصّنم والنّار والقبر ، أو لكونها قذرةً أو نجسةً يصان وجه المصلّي ونظره عنها ، كما في الصّلاة إلى الحشّ والمجزرة ، أو قد يكون أمامه ما يشوّش عليه فكره كما في الصّلاة إلى الطّريق . وقد تناولها الفقهاء بالبحث في الكلام على مكروهات الصّلاة . وقد يكون ذلك الشّيء الّذي أمام المصلّي أمراً مرغوباً فيه ، لكونه علامةً على موضع سجوده لمنع المارّين من المرور فيما بينه وبينه ، كما في الصّلاة إلى السّترة . وقد بحثها الفقهاء ضمن سنن الصّلاة .
استقبال غير القبلة في غير الصّلاة :
44 - الأصل في توجّه الإنسان إلى الأشياء في غير الصّلاة الإباحة أيضاً ، ولكن قد يطلب التّوجّه إلى المواطن الشّريفة في الأحوال الشّريفة طلباً لخيرها وفضلها ، كاستقبال السّماء بالبصر وببطون الكفّين في الدّعاء .
كما يطلب عدم التّوجّه إليها في الأحوال الخسيسة ، كاستقبال قاضي الحاجة بيت المقدس أو المصحف الشّريف ( ر : قضاء الحاجة ) . وقد يطلب تجنّب استقبالها صيانةً له عنها لنجاستها أو حفظاً لبصره عن النّظر إليها ، كاستقبال قاضي الحاجة مهبّ الرّيح ، واستقبال المستأذن للدّخول باب المكان الّذي يريد الدّخول إليه .
وقد يطلب الاستقبال حفاظاً على الآداب ومكارم الأخلاق وتوفيراً لحسن الإصغاء ، كما في استقبال الخطيب للقوم واستقبالهم له ، واستقبال الإمام النّاس بعد الصّلاة المكتوبة . وكما في استقبال الضّيوف والمسافرين إبقاءً على الرّوابط الاجتماعيّة متينةً . ومن هذه الطّاعات : الوضوء ، والتّيمّم ، والأذان والإقامة ، ومنه الدّعاء بعد الوضوء ، والدّعاء في الاستسقاء ، والذّكر ، وقراءة القرآن ، وانتظار الصّلاة في المسجد ، والحجّ في مواطن كثيرةٍ ، تعلم بتتبّع كتاب الحجّ كالإهلال ، وشرب ماء زمزم ، وتوجيه الهدي حين الذّبح للقبلة ، وقضاء القاضي بين الخصوم ، كما هو مبيّنٌ في مواضعها . كما يستحبّ استقبال القبلة في مواطن خاصّةٍ طلباً لبركتها وكمال العمل باستقبالها ، كما في توجيهٍ المحتضر إليها ، وكذا الميّت في قبره عند الدّفن ( ر : كتاب الجنائز ) ، ومثله من أراد أن ينام ، أو أراد أن يذبح ذبيحةً فيسنّ له أن يستقبل بها القبلة ( ر : كتاب الذّبائح ) .

استقراءٌ *
التعريف :
1 - الاستقراء لغةً : التّتبّع ، يقال : قرأ الأمر ، وأقرأه أي : تتبّعه ، واستقرأت الأشياء : تتبّعت أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصّها .
وعرّفه الأصوليّون والفقهاء بقولهم : تصفّح جزئيّات كلّيٍّ ليحكم بحكمها على ذلك الكلّيّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
القياس :
2 - القياس : هو إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكمٍ لاشتراكهما في العلّة .
الحكم الإجماليّ :
3 - الاستقراء إن كان تامّاً بمعنى تتبّع جميع الجزئيّات ما عدا صورة النّزاع - أي الصّورة المراد معرفة حكمها - يعتبر دليلاً قطعيّاً حتّى في صورة النّزاع عند الأكثر من العلماء ، وقال بعض العلماء : ليس بقطعيٍّ ، بل هو ظنّيٌّ ، لاحتمال مخالفة تلك الصّورة لغيرها على بعدٍ . وقد أجاز العلماء الأخذ بالاستقراء في : الحيض ، والاستحاضة ، والعدّة على خلافٍ وتفصيلٍ موطنه هذه المصطلحات .
4 - وإن كان الاستقراء ناقصاً أي بأكثر الجزئيّات الخالي عن صورة النّزاع فهو ظنّيٌّ في تلك الصّورة لا قطعيٌّ ، لاحتمال مخالفة صورة النّزاع لذلك المستقرأ ، ويسمّى هذا النّوع : إلحاق الفرد بالأغلب . ومن أمثلة ما احتجّوا فيه بالاستقراء : المعتدّة عند اليأس تعتدّ بالأشهر ، فقال الشّافعيّة في الرّاجح عندهم : يعتبر في عدّة اليائسة استقراء نساء أقاربها من الأبوين الأقرب فالأقرب ، لتقاربهنّ طبعاً وخلقاً . وقال الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة - وهو رأيٌ للشّافعيّة - باستقراء حالات النّساء واعتبار حالها بحال مثيلاتها في السّنّ عند ذلك ، على اختلافٍ بينهم في ذلك يرجع إليه في مصطلح ( عدّةٌ ) ( وإياسٌ ) .

استقراضٌ *
التعريف :
1 - الاستقراض لغةً : طلب القرض . ويستعمله الفقهاء بمعنى طلب القرض ، أو الحصول عليه ، ولو بدون طلبٍ . والقرض ما تعطيه من مثليٍّ ليتقاضى مثله .
الألفاظ ذات الصّلة :
الاستدانة :
2 - الاستقراض أخصّ من الاستدانة ، فإنّ الدّين عامٌّ شاملٌ للقرض وغيره ممّا يثبت في الذّمّة كالسّلم . والدّين قد يكون له أجلٌ ، والأجل فيه ملزمٌ ، أمّا القرض فإنّ الأجل فيه غير ملزمٍ عند الجمهور ،
وقال المالكيّة : إنّ اشتراطه ملزمٌ ، وإنّه ليس للمقرض مطالبة المستقرض ما لم يحلّ الأجل كغيره من الدّيون لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « المؤمنون عند شروطهم » .
الحكم الإجماليّ :
3 - الاستقراض جائزٌ بالنّسبة للمستقرض بشروطٍ يذكرها الفقهاء في أبواب القرض ، ونقل بعضهم الإجماع على الجواز ، وروى أبو رافعٍ أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم : استسلف من رجلٍ بكراً ، فقدمت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم إبل الصّدقة ، فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرّجل بكره ، فرجع إليه أبو رافعٍ ، فقال : يا رسول اللّه لم أجد فيها إلاّ خياراً رباعيّاً ، فقال : أعطه ، فإنّ خير النّاس أحسنهم قضاءً »
وقد يعرض للاستقراض ما يخرجه عن الجواز كحرمة الاستقراض بشرط نفعٍ للمقرض ، وكوجوب استقراض المضطرّ ، وغير ذلك من الأحكام الّتي تذكر في باب القرض . ويصحّ التّوكيل في الاستقراض عند الشّافعيّة والحنابلة ، ولا يصحّ عند الحنفيّة ، لأنّ الاستقراض طلب تبرّعٍ من المقرض فهو نوعٌ من التّكدّي ( الشّحاذة ) ولا يصحّ التّوكيل فيه . والاستقراض أحياناً يحتاج إلى إذنٍ من القاضي ، كاستقراض من حكم له بنفقة القريب على قريبه المعسر في بعض المذاهب ، ويذكر الفقهاء ذلك في أحكام النّفقة .
ولو استقرض الأب من ولده فإنّ للولد مطالبته ، عند غير الحنابلة ، لأنّه دينٌ ثابتٌ فجازت المطالبة به كغيره ، وقال الحنابلة : لا يطالب ، لحديث : « أنت ومالك لأبيك » .
مواطن البحث :
4 - أغلب أحكام الاستقراض عند الفقهاء تذكر في باب القرض ، وبالإضافة إلى ذلك تأتي بعض أحكامه في الشّركة ، أثناء الكلام عن إذن الشّريك لشريكه ، وفي الوكالة عند بيان ما تصحّ فيه الوكالة ، وفي الوقف في الاستدانة على الوقف ، وفي النّفقة في الاستقراض على الغائب والمعسر .
استقسامٌ *
التعريف :
1 - يأتي الاستقسام في اللّغة بمعنى : طلب القسم بالأزلام ونحوها ، والقسم هنا : ما قدّر للإنسان من خيرٍ أو شرٍّ ، ويأتي بمعنى طلب : القسم المقدّر ممّا هو شائعٌ ، والقسم هنا : النّصيب . وقد اختلف علماء اللّغة والمفسّرون في المقصود بالاستقسام في قوله تعالى : { وأن تستقسموا بالأزلام } . فقال الجمهور ومنهم الأزهريّ والهرويّ وأبو جعفرٍ وسعيد بن جبيرٍ والحسن والقفّال والضّحّاك والسّدّيّ : معنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشّرّ بواسطة ضرب القداح ، فكان الرّجل في الجاهليّة إذا أراد سفراً ، أو غزواً ، أو تجارةً ، أو نكاحاً ، أو أو أمراً آخر ضرب بالقداح ، وكانوا قد كتبوا على بعضها " أمرني ربّي " وعلى بعضها " نهاني ربّي " وتركوا بعضها خالياً عن الكتابة ، فإن خرج الأمر أقدم على الفعل ، وإن خرج النّهي أمسك ، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرّةً أخرى ، فهم يطلبون من الأزلام أن تدلّهم على قسمهم . وقال المؤرّج والعزيزيّ وجماعةٌ من أهل اللّغة : الاستقسام هنا هو الميسر المنهيّ عنه ، والأزلام قداح الميسر ، وكانوا إذا أرادوا أن ييسروا ابتاعوا ناقةً بثمنٍ مسمًّى يضمنونه لصاحبها ، ولم يدفعوا الثّمن حتّى يضربوا بالقداح عليها ، فيعلموا على من يجب الثّمن . وذهب الفقهاء إلى ما ذهب إليه جمهور اللّغويّين والمفسّرين من أنّه الامتثال لما تخرجه الأزلام من الأمر والنّهي في شئون حياتهم ، والأقداح هي أقداح الأمر والنّهي .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الطّرق :
2 - من معاني الطّرق : الضّرب بالحصى ، وهو نوعٌ من التّكهّن ، وشبيه الخطّ في الرّمل ، وفي الحديث : « العيافة والطّيرة والطّرق من الجبت » ومن ذلك يتبيّن أنّ الطّرق بالحصى والاستقسام كلاهما لطلب معرفة الحظوظ .
ب - الطّيرة :
3 - هي التّشاؤم ، وأصله أنّ العربيّ كان إذا أراد المضيّ لمهمٍّ مرّ بمجاثم الطّير وأثارها ، فإن تيامنت مضى ، وإن تشاءمت تطيّر وعدل .
فنهى الشّارع عن ذلك ففي الحديث : « ليس منّا من تطيّر أو تطيّر له » وهي بهذا تشبه الاستقسام في أنّها طلب معرفة قسمه من الغيب .
ج - الفأل :
4 - الفأل هو أن تسمع كلاماً حسناً فتتيمّن به ، والفأل ضدّ الطّيرة ، وفي الحديث « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحبّ الفأل ويكره الطّيرة » .
والفأل مستحسنٌ إذا كان من قبيل الكلمة الحسنة يسمعها الرّجل من غير قصدٍ ، نحو : يا فلاّح ويا مسعود فيستبشر بها . والفأل بهذا المعنى ليس من قبيل الاستقسام ( المنهيّ عنه ) أمّا إذا قصد بالفأل طلب معرفة الخير من الشّرّ عن طريق أخذه من مصحفٍ ، أو ضرب رملٍ ، أو قرعةٍ ونحوها - وهو يعتقد هذا المقصد إن خرج جيّداً اتّبعه ، وإن خرج رديّاً اجتنبه - فهو حرامٌ ، لأنّه من قبيل الاستقسام المنهيّ عنه .
د - القرعة :
5 - القرعة : اسم مصدرٍ بمعنى الاقتراع وهو الاختيار بإلقاء السّهام ونحو ذلك . وليست القرعة من الميسر كما يقول البعض ، لأنّ الميسر هو القمار ، وتمييز الحقوق ليس قماراً . وليست من الاستقسام المنهيّ عنه ، لأنّ الاستقسام تعرّضٌ لدعوى علم الغيب ، وهو ممّا استأثر به اللّه تعالى ، في حين أنّ القرعة تمييز نصيبٍ موجودٍ ، فهي أمارةٌ على إثبات حكمٍ قطعاً للخصومة ، أو لإزالة الإبهام . وعلى ذلك فالقرعة الّتي تكون لتمييز الحقوق مشروعةٌ . أمّا القرعة الّتي يؤخذ منها الفأل ، أو الّتي يطلب بها معرفة الغيب والمستقبل فهي في معنى الاستقسام الّذي حرّمه اللّه سبحانه وتعالى .
هـ – الكهانة :
6 – الكهانة أو التّكهّن : ادّعاء علم الغيب ، والكاهن هو الّذي يخبر عن بعض المضمرات ، فيصيب بعضها ، ويخطئ أكثرها ، ويزعم أنّ الجنّ يخبره بذلك ، ومثل الكاهن : العرّاف ، والرّمّال ، والمنجّم ، وهو الّذي يخبر عن المستقبل بطلوع النّجم وغروبه . وفي الحديث : « ليس منّا من تطيّر أو تطيّر له ، أو تكهّن أو تكهّن له ، أو سحر أو سحر له » و « من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّدٍ » .
وعلى ذلك فالكهانة هي من قبيل الاستقسام الّذي حرّمه اللّه تعالى .
صفة الاستقسام : حكمه التّكليفيّ :
7 - الاستقسام بالأزلام وما في معناها - سواءٌ كان لطلب القسم في أمور الحياة الغيبيّة ، أو كان للمقامرة - ولو كان المقصود به خيراً حرامٌ ، كما ورد في القرآن الكريم : { إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشّيطان فاجتنبوه } . وقوله تعالى : { حرّمت عليكم الميتة والدّم } ... إلى قوله { وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسقٌ } .
فهو خروجٌ عن طاعة اللّه ، لأنّه تعرّضٌ لعلم الغيب ، أو نوعٌ من المقامرة ، وكلاهما منهيٌّ عنه .
إحلال الشّرع الاستخارة محلّ الاستقسام :
8 - لمّا كان الإنسان بطبعه يميل إلى التّعرّف على طريقه ، والاطمئنان إلى أمور حياته ، فقد أوجد الشّرع للإنسان ما يلجأ به إلى اللّه تعالى ليشرح صدره لما فيه الخير فيتّجه إليه . والاستخارة طلب الخيرة في الشّيء ، والتّفصيل في مصطلح ( استخارةٌ ) .

استقلالٌ *
انظر : انفرادٌ .
استكسابٌ *
انظر : إنفاقٌ ، ونفقةٌ .
استلامٌ *
التعريف :
1 - من معاني الاستلام في اللّغة : اللّمس باليد أو الفم . والاستلام مأخوذٌ إمّا من السّلام أي التّحيّة ، وإمّا من السّلام أي الحجارة ، لما فيه من لمس الحجر .
ويستعمله الفقهاء بهذه المعاني عند الكلام عن الطّواف . وقد شاع استعمال الاستلام بمعنى التّسلّم ، فيرجع إليه بهذا المعنى في مصطلح : ( تسلّمٌ ) .
الحكم الإجماليّ :
2 - يتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ استلام الحجر الأسود والرّكن اليمانيّ باليد في أوّل الطّواف ، روى ابن عمر « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلاّ الحجر والرّكن اليمانيّ » . وقال ابن عمر :« ما تركت استلام هذين الرّكنين : اليمانيّ والحجر منذ رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يستلمهما في شدّةٍ ولا رخاءٍ » . ولأنّ الرّكن اليمانيّ مبنيٌّ على قواعد إبراهيم عليه السلام ، فسنّ استلامه ، كاستلام الرّكن الّذي فيه الحجر . والاستلام في كلّ طوفةٍ كالمرّة الأولى عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وقال المالكيّة بالاستحباب . والاستلام بالفم كالاستلام باليد بالنّسبة للحجر ، إلاّ أنّ المالكيّة قالوا : إنّ الاستلام باليد يكون بعد العجز عن الاستلام بالفم . وفي استلام اليمانيّ بالفم خلافٌ بين الفقهاء يذكر في أحكام الطّواف . وعند العجز عن الاستلام باليد يستلم الإنسان بشيءٍ في يده . فإن لم يمكنه استلامه أصلاً أشار إليه وكبّر لحديث ابن عبّاسٍ قال : « طاف النّبيّ صلى الله عليه وسلم على بعيرٍ كلّما أتى الرّكن أشار إليه وكبّر » .
وبعد الانتهاء من ركعتي الطّواف يسنّ كذلك العود لاستلام الحجر الأسود . وهذا كلّه بالنّسبة للرّجل ، ويختلف الحال بالنّسبة للمرأة في بعض الأحوال . واستلام الحجر والرّكن اليمانيّ تعبّديٌّ وخصوصيّةٌ لهما ، وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في أحكام الطّواف .

استلحاقٌ *
التّعريف :
1 - الاستلحاق لغةً : مصدر استلحق ، يقال : استلحقه ادّعاه . واصطلاحاً : هو الإقرار بالنّسب . والتّعبير بلفظ الاستلحاق هو استعمال المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وأمّا الحنفيّة فاستعملوه في الإقرار بالنّسب على قلّةٍ .
صفته: حكمه التّكليفيّ :
2 - جاء في حديث عمرو بن شعيبٍ : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى أنّ كلّ مستلحقٍ استلحق بعد أبيه الّذي يدعى له فقد لحق بمن استلحقه » قال الخطّابيّ : هذه أحكامٌ وقعت في أوّل زمان الشّريعة ، وذلك أنّه كان لأهل الجاهليّة إماءٌ بغايا ، وكان سادتهنّ يلمّون بهنّ ، فإذا جاءت إحداهنّ بولدٍ ربّما ادّعاه السّيّد والزّاني ، فألحقه النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالسّيّد ، لأنّ الأمة فراشٌ كالحرّة ، فإن مات السّيّد ولم يستلحقه ثمّ استلحقه ورثته بعده لحق بأبيه . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ حكم الاستلحاق عند الصّدق واجبٌ ، ومع الكذب في ثبوته ونفيه حرامٌ ، ويعدّ من الكبائر ، لأنّه كفران النّعمة ، لما صحّ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أيّما امرأةٍ أدخلت على قومٍ من ليس منهم ، فليست من اللّه في شيءٍ ، ولن يدخلها اللّه جنّته ، وأيّما رجلٍ جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب اللّه تعالى منه ، وفضحه على رءوس الأوّلين والآخرين يوم القيامة » .
هذا ويشترط فقهاء المذاهب لصحّة الاستلحاق شروطاً معيّنةً ، منها : أن يولد مثله لمثله ، وأن يكون مجهول النّسب ، وألاّ يكذّبه المقرّ له إن كان من أهل الإقرار على تفصيلٍ في مصطلح ( نسبٌ ) وفي بابه من كتب الفقه .
استماعٌ *
التعريف :
1 - الاستماع لغةً واصطلاحاً : قصد السّماع بغية فهم المسموع أو الاستفادة منه .
الألفاظ ذات الصّلة
أ - السّماع :
2 - الاستماع لا يكون استماعاً إلاّ إذا توفّر فيه القصد ، أمّا السّماع فإنّه قد يكون بقصدٍ ، أو بدون قصدٍ . وغالب استعمال الفقهاء للسّماع ينصرف إلى استماع آلات الملاهي ، أي بالقصد .
ب - استراق السّمع :
الاستماع قد يكون على سبيل الاستخفاء ، وقد يكون على سبيل المجاهرة ، ولكنّ استراق السّمع لا يكون إلاّ على سبيل الاستخفاء ، ولذلك قالوا : استراق السّمع هو الاستماع مستخفياً ( ر : استراق السّمع ) .
ج - التّجسّس :
الاستماع لا يكون إلاّ بالسّمع ، أمّا التّجسّس فإنّه يكون بالسّمع وبغيره فضلاً عن أنّ التّجسّس يكون على سبيل الاستخفاء ، في حين أنّ الاستماع يكون على سبيل الاستخفاء ، أو على سبيل المجاهرة ( ر : تجسّسٌ ) .
د - الإنصات :
الإنصات هو السّكوت للاستماع . ويكون الاستماع إمّا لصوت الإنسان ، أو الحيوان ، أو الجماد .
النّوع الأوّل : استماع صوت الإنسان .
أ - حكم استماع القرآن خارج الصّلاة :
3 - الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم حين يقرأ واجبٌ إن لم يكن هناك عذرٌ مشروعٌ لترك الاستماع . وقد اختلف الحنفيّة في هذا الوجوب ، هل هو وجوبٌ عينيٌّ ، أو وجوبٌ كفائيٌّ ؟ قال ابن عابدين : الأصل أنّ الاستماع للقرآن فرض كفايةٍ ، لأنّه لإقامة حقّه ، بأن يكون ملتفتاً إليه غير مضيّعٍ ، وذلك يحصل بإنصات البعض ، كما في ردّ السّلام .
ونقل الحمويّ عن أستاذه قاضي القضاة يحيى الشّهير بمنقاري زاده : أنّ له رسالةً حقّق فيها أنّ سماع القرآن فرضٌ عينٍ . نعم إنّ قوله تعالى في سورة الأعراف { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } قد نزلت لنسخ جواز الكلام أثناء الصّلاة . إلاّ أنّ العبرة لعموم اللّفظ لا لخصوص السّبب ، ولفظها يعمّ قراءة القرآن في الصّلاة وفي غيرها .
وعند الحنابلة : يستحبّ استماع قراءة القرآن الكريم .
4 - ويعذر المستمع بترك الاستماع لتلاوة القرآن الكريم ، ولا يكون آثماً بذلك - بل الآثم هو التّالي ، على ما ذكره ابن عابدين - إذا وقعت التّلاوة بصوتٍ مرتفعٍ في أماكن الاشتغال ، والمستمع في حالة اشتغالٍ ، كالأسواق الّتي بنيت ليتعاطى فيها النّاس أسباب الرّزق ، والبيوت في حالة تعاطي أهل البيت أعمالهم من كنسٍ وطبخٍ ونحو ذلك ، وفي حضرة ناسٍ يتدارسون الفقه ، وفي المساجد ، لأنّ المساجد إنّما بنيت للصّلاة ، وقراءة القرآن تبعٌ للصّلاة ، فلا تترك الصّلاة لسماع القرآن فيه . وإنّما سقط إثم ترك الاستماع للقرآن في حالات الاشتغال دفعاً للحرج عن النّاس . قال تعالى - { وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ } وإنّما أثم القارئ بذلك ، لأنّه مضيّعٌ لحرمة القرآن .

اِبن الصالحين 05-06-2012 01:02 PM

ب - طلب تلاوته للاستماع إليه :
5 - يستحبّ للمسلم أن يطلب ممّن يعلم منه إجادة التّلاوة للقرآن الكريم مع حسن الصّوت التّلاوة ليستمع إليها ، قال الإمام النّوويّ : ( اعلم أنّ جماعاتٍ من السّلف رضوان الله عليهم كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرءوا وهم يستمعون ، وهذا متّفقٌ على استحبابه ، وهو من عادة الأخيار المتعبّدين وعباد اللّه الصّالحين ، وهو سنّةٌ ثابتةٌ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فقد صحّ عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه قال : قال لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « اقرأ عليّ ، فقلت : يا رسول اللّه أقرأ عليك ، وعليك أنزل ؟ قال : نعم وفي روايةٍ : إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النّساء حتّى أتيت على هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كلّ أمّةٍ بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } قال : حسبك الآن ، فالتفتّ إليه فإذا عيناه تذرفان » .
وروى الدّارميّ وغيره بأسانيدهم عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه كان يقول لأبي موسى الأشعريّ : ذكّرنا ربّنا ، فيقرأ عنده القرآن . والآثار في هذا كثيرةٌ معروفةٌ .
6 - قال النّوويّ : وقد استحبّ العلماء أن يستفتح مجلس حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم ويختم بقراءة قارئٍ حسن الصّوت ممّا تيسّر من القرآن . وقد صرّح الحنفيّة بأنّ استماع القرآن الكريم أفضل من قراءة الإنسان القرآن بنفسه ، لأنّ المستمع يقوم بأداء فرضٍ بالاستماع ، بينما قراءة القرآن ليست بفرضٍ ، قال أبو السّعود في حاشيته على ملاّ مسكينٍ : استماع القرآن أثوب من قراءته ، لأنّ استماعه فرضٌ بخلاف القراءة .
ت - استماع التّلاوة غير المشروعة :
7 - ذهب الجمهور إلى عدم جواز استماع تلاوة القرآن الكريم بالتّرجيع والتّلحين المفرط الّذي فيه التّمطيط ، وإشباع الحركات . والتّرجيع : أي التّرديد للحروف والإخراج لها من غير مخارجها . وقالوا : التّالي والمستمع في الإثم سواءٌ ، أي إذا لم ينكر عليه أو يعلّمه . أمّا تحسين الصّوت بقراءة القرآن من غير مخالفةٍ لأصول القراءة فهو مستحبٌّ ، واستماعه حسنٌ ، لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « زيّنوا القرآن بأصواتكم » وقوله عليه الصلاة والسلام في أبي موسى الأشعريّ : « لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود » . وعلى هذا يحمل قول الإمام الشّافعيّ في الأمّ : لا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصّوت بها بأيّ وجهٍ ما كان ، وأحبّ ما يقرأ إليّ حدراً وتحزيناً : وذهب بعض الشّافعيّة - كالماورديّ - إلى أنّ التّغنّي بالقرآن حرامٌ مطلقاً ، لإخراجه عن نهجه القويم ، وقيّده غيره بما إذا وصل به إلى حدٍّ لم يقل به أحدٌ من القرّاء ، وذهب بعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى إلى أنّ قراءة القرآن بالألحان مكروهةٌ على كلّ حالٍ ، لإخراج القرآن عن نهجه القويم ، وفسّروا قوله صلى الله عليه وسلم : « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن » بأنّ معناه : يستغني به .
8 - وفي كراهة قراءة الجماعة على الواحد - كما يفعل المتعلّمون عند الشّيخ وهو يستمع لهم - روايتان عند المالكيّة . إحداهما : أنّه حسنٌ . والثّانية : الكراهة ، وهو ما ذهب إليه الحنفيّة ، قال ابن رشدٍ : كان مالكٌ يكره هذا ولا يرضاه ، ثمّ رجع وخفّفه .
وجه الكراهة : أنّه إذا قرأ عليه جماعةٌ مرّةً واحدةً لا بدّ أن يفوته سماع ما يقرأ به بعضهم ، ما دام يصغي إلى غيرهم ، ويشتغل بالرّدّ على الّذي يصغي إليه ، فقد يخطئ في ذلك الحين ويظنّ أنّه قد سمعه ، وأجاز قراءته ، فيحمل عنه الخطأ ، ويظنّه مذهباً له .
ووجه التّخفيف : المشقّة الدّاخلة على المقرئ بانفراد كلّ واحدٍ حين القراءة عليه إذا كثروا ، وقد لا يعمّهم ، فرأى جمعهم في القراءة أحسن من القطع ببعضهم .
ث - استماع الكافر القرآن :
9 - لا يمنع الكافر من الاستماع إليه ، لقوله جلّ شأنه : { وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه } . ورجاء أن يشرح اللّه صدره للإسلام فيهتدي .
ج- استماع القرآن في الصّلاة :
10- ذهب الحنفيّة إلى أنّ استماع المأموم في الصّلاة لقراءة الإمام والإنصات إليه واجبٌ ، وقراءته مكروهةٌ كراهةً تحريميّةً ، سواءٌ أكان ذلك في الجهريّة أم السّرّيّة .
وذهب المالكيّة إلى أنّ استماع المأموم لقراءة الإمام تستحبّ في الجهريّة ،
أمّا السّرّيّة فإنّها تستحبّ فيها القراءة على المعتمد ، خلافاً لابن العربيّ حيث ذهب إلى وجوبها في السّرّيّة . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ قراءة المأموم الفاتحة في السّرّيّة والجهريّة واجبةٌ ، وإن فاته الاستماع . وذهب الحنابلة إلى أنّه يستحبّ للمأموم الاستماع إذا كان يسمع قراءة الإمام في الجهريّة ، وتفصيل ذلك في مصطلح ( قراءةٌ ) .
ح - استماع آية السّجدة :
11 - يترتّب على استماع أو سماع آيةٍ من آيات السّجدة السّجود للتّلاوة ، على خلافٍ بين الفقهاء في حكم السّجود ، تجده مع أدلّته في مصطلح ( سجود التّلاوة ) .
ثانياً : استماع غير القرآن الكريم :
أ - حكم استماع خطبة الجمعة :
اختلف الفقهاء في حكم الاستماع والإنصات للخطبة .
12 - فذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، والأوزاعيّ إلى وجوب الاستماع والإنصات ، وهو ما ذهب إليه عثمان بن عفّان ، وعبد اللّه بن عمر ، وابن مسعودٍ ، حتّى قال الحنفيّة : كلّ ما حرم في الصّلاة حرم في الخطبة ، فيحرم أكلٌ ، وشربٌ ، وكلامٌ ، ولو تسبيحاً ، أو ردّ سلامٍ ، أو أمراً بمعروفٍ ، أو نهياً عن منكرٍ . واستدلّوا على ذلك : - بقوله تعالى : { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } - وبأنّ الخطبة كالصّلاة ، فهي قائمةٌ مقام ركعتين من الفريضة ، ولم يستثن الحنفيّة والحنابلة من ذلك إلاّ تحذير من خيف هلاكه ، لأنّه يجب لحقّ آدميٍّ ، وهو محتاجٌ إليه ، أمّا الإنصات فهو لحقّ اللّه تعالى ، وحقوق اللّه تعالى مبنيّةٌ على المسامحة . واستثنى المالكيّة أيضاً : الذّكر الخفيف إن كان له سببٌ ، كالتّهليل ، والتّحميد ، والاستغفار ، والتّعوّذ ، والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكنّهم اختلفوا في وجوب الإسرار بهذه الأذكار الخفيفة . واستدلّ من قال بوجوب الاستماع للخطبة بما رواه أبو هريرة عن سيّدنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت - والإمام يخطب - فقد لغوت » .
13 - وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الاستماع والإنصات أثناء الخطبة سنّةٌ ، ولا يحرم الكلام ، بل يكره ، وحكى ذلك النّوويّ عن عروة بن الزّبير ، وسعيد بن جبيرٍ ، والشّعبيّ ، والنّخعيّ ، والثّوريّ ، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد . واستدلّوا على الكراهة بالجمع بين حديث : « إذا قلت لصاحبك : أنصت ، فقد لغوت » وخبر الصّحيحين عن أنسٍ : « فبينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابيٌّ فقال : يا رسول اللّه ، هلك المال وجاع العيال فادع لنا أن يسقينا . قال : فرفع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يديه وما في السّماء قزعةٌ ... » وإن عرض له ناجزٌ كتعليم خيرٍ ، ونهيٍ عن منكرٍ ، وإنذار إنسانٍ عقرباً ، أو أعمى بئراً لم يمنع من الكلام ، لكن يستحبّ أن يقتصر على الإشارة إن أغنت ، ويباح له - أي الكلام - بلا كراهةٍ . ويباح الكلام عند الشّافعيّة للدّاخل في أثناء الخطبة ما لم يجلس ، كما صرّحوا بأنّه لو سلّم داخلٌ على مستمع الخطبة وهو يخطب ، وجب الرّدّ عليه بناءً على أنّ الإنصات سنّةٌ ، ويستحبّ تشميت العاطس إذا حمد اللّه ، لعموم الأدلّة ، وإنّما لم يكره كسائر الكلام لأنّ سببه قهريٌّ .
14 - وذهب الحنابلة والشّافعيّة إلى أنّ للبعيد الّذي لا يسمع صوت الخطيب أن يقرأ القرآن ، ويذكر اللّه تعالى ، ويصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم من غير أن يرفع صوته ، لأنّه إن رفع صوته منع من هو أقرب منه من الاستماع ، وهذا مرويٌّ عن عطاء بن أبي رباحٍ ، وسعيد بن جبيرٍ ، وعلقمة بن قيسٍ ، وإبراهيم النّخعيّ ، حتّى قال النّخعيّ : إنّي لأقرأ جزئي إذا لم أسمع الخطبة يوم الجمعة . وسأل إبراهيم النّخعيّ علقمة : أقرأ في نفسي أثناء الخطبة ؟ فقال علقمة : لعلّ ذلك ألاّ يكون به بأسٌ .
ب - استماع صوت المرأة :
15 - إذا كان مبعث الأصواتس هو الإنسان ، فإنّ هذا الصّوت إمّا أن يكون غير موزونٍ ولا مطربٍ ، أو يكون مطرباً . فإن كان الصّوت غير مطربٍ ، فإمّا أن يكون صوت رجلٍ أو صوت امرأةٍ ، فإن كان صوت رجلٍ : فلا قائل بتحريم استماعه .
أمّا إن كان صوت امرأةٍ ، فإن كان السّامع يتلذّذ به ، أو خاف على نفسه فتنةً حرم عليه استماعه ، وإلاّ فلا يحرم ، ويحمل استماع الصّحابة رضوان الله عليهم أصوات النّساء حين محادثتهنّ على هذا ، وليس للمرأة ترخيم الصّوت وتنغيمه وتليينه ، لما فيه من إثارة الفتنة ، وذلك لقوله تعالى : { فلا تخضعن بالقول فيطمع الّذي في قلبه مرضٌ } .
وأمّا إن كان الصّوت مطرباً فهذا الغناء استماعٌ ، وفيما يلي تفصيل القول فيه :
ج - الاستماع إلى الغناء :
16 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ استماع الغناء يكون محرّماً في الحالات التّالية :
أ - إذا صاحبه منكرٌ .
ب - إذا خشي أن يؤدّي إلى فتنةٍ كتعلّقٍ بامرأةٍ ، أو بأمرد ، أو هيجان شهوةٍ مؤدّيةٍ إلى الزّنى .
ج - إن كان يؤدّي إلى ترك واجبٍ دينيٍّ كالصّلاة ، أو دنيويٍّ كأداء عمله الواجب عليه ، أمّا إذا أدّى إلى ترك المندوبات فيكون مكروهاً . كقيام اللّيل ، والدّعاء في الأسحار ونحو ذلك .
الغناء للتّرويح عن النّفس :
أمّا إذا كان الغناء بقصد التّرويح عن النّفس ، وكان خالياً عن المعاني السّابقة فقد اختلف فيه ، فمنعه جماعةٌ وأجازه آخرون .
17 - وقد ذهب عبد اللّه بن مسعودٍ إلى تحريمه ، وتابعه على ذلك جمهور علماء أهل العراق ، منهم إبراهيم النّخعيّ ، وعامر الشّعبيّ ، وحمّاد بن أبي سليمان ، وسفيان الثّوريّ ، والحسن البصريّ ، والحنفيّة ، وبعض الحنابلة . واستدلّ هؤلاء على التّحريم : - بقوله تعالى : { ومن النّاس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل اللّه } قال ابن عبّاسٍ وابن مسعودٍ : لهو الحديث هو : الغناء . وبحديث أبي أمامة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع المغنّيات ، وعن شرائهنّ ، وعن كسبهنّ ، وعن أكل أثمانهنّ » . وبحديث عقبة بن عامرٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « كلّ شيءٍ يلهو به الرّجل فهو باطلٌ ، إلاّ تأديبه فرسه ، ورميه بقوسه ، وملاعبته امرأته » .
18 - وذهب الشّافعيّة ، والمالكيّة ، وبعض الحنابلة إلى أنّه مكروهٌ ، فإن كان سماعه من امرأةٍ أجنبيّةٍ فهو أشدّ كراهةً ، وعلّل المالكيّة الكراهة بأنّ سماعه مخلٌّ بالمروءة ، وعلّلها الشّافعيّة بقولهم : لما فيه من اللّهو . وعلّلها الإمام أحمد بقوله : لا يعجبني الغناء لأنّه ينبت النّفاق في القلب .
19 - وذهب عبد اللّه بن جعفرٍ ، وعبد اللّه بن الزّبير ، والمغيرة بن شعبة ، وأسامة بن زيدٍ ، وعمران بن حصينٍ ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وغيرهم من الصّحابة ، وعطاءٌ بن أبي رباحٍ ، وبعض الحنابلة منهم أبو بكرٍ الخلاّل ، وصاحبه أبو بكرٍ عبد العزيز ، والغزاليّ من الشّافعيّة إلى إباحته . واستدلّوا على ذلك بالنّصّ والقياس . أمّا النّصّ : فهو ما أخرجه البخاريّ ومسلمٌ عن عائشة رضي الله عنها قالت : « دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بعاثٍ ، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ، ودخل أبو بكرٍ فانتهرني وقال : مزمارة الشّيطان عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : دعهما ، فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا » . ويقول عمر بن الخطّاب :" الغناء زاد الرّاكب "فقد روى البيهقيّ في سننه : أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان يستمع إلى غناء خوّاتٍ ، فلمّا كان السّحر قال له :" ارفع لسانك يا خوّات ، فقد أسحرنا "
وأمّا القياس : فإنّ الغناء الّذي لا يصاحبه محرّمٌ فيه سماع صوتٍ طيّبٍ موزونٍ ، وسماع الصّوت الطّيّب من حيث إنّه طيّبٌ لا ينبغي أن يحرم ، لأنّه يرجع إلى تلذّذ حاسّة السّمع بإدراك ما هو مخصوصٌ به ، كتلذّذ الحواسّ الأخرى بما خلقت له .
20 - وأمّا الوزن فإنّه لا يحرّم الصّوت ، ألا ترى أنّ الصّوت الموزون الّذي يخرج من حنجرة العندليب لا يحرم سماعه ، فكذلك صوت الإنسان ، لأنّه لا فرق بين حنجرةٍ وحنجرةٍ . وإذا انضمّ الفهم إلى الصّوت الطّيّب الموزون ، لم يزد الإباحة فيه إلاّ تأكيداً .
21 - أمّا تحريك الغناء القلوب ، وتحريكه العواطف ، فإنّ هذه العواطف إن كانت عواطف نبيلةً فمن المطلوب تحريكها ، وقد وقع لعمر بن الخطّاب أن استمع إلى الغناء في طريقه للحجّ - كما تقدّم - وكان الصّحابة ينشدون الرّجزيّات لإثارة الجند عند اللّقاء ، ولم يكن أحدٌ يعيب عليهم ذلك ، ورجزيّات عبد اللّه بن رواحة وغيره معروفةٌ مشهورةٌ .
الغناء لأمرٍ مباحٍ :
22 - إذا كان الغناء لأمرٍ مباحٍ ، كالغناء في العرس ، والعيد ، والختان ، وقدوم الغائب ، تأكيداً للسّرور المباح ، وعند ختم القرآن الكريم تأكيداً للسّرور كذلك ، وعند سير المجاهدين للحرب إذا كان للحماس في نفوسهم ، أو للحجّاج لإثارة الأشواق في نفوسهم إلى الكعبة المشرّفة ، أو للإبل لحثّها على السّير - وهو الحداء - أو للتّنشيط على العمل كغناء العمّال عند محاولة عملٍ أو حمل ثقيلٍ ، أو لتسكيت الطّفل وتنويمه كغناء الأمّ لطفلها ، فإنّه مباحٌ كلّه بلا كراهةٍ عند الجمهور . واستدلّوا على ذلك بما ذكر سابقاً من حديث الجاريتين الّذي روته أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهذا نصٌّ في إباحة الغناء في العيد . وبحديث بريدة قال : « خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه ، فلمّا انصرف جاءت جاريةٌ سوداء فقالت : يا رسول اللّه إنّي كنت نذرت - إن ردّك اللّه سالماً - أن أضرب بين يديك بالدّفّ وأتغنّى ، فقال لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إن كنت نذرت فاضربي وإلاّ فلا » . وهذا نصٌّ في إباحة الغناء عند قدوم الغائب تأكيداً للسّرور ، ولو كان الغناء حراماً لما جاز نذره ، ولما أباح لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فعله . وبحديث عائشة : « أنّها أنكحت ذات قرابةٍ لها من الأنصار ، فجاء رسول اللّه فقال : أهديتم الفتاة ؟ قالوا : نعم ، قال : أرسلتم معها من يغنّي ؟ قالت : لا ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّ الأنصار قومٌ فيهم غزلٌ ، فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم أتيناكم ، فحيّانا وحيّاكم » . وهذا نصٌّ في إباحة الغناء في العرس . وبحديث عائشة قالت : « كنت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في سفرٍ ، وكان عبد اللّه بن رواحة جيّد الحداء ، وكان مع الرّجال ، وكان أنجشة مع النّساء ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لابن رواحة : حرّك القوم ، فاندفع يرتجز ، فتبعه أنجشة ، فأعنفت الإبل ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأنجشة رويدك ، رفقاً بالقوارير . يعني النّساء » . وعن السّائب بن يزيد قال :" كنّا مع عبد الرّحمن بن عوفٍ في طريق الحجّ ، ونحن نؤمّ مكّة ، اعتزل عبد الرّحمن الطّريق ، ثمّ قال لرباح بن المغترف : غنّنا يا أبا حسّان ، وكان يحسن النّصب - والنّصب ضربٌ من الغناء - فبينا رباحٌ يغنّيه أدركهم عمر في خلافته فقال : ما هذا ؟ فقال عبد الرّحمن : ما بأسٌ بهذا ؟ نلهو ونقصّر عنّا السّفر ، فقال عمر : فإن كنت آخذاً فعليك بشعر ضرار بن الخطّاب بن مرداسٍ فارس قريش"ٍ . وكان عمر يقول ." الغناء من زاد الرّاكب "، وهذا يدلّ على إباحة الغناء لترويح النّفس . وروى ابن أبي شيبة أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان يأمر بالحداء .
د - الاستماع إلى الهجو والنّسيب :
23 - يشترط في الكلام - سواءٌ أكان موزوناً ( كالشّعر ) أم غير موزونٍ ، ملحّناً ( كالغناء ) أم غير ملحّنٍ - حتّى يحلّ استماعه ألاّ يكون فاحشاً ، وليس فيه هجوٌ ، ولا كذبٌ على اللّه ورسوله ، ولا على الصّحابة ، ولا وصف امرأةٍ معيّنةٍ ، فإن استمع إلى شيءٍ من الكلام فيه شيءٌ ممّا ذكرناه ، فالمستمع شريك القائل في الإثم . أمّا هجاء الكفّار وأهل البدع فذلك جائزٌ ، وقد « كان حسّان بن ثابتٍ شاعر رسول اللّه يهاجي الكفّار بعلم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أو أمره ، وقد قال له عليه الصلاة والسلام : اهجهم أو هاجهم وجبريل معك »
وأمّا النّسيب فإنّه لا شيء فيه ، وقد كان يقال أمام رسول اللّه وهو يستمع إليه « فقد استمع صلوات الله وسلامه عليه إلى قصيدة كعب بن زهيرٍ : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول »
مع ما فيها من النّسيب .
النّوع الثّاني : استماع صوت الحيوان :
24 - اتّفق العلماء على جواز استماع أصوات الحيوانات ، سواءٌ كانت هذه الأصوات قبيحةً كصوت الحمار والطّاووس ونحوهما ، أو عذبةً موزونةً كأصوات العنادل والقماريّ ونحوها ، قال الغزاليّ : فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيّبةً أو موزونةً ، فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطّيور .
النّوع الثّالث : استماع أصوات الجمادات :
25 - إذا انبعثت أصوات الجمادات من تلقاء نفسها أو بفعل الرّيح فلا قائل بتحريم استماع هذه الأصوات . أمّا إذا انبعثت بفعل الإنسان ، فإمّا أن تكون غير موزونةٍ ولا مطربةٍ ، كصوت طرق الحدّاد على الحديد ، وصوت منشار النّجّار ونحو ذلك ، ولا قائل بتحريم استماع صوتٍ من هذه الأصوات . وأمّا أن ينبعث الصّوت من الآلات بفعل الإنسان موزوناً مطرباً ، وهو ما يسمّى بالموسيقى . فتفصيل القول فيه كما يلي :
أوّلاً - استماع الموسيقى :
26 - إنّ ما حلّ تعاطيه ( أي فعله ) من الموسيقى والغناء حلّ الاستماع إليه ، وما حرم تعاطيه منهما حرم الاستماع إليه ، لأنّ تحريم الموسيقى أو الغناء ليس لذاته ، ولكن لأنّه أداةٌ للإسماع ، ويدلّ على هذا قول الغزاليّ في معرض حديثه عن شعر الخنا ، والهجو ، ونحو ذلك : فسماع ذلك حرامٌ بألحانٍ وبغير ألحانٍ ، والمستمع شريكٌ للقائل . وقول ابن عابدين : وكره كلّ لهوٍ واستماعه .
أ : الاستماع لضرب الدّفّ ونحوه من الآلات القرعيّة :
27 - اتّفق الفقهاء على حلّ الضّرب بالدّفّ والاستماع إليه ، على تفصيلٍ في ذلك ، هل هذه الإباحة هي في العرس وغيره ، أم هي في العرس دون غيره ؟ وهل يشترط في ذلك أن يكون الدّفّ خالياً من الجلاجل أم لا يشترط ذلك ؟ وستجد ذلك التّفصيل في مصطلح ( معازف ) ( وسماعٌ ) . واستدلّوا على ذلك بما رواه محمّد بن حاطبٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « فصل ما بين الحلال والحرام الدّفّ والصّوت في النّكاح » . وبما روت عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « أعلنوا هذا النّكاح ، واضربوا عليه بالغربال » . وما روت الرّبيّع بنت معوّذٍ قالت : « دخل عليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم غداة بني عليّ ، فجلس على فراشي ، وجويرياتٌ يضربن بالدّفّ يندبن من قتل من آبائي يوم بدرٍ ، حتّى قالت إحداهنّ : وفينا نبيٌّ يعلم ما في غدٍ ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : لا تقولي هكذا وقولي كما كنت تقولين » .
28 - وألحق المالكيّة ، والحنفيّة ، والغزاليّ من الشّافعيّة بالدّفّ جميع أنواع الطّبول - وهي الآلات الفرعيّة - ما لم يكن استعمالها للهوٍ محرّمٍ . واستثنى من ذلك بعضهم - كالغزاليّ مثلاً - الكوبة ، لأنّها من آلات الفسقة . واستثنى الحنفيّة من ذلك الضّرب بالقضيب . قال ابن عابدين : ضرب النّوبة للتّفاخر لا يجوز ، وللتّنبيه فلا بأس به ، وينبغي أن يكون كذلك بوق الحمّام وطبل المسحّر ، ثمّ قال : وهذا يفيد أنّ آلة اللّهو ليست محرّمةً بعينها بل لقصد اللّهو فيها ، إمّا من سامعها ، أو من المشتغل بها ، وبه تشعر الإضافة - يعني إضافة الآلة إلى اللّهو - ألا ترى أنّ ضرب تلك الآلة حلّ تارةً وحرم أخرى باختلاف النّيّة ، والأمور بمقاصدها .
ب - الاستماع للمزمار ونحوه من الآلات النّفخيّة :
29 - أجاز المالكيّة الاستماع إلى الآلات النّفخيّة كالمزمار ونحوه ، ومنعه غيرهم ، وروى ابن أبي شيبة في مصنّفه عن ابن مسعودٍ إباحة الاستماع إليه ، فقد روى بسنده إلى ابن مسعودٍ أنّه دخل عرساً فوجد فيه مزامير ولهواً ، فلم ينه عنه . ومنعه غير المالكيّة .
30 - أمّا الآلات الوتريّة كالعود ونحوه ، فإنّ الاستماع إليها ممنوعٌ في العرس وغيره عند جمهور العلماء .
وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء السّلف إلى التّرخيص فيها ، وممّن رخّص فيها : عبد اللّه بن جعفرٍ ، وعبد اللّه بن الزّبير ، وشريحٌ ، وسعيد بن المسيّب ، وعطاء بن أبي رباحٍ ، ومحمّد بن شهابٍ الزّهريّ ، وعامر بن شراحيل الشّعبيّ ، وغيرهم .
ثانياً : استماع الصّوت والصّدى :
31 - من تتبّع أقوال الفقهاء يتبيّن أنّهم يرتّبون آثار الاستماع على استماع الصّوت ، أمّا استماع الصّدى فلم يتحدّث عنه إلاّ الحنفيّة . ويظهر أنّ الحنفيّة لا يرتّبون آثار الاستماع على استماع الصّدى ، فقد نصّوا على أنّه لا تجب سجدة التّلاوة بسماعها من الصّدى .

استمتاعٌ *
التعريف :
1 - الاستمتاع : طلب التّمتّع ، والتّمتّع الانتفاع ، يقال : استمتعت بكذا وتمتّعت به : انتفعت . ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ ، وأغلب وروده عندهم في استمتاع الرّجل بزوجته .
الحكم الإجماليّ :
2 - الاستمتاع بما أحلّه اللّه في الحالات المشروعة جائزٌ ، كالاستمتاع بالزّوجة من وطءٍ ومقدّماته إذا لم تكن هناك موانع شرعيّةٌ ، كحيضٍ ونفاسٍ وإحرامٍ وصيام فرضٍ ، فإن كانت هناك موانع شرعيّةٌ حرم الوطء . أمّا الاستمتاع بالأجنبيّة بأيّ نوعٍ من أنواع الاستمتاع كنظرٍ ، ولمسٍ ، وقبلةٍ ، ووطءٍ ، فهو محظورٌ ، يستحقّ فاعله الحدّ إن كان زنى ، والتّعزير إن كان غير ذلك كمقدّمات الوطء . ويرتّب الفقهاء على الاستمتاع بالزّوجة آثاراً كتمام المهر واستقراره والنّفقة . وتنظر تفاصيل الموضوع في ( النّكاح ) و ( المهر ) و ( النّفقة ) .
مواطن البحث :
3 - الاستمتاع بالزّوجة يرد عند الفقهاء في أبواب النّكاح ، والحيض ، والنّفاس ، ومحظورات الإحرام في الحجّ ، والصّيام ، والاعتكاف ، وتنظر في أبوابها . والاستمتاع المحرّم يرد في باب حدّ الزّنا ، وباب التّعزير ، وتنظر في أبوابها .

استمناءٌ *
التعريف :
1 - الاستمناء : مصدر استمنى ، أي طلب خروج المنيّ . واصطلاحاً : إخراج المنيّ بغير جماعٍ ، محرّماً كان ، كإخراجه بيده استدعاءً للشّهوة ، أو غير محرّمٍ كإخراجه بيد زوجته . 2 - وهو أخصّ من الإمناء والإنزال ، فقد يحصلان في غير اليقظة ودون طلبٍ ، أمّا الاستمناء فلا بدّ فيه من استدعاء المنيّ في يقظة المستمني بوسيلةٍ ما . ويكون الاستمناء من الرّجل ومن المرأة . ويقع الاستمناء ولو مع وجود الحائل . جاء في ابن عابدين : لو استمنى بكفّه بحائلٍ يمنع الحرارة يأثم أيضاً .
وفي الشّروانيّ على التّحفة : إن قصد بضمّ امرأةٍ الإنزال - ولو مع الحائل - يكون استمناءً مبطلاً للصّوم . بل صرّح الشّافعيّة والمالكيّة بأنّ الاستمناء يحصل بالنّظر . ولمّا كان الإنزال بالاستمناء يختلف أحياناً عن الإنزال بغيره كالجماع والاحتلام أفرد بالبحث .
وسائل الاستمناء :
3 - يكون الاستمناء باليد ، أو غيرها من أنواع المباشرة ، أو بالنّظر ، أو بالفكر . الاستمناء باليد :
4 - أ - الاستمناء باليد إن كان لمجرّد استدعاء الشّهوة فهو حرامٌ في الجملة ، لقوله تعالى : { والّذين هم لفروجهم حافظون ، إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنّهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } . والعادون هم الظّالمون المتجاوزون ، فلم يبح اللّه سبحانه وتعالى الاستمتاع إلاّ بالزّوجة والأمة ، ويحرم بغير ذلك .
وفي قولٍ للحنفيّة ، والشّافعيّة ، والإمام أحمد : أنّه مكروهٌ تنزيهاً .
ب - وإن كان الاستمناء باليد لتسكين الشّهوة المفرطة الغالبة الّتي يخشى معها الزّنى فهو جائزٌ في الجملة ، بل قيل بوجوبه ، لأنّ فعله حينئذٍ يكون من قبيل المحظور الّذي تبيحه الضّرورة ، ومن قبيل ارتكاب أخفّ الضّررين . وفي قولٍ آخر للإمام أحمد : أنّه يحرم ولو خاف الزّنى ، لأنّ له في الصّوم بديلاً ، وكذلك الاحتلام مزيلٌ للشّبق . وعبارات المالكيّة تفيد الاتّجاهين : الجواز للضّرورة ، والحرمة لوجود البديل ، وهو الصّوم .
ج - وصرّح ابن عابدين من الحنفيّة بأنّه لو تعيّن الخلاص من الزّنى به وجب .
الاستمناء بالمباشرة فيما دون الفرج :
5 - الاستمناء بالمباشرة فيما دون الفرج يشمل كلّ استمتاعٍ - غير النّظر والفكر - من وطءٍ في غير الفرج ، أو تبطينٍ ، أو تفخيذٍ ، أو لمسٍ ، أو تقبيلٍ . ولا يختلف أثر الاستمناء بهذه الأشياء في العبادة عن أثرها في الاستمناء باليد عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة . ويبطل به الصّوم عند الحنفيّة ، دون كفّارةٍ . ولا يختلف أثره في الحجّ عن أثر الاستمناء باليد فيه .
الاغتسال من الاستمناء :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ الغسل يجب بالاستمناء ، إذا خرج المنيّ عن لذّةٍ ودفقٍ ، ولا عبرة باللّذّة والدّفق عند الشّافعيّة ، وهو روايةٌ عن أحمد وللمالكيّة قولٌ بذلك لكنّه خلاف المشهور . واشترط الحنفيّة لترتّب الأثر على المنيّ أن يخرج بلذّةٍ ودفقٍ ، وهو مشهور المالكيّة ، فلا يجب فيه شيءٌ ما لم تكن لذّةٌ ، والمذهب عند أحمد على هذا ، وعليه جماهير الأصحاب ، وقطع به كثيرٌ منهم . أمّا إن أحسّ بانتقال المنيّ من صلبه فأمسك ذكره ، فلم يخرج منه شيءٌ في الحال ، ولا علم خروجه بعد ذلك فلا غسل عليه عند كافّة العلماء ،« لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّق الاغتسال على الرّؤية ». والرّواية المشهورة عن الإمام أحمد بن حنبلٍ أنّه يجب الغسل ، لأنّه لا يتصوّر رجوع المنيّ ، ولأنّ الجنابة في حقيقتها هي : انتقال المنيّ عن محلّه وقد وجد . وأيضاً فإنّ الغسل يراعى فيه الشّهوة ، وقد حصلت بانتقاله فأشبه ما لو ظهر . فإن سكنت الشّهوة ثمّ أنزل بعد ذلك ، فإنّه يجب عليه الغسل عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، والشّافعيّة والحنابلة ، وأصبغ وابن الموّاز من المالكيّة . وقال أبو يوسف : لا يغتسل ، ولكن ينتقض وضوءه ، وهو قول القاسم من المالكيّة . ولتفصيل ما يتعلّق بذلك انظر مصطلح ( غسلٌ ) .


الساعة الآن 06:06 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009