![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم و رحمة الله و بركاته تفسير سورة النبأ و تسمى سورة عمّ يتساءلون , و هي مكية و آيها أربعون . ( عمّ يتساءلون ) عن أي شيء يتساءل المكذبون بآيات الله ؟ قال ابن جرير : و ذلك أن قريشا جعلت , فيما ذكرعنها , تختصم و تتجادل في الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم , من الإقرار بنبوته , و التصديق بما جاء به من عند الله تعالى , و الإيمان بالبعث . فقال الله تعالى لنبيه : فيما يتساءل هؤلاء القوم و يختصمون ؟ ثم بيّن ما يتساءلون عنه فقال : " عن النبأ العظيم , الذي هم فيه مختلفون " . ( عن النبأ العظيم ) أي : الخبر الهائل المفظع الباهر , و هو أمر القيامة و البعث بعد الموت . ( الذي هم فيه مختلفون ) يعني : الناس فيه على قولين : مؤمن به و كافر . ( كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ) أي : سيعلمون إذا نزل بهم العذاب ما كانوا به يكذبون , حيث يُدَعُّون إلى نار جهنم دَعَّا , و يقال لهم " هذه النار التي كنتم بها تكذبون " . ثم شرع الله تعالى يُبَيِّن قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة و الأمور العجيبة , الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد و غيره , فقال : ( ألم نجعل الأرض مِهَادَا ) أي : ممهدة مهيأة لكم و لمصالحكم , من الحروث و المساكن و السبل . ( و الجبال أوتادا ) أي : جعلها للأرض أوتادًا , أرساها بها و ثبتها و قرّرها حتى سكنت و لم تضطرب بمن عليها . ( و خلقناكم أزواجا ) أي ذكورا و إناثا . قال الإمام : ليتم الإئتناس و التعاون على سعادة المعيشة و حفظ النسل و تكميله بالتربية . ( و جلعنا نومكم سباتا ) أي : قَطْعًا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد و السعي في المعايش في عرض النهار . ( و جلعنا الليل لباسا ) أي كاللباس بإحاطة ظلمته بكل أحد , و ستره لهم . ( و جلعنا النهار معاشا ) أي : جعلناه مشرقا منيرا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه و الذهاب و المجيء للمعاش و التكسب و التجارات , و غير ذلك . ( و بنينا فوقكم سبعا شدادا ) أي : السموات السبع في قوتها و صلابتها و شدّتها , و في اتساعها و ارتفاعها و إحكامها و إتقانها , و تزيينها بالكواكب الثوابت و السيارات , و قد أمسكها الله بقدرته , و جعلها سقفا للأرض , لا تفنى و لا تزول إلى أن يأذن سبحانه و تعالى بزوالها . ( وجعلنا سراجا وهّاجا ) يعني : الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم . ( و أنزلنا من المعصرات ) أي السحابات التي حان لها أن تمطر . ( ماءً ثَجَّاجا ) أي منصبّا متتابعا . ( لنخرج به حبًّا و نباتا ) أي لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المُبارك " حبّا " من بُرٍّ و شعير , و ذرة و أرز , و غير ذلك , يدخر للأناسي و الأنعام , و " نباتا " يشمل سائر النبات . ( و جنّاتٍ ألفافا ) أي حدائق ملتفة الشجر , مجتمعة الأغصان , فيها من جميع أصناف الفواكه اللذيذة . فالذي أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة , التي لا يقدر قدرها , و لا يحصى عدها , كيف تكفرون به و تكذبون ما أخبركم به من البعث و النشور ؟! أم كيف تستعينون بنعمه على معاصيه و تجحدونها ؟!! ( إن يوم الفصل كان ميقاتا ) يخبر تعالى عن يوم الفصل , و هو يوم يفصل بين الناس و يفرق السعداء من الأشقياء , باعتبار تفاوت الأعمال , و هو يوم القيامة , و أنه مؤقت بأجل معدود , لا يزاد عليه و لا ينقص منه , و لا يعلم وقته على التعيين إلا الله عز و جل , كما قال " و ما نُؤَخرُه إلا لأجل معدود " . ( يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ) يوم ينفخ إسرافيل نفخة البعث فتأتون أيها الناس جماعات , جماعات , كل جماعة مع إمامهم , على حسب تباين عقائدهم و أعمالهم و توافقهم , قال تعالى " يوم ندعو كلّ أناس بإمامهم " . ( و فُتحت السماء فكانت أبوابا ) و تشققت السماء حتى تكون طرقا و مسالك لنزول الملائكة منها . ( و سيرت الجبال فكانت سرابا ) أي : رفعت من أماكنها في الهواء , و ذلك يكون بعد تفتيتها و جعلها أجزاء متصاعدة كالهباء , فترى كأنها جبال و ليست بجبال , بل غبار غليظ متراكم , يرى من بعيد كأنه جبل , ثم يذهب ذلك بالكلية , فلا عين و لا أثر كما قال تعالى " و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا , فيذرها قاعا صفصفا , لا ترى فيها عوجا و لا أمتا " . ( إن جنهم كانت مرصادا ) أي موضع رصد , يرصد فيه خزنتها من كان يكذب بها و بالمعاد . ( للطّاغين مأبا ) أي تكون للذين طغوا في الدنيا , فتجاوزوا حدود الله استكبارا على ربهم , منزلا و مرجعا يصيرون إليه . ( لابثين فيها أحقابا ) أي ماكتين فيها دهورا متتابعة إلى غير نهاية , كقوله تعالى " خالدين فيها أبدا " . ( لا يذوقون فيها بردًا و لا شرابا ) لا يجدون في جهنّم ما يبرد جلودهم , و لا ما يدفع ظمأهم . ( إلا حميما ) أي ماء حارًّا إنتهى غليانه , يشوي وجوههم , و يقطع أمعاءهم . ( و غسّاقا ) و هو صديد أهل النار , الذي هو في غاية النتن , و كراهة المذاق , يجمع في حياض , ثم يسقونه . ( جزاءًا وفاقا ) أي : جوزوا بذلك جزاءً موافقا لما ارتكبوه من الأعمال , و قدموه من العقائد و الأخلاق . ( إنهم كانوا لا يرجون حسابا ) أي : لم يكونوا يعتقدون أن ثَم دارًا يجازون فيها و يحاسبون , لذلك أهملوا العمل للآخرة . ( و كذبوا آياتنا كذابا ) أي : و كانوا يكذبون بحجج الله و دلائله على خلقه التي أنزلها على رسله , فيقابلونها بالتكذيب و المعاندة . ( و كل شيء أحصيناه كتابا ) أي : وقد عَلِمنا أعمال العباد كلهم , و كتبناها عليهم , و سنجزيهم على ذلك , إن خيرا فخير , و إن شرا فشر . قال تعالى : " ووضع الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدًا " . ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) يقال لأهل النار تقريعا و غضبا و تأنيبا لهم من تخفيف العذاب , ذوقوا ما أنتم فيه , فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه . قال عبد الله بن عمرو : لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه : " فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا " . قال : فهم في مزيد من العذاب أبدا . ( إن للمتقين مفازا ) إن الذين اتقوا سخط ربهم , بالتمسك بطاعته , والإنكفاف عما يكرهه , لهم مفاز و منجى , و بُعد عن النار . ( حدائق و أعنابا ) أي : بساتين جامعة لأصناف الأشجار الزاهية . و خص الأعناب بذكره لشرفه و كثرته في تلك الحدائق . ( و كواعب أترابا ) أي حور نواهدهن مستديرة مع ارتفاع يسير , لشبابهن و قوتهن و نضارتهن , و هن في سن واحدة . ( و كأسا دهاقا ) أي ملأى من خمر لذة للشاربين . ( لا يسمعون فيها لغوا و لا كذّابا ) لا يسمعون في الجنة باطلا من القول و لا كذابا . ( جزاءً من ربّك عطاءً حسابا ) هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به جزاءا كافيا وافيا شاملا كثيرا و أعطاهموه , بفضله و منّه و إحسانه و رحمته . ( ربّ السماوات و الأرض و ما بينهما الرحمن ) يخبر تعالى عن عظمته و جلاله , و أنه رب السماوات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما – أي مالكهما و المتصرف فيهما – و أنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء . ( لا يملكون منه خطابا ) أي : لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه كقوله تعالى " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " , و كقوله " يوم يأت لا تكلَّم نفس إلا بإذنه " . ( يوم يقوم الرُّوح ) أي جبريل عليه السلام و هو المعبّر عنه بروح القدس في آية أخرى . ( و الملائكة صفا ) قال القاشاني : أي صافّين في مراتبهم , كقوله تعالى : " و ما منّا إلاّ له مقام معلوم " . و قال الرازي : يحتمل أن يكون المعنى صفًّا واحدا , و يحتمل أنه صفان , و يجوز صفوفا... و رجح بعضهم الأخير , لآية " و جاء ربُّك و الملك صفًّا صفًّا " . ( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا ) أي : لا يتكلمون في الشفاعة كقوله " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " و الضمير للملائكة أو أعمّ كقوله " يوم يأت لا تكلَّم نفس إلا بإذنه " قال الزمخشري : هما شريطتان أن يكون المتكلّم منهم مأذونا له في الكلام , و أن يتكلّم بالصواب , فلا يشفع لغير مرتضى لقوله تعالى " و لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى " . ( ذلك اليوم الحق ) أي الواقع الذي لا يمكن إنكاره و هو يوم الفصل , الذي لا يروج فيه الباطل , و لا ينفع فيه الكذب . ( فمن شاء اتّخذ إلى ربّه مآبا ) أي فمن شاء اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحق , و الإستعداد له و العمل بما فيه , مرجعا حسنا يؤوب إليه . و نجاةً له من أهواله . ( إنّا أنذرناكم عذابا قريبا ) أي : خوفناكم عذابا قريبا جدا – و كل ما هو آت فهو قريب – يبتدئ بالموت و لا ينتهي أبدا . ( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) أي : يعرض عليه جميع أعماله , خيرها و شرها , قديمها و حديثها , كقوله " ووجدوا ما عملوا حاضرا " , و كقوله " يُنَبَّأُ الإنسان يومئذ بما قدّم و أخّر " . ( و يقول الكافر ياليتني كنت ترابا ) أي يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابا , و لم يكن خُلِقَ , و لا خرج إلى الوجود . و ذلك حين عاين عذاب الله , و نظر إلى أعماله الفاسدة قد سطِّرت عليه بأيدي الملائكة السَّفرة الكرام البررة . و قيل : إنه لم يرى البهائم بعد القصاص لها صارت ترابا , يتمنى الكافر و هو في عذايه أن لو كان ترابا مثل البهائم , و لولا العذاب و شدته و دوامه لما تمنى أن يكون ترابا أبدا . |
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم و رحمة الله و بركاته تفسير سورة المرسلات و تسمى سورة العرف , و هي مكية و آيها خمسون . أقسم الله تعالى – على البعث و الجزاء بالأعمال – بعدة أشياء من مخلوقاته – و لله أن يقسم بما شاء , و الحكمة من الإقسام أن تسكن النفوس للخبر و تطمئن إلى صدق المخبر فيه و بذلك يحصل الغرض من إلقاء الخبر على السامعين – فقال : ( و المرسلات عرفا ) هي الرياح المتتابعة الطيبة العذبة . ( فالعاصفات عصفا ) أي الرياح الشديدات الهبوب , السريعات الممرّ , التي قد تعصف بالأشجار و تقتلعها و بالمباني و تهدمها . ( و الناشرات نشرا ) هي الرياح المعتدلة التي تنشر السحاب في آفاق السماء - كما يشاء الرب عز و جل – و تفرقه أو تسوقه للإمطار و إنزال المطر , فتحيي الأرض بعد موتها . قال تعالى " و هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته " , و قال سبحانه " الله الذي يرسل الرّياح فتثير سحابا فيبسطه في السّماء " . ( فالفارقات فرقا ) يعني الملائكة , فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق و الباطل , و الهدى و الغيّ , و الحلال و الحرام . ( فالملقيات ذكرا ) و هي الملائكة تلقي بالوحي على من اصطفى الله تعالى من عباده . ( عذرا أو نذرا ) أي : إعذارا و إنذار للناس , تنذر الناس ما أمامهم من المخاوف , و تقطع معذرتهم , فلا يكون لهم حجة على الله . ( إنّما توعدون لواقع ) - هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام - , أي : ما وعدتم به من قيام الساعة , و النفخ في الصور , و بعث الأجساد , و جمع الأولين و الآخرين في صعيد واحد , و مجازاة كل عامل بعمله , إن خيرا فخير و إن شرا فشر , إن هذا كله متحتم وقوعه , من غير شك و لا ارتياب , و عليه فأصلحوا أعمالكم بعد تصحيح نياتكم فإن الجزاء واقع لا يتخلف أبدا و لا يتغير و لا يتبدل . ( فإذا النجوم طُمست ) أي : ذهب ضوؤها و محي , كقوله " و إذا النجوم انكدرت " و كقوله " و إذا الكواكب انتثرت " . ( و إذا السماء فُرِجَت ) أي انشقت و تصدعت , و تدلت أرجاؤها , و وَهت أطرافها . ( و إذا الجبال نُسِفت ) أي اقتلعت من أماكنها بسرعة , ثم فتتت , فلا يبقى لها عين و لا أثر , كقوله تعالى " و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا , فيذرُها قاعا صفصفا , لا ترى فيها عِوجا و لا أمتا " , و قال سبحانه : " و يوم نُسيِّر الجبال و ترى الأرض بارزة و حشرناهم فلم نُغادر منهم أحدا " . ( و إذا الرُّسل أُقِّتت ) أي : أجلت للإجتماع لوقتها يوم القيامة للشهادة على أممهم و الفوز بما وعدوه من الكرامة . ( لأيّ يوم أجّلت ) لأي يوم أجلت الرسل و أرجئ أمرها ؟ – و الإستفهام للتعظيم و التفخيم و التهويل – و الجواب ( ليوم الفصل ) و هو يوم القيامة , قال تعالى : " فلا تحسبنّ الله مخلف وعده رسله إنّ الله عزيز ذوانتقام , يوم تبدّل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار " . ( و ما أدراك ما يوم الفصل ) و هذا تفخيما لشأنه و إعلاما بهوله . ( ويل يومئذ للمكذبين ) أي : يا حسرتهم , و شدة عذابهم , و سوء منقلبهم , أخبرهم الله , و أقسم لهم , فلم يصدقوه , فاستحقوا العقوبة البليغة . ( ألم نُهلك الأولين ) أي : أما أهلكنا المكذبين بالرسل و الجاحدين بالآيات من الأمم السابقة كعاد و ثمود و قوم إبراهيم و قوم لوط إلى زمن البعثة النبوية . ( ثمّ نتبعهم الأخرين ) ثم نتبعهم بإهلاك من كذب من الآخرين , و هو عيد لأهل مكة . ( كذلك نفعل بالمجرمين ) أي كل من أجرم و طغى و بغى , سيكون هلاكه مثل هلاك الأولين . ( ويل يومئذ للمكذبين ) قال ابن جرير : أي بأخبار الله التي ذكرها في هذه الآية , الجاحدين قدرته على ما يشاء . ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) أي : أما خلقناكم أيها الآدميون من نطفة – و هو المنيّ – ضعيفة حقيرة بالنسبة إلى قدرة الباري عز و جل . ( فجعلناه في قرار مكين ) يعني جمعناه في الرّحم , و فيه يستقر و ينمو . و الرحم معد لذلك , حافظ لما أودع فيه من الماء . ( إلى قدر معلوم ) و هو زمن الولادة , و هي مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر . ( فقدرنا ) أي : قدرنا و دبرنا ذلك الجنين , في تلك الظلمات , و نقلناه من النطفة إلى العلقة , إلى المضغة , إلى أن جعله الله جسدا , ثم نفخ فيه الروح , و منهم من يموت قبل ذلك . ( فنعم القادرون ) على الخلق و التقدير معا . ( ويل يومئذ للمكذبين ) بعدما بين الله لهم الآيات , و أراهم العبر و البينات . ( ألم نجعل الأرض كِفاتا , أحياءً و أمواتا ) قال ابن جرير : أي وعاء . و المعنى ألم نجعل الأرض تضمّ أحياءكم و تجمعهم في المساكن و المنازل , و أمواتكم في بطونها في القبور فيدفنون فيها ؟ ( و جعلنا فيها رواسي شامخات ) يعني : الجبال , أرسى بها الأرض لئلا تميد و تضطرب بأهلها . ( و أسقيناكم ماءً فراتا ) عذبا زلالاً من السحاب , أو مما أنبعه الله من عيون الأرض . ( ويل يومئذ للمكذبين ) ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها , ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه و كفره . ( إنطلقوا ) أي : يقال لهؤلاء المكذبين بهذه النعم و الحجج التي احتج بها عليهم يوم القيامة و هم في عرصاتها , يقال لهم تقريعا و تبكيتا ( إنطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) من عذاب الله للكفرة الفجرة . ( لا ظليل و لا يُغني من اللهب ) أي : ظل الدخان المقابل للهب ليس ظلا حقيقيا كظل الشجرة و الجدار فيكن و يستر , بل هو ظل لا راحة فيه و لا طمأنينة , بحيث من يمكث فيه , لا يقيه حر اللهب , و لا يردّ عنه من لهب النار شيئا . ( إنها ترمي بشرر كالقصر ) أي : يتطاير الشرر من لهيب النار كالقصر , في عظمه و كبره و ارتفاعه , و هذا دال على عظم نار جهنم و فظاعتها و سوء منظرها . ( كأنه جمالات صفر ) أي : الشررة كالجمل – في هيئتها و لونها – الأصفر و هو الأسود المائل إلى الصفرة , و هذا يدل على أن النار مظلمة , لهبها و جمرها و شررها , و أنها سوداء , كريهة المرأى , شديدة الحرارة . ( ويل يومئذ للمكذبين ) يتوعد الله تعالى المكذبين به و بآياته و لقائه و رسوله صلى الله عليه و سلم . ( هذا اليوم لا ينطقون ) أي هذا اليوم العظيم الشديد على المكذبين , لا ينطقون فيه بشيء من الخوف و الوجل الشديد . ( و لا يُؤذن لهم فيعتذرون ) أي : لا يمهد لهم الإذن في الإعتذار , لعدم قبول معذرتهم بقيام الحجة عليهم . و عرصات يوم القيامة حالات , و الرب تعالى يخبر مرة باعتذارهم و كلامهم في موطن , و ينفيه في آخر , إذ هو ذاك الواقع , في مواطن يتكلمون بل يحلفون كاذبين و في مواطن يغلب عليهم الخوف فلا يتكلمون بشيء و في مواطن يطلب منهم أن يتكلموا فيتكلموا و في أخرى لا . ( ويل يومئذ للمكذبين ) وعيد لكل المكذبين بهذا و بغيره . ( هذا يوم الفصل جمعناكم و الأوّلين ) يقال لهم يوم القيامة و هم في عرصاتها : هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون جمعناكم فيه أيها المكذبون من هذه الأمة و المكذبين الأولين من قبلها . ( فإن كان لكم كيد فكيدون ) إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي , و تنجوا من حكمي فافعلوا , فإنكم لا تقدرون على ذلك , كما قال تعالى " يا معشر الجنّ و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات و الأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " , و قال تعالى " و لا تضرُّونه شيئا " , وفي الحديث : " يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني " رواه مسلم . ففي ذلك اليوم , تبطل حيل الظالمين , و يضمحل مكرهم و كيدهم ,و يستسلمون لعذاب الله , و يبين لهم كذبهم في تكذيبهم . ( ويل يومئذ للمكذبين ) أي : ويل يوم إذ يجيء يوم الفصل للمكذبين . من باب الترغيب و الترهيب و هو أسلوب امتاز به القرآن الكريم , ذكر تعالى ما للمتقين من نعيم مقيم بعد ذكر ما للمكذبين الضالين من عذاب الجحيم فقال تعالى : ( إن المتقين ) أي : الذين اتقوا ربهم فآمنوا به و أطاعوه بأداء الواجبات , و ترك المحرمات . ( في ظلال و عيون ) في ظلال أشجار الجنة الوارفة , و عيون من ماء و لبن و خمر و عسل , جارية من السلسبيل , و الرحيق و غيرهما . ( و فواكه ممّا يشتهون ) و فواكه كثيرة منوعة مما يشتهون – أي يتمنون إذ أكلهم للذة الأكل لا للحفاظ على الجسم كما هي الحال في الدنيا – على خلاف الدنيا , إذ الناس يأكلون مما يجدون فلو اشتهوا شيئا و لم يجدوه ما أكلوه , و أما دار النعيم فإن المرء ما اشتهى شيئا إلاّ وجده و أكله و هذا السر في التعبير في غير موضع بكلمة مما يشتهون . ( كلوا و اشربوا ) من المآكل الشهية , و الأشربة اللذيذة . ( هنيئا ) أي : من غير منغص و لا مكدر , و لا يتم هناؤه , حتى يسلم الطعام و الشراب من كل آفة و نقص , و حتى يجزموا أنه غير منقطع و لا زائل . ( بما كنتم تعملون ) من الصالحات و تتركون من السيئات , فأعمالكم هي السبب الموصل لكم إلى هذا النعيم المقيم . ( إنّا كذلك نجزي المحسنين ) أي : هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل . ( ويل يومئذ للمكذبين ) هذا توعد بالعذاب الأليم لمن يكذب بوعيد الله هذا ووعده ذاك . و لو لم يكن لهم من هذا الويل إلا فوات هذا النعيم , لكفى به حرمانًا و خُسْرانًا . يتبع ..... |
كلوا و تمتّعوا قليلا إنّكم مجرمون ) هذا تهديد ووعيد للمكذبين , أنهم و إن أكلوا في الدنيا و شربوا و تمتعوا باللذات , و غفلوا عن القربات , فإنهم مجرمون , يستحقون ما يستحقه المجرمون , فستنقطع عنهم اللذات و تبقى عليهم التبعات . ( ويل يومئذ للمكذبين ) كما قال تعالى " نُمتّعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ " , و قال تعالى : " إنّ الذين يفترون على الله الكذِب لا يفلحون , متاع في الدّنيا ثمّ إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون " . ( و إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ) أي : إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة , امتنعوا من ذلك و استكبروا عنه . ( ويل يومئذ للمكذبين ) الذين كذبوا رسل الله , فردوا عليهم ما بلغوا من أمر الله إياهم و نهيه لهم . ( فبأيّ حديث بعده يؤمنون ) أي : فبأي كتاب يؤمن هؤلاء المكذبون إذا لم يؤمنوا بالقرآن و ذلك لما فيه من الخير و الهدى و لما يدعو إليه من السعادة و الكمال , كما أنه معجز بألفاظه و معانيه , بخلاف الكتب و غيره , فمن لم يؤمن به لا يرجى له أن يؤمن بغيره بحال من الأحوال . |
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم و رحمة الله و بركاته تفسير سورة الإنسان و تسمى سورة الدهر و الأمشاج و " هل أتى " , و هي مكية و آيها إحدى و ثلاثون . ( هل أتى على الإنسان حين من الدّهر لم يَكن شيئا مذكورا ) يقول الله تعالى مُخبِرا عن الإنسان أنه مر عليه دهرٌ طويل , و هو الذي قبل وجوده , و هو معدوم بل ليس مذكور , ثم أوجده بعد ذلك . قال الشهاب : و قد علم – أي الله تعالى – أنهم يقولون – أي منكري البعث - : نعم , قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه . فيقال لهم : فالذي أوجدهم بعد أن لم يكونوا , كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم ؟ ( إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ) لما أراد الله تعالى خلق الإنسان , خلق أباه آدم من طين , ثم جعل نسله متسلسلا " من نطفة أمشاج " قال ابن عباس : يعني ماء الرجل و ماء المرأة إذا اجتمعا و اختلطا , ثم ينتقل بعدُ من طور إلى طور , و حال إلى حال . ( نبتليه ) أي نختبره بالتكاليف بالأمر و النهي و ذلك عند تأهله لذلك بالبلوغ و العقل . ( فجعلناه سميعا بصيرا ) أي : جعلنا له سمعا و بصرا يتمكن بهما من الطاعة و المعصية . ( إنّا هديناه السبيل ) أي بيّنا له طريق الخير و النجاة , و طريق الشر و الهلاك , و ذلك ببعثة الرسل و إنزال الكتب . ( إمّا شاكرا و إمّا كفورا ) و الإنسان إمّا أن يسلك سبيل الهدى فيكون شكورا , و إما أن يسلك سبيل الغيّ و الضلال فيكون كفورا , قال صلى الله عليه و سلم : " كل الناس يغدو , فبائع نفسه فموبقها أو معتقها " رواه مسلم . و الشكور المؤمن الصادق في إيمانه المطيع لربه , و الكفور المكذب بآيات الله و لقائه . ( إنّا أعتدنا للكافرين سلاسلا ) إنّا هيأنا و أرصدنا لمن كفر بالله , و كذب رسله , و تجرأ على المعاصي , سلاسل ليقادوا بها و يستوثق بها منهم شدّا في الجحيم . ( و أغلالا ) لتشد فيها أيديهم إلى أعناقهم . ( و سعيرا ) أي : نارا تستعر بها أجسامهم , و تحرق بها أبدانهم , " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها , ليذوقوا العذاب " و هذا العذاب دائم لهم أبدا , مخلدون فيه سرمدا . ( إن الأبرار ) أي المؤمنين المطيعين في صدق لله و الرسول . ( يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ) أي : شراب لذيذ من خمر قد مُزج بكافور لبرودته و بياض لونه و طيب رائحته . و هذا الكافور في غاية اللذة , قد سلم من كل مكدر و منغص , موجود في كافور الدنيا . ( عينا يشرب بها عباد الله ) هذا الذي مُزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفا خالصا بلا مزج و يَرْوَوْنَ بها . قال بعضهم : هذا الشراب في طيبه كالكافور . و قال بعضهم : هو من عين كافور . ( يفجرونها تفجيرا ) أي يتصرفون فيها و يجرونها و يسيلونها حيث شاؤوا و أين شاؤوا , من قصورهم و دورهم و مجالسهم و محالهم . و التفجير هو الإنباع , كما قال تعالى : " و قالوا لن نؤمن لك حتى تُفجر لنا من الأرض ينبوعا " . و قال : " و فجَّرنا خلالهما نهرا " . ( يوفون بالنّذر ) أي كانوا في دار الدنيا يوفون بالنّذر و هو ما يلتزمونه من طاعات لربهم كالصلاة و الصيام و الحج و الصدقات تقربا إلى ربهم و تزلفا إليه . و إذا كانوا يوفون بالنذر , و هو لم يجب عليهم , إلا بإيجابهم على أنفسهم , كان فعلهم و قيامهم بالفروض الأصلية , من باب أولى و أحرى . ( و يخافون يوما كان شره مستطيرا ) أي يتركون المحرمات التي نهاهم الله تعالى عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد , و هو اليوم الذي شره منتشر عام على الناس إلا من رَحِم الله . ( و يطعمون الطّعام على حبّه ) و يطعمون الطعام في حال محبتهم و شهوتهم له كقوله تعالى " و آتى المال على حُبّه " , و كقوله تعالى : " لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممّا تحبون " . و في صحيح مسلم : " أفضل الصدقة أن تصدّق و أنت صحيح , شحيح , تأمل الغنى , و تخشى الفقر " . فهم يقدمون محبة الله على محبة نفوسهم . ( مسكينا و يتيما و أسيرا ) و إنما اقتصر على الثلاثة لأنهم من أهم من تجدر الصدقة عليهم . فإن المسكين عاجز عن الإكتساب لما يكفيه . و اليتيم مات من يعوله و يكتسب له , مع نهاية عجزه بصغره . و الأسير لا يملك لنفسه نصرا و لا حيلة . ( إنما نطعمكم لوجه الله ) أي لا نقصد بإطعامكم إلا ثوابه تعالى و القربة إليه و الزلفى عنده . ( لا نريد منكم جزاءً و لا شكورا ) لا نطلب منكم مجازاة تكافئونا بها في يوم ما من الأيام , و لا أن تشكرونا عند الناس . قال مجاهد و سعيد بن جبير : أما و الله ما قالوه بألسنتهم , و لكن علم الله به من قلوبهم , فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب . ( إنّا نخاف من ربّنا يوما عبوسا قمطريرا ) إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا و يتلقانا بلطفه , في يوم ضيق شدي الجهمة و الشر , ثقيلا طويلا لا يطاق . ( فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ) أي : آمنهم مما خافوا منه , فلا يحزنهم الفزع الأكبر , و تتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون . ( و لقّاهم نضرة و سرورا ) أي : أكرمهم و أعطاهم نضرة في وجوههم , و سرورا في قلوبهم , فجمع لهم بين نعيم الظاهر و الباطن . و هذه كقوله تعالى : " وجوه يومئذ مّسفرة . ضاحكة مستبشرة " . ( و جزاهم بما صبروا ) بسبب صبرهم على فعل الصالحات و عن ترك المحرمات , أعطاهم و توَّلهم و بوَّأهم ( جنّة و حريرا ) منزلا رحبا , و عيشا رَغَدًا , و لباسا حسنا . ( متّكئين فيها على الأرائك ) الإتكاء : التمكن من الجلوس , في حال الرفاهية و الطمأنينة , و الأرائك و هي السرر التي عليها اللباس المزين . ( لا يرون فيها شمسا و لا زمهريرا ) أي : ليس عندهم حرّ مزعج , و لا برد مؤلم , بل جميع أوقاتهم في ظل ظليل , لا حر و لا برد , بحيث تلتذ الأجساد , و لا تتألم من حر و لا برد . ( و دانية عليهم ظلالها ) أي قريبة منهم أشجارها , فهي تظللهم و يجدون فيها لذة التظليل و راحته و متعته و إن لم يكن هناك شمس تستلزم الظل . ( و ذلّلت قُطُوفها تذليلا ) أي قربت ثمراتها من مريدها تقريبا ينالها , و هو قائم , أو قاعد , أو مضطجع , فلا شوك به و لا بُعد فيه , سهل التناول لأن الدار دار نعيم و سعادة و راحة و روح و ريحان . ( و يطاف عليهم بآنية من فضة و أكواب كانت قواريرا , قواريرا من فضة ) أي : يطوف عليهم الخَدَم بأواني الطعام , و هي من فضة , و أكواب الشراب و هي الكيزان التي لا أذن فيها , يرى باطنها من ظاهرها لصفائها . مادتها فضة و صفاؤها صفاء الزجاج . و هذا مما لا نظير له في الدنيا , عن ابن عباس : ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتهم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة . ( قدّروها تقديرا ) أي : قدروا الأواني المذكورة على قدر ريّهم , لا تزيد و لا تنقص , بل هي معدَّة لذلك , مقدرة بحسب ريّ صاحبها . و هي كذلك مقدرة على قدر الكف . ( و يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا ) أي : و يسقون – يعني الأبرار أيضا – في هذه الأكواب خمرا , تارة يُمزج لهم بالكافور و هو بارد , و تارة بالزنجبيل و هو حار , ليعتدل الأمر , و هؤلاء يمزج لهم من هذا تارة و من هذا تارة . و أما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صِرْفًا . ( عينا فيها تسمى سلسبيلا ) أي : الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلا , و ذلك لسلاسة سيلها و حدّة جَريها , و لسلاستها في الحلق أيضا . ( و يطوف عليهم ولدان مخلّدون ) و يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنّة , لا يتغيرون و لا يكبرون و لا يموتون , و هم في غاية الحسن . ( إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ) إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة , و كثرتهم , و صباحة وجوههم , و حُسن ألوانهم و ثيابهم و حليهم , حسبتهم لؤلؤا منثورا . و لا يكون في التشبيه أحسن من هذا , و لا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن . ( و إذا رأيت ثَمَّ ) و إذا رأيت يا محمد هناك , يعني في الجنة و نعيمها و سعَتَها و ارتفاعها و ما فيها من الحَبْرَة و السرور . ( رأيت نعيما و مُلكا كبيرا ) أي : مملكة لله هناك عظيمة و سلطانا باهرا . و ثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجا منها , و آخر أهل الجنة دخولا إليها : " إنّ لك مثل الدنيا و عشرة أمثالها " . فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة , فماظنك بما هو أعلى منزلة , و أحظى عنده تعالى . ( عاليهم ثياب سندس خضر و إستبرق ) أي : لباس أهل الجنة فيها الحرير , و منه سندس , و هو رفيع الحرير كالقمصان و نحوهما مما يلي أبدانهم , و الإستبرق و هو ما غلظ من الديباج و فيه بريق و لمعان , و هو مما يلي الظاهر , كما هو المعهود في اللباس . ( و حلّو أساور من فضّة ) حلّوا في أيديهم أساور الفضة , ذكورهم و إناثهم . و هذه صفة الأبرار , و أما المقربون فكما قال : " يُحَلّون فيها من أساور من ذهب و لؤلؤا و لباسهم فيها حرير " . ( و سقاهم ربهم شرابا طهورا ) لا كدر فيه بوجه من الوجوه , مطهرا لما في بطونهم من كل أذى و قذى . ( إنّ هذا ) الجزاء الجزيل و العطاء الجميل ( كان لكم جزاءً ) على ما قدمتم من الصالحات ( و كان سعيكم مشكورا ) أي مجازًى عليه غير مضيَّع , بل جزاكم الله على القليل بالكثير . ( إنّا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلا ) إن هذا القرآن ما افتريته و لا جئت به من عندك و لا من تلقاء نفسك كما يقول المشركون , بل هو وحي منزل من عندنا , نزلناه عليك شيئا فشيئا لحكمة بالغة . و القصد من هذا تثبيت قلبه صلوات الله عليه , و شرح صدره و تحقيق أن المنزّل وحي . و عدم المبالاة برميهم له بالسح و الكهانة . ( فاصبر لحكم ربك ) أي : كما أكرمك بما أنزل عليك , فاصبر على قضائه و قدره , و اعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره . ( و لا تطع منهم آثما أو كفورا ) لا تطع الكافرين و المنافقين إن أرادوا صدّك عما أنزل إليك , بل بلّغ ما أنزل إليك من ربك , و توكل على الله , فإن الله يعصمك من الناس . و الآثم هو الفاجر في أفعاله , و الكفور هو الكافر قلبه |
واذكر اسم ربك بكرة و أصيلا ) لما كان الصبر يستمد من القيام بطاعة الله , و الإكثار من ذكره , أمره الله بدعائه و تسبيحه و الصلاة له في أول النهار و آخره , فدخل في ذلك , الصلوات المكتوبات و ما يتبعها من النوافل , و الذكر , و التسبيح , و التهليل , و التكبير في هذه الأوقات . ( و من الليل فاسجد له و سبحه ليلا طويلا ) كقوله : " و من الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا " , و كقوله : " يا أيّها المزّمل . قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا . أو زد عليه و رتّل القرآن ترتيلا " – و في هذه الأوامر ما يدل على العناية بقيام الليل و الحرص عليه – و القصد من هذا حثه صلى الله عليه و سلم أن يستعين في دعوة قومه و الصدع بما أمر به , بالصبر على أذاهم و الصلاة و التسبيح . و قد كثر ذلك في مواضع من التنزيل كقوله : " و استعينوا بالصّبر و الصلاة " و قوله : " فاصبر على ما يقولون و سبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل الغروب , و من الليل فسبّحه و أدبار السّجود " . ( إنّ هؤلاء يحبّون العاجلة و يذرون وراءهم يوما ثقيلا ) إنّ الكفار و من أشبههم من المكذبين لك أيها الرسول – بعدما بيّنت لهم الآيات , و رغبوا و رهبوا , و مع ذلك , لم يفد فيهم ذلك شيئا – لا يزالون يؤثرون حبّ الدنيا و الإقبال عليها و الإنصباب إليها , فيسعون لها جهدهم , و إن أهلكوا الحرث و النسل , تاركين للعمل الصالح مهملين له , غير آبهين بما ينتظرهم من يوم شديد مقداره خمسين ألف سنة . فكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا و الإقامة فيها . ( نحن خلقناهم و شددنا أسرهم ) أي : أوجدناهم من العدم , و أحكمنا خلقهم بالأعصاب , و العروق , و الأوتار , و القوى الظاهرة و الباطنة , حتى تمّ الجسم و استكمل , و تمكن من كل ما يريده . ( و إذا شئنا بدّلنا أمثالهم ) و إذا شئنا بعثناهم يوم القيامة , و بدلناهم فأعدناهم خلقا جديدا . و هذا استدلال بالبداءة على الرجعة . و قال ابن زيد و ابن جرير في معنى الآية : و إذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم , كقوله : " إن يشأ يُذهبكم أيّها النّاس و يأت بآخرين و كان الله على ذلك قديرا " , و كقوله : " إن يشأ يذهبكم و يأت بخلق جديد , و ما ذلك على الله بعزيز " . ( إنّ هذه تذكرة ) إن هذه السورة عظة يتذكر بها المؤمن , فينتفع بما فيها من التخويف و الترغيب . ( فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا ) أي : طريقا موصلا إليه , فالله يبين الحق و الهدى , ثم يخير الناس بين الإهتداء بها أو النفور عنها , مع قيام الحجة عليهم . ( و ما تشاءون إلاّ أن يشاء الله ) قال ابن جرير : أي و ما تشاءون اتخاذ السبيل إلى ربكم إلا أن يشاء الله ذلك لكم , لأن الأمر إليه لا إليكم , أي لأن مالم يشأ الله و قوعه من العبد , لا يقع من العبد و ما شاء منه و قوعه , و قع . و هو رديف { ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن } . ( إن الله كان عليما حكيما ) أي : عليم بمن يستحق الهداية فيُيسّرها له , و يقيض له أسبابها , و من يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى , و له الحكمة البالغة , و الحجة الدامغة . |
تفسير سورة القيامة و هي مكية و آياتها أربعون آية قال المهايميّ : سميت به – أي بالقيامة – لتضمنها غاية تعظيم ذلك اليوم , من لا يتناهى ثوابه و عقابه , بحيث تتحسّر فيه كل نفس من تقصيرها , و إن عملت ما عملت . ( لا أقسم بيوم القيامة ) " لا " أي : ليس الأمر كما يدعي المشركون من أنه لا بعث و لا جزاء . " أقسم بيوم القيامة " الذي كذب به المكذبون , و هو البعث بعد الموت , و قيام الناس من قبورهم , ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم . ( و لا أقسم بالنفس اللّوامة ) أي أقسم بالنّفس اللّوامة التي تلوم صاحبها على الخير و الشر , و تندم على ما فات . أنكم لتبعثن و لتحاسبن و لتعاقبن أيها المكذبون الضالون . قال القاشاني : جمع بين القيامة و النفس اللوامة , في القسم بهما , تعظيما لشأنهما , و تناسبا بينهما , إذ النفس اللوامة , هي المصدقة بها , المقرة بوقوعها , المهيئة لأسبابها , لأنها تلوم نفسها أبدا في التقصير , و التقاعد عن الخيرات , و إن أحسنت , لحرصها على الزيادة في الخير , و أعمال البر , تيقنا بالجزاء , فكيف بها إن أخطأت و فرطت و بدرت منها بادرة غفلة و نسيانا . ( أيحسب الإنسان ألّن نّجمع عظامه ) أيظن الإنسان – و المقصود به الكافر – أنا لا نقدر على إعادة عظامه و جمعها من أماكنها المتفرقة ؟ و طبعا ذلك بعد الموت , كما قال في الآية الأخرى " قال من يحيي العظام و هي رميم " . ( بلى قادرين على أن نُسوِّي بنانه ) بلى نجمعها – أي عظامه – حال كوننا قادرين على ذلك و على ما هو أعظم و هو تسوية أصابعه بأن نجعلها كخف البعير أو حوافر الحمير , فلا يقدر على العمل الذي يقدر عليه الآن مع تفرقة أصابعه . ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ) بل يريد الإنسان أن يستمر على فجوره , و لا يتوب , فلذا أنكر البعث . ( يسأل أيَّان يوم القيامة ) أي : يقول متى يكون يوم القيامة ؟ و إنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه , و تكذيب لوجوده , كما قال تعالى " و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين , قل لكم مّيعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة و لا تستقدمون " . ( فإذا برق البصر ) أي : أن الأبصار تنبهر يوم القيامة و تخشع و تحار و تذل من شدة الأهوال , و من عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور , كما قال تعالى " إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار , مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء " . ( و خسف القمر ) أي : ذهب نوره و سلطانه . ( و جمع الشمس و القمر ) و هما لم يجتمعا منذ خلقهما الله تعالى , فيجمع الله بينهما يوم القيامة , و يخسف القمر , و تكور الشمس , ثم يقذفان في النار , ليرى العباد أنهما عبدان مسخران , و ليرى من عبدهما أنهم كانوا كاذبين . ( يقول الإنسان يومئذ أين المفر ) إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة , حينئذ يريد أن يفر و يقول : هل من ملجأ أو مهرب ؟ ( كلاّ لا وزر , إلى ربك يومئذ المستقر ) أي لا فرار اليوم و لا ملجأ و لا نجاة – كقوله تعالى " مالكم من ملجأ يومئذ و مالكم من نكير " – لأحد دون الله , فليس في إمكان أحد أن يستتر أو يهرب عن ذلك الموضع , بل لابد من إيقافه ليجزى بعمله فإما إلى الجنة و إما إلى النار . ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدّم و أخّر ) أي : يخبر بجميع أعماله قديمها و حديثها , أولها و آخرها , صغيرها و كبيرها , كما قال تعالى " ووجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدا " . ( بل الإنسان على نفسه بصيرة , و لو ألقى معاذيره ) أي : عندما يتقدم الإنسان للإستنطاق فيخبر بما قدم و أخّر هناك يحاول أن يتنصل من بعض ذنوبه فتنطق جوارحه و يختم على لسانه فيتخذ من جوارحه شهود عليه , و لو اعتذر و أنكر لا يقبل ذلك لكونه شاهدا على نفسه بجوارحه و لأن استعتابه قد ذهب وقته و زال نفعه " فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم و لا هم يستعتبون " . ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) هذا تعليم من الله عز و جل لرسوله صلى الله عليه و سلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك , فإنه كان يبادر إلى أخذه , و يُسابق الملك في قراءته مخافة أن يتفلت منه , فأمره الله عز و جل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له , و تكفل له أن يجمعه في صدره , و أن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه , و أن يبينه له و يفسره و يوضحه . و هذه الآية مثل قوله تعالى " و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه " . ( إنّ علينا جمعه ) إنّ نتكفل بجمع القرآن في صدرك , و إثبات حفظه في قلبك , بحيث لا يذهب عليك منه شيء . ( و قرءانه ) أي : أن تقرأه بعدُ فلا تنسى . ( فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ) إذا تلاه عليك جبريل عليه السلام عن الله عز و جل , إستمع له , ثم اقرأه كما أقرأك , و اعمل بشرائعه و أحكامه . ( ثمّ إنّ علينا بيانه ) أي : إنّا نبيّن لك ما يشكل عليك من معانيه حتى تعمل بكل ما طلب منك أن تعمل به . و في هذه الآيات أدب لأخذ العلم , أن لا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من المسألة التي شرع فيها , فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه , و كذلك إذا كان في أول الكلام أن لا يبادر برده أو قبوله , حتى يفرغ من ذلك الكلام , ليتبين ما فيه من حق أو باطل , و ليفهمه فهما يتمكن به من الكلام عليه . و فيها : أن النبي صلى الله عليه و سلم كما بيّن للأمة ألفاظ الوحي , فإنه قد بين لهم معانيه . ( كلا بل تحبون العاجلة ) أي : إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة و مخالفة ما أنزل الله عز و جل على رسوله صلى الله عليه و سلم من الوحي الحق و القرآن العظيم : أنهم إنما همّتهم و حبهم متوجه إلى دار الدنيا العاجلة , و ذلك بإيثار لذاتها و شهواتها . ( و تذرون الآخرة ) أي : بالإعراض عن الأعمال التي تورث منازلها , أو تنسون الآخرة ووعيدها , و هول حسابها و جزائها . ( وجوه يومئذ ناضرة ) أي حسنة بهيَّة مشرقة مسرورة . ( إلى ربها ناظرة ) أي تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم , منهم من ينظره كل يوم بكرة و عشيا , و منهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة , فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم , و جماله الباهر , الذي ليس كمثله شيء , فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم , و حصل لهم من اللذة و السرور ما لا يمكن التعبير عنه . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إذا دخل أهل الجنة الجنة " قال " يقول الله تعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة و تنجنا من النار ؟ " قال : " فيكشف الحجاب , فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم , و هي الزيادة " . ثم تلا هذه الآية : " للذين أحسنوا الحسنى و زيادة " رواه مسلم . و في الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : نظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر , فإن استطعتم ألا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس و لا قبل غروبها فافعلوا " . ( ووجوه يومئذ باسرة ) هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة كالحة مسودة عابسة لجهامة هيآتها , و هول ما تراه هناك من الأهوال , و أنواع العذاب و الخسران . ( تظُنُّ أن يفعل بها فاقرة ) أي تستيقن أنها هالكة و أنه ينتظرها عقوبة شديدة , و عذاب أليم . ( كلاّ إذا بلغت التراقي ) أي بلغت النفس أعالي الصدر . قال الرازي : يكنى ببلوغ النفس التراقي , عن القرب من الموت . و نظيره قوله تعالى " حتى إذا بلغت الحلقوم " . ( و قيل من راق ) قال ابن جرير : أي وقال أهله : منْ ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به , و طلبوا له الأطباء و المداوين , فلم يغنوا عنه من أمر الله الذي قد نزل به شيئا . ( و ظنّ أنّه الفراق ) أي أيقن أنه الفراق لدنياه و أهله و ذويه . ( و التفّت السّاق بالسّاق ) أي : اجتمعت الشدائد و التفت , و عظم الأمر و صعب الكرب , و أريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن , فتساق إلى الله تعالى , حتى يجازيها بأعمالها , و يقررها بفعالها . أو إلتقت إحدى ساقيه بالأخرى و التفتا في الكفن . ( إلى ربك يومئذ المساق ) أي : المرجع و المآب , و ذلك أن الروح ترفع إلى السموات , فيقول الله عز وجل : ردوا عبدي إلى الأرض , فإني منها خلقتهم , و فيها أعيدهم , و منها أخرجهم تارة أخرى , و قد قال الله تعالى : " و هو القاهر فوق عباده و يرسل عليكم حفظة حتّى إذا جاء أحدكم الموت توفّته رسلنا و هم لا يفرِّطون , ثم ردُّوا إلى الله مولاهم الحقّ ألا له الحكم و هو أسرع الحاسبين ". ( فلاصدّق و لا صلى , و لكن كذّب و تولّى ) هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه , متوليا عن العمل بقالبه , فلا خير فيه باطنا و لا ظاهرا . و قد دلّت الآية على أن الكافر يستحق الذم و العقاب بترك الصلاة كما يستحقهما بترك الإيمان . ( ثمّ ) أي مع هذه التقصيرات في جنب الله تعالى ( ذهب إلى أهله يتمطّى ) أي : يتبختر في مشيته استكبارا و كسلانا لا همة له و لا عمل , كما قال تعالى " و إذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين " . ( أولى لك فأولى , ثم أولى لك فأولى ) أي : ويل لك مرة بعد مرة . فهذا تهديد ووعيد أكيد من الله تعالى للكافر به المتبختر في مشيته . ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) أيظن الإنسان أنه سوف يترك في هذه الدنيا مهملا لا يؤمر و لا ينهى , و أنه يترك في القبر سدى لا يبعث , كلا , بل هو مأمور منهي في الدنيا , محشور إلى الله في الدار الآخرة . و المقصود هنا إثبات المعاد , و الرد على من أنكره من أهل الزيغ و الجهل و العناد , و لهذا قال مستدلا على الإعادة بالبداءة فقال " ألم يك نطفة من منيّ يمنى , ثم كان علقى فخلق فسوى " . ( ألم يك نطفة من منيّ يمنى ) أي : أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين , يراق من الأصلاب في الأرحام . ( ثم كان علقة فخلق فسوّى ) ثم صار دما ثم مضغة , ثم شُكِّل و نفخ فيه الروح , فصار خلقا آخر سويا سليم الأعضاء , ذكرا أو أنثى بإذن الله و تقديره , و لهذا قال ( فجعل منه الزوجين الذّكر و الأنثى ) . ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) أي : أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه ؟ . |
تفسير سورة المدثر
و هي مكية و آياتها ست و خمسون آية لما أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه و سلم في غار حراء و قرأ عليه أوائل سورة العلق , فتر الوحي عنه صلى الله عليه و سلم مدة , ثم بعدها أنزلت سورة المدثر , فكانت أول شيء نزل عليه الصلاة و السلام بعد فترة الوحي . عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم و هو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : " فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء , فرفعت بصري قِبَل السماء , فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء و الأرض , فجُئِثْت منه حتى هويت إلى الأرض , فجئت أهلي , فقلت : زملوني زملوني , فزملوني , فأنزل الله " يأيها المدّثر , قم فأنذر " إلى " فاهجر " . رواه البخاري و مسلم جُئِثْت : أي ذُعرت و خفت . ( يأيها المدّثر ) أي : المتلفف في ثيابه – و هو النبي صلى الله عليه و سلم – لأنه كان على تلك الحالة وقت نزول الوحي . و في هذا النداء ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذْ ناداه بحاله , و عبر عنه بصفته , ليستشعر اللين و العطف من ربه سبحانه و تعالى . ( قم فأنذر ) قم من مضجعك و دثارك و شمر عن ساق العزم و أنذر قومك في مكة و كل الثقلين – الإنس و الجن – من وراء مكة , أنذرهم عذاب النار على الكفر و الشرك بالواحد القهار . و بهذا حصل الإرسال , كما حصل بأوائل سورة العلق النبوة . ( و ربّك فكبر ) أي : وربّك فعظمه تعظيما يليق بجلاله و كماله فإنه الأكبر الذي لا أكبر منه و العظيم الذي لا أعظم منه , فلا تذل إلا له و لا ترغب إلا فيه و كبره بأعمالك فلا تأت منها إلاّ ما أذن لك فيه أو أمرك به . ( و ثيابك فطهّر ) أي طهر ثيابك من النجاسات مخالفا بذلك ما عليه قومك . قال ابن زيد : كان المشركون لا يتطهرون , فأمره الله أن يتطهر , و أن يطهر ثيابه . ( و الرّجز فاهجر ) أي و الأصنام التي يعبدها قومك فاهجرها و اتركها و لا تقربها . ( و لا تمنن تستكثر ) لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها , بمعنى : لا تعط شيئا لتعطى أكثر منه . ( و لربّك فاصبر ) إجعل صبرك على أذى المشركين لوجه الله عز و جل . ( فإذا نُقر في الناقور ) فإذا نفخ في الصور – قال مجاهد : و هو كهيئة القرن – للقيام من القبور , و جمع الخلق للبعث و النشور . ( فذلك يومئذ يوم عسير ) أي صعب لا يحتمل و لا يطاق لكثرة أهواله و شدائده . ( على الكافرين غير يسير ) أي : غير سهل عليهم , كما قال تعالى " يقول الكافرون هذا يوم عسر " . و في هذه الآية دليل على أن حال المؤمنين في عرصات القيامة غير حال الكافرين في الشدة و البلاء . يقول الله تعالى متوعدا لهذا الخبيث – و هو الوليد بن المغيرة حيث نزلت فيه هذه الآيات الآتية – الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا فكفر بأنعم الله , و بدلها كفرا , و قابلها بالجحود بآيات الله و الإفتراء عليها , و جعلها من قول البشر . وقد عدد الله عليه نعمه حيث قال : ( ذرني و من خلقت وحيدا ) أي دعني و الذي خلقته منفردا , بلا مال و لا أهل , و لا غيره , فلم أزل أنميه و أعطيه . عن ابن عباس : كان الوليد يقول أنا الوحيد ابن الوحيد ليس لي في العرب نظير و لا لأبي المغيرة نظير . ( و جعلت له مالا ممدودا ) أي واسعا كثيرا . ( و بنين شهودا ) قال مجاهد : " لا يغيبون , أي : حضورا عنده لا يسافرون بالتجارات , بل مواليهم و أجراؤهم يتولون ذلك عنهم و هم قعود عند أبيهم يتمتع بهم و يتملّى بهم " . و هذا أبلغ في النعمة . ( و مهّدت له تمهيدا ) أي بسطت له في العيش و العمر و الولد و الجاه العريض في ديار قومه حتى كان يلقب بريحانة قريش . ( ثم يطمع أن أزيد ) يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا . ( كلا ) أي لا يكون ما يأمل و يرجو . ( إنّه كان لآياتنا عنيدا ) أي : معاندا , عرفها ثم أنكرها , و دعته إلى الحق فلم ينقد لها . ( سأرهقه صعودا ) أي : سأكلفه عذابا شاقا لا قِبل له به , و لا راحة فيه . ( إنّه فكّر ) أي ماذا يقول في هذه الآيات الكريمات و الذكر الحكيم . ( و قدّر ) أي في نفسه ما يقوله و هيّأه ( فقتل كيف قدّر ) أي لعن , كيف قدّر ذلك الإفتراء الباطل , و اختلق ما يكذبه وجدانه فيه . ( ثم قتل كيف قدّر ) تكرير للمبالغة في التعجب منه , و قد اعتيد فيمن عجب غاية العجب أنه يكثر من التعجب و يكرره . و " ثم " للدلالة على الثانية أبلغ في التعجب من الأولى للعطف ب " ثم " الدالة على تفاوت الرتبة . فكأنه قيل : قتل بنوع ما من القتل , لا بل قتل بأشده و أشده . و لذا ساغ العطف فيه , مع أنه تأكيد . ( ثمّ نظر ) أي : أعاد النظرة و التروي في ذلك المقدّر . قال الرازي : و هذه المرتبة الثالثة من أحوال قلبه . فالنظر الأول للإستخراج , و اللاحق للتقدير , و هذا هو الإحتياط . ( ثم عبس ) أي قبض ما بين عينيه , و قطب وجهه كِبرا و تهيؤا لقذف تلك الكبيرة . ( و بسر ) أي كلح وجهه فاسودّ . شأن اللئيم في مراوغته و مخاتلته , و الحسود في آثار حقده على صفحات وجهه . ( ثم أدبر و استكبر ) أي : صُرف عن الحق , و رجع القهقري مستكبرا عن الإنقياد للقرآن . ( فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ) أي : هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله و يحكيه عنهم , و لهذا قال ( إن هذا إلاّ قول البشر ) . ( سأصليه سقر ) سأغمره في نار جهنم من جميع جهاته ( و ما أدراك ما سقر ) هذا تهويل لأمرها و إظهار لعظمتها . ( لا تبقي و لا تذر ) أي : تأكل لحومهم و عروقهم و عَصبهم و جلودهم , ثم تُبدل غير ذلك , و هم في ذلك لا يموتون و لا يحيون . ( لوَّاحة للبشر ) أي : تحرق الجلود و تسوّدها . ( عليها تسعة عشر ) أي على سقر ملائكة عظيم خَلقهم , غليظ خُلقهم , يقال لهم الخزنة وعدتهم تسعة عشر ملكا . ( و ما جعلنا أصحاب النّار ) أي خزنتها . ( إلاّ ملائكة ) و هم أقوى الخلق بأسا , و أشدهم غضبا لله , لا يقاومون و لا يغالبون . ( و ما جعلنا عدّتهم إلا فتنة للذين كفروا ) إنما ذكرنا عدّتهم أنهم تسعة عشر اختبارا منّا للناس و فتنة يفتتن بها الكافرون , فيجعلوها موضع البحث و الهزء . ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) أي : يعلمون أن هذا الرسول حق , فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله . ( و يزداد الذين آمنوا إيمانا ) أي : يزداد الذين آمنوا إيمانا فوق إيمانهم بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد صلى الله عليه و سلم . ( و لا يرتاب الذين أوتوا الكتاب و المؤمنون ) أي : حتى لا يقعوا في ريب و شك في يوم من الأيام لما اكتسبوا من المناعة بتضافر الكتابين على حقيقة واحدة . ( و ليقول الذين في قلوبهم مرض ) أي : شك و شبهة و نفاق . ( و الكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ) أي : أي شيء أراده الله بهذا الخبر الغريب , خبر عدَّة خزنة جهنّم , قالوا هذا استنكارا و تكذيبا . ( كذلك يضل الله من يشاء و يهدي من يشاء ) أي : مثل إضلال مُنكر هذا العدد و هُدى مصدقه , يضل الله من يشاء إضلاله , فيجعل ما أنزله على رسوله زيادة شقاء عليه و حيرة , و يهدي من يشاء هدايته , فيجعل ما أنزله الله على رسوله رحمة في حقه , و زيادة في إيمانه و دينه . يتبع..... |
( و ما يعلم جنود ربك إلا هو ) أي : ما يعلم عددهم و كثرتهم إلا هو تعالى , لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط . و قد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين و غيرهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة : " فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك , لا يعودون إليه آخر ما عليهم " . ( و ما هي إلاّ ذكرى للبشر ) أي جهنم إلا تذكرة يذّكرون بها عظمة الله , و يخافون بها عقابه . ( كلاّ ) ردع لمن أنكر العدة أو سقر أو الآيات . أو إنكار لأن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون . ( و القمر و الليل إذا أدبر ) أقسم الله تعالى بالقمر و بالليل إذا ولّى ذاهبا بطلوع الفجر . ( و الصبح إذا أسفر ) أي أضاء و أقبل . ( إنها لإحدى الكُبر ) أي إن النار لإحدى الأمور العظام . ( نذيرا للبشر ) أي إنذارا لبني آدم . و قال نذيرا و لم يقل نذيرة و هي جهنم لأنها بمعنى العذاب أي عذابها نذير للبشر . ( لمن شاء منكم أن يتقدم ) في طاعة الله و رسوله حتى يبلغ الدرجات العلا ( أو يتأخر ) و من شاء أن يتأخر في معصية الله و رسوله حتى ينزل الدركات . قال تعالى " و قل الحق من ربكم , فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر " . ( كلّ نفس بما كسبت رهينة ) كلُّ نفس موثقة بسعيها و عملها يوم القيامة . ( إلاّ أصحاب اليمين ) فإنهم فكوا رقابهم بما أطابوه من كسبهم , كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق . ( في جنّات ) في جنات لا يدرك وصفها قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم , و تمت لهم الراحة و الطمأنينة . ( يتساءلون , عن المجرمين ) أي : يسألون المجرمين و هم في الغرفات و أولئك في الدركات . ( ما سلككم في سقر ) أي : أي شيء أدخلكم جهنم ؟ و بأي ذنب استحققتموها ؟ ( قالوا لم نك من المصلين و لم نك نطعم المسكين , و كُنّا نخوض مع الخائضين و كُنّا نكذّب بيوم الدين حتّى أتانا اليقين ) فذكروا لهم أعظم الجرائم و هي ترك الصلاة و منع الزكاة و التخوض مع أهل الباطل في كل شر و فساد و التكذيب بيوم القيامة و أنه لا حساب و لا ثواب و لا عقاب , و أنهم مع هذه الجرائم الموجبة للسلوك في سقر لم يتوبوا منها حتى أتاهم اليقين الذي هو الموت فرأوا ما كانوا ينكروه عيانا . ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) أي : من كان متصفا بمثل هذه الصفات فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع , لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلا , فأما من وافى الله كافرا يوم القيامة فإنه له النار لا محالة , خالدا فيها . قال ابن جرير : فما يشفع لهم الذين شفّعهم الله في أهل الذنوب من أهل التوحيد , فتنفعهم شفاعتهم . و في هذه الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى ذكره , مشفّع بعض خلقه في بعض . ( فمالهم عن التذكرة معرضين ) فمالهؤلاء المشركين المكذبين بالبعث و الجزاء عن تذكرة الله إياهم بهذا القرآن معرضين , لا يستمعون لها , فيتعظوا و يعتبروا . ( كأنّهم حُمُر مستنفرة , فرّت من قسورة ) كأنّهم في نفارهم عن الحق , و إعراضهم عنه حُمُر من حمر الوحش إذا فرّت ممن يريد صيدها من أسد أو عصبة قنص من الرماة . ( بل يريد كلُّ امرئٍ منهم أن يؤتى صُحُفا منشَّرة ) بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابا كما أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم – كقوله تعالى " و إذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نُؤتى مثل ما أوتي رسل الله " و قوله " و لن نُؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " – بزعم أنهم لن ينقادوا للحق إلا بذلك , و قد كذبوا , فإنهم لو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم , فإنهم جاءتهم الآيات البينات التي تبين الحق و توضحه , فلو كان فيهم خيرا لآمنوا . ( كلاّ ) أي لا يكون مرادهم , و لا يتبع الحق أهواءهم و هم ما قصدوا بذلك إلا التعجيز . ( بل لا يخافون الآخرة ) أي لا يؤمنون بالبعث و الجزاء , و لا يخشون العقاب , لإيتارهم العاجلة , فذلك الذي دعاهم إلى الإعراض عن تذكرة الله , و الإباء عن الإيمان بتنزيله . ( كلا إنه تذكرة , فمن شاء ذكره ) أي ألا إن هذا القرآن تذكرة فمن شاء قرأه فاتعظ به فآمن بالله و اتقاه فإنه ينجو و يسعد في جوار مولاه , و من لم يشأ فحسبه سقر و ما أدراك ما سقر . ( و ما يذكرون إلآّ أن يشاء الله ) أي ذكرهم و اتعاظهم لا يكون إلا بمشيئة الله فلابد من الإفتقار إلى الله و طلب توفيقه في ذلك إذ لا استقلال لأحد عن الله و لا غنى بأحد عن الله . و هذا فيه ترويح لقلبه صلوات الله عليه , مما كان يخامره من إعراضهم , و يحرص عليه من إيمانهم . ( هو أهل التقوى و أهل المغفرة ) هو أهل أن يُخاف منه و يتقى عقابه , و يؤمن به و يطاع , و أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه و أناب . |
تفسير سورة المزّمل و هي مكية و آياتها عشرون آية ( يأيها المزّمل ) أي المتزمل . أي المتلفف في ثيابه . و هنا خوطب صلى الله عليه و سلم بحكاية حاله وقت نزول الوحي , ملاطفة و تأنيسا و تنشيطا للتشمر لقيام الليل . ( قم الليل إلا قليلا ) أي صلِّ في الليل إلا قليلا و ذلك بحكم الضرورة للإستراحة , و مصالح البدن و مهماته التي لا يمكن بقاؤه بدونها . ( نصفه أو انقص منه قليلا أو زِد عليه ) أي : أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل , لا حرج عليك في ذلك . فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربِّه , فقام مع أصحابه حتى تورمت أقدامهم . ثم خفف الله تعالى عنهم و نزل آخر هذه السورة بالرخصة في ترك القيام الواجب و بقي الندب و الإستحباب . فقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها لما سألت عن قيام رسول الله صلى الله عليه و سلم , فقالت لسّائل : ألست تقرأ " يأيها المزّمل " ؟ قال : بلى . قالت : " فإن الله عزّ و جلّ افترض قيام الليل في أوّل هذه السورة , فقام نبيُّ الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه حولا , و أمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السّماء حتّى أنزل الله في آخر هذه السّورة التّخفيف , فصار قيام الليل تطوّعا بعد فريضة " . ( و رتّل القرآن ترتيلا ) أي : اقرأه على تمهل , فإنه يكون عونا على فهم القرآن و تدبره . قال الزمخشري : تريل القرآن قراءته على ترسل و تُؤدة , بتبيين الحرف , و إشباع الحركات ... و أن لا يهذّه هذّا , و لا يسرده سردا . قال ابن مسعود : لا تهذّوا القرآن هذّ الشعر , و لا تنثروه نثر الدقل . قفوا عند عجائبه , و حرّكوا به القلوب , و لا يكن همَّ أحدكم آخر السورة . قالت حفصة رضي الله عنها : " و كان يقرأ – أي النبي صلى الله عليه و سلم – بالسُّورة فيرتِّلها حتَّى تكون أطول من أطول منها " رواه مسلم . و عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : " كانت مدًا , ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم , يمد بسم الله , و يمد الرحمن , و يمد الرحيم " رواه البخاري . و عن أم سلمة قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقطِّع قراءته , يقرأ : الحمد لله ربّ العالمين , ثم يقف , الرحمن الرحيم , ثم يقف " رواه الترمذي و صححه الألباني . و قد استدل بالآية على أن الترتيل و التدبُّر , مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها , لأن المقصود من القرآن فهمه و تدبُّره , و الفقه فيه , و العمل به . ( إنّا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) أي نوحي إليك هذا القرآن الثقيل . فإنه ثقيل مهيب ذو تكاليف العمل بها ثقيل , إنها فرائض وواجبات , أعلمه ليوطن نفسه على العمل و يهيئها لحمل الشريعة علما و عملا و دعوة . ( إنّ ناشئة الليل هي أشدّ وطئا و أقوم قيلا ) إن قيام الليل أقرب إلى تحصيل مقصود القرآن من جعل السمع يواطئ القلب على فهم معاني القرآن و تدبُّرها , بخلاف النهار , فإنه لا يحصل به هذا المقصود , لأنه وقت انتشار الناس و لغط الأصوات و أوقات المعاش . ( إنّ لك في النّهار سبحا طويلا ) يخبر تعالى رسوله بأن له في النهار أعمالا تشغله عن قراءة القرآن فلذا أرشده إلى قيام الليل و ترتيل القرآن لتفرغه من عمل النهار . ( و اذكر اسم ربّك ) أي دم على ذكره ليلا نهارا . قال الزمخشري : و ذكر الله يتناول كل ما كان من ذكر طيب : تسبيح و تهليل و تكبير و تمجيد و توحيد و صلاة و تلاوة قرآن , و دراسة علم , و غير ذلك مما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يستغرق به ساعات ليله و نهاره . ( و تبتّل إليه تبتيلا ) أخلص له العبادة , و اصرف له طلبك لكل حاجة من أمر دينك أو دنياك . ( ربُّ المشرق و المغرب لا إله إلاّ هو فاتخذه وكيلا ) أي : هو المالك المتصرف في المشارق و المغارب و ما يكون فيها , الذي لا تنبغي العبادة إلا له و لا تصح الألوهية إلا له . و كما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل في كل ما يهمك فإنه يكفيك و هو على كل شيء قدير . ( و اصبر على ما يقولون و اهجرهم هجرا جميلا ) يقول تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه و سلم بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه – كقولهم هو ساحر و شاعر و كاهن و مجنون و ما إلى ذلك – و أن يهجرهم هجرا لا عِتاب معه و لا أذية فيه و بالإعراض عن مكافأتهم بالمثل , كما قال تعالى " و دَعْ أذاهم و توكّل على الله " . ( و ذرني و المكذّبين ) أي : دعني و إيّاهم , و كِلْ أمرهم إليّ , فإن بي غنية عنك في الإنتقام منهم . ( أولي النّعمة ) أي : أصحاب النعمة و الغنى , الذين طغوا حين وسّع الله عليهم من رزقه , و أمدهم من فضله كما قال تعالى " كلاّ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى " . ( و مهّلهم قليلا ) أي : تمهل عليهم زمانا و لا تستعجل فإني كافيكهم , قال تعالى " نُمتّعهم قليلا ثمّ نضطّرهم إلى عذاب غليظ " . ( إنّ لدينا أنكالا و جحيما و طعاما ذا غصّة و عذابا أليما ) أي : عندنا للمكذبين بك في الآخرة قيودا من حديد و نارا مستعرة محرقة , و طعاما ذا غصّة لمرارته و بشاعته , و كراهة طعمه و ريحه الخبيث المنتن , فلا يستسيغه آكله و هو مع كل هذا ينشب في الحلق فلا يدخل و لا يخرج . و عذابا موجعا مفظعا . ( يوم ترجف الأرض و الجبال ) أي : تضطرب و ترتجّ بالزلزال . ( و كانت الجبال كثيبا مهيلا ) أي : تصير ككثبان الرمل بعدما كانت حجارة صماء , ثم إنها تنسف نسفا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب , حتى تصير الأرض مستوية لاشيء فيها منخفض و لاشيء فيها مرتفع . يتبع ... |
( إنّا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ) بما تعملون في الدنيا لتجزوا بها في الآخرة . ( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ) و هو موسى بن عمران عليه السلام . ( فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا و بيلا ) فلما كذّب فرعون موسى و طغى و استكبر أخذناه أخذا ثقيلا شديدا غليظا . لهذا احذروا – قريش خاصة و الناس عامة – أنتم أن تكذبوا هذا الرسول – و هو محمد صلى الله عليه و سلم – فيصيبكم ما أصاب فرعون , حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر , كما قال تعالى " فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى " , و أنتم أولى بالهلاك و الدمار إن كذبتم , لأن رسولكم أشرف و أعظم من موسى بن عمران . ( فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا ) أي : فكيف يحصل لكم الفكاك و النجاة من يوم القيامة , اليوم المهيل أمره , العظيم قدره , الذي يشيب الولدان , و تذوب له الجمادات العظام . ( السماء منفطر به ) أي : منشقة بسبب أهوال يوم القيامة . ( كان وعده مفعولا ) أي يوم القيامة واقعا لا محالة , و كائنا لا محيد عنه , لأن وعده تعالى متحقق و لابد . ( إن هذه تذكرة ) إن هذه الآيات المشتملة على ذكر القيامة و أهوالها موعظة لمن اعتبر بها و اتّعظ . ( فمن شاء اتّخذ إلى ربه سبيلا ) أي : طريقا موصلا إليه , و ذلك باتباع شرعه , فإنه قد أبانه كل البيان , و أوضحه غاية الإيضاح , و في هذا دليل على أن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم , و مكَّنهم منها , لا كما يقوله الجبرية : إن أفعالهم تقع بغير مشيئتهم , فإن هذا خلاف النقل و العقل . ( إنّ ربّك يعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثي الليل و نصفه و ثلثه و طائفة من الذين معك ) يخبر تعالى رسوله بأنه يعلم ما يقومه من الليل هو و طائفة من أصحابه و أنهم يقومون أحيانا أقل من ثلثي الليل و يقومون أحيانا النصف و الثلث . ( و الله يقدّر الّيل و النهار ) أي يجعلهما على مقادير يجريان عليها , فتارة يعتدلان , و تارة يزيد أحدهما في الآخر , و بالعكس مما يشق لأجله المواظبة على قيامه بما علمه منكم . ( علم أن لن تحصوه ) أي : لن تطيقوا ضبط ساعاته فيشق عليكم قيام أكثره تحريا منكم لما هو المطلوب . ( فتاب عليكم ) أي : عاد عليكم باليسر و رفع الحجر , فنسخ قيام الليل الواجب , و بقي المستحب يؤدى و لو بركعتين في أي جزء من الليل و كونهما بعد صلاة العشاء أفضل . ( فاقرءوا ما تيسّر من القرآن ) أي : صلوا من الليل ما تيسر . و عبر عن الصلاة بالقراءة , كما قال تعالى " و لا تجهر بصلاتك " أي بقراءتك . ( علم أن سيكون منكم مرضى و آخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله و آخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيّسر منه ) أي : علم أن سيكون من هذه الأمة ذووا أعذار في ترك قيام الليل , من مرضى لا يستطيعون ذلك , و مسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب و المتاجر , و آخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله , فقوموا بما تيسر عليكم منه . هذه الآية – بل السورة كلها – مكية و لم يكن القتال شُرع بعد , فهي من أكبر دلائل النبوة , لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلية . ( و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة ) أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم , و آتوا الزكاة المفروضة . و هذا يدل لمن قال : إن فرض الزكاة نزل بمكة , لكن مقادير النّصب و المخرج لم تُبين إلا بالمدينة , و الله أعلم . ( و أقرضوا الله قرضا حسنا ) أنفقوا في سبيل الله أموالكم طيبة بها نفوسكم فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء و أوفره , كما قال " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " . و يدخل في هذا الصدقة الواجبة و المستحبة , ثم حث على عموم الخير و أفعاله . ( و ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا و أعظم أجرا ) و ما تقدموا لأنفسكم من سائر العبادات فرضها و نفلها , و سائر أفعال الخير تجدوه عن الله يوم القيامة هو خيرا و أعظم أجرا , فالحسنة بعشر أمثالها , إلى سبعمائة ضعف , إلى أضعاف كثيرة , و أن مثقال ذرة من الخير في هذه الدار , يقابله أضعاف أضعاف الدنيا , و ما عليها في دار النعيم المقيم , من اللذات و الشهوات , و أن الخير و البر في هذه الدنيا , مادة الخير و البر في دار القرار , و بذره و أصله و أساسه . ( و استغفروا الله إنّ الله غفور رحيم ) أي سلوه غفران ذنوبكم فإنه غفور رحيم لمن استغفره و تاب إليه و أناب . و في الأمر بالإستغفار بعد الحث على أفعال الطاعة و الخير , فائدة كبيرة , و ذلك أن العبد ما يخلو من التقصير فيما أمر به , إما أن لا يفعله أصلا أو يفعله على وجه ناقص , فأمر بترقيع ذلك بالإستغفار , فإن العبد يذنب آناء الليل و النهار , فمتى لم يتغمده الله برحمته و مغفرته , فإنه هالك . |
تفسير سورة الجنّ و هي مكية و عدد آياتها ثمان و عشرون آية قال المهايميّ : سميت بها لاشتمالها على تفاصيل أقوالهم في تحسين الإيمان , و تقبيح الكفر , مع كون أقوالهم أشد تأثيرا في قلوب العامة , لتعظيمهم إياهم . عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال : " ما قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم على الجنّ و ما رآهم , انطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ , و قد حيل بين الشيّاطين و بين خبر السّماء , و أُرسلت عليهم الشُّهب , فرجعت الشياطين إلى قومهم , فقالوا : مالكم ؟ قالوا : حيل بيننا و بين خبر السّماء , و أُرسلت علينا الشهب , قالوا : ما ذاك إلاّ من شيء حدث , فاضربوا مشارق الأرض و مغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا و بين خبر السماء ؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض و مغاربها , فمرّ النفر الذي أخذوا نحو تُِهامة , و هو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ , و هو يصلي بأصحابه صلاة الفجر , فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له , و قالوا : هذا الذي حال بيننا و بين خبر السماء , فرجعوا إلى قومهم , فقالوا : يا قومنا إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنّا به و لن نشرك بربّنا أحدا , فأنزل الله عزّ وجل على نبيّه محمد صلى الله عليه و سلم ( قل أوحي إليّ أنّه استمع نفر من الجنّ ) " رواه مسلم . ( قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجنّ ) أي : أعلن للناس يا رسولنا أن الله قد أوحى إليك خبرا مفاده أن عددا من الجن ما بين الثلاثة و العشرة قد استمعوا إلى قراءتك للقرآن الكريم . ( فقالوا إنّا سمعنا قرءانا عجبا ) أي : لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم أنهم سمعوا كتابا جامعا للحائق الإلهية و الكونية و الأحكام و المواعظ , و جميع ما يحتاج إليه في أمر الدارين , و أن هذا الكتاب عباراته فصيحة غزيرة لا تناسبه عبارة الخلق , و لا تدخل تحت قدرتهم . ( يهدي إلى الرشد ) يهدي إلى الحق و الصواب . ( فآمنّا به و لن نشرك بربّنا أحدا ) و في هذا تعريض بسخف البشر الذين عاش الرسول بينهم إحدى عشر سنة يقرأ عليهم القرآن بمكة و هم به كارهون له مصرون على الشرك , و الجن بمجرد أن سمعوه آمنوا به و حملوا رسالته إلى قومهم . ( و أنّه تعالى جد ربنّا ما اتخذ صاحبة و لا ولدا ) أي تعالى ملك ربنا و سلطانه و قدرته و عظمته أن يكون ضعيفا ضعف خلقه , الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ زوجة , أو وقاع شيء يكون منه الولد . و إنما نسب إليه ذلك المفترون . ( و أنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ) و أنه كان يقول جاهلنا على الله قولا جائرا عن الصواب , متعديا للحد – و هو نسبة الصاحبة و الولد إليه – و ما حمله على ذلك إلا سفهه و ضعف عقله . ( و أنّا ظننا أن لن تقول الإنس و الجن على الله كذبا ) و إنّا كنّا نظن أن الإنس و الجن لا يكذبون على الله و لا يقولون عليه إلا الصدق , و قد علمنا الآن أنهم يكذبون على الله و يقولون عليه ما لم يقله و ينسبون إليه ما هو منه براء . ( و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجنّ فزادوهم رهقا ) أنه كان رجال من الناس إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري , يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان , أن يصيبهم بشيء يسوؤهم , فلما رأت الجن أن الإنس يستعيذون بهم من خوفهم منهم , زادتهم ذعرا و تخويفا حتى تبقوا أشد منهم مخافة و أكثر تعوذا بهم . قال مقاتل : أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن من بني حنيفة ثم فشا في العرب فلما جاء الإسلام عاذوا بالله و تركوهم . قالت خولة بنت حكيم : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " من نزل منزلا , ثم قال : أعوذ بكلمات الله التَّامَّات من شرّ ما خلق , لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك " رواه مسلم . ( و أنّهم ظنُّوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ) قال ذلك النفر من الجن لقومهم إن الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن أن لن يبعث الله رسولا إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده و ما فيه سعادتهم . ( و أنّا لمسنا السماء ) أي تطلبنا بلوغ السماء و استماع كلام أهلها . ( فوجدناها مُلئت حرسا شديدا و شُهبا ) أي : وجدنا السماء حفظت من سائر أرجائها بملائكة أقوياء يحرسونها و شهبا نارية يرمى بها كل مسترق للسمع منا . ( و أنا كنا نقعد منها مقاعد للسّمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) أي : كنا نقعد من السماء أماكن معينة لنسترق السمع و نتلقف من أخبار السماء ما شاء الله , أما الآن فمن يريد أن يفعل ذلك يجد له شهاب نار قد رصد له , لا يتخطاه و لا يتعداه , بل يمحقه و يهلكه . و قد كانت الكواكب يُرمى بها قبل ذلك , و لكن ليس بكثير بل في الأحيان بعد الأحيان , كما في حديث ابن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس في نفر من أصحابه إذ رُمي بنجم فاستنار , فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهليَّة إذا رأيتموه ؟ " قالوا : كنّا نقول : يموت عظيم أو يولد عظيم , فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " فإنَّه لا يُرمى به لموت أحد و لا لحياته و لكنّ ربَّنا عزَّ و جل إذا قضى أمرا سبَّح له حملة العرش ثمّ سبَّح أهل السّماء الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح إلى هذه السماء , ثم سأل أهل السّماء السادسة أهل السماء السابعة : ماذا قال ربُّكم ؟ قال : فيُخبرونهم ثم يستخبر أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل السّماء الدنيا و تختطف الشياطين السمع فيُرمون فيقذفونه إل أوليائهم فما جاؤوا به على وجهه فهو حق , و لكنَّهم يُحرِّفونه و يزيدون " رواه الترمذي و صححه الألباني . ( و أنّا لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربُّهم رشدا ) الأمر الذي قد حدث في السماء , لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم خير ؟ و هذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل , و الخير أضافوه إلى الله عز و جل , و قد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم : " و الشر ليس إليك " لكن لما استمعوا إلى القرآن علموا أنه أريد بهم الخير و الصلاح , و ذلك ببعثة نبيّ كريم يرشد إلى الحق . يتبع... |
تتمة تفسير سورة الجن ( و أنّا منا الصالحون و منّا دون ذلك ) أي منّا المسلمون العاملون بطاعة الله , و منّا فساق و فجار و كفار . ( كُنّا طرائق قداد ) أي : طرائق متعددة مختلفة و آراء مختلفة , فكان منهم اليهودي و النصراني و المجوسي , و لما جاء الإسلام أصبح منهم المسلم و أصبح من المسلمين قدرية و مرجئة و خوارج و رافضة و شيعة , لأنهم تابعون للناس في معتقداتهم و أقوالهم و أعمالهم . ( و أنّا ظننّا أن لن نعجز الله في الأرض و لن نعجزه هربا ) أي : نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا , و أن نواصينا بيده , فلن نعجزه في الأرض , و لن نعجزه إن هربنا و سعينا بأسباب الفرار و الخروج عن قدرته , لا ملجأ منه إلا إليه . ( و أنّا لما سمعنا الهدى آمنّا به ) لما سمعنا القرآن الكريم الذي يهدي إلى الطريق المستقيم , و عرفنا هدايته و إرشاده , أثّر في قلوبنا فآمنّا به و صدّقنا بأنه حق من عند الله . ( فمن يؤمن بربّه , فلا يخاف بخسا و لا رهقا ) فمن يؤمن بربّه إيمانا صادقا لا يخاف أن يُنقص من حسناته أو إثما يضاف إلى سيئاته و يعاقب به و هو لم يرتكبه في الدنيا , كما قال تعالى " فلا يخاف ظُلما و لا هضما " . ( و أنّا منّا المسلمون و منّا القاسطون ) منّا المسلمون , و منّا الكافرون الجائرون عن طريق الحق . ( فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) فمن انقاد لله تعالى بطاعته و خلص من الشرك به , فقد أصابوا طريق الحق , الموصل لهم إلى الجنة و نعيمها . ( و أمّا القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) أي : توقد بهم و تستعر عليهم و على الكافرين الجائرين أمثالهم من الإنس . ( و ألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا ) و أن لو استقام المشركون على الإيمان و التوحيد و الطاعة لله و لرسوله , لوسعنا عليهم أرزاقهم , و كثرنا لهم أموالهم . قال تعالى " و لو أنهم أقاموا التّوراة و الإنجيل و ما أُنزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم " . و قال " و لو أن أهل القرى آمنوا و اتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السّماء و الأرض " . و تجوز بالماء الغدق , و هو الكثير , عما ذكر , لأنه أصل المعاش و سعة الرزق , و لعزة وجوده بين العرب . أو لأن غيره يعلم منه بالأولى . ( لنفتنهم فيه ) أي : لنختبرهم و نمتحنهم في ذلك الخير الكثير , أيشكرون أو يكفرون ؟ ثم إن شكروا زادهم , و إن كفروا سلبهم و عذبهم . ( و من يعرض عن ذكر ربّه يسلكه عذابا صعدا ) أي : من أعرض عن ذكر الله , الذي هو كتابه , فلم يتبعه و ينقذ له , بل غفل عنه و لهي , فإنه سوف يعذب عذابا شاقا شديدا موجعا مؤلما . ( و أنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) أي : إن المساجد التي هي أعظم محال العبادة لم تبنى إلا ليذكر فيها الله تعالى وحده , فلا يعبد فيها غيره , أو يشرك معه في العبادة , و لا يسأل فيها غيره أو يشرك معه في المسألة . ( و أنّه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) لما قام رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو الناس إلى ربّهم اجتمعت الإنس و الجن عليه ليطفئو دعوته , فأبى الله تعالى إلا أن ينصره و يُمضي دعوته و يظهره على من عاداه . ( قل إنما أدعوا ربي و لا أشرك به أحدا ) أي : قال لهم الرسول صلى الله عليه و سلم لما آذوه و خالفوه و كذبوه و تظاهروا عليه , ليبطلوا ما جاء به من الحق و اجتمعوا على عداوته , إنما أعبد ربي وحده لا شريك له , و أستجير به و أتوكل عليه . ( قل إنّي لا أملك لكم ضرّا و لا رشدا ) أي : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ , و عبد من عباد الله ليس إليّ من الأمر شيء في هدايتكم و لا ضلالكم , بل المرجع في ذلك كله إلى الله عز و جل , يضل من يشاء و يهدي من يشاء . ( قل إنّي لن يجيرني من الله أحد ) أي : لو عصيت الله تعالى فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه . ( و لن أجد من دونه ملتحدا ) و لن أجد من غيره ملتجأ ألتجأ إليه . ( إلاّ بلاغا من الله و رسالاته ) أي : لا أملك لكم ضرّا و لا رشدا إلا بلاغا من الله و رسالته , فإني أبلغكم عنه ما أمرني به و أرشدكم إلى ما أرسلني به من الهدى و الخير و الفوز . ( و من يعصي الله و رسوله فإنّ له نار جهنّم خالدين فيها أبدا ) و من يعصي الله بالشرك به , و برسوله بتكذيبه و عدم اتباعه فيما جاء به فإن له جزاء شركه و تكذيبه و جحده نار جهنم خالدين فيها أبدا , لا محيد لهم عنها , و لا خروج لهم منها . ( حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا و أقلّ عددا ) حتى إذا رأى هؤلاء المشركون من الجن و الإنس ما يوعدون من عذاب يوم القيامة , فسيعلمون يومئذ أنه لا ناصر لهم بالكلية , و أنهم هم أقل عددا من جنود الله عز و جل . ( قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ) أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه و سلم أن يقول للمشركين المطالبين بالعذاب استخفافا و عنادا و تكذيبا , أن يقول لهم ما أدري أقريب ما و عدكم ربكم من العذاب حيث يحل بكم عاجلا أم يجعل له ربي غاية و أجلا بعيدا يعلمه هو و لا يعلمه غيره . ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا , إلا من ارتضى من رسول ) و هذه كقوله تعالى " و لا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء " . فإن الله تعالى وحده يعلم الغيب و الشهادة , و إنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا من ارتضى من رسول فإنه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبره به , و هذا يعم الرسول الملكي و البشري . ( فإنه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا ) أي : حرسا من الملائكة يحفظونه من تخاليط الشياطين و وساوسهم , حتى يبلغ ما أمر به من غيبه و وحيه . ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) ليعلم الرسول صلى الله عليه و سلم أن الرسل من قبله قد بلغت رسالات ربها لما أحاطها تعالى به من العناية حتى إنه إذا جاءه الوحي كان معه ملائكة يحمونه من الشياطين حتى لا يسمعوا خبر السماء فيبلغوه أولياءهم من الإنس , فتكون فتنة في الناس . ( و أحاط بما لديهم ) أي : و أحاط الله بما لدى الملائكة و الرسل علما . ( و أحصى كل شيء عددا ) أي : و أحصى عدد كل شيء لسعة علمه سبحانه و تعالى , فلا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء و هو السميع العليم . |
تفسير سورة نوح و هي مكية و عدد آياتها ثمان و عشرون آية قال المهايميّ : سميت به لاشتمالها على تفاصيل دعوته و أدعيته . ( إنّا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام أنه أرسله إلى قومه , رحمة لهم و إنذارا لهم من عذاب الله الأليم , خوفا من استمرارهم على كفرهم , فيهلكهم الله هلاكا أبديا , و يعذبهم عذابا سرمديا . ( قال يا قوم إنّي لكم نذير مبين ) أي : أخوفكم من عواقب كفركم بالله و شرككم به . ( أن اعبدوا الله و اتّقوه و أطيعون ) أي : اعبدوا الله وحده و لا تشركوا به شيئا و اتقوه فلاتعصوه بترك عبادته و لا بالشرك به , و أطيعون فيما آمركم به و أنهاكم عنه لأني مبلغ عن الله ربي و ربكم , و لا آمركم إلا بما يكملكم و يسعدكم و لا أنهاكم إلا عما يضركم و لا يسركم . ( يغفر لكم من ذنوبكم و يؤخركم إلى أجل مسمّى ) إذا فعلتم ما أمرتكم به و صدقتم ما أرسلت به إليكم , غفر الله لكم ذنوبكم – و بالتالي يحصل لهم النجاة من العذاب , و الفوز بالثواب – و يمد في أعماركم و يدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما أنهاكم عنه , أوقعه بكم . ( إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخّر لو كنتم تعلمون ) إن العذاب الذي كتبه على من كذب و تولى محقق غير مؤخر فلو كنتم من أهل العلم و النظر لأنبتم إلى ربكم فتبتم إليه و استغفرتموه . ( قال ربّ إني دعوت قومي ليلا و نهارا ) قال نوح عليه السلام - بعد أن بذل غاية الجهد في دعوة قومه , و ضاقت عليه الحيل , في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاما - و هو يشكو إلى ربّه إني دعوة قومي إلى عبادتك و توحيدك ليل نهار , و ذلك امتثالا لأمرك و ابتغاءً لطاعتك . ( فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارا ) أي : كلما دعوتهم إلى الإيمان بك و عبادتك وحدك , فرُّوا مني و من الحق الذي أرسلتني به . ( و إني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم ) و إنما كلما دعوتهم ليؤمنوا بك و يتوبوا إليك لتغفر لهم سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه – كما أخبر تعالى عن كفار قريش " و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون " – و تغطوا بثيابهم من كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في الدين , و بُعدا عن الحق و بغضا له . ( و أصروا و استكبروا استكبارا ) أي : استمروا على ما هم فيه من الشرك و الكفر العظيم الفظيع , و تعاظموا عن الإذعان للحق و قبول ما دعوتهم إليه من النصيحة . ( ثم إني دعوتهم جهارا ثم إنّي أعلنت لهم و أسررت لهم إسرارا ) ثم إني دعوتهم إلى توحيدك في عبادتك و إلى ترك الشرك فيها مرة بعد مرة , على وجوه متنوعة , ما بين مجاهرة و إظهار بلا خفاء , و ما بين إعلان و صياح بهم , و ما بين إسرار فيما بيني و بينهم في خفاء , و هذه المراتب أقصى ما يمكن للآمر بالمعروف , و الناهي عن المنكر أن يقوم بها . ( فقلت استغفروا ربكم إنّه كان غفّارا ) أي : ارجعوا إليه و ارجعوا عما أنتم فيه و توبوا إليه من قريب , فإنه من تاب إليه تاب عليه , و لو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر و الشرك . ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) أي نزل عليكم المطر متتابعا , يروي الشعاب و الوهاد , و يحيي البلاد و العباد . ( و يمددكم بأموال و بنين ) أي : يكثر أموالكم التي تدركون بها ما تطلبون من الدنيا و أولادكم . ( و يجعل لكم جنات و يجعل لكم أنهارا ) أي : و جعل لكم بساتين فيها أنواع الثمار , و خللها بالأنهار الجارية بينها . ( ما لكم لا ترجون لله وقارا ) أي : أي شيء جعلكم لا ترون لله عظمة إذ تشركون معه ما لا يسمع و لا يبصر , فلا تخافون من بأسه و نقمته . ( و قد خلقكم أطوارا ) أي خلقكم حالا بعد حال , فطورا نطفة , و طورا علقة , و طورا مضغة .. و هكذا طورا بعد طور . و مقتضى علم ذلك شدة الرهبة من بطشه و أخذه , لعظيم قدرته . ( ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ) أي : كل سماء فوق الأخرى . ( و جعل القمر فيهنّ نورا و جعل الشّمس سراجا ) ففاوت بينهما في الإستنارة , فجعل كلا منهما أنموذجا على حدة , ليعرف الليل و النهار بمطلع الشمس و مغيبها , و قدر القمر منازل و بروجا , و فاوت نوره , فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستسر , ليدل على مضي الشهور و الأعوام , كما قال تعالى " هو الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و قدّره منازل لتعلموا عدد السّنين و الحساب ما خلق الله ذلك إلاّ بالحقّ يفصّل الآيات لقوم يعلمون " . ( و الله أنبتكم من الأرض نباتا ) إذ أصلكم من تراب , و النطف أيضا من الغذاء المكون من التراب , ثم خلقتكم تشبه النبات و هي على نظامه في الحياة و النماء . ( ثم يعيدكم فيها ) أي : في الأرض بعد الموت فتدفنون فيها . ( و يخرجكم إخراجا ) أي : يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة . ( و الله جعل لكم الأرض بساطا ) أي : مفروشة مبسوطة صالحة للعيش فيها و الحياة عليها . ( لتسلكوا منها سُبلا فجاجا ) أي : خلقها لكم لتستقروا عليها و تسلكوا فيها أين شئتم , من نواحيها و أرجائها و أقطارها . و كل هذا مما ينبههم به نوح عليه السلام على قدرة الله و عظمته في خلق السماوات و الأرض , و نعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية و الأرضية , فهو الخالق الرازق , جعل السماء بناءً , و الأرض مهادا , و أوسع على خلقه من رزقه , فهو الذي يجب أن يعبد و يوحد و لا يشرك به أحد , لأنه لا نظير له و لا عديل له , و لا ندّ و لا كفء , و لا صاحبة و لا ولد , و لا وزير و لا مشير , بل هو العلي الكبير . يتبع ... |
قال نوح ربّ إنهم عصوني ) أي : قال عليه السلام شاكيا لربه : إن هذا الكلام و الوعظ ما نجع فيهم و لا أفاد , فقد خالفوا أمري و ردُّوا عليّ ما دعوتهم إليه من الهدى و الرشاد . ( و اتّبعوا من لم يزده ماله و ولده إلاّ خسارا ) و اتّبعوا كبراءهم و أغنياءهم و أهل الترف فيهم , أهل المال و الجاه , المعرضين عن الحق , الذين غرَّتهم أموالهم و أولادهم , فهلكوا بسببهما , و خسروا سعادة الدارين . ( و مكروا مكرا كُبّارا ) أي : مكروا مكرا كبيرا بليغا بأتباعهم في تسويلهم لهم بأنهم على الحق و الهدى , كما يقولون لهم يوم القيام " بل مكر اللّيل و النّهار إذ تأمروننا أن نّكفر بالله و نجعل له أنداد " . ( و قالوا لا تذرن آلهتكم و لا تذرنّ ودًّا و لا سُوَاعا و لا يغوث و يعوق و نسرا ) أي : قالوا لبعضهم البعض متواصين بالباطل , ألاّ تَدعوا عبادة آلهتكم , ثم سموا منها رؤساءها و هم خمسة : ود و سواع و يغوث و يعوق و نسر . قال ابن عباس : " و هي أسماء رجال صالحين من قوم نوح , فلمّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا , و سمُّوها بأسمائهم . ففعلوا , فلم تُعبد , حتّى إذا هلك أولئك , و تنسَّخ العلم عُبدت " رواه البخاري . و قال ابن جرير : " كان من خبرهم - فيما بلغنا - من محمد بن قيس قال : كانوا قوما صالحين من بني آدم , و كان لهم أتباع يقتدون بهم , فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم . فصورهم . فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم , و بهم يسقون المطر , فعبدوهم " . قال قتادة : كانت آلهة تعبدها قوم نوح , ثم عبدتها العرب بعد ذلك . ( و قد أضلّوا كثيرا ) يعني : الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقا كثيرا , فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب و العجم و سائر صنوف بني آدم . و قد قال إبراهيم عليه السلام في دعائه " و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام , ربّ إنّهن أضللن كثيرا من الناس " . ( و لا تزد الظالمين إلا ضلالا ) هذا دعاء من نوح عليه السلام على قومه بعد أن أيس من إيمانهم و عدم هدايتهم لطول ما مكث بينهم يدعوهم و هم لا يزدادون إلا كفرا و ضلالا . ( ممّا خطيئاتهم أغرقوا ) من كثرة ذنوبهم و عتوهم و إصرارهم على كفرهم و مخالفتهم رسولهم أغرقوا بالطوفان فلم يبق منهم أحد . ( فأدخلوا نارا ) أي : بمجرد ما يغرق الشخص و تخرج روحه يدخل النار في البرزخ . ( فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) أي : لم يكن لهم معين و لا مُغيث و لا مُجير ينقذهم من عذاب الله كقوله " لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم " . ( و قال نوح ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا ) أي : لا تترك على وجه الأرض منهم أحدا . قال ابن جرير : " يعنى ب " الديّار " من يدور في الأرض فيذهب و يجيء فيها " . فاستجاب الله له , فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه , و قال " سآوي إلى جبل يعصمني من الماء , قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم , و حال بينهما الموج فكان من المغرقين " . ( إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ) إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك , أي : الذين تخلقهم بعدهم . ( و لا يلدوا إلاّ فاجرا كفّارا ) أي : لا يلدون إلا من يفجر عن دينك و يكفر بك و برسولك . و إنما قال نوح عليه السلام ذلك , لأنه مع كثرة مخالطتهم , و مزاولته لأخلاقهم , و طول المدة التي مكثها بينهم - ألف سنة إلا خمسين عاما - علم بذلك نتيجة أعمالهم , لا جرم أن الله استجاب دعوته , فأغرقهم أجمعين , و نجى نوحا و من معه من المؤمنين . ( ربّ اغفر لي و لوالديّ ) قال ابن جرير : أي رب اعف عني , و استر عليّ ذنوبي و على والديّ . ( و لمن دخل بيتي مؤمنا ) قال ابن جرير : أي و لمن دخل مسجدي و مصلاي , مصليا مؤمنا بواجب فرضك عليه . قال ابن كثير : و لا مانع من حمل الآية على ظاهرها , و هو أنه دعا لكل من دخل منزله و هو مؤمن . ( و للمؤمنين و المؤمنات ) دعاء لجميع المؤمنين و المؤمنات , و ذلك يعم الأحياء منهم و الأموات , و لهذا يستحب مثل هذا الدعاء , اقتداء بنوح عليه السلام , و بما جاء في الآثار , و الأدعية المشروعة . ( و لا تزد الظالمين إلا تَبارا ) أي : و لا يزد الظالمين إلا خسارا و هلاكا في الدنيا و الآخرة . |
تفسير سورة المعارج و تسمى سورة " سأل سائل " . و هي مكية و آيها أربع و أربعون . ( سأل سائل بعذاب واقع ) أي دعا داعٍ من الكفار و هو النضر بن الحارث و من وافقه من المشركين أن يصيبهم العذاب – على وجه التعجيز و الإمتحان - , فقالوا : " اللّهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " . فبشرهم الله تعالى بأن ذلك العذاب واقع لا محالة . ( واقع , للكافرين ) مُرصد مُعَدّ للكافرين . ( ليس له دافع ) أي : ليس لهذا العذاب الذي استعجل به من استعجل , من متمردي المشركين , أحد يدفعه قبل نزوله , أو يرفعه بعد نزوله . ( من الله ذي المعارج ) أي : صاحب العلو و الدرجات و مصاعد الملائكة و هي السماوات . ( تعرج الملائكة و الروح إليه ) أي : تصعد الملائكة و جبريل إلى الله تعالى . ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) أي يصعدون من منتهى أمره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع في يوم مقداره خمسون ألف سنة بالنسبة لصعود غير الملائكة من الخلق . ( فاصبر صبرا جميلا ) أي : اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك , و استعجالهم العذاب استبعادًا لوقوعه , و استمر على أمر الله , و ادع عباده إلى توحيده , فإن الصبر على ذلك خيرا كثيرا . ( إنهم يرونه بعيدا ) وقوع العذاب و قيام الساعة يراه الكفرة مستحيل الوقوع , لأنهم أصلا يكذبونا بالبعث و النشور . ( و نراه قريبا ) أي : المؤمنون يعتقدون كونه قريبا , و إن كان له أمد لا يعلمه إلا الله , عز و جل , لكن كل ما هو آت فهو قريب و واقع لا محالة . يقول تعالى : العذاب واقع بالكافرين ( يوم تكون السماء كالمهل ) أي : تذوب كذائب النحاس , و الرصاص المذاب , من تشققها , و بلوغ الهول منها كل مبلغ . ( و تكون الجبال كالعهن ) أي : كالصوف المنفوش – في الخفة و الطيران بالريح – ثم تكون بعد ذلك هباء منثورا , فتضمحل . فإذا كان هذا القلق و الإنزعاج لهذه الأجرام الكبيرة الشديدة , فما ظنك بالعبد الضعيف الذي قد أثقل ظهره بالذنوب و الأوزار ؟ أليس حقيقا , أن ينخلع قلبه و ينزعج لبه , و يذهل عن كل أحد ؟ و لهذا قال : ( و لا يسأل حميم حميما ) أي : لا يسأل قريب قريبا عن شأنه – مع أنه يراه في أسوأ الأحوال – لشغله بشأن نفسه . ( يبصرونهم ) أي : يعرّفون أقرباءهم , و مع ذلك يفر بعضهم من بعض . ( يودُّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه , و صاحبته و أخيه , و فصيلته التي تُؤويه , و من في الأرض جميعا ثمّ يُنجيه , كلا ) لما يرى المجرم الذي حق عليه العذاب هول يوم القيامة و هول ما ينتظره من عذاب أليه , يتمنى أن لو يفتدي نفسه – من ذلك العذاب – ببنيه الذين هم حُشاشة كبده , و محل شفقته , و زوجته التي هي أحب إليه , و أخيه الذي يستعين به في النوائب , و عشيرته التي تضمه إليها في الشدائد , بل و يفتدي بأهل الأرض جميعا لينجي نفسه من سوء المصير . لكن لا ينفع ذلك و لا يقبل , فقد حقّت كلمة ربك على الذين فسقوا أن لهم عذاب عظيم . ( إنّها لظى ) إنّ النار التي وُعد بها المجرمون من لهب خالص , شديد الحرارة . ( نزّاعة للشّوَى ) أي : تنزع جلدة رأس المجرمين بشدة و قوة فيظل الرأس عظم بلا جلد , ثم " و إن يستغيثوا يُغاثُ بماء كالمهل يشوي الوجوه " فيسقط لحم الوجه , فيبقى هيكلا عظميا لا لحم و لا جلد عليه كما قال تعالى " كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب " . * قاله الشيخ عبد العظيم بدوي * . ( تدعو من أدبر و تولّى , و جمع فأوعى ) أي : تدعو النار إليها – بلسان طلق ذلق – من أدبر عن طاعة الله و رسوله , فكذبه بقلبه , و ترك العمل بجوارحه . و من جمع المال بعضه على بعض فأوعاه , و منع حق الله منه من الواجب عليه في النفقات و من إخراج الزكاة . ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر كما يلتقط الطير الحب . يتبع ... |
إن الإنسان خُلق هلوعا ) أي قليل الصبر , شديد الحرص , كما بيّنه بقوله ( إذا مسّه الشّر جزوعا ) إذا أصابه الضر , من فقر أو مرض , أو ذهاب محبوب له , من مال أو أهل أو ولد , فزع و جزع و انخلع قلبه من شدة الرعب , و أيس أن يحصل له بعد ذلك خير . ( و إذا مسّه الخير منوعا ) و إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره , و منع حق الله فيها . ( إلاّ المصلين , الذين هم عن صلاتهم دائمون ) أي : الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم إلا من عصمه الله و وفقه , و هداه إلى الخير و يسر له أسبابه , و هم المصلون , المداومون عليها في أوقاته بشروطها و مكملاتها . ( و الذين في أموالهم حقٌّ معلوم , للسائل و المحروم ) أي : في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات , من زكاة و صدقة . فتُبدَل تلك الأموال للسّائل الذي يطلب الصدقة و للذي لا يطلبها حياءً و تعفّفا . ( و الذين يصدِّقون بيوم الدين ) أي : يوقنون بالمعاد و الحساب و الجزاء , فهم يعملون عمل من يرجو الثواب و يخاف العقاب . و التصديق بيوم الدين , يلزم منه التصديق بالرسل , و بما جاؤوا به من الكتب . ( و الذين هم مّن عذاب ربّهم مُّشفقون ) قال ابن جرير : أي وَجِلون أن يعذبهم في الآخرة , فهم من خشية ذلك لا يضيّعون له فرضا , و لا يتعدّون له حدّا . ( إنّ عذاب ربّهم غير مأمون ) أي : لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا بأمان من الله تبارك و تعالى . ( و الذين هم لفروجهم حافظون ) أي : يكفونها عن الحرام و يمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه , فلا يطؤون بها وطأً محرما , من زنى , أو لواط , أو وطءٍ في دبر , أو حيض , و نحو ذلك , و يحفظونها أيضا من النظر إليها و مسها , ممن لا يجوز له ذلك , و يتركون أيضا , وسائل المحرمات الداعية لفعل الفاحشة . ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) من الجواري و الإماء . ( فإنهم غير ملومين ) في إتيان أزواجهم و جواريهم اللاائي ملكوهنّ بالجهاد أو الشراء الشرعي . ( فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) فمن إلتمس لفرجه منكحا غير زوجته , أو ملك يمينه , فأولئك هم الظالمون الذين تجاوزوا الحلال إلى الحرام فكانوا بذلك معتدين ظالمين . فدلت بذلك هذه الآية على تحريم نكاح المتعة , لكونها غير زوجة مقصودة , أو ملك يمين . ( و الذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون ) أي : مراعون لها , حافظون مجتهدون على أدائها و الوفاء بها , و هذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد و بين ربه , كالتكاليف السرية , التي لا يطلع عليها إلا الله , و الأمانات التي بين العبد و بين الخلق , في الأموال و الأسرار , و كذلك العهد , شامل للعهد الذي عاهد عليه الله , و العهد الذي عاهد عليه الخلق , فإن العهد يسأل عنه العبد , هل قام به و وفاه , أو رفضه و خانه فلم يقم به ؟ ( و الذين هم بشهاداتهم قائمون ) أي لا يكتمون ما استشهدوا عليه , قال تعالى " و من يكتمها فإنّه آثم قلبه " , و لكنهم يقومون بأدائها حيث يلزمهم أداؤها , غير مغيّرة و لا مبدّلة . ( و الذين هم على صلاتهم يُحافظون ) على مواقيتها و أركانها و واجباتها و مستحبّاتها , فافتتح الكلام بذكر الصلاة و اختتمه بذكرها , فدل على الإعتناء بها و التنويه بشرفها . ( أولئك في جنّات مكرمون ) أولئك المطبقون لهذه الصفات – السابق ذكرها – الناجحون فيها , في جنّات مكرمون بأنواع الملاذ و المسار , التي تشتهيها الأنفس و تلذ بها الأعين , و هم فيها خالدون . يتبع ... |
فمال الذين كفروا قبلك مهطعين , عن اليمين و عن الشمال عزين ) يخبر تعالى مقبحا سلوك المشركين إزاء رسوله صلى الله عليه و سلم , منكرا عليهم فعلهم و إعراضهم فيقول : ما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد مسرعين نافرين منك متفرقون عنك , شاردون يمينا و شمالا فرقا فرقا , و شيعا شيعا , كما قال تعالى : " فما لهم عن التّذكرة معرضين كأنّهم حمرة مستنفرة فرّت من قسورة " . ( أيطمع كلّ امرئ مّنهم أن يُدخل جنّة نعيم ) بأي سبب يطمع هؤلاء الكفار في جنّة النعيم , و هم لم يقدموا سوى الكفر , و الجحود برب العالمين . ( كلاّ ) لن يتحقق طمعهم , فليس الأمر بأمانيهم , و لن يدركوا ما يشتهون بقوتهم التي يتصورون , بل مأواهم نار الجحيم و لهم العذاب الأليم . ( إنّا خلقناهم مما يعلمون ) أي : من المني الضعيف , كما قال : " ألم نخلقكم مّن مّاء مّهين " , و قال : " فلينظر الإنسان ممّ خلق , خُلق من مّاء دافق , يخرج من بين الصّلب و التّرائب " . فهم ضعفاء لا يملكون لأنفسهم نفعا و لا ضرا , و لا موتا و لا حياة و لا نشورا . و تذكيرهم بهذا الأمر إزدراءً بهم و تهكم من حالهم إذ يجادلون و يعاندون و هم مخلقون من نطفة مذرة . ( فلا أقسم بربّ المشارق و المغارب إنّا لقادرون على أن نّبدّل خيرا منهم و ما نحن بمسبوقين ) أقسم الله عز و جل بربوبيته للمشارق و المغارب على قدرته باستخلاف قوم خير منهم , فإن ذلك لا يعجزه تعالى لكمال قدرته و قوة استطاعته , كما قال تعالى : " و إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " و قال تعالى : " ألم ترى أن الله خلق السماوات و الأرض بالحق إن يشأ يذهبكم و يأتي بخلق جديد و ما ذلك على الله بعزيز " . و قال : " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله , و الله هو الغني الحميد , إن يشأ يذهبكم و يأتي بخلق جديد و ما ذلك على الله بعزيز " . كما قاله الشيخ عبد العظيم بدوي . ( فذرهم يخوضوا و يلعبوا ) أي : يا محمد دعهم في تكذيبهم و كفرهم و عنادهم . ( حتّى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) فإن الله قد أعد لهم فيه من النكال و الوبال ما هو عاقبة خوضهم و لعبهم . ( يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنّهم إلى نُصُب يوفضون ) أي : يقومون من القبور إذا دعاهم الرب تبارك و تعالى , لموقف الحساب , مجيبين لدعوته مسرعين إليها , كأنّهم في إسراعهم إلى الموقف كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى النصب إذا عاينوه , يبتدرون , أيهم يستلمه أولا . ( خاشعة أبصارهم ) من الخزي و الهوان . ( ترهقهم ذِلّة ) تغشاهم ذلّة من هول ما حاق بهم . ( ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) و هو اليوم الذي كانوا يوعدون بالعذاب فيه و هو يوم القيامة الذي أنكروه و كذبوا به . ها هو ذا قد حصل فليتجرعوا غصص الندم و ألوان العذاب . |
تفسير سورة الحاقة هي مكية و آياتها ثنتان و خمسون ( الحاقة ) هي من أسماء يوم القيامة , لأن فيها يتحقّق الوعد و الوعيد . ( ما الحاقة ) " ما " إسم إستفهام مستعمل في التهويل و التعظيم و المعنى : الحاقة أمر عظيم لا يدرك كنهه . ( و ما أدراك ما الحاقة ) أي : تأكيدا لتفخيم شأنها , و عظيم أمرها , و جسيم هولها . ( كذّبت ثمود و عاد بالقارعة ) كذّبت ثمود – و هم القبيلة المشهورة , سكان الحجر , الذين أرسل الله إليهم رسوله صالحا عليه السلام – , و عاد - و هم سكان حضر موت , أرسل الله إليهم رسوله هود عليه السلام – بالساعة التي تقرع الناس بأهوالها و هجومها عليهم . ( فأمّا ثمود فأهلكوا بالطاغية ) و هي الصيحة – و هي أشبه بصيحة النفخ في الصور – العظيمة الفظيعة , التي انصدعت منها قلوبهم , و زهقت لها أرواحهم فأصبحوا موتى لا يُرى إلا مساكنهم و جثثهم . ( و أما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ) أي : بريح شديدة العصوف و البرد , متجاوزة الحد المعروف في الهبوب و البرودة , لها صوت أبلغ من صوت الرعد القاصف . ( سخّرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام حسوما ) أي : سلطها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام متتابعات بلا انقطاع , فدمّرتهم و أهلكتهم . ( فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية ) فترى القوم في تلك الليالي و الأيام هلكى موتى ساقطين على الأرض كأنهم أصول نخل ساقطة فارغة ليس في أجوافها شيء . ( فهل ترى لهم باقية ) أي : هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم ؟ بل بادوا عن آخرهم و لم و لم يجعل الله لهم خَلَفًا . ( و جاء فرعون و من قبله ) من الأمم المكذبة , كقوم نوح و عاد و ثمود . ( و المُؤْتَفِكات ) و هي قرى قوم لوط , التي قلبها الملَكُ فجعل عاليها سافلها . ( بالخاطئة ) فالجميع – فرعون و نوح و عاد و قوم لوط ... – جاؤوا بالفِعلة الطاغية , و هي الكفر و التكذيب , و الظلم و المعاندة و ما انضمّ إلى ذلك من أنواع الفواحش و الفسوق . ( فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ) كل من هؤلاء كذّب الرسول الذي أرسله الله إليهم – و من كذّب رسول الله فقد كذّب بجميع الرسل , كما قال تعالى " كذّبت قوم نوح المرسلين " . " كذّبت عاد المرسلين " . " كذّبت ثمود المرسلين " – فأخذ الله الجميع أخذة عظيمة شديدة أليمة , زائدة على الحد و المقدار الذي يحصل به هلاكهم . يتبع ... |
تتمة تفسير سورة الحاقة ( إنّا لمّا طغا الماء ) زاد على الحد بإذن الله و ارتفع على الوجود . و هو ماء الطوفان الذي أهلك الله به قوم نوح . ( حملناكم في الجارية ) و هي السفينة الجارية عل وجه الماء , حُمِل فيها نوح و الذين آمنوا معه , فنجو من الطوفان الذي أهلك فيه كل المكذبين المخالفين . قال ابن جرير : خاطب الذين نزل فيهم القرآن , و إنما حمل أجدادهم نوحا و ولده , لأن الذين خوطبوا بذلك , ولد الذين حُملوا في الجارية , فكان حمل الذين حملوا فيها من الأجداد , حملا لذريتهم . ( لنجعلها لكم تذكرة ) أي : لنجعل تلك الفعلة التي هي إنجاء المؤمنين , و إغراق الكافرين , آية و عبرة تذكرون بها صدق وعده في نصر رسله , و تدمير أعدائه . و يَصْلُح عَوْدُ ضمير " لنجعلها " على السفينة , فيكون المعنى : و أبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار – كما قال تعالى : " و جعل لكم من الفلك و الأنعام ما تركبون , لتستووا على ظهوره ثمّ تذكرون نعمة ربّكم إذا استويتم عليه " . و قال تعالى : " و آية لهم أنّا حملنا ذريّتهم في الفلك المشحون , و خلقنا لهم من مثله ما يركبون " – لتذَّكروا أول سفينة صنعت , و ما قصتها , و كيف نجّى الله عليها من آمن به و اتبع رسوله , و أهلك أهل الأرض كلهم , فإن جنس الشيء مذكّر بأصله . ( و تعيها أذن واعية ) و تحفظ هذه العظة أذن حافظة لا تنسى ما هو حق و خير من المعاني , و هذا بخلاف أهل الإعراض و الغفلة , و أهل البلادة و عدم الفطنة , فإنهم ليس لهم انتفاع بآيات الله , لعدم وعيهم عن الله , و فكرهم بآيات الله . يتبع .. |
( فإذا نُفخ في الصّور نفخة واحدة ) أي : فإذا نفخ إسرافيل في الصور الذي هو البوق أو القرن النفخة الأول , و هي نفخة الصعق . ( و حُملت الأرض و الجبال فدكّتا دكّة واحدة ) أي : رفعتا و ضربتا ببعضهما من شدة الزلازل , فصارت هباء منبثا . و في توصيف النفخة بالوحدة تعظيم لها , و إشعار بأن المؤثر لدك الأرض و الجبال و خراب العالم , هي وحدها , غير محتاجة إلى أخرى . ( فيومئذ وقعت الواقعة ) أي : قامت القيامة . ( و انشقت السّماء فهي يومئذ واهية ) أي : أي : انصدعت و تمزقت حتى صارت مسترخية ضعيفة القوة . ( و الملك على أرجائها ) أي الملائكة الكرام على جوانب السماء و أركانها . ( و يحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية ) و يحمل عرش الرحمن يوم القيامة فوقهم – أي فوق الملائكة الذين هم على أرجاء السماء – يومئذ ثمانية من الملائكة . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أُذِنََ لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش : بُعْدُ ما بين شحمة أذنه و عنقه بخفق الطير سبعمائة عام " . رواه أبو داود و صححه الألباني . ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) أي : يوم القيامة تعرضون على ربكم للحساب و الجزاء , فلا يخفى عليه شيء من أموركم , بل هو عالم بالظواهر و السرائر و الضمائر . يتبع .. |
تتمة تفسير سورة الحاقة ( فأمّا من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه ) بعد مجيء الربّ تبارك و تعالى لفصل القضاء يوم القيامة تُعْطى الكتب , فمن آخذ كتابه بيمينه – و هم الفائزون – و من آخذ كتابه بشماله – و هم الهالكون - , فأما من أوتي كتابه بيمينه يفرح بنجاته و فوزه , حتى يقول من شدة السعادة لكل من لقيه , خذوا اقرءوا كتابيه , لأنه يعلم أن الذي فيه خير و حسنات محضة , لأنه ممّن بَدَّل الله سيئاته حسنات . ( إنّي ظننت أنّي ملاق حسابيه ) أي : قد كنت موقنا في الدنيا أن يوم القيامة و الحساب و الجزاء كائن لا محالة , فأعددت له عدته من الإيمان و العمل الصالح . ( فهو في عيشته راضية ) أي : جامعة لما تشتهيه الأنفس , و تلذ الأعين , وقد رضوها , و لم يختاروا عليها غيرها . ( في جنّة عالية ) أي : رفيعة قصورها , حسان حورها , نعيمة دورها , دائم حبورها . و قد ثبت في صحيح البخاري : " أن الجنّة مائة درجة , ما بين كل درجتين كما بين المساء و الأرض " . ( قطوفها دانية ) أي : ثمرها وجناها , من أنواع الفواكه , قريبة , سهلة التناول على أهلها , يتناولها أحدهم , و هو نائم على سريره . ( كلوا و اشربوا هنيئا لكم بما أسلفتم في الأيّام الخالية ) أي : كلوا و اشربوا من كل طعام لذيذ , و شراب شهيّ , من غير مكدّر و لا منغص , و هذا الجزاء و النعيم حصل لكم بما قدمتم من الأعمال الصالحة , و ترك الأعمال السيئة . فهذه الأعمال جعلها الله تعالى سببا فقط لدخول الجنة , و إلا فقد ثبت في الصحيحين , عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : " اعملوا و سدّدوا و قاربوا و اعلموا أن أحدا منكم لن يدخِلَه عمله الجنة " قالوا : و لا أنت يا رسول الله ؟ قال : " و لا أنا , إلاّ أن يتغمّدني الله برحمة منه و فضل " . يتبع .. |
و أما من أوتي كتابه بشماله ) هذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في عرصات القيامة بشماله و وراء ظهره . و هو كتاب سيئاته من الشرك و المعاصي كبيرها و صغيرها . ( فيقول ياليتني لم أوت كتابيه و لم أدر ما حسابيه ) بعد نظره في كتابه الذي أخذه بشماله , و ما يلوح له فيه من السيئات , يتمنى لو أنه لم يعطى كتابه و لم يدر ما حسابه , و ذلك من عظم ما يشاهد من شدة الحساب و شناعته . ( ياليتها كانت القاضية ) قال ابن جرير : أي ياليت الموتة التي متّها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها , و لم يكن بعدها حياة و لا بعث . قال قتادة : تمنى الموت , و لم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه . ( ما أغنى عني ماليه , هلك عنّي سلطانيه ) أي : لم يدفع عني مالي و لا جاهي عذاب الله و بأسه , بل خلص الأمر إليّ وحدي , فلا معين لي و لا مجير . ( خذوه فغلّوه , ثمّ الجحيم صلّوه ) يأمر الله تعالى الزبانية أن تأخذه بعنف و شدّة , و أن تضمّ يديه إلى عنقه بالأغلال , ثم تدخله إلى جهنم و تغمره فيها . ( ثمّ في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ) ثم في سلسلة – من سلاسل الجحيم و هي في غاية الحرارة – ذَرعها – عن ابن عباس و ابن جرير : بذراع الملَك – سبعون ذراعا . " فاسلكوه " أي أدخلوه فيها , فتدخل من فمه و تخرج من دبره كسلك الخرزة في الخيط . ( إنّه كان لا يؤمن بالله العظيم ) أي : كان كافرا بربه , معاندا لرسله , رادًّا ما جاؤوا به من الحق . ( و لا يحضّ على طعام المسكين ) أي : ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء و المساكين , فلا يطعمهم من ماله , و لا يحض غيره على إطعامهم , لعدم الوازع في قلبه , و ذلك لأن مدار السعادة و مادتها أمران : الإخلاص لله , الذي أصله الإيمان بالله , و الإحسان إلى الخلق , بوجوه الإحسان , الذي من أعظمها , دفع ضرورة المحتاجين , بإطعامهم ما يتقوتون به , و هؤلاء لا إخلاص و لا إحسان , فلذلك استحقوا ما استحقوا . ( فليس له اليوم ها هنا حميم ) أي ليس له يوم القيامة من ينقذه من عذاب الله , لا قريب أو صديق ينتفع به فيدفع عنه العذاب أو يخففه , أو شفيع يطاع , فينجيه من عذاب الله , و يفوز بثواب الله , قال تعالى " ما للظالمين من حميم و لا شفيع يطاع " . ( و لا طعام إلاّ من غسلين ) و ليس له طعام إلا من غسلين و هو صديد أهل النار , الذي هو في غاية الحرارة , و نتن الريح , و قبح الطعم و مرارته . قال قتادة : هو شر طعام أهل النار . ( لا ياكله إلاّ الخاطئون ) لا يأكل هذا الطعام الذميم إلا الذين أخطؤوا الصراط المستقيم , و سلكوا سبل الجحيم , فلذلك استحقوا العذاب الأليم . يتبع .. |
تتمة تفسير سورة الحاقة ( فلا أقسم بما تبصرون و ما لا تبصرون , إنّه لقول رسول كريم ) أقسم الله تعالى لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه و صفاته , و ما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم – قال الرازي : و هذا القسم يعم جميع الأشياء على الشمول , لأنها لا تخرج من قسمين : مبصر و غير مبصر , فشمل الخالق و الخلق , و الدنيا و الآخرة , و العالم العلويّ و السفليّ , و هكذا – إن القرآن كلامُه و وحيه و تنزيله على عبده و رسوله , الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة و أداء الأمانة , و هو محمد صلى الله عليه و سلم . ( و ما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون , و لا بقول كاهن قليلا ما تذكّرون ) نزه الله رسوله الكريم عما رماه به أعداؤه , من أنه شاعر أو ساحر , و أن القرآن ليس من الشعر لمخالفته له نظما و معنى , و أنه أيضا ليس بكلام الكهان لملازمته للصدق و الحق و الهدى , و أن الذي حملهم على ذلك , عدم إيمانهم , و تذكرهم , فلو آمنوا و تذكروا , لعلموا ما ينفعهم و يضرهم . ( تنزيل من رب العالمين ) هذا القرآن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم تنزيل من رب العالمين , لا يليق أن يكون قول البشر , بل هو كلام دال على عظمة من تكلم به , و جلالة أوصافه , و كمال تربيته لعباده , و علوه فوق عباده . ( و لو تقول علينا بعض الأقاويل ) لو كان محمد صلى الله عليه و سلم كما يزعمون مفتريا علينا , فزاد في الرسالة أو نقص منها , أو قال شيئا من عنده فنسبه إلينا , و ليس كذلك , لعاجلناه بالعقوبة , و لهذا قال : ( لأخذناه منه باليمين ) قيل : معناه : لانتقمنا منه باليمين , لأنها أشد في البطش . و قيل : لأخذنا منه بيمينه . قال الزمخشري : المعنى لو ادّعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا , كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم , معاجلة بالسخط و الإنتقام . فصوّر قتل الصبر بصورته ليكون أهول , و هو أن يؤخذ بيده , و تضرب رقبته . و خص اليمين عن اليسار , لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره , و إذا أراد أن يوقعه في جِيده , و أن يكفحه بالسيف , و هو أشد على المصبور , لنظره إلى السيف , أخذ بيمينه . ( ثم لقطعنا منه الوتين ) قال ابن عباس : " و هو نياط القلب , و هو العرق الذي القلب معلق فيه " . إذا انقطع , مات الإنسان منه . ( فما منكم من أحد عنه حاجزين ) أي : ليس أحد منكم يحجزنا عنه , و يحول بيننا و بين عقوبته , لو تقوَّل علينا . و المعنى في هذا : بل هو صادق بار راشد , لأن الله عز و جل , مقرر له ما يبلغه عنه , مؤيد له بالمعجزات الباهرات و الدلالات القاطعات . ( و إنّه لتذكرة للمتقين ) و إن القرآن عظة لمن يتقي عقاب الله بالإيمان به و حده , و ما نزل من عنده . ( و إنّا لنعلم أنّ منكم مّكذبين ) مع هذا البيان و الوضوح , سيوجد منكم من يكذب بالقرآن . و هذا فيه تهديد و وعيد للمكذبين . فإنه سيعاقبهم على تكذيبهم بالعقوبة البليغة . ( و إنّه لحسرة على الكافرين ) فإنهم لما كفروا به , و رأوا ما وعدهم به , تحسروا إذ لم يهتدوا به , و لم ينقادوا لأمره , ففاتهم الثواب , و حصلوا على أشد العذاب , و تقطعت بهم الأسباب . ( و إنّه لحق اليقين ) أي – القرآن - : الخبر الصدق الحق الذي لا مرية فيه , و لا شك و لا ريب . ( فسبّح باسم ربك العظيم ) أي : نزهه عما لا يليق بجلاله , و قدّسه بذكر أوصاف جلاله و جماله و كماله , و ادأب على الدعوة إليه وحده , و إلى ما أوحاه إليك . فالعاقبة لك , و لمن اتبعك من المؤمنين |
تفسير سورة القلم مكية و آياتها اثنتان و خمسون آيه , و تعرف بسورة " ن " ( ن ) هذا أحد الحروف المقطعة نحو ق , ص , حم , الله أعلم بمراده به . ( و القلم و ما يسطرون ) يقسم الله تعالى بالقلم , و هو إسم جنس شامل للأقلام , التي يكتب بها أنواع العلوم , و يسطر بها المنثور , و المنظوم . و ذلك أن القلم و ما يسطرون به من أنواع الكلام , من آيات الله العظيمة , التي تستحق أن يقسم الله بها . و قال آخرون : بل المراد ها هنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات و الأرضين بخمسين ألف عام , و أوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم . ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) أي : لست , و لله الحمد , بمجنون , كما يقول الجهلة من قومك , و المكذبون بما جئتهم به من الهدى و الحق المبين . بل أنت قد مَنَّ الله عليك بالعقل الكامل , و الرأي الجزل , و الكلام الفصل , الذي هو أحسن ما جرت به الأقلام , و سطره الأنام . ( و إنّ لك لأجرا غير ممنون ) إن لك الأجر العظيم , و الثواب الجزيل الذي لا ينقطع و لا يبيد على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق , و صبرك على أذاهم , ثم بسبب ما قدمه من أعمال صالحة , و أخلاق كريمة , و قدوة حسنة , و ما سنّه من طرق الخير , إذ من سنّ سنّة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم الدين . ( و إنك لعلى خلق عظيم ) قال ابن جرير : أي أدب عظيم , و ذلك أدب القرآن الذي أدبه الله به , و هو الإسلام و شرائعه . قالت عائشة رضي الله عنها : " كان خلقه القرآن " رواه مسلم . فصار امتثال القرآن أمرا و نهيا , سجيةٌ له , و خلقا تطَبَّعَه , و ترك طبعه الجبِلِّي , فمهما أمره القرآن فعله , و مهما نهاه عنه تركه . هذا مع ما جَبَله الله عليه من الخلق العظيم , من الحياء و الكرم و الشجاعة , و الصفح و الحلم , و كل خلق جميل . قال الرازي : و هذا كالتفسير لقوله " بنعمة ربّك " و الدلالة القاطعة على براءته مما رمي به , لأن الأخلاق الحميدة , و الأفعال المرضية , و الفصاحة التامة , و العقل الكامل , و البراءة من كل عيب , و الإتصاف بكل مكرمة , كانت ظاهرة منه , و إذا كانت ظاهرة و محسوسة فوجودها ينافي حصول الجنون . فكذب من أضافه إليه و ضل , بل هو الأحرى بأن يرمى بما قذف به . و هذه الآيات الثلاث هي جواب القسم الذي جاء في أول السورة . يتبع ... |
( فستبصر و يبصرون , بأيكم المفتون ) أي : فستعلم يا محمد , و سيعلم مخالفوك و مكذبوك يوم القيامة – حين يتميز الحق من الباطل – من الضال المفتون , هل أنت – و حاشاك – أم هم ؟ . و بما أنه قد تبيّن لنا أنه صلى الله عليه و سلم أهدى الناس , و أكملهم لنفسه و لغيره , فإن أعداءه و مخالفوه سيكونون أضل النّاس , و شر النّاس للنّاس , و أنهم هم الذين فتنوا عباد الله , و أضلوهم عن سبيله . و هذه الآية كقوله تعالى : " سيعلمون غذا من الكذّاب الأشر " , و كقوله : " و إنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مّبين " . ( إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين ) أي : هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم و منهم هو المهتدي , و يعلم الحزب الضال عن الحق . و في هذا الخبر تعزية لرسول الله صلى الله عليه و سلم و تسلية له ليصبر على دعوة الله , و فيه تهديد و وعيد للمشركين المكذبين , فكون الله تعالى أعلم من كُل أحد بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين , معناه أنه سيعذب حسب سنّته الضال و سيرحم المهتدي . ( فلا تطع المكذبين ) أي : بناءً على أنك أيها الرسول مهتد و قومك ضالون فلا تطع هؤلاء الضالين المكذبين بالله و لقائه و بك و بما جئت به من الدين الحق , فإنهم ليسوا أهلا لأن يطاعوا , لأنهم لا يأمرون إلا بما يوافق أهواءهم , و هم لا يريدون إلا الباطل , فالمطيع لهم مُقْدِم على ما يضره , و هذا عام في كل مكذب , و في كل طاعة ناشئة عن التكذيب , و إن كان السياق في شيء خاص , و هو أن المشركين طلبوا من النبي صلى الله عليه و سلم أن يسكت عن عيب آلهتهم و دينهم , و يسكتوا عنه . ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) و مما يؤكد لك عدم مشروعية طاعتهم فيما يطالبون و يقترحونه عليك أنهم تمنوا و أحبوا لو تلين لهم و توافقهم على بعض ما هم عليه , إما بالقول أو بالفعل أو بالسكوت عن آلهتهم , و بالمقابل يلينون لك و يكفوا عن أذيتك بترك السبّ و الشتم . يتبع .. |
و لا تطع كلّ حلاّف مهين ) بعدما نهاه عن إطاعة الكافرين عامة نهاه عن طاعة كل من كان كثير الحلف – فإنه لا يكون كذلك إلا و هو كذاب , و ذلك أن الكاذب لضعفه و مهانته إنما يتقى بأيمانه الكاذبة التي يجترئ بها على أسماء الله تعالى , و استعمالها في كل وقت في غير محلها – بالباطل حقير خسيس النفس .
قال الزمخشري : و كفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف , و مثله قوله تعالى : " و لا تجعلوا الله عُرْضة لأيمانكم " . ( همّاز ) أي : يطعن في أعراض الناس بما يكرهون , بالغيبة و الإستهزاء , و غير ذلك . ( مشّاء بنميم ) و هو الذي يمشي بين الناس بالنميمة , و هي : نقل كلام بعض الناس لبعض , لقصد الإفساد بينهم , و إلقاء العداوة و البغضاء . و قد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بقبرين فقال : " إنهما ليعذبان و ما يعذبان في كبير , أما أحدهما فكان لا يستتر من البول , و أما الآخر فكان يمشي بالنميمة ..." . و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا يدخل الجنّة قتَّات " أي نمَّام . رواه البخاري و مسلم . ( منّاع للخير ) أي : يبخل بالمال أشدّ البخل . ( معتد ) أي : ظالم للناس , معتدٍ على أموالهم و أنفسهم . ( أثيم ) أي : كثير الإثم و الذنوب المتعلقة في حق الله تعالى . ( عُتلّ بعد ذلك ) أي : غليظ الطبع , شرس الخلق قاس غير منقاد للحق . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ألا أخبركم بأهل النّار ؟ كلّ عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر " رواه البخاري . ( زنيم ) روى البخاري عن ابن عباس " عتلّ بعد ذلك زنيم " قال : رجل من قريش له زنمة , مثل زنمة الشاة . و معنى هذا : أنه كان مشهورا بالسوء , الذي يعرف به من بين الناس , كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين إخواتها . و الزنيم في لغة العرب : هو الدعيُّ في القوم , الملصق فيهم بالنسب , و هو ليس منهم . ( أن كان ذا مال و بنين , إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) أي : لأجل كثرة ماله و ولده , طغى و استكبر عن الحق , حتى حمله ذلك على التكذيب بآيات الله , فإذا تليت عليه و سمعها قال : أساطير الأولين , ردًّا لها و وصفها بأنها أكذوبة مسطرة و مكتوبة من أساطير الأمم الماضية . ( سنسمه على الخرطوم ) أي : نجعل له علامة شر و قبح يُعرف بها مدى حياته تكون بمثابة من جُدع أنفه أو وُسم على أنفه فكل من رآه استقبح منظره . يتبع ... |
( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) أي : أفنساوي بين هؤلاء و هؤلاء في الجزاء ؟ كلا و رب الأرض و السماء . فإن حكمته تعالى لا تقتضي أن يجعل المسلمين القانتين لربهم , المنقادين لأوامره , المتبعين لمراضيه كالمجرمين الذين أجرموا على أنفسهم بارتكاب أكبر الكبائر كالشرك و سائر الموبقات , بل إن للمسلمين المؤمنين جنات النعيم , و للكافرين المشركين سواء الجحيم .
( مالكم كيف تحكمون ) أي : أي شيء حصل لكم حتى ادعيتم هذه الدعوى ؟ . و أن من كان ظنه هكذا فإنه قد أساء الحكم , و أن حكمه حكم باطل , و رأيه رأي فاسد . ( أم لكم كتاب فيه تدرسون ) أي : أعندكم كتاب جاءكم به رسول من عند الله تقرؤون فيه هذا الحكم الذي حكمتم به لأنفسكم بأنكم تعطون يوم القيامة أفضل مما يعطى المؤمنون ؟ ( إنّ لكم فيه لما تخيّرون ) أي : من الأمور لأنفسكم , و تشتهونه لكم , كقوله تعالى " أم ءاتيناهم كتابا فهم على بيّنات منه " و هذا توبيخ لهم و تقريع فيما كانوا يقولون من الباطل , و يتمنون من الأمانيّ الكاذبة . ( أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إنّ لكم لما تحكمون ) أي : ألكم عهود موثقة بأيمان لا نتحلل منها إلى يوم القيامة بأن لكم ما حكمتم به لأنفسكم من أنكم تعطون أفضل مما يعطى المؤمنون . ( سلهم أيّهم بذلك زعيم ) أي : سلهم يا رسولنا عن زعيمهم الذي يكفل لهم مضمون الحكم الذي يحكمون به لأنفسهم من أنهم يعطون في الآخرة أفضل مما يعطى المؤمنون . و الإستفهام هنا مستعمل للتهكم . ( أم لهم شركاء , فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ) أي : ألهم شركاء موافقون لهم في هذا الذي قالوه يكفلونه لهم ؟ فإن كان لهم ذلك فليأتوا بهم إن كانوا صادقين . إذا بهذه الإستفهامات الإنكارية التقريعية السبعة نفى الله تعالى عنهم كل ما يمكنهم أن يتشبثوا به في تصحي دعواهم الباطلة عقلا و شرعا . يتبع ... |
يوم يكشف عن ساق و يُدعون إلى السّجود فلا يستطيعون ) أي : إذا كان يوم القيامة , و انكشف فيه من الأهوال و الزلازل و البلاء و الإمتحان و الأمور العظام , و أتى الله تعالى لفصل القضاء بين عباده و مجازاتهم , فكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء , و رأى الخلائق من جلال الله و عظمته ما لا يمكن التعبير عنه , فحينئذ يدعون إلى السجود لله , فيسجد المؤمنون الذين كانوا يسجدون لله طوعا و اختيارا – في الدنيا - , و يذهب الفجار و المنافقون ليسجدوا , فلا يقدرون على السجود , إذ يكون ظهر أحدهم عظما واحدا لا يستطيعون الإنحناء , كلما أراد أحدهم أن يسجد خرَّ لقفاه , عكس السجود , كما كانوا في الدنيا , بخلاف ما عليه المؤمنون . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يكشف ربّنا عن ساقه , فيسجد له كلّ مؤمن و مؤمنة , فيبقى كلّ من كان يسجد في الدّنيا رياء و سمعة , فيذهب ليسجد , فيعود ظهره طبقا واحدا " . رواه البخاري . ( خاشعة أبصارهم ) لا تطرف من شدة الخوف . ( ترهقهم ذلة ) في الدار الآخرة تغشاهم ذلة عظيمة بسبب إجرامهم و تكبرهم في الدنيا , فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه . ( و قد كانوا يدعون إلى السجود و هم سالمون ) إنهم كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود لله و توحيده و عبادته و هم سالمون معافون في أبدانهم لا علّة فيهم , فيستكبرون عن ذلك و يأبون . يتبع ... |
( فذرني و من يكذب بهذا الحديث ) يقول الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه و سلم : دعني و المكذبين بالقرآن العظيم , و كِلْهُمْ إليّ فإني أكفيكهم . و هذا من بليغ الكناية , كأنه يقول : حسبك انتقاما منهم , أن تكل أمرهم إليّ , و تخلّي بيني و بينهم , فإني عالم بما يجب أن يُفعل بهم , قادر على ذلك . ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) أي : سنكيدهم بالإمهال و إدامة الصحة , و زيادة النعم , من حيث لا يعلمون أنه استدراج , و سبب لهلاكهم , بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة , قال تعالى : " أيحسبون أنّما نمدُّهم به من مال و بنين , نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " , و قال : " فلمّا نسُوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مُّبلسون " . ( و أُملي لهم إنّ كيدي متين ) أي : أمهلهم و أُنسىءُ في آجالهم مدة من الزمان , و ذلك من كيدي و مكري بهم , إن كيدي عظيم لمن خالف أمري , و كذب رسلي , و اجترأ على معصيتي . و في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : " إن الله ليُملي للظالم , حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ " . ثم قرأ : " و كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى و هي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد " . قال الزمخشري : الصحة و الرزق و المدّ في العمر , إحسان من الله و إفضال , يوجب عليهم الشكر و الطاعة , و لكنهم يجعلونه سببا في الكفر باختيارهم . فلما تدرجوا به إلى الهلاك , وصف النعم بالإستدراج . و قيل : كم من مستدرج بالإحسان إليه , و كم من مفتون بالثناء عليه , و كم من مغرور بالستر عليه . و سمى إحسانه و تمكينه " كيدا " , كما سماه استدراجا , لكونه في صورة الكيد , حيث كان سببا للتورط في الهلكة . و وصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك . ( أم تسألهم أجرا فهم من مّغرم مُّثقلون ) أي : لم تطلب منهم على الهداية و التعليم مالا , فيثقل عليهم دفعه حتى يثبطهم عن الإيمان , بل إنك تعلمهم و تدعوهم إلى الله , لمحض مصلحتهم راجيا في ذلك ثوابا من عند الله عز و جل . و هم ما كذبوك إلا بمجرد الجهل و الكفر و العناد . ( أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) أي : ما كان عندهم من الغيوب ما يحكمون به , فيجادلونك بما فيه , و يزعمون أنهم على كفرهم بربهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به , و أنهم مستغنون عن وحيه و تنزيله . فهذا أمر ما كان , و إنما كانت حالهم حال معاند ظالم , فلم يبق إلا الصبر لأذاهم , و التحمل لما يصدر منهم , و الإستمرار على دعوتهم , و لهذا قال : " فاصبر لحكم ربك " . ( فاصبر لحكم ربك ) فاصبر يا محمد على أذى قومك لك و تكذيبهم , و اصبر على إمهالهم , و تأخير ظهورك عليهم . و لا يثنيك – هذا و ذاك – عن تبليغ ما أمرت به , بل إمض صابرا عليه , فإن الله سيحكم لك عليه , و يجعل العاقبة لك و لأتباعك في الدنيا و الآخرة . ( و لا تكن كصاحب الحوت إذ نادى و هو مكظوم ) أي : لا يُوجد منك يا محمد مثل ما وُجد من رسولنا يونس بن متى عليه السلام من الضجر و الونى عن التبليغ , فتبتلى ببلائه , حيث إنه لم يصبر على قومه الصبر المطلوب منه , فذهب مغاضبا لربه , حتى ركب في البحر , فالتقمه الحوت الذي شرد به في البحار و ظلمات و غمرات اليم , و سماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير , الذي لا يُرَدّ ما أنفذه من التقدير , فحينئذ نادى في الظلمات و هو مغموم مهموم " أنّ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " . ( لولا أن تداركه نعمة من ربّه ,لنُبذ بالعراء و هو مذموم ) أي : لولا أن أدركته رحمة الله تعالى حيث ألهمه الله التوبة و وفقه لها , لطرح في العراء – و هي الأرض الخالية – و هو مذموم . لكن لما تاب الله عليه طُرح على ساحل البحر و هو محمود , و صارت حاله أحسن من حاله الأولى و لهذا قال " فاجتباه ربه فجعله من الصالحين " . ( فاجتباه ربه ) أي : اختاره و اصطفاه و نقاه من كل كدر , و هذا الإجتباء الثاني , لأن الإجتباء الأول إذ كان رسولا في أهل نينوى و غاضبوه فتركهم ضجرا منهم فعوقب , و بعد العقاب و العتاب اجتباه مرة أخرى و أرسله إلى أهل بلاده بعد ذلك الإنقطاع , قال تعالى : " فنبذناه بالعراء و هو سقيم و أنبتنا عليه شجرة من يقطين و أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين " . ( فجعله من الصالحين ) أي : الكاملي الصلاح من الأنبياء و المرسلين . فامتثل نبينا محمد صلى الله عليه و سلم أمر ربه , فصبر لحكم ربه صبرا لا يدركه فيه أحد من العالمين . ( و إن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ) و إن يكاد الذين كفروا أن يصيبوك بأعينهم , من حسدهم و غيضهم و حنقهم و بغضهم إياك , لولا وقاية الله لك , و حمايته إياك منهم . و في هذه الآية دليل على أن العين إصابتها و تأثيرها حق , بأمر الله عز و جل . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في صحيح مسلم : " العين حق , و لو كان شيء سابق القدر سبقت العين " . ( لمّا سمعوا الذكر ) أي : القرآن تقرأه عليهم . ( و يقولون إنّه لمجنون ) لعدم تمالك أنفسهم من الحسد , و من أجل صرف الناس عنك , و تنفيرهم عن الهدى الذي جئت به . ( و ما هو إلا ذكر للعالمين ) و ما هذا القرآن الكريم و الذكر الحكيم , إلا عظة و حكمة و تذكير للإنس و الجن , يتذكرون به مصالح دينهم و دنياهم . |
تفسير سورة الملك و تسمى سورة تبارك , و الواقية , و المنجية , و هي مكية و آياتها ثلاثون آية . فضلها : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غُفِر له " تبارك الذي بيده الملك " . صححه الألباني . مجَّد الرب تعالى نفسه و عظمها و أثنى عليها بما هو أهله , و أخبر بأنه هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه , و لا يسأل عما يفعل لقهره و حكمته و عدله . فقال عز و جل : ( تبارك الذي بيده الملك و هو على كلّ شيء قدير ) قال ابن جرير : أي تعاظم الذي بيده ملك الدنيا و الآخرة , و سلطانهما , نافذ فيهما أمره و قضاؤه , و هو على ما يشاء فعله ذو قدرة , لا يمنعه مانع , و لا يحول بينه و بينه عجز . ( الذي خلق الموت و الحياة ) أي أوجد الموت و الحياة , فكل حيّ هو بالحياة التي خلق الله , و كل ميت هو بالموت الذي خلق الله , و هذا مظهر من مظاهر القدرة , أن يخلق الشيء و ضدّه . لكن لماذا قدّم ذكر الموت على الحياة ؟ قال العلماء : في ذلك سِرَّان – و الله أعلم بأسرار كلامه - : 1 – أن الله سبحانه و تعالى خلق الموت قبل الحياة , فالموت سبق الحياة , و العدم سبق الوجود , قال الله تعالى " كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون " , و قال تعالى " هل أتى على الإنسان حين من الدَّهر لم يكن شيئا مذكورا , إنّا خلقنا الإنسان .." . 2 – أن يُكثر الإنسان من ذكر الموت و أن يكون متعلقا بالموت أكثر من تعلقه بالحياة , و هذه وصية رسول الله صلى الله عليه و سلم , حيث قال عليه الصلاة و السلام : " أكثروا ذكر هاذم اللذات " , يعني : الموت . قال الألباني : حسن صحيح . و جعل عليه الصلاة و السلام الإكثار من ذكر الموت عنوان العقل . سُئل عليه الصلاة و السلام : أيُّ المؤمنين أَكْيَس ؟ قال : " أكثرهم للموت ذكرا , و أحسنهم لما بَعْدَهُ استعدادا , أولئك الأكياس " حسنه الألباني . قاله الشيخ عبد العظيم بدوي . ( ليبلوكم أيّكم أحسن عملا ) أي : أحياكم ليختبركم و يمتحنكم أيكم خير عملا . و خير العمل و أحسنه أخلصه و أصوبه , أي أخلصه لله تعالى , و أصوبه أي : أدائه كما شرعه بلا زيادة و لا نقصان . ( و هو العزيز الغفور ) و هو العزيز الذي له العزة كلها , التي قهر بها جميع الأشياء , و انقاد له المخلوقات . الغفور عن المسيئين و المقصرين و المذنبين , خصوصا إذا تابوا و أنابوا , فإنه يغفر ذنوبهم , و لو بلغت عنان السماء , و يستر عيوبهم , و لو كانت ملء الدنيا . يتبع .... |
الذي خلق سبع سماوات طباقا ) أي سماء فوق سماء , لكن من غير مماسة , إذا ما بين كل سماء و أخرى هواء و فراغ مسيرة خمسمائة عام . ( ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت ) أي ليس في خلق الله تعالى نقص أو عيب أو خلل . ( فارجع البصر هل ترى من فُطور ) أي : إن شككت , فكرر النظر إلى السماء و تأملها , هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا أو شقوق . ( ثم ارجع البصر كرتين ) أي مرتين , مرة بعد مرة . و المراد بذلك كثرة التكرار , ابتغاء الخلل و الفساد و العبث . ( ينقلب إليك البصر خاسئا ) يرجع إليك البصر ذليلا عاجزا عن أن يرى خللا أو عيبا , و لو حرصت غاية الحرص . ( و هو حسير ) أي : كليل تعب , و قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرار , و لا يرى نقصا . يتبع ... |
و لقد زيّنّا السّماء الدنيا بمصابيح ) و لقد جمّلنا السماء التي ترونها – و هي الدانية من الأرض القريبة منها – بالنجوم و الكواكب التي وضعت فيها من السيارات و الثوابت , لأنه لولا ما فيها من النجوم و الكواكب لكان سقفا مظلما , لا حسن فيه و لا جمال . و سميت الكواكب و النجوم بمصابيح لإضاءتها . و كذلك الصبح , إنما قيل له صبح , للضوء الذي يضيء للناس من النهار . ( و جعلناها رجوما للشياطين ) أي هذه النجوم و الكواكب جعلناها رجوما للشياطين ترجم بها الملائكة شياطين الجن الذين يريدون استراق السمع من كلام الملائكة – في السماء الدنيا – حتى لا يفتنوا الناس في الأرض عن دين الله عز وجل . و هذه الآية مثل قوله تعالى في سورة الصافات " إنّا زيّنّا السماء الدنيا بزينة الكواكب , و حفظا من كلّ شيطان مّارد , لا يسّمّعون إلى الملأ الأعلى و يقذفون من كلّ جانب , دُحورا و لهم عذاب واصب , إلاّ من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب " . قال قتادة : إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال : خلقها زينة للسماء , و رجوما للشياطين , و علامات يهتدى بها , فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه و أخطأ حظه , و أضاع نصيبه , و تكلف ما لا علم له به . هذه الشهب التي ترمى من النجوم , أعدها الله في الدنيا للشياطين , أما في الآخرة فقد قال الله تعالى ( و أعتدنا لهم عذاب السعير ) أي : و هيأنا للشياطين – لأنهم تمردوا على الله , و أضلوا عباده – عذاب السعير يعذبون به يوم القيامة كسائر الكافرين من الإنس و الجن . يتبع .. |
( و للذين كفروا بربّهم عذاب جهنّم و بئس المصير ) إن للذين جحدوا – من الإنس و الجن – ألوهية الله سبحانه و تعالى و لقاءه , فما عبدوه و لا آمنوا به , عذاب جهنم , و بئس المآل و المنقلب . ( إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا ) إذا ألقي الكافرون في النار – على وجه الإهانة و الذل – سمعوا لها صوتا عاليا فظيعا مزعجا كصوت الحمار إذا شهق أو نهق . ( و هي تفور ) قال الثوري : تغلي بهم كما يغلي الحَبّ القليل في الماء الكثير . ( تكاد تميّز من الغيظ ) تكاد جهنم على اجتماعها أن يفارق بعضها بعضا , و تتقطع من شدة غيظها و حنقها على الكفار , فما ظنك ما تفعل بهم , إذا حصلوا فيها ؟!! ( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير , قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذّبنا و قلنا ما نزّل الله من شيء إن أنتم إلاّ في ضلال كبير ) كلما ألقي في جهنم جماعة من الكفرة سألهم الملائكة الموكلون بالنار و عذابها – و هم الزبانية و عددهم تسعة عشر ملكا – سؤال توبيخ و تقريع , ألم يأتكم رسول من الله في الدنيا يدعوكم إلى الإيمان و الطاعة , و ينذركم هذا العذاب ؟ فأجابوا قائلين : نعم قد جاءنا نذير و لكن كذبنا الرسل و أفرطنا في التكذيب , حتى نفينا الإنزال و الإرسال رأسًا , و بالغنا في نسبتهم إلى الضلال . ( و قالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السّعير ) و قالوا معترفين بعدم أهليتهم للهدى و الرشاد : لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزل الله من الحق , لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله و الإغترار به , و ما كنّا في أصحاب النار , و لكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل , و لا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم . ( فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ) أي : فأقروا بجحدهم الحق , و تكذيبهم الرسل , فبعدا لهم بعدا من رحمة الله . لأنهم سواء اعترفوا بذنبهم أو أنكروه , فإن ذلك لا ينفعهم , و أن مقرهم سيبقى هو هو جهنم و بئس المصير . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لن يهلِك الناس حتى يَعذِروا – أو يُعذِروا – من أنفسهم " رواه أبو داود و صححه الألباني . يتبع ... |
لما ذكر الله تعالى حالة الأشقياء الفجار , ذكر حالة السعداء الأبرار , فقال : ( إن الذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرة و أجر كبير ) إن الذين يخافون الله تعالى في جميع أحوالهم - حتى في الحالة التي لا يطلع عليهم فيها إلا هو سبحانه و تعالى , فإنهم لا يقدمون على معاصيه , و لا يقصرون فيما أمر به - لهم مغفرة لذنوبهم , و إذا غفر الله ذنوبهم , و قاهم شرها , و وقاهم عذاب الجحيم . و لهم أجر كبير و هو ما أعده الله لهم في الجنة , من النعيم المقيم , و الملك الكبير , و اللذات المتواصلات و المشتهيات , و القصور و المنازل العاليات , و الحور الحسان , و الخدم و الولدان . و أعظم من ذلك و أكبر رضا الرحمن , الذي يحله الله على أهل الجنان . ( و أسروا قولكم أو اجهروا به إنّه عليم بذات الصّدور ) هذا إخبار من الله تعالى بسعة علمه , و شمول لطفه , فسواء جهرتم بالقول أو أخفيتموه عن الناس أو في الصدور , فإنه سبحانه و تعالى مطلع على ذلك , عالم به , لا يخفى عليه منها شيء . بل إن الجهر و السر عنده سواء . ( و هو اللطيف الخبير ) أي : اللطيف بعباده , الخبير بأعمالهم , حتى أدرك السرائر و الضمائر , و الخبايا و الخفايا و الغيوب . و من معاني اللطيف , أنه الذي يلطف بعبده و وليه , فيسوق إليه البر و الإحسان من حيث لا يشعر , و يعصمه من الشر من حيث لا يحتسب , و يرقيه إلى أعلى المراتب بأسباب لا تكون من العبد على بال , حتى إنه يذيقه المكاره , ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة , و المقامات النبيلة . قال الغزالي : إنما يستحق اسم اللطيف من يعلم دقائق الأمور و غوامضها , و ما لطف منها , ثم يسلك في إيصال ما يصلحها سبيل الرفق , دون العنف , و الخبير هو الذي لا يعزب عن علمه الأمور الباطنة , فلا تتحرك في الملك و الملكوت ذرة , و لا تسكن أو تضطرب نفس , إلا و عنده خبرها , و هو بمعنى العليم . يتبع .... |
لما ذكر الله تعالى حالة الأشقياء الفجار , ذكر حالة السعداء الأبرار , فقال : ( إن الذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرة و أجر كبير ) إن الذين يخافون الله تعالى في جميع أحوالهم - حتى في الحالة التي لا يطلع عليهم فيها إلا هو سبحانه و تعالى , فإنهم لا يقدمون على معاصيه , و لا يقصرون فيما أمر به - لهم مغفرة لذنوبهم , و إذا غفر الله ذنوبهم , و قاهم شرها , و وقاهم عذاب الجحيم . و لهم أجر كبير و هو ما أعده الله لهم في الجنة , من النعيم المقيم , و الملك الكبير , و اللذات المتواصلات و المشتهيات , و القصور و المنازل العاليات , و الحور الحسان , و الخدم و الولدان . و أعظم من ذلك و أكبر رضا الرحمن , الذي يحله الله على أهل الجنان . ( و أسروا قولكم أو اجهروا به إنّه عليم بذات الصّدور ) هذا إخبار من الله تعالى بسعة علمه , و شمول لطفه , فسواء جهرتم بالقول أو أخفيتموه عن الناس أو في الصدور , فإنه سبحانه و تعالى مطلع على ذلك , عالم به , لا يخفى عليه منها شيء . بل إن الجهر و السر عنده سواء . ( ألا يعلم من خلق ) أي : كيف لا يعلم سركم كما يعلم جهركم و هو الخالق لكم , فالخالق يعرف مخلوقه . ( و هو اللطيف الخبير ) أي : اللطيف بعباده , الخبير بأعمالهم , حتى أدرك السرائر و الضمائر , و الخبايا و الخفايا و الغيوب . و من معاني اللطيف , أنه الذي يلطف بعبده و وليه , فيسوق إليه البر و الإحسان من حيث لا يشعر , و يعصمه من الشر من حيث لا يحتسب , و يرقيه إلى أعلى المراتب بأسباب لا تكون من العبد على بال , حتى إنه يذيقه المكاره , ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة , و المقامات النبيلة . قال الغزالي : إنما يستحق اسم اللطيف من يعلم دقائق الأمور و غوامضها , و ما لطف منها , ثم يسلك في إيصال ما يصلحها سبيل الرفق , دون العنف , و الخبير هو الذي لا يعزب عن علمه الأمور الباطنة , فلا تتحرك في الملك و الملكوت ذرة , و لا تسكن أو تضطرب نفس , إلا و عنده خبرها , و هو بمعنى العليم . يتبع .... |
( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ) أي : هو الذي سخر لكم الأرض فجعلها ساكنة لينة سهلة المسالك و سهلة للمشي و السير عليها , و أنبع فيها من العيون , و هيأ فيها من المنافع و مواضع الزروع و الثمار , حتى تدركوا منها كل ما تعلقت به حاجاتكم , من غرس و بناء و حرث , و طرق يتوصل بها إلى الأقطار النائية و البلدان الشاسعة . ( فامشوا في مناكبها ) فامشوا و سافروا حيث شئتم من أقطارها , و ترددوا في أقاليمها و أرجائها - شرقا و غربا - في طلب الرزق و أنواع المكاسب و التجارات . ( و كلوا من رزقه ) أي : إلتمسوا من نعمه تعالى و كلوا من رزقه الذي خلق لكم . قال الشهاب : فالأكل و الرزق , أريد به طلب النعم مطلقا , و تحصيلها أكلا و غيره . قال : و أنت إذا تأملت نعيم الدنيا , و ما فيها , لم تجد شيئا منها على المرء غير ما أكله , و ما سواه متمم له , أو دافع للضرر عنه . ( و إليه النشور ) أي : إليه سبحانه و تعالى المرجع يوم القيامة , فتبعثون بعد موتكم , و تحشرون إليه عز و جل , ليجازيكم بأعمالكم الحسنة و السيئة . يتبع ... |
( أأمنتم من في السّماء أن يخسف بكم الأرض ) هذا تهديد و وعيد من الله تعالى لمن استمر في طغيانه و تعدِّيه , و عصيانه الموجب للنكال و حلول العقوبة . و معناه : أأمنتم عذاب من في السماء – و هو الله تعالى العليُّ الأعلى – أن يخسف بكم الأرض لتهلكوا كلكم في جوفها , فيغيبكم إلى أسفل سافلين . و في هذا الإستفهام ينكر عليهم أمنهم من الخسوف بهم و هم قائمون على معاصي توجب لهم ذلك . ( فإذا هي تمور ) أي تضطرب و تهتز هزا شديدا بكم , و ترتفع فوقكم , و تنقلب عليكم حتى تتلفكم و تهلككم . ( أم أمنتم مّن في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ) أن يرسل عليكم ريحا عاصفا ترميكم بالحصباء الصغار فتهلككم . قال تعالى " أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البرّ أو يرسل عليكم حاصبا ثمّ لا تجدوا لكم وكيلا " . و الإستفهام الذي في الآية هو إنكاري تعجبي , ينكر عليهم أمنهم من عذاب الله بإرسال حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط فتهلكهم كما أهلكتهم , إذ هم قائمين على تكذيبهم و شركهم و كفرهم . ( فستعلمون كيف نذير ) قال ابن جرير : أي عاقبة نذيري لكم , إذا كذّبتم به , و رددتموه على رسولي . ( و لقد كذب الذين من قبلهم ) و لقد كذب أقوام من الأمم السابقة و القرون الخالية – مع كونهم أشد منهم عددا و عُددا – رسلي حينما أنكروا عليهم الشرك و الكفر , فأهلكناهم . ( فكيف كان نكير ) فانظروا كيف كان إنكار الله عليهم , عاجلهم بالعقوبة الدنيوية قبل عقوبة الآخرة , فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم . قال القاضي : هو تسلية للرسول صلى الله عليه و سلم , و تهديد لقومه المشركين . يتبع ... |
( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات و يقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن ) أولم ينظروا إلى الطير الذي سخر الله له الجو و الهواء , تبسط و تقبض أجنحتها للطيران , فما يمسكها عن الوقوع من السماء في حالة البسط أو القبض إلا الرحمن – جل جلاله و عظم سلطانه – بما شاء من السنن و النواميس التي يحكم بها خلقه و يدبر بها ملكوته , قال تعالى : " أولم يروا إلى الطير مُسخَّرات في جو السّماء ما يمسكهن إلاّ الله إنّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون " . و هذا دال على قدرة الله تعالى و علمه و رحمته الموجبة لعبادته وحده , فكيف ينكر المشركون و الكفار ألوهيته و رحمته ؟! إنّ هذا لعجب العجاب . ( إنّه بكل شيء بصير ) أي : بما يصلح كل شيء من مخلوقاته . قال القاشاني : فيعطيه ما يليق به , و يسوِّيه بحسب مشيئته , و يودع فيه ما يريده بمقتضى حكمته , ثم يهديه إليه بتوفيقه . ( أمّن هذا الذي هو جُندٌ لكم ينصركم مّن دون الرحمن ) يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا غيره , يبتغون عندهم نصرا و رزقا , مُنكرا عليهم فيما اعتقدوه , و مُخبرا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه : من هذا الذي يعينكم و ينصركم - من دون الله تعالى – إذا أراد بكم الرحمن – سبحانه و تعالى – سوءًا , فيدفعه عنكم ؟ و من الذي ينصركم على أعدائكم غير الرحمن ؟ فإنه تعالى هو الناصر المعز المذل , و غيره من الخلق لو اجتمعوا على نصر عبد , لم ينفعوه مثقال ذرة , على أيّ عدوّ كان . و الإستفهام للتبكيت و التأنيب و الإضراب الإنتقالي إذ تنقل من توبيخهم على عدم التأمل فيما يشاهدونه من أحوال الطير المُنْبئة عن آثار قدرة الله و رحمته إلى التبكيت بضعفهم و قلة الناصر لهم سوى الرحمن الذي يكفرون به . ( إنّ الكافرون إلاّ في غرور ) إن استمرار الكافرين على كفرهم , بعد أن علموا أنه لا ينصرهم أحد من دون الرحمن , غرور و سَفَهٌ . ( أمّن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ) من هذا الذي يطعمكم و يسقيكم و يأتي بأقواتكم إن أمسك الله ربكم رزقه عنكم , فلو قطع عليكم المطر ما أتاكم به أحد غير الله , لأن لا أحد يعطي و يمنع و يخلق و يرزق , و ينصر إلا الله عز وجل , وحده لا شريك له . و أصلا الخلق لا يقدرون على رزق أنفسهم , فكيف بغيرهم ؟ ( بل لّجّوا في عتُّوٍّ و نفور ) بالرغم من علمهم أن الله تعالى هو الناصر الرازق و بالرغم من هذا التبكيت و التأنيب , استمر الكافرون في طغيانهم و إفكهم و ضلالهم , معاندة و استكبارا و نفورا على أدبارهم عن الحق , لا يسمعون له و لا يتبعونه , و أصرّوا على اعتقاد أنهم يُحفظون من النوائب , و يُرزقون ببركة آلهتهم , و أنهم الجند الناصر الرازق , مكابرة و عنادًا . يتبع ... |
أفمن يمشي مُكبّا على وجهه أهدى , أمّن يمشي سويّا على صراط مّستقيم ) أي : أيّ الرجلين أهدى ؟ من كان تائها في الضلال , غارقا في الكفر قد انتكس قلبه , فصار الحق عنده باطلا , و الباطل حقا ؟ و من كان عالما بالحق , مؤثرا له , عاملا به , يمشي على الصراط المستقيم في أقواله و أعماله و جميع أحواله ؟ فبمجرد النظر إلى حال هذين الرجلين , يعلم الفرق بينهما , و المهتدي و الضال منهما , و الأحوال أكثر شاهد من الأقوال . ثم إن في الآخرة أيضا , المؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم , مُفضى به إلى الجنة الفيحاء , و أما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجه إلى نار جهنم . عن أنس بن مالك قال : قيل يا رسول الله , كيف يحشر الناس على وجوههم ؟ فقال : " أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم " رواه البخاري و مسلم . ( قُل هو الذي أنشأكم و جعل لكم السّمع و الأبصار و الأفئدة ) أي : هو المستحق للعبادة وحده , و سلوك صراطه , لأنه هو الذي أوجدكم من العدم - أي بعد أن لم تكونو شيئا مذكورا - من غير معاون له و لا مُظاهر , و لما خلقكم , كمّل لكم الوجود بالسمع و الأبصار و القلوب , التي هي أنفع أعضاء البدن , و أكمل القوى الجسمانية . ( قليلا ما تشكرون ) أي : قلّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته و امتثال أوامره و ترك زواجره . ( قل هو الذي ذرأكم في الأرض ) هو الذي خلقكم في الأرض و بثكم و نشركم في أقطارها و أرجائها , مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم , و ألوانكم و أشكالكم , لتعبدوه , و تقوموا بالقسط الذي أمر به . ( و إليه تحشرون ) أي : تُجمعون بعد هذا التفرق و الشتات - للحساب و الجزاء - , يجمعكم كما فرقكم و يعيدكم كما بدأكم . يتبع ... |
( و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) أي : و يقول الكافرون لرسول الله صلى الله عليه و سلم و المؤمنين : متى يجيء هذا الوعد الذي تعدوننا به و هو يوم القيامة ؟ ( قل إنّما العلم عند الله ) و هي كقوله تعالى " قل إنما علمها عند ربي " فلا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله عز و جل , و لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن و واقع لا محالة فاحذروه . ( و إنما أنا نذير مبين ) و إنما أنا عليَّ البلاغ , و قد أديته إليكم . ( فلمّا رأوه زلفة سيئة وجوه الذين كفروا و قيل هذا الذي كنتم به تدَّعون ) لما قامت القيامة و شاهدها الكفار , و رأوا أن الأمر كان قريبا , لأن كل ما هو آتٍ آتٍ و إن طال زمنه , فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك و أفظعهم , و قلقل أفئدتهم , فتغيرت وجوههم من الكآبة و الغم و الإنكسار و الحزن . لما يعلمون ما لهم هناك من شر . قال تعالى : " و بدا لهم سيئات ما كسبوا و حاق بهم مّا كانوا به يستهزئون " , و لهذا يقال لهم على وجه التقريع و التوبيخ , هذا الذي كنتم به تكذبون , و هذا الذي كنتم به تطلبون و تستعجلون , متحدّين رسولنا و المؤمنين , فاليوم رأيتموه عيانا , و انجلى لكم الأمر , و تقطعت بكم الأسباب و لم يبق إلا مباشرة العذاب . ( قل أرءيتم إن أهلكني الله و من معيَّ أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ) لما كان المكذبون للرسول صلى الله عليه و سلم , الذين يردون رسالته , و ينتظرون هلاكه و موته , تخلصًا من دعوته و انتشارها . أمره الله تعالى أن يقول لهم : خلِّصوا أنفسكم , فإنه لا منقذ لكم من الله إلا التوبة و الإنابة , و الرجوع إلى دينه , و لا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب و النَّكال , فسواء عذبنا الله أو رحمنا , فلا مناص لكم من نكاله و عذابه الأليم الواقع بكم . ( قل هو الرَّحمن ءامنَّا به و عليه توكلنا , فستعلمون من هو في ضلال مبين ) أي : آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم , و عليه اعتمدنا في جميع أمورنا , لا على ما تتكلون عليه من رجالكم و أموالكم , و إنه في يوم ما سوف تعلمون من هو في ضلال ممن هو على صراط مستقيم . ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بما معين ) أي : قل لهؤلاء المشركين يا رسولنا تذكيرا لهم : أخبروني إن أصبح ماؤكم الذي تشربون منه , ذاهبا في الأرض إلى أسفل , فلا يُنال بالفئوس الحداد , و لا السواعد الشداد , فمن يأتيكم بماء نابع سائح جار على وجه الأرض ؟ الجواب : لا أحد . لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عز و جل , إذا فلم لا تؤمنون به و توحدونه في عبادته و تتقربون إليه بالعبادات التي شرع لعباده أن يعبدوه بها ؟ |
| الساعة الآن 05:52 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas